Fath Al-Qadir Al-Shawkani — العنكبوت 29:36 – العنكبوت 29:67
المحتويات
- العنكبوت 29:36
- العنكبوت 29:37
- العنكبوت 29:38
- العنكبوت 29:39
- العنكبوت 29:40
- العنكبوت 29:41
- العنكبوت 29:42
- العنكبوت 29:43
- العنكبوت 29:44
- العنكبوت 29:45
- العنكبوت 29:46
- العنكبوت 29:47
- العنكبوت 29:48
- العنكبوت 29:49
- العنكبوت 29:50
- العنكبوت 29:51
- العنكبوت 29:52
- العنكبوت 29:53
- العنكبوت 29:54
- العنكبوت 29:55
- العنكبوت 29:56
- العنكبوت 29:57
- العنكبوت 29:58
- العنكبوت 29:59
- العنكبوت 29:60
- العنكبوت 29:61
- العنكبوت 29:62
- العنكبوت 29:63
- العنكبوت 29:64
- العنكبوت 29:65
- العنكبوت 29:66
- العنكبوت 29:67
العنكبوت 29:36
(p-١١١٩)قَوْلُهُ: ولُوطًا مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى نُوحًا، أوْ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى وأنْجَيْنا لُوطًا، أوْ وأرْسَلْنا لُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ظَرْفٌ لِلْعامِلِ في لُوطٍ ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ " أئِنَّكم " بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِلا اسْتِفْهامٍ، والفاحِشَةُ الخَصْلَةُ المُتَناهِيَةُ في القُبْحِ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِكَمالِ قُبْحِ هَذِهِ الخَصْلَةِ، وأنَّهم مُنْفَرِدُونَ بِذَلِكَ لَمْ يَسْبِقْهم إلى عَمَلِها أحَدٌ مِنَ النّاسِ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الفاحِشَةَ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ أيْ: تَلُوطُونَ بِهِمْ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ بِمَن يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ المُسافِرِينَ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ تَرَكَ النّاسُ المُرُورَ بِهِمْ، فَقَطَعُوا السَّبِيلَ بِهَذا السَّبَبِ.
قالَ الفَرّاءُ: كانُوا يَعْتَرِضُونَ النّاسَ في الطُّرُقِ بِعَمَلِهِمُ الخَبِيثِ، وقِيلَ: كانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلى المارَّةِ بِقَتْلِهِمْ ونَهْبِهِمْ.
والظّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ما يَكُونُ سَبَبًا لِقَطْعِ الطَّرِيقِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسَبَبٍ خاصٍّ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَطْعِ الطَّرِيقِ: قَطْعُ النَّسْلِ بِالعُدُولِ عَنِ النِّساءِ إلى الرِّجالِ ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ النّادِي والنَّدِيُّ والمُنْتَدى مَجْلِسُ القَوْمِ ومُتَحَدَّثُهم.
واخْتُلِفَ في المُنْكَرِ الَّذِي كانُوا يَأْتُونَهُ فِيهِ، فَقِيلَ: كانُوا يَحْذِفُونَ النّاسَ بِالحَصْباءِ، ويَسْتَخِفُّونَ بِالغَرِيبِ، وقِيلَ: كانُوا يَتَضارَطُونَ في مَجالِسِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا يَأْتُونَ الرِّجالَ في مَجالِسِهِمْ، وبَعْضُهم يَرى بَعْضًا، وقِيلَ: كانُوا يَلْعَبُونَ بِالحَمامِ، وقِيلَ: كانُوا يُخَضِّبُونَ أصابِعَهم بِالحِنّاءِ، وقِيلَ: كانُوا يُناقِرُونَ بَيْنَ الدِّيَكَةِ ويُناطِحُونَ بَيْنَ الكِباشِ، وقِيلَ: يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ ويَلْبَسُونَ المُصَبَّغاتِ، ولا مانِعَ مِن أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ جَمِيعَ هَذِهِ المُنْكَراتِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وفي هَذِهِ إعْلامٌ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَعاشَرَ النّاسُ عَلى المُنْكَرِ وأنْ لا يَجْتَمِعُوا عَلى الهُزُؤِ والمَناهِي.
ولَمّا أنْكَرَ لُوطٌ عَلَيْهِمْ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ أجابُوا بِما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فَما أجابُوا بِشَيْءٍ إلّا بِهَذا القَوْلِ رُجُوعًا مِنهم إلى التَّكْذِيبِ واللَّجاجِ والعِنادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم﴾ [النمل: ٥٦] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم﴾ [الأعراف: ٨٢] وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِأنَّ لُوطًا كانَ ثابِتًا عَلى الإرْشادِ ومُكَرِّرًا لِلنَّهْيِ لَهم والوَعِيدِ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا لَهُ أوَّلًا: ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمّا كَثُرَ مِنهُ ذَلِكَ ولَمْ يَسْكُتْ عَنْهم قالُوا: أخْرِجُوهم كَما في الأعْرافِ والنَّمْلِ، وقِيلَ: إنَّهم قالُوا أوَّلًا: أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم، ثُمَّ قالُوا ثانِيًا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ.
ثُمَّ إنَّ لُوطًا لَمّا يَئِسَ مِنهم طَلَبَ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ بِإنْزالِ عَذابِكَ عَلَيْهِمْ، وإفْسادِهِمْ هو بِما سَبَقَ مِن إتْيانِ الرِّجالِ وعَمَلِ المُنْكَرِ في نادِيهِمْ، فاسْتَجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وبَعَثَ لِعَذابِهِمْ مَلائِكَتَهُ وأمْرَهم بِتَبْشِيرِ إبْراهِيمَ قَبْلَ عَذابِهِمْ.
ولِهَذا قالَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ أيْ: بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ وهو إسْحاقُ، وبِوَلَدِ الوَلَدِ وهو يَعْقُوبُ ﴿قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أيْ: قالُوا لِإبْراهِيمَ هَذِهِ المَقالَةَ، والقَرْيَةُ هي قَرْيَةُ سَدُومَ الَّتِي كانَ فِيها قَوْمُ لُوطٍ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإهْلاكِ أيْ: إهْلاكُنا لَهم بِهَذا السَّبَبِ.
﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا﴾ أيْ: قالَ لَهم إبْراهِيمُ: إنَّ في هَذِهِ القَرْيَةِ الَّتِي أنْتُمْ مُهْلِكُوها لُوطًا فَكَيْفَ تُهْلِكُونَها ؟ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ مِنَ الأخْيارِ والأشْرارِ ونَحْنُ أعْلَمُ مِن غَيْرِنا بِمَكانِ لُوطٍ ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ.
قَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ والكِسائِيُّ " لَنُنْجِيَنَّهُ " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيِ: الباقِينَ في العَذابِ، وهو لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الماضِي والباقِي، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الباقِينَ في القَرْيَةِ الَّتِي سَيَنْزِلُ بِها العَذابُ، فَتُعَذَّبُ مِن جُمْلَتِهِمْ ولا تَنْجُو فِيمَن نَجا.
﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَمّا جاءَتِ الرُّسُلُ لُوطًا بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ إبْراهِيمَ سِيءَ بِهِمْ أيْ: جاءَهُ ما ساءَهُ وخافَ مِنهُ، لِأنَّهُ ظَنَّهم مِنَ البَشَرِ، فَخافَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِكَوْنِهِمْ في أحْسَنِ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ البَشَرِيَّةِ، و" أنْ " في أنْ جاءَتْ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أيْ: عَجَزَ عَنْ تَدْبِيرِهِمْ وحَزِنَ وضاقَ صَدْرُهُ، وضِيقُ الذِّراعِ كِنايَةٌ عَنِ العَجْزِ، كَما يُقالُ: في الكِنايَةِ عَنِ الفَقْرِ: ضاقَتْ يَدُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ هُودٍ.
ولَمّا شاهَدَتِ المَلائِكَةُ ما حَلَّ بِهِ مِنَ الحُزْنِ والتَّضَجُّرِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ أيْ: لا تَخَفْ عَلَيْنا مِن قَوْمِكَ ولا تَحْزَنْ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلَيْنا ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي أمَرَنا اللَّهُ بِأنْ نُنْزِلَهُ بِهِمْ ﴿إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أخْبَرُوا لُوطًا بِما جاءُوا بِهِ مِن إهْلاكِ قَوْمِهِ وتَنْجِيَتِهِ وأهْلِهِ إلّا امْرَأتَهُ كَما أخْبَرُوا بِذَلِكَ إبْراهِيمَ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وشُعْبَةُ ويَعْقُوبُ، والأعْمَشُ " مُنَجُّوكَ " بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ المُبَرِّدُ: الكافُ في مُنَجُّوكَ مَخْفُوضٌ ولَمْ يَجُزْ عَطْفُ الظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ المَخْفُوضِ، فَحُمِلَ الثّانِي عَلى المَعْنى وصارَ التَّقْدِيرُ: ونُنْجِي أهْلَكَ.
﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هَلاكِهِمُ المَفْهُومُ مِن تَخْصِيصِ التَّنْجِيَةِ بِهِ وبِأهْلِهِ، والرِّجْزُ العَذابُ أيْ: عَذابًا مِنَ السَّماءِ، وهو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: إحْراقُهم بِنارٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ، وقِيلَ: هو الخَسْفُ والحَصَبُ كَما في غَيْرِ (p-١١٢٠)هَذا المَوْضِعِ، ومَعْنى كَوْنِ الخَسْفِ مِنَ السَّماءِ أنَّ الأمْرَ بِهِ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ " مُنَزِّلُونَ " بِالتَّشْدِيدِ. وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، والباءُ في بِما كانُوا يَفْسُقُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ: لِسَبَبِ فِسْقِهِمْ.
﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً﴾ أيْ: أبْقَيْنا مِنَ القَرْيَةِ عَلامَةً ودَلالَةً بَيِّنَةً، وهي الآثارُ الَّتِي بِها مِنَ الحِجارَةِ رُجِمُوا بِها، وخَرابُ الدِّيارِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الماءُ الأسْوَدُ الباقِي عَلى وجْهِ أرْضِهِمْ ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ، وخُصَّ مَن يَعْقِلُ، لِأنَّهُ الَّذِي يَفْهَمُ أنَّ تِلْكَ الآثارَ عِبْرَةٌ يَعْتَبِرُ بِها مَن يَراها.
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ أيْ: وأرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وذِكْرُ نَسَبِهِ وذِكْرُ قَوْمِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ ﴿قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: أفْرِدُوهُ في العِبادَةِ وخُصُّوهُ بِها ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ: تَوَقَّعُوهُ وافْعَلُوا اليَوْمَ مِنَ الأعْمالِ ما يَدْفَعُ عَذابَهُ عَنْكم.
قالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: مَعْناهُ اخْشَوُا الآخِرَةَ الَّتِي فِيها الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ العَثْوُ العُثى أشَدُّ الفَسادِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ: الزَّلْزَلَةُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] أيْ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ وهي سَبَبُ الرَّجْفَةِ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ: أصْبَحُوا في بَلَدِهِمْ أوْ مَنازِلِهِمْ جاثِمِينَ عَلى الرُّكَبِ مَيِّتِينَ.
﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: قالَ بَعْضُهم هو راجِعٌ إلى أوَّلِ السُّورَةِ أيْ: ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وفَتَنّا عادًا وثَمُودَ، قالَ: وأحَبُّ إلَيَّ أنْ يَكُونَ عَلى ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيْ: وأخَذَتْ عادًا وثَمُودَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ وأهْلَكْنا عادًا وثَمُودَ، وقِيلَ: المَعْنى: واذْكُرْ عادًا وثَمُودَ إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ هُودًا وصالِحًا ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ أيْ: وقَدْ ظَهَرَ لَكم يا مَعاشِرَ الكُفّارِ مِن مَساكِنِهِمْ بِالحِجْرِ والأحْقافِ آياتٌ بَيِّناتٌ تَتَّعِظُونَ بِها وتَتَفَكَّرُونَ فِيها، فَفاعِلُ تَبَيَّنَ مَحْذُوفٌ ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي يَعْمَلُونَها مِنَ الكُفْرِ ومَعاصِي اللَّهِ فَصَدَّهم بِهَذا التَّزْيِينِ عَنِ السَّبِيلِ أيِ: الطَّرِيقِ الواضِحِ المُوَصِّلِ إلى الحَقِّ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ أيْ: أهْلُ بَصائِرَ يَتَمَكَّنُونَ بِها مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ بِالِاسْتِدْلالِ.
قالَ الفَرّاءُ: كانُوا عُقَلاءَ ذَوِي بَصائِرَ فَلَمْ تَنْفَعْهم بَصائِرُهم، وقِيلَ: المَعْنى: كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ في كُفْرِهِمْ وضَلالَتِهِمْ مُعْجَبِينَ بِها يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى هُدًى ويَرَوْنَ أنَّ أمْرَهم حَقٌّ، فَوَصَفَهم بِالِاسْتِبْصارِ عَلى هَذا بِاعْتِبارِ ما عِنْدَ أنْفُسِهِمْ.
﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: إنْ شِئْتَ كانَ مَحْمُولًا عَلى " عادًا " وكانَ فِيهِ ما فِيهِ، وإنْ شِئْتَ كانَ عَلى " فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ " أيْ: وصَدَّ قارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ.
وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وأهْلَكْنا هَؤُلاءِ بَعْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وما كانُوا سابِقِينَ أيْ: فائِتِينَ، يُقالُ: سَبَقَ طالِبَهُ: إذا فاتَهُ: وقِيلَ: وما كانُوا سابِقِينَ في الكُفْرِ، بَلْ قَدْ سَبَقَهم إلَيْهِ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ.
﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ أيْ: عاقَبْنا بِكُفْرِهِ وتَكْذِيبِهِ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَكُلًّا أخَذْنا أيْ: فَأخَذْنا كُلًّا بِذَنْبِهِ ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ أيْ: رِيحًا تَأْتِي بِالحَصْباءِ، وهي الحَصى الصِّغارُ فَتَرْجُمُهم بِها، وهم قَوْمُ لُوطٍ ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ وهم ثَمُودُ وأهْلُ مَدْيَنَ ﴿ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ وهو قارُونُ وأصْحابُهُ ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ وهم قَوْمُ نُوحٍ وقَوْمُ فِرْعَوْنَ وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم بِما فَعَلَ بِهِمْ، لِأنَّهُ قَدْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ وعَمَلِهِمْ بِمَعاصِي اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ قالَ: مَجْلِسُكم.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ الصَّمْتِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُمِّ هانِيءٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ قالَتْ «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ قالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ بِالطَّرِيقِ فَيَحْذِفُونَ أبْناءَ السَّبِيلِ ويَسْخَرُونَ مِنهم» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: بَعْدَ إخْراجِهِ وتَحْسِينِهِ: ولا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ حاتِمِ بْنِ أبِي صَغِيرَةَ عَنْ سِماكٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَهى عَنِ الحَذْفِ»، وهو قَوْلُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: هو الحَذْفُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ في الآيَةِ قالَتِ: الضُّراطُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ: الصَّيْحَةُ، وفي قَوْلِهِ: وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ قالَ: في الضَّلالَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ قالَ: قَوْمُ لُوطٍ ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ قالَ: ثَمُودُ ﴿ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ قالَ: قارُونُ ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ قالَ: قَوْمُ نُوحٍ.
العنكبوت 29:37
(p-١١١٩)قَوْلُهُ: ولُوطًا مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى نُوحًا، أوْ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى وأنْجَيْنا لُوطًا، أوْ وأرْسَلْنا لُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ظَرْفٌ لِلْعامِلِ في لُوطٍ ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ " أئِنَّكم " بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِلا اسْتِفْهامٍ، والفاحِشَةُ الخَصْلَةُ المُتَناهِيَةُ في القُبْحِ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِكَمالِ قُبْحِ هَذِهِ الخَصْلَةِ، وأنَّهم مُنْفَرِدُونَ بِذَلِكَ لَمْ يَسْبِقْهم إلى عَمَلِها أحَدٌ مِنَ النّاسِ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الفاحِشَةَ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ أيْ: تَلُوطُونَ بِهِمْ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ بِمَن يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ المُسافِرِينَ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ تَرَكَ النّاسُ المُرُورَ بِهِمْ، فَقَطَعُوا السَّبِيلَ بِهَذا السَّبَبِ.
قالَ الفَرّاءُ: كانُوا يَعْتَرِضُونَ النّاسَ في الطُّرُقِ بِعَمَلِهِمُ الخَبِيثِ، وقِيلَ: كانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلى المارَّةِ بِقَتْلِهِمْ ونَهْبِهِمْ.
والظّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ما يَكُونُ سَبَبًا لِقَطْعِ الطَّرِيقِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسَبَبٍ خاصٍّ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَطْعِ الطَّرِيقِ: قَطْعُ النَّسْلِ بِالعُدُولِ عَنِ النِّساءِ إلى الرِّجالِ ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ النّادِي والنَّدِيُّ والمُنْتَدى مَجْلِسُ القَوْمِ ومُتَحَدَّثُهم.
واخْتُلِفَ في المُنْكَرِ الَّذِي كانُوا يَأْتُونَهُ فِيهِ، فَقِيلَ: كانُوا يَحْذِفُونَ النّاسَ بِالحَصْباءِ، ويَسْتَخِفُّونَ بِالغَرِيبِ، وقِيلَ: كانُوا يَتَضارَطُونَ في مَجالِسِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا يَأْتُونَ الرِّجالَ في مَجالِسِهِمْ، وبَعْضُهم يَرى بَعْضًا، وقِيلَ: كانُوا يَلْعَبُونَ بِالحَمامِ، وقِيلَ: كانُوا يُخَضِّبُونَ أصابِعَهم بِالحِنّاءِ، وقِيلَ: كانُوا يُناقِرُونَ بَيْنَ الدِّيَكَةِ ويُناطِحُونَ بَيْنَ الكِباشِ، وقِيلَ: يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ ويَلْبَسُونَ المُصَبَّغاتِ، ولا مانِعَ مِن أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ جَمِيعَ هَذِهِ المُنْكَراتِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وفي هَذِهِ إعْلامٌ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَعاشَرَ النّاسُ عَلى المُنْكَرِ وأنْ لا يَجْتَمِعُوا عَلى الهُزُؤِ والمَناهِي.
ولَمّا أنْكَرَ لُوطٌ عَلَيْهِمْ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ أجابُوا بِما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فَما أجابُوا بِشَيْءٍ إلّا بِهَذا القَوْلِ رُجُوعًا مِنهم إلى التَّكْذِيبِ واللَّجاجِ والعِنادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم﴾ [النمل: ٥٦] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم﴾ [الأعراف: ٨٢] وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِأنَّ لُوطًا كانَ ثابِتًا عَلى الإرْشادِ ومُكَرِّرًا لِلنَّهْيِ لَهم والوَعِيدِ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا لَهُ أوَّلًا: ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمّا كَثُرَ مِنهُ ذَلِكَ ولَمْ يَسْكُتْ عَنْهم قالُوا: أخْرِجُوهم كَما في الأعْرافِ والنَّمْلِ، وقِيلَ: إنَّهم قالُوا أوَّلًا: أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم، ثُمَّ قالُوا ثانِيًا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ.
ثُمَّ إنَّ لُوطًا لَمّا يَئِسَ مِنهم طَلَبَ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ بِإنْزالِ عَذابِكَ عَلَيْهِمْ، وإفْسادِهِمْ هو بِما سَبَقَ مِن إتْيانِ الرِّجالِ وعَمَلِ المُنْكَرِ في نادِيهِمْ، فاسْتَجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وبَعَثَ لِعَذابِهِمْ مَلائِكَتَهُ وأمْرَهم بِتَبْشِيرِ إبْراهِيمَ قَبْلَ عَذابِهِمْ.
ولِهَذا قالَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ أيْ: بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ وهو إسْحاقُ، وبِوَلَدِ الوَلَدِ وهو يَعْقُوبُ ﴿قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أيْ: قالُوا لِإبْراهِيمَ هَذِهِ المَقالَةَ، والقَرْيَةُ هي قَرْيَةُ سَدُومَ الَّتِي كانَ فِيها قَوْمُ لُوطٍ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإهْلاكِ أيْ: إهْلاكُنا لَهم بِهَذا السَّبَبِ.
﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا﴾ أيْ: قالَ لَهم إبْراهِيمُ: إنَّ في هَذِهِ القَرْيَةِ الَّتِي أنْتُمْ مُهْلِكُوها لُوطًا فَكَيْفَ تُهْلِكُونَها ؟ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ مِنَ الأخْيارِ والأشْرارِ ونَحْنُ أعْلَمُ مِن غَيْرِنا بِمَكانِ لُوطٍ ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ.
قَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ والكِسائِيُّ " لَنُنْجِيَنَّهُ " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيِ: الباقِينَ في العَذابِ، وهو لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الماضِي والباقِي، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الباقِينَ في القَرْيَةِ الَّتِي سَيَنْزِلُ بِها العَذابُ، فَتُعَذَّبُ مِن جُمْلَتِهِمْ ولا تَنْجُو فِيمَن نَجا.
﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَمّا جاءَتِ الرُّسُلُ لُوطًا بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ إبْراهِيمَ سِيءَ بِهِمْ أيْ: جاءَهُ ما ساءَهُ وخافَ مِنهُ، لِأنَّهُ ظَنَّهم مِنَ البَشَرِ، فَخافَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِكَوْنِهِمْ في أحْسَنِ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ البَشَرِيَّةِ، و" أنْ " في أنْ جاءَتْ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أيْ: عَجَزَ عَنْ تَدْبِيرِهِمْ وحَزِنَ وضاقَ صَدْرُهُ، وضِيقُ الذِّراعِ كِنايَةٌ عَنِ العَجْزِ، كَما يُقالُ: في الكِنايَةِ عَنِ الفَقْرِ: ضاقَتْ يَدُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ هُودٍ.
ولَمّا شاهَدَتِ المَلائِكَةُ ما حَلَّ بِهِ مِنَ الحُزْنِ والتَّضَجُّرِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ أيْ: لا تَخَفْ عَلَيْنا مِن قَوْمِكَ ولا تَحْزَنْ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلَيْنا ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي أمَرَنا اللَّهُ بِأنْ نُنْزِلَهُ بِهِمْ ﴿إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أخْبَرُوا لُوطًا بِما جاءُوا بِهِ مِن إهْلاكِ قَوْمِهِ وتَنْجِيَتِهِ وأهْلِهِ إلّا امْرَأتَهُ كَما أخْبَرُوا بِذَلِكَ إبْراهِيمَ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وشُعْبَةُ ويَعْقُوبُ، والأعْمَشُ " مُنَجُّوكَ " بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ المُبَرِّدُ: الكافُ في مُنَجُّوكَ مَخْفُوضٌ ولَمْ يَجُزْ عَطْفُ الظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ المَخْفُوضِ، فَحُمِلَ الثّانِي عَلى المَعْنى وصارَ التَّقْدِيرُ: ونُنْجِي أهْلَكَ.
﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هَلاكِهِمُ المَفْهُومُ مِن تَخْصِيصِ التَّنْجِيَةِ بِهِ وبِأهْلِهِ، والرِّجْزُ العَذابُ أيْ: عَذابًا مِنَ السَّماءِ، وهو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: إحْراقُهم بِنارٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ، وقِيلَ: هو الخَسْفُ والحَصَبُ كَما في غَيْرِ (p-١١٢٠)هَذا المَوْضِعِ، ومَعْنى كَوْنِ الخَسْفِ مِنَ السَّماءِ أنَّ الأمْرَ بِهِ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ " مُنَزِّلُونَ " بِالتَّشْدِيدِ. وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، والباءُ في بِما كانُوا يَفْسُقُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ: لِسَبَبِ فِسْقِهِمْ.
﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً﴾ أيْ: أبْقَيْنا مِنَ القَرْيَةِ عَلامَةً ودَلالَةً بَيِّنَةً، وهي الآثارُ الَّتِي بِها مِنَ الحِجارَةِ رُجِمُوا بِها، وخَرابُ الدِّيارِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الماءُ الأسْوَدُ الباقِي عَلى وجْهِ أرْضِهِمْ ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ، وخُصَّ مَن يَعْقِلُ، لِأنَّهُ الَّذِي يَفْهَمُ أنَّ تِلْكَ الآثارَ عِبْرَةٌ يَعْتَبِرُ بِها مَن يَراها.
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ أيْ: وأرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وذِكْرُ نَسَبِهِ وذِكْرُ قَوْمِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ ﴿قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: أفْرِدُوهُ في العِبادَةِ وخُصُّوهُ بِها ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ: تَوَقَّعُوهُ وافْعَلُوا اليَوْمَ مِنَ الأعْمالِ ما يَدْفَعُ عَذابَهُ عَنْكم.
قالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: مَعْناهُ اخْشَوُا الآخِرَةَ الَّتِي فِيها الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ العَثْوُ العُثى أشَدُّ الفَسادِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ: الزَّلْزَلَةُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] أيْ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ وهي سَبَبُ الرَّجْفَةِ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ: أصْبَحُوا في بَلَدِهِمْ أوْ مَنازِلِهِمْ جاثِمِينَ عَلى الرُّكَبِ مَيِّتِينَ.
﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: قالَ بَعْضُهم هو راجِعٌ إلى أوَّلِ السُّورَةِ أيْ: ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وفَتَنّا عادًا وثَمُودَ، قالَ: وأحَبُّ إلَيَّ أنْ يَكُونَ عَلى ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيْ: وأخَذَتْ عادًا وثَمُودَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ وأهْلَكْنا عادًا وثَمُودَ، وقِيلَ: المَعْنى: واذْكُرْ عادًا وثَمُودَ إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ هُودًا وصالِحًا ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ أيْ: وقَدْ ظَهَرَ لَكم يا مَعاشِرَ الكُفّارِ مِن مَساكِنِهِمْ بِالحِجْرِ والأحْقافِ آياتٌ بَيِّناتٌ تَتَّعِظُونَ بِها وتَتَفَكَّرُونَ فِيها، فَفاعِلُ تَبَيَّنَ مَحْذُوفٌ ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي يَعْمَلُونَها مِنَ الكُفْرِ ومَعاصِي اللَّهِ فَصَدَّهم بِهَذا التَّزْيِينِ عَنِ السَّبِيلِ أيِ: الطَّرِيقِ الواضِحِ المُوَصِّلِ إلى الحَقِّ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ أيْ: أهْلُ بَصائِرَ يَتَمَكَّنُونَ بِها مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ بِالِاسْتِدْلالِ.
قالَ الفَرّاءُ: كانُوا عُقَلاءَ ذَوِي بَصائِرَ فَلَمْ تَنْفَعْهم بَصائِرُهم، وقِيلَ: المَعْنى: كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ في كُفْرِهِمْ وضَلالَتِهِمْ مُعْجَبِينَ بِها يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى هُدًى ويَرَوْنَ أنَّ أمْرَهم حَقٌّ، فَوَصَفَهم بِالِاسْتِبْصارِ عَلى هَذا بِاعْتِبارِ ما عِنْدَ أنْفُسِهِمْ.
﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: إنْ شِئْتَ كانَ مَحْمُولًا عَلى " عادًا " وكانَ فِيهِ ما فِيهِ، وإنْ شِئْتَ كانَ عَلى " فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ " أيْ: وصَدَّ قارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ.
وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وأهْلَكْنا هَؤُلاءِ بَعْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وما كانُوا سابِقِينَ أيْ: فائِتِينَ، يُقالُ: سَبَقَ طالِبَهُ: إذا فاتَهُ: وقِيلَ: وما كانُوا سابِقِينَ في الكُفْرِ، بَلْ قَدْ سَبَقَهم إلَيْهِ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ.
﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ أيْ: عاقَبْنا بِكُفْرِهِ وتَكْذِيبِهِ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَكُلًّا أخَذْنا أيْ: فَأخَذْنا كُلًّا بِذَنْبِهِ ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ أيْ: رِيحًا تَأْتِي بِالحَصْباءِ، وهي الحَصى الصِّغارُ فَتَرْجُمُهم بِها، وهم قَوْمُ لُوطٍ ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ وهم ثَمُودُ وأهْلُ مَدْيَنَ ﴿ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ وهو قارُونُ وأصْحابُهُ ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ وهم قَوْمُ نُوحٍ وقَوْمُ فِرْعَوْنَ وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم بِما فَعَلَ بِهِمْ، لِأنَّهُ قَدْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ وعَمَلِهِمْ بِمَعاصِي اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ قالَ: مَجْلِسُكم.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ الصَّمْتِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُمِّ هانِيءٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ قالَتْ «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ قالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ بِالطَّرِيقِ فَيَحْذِفُونَ أبْناءَ السَّبِيلِ ويَسْخَرُونَ مِنهم» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: بَعْدَ إخْراجِهِ وتَحْسِينِهِ: ولا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ حاتِمِ بْنِ أبِي صَغِيرَةَ عَنْ سِماكٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَهى عَنِ الحَذْفِ»، وهو قَوْلُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: هو الحَذْفُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ في الآيَةِ قالَتِ: الضُّراطُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ: الصَّيْحَةُ، وفي قَوْلِهِ: وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ قالَ: في الضَّلالَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ قالَ: قَوْمُ لُوطٍ ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ قالَ: ثَمُودُ ﴿ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ قالَ: قارُونُ ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ قالَ: قَوْمُ نُوحٍ.
العنكبوت 29:38
(p-١١١٩)قَوْلُهُ: ولُوطًا مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى نُوحًا، أوْ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى وأنْجَيْنا لُوطًا، أوْ وأرْسَلْنا لُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ظَرْفٌ لِلْعامِلِ في لُوطٍ ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ " أئِنَّكم " بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِلا اسْتِفْهامٍ، والفاحِشَةُ الخَصْلَةُ المُتَناهِيَةُ في القُبْحِ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِكَمالِ قُبْحِ هَذِهِ الخَصْلَةِ، وأنَّهم مُنْفَرِدُونَ بِذَلِكَ لَمْ يَسْبِقْهم إلى عَمَلِها أحَدٌ مِنَ النّاسِ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الفاحِشَةَ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ أيْ: تَلُوطُونَ بِهِمْ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ بِمَن يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ المُسافِرِينَ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ تَرَكَ النّاسُ المُرُورَ بِهِمْ، فَقَطَعُوا السَّبِيلَ بِهَذا السَّبَبِ.
قالَ الفَرّاءُ: كانُوا يَعْتَرِضُونَ النّاسَ في الطُّرُقِ بِعَمَلِهِمُ الخَبِيثِ، وقِيلَ: كانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلى المارَّةِ بِقَتْلِهِمْ ونَهْبِهِمْ.
والظّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ما يَكُونُ سَبَبًا لِقَطْعِ الطَّرِيقِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسَبَبٍ خاصٍّ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَطْعِ الطَّرِيقِ: قَطْعُ النَّسْلِ بِالعُدُولِ عَنِ النِّساءِ إلى الرِّجالِ ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ النّادِي والنَّدِيُّ والمُنْتَدى مَجْلِسُ القَوْمِ ومُتَحَدَّثُهم.
واخْتُلِفَ في المُنْكَرِ الَّذِي كانُوا يَأْتُونَهُ فِيهِ، فَقِيلَ: كانُوا يَحْذِفُونَ النّاسَ بِالحَصْباءِ، ويَسْتَخِفُّونَ بِالغَرِيبِ، وقِيلَ: كانُوا يَتَضارَطُونَ في مَجالِسِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا يَأْتُونَ الرِّجالَ في مَجالِسِهِمْ، وبَعْضُهم يَرى بَعْضًا، وقِيلَ: كانُوا يَلْعَبُونَ بِالحَمامِ، وقِيلَ: كانُوا يُخَضِّبُونَ أصابِعَهم بِالحِنّاءِ، وقِيلَ: كانُوا يُناقِرُونَ بَيْنَ الدِّيَكَةِ ويُناطِحُونَ بَيْنَ الكِباشِ، وقِيلَ: يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ ويَلْبَسُونَ المُصَبَّغاتِ، ولا مانِعَ مِن أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ جَمِيعَ هَذِهِ المُنْكَراتِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وفي هَذِهِ إعْلامٌ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَعاشَرَ النّاسُ عَلى المُنْكَرِ وأنْ لا يَجْتَمِعُوا عَلى الهُزُؤِ والمَناهِي.
ولَمّا أنْكَرَ لُوطٌ عَلَيْهِمْ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ أجابُوا بِما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فَما أجابُوا بِشَيْءٍ إلّا بِهَذا القَوْلِ رُجُوعًا مِنهم إلى التَّكْذِيبِ واللَّجاجِ والعِنادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم﴾ [النمل: ٥٦] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم﴾ [الأعراف: ٨٢] وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِأنَّ لُوطًا كانَ ثابِتًا عَلى الإرْشادِ ومُكَرِّرًا لِلنَّهْيِ لَهم والوَعِيدِ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا لَهُ أوَّلًا: ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمّا كَثُرَ مِنهُ ذَلِكَ ولَمْ يَسْكُتْ عَنْهم قالُوا: أخْرِجُوهم كَما في الأعْرافِ والنَّمْلِ، وقِيلَ: إنَّهم قالُوا أوَّلًا: أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم، ثُمَّ قالُوا ثانِيًا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ.
ثُمَّ إنَّ لُوطًا لَمّا يَئِسَ مِنهم طَلَبَ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ بِإنْزالِ عَذابِكَ عَلَيْهِمْ، وإفْسادِهِمْ هو بِما سَبَقَ مِن إتْيانِ الرِّجالِ وعَمَلِ المُنْكَرِ في نادِيهِمْ، فاسْتَجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وبَعَثَ لِعَذابِهِمْ مَلائِكَتَهُ وأمْرَهم بِتَبْشِيرِ إبْراهِيمَ قَبْلَ عَذابِهِمْ.
ولِهَذا قالَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ أيْ: بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ وهو إسْحاقُ، وبِوَلَدِ الوَلَدِ وهو يَعْقُوبُ ﴿قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أيْ: قالُوا لِإبْراهِيمَ هَذِهِ المَقالَةَ، والقَرْيَةُ هي قَرْيَةُ سَدُومَ الَّتِي كانَ فِيها قَوْمُ لُوطٍ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإهْلاكِ أيْ: إهْلاكُنا لَهم بِهَذا السَّبَبِ.
﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا﴾ أيْ: قالَ لَهم إبْراهِيمُ: إنَّ في هَذِهِ القَرْيَةِ الَّتِي أنْتُمْ مُهْلِكُوها لُوطًا فَكَيْفَ تُهْلِكُونَها ؟ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ مِنَ الأخْيارِ والأشْرارِ ونَحْنُ أعْلَمُ مِن غَيْرِنا بِمَكانِ لُوطٍ ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ.
قَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ والكِسائِيُّ " لَنُنْجِيَنَّهُ " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيِ: الباقِينَ في العَذابِ، وهو لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الماضِي والباقِي، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الباقِينَ في القَرْيَةِ الَّتِي سَيَنْزِلُ بِها العَذابُ، فَتُعَذَّبُ مِن جُمْلَتِهِمْ ولا تَنْجُو فِيمَن نَجا.
﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَمّا جاءَتِ الرُّسُلُ لُوطًا بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ إبْراهِيمَ سِيءَ بِهِمْ أيْ: جاءَهُ ما ساءَهُ وخافَ مِنهُ، لِأنَّهُ ظَنَّهم مِنَ البَشَرِ، فَخافَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِكَوْنِهِمْ في أحْسَنِ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ البَشَرِيَّةِ، و" أنْ " في أنْ جاءَتْ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أيْ: عَجَزَ عَنْ تَدْبِيرِهِمْ وحَزِنَ وضاقَ صَدْرُهُ، وضِيقُ الذِّراعِ كِنايَةٌ عَنِ العَجْزِ، كَما يُقالُ: في الكِنايَةِ عَنِ الفَقْرِ: ضاقَتْ يَدُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ هُودٍ.
ولَمّا شاهَدَتِ المَلائِكَةُ ما حَلَّ بِهِ مِنَ الحُزْنِ والتَّضَجُّرِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ أيْ: لا تَخَفْ عَلَيْنا مِن قَوْمِكَ ولا تَحْزَنْ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلَيْنا ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي أمَرَنا اللَّهُ بِأنْ نُنْزِلَهُ بِهِمْ ﴿إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أخْبَرُوا لُوطًا بِما جاءُوا بِهِ مِن إهْلاكِ قَوْمِهِ وتَنْجِيَتِهِ وأهْلِهِ إلّا امْرَأتَهُ كَما أخْبَرُوا بِذَلِكَ إبْراهِيمَ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وشُعْبَةُ ويَعْقُوبُ، والأعْمَشُ " مُنَجُّوكَ " بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ المُبَرِّدُ: الكافُ في مُنَجُّوكَ مَخْفُوضٌ ولَمْ يَجُزْ عَطْفُ الظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ المَخْفُوضِ، فَحُمِلَ الثّانِي عَلى المَعْنى وصارَ التَّقْدِيرُ: ونُنْجِي أهْلَكَ.
﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هَلاكِهِمُ المَفْهُومُ مِن تَخْصِيصِ التَّنْجِيَةِ بِهِ وبِأهْلِهِ، والرِّجْزُ العَذابُ أيْ: عَذابًا مِنَ السَّماءِ، وهو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: إحْراقُهم بِنارٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ، وقِيلَ: هو الخَسْفُ والحَصَبُ كَما في غَيْرِ (p-١١٢٠)هَذا المَوْضِعِ، ومَعْنى كَوْنِ الخَسْفِ مِنَ السَّماءِ أنَّ الأمْرَ بِهِ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ " مُنَزِّلُونَ " بِالتَّشْدِيدِ. وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، والباءُ في بِما كانُوا يَفْسُقُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ: لِسَبَبِ فِسْقِهِمْ.
﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً﴾ أيْ: أبْقَيْنا مِنَ القَرْيَةِ عَلامَةً ودَلالَةً بَيِّنَةً، وهي الآثارُ الَّتِي بِها مِنَ الحِجارَةِ رُجِمُوا بِها، وخَرابُ الدِّيارِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الماءُ الأسْوَدُ الباقِي عَلى وجْهِ أرْضِهِمْ ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ، وخُصَّ مَن يَعْقِلُ، لِأنَّهُ الَّذِي يَفْهَمُ أنَّ تِلْكَ الآثارَ عِبْرَةٌ يَعْتَبِرُ بِها مَن يَراها.
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ أيْ: وأرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وذِكْرُ نَسَبِهِ وذِكْرُ قَوْمِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ ﴿قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: أفْرِدُوهُ في العِبادَةِ وخُصُّوهُ بِها ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ: تَوَقَّعُوهُ وافْعَلُوا اليَوْمَ مِنَ الأعْمالِ ما يَدْفَعُ عَذابَهُ عَنْكم.
قالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: مَعْناهُ اخْشَوُا الآخِرَةَ الَّتِي فِيها الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ العَثْوُ العُثى أشَدُّ الفَسادِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ: الزَّلْزَلَةُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] أيْ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ وهي سَبَبُ الرَّجْفَةِ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ: أصْبَحُوا في بَلَدِهِمْ أوْ مَنازِلِهِمْ جاثِمِينَ عَلى الرُّكَبِ مَيِّتِينَ.
﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: قالَ بَعْضُهم هو راجِعٌ إلى أوَّلِ السُّورَةِ أيْ: ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وفَتَنّا عادًا وثَمُودَ، قالَ: وأحَبُّ إلَيَّ أنْ يَكُونَ عَلى ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيْ: وأخَذَتْ عادًا وثَمُودَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ وأهْلَكْنا عادًا وثَمُودَ، وقِيلَ: المَعْنى: واذْكُرْ عادًا وثَمُودَ إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ هُودًا وصالِحًا ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ أيْ: وقَدْ ظَهَرَ لَكم يا مَعاشِرَ الكُفّارِ مِن مَساكِنِهِمْ بِالحِجْرِ والأحْقافِ آياتٌ بَيِّناتٌ تَتَّعِظُونَ بِها وتَتَفَكَّرُونَ فِيها، فَفاعِلُ تَبَيَّنَ مَحْذُوفٌ ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي يَعْمَلُونَها مِنَ الكُفْرِ ومَعاصِي اللَّهِ فَصَدَّهم بِهَذا التَّزْيِينِ عَنِ السَّبِيلِ أيِ: الطَّرِيقِ الواضِحِ المُوَصِّلِ إلى الحَقِّ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ أيْ: أهْلُ بَصائِرَ يَتَمَكَّنُونَ بِها مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ بِالِاسْتِدْلالِ.
قالَ الفَرّاءُ: كانُوا عُقَلاءَ ذَوِي بَصائِرَ فَلَمْ تَنْفَعْهم بَصائِرُهم، وقِيلَ: المَعْنى: كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ في كُفْرِهِمْ وضَلالَتِهِمْ مُعْجَبِينَ بِها يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى هُدًى ويَرَوْنَ أنَّ أمْرَهم حَقٌّ، فَوَصَفَهم بِالِاسْتِبْصارِ عَلى هَذا بِاعْتِبارِ ما عِنْدَ أنْفُسِهِمْ.
﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: إنْ شِئْتَ كانَ مَحْمُولًا عَلى " عادًا " وكانَ فِيهِ ما فِيهِ، وإنْ شِئْتَ كانَ عَلى " فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ " أيْ: وصَدَّ قارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ.
وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وأهْلَكْنا هَؤُلاءِ بَعْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وما كانُوا سابِقِينَ أيْ: فائِتِينَ، يُقالُ: سَبَقَ طالِبَهُ: إذا فاتَهُ: وقِيلَ: وما كانُوا سابِقِينَ في الكُفْرِ، بَلْ قَدْ سَبَقَهم إلَيْهِ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ.
﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ أيْ: عاقَبْنا بِكُفْرِهِ وتَكْذِيبِهِ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَكُلًّا أخَذْنا أيْ: فَأخَذْنا كُلًّا بِذَنْبِهِ ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ أيْ: رِيحًا تَأْتِي بِالحَصْباءِ، وهي الحَصى الصِّغارُ فَتَرْجُمُهم بِها، وهم قَوْمُ لُوطٍ ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ وهم ثَمُودُ وأهْلُ مَدْيَنَ ﴿ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ وهو قارُونُ وأصْحابُهُ ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ وهم قَوْمُ نُوحٍ وقَوْمُ فِرْعَوْنَ وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم بِما فَعَلَ بِهِمْ، لِأنَّهُ قَدْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ وعَمَلِهِمْ بِمَعاصِي اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ قالَ: مَجْلِسُكم.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ الصَّمْتِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُمِّ هانِيءٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ قالَتْ «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ قالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ بِالطَّرِيقِ فَيَحْذِفُونَ أبْناءَ السَّبِيلِ ويَسْخَرُونَ مِنهم» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: بَعْدَ إخْراجِهِ وتَحْسِينِهِ: ولا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ حاتِمِ بْنِ أبِي صَغِيرَةَ عَنْ سِماكٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَهى عَنِ الحَذْفِ»، وهو قَوْلُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: هو الحَذْفُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ في الآيَةِ قالَتِ: الضُّراطُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ: الصَّيْحَةُ، وفي قَوْلِهِ: وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ قالَ: في الضَّلالَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ قالَ: قَوْمُ لُوطٍ ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ قالَ: ثَمُودُ ﴿ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ قالَ: قارُونُ ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ قالَ: قَوْمُ نُوحٍ.
العنكبوت 29:39
(p-١١١٩)قَوْلُهُ: ولُوطًا مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى نُوحًا، أوْ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى وأنْجَيْنا لُوطًا، أوْ وأرْسَلْنا لُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ظَرْفٌ لِلْعامِلِ في لُوطٍ ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ " أئِنَّكم " بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِلا اسْتِفْهامٍ، والفاحِشَةُ الخَصْلَةُ المُتَناهِيَةُ في القُبْحِ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِكَمالِ قُبْحِ هَذِهِ الخَصْلَةِ، وأنَّهم مُنْفَرِدُونَ بِذَلِكَ لَمْ يَسْبِقْهم إلى عَمَلِها أحَدٌ مِنَ النّاسِ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الفاحِشَةَ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ أيْ: تَلُوطُونَ بِهِمْ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ بِمَن يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ المُسافِرِينَ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ تَرَكَ النّاسُ المُرُورَ بِهِمْ، فَقَطَعُوا السَّبِيلَ بِهَذا السَّبَبِ.
قالَ الفَرّاءُ: كانُوا يَعْتَرِضُونَ النّاسَ في الطُّرُقِ بِعَمَلِهِمُ الخَبِيثِ، وقِيلَ: كانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلى المارَّةِ بِقَتْلِهِمْ ونَهْبِهِمْ.
والظّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ما يَكُونُ سَبَبًا لِقَطْعِ الطَّرِيقِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسَبَبٍ خاصٍّ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَطْعِ الطَّرِيقِ: قَطْعُ النَّسْلِ بِالعُدُولِ عَنِ النِّساءِ إلى الرِّجالِ ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ النّادِي والنَّدِيُّ والمُنْتَدى مَجْلِسُ القَوْمِ ومُتَحَدَّثُهم.
واخْتُلِفَ في المُنْكَرِ الَّذِي كانُوا يَأْتُونَهُ فِيهِ، فَقِيلَ: كانُوا يَحْذِفُونَ النّاسَ بِالحَصْباءِ، ويَسْتَخِفُّونَ بِالغَرِيبِ، وقِيلَ: كانُوا يَتَضارَطُونَ في مَجالِسِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا يَأْتُونَ الرِّجالَ في مَجالِسِهِمْ، وبَعْضُهم يَرى بَعْضًا، وقِيلَ: كانُوا يَلْعَبُونَ بِالحَمامِ، وقِيلَ: كانُوا يُخَضِّبُونَ أصابِعَهم بِالحِنّاءِ، وقِيلَ: كانُوا يُناقِرُونَ بَيْنَ الدِّيَكَةِ ويُناطِحُونَ بَيْنَ الكِباشِ، وقِيلَ: يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ ويَلْبَسُونَ المُصَبَّغاتِ، ولا مانِعَ مِن أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ جَمِيعَ هَذِهِ المُنْكَراتِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وفي هَذِهِ إعْلامٌ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَعاشَرَ النّاسُ عَلى المُنْكَرِ وأنْ لا يَجْتَمِعُوا عَلى الهُزُؤِ والمَناهِي.
ولَمّا أنْكَرَ لُوطٌ عَلَيْهِمْ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ أجابُوا بِما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فَما أجابُوا بِشَيْءٍ إلّا بِهَذا القَوْلِ رُجُوعًا مِنهم إلى التَّكْذِيبِ واللَّجاجِ والعِنادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم﴾ [النمل: ٥٦] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم﴾ [الأعراف: ٨٢] وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِأنَّ لُوطًا كانَ ثابِتًا عَلى الإرْشادِ ومُكَرِّرًا لِلنَّهْيِ لَهم والوَعِيدِ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا لَهُ أوَّلًا: ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمّا كَثُرَ مِنهُ ذَلِكَ ولَمْ يَسْكُتْ عَنْهم قالُوا: أخْرِجُوهم كَما في الأعْرافِ والنَّمْلِ، وقِيلَ: إنَّهم قالُوا أوَّلًا: أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم، ثُمَّ قالُوا ثانِيًا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ.
ثُمَّ إنَّ لُوطًا لَمّا يَئِسَ مِنهم طَلَبَ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ بِإنْزالِ عَذابِكَ عَلَيْهِمْ، وإفْسادِهِمْ هو بِما سَبَقَ مِن إتْيانِ الرِّجالِ وعَمَلِ المُنْكَرِ في نادِيهِمْ، فاسْتَجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وبَعَثَ لِعَذابِهِمْ مَلائِكَتَهُ وأمْرَهم بِتَبْشِيرِ إبْراهِيمَ قَبْلَ عَذابِهِمْ.
ولِهَذا قالَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ أيْ: بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ وهو إسْحاقُ، وبِوَلَدِ الوَلَدِ وهو يَعْقُوبُ ﴿قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أيْ: قالُوا لِإبْراهِيمَ هَذِهِ المَقالَةَ، والقَرْيَةُ هي قَرْيَةُ سَدُومَ الَّتِي كانَ فِيها قَوْمُ لُوطٍ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإهْلاكِ أيْ: إهْلاكُنا لَهم بِهَذا السَّبَبِ.
﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا﴾ أيْ: قالَ لَهم إبْراهِيمُ: إنَّ في هَذِهِ القَرْيَةِ الَّتِي أنْتُمْ مُهْلِكُوها لُوطًا فَكَيْفَ تُهْلِكُونَها ؟ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ مِنَ الأخْيارِ والأشْرارِ ونَحْنُ أعْلَمُ مِن غَيْرِنا بِمَكانِ لُوطٍ ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ.
قَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ والكِسائِيُّ " لَنُنْجِيَنَّهُ " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيِ: الباقِينَ في العَذابِ، وهو لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الماضِي والباقِي، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الباقِينَ في القَرْيَةِ الَّتِي سَيَنْزِلُ بِها العَذابُ، فَتُعَذَّبُ مِن جُمْلَتِهِمْ ولا تَنْجُو فِيمَن نَجا.
﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَمّا جاءَتِ الرُّسُلُ لُوطًا بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ إبْراهِيمَ سِيءَ بِهِمْ أيْ: جاءَهُ ما ساءَهُ وخافَ مِنهُ، لِأنَّهُ ظَنَّهم مِنَ البَشَرِ، فَخافَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِكَوْنِهِمْ في أحْسَنِ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ البَشَرِيَّةِ، و" أنْ " في أنْ جاءَتْ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أيْ: عَجَزَ عَنْ تَدْبِيرِهِمْ وحَزِنَ وضاقَ صَدْرُهُ، وضِيقُ الذِّراعِ كِنايَةٌ عَنِ العَجْزِ، كَما يُقالُ: في الكِنايَةِ عَنِ الفَقْرِ: ضاقَتْ يَدُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ هُودٍ.
ولَمّا شاهَدَتِ المَلائِكَةُ ما حَلَّ بِهِ مِنَ الحُزْنِ والتَّضَجُّرِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ أيْ: لا تَخَفْ عَلَيْنا مِن قَوْمِكَ ولا تَحْزَنْ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلَيْنا ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي أمَرَنا اللَّهُ بِأنْ نُنْزِلَهُ بِهِمْ ﴿إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أخْبَرُوا لُوطًا بِما جاءُوا بِهِ مِن إهْلاكِ قَوْمِهِ وتَنْجِيَتِهِ وأهْلِهِ إلّا امْرَأتَهُ كَما أخْبَرُوا بِذَلِكَ إبْراهِيمَ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وشُعْبَةُ ويَعْقُوبُ، والأعْمَشُ " مُنَجُّوكَ " بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ المُبَرِّدُ: الكافُ في مُنَجُّوكَ مَخْفُوضٌ ولَمْ يَجُزْ عَطْفُ الظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ المَخْفُوضِ، فَحُمِلَ الثّانِي عَلى المَعْنى وصارَ التَّقْدِيرُ: ونُنْجِي أهْلَكَ.
﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هَلاكِهِمُ المَفْهُومُ مِن تَخْصِيصِ التَّنْجِيَةِ بِهِ وبِأهْلِهِ، والرِّجْزُ العَذابُ أيْ: عَذابًا مِنَ السَّماءِ، وهو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: إحْراقُهم بِنارٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ، وقِيلَ: هو الخَسْفُ والحَصَبُ كَما في غَيْرِ (p-١١٢٠)هَذا المَوْضِعِ، ومَعْنى كَوْنِ الخَسْفِ مِنَ السَّماءِ أنَّ الأمْرَ بِهِ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ " مُنَزِّلُونَ " بِالتَّشْدِيدِ. وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، والباءُ في بِما كانُوا يَفْسُقُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ: لِسَبَبِ فِسْقِهِمْ.
﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً﴾ أيْ: أبْقَيْنا مِنَ القَرْيَةِ عَلامَةً ودَلالَةً بَيِّنَةً، وهي الآثارُ الَّتِي بِها مِنَ الحِجارَةِ رُجِمُوا بِها، وخَرابُ الدِّيارِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الماءُ الأسْوَدُ الباقِي عَلى وجْهِ أرْضِهِمْ ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ، وخُصَّ مَن يَعْقِلُ، لِأنَّهُ الَّذِي يَفْهَمُ أنَّ تِلْكَ الآثارَ عِبْرَةٌ يَعْتَبِرُ بِها مَن يَراها.
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ أيْ: وأرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وذِكْرُ نَسَبِهِ وذِكْرُ قَوْمِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ ﴿قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: أفْرِدُوهُ في العِبادَةِ وخُصُّوهُ بِها ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ: تَوَقَّعُوهُ وافْعَلُوا اليَوْمَ مِنَ الأعْمالِ ما يَدْفَعُ عَذابَهُ عَنْكم.
قالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: مَعْناهُ اخْشَوُا الآخِرَةَ الَّتِي فِيها الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ العَثْوُ العُثى أشَدُّ الفَسادِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ: الزَّلْزَلَةُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] أيْ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ وهي سَبَبُ الرَّجْفَةِ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ: أصْبَحُوا في بَلَدِهِمْ أوْ مَنازِلِهِمْ جاثِمِينَ عَلى الرُّكَبِ مَيِّتِينَ.
﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: قالَ بَعْضُهم هو راجِعٌ إلى أوَّلِ السُّورَةِ أيْ: ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وفَتَنّا عادًا وثَمُودَ، قالَ: وأحَبُّ إلَيَّ أنْ يَكُونَ عَلى ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيْ: وأخَذَتْ عادًا وثَمُودَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ وأهْلَكْنا عادًا وثَمُودَ، وقِيلَ: المَعْنى: واذْكُرْ عادًا وثَمُودَ إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ هُودًا وصالِحًا ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ أيْ: وقَدْ ظَهَرَ لَكم يا مَعاشِرَ الكُفّارِ مِن مَساكِنِهِمْ بِالحِجْرِ والأحْقافِ آياتٌ بَيِّناتٌ تَتَّعِظُونَ بِها وتَتَفَكَّرُونَ فِيها، فَفاعِلُ تَبَيَّنَ مَحْذُوفٌ ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي يَعْمَلُونَها مِنَ الكُفْرِ ومَعاصِي اللَّهِ فَصَدَّهم بِهَذا التَّزْيِينِ عَنِ السَّبِيلِ أيِ: الطَّرِيقِ الواضِحِ المُوَصِّلِ إلى الحَقِّ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ أيْ: أهْلُ بَصائِرَ يَتَمَكَّنُونَ بِها مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ بِالِاسْتِدْلالِ.
قالَ الفَرّاءُ: كانُوا عُقَلاءَ ذَوِي بَصائِرَ فَلَمْ تَنْفَعْهم بَصائِرُهم، وقِيلَ: المَعْنى: كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ في كُفْرِهِمْ وضَلالَتِهِمْ مُعْجَبِينَ بِها يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى هُدًى ويَرَوْنَ أنَّ أمْرَهم حَقٌّ، فَوَصَفَهم بِالِاسْتِبْصارِ عَلى هَذا بِاعْتِبارِ ما عِنْدَ أنْفُسِهِمْ.
﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: إنْ شِئْتَ كانَ مَحْمُولًا عَلى " عادًا " وكانَ فِيهِ ما فِيهِ، وإنْ شِئْتَ كانَ عَلى " فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ " أيْ: وصَدَّ قارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ.
وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وأهْلَكْنا هَؤُلاءِ بَعْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وما كانُوا سابِقِينَ أيْ: فائِتِينَ، يُقالُ: سَبَقَ طالِبَهُ: إذا فاتَهُ: وقِيلَ: وما كانُوا سابِقِينَ في الكُفْرِ، بَلْ قَدْ سَبَقَهم إلَيْهِ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ.
﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ أيْ: عاقَبْنا بِكُفْرِهِ وتَكْذِيبِهِ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَكُلًّا أخَذْنا أيْ: فَأخَذْنا كُلًّا بِذَنْبِهِ ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ أيْ: رِيحًا تَأْتِي بِالحَصْباءِ، وهي الحَصى الصِّغارُ فَتَرْجُمُهم بِها، وهم قَوْمُ لُوطٍ ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ وهم ثَمُودُ وأهْلُ مَدْيَنَ ﴿ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ وهو قارُونُ وأصْحابُهُ ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ وهم قَوْمُ نُوحٍ وقَوْمُ فِرْعَوْنَ وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم بِما فَعَلَ بِهِمْ، لِأنَّهُ قَدْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ وعَمَلِهِمْ بِمَعاصِي اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ قالَ: مَجْلِسُكم.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ الصَّمْتِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُمِّ هانِيءٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ قالَتْ «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ قالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ بِالطَّرِيقِ فَيَحْذِفُونَ أبْناءَ السَّبِيلِ ويَسْخَرُونَ مِنهم» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: بَعْدَ إخْراجِهِ وتَحْسِينِهِ: ولا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ حاتِمِ بْنِ أبِي صَغِيرَةَ عَنْ سِماكٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَهى عَنِ الحَذْفِ»، وهو قَوْلُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: هو الحَذْفُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ في الآيَةِ قالَتِ: الضُّراطُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ: الصَّيْحَةُ، وفي قَوْلِهِ: وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ قالَ: في الضَّلالَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ قالَ: قَوْمُ لُوطٍ ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ قالَ: ثَمُودُ ﴿ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ قالَ: قارُونُ ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ قالَ: قَوْمُ نُوحٍ.
العنكبوت 29:40
(p-١١١٩)قَوْلُهُ: ولُوطًا مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى نُوحًا، أوْ عَلى إبْراهِيمَ، أوْ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى وأنْجَيْنا لُوطًا، أوْ وأرْسَلْنا لُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ظَرْفٌ لِلْعامِلِ في لُوطٍ ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ " أئِنَّكم " بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِلا اسْتِفْهامٍ، والفاحِشَةُ الخَصْلَةُ المُتَناهِيَةُ في القُبْحِ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِكَمالِ قُبْحِ هَذِهِ الخَصْلَةِ، وأنَّهم مُنْفَرِدُونَ بِذَلِكَ لَمْ يَسْبِقْهم إلى عَمَلِها أحَدٌ مِنَ النّاسِ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الفاحِشَةَ فَقالَ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ أيْ: تَلُوطُونَ بِهِمْ ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ بِمَن يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ المُسافِرِينَ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ تَرَكَ النّاسُ المُرُورَ بِهِمْ، فَقَطَعُوا السَّبِيلَ بِهَذا السَّبَبِ.
قالَ الفَرّاءُ: كانُوا يَعْتَرِضُونَ النّاسَ في الطُّرُقِ بِعَمَلِهِمُ الخَبِيثِ، وقِيلَ: كانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلى المارَّةِ بِقَتْلِهِمْ ونَهْبِهِمْ.
والظّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ما يَكُونُ سَبَبًا لِقَطْعِ الطَّرِيقِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسَبَبٍ خاصٍّ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَطْعِ الطَّرِيقِ: قَطْعُ النَّسْلِ بِالعُدُولِ عَنِ النِّساءِ إلى الرِّجالِ ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ النّادِي والنَّدِيُّ والمُنْتَدى مَجْلِسُ القَوْمِ ومُتَحَدَّثُهم.
واخْتُلِفَ في المُنْكَرِ الَّذِي كانُوا يَأْتُونَهُ فِيهِ، فَقِيلَ: كانُوا يَحْذِفُونَ النّاسَ بِالحَصْباءِ، ويَسْتَخِفُّونَ بِالغَرِيبِ، وقِيلَ: كانُوا يَتَضارَطُونَ في مَجالِسِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا يَأْتُونَ الرِّجالَ في مَجالِسِهِمْ، وبَعْضُهم يَرى بَعْضًا، وقِيلَ: كانُوا يَلْعَبُونَ بِالحَمامِ، وقِيلَ: كانُوا يُخَضِّبُونَ أصابِعَهم بِالحِنّاءِ، وقِيلَ: كانُوا يُناقِرُونَ بَيْنَ الدِّيَكَةِ ويُناطِحُونَ بَيْنَ الكِباشِ، وقِيلَ: يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ ويَلْبَسُونَ المُصَبَّغاتِ، ولا مانِعَ مِن أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ جَمِيعَ هَذِهِ المُنْكَراتِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وفي هَذِهِ إعْلامٌ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَعاشَرَ النّاسُ عَلى المُنْكَرِ وأنْ لا يَجْتَمِعُوا عَلى الهُزُؤِ والمَناهِي.
ولَمّا أنْكَرَ لُوطٌ عَلَيْهِمْ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ أجابُوا بِما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فَما أجابُوا بِشَيْءٍ إلّا بِهَذا القَوْلِ رُجُوعًا مِنهم إلى التَّكْذِيبِ واللَّجاجِ والعِنادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم﴾ [النمل: ٥٦] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم﴾ [الأعراف: ٨٢] وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِأنَّ لُوطًا كانَ ثابِتًا عَلى الإرْشادِ ومُكَرِّرًا لِلنَّهْيِ لَهم والوَعِيدِ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا لَهُ أوَّلًا: ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمّا كَثُرَ مِنهُ ذَلِكَ ولَمْ يَسْكُتْ عَنْهم قالُوا: أخْرِجُوهم كَما في الأعْرافِ والنَّمْلِ، وقِيلَ: إنَّهم قالُوا أوَّلًا: أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم، ثُمَّ قالُوا ثانِيًا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ.
ثُمَّ إنَّ لُوطًا لَمّا يَئِسَ مِنهم طَلَبَ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ بِإنْزالِ عَذابِكَ عَلَيْهِمْ، وإفْسادِهِمْ هو بِما سَبَقَ مِن إتْيانِ الرِّجالِ وعَمَلِ المُنْكَرِ في نادِيهِمْ، فاسْتَجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وبَعَثَ لِعَذابِهِمْ مَلائِكَتَهُ وأمْرَهم بِتَبْشِيرِ إبْراهِيمَ قَبْلَ عَذابِهِمْ.
ولِهَذا قالَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ أيْ: بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ وهو إسْحاقُ، وبِوَلَدِ الوَلَدِ وهو يَعْقُوبُ ﴿قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أيْ: قالُوا لِإبْراهِيمَ هَذِهِ المَقالَةَ، والقَرْيَةُ هي قَرْيَةُ سَدُومَ الَّتِي كانَ فِيها قَوْمُ لُوطٍ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإهْلاكِ أيْ: إهْلاكُنا لَهم بِهَذا السَّبَبِ.
﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا﴾ أيْ: قالَ لَهم إبْراهِيمُ: إنَّ في هَذِهِ القَرْيَةِ الَّتِي أنْتُمْ مُهْلِكُوها لُوطًا فَكَيْفَ تُهْلِكُونَها ؟ ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ مِنَ الأخْيارِ والأشْرارِ ونَحْنُ أعْلَمُ مِن غَيْرِنا بِمَكانِ لُوطٍ ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ.
قَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ والكِسائِيُّ " لَنُنْجِيَنَّهُ " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيِ: الباقِينَ في العَذابِ، وهو لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الماضِي والباقِي، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الباقِينَ في القَرْيَةِ الَّتِي سَيَنْزِلُ بِها العَذابُ، فَتُعَذَّبُ مِن جُمْلَتِهِمْ ولا تَنْجُو فِيمَن نَجا.
﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَمّا جاءَتِ الرُّسُلُ لُوطًا بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ إبْراهِيمَ سِيءَ بِهِمْ أيْ: جاءَهُ ما ساءَهُ وخافَ مِنهُ، لِأنَّهُ ظَنَّهم مِنَ البَشَرِ، فَخافَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِكَوْنِهِمْ في أحْسَنِ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ البَشَرِيَّةِ، و" أنْ " في أنْ جاءَتْ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أيْ: عَجَزَ عَنْ تَدْبِيرِهِمْ وحَزِنَ وضاقَ صَدْرُهُ، وضِيقُ الذِّراعِ كِنايَةٌ عَنِ العَجْزِ، كَما يُقالُ: في الكِنايَةِ عَنِ الفَقْرِ: ضاقَتْ يَدُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ هُودٍ.
ولَمّا شاهَدَتِ المَلائِكَةُ ما حَلَّ بِهِ مِنَ الحُزْنِ والتَّضَجُّرِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ أيْ: لا تَخَفْ عَلَيْنا مِن قَوْمِكَ ولا تَحْزَنْ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلَيْنا ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي أمَرَنا اللَّهُ بِأنْ نُنْزِلَهُ بِهِمْ ﴿إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أخْبَرُوا لُوطًا بِما جاءُوا بِهِ مِن إهْلاكِ قَوْمِهِ وتَنْجِيَتِهِ وأهْلِهِ إلّا امْرَأتَهُ كَما أخْبَرُوا بِذَلِكَ إبْراهِيمَ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وشُعْبَةُ ويَعْقُوبُ، والأعْمَشُ " مُنَجُّوكَ " بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ المُبَرِّدُ: الكافُ في مُنَجُّوكَ مَخْفُوضٌ ولَمْ يَجُزْ عَطْفُ الظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ المَخْفُوضِ، فَحُمِلَ الثّانِي عَلى المَعْنى وصارَ التَّقْدِيرُ: ونُنْجِي أهْلَكَ.
﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هَلاكِهِمُ المَفْهُومُ مِن تَخْصِيصِ التَّنْجِيَةِ بِهِ وبِأهْلِهِ، والرِّجْزُ العَذابُ أيْ: عَذابًا مِنَ السَّماءِ، وهو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: إحْراقُهم بِنارٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ، وقِيلَ: هو الخَسْفُ والحَصَبُ كَما في غَيْرِ (p-١١٢٠)هَذا المَوْضِعِ، ومَعْنى كَوْنِ الخَسْفِ مِنَ السَّماءِ أنَّ الأمْرَ بِهِ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ " مُنَزِّلُونَ " بِالتَّشْدِيدِ. وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، والباءُ في بِما كانُوا يَفْسُقُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ: لِسَبَبِ فِسْقِهِمْ.
﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً﴾ أيْ: أبْقَيْنا مِنَ القَرْيَةِ عَلامَةً ودَلالَةً بَيِّنَةً، وهي الآثارُ الَّتِي بِها مِنَ الحِجارَةِ رُجِمُوا بِها، وخَرابُ الدِّيارِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الماءُ الأسْوَدُ الباقِي عَلى وجْهِ أرْضِهِمْ ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ، وخُصَّ مَن يَعْقِلُ، لِأنَّهُ الَّذِي يَفْهَمُ أنَّ تِلْكَ الآثارَ عِبْرَةٌ يَعْتَبِرُ بِها مَن يَراها.
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ أيْ: وأرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وذِكْرُ نَسَبِهِ وذِكْرُ قَوْمِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ ﴿قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: أفْرِدُوهُ في العِبادَةِ وخُصُّوهُ بِها ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ: تَوَقَّعُوهُ وافْعَلُوا اليَوْمَ مِنَ الأعْمالِ ما يَدْفَعُ عَذابَهُ عَنْكم.
قالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: مَعْناهُ اخْشَوُا الآخِرَةَ الَّتِي فِيها الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ العَثْوُ العُثى أشَدُّ الفَسادِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ: الزَّلْزَلَةُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] أيْ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ وهي سَبَبُ الرَّجْفَةِ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ: أصْبَحُوا في بَلَدِهِمْ أوْ مَنازِلِهِمْ جاثِمِينَ عَلى الرُّكَبِ مَيِّتِينَ.
﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: قالَ بَعْضُهم هو راجِعٌ إلى أوَّلِ السُّورَةِ أيْ: ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وفَتَنّا عادًا وثَمُودَ، قالَ: وأحَبُّ إلَيَّ أنْ يَكُونَ عَلى ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيْ: وأخَذَتْ عادًا وثَمُودَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ وأهْلَكْنا عادًا وثَمُودَ، وقِيلَ: المَعْنى: واذْكُرْ عادًا وثَمُودَ إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ هُودًا وصالِحًا ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ أيْ: وقَدْ ظَهَرَ لَكم يا مَعاشِرَ الكُفّارِ مِن مَساكِنِهِمْ بِالحِجْرِ والأحْقافِ آياتٌ بَيِّناتٌ تَتَّعِظُونَ بِها وتَتَفَكَّرُونَ فِيها، فَفاعِلُ تَبَيَّنَ مَحْذُوفٌ ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي يَعْمَلُونَها مِنَ الكُفْرِ ومَعاصِي اللَّهِ فَصَدَّهم بِهَذا التَّزْيِينِ عَنِ السَّبِيلِ أيِ: الطَّرِيقِ الواضِحِ المُوَصِّلِ إلى الحَقِّ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ أيْ: أهْلُ بَصائِرَ يَتَمَكَّنُونَ بِها مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ بِالِاسْتِدْلالِ.
قالَ الفَرّاءُ: كانُوا عُقَلاءَ ذَوِي بَصائِرَ فَلَمْ تَنْفَعْهم بَصائِرُهم، وقِيلَ: المَعْنى: كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ في كُفْرِهِمْ وضَلالَتِهِمْ مُعْجَبِينَ بِها يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى هُدًى ويَرَوْنَ أنَّ أمْرَهم حَقٌّ، فَوَصَفَهم بِالِاسْتِبْصارِ عَلى هَذا بِاعْتِبارِ ما عِنْدَ أنْفُسِهِمْ.
﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: إنْ شِئْتَ كانَ مَحْمُولًا عَلى " عادًا " وكانَ فِيهِ ما فِيهِ، وإنْ شِئْتَ كانَ عَلى " فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ " أيْ: وصَدَّ قارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ.
وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وأهْلَكْنا هَؤُلاءِ بَعْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وما كانُوا سابِقِينَ أيْ: فائِتِينَ، يُقالُ: سَبَقَ طالِبَهُ: إذا فاتَهُ: وقِيلَ: وما كانُوا سابِقِينَ في الكُفْرِ، بَلْ قَدْ سَبَقَهم إلَيْهِ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ.
﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ أيْ: عاقَبْنا بِكُفْرِهِ وتَكْذِيبِهِ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَكُلًّا أخَذْنا أيْ: فَأخَذْنا كُلًّا بِذَنْبِهِ ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ أيْ: رِيحًا تَأْتِي بِالحَصْباءِ، وهي الحَصى الصِّغارُ فَتَرْجُمُهم بِها، وهم قَوْمُ لُوطٍ ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ وهم ثَمُودُ وأهْلُ مَدْيَنَ ﴿ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ وهو قارُونُ وأصْحابُهُ ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ وهم قَوْمُ نُوحٍ وقَوْمُ فِرْعَوْنَ وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم بِما فَعَلَ بِهِمْ، لِأنَّهُ قَدْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ وعَمَلِهِمْ بِمَعاصِي اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ قالَ: مَجْلِسُكم.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ الصَّمْتِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُمِّ هانِيءٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ قالَتْ «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ قالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ بِالطَّرِيقِ فَيَحْذِفُونَ أبْناءَ السَّبِيلِ ويَسْخَرُونَ مِنهم» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: بَعْدَ إخْراجِهِ وتَحْسِينِهِ: ولا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ حاتِمِ بْنِ أبِي صَغِيرَةَ عَنْ سِماكٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَهى عَنِ الحَذْفِ»، وهو قَوْلُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: هو الحَذْفُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ في الآيَةِ قالَتِ: الضُّراطُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ: الصَّيْحَةُ، وفي قَوْلِهِ: وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ قالَ: في الضَّلالَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ قالَ: قَوْمُ لُوطٍ ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ قالَ: ثَمُودُ ﴿ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ قالَ: قارُونُ ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ قالَ: قَوْمُ نُوحٍ.
العنكبوت 29:41
(p-١١٢١)قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ يُوالُونَهم ويَتَّكِلُونَ عَلَيْهِمْ في حاجاتِهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ، سَواءٌ كانُوا مِنَ الجَمادِ أوِ الحَيَوانِ، ومِنَ الأحْياءِ أوْ مِنَ الأمْواتِ ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ فَإنَّ بَيْتَها لا يُغْنِي عَنْها شَيْئًا لا في حَرٍّ ولا قُرٍّ ولا مَطَرٍ، كَذَلِكَ ما اتَّخَذُوهُ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ولا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا.
قالَ الفَرّاءُ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِهِ آلِهَةً لا تَنْفَعُهُ ولا تَضُرُّهُ، كَما أنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ لا يَقِيها حَرًّا ولا بَرْدًا.
قالَ: ولا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى العَنْكَبُوتِ لِأنَّهُ لَمّا قُصِدَ بِالتَّشْبِيهِ لِبَيْتِها الَّذِي لا يَقِيها مِن شَيْءٍ شُبِّهَتِ الآلِهَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ بِهِ، وقَدْ جَوَّزَ الوَقْفَ عَلى العَنْكَبُوتِ الأخْفَشُ، وغَلَّطَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ قالَ: لِأنَّ اتَّخَذَتْ صِلَةٌ لِلْعَنْكَبُوتِ كَأنَّهُ قالَ: كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ الَّتِي اتَّخَذَتْ بَيْتًا، فَلا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى الصِّلَةِ دُونَ المَوْصُولِ، والعَنْكَبُوتُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وتُجْمَعُ عَلى عَناكِبَ وعَنْكَبُوتاتٍ، وهي الدُّوَيْبَّةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَنْسِجُ نَسْجًا رَقِيقًا. وقَدْ يُقالُ: لَها عَكَنْباتٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كَأنَّما يَسْقُطُ مِن لُغامِها بَيْتُ عَكَنْباتٍ عَلى زِمامِها
﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لا بَيْتَ أضْعَفُ مِنهُ مِمّا يَتَّخِذُهُ الهَوامُّ بَيْتًا ولا يُدانِيهِ في الوَهْيِ والوَهْنِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اتِّخاذَهُمُ الأوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ كاتِّخاذِ العَنْكَبُوتِ بَيْتًا، أوْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَعَلِمُوا بِهَذا.
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ نافِيَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أوْ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: قُلْ لِلْكافِرِينَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أيَّ شَيْءٍ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ.
وجَزَمَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ، وعَلى تَقْدِيرِ النَّفْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّكم لا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ: يَعْنِي ما تَدْعُونَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولَةِ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، ومِن شَيْءٍ عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ.
قَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِذِكْرِ الأُمَمِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ الغالِبُ المُصْدِرُ أفْعالَهُ عَلى غايَةِ الإحْكامِ والإتْقانِ.
﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ وغَيْرُهُ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي في القُرْآنِ نَضْرِبُها لِلنّاسِ تَنْبِيهًا لَهم وتَقْرِيبًا لِما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ وما يَعْقِلُها أيْ: يَفْهَمُها ويَتَعَقَّلُ الأمْرَ الَّذِي ضَرَبْناها لِأجْلِهِ إلّا العالِمُونَ بِاللَّهِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ المُتَدَبِّرُونَ المُتَفَكِّرُونَ لِما يُتْلى عَلَيْهِمْ وما يُشاهِدُونَهُ.
﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ والقِسْطِ مُراعِيًا في خَلْقِها مَصالِحَ عِبادِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ كَلامُهُ وقُدْرَتُهُ، ومَحَلُّ بِالحَقِّ النَّصْبُ عَلى الحالِ، إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ: لَدَلالَةً عَظِيمَةً وعَلامَةً ظاهِرَةً عَلى قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ أيِ: القُرْآنِ، وفِيهِ الأمْرُ بِالتِّلاوَةِ لِلْقُرْآنِ والمُحافَظَةِ عَلى قِراءَتِهِ مَعَ التَّدَبُّرِ لِآياتِهِ والتَّفَكُّرِ في مَعانِيهِ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ أيْ: دُمْ عَلى إقامَتِها واسْتَمِرَّ عَلى أدائِها كَما أُمِرْتَ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والفَحْشاءُ ما قَبُحَ مِنَ العَمَلِ، والمُنْكَرُ ما لا يُعْرَفُ في الشَّرِيعَةِ أيْ: تَمْنَعُهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ وتُبْعِدُهُ مِنها، ومَعْنى نَهْيِها عَنْ ذَلِكَ أنَّ فِعْلَها يَكُونُ سَبَبًا لِلِانْتِهاءِ، والمُرادُ هُنا الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ أيْ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ أيْ: أفْضَلُ مِنَ العِباداتِ كُلِّها بِغَيْرِ ذِكْرٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فالجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ وكَذَلِكَ يَفْعَلُ ما لَمْ يَكُنْ مِنهُ في الصَّلاةِ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرٍ لِلَّهِ مُراقِبٍ لَهُ.
وقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ مِنَ الصَّلاةِ في النَّهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ مَعَ المُداوَمَةِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ في الآيَةِ التَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ، يَقُولُ هو أكْبَرُ وأحْرى بِأنْ يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الصَّلاةُ أيْ: والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن سائِرِ الطّاعاتِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالذِّكْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما فِيها مِنَ الذِّكْرِ هو العُمْدَةُ في تَفْضِيلِها عَلى سائِرِ الطّاعاتِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ لَكم بِالثَّوابِ والثَّناءِ عَلَيْكم مِنهُ أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم لَهُ في عِبادَتِكم وصَلَواتِكم، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهم» واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ فَهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: إلّا بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ لَهم إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّنْبِيهِ لَهم عَلى حُجَجِهِ وبَراهِينِهِ رَجاءَ إجابَتِهِمْ إلى الإسْلامِ، لا عَلى طَرِيقِ الإغْلاظِ والمُخاشَنَةِ ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ بِأنْ أفْرَطُوا في المُجادَلَةِ ولَمْ يَتَأدَّبُوا مَعَ المُسْلِمِينَ فَلا بَأْسَ بِالإغْلاظِ عَلَيْهِمْ والتَّخْشِينِ في مُجادَلَتِهِمْ، هَكَذا فَسَّرَ الآيَةَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّ المُرادَ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُجادِلُوا مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وسائِرِ مَن آمَنَ مِنهم إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ: يَعْنِي بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ، ويَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا عَلى هَذا القَوْلِ هُمُ الباقُونَ عَلى كُفْرِهِمْ.
وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، وبِذَلِكَ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
قالَ النَّحّاسُ: مَن قالَ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ احْتَجَّ بِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ قِتالٌ مَفْرُوضٌ ولا طَلَبُ جِزْيَةٍ ولا غَيْرُ ذَلِكَ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: إنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمُ الَّذِينَ نَصَبُوا القِتالَ لِلْمُسْلِمِينَ فَجِدالُهم بِالسَّيْفِ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ، ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ مِنَ القُرْآنِ (p-١١٢٢)وأُنْزِلَ إلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أيْ: آمَنّا بِأنَّهُما مُنْزَلانِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُما شَرِيعَةٌ ثابِتَةٌ إلى قِيامِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ والبَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولا يَدْخُلُ في ذَلِكَ ما حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ، وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، ولا ضِدَّ ولا نِدَّ، ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أيْ: ونَحْنُ مَعاشِرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مُطِيعُونَ لَهُ خاصَّةً، لَمْ نَقُلْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ولا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ولا اتَّخَذْنا أحْبارَنا ورُهْبانَنا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ ونَحْنُ جَمِيعًا مُنْقادُونَ لَهُ، ولا يَقْدَحُ في هَذا الوَجْهِ كَوْنُ انْقِيادِ المُسْلِمِينَ أتَمَّ مِنِ انْقِيادِ أهْلِ الكِتابِ وطاعَتِهِمْ أبْلَغَ مِن طاعَتِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ قالَ: ذاكَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَن عَبَدَ غَيْرَهُ أنَّ مَثَلَهُ كَمَثَلِ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «العَنْكَبُوتُ شَيْطانٌ مَسَخَها اللَّهُ فَمَن وجَدَها فَلْيَقْتُلْها» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَزِيدِ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: العَنْكَبُوتُ شَيْطانٌ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «دَخَلْتُ أنا، وأبُو بَكْرٍ الغارَ فاجْتَمَعَتِ العَنْكَبُوتُ فَنَسَجَتْ بِالبابِ فَلا تَقْتُلُوهُنَّ» .
ورَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيٍّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: طَهِّرُوا بُيُوتَكم مِن نَسْجِ العَنْكَبُوتِ فَإنَّ تَرْكَهُ في البَيْتِ يُورِثُ الفَقْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: نَسَجَتِ العَنْكَبُوتُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلى داوُدَ، والثّانِيَةَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ قالَ: في الصَّلاةِ مُنْتَهى ومُزْدَجَرٌ عَنِ المَعاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ فَقالَ: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا صَلاةَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِها مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا صَلاةَ لَهُ» .
وفِي لَفْظٍ «لَمْ يَزِدْ بِها مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. قالَ السُّيُوطِيُّ: وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: والأصَحُّ في هَذا كُلِّهِ المَوْقُوفاتُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والأعْمَشِ وغَيْرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ يَقُولُ: ولَذِكْرُ اللَّهِ لِعِبادِهِ إذا ذَكَرُوهُ أكْبَرُ مِن ذِكْرِهِمْ إيّاهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعْدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: سَألَنِي ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ فَقُلْتُ: ذِكْرُ اللَّهِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ قالَ: لَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبُرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ، ثُمَّ قالَ: اذْكُرُونِي أذْكُرْكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ العَبْدَ أكْبَرُ مِن ذِكْرِ العَبْدِ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: لَها وجْهانِ: ذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ مِمّا سِواهُ.
وفِي لَفْظِ: ذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ ما حَرَّمَهُ وذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أعْظَمُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: ما عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أنْجى لَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، قالُوا: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قالَ: ولا أنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتّى يَتَقَطَّعَ، لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ العَزِيزِ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ ؟ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم، وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلْيَنا وأُنْزِلَ إلَيْكم، وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والدَّيْلَمِيُّ وأبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ في الإبانَةِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ فَإنَّهم لَنْ يَهْدُوكم وقَدْ ضَلُّوا، إمّا أنْ تُصَدِّقُوا بِباطِلٍ، أوْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، واللَّهِ لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا بَيْنَ أظْهُرِكم ما حَلَّ لَهُ إلّا أنْ يَتَّبِعَنِي» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ، وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جابِرٍ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ كُنْتُمْ سائِلِيهِمْ لا مَحالَةَ فانْظُرُوا ما واطَأ كِتابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ، وما خالَفَ كِتابَ اللَّهِ فَدَعُوهُ.
العنكبوت 29:42
(p-١١٢١)قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ يُوالُونَهم ويَتَّكِلُونَ عَلَيْهِمْ في حاجاتِهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ، سَواءٌ كانُوا مِنَ الجَمادِ أوِ الحَيَوانِ، ومِنَ الأحْياءِ أوْ مِنَ الأمْواتِ ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ فَإنَّ بَيْتَها لا يُغْنِي عَنْها شَيْئًا لا في حَرٍّ ولا قُرٍّ ولا مَطَرٍ، كَذَلِكَ ما اتَّخَذُوهُ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ولا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا.
قالَ الفَرّاءُ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِهِ آلِهَةً لا تَنْفَعُهُ ولا تَضُرُّهُ، كَما أنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ لا يَقِيها حَرًّا ولا بَرْدًا.
قالَ: ولا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى العَنْكَبُوتِ لِأنَّهُ لَمّا قُصِدَ بِالتَّشْبِيهِ لِبَيْتِها الَّذِي لا يَقِيها مِن شَيْءٍ شُبِّهَتِ الآلِهَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ بِهِ، وقَدْ جَوَّزَ الوَقْفَ عَلى العَنْكَبُوتِ الأخْفَشُ، وغَلَّطَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ قالَ: لِأنَّ اتَّخَذَتْ صِلَةٌ لِلْعَنْكَبُوتِ كَأنَّهُ قالَ: كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ الَّتِي اتَّخَذَتْ بَيْتًا، فَلا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى الصِّلَةِ دُونَ المَوْصُولِ، والعَنْكَبُوتُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وتُجْمَعُ عَلى عَناكِبَ وعَنْكَبُوتاتٍ، وهي الدُّوَيْبَّةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَنْسِجُ نَسْجًا رَقِيقًا. وقَدْ يُقالُ: لَها عَكَنْباتٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كَأنَّما يَسْقُطُ مِن لُغامِها بَيْتُ عَكَنْباتٍ عَلى زِمامِها
﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لا بَيْتَ أضْعَفُ مِنهُ مِمّا يَتَّخِذُهُ الهَوامُّ بَيْتًا ولا يُدانِيهِ في الوَهْيِ والوَهْنِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اتِّخاذَهُمُ الأوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ كاتِّخاذِ العَنْكَبُوتِ بَيْتًا، أوْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَعَلِمُوا بِهَذا.
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ نافِيَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أوْ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: قُلْ لِلْكافِرِينَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أيَّ شَيْءٍ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ.
وجَزَمَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ، وعَلى تَقْدِيرِ النَّفْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّكم لا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ: يَعْنِي ما تَدْعُونَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولَةِ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، ومِن شَيْءٍ عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ.
قَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِذِكْرِ الأُمَمِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ الغالِبُ المُصْدِرُ أفْعالَهُ عَلى غايَةِ الإحْكامِ والإتْقانِ.
﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ وغَيْرُهُ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي في القُرْآنِ نَضْرِبُها لِلنّاسِ تَنْبِيهًا لَهم وتَقْرِيبًا لِما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ وما يَعْقِلُها أيْ: يَفْهَمُها ويَتَعَقَّلُ الأمْرَ الَّذِي ضَرَبْناها لِأجْلِهِ إلّا العالِمُونَ بِاللَّهِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ المُتَدَبِّرُونَ المُتَفَكِّرُونَ لِما يُتْلى عَلَيْهِمْ وما يُشاهِدُونَهُ.
﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ والقِسْطِ مُراعِيًا في خَلْقِها مَصالِحَ عِبادِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ كَلامُهُ وقُدْرَتُهُ، ومَحَلُّ بِالحَقِّ النَّصْبُ عَلى الحالِ، إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ: لَدَلالَةً عَظِيمَةً وعَلامَةً ظاهِرَةً عَلى قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ أيِ: القُرْآنِ، وفِيهِ الأمْرُ بِالتِّلاوَةِ لِلْقُرْآنِ والمُحافَظَةِ عَلى قِراءَتِهِ مَعَ التَّدَبُّرِ لِآياتِهِ والتَّفَكُّرِ في مَعانِيهِ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ أيْ: دُمْ عَلى إقامَتِها واسْتَمِرَّ عَلى أدائِها كَما أُمِرْتَ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والفَحْشاءُ ما قَبُحَ مِنَ العَمَلِ، والمُنْكَرُ ما لا يُعْرَفُ في الشَّرِيعَةِ أيْ: تَمْنَعُهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ وتُبْعِدُهُ مِنها، ومَعْنى نَهْيِها عَنْ ذَلِكَ أنَّ فِعْلَها يَكُونُ سَبَبًا لِلِانْتِهاءِ، والمُرادُ هُنا الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ أيْ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ أيْ: أفْضَلُ مِنَ العِباداتِ كُلِّها بِغَيْرِ ذِكْرٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فالجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ وكَذَلِكَ يَفْعَلُ ما لَمْ يَكُنْ مِنهُ في الصَّلاةِ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرٍ لِلَّهِ مُراقِبٍ لَهُ.
وقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ مِنَ الصَّلاةِ في النَّهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ مَعَ المُداوَمَةِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ في الآيَةِ التَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ، يَقُولُ هو أكْبَرُ وأحْرى بِأنْ يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الصَّلاةُ أيْ: والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن سائِرِ الطّاعاتِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالذِّكْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما فِيها مِنَ الذِّكْرِ هو العُمْدَةُ في تَفْضِيلِها عَلى سائِرِ الطّاعاتِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ لَكم بِالثَّوابِ والثَّناءِ عَلَيْكم مِنهُ أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم لَهُ في عِبادَتِكم وصَلَواتِكم، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهم» واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ فَهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: إلّا بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ لَهم إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّنْبِيهِ لَهم عَلى حُجَجِهِ وبَراهِينِهِ رَجاءَ إجابَتِهِمْ إلى الإسْلامِ، لا عَلى طَرِيقِ الإغْلاظِ والمُخاشَنَةِ ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ بِأنْ أفْرَطُوا في المُجادَلَةِ ولَمْ يَتَأدَّبُوا مَعَ المُسْلِمِينَ فَلا بَأْسَ بِالإغْلاظِ عَلَيْهِمْ والتَّخْشِينِ في مُجادَلَتِهِمْ، هَكَذا فَسَّرَ الآيَةَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّ المُرادَ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُجادِلُوا مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وسائِرِ مَن آمَنَ مِنهم إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ: يَعْنِي بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ، ويَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا عَلى هَذا القَوْلِ هُمُ الباقُونَ عَلى كُفْرِهِمْ.
وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، وبِذَلِكَ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
قالَ النَّحّاسُ: مَن قالَ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ احْتَجَّ بِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ قِتالٌ مَفْرُوضٌ ولا طَلَبُ جِزْيَةٍ ولا غَيْرُ ذَلِكَ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: إنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمُ الَّذِينَ نَصَبُوا القِتالَ لِلْمُسْلِمِينَ فَجِدالُهم بِالسَّيْفِ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ، ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ مِنَ القُرْآنِ (p-١١٢٢)وأُنْزِلَ إلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أيْ: آمَنّا بِأنَّهُما مُنْزَلانِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُما شَرِيعَةٌ ثابِتَةٌ إلى قِيامِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ والبَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولا يَدْخُلُ في ذَلِكَ ما حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ، وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، ولا ضِدَّ ولا نِدَّ، ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أيْ: ونَحْنُ مَعاشِرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مُطِيعُونَ لَهُ خاصَّةً، لَمْ نَقُلْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ولا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ولا اتَّخَذْنا أحْبارَنا ورُهْبانَنا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ ونَحْنُ جَمِيعًا مُنْقادُونَ لَهُ، ولا يَقْدَحُ في هَذا الوَجْهِ كَوْنُ انْقِيادِ المُسْلِمِينَ أتَمَّ مِنِ انْقِيادِ أهْلِ الكِتابِ وطاعَتِهِمْ أبْلَغَ مِن طاعَتِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ قالَ: ذاكَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَن عَبَدَ غَيْرَهُ أنَّ مَثَلَهُ كَمَثَلِ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «العَنْكَبُوتُ شَيْطانٌ مَسَخَها اللَّهُ فَمَن وجَدَها فَلْيَقْتُلْها» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَزِيدِ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: العَنْكَبُوتُ شَيْطانٌ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «دَخَلْتُ أنا، وأبُو بَكْرٍ الغارَ فاجْتَمَعَتِ العَنْكَبُوتُ فَنَسَجَتْ بِالبابِ فَلا تَقْتُلُوهُنَّ» .
ورَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيٍّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: طَهِّرُوا بُيُوتَكم مِن نَسْجِ العَنْكَبُوتِ فَإنَّ تَرْكَهُ في البَيْتِ يُورِثُ الفَقْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: نَسَجَتِ العَنْكَبُوتُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلى داوُدَ، والثّانِيَةَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ قالَ: في الصَّلاةِ مُنْتَهى ومُزْدَجَرٌ عَنِ المَعاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ فَقالَ: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا صَلاةَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِها مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا صَلاةَ لَهُ» .
وفِي لَفْظٍ «لَمْ يَزِدْ بِها مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. قالَ السُّيُوطِيُّ: وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: والأصَحُّ في هَذا كُلِّهِ المَوْقُوفاتُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والأعْمَشِ وغَيْرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ يَقُولُ: ولَذِكْرُ اللَّهِ لِعِبادِهِ إذا ذَكَرُوهُ أكْبَرُ مِن ذِكْرِهِمْ إيّاهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعْدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: سَألَنِي ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ فَقُلْتُ: ذِكْرُ اللَّهِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ قالَ: لَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبُرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ، ثُمَّ قالَ: اذْكُرُونِي أذْكُرْكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ العَبْدَ أكْبَرُ مِن ذِكْرِ العَبْدِ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: لَها وجْهانِ: ذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ مِمّا سِواهُ.
وفِي لَفْظِ: ذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ ما حَرَّمَهُ وذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أعْظَمُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: ما عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أنْجى لَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، قالُوا: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قالَ: ولا أنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتّى يَتَقَطَّعَ، لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ العَزِيزِ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ ؟ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم، وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلْيَنا وأُنْزِلَ إلَيْكم، وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والدَّيْلَمِيُّ وأبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ في الإبانَةِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ فَإنَّهم لَنْ يَهْدُوكم وقَدْ ضَلُّوا، إمّا أنْ تُصَدِّقُوا بِباطِلٍ، أوْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، واللَّهِ لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا بَيْنَ أظْهُرِكم ما حَلَّ لَهُ إلّا أنْ يَتَّبِعَنِي» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ، وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جابِرٍ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ كُنْتُمْ سائِلِيهِمْ لا مَحالَةَ فانْظُرُوا ما واطَأ كِتابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ، وما خالَفَ كِتابَ اللَّهِ فَدَعُوهُ.
العنكبوت 29:43
(p-١١٢١)قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ يُوالُونَهم ويَتَّكِلُونَ عَلَيْهِمْ في حاجاتِهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ، سَواءٌ كانُوا مِنَ الجَمادِ أوِ الحَيَوانِ، ومِنَ الأحْياءِ أوْ مِنَ الأمْواتِ ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ فَإنَّ بَيْتَها لا يُغْنِي عَنْها شَيْئًا لا في حَرٍّ ولا قُرٍّ ولا مَطَرٍ، كَذَلِكَ ما اتَّخَذُوهُ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ولا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا.
قالَ الفَرّاءُ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِهِ آلِهَةً لا تَنْفَعُهُ ولا تَضُرُّهُ، كَما أنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ لا يَقِيها حَرًّا ولا بَرْدًا.
قالَ: ولا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى العَنْكَبُوتِ لِأنَّهُ لَمّا قُصِدَ بِالتَّشْبِيهِ لِبَيْتِها الَّذِي لا يَقِيها مِن شَيْءٍ شُبِّهَتِ الآلِهَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ بِهِ، وقَدْ جَوَّزَ الوَقْفَ عَلى العَنْكَبُوتِ الأخْفَشُ، وغَلَّطَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ قالَ: لِأنَّ اتَّخَذَتْ صِلَةٌ لِلْعَنْكَبُوتِ كَأنَّهُ قالَ: كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ الَّتِي اتَّخَذَتْ بَيْتًا، فَلا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى الصِّلَةِ دُونَ المَوْصُولِ، والعَنْكَبُوتُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وتُجْمَعُ عَلى عَناكِبَ وعَنْكَبُوتاتٍ، وهي الدُّوَيْبَّةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَنْسِجُ نَسْجًا رَقِيقًا. وقَدْ يُقالُ: لَها عَكَنْباتٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كَأنَّما يَسْقُطُ مِن لُغامِها بَيْتُ عَكَنْباتٍ عَلى زِمامِها
﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لا بَيْتَ أضْعَفُ مِنهُ مِمّا يَتَّخِذُهُ الهَوامُّ بَيْتًا ولا يُدانِيهِ في الوَهْيِ والوَهْنِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اتِّخاذَهُمُ الأوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ كاتِّخاذِ العَنْكَبُوتِ بَيْتًا، أوْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَعَلِمُوا بِهَذا.
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ نافِيَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أوْ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: قُلْ لِلْكافِرِينَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أيَّ شَيْءٍ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ.
وجَزَمَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ، وعَلى تَقْدِيرِ النَّفْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّكم لا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ: يَعْنِي ما تَدْعُونَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولَةِ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، ومِن شَيْءٍ عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ.
قَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِذِكْرِ الأُمَمِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ الغالِبُ المُصْدِرُ أفْعالَهُ عَلى غايَةِ الإحْكامِ والإتْقانِ.
﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ وغَيْرُهُ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي في القُرْآنِ نَضْرِبُها لِلنّاسِ تَنْبِيهًا لَهم وتَقْرِيبًا لِما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ وما يَعْقِلُها أيْ: يَفْهَمُها ويَتَعَقَّلُ الأمْرَ الَّذِي ضَرَبْناها لِأجْلِهِ إلّا العالِمُونَ بِاللَّهِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ المُتَدَبِّرُونَ المُتَفَكِّرُونَ لِما يُتْلى عَلَيْهِمْ وما يُشاهِدُونَهُ.
﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ والقِسْطِ مُراعِيًا في خَلْقِها مَصالِحَ عِبادِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ كَلامُهُ وقُدْرَتُهُ، ومَحَلُّ بِالحَقِّ النَّصْبُ عَلى الحالِ، إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ: لَدَلالَةً عَظِيمَةً وعَلامَةً ظاهِرَةً عَلى قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ أيِ: القُرْآنِ، وفِيهِ الأمْرُ بِالتِّلاوَةِ لِلْقُرْآنِ والمُحافَظَةِ عَلى قِراءَتِهِ مَعَ التَّدَبُّرِ لِآياتِهِ والتَّفَكُّرِ في مَعانِيهِ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ أيْ: دُمْ عَلى إقامَتِها واسْتَمِرَّ عَلى أدائِها كَما أُمِرْتَ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والفَحْشاءُ ما قَبُحَ مِنَ العَمَلِ، والمُنْكَرُ ما لا يُعْرَفُ في الشَّرِيعَةِ أيْ: تَمْنَعُهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ وتُبْعِدُهُ مِنها، ومَعْنى نَهْيِها عَنْ ذَلِكَ أنَّ فِعْلَها يَكُونُ سَبَبًا لِلِانْتِهاءِ، والمُرادُ هُنا الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ أيْ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ أيْ: أفْضَلُ مِنَ العِباداتِ كُلِّها بِغَيْرِ ذِكْرٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فالجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ وكَذَلِكَ يَفْعَلُ ما لَمْ يَكُنْ مِنهُ في الصَّلاةِ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرٍ لِلَّهِ مُراقِبٍ لَهُ.
وقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ مِنَ الصَّلاةِ في النَّهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ مَعَ المُداوَمَةِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ في الآيَةِ التَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ، يَقُولُ هو أكْبَرُ وأحْرى بِأنْ يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الصَّلاةُ أيْ: والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن سائِرِ الطّاعاتِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالذِّكْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما فِيها مِنَ الذِّكْرِ هو العُمْدَةُ في تَفْضِيلِها عَلى سائِرِ الطّاعاتِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ لَكم بِالثَّوابِ والثَّناءِ عَلَيْكم مِنهُ أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم لَهُ في عِبادَتِكم وصَلَواتِكم، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهم» واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ فَهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: إلّا بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ لَهم إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّنْبِيهِ لَهم عَلى حُجَجِهِ وبَراهِينِهِ رَجاءَ إجابَتِهِمْ إلى الإسْلامِ، لا عَلى طَرِيقِ الإغْلاظِ والمُخاشَنَةِ ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ بِأنْ أفْرَطُوا في المُجادَلَةِ ولَمْ يَتَأدَّبُوا مَعَ المُسْلِمِينَ فَلا بَأْسَ بِالإغْلاظِ عَلَيْهِمْ والتَّخْشِينِ في مُجادَلَتِهِمْ، هَكَذا فَسَّرَ الآيَةَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّ المُرادَ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُجادِلُوا مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وسائِرِ مَن آمَنَ مِنهم إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ: يَعْنِي بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ، ويَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا عَلى هَذا القَوْلِ هُمُ الباقُونَ عَلى كُفْرِهِمْ.
وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، وبِذَلِكَ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
قالَ النَّحّاسُ: مَن قالَ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ احْتَجَّ بِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ قِتالٌ مَفْرُوضٌ ولا طَلَبُ جِزْيَةٍ ولا غَيْرُ ذَلِكَ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: إنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمُ الَّذِينَ نَصَبُوا القِتالَ لِلْمُسْلِمِينَ فَجِدالُهم بِالسَّيْفِ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ، ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ مِنَ القُرْآنِ (p-١١٢٢)وأُنْزِلَ إلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أيْ: آمَنّا بِأنَّهُما مُنْزَلانِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُما شَرِيعَةٌ ثابِتَةٌ إلى قِيامِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ والبَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولا يَدْخُلُ في ذَلِكَ ما حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ، وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، ولا ضِدَّ ولا نِدَّ، ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أيْ: ونَحْنُ مَعاشِرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مُطِيعُونَ لَهُ خاصَّةً، لَمْ نَقُلْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ولا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ولا اتَّخَذْنا أحْبارَنا ورُهْبانَنا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ ونَحْنُ جَمِيعًا مُنْقادُونَ لَهُ، ولا يَقْدَحُ في هَذا الوَجْهِ كَوْنُ انْقِيادِ المُسْلِمِينَ أتَمَّ مِنِ انْقِيادِ أهْلِ الكِتابِ وطاعَتِهِمْ أبْلَغَ مِن طاعَتِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ قالَ: ذاكَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَن عَبَدَ غَيْرَهُ أنَّ مَثَلَهُ كَمَثَلِ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «العَنْكَبُوتُ شَيْطانٌ مَسَخَها اللَّهُ فَمَن وجَدَها فَلْيَقْتُلْها» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَزِيدِ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: العَنْكَبُوتُ شَيْطانٌ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «دَخَلْتُ أنا، وأبُو بَكْرٍ الغارَ فاجْتَمَعَتِ العَنْكَبُوتُ فَنَسَجَتْ بِالبابِ فَلا تَقْتُلُوهُنَّ» .
ورَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيٍّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: طَهِّرُوا بُيُوتَكم مِن نَسْجِ العَنْكَبُوتِ فَإنَّ تَرْكَهُ في البَيْتِ يُورِثُ الفَقْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: نَسَجَتِ العَنْكَبُوتُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلى داوُدَ، والثّانِيَةَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ قالَ: في الصَّلاةِ مُنْتَهى ومُزْدَجَرٌ عَنِ المَعاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ فَقالَ: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا صَلاةَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِها مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا صَلاةَ لَهُ» .
وفِي لَفْظٍ «لَمْ يَزِدْ بِها مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. قالَ السُّيُوطِيُّ: وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: والأصَحُّ في هَذا كُلِّهِ المَوْقُوفاتُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والأعْمَشِ وغَيْرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ يَقُولُ: ولَذِكْرُ اللَّهِ لِعِبادِهِ إذا ذَكَرُوهُ أكْبَرُ مِن ذِكْرِهِمْ إيّاهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعْدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: سَألَنِي ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ فَقُلْتُ: ذِكْرُ اللَّهِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ قالَ: لَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبُرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ، ثُمَّ قالَ: اذْكُرُونِي أذْكُرْكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ العَبْدَ أكْبَرُ مِن ذِكْرِ العَبْدِ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: لَها وجْهانِ: ذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ مِمّا سِواهُ.
وفِي لَفْظِ: ذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ ما حَرَّمَهُ وذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أعْظَمُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: ما عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أنْجى لَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، قالُوا: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قالَ: ولا أنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتّى يَتَقَطَّعَ، لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ العَزِيزِ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ ؟ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم، وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلْيَنا وأُنْزِلَ إلَيْكم، وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والدَّيْلَمِيُّ وأبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ في الإبانَةِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ فَإنَّهم لَنْ يَهْدُوكم وقَدْ ضَلُّوا، إمّا أنْ تُصَدِّقُوا بِباطِلٍ، أوْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، واللَّهِ لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا بَيْنَ أظْهُرِكم ما حَلَّ لَهُ إلّا أنْ يَتَّبِعَنِي» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ، وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جابِرٍ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ كُنْتُمْ سائِلِيهِمْ لا مَحالَةَ فانْظُرُوا ما واطَأ كِتابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ، وما خالَفَ كِتابَ اللَّهِ فَدَعُوهُ.
العنكبوت 29:44
(p-١١٢١)قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ يُوالُونَهم ويَتَّكِلُونَ عَلَيْهِمْ في حاجاتِهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ، سَواءٌ كانُوا مِنَ الجَمادِ أوِ الحَيَوانِ، ومِنَ الأحْياءِ أوْ مِنَ الأمْواتِ ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ فَإنَّ بَيْتَها لا يُغْنِي عَنْها شَيْئًا لا في حَرٍّ ولا قُرٍّ ولا مَطَرٍ، كَذَلِكَ ما اتَّخَذُوهُ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ولا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا.
قالَ الفَرّاءُ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِهِ آلِهَةً لا تَنْفَعُهُ ولا تَضُرُّهُ، كَما أنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ لا يَقِيها حَرًّا ولا بَرْدًا.
قالَ: ولا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى العَنْكَبُوتِ لِأنَّهُ لَمّا قُصِدَ بِالتَّشْبِيهِ لِبَيْتِها الَّذِي لا يَقِيها مِن شَيْءٍ شُبِّهَتِ الآلِهَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ بِهِ، وقَدْ جَوَّزَ الوَقْفَ عَلى العَنْكَبُوتِ الأخْفَشُ، وغَلَّطَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ قالَ: لِأنَّ اتَّخَذَتْ صِلَةٌ لِلْعَنْكَبُوتِ كَأنَّهُ قالَ: كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ الَّتِي اتَّخَذَتْ بَيْتًا، فَلا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى الصِّلَةِ دُونَ المَوْصُولِ، والعَنْكَبُوتُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وتُجْمَعُ عَلى عَناكِبَ وعَنْكَبُوتاتٍ، وهي الدُّوَيْبَّةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَنْسِجُ نَسْجًا رَقِيقًا. وقَدْ يُقالُ: لَها عَكَنْباتٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كَأنَّما يَسْقُطُ مِن لُغامِها بَيْتُ عَكَنْباتٍ عَلى زِمامِها
﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لا بَيْتَ أضْعَفُ مِنهُ مِمّا يَتَّخِذُهُ الهَوامُّ بَيْتًا ولا يُدانِيهِ في الوَهْيِ والوَهْنِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اتِّخاذَهُمُ الأوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ كاتِّخاذِ العَنْكَبُوتِ بَيْتًا، أوْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَعَلِمُوا بِهَذا.
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ نافِيَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أوْ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: قُلْ لِلْكافِرِينَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أيَّ شَيْءٍ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ.
وجَزَمَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ، وعَلى تَقْدِيرِ النَّفْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّكم لا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ: يَعْنِي ما تَدْعُونَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولَةِ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، ومِن شَيْءٍ عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ.
قَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِذِكْرِ الأُمَمِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ الغالِبُ المُصْدِرُ أفْعالَهُ عَلى غايَةِ الإحْكامِ والإتْقانِ.
﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ وغَيْرُهُ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي في القُرْآنِ نَضْرِبُها لِلنّاسِ تَنْبِيهًا لَهم وتَقْرِيبًا لِما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ وما يَعْقِلُها أيْ: يَفْهَمُها ويَتَعَقَّلُ الأمْرَ الَّذِي ضَرَبْناها لِأجْلِهِ إلّا العالِمُونَ بِاللَّهِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ المُتَدَبِّرُونَ المُتَفَكِّرُونَ لِما يُتْلى عَلَيْهِمْ وما يُشاهِدُونَهُ.
﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ والقِسْطِ مُراعِيًا في خَلْقِها مَصالِحَ عِبادِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ كَلامُهُ وقُدْرَتُهُ، ومَحَلُّ بِالحَقِّ النَّصْبُ عَلى الحالِ، إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ: لَدَلالَةً عَظِيمَةً وعَلامَةً ظاهِرَةً عَلى قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ أيِ: القُرْآنِ، وفِيهِ الأمْرُ بِالتِّلاوَةِ لِلْقُرْآنِ والمُحافَظَةِ عَلى قِراءَتِهِ مَعَ التَّدَبُّرِ لِآياتِهِ والتَّفَكُّرِ في مَعانِيهِ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ أيْ: دُمْ عَلى إقامَتِها واسْتَمِرَّ عَلى أدائِها كَما أُمِرْتَ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والفَحْشاءُ ما قَبُحَ مِنَ العَمَلِ، والمُنْكَرُ ما لا يُعْرَفُ في الشَّرِيعَةِ أيْ: تَمْنَعُهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ وتُبْعِدُهُ مِنها، ومَعْنى نَهْيِها عَنْ ذَلِكَ أنَّ فِعْلَها يَكُونُ سَبَبًا لِلِانْتِهاءِ، والمُرادُ هُنا الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ أيْ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ أيْ: أفْضَلُ مِنَ العِباداتِ كُلِّها بِغَيْرِ ذِكْرٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فالجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ وكَذَلِكَ يَفْعَلُ ما لَمْ يَكُنْ مِنهُ في الصَّلاةِ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرٍ لِلَّهِ مُراقِبٍ لَهُ.
وقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ مِنَ الصَّلاةِ في النَّهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ مَعَ المُداوَمَةِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ في الآيَةِ التَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ، يَقُولُ هو أكْبَرُ وأحْرى بِأنْ يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الصَّلاةُ أيْ: والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن سائِرِ الطّاعاتِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالذِّكْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما فِيها مِنَ الذِّكْرِ هو العُمْدَةُ في تَفْضِيلِها عَلى سائِرِ الطّاعاتِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ لَكم بِالثَّوابِ والثَّناءِ عَلَيْكم مِنهُ أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم لَهُ في عِبادَتِكم وصَلَواتِكم، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهم» واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ فَهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: إلّا بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ لَهم إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّنْبِيهِ لَهم عَلى حُجَجِهِ وبَراهِينِهِ رَجاءَ إجابَتِهِمْ إلى الإسْلامِ، لا عَلى طَرِيقِ الإغْلاظِ والمُخاشَنَةِ ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ بِأنْ أفْرَطُوا في المُجادَلَةِ ولَمْ يَتَأدَّبُوا مَعَ المُسْلِمِينَ فَلا بَأْسَ بِالإغْلاظِ عَلَيْهِمْ والتَّخْشِينِ في مُجادَلَتِهِمْ، هَكَذا فَسَّرَ الآيَةَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّ المُرادَ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُجادِلُوا مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وسائِرِ مَن آمَنَ مِنهم إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ: يَعْنِي بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ، ويَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا عَلى هَذا القَوْلِ هُمُ الباقُونَ عَلى كُفْرِهِمْ.
وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، وبِذَلِكَ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
قالَ النَّحّاسُ: مَن قالَ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ احْتَجَّ بِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ قِتالٌ مَفْرُوضٌ ولا طَلَبُ جِزْيَةٍ ولا غَيْرُ ذَلِكَ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: إنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمُ الَّذِينَ نَصَبُوا القِتالَ لِلْمُسْلِمِينَ فَجِدالُهم بِالسَّيْفِ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ، ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ مِنَ القُرْآنِ (p-١١٢٢)وأُنْزِلَ إلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أيْ: آمَنّا بِأنَّهُما مُنْزَلانِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُما شَرِيعَةٌ ثابِتَةٌ إلى قِيامِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ والبَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولا يَدْخُلُ في ذَلِكَ ما حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ، وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، ولا ضِدَّ ولا نِدَّ، ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أيْ: ونَحْنُ مَعاشِرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مُطِيعُونَ لَهُ خاصَّةً، لَمْ نَقُلْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ولا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ولا اتَّخَذْنا أحْبارَنا ورُهْبانَنا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ ونَحْنُ جَمِيعًا مُنْقادُونَ لَهُ، ولا يَقْدَحُ في هَذا الوَجْهِ كَوْنُ انْقِيادِ المُسْلِمِينَ أتَمَّ مِنِ انْقِيادِ أهْلِ الكِتابِ وطاعَتِهِمْ أبْلَغَ مِن طاعَتِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ قالَ: ذاكَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَن عَبَدَ غَيْرَهُ أنَّ مَثَلَهُ كَمَثَلِ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «العَنْكَبُوتُ شَيْطانٌ مَسَخَها اللَّهُ فَمَن وجَدَها فَلْيَقْتُلْها» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَزِيدِ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: العَنْكَبُوتُ شَيْطانٌ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «دَخَلْتُ أنا، وأبُو بَكْرٍ الغارَ فاجْتَمَعَتِ العَنْكَبُوتُ فَنَسَجَتْ بِالبابِ فَلا تَقْتُلُوهُنَّ» .
ورَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيٍّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: طَهِّرُوا بُيُوتَكم مِن نَسْجِ العَنْكَبُوتِ فَإنَّ تَرْكَهُ في البَيْتِ يُورِثُ الفَقْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: نَسَجَتِ العَنْكَبُوتُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلى داوُدَ، والثّانِيَةَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ قالَ: في الصَّلاةِ مُنْتَهى ومُزْدَجَرٌ عَنِ المَعاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ فَقالَ: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا صَلاةَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِها مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا صَلاةَ لَهُ» .
وفِي لَفْظٍ «لَمْ يَزِدْ بِها مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. قالَ السُّيُوطِيُّ: وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: والأصَحُّ في هَذا كُلِّهِ المَوْقُوفاتُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والأعْمَشِ وغَيْرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ يَقُولُ: ولَذِكْرُ اللَّهِ لِعِبادِهِ إذا ذَكَرُوهُ أكْبَرُ مِن ذِكْرِهِمْ إيّاهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعْدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: سَألَنِي ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ فَقُلْتُ: ذِكْرُ اللَّهِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ قالَ: لَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبُرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ، ثُمَّ قالَ: اذْكُرُونِي أذْكُرْكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ العَبْدَ أكْبَرُ مِن ذِكْرِ العَبْدِ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: لَها وجْهانِ: ذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ مِمّا سِواهُ.
وفِي لَفْظِ: ذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ ما حَرَّمَهُ وذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أعْظَمُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: ما عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أنْجى لَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، قالُوا: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قالَ: ولا أنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتّى يَتَقَطَّعَ، لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ العَزِيزِ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ ؟ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم، وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلْيَنا وأُنْزِلَ إلَيْكم، وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والدَّيْلَمِيُّ وأبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ في الإبانَةِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ فَإنَّهم لَنْ يَهْدُوكم وقَدْ ضَلُّوا، إمّا أنْ تُصَدِّقُوا بِباطِلٍ، أوْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، واللَّهِ لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا بَيْنَ أظْهُرِكم ما حَلَّ لَهُ إلّا أنْ يَتَّبِعَنِي» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ، وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جابِرٍ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ كُنْتُمْ سائِلِيهِمْ لا مَحالَةَ فانْظُرُوا ما واطَأ كِتابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ، وما خالَفَ كِتابَ اللَّهِ فَدَعُوهُ.
العنكبوت 29:45
(p-١١٢١)قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ يُوالُونَهم ويَتَّكِلُونَ عَلَيْهِمْ في حاجاتِهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ، سَواءٌ كانُوا مِنَ الجَمادِ أوِ الحَيَوانِ، ومِنَ الأحْياءِ أوْ مِنَ الأمْواتِ ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ فَإنَّ بَيْتَها لا يُغْنِي عَنْها شَيْئًا لا في حَرٍّ ولا قُرٍّ ولا مَطَرٍ، كَذَلِكَ ما اتَّخَذُوهُ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ولا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا.
قالَ الفَرّاءُ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِهِ آلِهَةً لا تَنْفَعُهُ ولا تَضُرُّهُ، كَما أنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ لا يَقِيها حَرًّا ولا بَرْدًا.
قالَ: ولا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى العَنْكَبُوتِ لِأنَّهُ لَمّا قُصِدَ بِالتَّشْبِيهِ لِبَيْتِها الَّذِي لا يَقِيها مِن شَيْءٍ شُبِّهَتِ الآلِهَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ بِهِ، وقَدْ جَوَّزَ الوَقْفَ عَلى العَنْكَبُوتِ الأخْفَشُ، وغَلَّطَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ قالَ: لِأنَّ اتَّخَذَتْ صِلَةٌ لِلْعَنْكَبُوتِ كَأنَّهُ قالَ: كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ الَّتِي اتَّخَذَتْ بَيْتًا، فَلا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى الصِّلَةِ دُونَ المَوْصُولِ، والعَنْكَبُوتُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وتُجْمَعُ عَلى عَناكِبَ وعَنْكَبُوتاتٍ، وهي الدُّوَيْبَّةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَنْسِجُ نَسْجًا رَقِيقًا. وقَدْ يُقالُ: لَها عَكَنْباتٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كَأنَّما يَسْقُطُ مِن لُغامِها بَيْتُ عَكَنْباتٍ عَلى زِمامِها
﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لا بَيْتَ أضْعَفُ مِنهُ مِمّا يَتَّخِذُهُ الهَوامُّ بَيْتًا ولا يُدانِيهِ في الوَهْيِ والوَهْنِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اتِّخاذَهُمُ الأوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ كاتِّخاذِ العَنْكَبُوتِ بَيْتًا، أوْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَعَلِمُوا بِهَذا.
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ نافِيَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أوْ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: قُلْ لِلْكافِرِينَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أيَّ شَيْءٍ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ.
وجَزَمَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ، وعَلى تَقْدِيرِ النَّفْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّكم لا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ: يَعْنِي ما تَدْعُونَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولَةِ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، ومِن شَيْءٍ عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ.
قَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِذِكْرِ الأُمَمِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ الغالِبُ المُصْدِرُ أفْعالَهُ عَلى غايَةِ الإحْكامِ والإتْقانِ.
﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ وغَيْرُهُ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي في القُرْآنِ نَضْرِبُها لِلنّاسِ تَنْبِيهًا لَهم وتَقْرِيبًا لِما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ وما يَعْقِلُها أيْ: يَفْهَمُها ويَتَعَقَّلُ الأمْرَ الَّذِي ضَرَبْناها لِأجْلِهِ إلّا العالِمُونَ بِاللَّهِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ المُتَدَبِّرُونَ المُتَفَكِّرُونَ لِما يُتْلى عَلَيْهِمْ وما يُشاهِدُونَهُ.
﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ والقِسْطِ مُراعِيًا في خَلْقِها مَصالِحَ عِبادِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ كَلامُهُ وقُدْرَتُهُ، ومَحَلُّ بِالحَقِّ النَّصْبُ عَلى الحالِ، إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ: لَدَلالَةً عَظِيمَةً وعَلامَةً ظاهِرَةً عَلى قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ أيِ: القُرْآنِ، وفِيهِ الأمْرُ بِالتِّلاوَةِ لِلْقُرْآنِ والمُحافَظَةِ عَلى قِراءَتِهِ مَعَ التَّدَبُّرِ لِآياتِهِ والتَّفَكُّرِ في مَعانِيهِ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ أيْ: دُمْ عَلى إقامَتِها واسْتَمِرَّ عَلى أدائِها كَما أُمِرْتَ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والفَحْشاءُ ما قَبُحَ مِنَ العَمَلِ، والمُنْكَرُ ما لا يُعْرَفُ في الشَّرِيعَةِ أيْ: تَمْنَعُهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ وتُبْعِدُهُ مِنها، ومَعْنى نَهْيِها عَنْ ذَلِكَ أنَّ فِعْلَها يَكُونُ سَبَبًا لِلِانْتِهاءِ، والمُرادُ هُنا الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ أيْ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ أيْ: أفْضَلُ مِنَ العِباداتِ كُلِّها بِغَيْرِ ذِكْرٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فالجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ وكَذَلِكَ يَفْعَلُ ما لَمْ يَكُنْ مِنهُ في الصَّلاةِ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرٍ لِلَّهِ مُراقِبٍ لَهُ.
وقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ مِنَ الصَّلاةِ في النَّهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ مَعَ المُداوَمَةِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ في الآيَةِ التَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ، يَقُولُ هو أكْبَرُ وأحْرى بِأنْ يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الصَّلاةُ أيْ: والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن سائِرِ الطّاعاتِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالذِّكْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما فِيها مِنَ الذِّكْرِ هو العُمْدَةُ في تَفْضِيلِها عَلى سائِرِ الطّاعاتِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ لَكم بِالثَّوابِ والثَّناءِ عَلَيْكم مِنهُ أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم لَهُ في عِبادَتِكم وصَلَواتِكم، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهم» واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ فَهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: إلّا بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ لَهم إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّنْبِيهِ لَهم عَلى حُجَجِهِ وبَراهِينِهِ رَجاءَ إجابَتِهِمْ إلى الإسْلامِ، لا عَلى طَرِيقِ الإغْلاظِ والمُخاشَنَةِ ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ بِأنْ أفْرَطُوا في المُجادَلَةِ ولَمْ يَتَأدَّبُوا مَعَ المُسْلِمِينَ فَلا بَأْسَ بِالإغْلاظِ عَلَيْهِمْ والتَّخْشِينِ في مُجادَلَتِهِمْ، هَكَذا فَسَّرَ الآيَةَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّ المُرادَ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُجادِلُوا مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وسائِرِ مَن آمَنَ مِنهم إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ: يَعْنِي بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ، ويَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا عَلى هَذا القَوْلِ هُمُ الباقُونَ عَلى كُفْرِهِمْ.
وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، وبِذَلِكَ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
قالَ النَّحّاسُ: مَن قالَ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ احْتَجَّ بِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ قِتالٌ مَفْرُوضٌ ولا طَلَبُ جِزْيَةٍ ولا غَيْرُ ذَلِكَ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: إنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمُ الَّذِينَ نَصَبُوا القِتالَ لِلْمُسْلِمِينَ فَجِدالُهم بِالسَّيْفِ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ، ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ مِنَ القُرْآنِ (p-١١٢٢)وأُنْزِلَ إلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أيْ: آمَنّا بِأنَّهُما مُنْزَلانِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُما شَرِيعَةٌ ثابِتَةٌ إلى قِيامِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ والبَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولا يَدْخُلُ في ذَلِكَ ما حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ، وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، ولا ضِدَّ ولا نِدَّ، ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أيْ: ونَحْنُ مَعاشِرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مُطِيعُونَ لَهُ خاصَّةً، لَمْ نَقُلْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ولا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ولا اتَّخَذْنا أحْبارَنا ورُهْبانَنا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ ونَحْنُ جَمِيعًا مُنْقادُونَ لَهُ، ولا يَقْدَحُ في هَذا الوَجْهِ كَوْنُ انْقِيادِ المُسْلِمِينَ أتَمَّ مِنِ انْقِيادِ أهْلِ الكِتابِ وطاعَتِهِمْ أبْلَغَ مِن طاعَتِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ قالَ: ذاكَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَن عَبَدَ غَيْرَهُ أنَّ مَثَلَهُ كَمَثَلِ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «العَنْكَبُوتُ شَيْطانٌ مَسَخَها اللَّهُ فَمَن وجَدَها فَلْيَقْتُلْها» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَزِيدِ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: العَنْكَبُوتُ شَيْطانٌ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «دَخَلْتُ أنا، وأبُو بَكْرٍ الغارَ فاجْتَمَعَتِ العَنْكَبُوتُ فَنَسَجَتْ بِالبابِ فَلا تَقْتُلُوهُنَّ» .
ورَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيٍّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: طَهِّرُوا بُيُوتَكم مِن نَسْجِ العَنْكَبُوتِ فَإنَّ تَرْكَهُ في البَيْتِ يُورِثُ الفَقْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: نَسَجَتِ العَنْكَبُوتُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلى داوُدَ، والثّانِيَةَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ قالَ: في الصَّلاةِ مُنْتَهى ومُزْدَجَرٌ عَنِ المَعاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ فَقالَ: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا صَلاةَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِها مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا صَلاةَ لَهُ» .
وفِي لَفْظٍ «لَمْ يَزِدْ بِها مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. قالَ السُّيُوطِيُّ: وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: والأصَحُّ في هَذا كُلِّهِ المَوْقُوفاتُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والأعْمَشِ وغَيْرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ يَقُولُ: ولَذِكْرُ اللَّهِ لِعِبادِهِ إذا ذَكَرُوهُ أكْبَرُ مِن ذِكْرِهِمْ إيّاهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعْدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: سَألَنِي ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ فَقُلْتُ: ذِكْرُ اللَّهِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ قالَ: لَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبُرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ، ثُمَّ قالَ: اذْكُرُونِي أذْكُرْكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ العَبْدَ أكْبَرُ مِن ذِكْرِ العَبْدِ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: لَها وجْهانِ: ذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ مِمّا سِواهُ.
وفِي لَفْظِ: ذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ ما حَرَّمَهُ وذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أعْظَمُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: ما عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أنْجى لَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، قالُوا: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قالَ: ولا أنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتّى يَتَقَطَّعَ، لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ العَزِيزِ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ ؟ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم، وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلْيَنا وأُنْزِلَ إلَيْكم، وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والدَّيْلَمِيُّ وأبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ في الإبانَةِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ فَإنَّهم لَنْ يَهْدُوكم وقَدْ ضَلُّوا، إمّا أنْ تُصَدِّقُوا بِباطِلٍ، أوْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، واللَّهِ لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا بَيْنَ أظْهُرِكم ما حَلَّ لَهُ إلّا أنْ يَتَّبِعَنِي» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ، وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جابِرٍ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ كُنْتُمْ سائِلِيهِمْ لا مَحالَةَ فانْظُرُوا ما واطَأ كِتابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ، وما خالَفَ كِتابَ اللَّهِ فَدَعُوهُ.
العنكبوت 29:46
(p-١١٢١)قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ يُوالُونَهم ويَتَّكِلُونَ عَلَيْهِمْ في حاجاتِهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ، سَواءٌ كانُوا مِنَ الجَمادِ أوِ الحَيَوانِ، ومِنَ الأحْياءِ أوْ مِنَ الأمْواتِ ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ فَإنَّ بَيْتَها لا يُغْنِي عَنْها شَيْئًا لا في حَرٍّ ولا قُرٍّ ولا مَطَرٍ، كَذَلِكَ ما اتَّخَذُوهُ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ولا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا.
قالَ الفَرّاءُ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِهِ آلِهَةً لا تَنْفَعُهُ ولا تَضُرُّهُ، كَما أنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ لا يَقِيها حَرًّا ولا بَرْدًا.
قالَ: ولا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى العَنْكَبُوتِ لِأنَّهُ لَمّا قُصِدَ بِالتَّشْبِيهِ لِبَيْتِها الَّذِي لا يَقِيها مِن شَيْءٍ شُبِّهَتِ الآلِهَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ بِهِ، وقَدْ جَوَّزَ الوَقْفَ عَلى العَنْكَبُوتِ الأخْفَشُ، وغَلَّطَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ قالَ: لِأنَّ اتَّخَذَتْ صِلَةٌ لِلْعَنْكَبُوتِ كَأنَّهُ قالَ: كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ الَّتِي اتَّخَذَتْ بَيْتًا، فَلا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى الصِّلَةِ دُونَ المَوْصُولِ، والعَنْكَبُوتُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وتُجْمَعُ عَلى عَناكِبَ وعَنْكَبُوتاتٍ، وهي الدُّوَيْبَّةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَنْسِجُ نَسْجًا رَقِيقًا. وقَدْ يُقالُ: لَها عَكَنْباتٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كَأنَّما يَسْقُطُ مِن لُغامِها بَيْتُ عَكَنْباتٍ عَلى زِمامِها
﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لا بَيْتَ أضْعَفُ مِنهُ مِمّا يَتَّخِذُهُ الهَوامُّ بَيْتًا ولا يُدانِيهِ في الوَهْيِ والوَهْنِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اتِّخاذَهُمُ الأوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ كاتِّخاذِ العَنْكَبُوتِ بَيْتًا، أوْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَعَلِمُوا بِهَذا.
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، أوْ نافِيَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أوْ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: قُلْ لِلْكافِرِينَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أيَّ شَيْءٍ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ.
وجَزَمَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ، وعَلى تَقْدِيرِ النَّفْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّكم لا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ: يَعْنِي ما تَدْعُونَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولَةِ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، ومِن شَيْءٍ عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ.
قَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِذِكْرِ الأُمَمِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ الغالِبُ المُصْدِرُ أفْعالَهُ عَلى غايَةِ الإحْكامِ والإتْقانِ.
﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ أيْ: هَذا المَثَلُ وغَيْرُهُ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي في القُرْآنِ نَضْرِبُها لِلنّاسِ تَنْبِيهًا لَهم وتَقْرِيبًا لِما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ وما يَعْقِلُها أيْ: يَفْهَمُها ويَتَعَقَّلُ الأمْرَ الَّذِي ضَرَبْناها لِأجْلِهِ إلّا العالِمُونَ بِاللَّهِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ المُتَدَبِّرُونَ المُتَفَكِّرُونَ لِما يُتْلى عَلَيْهِمْ وما يُشاهِدُونَهُ.
﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ والقِسْطِ مُراعِيًا في خَلْقِها مَصالِحَ عِبادِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ كَلامُهُ وقُدْرَتُهُ، ومَحَلُّ بِالحَقِّ النَّصْبُ عَلى الحالِ، إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ: لَدَلالَةً عَظِيمَةً وعَلامَةً ظاهِرَةً عَلى قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ أيِ: القُرْآنِ، وفِيهِ الأمْرُ بِالتِّلاوَةِ لِلْقُرْآنِ والمُحافَظَةِ عَلى قِراءَتِهِ مَعَ التَّدَبُّرِ لِآياتِهِ والتَّفَكُّرِ في مَعانِيهِ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ أيْ: دُمْ عَلى إقامَتِها واسْتَمِرَّ عَلى أدائِها كَما أُمِرْتَ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والفَحْشاءُ ما قَبُحَ مِنَ العَمَلِ، والمُنْكَرُ ما لا يُعْرَفُ في الشَّرِيعَةِ أيْ: تَمْنَعُهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ وتُبْعِدُهُ مِنها، ومَعْنى نَهْيِها عَنْ ذَلِكَ أنَّ فِعْلَها يَكُونُ سَبَبًا لِلِانْتِهاءِ، والمُرادُ هُنا الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ أيْ: أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ أيْ: أفْضَلُ مِنَ العِباداتِ كُلِّها بِغَيْرِ ذِكْرٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فالجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَّلاةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ وكَذَلِكَ يَفْعَلُ ما لَمْ يَكُنْ مِنهُ في الصَّلاةِ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرٍ لِلَّهِ مُراقِبٍ لَهُ.
وقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ مِنَ الصَّلاةِ في النَّهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ مَعَ المُداوَمَةِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ في الآيَةِ التَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ، يَقُولُ هو أكْبَرُ وأحْرى بِأنْ يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الصَّلاةُ أيْ: والصَّلاةُ أكْبَرُ مِن سائِرِ الطّاعاتِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالذِّكْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما فِيها مِنَ الذِّكْرِ هو العُمْدَةُ في تَفْضِيلِها عَلى سائِرِ الطّاعاتِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَذِكْرُ اللَّهِ لَكم بِالثَّوابِ والثَّناءِ عَلَيْكم مِنهُ أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم لَهُ في عِبادَتِكم وصَلَواتِكم، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهم» واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ فَهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: إلّا بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ لَهم إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّنْبِيهِ لَهم عَلى حُجَجِهِ وبَراهِينِهِ رَجاءَ إجابَتِهِمْ إلى الإسْلامِ، لا عَلى طَرِيقِ الإغْلاظِ والمُخاشَنَةِ ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ بِأنْ أفْرَطُوا في المُجادَلَةِ ولَمْ يَتَأدَّبُوا مَعَ المُسْلِمِينَ فَلا بَأْسَ بِالإغْلاظِ عَلَيْهِمْ والتَّخْشِينِ في مُجادَلَتِهِمْ، هَكَذا فَسَّرَ الآيَةَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّ المُرادَ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا تُجادِلُوا مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وسائِرِ مَن آمَنَ مِنهم إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ: يَعْنِي بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ، ويَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا عَلى هَذا القَوْلِ هُمُ الباقُونَ عَلى كُفْرِهِمْ.
وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، وبِذَلِكَ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
قالَ النَّحّاسُ: مَن قالَ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ احْتَجَّ بِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ قِتالٌ مَفْرُوضٌ ولا طَلَبُ جِزْيَةٍ ولا غَيْرُ ذَلِكَ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: إنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمُ الَّذِينَ نَصَبُوا القِتالَ لِلْمُسْلِمِينَ فَجِدالُهم بِالسَّيْفِ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ، ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ مِنَ القُرْآنِ (p-١١٢٢)وأُنْزِلَ إلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أيْ: آمَنّا بِأنَّهُما مُنْزَلانِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُما شَرِيعَةٌ ثابِتَةٌ إلى قِيامِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ والبَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولا يَدْخُلُ في ذَلِكَ ما حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ، وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، ولا ضِدَّ ولا نِدَّ، ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أيْ: ونَحْنُ مَعاشِرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مُطِيعُونَ لَهُ خاصَّةً، لَمْ نَقُلْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ولا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ولا اتَّخَذْنا أحْبارَنا ورُهْبانَنا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ ونَحْنُ جَمِيعًا مُنْقادُونَ لَهُ، ولا يَقْدَحُ في هَذا الوَجْهِ كَوْنُ انْقِيادِ المُسْلِمِينَ أتَمَّ مِنِ انْقِيادِ أهْلِ الكِتابِ وطاعَتِهِمْ أبْلَغَ مِن طاعَتِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ قالَ: ذاكَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَن عَبَدَ غَيْرَهُ أنَّ مَثَلَهُ كَمَثَلِ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «العَنْكَبُوتُ شَيْطانٌ مَسَخَها اللَّهُ فَمَن وجَدَها فَلْيَقْتُلْها» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَزِيدِ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: العَنْكَبُوتُ شَيْطانٌ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «دَخَلْتُ أنا، وأبُو بَكْرٍ الغارَ فاجْتَمَعَتِ العَنْكَبُوتُ فَنَسَجَتْ بِالبابِ فَلا تَقْتُلُوهُنَّ» .
ورَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيٍّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: طَهِّرُوا بُيُوتَكم مِن نَسْجِ العَنْكَبُوتِ فَإنَّ تَرْكَهُ في البَيْتِ يُورِثُ الفَقْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: نَسَجَتِ العَنْكَبُوتُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلى داوُدَ، والثّانِيَةَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ قالَ: في الصَّلاةِ مُنْتَهى ومُزْدَجَرٌ عَنِ المَعاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ فَقالَ: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا صَلاةَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِها مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا صَلاةَ لَهُ» .
وفِي لَفْظٍ «لَمْ يَزِدْ بِها مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. قالَ السُّيُوطِيُّ: وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: والأصَحُّ في هَذا كُلِّهِ المَوْقُوفاتُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والأعْمَشِ وغَيْرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ يَقُولُ: ولَذِكْرُ اللَّهِ لِعِبادِهِ إذا ذَكَرُوهُ أكْبَرُ مِن ذِكْرِهِمْ إيّاهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعْدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: سَألَنِي ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ فَقُلْتُ: ذِكْرُ اللَّهِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ قالَ: لَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبُرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ، ثُمَّ قالَ: اذْكُرُونِي أذْكُرْكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ العَبْدَ أكْبَرُ مِن ذِكْرِ العَبْدِ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: لَها وجْهانِ: ذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ مِمّا سِواهُ.
وفِي لَفْظِ: ذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ ما حَرَّمَهُ وذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أعْظَمُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: ما عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أنْجى لَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، قالُوا: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قالَ: ولا أنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتّى يَتَقَطَّعَ، لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ العَزِيزِ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ ؟ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم، وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلْيَنا وأُنْزِلَ إلَيْكم، وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والدَّيْلَمِيُّ وأبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ في الإبانَةِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ فَإنَّهم لَنْ يَهْدُوكم وقَدْ ضَلُّوا، إمّا أنْ تُصَدِّقُوا بِباطِلٍ، أوْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، واللَّهِ لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا بَيْنَ أظْهُرِكم ما حَلَّ لَهُ إلّا أنْ يَتَّبِعَنِي» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ، وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جابِرٍ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ كُنْتُمْ سائِلِيهِمْ لا مَحالَةَ فانْظُرُوا ما واطَأ كِتابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ، وما خالَفَ كِتابَ اللَّهِ فَدَعُوهُ.
العنكبوت 29:47
(p-١١٢٣)قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ كَما بَيَّناهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، وقِيلَ: المَعْنى: كَما أنْزَلَنا الكِتابَ عَلَيْهِمْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وخَصَّهم بِإيتائِهُمُ الكِتابَ لِكَوْنِهِمُ العامِلِينَ بِهِ وكَأنَّ غَيْرَهم لَمْ يُؤْتَوْهُ لِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِما فِيهِ وجَحْدِهِمْ لِصِفاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَذْكُورَةِ فِيهِ ﴿ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الإشارَةُ إلى أهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ أنَّ مِنهم، وهو مَن قَدْ أسْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ أيْ: بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ العَرَبِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ.
﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الضَّمِيرُ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ المُرادُ بِقَوْلِهِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ أيْ: ما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ تَقْرَأُ قَبْلَ القُرْآنِ كِتابًا ولا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّكَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ ﴿ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أيْ: ولا تَكْتُبُهُ لِأنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى الكِتابَةِ.
قالَ مُجاهِدٌ كانَ أهْلُ الكِتابِ يَجِدُونَ في كُتُبِهِمْ إنْ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ النَّحّاسُ: وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّهُ لا يَكْتُبُ ولا يُخالِطُ أهْلَ الكِتابِ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أهْلُ كِتابٍ فَجاءَهم بِأخْبارِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى التِّلاوَةِ والخَطِّ لَقالُوا لَعَلَّهُ وجَدَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْنا مِن كُتُبِ اللَّهِ السّابِقَةِ أوْ مِنَ الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ في أخْبارِ الأُمَمِ، فَلَمّا كُنْتَ أُمِّيًّا لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْضِعٌ لِلرِّيبَةِ ولا مَحَلٌّ لِلشَّكِّ أبَدًا، بَلْ إنْكارُ مَن أنْكَرَ وكُفْرُ مَن كَفَرَ مُجَرَّدُ عِنادٍ وجُحُودٍ بِلا شُبْهَةٍ، وسَمّاهم مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّ ارْتِيابَهم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ويَكْتُبُ ظُلْمٌ مِنهم لِظُهُورِ نَزاهَتِهِ ووُضُوحِ مُعْجِزاتِهِ.
بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ حَفِظُوا القُرْآنَ عَلى عَهْدِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وحَفِظُوهُ بَعْدَهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: بَلْ مُحَمَّدٌ آياتٌ بَيِّناتٌ أيْ: ذُو آياتٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " بَلْ هي آياتٌ بَيِّناتٌ " قالَ الفَرّاءُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: بَلْ آياتُ القُرْآنِ آياتٌ بَيِّناتٌ.
واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ ما قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، وقَدِ اسْتَدَلَّ لِما قالاهُ بِقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْفَعِ " بَلْ هَذا آياتٌ بَيِّناتٌ " ولا دَلِيلَ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ الإشارَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إلى القُرْآنِ كَما جازَ أنْ تَكُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ رُجُوعُها إلى القُرْآنِ أظْهَرُ لِعَدَمِ احْتِياجِ ذَلِكَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْدِيرِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ أيِ: المُجاوِزُونَ لِلْحَدِّ في الظُّلْمِ.
﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قالَ المُشْرِكُونَ هَذا القَوْلَ، والمَعْنى: هَلّا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَآياتِ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ كَآياتِ مُوسى وناقَةِ صالِحٍ وإحْياءِ المَسِيحِ لِلْمَوْتى، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُها عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى ذَلِكَ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ أُنْذِرُكم كَما أُمِرْتُ وأُبَيِّنُ لَكم كَما يَنْبَغِي، لَيْسَ في قُدْرَتِي غَيْرُ ذَلِكَ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ آيَةٌ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ " قُلْ إنَّما الآياتُ " .
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلرَّدِّ عَلى اقْتِراحِهِمْ وبَيانِ بُطْلانِهِ أيْ: أوَلَمْ يَكْفِ المُشْرِكِينَ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ الَّذِي قَدْ تَحَدَّيْتَهم بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أوْ بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، ولَوْ أتَيْتَهم بِآياتِ مُوسى وآياتِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ لَما آمَنُوا، كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمْ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ إنَّ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِما ذُكِرَ لَرَحْمَةً عَظِيمَةً في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذِكْرى في الدُّنْيا يَتَذَكَّرُونَ بِها وتُرْشِدُهم إلى الحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أيْ: لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِما جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قُلْ لِلْمُكَذِّبِينَ كَفى اللَّهُ شَهِيدًا بِما وقَعَ بَيْنِي وبَيْنَكم يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ، ومِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَ بَيْنَكم وبَيْنَ رَسُولِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ: آمَنُوا بِما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وكَفَرُوا بِالحَقِّ وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، أُولَئِكَ هُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا مِنهم بِذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ وعَيَّنَهُ، وهو القِيامَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الأجَلُ مُدَّةُ أعْمارِهِمْ لِأنَّهم إذا ماتُوا صارُوا إلى العَذابِ لَجاءَهُمُ العَذابُ أيْ: لَوْلا ذَلِكَ الأجَلُ المَضْرُوبُ لَجاءَهُمُ العَذابُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِذُنُوبِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى النَّفْخَةُ الأُولى، وقِيلَ: الوَقْتُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.
والحاصِلُ أنَّ لِكُلِّ عَذابٍ أجَلًا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] وجُمْلَةُ ولَيَأْتِينَّهم بَغْتَةً مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَجِيءِ العَذابِ المَذْكُورِ قَبْلَها، ومَعْنى بَغْتَةً فَجْأةٌ، وجُمْلَةُ وهم لا يَشْعُرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ بِإتْيانِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مَوْعِدُ عَذابِهِمُ النّارَ فَقالَ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنكَ تَعْجِيلَ عَذابِهِمْ، والحالُ أنَّ مَكانَ العَذابِ مُحِيطٌ بِهِمْ أيْ:: سَيُحِيطُ بِهِمْ عَنْ قُرْبٍ، فَإنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ جِنْسُهم فَيَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ المُسْتَعْجِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَقَوْلُهُ: (p-١١٢٤)﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ إخْبارٌ عَنْهم، وقَوْلُهُ ثانِيًا ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ تَعَجُّبٌ مِنهم، وقِيلَ: التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ إحاطَةِ العَذابِ بِهِمْ فَقالَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ أيْ: مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ فَإذا غَشِيَهُمُ العَذابُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَقَدْ أحاطَتْ بِهِمْ جَهَنَّمُ ﴿ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ القائِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوْ بَعْضُ مَلائِكَتِهِ بِأمْرِهِ أيْ: ذُوقُوا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " نَقُولُ " بِالنُّونِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ: قُلْ كَفى بِاللَّهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ويُقالُ ذُوقُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ كانَ أُمِّيًّا، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: كانَ اللَّهُ أنْزَلَ شَأْنَ مُحَمَّدٍ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِأهْلِ العِلْمِ وعَلَّمَهُ لَهم وجَعَلَهُ لَهم آيَةً فَقالَ لَهم: إنَّ آيَةَ نُبُوَّتِهِ أنْ يَخْرُجَ حِينَ يَخْرُجُ ولا يَعْلَمُ كِتابًا ولا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ، وهي الآياتُ البَيِّناتُ الَّتِي قالَ اللَّهُ - تَعالى - .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الآيَةَ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ قالَ: «جاءَ أُناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوها، فِيها بَعْضُ ما سَمِعُوهُ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَفى بِقَوْمٍ حُمْقًا أوْ ضَلالَةً أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلَيْهِمْ إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُهُ إلى غَيْرِهِمْ فَنَزَلَتْ " أوَلَمْ يَكْفِهِمْ " الآيَةَ» .
وأخْرَجَهُ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ بِمَعْناهُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الزُّهْرِيِّ «أنَّ حَفْصَةَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ مِن قَصَصِ يُوسُفَ في كَتِفٍ، فَجَعَلَتْ تَقْرَأهُ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَلَوَّنُ وجْهُهُ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أتاكم يُوسُفُ وأنا نَبِيُّكم فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ الأنْصارِيِّ قالَ: " «دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ فِيهِ مَواضِعُ مِنَ التَّوْراةِ فَقالَ: هَذِهِ أصَبْتُها مَعَ رَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ أعْرِضُها عَلَيْكَ، فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَغَيُّرًا شَدِيدًا لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ لِعُمَرَ: أما تَرى وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ عُمَرُ: رَضِينا بِاللَّهِ وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقالَ: لَوْ نَزَلَ مُوسى فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ، أنا حَظُّكم مِنَ النَّبِيِّينَ وأنْتُمْ حَظِّي مِنَ الأُمَمِ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي قِلابَةَ عَنْ عُمَرَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ تَعَلُّمِ التَّوْراةِ فَقالَ: لا تَتَعَلَّمْها وآمِن بِها، وتَعَلَّمُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم وآمِنُوا بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ قالَ: جَهَنَّمُ هو هَذا البَحْرُ الأخْضَرُ تَنْتَثِرُ الكَواكِبُ فِيهِ وتَكُونُ فِيهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ ثُمَّ يُسْتَوْقَدُ فَيَكُونُ هو جَهَنَّمَ، وفي هَذا نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ، فَإنَّ الأحادِيثَ الكَثِيرَةَ الصَّحِيحَةَ ناطِقَةٌ بِأنَّ جَهَنَّمَ مَوْجُودَةٌ مَخْلُوقَةٌ عَلى الصِّفاتِ الَّتِي ورَدَ بِها الكِتابُ والسُّنَّةُ.
العنكبوت 29:48
(p-١١٢٣)قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ كَما بَيَّناهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، وقِيلَ: المَعْنى: كَما أنْزَلَنا الكِتابَ عَلَيْهِمْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وخَصَّهم بِإيتائِهُمُ الكِتابَ لِكَوْنِهِمُ العامِلِينَ بِهِ وكَأنَّ غَيْرَهم لَمْ يُؤْتَوْهُ لِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِما فِيهِ وجَحْدِهِمْ لِصِفاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَذْكُورَةِ فِيهِ ﴿ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الإشارَةُ إلى أهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ أنَّ مِنهم، وهو مَن قَدْ أسْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ أيْ: بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ العَرَبِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ.
﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الضَّمِيرُ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ المُرادُ بِقَوْلِهِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ أيْ: ما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ تَقْرَأُ قَبْلَ القُرْآنِ كِتابًا ولا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّكَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ ﴿ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أيْ: ولا تَكْتُبُهُ لِأنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى الكِتابَةِ.
قالَ مُجاهِدٌ كانَ أهْلُ الكِتابِ يَجِدُونَ في كُتُبِهِمْ إنْ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ النَّحّاسُ: وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّهُ لا يَكْتُبُ ولا يُخالِطُ أهْلَ الكِتابِ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أهْلُ كِتابٍ فَجاءَهم بِأخْبارِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى التِّلاوَةِ والخَطِّ لَقالُوا لَعَلَّهُ وجَدَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْنا مِن كُتُبِ اللَّهِ السّابِقَةِ أوْ مِنَ الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ في أخْبارِ الأُمَمِ، فَلَمّا كُنْتَ أُمِّيًّا لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْضِعٌ لِلرِّيبَةِ ولا مَحَلٌّ لِلشَّكِّ أبَدًا، بَلْ إنْكارُ مَن أنْكَرَ وكُفْرُ مَن كَفَرَ مُجَرَّدُ عِنادٍ وجُحُودٍ بِلا شُبْهَةٍ، وسَمّاهم مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّ ارْتِيابَهم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ويَكْتُبُ ظُلْمٌ مِنهم لِظُهُورِ نَزاهَتِهِ ووُضُوحِ مُعْجِزاتِهِ.
بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ حَفِظُوا القُرْآنَ عَلى عَهْدِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وحَفِظُوهُ بَعْدَهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: بَلْ مُحَمَّدٌ آياتٌ بَيِّناتٌ أيْ: ذُو آياتٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " بَلْ هي آياتٌ بَيِّناتٌ " قالَ الفَرّاءُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: بَلْ آياتُ القُرْآنِ آياتٌ بَيِّناتٌ.
واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ ما قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، وقَدِ اسْتَدَلَّ لِما قالاهُ بِقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْفَعِ " بَلْ هَذا آياتٌ بَيِّناتٌ " ولا دَلِيلَ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ الإشارَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إلى القُرْآنِ كَما جازَ أنْ تَكُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ رُجُوعُها إلى القُرْآنِ أظْهَرُ لِعَدَمِ احْتِياجِ ذَلِكَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْدِيرِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ أيِ: المُجاوِزُونَ لِلْحَدِّ في الظُّلْمِ.
﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قالَ المُشْرِكُونَ هَذا القَوْلَ، والمَعْنى: هَلّا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَآياتِ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ كَآياتِ مُوسى وناقَةِ صالِحٍ وإحْياءِ المَسِيحِ لِلْمَوْتى، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُها عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى ذَلِكَ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ أُنْذِرُكم كَما أُمِرْتُ وأُبَيِّنُ لَكم كَما يَنْبَغِي، لَيْسَ في قُدْرَتِي غَيْرُ ذَلِكَ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ آيَةٌ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ " قُلْ إنَّما الآياتُ " .
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلرَّدِّ عَلى اقْتِراحِهِمْ وبَيانِ بُطْلانِهِ أيْ: أوَلَمْ يَكْفِ المُشْرِكِينَ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ الَّذِي قَدْ تَحَدَّيْتَهم بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أوْ بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، ولَوْ أتَيْتَهم بِآياتِ مُوسى وآياتِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ لَما آمَنُوا، كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمْ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ إنَّ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِما ذُكِرَ لَرَحْمَةً عَظِيمَةً في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذِكْرى في الدُّنْيا يَتَذَكَّرُونَ بِها وتُرْشِدُهم إلى الحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أيْ: لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِما جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قُلْ لِلْمُكَذِّبِينَ كَفى اللَّهُ شَهِيدًا بِما وقَعَ بَيْنِي وبَيْنَكم يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ، ومِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَ بَيْنَكم وبَيْنَ رَسُولِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ: آمَنُوا بِما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وكَفَرُوا بِالحَقِّ وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، أُولَئِكَ هُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا مِنهم بِذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ وعَيَّنَهُ، وهو القِيامَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الأجَلُ مُدَّةُ أعْمارِهِمْ لِأنَّهم إذا ماتُوا صارُوا إلى العَذابِ لَجاءَهُمُ العَذابُ أيْ: لَوْلا ذَلِكَ الأجَلُ المَضْرُوبُ لَجاءَهُمُ العَذابُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِذُنُوبِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى النَّفْخَةُ الأُولى، وقِيلَ: الوَقْتُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.
والحاصِلُ أنَّ لِكُلِّ عَذابٍ أجَلًا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] وجُمْلَةُ ولَيَأْتِينَّهم بَغْتَةً مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَجِيءِ العَذابِ المَذْكُورِ قَبْلَها، ومَعْنى بَغْتَةً فَجْأةٌ، وجُمْلَةُ وهم لا يَشْعُرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ بِإتْيانِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مَوْعِدُ عَذابِهِمُ النّارَ فَقالَ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنكَ تَعْجِيلَ عَذابِهِمْ، والحالُ أنَّ مَكانَ العَذابِ مُحِيطٌ بِهِمْ أيْ:: سَيُحِيطُ بِهِمْ عَنْ قُرْبٍ، فَإنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ جِنْسُهم فَيَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ المُسْتَعْجِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَقَوْلُهُ: (p-١١٢٤)﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ إخْبارٌ عَنْهم، وقَوْلُهُ ثانِيًا ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ تَعَجُّبٌ مِنهم، وقِيلَ: التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ إحاطَةِ العَذابِ بِهِمْ فَقالَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ أيْ: مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ فَإذا غَشِيَهُمُ العَذابُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَقَدْ أحاطَتْ بِهِمْ جَهَنَّمُ ﴿ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ القائِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوْ بَعْضُ مَلائِكَتِهِ بِأمْرِهِ أيْ: ذُوقُوا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " نَقُولُ " بِالنُّونِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ: قُلْ كَفى بِاللَّهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ويُقالُ ذُوقُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ كانَ أُمِّيًّا، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: كانَ اللَّهُ أنْزَلَ شَأْنَ مُحَمَّدٍ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِأهْلِ العِلْمِ وعَلَّمَهُ لَهم وجَعَلَهُ لَهم آيَةً فَقالَ لَهم: إنَّ آيَةَ نُبُوَّتِهِ أنْ يَخْرُجَ حِينَ يَخْرُجُ ولا يَعْلَمُ كِتابًا ولا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ، وهي الآياتُ البَيِّناتُ الَّتِي قالَ اللَّهُ - تَعالى - .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الآيَةَ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ قالَ: «جاءَ أُناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوها، فِيها بَعْضُ ما سَمِعُوهُ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَفى بِقَوْمٍ حُمْقًا أوْ ضَلالَةً أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلَيْهِمْ إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُهُ إلى غَيْرِهِمْ فَنَزَلَتْ " أوَلَمْ يَكْفِهِمْ " الآيَةَ» .
وأخْرَجَهُ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ بِمَعْناهُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الزُّهْرِيِّ «أنَّ حَفْصَةَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ مِن قَصَصِ يُوسُفَ في كَتِفٍ، فَجَعَلَتْ تَقْرَأهُ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَلَوَّنُ وجْهُهُ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أتاكم يُوسُفُ وأنا نَبِيُّكم فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ الأنْصارِيِّ قالَ: " «دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ فِيهِ مَواضِعُ مِنَ التَّوْراةِ فَقالَ: هَذِهِ أصَبْتُها مَعَ رَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ أعْرِضُها عَلَيْكَ، فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَغَيُّرًا شَدِيدًا لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ لِعُمَرَ: أما تَرى وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ عُمَرُ: رَضِينا بِاللَّهِ وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقالَ: لَوْ نَزَلَ مُوسى فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ، أنا حَظُّكم مِنَ النَّبِيِّينَ وأنْتُمْ حَظِّي مِنَ الأُمَمِ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي قِلابَةَ عَنْ عُمَرَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ تَعَلُّمِ التَّوْراةِ فَقالَ: لا تَتَعَلَّمْها وآمِن بِها، وتَعَلَّمُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم وآمِنُوا بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ قالَ: جَهَنَّمُ هو هَذا البَحْرُ الأخْضَرُ تَنْتَثِرُ الكَواكِبُ فِيهِ وتَكُونُ فِيهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ ثُمَّ يُسْتَوْقَدُ فَيَكُونُ هو جَهَنَّمَ، وفي هَذا نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ، فَإنَّ الأحادِيثَ الكَثِيرَةَ الصَّحِيحَةَ ناطِقَةٌ بِأنَّ جَهَنَّمَ مَوْجُودَةٌ مَخْلُوقَةٌ عَلى الصِّفاتِ الَّتِي ورَدَ بِها الكِتابُ والسُّنَّةُ.
العنكبوت 29:49
(p-١١٢٣)قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ كَما بَيَّناهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، وقِيلَ: المَعْنى: كَما أنْزَلَنا الكِتابَ عَلَيْهِمْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وخَصَّهم بِإيتائِهُمُ الكِتابَ لِكَوْنِهِمُ العامِلِينَ بِهِ وكَأنَّ غَيْرَهم لَمْ يُؤْتَوْهُ لِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِما فِيهِ وجَحْدِهِمْ لِصِفاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَذْكُورَةِ فِيهِ ﴿ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الإشارَةُ إلى أهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ أنَّ مِنهم، وهو مَن قَدْ أسْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ أيْ: بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ العَرَبِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ.
﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الضَّمِيرُ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ المُرادُ بِقَوْلِهِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ أيْ: ما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ تَقْرَأُ قَبْلَ القُرْآنِ كِتابًا ولا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّكَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ ﴿ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أيْ: ولا تَكْتُبُهُ لِأنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى الكِتابَةِ.
قالَ مُجاهِدٌ كانَ أهْلُ الكِتابِ يَجِدُونَ في كُتُبِهِمْ إنْ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ النَّحّاسُ: وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّهُ لا يَكْتُبُ ولا يُخالِطُ أهْلَ الكِتابِ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أهْلُ كِتابٍ فَجاءَهم بِأخْبارِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى التِّلاوَةِ والخَطِّ لَقالُوا لَعَلَّهُ وجَدَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْنا مِن كُتُبِ اللَّهِ السّابِقَةِ أوْ مِنَ الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ في أخْبارِ الأُمَمِ، فَلَمّا كُنْتَ أُمِّيًّا لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْضِعٌ لِلرِّيبَةِ ولا مَحَلٌّ لِلشَّكِّ أبَدًا، بَلْ إنْكارُ مَن أنْكَرَ وكُفْرُ مَن كَفَرَ مُجَرَّدُ عِنادٍ وجُحُودٍ بِلا شُبْهَةٍ، وسَمّاهم مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّ ارْتِيابَهم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ويَكْتُبُ ظُلْمٌ مِنهم لِظُهُورِ نَزاهَتِهِ ووُضُوحِ مُعْجِزاتِهِ.
بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ حَفِظُوا القُرْآنَ عَلى عَهْدِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وحَفِظُوهُ بَعْدَهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: بَلْ مُحَمَّدٌ آياتٌ بَيِّناتٌ أيْ: ذُو آياتٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " بَلْ هي آياتٌ بَيِّناتٌ " قالَ الفَرّاءُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: بَلْ آياتُ القُرْآنِ آياتٌ بَيِّناتٌ.
واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ ما قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، وقَدِ اسْتَدَلَّ لِما قالاهُ بِقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْفَعِ " بَلْ هَذا آياتٌ بَيِّناتٌ " ولا دَلِيلَ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ الإشارَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إلى القُرْآنِ كَما جازَ أنْ تَكُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ رُجُوعُها إلى القُرْآنِ أظْهَرُ لِعَدَمِ احْتِياجِ ذَلِكَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْدِيرِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ أيِ: المُجاوِزُونَ لِلْحَدِّ في الظُّلْمِ.
﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قالَ المُشْرِكُونَ هَذا القَوْلَ، والمَعْنى: هَلّا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَآياتِ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ كَآياتِ مُوسى وناقَةِ صالِحٍ وإحْياءِ المَسِيحِ لِلْمَوْتى، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُها عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى ذَلِكَ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ أُنْذِرُكم كَما أُمِرْتُ وأُبَيِّنُ لَكم كَما يَنْبَغِي، لَيْسَ في قُدْرَتِي غَيْرُ ذَلِكَ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ آيَةٌ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ " قُلْ إنَّما الآياتُ " .
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلرَّدِّ عَلى اقْتِراحِهِمْ وبَيانِ بُطْلانِهِ أيْ: أوَلَمْ يَكْفِ المُشْرِكِينَ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ الَّذِي قَدْ تَحَدَّيْتَهم بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أوْ بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، ولَوْ أتَيْتَهم بِآياتِ مُوسى وآياتِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ لَما آمَنُوا، كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمْ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ إنَّ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِما ذُكِرَ لَرَحْمَةً عَظِيمَةً في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذِكْرى في الدُّنْيا يَتَذَكَّرُونَ بِها وتُرْشِدُهم إلى الحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أيْ: لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِما جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قُلْ لِلْمُكَذِّبِينَ كَفى اللَّهُ شَهِيدًا بِما وقَعَ بَيْنِي وبَيْنَكم يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ، ومِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَ بَيْنَكم وبَيْنَ رَسُولِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ: آمَنُوا بِما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وكَفَرُوا بِالحَقِّ وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، أُولَئِكَ هُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا مِنهم بِذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ وعَيَّنَهُ، وهو القِيامَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الأجَلُ مُدَّةُ أعْمارِهِمْ لِأنَّهم إذا ماتُوا صارُوا إلى العَذابِ لَجاءَهُمُ العَذابُ أيْ: لَوْلا ذَلِكَ الأجَلُ المَضْرُوبُ لَجاءَهُمُ العَذابُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِذُنُوبِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى النَّفْخَةُ الأُولى، وقِيلَ: الوَقْتُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.
والحاصِلُ أنَّ لِكُلِّ عَذابٍ أجَلًا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] وجُمْلَةُ ولَيَأْتِينَّهم بَغْتَةً مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَجِيءِ العَذابِ المَذْكُورِ قَبْلَها، ومَعْنى بَغْتَةً فَجْأةٌ، وجُمْلَةُ وهم لا يَشْعُرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ بِإتْيانِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مَوْعِدُ عَذابِهِمُ النّارَ فَقالَ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنكَ تَعْجِيلَ عَذابِهِمْ، والحالُ أنَّ مَكانَ العَذابِ مُحِيطٌ بِهِمْ أيْ:: سَيُحِيطُ بِهِمْ عَنْ قُرْبٍ، فَإنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ جِنْسُهم فَيَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ المُسْتَعْجِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَقَوْلُهُ: (p-١١٢٤)﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ إخْبارٌ عَنْهم، وقَوْلُهُ ثانِيًا ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ تَعَجُّبٌ مِنهم، وقِيلَ: التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ إحاطَةِ العَذابِ بِهِمْ فَقالَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ أيْ: مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ فَإذا غَشِيَهُمُ العَذابُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَقَدْ أحاطَتْ بِهِمْ جَهَنَّمُ ﴿ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ القائِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوْ بَعْضُ مَلائِكَتِهِ بِأمْرِهِ أيْ: ذُوقُوا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " نَقُولُ " بِالنُّونِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ: قُلْ كَفى بِاللَّهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ويُقالُ ذُوقُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ كانَ أُمِّيًّا، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: كانَ اللَّهُ أنْزَلَ شَأْنَ مُحَمَّدٍ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِأهْلِ العِلْمِ وعَلَّمَهُ لَهم وجَعَلَهُ لَهم آيَةً فَقالَ لَهم: إنَّ آيَةَ نُبُوَّتِهِ أنْ يَخْرُجَ حِينَ يَخْرُجُ ولا يَعْلَمُ كِتابًا ولا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ، وهي الآياتُ البَيِّناتُ الَّتِي قالَ اللَّهُ - تَعالى - .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الآيَةَ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ قالَ: «جاءَ أُناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوها، فِيها بَعْضُ ما سَمِعُوهُ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَفى بِقَوْمٍ حُمْقًا أوْ ضَلالَةً أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلَيْهِمْ إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُهُ إلى غَيْرِهِمْ فَنَزَلَتْ " أوَلَمْ يَكْفِهِمْ " الآيَةَ» .
وأخْرَجَهُ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ بِمَعْناهُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الزُّهْرِيِّ «أنَّ حَفْصَةَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ مِن قَصَصِ يُوسُفَ في كَتِفٍ، فَجَعَلَتْ تَقْرَأهُ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَلَوَّنُ وجْهُهُ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أتاكم يُوسُفُ وأنا نَبِيُّكم فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ الأنْصارِيِّ قالَ: " «دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ فِيهِ مَواضِعُ مِنَ التَّوْراةِ فَقالَ: هَذِهِ أصَبْتُها مَعَ رَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ أعْرِضُها عَلَيْكَ، فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَغَيُّرًا شَدِيدًا لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ لِعُمَرَ: أما تَرى وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ عُمَرُ: رَضِينا بِاللَّهِ وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقالَ: لَوْ نَزَلَ مُوسى فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ، أنا حَظُّكم مِنَ النَّبِيِّينَ وأنْتُمْ حَظِّي مِنَ الأُمَمِ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي قِلابَةَ عَنْ عُمَرَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ تَعَلُّمِ التَّوْراةِ فَقالَ: لا تَتَعَلَّمْها وآمِن بِها، وتَعَلَّمُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم وآمِنُوا بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ قالَ: جَهَنَّمُ هو هَذا البَحْرُ الأخْضَرُ تَنْتَثِرُ الكَواكِبُ فِيهِ وتَكُونُ فِيهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ ثُمَّ يُسْتَوْقَدُ فَيَكُونُ هو جَهَنَّمَ، وفي هَذا نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ، فَإنَّ الأحادِيثَ الكَثِيرَةَ الصَّحِيحَةَ ناطِقَةٌ بِأنَّ جَهَنَّمَ مَوْجُودَةٌ مَخْلُوقَةٌ عَلى الصِّفاتِ الَّتِي ورَدَ بِها الكِتابُ والسُّنَّةُ.
العنكبوت 29:50
(p-١١٢٣)قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ كَما بَيَّناهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، وقِيلَ: المَعْنى: كَما أنْزَلَنا الكِتابَ عَلَيْهِمْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وخَصَّهم بِإيتائِهُمُ الكِتابَ لِكَوْنِهِمُ العامِلِينَ بِهِ وكَأنَّ غَيْرَهم لَمْ يُؤْتَوْهُ لِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِما فِيهِ وجَحْدِهِمْ لِصِفاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَذْكُورَةِ فِيهِ ﴿ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الإشارَةُ إلى أهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ أنَّ مِنهم، وهو مَن قَدْ أسْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ أيْ: بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ العَرَبِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ.
﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الضَّمِيرُ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ المُرادُ بِقَوْلِهِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ أيْ: ما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ تَقْرَأُ قَبْلَ القُرْآنِ كِتابًا ولا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّكَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ ﴿ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أيْ: ولا تَكْتُبُهُ لِأنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى الكِتابَةِ.
قالَ مُجاهِدٌ كانَ أهْلُ الكِتابِ يَجِدُونَ في كُتُبِهِمْ إنْ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ النَّحّاسُ: وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّهُ لا يَكْتُبُ ولا يُخالِطُ أهْلَ الكِتابِ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أهْلُ كِتابٍ فَجاءَهم بِأخْبارِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى التِّلاوَةِ والخَطِّ لَقالُوا لَعَلَّهُ وجَدَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْنا مِن كُتُبِ اللَّهِ السّابِقَةِ أوْ مِنَ الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ في أخْبارِ الأُمَمِ، فَلَمّا كُنْتَ أُمِّيًّا لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْضِعٌ لِلرِّيبَةِ ولا مَحَلٌّ لِلشَّكِّ أبَدًا، بَلْ إنْكارُ مَن أنْكَرَ وكُفْرُ مَن كَفَرَ مُجَرَّدُ عِنادٍ وجُحُودٍ بِلا شُبْهَةٍ، وسَمّاهم مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّ ارْتِيابَهم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ويَكْتُبُ ظُلْمٌ مِنهم لِظُهُورِ نَزاهَتِهِ ووُضُوحِ مُعْجِزاتِهِ.
بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ حَفِظُوا القُرْآنَ عَلى عَهْدِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وحَفِظُوهُ بَعْدَهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: بَلْ مُحَمَّدٌ آياتٌ بَيِّناتٌ أيْ: ذُو آياتٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " بَلْ هي آياتٌ بَيِّناتٌ " قالَ الفَرّاءُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: بَلْ آياتُ القُرْآنِ آياتٌ بَيِّناتٌ.
واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ ما قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، وقَدِ اسْتَدَلَّ لِما قالاهُ بِقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْفَعِ " بَلْ هَذا آياتٌ بَيِّناتٌ " ولا دَلِيلَ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ الإشارَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إلى القُرْآنِ كَما جازَ أنْ تَكُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ رُجُوعُها إلى القُرْآنِ أظْهَرُ لِعَدَمِ احْتِياجِ ذَلِكَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْدِيرِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ أيِ: المُجاوِزُونَ لِلْحَدِّ في الظُّلْمِ.
﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قالَ المُشْرِكُونَ هَذا القَوْلَ، والمَعْنى: هَلّا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَآياتِ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ كَآياتِ مُوسى وناقَةِ صالِحٍ وإحْياءِ المَسِيحِ لِلْمَوْتى، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُها عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى ذَلِكَ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ أُنْذِرُكم كَما أُمِرْتُ وأُبَيِّنُ لَكم كَما يَنْبَغِي، لَيْسَ في قُدْرَتِي غَيْرُ ذَلِكَ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ آيَةٌ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ " قُلْ إنَّما الآياتُ " .
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلرَّدِّ عَلى اقْتِراحِهِمْ وبَيانِ بُطْلانِهِ أيْ: أوَلَمْ يَكْفِ المُشْرِكِينَ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ الَّذِي قَدْ تَحَدَّيْتَهم بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أوْ بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، ولَوْ أتَيْتَهم بِآياتِ مُوسى وآياتِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ لَما آمَنُوا، كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمْ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ إنَّ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِما ذُكِرَ لَرَحْمَةً عَظِيمَةً في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذِكْرى في الدُّنْيا يَتَذَكَّرُونَ بِها وتُرْشِدُهم إلى الحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أيْ: لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِما جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قُلْ لِلْمُكَذِّبِينَ كَفى اللَّهُ شَهِيدًا بِما وقَعَ بَيْنِي وبَيْنَكم يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ، ومِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَ بَيْنَكم وبَيْنَ رَسُولِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ: آمَنُوا بِما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وكَفَرُوا بِالحَقِّ وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، أُولَئِكَ هُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا مِنهم بِذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ وعَيَّنَهُ، وهو القِيامَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الأجَلُ مُدَّةُ أعْمارِهِمْ لِأنَّهم إذا ماتُوا صارُوا إلى العَذابِ لَجاءَهُمُ العَذابُ أيْ: لَوْلا ذَلِكَ الأجَلُ المَضْرُوبُ لَجاءَهُمُ العَذابُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِذُنُوبِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى النَّفْخَةُ الأُولى، وقِيلَ: الوَقْتُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.
والحاصِلُ أنَّ لِكُلِّ عَذابٍ أجَلًا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] وجُمْلَةُ ولَيَأْتِينَّهم بَغْتَةً مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَجِيءِ العَذابِ المَذْكُورِ قَبْلَها، ومَعْنى بَغْتَةً فَجْأةٌ، وجُمْلَةُ وهم لا يَشْعُرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ بِإتْيانِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مَوْعِدُ عَذابِهِمُ النّارَ فَقالَ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنكَ تَعْجِيلَ عَذابِهِمْ، والحالُ أنَّ مَكانَ العَذابِ مُحِيطٌ بِهِمْ أيْ:: سَيُحِيطُ بِهِمْ عَنْ قُرْبٍ، فَإنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ جِنْسُهم فَيَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ المُسْتَعْجِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَقَوْلُهُ: (p-١١٢٤)﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ إخْبارٌ عَنْهم، وقَوْلُهُ ثانِيًا ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ تَعَجُّبٌ مِنهم، وقِيلَ: التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ إحاطَةِ العَذابِ بِهِمْ فَقالَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ أيْ: مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ فَإذا غَشِيَهُمُ العَذابُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَقَدْ أحاطَتْ بِهِمْ جَهَنَّمُ ﴿ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ القائِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوْ بَعْضُ مَلائِكَتِهِ بِأمْرِهِ أيْ: ذُوقُوا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " نَقُولُ " بِالنُّونِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ: قُلْ كَفى بِاللَّهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ويُقالُ ذُوقُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ كانَ أُمِّيًّا، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: كانَ اللَّهُ أنْزَلَ شَأْنَ مُحَمَّدٍ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِأهْلِ العِلْمِ وعَلَّمَهُ لَهم وجَعَلَهُ لَهم آيَةً فَقالَ لَهم: إنَّ آيَةَ نُبُوَّتِهِ أنْ يَخْرُجَ حِينَ يَخْرُجُ ولا يَعْلَمُ كِتابًا ولا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ، وهي الآياتُ البَيِّناتُ الَّتِي قالَ اللَّهُ - تَعالى - .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الآيَةَ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ قالَ: «جاءَ أُناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوها، فِيها بَعْضُ ما سَمِعُوهُ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَفى بِقَوْمٍ حُمْقًا أوْ ضَلالَةً أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلَيْهِمْ إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُهُ إلى غَيْرِهِمْ فَنَزَلَتْ " أوَلَمْ يَكْفِهِمْ " الآيَةَ» .
وأخْرَجَهُ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ بِمَعْناهُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الزُّهْرِيِّ «أنَّ حَفْصَةَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ مِن قَصَصِ يُوسُفَ في كَتِفٍ، فَجَعَلَتْ تَقْرَأهُ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَلَوَّنُ وجْهُهُ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أتاكم يُوسُفُ وأنا نَبِيُّكم فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ الأنْصارِيِّ قالَ: " «دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ فِيهِ مَواضِعُ مِنَ التَّوْراةِ فَقالَ: هَذِهِ أصَبْتُها مَعَ رَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ أعْرِضُها عَلَيْكَ، فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَغَيُّرًا شَدِيدًا لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ لِعُمَرَ: أما تَرى وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ عُمَرُ: رَضِينا بِاللَّهِ وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقالَ: لَوْ نَزَلَ مُوسى فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ، أنا حَظُّكم مِنَ النَّبِيِّينَ وأنْتُمْ حَظِّي مِنَ الأُمَمِ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي قِلابَةَ عَنْ عُمَرَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ تَعَلُّمِ التَّوْراةِ فَقالَ: لا تَتَعَلَّمْها وآمِن بِها، وتَعَلَّمُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم وآمِنُوا بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ قالَ: جَهَنَّمُ هو هَذا البَحْرُ الأخْضَرُ تَنْتَثِرُ الكَواكِبُ فِيهِ وتَكُونُ فِيهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ ثُمَّ يُسْتَوْقَدُ فَيَكُونُ هو جَهَنَّمَ، وفي هَذا نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ، فَإنَّ الأحادِيثَ الكَثِيرَةَ الصَّحِيحَةَ ناطِقَةٌ بِأنَّ جَهَنَّمَ مَوْجُودَةٌ مَخْلُوقَةٌ عَلى الصِّفاتِ الَّتِي ورَدَ بِها الكِتابُ والسُّنَّةُ.
العنكبوت 29:51
(p-١١٢٣)قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ كَما بَيَّناهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، وقِيلَ: المَعْنى: كَما أنْزَلَنا الكِتابَ عَلَيْهِمْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وخَصَّهم بِإيتائِهُمُ الكِتابَ لِكَوْنِهِمُ العامِلِينَ بِهِ وكَأنَّ غَيْرَهم لَمْ يُؤْتَوْهُ لِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِما فِيهِ وجَحْدِهِمْ لِصِفاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَذْكُورَةِ فِيهِ ﴿ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الإشارَةُ إلى أهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ أنَّ مِنهم، وهو مَن قَدْ أسْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ أيْ: بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ العَرَبِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ.
﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الضَّمِيرُ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ المُرادُ بِقَوْلِهِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ أيْ: ما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ تَقْرَأُ قَبْلَ القُرْآنِ كِتابًا ولا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّكَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ ﴿ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أيْ: ولا تَكْتُبُهُ لِأنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى الكِتابَةِ.
قالَ مُجاهِدٌ كانَ أهْلُ الكِتابِ يَجِدُونَ في كُتُبِهِمْ إنْ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ النَّحّاسُ: وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّهُ لا يَكْتُبُ ولا يُخالِطُ أهْلَ الكِتابِ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أهْلُ كِتابٍ فَجاءَهم بِأخْبارِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى التِّلاوَةِ والخَطِّ لَقالُوا لَعَلَّهُ وجَدَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْنا مِن كُتُبِ اللَّهِ السّابِقَةِ أوْ مِنَ الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ في أخْبارِ الأُمَمِ، فَلَمّا كُنْتَ أُمِّيًّا لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْضِعٌ لِلرِّيبَةِ ولا مَحَلٌّ لِلشَّكِّ أبَدًا، بَلْ إنْكارُ مَن أنْكَرَ وكُفْرُ مَن كَفَرَ مُجَرَّدُ عِنادٍ وجُحُودٍ بِلا شُبْهَةٍ، وسَمّاهم مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّ ارْتِيابَهم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ويَكْتُبُ ظُلْمٌ مِنهم لِظُهُورِ نَزاهَتِهِ ووُضُوحِ مُعْجِزاتِهِ.
بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ حَفِظُوا القُرْآنَ عَلى عَهْدِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وحَفِظُوهُ بَعْدَهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: بَلْ مُحَمَّدٌ آياتٌ بَيِّناتٌ أيْ: ذُو آياتٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " بَلْ هي آياتٌ بَيِّناتٌ " قالَ الفَرّاءُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: بَلْ آياتُ القُرْآنِ آياتٌ بَيِّناتٌ.
واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ ما قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، وقَدِ اسْتَدَلَّ لِما قالاهُ بِقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْفَعِ " بَلْ هَذا آياتٌ بَيِّناتٌ " ولا دَلِيلَ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ الإشارَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إلى القُرْآنِ كَما جازَ أنْ تَكُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ رُجُوعُها إلى القُرْآنِ أظْهَرُ لِعَدَمِ احْتِياجِ ذَلِكَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْدِيرِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ أيِ: المُجاوِزُونَ لِلْحَدِّ في الظُّلْمِ.
﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قالَ المُشْرِكُونَ هَذا القَوْلَ، والمَعْنى: هَلّا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَآياتِ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ كَآياتِ مُوسى وناقَةِ صالِحٍ وإحْياءِ المَسِيحِ لِلْمَوْتى، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُها عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى ذَلِكَ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ أُنْذِرُكم كَما أُمِرْتُ وأُبَيِّنُ لَكم كَما يَنْبَغِي، لَيْسَ في قُدْرَتِي غَيْرُ ذَلِكَ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ آيَةٌ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ " قُلْ إنَّما الآياتُ " .
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلرَّدِّ عَلى اقْتِراحِهِمْ وبَيانِ بُطْلانِهِ أيْ: أوَلَمْ يَكْفِ المُشْرِكِينَ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ الَّذِي قَدْ تَحَدَّيْتَهم بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أوْ بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، ولَوْ أتَيْتَهم بِآياتِ مُوسى وآياتِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ لَما آمَنُوا، كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمْ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ إنَّ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِما ذُكِرَ لَرَحْمَةً عَظِيمَةً في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذِكْرى في الدُّنْيا يَتَذَكَّرُونَ بِها وتُرْشِدُهم إلى الحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أيْ: لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِما جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قُلْ لِلْمُكَذِّبِينَ كَفى اللَّهُ شَهِيدًا بِما وقَعَ بَيْنِي وبَيْنَكم يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ، ومِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَ بَيْنَكم وبَيْنَ رَسُولِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ: آمَنُوا بِما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وكَفَرُوا بِالحَقِّ وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، أُولَئِكَ هُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا مِنهم بِذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ وعَيَّنَهُ، وهو القِيامَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الأجَلُ مُدَّةُ أعْمارِهِمْ لِأنَّهم إذا ماتُوا صارُوا إلى العَذابِ لَجاءَهُمُ العَذابُ أيْ: لَوْلا ذَلِكَ الأجَلُ المَضْرُوبُ لَجاءَهُمُ العَذابُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِذُنُوبِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى النَّفْخَةُ الأُولى، وقِيلَ: الوَقْتُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.
والحاصِلُ أنَّ لِكُلِّ عَذابٍ أجَلًا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] وجُمْلَةُ ولَيَأْتِينَّهم بَغْتَةً مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَجِيءِ العَذابِ المَذْكُورِ قَبْلَها، ومَعْنى بَغْتَةً فَجْأةٌ، وجُمْلَةُ وهم لا يَشْعُرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ بِإتْيانِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مَوْعِدُ عَذابِهِمُ النّارَ فَقالَ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنكَ تَعْجِيلَ عَذابِهِمْ، والحالُ أنَّ مَكانَ العَذابِ مُحِيطٌ بِهِمْ أيْ:: سَيُحِيطُ بِهِمْ عَنْ قُرْبٍ، فَإنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ جِنْسُهم فَيَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ المُسْتَعْجِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَقَوْلُهُ: (p-١١٢٤)﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ إخْبارٌ عَنْهم، وقَوْلُهُ ثانِيًا ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ تَعَجُّبٌ مِنهم، وقِيلَ: التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ إحاطَةِ العَذابِ بِهِمْ فَقالَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ أيْ: مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ فَإذا غَشِيَهُمُ العَذابُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَقَدْ أحاطَتْ بِهِمْ جَهَنَّمُ ﴿ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ القائِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوْ بَعْضُ مَلائِكَتِهِ بِأمْرِهِ أيْ: ذُوقُوا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " نَقُولُ " بِالنُّونِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ: قُلْ كَفى بِاللَّهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ويُقالُ ذُوقُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ كانَ أُمِّيًّا، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: كانَ اللَّهُ أنْزَلَ شَأْنَ مُحَمَّدٍ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِأهْلِ العِلْمِ وعَلَّمَهُ لَهم وجَعَلَهُ لَهم آيَةً فَقالَ لَهم: إنَّ آيَةَ نُبُوَّتِهِ أنْ يَخْرُجَ حِينَ يَخْرُجُ ولا يَعْلَمُ كِتابًا ولا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ، وهي الآياتُ البَيِّناتُ الَّتِي قالَ اللَّهُ - تَعالى - .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الآيَةَ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ قالَ: «جاءَ أُناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوها، فِيها بَعْضُ ما سَمِعُوهُ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَفى بِقَوْمٍ حُمْقًا أوْ ضَلالَةً أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلَيْهِمْ إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُهُ إلى غَيْرِهِمْ فَنَزَلَتْ " أوَلَمْ يَكْفِهِمْ " الآيَةَ» .
وأخْرَجَهُ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ بِمَعْناهُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الزُّهْرِيِّ «أنَّ حَفْصَةَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ مِن قَصَصِ يُوسُفَ في كَتِفٍ، فَجَعَلَتْ تَقْرَأهُ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَلَوَّنُ وجْهُهُ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أتاكم يُوسُفُ وأنا نَبِيُّكم فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ الأنْصارِيِّ قالَ: " «دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ فِيهِ مَواضِعُ مِنَ التَّوْراةِ فَقالَ: هَذِهِ أصَبْتُها مَعَ رَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ أعْرِضُها عَلَيْكَ، فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَغَيُّرًا شَدِيدًا لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ لِعُمَرَ: أما تَرى وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ عُمَرُ: رَضِينا بِاللَّهِ وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقالَ: لَوْ نَزَلَ مُوسى فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ، أنا حَظُّكم مِنَ النَّبِيِّينَ وأنْتُمْ حَظِّي مِنَ الأُمَمِ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي قِلابَةَ عَنْ عُمَرَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ تَعَلُّمِ التَّوْراةِ فَقالَ: لا تَتَعَلَّمْها وآمِن بِها، وتَعَلَّمُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم وآمِنُوا بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ قالَ: جَهَنَّمُ هو هَذا البَحْرُ الأخْضَرُ تَنْتَثِرُ الكَواكِبُ فِيهِ وتَكُونُ فِيهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ ثُمَّ يُسْتَوْقَدُ فَيَكُونُ هو جَهَنَّمَ، وفي هَذا نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ، فَإنَّ الأحادِيثَ الكَثِيرَةَ الصَّحِيحَةَ ناطِقَةٌ بِأنَّ جَهَنَّمَ مَوْجُودَةٌ مَخْلُوقَةٌ عَلى الصِّفاتِ الَّتِي ورَدَ بِها الكِتابُ والسُّنَّةُ.
العنكبوت 29:52
(p-١١٢٣)قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ كَما بَيَّناهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، وقِيلَ: المَعْنى: كَما أنْزَلَنا الكِتابَ عَلَيْهِمْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وخَصَّهم بِإيتائِهُمُ الكِتابَ لِكَوْنِهِمُ العامِلِينَ بِهِ وكَأنَّ غَيْرَهم لَمْ يُؤْتَوْهُ لِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِما فِيهِ وجَحْدِهِمْ لِصِفاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَذْكُورَةِ فِيهِ ﴿ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الإشارَةُ إلى أهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ أنَّ مِنهم، وهو مَن قَدْ أسْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ أيْ: بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ العَرَبِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ.
﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الضَّمِيرُ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ المُرادُ بِقَوْلِهِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ أيْ: ما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ تَقْرَأُ قَبْلَ القُرْآنِ كِتابًا ولا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّكَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ ﴿ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أيْ: ولا تَكْتُبُهُ لِأنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى الكِتابَةِ.
قالَ مُجاهِدٌ كانَ أهْلُ الكِتابِ يَجِدُونَ في كُتُبِهِمْ إنْ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ النَّحّاسُ: وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّهُ لا يَكْتُبُ ولا يُخالِطُ أهْلَ الكِتابِ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أهْلُ كِتابٍ فَجاءَهم بِأخْبارِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى التِّلاوَةِ والخَطِّ لَقالُوا لَعَلَّهُ وجَدَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْنا مِن كُتُبِ اللَّهِ السّابِقَةِ أوْ مِنَ الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ في أخْبارِ الأُمَمِ، فَلَمّا كُنْتَ أُمِّيًّا لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْضِعٌ لِلرِّيبَةِ ولا مَحَلٌّ لِلشَّكِّ أبَدًا، بَلْ إنْكارُ مَن أنْكَرَ وكُفْرُ مَن كَفَرَ مُجَرَّدُ عِنادٍ وجُحُودٍ بِلا شُبْهَةٍ، وسَمّاهم مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّ ارْتِيابَهم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ويَكْتُبُ ظُلْمٌ مِنهم لِظُهُورِ نَزاهَتِهِ ووُضُوحِ مُعْجِزاتِهِ.
بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ حَفِظُوا القُرْآنَ عَلى عَهْدِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وحَفِظُوهُ بَعْدَهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: بَلْ مُحَمَّدٌ آياتٌ بَيِّناتٌ أيْ: ذُو آياتٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " بَلْ هي آياتٌ بَيِّناتٌ " قالَ الفَرّاءُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: بَلْ آياتُ القُرْآنِ آياتٌ بَيِّناتٌ.
واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ ما قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، وقَدِ اسْتَدَلَّ لِما قالاهُ بِقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْفَعِ " بَلْ هَذا آياتٌ بَيِّناتٌ " ولا دَلِيلَ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ الإشارَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إلى القُرْآنِ كَما جازَ أنْ تَكُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ رُجُوعُها إلى القُرْآنِ أظْهَرُ لِعَدَمِ احْتِياجِ ذَلِكَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْدِيرِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ أيِ: المُجاوِزُونَ لِلْحَدِّ في الظُّلْمِ.
﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قالَ المُشْرِكُونَ هَذا القَوْلَ، والمَعْنى: هَلّا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَآياتِ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ كَآياتِ مُوسى وناقَةِ صالِحٍ وإحْياءِ المَسِيحِ لِلْمَوْتى، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُها عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى ذَلِكَ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ أُنْذِرُكم كَما أُمِرْتُ وأُبَيِّنُ لَكم كَما يَنْبَغِي، لَيْسَ في قُدْرَتِي غَيْرُ ذَلِكَ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ آيَةٌ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ " قُلْ إنَّما الآياتُ " .
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلرَّدِّ عَلى اقْتِراحِهِمْ وبَيانِ بُطْلانِهِ أيْ: أوَلَمْ يَكْفِ المُشْرِكِينَ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ الَّذِي قَدْ تَحَدَّيْتَهم بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أوْ بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، ولَوْ أتَيْتَهم بِآياتِ مُوسى وآياتِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ لَما آمَنُوا، كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمْ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ إنَّ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِما ذُكِرَ لَرَحْمَةً عَظِيمَةً في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذِكْرى في الدُّنْيا يَتَذَكَّرُونَ بِها وتُرْشِدُهم إلى الحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أيْ: لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِما جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قُلْ لِلْمُكَذِّبِينَ كَفى اللَّهُ شَهِيدًا بِما وقَعَ بَيْنِي وبَيْنَكم يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ، ومِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَ بَيْنَكم وبَيْنَ رَسُولِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ: آمَنُوا بِما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وكَفَرُوا بِالحَقِّ وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، أُولَئِكَ هُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا مِنهم بِذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ وعَيَّنَهُ، وهو القِيامَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الأجَلُ مُدَّةُ أعْمارِهِمْ لِأنَّهم إذا ماتُوا صارُوا إلى العَذابِ لَجاءَهُمُ العَذابُ أيْ: لَوْلا ذَلِكَ الأجَلُ المَضْرُوبُ لَجاءَهُمُ العَذابُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِذُنُوبِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى النَّفْخَةُ الأُولى، وقِيلَ: الوَقْتُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.
والحاصِلُ أنَّ لِكُلِّ عَذابٍ أجَلًا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] وجُمْلَةُ ولَيَأْتِينَّهم بَغْتَةً مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَجِيءِ العَذابِ المَذْكُورِ قَبْلَها، ومَعْنى بَغْتَةً فَجْأةٌ، وجُمْلَةُ وهم لا يَشْعُرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ بِإتْيانِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مَوْعِدُ عَذابِهِمُ النّارَ فَقالَ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنكَ تَعْجِيلَ عَذابِهِمْ، والحالُ أنَّ مَكانَ العَذابِ مُحِيطٌ بِهِمْ أيْ:: سَيُحِيطُ بِهِمْ عَنْ قُرْبٍ، فَإنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ جِنْسُهم فَيَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ المُسْتَعْجِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَقَوْلُهُ: (p-١١٢٤)﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ إخْبارٌ عَنْهم، وقَوْلُهُ ثانِيًا ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ تَعَجُّبٌ مِنهم، وقِيلَ: التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ إحاطَةِ العَذابِ بِهِمْ فَقالَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ أيْ: مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ فَإذا غَشِيَهُمُ العَذابُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَقَدْ أحاطَتْ بِهِمْ جَهَنَّمُ ﴿ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ القائِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوْ بَعْضُ مَلائِكَتِهِ بِأمْرِهِ أيْ: ذُوقُوا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " نَقُولُ " بِالنُّونِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ: قُلْ كَفى بِاللَّهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ويُقالُ ذُوقُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ كانَ أُمِّيًّا، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: كانَ اللَّهُ أنْزَلَ شَأْنَ مُحَمَّدٍ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِأهْلِ العِلْمِ وعَلَّمَهُ لَهم وجَعَلَهُ لَهم آيَةً فَقالَ لَهم: إنَّ آيَةَ نُبُوَّتِهِ أنْ يَخْرُجَ حِينَ يَخْرُجُ ولا يَعْلَمُ كِتابًا ولا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ، وهي الآياتُ البَيِّناتُ الَّتِي قالَ اللَّهُ - تَعالى - .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الآيَةَ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ قالَ: «جاءَ أُناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوها، فِيها بَعْضُ ما سَمِعُوهُ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَفى بِقَوْمٍ حُمْقًا أوْ ضَلالَةً أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلَيْهِمْ إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُهُ إلى غَيْرِهِمْ فَنَزَلَتْ " أوَلَمْ يَكْفِهِمْ " الآيَةَ» .
وأخْرَجَهُ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ بِمَعْناهُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الزُّهْرِيِّ «أنَّ حَفْصَةَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ مِن قَصَصِ يُوسُفَ في كَتِفٍ، فَجَعَلَتْ تَقْرَأهُ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَلَوَّنُ وجْهُهُ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أتاكم يُوسُفُ وأنا نَبِيُّكم فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ الأنْصارِيِّ قالَ: " «دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ فِيهِ مَواضِعُ مِنَ التَّوْراةِ فَقالَ: هَذِهِ أصَبْتُها مَعَ رَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ أعْرِضُها عَلَيْكَ، فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَغَيُّرًا شَدِيدًا لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ لِعُمَرَ: أما تَرى وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ عُمَرُ: رَضِينا بِاللَّهِ وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقالَ: لَوْ نَزَلَ مُوسى فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ، أنا حَظُّكم مِنَ النَّبِيِّينَ وأنْتُمْ حَظِّي مِنَ الأُمَمِ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي قِلابَةَ عَنْ عُمَرَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ تَعَلُّمِ التَّوْراةِ فَقالَ: لا تَتَعَلَّمْها وآمِن بِها، وتَعَلَّمُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم وآمِنُوا بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ قالَ: جَهَنَّمُ هو هَذا البَحْرُ الأخْضَرُ تَنْتَثِرُ الكَواكِبُ فِيهِ وتَكُونُ فِيهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ ثُمَّ يُسْتَوْقَدُ فَيَكُونُ هو جَهَنَّمَ، وفي هَذا نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ، فَإنَّ الأحادِيثَ الكَثِيرَةَ الصَّحِيحَةَ ناطِقَةٌ بِأنَّ جَهَنَّمَ مَوْجُودَةٌ مَخْلُوقَةٌ عَلى الصِّفاتِ الَّتِي ورَدَ بِها الكِتابُ والسُّنَّةُ.
العنكبوت 29:53
(p-١١٢٣)قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ كَما بَيَّناهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، وقِيلَ: المَعْنى: كَما أنْزَلَنا الكِتابَ عَلَيْهِمْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وخَصَّهم بِإيتائِهُمُ الكِتابَ لِكَوْنِهِمُ العامِلِينَ بِهِ وكَأنَّ غَيْرَهم لَمْ يُؤْتَوْهُ لِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِما فِيهِ وجَحْدِهِمْ لِصِفاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَذْكُورَةِ فِيهِ ﴿ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الإشارَةُ إلى أهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ أنَّ مِنهم، وهو مَن قَدْ أسْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ أيْ: بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ العَرَبِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ.
﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الضَّمِيرُ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ المُرادُ بِقَوْلِهِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ أيْ: ما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ تَقْرَأُ قَبْلَ القُرْآنِ كِتابًا ولا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّكَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ ﴿ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أيْ: ولا تَكْتُبُهُ لِأنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى الكِتابَةِ.
قالَ مُجاهِدٌ كانَ أهْلُ الكِتابِ يَجِدُونَ في كُتُبِهِمْ إنْ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ النَّحّاسُ: وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّهُ لا يَكْتُبُ ولا يُخالِطُ أهْلَ الكِتابِ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أهْلُ كِتابٍ فَجاءَهم بِأخْبارِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى التِّلاوَةِ والخَطِّ لَقالُوا لَعَلَّهُ وجَدَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْنا مِن كُتُبِ اللَّهِ السّابِقَةِ أوْ مِنَ الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ في أخْبارِ الأُمَمِ، فَلَمّا كُنْتَ أُمِّيًّا لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْضِعٌ لِلرِّيبَةِ ولا مَحَلٌّ لِلشَّكِّ أبَدًا، بَلْ إنْكارُ مَن أنْكَرَ وكُفْرُ مَن كَفَرَ مُجَرَّدُ عِنادٍ وجُحُودٍ بِلا شُبْهَةٍ، وسَمّاهم مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّ ارْتِيابَهم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ويَكْتُبُ ظُلْمٌ مِنهم لِظُهُورِ نَزاهَتِهِ ووُضُوحِ مُعْجِزاتِهِ.
بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ حَفِظُوا القُرْآنَ عَلى عَهْدِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وحَفِظُوهُ بَعْدَهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: بَلْ مُحَمَّدٌ آياتٌ بَيِّناتٌ أيْ: ذُو آياتٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " بَلْ هي آياتٌ بَيِّناتٌ " قالَ الفَرّاءُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: بَلْ آياتُ القُرْآنِ آياتٌ بَيِّناتٌ.
واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ ما قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، وقَدِ اسْتَدَلَّ لِما قالاهُ بِقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْفَعِ " بَلْ هَذا آياتٌ بَيِّناتٌ " ولا دَلِيلَ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ الإشارَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إلى القُرْآنِ كَما جازَ أنْ تَكُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ رُجُوعُها إلى القُرْآنِ أظْهَرُ لِعَدَمِ احْتِياجِ ذَلِكَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْدِيرِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ أيِ: المُجاوِزُونَ لِلْحَدِّ في الظُّلْمِ.
﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قالَ المُشْرِكُونَ هَذا القَوْلَ، والمَعْنى: هَلّا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَآياتِ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ كَآياتِ مُوسى وناقَةِ صالِحٍ وإحْياءِ المَسِيحِ لِلْمَوْتى، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُها عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى ذَلِكَ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ أُنْذِرُكم كَما أُمِرْتُ وأُبَيِّنُ لَكم كَما يَنْبَغِي، لَيْسَ في قُدْرَتِي غَيْرُ ذَلِكَ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ آيَةٌ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ " قُلْ إنَّما الآياتُ " .
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلرَّدِّ عَلى اقْتِراحِهِمْ وبَيانِ بُطْلانِهِ أيْ: أوَلَمْ يَكْفِ المُشْرِكِينَ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ الَّذِي قَدْ تَحَدَّيْتَهم بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أوْ بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، ولَوْ أتَيْتَهم بِآياتِ مُوسى وآياتِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ لَما آمَنُوا، كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمْ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ إنَّ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِما ذُكِرَ لَرَحْمَةً عَظِيمَةً في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذِكْرى في الدُّنْيا يَتَذَكَّرُونَ بِها وتُرْشِدُهم إلى الحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أيْ: لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِما جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قُلْ لِلْمُكَذِّبِينَ كَفى اللَّهُ شَهِيدًا بِما وقَعَ بَيْنِي وبَيْنَكم يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ، ومِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَ بَيْنَكم وبَيْنَ رَسُولِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ: آمَنُوا بِما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وكَفَرُوا بِالحَقِّ وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، أُولَئِكَ هُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا مِنهم بِذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ وعَيَّنَهُ، وهو القِيامَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الأجَلُ مُدَّةُ أعْمارِهِمْ لِأنَّهم إذا ماتُوا صارُوا إلى العَذابِ لَجاءَهُمُ العَذابُ أيْ: لَوْلا ذَلِكَ الأجَلُ المَضْرُوبُ لَجاءَهُمُ العَذابُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِذُنُوبِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى النَّفْخَةُ الأُولى، وقِيلَ: الوَقْتُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.
والحاصِلُ أنَّ لِكُلِّ عَذابٍ أجَلًا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] وجُمْلَةُ ولَيَأْتِينَّهم بَغْتَةً مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَجِيءِ العَذابِ المَذْكُورِ قَبْلَها، ومَعْنى بَغْتَةً فَجْأةٌ، وجُمْلَةُ وهم لا يَشْعُرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ بِإتْيانِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مَوْعِدُ عَذابِهِمُ النّارَ فَقالَ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنكَ تَعْجِيلَ عَذابِهِمْ، والحالُ أنَّ مَكانَ العَذابِ مُحِيطٌ بِهِمْ أيْ:: سَيُحِيطُ بِهِمْ عَنْ قُرْبٍ، فَإنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ جِنْسُهم فَيَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ المُسْتَعْجِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَقَوْلُهُ: (p-١١٢٤)﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ إخْبارٌ عَنْهم، وقَوْلُهُ ثانِيًا ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ تَعَجُّبٌ مِنهم، وقِيلَ: التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ إحاطَةِ العَذابِ بِهِمْ فَقالَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ أيْ: مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ فَإذا غَشِيَهُمُ العَذابُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَقَدْ أحاطَتْ بِهِمْ جَهَنَّمُ ﴿ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ القائِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوْ بَعْضُ مَلائِكَتِهِ بِأمْرِهِ أيْ: ذُوقُوا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " نَقُولُ " بِالنُّونِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ: قُلْ كَفى بِاللَّهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ويُقالُ ذُوقُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ كانَ أُمِّيًّا، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: كانَ اللَّهُ أنْزَلَ شَأْنَ مُحَمَّدٍ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِأهْلِ العِلْمِ وعَلَّمَهُ لَهم وجَعَلَهُ لَهم آيَةً فَقالَ لَهم: إنَّ آيَةَ نُبُوَّتِهِ أنْ يَخْرُجَ حِينَ يَخْرُجُ ولا يَعْلَمُ كِتابًا ولا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ، وهي الآياتُ البَيِّناتُ الَّتِي قالَ اللَّهُ - تَعالى - .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الآيَةَ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ قالَ: «جاءَ أُناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوها، فِيها بَعْضُ ما سَمِعُوهُ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَفى بِقَوْمٍ حُمْقًا أوْ ضَلالَةً أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلَيْهِمْ إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُهُ إلى غَيْرِهِمْ فَنَزَلَتْ " أوَلَمْ يَكْفِهِمْ " الآيَةَ» .
وأخْرَجَهُ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ بِمَعْناهُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الزُّهْرِيِّ «أنَّ حَفْصَةَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ مِن قَصَصِ يُوسُفَ في كَتِفٍ، فَجَعَلَتْ تَقْرَأهُ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَلَوَّنُ وجْهُهُ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أتاكم يُوسُفُ وأنا نَبِيُّكم فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ الأنْصارِيِّ قالَ: " «دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ فِيهِ مَواضِعُ مِنَ التَّوْراةِ فَقالَ: هَذِهِ أصَبْتُها مَعَ رَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ أعْرِضُها عَلَيْكَ، فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَغَيُّرًا شَدِيدًا لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ لِعُمَرَ: أما تَرى وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ عُمَرُ: رَضِينا بِاللَّهِ وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقالَ: لَوْ نَزَلَ مُوسى فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ، أنا حَظُّكم مِنَ النَّبِيِّينَ وأنْتُمْ حَظِّي مِنَ الأُمَمِ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي قِلابَةَ عَنْ عُمَرَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ تَعَلُّمِ التَّوْراةِ فَقالَ: لا تَتَعَلَّمْها وآمِن بِها، وتَعَلَّمُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم وآمِنُوا بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ قالَ: جَهَنَّمُ هو هَذا البَحْرُ الأخْضَرُ تَنْتَثِرُ الكَواكِبُ فِيهِ وتَكُونُ فِيهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ ثُمَّ يُسْتَوْقَدُ فَيَكُونُ هو جَهَنَّمَ، وفي هَذا نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ، فَإنَّ الأحادِيثَ الكَثِيرَةَ الصَّحِيحَةَ ناطِقَةٌ بِأنَّ جَهَنَّمَ مَوْجُودَةٌ مَخْلُوقَةٌ عَلى الصِّفاتِ الَّتِي ورَدَ بِها الكِتابُ والسُّنَّةُ.
العنكبوت 29:54
(p-١١٢٣)قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ كَما بَيَّناهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، وقِيلَ: المَعْنى: كَما أنْزَلَنا الكِتابَ عَلَيْهِمْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وخَصَّهم بِإيتائِهُمُ الكِتابَ لِكَوْنِهِمُ العامِلِينَ بِهِ وكَأنَّ غَيْرَهم لَمْ يُؤْتَوْهُ لِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِما فِيهِ وجَحْدِهِمْ لِصِفاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَذْكُورَةِ فِيهِ ﴿ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الإشارَةُ إلى أهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ أنَّ مِنهم، وهو مَن قَدْ أسْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ أيْ: بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ العَرَبِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ.
﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الضَّمِيرُ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ المُرادُ بِقَوْلِهِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ أيْ: ما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ تَقْرَأُ قَبْلَ القُرْآنِ كِتابًا ولا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّكَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ ﴿ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أيْ: ولا تَكْتُبُهُ لِأنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى الكِتابَةِ.
قالَ مُجاهِدٌ كانَ أهْلُ الكِتابِ يَجِدُونَ في كُتُبِهِمْ إنْ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ النَّحّاسُ: وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّهُ لا يَكْتُبُ ولا يُخالِطُ أهْلَ الكِتابِ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أهْلُ كِتابٍ فَجاءَهم بِأخْبارِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى التِّلاوَةِ والخَطِّ لَقالُوا لَعَلَّهُ وجَدَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْنا مِن كُتُبِ اللَّهِ السّابِقَةِ أوْ مِنَ الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ في أخْبارِ الأُمَمِ، فَلَمّا كُنْتَ أُمِّيًّا لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْضِعٌ لِلرِّيبَةِ ولا مَحَلٌّ لِلشَّكِّ أبَدًا، بَلْ إنْكارُ مَن أنْكَرَ وكُفْرُ مَن كَفَرَ مُجَرَّدُ عِنادٍ وجُحُودٍ بِلا شُبْهَةٍ، وسَمّاهم مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّ ارْتِيابَهم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ويَكْتُبُ ظُلْمٌ مِنهم لِظُهُورِ نَزاهَتِهِ ووُضُوحِ مُعْجِزاتِهِ.
بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ حَفِظُوا القُرْآنَ عَلى عَهْدِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وحَفِظُوهُ بَعْدَهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: بَلْ مُحَمَّدٌ آياتٌ بَيِّناتٌ أيْ: ذُو آياتٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " بَلْ هي آياتٌ بَيِّناتٌ " قالَ الفَرّاءُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: بَلْ آياتُ القُرْآنِ آياتٌ بَيِّناتٌ.
واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ ما قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، وقَدِ اسْتَدَلَّ لِما قالاهُ بِقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْفَعِ " بَلْ هَذا آياتٌ بَيِّناتٌ " ولا دَلِيلَ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ الإشارَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إلى القُرْآنِ كَما جازَ أنْ تَكُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ رُجُوعُها إلى القُرْآنِ أظْهَرُ لِعَدَمِ احْتِياجِ ذَلِكَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْدِيرِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ أيِ: المُجاوِزُونَ لِلْحَدِّ في الظُّلْمِ.
﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قالَ المُشْرِكُونَ هَذا القَوْلَ، والمَعْنى: هَلّا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَآياتِ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ كَآياتِ مُوسى وناقَةِ صالِحٍ وإحْياءِ المَسِيحِ لِلْمَوْتى، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُها عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى ذَلِكَ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ أُنْذِرُكم كَما أُمِرْتُ وأُبَيِّنُ لَكم كَما يَنْبَغِي، لَيْسَ في قُدْرَتِي غَيْرُ ذَلِكَ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ آيَةٌ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ " قُلْ إنَّما الآياتُ " .
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلرَّدِّ عَلى اقْتِراحِهِمْ وبَيانِ بُطْلانِهِ أيْ: أوَلَمْ يَكْفِ المُشْرِكِينَ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ الَّذِي قَدْ تَحَدَّيْتَهم بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أوْ بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، ولَوْ أتَيْتَهم بِآياتِ مُوسى وآياتِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ لَما آمَنُوا، كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمْ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ إنَّ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِما ذُكِرَ لَرَحْمَةً عَظِيمَةً في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذِكْرى في الدُّنْيا يَتَذَكَّرُونَ بِها وتُرْشِدُهم إلى الحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أيْ: لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِما جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قُلْ لِلْمُكَذِّبِينَ كَفى اللَّهُ شَهِيدًا بِما وقَعَ بَيْنِي وبَيْنَكم يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ، ومِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَ بَيْنَكم وبَيْنَ رَسُولِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ: آمَنُوا بِما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وكَفَرُوا بِالحَقِّ وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، أُولَئِكَ هُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا مِنهم بِذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ وعَيَّنَهُ، وهو القِيامَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الأجَلُ مُدَّةُ أعْمارِهِمْ لِأنَّهم إذا ماتُوا صارُوا إلى العَذابِ لَجاءَهُمُ العَذابُ أيْ: لَوْلا ذَلِكَ الأجَلُ المَضْرُوبُ لَجاءَهُمُ العَذابُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِذُنُوبِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى النَّفْخَةُ الأُولى، وقِيلَ: الوَقْتُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.
والحاصِلُ أنَّ لِكُلِّ عَذابٍ أجَلًا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] وجُمْلَةُ ولَيَأْتِينَّهم بَغْتَةً مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَجِيءِ العَذابِ المَذْكُورِ قَبْلَها، ومَعْنى بَغْتَةً فَجْأةٌ، وجُمْلَةُ وهم لا يَشْعُرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ بِإتْيانِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مَوْعِدُ عَذابِهِمُ النّارَ فَقالَ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنكَ تَعْجِيلَ عَذابِهِمْ، والحالُ أنَّ مَكانَ العَذابِ مُحِيطٌ بِهِمْ أيْ:: سَيُحِيطُ بِهِمْ عَنْ قُرْبٍ، فَإنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ جِنْسُهم فَيَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ المُسْتَعْجِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَقَوْلُهُ: (p-١١٢٤)﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ إخْبارٌ عَنْهم، وقَوْلُهُ ثانِيًا ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ تَعَجُّبٌ مِنهم، وقِيلَ: التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ إحاطَةِ العَذابِ بِهِمْ فَقالَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ أيْ: مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ فَإذا غَشِيَهُمُ العَذابُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَقَدْ أحاطَتْ بِهِمْ جَهَنَّمُ ﴿ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ القائِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوْ بَعْضُ مَلائِكَتِهِ بِأمْرِهِ أيْ: ذُوقُوا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " نَقُولُ " بِالنُّونِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ: قُلْ كَفى بِاللَّهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ويُقالُ ذُوقُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ كانَ أُمِّيًّا، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: كانَ اللَّهُ أنْزَلَ شَأْنَ مُحَمَّدٍ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِأهْلِ العِلْمِ وعَلَّمَهُ لَهم وجَعَلَهُ لَهم آيَةً فَقالَ لَهم: إنَّ آيَةَ نُبُوَّتِهِ أنْ يَخْرُجَ حِينَ يَخْرُجُ ولا يَعْلَمُ كِتابًا ولا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ، وهي الآياتُ البَيِّناتُ الَّتِي قالَ اللَّهُ - تَعالى - .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الآيَةَ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ قالَ: «جاءَ أُناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوها، فِيها بَعْضُ ما سَمِعُوهُ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَفى بِقَوْمٍ حُمْقًا أوْ ضَلالَةً أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلَيْهِمْ إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُهُ إلى غَيْرِهِمْ فَنَزَلَتْ " أوَلَمْ يَكْفِهِمْ " الآيَةَ» .
وأخْرَجَهُ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ بِمَعْناهُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الزُّهْرِيِّ «أنَّ حَفْصَةَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ مِن قَصَصِ يُوسُفَ في كَتِفٍ، فَجَعَلَتْ تَقْرَأهُ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَلَوَّنُ وجْهُهُ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أتاكم يُوسُفُ وأنا نَبِيُّكم فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ الأنْصارِيِّ قالَ: " «دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ فِيهِ مَواضِعُ مِنَ التَّوْراةِ فَقالَ: هَذِهِ أصَبْتُها مَعَ رَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ أعْرِضُها عَلَيْكَ، فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَغَيُّرًا شَدِيدًا لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ لِعُمَرَ: أما تَرى وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ عُمَرُ: رَضِينا بِاللَّهِ وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقالَ: لَوْ نَزَلَ مُوسى فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ، أنا حَظُّكم مِنَ النَّبِيِّينَ وأنْتُمْ حَظِّي مِنَ الأُمَمِ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي قِلابَةَ عَنْ عُمَرَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ تَعَلُّمِ التَّوْراةِ فَقالَ: لا تَتَعَلَّمْها وآمِن بِها، وتَعَلَّمُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم وآمِنُوا بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ قالَ: جَهَنَّمُ هو هَذا البَحْرُ الأخْضَرُ تَنْتَثِرُ الكَواكِبُ فِيهِ وتَكُونُ فِيهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ ثُمَّ يُسْتَوْقَدُ فَيَكُونُ هو جَهَنَّمَ، وفي هَذا نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ، فَإنَّ الأحادِيثَ الكَثِيرَةَ الصَّحِيحَةَ ناطِقَةٌ بِأنَّ جَهَنَّمَ مَوْجُودَةٌ مَخْلُوقَةٌ عَلى الصِّفاتِ الَّتِي ورَدَ بِها الكِتابُ والسُّنَّةُ.
العنكبوت 29:55
(p-١١٢٣)قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ كَما بَيَّناهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، وهو القُرْآنُ، وقِيلَ: المَعْنى: كَما أنْزَلَنا الكِتابَ عَلَيْهِمْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وخَصَّهم بِإيتائِهُمُ الكِتابَ لِكَوْنِهِمُ العامِلِينَ بِهِ وكَأنَّ غَيْرَهم لَمْ يُؤْتَوْهُ لِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِما فِيهِ وجَحْدِهِمْ لِصِفاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَذْكُورَةِ فِيهِ ﴿ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الإشارَةُ إلى أهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ أنَّ مِنهم، وهو مَن قَدْ أسْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ أيْ: بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ العَرَبِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا أيْ: آياتِ القُرْآنِ إلّا الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ.
﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الضَّمِيرُ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ المُرادُ بِقَوْلِهِ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ أيْ: ما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ تَقْرَأُ قَبْلَ القُرْآنِ كِتابًا ولا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّكَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ ﴿ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أيْ: ولا تَكْتُبُهُ لِأنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى الكِتابَةِ.
قالَ مُجاهِدٌ كانَ أهْلُ الكِتابِ يَجِدُونَ في كُتُبِهِمْ إنْ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ النَّحّاسُ: وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ لِأنَّهُ لا يَكْتُبُ ولا يُخالِطُ أهْلَ الكِتابِ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أهْلُ كِتابٍ فَجاءَهم بِأخْبارِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى التِّلاوَةِ والخَطِّ لَقالُوا لَعَلَّهُ وجَدَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْنا مِن كُتُبِ اللَّهِ السّابِقَةِ أوْ مِنَ الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ في أخْبارِ الأُمَمِ، فَلَمّا كُنْتَ أُمِّيًّا لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْضِعٌ لِلرِّيبَةِ ولا مَحَلٌّ لِلشَّكِّ أبَدًا، بَلْ إنْكارُ مَن أنْكَرَ وكُفْرُ مَن كَفَرَ مُجَرَّدُ عِنادٍ وجُحُودٍ بِلا شُبْهَةٍ، وسَمّاهم مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّ ارْتِيابَهم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ويَكْتُبُ ظُلْمٌ مِنهم لِظُهُورِ نَزاهَتِهِ ووُضُوحِ مُعْجِزاتِهِ.
بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ حَفِظُوا القُرْآنَ عَلى عَهْدِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وحَفِظُوهُ بَعْدَهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: بَلْ مُحَمَّدٌ آياتٌ بَيِّناتٌ أيْ: ذُو آياتٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " بَلْ هي آياتٌ بَيِّناتٌ " قالَ الفَرّاءُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: بَلْ آياتُ القُرْآنِ آياتٌ بَيِّناتٌ.
واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ ما قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، وقَدِ اسْتَدَلَّ لِما قالاهُ بِقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْفَعِ " بَلْ هَذا آياتٌ بَيِّناتٌ " ولا دَلِيلَ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ الإشارَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إلى القُرْآنِ كَما جازَ أنْ تَكُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ رُجُوعُها إلى القُرْآنِ أظْهَرُ لِعَدَمِ احْتِياجِ ذَلِكَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْدِيرِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ أيِ: المُجاوِزُونَ لِلْحَدِّ في الظُّلْمِ.
﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: قالَ المُشْرِكُونَ هَذا القَوْلَ، والمَعْنى: هَلّا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَآياتِ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ كَآياتِ مُوسى وناقَةِ صالِحٍ وإحْياءِ المَسِيحِ لِلْمَوْتى، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنْزِلُها عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى ذَلِكَ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ أُنْذِرُكم كَما أُمِرْتُ وأُبَيِّنُ لَكم كَما يَنْبَغِي، لَيْسَ في قُدْرَتِي غَيْرُ ذَلِكَ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ آيَةٌ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ " قُلْ إنَّما الآياتُ " .
﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلرَّدِّ عَلى اقْتِراحِهِمْ وبَيانِ بُطْلانِهِ أيْ: أوَلَمْ يَكْفِ المُشْرِكِينَ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها هَذا الكِتابُ المُعْجِزُ الَّذِي قَدْ تَحَدَّيْتَهم بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أوْ بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، ولَوْ أتَيْتَهم بِآياتِ مُوسى وآياتِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ لَما آمَنُوا، كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمْ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ إنَّ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِما ذُكِرَ لَرَحْمَةً عَظِيمَةً في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذِكْرى في الدُّنْيا يَتَذَكَّرُونَ بِها وتُرْشِدُهم إلى الحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أيْ: لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِما جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: قُلْ لِلْمُكَذِّبِينَ كَفى اللَّهُ شَهِيدًا بِما وقَعَ بَيْنِي وبَيْنَكم يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ، ومِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَ بَيْنَكم وبَيْنَ رَسُولِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ: آمَنُوا بِما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وكَفَرُوا بِالحَقِّ وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، أُولَئِكَ هُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا مِنهم بِذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ وعَيَّنَهُ، وهو القِيامَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الأجَلُ مُدَّةُ أعْمارِهِمْ لِأنَّهم إذا ماتُوا صارُوا إلى العَذابِ لَجاءَهُمُ العَذابُ أيْ: لَوْلا ذَلِكَ الأجَلُ المَضْرُوبُ لَجاءَهُمُ العَذابُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِذُنُوبِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى النَّفْخَةُ الأُولى، وقِيلَ: الوَقْتُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.
والحاصِلُ أنَّ لِكُلِّ عَذابٍ أجَلًا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] وجُمْلَةُ ولَيَأْتِينَّهم بَغْتَةً مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَجِيءِ العَذابِ المَذْكُورِ قَبْلَها، ومَعْنى بَغْتَةً فَجْأةٌ، وجُمْلَةُ وهم لا يَشْعُرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ بِإتْيانِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مَوْعِدُ عَذابِهِمُ النّارَ فَقالَ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنكَ تَعْجِيلَ عَذابِهِمْ، والحالُ أنَّ مَكانَ العَذابِ مُحِيطٌ بِهِمْ أيْ:: سَيُحِيطُ بِهِمْ عَنْ قُرْبٍ، فَإنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ جِنْسُهم فَيَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ المُسْتَعْجِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَقَوْلُهُ: (p-١١٢٤)﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ إخْبارٌ عَنْهم، وقَوْلُهُ ثانِيًا ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ تَعَجُّبٌ مِنهم، وقِيلَ: التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ إحاطَةِ العَذابِ بِهِمْ فَقالَ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ أيْ: مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ فَإذا غَشِيَهُمُ العَذابُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَقَدْ أحاطَتْ بِهِمْ جَهَنَّمُ ﴿ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ القائِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوْ بَعْضُ مَلائِكَتِهِ بِأمْرِهِ أيْ: ذُوقُوا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " نَقُولُ " بِالنُّونِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ: قُلْ كَفى بِاللَّهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ويُقالُ ذُوقُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ كانَ أُمِّيًّا، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: كانَ اللَّهُ أنْزَلَ شَأْنَ مُحَمَّدٍ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِأهْلِ العِلْمِ وعَلَّمَهُ لَهم وجَعَلَهُ لَهم آيَةً فَقالَ لَهم: إنَّ آيَةَ نُبُوَّتِهِ أنْ يَخْرُجَ حِينَ يَخْرُجُ ولا يَعْلَمُ كِتابًا ولا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ، وهي الآياتُ البَيِّناتُ الَّتِي قالَ اللَّهُ - تَعالى - .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ الآيَةَ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ قالَ: «جاءَ أُناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوها، فِيها بَعْضُ ما سَمِعُوهُ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَفى بِقَوْمٍ حُمْقًا أوْ ضَلالَةً أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلَيْهِمْ إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُهُ إلى غَيْرِهِمْ فَنَزَلَتْ " أوَلَمْ يَكْفِهِمْ " الآيَةَ» .
وأخْرَجَهُ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ بِمَعْناهُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الزُّهْرِيِّ «أنَّ حَفْصَةَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ مِن قَصَصِ يُوسُفَ في كَتِفٍ، فَجَعَلَتْ تَقْرَأهُ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَلَوَّنُ وجْهُهُ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أتاكم يُوسُفُ وأنا نَبِيُّكم فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ الأنْصارِيِّ قالَ: " «دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِتابٍ فِيهِ مَواضِعُ مِنَ التَّوْراةِ فَقالَ: هَذِهِ أصَبْتُها مَعَ رَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ أعْرِضُها عَلَيْكَ، فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَغَيُّرًا شَدِيدًا لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ لِعُمَرَ: أما تَرى وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ عُمَرُ: رَضِينا بِاللَّهِ وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقالَ: لَوْ نَزَلَ مُوسى فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ، أنا حَظُّكم مِنَ النَّبِيِّينَ وأنْتُمْ حَظِّي مِنَ الأُمَمِ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي قِلابَةَ عَنْ عُمَرَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ تَعَلُّمِ التَّوْراةِ فَقالَ: لا تَتَعَلَّمْها وآمِن بِها، وتَعَلَّمُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم وآمِنُوا بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ قالَ: جَهَنَّمُ هو هَذا البَحْرُ الأخْضَرُ تَنْتَثِرُ الكَواكِبُ فِيهِ وتَكُونُ فِيهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ ثُمَّ يُسْتَوْقَدُ فَيَكُونُ هو جَهَنَّمَ، وفي هَذا نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ، فَإنَّ الأحادِيثَ الكَثِيرَةَ الصَّحِيحَةَ ناطِقَةٌ بِأنَّ جَهَنَّمَ مَوْجُودَةٌ مَخْلُوقَةٌ عَلى الصِّفاتِ الَّتِي ورَدَ بِها الكِتابُ والسُّنَّةُ.
العنكبوت 29:56
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ وجَمَعَهم في الإنْذارِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم، وزادَ فَسادُهم، وسَعَوْا في إيذاءِ المُسْلِمِينَ بِكُلِّ وجْهٍ فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أضافَهم إلَيْهِ بَعْدَ خِطابِهِ لَهم تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، والَّذِينَ آمَنُوا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ أوْ مُمَيِّزَةٌ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وفي مُكايَدَةٍ لِلْكُفّارِ، فاخْرُجُوا مِنها؛ لِتَتَيَسَّرَ لَكم عِبادَتِي وحْدِي، وتَتَسَهَّلَ عَلَيْكم.
١٠٣ قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي ولا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ.
وقالَ (p-١١٢٥)مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: المَعْنى إنْ رَحْمَتِي واسِعَةٌ ورِزْقِيَ لَكم واسْعٌ فابْتَغُوهُ في الأرْضِ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنْ أرْضِيَ الَّتِي هي أرْضُ الجَنَّةِ واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ حَتّى أُوَرِّثُكُمُوها.
وانْتِصابُ إيّايَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: فاعْبُدُوا إيّايَ.
ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِالمَوْتِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ أمْرَ الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيْكم تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ والخُلّانِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ في سَفَرٍ إلى دارِ القَرارِ وإنْ طالَ لُبْثُهُ في هَذِهِ الدّارِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ في هَذا التَّرْغِيبُ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ جَزاءَ مِن هاجَرَ أنْ يَكُونَ في غُرَفِ الجَنَّةِ، ومَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُنْزِلَنَّهم غُرَفَ الجَنَّةِ، وهي عَلالِيها: فانْتِصابُ غُرَفًا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ نُبَوِّئَنَّهم مَعْنى نُنْزِلَنَّهم أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّضْمِينِ، لِأنَّ نُبَوِّئَنَّهم لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإمّا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ اتِّساعًا أيْ: في غَرَفِ الجَنَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَباءَةِ وهي الإنْزالُ.
قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " يا عِبادِي " بِإسْكانِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إنَّ أرْضِي " بِفَتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الباقُونَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَنَثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْنى لَنَثْوِيَنَّهم بِالمُثَلَّثَةِ: لَنُعْطِيَنَّهم غُرَفًا يَثْوُونَ فِيها مِنَ الثَّوى وهو الإقامَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلَتْهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ.
قالَ الأخْفَشُ: لا تُعْجِبُنِي هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّكَ لا تَقُولُ أثْوَيْتُهُ الدّارَ، بَلْ تَقُولُ في الدّارِ، ولَيْسَ في الآيَةِ حَرْفُ جَرٍّ في المَفْعُولِ الثّانِي، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو عَلى إرادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ حَذَفَ كَما تَقُولُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أيْ: بِالخَيْرِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ الغُرَفَ فَقالَ: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ خالِدِينَ فِيها أيْ: في الغُرَفِ لا يَمُوتُونَ أبَدًا، أوْ في الجَنَّةِ، والأوَّلُ أوْلى نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ، المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ أجْرُهم، والمَعْنى: العامِلِينَ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ العامِلِينَ فَقالَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ وعَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وهو النَّظَرُ في حالِ الدَّوابِّ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَأيِّنْ، وأنَّ أصْلَها أيْ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ وصارَ فِيها مَعْنى: كَمْ كَما صَرَّحَ بِهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وتَقْدِيرُها عِنْدَهُما كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ العَدَدِ مِن دابَّةٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن دابَّةٍ.
ومَعْنى ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها ولا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما يَرْزُقُها اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَرْزُقُكم فَكَيْفَ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ قُوَّتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ عَلى أسْبابِ العَيْشِ كَتَوَكُّلِها عَلى اللَّهِ مَعَ ضَعْفِها وعَجْزِها.
قالَ الحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِها، لا تَدَّخِرُ شَيْئًا.
قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ والبَهائِمَ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا وهو السَّمِيعُ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ العَلِيمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وعَجِبَ السّامِعُ مِن كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم ولا يُوَحِّدُونَهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَها، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن جُحُودِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ.
ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَمْ تَكُونُوا فَقُرّاءَ دَفَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيِ: التَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والتَّقْتِيرُ لَهُ هو مِنَ اللَّهِ الباسِطِ القابِضِ يَبْسُطُهُ لِمَن يَشاءُ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وما يَلِيقُ بِحالِ عِبادِهِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، ولِهَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ وفَسادُهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: نَزَّلَهُ وأحْيا بِهِ الأرْضَ اللَّهُ، يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لا يَجِدُونَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلًا.
ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا هَذا الِاعْتِرافَ في هَذِهِ الآياتِ، وهو يَقْتَضِي بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَدَمِ إفْرادِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالعِبادَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى إقْرارِهِمْ وعَدَمِ جُحُودِهِمْ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ في العِنادِ وتَشَدُّدِهِمْ في رَدِّ كُلِّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أحْمَدُ اللَّهَ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ مَعَكَ، وأظْهَرَ حِجْرَكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهم فَقالَ: بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ الأشْياءَ الَّتِي يَتَعَقَّلُها العُقَلاءُ.
فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِمّا يَسْتَلْزِمُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ.
ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى تَحْقِيرِ الدُّنْيا وأنَّها مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ: وأنَّ الدّارَ عَلى الحَقِيقَةِ هي دارُ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ مِن جِنْسِ ما يَلْهُو بِهِ الصِّبْيانُ ويَلْعَبُونَ بِهِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ الحَيَوانَ الحَياةُ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْنى الحَيَوانِ هاهُنا الحَياةُ، وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ فَيَكُونُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ (p-١١٢٦)لَهِي دارُ الحَيَوانِ، أوْ ذاتُ الحَيَوانِ أيْ: دارُ الحَياةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا تَزُولُ ولا يُنَغِّصُها مَوْتٌ ولا مَرَضٌ، ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدّارَ الفانِيَةَ المُنَغَّصَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ المانِعُ لَهم مِنَ الإيمانِ إلّا مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنَ الحَياةِ وخافُوا الغَرَقَ رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ، فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وتَرْكِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِدُعاءِ الأصْنامِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ هَذِهِ الشِّدَّةَ العَظِيمَةَ النّازِلَةَ بِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ودَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وإنَّما عُدِّيَ بِكَلِمَةِ " في " لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ.
واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فاجَئُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ لِيَكْفُرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ولِيَتَمَتَّعُوا بِهِما فَهُما في الفِعْلَيْنِ لامُ كَيْ، وقِيلَ: هُما لاما الأمْرِ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: أيِ: اكْفُرُوا بِما أعْطَيْناكم مِنَ النِّعْمَةِ وتَمَتَّعُوا، ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " وتَمَتَّعُوا " وهَذا الِاحْتِمالُ لِلْأمْرَيْنِ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ووَرْشٍ بِكَسْرِ اللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِسُكُونِها فَلا خِلافَ أنَّها لامُ الأمْرِ، وفي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ وما فِيهِ مِنَ الوَبالِ عَلَيْهِمْ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ أنّا جَعَلْنا حَرَمَهم هَذا حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُ فِيهِ ساكِنُهُ مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ فَصارُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ مِمّا صارَ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم في كُلِّ حِينٍ تَطْرُقُهُمُ الغاراتُ، وتَجْتاحُ أمْوالَهُمُ الغُزاةُ، وتَسْفِكُ دِماءَهُمُ الجُنُودُ، وتَسْتَبِيحُ حُرَمَهم وأمْوالَهم شُطّارُ العَرَبِ وشَياطِنُها، وجُمْلَةُ ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَخْتَلِسُونَ مَن حَوْلَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الشِّرْكُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإقْرارِهِمْ بِما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْعَلُونَ كُفْرَها مَكانَ شُكْرِها، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهو مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبَ بِالتَّوْحِيدِ، والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.
ثُمَّ هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَكانٌ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: ألَيْسَ يَسْتَحِقُّونَ الِاسْتِقْرارَ فِيها وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ الجاحِدِينَ لِلتَّوْحِيدِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ أرْدَفَهُ بِحالِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ: جاهَدُوا في شَأْنِ اللَّهِ لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ ورَجاءِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا أيِ الطَّرِيقَ المُوصِّلَ إلَيْنا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللَّهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، وقِيلَ: الآيَةُ هَذِهِ نَزَلَتْ في العِبادِ.
وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ومَن كانَ مَعَهُ لَمْ يُخْذَلْ، ودَخَلَتْ لامُ التَّوْكِيدِ عَلى مَعَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِها اسْمًا، أوْ عَلى أنَّها حَرْفٌ ودَخَلَتْ عَلَيْها لِإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا لَفي الدّارِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ " قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قُلْتُ يا رَبِّ أيَمُوتُ الخَلائِقُ كُلُّهم ويَبْقى الأنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾» [العنكبوت: ٥٧] " .
ويُنْظَرُ كَيْفَ صِحَّةُ هَذا، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ ماتُوا، وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ما سَألَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ أيَمُوتُ الخَلائِقُ ويَبْقى الأنْبِياءُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ " «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطانِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ التَّمْرَ ويَأْكُلُ، فَقالَ لِي: ما لَكَ لا تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ: لا أشْتَهِيهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَكِنِّي أشْتَهِيهِ وهَذِهِ صُبْحُ رابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أجِدْهُ، ولَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأعْطانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرى وقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يا ابْنَ عُمَرَ إذا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ، ويَضْعُفُ اليَقِينُ. قالَ: فَواللَّهِ ما بَرِحْنا ولا رُمْنا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيا ولا بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ألا وإنِّي لا أكْنِزُ دِينارًا ولا دِرْهَمًا، ولا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ» .
وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ لِمُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ يُعْطِي نِساءَهُ قُوتَ العامِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ.
وفِي إسْنادِهِ أبُو العَطُوفِ الجَوْزِيِّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ قالَ: باقِيَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدارِ الحَيَوانِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ» وهو مُرْسَلٌ.
العنكبوت 29:57
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ وجَمَعَهم في الإنْذارِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم، وزادَ فَسادُهم، وسَعَوْا في إيذاءِ المُسْلِمِينَ بِكُلِّ وجْهٍ فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أضافَهم إلَيْهِ بَعْدَ خِطابِهِ لَهم تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، والَّذِينَ آمَنُوا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ أوْ مُمَيِّزَةٌ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وفي مُكايَدَةٍ لِلْكُفّارِ، فاخْرُجُوا مِنها؛ لِتَتَيَسَّرَ لَكم عِبادَتِي وحْدِي، وتَتَسَهَّلَ عَلَيْكم.
١٠٣ قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي ولا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ.
وقالَ (p-١١٢٥)مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: المَعْنى إنْ رَحْمَتِي واسِعَةٌ ورِزْقِيَ لَكم واسْعٌ فابْتَغُوهُ في الأرْضِ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنْ أرْضِيَ الَّتِي هي أرْضُ الجَنَّةِ واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ حَتّى أُوَرِّثُكُمُوها.
وانْتِصابُ إيّايَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: فاعْبُدُوا إيّايَ.
ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِالمَوْتِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ أمْرَ الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيْكم تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ والخُلّانِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ في سَفَرٍ إلى دارِ القَرارِ وإنْ طالَ لُبْثُهُ في هَذِهِ الدّارِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ في هَذا التَّرْغِيبُ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ جَزاءَ مِن هاجَرَ أنْ يَكُونَ في غُرَفِ الجَنَّةِ، ومَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُنْزِلَنَّهم غُرَفَ الجَنَّةِ، وهي عَلالِيها: فانْتِصابُ غُرَفًا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ نُبَوِّئَنَّهم مَعْنى نُنْزِلَنَّهم أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّضْمِينِ، لِأنَّ نُبَوِّئَنَّهم لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإمّا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ اتِّساعًا أيْ: في غَرَفِ الجَنَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَباءَةِ وهي الإنْزالُ.
قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " يا عِبادِي " بِإسْكانِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إنَّ أرْضِي " بِفَتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الباقُونَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَنَثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْنى لَنَثْوِيَنَّهم بِالمُثَلَّثَةِ: لَنُعْطِيَنَّهم غُرَفًا يَثْوُونَ فِيها مِنَ الثَّوى وهو الإقامَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلَتْهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ.
قالَ الأخْفَشُ: لا تُعْجِبُنِي هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّكَ لا تَقُولُ أثْوَيْتُهُ الدّارَ، بَلْ تَقُولُ في الدّارِ، ولَيْسَ في الآيَةِ حَرْفُ جَرٍّ في المَفْعُولِ الثّانِي، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو عَلى إرادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ حَذَفَ كَما تَقُولُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أيْ: بِالخَيْرِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ الغُرَفَ فَقالَ: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ خالِدِينَ فِيها أيْ: في الغُرَفِ لا يَمُوتُونَ أبَدًا، أوْ في الجَنَّةِ، والأوَّلُ أوْلى نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ، المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ أجْرُهم، والمَعْنى: العامِلِينَ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ العامِلِينَ فَقالَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ وعَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وهو النَّظَرُ في حالِ الدَّوابِّ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَأيِّنْ، وأنَّ أصْلَها أيْ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ وصارَ فِيها مَعْنى: كَمْ كَما صَرَّحَ بِهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وتَقْدِيرُها عِنْدَهُما كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ العَدَدِ مِن دابَّةٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن دابَّةٍ.
ومَعْنى ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها ولا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما يَرْزُقُها اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَرْزُقُكم فَكَيْفَ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ قُوَّتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ عَلى أسْبابِ العَيْشِ كَتَوَكُّلِها عَلى اللَّهِ مَعَ ضَعْفِها وعَجْزِها.
قالَ الحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِها، لا تَدَّخِرُ شَيْئًا.
قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ والبَهائِمَ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا وهو السَّمِيعُ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ العَلِيمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وعَجِبَ السّامِعُ مِن كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم ولا يُوَحِّدُونَهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَها، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن جُحُودِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ.
ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَمْ تَكُونُوا فَقُرّاءَ دَفَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيِ: التَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والتَّقْتِيرُ لَهُ هو مِنَ اللَّهِ الباسِطِ القابِضِ يَبْسُطُهُ لِمَن يَشاءُ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وما يَلِيقُ بِحالِ عِبادِهِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، ولِهَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ وفَسادُهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: نَزَّلَهُ وأحْيا بِهِ الأرْضَ اللَّهُ، يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لا يَجِدُونَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلًا.
ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا هَذا الِاعْتِرافَ في هَذِهِ الآياتِ، وهو يَقْتَضِي بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَدَمِ إفْرادِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالعِبادَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى إقْرارِهِمْ وعَدَمِ جُحُودِهِمْ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ في العِنادِ وتَشَدُّدِهِمْ في رَدِّ كُلِّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أحْمَدُ اللَّهَ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ مَعَكَ، وأظْهَرَ حِجْرَكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهم فَقالَ: بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ الأشْياءَ الَّتِي يَتَعَقَّلُها العُقَلاءُ.
فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِمّا يَسْتَلْزِمُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ.
ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى تَحْقِيرِ الدُّنْيا وأنَّها مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ: وأنَّ الدّارَ عَلى الحَقِيقَةِ هي دارُ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ مِن جِنْسِ ما يَلْهُو بِهِ الصِّبْيانُ ويَلْعَبُونَ بِهِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ الحَيَوانَ الحَياةُ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْنى الحَيَوانِ هاهُنا الحَياةُ، وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ فَيَكُونُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ (p-١١٢٦)لَهِي دارُ الحَيَوانِ، أوْ ذاتُ الحَيَوانِ أيْ: دارُ الحَياةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا تَزُولُ ولا يُنَغِّصُها مَوْتٌ ولا مَرَضٌ، ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدّارَ الفانِيَةَ المُنَغَّصَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ المانِعُ لَهم مِنَ الإيمانِ إلّا مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنَ الحَياةِ وخافُوا الغَرَقَ رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ، فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وتَرْكِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِدُعاءِ الأصْنامِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ هَذِهِ الشِّدَّةَ العَظِيمَةَ النّازِلَةَ بِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ودَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وإنَّما عُدِّيَ بِكَلِمَةِ " في " لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ.
واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فاجَئُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ لِيَكْفُرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ولِيَتَمَتَّعُوا بِهِما فَهُما في الفِعْلَيْنِ لامُ كَيْ، وقِيلَ: هُما لاما الأمْرِ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: أيِ: اكْفُرُوا بِما أعْطَيْناكم مِنَ النِّعْمَةِ وتَمَتَّعُوا، ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " وتَمَتَّعُوا " وهَذا الِاحْتِمالُ لِلْأمْرَيْنِ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ووَرْشٍ بِكَسْرِ اللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِسُكُونِها فَلا خِلافَ أنَّها لامُ الأمْرِ، وفي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ وما فِيهِ مِنَ الوَبالِ عَلَيْهِمْ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ أنّا جَعَلْنا حَرَمَهم هَذا حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُ فِيهِ ساكِنُهُ مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ فَصارُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ مِمّا صارَ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم في كُلِّ حِينٍ تَطْرُقُهُمُ الغاراتُ، وتَجْتاحُ أمْوالَهُمُ الغُزاةُ، وتَسْفِكُ دِماءَهُمُ الجُنُودُ، وتَسْتَبِيحُ حُرَمَهم وأمْوالَهم شُطّارُ العَرَبِ وشَياطِنُها، وجُمْلَةُ ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَخْتَلِسُونَ مَن حَوْلَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الشِّرْكُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإقْرارِهِمْ بِما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْعَلُونَ كُفْرَها مَكانَ شُكْرِها، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهو مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبَ بِالتَّوْحِيدِ، والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.
ثُمَّ هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَكانٌ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: ألَيْسَ يَسْتَحِقُّونَ الِاسْتِقْرارَ فِيها وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ الجاحِدِينَ لِلتَّوْحِيدِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ أرْدَفَهُ بِحالِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ: جاهَدُوا في شَأْنِ اللَّهِ لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ ورَجاءِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا أيِ الطَّرِيقَ المُوصِّلَ إلَيْنا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللَّهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، وقِيلَ: الآيَةُ هَذِهِ نَزَلَتْ في العِبادِ.
وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ومَن كانَ مَعَهُ لَمْ يُخْذَلْ، ودَخَلَتْ لامُ التَّوْكِيدِ عَلى مَعَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِها اسْمًا، أوْ عَلى أنَّها حَرْفٌ ودَخَلَتْ عَلَيْها لِإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا لَفي الدّارِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ " قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قُلْتُ يا رَبِّ أيَمُوتُ الخَلائِقُ كُلُّهم ويَبْقى الأنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾» [العنكبوت: ٥٧] " .
ويُنْظَرُ كَيْفَ صِحَّةُ هَذا، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ ماتُوا، وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ما سَألَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ أيَمُوتُ الخَلائِقُ ويَبْقى الأنْبِياءُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ " «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطانِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ التَّمْرَ ويَأْكُلُ، فَقالَ لِي: ما لَكَ لا تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ: لا أشْتَهِيهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَكِنِّي أشْتَهِيهِ وهَذِهِ صُبْحُ رابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أجِدْهُ، ولَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأعْطانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرى وقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يا ابْنَ عُمَرَ إذا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ، ويَضْعُفُ اليَقِينُ. قالَ: فَواللَّهِ ما بَرِحْنا ولا رُمْنا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيا ولا بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ألا وإنِّي لا أكْنِزُ دِينارًا ولا دِرْهَمًا، ولا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ» .
وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ لِمُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ يُعْطِي نِساءَهُ قُوتَ العامِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ.
وفِي إسْنادِهِ أبُو العَطُوفِ الجَوْزِيِّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ قالَ: باقِيَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدارِ الحَيَوانِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ» وهو مُرْسَلٌ.
العنكبوت 29:58
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ وجَمَعَهم في الإنْذارِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم، وزادَ فَسادُهم، وسَعَوْا في إيذاءِ المُسْلِمِينَ بِكُلِّ وجْهٍ فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أضافَهم إلَيْهِ بَعْدَ خِطابِهِ لَهم تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، والَّذِينَ آمَنُوا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ أوْ مُمَيِّزَةٌ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وفي مُكايَدَةٍ لِلْكُفّارِ، فاخْرُجُوا مِنها؛ لِتَتَيَسَّرَ لَكم عِبادَتِي وحْدِي، وتَتَسَهَّلَ عَلَيْكم.
١٠٣ قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي ولا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ.
وقالَ (p-١١٢٥)مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: المَعْنى إنْ رَحْمَتِي واسِعَةٌ ورِزْقِيَ لَكم واسْعٌ فابْتَغُوهُ في الأرْضِ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنْ أرْضِيَ الَّتِي هي أرْضُ الجَنَّةِ واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ حَتّى أُوَرِّثُكُمُوها.
وانْتِصابُ إيّايَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: فاعْبُدُوا إيّايَ.
ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِالمَوْتِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ أمْرَ الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيْكم تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ والخُلّانِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ في سَفَرٍ إلى دارِ القَرارِ وإنْ طالَ لُبْثُهُ في هَذِهِ الدّارِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ في هَذا التَّرْغِيبُ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ جَزاءَ مِن هاجَرَ أنْ يَكُونَ في غُرَفِ الجَنَّةِ، ومَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُنْزِلَنَّهم غُرَفَ الجَنَّةِ، وهي عَلالِيها: فانْتِصابُ غُرَفًا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ نُبَوِّئَنَّهم مَعْنى نُنْزِلَنَّهم أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّضْمِينِ، لِأنَّ نُبَوِّئَنَّهم لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإمّا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ اتِّساعًا أيْ: في غَرَفِ الجَنَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَباءَةِ وهي الإنْزالُ.
قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " يا عِبادِي " بِإسْكانِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إنَّ أرْضِي " بِفَتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الباقُونَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَنَثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْنى لَنَثْوِيَنَّهم بِالمُثَلَّثَةِ: لَنُعْطِيَنَّهم غُرَفًا يَثْوُونَ فِيها مِنَ الثَّوى وهو الإقامَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلَتْهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ.
قالَ الأخْفَشُ: لا تُعْجِبُنِي هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّكَ لا تَقُولُ أثْوَيْتُهُ الدّارَ، بَلْ تَقُولُ في الدّارِ، ولَيْسَ في الآيَةِ حَرْفُ جَرٍّ في المَفْعُولِ الثّانِي، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو عَلى إرادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ حَذَفَ كَما تَقُولُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أيْ: بِالخَيْرِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ الغُرَفَ فَقالَ: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ خالِدِينَ فِيها أيْ: في الغُرَفِ لا يَمُوتُونَ أبَدًا، أوْ في الجَنَّةِ، والأوَّلُ أوْلى نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ، المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ أجْرُهم، والمَعْنى: العامِلِينَ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ العامِلِينَ فَقالَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ وعَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وهو النَّظَرُ في حالِ الدَّوابِّ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَأيِّنْ، وأنَّ أصْلَها أيْ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ وصارَ فِيها مَعْنى: كَمْ كَما صَرَّحَ بِهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وتَقْدِيرُها عِنْدَهُما كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ العَدَدِ مِن دابَّةٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن دابَّةٍ.
ومَعْنى ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها ولا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما يَرْزُقُها اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَرْزُقُكم فَكَيْفَ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ قُوَّتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ عَلى أسْبابِ العَيْشِ كَتَوَكُّلِها عَلى اللَّهِ مَعَ ضَعْفِها وعَجْزِها.
قالَ الحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِها، لا تَدَّخِرُ شَيْئًا.
قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ والبَهائِمَ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا وهو السَّمِيعُ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ العَلِيمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وعَجِبَ السّامِعُ مِن كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم ولا يُوَحِّدُونَهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَها، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن جُحُودِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ.
ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَمْ تَكُونُوا فَقُرّاءَ دَفَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيِ: التَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والتَّقْتِيرُ لَهُ هو مِنَ اللَّهِ الباسِطِ القابِضِ يَبْسُطُهُ لِمَن يَشاءُ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وما يَلِيقُ بِحالِ عِبادِهِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، ولِهَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ وفَسادُهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: نَزَّلَهُ وأحْيا بِهِ الأرْضَ اللَّهُ، يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لا يَجِدُونَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلًا.
ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا هَذا الِاعْتِرافَ في هَذِهِ الآياتِ، وهو يَقْتَضِي بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَدَمِ إفْرادِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالعِبادَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى إقْرارِهِمْ وعَدَمِ جُحُودِهِمْ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ في العِنادِ وتَشَدُّدِهِمْ في رَدِّ كُلِّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أحْمَدُ اللَّهَ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ مَعَكَ، وأظْهَرَ حِجْرَكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهم فَقالَ: بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ الأشْياءَ الَّتِي يَتَعَقَّلُها العُقَلاءُ.
فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِمّا يَسْتَلْزِمُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ.
ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى تَحْقِيرِ الدُّنْيا وأنَّها مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ: وأنَّ الدّارَ عَلى الحَقِيقَةِ هي دارُ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ مِن جِنْسِ ما يَلْهُو بِهِ الصِّبْيانُ ويَلْعَبُونَ بِهِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ الحَيَوانَ الحَياةُ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْنى الحَيَوانِ هاهُنا الحَياةُ، وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ فَيَكُونُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ (p-١١٢٦)لَهِي دارُ الحَيَوانِ، أوْ ذاتُ الحَيَوانِ أيْ: دارُ الحَياةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا تَزُولُ ولا يُنَغِّصُها مَوْتٌ ولا مَرَضٌ، ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدّارَ الفانِيَةَ المُنَغَّصَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ المانِعُ لَهم مِنَ الإيمانِ إلّا مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنَ الحَياةِ وخافُوا الغَرَقَ رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ، فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وتَرْكِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِدُعاءِ الأصْنامِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ هَذِهِ الشِّدَّةَ العَظِيمَةَ النّازِلَةَ بِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ودَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وإنَّما عُدِّيَ بِكَلِمَةِ " في " لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ.
واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فاجَئُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ لِيَكْفُرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ولِيَتَمَتَّعُوا بِهِما فَهُما في الفِعْلَيْنِ لامُ كَيْ، وقِيلَ: هُما لاما الأمْرِ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: أيِ: اكْفُرُوا بِما أعْطَيْناكم مِنَ النِّعْمَةِ وتَمَتَّعُوا، ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " وتَمَتَّعُوا " وهَذا الِاحْتِمالُ لِلْأمْرَيْنِ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ووَرْشٍ بِكَسْرِ اللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِسُكُونِها فَلا خِلافَ أنَّها لامُ الأمْرِ، وفي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ وما فِيهِ مِنَ الوَبالِ عَلَيْهِمْ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ أنّا جَعَلْنا حَرَمَهم هَذا حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُ فِيهِ ساكِنُهُ مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ فَصارُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ مِمّا صارَ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم في كُلِّ حِينٍ تَطْرُقُهُمُ الغاراتُ، وتَجْتاحُ أمْوالَهُمُ الغُزاةُ، وتَسْفِكُ دِماءَهُمُ الجُنُودُ، وتَسْتَبِيحُ حُرَمَهم وأمْوالَهم شُطّارُ العَرَبِ وشَياطِنُها، وجُمْلَةُ ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَخْتَلِسُونَ مَن حَوْلَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الشِّرْكُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإقْرارِهِمْ بِما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْعَلُونَ كُفْرَها مَكانَ شُكْرِها، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهو مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبَ بِالتَّوْحِيدِ، والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.
ثُمَّ هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَكانٌ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: ألَيْسَ يَسْتَحِقُّونَ الِاسْتِقْرارَ فِيها وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ الجاحِدِينَ لِلتَّوْحِيدِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ أرْدَفَهُ بِحالِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ: جاهَدُوا في شَأْنِ اللَّهِ لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ ورَجاءِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا أيِ الطَّرِيقَ المُوصِّلَ إلَيْنا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللَّهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، وقِيلَ: الآيَةُ هَذِهِ نَزَلَتْ في العِبادِ.
وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ومَن كانَ مَعَهُ لَمْ يُخْذَلْ، ودَخَلَتْ لامُ التَّوْكِيدِ عَلى مَعَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِها اسْمًا، أوْ عَلى أنَّها حَرْفٌ ودَخَلَتْ عَلَيْها لِإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا لَفي الدّارِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ " قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قُلْتُ يا رَبِّ أيَمُوتُ الخَلائِقُ كُلُّهم ويَبْقى الأنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾» [العنكبوت: ٥٧] " .
ويُنْظَرُ كَيْفَ صِحَّةُ هَذا، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ ماتُوا، وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ما سَألَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ أيَمُوتُ الخَلائِقُ ويَبْقى الأنْبِياءُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ " «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطانِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ التَّمْرَ ويَأْكُلُ، فَقالَ لِي: ما لَكَ لا تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ: لا أشْتَهِيهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَكِنِّي أشْتَهِيهِ وهَذِهِ صُبْحُ رابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أجِدْهُ، ولَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأعْطانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرى وقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يا ابْنَ عُمَرَ إذا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ، ويَضْعُفُ اليَقِينُ. قالَ: فَواللَّهِ ما بَرِحْنا ولا رُمْنا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيا ولا بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ألا وإنِّي لا أكْنِزُ دِينارًا ولا دِرْهَمًا، ولا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ» .
وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ لِمُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ يُعْطِي نِساءَهُ قُوتَ العامِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ.
وفِي إسْنادِهِ أبُو العَطُوفِ الجَوْزِيِّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ قالَ: باقِيَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدارِ الحَيَوانِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ» وهو مُرْسَلٌ.
العنكبوت 29:59
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ وجَمَعَهم في الإنْذارِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم، وزادَ فَسادُهم، وسَعَوْا في إيذاءِ المُسْلِمِينَ بِكُلِّ وجْهٍ فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أضافَهم إلَيْهِ بَعْدَ خِطابِهِ لَهم تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، والَّذِينَ آمَنُوا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ أوْ مُمَيِّزَةٌ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وفي مُكايَدَةٍ لِلْكُفّارِ، فاخْرُجُوا مِنها؛ لِتَتَيَسَّرَ لَكم عِبادَتِي وحْدِي، وتَتَسَهَّلَ عَلَيْكم.
١٠٣ قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي ولا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ.
وقالَ (p-١١٢٥)مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: المَعْنى إنْ رَحْمَتِي واسِعَةٌ ورِزْقِيَ لَكم واسْعٌ فابْتَغُوهُ في الأرْضِ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنْ أرْضِيَ الَّتِي هي أرْضُ الجَنَّةِ واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ حَتّى أُوَرِّثُكُمُوها.
وانْتِصابُ إيّايَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: فاعْبُدُوا إيّايَ.
ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِالمَوْتِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ أمْرَ الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيْكم تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ والخُلّانِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ في سَفَرٍ إلى دارِ القَرارِ وإنْ طالَ لُبْثُهُ في هَذِهِ الدّارِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ في هَذا التَّرْغِيبُ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ جَزاءَ مِن هاجَرَ أنْ يَكُونَ في غُرَفِ الجَنَّةِ، ومَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُنْزِلَنَّهم غُرَفَ الجَنَّةِ، وهي عَلالِيها: فانْتِصابُ غُرَفًا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ نُبَوِّئَنَّهم مَعْنى نُنْزِلَنَّهم أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّضْمِينِ، لِأنَّ نُبَوِّئَنَّهم لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإمّا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ اتِّساعًا أيْ: في غَرَفِ الجَنَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَباءَةِ وهي الإنْزالُ.
قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " يا عِبادِي " بِإسْكانِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إنَّ أرْضِي " بِفَتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الباقُونَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَنَثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْنى لَنَثْوِيَنَّهم بِالمُثَلَّثَةِ: لَنُعْطِيَنَّهم غُرَفًا يَثْوُونَ فِيها مِنَ الثَّوى وهو الإقامَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلَتْهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ.
قالَ الأخْفَشُ: لا تُعْجِبُنِي هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّكَ لا تَقُولُ أثْوَيْتُهُ الدّارَ، بَلْ تَقُولُ في الدّارِ، ولَيْسَ في الآيَةِ حَرْفُ جَرٍّ في المَفْعُولِ الثّانِي، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو عَلى إرادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ حَذَفَ كَما تَقُولُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أيْ: بِالخَيْرِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ الغُرَفَ فَقالَ: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ خالِدِينَ فِيها أيْ: في الغُرَفِ لا يَمُوتُونَ أبَدًا، أوْ في الجَنَّةِ، والأوَّلُ أوْلى نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ، المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ أجْرُهم، والمَعْنى: العامِلِينَ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ العامِلِينَ فَقالَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ وعَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وهو النَّظَرُ في حالِ الدَّوابِّ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَأيِّنْ، وأنَّ أصْلَها أيْ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ وصارَ فِيها مَعْنى: كَمْ كَما صَرَّحَ بِهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وتَقْدِيرُها عِنْدَهُما كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ العَدَدِ مِن دابَّةٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن دابَّةٍ.
ومَعْنى ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها ولا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما يَرْزُقُها اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَرْزُقُكم فَكَيْفَ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ قُوَّتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ عَلى أسْبابِ العَيْشِ كَتَوَكُّلِها عَلى اللَّهِ مَعَ ضَعْفِها وعَجْزِها.
قالَ الحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِها، لا تَدَّخِرُ شَيْئًا.
قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ والبَهائِمَ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا وهو السَّمِيعُ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ العَلِيمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وعَجِبَ السّامِعُ مِن كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم ولا يُوَحِّدُونَهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَها، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن جُحُودِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ.
ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَمْ تَكُونُوا فَقُرّاءَ دَفَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيِ: التَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والتَّقْتِيرُ لَهُ هو مِنَ اللَّهِ الباسِطِ القابِضِ يَبْسُطُهُ لِمَن يَشاءُ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وما يَلِيقُ بِحالِ عِبادِهِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، ولِهَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ وفَسادُهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: نَزَّلَهُ وأحْيا بِهِ الأرْضَ اللَّهُ، يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لا يَجِدُونَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلًا.
ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا هَذا الِاعْتِرافَ في هَذِهِ الآياتِ، وهو يَقْتَضِي بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَدَمِ إفْرادِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالعِبادَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى إقْرارِهِمْ وعَدَمِ جُحُودِهِمْ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ في العِنادِ وتَشَدُّدِهِمْ في رَدِّ كُلِّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أحْمَدُ اللَّهَ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ مَعَكَ، وأظْهَرَ حِجْرَكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهم فَقالَ: بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ الأشْياءَ الَّتِي يَتَعَقَّلُها العُقَلاءُ.
فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِمّا يَسْتَلْزِمُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ.
ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى تَحْقِيرِ الدُّنْيا وأنَّها مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ: وأنَّ الدّارَ عَلى الحَقِيقَةِ هي دارُ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ مِن جِنْسِ ما يَلْهُو بِهِ الصِّبْيانُ ويَلْعَبُونَ بِهِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ الحَيَوانَ الحَياةُ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْنى الحَيَوانِ هاهُنا الحَياةُ، وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ فَيَكُونُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ (p-١١٢٦)لَهِي دارُ الحَيَوانِ، أوْ ذاتُ الحَيَوانِ أيْ: دارُ الحَياةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا تَزُولُ ولا يُنَغِّصُها مَوْتٌ ولا مَرَضٌ، ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدّارَ الفانِيَةَ المُنَغَّصَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ المانِعُ لَهم مِنَ الإيمانِ إلّا مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنَ الحَياةِ وخافُوا الغَرَقَ رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ، فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وتَرْكِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِدُعاءِ الأصْنامِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ هَذِهِ الشِّدَّةَ العَظِيمَةَ النّازِلَةَ بِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ودَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وإنَّما عُدِّيَ بِكَلِمَةِ " في " لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ.
واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فاجَئُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ لِيَكْفُرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ولِيَتَمَتَّعُوا بِهِما فَهُما في الفِعْلَيْنِ لامُ كَيْ، وقِيلَ: هُما لاما الأمْرِ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: أيِ: اكْفُرُوا بِما أعْطَيْناكم مِنَ النِّعْمَةِ وتَمَتَّعُوا، ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " وتَمَتَّعُوا " وهَذا الِاحْتِمالُ لِلْأمْرَيْنِ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ووَرْشٍ بِكَسْرِ اللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِسُكُونِها فَلا خِلافَ أنَّها لامُ الأمْرِ، وفي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ وما فِيهِ مِنَ الوَبالِ عَلَيْهِمْ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ أنّا جَعَلْنا حَرَمَهم هَذا حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُ فِيهِ ساكِنُهُ مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ فَصارُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ مِمّا صارَ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم في كُلِّ حِينٍ تَطْرُقُهُمُ الغاراتُ، وتَجْتاحُ أمْوالَهُمُ الغُزاةُ، وتَسْفِكُ دِماءَهُمُ الجُنُودُ، وتَسْتَبِيحُ حُرَمَهم وأمْوالَهم شُطّارُ العَرَبِ وشَياطِنُها، وجُمْلَةُ ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَخْتَلِسُونَ مَن حَوْلَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الشِّرْكُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإقْرارِهِمْ بِما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْعَلُونَ كُفْرَها مَكانَ شُكْرِها، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهو مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبَ بِالتَّوْحِيدِ، والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.
ثُمَّ هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَكانٌ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: ألَيْسَ يَسْتَحِقُّونَ الِاسْتِقْرارَ فِيها وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ الجاحِدِينَ لِلتَّوْحِيدِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ أرْدَفَهُ بِحالِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ: جاهَدُوا في شَأْنِ اللَّهِ لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ ورَجاءِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا أيِ الطَّرِيقَ المُوصِّلَ إلَيْنا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللَّهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، وقِيلَ: الآيَةُ هَذِهِ نَزَلَتْ في العِبادِ.
وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ومَن كانَ مَعَهُ لَمْ يُخْذَلْ، ودَخَلَتْ لامُ التَّوْكِيدِ عَلى مَعَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِها اسْمًا، أوْ عَلى أنَّها حَرْفٌ ودَخَلَتْ عَلَيْها لِإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا لَفي الدّارِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ " قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قُلْتُ يا رَبِّ أيَمُوتُ الخَلائِقُ كُلُّهم ويَبْقى الأنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾» [العنكبوت: ٥٧] " .
ويُنْظَرُ كَيْفَ صِحَّةُ هَذا، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ ماتُوا، وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ما سَألَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ أيَمُوتُ الخَلائِقُ ويَبْقى الأنْبِياءُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ " «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطانِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ التَّمْرَ ويَأْكُلُ، فَقالَ لِي: ما لَكَ لا تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ: لا أشْتَهِيهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَكِنِّي أشْتَهِيهِ وهَذِهِ صُبْحُ رابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أجِدْهُ، ولَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأعْطانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرى وقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يا ابْنَ عُمَرَ إذا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ، ويَضْعُفُ اليَقِينُ. قالَ: فَواللَّهِ ما بَرِحْنا ولا رُمْنا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيا ولا بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ألا وإنِّي لا أكْنِزُ دِينارًا ولا دِرْهَمًا، ولا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ» .
وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ لِمُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ يُعْطِي نِساءَهُ قُوتَ العامِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ.
وفِي إسْنادِهِ أبُو العَطُوفِ الجَوْزِيِّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ قالَ: باقِيَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدارِ الحَيَوانِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ» وهو مُرْسَلٌ.
العنكبوت 29:60
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ وجَمَعَهم في الإنْذارِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم، وزادَ فَسادُهم، وسَعَوْا في إيذاءِ المُسْلِمِينَ بِكُلِّ وجْهٍ فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أضافَهم إلَيْهِ بَعْدَ خِطابِهِ لَهم تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، والَّذِينَ آمَنُوا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ أوْ مُمَيِّزَةٌ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وفي مُكايَدَةٍ لِلْكُفّارِ، فاخْرُجُوا مِنها؛ لِتَتَيَسَّرَ لَكم عِبادَتِي وحْدِي، وتَتَسَهَّلَ عَلَيْكم.
١٠٣ قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي ولا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ.
وقالَ (p-١١٢٥)مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: المَعْنى إنْ رَحْمَتِي واسِعَةٌ ورِزْقِيَ لَكم واسْعٌ فابْتَغُوهُ في الأرْضِ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنْ أرْضِيَ الَّتِي هي أرْضُ الجَنَّةِ واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ حَتّى أُوَرِّثُكُمُوها.
وانْتِصابُ إيّايَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: فاعْبُدُوا إيّايَ.
ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِالمَوْتِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ أمْرَ الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيْكم تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ والخُلّانِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ في سَفَرٍ إلى دارِ القَرارِ وإنْ طالَ لُبْثُهُ في هَذِهِ الدّارِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ في هَذا التَّرْغِيبُ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ جَزاءَ مِن هاجَرَ أنْ يَكُونَ في غُرَفِ الجَنَّةِ، ومَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُنْزِلَنَّهم غُرَفَ الجَنَّةِ، وهي عَلالِيها: فانْتِصابُ غُرَفًا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ نُبَوِّئَنَّهم مَعْنى نُنْزِلَنَّهم أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّضْمِينِ، لِأنَّ نُبَوِّئَنَّهم لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإمّا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ اتِّساعًا أيْ: في غَرَفِ الجَنَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَباءَةِ وهي الإنْزالُ.
قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " يا عِبادِي " بِإسْكانِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إنَّ أرْضِي " بِفَتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الباقُونَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَنَثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْنى لَنَثْوِيَنَّهم بِالمُثَلَّثَةِ: لَنُعْطِيَنَّهم غُرَفًا يَثْوُونَ فِيها مِنَ الثَّوى وهو الإقامَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلَتْهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ.
قالَ الأخْفَشُ: لا تُعْجِبُنِي هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّكَ لا تَقُولُ أثْوَيْتُهُ الدّارَ، بَلْ تَقُولُ في الدّارِ، ولَيْسَ في الآيَةِ حَرْفُ جَرٍّ في المَفْعُولِ الثّانِي، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو عَلى إرادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ حَذَفَ كَما تَقُولُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أيْ: بِالخَيْرِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ الغُرَفَ فَقالَ: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ خالِدِينَ فِيها أيْ: في الغُرَفِ لا يَمُوتُونَ أبَدًا، أوْ في الجَنَّةِ، والأوَّلُ أوْلى نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ، المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ أجْرُهم، والمَعْنى: العامِلِينَ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ العامِلِينَ فَقالَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ وعَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وهو النَّظَرُ في حالِ الدَّوابِّ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَأيِّنْ، وأنَّ أصْلَها أيْ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ وصارَ فِيها مَعْنى: كَمْ كَما صَرَّحَ بِهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وتَقْدِيرُها عِنْدَهُما كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ العَدَدِ مِن دابَّةٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن دابَّةٍ.
ومَعْنى ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها ولا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما يَرْزُقُها اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَرْزُقُكم فَكَيْفَ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ قُوَّتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ عَلى أسْبابِ العَيْشِ كَتَوَكُّلِها عَلى اللَّهِ مَعَ ضَعْفِها وعَجْزِها.
قالَ الحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِها، لا تَدَّخِرُ شَيْئًا.
قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ والبَهائِمَ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا وهو السَّمِيعُ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ العَلِيمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وعَجِبَ السّامِعُ مِن كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم ولا يُوَحِّدُونَهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَها، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن جُحُودِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ.
ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَمْ تَكُونُوا فَقُرّاءَ دَفَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيِ: التَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والتَّقْتِيرُ لَهُ هو مِنَ اللَّهِ الباسِطِ القابِضِ يَبْسُطُهُ لِمَن يَشاءُ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وما يَلِيقُ بِحالِ عِبادِهِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، ولِهَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ وفَسادُهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: نَزَّلَهُ وأحْيا بِهِ الأرْضَ اللَّهُ، يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لا يَجِدُونَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلًا.
ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا هَذا الِاعْتِرافَ في هَذِهِ الآياتِ، وهو يَقْتَضِي بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَدَمِ إفْرادِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالعِبادَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى إقْرارِهِمْ وعَدَمِ جُحُودِهِمْ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ في العِنادِ وتَشَدُّدِهِمْ في رَدِّ كُلِّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أحْمَدُ اللَّهَ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ مَعَكَ، وأظْهَرَ حِجْرَكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهم فَقالَ: بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ الأشْياءَ الَّتِي يَتَعَقَّلُها العُقَلاءُ.
فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِمّا يَسْتَلْزِمُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ.
ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى تَحْقِيرِ الدُّنْيا وأنَّها مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ: وأنَّ الدّارَ عَلى الحَقِيقَةِ هي دارُ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ مِن جِنْسِ ما يَلْهُو بِهِ الصِّبْيانُ ويَلْعَبُونَ بِهِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ الحَيَوانَ الحَياةُ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْنى الحَيَوانِ هاهُنا الحَياةُ، وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ فَيَكُونُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ (p-١١٢٦)لَهِي دارُ الحَيَوانِ، أوْ ذاتُ الحَيَوانِ أيْ: دارُ الحَياةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا تَزُولُ ولا يُنَغِّصُها مَوْتٌ ولا مَرَضٌ، ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدّارَ الفانِيَةَ المُنَغَّصَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ المانِعُ لَهم مِنَ الإيمانِ إلّا مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنَ الحَياةِ وخافُوا الغَرَقَ رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ، فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وتَرْكِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِدُعاءِ الأصْنامِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ هَذِهِ الشِّدَّةَ العَظِيمَةَ النّازِلَةَ بِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ودَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وإنَّما عُدِّيَ بِكَلِمَةِ " في " لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ.
واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فاجَئُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ لِيَكْفُرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ولِيَتَمَتَّعُوا بِهِما فَهُما في الفِعْلَيْنِ لامُ كَيْ، وقِيلَ: هُما لاما الأمْرِ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: أيِ: اكْفُرُوا بِما أعْطَيْناكم مِنَ النِّعْمَةِ وتَمَتَّعُوا، ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " وتَمَتَّعُوا " وهَذا الِاحْتِمالُ لِلْأمْرَيْنِ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ووَرْشٍ بِكَسْرِ اللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِسُكُونِها فَلا خِلافَ أنَّها لامُ الأمْرِ، وفي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ وما فِيهِ مِنَ الوَبالِ عَلَيْهِمْ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ أنّا جَعَلْنا حَرَمَهم هَذا حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُ فِيهِ ساكِنُهُ مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ فَصارُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ مِمّا صارَ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم في كُلِّ حِينٍ تَطْرُقُهُمُ الغاراتُ، وتَجْتاحُ أمْوالَهُمُ الغُزاةُ، وتَسْفِكُ دِماءَهُمُ الجُنُودُ، وتَسْتَبِيحُ حُرَمَهم وأمْوالَهم شُطّارُ العَرَبِ وشَياطِنُها، وجُمْلَةُ ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَخْتَلِسُونَ مَن حَوْلَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الشِّرْكُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإقْرارِهِمْ بِما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْعَلُونَ كُفْرَها مَكانَ شُكْرِها، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهو مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبَ بِالتَّوْحِيدِ، والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.
ثُمَّ هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَكانٌ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: ألَيْسَ يَسْتَحِقُّونَ الِاسْتِقْرارَ فِيها وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ الجاحِدِينَ لِلتَّوْحِيدِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ أرْدَفَهُ بِحالِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ: جاهَدُوا في شَأْنِ اللَّهِ لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ ورَجاءِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا أيِ الطَّرِيقَ المُوصِّلَ إلَيْنا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللَّهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، وقِيلَ: الآيَةُ هَذِهِ نَزَلَتْ في العِبادِ.
وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ومَن كانَ مَعَهُ لَمْ يُخْذَلْ، ودَخَلَتْ لامُ التَّوْكِيدِ عَلى مَعَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِها اسْمًا، أوْ عَلى أنَّها حَرْفٌ ودَخَلَتْ عَلَيْها لِإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا لَفي الدّارِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ " قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قُلْتُ يا رَبِّ أيَمُوتُ الخَلائِقُ كُلُّهم ويَبْقى الأنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾» [العنكبوت: ٥٧] " .
ويُنْظَرُ كَيْفَ صِحَّةُ هَذا، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ ماتُوا، وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ما سَألَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ أيَمُوتُ الخَلائِقُ ويَبْقى الأنْبِياءُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ " «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطانِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ التَّمْرَ ويَأْكُلُ، فَقالَ لِي: ما لَكَ لا تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ: لا أشْتَهِيهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَكِنِّي أشْتَهِيهِ وهَذِهِ صُبْحُ رابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أجِدْهُ، ولَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأعْطانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرى وقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يا ابْنَ عُمَرَ إذا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ، ويَضْعُفُ اليَقِينُ. قالَ: فَواللَّهِ ما بَرِحْنا ولا رُمْنا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيا ولا بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ألا وإنِّي لا أكْنِزُ دِينارًا ولا دِرْهَمًا، ولا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ» .
وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ لِمُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ يُعْطِي نِساءَهُ قُوتَ العامِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ.
وفِي إسْنادِهِ أبُو العَطُوفِ الجَوْزِيِّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ قالَ: باقِيَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدارِ الحَيَوانِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ» وهو مُرْسَلٌ.
العنكبوت 29:61
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ وجَمَعَهم في الإنْذارِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم، وزادَ فَسادُهم، وسَعَوْا في إيذاءِ المُسْلِمِينَ بِكُلِّ وجْهٍ فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أضافَهم إلَيْهِ بَعْدَ خِطابِهِ لَهم تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، والَّذِينَ آمَنُوا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ أوْ مُمَيِّزَةٌ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وفي مُكايَدَةٍ لِلْكُفّارِ، فاخْرُجُوا مِنها؛ لِتَتَيَسَّرَ لَكم عِبادَتِي وحْدِي، وتَتَسَهَّلَ عَلَيْكم.
١٠٣ قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي ولا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ.
وقالَ (p-١١٢٥)مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: المَعْنى إنْ رَحْمَتِي واسِعَةٌ ورِزْقِيَ لَكم واسْعٌ فابْتَغُوهُ في الأرْضِ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنْ أرْضِيَ الَّتِي هي أرْضُ الجَنَّةِ واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ حَتّى أُوَرِّثُكُمُوها.
وانْتِصابُ إيّايَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: فاعْبُدُوا إيّايَ.
ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِالمَوْتِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ أمْرَ الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيْكم تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ والخُلّانِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ في سَفَرٍ إلى دارِ القَرارِ وإنْ طالَ لُبْثُهُ في هَذِهِ الدّارِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ في هَذا التَّرْغِيبُ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ جَزاءَ مِن هاجَرَ أنْ يَكُونَ في غُرَفِ الجَنَّةِ، ومَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُنْزِلَنَّهم غُرَفَ الجَنَّةِ، وهي عَلالِيها: فانْتِصابُ غُرَفًا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ نُبَوِّئَنَّهم مَعْنى نُنْزِلَنَّهم أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّضْمِينِ، لِأنَّ نُبَوِّئَنَّهم لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإمّا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ اتِّساعًا أيْ: في غَرَفِ الجَنَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَباءَةِ وهي الإنْزالُ.
قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " يا عِبادِي " بِإسْكانِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إنَّ أرْضِي " بِفَتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الباقُونَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَنَثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْنى لَنَثْوِيَنَّهم بِالمُثَلَّثَةِ: لَنُعْطِيَنَّهم غُرَفًا يَثْوُونَ فِيها مِنَ الثَّوى وهو الإقامَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلَتْهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ.
قالَ الأخْفَشُ: لا تُعْجِبُنِي هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّكَ لا تَقُولُ أثْوَيْتُهُ الدّارَ، بَلْ تَقُولُ في الدّارِ، ولَيْسَ في الآيَةِ حَرْفُ جَرٍّ في المَفْعُولِ الثّانِي، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو عَلى إرادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ حَذَفَ كَما تَقُولُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أيْ: بِالخَيْرِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ الغُرَفَ فَقالَ: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ خالِدِينَ فِيها أيْ: في الغُرَفِ لا يَمُوتُونَ أبَدًا، أوْ في الجَنَّةِ، والأوَّلُ أوْلى نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ، المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ أجْرُهم، والمَعْنى: العامِلِينَ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ العامِلِينَ فَقالَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ وعَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وهو النَّظَرُ في حالِ الدَّوابِّ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَأيِّنْ، وأنَّ أصْلَها أيْ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ وصارَ فِيها مَعْنى: كَمْ كَما صَرَّحَ بِهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وتَقْدِيرُها عِنْدَهُما كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ العَدَدِ مِن دابَّةٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن دابَّةٍ.
ومَعْنى ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها ولا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما يَرْزُقُها اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَرْزُقُكم فَكَيْفَ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ قُوَّتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ عَلى أسْبابِ العَيْشِ كَتَوَكُّلِها عَلى اللَّهِ مَعَ ضَعْفِها وعَجْزِها.
قالَ الحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِها، لا تَدَّخِرُ شَيْئًا.
قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ والبَهائِمَ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا وهو السَّمِيعُ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ العَلِيمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وعَجِبَ السّامِعُ مِن كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم ولا يُوَحِّدُونَهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَها، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن جُحُودِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ.
ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَمْ تَكُونُوا فَقُرّاءَ دَفَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيِ: التَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والتَّقْتِيرُ لَهُ هو مِنَ اللَّهِ الباسِطِ القابِضِ يَبْسُطُهُ لِمَن يَشاءُ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وما يَلِيقُ بِحالِ عِبادِهِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، ولِهَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ وفَسادُهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: نَزَّلَهُ وأحْيا بِهِ الأرْضَ اللَّهُ، يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لا يَجِدُونَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلًا.
ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا هَذا الِاعْتِرافَ في هَذِهِ الآياتِ، وهو يَقْتَضِي بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَدَمِ إفْرادِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالعِبادَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى إقْرارِهِمْ وعَدَمِ جُحُودِهِمْ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ في العِنادِ وتَشَدُّدِهِمْ في رَدِّ كُلِّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أحْمَدُ اللَّهَ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ مَعَكَ، وأظْهَرَ حِجْرَكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهم فَقالَ: بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ الأشْياءَ الَّتِي يَتَعَقَّلُها العُقَلاءُ.
فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِمّا يَسْتَلْزِمُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ.
ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى تَحْقِيرِ الدُّنْيا وأنَّها مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ: وأنَّ الدّارَ عَلى الحَقِيقَةِ هي دارُ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ مِن جِنْسِ ما يَلْهُو بِهِ الصِّبْيانُ ويَلْعَبُونَ بِهِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ الحَيَوانَ الحَياةُ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْنى الحَيَوانِ هاهُنا الحَياةُ، وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ فَيَكُونُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ (p-١١٢٦)لَهِي دارُ الحَيَوانِ، أوْ ذاتُ الحَيَوانِ أيْ: دارُ الحَياةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا تَزُولُ ولا يُنَغِّصُها مَوْتٌ ولا مَرَضٌ، ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدّارَ الفانِيَةَ المُنَغَّصَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ المانِعُ لَهم مِنَ الإيمانِ إلّا مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنَ الحَياةِ وخافُوا الغَرَقَ رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ، فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وتَرْكِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِدُعاءِ الأصْنامِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ هَذِهِ الشِّدَّةَ العَظِيمَةَ النّازِلَةَ بِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ودَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وإنَّما عُدِّيَ بِكَلِمَةِ " في " لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ.
واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فاجَئُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ لِيَكْفُرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ولِيَتَمَتَّعُوا بِهِما فَهُما في الفِعْلَيْنِ لامُ كَيْ، وقِيلَ: هُما لاما الأمْرِ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: أيِ: اكْفُرُوا بِما أعْطَيْناكم مِنَ النِّعْمَةِ وتَمَتَّعُوا، ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " وتَمَتَّعُوا " وهَذا الِاحْتِمالُ لِلْأمْرَيْنِ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ووَرْشٍ بِكَسْرِ اللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِسُكُونِها فَلا خِلافَ أنَّها لامُ الأمْرِ، وفي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ وما فِيهِ مِنَ الوَبالِ عَلَيْهِمْ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ أنّا جَعَلْنا حَرَمَهم هَذا حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُ فِيهِ ساكِنُهُ مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ فَصارُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ مِمّا صارَ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم في كُلِّ حِينٍ تَطْرُقُهُمُ الغاراتُ، وتَجْتاحُ أمْوالَهُمُ الغُزاةُ، وتَسْفِكُ دِماءَهُمُ الجُنُودُ، وتَسْتَبِيحُ حُرَمَهم وأمْوالَهم شُطّارُ العَرَبِ وشَياطِنُها، وجُمْلَةُ ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَخْتَلِسُونَ مَن حَوْلَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الشِّرْكُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإقْرارِهِمْ بِما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْعَلُونَ كُفْرَها مَكانَ شُكْرِها، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهو مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبَ بِالتَّوْحِيدِ، والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.
ثُمَّ هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَكانٌ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: ألَيْسَ يَسْتَحِقُّونَ الِاسْتِقْرارَ فِيها وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ الجاحِدِينَ لِلتَّوْحِيدِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ أرْدَفَهُ بِحالِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ: جاهَدُوا في شَأْنِ اللَّهِ لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ ورَجاءِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا أيِ الطَّرِيقَ المُوصِّلَ إلَيْنا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللَّهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، وقِيلَ: الآيَةُ هَذِهِ نَزَلَتْ في العِبادِ.
وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ومَن كانَ مَعَهُ لَمْ يُخْذَلْ، ودَخَلَتْ لامُ التَّوْكِيدِ عَلى مَعَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِها اسْمًا، أوْ عَلى أنَّها حَرْفٌ ودَخَلَتْ عَلَيْها لِإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا لَفي الدّارِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ " قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قُلْتُ يا رَبِّ أيَمُوتُ الخَلائِقُ كُلُّهم ويَبْقى الأنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾» [العنكبوت: ٥٧] " .
ويُنْظَرُ كَيْفَ صِحَّةُ هَذا، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ ماتُوا، وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ما سَألَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ أيَمُوتُ الخَلائِقُ ويَبْقى الأنْبِياءُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ " «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطانِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ التَّمْرَ ويَأْكُلُ، فَقالَ لِي: ما لَكَ لا تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ: لا أشْتَهِيهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَكِنِّي أشْتَهِيهِ وهَذِهِ صُبْحُ رابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أجِدْهُ، ولَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأعْطانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرى وقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يا ابْنَ عُمَرَ إذا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ، ويَضْعُفُ اليَقِينُ. قالَ: فَواللَّهِ ما بَرِحْنا ولا رُمْنا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيا ولا بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ألا وإنِّي لا أكْنِزُ دِينارًا ولا دِرْهَمًا، ولا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ» .
وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ لِمُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ يُعْطِي نِساءَهُ قُوتَ العامِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ.
وفِي إسْنادِهِ أبُو العَطُوفِ الجَوْزِيِّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ قالَ: باقِيَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدارِ الحَيَوانِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ» وهو مُرْسَلٌ.
العنكبوت 29:62
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ وجَمَعَهم في الإنْذارِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم، وزادَ فَسادُهم، وسَعَوْا في إيذاءِ المُسْلِمِينَ بِكُلِّ وجْهٍ فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أضافَهم إلَيْهِ بَعْدَ خِطابِهِ لَهم تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، والَّذِينَ آمَنُوا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ أوْ مُمَيِّزَةٌ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وفي مُكايَدَةٍ لِلْكُفّارِ، فاخْرُجُوا مِنها؛ لِتَتَيَسَّرَ لَكم عِبادَتِي وحْدِي، وتَتَسَهَّلَ عَلَيْكم.
١٠٣ قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي ولا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ.
وقالَ (p-١١٢٥)مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: المَعْنى إنْ رَحْمَتِي واسِعَةٌ ورِزْقِيَ لَكم واسْعٌ فابْتَغُوهُ في الأرْضِ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنْ أرْضِيَ الَّتِي هي أرْضُ الجَنَّةِ واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ حَتّى أُوَرِّثُكُمُوها.
وانْتِصابُ إيّايَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: فاعْبُدُوا إيّايَ.
ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِالمَوْتِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ أمْرَ الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيْكم تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ والخُلّانِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ في سَفَرٍ إلى دارِ القَرارِ وإنْ طالَ لُبْثُهُ في هَذِهِ الدّارِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ في هَذا التَّرْغِيبُ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ جَزاءَ مِن هاجَرَ أنْ يَكُونَ في غُرَفِ الجَنَّةِ، ومَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُنْزِلَنَّهم غُرَفَ الجَنَّةِ، وهي عَلالِيها: فانْتِصابُ غُرَفًا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ نُبَوِّئَنَّهم مَعْنى نُنْزِلَنَّهم أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّضْمِينِ، لِأنَّ نُبَوِّئَنَّهم لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإمّا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ اتِّساعًا أيْ: في غَرَفِ الجَنَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَباءَةِ وهي الإنْزالُ.
قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " يا عِبادِي " بِإسْكانِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إنَّ أرْضِي " بِفَتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الباقُونَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَنَثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْنى لَنَثْوِيَنَّهم بِالمُثَلَّثَةِ: لَنُعْطِيَنَّهم غُرَفًا يَثْوُونَ فِيها مِنَ الثَّوى وهو الإقامَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلَتْهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ.
قالَ الأخْفَشُ: لا تُعْجِبُنِي هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّكَ لا تَقُولُ أثْوَيْتُهُ الدّارَ، بَلْ تَقُولُ في الدّارِ، ولَيْسَ في الآيَةِ حَرْفُ جَرٍّ في المَفْعُولِ الثّانِي، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو عَلى إرادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ حَذَفَ كَما تَقُولُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أيْ: بِالخَيْرِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ الغُرَفَ فَقالَ: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ خالِدِينَ فِيها أيْ: في الغُرَفِ لا يَمُوتُونَ أبَدًا، أوْ في الجَنَّةِ، والأوَّلُ أوْلى نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ، المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ أجْرُهم، والمَعْنى: العامِلِينَ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ العامِلِينَ فَقالَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ وعَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وهو النَّظَرُ في حالِ الدَّوابِّ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَأيِّنْ، وأنَّ أصْلَها أيْ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ وصارَ فِيها مَعْنى: كَمْ كَما صَرَّحَ بِهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وتَقْدِيرُها عِنْدَهُما كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ العَدَدِ مِن دابَّةٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن دابَّةٍ.
ومَعْنى ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها ولا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما يَرْزُقُها اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَرْزُقُكم فَكَيْفَ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ قُوَّتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ عَلى أسْبابِ العَيْشِ كَتَوَكُّلِها عَلى اللَّهِ مَعَ ضَعْفِها وعَجْزِها.
قالَ الحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِها، لا تَدَّخِرُ شَيْئًا.
قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ والبَهائِمَ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا وهو السَّمِيعُ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ العَلِيمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وعَجِبَ السّامِعُ مِن كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم ولا يُوَحِّدُونَهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَها، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن جُحُودِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ.
ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَمْ تَكُونُوا فَقُرّاءَ دَفَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيِ: التَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والتَّقْتِيرُ لَهُ هو مِنَ اللَّهِ الباسِطِ القابِضِ يَبْسُطُهُ لِمَن يَشاءُ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وما يَلِيقُ بِحالِ عِبادِهِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، ولِهَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ وفَسادُهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: نَزَّلَهُ وأحْيا بِهِ الأرْضَ اللَّهُ، يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لا يَجِدُونَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلًا.
ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا هَذا الِاعْتِرافَ في هَذِهِ الآياتِ، وهو يَقْتَضِي بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَدَمِ إفْرادِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالعِبادَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى إقْرارِهِمْ وعَدَمِ جُحُودِهِمْ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ في العِنادِ وتَشَدُّدِهِمْ في رَدِّ كُلِّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أحْمَدُ اللَّهَ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ مَعَكَ، وأظْهَرَ حِجْرَكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهم فَقالَ: بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ الأشْياءَ الَّتِي يَتَعَقَّلُها العُقَلاءُ.
فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِمّا يَسْتَلْزِمُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ.
ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى تَحْقِيرِ الدُّنْيا وأنَّها مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ: وأنَّ الدّارَ عَلى الحَقِيقَةِ هي دارُ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ مِن جِنْسِ ما يَلْهُو بِهِ الصِّبْيانُ ويَلْعَبُونَ بِهِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ الحَيَوانَ الحَياةُ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْنى الحَيَوانِ هاهُنا الحَياةُ، وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ فَيَكُونُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ (p-١١٢٦)لَهِي دارُ الحَيَوانِ، أوْ ذاتُ الحَيَوانِ أيْ: دارُ الحَياةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا تَزُولُ ولا يُنَغِّصُها مَوْتٌ ولا مَرَضٌ، ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدّارَ الفانِيَةَ المُنَغَّصَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ المانِعُ لَهم مِنَ الإيمانِ إلّا مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنَ الحَياةِ وخافُوا الغَرَقَ رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ، فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وتَرْكِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِدُعاءِ الأصْنامِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ هَذِهِ الشِّدَّةَ العَظِيمَةَ النّازِلَةَ بِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ودَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وإنَّما عُدِّيَ بِكَلِمَةِ " في " لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ.
واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فاجَئُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ لِيَكْفُرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ولِيَتَمَتَّعُوا بِهِما فَهُما في الفِعْلَيْنِ لامُ كَيْ، وقِيلَ: هُما لاما الأمْرِ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: أيِ: اكْفُرُوا بِما أعْطَيْناكم مِنَ النِّعْمَةِ وتَمَتَّعُوا، ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " وتَمَتَّعُوا " وهَذا الِاحْتِمالُ لِلْأمْرَيْنِ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ووَرْشٍ بِكَسْرِ اللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِسُكُونِها فَلا خِلافَ أنَّها لامُ الأمْرِ، وفي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ وما فِيهِ مِنَ الوَبالِ عَلَيْهِمْ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ أنّا جَعَلْنا حَرَمَهم هَذا حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُ فِيهِ ساكِنُهُ مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ فَصارُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ مِمّا صارَ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم في كُلِّ حِينٍ تَطْرُقُهُمُ الغاراتُ، وتَجْتاحُ أمْوالَهُمُ الغُزاةُ، وتَسْفِكُ دِماءَهُمُ الجُنُودُ، وتَسْتَبِيحُ حُرَمَهم وأمْوالَهم شُطّارُ العَرَبِ وشَياطِنُها، وجُمْلَةُ ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَخْتَلِسُونَ مَن حَوْلَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الشِّرْكُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإقْرارِهِمْ بِما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْعَلُونَ كُفْرَها مَكانَ شُكْرِها، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهو مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبَ بِالتَّوْحِيدِ، والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.
ثُمَّ هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَكانٌ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: ألَيْسَ يَسْتَحِقُّونَ الِاسْتِقْرارَ فِيها وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ الجاحِدِينَ لِلتَّوْحِيدِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ أرْدَفَهُ بِحالِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ: جاهَدُوا في شَأْنِ اللَّهِ لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ ورَجاءِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا أيِ الطَّرِيقَ المُوصِّلَ إلَيْنا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللَّهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، وقِيلَ: الآيَةُ هَذِهِ نَزَلَتْ في العِبادِ.
وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ومَن كانَ مَعَهُ لَمْ يُخْذَلْ، ودَخَلَتْ لامُ التَّوْكِيدِ عَلى مَعَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِها اسْمًا، أوْ عَلى أنَّها حَرْفٌ ودَخَلَتْ عَلَيْها لِإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا لَفي الدّارِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ " قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قُلْتُ يا رَبِّ أيَمُوتُ الخَلائِقُ كُلُّهم ويَبْقى الأنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾» [العنكبوت: ٥٧] " .
ويُنْظَرُ كَيْفَ صِحَّةُ هَذا، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ ماتُوا، وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ما سَألَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ أيَمُوتُ الخَلائِقُ ويَبْقى الأنْبِياءُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ " «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطانِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ التَّمْرَ ويَأْكُلُ، فَقالَ لِي: ما لَكَ لا تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ: لا أشْتَهِيهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَكِنِّي أشْتَهِيهِ وهَذِهِ صُبْحُ رابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أجِدْهُ، ولَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأعْطانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرى وقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يا ابْنَ عُمَرَ إذا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ، ويَضْعُفُ اليَقِينُ. قالَ: فَواللَّهِ ما بَرِحْنا ولا رُمْنا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيا ولا بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ألا وإنِّي لا أكْنِزُ دِينارًا ولا دِرْهَمًا، ولا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ» .
وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ لِمُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ يُعْطِي نِساءَهُ قُوتَ العامِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ.
وفِي إسْنادِهِ أبُو العَطُوفِ الجَوْزِيِّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ قالَ: باقِيَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدارِ الحَيَوانِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ» وهو مُرْسَلٌ.
العنكبوت 29:63
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ وجَمَعَهم في الإنْذارِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم، وزادَ فَسادُهم، وسَعَوْا في إيذاءِ المُسْلِمِينَ بِكُلِّ وجْهٍ فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أضافَهم إلَيْهِ بَعْدَ خِطابِهِ لَهم تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، والَّذِينَ آمَنُوا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ أوْ مُمَيِّزَةٌ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وفي مُكايَدَةٍ لِلْكُفّارِ، فاخْرُجُوا مِنها؛ لِتَتَيَسَّرَ لَكم عِبادَتِي وحْدِي، وتَتَسَهَّلَ عَلَيْكم.
١٠٣ قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي ولا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ.
وقالَ (p-١١٢٥)مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: المَعْنى إنْ رَحْمَتِي واسِعَةٌ ورِزْقِيَ لَكم واسْعٌ فابْتَغُوهُ في الأرْضِ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنْ أرْضِيَ الَّتِي هي أرْضُ الجَنَّةِ واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ حَتّى أُوَرِّثُكُمُوها.
وانْتِصابُ إيّايَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: فاعْبُدُوا إيّايَ.
ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِالمَوْتِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ أمْرَ الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيْكم تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ والخُلّانِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ في سَفَرٍ إلى دارِ القَرارِ وإنْ طالَ لُبْثُهُ في هَذِهِ الدّارِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ في هَذا التَّرْغِيبُ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ جَزاءَ مِن هاجَرَ أنْ يَكُونَ في غُرَفِ الجَنَّةِ، ومَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُنْزِلَنَّهم غُرَفَ الجَنَّةِ، وهي عَلالِيها: فانْتِصابُ غُرَفًا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ نُبَوِّئَنَّهم مَعْنى نُنْزِلَنَّهم أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّضْمِينِ، لِأنَّ نُبَوِّئَنَّهم لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإمّا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ اتِّساعًا أيْ: في غَرَفِ الجَنَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَباءَةِ وهي الإنْزالُ.
قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " يا عِبادِي " بِإسْكانِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إنَّ أرْضِي " بِفَتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الباقُونَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَنَثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْنى لَنَثْوِيَنَّهم بِالمُثَلَّثَةِ: لَنُعْطِيَنَّهم غُرَفًا يَثْوُونَ فِيها مِنَ الثَّوى وهو الإقامَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلَتْهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ.
قالَ الأخْفَشُ: لا تُعْجِبُنِي هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّكَ لا تَقُولُ أثْوَيْتُهُ الدّارَ، بَلْ تَقُولُ في الدّارِ، ولَيْسَ في الآيَةِ حَرْفُ جَرٍّ في المَفْعُولِ الثّانِي، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو عَلى إرادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ حَذَفَ كَما تَقُولُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أيْ: بِالخَيْرِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ الغُرَفَ فَقالَ: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ خالِدِينَ فِيها أيْ: في الغُرَفِ لا يَمُوتُونَ أبَدًا، أوْ في الجَنَّةِ، والأوَّلُ أوْلى نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ، المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ أجْرُهم، والمَعْنى: العامِلِينَ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ العامِلِينَ فَقالَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ وعَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وهو النَّظَرُ في حالِ الدَّوابِّ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَأيِّنْ، وأنَّ أصْلَها أيْ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ وصارَ فِيها مَعْنى: كَمْ كَما صَرَّحَ بِهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وتَقْدِيرُها عِنْدَهُما كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ العَدَدِ مِن دابَّةٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن دابَّةٍ.
ومَعْنى ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها ولا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما يَرْزُقُها اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَرْزُقُكم فَكَيْفَ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ قُوَّتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ عَلى أسْبابِ العَيْشِ كَتَوَكُّلِها عَلى اللَّهِ مَعَ ضَعْفِها وعَجْزِها.
قالَ الحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِها، لا تَدَّخِرُ شَيْئًا.
قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ والبَهائِمَ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا وهو السَّمِيعُ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ العَلِيمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وعَجِبَ السّامِعُ مِن كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم ولا يُوَحِّدُونَهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَها، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن جُحُودِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ.
ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَمْ تَكُونُوا فَقُرّاءَ دَفَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيِ: التَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والتَّقْتِيرُ لَهُ هو مِنَ اللَّهِ الباسِطِ القابِضِ يَبْسُطُهُ لِمَن يَشاءُ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وما يَلِيقُ بِحالِ عِبادِهِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، ولِهَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ وفَسادُهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: نَزَّلَهُ وأحْيا بِهِ الأرْضَ اللَّهُ، يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لا يَجِدُونَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلًا.
ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا هَذا الِاعْتِرافَ في هَذِهِ الآياتِ، وهو يَقْتَضِي بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَدَمِ إفْرادِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالعِبادَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى إقْرارِهِمْ وعَدَمِ جُحُودِهِمْ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ في العِنادِ وتَشَدُّدِهِمْ في رَدِّ كُلِّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أحْمَدُ اللَّهَ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ مَعَكَ، وأظْهَرَ حِجْرَكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهم فَقالَ: بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ الأشْياءَ الَّتِي يَتَعَقَّلُها العُقَلاءُ.
فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِمّا يَسْتَلْزِمُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ.
ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى تَحْقِيرِ الدُّنْيا وأنَّها مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ: وأنَّ الدّارَ عَلى الحَقِيقَةِ هي دارُ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ مِن جِنْسِ ما يَلْهُو بِهِ الصِّبْيانُ ويَلْعَبُونَ بِهِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ الحَيَوانَ الحَياةُ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْنى الحَيَوانِ هاهُنا الحَياةُ، وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ فَيَكُونُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ (p-١١٢٦)لَهِي دارُ الحَيَوانِ، أوْ ذاتُ الحَيَوانِ أيْ: دارُ الحَياةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا تَزُولُ ولا يُنَغِّصُها مَوْتٌ ولا مَرَضٌ، ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدّارَ الفانِيَةَ المُنَغَّصَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ المانِعُ لَهم مِنَ الإيمانِ إلّا مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنَ الحَياةِ وخافُوا الغَرَقَ رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ، فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وتَرْكِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِدُعاءِ الأصْنامِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ هَذِهِ الشِّدَّةَ العَظِيمَةَ النّازِلَةَ بِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ودَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وإنَّما عُدِّيَ بِكَلِمَةِ " في " لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ.
واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فاجَئُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ لِيَكْفُرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ولِيَتَمَتَّعُوا بِهِما فَهُما في الفِعْلَيْنِ لامُ كَيْ، وقِيلَ: هُما لاما الأمْرِ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: أيِ: اكْفُرُوا بِما أعْطَيْناكم مِنَ النِّعْمَةِ وتَمَتَّعُوا، ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " وتَمَتَّعُوا " وهَذا الِاحْتِمالُ لِلْأمْرَيْنِ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ووَرْشٍ بِكَسْرِ اللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِسُكُونِها فَلا خِلافَ أنَّها لامُ الأمْرِ، وفي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ وما فِيهِ مِنَ الوَبالِ عَلَيْهِمْ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ أنّا جَعَلْنا حَرَمَهم هَذا حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُ فِيهِ ساكِنُهُ مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ فَصارُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ مِمّا صارَ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم في كُلِّ حِينٍ تَطْرُقُهُمُ الغاراتُ، وتَجْتاحُ أمْوالَهُمُ الغُزاةُ، وتَسْفِكُ دِماءَهُمُ الجُنُودُ، وتَسْتَبِيحُ حُرَمَهم وأمْوالَهم شُطّارُ العَرَبِ وشَياطِنُها، وجُمْلَةُ ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَخْتَلِسُونَ مَن حَوْلَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الشِّرْكُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإقْرارِهِمْ بِما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْعَلُونَ كُفْرَها مَكانَ شُكْرِها، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهو مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبَ بِالتَّوْحِيدِ، والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.
ثُمَّ هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَكانٌ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: ألَيْسَ يَسْتَحِقُّونَ الِاسْتِقْرارَ فِيها وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ الجاحِدِينَ لِلتَّوْحِيدِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ أرْدَفَهُ بِحالِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ: جاهَدُوا في شَأْنِ اللَّهِ لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ ورَجاءِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا أيِ الطَّرِيقَ المُوصِّلَ إلَيْنا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللَّهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، وقِيلَ: الآيَةُ هَذِهِ نَزَلَتْ في العِبادِ.
وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ومَن كانَ مَعَهُ لَمْ يُخْذَلْ، ودَخَلَتْ لامُ التَّوْكِيدِ عَلى مَعَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِها اسْمًا، أوْ عَلى أنَّها حَرْفٌ ودَخَلَتْ عَلَيْها لِإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا لَفي الدّارِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ " قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قُلْتُ يا رَبِّ أيَمُوتُ الخَلائِقُ كُلُّهم ويَبْقى الأنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾» [العنكبوت: ٥٧] " .
ويُنْظَرُ كَيْفَ صِحَّةُ هَذا، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ ماتُوا، وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ما سَألَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ أيَمُوتُ الخَلائِقُ ويَبْقى الأنْبِياءُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ " «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطانِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ التَّمْرَ ويَأْكُلُ، فَقالَ لِي: ما لَكَ لا تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ: لا أشْتَهِيهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَكِنِّي أشْتَهِيهِ وهَذِهِ صُبْحُ رابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أجِدْهُ، ولَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأعْطانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرى وقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يا ابْنَ عُمَرَ إذا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ، ويَضْعُفُ اليَقِينُ. قالَ: فَواللَّهِ ما بَرِحْنا ولا رُمْنا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيا ولا بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ألا وإنِّي لا أكْنِزُ دِينارًا ولا دِرْهَمًا، ولا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ» .
وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ لِمُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ يُعْطِي نِساءَهُ قُوتَ العامِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ.
وفِي إسْنادِهِ أبُو العَطُوفِ الجَوْزِيِّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ قالَ: باقِيَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدارِ الحَيَوانِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ» وهو مُرْسَلٌ.
العنكبوت 29:64
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ وجَمَعَهم في الإنْذارِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم، وزادَ فَسادُهم، وسَعَوْا في إيذاءِ المُسْلِمِينَ بِكُلِّ وجْهٍ فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أضافَهم إلَيْهِ بَعْدَ خِطابِهِ لَهم تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، والَّذِينَ آمَنُوا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ أوْ مُمَيِّزَةٌ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وفي مُكايَدَةٍ لِلْكُفّارِ، فاخْرُجُوا مِنها؛ لِتَتَيَسَّرَ لَكم عِبادَتِي وحْدِي، وتَتَسَهَّلَ عَلَيْكم.
١٠٣ قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي ولا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ.
وقالَ (p-١١٢٥)مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: المَعْنى إنْ رَحْمَتِي واسِعَةٌ ورِزْقِيَ لَكم واسْعٌ فابْتَغُوهُ في الأرْضِ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنْ أرْضِيَ الَّتِي هي أرْضُ الجَنَّةِ واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ حَتّى أُوَرِّثُكُمُوها.
وانْتِصابُ إيّايَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: فاعْبُدُوا إيّايَ.
ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِالمَوْتِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ أمْرَ الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيْكم تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ والخُلّانِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ في سَفَرٍ إلى دارِ القَرارِ وإنْ طالَ لُبْثُهُ في هَذِهِ الدّارِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ في هَذا التَّرْغِيبُ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ جَزاءَ مِن هاجَرَ أنْ يَكُونَ في غُرَفِ الجَنَّةِ، ومَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُنْزِلَنَّهم غُرَفَ الجَنَّةِ، وهي عَلالِيها: فانْتِصابُ غُرَفًا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ نُبَوِّئَنَّهم مَعْنى نُنْزِلَنَّهم أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّضْمِينِ، لِأنَّ نُبَوِّئَنَّهم لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإمّا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ اتِّساعًا أيْ: في غَرَفِ الجَنَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَباءَةِ وهي الإنْزالُ.
قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " يا عِبادِي " بِإسْكانِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إنَّ أرْضِي " بِفَتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الباقُونَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَنَثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْنى لَنَثْوِيَنَّهم بِالمُثَلَّثَةِ: لَنُعْطِيَنَّهم غُرَفًا يَثْوُونَ فِيها مِنَ الثَّوى وهو الإقامَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلَتْهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ.
قالَ الأخْفَشُ: لا تُعْجِبُنِي هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّكَ لا تَقُولُ أثْوَيْتُهُ الدّارَ، بَلْ تَقُولُ في الدّارِ، ولَيْسَ في الآيَةِ حَرْفُ جَرٍّ في المَفْعُولِ الثّانِي، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو عَلى إرادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ حَذَفَ كَما تَقُولُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أيْ: بِالخَيْرِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ الغُرَفَ فَقالَ: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ خالِدِينَ فِيها أيْ: في الغُرَفِ لا يَمُوتُونَ أبَدًا، أوْ في الجَنَّةِ، والأوَّلُ أوْلى نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ، المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ أجْرُهم، والمَعْنى: العامِلِينَ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ العامِلِينَ فَقالَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ وعَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وهو النَّظَرُ في حالِ الدَّوابِّ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَأيِّنْ، وأنَّ أصْلَها أيْ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ وصارَ فِيها مَعْنى: كَمْ كَما صَرَّحَ بِهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وتَقْدِيرُها عِنْدَهُما كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ العَدَدِ مِن دابَّةٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن دابَّةٍ.
ومَعْنى ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها ولا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما يَرْزُقُها اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَرْزُقُكم فَكَيْفَ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ قُوَّتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ عَلى أسْبابِ العَيْشِ كَتَوَكُّلِها عَلى اللَّهِ مَعَ ضَعْفِها وعَجْزِها.
قالَ الحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِها، لا تَدَّخِرُ شَيْئًا.
قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ والبَهائِمَ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا وهو السَّمِيعُ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ العَلِيمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وعَجِبَ السّامِعُ مِن كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم ولا يُوَحِّدُونَهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَها، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن جُحُودِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ.
ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَمْ تَكُونُوا فَقُرّاءَ دَفَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيِ: التَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والتَّقْتِيرُ لَهُ هو مِنَ اللَّهِ الباسِطِ القابِضِ يَبْسُطُهُ لِمَن يَشاءُ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وما يَلِيقُ بِحالِ عِبادِهِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، ولِهَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ وفَسادُهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: نَزَّلَهُ وأحْيا بِهِ الأرْضَ اللَّهُ، يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لا يَجِدُونَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلًا.
ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا هَذا الِاعْتِرافَ في هَذِهِ الآياتِ، وهو يَقْتَضِي بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَدَمِ إفْرادِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالعِبادَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى إقْرارِهِمْ وعَدَمِ جُحُودِهِمْ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ في العِنادِ وتَشَدُّدِهِمْ في رَدِّ كُلِّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أحْمَدُ اللَّهَ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ مَعَكَ، وأظْهَرَ حِجْرَكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهم فَقالَ: بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ الأشْياءَ الَّتِي يَتَعَقَّلُها العُقَلاءُ.
فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِمّا يَسْتَلْزِمُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ.
ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى تَحْقِيرِ الدُّنْيا وأنَّها مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ: وأنَّ الدّارَ عَلى الحَقِيقَةِ هي دارُ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ مِن جِنْسِ ما يَلْهُو بِهِ الصِّبْيانُ ويَلْعَبُونَ بِهِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ الحَيَوانَ الحَياةُ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْنى الحَيَوانِ هاهُنا الحَياةُ، وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ فَيَكُونُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ (p-١١٢٦)لَهِي دارُ الحَيَوانِ، أوْ ذاتُ الحَيَوانِ أيْ: دارُ الحَياةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا تَزُولُ ولا يُنَغِّصُها مَوْتٌ ولا مَرَضٌ، ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدّارَ الفانِيَةَ المُنَغَّصَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ المانِعُ لَهم مِنَ الإيمانِ إلّا مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنَ الحَياةِ وخافُوا الغَرَقَ رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ، فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وتَرْكِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِدُعاءِ الأصْنامِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ هَذِهِ الشِّدَّةَ العَظِيمَةَ النّازِلَةَ بِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ودَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وإنَّما عُدِّيَ بِكَلِمَةِ " في " لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ.
واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فاجَئُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ لِيَكْفُرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ولِيَتَمَتَّعُوا بِهِما فَهُما في الفِعْلَيْنِ لامُ كَيْ، وقِيلَ: هُما لاما الأمْرِ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: أيِ: اكْفُرُوا بِما أعْطَيْناكم مِنَ النِّعْمَةِ وتَمَتَّعُوا، ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " وتَمَتَّعُوا " وهَذا الِاحْتِمالُ لِلْأمْرَيْنِ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ووَرْشٍ بِكَسْرِ اللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِسُكُونِها فَلا خِلافَ أنَّها لامُ الأمْرِ، وفي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ وما فِيهِ مِنَ الوَبالِ عَلَيْهِمْ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ أنّا جَعَلْنا حَرَمَهم هَذا حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُ فِيهِ ساكِنُهُ مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ فَصارُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ مِمّا صارَ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم في كُلِّ حِينٍ تَطْرُقُهُمُ الغاراتُ، وتَجْتاحُ أمْوالَهُمُ الغُزاةُ، وتَسْفِكُ دِماءَهُمُ الجُنُودُ، وتَسْتَبِيحُ حُرَمَهم وأمْوالَهم شُطّارُ العَرَبِ وشَياطِنُها، وجُمْلَةُ ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَخْتَلِسُونَ مَن حَوْلَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الشِّرْكُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإقْرارِهِمْ بِما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْعَلُونَ كُفْرَها مَكانَ شُكْرِها، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهو مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبَ بِالتَّوْحِيدِ، والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.
ثُمَّ هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَكانٌ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: ألَيْسَ يَسْتَحِقُّونَ الِاسْتِقْرارَ فِيها وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ الجاحِدِينَ لِلتَّوْحِيدِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ أرْدَفَهُ بِحالِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ: جاهَدُوا في شَأْنِ اللَّهِ لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ ورَجاءِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا أيِ الطَّرِيقَ المُوصِّلَ إلَيْنا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللَّهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، وقِيلَ: الآيَةُ هَذِهِ نَزَلَتْ في العِبادِ.
وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ومَن كانَ مَعَهُ لَمْ يُخْذَلْ، ودَخَلَتْ لامُ التَّوْكِيدِ عَلى مَعَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِها اسْمًا، أوْ عَلى أنَّها حَرْفٌ ودَخَلَتْ عَلَيْها لِإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا لَفي الدّارِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ " قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قُلْتُ يا رَبِّ أيَمُوتُ الخَلائِقُ كُلُّهم ويَبْقى الأنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾» [العنكبوت: ٥٧] " .
ويُنْظَرُ كَيْفَ صِحَّةُ هَذا، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ ماتُوا، وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ما سَألَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ أيَمُوتُ الخَلائِقُ ويَبْقى الأنْبِياءُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ " «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطانِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ التَّمْرَ ويَأْكُلُ، فَقالَ لِي: ما لَكَ لا تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ: لا أشْتَهِيهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَكِنِّي أشْتَهِيهِ وهَذِهِ صُبْحُ رابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أجِدْهُ، ولَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأعْطانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرى وقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يا ابْنَ عُمَرَ إذا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ، ويَضْعُفُ اليَقِينُ. قالَ: فَواللَّهِ ما بَرِحْنا ولا رُمْنا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيا ولا بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ألا وإنِّي لا أكْنِزُ دِينارًا ولا دِرْهَمًا، ولا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ» .
وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ لِمُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ يُعْطِي نِساءَهُ قُوتَ العامِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ.
وفِي إسْنادِهِ أبُو العَطُوفِ الجَوْزِيِّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ قالَ: باقِيَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدارِ الحَيَوانِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ» وهو مُرْسَلٌ.
العنكبوت 29:65
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ وجَمَعَهم في الإنْذارِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم، وزادَ فَسادُهم، وسَعَوْا في إيذاءِ المُسْلِمِينَ بِكُلِّ وجْهٍ فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أضافَهم إلَيْهِ بَعْدَ خِطابِهِ لَهم تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، والَّذِينَ آمَنُوا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ أوْ مُمَيِّزَةٌ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وفي مُكايَدَةٍ لِلْكُفّارِ، فاخْرُجُوا مِنها؛ لِتَتَيَسَّرَ لَكم عِبادَتِي وحْدِي، وتَتَسَهَّلَ عَلَيْكم.
١٠٣ قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي ولا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ.
وقالَ (p-١١٢٥)مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: المَعْنى إنْ رَحْمَتِي واسِعَةٌ ورِزْقِيَ لَكم واسْعٌ فابْتَغُوهُ في الأرْضِ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنْ أرْضِيَ الَّتِي هي أرْضُ الجَنَّةِ واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ حَتّى أُوَرِّثُكُمُوها.
وانْتِصابُ إيّايَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: فاعْبُدُوا إيّايَ.
ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِالمَوْتِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ أمْرَ الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيْكم تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ والخُلّانِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ في سَفَرٍ إلى دارِ القَرارِ وإنْ طالَ لُبْثُهُ في هَذِهِ الدّارِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ في هَذا التَّرْغِيبُ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ جَزاءَ مِن هاجَرَ أنْ يَكُونَ في غُرَفِ الجَنَّةِ، ومَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُنْزِلَنَّهم غُرَفَ الجَنَّةِ، وهي عَلالِيها: فانْتِصابُ غُرَفًا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ نُبَوِّئَنَّهم مَعْنى نُنْزِلَنَّهم أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّضْمِينِ، لِأنَّ نُبَوِّئَنَّهم لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإمّا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ اتِّساعًا أيْ: في غَرَفِ الجَنَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَباءَةِ وهي الإنْزالُ.
قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " يا عِبادِي " بِإسْكانِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إنَّ أرْضِي " بِفَتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الباقُونَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَنَثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْنى لَنَثْوِيَنَّهم بِالمُثَلَّثَةِ: لَنُعْطِيَنَّهم غُرَفًا يَثْوُونَ فِيها مِنَ الثَّوى وهو الإقامَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلَتْهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ.
قالَ الأخْفَشُ: لا تُعْجِبُنِي هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّكَ لا تَقُولُ أثْوَيْتُهُ الدّارَ، بَلْ تَقُولُ في الدّارِ، ولَيْسَ في الآيَةِ حَرْفُ جَرٍّ في المَفْعُولِ الثّانِي، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو عَلى إرادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ حَذَفَ كَما تَقُولُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أيْ: بِالخَيْرِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ الغُرَفَ فَقالَ: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ خالِدِينَ فِيها أيْ: في الغُرَفِ لا يَمُوتُونَ أبَدًا، أوْ في الجَنَّةِ، والأوَّلُ أوْلى نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ، المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ أجْرُهم، والمَعْنى: العامِلِينَ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ العامِلِينَ فَقالَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ وعَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وهو النَّظَرُ في حالِ الدَّوابِّ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَأيِّنْ، وأنَّ أصْلَها أيْ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ وصارَ فِيها مَعْنى: كَمْ كَما صَرَّحَ بِهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وتَقْدِيرُها عِنْدَهُما كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ العَدَدِ مِن دابَّةٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن دابَّةٍ.
ومَعْنى ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها ولا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما يَرْزُقُها اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَرْزُقُكم فَكَيْفَ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ قُوَّتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ عَلى أسْبابِ العَيْشِ كَتَوَكُّلِها عَلى اللَّهِ مَعَ ضَعْفِها وعَجْزِها.
قالَ الحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِها، لا تَدَّخِرُ شَيْئًا.
قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ والبَهائِمَ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا وهو السَّمِيعُ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ العَلِيمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وعَجِبَ السّامِعُ مِن كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم ولا يُوَحِّدُونَهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَها، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن جُحُودِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ.
ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَمْ تَكُونُوا فَقُرّاءَ دَفَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيِ: التَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والتَّقْتِيرُ لَهُ هو مِنَ اللَّهِ الباسِطِ القابِضِ يَبْسُطُهُ لِمَن يَشاءُ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وما يَلِيقُ بِحالِ عِبادِهِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، ولِهَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ وفَسادُهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: نَزَّلَهُ وأحْيا بِهِ الأرْضَ اللَّهُ، يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لا يَجِدُونَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلًا.
ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا هَذا الِاعْتِرافَ في هَذِهِ الآياتِ، وهو يَقْتَضِي بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَدَمِ إفْرادِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالعِبادَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى إقْرارِهِمْ وعَدَمِ جُحُودِهِمْ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ في العِنادِ وتَشَدُّدِهِمْ في رَدِّ كُلِّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أحْمَدُ اللَّهَ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ مَعَكَ، وأظْهَرَ حِجْرَكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهم فَقالَ: بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ الأشْياءَ الَّتِي يَتَعَقَّلُها العُقَلاءُ.
فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِمّا يَسْتَلْزِمُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ.
ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى تَحْقِيرِ الدُّنْيا وأنَّها مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ: وأنَّ الدّارَ عَلى الحَقِيقَةِ هي دارُ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ مِن جِنْسِ ما يَلْهُو بِهِ الصِّبْيانُ ويَلْعَبُونَ بِهِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ الحَيَوانَ الحَياةُ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْنى الحَيَوانِ هاهُنا الحَياةُ، وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ فَيَكُونُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ (p-١١٢٦)لَهِي دارُ الحَيَوانِ، أوْ ذاتُ الحَيَوانِ أيْ: دارُ الحَياةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا تَزُولُ ولا يُنَغِّصُها مَوْتٌ ولا مَرَضٌ، ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدّارَ الفانِيَةَ المُنَغَّصَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ المانِعُ لَهم مِنَ الإيمانِ إلّا مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنَ الحَياةِ وخافُوا الغَرَقَ رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ، فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وتَرْكِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِدُعاءِ الأصْنامِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ هَذِهِ الشِّدَّةَ العَظِيمَةَ النّازِلَةَ بِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ودَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وإنَّما عُدِّيَ بِكَلِمَةِ " في " لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ.
واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فاجَئُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ لِيَكْفُرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ولِيَتَمَتَّعُوا بِهِما فَهُما في الفِعْلَيْنِ لامُ كَيْ، وقِيلَ: هُما لاما الأمْرِ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: أيِ: اكْفُرُوا بِما أعْطَيْناكم مِنَ النِّعْمَةِ وتَمَتَّعُوا، ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " وتَمَتَّعُوا " وهَذا الِاحْتِمالُ لِلْأمْرَيْنِ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ووَرْشٍ بِكَسْرِ اللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِسُكُونِها فَلا خِلافَ أنَّها لامُ الأمْرِ، وفي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ وما فِيهِ مِنَ الوَبالِ عَلَيْهِمْ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ أنّا جَعَلْنا حَرَمَهم هَذا حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُ فِيهِ ساكِنُهُ مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ فَصارُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ مِمّا صارَ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم في كُلِّ حِينٍ تَطْرُقُهُمُ الغاراتُ، وتَجْتاحُ أمْوالَهُمُ الغُزاةُ، وتَسْفِكُ دِماءَهُمُ الجُنُودُ، وتَسْتَبِيحُ حُرَمَهم وأمْوالَهم شُطّارُ العَرَبِ وشَياطِنُها، وجُمْلَةُ ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَخْتَلِسُونَ مَن حَوْلَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الشِّرْكُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإقْرارِهِمْ بِما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْعَلُونَ كُفْرَها مَكانَ شُكْرِها، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهو مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبَ بِالتَّوْحِيدِ، والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.
ثُمَّ هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَكانٌ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: ألَيْسَ يَسْتَحِقُّونَ الِاسْتِقْرارَ فِيها وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ الجاحِدِينَ لِلتَّوْحِيدِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ أرْدَفَهُ بِحالِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ: جاهَدُوا في شَأْنِ اللَّهِ لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ ورَجاءِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا أيِ الطَّرِيقَ المُوصِّلَ إلَيْنا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللَّهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، وقِيلَ: الآيَةُ هَذِهِ نَزَلَتْ في العِبادِ.
وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ومَن كانَ مَعَهُ لَمْ يُخْذَلْ، ودَخَلَتْ لامُ التَّوْكِيدِ عَلى مَعَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِها اسْمًا، أوْ عَلى أنَّها حَرْفٌ ودَخَلَتْ عَلَيْها لِإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا لَفي الدّارِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ " قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قُلْتُ يا رَبِّ أيَمُوتُ الخَلائِقُ كُلُّهم ويَبْقى الأنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾» [العنكبوت: ٥٧] " .
ويُنْظَرُ كَيْفَ صِحَّةُ هَذا، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ ماتُوا، وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ما سَألَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ أيَمُوتُ الخَلائِقُ ويَبْقى الأنْبِياءُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ " «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطانِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ التَّمْرَ ويَأْكُلُ، فَقالَ لِي: ما لَكَ لا تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ: لا أشْتَهِيهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَكِنِّي أشْتَهِيهِ وهَذِهِ صُبْحُ رابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أجِدْهُ، ولَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأعْطانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرى وقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يا ابْنَ عُمَرَ إذا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ، ويَضْعُفُ اليَقِينُ. قالَ: فَواللَّهِ ما بَرِحْنا ولا رُمْنا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيا ولا بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ألا وإنِّي لا أكْنِزُ دِينارًا ولا دِرْهَمًا، ولا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ» .
وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ لِمُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ يُعْطِي نِساءَهُ قُوتَ العامِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ.
وفِي إسْنادِهِ أبُو العَطُوفِ الجَوْزِيِّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ قالَ: باقِيَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدارِ الحَيَوانِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ» وهو مُرْسَلٌ.
العنكبوت 29:66
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ وجَمَعَهم في الإنْذارِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم، وزادَ فَسادُهم، وسَعَوْا في إيذاءِ المُسْلِمِينَ بِكُلِّ وجْهٍ فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أضافَهم إلَيْهِ بَعْدَ خِطابِهِ لَهم تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، والَّذِينَ آمَنُوا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ أوْ مُمَيِّزَةٌ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وفي مُكايَدَةٍ لِلْكُفّارِ، فاخْرُجُوا مِنها؛ لِتَتَيَسَّرَ لَكم عِبادَتِي وحْدِي، وتَتَسَهَّلَ عَلَيْكم.
١٠٣ قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي ولا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ.
وقالَ (p-١١٢٥)مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: المَعْنى إنْ رَحْمَتِي واسِعَةٌ ورِزْقِيَ لَكم واسْعٌ فابْتَغُوهُ في الأرْضِ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنْ أرْضِيَ الَّتِي هي أرْضُ الجَنَّةِ واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ حَتّى أُوَرِّثُكُمُوها.
وانْتِصابُ إيّايَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: فاعْبُدُوا إيّايَ.
ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِالمَوْتِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ أمْرَ الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيْكم تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ والخُلّانِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ في سَفَرٍ إلى دارِ القَرارِ وإنْ طالَ لُبْثُهُ في هَذِهِ الدّارِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ في هَذا التَّرْغِيبُ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ جَزاءَ مِن هاجَرَ أنْ يَكُونَ في غُرَفِ الجَنَّةِ، ومَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُنْزِلَنَّهم غُرَفَ الجَنَّةِ، وهي عَلالِيها: فانْتِصابُ غُرَفًا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ نُبَوِّئَنَّهم مَعْنى نُنْزِلَنَّهم أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّضْمِينِ، لِأنَّ نُبَوِّئَنَّهم لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإمّا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ اتِّساعًا أيْ: في غَرَفِ الجَنَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَباءَةِ وهي الإنْزالُ.
قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " يا عِبادِي " بِإسْكانِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إنَّ أرْضِي " بِفَتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الباقُونَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَنَثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْنى لَنَثْوِيَنَّهم بِالمُثَلَّثَةِ: لَنُعْطِيَنَّهم غُرَفًا يَثْوُونَ فِيها مِنَ الثَّوى وهو الإقامَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلَتْهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ.
قالَ الأخْفَشُ: لا تُعْجِبُنِي هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّكَ لا تَقُولُ أثْوَيْتُهُ الدّارَ، بَلْ تَقُولُ في الدّارِ، ولَيْسَ في الآيَةِ حَرْفُ جَرٍّ في المَفْعُولِ الثّانِي، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو عَلى إرادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ حَذَفَ كَما تَقُولُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أيْ: بِالخَيْرِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ الغُرَفَ فَقالَ: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ خالِدِينَ فِيها أيْ: في الغُرَفِ لا يَمُوتُونَ أبَدًا، أوْ في الجَنَّةِ، والأوَّلُ أوْلى نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ، المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ أجْرُهم، والمَعْنى: العامِلِينَ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ العامِلِينَ فَقالَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ وعَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وهو النَّظَرُ في حالِ الدَّوابِّ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَأيِّنْ، وأنَّ أصْلَها أيْ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ وصارَ فِيها مَعْنى: كَمْ كَما صَرَّحَ بِهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وتَقْدِيرُها عِنْدَهُما كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ العَدَدِ مِن دابَّةٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن دابَّةٍ.
ومَعْنى ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها ولا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما يَرْزُقُها اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَرْزُقُكم فَكَيْفَ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ قُوَّتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ عَلى أسْبابِ العَيْشِ كَتَوَكُّلِها عَلى اللَّهِ مَعَ ضَعْفِها وعَجْزِها.
قالَ الحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِها، لا تَدَّخِرُ شَيْئًا.
قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ والبَهائِمَ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا وهو السَّمِيعُ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ العَلِيمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وعَجِبَ السّامِعُ مِن كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم ولا يُوَحِّدُونَهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَها، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن جُحُودِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ.
ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَمْ تَكُونُوا فَقُرّاءَ دَفَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيِ: التَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والتَّقْتِيرُ لَهُ هو مِنَ اللَّهِ الباسِطِ القابِضِ يَبْسُطُهُ لِمَن يَشاءُ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وما يَلِيقُ بِحالِ عِبادِهِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، ولِهَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ وفَسادُهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: نَزَّلَهُ وأحْيا بِهِ الأرْضَ اللَّهُ، يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لا يَجِدُونَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلًا.
ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا هَذا الِاعْتِرافَ في هَذِهِ الآياتِ، وهو يَقْتَضِي بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَدَمِ إفْرادِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالعِبادَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى إقْرارِهِمْ وعَدَمِ جُحُودِهِمْ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ في العِنادِ وتَشَدُّدِهِمْ في رَدِّ كُلِّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أحْمَدُ اللَّهَ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ مَعَكَ، وأظْهَرَ حِجْرَكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهم فَقالَ: بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ الأشْياءَ الَّتِي يَتَعَقَّلُها العُقَلاءُ.
فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِمّا يَسْتَلْزِمُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ.
ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى تَحْقِيرِ الدُّنْيا وأنَّها مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ: وأنَّ الدّارَ عَلى الحَقِيقَةِ هي دارُ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ مِن جِنْسِ ما يَلْهُو بِهِ الصِّبْيانُ ويَلْعَبُونَ بِهِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ الحَيَوانَ الحَياةُ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْنى الحَيَوانِ هاهُنا الحَياةُ، وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ فَيَكُونُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ (p-١١٢٦)لَهِي دارُ الحَيَوانِ، أوْ ذاتُ الحَيَوانِ أيْ: دارُ الحَياةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا تَزُولُ ولا يُنَغِّصُها مَوْتٌ ولا مَرَضٌ، ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدّارَ الفانِيَةَ المُنَغَّصَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ المانِعُ لَهم مِنَ الإيمانِ إلّا مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنَ الحَياةِ وخافُوا الغَرَقَ رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ، فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وتَرْكِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِدُعاءِ الأصْنامِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ هَذِهِ الشِّدَّةَ العَظِيمَةَ النّازِلَةَ بِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ودَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وإنَّما عُدِّيَ بِكَلِمَةِ " في " لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ.
واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فاجَئُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ لِيَكْفُرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ولِيَتَمَتَّعُوا بِهِما فَهُما في الفِعْلَيْنِ لامُ كَيْ، وقِيلَ: هُما لاما الأمْرِ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: أيِ: اكْفُرُوا بِما أعْطَيْناكم مِنَ النِّعْمَةِ وتَمَتَّعُوا، ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " وتَمَتَّعُوا " وهَذا الِاحْتِمالُ لِلْأمْرَيْنِ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ووَرْشٍ بِكَسْرِ اللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِسُكُونِها فَلا خِلافَ أنَّها لامُ الأمْرِ، وفي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ وما فِيهِ مِنَ الوَبالِ عَلَيْهِمْ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ أنّا جَعَلْنا حَرَمَهم هَذا حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُ فِيهِ ساكِنُهُ مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ فَصارُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ مِمّا صارَ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم في كُلِّ حِينٍ تَطْرُقُهُمُ الغاراتُ، وتَجْتاحُ أمْوالَهُمُ الغُزاةُ، وتَسْفِكُ دِماءَهُمُ الجُنُودُ، وتَسْتَبِيحُ حُرَمَهم وأمْوالَهم شُطّارُ العَرَبِ وشَياطِنُها، وجُمْلَةُ ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَخْتَلِسُونَ مَن حَوْلَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الشِّرْكُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإقْرارِهِمْ بِما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْعَلُونَ كُفْرَها مَكانَ شُكْرِها، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهو مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبَ بِالتَّوْحِيدِ، والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.
ثُمَّ هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَكانٌ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: ألَيْسَ يَسْتَحِقُّونَ الِاسْتِقْرارَ فِيها وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ الجاحِدِينَ لِلتَّوْحِيدِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ أرْدَفَهُ بِحالِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ: جاهَدُوا في شَأْنِ اللَّهِ لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ ورَجاءِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا أيِ الطَّرِيقَ المُوصِّلَ إلَيْنا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللَّهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، وقِيلَ: الآيَةُ هَذِهِ نَزَلَتْ في العِبادِ.
وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ومَن كانَ مَعَهُ لَمْ يُخْذَلْ، ودَخَلَتْ لامُ التَّوْكِيدِ عَلى مَعَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِها اسْمًا، أوْ عَلى أنَّها حَرْفٌ ودَخَلَتْ عَلَيْها لِإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا لَفي الدّارِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ " قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قُلْتُ يا رَبِّ أيَمُوتُ الخَلائِقُ كُلُّهم ويَبْقى الأنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾» [العنكبوت: ٥٧] " .
ويُنْظَرُ كَيْفَ صِحَّةُ هَذا، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ ماتُوا، وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ما سَألَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ أيَمُوتُ الخَلائِقُ ويَبْقى الأنْبِياءُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ " «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطانِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ التَّمْرَ ويَأْكُلُ، فَقالَ لِي: ما لَكَ لا تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ: لا أشْتَهِيهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَكِنِّي أشْتَهِيهِ وهَذِهِ صُبْحُ رابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أجِدْهُ، ولَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأعْطانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرى وقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يا ابْنَ عُمَرَ إذا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ، ويَضْعُفُ اليَقِينُ. قالَ: فَواللَّهِ ما بَرِحْنا ولا رُمْنا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيا ولا بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ألا وإنِّي لا أكْنِزُ دِينارًا ولا دِرْهَمًا، ولا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ» .
وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ لِمُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ يُعْطِي نِساءَهُ قُوتَ العامِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ.
وفِي إسْنادِهِ أبُو العَطُوفِ الجَوْزِيِّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ قالَ: باقِيَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدارِ الحَيَوانِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ» وهو مُرْسَلٌ.
العنكبوت 29:67
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ وجَمَعَهم في الإنْذارِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم، وزادَ فَسادُهم، وسَعَوْا في إيذاءِ المُسْلِمِينَ بِكُلِّ وجْهٍ فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أضافَهم إلَيْهِ بَعْدَ خِطابِهِ لَهم تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، والَّذِينَ آمَنُوا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ أوْ مُمَيِّزَةٌ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وفي مُكايَدَةٍ لِلْكُفّارِ، فاخْرُجُوا مِنها؛ لِتَتَيَسَّرَ لَكم عِبادَتِي وحْدِي، وتَتَسَهَّلَ عَلَيْكم.
١٠٣ قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي ولا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ.
وقالَ (p-١١٢٥)مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: المَعْنى إنْ رَحْمَتِي واسِعَةٌ ورِزْقِيَ لَكم واسْعٌ فابْتَغُوهُ في الأرْضِ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنْ أرْضِيَ الَّتِي هي أرْضُ الجَنَّةِ واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ حَتّى أُوَرِّثُكُمُوها.
وانْتِصابُ إيّايَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: فاعْبُدُوا إيّايَ.
ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِالمَوْتِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ أمْرَ الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيْكم تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ والخُلّانِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ في سَفَرٍ إلى دارِ القَرارِ وإنْ طالَ لُبْثُهُ في هَذِهِ الدّارِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ في هَذا التَّرْغِيبُ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ جَزاءَ مِن هاجَرَ أنْ يَكُونَ في غُرَفِ الجَنَّةِ، ومَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُنْزِلَنَّهم غُرَفَ الجَنَّةِ، وهي عَلالِيها: فانْتِصابُ غُرَفًا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ نُبَوِّئَنَّهم مَعْنى نُنْزِلَنَّهم أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّضْمِينِ، لِأنَّ نُبَوِّئَنَّهم لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإمّا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ اتِّساعًا أيْ: في غَرَفِ الجَنَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَباءَةِ وهي الإنْزالُ.
قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " يا عِبادِي " بِإسْكانِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إنَّ أرْضِي " بِفَتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الباقُونَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَنَثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْنى لَنَثْوِيَنَّهم بِالمُثَلَّثَةِ: لَنُعْطِيَنَّهم غُرَفًا يَثْوُونَ فِيها مِنَ الثَّوى وهو الإقامَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلَتْهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ.
قالَ الأخْفَشُ: لا تُعْجِبُنِي هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّكَ لا تَقُولُ أثْوَيْتُهُ الدّارَ، بَلْ تَقُولُ في الدّارِ، ولَيْسَ في الآيَةِ حَرْفُ جَرٍّ في المَفْعُولِ الثّانِي، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو عَلى إرادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ حَذَفَ كَما تَقُولُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أيْ: بِالخَيْرِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ الغُرَفَ فَقالَ: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ خالِدِينَ فِيها أيْ: في الغُرَفِ لا يَمُوتُونَ أبَدًا، أوْ في الجَنَّةِ، والأوَّلُ أوْلى نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ، المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ أجْرُهم، والمَعْنى: العامِلِينَ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ العامِلِينَ فَقالَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ وعَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وهو النَّظَرُ في حالِ الدَّوابِّ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَأيِّنْ، وأنَّ أصْلَها أيْ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ وصارَ فِيها مَعْنى: كَمْ كَما صَرَّحَ بِهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وتَقْدِيرُها عِنْدَهُما كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ العَدَدِ مِن دابَّةٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن دابَّةٍ.
ومَعْنى ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها ولا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما يَرْزُقُها اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَرْزُقُكم فَكَيْفَ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ قُوَّتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ عَلى أسْبابِ العَيْشِ كَتَوَكُّلِها عَلى اللَّهِ مَعَ ضَعْفِها وعَجْزِها.
قالَ الحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِها، لا تَدَّخِرُ شَيْئًا.
قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ والبَهائِمَ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا وهو السَّمِيعُ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ العَلِيمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وعَجِبَ السّامِعُ مِن كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم ولا يُوَحِّدُونَهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَها، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن جُحُودِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ.
ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَمْ تَكُونُوا فَقُرّاءَ دَفَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيِ: التَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والتَّقْتِيرُ لَهُ هو مِنَ اللَّهِ الباسِطِ القابِضِ يَبْسُطُهُ لِمَن يَشاءُ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وما يَلِيقُ بِحالِ عِبادِهِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، ولِهَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ وفَسادُهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: نَزَّلَهُ وأحْيا بِهِ الأرْضَ اللَّهُ، يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لا يَجِدُونَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلًا.
ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا هَذا الِاعْتِرافَ في هَذِهِ الآياتِ، وهو يَقْتَضِي بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَدَمِ إفْرادِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالعِبادَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى إقْرارِهِمْ وعَدَمِ جُحُودِهِمْ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ في العِنادِ وتَشَدُّدِهِمْ في رَدِّ كُلِّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أحْمَدُ اللَّهَ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ مَعَكَ، وأظْهَرَ حِجْرَكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهم فَقالَ: بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ الأشْياءَ الَّتِي يَتَعَقَّلُها العُقَلاءُ.
فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِمّا يَسْتَلْزِمُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ.
ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى تَحْقِيرِ الدُّنْيا وأنَّها مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ: وأنَّ الدّارَ عَلى الحَقِيقَةِ هي دارُ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ مِن جِنْسِ ما يَلْهُو بِهِ الصِّبْيانُ ويَلْعَبُونَ بِهِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ الحَيَوانَ الحَياةُ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْنى الحَيَوانِ هاهُنا الحَياةُ، وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ فَيَكُونُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ (p-١١٢٦)لَهِي دارُ الحَيَوانِ، أوْ ذاتُ الحَيَوانِ أيْ: دارُ الحَياةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا تَزُولُ ولا يُنَغِّصُها مَوْتٌ ولا مَرَضٌ، ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدّارَ الفانِيَةَ المُنَغَّصَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ المانِعُ لَهم مِنَ الإيمانِ إلّا مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنَ الحَياةِ وخافُوا الغَرَقَ رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ، فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وتَرْكِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِدُعاءِ الأصْنامِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ هَذِهِ الشِّدَّةَ العَظِيمَةَ النّازِلَةَ بِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ودَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وإنَّما عُدِّيَ بِكَلِمَةِ " في " لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ.
واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فاجَئُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ لِيَكْفُرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ولِيَتَمَتَّعُوا بِهِما فَهُما في الفِعْلَيْنِ لامُ كَيْ، وقِيلَ: هُما لاما الأمْرِ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: أيِ: اكْفُرُوا بِما أعْطَيْناكم مِنَ النِّعْمَةِ وتَمَتَّعُوا، ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " وتَمَتَّعُوا " وهَذا الِاحْتِمالُ لِلْأمْرَيْنِ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ووَرْشٍ بِكَسْرِ اللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِسُكُونِها فَلا خِلافَ أنَّها لامُ الأمْرِ، وفي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ وما فِيهِ مِنَ الوَبالِ عَلَيْهِمْ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ أنّا جَعَلْنا حَرَمَهم هَذا حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُ فِيهِ ساكِنُهُ مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ فَصارُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ مِمّا صارَ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم في كُلِّ حِينٍ تَطْرُقُهُمُ الغاراتُ، وتَجْتاحُ أمْوالَهُمُ الغُزاةُ، وتَسْفِكُ دِماءَهُمُ الجُنُودُ، وتَسْتَبِيحُ حُرَمَهم وأمْوالَهم شُطّارُ العَرَبِ وشَياطِنُها، وجُمْلَةُ ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَخْتَلِسُونَ مَن حَوْلَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الشِّرْكُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإقْرارِهِمْ بِما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْعَلُونَ كُفْرَها مَكانَ شُكْرِها، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهو مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبَ بِالتَّوْحِيدِ، والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.
ثُمَّ هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَكانٌ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: ألَيْسَ يَسْتَحِقُّونَ الِاسْتِقْرارَ فِيها وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ الجاحِدِينَ لِلتَّوْحِيدِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ أرْدَفَهُ بِحالِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ: جاهَدُوا في شَأْنِ اللَّهِ لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ ورَجاءِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا أيِ الطَّرِيقَ المُوصِّلَ إلَيْنا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللَّهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، وقِيلَ: الآيَةُ هَذِهِ نَزَلَتْ في العِبادِ.
وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ومَن كانَ مَعَهُ لَمْ يُخْذَلْ، ودَخَلَتْ لامُ التَّوْكِيدِ عَلى مَعَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِها اسْمًا، أوْ عَلى أنَّها حَرْفٌ ودَخَلَتْ عَلَيْها لِإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا لَفي الدّارِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ " قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قُلْتُ يا رَبِّ أيَمُوتُ الخَلائِقُ كُلُّهم ويَبْقى الأنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾» [العنكبوت: ٥٧] " .
ويُنْظَرُ كَيْفَ صِحَّةُ هَذا، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ ماتُوا، وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ما سَألَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ أيَمُوتُ الخَلائِقُ ويَبْقى الأنْبِياءُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ " «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطانِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ التَّمْرَ ويَأْكُلُ، فَقالَ لِي: ما لَكَ لا تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ: لا أشْتَهِيهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَكِنِّي أشْتَهِيهِ وهَذِهِ صُبْحُ رابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أجِدْهُ، ولَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأعْطانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرى وقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يا ابْنَ عُمَرَ إذا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ، ويَضْعُفُ اليَقِينُ. قالَ: فَواللَّهِ ما بَرِحْنا ولا رُمْنا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيا ولا بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ألا وإنِّي لا أكْنِزُ دِينارًا ولا دِرْهَمًا، ولا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ» .
وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ لِمُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ يُعْطِي نِساءَهُ قُوتَ العامِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ.
وفِي إسْنادِهِ أبُو العَطُوفِ الجَوْزِيِّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ قالَ: باقِيَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدارِ الحَيَوانِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ» وهو مُرْسَلٌ.