Fath Al-Qadir Al-Shawkani — النمل 27:82 – القصص 28:13
المحتويات
النمل 27:82
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.
النمل 27:83
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
النمل 27:84
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
النمل 27:85
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
النمل 27:86
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
النمل 27:87
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
النمل 27:88
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
النمل 27:89
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
النمل 27:90
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
النمل 27:91
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
النمل 27:92
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
النمل 27:93
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
القصص 28:1
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
القصص 28:2
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
القصص 28:3
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
القصص 28:4
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
القصص 28:5
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
القصص 28:6
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
القصص 28:7
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
القصص 28:8
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
القصص 28:9
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
القصص 28:10
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
القصص 28:11
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
القصص 28:12
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - طَرَفًا مُجْمَلًا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والحَشْرُ الجَمْعُ.
قِيلَ: والمُرادُ (p-١٠٩٠)بِهَذا الحَشْرِ هو حَشْرُ العَذابِ بَعْدَ الحَشْرِ الكُلِّيِّ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَوْجُ: الجَماعَةُ كالزُّمْرَةِ، ومِن في ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:
؎وكَمْ وزَعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلِ
ومَعْنى الآيَةِ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ يَوْمًا نَجْمَعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ جَماعَةً مُكَذِّبِينَ بِآياتِنا فَهم عِنْدَ ذَلِكَ الحَشْرِ يَرُدُّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ أوْ يَدْفَعُونَ: أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا أوْ بَيِّنْهُ تَحْذِيرًا لَهم وتَرْهِيبًا.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ قالَ اللَّهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلى رُسُلِي، وأمَرْتُهم بِإبْلاغِها إلَيْكم " و" الحالُ أنَّكم ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ بَلْ كَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ بَدْءٍ جاهِلِينَ لَها غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها ولا مُسْتَدِلِّينَ عَلى صِحَّتِها أوْ بُطْلانِها تَمَرُّدًا وعِنادًا وجُرْأةً عَلى اللَّهِ وعَلى رُسُلِهِ، وفي هَذا مَزِيدُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِشَيْءٍ ولَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَّبَ في تَكْذِيبِهِ، ونادى عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَدَمِ الإنْصافِ، وسُوءِ الفَهْمِ، وقُصُورِ الإدْراكِ، ومِن هَذا القَبِيلِ مَن تَصَدّى لِذَمِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ لِذَمِّ عِلْمٍ هو مُقَدَّمَةٌ مِن مُقَدَّماتِها، ووَسِيلَةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلَيْها، ويُفِيدُ زِيادَةَ بَصِيرَةٍ في مَعْرِفَتِها، وتَعَقُّلِ مَعانِيها كَعُلُومِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِأسْرِها، وهي اثْنا عَشَرَ عِلْمًا، وعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ فَإنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ قَواعِدِ اللُّغَةِ الكُلِّيَّةِ، وهَكَذا كُلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لَها مَزِيدُ نَفْعٍ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ قَدْ نادى عَلى نَفْسِهِ بِأرْفَعِ صَوْتٍ بِأنَّهُ جاهِلٌ مُجادِلٌ بِالباطِلِ طاعِنٌ عَلى العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، مُسْتَحِقٌّ لِأنْ تَنْزِلَ بِهِ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ جَهْلِهِ وضَلالِهِ وطَعْنِهِ عَلى ما لا يَعْرِفُهُ، ولا يَعْلَمُ بِهِ، ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ حَتّى يَصِيرَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، ومَوْعِظَةً يَتَّعِظُ بِها أمْثالُهُ مِن ضِعافِ العُقُولِ ورِكاكِ الأدْيانِ، ورَعاعِ المُتَلَبِّسِينَ بِالعِلْمِ زُورًا وكَذِبًا، وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى شَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في مَعانِيها، وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لَهم.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: وجَبَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الظُّلْمِ الَّذِي أعْظَمُ أنْواعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمِ أيْ: لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَنْطِقُونَ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى القَوْلِ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأهْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ، وعَلى الحَشْرِ، وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ وإبْلاءً لِلْمَعْذِرَةِ.
فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ، والِاسْتِقْرارِ والنَّوْمِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَإنَّهم لا يَسْعَوْنَ فِيهِ لِلْمَعاشِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيُبْصِرُوا فِيهِ ما يَسْعَوْنَ لَهُ مِنَ المَعاشِ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهم، ووَصْفُ النَّهارِ بِالإبْصارِ، وهو وصْفٌ لِلنّاسِ مُبالَغَةٌ في إضاءَتِهِ كَأنَّهُ يُبْصِرُ ما فِيهِ.
قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا، وحَذَفَ مُظْلِمًا لِدَلالَةِ مُبْصِرًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في الإسْراءِ وفي يُونُسَ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَآياتٍ أيْ: عَلاماتٍ ودَلالاتٍ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عَلامَةً أُخْرى لِلْقِيامَةِ فَقالَ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ المُتَقَدِّمِ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى: وذَلِكم يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، والأوَّلُ أوْلى.
والصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ اسْتِيفاءُ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والنَّفَخاتُ في الصُّورِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقِيلَ: إنَّها نَفْخَتانِ، وإنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ إمّا أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى نَفْخَةِ الصَّعْقِ أوْ إلى نَفْخَةِ البَعْثِ، واخْتارَ هَذا القُشَيْرِيُّ والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: هَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ هُنا يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خافُوا وانْزَعَجُوا لِشِدَّةِ ما سَمِعُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هُنا: الإسْراعُ والإجابَةُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِهِمْ فَزِعْتُ إلَيْكَ في كَذا: إذا أسْرَعْتُ إلى إجابَتِكَ، والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مُضارِعٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَسْبَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لِأنَّ المَعْنى إذا نَفَخَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَفْزَعَ عِنْدَ تِلْكَ النَّفْخَةِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ مَن وقَعَ الِاسْتِثْناءُ لَهُ، فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ والأنْبِياءُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الحُورُ العَيْنُ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ كافَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ شامِلًا لِجَمِيعِ المَذْكُورِينَ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " آتُوهُ " عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أتَوْهُ فِعْلًا ماضِيًا، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ " وكُلٌّ أتاهُ " .
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَن قَرَأ عَلى الفِعْلِ الماضِي فَقَدْ وحَّدَ عَلى لَفْظِ كُلٍّ، ومَن قَرَأ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَقَدْ جَمَعَ عَلى مَعْناهُ، وهو غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ لا تَوْحِيدَ فِيها، بَلِ التَّوْحِيدُ في قِراءَةِ قَتادَةَ فَقَطْ، ومَعْنى داخِرِينَ صاغِرِينَ ذَلِيلِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " داخِرِينَ " وقَرَأ الأعْرَجُ " دَخِرِينَ " بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يُنْفَخُ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، و﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ (p-١٠٩١)الجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ ضَعْفٌ، وهَذِهِ هي العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، ومَعْنى ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ساكِنَةً، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وهي تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا كَسَيْرِ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الجِبالَ تُجْمَعُ وتُسَيَّرُ وهي في رُؤْيَةِ العَيْنِ كالقائِمَةِ وهي تَسِيرُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبأ: ٢٠] قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " تَحْسَبُها " بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ انْتِصابُ " صُنْعَ " عَلى المَصْدَرِيَّةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِما أيْ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ: انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي أحْكَمَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ تِقْنٌ أيْ: حاذِقٌ بِالأشْياءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - صَنَعَ ما صَنَعَ وأتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
والخَبِيرُ: المُطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ والضَّمائِرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ أيْ: مَن جاءَ بِجِنْسِ الحَسَنَةِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ والثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنها أيْ: أفْضَلُ مِنها وأكْثَرُ، وقِيلَ: خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَسَنَةِ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هي الإخْلاصُ، وقِيلَ: أداءُ الفَرائِضِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ.
قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ .
قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وهم مِن فَزَعٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحِ مِيمِ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإضافَةِ فَزَعٍ إلى يَوْمَئِذٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّهُ أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ لِأنَّ مَعْناهُ: الأمْنُ مِن فَزَعِ جَمِيعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الأمْنُ مِن فَزَعٍ دُونَ فَزَعٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ فَلا يَتِمُّ التَّرْجِيحُ بِما ذَكَرَ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَزَعِ هاهُنا هو الفَزَعُ الأكْبَرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ نَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِكَوْنِ الإعْرابِ فِيهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، ولَمّا كانَتْ إضافَةُ الفَزَعِ إلى ظَرْفٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بُنِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ كَلامٌ في هَذا مُسْتَوْفًى.
﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ .
قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ هُنا الشِّرْكُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَهَذا الجَزاءُ لا يَكُونُ إلّا بِمِثْلِ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، ومَعْنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ أنَّهم كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ وأُلْقُوا فِيها وطُرِحُوا عَلَيْها، يُقالُ: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ فانْكَبَّ وأكَبَّ، وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ ذَلِكَ، والقائِلُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أيْ: ما تُجْزَوْنَ إلّا جَزاءَ عَمَلِكم.
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أخُصَّ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ: مَكَّةُ، وإنَّما خَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ لِكَوْنِ فِيها بَيْتُ اللَّهِ الحَرامِ، ولِكَوْنِها أحَبَّ البِلادِ إلى رَسُولِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ " الَّتِي حَرَّمَها " عَلى أنَّ المَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْبَلْدَةِ، ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيها دَمٌ، ولا يُظْلَمُ فِيها أحَدٌ، ولا يُصْطادُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا أيْ: ولِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ بِالطّاعَةِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ أنْ أكُونَ أنْ أثْبُتَ عَلى ما أنا عَلَيْهِ.
﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُداوِمَ تِلاوَتَهُ وأُواظِبَ عَلى ذَلِكَ.
قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ مِن تِلاوَةِ القُرْآنِ هُنا إلّا تِلاوَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ، والأوَّلُ أوْلى " فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ " لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ: فَمَنِ اهْتَدى عَلى العُمُومِ، أوْ فَمَنِ اهْتَدى بِما أتْلُوهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وأنْ أتْلُوَ " بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ اللّامِ عَلى أنَّهُ مِنَ التِّلاوَةِ وهي القِراءَةُ، أوْ مِنَ التِّلْوِ، وهو الِاتِّباعُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " وأنِ اتْلُ " بِحَذْفِ الواوِ أمْرًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَذا وجَّهَهُ الفَرّاءُ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ، وهي مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ المَصاحِفِ ﴿ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ بِالكُفْرِ وأعْرَضَ عَنِ الهِدايَةِ فَقُلْ لَهُ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ، وقَدْ فَعَلْتُ بِإبْلاغِ ذَلِكَ إلَيْكم ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَوَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، وأُقِيمَ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ مَقامَهُ لِكَوْنِهِ كالعِلَّةِ لَهُ.
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في أنْفُسِكم وفي غَيْرِكم فَتَعْرِفُونَها أيْ: تَعْرِفُونَ آياتِهِ، ودَلائِلَ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ المَعْرِفَةُ لا تَنْفَعُ الكُفّارَ لِأنَّهم عَرَفُوها حِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ الإيمانُ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كَلامٌ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ، وفِيهِ تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: داخِرِينَ قالَ: صاغِرِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ قالَ: قائِمَةً ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ: أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأوْثَقَهُ.
(p-١٠٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ»، وإذا صَحَّ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمَصِيرُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مُتَعَيَّنٌ ويُحْمَلُ عَلى أنَّ المُرادَ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِحَقِّها، وما يَجِبُ لَها، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ طاعَةٍ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في الكُنى عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جاءَ الإيمانُ والشِّرْكُ يَجْثُوانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْإيمانِ: انْطَلِقْ أنْتَ وأهْلُكَ إلى الجَنَّةِ، ويَقُولُ لِلشِّرْكِ: انْطَلِقِ أنْتَ وأهْلُكَ إلى النّارِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ ونَحْوِهِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ يَعْنِي شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ يَعْنِي بِالخَيْرِ الجَنَّةَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ وقالَ هَذِهِ تُنْجِي»، وهَذِهِ تُرْدِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: لَهُ مِنها خَيْرٌ، يَعْنِي مِن جِهَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ قالَ: ثَوابٌ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ أيْضًا قالَ: البَلْدَةُ مَكَّةُ.
القصص 28:13
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ النَّجّارِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القَصَصِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَ ذَلِكَ: قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ.
وقالَ ابْنُ سَلّامٍ: بِالجُحْفَةِ وقْتَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهي قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [ القَصَصِ: ٥٢: ٥٥ ] .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ: قالَ السُّيُوطِيُّ: سَنَدُهُ جَيِّدٌ عَنْ مَعْدِ يَكْرِبَ قالَ: «أتَيْنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَسَألْناهُ أنْ يَقْرَأ عَلَيْنا ﴿طسم﴾ المِائَتَيْنِ، فَقالَ: ما هي مَعِي، ولَكِنْ عَلَيْكم بِمَن أخَذَها مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، فَأتَيْتُ خَبّابًا فَقُلْتُ: كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ﴿طسم﴾ أوْ طس ؟ فَقالَ: كُلٌّ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
» الكَلامُ في فاتِحَةِ السُّورَةِ قَدْ مَرَّ في فاتِحَةِ الشُّعَراءِ وغَيْرِها فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ مَرَّ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، " وآياتُ " بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تِلْكَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ " نَتْلُو "، والمُبِينُ المُشْتَمِلُ عَلى بَيانِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مُبِينُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، والحَلالَ مِنَ الحَرامِ، وهو مِن أبانَ بِمَعْنى أظْهَرَ.
﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَأِ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: نُوحِي إلَيْكَ مِن خَبَرِهِما مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ التِّلاوَةَ إنَّما يَنْتَفِعُ بِها المُؤْمِنُ.
وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ نَتْلُو مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: نَتْلُو عَلَيْكَ شَيْئًا مِن نَبَئِهِما، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن مَزِيدَةً عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ أيْ: نَتْلُو عَلَيْكَ نَبَأ مُوسى وفِرْعَوْنَ، والأوْلى أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ عَلى تَقْدِيرِ المَفْعُولِ كَما ذُكِرَ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ، ولا مُلْجِئَ لِلْحُكْمِ بِزِيادَتِها، والحَقُّ الصِّدْقُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ وما بَعْدَها مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما أجْمَلَهُ مِنَ النَّبَأِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى عَلا تَكَبَّرَ وتَجَبَّرَ بِسُلْطانِهِ، والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ مِصْرَ.
وقِيلَ: مَعْنى عَلا: ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ، وقِيلَ: عَلا عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِ ﴿وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا﴾ أيْ: فِرَقًا وأصْنافًا في خِدْمَتِهِ يُشايِعُونَهُ عَلى ما يُرِيدُ ويُطِيعُونَهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ حالِ الأهْلِ الَّذِينَ جَعَلَهم فِرَقًا وأصْنافًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ جَعَلَ: أيْ: جَعَلَهم شِيَعًا حالَ كَوْنِهِمْ مُسْتَضْعَفًا طائِفَةٌ (p-١٠٩٣)مِنهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِطائِفَةٍ، والطّائِفَةُ هم بَنُو إسْرائِيلَ، وجُمْلَةُ ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِلْبَيانِ، أوْ حالًا، أوْ صِفَةً كالَّتِي قَبْلَها عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها بَدَلًا مِنها، وإنَّما كانَ فِرْعَوْنُ يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَتْرُكُ النِّساءَ، لِأنَّ المُنَجِّمِينَ في ذَلِكَ العَصْرِ أخْبَرُوهُ أنَّهُ يَذْهَبُ مُلْكُهُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ الزَّجّاجُ: والعَجَبُ مِن حُمْقِ فِرْعَوْنَ، فَإنَّ الكاهِنَ الَّذِي أخْبَرَهُ بِذَلِكَ إنْ كانَ صادِقًا عِنْدَهُ فَما يَنْفَعُ القَتْلُ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَلا مَعْنى لِلْقَتْلِ ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ في الأرْضِ بِالمَعاصِي والتَّجَبُّرِ، وفِيهِ بَيانٌ أنَّ القَتْلَ مِن فِعْلِ أهْلِ الإفْسادِ.
﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ جاءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالَةِ الماضِيَةِ.
واسْتِحْضارِ صُوَرِها أيْ: نُرِيدُ أنْ نَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ اسْتِضْعافِهِمْ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ بَنُو إسْرائِيلَ، والواوُ في ونُرِيدُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا﴾ وإنْ كانَتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها اسْمِيَّةً، لِأنَّ بَيْنَهُما تَناسُبًا مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما لِلتَّفْسِيرِ والبَيانِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ يَسْتَضْعِفُ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: ونَحْنُ نُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎نَجَوْتُ وأرْهَنْتُهم مالِكًا
والأوَّلُ أوْلى ﴿ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ أيْ: قادَةً في الخَيْرِ ودُعاةً إلَيْهِ، ووُلاةً عَلى النّاسِ ومُلُوكًا فِيهِمْ ﴿ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ لِمُلْكِ فِرْعَوْنَ ومَساكِنِ القِبْطِ وأمْلاكِهِمْ، فَيَكُونُ مُلْكُ فِرْعَوْنَ فِيهِمْ ويَسْكُنُونَ في مَساكِنِهِ ومَساكِنَ قَوْمِهِ، ويَنْتَفِعُونَ بِأمْلاكِهِ وأمْلاكِهِمْ.
﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ﴾ أيْ: نَجْعَلَهم مُقْتَدِرِينَ عَلَيْها وعَلى أهْلِها مُسَلَّطِينَ عَلى ذَلِكَ يَتَصَرَّفُونَ بِهِ كَيْفَ شاءُوا.
قَرَأ الجُمْهُورُ " نُمَكِّنَ " بِدُونِ لامٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ " لِنُمَكِّنَ " بِلامِ العِلَّةِ ﴿ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نُرِيَ " بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " ويَرى " بِفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ والرّاءِ، والفاعِلُ فِرْعَوْنُ.
والقِراءَةُ الأُولى ألْصَقُ بِالسِّياقِ لِأنَّ قَبْلَها نُرِيدُ ونَجْعَلُ ونُمَكِّنُ بِالنُّونِ.
وأجازَ الفَرّاءُ " ويُرِي فِرْعَوْنَ " بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ الرّاءِ أيْ: ويُرِي اللَّهُ فِرْعَوْنَ، ومَعْنى مِنهم مِن أُولَئِكَ المُسْتَضْعَفِينَ ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ المَوْصُولُ هو المَفْعُولُ الثّانِي عَلى القِراءَةِ الأُولى، والمَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُرِيهِمْ، أوْ يَرَوْنَ هُمُ الَّذِي كانُوا يَحْذَرُونَ مِنهُ ويَجْتَهِدُونَ في دَفْعِهِ مِن ذَهابِ مُلْكِهِمْ وهَلاكِهِمْ عَلى يَدِ المَوْلُودِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ المُسْتَضْعَفِينَ.
﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنِ أرْضِعِيهِ﴾ أيْ: ألْهَمْناها وقَذَفْنا في قَلْبِها ولَيْسَ ذَلِكَ هو الوَحْيُ الَّذِي يُوحى إلى الرُّسُلِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ رُؤْيا في مَنامِها، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ بِمَلِكٍ أرْسَلَهُ اللَّهُ يُعْلِمُها بِذَلِكَ.
وقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّها لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً، وإنَّما كانَ إرْسالُ المَلِكِ إلَيْها عِنْدَ مَن قالَ بِهِ عَلى نَحْوِ تَكْلِيمِ المَلِكِ لِلْأقْرَعِ والأبْرَصِ والأعْمى كَما في الحَدِيثِ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وقَدْ سَلَّمَتْ عَلى عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ المَلائِكَةُ كَما في الحَدِيثِ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ فَلَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ نَبِيًّا، وأنْ في ﴿أنْ أرْضِعِيهِ﴾ المُفَسِّرَةُ، لِأنَّ في الوَحْيِ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: بِأنْ أرْضِعِيهِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِكَسْرِ نُونِ أنْ، ووَصْلِ هَمْزَةِ أرْضِعِيهِ فالكَسْرُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وحَذْفُ هَمْزَةِ الوَصْلِ عَلى غَيْرِ القِياسِ ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ مِن فِرْعَوْنَ بِأنْ يَبْلُغَ خَبَرُهُ إلَيْهِ ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ وهو بَحْرُ النِّيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الكَيْفِيَّةِ الَّتِي ألْقَتْهُ في اليَمِّ عَلَيْها في سُورَةِ طه ﴿ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي﴾ أيْ: لا تَخافِي عَلَيْهِ الغَرَقَ أوِ الضَّيْعَةَ، ولا تَحْزَنِي لِفِراقِهِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ عَنْ قَرِيبٍ عَلى وجْهٍ تَكُونُ بِهِ نَجاتُهُ ﴿وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ الَّذِينَ نُرْسِلُهم إلى العِبادِ، والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ هي الفَصِيحَةُ، والِالتِقاطُ: إصابَةُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ طَلَبٍ، والمُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ هُمُ الَّذِينَ أخَذُوا التّابُوتَ الَّذِي فِيهِ مُوسى مِنَ البَحْرِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ فَألْقَتْهُ في اليَمِّ بَعْدَ ما جَعَلَتْهُ في التّابُوتِ فالتَقَطَهُ مَن وجَدَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، واللّامُ في ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ لامُ العاقِبَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُمُ أخَذُوهُ لِيَكُونَ لَهم ولَدًا وقُرَّةَ عَيْنٍ لا لِيَكُونَ عَدُوًّا فَكانَ عاقِبَةُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ العَداوَةُ نَتِيجَةً لِفِعْلِهِمْ وثَمَرَةً لَهُ شُبِّهَتْ بِالدّاعِي الَّذِي يَفْعَلُ الفاعِلُ الفِعْلَ لِأجْلِهِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرابِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ولِلْمَنايا تُرَبِّي كُلُّ مُرْضِعَةٍ ∗∗∗ ودُورُنا لِخَرابِ الدَّهْرِ نَبْنِيها
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وحَزَنًا﴾ بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ، وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " وحُزْنًا " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، وهُما لُغَتانِ كالعَدَمِ والعُدْمِ، والرَّشَدِ والرُّشْدِ، والسَّقَمِ والسُّقْمِ، وجُمْلَةُ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلِها، أوْ لِلِاعْتِراضِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى خاطِئِينَ: عاصِينَ آثِمِينَ في كُلِّ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَطَأِ المُقابِلِ لِلصَّوابِ، وقُرِئَ " خاطِينَ " بِياءٍ مِن دُونِ هَمْزَةٍ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ مَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولَكِنَّها خُفِّفَتْ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن خَطا يَخْطُو أيْ: تَجاوَزَ الصَّوابَ.
﴿وقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ أيْ: قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ لِفِرْعَوْنَ، وارْتِفاعُ " قُرَّةُ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ.
وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ، والأوَّلُ أوْلى.
وكانَ قَوْلُها لِهَذا القَوْلِ عِنْدَ رُؤْيَتِها لَهُ لَمّا وصَلَ إلَيْها وأخْرَجَتْهُ مِنَ التّابُوتِ وخاطَبَتْ بِقَوْلِها ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ فِرْعَوْنَ ومَن عِنْدَهُ مِن قَوْمِهِ، أوْ فِرْعَوْنَ وحْدَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْظِيمِ لَهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ لا تَقْتُلُوهُ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ " (p-١٠٩٤)ويَجُوزُ نَصْبُ قُرَّةٍ بِقَوْلِهِ " لا تَقْتُلُوهُ " عَلى الِاشْتِغالِ.
وقِيلَ: إنَّها قالَتْ: لا تَقْتُلُوهُ فَإنَّ اللَّهَ أتى بِهِ مِن أرْضٍ بَعِيدَةٍ ولَيْسَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
ثُمَّ عَلَّلَتْ ما قالَتْهُ بِالتَّرَجِّي مِنها لِحُصُولِ النَّفْعِ مِنهُ لَهم، أوِ التَّبَنِّي لَهُ فَقالَتْ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ فَنُصِيبَ مِنهُ خَيْرًا ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ وكانَتْ لا تَلِدُ فاسْتَوْهَبَتْهُ مِن فِرْعَوْنَ فَوَهَبَهُ لَها، وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم عَلى خَطَأٍ في التِقاطِهِ، ولا يَشْعُرُونَ أنَّ هَلاكَهم عَلى يَدِهِ، فَتَكُونُ حالًا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وهي مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
وقِيلَ: هي مِن كَلامِ المَرْأةِ أيْ: وبَنُو إسْرائِيلَ لا يَدْرُونَ أنّا التَقَطْناهُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا.
وقَدْ حَكى الفَرّاءُ عَنِ السُّدِّيِّ عَنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ واعْتَرَضَهُ بِكَلامٍ يَرْجِعُ إلى اللَّفْظِ.
ويَكْفِي في رَدِّهِ ضَعْفُ إسْنادِهِ ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ فارِغٌ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن أمْرِ مُوسى كَأنَّها لَمْ تَهْتَمَّ بِشَيْءٍ سِواهُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خالِيًا مِن ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ في الدُّنْيا إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى وقالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ وابْنُ زَيْدٍ: فارِغًا مِمّا أُوحِيَ إلَيْها مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي﴾ وذَلِكَ لِما سَوَّلَ الشَّيْطانُ لَها مِن غَرَقِهِ وهَلاكِهِ.
وقالَ الأخْفَشُ: فارِغًا مِنَ الخَوْفِ والغَمِّ لِعِلْمِهِا أنَّهُ لَمْ يَغْرَقْ بِسَبَبِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَحْيِ إلَيْها، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا.
وقالَ الكِسائِيُّ: ناسِيًا ذاهِلًا. وقالَ العَلاءُ بْنُ زِيادٍ نافِرًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: والِهًا كادَتْ تَقُولُ: واابْناهُ مِن شِدَّةِ الجَزَعِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: كادَتْ تَصِيحُ شَفَقَةً عَلَيْهِ مِنَ الغَرَقِ.
وقِيلَ: المَعْنى: أنَّها لَمّا سَمِعَتْ بِوُقُوعِهِ في يَدِ فِرْعَوْنَ طارَ عَقْلُها مِن فَرْطِ الجَزَعِ والدَّهَشِ.
قالَ النَّحّاسُ: وأصَحُّ هَذِهِ الأقْوالِ الأوَّلُ، والَّذِينَ قالُوهُ أعْلَمُ بِكِتابِ اللَّهِ، فَإذا كانَ فارِغًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى فَهو فارِغٌ مِنَ الوَحْيِ، وقَوْلُ مَن قالَ فارِغًا مِنَ الغَمِّ غَلَطٌ قَبِيحٌ لِأنَّ بَعْدَهُ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ وقَرَأ فَضالَةُ بْنُ عَبِيدٍ الأنْصارِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ وأبُو العالِيَةِ وابْنُ مُحَيْصِنٍ فَزِعًا: بِالفاءِ والزّايِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ مِنَ الفَزَعِ أيْ: خائِفًا وجِلًا.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ قَرِعًا بِالقافِ المَفْتُوحَةِ والرّاءِ المُهْمَلَةِ المَكْسُورَةِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ مِن قَرِعَ رَأْسُهُ: إذا انْحَسَرَ شَعْرُهُ، ومَعْنى وأصْبَحَ: وصارَ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مَضى الخُلَفاءُ في أمْرٍ رَشِيدِ ∗∗∗ وأصْبَحَتِ المَدِينَةُ لِلْوَلِيدِ
﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ أنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنَّها كادَتْ لَتُظْهِرُ أمْرَ مُوسى وأنَّهُ ابْنُها مِن فَرْطِ ما دَهَمَها مِنَ الدَّهَشِ والخَوْفِ والحُزْنِ، مِن بَدا يَبْدُو: إذا ظَهَرَ، وأبْدى يُبْدِي: إذا أظْهَرَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ إلى الوَحْيِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْها، والأوَّلُ أوْلى.
وقالَ الفَرّاءُ: إنْ كانَتْ لَتُبْدِي بِاسْمِهِ لِضِيقِ صَدْرِها لَوْلا أنْ رَبْطَنا عَلى قَلْبِها.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الرَّبْطِ عَلى القَلْبِ: إلْهامُ الصَّبْرِ وتَقْوِيَتُهُ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ أيْ: لَوْلا أنْ رَبْطَنا عَلى قَلْبِها لَأبْدَتْ، واللّامُ في ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِرَبْطِنا، والمَعْنى: رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ قِيلَ: والباءُ في ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.
والمَعْنى: لَتُبْدِيهِ كَما تَقُولُ أخَذَتِ الحَبْلَ بِالحَبْلِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لَتُبْدِي القَوْلَ بِهِ ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أيْ: قالَتْ أُمِّ مُوسى لِأُخْتِ مُوسى وهي مَرْيَمُ قُصِّيهِ أيْ: تَتَبَّعِي أثَرَهُ واعْرِفِي خَبَرَهُ وانْظُرِي أيْنَ وقَعَ وإلى مَن صارَ ؟ يُقالُ: قَصَصْتُ الشَّيْءَ: إذا اتَّبَعْتَ أثَرَهُ مُتَعَرِّفًا لِحالِهِ ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أيْ: أبْصَرَتْهُ عَنْ بُعْدٍ، وأصْلُهُ عَنْ مَكانِ جَنْبٍ، ومِنهُ الأجْنَبِيُّ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَلا تَحْرِمِينِي نائِلًا عَنْ جَنابَةٍ ∗∗∗ فَإنِّي امْرُؤٌ وسْطَ الدِّيارِ غَرِيبُ
وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عَنْ جانِبٍ، والمَعْنى أنَّها أبْصَرَتْ إلَيْهِ مُتَجانِفَةً مُخاتِلَةً، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ النُّعْمانِ بْنِ سالِمٍ " عَنْ جانِبٍ "، ومَحَلُّ عَنْ جَنْبٍ النَّصْبُ عَلى الحالِ إمّا مِنَ الفاعِلِ أيْ: بَصُرَتْ بِهِ مُسْتَخْفِيَةً كائِنَةً عَنْ جَنْبٍ، وإمّا مِنَ المَجْرُورِ أيْ: بَعِيدًا مِنها.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بَصُرَتْ " بِهِ بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّ الصّادِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِفَتْحِ الصّادِ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِها.
قالَ المُبَرِّدُ: أبْصَرَتْهُ وبَصُرَتْ بِهِ بِمَعْنًى، وقَرَأ الجُمْهُورُ " عَنْ جُنُبٍ " بِضَمَّتَيْنِ، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُّونِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِهِما ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ النُّونِ وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّ مَعْنى ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عَنْ شَوْقٍ.
قالَ: وهي لُغَةُ جُذامَ يَقُولُونَ: جَنَّبْتُ إلَيْكَ أيِ: اشْتَقْتُ إلَيْكَ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّها تَقُصُّهُ وتَتَّبِعُ خَبَرَهُ وأنَّها أُخْتُهُ.
﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ المَراضِعُ جَمْعُ مُرْضِعٍ أيْ: مَنَعْناهُ أنْ يَرْضَعَ مِنَ المُرْضِعاتِ.
وقِيلَ: المَراضِعُ جَمْعُ مَرْضَعٍ بِفَتْحِ الضّادِ، وهو الرِّضاعُ أوْ مَوْضِعُهُ، وهو الثَّدْيُ، ومَعْنى ﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ أنْ نَرُدَّهُ إلى أُمِّهِ، أوْ مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَهُ أُمُّهُ، أوْ مِن قَبْلِ قَصِّها لِأثَرِهِ، وقَدْ كانَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ طَلَبَتْ لِمُوسى المُرْضِعاتِ لِيُرْضِعْنَهُ، فَلَمْ يَرْضَعْ مِن واحِدَةٍ مِنهُنَّ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَتْ أيْ: أُخْتُهُ لَمّا رَأتِ امْتِناعَهُ مِنَ الرِّضاعِ ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم﴾ أيْ: يَضْمَنُونَ لَكُمُ القِيامَ بِهِ وإرْضاعَهُ ﴿وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ أيْ: مُشْفِقُونَ عَلَيْهِ لا يُقَصِّرُونَ في إرْضاعِهِ وتَرْبِيَتِهِ.
وفِي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَقالُوا لَها مَن هم ؟ فَقالَتْ أُمِّي، فَقِيلَ: لَها: وهَلْ لِأُمِّكِ لَبَنٌ ؟ قالَتْ نَعَمْ لَبَنُ أخِي هارُونَ: فَدَلَّتْهم عَلى أُمِّ مُوسى فَدَفَعُوهُ إلَيْها، فَقَبِلَ ثَدْيَها، ورَضِعَ مِنهُ.
وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِوَلَدِها ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ عَلى فِراقِهِ ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: جَمِيعَ وعْدِهِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما وعَدَها بِقَوْلِهِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ حَقٌّ لا خَلْفَ فِيهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أكْثَرُ آلِ فِرْعَوْنَ لا يَعْلَمُونَ بِذَلِكَ، بَلْ كانُوا (p-١٠٩٥)فِي غَفْلَةٍ عَنِ القَدَرِ وسِرِّ القَضاءِ، أوْ أكْثَرُ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ بِذَلِكَ أوْ لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ وعَدَها بِأنْ يَرُدَّهُ إلَيْها.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا﴾ قالَ: فَرَّقَ بَيْنَهم.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا﴾ قالَ: يَسْتَعْبِدُ طائِفَةً مِنهم ويَدَعُ طائِفَةً، ويَقْتُلُ طائِفَةً ويَسْتَحْيِي طائِفَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ قالَ يُوسُفُ ووَلَدُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ قالَ هم بَنُو إسْرائِيلَ ﴿ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ أيْ: وُلاةَ الأمْرِ ﴿ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ بَعْدَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ قالَ ما كانَ القَوْمُ حَذَّرُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ أيْ: ألْهَمْناها الَّذِي صَنَعَتْ بِمُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ قالَ: أنْ يَسْمَعَ جِيرانُكِ صَوْتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ قالَ: فَرَغَ مِن ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ مِن أمْرِ الدُّنْيا إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ قالَ: خالِيًا مِن كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ ذِكْرِ مُوسى.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ قالَ: تَقُولُ: يا ابْناهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أيِ: اتْبَعِي أثَرَهُ ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ قالَ: عَنْ جانِبٍ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي أُمامَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِخَدِيجَةَ: أما شَعَرْتِ أنَّ اللَّهَ زَوَّجَنِي مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ وكُلْثُومَ أُخْتَ مُوسى وامْرَأةَ فِرْعَوْنَ ؟ قالَتْ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ» " .
وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ أبِي رَوّادٍ مَرْفُوعًا بِأطْوَلَ مِن هَذا، وفي آخِرِهِ أنَّها قالَتْ: بِالرِّفاءِ والبَنِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: لا يُؤْتى بِمُرْضِعٍ فَيَقْبَلُها.