Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — العنكبوت 29:68 – الروم 30:21

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. العنكبوت 29:68
  2. العنكبوت 29:69
  3. الروم 30:1
  4. الروم 30:2
  5. الروم 30:3
  6. الروم 30:4
  7. الروم 30:5
  8. الروم 30:6
  9. الروم 30:7
  10. الروم 30:8
  11. الروم 30:9
  12. الروم 30:10
  13. الروم 30:11
  14. الروم 30:12
  15. الروم 30:13
  16. الروم 30:14
  17. الروم 30:15
  18. الروم 30:16
  19. الروم 30:17
  20. الروم 30:18
  21. الروم 30:19
  22. الروم 30:20
  23. الروم 30:21

العنكبوت 29:68

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ وجَمَعَهم في الإنْذارِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم، وزادَ فَسادُهم، وسَعَوْا في إيذاءِ المُسْلِمِينَ بِكُلِّ وجْهٍ فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أضافَهم إلَيْهِ بَعْدَ خِطابِهِ لَهم تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، والَّذِينَ آمَنُوا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ أوْ مُمَيِّزَةٌ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وفي مُكايَدَةٍ لِلْكُفّارِ، فاخْرُجُوا مِنها؛ لِتَتَيَسَّرَ لَكم عِبادَتِي وحْدِي، وتَتَسَهَّلَ عَلَيْكم. ١٠٣ قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي ولا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ. وقالَ (p-١١٢٥)مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: المَعْنى إنْ رَحْمَتِي واسِعَةٌ ورِزْقِيَ لَكم واسْعٌ فابْتَغُوهُ في الأرْضِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنْ أرْضِيَ الَّتِي هي أرْضُ الجَنَّةِ واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ حَتّى أُوَرِّثُكُمُوها. وانْتِصابُ إيّايَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: فاعْبُدُوا إيّايَ. ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِالمَوْتِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ أمْرَ الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيْكم تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ والخُلّانِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ في سَفَرٍ إلى دارِ القَرارِ وإنْ طالَ لُبْثُهُ في هَذِهِ الدّارِ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ في هَذا التَّرْغِيبُ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ جَزاءَ مِن هاجَرَ أنْ يَكُونَ في غُرَفِ الجَنَّةِ، ومَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُنْزِلَنَّهم غُرَفَ الجَنَّةِ، وهي عَلالِيها: فانْتِصابُ غُرَفًا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ نُبَوِّئَنَّهم مَعْنى نُنْزِلَنَّهم أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّضْمِينِ، لِأنَّ نُبَوِّئَنَّهم لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإمّا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ اتِّساعًا أيْ: في غَرَفِ الجَنَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَباءَةِ وهي الإنْزالُ. قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " يا عِبادِي " بِإسْكانِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إنَّ أرْضِي " بِفَتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الباقُونَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَنَثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْنى لَنَثْوِيَنَّهم بِالمُثَلَّثَةِ: لَنُعْطِيَنَّهم غُرَفًا يَثْوُونَ فِيها مِنَ الثَّوى وهو الإقامَةُ. قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلَتْهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ. قالَ الأخْفَشُ: لا تُعْجِبُنِي هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّكَ لا تَقُولُ أثْوَيْتُهُ الدّارَ، بَلْ تَقُولُ في الدّارِ، ولَيْسَ في الآيَةِ حَرْفُ جَرٍّ في المَفْعُولِ الثّانِي، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو عَلى إرادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ حَذَفَ كَما تَقُولُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أيْ: بِالخَيْرِ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ الغُرَفَ فَقالَ: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ خالِدِينَ فِيها أيْ: في الغُرَفِ لا يَمُوتُونَ أبَدًا، أوْ في الجَنَّةِ، والأوَّلُ أوْلى نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ، المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ أجْرُهم، والمَعْنى: العامِلِينَ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ. ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ العامِلِينَ فَقالَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ وعَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وهو النَّظَرُ في حالِ الدَّوابِّ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَأيِّنْ، وأنَّ أصْلَها أيْ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ وصارَ فِيها مَعْنى: كَمْ كَما صَرَّحَ بِهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وتَقْدِيرُها عِنْدَهُما كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ العَدَدِ مِن دابَّةٍ. وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن دابَّةٍ. ومَعْنى ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها ولا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما يَرْزُقُها اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَرْزُقُكم فَكَيْفَ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ قُوَّتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ عَلى أسْبابِ العَيْشِ كَتَوَكُّلِها عَلى اللَّهِ مَعَ ضَعْفِها وعَجْزِها. قالَ الحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِها، لا تَدَّخِرُ شَيْئًا. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ والبَهائِمَ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا وهو السَّمِيعُ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ العَلِيمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ. ثُمَّ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وعَجِبَ السّامِعُ مِن كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم ولا يُوَحِّدُونَهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَها، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن جُحُودِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَمْ تَكُونُوا فَقُرّاءَ دَفَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيِ: التَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والتَّقْتِيرُ لَهُ هو مِنَ اللَّهِ الباسِطِ القابِضِ يَبْسُطُهُ لِمَن يَشاءُ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وما يَلِيقُ بِحالِ عِبادِهِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، ولِهَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ وفَسادُهم. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: نَزَّلَهُ وأحْيا بِهِ الأرْضَ اللَّهُ، يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لا يَجِدُونَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلًا. ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا هَذا الِاعْتِرافَ في هَذِهِ الآياتِ، وهو يَقْتَضِي بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَدَمِ إفْرادِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالعِبادَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى إقْرارِهِمْ وعَدَمِ جُحُودِهِمْ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ في العِنادِ وتَشَدُّدِهِمْ في رَدِّ كُلِّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أحْمَدُ اللَّهَ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ مَعَكَ، وأظْهَرَ حِجْرَكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهم فَقالَ: بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ الأشْياءَ الَّتِي يَتَعَقَّلُها العُقَلاءُ. فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِمّا يَسْتَلْزِمُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ. ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى تَحْقِيرِ الدُّنْيا وأنَّها مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ: وأنَّ الدّارَ عَلى الحَقِيقَةِ هي دارُ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ مِن جِنْسِ ما يَلْهُو بِهِ الصِّبْيانُ ويَلْعَبُونَ بِهِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ الحَيَوانَ الحَياةُ. قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْنى الحَيَوانِ هاهُنا الحَياةُ، وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ فَيَكُونُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ (p-١١٢٦)لَهِي دارُ الحَيَوانِ، أوْ ذاتُ الحَيَوانِ أيْ: دارُ الحَياةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا تَزُولُ ولا يُنَغِّصُها مَوْتٌ ولا مَرَضٌ، ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدّارَ الفانِيَةَ المُنَغَّصَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ المانِعُ لَهم مِنَ الإيمانِ إلّا مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنَ الحَياةِ وخافُوا الغَرَقَ رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ، فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وتَرْكِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِدُعاءِ الأصْنامِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ هَذِهِ الشِّدَّةَ العَظِيمَةَ النّازِلَةَ بِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ودَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وإنَّما عُدِّيَ بِكَلِمَةِ " في " لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ. واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فاجَئُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ لِيَكْفُرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ولِيَتَمَتَّعُوا بِهِما فَهُما في الفِعْلَيْنِ لامُ كَيْ، وقِيلَ: هُما لاما الأمْرِ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: أيِ: اكْفُرُوا بِما أعْطَيْناكم مِنَ النِّعْمَةِ وتَمَتَّعُوا، ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " وتَمَتَّعُوا " وهَذا الِاحْتِمالُ لِلْأمْرَيْنِ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ووَرْشٍ بِكَسْرِ اللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِسُكُونِها فَلا خِلافَ أنَّها لامُ الأمْرِ، وفي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ وما فِيهِ مِنَ الوَبالِ عَلَيْهِمْ. ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ أنّا جَعَلْنا حَرَمَهم هَذا حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُ فِيهِ ساكِنُهُ مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ فَصارُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ مِمّا صارَ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم في كُلِّ حِينٍ تَطْرُقُهُمُ الغاراتُ، وتَجْتاحُ أمْوالَهُمُ الغُزاةُ، وتَسْفِكُ دِماءَهُمُ الجُنُودُ، وتَسْتَبِيحُ حُرَمَهم وأمْوالَهم شُطّارُ العَرَبِ وشَياطِنُها، وجُمْلَةُ ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَخْتَلِسُونَ مَن حَوْلَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الشِّرْكُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإقْرارِهِمْ بِما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْعَلُونَ كُفْرَها مَكانَ شُكْرِها، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهو مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبَ بِالتَّوْحِيدِ، والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ. ثُمَّ هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَكانٌ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: ألَيْسَ يَسْتَحِقُّونَ الِاسْتِقْرارَ فِيها وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ الجاحِدِينَ لِلتَّوْحِيدِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ أرْدَفَهُ بِحالِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ: جاهَدُوا في شَأْنِ اللَّهِ لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ ورَجاءِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا أيِ الطَّرِيقَ المُوصِّلَ إلَيْنا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللَّهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، وقِيلَ: الآيَةُ هَذِهِ نَزَلَتْ في العِبادِ. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ومَن كانَ مَعَهُ لَمْ يُخْذَلْ، ودَخَلَتْ لامُ التَّوْكِيدِ عَلى مَعَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِها اسْمًا، أوْ عَلى أنَّها حَرْفٌ ودَخَلَتْ عَلَيْها لِإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا لَفي الدّارِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ " قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قُلْتُ يا رَبِّ أيَمُوتُ الخَلائِقُ كُلُّهم ويَبْقى الأنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾» [العنكبوت: ٥٧] " . ويُنْظَرُ كَيْفَ صِحَّةُ هَذا، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ ماتُوا، وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ما سَألَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ أيَمُوتُ الخَلائِقُ ويَبْقى الأنْبِياءُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ " «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطانِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ التَّمْرَ ويَأْكُلُ، فَقالَ لِي: ما لَكَ لا تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ: لا أشْتَهِيهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَكِنِّي أشْتَهِيهِ وهَذِهِ صُبْحُ رابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أجِدْهُ، ولَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأعْطانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرى وقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يا ابْنَ عُمَرَ إذا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ، ويَضْعُفُ اليَقِينُ. قالَ: فَواللَّهِ ما بَرِحْنا ولا رُمْنا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيا ولا بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ألا وإنِّي لا أكْنِزُ دِينارًا ولا دِرْهَمًا، ولا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ» . وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ لِمُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ يُعْطِي نِساءَهُ قُوتَ العامِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ. وفِي إسْنادِهِ أبُو العَطُوفِ الجَوْزِيِّ وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ قالَ: باقِيَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدارِ الحَيَوانِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ» وهو مُرْسَلٌ.

العنكبوت 29:69

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ وجَمَعَهم في الإنْذارِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم، وزادَ فَسادُهم، وسَعَوْا في إيذاءِ المُسْلِمِينَ بِكُلِّ وجْهٍ فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أضافَهم إلَيْهِ بَعْدَ خِطابِهِ لَهم تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، والَّذِينَ آمَنُوا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ أوْ مُمَيِّزَةٌ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وفي مُكايَدَةٍ لِلْكُفّارِ، فاخْرُجُوا مِنها؛ لِتَتَيَسَّرَ لَكم عِبادَتِي وحْدِي، وتَتَسَهَّلَ عَلَيْكم. ١٠٣ قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي ولا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ. وقالَ (p-١١٢٥)مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: المَعْنى إنْ رَحْمَتِي واسِعَةٌ ورِزْقِيَ لَكم واسْعٌ فابْتَغُوهُ في الأرْضِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنْ أرْضِيَ الَّتِي هي أرْضُ الجَنَّةِ واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ حَتّى أُوَرِّثُكُمُوها. وانْتِصابُ إيّايَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: فاعْبُدُوا إيّايَ. ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِالمَوْتِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ أمْرَ الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيْكم تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ والخُلّانِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ في سَفَرٍ إلى دارِ القَرارِ وإنْ طالَ لُبْثُهُ في هَذِهِ الدّارِ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ في هَذا التَّرْغِيبُ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ جَزاءَ مِن هاجَرَ أنْ يَكُونَ في غُرَفِ الجَنَّةِ، ومَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُنْزِلَنَّهم غُرَفَ الجَنَّةِ، وهي عَلالِيها: فانْتِصابُ غُرَفًا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ نُبَوِّئَنَّهم مَعْنى نُنْزِلَنَّهم أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّضْمِينِ، لِأنَّ نُبَوِّئَنَّهم لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإمّا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ اتِّساعًا أيْ: في غَرَفِ الجَنَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَباءَةِ وهي الإنْزالُ. قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " يا عِبادِي " بِإسْكانِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إنَّ أرْضِي " بِفَتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الباقُونَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَنَثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْنى لَنَثْوِيَنَّهم بِالمُثَلَّثَةِ: لَنُعْطِيَنَّهم غُرَفًا يَثْوُونَ فِيها مِنَ الثَّوى وهو الإقامَةُ. قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلَتْهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ. قالَ الأخْفَشُ: لا تُعْجِبُنِي هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّكَ لا تَقُولُ أثْوَيْتُهُ الدّارَ، بَلْ تَقُولُ في الدّارِ، ولَيْسَ في الآيَةِ حَرْفُ جَرٍّ في المَفْعُولِ الثّانِي، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو عَلى إرادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ حَذَفَ كَما تَقُولُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أيْ: بِالخَيْرِ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ الغُرَفَ فَقالَ: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ خالِدِينَ فِيها أيْ: في الغُرَفِ لا يَمُوتُونَ أبَدًا، أوْ في الجَنَّةِ، والأوَّلُ أوْلى نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ، المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ أجْرُهم، والمَعْنى: العامِلِينَ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ. ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ العامِلِينَ فَقالَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ وعَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وهو النَّظَرُ في حالِ الدَّوابِّ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَأيِّنْ، وأنَّ أصْلَها أيْ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ وصارَ فِيها مَعْنى: كَمْ كَما صَرَّحَ بِهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وتَقْدِيرُها عِنْدَهُما كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ العَدَدِ مِن دابَّةٍ. وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن دابَّةٍ. ومَعْنى ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها ولا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما يَرْزُقُها اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَرْزُقُكم فَكَيْفَ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ قُوَّتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ عَلى أسْبابِ العَيْشِ كَتَوَكُّلِها عَلى اللَّهِ مَعَ ضَعْفِها وعَجْزِها. قالَ الحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِها، لا تَدَّخِرُ شَيْئًا. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ والبَهائِمَ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا وهو السَّمِيعُ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ العَلِيمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ. ثُمَّ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وعَجِبَ السّامِعُ مِن كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم ولا يُوَحِّدُونَهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَها، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن جُحُودِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَمْ تَكُونُوا فَقُرّاءَ دَفَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيِ: التَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والتَّقْتِيرُ لَهُ هو مِنَ اللَّهِ الباسِطِ القابِضِ يَبْسُطُهُ لِمَن يَشاءُ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وما يَلِيقُ بِحالِ عِبادِهِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، ولِهَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ وفَسادُهم. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: نَزَّلَهُ وأحْيا بِهِ الأرْضَ اللَّهُ، يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لا يَجِدُونَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلًا. ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا هَذا الِاعْتِرافَ في هَذِهِ الآياتِ، وهو يَقْتَضِي بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَدَمِ إفْرادِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالعِبادَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى إقْرارِهِمْ وعَدَمِ جُحُودِهِمْ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ في العِنادِ وتَشَدُّدِهِمْ في رَدِّ كُلِّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أحْمَدُ اللَّهَ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ مَعَكَ، وأظْهَرَ حِجْرَكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهم فَقالَ: بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ الأشْياءَ الَّتِي يَتَعَقَّلُها العُقَلاءُ. فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِمّا يَسْتَلْزِمُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ. ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى تَحْقِيرِ الدُّنْيا وأنَّها مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ: وأنَّ الدّارَ عَلى الحَقِيقَةِ هي دارُ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ مِن جِنْسِ ما يَلْهُو بِهِ الصِّبْيانُ ويَلْعَبُونَ بِهِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ الحَيَوانَ الحَياةُ. قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْنى الحَيَوانِ هاهُنا الحَياةُ، وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ فَيَكُونُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ (p-١١٢٦)لَهِي دارُ الحَيَوانِ، أوْ ذاتُ الحَيَوانِ أيْ: دارُ الحَياةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا تَزُولُ ولا يُنَغِّصُها مَوْتٌ ولا مَرَضٌ، ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدّارَ الفانِيَةَ المُنَغَّصَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ المانِعُ لَهم مِنَ الإيمانِ إلّا مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنَ الحَياةِ وخافُوا الغَرَقَ رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ، فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وتَرْكِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِدُعاءِ الأصْنامِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ هَذِهِ الشِّدَّةَ العَظِيمَةَ النّازِلَةَ بِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ودَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وإنَّما عُدِّيَ بِكَلِمَةِ " في " لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ. واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فاجَئُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ لِيَكْفُرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ولِيَتَمَتَّعُوا بِهِما فَهُما في الفِعْلَيْنِ لامُ كَيْ، وقِيلَ: هُما لاما الأمْرِ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: أيِ: اكْفُرُوا بِما أعْطَيْناكم مِنَ النِّعْمَةِ وتَمَتَّعُوا، ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " وتَمَتَّعُوا " وهَذا الِاحْتِمالُ لِلْأمْرَيْنِ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ووَرْشٍ بِكَسْرِ اللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِسُكُونِها فَلا خِلافَ أنَّها لامُ الأمْرِ، وفي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ وما فِيهِ مِنَ الوَبالِ عَلَيْهِمْ. ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ أنّا جَعَلْنا حَرَمَهم هَذا حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُ فِيهِ ساكِنُهُ مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ فَصارُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ مِمّا صارَ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم في كُلِّ حِينٍ تَطْرُقُهُمُ الغاراتُ، وتَجْتاحُ أمْوالَهُمُ الغُزاةُ، وتَسْفِكُ دِماءَهُمُ الجُنُودُ، وتَسْتَبِيحُ حُرَمَهم وأمْوالَهم شُطّارُ العَرَبِ وشَياطِنُها، وجُمْلَةُ ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَخْتَلِسُونَ مَن حَوْلَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الشِّرْكُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإقْرارِهِمْ بِما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْعَلُونَ كُفْرَها مَكانَ شُكْرِها، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهو مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبَ بِالتَّوْحِيدِ، والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ. ثُمَّ هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَكانٌ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: ألَيْسَ يَسْتَحِقُّونَ الِاسْتِقْرارَ فِيها وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ الجاحِدِينَ لِلتَّوْحِيدِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ أرْدَفَهُ بِحالِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ: جاهَدُوا في شَأْنِ اللَّهِ لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ ورَجاءِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا أيِ الطَّرِيقَ المُوصِّلَ إلَيْنا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللَّهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، وقِيلَ: الآيَةُ هَذِهِ نَزَلَتْ في العِبادِ. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ومَن كانَ مَعَهُ لَمْ يُخْذَلْ، ودَخَلَتْ لامُ التَّوْكِيدِ عَلى مَعَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِها اسْمًا، أوْ عَلى أنَّها حَرْفٌ ودَخَلَتْ عَلَيْها لِإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا لَفي الدّارِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ " قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قُلْتُ يا رَبِّ أيَمُوتُ الخَلائِقُ كُلُّهم ويَبْقى الأنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾» [العنكبوت: ٥٧] " . ويُنْظَرُ كَيْفَ صِحَّةُ هَذا، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ ماتُوا، وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ما سَألَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ أيَمُوتُ الخَلائِقُ ويَبْقى الأنْبِياءُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ " «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطانِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ التَّمْرَ ويَأْكُلُ، فَقالَ لِي: ما لَكَ لا تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ: لا أشْتَهِيهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَكِنِّي أشْتَهِيهِ وهَذِهِ صُبْحُ رابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أجِدْهُ، ولَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأعْطانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرى وقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يا ابْنَ عُمَرَ إذا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ، ويَضْعُفُ اليَقِينُ. قالَ: فَواللَّهِ ما بَرِحْنا ولا رُمْنا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيا ولا بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ألا وإنِّي لا أكْنِزُ دِينارًا ولا دِرْهَمًا، ولا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ» . وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ لِمُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ يُعْطِي نِساءَهُ قُوتَ العامِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ. وفِي إسْنادِهِ أبُو العَطُوفِ الجَوْزِيِّ وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ قالَ: باقِيَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدارِ الحَيَوانِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ» وهو مُرْسَلٌ.

الروم 30:1

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ وجَمَعَهم في الإنْذارِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم، وزادَ فَسادُهم، وسَعَوْا في إيذاءِ المُسْلِمِينَ بِكُلِّ وجْهٍ فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أضافَهم إلَيْهِ بَعْدَ خِطابِهِ لَهم تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، والَّذِينَ آمَنُوا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ أوْ مُمَيِّزَةٌ ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وفي مُكايَدَةٍ لِلْكُفّارِ، فاخْرُجُوا مِنها؛ لِتَتَيَسَّرَ لَكم عِبادَتِي وحْدِي، وتَتَسَهَّلَ عَلَيْكم. ١٠٣ قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيها بِالمَعاصِي ولا يُمْكِنُهُ تَغْيِيرُ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ. وقالَ (p-١١٢٥)مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: المَعْنى إنْ رَحْمَتِي واسِعَةٌ ورِزْقِيَ لَكم واسْعٌ فابْتَغُوهُ في الأرْضِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنْ أرْضِيَ الَّتِي هي أرْضُ الجَنَّةِ واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ حَتّى أُوَرِّثُكُمُوها. وانْتِصابُ إيّايَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: فاعْبُدُوا إيّايَ. ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِالمَوْتِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ أمْرَ الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيْكم تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ والخُلّانِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ في سَفَرٍ إلى دارِ القَرارِ وإنْ طالَ لُبْثُهُ في هَذِهِ الدّارِ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ في هَذا التَّرْغِيبُ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ جَزاءَ مِن هاجَرَ أنْ يَكُونَ في غُرَفِ الجَنَّةِ، ومَعْنى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُنْزِلَنَّهم غُرَفَ الجَنَّةِ، وهي عَلالِيها: فانْتِصابُ غُرَفًا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ نُبَوِّئَنَّهم مَعْنى نُنْزِلَنَّهم أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّضْمِينِ، لِأنَّ نُبَوِّئَنَّهم لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإمّا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ اتِّساعًا أيْ: في غَرَفِ الجَنَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَباءَةِ وهي الإنْزالُ. قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ " يا عِبادِي " بِإسْكانِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إنَّ أرْضِي " بِفَتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الباقُونَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَرْجِعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَنَثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، ومَعْنى لَنَثْوِيَنَّهم بِالمُثَلَّثَةِ: لَنُعْطِيَنَّهم غُرَفًا يَثْوُونَ فِيها مِنَ الثَّوى وهو الإقامَةُ. قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلَتْهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ. قالَ الأخْفَشُ: لا تُعْجِبُنِي هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّكَ لا تَقُولُ أثْوَيْتُهُ الدّارَ، بَلْ تَقُولُ في الدّارِ، ولَيْسَ في الآيَةِ حَرْفُ جَرٍّ في المَفْعُولِ الثّانِي، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو عَلى إرادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، ثُمَّ حَذَفَ كَما تَقُولُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أيْ: بِالخَيْرِ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ الغُرَفَ فَقالَ: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ خالِدِينَ فِيها أيْ: في الغُرَفِ لا يَمُوتُونَ أبَدًا، أوْ في الجَنَّةِ، والأوَّلُ أوْلى نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ، المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ أجْرُهم، والمَعْنى: العامِلِينَ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ. ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ العامِلِينَ فَقالَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ وعَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وهو النَّظَرُ في حالِ الدَّوابِّ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَأيِّنْ، وأنَّ أصْلَها أيْ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ وصارَ فِيها مَعْنى: كَمْ كَما صَرَّحَ بِهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وتَقْدِيرُها عِنْدَهُما كَشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنَ العَدَدِ مِن دابَّةٍ. وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن دابَّةٍ. ومَعْنى ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لِضَعْفِها ولا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما يَرْزُقُها اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَرْزُقُكم فَكَيْفَ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ قُوَّتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ عَلى أسْبابِ العَيْشِ كَتَوَكُّلِها عَلى اللَّهِ مَعَ ضَعْفِها وعَجْزِها. قالَ الحَسَنُ: تَأْكُلُ لِوَقْتِها، لا تَدَّخِرُ شَيْئًا. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي الطَّيْرَ والبَهائِمَ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا وهو السَّمِيعُ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ العَلِيمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ. ثُمَّ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وعَجِبَ السّامِعُ مِن كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهم ولا يُوَحِّدُونَهُ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: خَلَقَها، لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن جُحُودِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ أيْ: فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ. ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَمْ تَكُونُوا فَقُرّاءَ دَفَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيِ: التَّوْسِيعُ في الرِّزْقِ والتَّقْتِيرُ لَهُ هو مِنَ اللَّهِ الباسِطِ القابِضِ يَبْسُطُهُ لِمَن يَشاءُ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وما يَلِيقُ بِحالِ عِبادِهِ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ، ولِهَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ عِبادِهِ وفَسادُهم. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: نَزَّلَهُ وأحْيا بِهِ الأرْضَ اللَّهُ، يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ لا يَجِدُونَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلًا. ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا هَذا الِاعْتِرافَ في هَذِهِ الآياتِ، وهو يَقْتَضِي بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعَدَمِ إفْرادِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالعِبادَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى إقْرارِهِمْ وعَدَمِ جُحُودِهِمْ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ في العِنادِ وتَشَدُّدِهِمْ في رَدِّ كُلِّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أحْمَدُ اللَّهَ عَلى أنْ جَعَلَ الحَقَّ مَعَكَ، وأظْهَرَ حِجْرَكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهم فَقالَ: بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ الأشْياءَ الَّتِي يَتَعَقَّلُها العُقَلاءُ. فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِمّا يَسْتَلْزِمُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ. ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى تَحْقِيرِ الدُّنْيا وأنَّها مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ: وأنَّ الدّارَ عَلى الحَقِيقَةِ هي دارُ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ مِن جِنْسِ ما يَلْهُو بِهِ الصِّبْيانُ ويَلْعَبُونَ بِهِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ الحَيَوانَ الحَياةُ. قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْنى الحَيَوانِ هاهُنا الحَياةُ، وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ فَيَكُونُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ (p-١١٢٦)لَهِي دارُ الحَيَوانِ، أوْ ذاتُ الحَيَوانِ أيْ: دارُ الحَياةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا تَزُولُ ولا يُنَغِّصُها مَوْتٌ ولا مَرَضٌ، ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدّارَ الفانِيَةَ المُنَغَّصَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ المانِعُ لَهم مِنَ الإيمانِ إلّا مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنَ الحَياةِ وخافُوا الغَرَقَ رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ، فَدَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ كائِنِينَ عَلى صُورَةِ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وتَرْكِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِدُعاءِ الأصْنامِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ هَذِهِ الشِّدَّةَ العَظِيمَةَ النّازِلَةَ بِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا المُعاوَدَةَ إلى الشِّرْكِ، ودَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . والرُّكُوبُ هو الِاسْتِعْلاءُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وإنَّما عُدِّيَ بِكَلِمَةِ " في " لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرْكُوبَ في نَفْسِهِ مِن قَبِيلِ الأمْكِنَةِ. واللّامُ في ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ولِيَتَمَتَّعُوا لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فاجَئُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ لِيَكْفُرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ولِيَتَمَتَّعُوا بِهِما فَهُما في الفِعْلَيْنِ لامُ كَيْ، وقِيلَ: هُما لاما الأمْرِ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا: أيِ: اكْفُرُوا بِما أعْطَيْناكم مِنَ النِّعْمَةِ وتَمَتَّعُوا، ويَدُلُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " وتَمَتَّعُوا " وهَذا الِاحْتِمالُ لِلْأمْرَيْنِ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ووَرْشٍ بِكَسْرِ اللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِسُكُونِها فَلا خِلافَ أنَّها لامُ الأمْرِ، وفي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ وما فِيهِ مِنَ الوَبالِ عَلَيْهِمْ. ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ أنّا جَعَلْنا حَرَمَهم هَذا حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُ فِيهِ ساكِنُهُ مِنَ الغارَةِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ فَصارُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ مِمّا صارَ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم في كُلِّ حِينٍ تَطْرُقُهُمُ الغاراتُ، وتَجْتاحُ أمْوالَهُمُ الغُزاةُ، وتَسْفِكُ دِماءَهُمُ الجُنُودُ، وتَسْتَبِيحُ حُرَمَهم وأمْوالَهم شُطّارُ العَرَبِ وشَياطِنُها، وجُمْلَةُ ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَخْتَلِسُونَ مَن حَوْلَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والنَّهْبِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو الشِّرْكُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإقْرارِهِمْ بِما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْعَلُونَ كُفْرَها مَكانَ شُكْرِها، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهو مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: كَذَّبَ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: كَذَّبَ بِالتَّوْحِيدِ، والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ. ثُمَّ هَدَّدَ المُكَذِّبِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَكانٌ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: ألَيْسَ يَسْتَحِقُّونَ الِاسْتِقْرارَ فِيها وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ الجاحِدِينَ لِلتَّوْحِيدِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ أرْدَفَهُ بِحالِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ أيْ: جاهَدُوا في شَأْنِ اللَّهِ لِطَلَبِ مَرْضاتِهِ ورَجاءِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا أيِ الطَّرِيقَ المُوصِّلَ إلَيْنا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللَّهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، وقِيلَ: الآيَةُ هَذِهِ نَزَلَتْ في العِبادِ. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ومَن كانَ مَعَهُ لَمْ يُخْذَلْ، ودَخَلَتْ لامُ التَّوْكِيدِ عَلى مَعَ بِتَأْوِيلِ كَوْنِها اسْمًا، أوْ عَلى أنَّها حَرْفٌ ودَخَلَتْ عَلَيْها لِإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا لَفي الدّارِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ " قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قُلْتُ يا رَبِّ أيَمُوتُ الخَلائِقُ كُلُّهم ويَبْقى الأنْبِياءُ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾» [العنكبوت: ٥٧] " . ويُنْظَرُ كَيْفَ صِحَّةُ هَذا، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ يَعْلَمُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ ماتُوا، وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ما سَألَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ أيَمُوتُ الخَلائِقُ ويَبْقى الأنْبِياءُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَصِحُّ مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ " «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطانِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ التَّمْرَ ويَأْكُلُ، فَقالَ لِي: ما لَكَ لا تَأْكُلُ ؟ قُلْتُ: لا أشْتَهِيهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَكِنِّي أشْتَهِيهِ وهَذِهِ صُبْحُ رابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أذُقْ طَعامًا ولَمْ أجِدْهُ، ولَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأعْطانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرى وقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ يا ابْنَ عُمَرَ إذا بَقِيتَ في قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ، ويَضْعُفُ اليَقِينُ. قالَ: فَواللَّهِ ما بَرِحْنا ولا رُمْنا حَتّى نَزَلَتْ ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيا ولا بِاتِّباعِ الشَّهَواتِ، ألا وإنِّي لا أكْنِزُ دِينارًا ولا دِرْهَمًا، ولا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ» . وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ لِمُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ يُعْطِي نِساءَهُ قُوتَ العامِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَبَرَةِ. وفِي إسْنادِهِ أبُو العَطُوفِ الجَوْزِيِّ وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ قالَ: باقِيَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدارِ الحَيَوانِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ» وهو مُرْسَلٌ.

الروم 30:2

(p-١١٢٧)وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيرِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الرُّومِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأ فِيها سُورَةَ الرُّومِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ الأغَرِّ المَدَنِيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الرُّومِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وأحْمَدُ وابْنُ قانِعٌ مِن طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ مِثْلَ حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي مِنَ الصَّحابَةِ، وزادَ: يَتَرَدَّدُ فِيها، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: «إنَّما يُلْبِسُ عَلَيْنا في صَلاتِنا قَوْمٌ يَحْضُرُونَ الصَّلاةَ بِغَيْرِ طَهُورٍ، مَن شَهِدَ الصَّلاةَ فَلْيُحْسِنِ الطَّهُورَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ السُّورَةِ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ ومَحَلِّ أمْثالِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ بِفَتْحِ الغَيْنِ واللّامِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أكْثَرِ النّاسِ " غُلِبَتْ " بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ. قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ فَفَرِحَ بِذَلِكَ كُفّارُ مَكَّةَ وقالُوا: الَّذِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ غَلَبُوا الَّذِينَ لَهم كِتابٌ، وافْتَخَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ أيْضًا نَغْلِبُكم كَما غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ. ومَعْنى ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ في أقْرَبِ أرْضِهِمْ مِن أرْضِ العَرَبِ، أوْ في أقْرَبِ أرْضِ العَرَبِ مِنهم، قِيلَ: هي أرْضُ الجَزِيرَةِ، وقِيلَ: أذْرِعاتٌ، وقِيلَ: كَسْكَرُ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ، وقِيلَ: فِلَسْطِينُ، وهَذِهِ المَواضِعُ هي أقْرَبُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِن غَيْرِها وإنَّما حُمِلَتِ الأرْضُ عَلى أرْضِ العَرَبِ لِأنَّها المَعْهُودُ في ألْسِنَتِهِمْ إذا أطْلَقُوا الأرْضَ أرادُوا بِها جَزِيرَةَ العَرَبِ وقِيلَ: إنَّ الألِفَ واللّامَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: في أدْنى أرْضِهِمْ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ إلى الرُّومِ، ويَكُونُ المَعْنى: في أقْرَبِ أرْضِ الرُّومِ مِنَ العَرَبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِأذْرُعاتٍ فَهي مِن أدْنى الأرْضِ بِالقِياسِ إلى مَكَّةَ، وإنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِالجَزِيرَةِ فَهي أدْنى بِالقِياسِ إلى أرْضِ كِسْرى، وإنْ كانَتْ بِالأُرْدُنِّ فَهي أدْنى إلى أرْضِ الرُّومِ ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ أيْ: والرُّومُ مِن بَعْدِ غَلَبِ فارِسَ إيّاهم سَيَغْلِبُونَ أهْلَ فارِسَ، والغَلَبُ والغَلَبَةُ لُغَتانِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " سَيَغْلِبُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو سَعِيدٍ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ مِن " بَعْدِ غَلْبِهِمْ " بِسُكُونِ اللّامِ. ﴿في بِضْعِ سِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البِضْعِ واشْتِقاقِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ: هو المُنْفَرِدُ بِالقُدْرَةِ وإنْقاذِ الأحْكامِ وقْتَ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ ووَقْتَ غالِبِيَّتِهِمْ، فَكُلُّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقَضائِهِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ " بِضَمِّهِما لِكَوْنِهِما مَقْطُوعَيْنِ عَنِ الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ الغَلَبِ ومِن بَعْدِهِ، أوْ مِن قَبْلِ كُلِّ أمْرٍ ومِن بَعْدِهِ. وحَكى الكِسائِيُّ " مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدُ " بِكَسْرِ الأوَّلِ مُنَوَّنًا وضَمِّ الثّانِي بِلا تَنْوِينٍ. وحَكى الفَرّاءُ " مِن قَبْلِ ومِن بَعْدِ " بِكَسْرِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وغَلَّطَهُ النَّحّاسُ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: قَدْ قُرِئَ بِكَسْرِهِما مُنَوَّنَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: مِن مُتَقَدَّمٍ ومِن مُتَأخَّرٍ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَوْمَ أنْ تَغْلِبَ الرُّومُ عَلى فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ لِلرُّومِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ كَما أنَّ المُسْلِمِينَ أهْلُ كِتابٍ، بِخِلافِ فارِسَ فَإنَّهُ لا كِتابَ لَهم، ولِهَذا سُرَّ المُشْرِكُونَ بِنَصْرِهِمْ عَلى الرُّومِ، وقِيلَ: نَصْرُ اللَّهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ مِن غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ إنْباءٌ بِما سَيَكُونُ، وهَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ - . يَنْصُرُ مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَهُ وهو العَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ الرَّحِيمُ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا: الدُّنْيَوِيَّةُ، وهي شامِلَةٌ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ. ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا لا يُخْلِفُهُ، وهو ظُهُورُ الرُّومِ عَلى فارِسَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، وهُمُ الكُفّارُ، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ. ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ ظاهِرَ ما يُشاهِدُونَهُ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا ومَلاذِّها وأمْرِ مَعاشِهِمْ، (p-١١٢٨)وأسْبابِ تَحْصِيلِ فَوائِدِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقِيلَ: هو ما تُلْقِيهِ الشَّياطِينُ إلَيْهِمْ مِن أُمُورِ الدُّنْيا عِنْدَ اسْتِراقِهُمُ السَّمْعَ، وقِيلَ: الظّاهِرُ الباطِلُ وهم عَنِ الآخِرَةِ الَّتِي هي النِّعْمَةُ الدّائِمَةُ، واللَّذَّةُ الخالِصَةُ هم غافِلُونَ لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها ولا يُعِدُّونَ لَها ما يُحْتاجُ إلَيْهِ، أوْ غافِلُونَ عَنِ الإيمانِ بِها والتَّصْدِيقِ بِمَجِيئِها. ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، وفي أنْفُسِهِمْ ظَرْفٌ لِلتَّفَكُّرِ ولَيْسَ مَفْعُولًا لِلتَّفَكُّرِ والمَعْنى: أنَّ أسْبابَ التَّفَكُّرِ حاصِلَةٌ لَهم، وهي أنْفُسُهم لَوْ تَفَكَّرُوا فِيها كَما يَنْبَغِي لَعَلِمُوا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وصِدْقَ أنْبِيائِهِ. وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ لِلتَّفَكُّرِ. والمَعْنى: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما في ما خَلَقَ اللَّهُ نافِيَةٌ أيْ: لَمْ يَخْلُقْها إلّا بِالحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يَحِقُّ ثُبُوتُهُ، أوْ هي اسْمٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ: بِما خَلَقَ اللَّهُ والعامِلُ فِيها إمّا العِلْمُ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ التَّفَكُّرُ وقالَ الزَّجّاجُ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَيَعْلَمُوا، فَجَعَلَ ما مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ لا لِلْعِلْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ، والباءُ في إلّا بِالحَقِّ إمّا لِلسَّبَبِيَّةِ، أوْ هي ومَجْرُورُها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ إلّا لِلْحَقِّ أيْ: لِلثَّوابِ والعِقابِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ بِالعَدْلِ، وقِيلَ: بِالحِكْمَةِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ أيْ: أنَّهُ هو الحَقُّ ولِلْحَقِّ خَلَقَها، " وأجَلٍ مُسَمًّى " مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ: وبِأجَلٍ مُسَمّى لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما تَنْتَهِي إلَيْهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الفَناءِ، وأنَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ أجَلًا لا يُجاوِزُهُ. وقِيلَ: مَعْنى وأجَلٍ مُسَمًّى أنَّهُ خَلَقَ ما خَلَقَ في وقْتٍ سَمّاهُ لِخَلْقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ أيْ: لَكافِرُونَ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، واللّامُ هي المُؤَكِّدَةُ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الكُفّارُ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ. أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في الآثارِ وتَأمُّلِهِمْ لِمَواقِعِ الِاعْتِبارِ، والفاءُ في فَيَنْظُرُوا لِلْعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا داخِلٌ تَحْتَ ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: أنَّهم قَدْ سارُوا وشاهَدُوا ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وجُحُودِهِمْ لِلْحَقِّ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ، وجُمْلَةُ ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْكَيْفِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وأنَّهم أقْدَرُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ ومَن تابَعَهم عَلى الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ومَعْنى ﴿وأثارُوا الأرْضَ﴾ حَرَثُوها وقَلَّبُوها لِلزِّراعَةِ وزاوَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ أهْلُ مَكَّةَ أهْلَ حَرْثٍ ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: عَمَرُوها عِمارَةً أكْثَرَ مِمّا عَمَرَها هَؤُلاءِ، لِأنَّ أُولَئِكَ كانُوا أطْوَلَ مِنهم أعْمارًا، وأقْوى أجْسامًا، وأكْثَرَ تَحْصِيلًا لِأسْبابِ المَعاشِ. فَعَمَرُوا الأرْضَ بِالأبْنِيَةِ والزِّراعَةِ والغَرْسِ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ بِالبَيِّناتِ أيِ: المُعْجِزاتِ، وقِيلَ: بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم بِتَعْذِيبِهِمْ عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا﴾ أيْ: عَمِلُوا السَّيِّئاتِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي السُّوءى هي فُعْلى مِنَ السُّوءِ تَأْنِيثُ الأسْوَأِ، وهو الأقْبَحُ أيْ: كانَ عاقِبَتَهُمُ العُقُوبَةُ الَّتِي هي أسْوَأُ العُقُوباتِ، وقِيلَ: هي اسْمٌ لِجَهَنَّمَ كَما أنَّ الحُسْنى اسْمٌ لِلْجَنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالبُشْرى والذِّكْرى. وُصِفَتْ بِهِ العُقُوبَةُ مُبالَغَةً. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " عاقِبَةُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ، وتَذْكِيرُ الفِعْلِ لِكَوْنِ تَأْنِيثِها مَجازِيًّا، والخَبَرُ السُّوءى أيِ: الفِعْلَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ العُقُوبَةُ السُّوءى أوِ الخَبَرُ أنْ كَذَّبُوا أيْ: كانَ آخِرَ أمْرِهِمُ التَّكْذِيبُ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا، والسُّوءى مَصْدَرُ أساءُوا أوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: أنْ كَذَّبُوا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى رُسُلِهِ، أوْ بِأنْ كَذَّبُوا، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ السُّوءى جَهَنَّمُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وابْنُ قُتَيْبَةَ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ سُوءى لِكَوْنِها تَسُوءُ صاحِبَها. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أشْرَكُوا النّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ آياتِ اللَّهِ واسْتِهْزائِهِمْ، وجُمْلَةُ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ عَطْفٌ عَلى كَذَّبُوا داخِلَةٌ مَعَهُ في حُكْمِ العِلِيَّةِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، أوْ في حُكْمِ الِاسْمِيَّةِ لِكانَ، أوِ الخَبَرِيَّةِ لَها عَلى القَوْلِ الآخَرِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ فارِسُ عَلى الرُّومِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ أوْثانٍ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أصْحابُ كِتابٍ، فَذَكَرُوهُ لِأبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أما إنَّهم سَيَغْلِبُونَ فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لَهم، فَقالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا فَإنْ ظَهْرَنا كانَ لَنا كَذا وكَذا، وإنْ ظَهَرْتُمْ كانَ لَكم كَذا وكَذا، فَجَعَلَ بَيْنَهم أجَلًا خَمْسَ سِنِينَ فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا جَعَلْتَهُ أُراهُ قالَ: دُونَ العَشْرِ، فَظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فَغُلِبَتْ، ثُمَّ غُلِبَتْ بَعْدُ بِقَوْلِ اللَّهِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾» " . قالَ سُفْيانُ: سَمِعْتُ أنَّهم ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ نَحْوَهُ، وزادَ أنَّهُ «لَمّا مَضى الأجَلُ ولَمْ تَغْلِبِ الرُّومُ فارِسًا، ساءَ النَّبِيُّ ما جَعَلَهُ أبُو بَكْرٍ مِنَ المُدَّةِ وكَرِهَهُ وقالَ: ما دَعاكَ إلى هَذا ؟ قالَ: تَصْدِيقًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ فَقالَ: تَعَرَّضْ لَهم وأعْظِمِ الخُطَّةَ واجْعَلْهُ إلى بِضْعِ سِنِينَ، فَأتاهم أبُو بَكْرٍ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ في العَوْدِ فَإنَّ العَوْدَ أحْمَدُ ؟ قالُوا نَعَمْ، فَلَمْ تَمْضِ تِلْكَ السُّنُونَ حَتّى غَلَبَتِ الرُّومُ فارِسًا ورَبَطُوا (p-١١٢٩)خُيُولَهم بِالمَدائِنِ وبَنَوْا رُومِيَّةَ، فَقَمَرَ أبُو بَكْرٍ فَجاءَ بِهِ أبُو بَكْرٍ يَحْمِلُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: هَذا السُّحْتُ، تَصَدَّقْ بِهِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ نِيارِ بْنِ مُكْرَمٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآيَةَ كانَتْ فارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قاهِرِينَ الرُّومَ وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم وإيّاهم أهْلُ الكِتابِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وكانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فارِسَ لِأنَّهم وإيّاهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ ولا إيمانٍ بِبَعْثٍ، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ يَصِيحُ في نَواحِي مَكَّةَ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِن قُرَيْشٍ لِأبِي بَكْرٍ: ذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَكم يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ، أفَلا نُراهِنُكَ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ بَلى، وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهانِ، فارْتَهَنَ أبُو بَكْرٍ والمُشْرِكُونَ وتَواضَعُوا الرِّهانَ، وقالُوا لِأبِي بَكْرٍ: لَمْ تَجْعَلِ البِضْعَ ثَلاثَ سِنِينَ إلى تِسْعِ سِنِينَ فَسَمِّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ وسَطًا تَنْتَهِي إلَيْهِ، قالَ: فَسَمَّوْا بَيْنَهم سِتَّ سِنِينَ، فَمَضَتِ السِّتُّ قَبْلَ أنْ يَظْهَرُوا، فَأخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أبِي بَكْرٍ، فَلَمّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ، فَعابَ المُسْلِمُونَ عَلى أبِي بَكْرٍ تَسْمِيَتَهُ سِتَّ سِنِينَ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَأسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ ناسٌ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِأبِي بَكْرٍ: «ألا احْتَطَّتَ يا أبا بَكْرٍ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى تِسْعٍ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ في تارِيخِهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَأعْجَبَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قَرَأها بِالنَّصْبِ: يَعْنِي لِلْغَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ . قالَ: فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورٍ الرُّومِ عَلى فارِسَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقِراءَةِ أبِي سَعِيدٍ ومَن مَعَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَيَجِيءُ أقْوامٌ يَقْرَءُونَ " الم غَلَبَتِ الرُّومُ " يَعْنِي بِفَتْحِ الغَيْنِ، وإنَّما هي غُلِبَتْ: يَعْنِي بِضَمِّها، وفي البابِ رِواياتٌ وما ذَكَرْناهُ يُغْنِي عَمّا سِواهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي مَعايِشَهم مَتى يَغْرِسُونَ، ومَتى يَزْرَعُونَ، ومَتى يَحْصُدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم بَيْنَ مَنكِبَيْهِ مَيْلٌ.

الروم 30:3

(p-١١٢٧)وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيرِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الرُّومِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأ فِيها سُورَةَ الرُّومِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ الأغَرِّ المَدَنِيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الرُّومِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وأحْمَدُ وابْنُ قانِعٌ مِن طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ مِثْلَ حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي مِنَ الصَّحابَةِ، وزادَ: يَتَرَدَّدُ فِيها، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: «إنَّما يُلْبِسُ عَلَيْنا في صَلاتِنا قَوْمٌ يَحْضُرُونَ الصَّلاةَ بِغَيْرِ طَهُورٍ، مَن شَهِدَ الصَّلاةَ فَلْيُحْسِنِ الطَّهُورَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ السُّورَةِ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ ومَحَلِّ أمْثالِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ بِفَتْحِ الغَيْنِ واللّامِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أكْثَرِ النّاسِ " غُلِبَتْ " بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ. قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ فَفَرِحَ بِذَلِكَ كُفّارُ مَكَّةَ وقالُوا: الَّذِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ غَلَبُوا الَّذِينَ لَهم كِتابٌ، وافْتَخَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ أيْضًا نَغْلِبُكم كَما غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ. ومَعْنى ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ في أقْرَبِ أرْضِهِمْ مِن أرْضِ العَرَبِ، أوْ في أقْرَبِ أرْضِ العَرَبِ مِنهم، قِيلَ: هي أرْضُ الجَزِيرَةِ، وقِيلَ: أذْرِعاتٌ، وقِيلَ: كَسْكَرُ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ، وقِيلَ: فِلَسْطِينُ، وهَذِهِ المَواضِعُ هي أقْرَبُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِن غَيْرِها وإنَّما حُمِلَتِ الأرْضُ عَلى أرْضِ العَرَبِ لِأنَّها المَعْهُودُ في ألْسِنَتِهِمْ إذا أطْلَقُوا الأرْضَ أرادُوا بِها جَزِيرَةَ العَرَبِ وقِيلَ: إنَّ الألِفَ واللّامَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: في أدْنى أرْضِهِمْ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ إلى الرُّومِ، ويَكُونُ المَعْنى: في أقْرَبِ أرْضِ الرُّومِ مِنَ العَرَبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِأذْرُعاتٍ فَهي مِن أدْنى الأرْضِ بِالقِياسِ إلى مَكَّةَ، وإنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِالجَزِيرَةِ فَهي أدْنى بِالقِياسِ إلى أرْضِ كِسْرى، وإنْ كانَتْ بِالأُرْدُنِّ فَهي أدْنى إلى أرْضِ الرُّومِ ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ أيْ: والرُّومُ مِن بَعْدِ غَلَبِ فارِسَ إيّاهم سَيَغْلِبُونَ أهْلَ فارِسَ، والغَلَبُ والغَلَبَةُ لُغَتانِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " سَيَغْلِبُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو سَعِيدٍ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ مِن " بَعْدِ غَلْبِهِمْ " بِسُكُونِ اللّامِ. ﴿في بِضْعِ سِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البِضْعِ واشْتِقاقِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ: هو المُنْفَرِدُ بِالقُدْرَةِ وإنْقاذِ الأحْكامِ وقْتَ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ ووَقْتَ غالِبِيَّتِهِمْ، فَكُلُّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقَضائِهِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ " بِضَمِّهِما لِكَوْنِهِما مَقْطُوعَيْنِ عَنِ الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ الغَلَبِ ومِن بَعْدِهِ، أوْ مِن قَبْلِ كُلِّ أمْرٍ ومِن بَعْدِهِ. وحَكى الكِسائِيُّ " مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدُ " بِكَسْرِ الأوَّلِ مُنَوَّنًا وضَمِّ الثّانِي بِلا تَنْوِينٍ. وحَكى الفَرّاءُ " مِن قَبْلِ ومِن بَعْدِ " بِكَسْرِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وغَلَّطَهُ النَّحّاسُ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: قَدْ قُرِئَ بِكَسْرِهِما مُنَوَّنَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: مِن مُتَقَدَّمٍ ومِن مُتَأخَّرٍ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَوْمَ أنْ تَغْلِبَ الرُّومُ عَلى فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ لِلرُّومِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ كَما أنَّ المُسْلِمِينَ أهْلُ كِتابٍ، بِخِلافِ فارِسَ فَإنَّهُ لا كِتابَ لَهم، ولِهَذا سُرَّ المُشْرِكُونَ بِنَصْرِهِمْ عَلى الرُّومِ، وقِيلَ: نَصْرُ اللَّهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ مِن غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ إنْباءٌ بِما سَيَكُونُ، وهَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ - . يَنْصُرُ مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَهُ وهو العَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ الرَّحِيمُ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا: الدُّنْيَوِيَّةُ، وهي شامِلَةٌ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ. ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا لا يُخْلِفُهُ، وهو ظُهُورُ الرُّومِ عَلى فارِسَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، وهُمُ الكُفّارُ، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ. ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ ظاهِرَ ما يُشاهِدُونَهُ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا ومَلاذِّها وأمْرِ مَعاشِهِمْ، (p-١١٢٨)وأسْبابِ تَحْصِيلِ فَوائِدِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقِيلَ: هو ما تُلْقِيهِ الشَّياطِينُ إلَيْهِمْ مِن أُمُورِ الدُّنْيا عِنْدَ اسْتِراقِهُمُ السَّمْعَ، وقِيلَ: الظّاهِرُ الباطِلُ وهم عَنِ الآخِرَةِ الَّتِي هي النِّعْمَةُ الدّائِمَةُ، واللَّذَّةُ الخالِصَةُ هم غافِلُونَ لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها ولا يُعِدُّونَ لَها ما يُحْتاجُ إلَيْهِ، أوْ غافِلُونَ عَنِ الإيمانِ بِها والتَّصْدِيقِ بِمَجِيئِها. ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، وفي أنْفُسِهِمْ ظَرْفٌ لِلتَّفَكُّرِ ولَيْسَ مَفْعُولًا لِلتَّفَكُّرِ والمَعْنى: أنَّ أسْبابَ التَّفَكُّرِ حاصِلَةٌ لَهم، وهي أنْفُسُهم لَوْ تَفَكَّرُوا فِيها كَما يَنْبَغِي لَعَلِمُوا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وصِدْقَ أنْبِيائِهِ. وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ لِلتَّفَكُّرِ. والمَعْنى: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما في ما خَلَقَ اللَّهُ نافِيَةٌ أيْ: لَمْ يَخْلُقْها إلّا بِالحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يَحِقُّ ثُبُوتُهُ، أوْ هي اسْمٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ: بِما خَلَقَ اللَّهُ والعامِلُ فِيها إمّا العِلْمُ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ التَّفَكُّرُ وقالَ الزَّجّاجُ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَيَعْلَمُوا، فَجَعَلَ ما مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ لا لِلْعِلْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ، والباءُ في إلّا بِالحَقِّ إمّا لِلسَّبَبِيَّةِ، أوْ هي ومَجْرُورُها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ إلّا لِلْحَقِّ أيْ: لِلثَّوابِ والعِقابِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ بِالعَدْلِ، وقِيلَ: بِالحِكْمَةِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ أيْ: أنَّهُ هو الحَقُّ ولِلْحَقِّ خَلَقَها، " وأجَلٍ مُسَمًّى " مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ: وبِأجَلٍ مُسَمّى لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما تَنْتَهِي إلَيْهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الفَناءِ، وأنَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ أجَلًا لا يُجاوِزُهُ. وقِيلَ: مَعْنى وأجَلٍ مُسَمًّى أنَّهُ خَلَقَ ما خَلَقَ في وقْتٍ سَمّاهُ لِخَلْقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ أيْ: لَكافِرُونَ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، واللّامُ هي المُؤَكِّدَةُ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الكُفّارُ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ. أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في الآثارِ وتَأمُّلِهِمْ لِمَواقِعِ الِاعْتِبارِ، والفاءُ في فَيَنْظُرُوا لِلْعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا داخِلٌ تَحْتَ ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: أنَّهم قَدْ سارُوا وشاهَدُوا ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وجُحُودِهِمْ لِلْحَقِّ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ، وجُمْلَةُ ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْكَيْفِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وأنَّهم أقْدَرُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ ومَن تابَعَهم عَلى الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ومَعْنى ﴿وأثارُوا الأرْضَ﴾ حَرَثُوها وقَلَّبُوها لِلزِّراعَةِ وزاوَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ أهْلُ مَكَّةَ أهْلَ حَرْثٍ ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: عَمَرُوها عِمارَةً أكْثَرَ مِمّا عَمَرَها هَؤُلاءِ، لِأنَّ أُولَئِكَ كانُوا أطْوَلَ مِنهم أعْمارًا، وأقْوى أجْسامًا، وأكْثَرَ تَحْصِيلًا لِأسْبابِ المَعاشِ. فَعَمَرُوا الأرْضَ بِالأبْنِيَةِ والزِّراعَةِ والغَرْسِ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ بِالبَيِّناتِ أيِ: المُعْجِزاتِ، وقِيلَ: بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم بِتَعْذِيبِهِمْ عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا﴾ أيْ: عَمِلُوا السَّيِّئاتِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي السُّوءى هي فُعْلى مِنَ السُّوءِ تَأْنِيثُ الأسْوَأِ، وهو الأقْبَحُ أيْ: كانَ عاقِبَتَهُمُ العُقُوبَةُ الَّتِي هي أسْوَأُ العُقُوباتِ، وقِيلَ: هي اسْمٌ لِجَهَنَّمَ كَما أنَّ الحُسْنى اسْمٌ لِلْجَنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالبُشْرى والذِّكْرى. وُصِفَتْ بِهِ العُقُوبَةُ مُبالَغَةً. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " عاقِبَةُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ، وتَذْكِيرُ الفِعْلِ لِكَوْنِ تَأْنِيثِها مَجازِيًّا، والخَبَرُ السُّوءى أيِ: الفِعْلَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ العُقُوبَةُ السُّوءى أوِ الخَبَرُ أنْ كَذَّبُوا أيْ: كانَ آخِرَ أمْرِهِمُ التَّكْذِيبُ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا، والسُّوءى مَصْدَرُ أساءُوا أوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: أنْ كَذَّبُوا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى رُسُلِهِ، أوْ بِأنْ كَذَّبُوا، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ السُّوءى جَهَنَّمُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وابْنُ قُتَيْبَةَ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ سُوءى لِكَوْنِها تَسُوءُ صاحِبَها. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أشْرَكُوا النّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ آياتِ اللَّهِ واسْتِهْزائِهِمْ، وجُمْلَةُ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ عَطْفٌ عَلى كَذَّبُوا داخِلَةٌ مَعَهُ في حُكْمِ العِلِيَّةِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، أوْ في حُكْمِ الِاسْمِيَّةِ لِكانَ، أوِ الخَبَرِيَّةِ لَها عَلى القَوْلِ الآخَرِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ فارِسُ عَلى الرُّومِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ أوْثانٍ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أصْحابُ كِتابٍ، فَذَكَرُوهُ لِأبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أما إنَّهم سَيَغْلِبُونَ فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لَهم، فَقالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا فَإنْ ظَهْرَنا كانَ لَنا كَذا وكَذا، وإنْ ظَهَرْتُمْ كانَ لَكم كَذا وكَذا، فَجَعَلَ بَيْنَهم أجَلًا خَمْسَ سِنِينَ فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا جَعَلْتَهُ أُراهُ قالَ: دُونَ العَشْرِ، فَظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فَغُلِبَتْ، ثُمَّ غُلِبَتْ بَعْدُ بِقَوْلِ اللَّهِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾» " . قالَ سُفْيانُ: سَمِعْتُ أنَّهم ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ نَحْوَهُ، وزادَ أنَّهُ «لَمّا مَضى الأجَلُ ولَمْ تَغْلِبِ الرُّومُ فارِسًا، ساءَ النَّبِيُّ ما جَعَلَهُ أبُو بَكْرٍ مِنَ المُدَّةِ وكَرِهَهُ وقالَ: ما دَعاكَ إلى هَذا ؟ قالَ: تَصْدِيقًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ فَقالَ: تَعَرَّضْ لَهم وأعْظِمِ الخُطَّةَ واجْعَلْهُ إلى بِضْعِ سِنِينَ، فَأتاهم أبُو بَكْرٍ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ في العَوْدِ فَإنَّ العَوْدَ أحْمَدُ ؟ قالُوا نَعَمْ، فَلَمْ تَمْضِ تِلْكَ السُّنُونَ حَتّى غَلَبَتِ الرُّومُ فارِسًا ورَبَطُوا (p-١١٢٩)خُيُولَهم بِالمَدائِنِ وبَنَوْا رُومِيَّةَ، فَقَمَرَ أبُو بَكْرٍ فَجاءَ بِهِ أبُو بَكْرٍ يَحْمِلُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: هَذا السُّحْتُ، تَصَدَّقْ بِهِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ نِيارِ بْنِ مُكْرَمٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآيَةَ كانَتْ فارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قاهِرِينَ الرُّومَ وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم وإيّاهم أهْلُ الكِتابِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وكانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فارِسَ لِأنَّهم وإيّاهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ ولا إيمانٍ بِبَعْثٍ، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ يَصِيحُ في نَواحِي مَكَّةَ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِن قُرَيْشٍ لِأبِي بَكْرٍ: ذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَكم يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ، أفَلا نُراهِنُكَ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ بَلى، وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهانِ، فارْتَهَنَ أبُو بَكْرٍ والمُشْرِكُونَ وتَواضَعُوا الرِّهانَ، وقالُوا لِأبِي بَكْرٍ: لَمْ تَجْعَلِ البِضْعَ ثَلاثَ سِنِينَ إلى تِسْعِ سِنِينَ فَسَمِّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ وسَطًا تَنْتَهِي إلَيْهِ، قالَ: فَسَمَّوْا بَيْنَهم سِتَّ سِنِينَ، فَمَضَتِ السِّتُّ قَبْلَ أنْ يَظْهَرُوا، فَأخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أبِي بَكْرٍ، فَلَمّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ، فَعابَ المُسْلِمُونَ عَلى أبِي بَكْرٍ تَسْمِيَتَهُ سِتَّ سِنِينَ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَأسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ ناسٌ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِأبِي بَكْرٍ: «ألا احْتَطَّتَ يا أبا بَكْرٍ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى تِسْعٍ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ في تارِيخِهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَأعْجَبَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قَرَأها بِالنَّصْبِ: يَعْنِي لِلْغَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ . قالَ: فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورٍ الرُّومِ عَلى فارِسَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقِراءَةِ أبِي سَعِيدٍ ومَن مَعَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَيَجِيءُ أقْوامٌ يَقْرَءُونَ " الم غَلَبَتِ الرُّومُ " يَعْنِي بِفَتْحِ الغَيْنِ، وإنَّما هي غُلِبَتْ: يَعْنِي بِضَمِّها، وفي البابِ رِواياتٌ وما ذَكَرْناهُ يُغْنِي عَمّا سِواهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي مَعايِشَهم مَتى يَغْرِسُونَ، ومَتى يَزْرَعُونَ، ومَتى يَحْصُدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم بَيْنَ مَنكِبَيْهِ مَيْلٌ.

الروم 30:4

(p-١١٢٧)وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيرِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الرُّومِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأ فِيها سُورَةَ الرُّومِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ الأغَرِّ المَدَنِيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الرُّومِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وأحْمَدُ وابْنُ قانِعٌ مِن طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ مِثْلَ حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي مِنَ الصَّحابَةِ، وزادَ: يَتَرَدَّدُ فِيها، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: «إنَّما يُلْبِسُ عَلَيْنا في صَلاتِنا قَوْمٌ يَحْضُرُونَ الصَّلاةَ بِغَيْرِ طَهُورٍ، مَن شَهِدَ الصَّلاةَ فَلْيُحْسِنِ الطَّهُورَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ السُّورَةِ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ ومَحَلِّ أمْثالِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ بِفَتْحِ الغَيْنِ واللّامِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أكْثَرِ النّاسِ " غُلِبَتْ " بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ. قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ فَفَرِحَ بِذَلِكَ كُفّارُ مَكَّةَ وقالُوا: الَّذِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ غَلَبُوا الَّذِينَ لَهم كِتابٌ، وافْتَخَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ أيْضًا نَغْلِبُكم كَما غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ. ومَعْنى ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ في أقْرَبِ أرْضِهِمْ مِن أرْضِ العَرَبِ، أوْ في أقْرَبِ أرْضِ العَرَبِ مِنهم، قِيلَ: هي أرْضُ الجَزِيرَةِ، وقِيلَ: أذْرِعاتٌ، وقِيلَ: كَسْكَرُ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ، وقِيلَ: فِلَسْطِينُ، وهَذِهِ المَواضِعُ هي أقْرَبُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِن غَيْرِها وإنَّما حُمِلَتِ الأرْضُ عَلى أرْضِ العَرَبِ لِأنَّها المَعْهُودُ في ألْسِنَتِهِمْ إذا أطْلَقُوا الأرْضَ أرادُوا بِها جَزِيرَةَ العَرَبِ وقِيلَ: إنَّ الألِفَ واللّامَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: في أدْنى أرْضِهِمْ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ إلى الرُّومِ، ويَكُونُ المَعْنى: في أقْرَبِ أرْضِ الرُّومِ مِنَ العَرَبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِأذْرُعاتٍ فَهي مِن أدْنى الأرْضِ بِالقِياسِ إلى مَكَّةَ، وإنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِالجَزِيرَةِ فَهي أدْنى بِالقِياسِ إلى أرْضِ كِسْرى، وإنْ كانَتْ بِالأُرْدُنِّ فَهي أدْنى إلى أرْضِ الرُّومِ ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ أيْ: والرُّومُ مِن بَعْدِ غَلَبِ فارِسَ إيّاهم سَيَغْلِبُونَ أهْلَ فارِسَ، والغَلَبُ والغَلَبَةُ لُغَتانِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " سَيَغْلِبُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو سَعِيدٍ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ مِن " بَعْدِ غَلْبِهِمْ " بِسُكُونِ اللّامِ. ﴿في بِضْعِ سِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البِضْعِ واشْتِقاقِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ: هو المُنْفَرِدُ بِالقُدْرَةِ وإنْقاذِ الأحْكامِ وقْتَ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ ووَقْتَ غالِبِيَّتِهِمْ، فَكُلُّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقَضائِهِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ " بِضَمِّهِما لِكَوْنِهِما مَقْطُوعَيْنِ عَنِ الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ الغَلَبِ ومِن بَعْدِهِ، أوْ مِن قَبْلِ كُلِّ أمْرٍ ومِن بَعْدِهِ. وحَكى الكِسائِيُّ " مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدُ " بِكَسْرِ الأوَّلِ مُنَوَّنًا وضَمِّ الثّانِي بِلا تَنْوِينٍ. وحَكى الفَرّاءُ " مِن قَبْلِ ومِن بَعْدِ " بِكَسْرِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وغَلَّطَهُ النَّحّاسُ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: قَدْ قُرِئَ بِكَسْرِهِما مُنَوَّنَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: مِن مُتَقَدَّمٍ ومِن مُتَأخَّرٍ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَوْمَ أنْ تَغْلِبَ الرُّومُ عَلى فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ لِلرُّومِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ كَما أنَّ المُسْلِمِينَ أهْلُ كِتابٍ، بِخِلافِ فارِسَ فَإنَّهُ لا كِتابَ لَهم، ولِهَذا سُرَّ المُشْرِكُونَ بِنَصْرِهِمْ عَلى الرُّومِ، وقِيلَ: نَصْرُ اللَّهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ مِن غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ إنْباءٌ بِما سَيَكُونُ، وهَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ - . يَنْصُرُ مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَهُ وهو العَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ الرَّحِيمُ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا: الدُّنْيَوِيَّةُ، وهي شامِلَةٌ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ. ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا لا يُخْلِفُهُ، وهو ظُهُورُ الرُّومِ عَلى فارِسَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، وهُمُ الكُفّارُ، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ. ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ ظاهِرَ ما يُشاهِدُونَهُ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا ومَلاذِّها وأمْرِ مَعاشِهِمْ، (p-١١٢٨)وأسْبابِ تَحْصِيلِ فَوائِدِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقِيلَ: هو ما تُلْقِيهِ الشَّياطِينُ إلَيْهِمْ مِن أُمُورِ الدُّنْيا عِنْدَ اسْتِراقِهُمُ السَّمْعَ، وقِيلَ: الظّاهِرُ الباطِلُ وهم عَنِ الآخِرَةِ الَّتِي هي النِّعْمَةُ الدّائِمَةُ، واللَّذَّةُ الخالِصَةُ هم غافِلُونَ لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها ولا يُعِدُّونَ لَها ما يُحْتاجُ إلَيْهِ، أوْ غافِلُونَ عَنِ الإيمانِ بِها والتَّصْدِيقِ بِمَجِيئِها. ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، وفي أنْفُسِهِمْ ظَرْفٌ لِلتَّفَكُّرِ ولَيْسَ مَفْعُولًا لِلتَّفَكُّرِ والمَعْنى: أنَّ أسْبابَ التَّفَكُّرِ حاصِلَةٌ لَهم، وهي أنْفُسُهم لَوْ تَفَكَّرُوا فِيها كَما يَنْبَغِي لَعَلِمُوا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وصِدْقَ أنْبِيائِهِ. وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ لِلتَّفَكُّرِ. والمَعْنى: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما في ما خَلَقَ اللَّهُ نافِيَةٌ أيْ: لَمْ يَخْلُقْها إلّا بِالحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يَحِقُّ ثُبُوتُهُ، أوْ هي اسْمٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ: بِما خَلَقَ اللَّهُ والعامِلُ فِيها إمّا العِلْمُ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ التَّفَكُّرُ وقالَ الزَّجّاجُ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَيَعْلَمُوا، فَجَعَلَ ما مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ لا لِلْعِلْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ، والباءُ في إلّا بِالحَقِّ إمّا لِلسَّبَبِيَّةِ، أوْ هي ومَجْرُورُها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ إلّا لِلْحَقِّ أيْ: لِلثَّوابِ والعِقابِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ بِالعَدْلِ، وقِيلَ: بِالحِكْمَةِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ أيْ: أنَّهُ هو الحَقُّ ولِلْحَقِّ خَلَقَها، " وأجَلٍ مُسَمًّى " مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ: وبِأجَلٍ مُسَمّى لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما تَنْتَهِي إلَيْهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الفَناءِ، وأنَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ أجَلًا لا يُجاوِزُهُ. وقِيلَ: مَعْنى وأجَلٍ مُسَمًّى أنَّهُ خَلَقَ ما خَلَقَ في وقْتٍ سَمّاهُ لِخَلْقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ أيْ: لَكافِرُونَ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، واللّامُ هي المُؤَكِّدَةُ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الكُفّارُ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ. أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في الآثارِ وتَأمُّلِهِمْ لِمَواقِعِ الِاعْتِبارِ، والفاءُ في فَيَنْظُرُوا لِلْعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا داخِلٌ تَحْتَ ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: أنَّهم قَدْ سارُوا وشاهَدُوا ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وجُحُودِهِمْ لِلْحَقِّ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ، وجُمْلَةُ ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْكَيْفِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وأنَّهم أقْدَرُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ ومَن تابَعَهم عَلى الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ومَعْنى ﴿وأثارُوا الأرْضَ﴾ حَرَثُوها وقَلَّبُوها لِلزِّراعَةِ وزاوَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ أهْلُ مَكَّةَ أهْلَ حَرْثٍ ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: عَمَرُوها عِمارَةً أكْثَرَ مِمّا عَمَرَها هَؤُلاءِ، لِأنَّ أُولَئِكَ كانُوا أطْوَلَ مِنهم أعْمارًا، وأقْوى أجْسامًا، وأكْثَرَ تَحْصِيلًا لِأسْبابِ المَعاشِ. فَعَمَرُوا الأرْضَ بِالأبْنِيَةِ والزِّراعَةِ والغَرْسِ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ بِالبَيِّناتِ أيِ: المُعْجِزاتِ، وقِيلَ: بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم بِتَعْذِيبِهِمْ عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا﴾ أيْ: عَمِلُوا السَّيِّئاتِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي السُّوءى هي فُعْلى مِنَ السُّوءِ تَأْنِيثُ الأسْوَأِ، وهو الأقْبَحُ أيْ: كانَ عاقِبَتَهُمُ العُقُوبَةُ الَّتِي هي أسْوَأُ العُقُوباتِ، وقِيلَ: هي اسْمٌ لِجَهَنَّمَ كَما أنَّ الحُسْنى اسْمٌ لِلْجَنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالبُشْرى والذِّكْرى. وُصِفَتْ بِهِ العُقُوبَةُ مُبالَغَةً. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " عاقِبَةُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ، وتَذْكِيرُ الفِعْلِ لِكَوْنِ تَأْنِيثِها مَجازِيًّا، والخَبَرُ السُّوءى أيِ: الفِعْلَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ العُقُوبَةُ السُّوءى أوِ الخَبَرُ أنْ كَذَّبُوا أيْ: كانَ آخِرَ أمْرِهِمُ التَّكْذِيبُ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا، والسُّوءى مَصْدَرُ أساءُوا أوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: أنْ كَذَّبُوا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى رُسُلِهِ، أوْ بِأنْ كَذَّبُوا، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ السُّوءى جَهَنَّمُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وابْنُ قُتَيْبَةَ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ سُوءى لِكَوْنِها تَسُوءُ صاحِبَها. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أشْرَكُوا النّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ آياتِ اللَّهِ واسْتِهْزائِهِمْ، وجُمْلَةُ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ عَطْفٌ عَلى كَذَّبُوا داخِلَةٌ مَعَهُ في حُكْمِ العِلِيَّةِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، أوْ في حُكْمِ الِاسْمِيَّةِ لِكانَ، أوِ الخَبَرِيَّةِ لَها عَلى القَوْلِ الآخَرِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ فارِسُ عَلى الرُّومِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ أوْثانٍ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أصْحابُ كِتابٍ، فَذَكَرُوهُ لِأبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أما إنَّهم سَيَغْلِبُونَ فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لَهم، فَقالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا فَإنْ ظَهْرَنا كانَ لَنا كَذا وكَذا، وإنْ ظَهَرْتُمْ كانَ لَكم كَذا وكَذا، فَجَعَلَ بَيْنَهم أجَلًا خَمْسَ سِنِينَ فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا جَعَلْتَهُ أُراهُ قالَ: دُونَ العَشْرِ، فَظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فَغُلِبَتْ، ثُمَّ غُلِبَتْ بَعْدُ بِقَوْلِ اللَّهِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾» " . قالَ سُفْيانُ: سَمِعْتُ أنَّهم ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ نَحْوَهُ، وزادَ أنَّهُ «لَمّا مَضى الأجَلُ ولَمْ تَغْلِبِ الرُّومُ فارِسًا، ساءَ النَّبِيُّ ما جَعَلَهُ أبُو بَكْرٍ مِنَ المُدَّةِ وكَرِهَهُ وقالَ: ما دَعاكَ إلى هَذا ؟ قالَ: تَصْدِيقًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ فَقالَ: تَعَرَّضْ لَهم وأعْظِمِ الخُطَّةَ واجْعَلْهُ إلى بِضْعِ سِنِينَ، فَأتاهم أبُو بَكْرٍ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ في العَوْدِ فَإنَّ العَوْدَ أحْمَدُ ؟ قالُوا نَعَمْ، فَلَمْ تَمْضِ تِلْكَ السُّنُونَ حَتّى غَلَبَتِ الرُّومُ فارِسًا ورَبَطُوا (p-١١٢٩)خُيُولَهم بِالمَدائِنِ وبَنَوْا رُومِيَّةَ، فَقَمَرَ أبُو بَكْرٍ فَجاءَ بِهِ أبُو بَكْرٍ يَحْمِلُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: هَذا السُّحْتُ، تَصَدَّقْ بِهِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ نِيارِ بْنِ مُكْرَمٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآيَةَ كانَتْ فارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قاهِرِينَ الرُّومَ وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم وإيّاهم أهْلُ الكِتابِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وكانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فارِسَ لِأنَّهم وإيّاهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ ولا إيمانٍ بِبَعْثٍ، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ يَصِيحُ في نَواحِي مَكَّةَ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِن قُرَيْشٍ لِأبِي بَكْرٍ: ذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَكم يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ، أفَلا نُراهِنُكَ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ بَلى، وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهانِ، فارْتَهَنَ أبُو بَكْرٍ والمُشْرِكُونَ وتَواضَعُوا الرِّهانَ، وقالُوا لِأبِي بَكْرٍ: لَمْ تَجْعَلِ البِضْعَ ثَلاثَ سِنِينَ إلى تِسْعِ سِنِينَ فَسَمِّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ وسَطًا تَنْتَهِي إلَيْهِ، قالَ: فَسَمَّوْا بَيْنَهم سِتَّ سِنِينَ، فَمَضَتِ السِّتُّ قَبْلَ أنْ يَظْهَرُوا، فَأخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أبِي بَكْرٍ، فَلَمّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ، فَعابَ المُسْلِمُونَ عَلى أبِي بَكْرٍ تَسْمِيَتَهُ سِتَّ سِنِينَ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَأسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ ناسٌ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِأبِي بَكْرٍ: «ألا احْتَطَّتَ يا أبا بَكْرٍ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى تِسْعٍ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ في تارِيخِهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَأعْجَبَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قَرَأها بِالنَّصْبِ: يَعْنِي لِلْغَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ . قالَ: فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورٍ الرُّومِ عَلى فارِسَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقِراءَةِ أبِي سَعِيدٍ ومَن مَعَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَيَجِيءُ أقْوامٌ يَقْرَءُونَ " الم غَلَبَتِ الرُّومُ " يَعْنِي بِفَتْحِ الغَيْنِ، وإنَّما هي غُلِبَتْ: يَعْنِي بِضَمِّها، وفي البابِ رِواياتٌ وما ذَكَرْناهُ يُغْنِي عَمّا سِواهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي مَعايِشَهم مَتى يَغْرِسُونَ، ومَتى يَزْرَعُونَ، ومَتى يَحْصُدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم بَيْنَ مَنكِبَيْهِ مَيْلٌ.

الروم 30:5

(p-١١٢٧)وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيرِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الرُّومِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأ فِيها سُورَةَ الرُّومِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ الأغَرِّ المَدَنِيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الرُّومِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وأحْمَدُ وابْنُ قانِعٌ مِن طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ مِثْلَ حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي مِنَ الصَّحابَةِ، وزادَ: يَتَرَدَّدُ فِيها، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: «إنَّما يُلْبِسُ عَلَيْنا في صَلاتِنا قَوْمٌ يَحْضُرُونَ الصَّلاةَ بِغَيْرِ طَهُورٍ، مَن شَهِدَ الصَّلاةَ فَلْيُحْسِنِ الطَّهُورَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ السُّورَةِ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ ومَحَلِّ أمْثالِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ بِفَتْحِ الغَيْنِ واللّامِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أكْثَرِ النّاسِ " غُلِبَتْ " بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ. قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ فَفَرِحَ بِذَلِكَ كُفّارُ مَكَّةَ وقالُوا: الَّذِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ غَلَبُوا الَّذِينَ لَهم كِتابٌ، وافْتَخَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ أيْضًا نَغْلِبُكم كَما غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ. ومَعْنى ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ في أقْرَبِ أرْضِهِمْ مِن أرْضِ العَرَبِ، أوْ في أقْرَبِ أرْضِ العَرَبِ مِنهم، قِيلَ: هي أرْضُ الجَزِيرَةِ، وقِيلَ: أذْرِعاتٌ، وقِيلَ: كَسْكَرُ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ، وقِيلَ: فِلَسْطِينُ، وهَذِهِ المَواضِعُ هي أقْرَبُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِن غَيْرِها وإنَّما حُمِلَتِ الأرْضُ عَلى أرْضِ العَرَبِ لِأنَّها المَعْهُودُ في ألْسِنَتِهِمْ إذا أطْلَقُوا الأرْضَ أرادُوا بِها جَزِيرَةَ العَرَبِ وقِيلَ: إنَّ الألِفَ واللّامَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: في أدْنى أرْضِهِمْ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ إلى الرُّومِ، ويَكُونُ المَعْنى: في أقْرَبِ أرْضِ الرُّومِ مِنَ العَرَبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِأذْرُعاتٍ فَهي مِن أدْنى الأرْضِ بِالقِياسِ إلى مَكَّةَ، وإنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِالجَزِيرَةِ فَهي أدْنى بِالقِياسِ إلى أرْضِ كِسْرى، وإنْ كانَتْ بِالأُرْدُنِّ فَهي أدْنى إلى أرْضِ الرُّومِ ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ أيْ: والرُّومُ مِن بَعْدِ غَلَبِ فارِسَ إيّاهم سَيَغْلِبُونَ أهْلَ فارِسَ، والغَلَبُ والغَلَبَةُ لُغَتانِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " سَيَغْلِبُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو سَعِيدٍ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ مِن " بَعْدِ غَلْبِهِمْ " بِسُكُونِ اللّامِ. ﴿في بِضْعِ سِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البِضْعِ واشْتِقاقِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ: هو المُنْفَرِدُ بِالقُدْرَةِ وإنْقاذِ الأحْكامِ وقْتَ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ ووَقْتَ غالِبِيَّتِهِمْ، فَكُلُّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقَضائِهِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ " بِضَمِّهِما لِكَوْنِهِما مَقْطُوعَيْنِ عَنِ الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ الغَلَبِ ومِن بَعْدِهِ، أوْ مِن قَبْلِ كُلِّ أمْرٍ ومِن بَعْدِهِ. وحَكى الكِسائِيُّ " مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدُ " بِكَسْرِ الأوَّلِ مُنَوَّنًا وضَمِّ الثّانِي بِلا تَنْوِينٍ. وحَكى الفَرّاءُ " مِن قَبْلِ ومِن بَعْدِ " بِكَسْرِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وغَلَّطَهُ النَّحّاسُ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: قَدْ قُرِئَ بِكَسْرِهِما مُنَوَّنَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: مِن مُتَقَدَّمٍ ومِن مُتَأخَّرٍ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَوْمَ أنْ تَغْلِبَ الرُّومُ عَلى فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ لِلرُّومِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ كَما أنَّ المُسْلِمِينَ أهْلُ كِتابٍ، بِخِلافِ فارِسَ فَإنَّهُ لا كِتابَ لَهم، ولِهَذا سُرَّ المُشْرِكُونَ بِنَصْرِهِمْ عَلى الرُّومِ، وقِيلَ: نَصْرُ اللَّهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ مِن غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ إنْباءٌ بِما سَيَكُونُ، وهَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ - . يَنْصُرُ مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَهُ وهو العَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ الرَّحِيمُ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا: الدُّنْيَوِيَّةُ، وهي شامِلَةٌ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ. ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا لا يُخْلِفُهُ، وهو ظُهُورُ الرُّومِ عَلى فارِسَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، وهُمُ الكُفّارُ، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ. ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ ظاهِرَ ما يُشاهِدُونَهُ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا ومَلاذِّها وأمْرِ مَعاشِهِمْ، (p-١١٢٨)وأسْبابِ تَحْصِيلِ فَوائِدِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقِيلَ: هو ما تُلْقِيهِ الشَّياطِينُ إلَيْهِمْ مِن أُمُورِ الدُّنْيا عِنْدَ اسْتِراقِهُمُ السَّمْعَ، وقِيلَ: الظّاهِرُ الباطِلُ وهم عَنِ الآخِرَةِ الَّتِي هي النِّعْمَةُ الدّائِمَةُ، واللَّذَّةُ الخالِصَةُ هم غافِلُونَ لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها ولا يُعِدُّونَ لَها ما يُحْتاجُ إلَيْهِ، أوْ غافِلُونَ عَنِ الإيمانِ بِها والتَّصْدِيقِ بِمَجِيئِها. ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، وفي أنْفُسِهِمْ ظَرْفٌ لِلتَّفَكُّرِ ولَيْسَ مَفْعُولًا لِلتَّفَكُّرِ والمَعْنى: أنَّ أسْبابَ التَّفَكُّرِ حاصِلَةٌ لَهم، وهي أنْفُسُهم لَوْ تَفَكَّرُوا فِيها كَما يَنْبَغِي لَعَلِمُوا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وصِدْقَ أنْبِيائِهِ. وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ لِلتَّفَكُّرِ. والمَعْنى: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما في ما خَلَقَ اللَّهُ نافِيَةٌ أيْ: لَمْ يَخْلُقْها إلّا بِالحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يَحِقُّ ثُبُوتُهُ، أوْ هي اسْمٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ: بِما خَلَقَ اللَّهُ والعامِلُ فِيها إمّا العِلْمُ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ التَّفَكُّرُ وقالَ الزَّجّاجُ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَيَعْلَمُوا، فَجَعَلَ ما مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ لا لِلْعِلْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ، والباءُ في إلّا بِالحَقِّ إمّا لِلسَّبَبِيَّةِ، أوْ هي ومَجْرُورُها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ إلّا لِلْحَقِّ أيْ: لِلثَّوابِ والعِقابِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ بِالعَدْلِ، وقِيلَ: بِالحِكْمَةِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ أيْ: أنَّهُ هو الحَقُّ ولِلْحَقِّ خَلَقَها، " وأجَلٍ مُسَمًّى " مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ: وبِأجَلٍ مُسَمّى لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما تَنْتَهِي إلَيْهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الفَناءِ، وأنَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ أجَلًا لا يُجاوِزُهُ. وقِيلَ: مَعْنى وأجَلٍ مُسَمًّى أنَّهُ خَلَقَ ما خَلَقَ في وقْتٍ سَمّاهُ لِخَلْقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ أيْ: لَكافِرُونَ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، واللّامُ هي المُؤَكِّدَةُ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الكُفّارُ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ. أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في الآثارِ وتَأمُّلِهِمْ لِمَواقِعِ الِاعْتِبارِ، والفاءُ في فَيَنْظُرُوا لِلْعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا داخِلٌ تَحْتَ ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: أنَّهم قَدْ سارُوا وشاهَدُوا ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وجُحُودِهِمْ لِلْحَقِّ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ، وجُمْلَةُ ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْكَيْفِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وأنَّهم أقْدَرُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ ومَن تابَعَهم عَلى الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ومَعْنى ﴿وأثارُوا الأرْضَ﴾ حَرَثُوها وقَلَّبُوها لِلزِّراعَةِ وزاوَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ أهْلُ مَكَّةَ أهْلَ حَرْثٍ ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: عَمَرُوها عِمارَةً أكْثَرَ مِمّا عَمَرَها هَؤُلاءِ، لِأنَّ أُولَئِكَ كانُوا أطْوَلَ مِنهم أعْمارًا، وأقْوى أجْسامًا، وأكْثَرَ تَحْصِيلًا لِأسْبابِ المَعاشِ. فَعَمَرُوا الأرْضَ بِالأبْنِيَةِ والزِّراعَةِ والغَرْسِ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ بِالبَيِّناتِ أيِ: المُعْجِزاتِ، وقِيلَ: بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم بِتَعْذِيبِهِمْ عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا﴾ أيْ: عَمِلُوا السَّيِّئاتِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي السُّوءى هي فُعْلى مِنَ السُّوءِ تَأْنِيثُ الأسْوَأِ، وهو الأقْبَحُ أيْ: كانَ عاقِبَتَهُمُ العُقُوبَةُ الَّتِي هي أسْوَأُ العُقُوباتِ، وقِيلَ: هي اسْمٌ لِجَهَنَّمَ كَما أنَّ الحُسْنى اسْمٌ لِلْجَنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالبُشْرى والذِّكْرى. وُصِفَتْ بِهِ العُقُوبَةُ مُبالَغَةً. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " عاقِبَةُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ، وتَذْكِيرُ الفِعْلِ لِكَوْنِ تَأْنِيثِها مَجازِيًّا، والخَبَرُ السُّوءى أيِ: الفِعْلَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ العُقُوبَةُ السُّوءى أوِ الخَبَرُ أنْ كَذَّبُوا أيْ: كانَ آخِرَ أمْرِهِمُ التَّكْذِيبُ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا، والسُّوءى مَصْدَرُ أساءُوا أوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: أنْ كَذَّبُوا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى رُسُلِهِ، أوْ بِأنْ كَذَّبُوا، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ السُّوءى جَهَنَّمُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وابْنُ قُتَيْبَةَ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ سُوءى لِكَوْنِها تَسُوءُ صاحِبَها. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أشْرَكُوا النّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ آياتِ اللَّهِ واسْتِهْزائِهِمْ، وجُمْلَةُ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ عَطْفٌ عَلى كَذَّبُوا داخِلَةٌ مَعَهُ في حُكْمِ العِلِيَّةِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، أوْ في حُكْمِ الِاسْمِيَّةِ لِكانَ، أوِ الخَبَرِيَّةِ لَها عَلى القَوْلِ الآخَرِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ فارِسُ عَلى الرُّومِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ أوْثانٍ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أصْحابُ كِتابٍ، فَذَكَرُوهُ لِأبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أما إنَّهم سَيَغْلِبُونَ فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لَهم، فَقالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا فَإنْ ظَهْرَنا كانَ لَنا كَذا وكَذا، وإنْ ظَهَرْتُمْ كانَ لَكم كَذا وكَذا، فَجَعَلَ بَيْنَهم أجَلًا خَمْسَ سِنِينَ فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا جَعَلْتَهُ أُراهُ قالَ: دُونَ العَشْرِ، فَظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فَغُلِبَتْ، ثُمَّ غُلِبَتْ بَعْدُ بِقَوْلِ اللَّهِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾» " . قالَ سُفْيانُ: سَمِعْتُ أنَّهم ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ نَحْوَهُ، وزادَ أنَّهُ «لَمّا مَضى الأجَلُ ولَمْ تَغْلِبِ الرُّومُ فارِسًا، ساءَ النَّبِيُّ ما جَعَلَهُ أبُو بَكْرٍ مِنَ المُدَّةِ وكَرِهَهُ وقالَ: ما دَعاكَ إلى هَذا ؟ قالَ: تَصْدِيقًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ فَقالَ: تَعَرَّضْ لَهم وأعْظِمِ الخُطَّةَ واجْعَلْهُ إلى بِضْعِ سِنِينَ، فَأتاهم أبُو بَكْرٍ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ في العَوْدِ فَإنَّ العَوْدَ أحْمَدُ ؟ قالُوا نَعَمْ، فَلَمْ تَمْضِ تِلْكَ السُّنُونَ حَتّى غَلَبَتِ الرُّومُ فارِسًا ورَبَطُوا (p-١١٢٩)خُيُولَهم بِالمَدائِنِ وبَنَوْا رُومِيَّةَ، فَقَمَرَ أبُو بَكْرٍ فَجاءَ بِهِ أبُو بَكْرٍ يَحْمِلُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: هَذا السُّحْتُ، تَصَدَّقْ بِهِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ نِيارِ بْنِ مُكْرَمٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآيَةَ كانَتْ فارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قاهِرِينَ الرُّومَ وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم وإيّاهم أهْلُ الكِتابِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وكانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فارِسَ لِأنَّهم وإيّاهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ ولا إيمانٍ بِبَعْثٍ، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ يَصِيحُ في نَواحِي مَكَّةَ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِن قُرَيْشٍ لِأبِي بَكْرٍ: ذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَكم يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ، أفَلا نُراهِنُكَ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ بَلى، وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهانِ، فارْتَهَنَ أبُو بَكْرٍ والمُشْرِكُونَ وتَواضَعُوا الرِّهانَ، وقالُوا لِأبِي بَكْرٍ: لَمْ تَجْعَلِ البِضْعَ ثَلاثَ سِنِينَ إلى تِسْعِ سِنِينَ فَسَمِّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ وسَطًا تَنْتَهِي إلَيْهِ، قالَ: فَسَمَّوْا بَيْنَهم سِتَّ سِنِينَ، فَمَضَتِ السِّتُّ قَبْلَ أنْ يَظْهَرُوا، فَأخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أبِي بَكْرٍ، فَلَمّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ، فَعابَ المُسْلِمُونَ عَلى أبِي بَكْرٍ تَسْمِيَتَهُ سِتَّ سِنِينَ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَأسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ ناسٌ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِأبِي بَكْرٍ: «ألا احْتَطَّتَ يا أبا بَكْرٍ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى تِسْعٍ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ في تارِيخِهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَأعْجَبَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قَرَأها بِالنَّصْبِ: يَعْنِي لِلْغَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ . قالَ: فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورٍ الرُّومِ عَلى فارِسَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقِراءَةِ أبِي سَعِيدٍ ومَن مَعَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَيَجِيءُ أقْوامٌ يَقْرَءُونَ " الم غَلَبَتِ الرُّومُ " يَعْنِي بِفَتْحِ الغَيْنِ، وإنَّما هي غُلِبَتْ: يَعْنِي بِضَمِّها، وفي البابِ رِواياتٌ وما ذَكَرْناهُ يُغْنِي عَمّا سِواهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي مَعايِشَهم مَتى يَغْرِسُونَ، ومَتى يَزْرَعُونَ، ومَتى يَحْصُدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم بَيْنَ مَنكِبَيْهِ مَيْلٌ.

الروم 30:6

(p-١١٢٧)وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيرِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الرُّومِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأ فِيها سُورَةَ الرُّومِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ الأغَرِّ المَدَنِيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الرُّومِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وأحْمَدُ وابْنُ قانِعٌ مِن طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ مِثْلَ حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي مِنَ الصَّحابَةِ، وزادَ: يَتَرَدَّدُ فِيها، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: «إنَّما يُلْبِسُ عَلَيْنا في صَلاتِنا قَوْمٌ يَحْضُرُونَ الصَّلاةَ بِغَيْرِ طَهُورٍ، مَن شَهِدَ الصَّلاةَ فَلْيُحْسِنِ الطَّهُورَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ السُّورَةِ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ ومَحَلِّ أمْثالِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ بِفَتْحِ الغَيْنِ واللّامِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أكْثَرِ النّاسِ " غُلِبَتْ " بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ. قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ فَفَرِحَ بِذَلِكَ كُفّارُ مَكَّةَ وقالُوا: الَّذِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ غَلَبُوا الَّذِينَ لَهم كِتابٌ، وافْتَخَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ أيْضًا نَغْلِبُكم كَما غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ. ومَعْنى ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ في أقْرَبِ أرْضِهِمْ مِن أرْضِ العَرَبِ، أوْ في أقْرَبِ أرْضِ العَرَبِ مِنهم، قِيلَ: هي أرْضُ الجَزِيرَةِ، وقِيلَ: أذْرِعاتٌ، وقِيلَ: كَسْكَرُ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ، وقِيلَ: فِلَسْطِينُ، وهَذِهِ المَواضِعُ هي أقْرَبُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِن غَيْرِها وإنَّما حُمِلَتِ الأرْضُ عَلى أرْضِ العَرَبِ لِأنَّها المَعْهُودُ في ألْسِنَتِهِمْ إذا أطْلَقُوا الأرْضَ أرادُوا بِها جَزِيرَةَ العَرَبِ وقِيلَ: إنَّ الألِفَ واللّامَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: في أدْنى أرْضِهِمْ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ إلى الرُّومِ، ويَكُونُ المَعْنى: في أقْرَبِ أرْضِ الرُّومِ مِنَ العَرَبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِأذْرُعاتٍ فَهي مِن أدْنى الأرْضِ بِالقِياسِ إلى مَكَّةَ، وإنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِالجَزِيرَةِ فَهي أدْنى بِالقِياسِ إلى أرْضِ كِسْرى، وإنْ كانَتْ بِالأُرْدُنِّ فَهي أدْنى إلى أرْضِ الرُّومِ ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ أيْ: والرُّومُ مِن بَعْدِ غَلَبِ فارِسَ إيّاهم سَيَغْلِبُونَ أهْلَ فارِسَ، والغَلَبُ والغَلَبَةُ لُغَتانِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " سَيَغْلِبُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو سَعِيدٍ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ مِن " بَعْدِ غَلْبِهِمْ " بِسُكُونِ اللّامِ. ﴿في بِضْعِ سِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البِضْعِ واشْتِقاقِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ: هو المُنْفَرِدُ بِالقُدْرَةِ وإنْقاذِ الأحْكامِ وقْتَ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ ووَقْتَ غالِبِيَّتِهِمْ، فَكُلُّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقَضائِهِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ " بِضَمِّهِما لِكَوْنِهِما مَقْطُوعَيْنِ عَنِ الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ الغَلَبِ ومِن بَعْدِهِ، أوْ مِن قَبْلِ كُلِّ أمْرٍ ومِن بَعْدِهِ. وحَكى الكِسائِيُّ " مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدُ " بِكَسْرِ الأوَّلِ مُنَوَّنًا وضَمِّ الثّانِي بِلا تَنْوِينٍ. وحَكى الفَرّاءُ " مِن قَبْلِ ومِن بَعْدِ " بِكَسْرِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وغَلَّطَهُ النَّحّاسُ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: قَدْ قُرِئَ بِكَسْرِهِما مُنَوَّنَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: مِن مُتَقَدَّمٍ ومِن مُتَأخَّرٍ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَوْمَ أنْ تَغْلِبَ الرُّومُ عَلى فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ لِلرُّومِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ كَما أنَّ المُسْلِمِينَ أهْلُ كِتابٍ، بِخِلافِ فارِسَ فَإنَّهُ لا كِتابَ لَهم، ولِهَذا سُرَّ المُشْرِكُونَ بِنَصْرِهِمْ عَلى الرُّومِ، وقِيلَ: نَصْرُ اللَّهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ مِن غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ إنْباءٌ بِما سَيَكُونُ، وهَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ - . يَنْصُرُ مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَهُ وهو العَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ الرَّحِيمُ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا: الدُّنْيَوِيَّةُ، وهي شامِلَةٌ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ. ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا لا يُخْلِفُهُ، وهو ظُهُورُ الرُّومِ عَلى فارِسَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، وهُمُ الكُفّارُ، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ. ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ ظاهِرَ ما يُشاهِدُونَهُ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا ومَلاذِّها وأمْرِ مَعاشِهِمْ، (p-١١٢٨)وأسْبابِ تَحْصِيلِ فَوائِدِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقِيلَ: هو ما تُلْقِيهِ الشَّياطِينُ إلَيْهِمْ مِن أُمُورِ الدُّنْيا عِنْدَ اسْتِراقِهُمُ السَّمْعَ، وقِيلَ: الظّاهِرُ الباطِلُ وهم عَنِ الآخِرَةِ الَّتِي هي النِّعْمَةُ الدّائِمَةُ، واللَّذَّةُ الخالِصَةُ هم غافِلُونَ لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها ولا يُعِدُّونَ لَها ما يُحْتاجُ إلَيْهِ، أوْ غافِلُونَ عَنِ الإيمانِ بِها والتَّصْدِيقِ بِمَجِيئِها. ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، وفي أنْفُسِهِمْ ظَرْفٌ لِلتَّفَكُّرِ ولَيْسَ مَفْعُولًا لِلتَّفَكُّرِ والمَعْنى: أنَّ أسْبابَ التَّفَكُّرِ حاصِلَةٌ لَهم، وهي أنْفُسُهم لَوْ تَفَكَّرُوا فِيها كَما يَنْبَغِي لَعَلِمُوا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وصِدْقَ أنْبِيائِهِ. وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ لِلتَّفَكُّرِ. والمَعْنى: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما في ما خَلَقَ اللَّهُ نافِيَةٌ أيْ: لَمْ يَخْلُقْها إلّا بِالحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يَحِقُّ ثُبُوتُهُ، أوْ هي اسْمٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ: بِما خَلَقَ اللَّهُ والعامِلُ فِيها إمّا العِلْمُ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ التَّفَكُّرُ وقالَ الزَّجّاجُ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَيَعْلَمُوا، فَجَعَلَ ما مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ لا لِلْعِلْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ، والباءُ في إلّا بِالحَقِّ إمّا لِلسَّبَبِيَّةِ، أوْ هي ومَجْرُورُها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ إلّا لِلْحَقِّ أيْ: لِلثَّوابِ والعِقابِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ بِالعَدْلِ، وقِيلَ: بِالحِكْمَةِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ أيْ: أنَّهُ هو الحَقُّ ولِلْحَقِّ خَلَقَها، " وأجَلٍ مُسَمًّى " مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ: وبِأجَلٍ مُسَمّى لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما تَنْتَهِي إلَيْهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الفَناءِ، وأنَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ أجَلًا لا يُجاوِزُهُ. وقِيلَ: مَعْنى وأجَلٍ مُسَمًّى أنَّهُ خَلَقَ ما خَلَقَ في وقْتٍ سَمّاهُ لِخَلْقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ أيْ: لَكافِرُونَ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، واللّامُ هي المُؤَكِّدَةُ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الكُفّارُ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ. أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في الآثارِ وتَأمُّلِهِمْ لِمَواقِعِ الِاعْتِبارِ، والفاءُ في فَيَنْظُرُوا لِلْعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا داخِلٌ تَحْتَ ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: أنَّهم قَدْ سارُوا وشاهَدُوا ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وجُحُودِهِمْ لِلْحَقِّ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ، وجُمْلَةُ ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْكَيْفِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وأنَّهم أقْدَرُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ ومَن تابَعَهم عَلى الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ومَعْنى ﴿وأثارُوا الأرْضَ﴾ حَرَثُوها وقَلَّبُوها لِلزِّراعَةِ وزاوَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ أهْلُ مَكَّةَ أهْلَ حَرْثٍ ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: عَمَرُوها عِمارَةً أكْثَرَ مِمّا عَمَرَها هَؤُلاءِ، لِأنَّ أُولَئِكَ كانُوا أطْوَلَ مِنهم أعْمارًا، وأقْوى أجْسامًا، وأكْثَرَ تَحْصِيلًا لِأسْبابِ المَعاشِ. فَعَمَرُوا الأرْضَ بِالأبْنِيَةِ والزِّراعَةِ والغَرْسِ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ بِالبَيِّناتِ أيِ: المُعْجِزاتِ، وقِيلَ: بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم بِتَعْذِيبِهِمْ عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا﴾ أيْ: عَمِلُوا السَّيِّئاتِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي السُّوءى هي فُعْلى مِنَ السُّوءِ تَأْنِيثُ الأسْوَأِ، وهو الأقْبَحُ أيْ: كانَ عاقِبَتَهُمُ العُقُوبَةُ الَّتِي هي أسْوَأُ العُقُوباتِ، وقِيلَ: هي اسْمٌ لِجَهَنَّمَ كَما أنَّ الحُسْنى اسْمٌ لِلْجَنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالبُشْرى والذِّكْرى. وُصِفَتْ بِهِ العُقُوبَةُ مُبالَغَةً. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " عاقِبَةُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ، وتَذْكِيرُ الفِعْلِ لِكَوْنِ تَأْنِيثِها مَجازِيًّا، والخَبَرُ السُّوءى أيِ: الفِعْلَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ العُقُوبَةُ السُّوءى أوِ الخَبَرُ أنْ كَذَّبُوا أيْ: كانَ آخِرَ أمْرِهِمُ التَّكْذِيبُ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا، والسُّوءى مَصْدَرُ أساءُوا أوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: أنْ كَذَّبُوا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى رُسُلِهِ، أوْ بِأنْ كَذَّبُوا، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ السُّوءى جَهَنَّمُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وابْنُ قُتَيْبَةَ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ سُوءى لِكَوْنِها تَسُوءُ صاحِبَها. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أشْرَكُوا النّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ آياتِ اللَّهِ واسْتِهْزائِهِمْ، وجُمْلَةُ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ عَطْفٌ عَلى كَذَّبُوا داخِلَةٌ مَعَهُ في حُكْمِ العِلِيَّةِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، أوْ في حُكْمِ الِاسْمِيَّةِ لِكانَ، أوِ الخَبَرِيَّةِ لَها عَلى القَوْلِ الآخَرِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ فارِسُ عَلى الرُّومِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ أوْثانٍ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أصْحابُ كِتابٍ، فَذَكَرُوهُ لِأبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أما إنَّهم سَيَغْلِبُونَ فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لَهم، فَقالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا فَإنْ ظَهْرَنا كانَ لَنا كَذا وكَذا، وإنْ ظَهَرْتُمْ كانَ لَكم كَذا وكَذا، فَجَعَلَ بَيْنَهم أجَلًا خَمْسَ سِنِينَ فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا جَعَلْتَهُ أُراهُ قالَ: دُونَ العَشْرِ، فَظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فَغُلِبَتْ، ثُمَّ غُلِبَتْ بَعْدُ بِقَوْلِ اللَّهِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾» " . قالَ سُفْيانُ: سَمِعْتُ أنَّهم ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ نَحْوَهُ، وزادَ أنَّهُ «لَمّا مَضى الأجَلُ ولَمْ تَغْلِبِ الرُّومُ فارِسًا، ساءَ النَّبِيُّ ما جَعَلَهُ أبُو بَكْرٍ مِنَ المُدَّةِ وكَرِهَهُ وقالَ: ما دَعاكَ إلى هَذا ؟ قالَ: تَصْدِيقًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ فَقالَ: تَعَرَّضْ لَهم وأعْظِمِ الخُطَّةَ واجْعَلْهُ إلى بِضْعِ سِنِينَ، فَأتاهم أبُو بَكْرٍ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ في العَوْدِ فَإنَّ العَوْدَ أحْمَدُ ؟ قالُوا نَعَمْ، فَلَمْ تَمْضِ تِلْكَ السُّنُونَ حَتّى غَلَبَتِ الرُّومُ فارِسًا ورَبَطُوا (p-١١٢٩)خُيُولَهم بِالمَدائِنِ وبَنَوْا رُومِيَّةَ، فَقَمَرَ أبُو بَكْرٍ فَجاءَ بِهِ أبُو بَكْرٍ يَحْمِلُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: هَذا السُّحْتُ، تَصَدَّقْ بِهِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ نِيارِ بْنِ مُكْرَمٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآيَةَ كانَتْ فارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قاهِرِينَ الرُّومَ وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم وإيّاهم أهْلُ الكِتابِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وكانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فارِسَ لِأنَّهم وإيّاهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ ولا إيمانٍ بِبَعْثٍ، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ يَصِيحُ في نَواحِي مَكَّةَ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِن قُرَيْشٍ لِأبِي بَكْرٍ: ذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَكم يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ، أفَلا نُراهِنُكَ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ بَلى، وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهانِ، فارْتَهَنَ أبُو بَكْرٍ والمُشْرِكُونَ وتَواضَعُوا الرِّهانَ، وقالُوا لِأبِي بَكْرٍ: لَمْ تَجْعَلِ البِضْعَ ثَلاثَ سِنِينَ إلى تِسْعِ سِنِينَ فَسَمِّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ وسَطًا تَنْتَهِي إلَيْهِ، قالَ: فَسَمَّوْا بَيْنَهم سِتَّ سِنِينَ، فَمَضَتِ السِّتُّ قَبْلَ أنْ يَظْهَرُوا، فَأخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أبِي بَكْرٍ، فَلَمّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ، فَعابَ المُسْلِمُونَ عَلى أبِي بَكْرٍ تَسْمِيَتَهُ سِتَّ سِنِينَ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَأسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ ناسٌ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِأبِي بَكْرٍ: «ألا احْتَطَّتَ يا أبا بَكْرٍ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى تِسْعٍ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ في تارِيخِهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَأعْجَبَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قَرَأها بِالنَّصْبِ: يَعْنِي لِلْغَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ . قالَ: فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورٍ الرُّومِ عَلى فارِسَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقِراءَةِ أبِي سَعِيدٍ ومَن مَعَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَيَجِيءُ أقْوامٌ يَقْرَءُونَ " الم غَلَبَتِ الرُّومُ " يَعْنِي بِفَتْحِ الغَيْنِ، وإنَّما هي غُلِبَتْ: يَعْنِي بِضَمِّها، وفي البابِ رِواياتٌ وما ذَكَرْناهُ يُغْنِي عَمّا سِواهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي مَعايِشَهم مَتى يَغْرِسُونَ، ومَتى يَزْرَعُونَ، ومَتى يَحْصُدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم بَيْنَ مَنكِبَيْهِ مَيْلٌ.

الروم 30:7

(p-١١٢٧)وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيرِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الرُّومِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأ فِيها سُورَةَ الرُّومِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ الأغَرِّ المَدَنِيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الرُّومِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وأحْمَدُ وابْنُ قانِعٌ مِن طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ مِثْلَ حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي مِنَ الصَّحابَةِ، وزادَ: يَتَرَدَّدُ فِيها، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: «إنَّما يُلْبِسُ عَلَيْنا في صَلاتِنا قَوْمٌ يَحْضُرُونَ الصَّلاةَ بِغَيْرِ طَهُورٍ، مَن شَهِدَ الصَّلاةَ فَلْيُحْسِنِ الطَّهُورَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ السُّورَةِ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ ومَحَلِّ أمْثالِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ بِفَتْحِ الغَيْنِ واللّامِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أكْثَرِ النّاسِ " غُلِبَتْ " بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ. قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ فَفَرِحَ بِذَلِكَ كُفّارُ مَكَّةَ وقالُوا: الَّذِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ غَلَبُوا الَّذِينَ لَهم كِتابٌ، وافْتَخَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ أيْضًا نَغْلِبُكم كَما غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ. ومَعْنى ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ في أقْرَبِ أرْضِهِمْ مِن أرْضِ العَرَبِ، أوْ في أقْرَبِ أرْضِ العَرَبِ مِنهم، قِيلَ: هي أرْضُ الجَزِيرَةِ، وقِيلَ: أذْرِعاتٌ، وقِيلَ: كَسْكَرُ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ، وقِيلَ: فِلَسْطِينُ، وهَذِهِ المَواضِعُ هي أقْرَبُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِن غَيْرِها وإنَّما حُمِلَتِ الأرْضُ عَلى أرْضِ العَرَبِ لِأنَّها المَعْهُودُ في ألْسِنَتِهِمْ إذا أطْلَقُوا الأرْضَ أرادُوا بِها جَزِيرَةَ العَرَبِ وقِيلَ: إنَّ الألِفَ واللّامَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: في أدْنى أرْضِهِمْ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ إلى الرُّومِ، ويَكُونُ المَعْنى: في أقْرَبِ أرْضِ الرُّومِ مِنَ العَرَبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِأذْرُعاتٍ فَهي مِن أدْنى الأرْضِ بِالقِياسِ إلى مَكَّةَ، وإنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِالجَزِيرَةِ فَهي أدْنى بِالقِياسِ إلى أرْضِ كِسْرى، وإنْ كانَتْ بِالأُرْدُنِّ فَهي أدْنى إلى أرْضِ الرُّومِ ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ أيْ: والرُّومُ مِن بَعْدِ غَلَبِ فارِسَ إيّاهم سَيَغْلِبُونَ أهْلَ فارِسَ، والغَلَبُ والغَلَبَةُ لُغَتانِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " سَيَغْلِبُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو سَعِيدٍ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ مِن " بَعْدِ غَلْبِهِمْ " بِسُكُونِ اللّامِ. ﴿في بِضْعِ سِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البِضْعِ واشْتِقاقِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ: هو المُنْفَرِدُ بِالقُدْرَةِ وإنْقاذِ الأحْكامِ وقْتَ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ ووَقْتَ غالِبِيَّتِهِمْ، فَكُلُّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقَضائِهِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ " بِضَمِّهِما لِكَوْنِهِما مَقْطُوعَيْنِ عَنِ الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ الغَلَبِ ومِن بَعْدِهِ، أوْ مِن قَبْلِ كُلِّ أمْرٍ ومِن بَعْدِهِ. وحَكى الكِسائِيُّ " مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدُ " بِكَسْرِ الأوَّلِ مُنَوَّنًا وضَمِّ الثّانِي بِلا تَنْوِينٍ. وحَكى الفَرّاءُ " مِن قَبْلِ ومِن بَعْدِ " بِكَسْرِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وغَلَّطَهُ النَّحّاسُ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: قَدْ قُرِئَ بِكَسْرِهِما مُنَوَّنَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: مِن مُتَقَدَّمٍ ومِن مُتَأخَّرٍ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَوْمَ أنْ تَغْلِبَ الرُّومُ عَلى فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ لِلرُّومِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ كَما أنَّ المُسْلِمِينَ أهْلُ كِتابٍ، بِخِلافِ فارِسَ فَإنَّهُ لا كِتابَ لَهم، ولِهَذا سُرَّ المُشْرِكُونَ بِنَصْرِهِمْ عَلى الرُّومِ، وقِيلَ: نَصْرُ اللَّهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ مِن غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ إنْباءٌ بِما سَيَكُونُ، وهَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ - . يَنْصُرُ مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَهُ وهو العَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ الرَّحِيمُ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا: الدُّنْيَوِيَّةُ، وهي شامِلَةٌ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ. ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا لا يُخْلِفُهُ، وهو ظُهُورُ الرُّومِ عَلى فارِسَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، وهُمُ الكُفّارُ، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ. ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ ظاهِرَ ما يُشاهِدُونَهُ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا ومَلاذِّها وأمْرِ مَعاشِهِمْ، (p-١١٢٨)وأسْبابِ تَحْصِيلِ فَوائِدِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقِيلَ: هو ما تُلْقِيهِ الشَّياطِينُ إلَيْهِمْ مِن أُمُورِ الدُّنْيا عِنْدَ اسْتِراقِهُمُ السَّمْعَ، وقِيلَ: الظّاهِرُ الباطِلُ وهم عَنِ الآخِرَةِ الَّتِي هي النِّعْمَةُ الدّائِمَةُ، واللَّذَّةُ الخالِصَةُ هم غافِلُونَ لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها ولا يُعِدُّونَ لَها ما يُحْتاجُ إلَيْهِ، أوْ غافِلُونَ عَنِ الإيمانِ بِها والتَّصْدِيقِ بِمَجِيئِها. ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، وفي أنْفُسِهِمْ ظَرْفٌ لِلتَّفَكُّرِ ولَيْسَ مَفْعُولًا لِلتَّفَكُّرِ والمَعْنى: أنَّ أسْبابَ التَّفَكُّرِ حاصِلَةٌ لَهم، وهي أنْفُسُهم لَوْ تَفَكَّرُوا فِيها كَما يَنْبَغِي لَعَلِمُوا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وصِدْقَ أنْبِيائِهِ. وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ لِلتَّفَكُّرِ. والمَعْنى: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما في ما خَلَقَ اللَّهُ نافِيَةٌ أيْ: لَمْ يَخْلُقْها إلّا بِالحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يَحِقُّ ثُبُوتُهُ، أوْ هي اسْمٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ: بِما خَلَقَ اللَّهُ والعامِلُ فِيها إمّا العِلْمُ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ التَّفَكُّرُ وقالَ الزَّجّاجُ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَيَعْلَمُوا، فَجَعَلَ ما مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ لا لِلْعِلْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ، والباءُ في إلّا بِالحَقِّ إمّا لِلسَّبَبِيَّةِ، أوْ هي ومَجْرُورُها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ إلّا لِلْحَقِّ أيْ: لِلثَّوابِ والعِقابِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ بِالعَدْلِ، وقِيلَ: بِالحِكْمَةِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ أيْ: أنَّهُ هو الحَقُّ ولِلْحَقِّ خَلَقَها، " وأجَلٍ مُسَمًّى " مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ: وبِأجَلٍ مُسَمّى لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما تَنْتَهِي إلَيْهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الفَناءِ، وأنَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ أجَلًا لا يُجاوِزُهُ. وقِيلَ: مَعْنى وأجَلٍ مُسَمًّى أنَّهُ خَلَقَ ما خَلَقَ في وقْتٍ سَمّاهُ لِخَلْقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ أيْ: لَكافِرُونَ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، واللّامُ هي المُؤَكِّدَةُ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الكُفّارُ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ. أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في الآثارِ وتَأمُّلِهِمْ لِمَواقِعِ الِاعْتِبارِ، والفاءُ في فَيَنْظُرُوا لِلْعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا داخِلٌ تَحْتَ ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: أنَّهم قَدْ سارُوا وشاهَدُوا ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وجُحُودِهِمْ لِلْحَقِّ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ، وجُمْلَةُ ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْكَيْفِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وأنَّهم أقْدَرُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ ومَن تابَعَهم عَلى الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ومَعْنى ﴿وأثارُوا الأرْضَ﴾ حَرَثُوها وقَلَّبُوها لِلزِّراعَةِ وزاوَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ أهْلُ مَكَّةَ أهْلَ حَرْثٍ ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: عَمَرُوها عِمارَةً أكْثَرَ مِمّا عَمَرَها هَؤُلاءِ، لِأنَّ أُولَئِكَ كانُوا أطْوَلَ مِنهم أعْمارًا، وأقْوى أجْسامًا، وأكْثَرَ تَحْصِيلًا لِأسْبابِ المَعاشِ. فَعَمَرُوا الأرْضَ بِالأبْنِيَةِ والزِّراعَةِ والغَرْسِ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ بِالبَيِّناتِ أيِ: المُعْجِزاتِ، وقِيلَ: بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم بِتَعْذِيبِهِمْ عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا﴾ أيْ: عَمِلُوا السَّيِّئاتِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي السُّوءى هي فُعْلى مِنَ السُّوءِ تَأْنِيثُ الأسْوَأِ، وهو الأقْبَحُ أيْ: كانَ عاقِبَتَهُمُ العُقُوبَةُ الَّتِي هي أسْوَأُ العُقُوباتِ، وقِيلَ: هي اسْمٌ لِجَهَنَّمَ كَما أنَّ الحُسْنى اسْمٌ لِلْجَنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالبُشْرى والذِّكْرى. وُصِفَتْ بِهِ العُقُوبَةُ مُبالَغَةً. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " عاقِبَةُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ، وتَذْكِيرُ الفِعْلِ لِكَوْنِ تَأْنِيثِها مَجازِيًّا، والخَبَرُ السُّوءى أيِ: الفِعْلَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ العُقُوبَةُ السُّوءى أوِ الخَبَرُ أنْ كَذَّبُوا أيْ: كانَ آخِرَ أمْرِهِمُ التَّكْذِيبُ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا، والسُّوءى مَصْدَرُ أساءُوا أوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: أنْ كَذَّبُوا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى رُسُلِهِ، أوْ بِأنْ كَذَّبُوا، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ السُّوءى جَهَنَّمُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وابْنُ قُتَيْبَةَ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ سُوءى لِكَوْنِها تَسُوءُ صاحِبَها. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أشْرَكُوا النّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ آياتِ اللَّهِ واسْتِهْزائِهِمْ، وجُمْلَةُ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ عَطْفٌ عَلى كَذَّبُوا داخِلَةٌ مَعَهُ في حُكْمِ العِلِيَّةِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، أوْ في حُكْمِ الِاسْمِيَّةِ لِكانَ، أوِ الخَبَرِيَّةِ لَها عَلى القَوْلِ الآخَرِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ فارِسُ عَلى الرُّومِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ أوْثانٍ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أصْحابُ كِتابٍ، فَذَكَرُوهُ لِأبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أما إنَّهم سَيَغْلِبُونَ فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لَهم، فَقالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا فَإنْ ظَهْرَنا كانَ لَنا كَذا وكَذا، وإنْ ظَهَرْتُمْ كانَ لَكم كَذا وكَذا، فَجَعَلَ بَيْنَهم أجَلًا خَمْسَ سِنِينَ فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا جَعَلْتَهُ أُراهُ قالَ: دُونَ العَشْرِ، فَظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فَغُلِبَتْ، ثُمَّ غُلِبَتْ بَعْدُ بِقَوْلِ اللَّهِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾» " . قالَ سُفْيانُ: سَمِعْتُ أنَّهم ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ نَحْوَهُ، وزادَ أنَّهُ «لَمّا مَضى الأجَلُ ولَمْ تَغْلِبِ الرُّومُ فارِسًا، ساءَ النَّبِيُّ ما جَعَلَهُ أبُو بَكْرٍ مِنَ المُدَّةِ وكَرِهَهُ وقالَ: ما دَعاكَ إلى هَذا ؟ قالَ: تَصْدِيقًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ فَقالَ: تَعَرَّضْ لَهم وأعْظِمِ الخُطَّةَ واجْعَلْهُ إلى بِضْعِ سِنِينَ، فَأتاهم أبُو بَكْرٍ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ في العَوْدِ فَإنَّ العَوْدَ أحْمَدُ ؟ قالُوا نَعَمْ، فَلَمْ تَمْضِ تِلْكَ السُّنُونَ حَتّى غَلَبَتِ الرُّومُ فارِسًا ورَبَطُوا (p-١١٢٩)خُيُولَهم بِالمَدائِنِ وبَنَوْا رُومِيَّةَ، فَقَمَرَ أبُو بَكْرٍ فَجاءَ بِهِ أبُو بَكْرٍ يَحْمِلُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: هَذا السُّحْتُ، تَصَدَّقْ بِهِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ نِيارِ بْنِ مُكْرَمٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآيَةَ كانَتْ فارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قاهِرِينَ الرُّومَ وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم وإيّاهم أهْلُ الكِتابِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وكانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فارِسَ لِأنَّهم وإيّاهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ ولا إيمانٍ بِبَعْثٍ، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ يَصِيحُ في نَواحِي مَكَّةَ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِن قُرَيْشٍ لِأبِي بَكْرٍ: ذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَكم يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ، أفَلا نُراهِنُكَ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ بَلى، وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهانِ، فارْتَهَنَ أبُو بَكْرٍ والمُشْرِكُونَ وتَواضَعُوا الرِّهانَ، وقالُوا لِأبِي بَكْرٍ: لَمْ تَجْعَلِ البِضْعَ ثَلاثَ سِنِينَ إلى تِسْعِ سِنِينَ فَسَمِّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ وسَطًا تَنْتَهِي إلَيْهِ، قالَ: فَسَمَّوْا بَيْنَهم سِتَّ سِنِينَ، فَمَضَتِ السِّتُّ قَبْلَ أنْ يَظْهَرُوا، فَأخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أبِي بَكْرٍ، فَلَمّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ، فَعابَ المُسْلِمُونَ عَلى أبِي بَكْرٍ تَسْمِيَتَهُ سِتَّ سِنِينَ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَأسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ ناسٌ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِأبِي بَكْرٍ: «ألا احْتَطَّتَ يا أبا بَكْرٍ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى تِسْعٍ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ في تارِيخِهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَأعْجَبَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قَرَأها بِالنَّصْبِ: يَعْنِي لِلْغَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ . قالَ: فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورٍ الرُّومِ عَلى فارِسَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقِراءَةِ أبِي سَعِيدٍ ومَن مَعَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَيَجِيءُ أقْوامٌ يَقْرَءُونَ " الم غَلَبَتِ الرُّومُ " يَعْنِي بِفَتْحِ الغَيْنِ، وإنَّما هي غُلِبَتْ: يَعْنِي بِضَمِّها، وفي البابِ رِواياتٌ وما ذَكَرْناهُ يُغْنِي عَمّا سِواهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي مَعايِشَهم مَتى يَغْرِسُونَ، ومَتى يَزْرَعُونَ، ومَتى يَحْصُدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم بَيْنَ مَنكِبَيْهِ مَيْلٌ.

الروم 30:8

(p-١١٢٧)وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيرِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الرُّومِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأ فِيها سُورَةَ الرُّومِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ الأغَرِّ المَدَنِيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الرُّومِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وأحْمَدُ وابْنُ قانِعٌ مِن طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ مِثْلَ حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي مِنَ الصَّحابَةِ، وزادَ: يَتَرَدَّدُ فِيها، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: «إنَّما يُلْبِسُ عَلَيْنا في صَلاتِنا قَوْمٌ يَحْضُرُونَ الصَّلاةَ بِغَيْرِ طَهُورٍ، مَن شَهِدَ الصَّلاةَ فَلْيُحْسِنِ الطَّهُورَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ السُّورَةِ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ ومَحَلِّ أمْثالِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ بِفَتْحِ الغَيْنِ واللّامِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أكْثَرِ النّاسِ " غُلِبَتْ " بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ. قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ فَفَرِحَ بِذَلِكَ كُفّارُ مَكَّةَ وقالُوا: الَّذِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ غَلَبُوا الَّذِينَ لَهم كِتابٌ، وافْتَخَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ أيْضًا نَغْلِبُكم كَما غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ. ومَعْنى ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ في أقْرَبِ أرْضِهِمْ مِن أرْضِ العَرَبِ، أوْ في أقْرَبِ أرْضِ العَرَبِ مِنهم، قِيلَ: هي أرْضُ الجَزِيرَةِ، وقِيلَ: أذْرِعاتٌ، وقِيلَ: كَسْكَرُ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ، وقِيلَ: فِلَسْطِينُ، وهَذِهِ المَواضِعُ هي أقْرَبُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِن غَيْرِها وإنَّما حُمِلَتِ الأرْضُ عَلى أرْضِ العَرَبِ لِأنَّها المَعْهُودُ في ألْسِنَتِهِمْ إذا أطْلَقُوا الأرْضَ أرادُوا بِها جَزِيرَةَ العَرَبِ وقِيلَ: إنَّ الألِفَ واللّامَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: في أدْنى أرْضِهِمْ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ إلى الرُّومِ، ويَكُونُ المَعْنى: في أقْرَبِ أرْضِ الرُّومِ مِنَ العَرَبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِأذْرُعاتٍ فَهي مِن أدْنى الأرْضِ بِالقِياسِ إلى مَكَّةَ، وإنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِالجَزِيرَةِ فَهي أدْنى بِالقِياسِ إلى أرْضِ كِسْرى، وإنْ كانَتْ بِالأُرْدُنِّ فَهي أدْنى إلى أرْضِ الرُّومِ ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ أيْ: والرُّومُ مِن بَعْدِ غَلَبِ فارِسَ إيّاهم سَيَغْلِبُونَ أهْلَ فارِسَ، والغَلَبُ والغَلَبَةُ لُغَتانِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " سَيَغْلِبُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو سَعِيدٍ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ مِن " بَعْدِ غَلْبِهِمْ " بِسُكُونِ اللّامِ. ﴿في بِضْعِ سِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البِضْعِ واشْتِقاقِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ: هو المُنْفَرِدُ بِالقُدْرَةِ وإنْقاذِ الأحْكامِ وقْتَ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ ووَقْتَ غالِبِيَّتِهِمْ، فَكُلُّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقَضائِهِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ " بِضَمِّهِما لِكَوْنِهِما مَقْطُوعَيْنِ عَنِ الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ الغَلَبِ ومِن بَعْدِهِ، أوْ مِن قَبْلِ كُلِّ أمْرٍ ومِن بَعْدِهِ. وحَكى الكِسائِيُّ " مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدُ " بِكَسْرِ الأوَّلِ مُنَوَّنًا وضَمِّ الثّانِي بِلا تَنْوِينٍ. وحَكى الفَرّاءُ " مِن قَبْلِ ومِن بَعْدِ " بِكَسْرِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وغَلَّطَهُ النَّحّاسُ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: قَدْ قُرِئَ بِكَسْرِهِما مُنَوَّنَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: مِن مُتَقَدَّمٍ ومِن مُتَأخَّرٍ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَوْمَ أنْ تَغْلِبَ الرُّومُ عَلى فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ لِلرُّومِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ كَما أنَّ المُسْلِمِينَ أهْلُ كِتابٍ، بِخِلافِ فارِسَ فَإنَّهُ لا كِتابَ لَهم، ولِهَذا سُرَّ المُشْرِكُونَ بِنَصْرِهِمْ عَلى الرُّومِ، وقِيلَ: نَصْرُ اللَّهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ مِن غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ إنْباءٌ بِما سَيَكُونُ، وهَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ - . يَنْصُرُ مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَهُ وهو العَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ الرَّحِيمُ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا: الدُّنْيَوِيَّةُ، وهي شامِلَةٌ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ. ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا لا يُخْلِفُهُ، وهو ظُهُورُ الرُّومِ عَلى فارِسَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، وهُمُ الكُفّارُ، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ. ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ ظاهِرَ ما يُشاهِدُونَهُ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا ومَلاذِّها وأمْرِ مَعاشِهِمْ، (p-١١٢٨)وأسْبابِ تَحْصِيلِ فَوائِدِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقِيلَ: هو ما تُلْقِيهِ الشَّياطِينُ إلَيْهِمْ مِن أُمُورِ الدُّنْيا عِنْدَ اسْتِراقِهُمُ السَّمْعَ، وقِيلَ: الظّاهِرُ الباطِلُ وهم عَنِ الآخِرَةِ الَّتِي هي النِّعْمَةُ الدّائِمَةُ، واللَّذَّةُ الخالِصَةُ هم غافِلُونَ لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها ولا يُعِدُّونَ لَها ما يُحْتاجُ إلَيْهِ، أوْ غافِلُونَ عَنِ الإيمانِ بِها والتَّصْدِيقِ بِمَجِيئِها. ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، وفي أنْفُسِهِمْ ظَرْفٌ لِلتَّفَكُّرِ ولَيْسَ مَفْعُولًا لِلتَّفَكُّرِ والمَعْنى: أنَّ أسْبابَ التَّفَكُّرِ حاصِلَةٌ لَهم، وهي أنْفُسُهم لَوْ تَفَكَّرُوا فِيها كَما يَنْبَغِي لَعَلِمُوا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وصِدْقَ أنْبِيائِهِ. وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ لِلتَّفَكُّرِ. والمَعْنى: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما في ما خَلَقَ اللَّهُ نافِيَةٌ أيْ: لَمْ يَخْلُقْها إلّا بِالحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يَحِقُّ ثُبُوتُهُ، أوْ هي اسْمٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ: بِما خَلَقَ اللَّهُ والعامِلُ فِيها إمّا العِلْمُ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ التَّفَكُّرُ وقالَ الزَّجّاجُ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَيَعْلَمُوا، فَجَعَلَ ما مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ لا لِلْعِلْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ، والباءُ في إلّا بِالحَقِّ إمّا لِلسَّبَبِيَّةِ، أوْ هي ومَجْرُورُها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ إلّا لِلْحَقِّ أيْ: لِلثَّوابِ والعِقابِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ بِالعَدْلِ، وقِيلَ: بِالحِكْمَةِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ أيْ: أنَّهُ هو الحَقُّ ولِلْحَقِّ خَلَقَها، " وأجَلٍ مُسَمًّى " مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ: وبِأجَلٍ مُسَمّى لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما تَنْتَهِي إلَيْهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الفَناءِ، وأنَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ أجَلًا لا يُجاوِزُهُ. وقِيلَ: مَعْنى وأجَلٍ مُسَمًّى أنَّهُ خَلَقَ ما خَلَقَ في وقْتٍ سَمّاهُ لِخَلْقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ أيْ: لَكافِرُونَ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، واللّامُ هي المُؤَكِّدَةُ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الكُفّارُ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ. أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في الآثارِ وتَأمُّلِهِمْ لِمَواقِعِ الِاعْتِبارِ، والفاءُ في فَيَنْظُرُوا لِلْعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا داخِلٌ تَحْتَ ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: أنَّهم قَدْ سارُوا وشاهَدُوا ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وجُحُودِهِمْ لِلْحَقِّ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ، وجُمْلَةُ ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْكَيْفِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وأنَّهم أقْدَرُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ ومَن تابَعَهم عَلى الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ومَعْنى ﴿وأثارُوا الأرْضَ﴾ حَرَثُوها وقَلَّبُوها لِلزِّراعَةِ وزاوَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ أهْلُ مَكَّةَ أهْلَ حَرْثٍ ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: عَمَرُوها عِمارَةً أكْثَرَ مِمّا عَمَرَها هَؤُلاءِ، لِأنَّ أُولَئِكَ كانُوا أطْوَلَ مِنهم أعْمارًا، وأقْوى أجْسامًا، وأكْثَرَ تَحْصِيلًا لِأسْبابِ المَعاشِ. فَعَمَرُوا الأرْضَ بِالأبْنِيَةِ والزِّراعَةِ والغَرْسِ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ بِالبَيِّناتِ أيِ: المُعْجِزاتِ، وقِيلَ: بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم بِتَعْذِيبِهِمْ عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا﴾ أيْ: عَمِلُوا السَّيِّئاتِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي السُّوءى هي فُعْلى مِنَ السُّوءِ تَأْنِيثُ الأسْوَأِ، وهو الأقْبَحُ أيْ: كانَ عاقِبَتَهُمُ العُقُوبَةُ الَّتِي هي أسْوَأُ العُقُوباتِ، وقِيلَ: هي اسْمٌ لِجَهَنَّمَ كَما أنَّ الحُسْنى اسْمٌ لِلْجَنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالبُشْرى والذِّكْرى. وُصِفَتْ بِهِ العُقُوبَةُ مُبالَغَةً. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " عاقِبَةُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ، وتَذْكِيرُ الفِعْلِ لِكَوْنِ تَأْنِيثِها مَجازِيًّا، والخَبَرُ السُّوءى أيِ: الفِعْلَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ العُقُوبَةُ السُّوءى أوِ الخَبَرُ أنْ كَذَّبُوا أيْ: كانَ آخِرَ أمْرِهِمُ التَّكْذِيبُ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا، والسُّوءى مَصْدَرُ أساءُوا أوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: أنْ كَذَّبُوا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى رُسُلِهِ، أوْ بِأنْ كَذَّبُوا، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ السُّوءى جَهَنَّمُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وابْنُ قُتَيْبَةَ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ سُوءى لِكَوْنِها تَسُوءُ صاحِبَها. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أشْرَكُوا النّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ آياتِ اللَّهِ واسْتِهْزائِهِمْ، وجُمْلَةُ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ عَطْفٌ عَلى كَذَّبُوا داخِلَةٌ مَعَهُ في حُكْمِ العِلِيَّةِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، أوْ في حُكْمِ الِاسْمِيَّةِ لِكانَ، أوِ الخَبَرِيَّةِ لَها عَلى القَوْلِ الآخَرِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ فارِسُ عَلى الرُّومِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ أوْثانٍ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أصْحابُ كِتابٍ، فَذَكَرُوهُ لِأبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أما إنَّهم سَيَغْلِبُونَ فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لَهم، فَقالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا فَإنْ ظَهْرَنا كانَ لَنا كَذا وكَذا، وإنْ ظَهَرْتُمْ كانَ لَكم كَذا وكَذا، فَجَعَلَ بَيْنَهم أجَلًا خَمْسَ سِنِينَ فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا جَعَلْتَهُ أُراهُ قالَ: دُونَ العَشْرِ، فَظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فَغُلِبَتْ، ثُمَّ غُلِبَتْ بَعْدُ بِقَوْلِ اللَّهِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾» " . قالَ سُفْيانُ: سَمِعْتُ أنَّهم ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ نَحْوَهُ، وزادَ أنَّهُ «لَمّا مَضى الأجَلُ ولَمْ تَغْلِبِ الرُّومُ فارِسًا، ساءَ النَّبِيُّ ما جَعَلَهُ أبُو بَكْرٍ مِنَ المُدَّةِ وكَرِهَهُ وقالَ: ما دَعاكَ إلى هَذا ؟ قالَ: تَصْدِيقًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ فَقالَ: تَعَرَّضْ لَهم وأعْظِمِ الخُطَّةَ واجْعَلْهُ إلى بِضْعِ سِنِينَ، فَأتاهم أبُو بَكْرٍ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ في العَوْدِ فَإنَّ العَوْدَ أحْمَدُ ؟ قالُوا نَعَمْ، فَلَمْ تَمْضِ تِلْكَ السُّنُونَ حَتّى غَلَبَتِ الرُّومُ فارِسًا ورَبَطُوا (p-١١٢٩)خُيُولَهم بِالمَدائِنِ وبَنَوْا رُومِيَّةَ، فَقَمَرَ أبُو بَكْرٍ فَجاءَ بِهِ أبُو بَكْرٍ يَحْمِلُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: هَذا السُّحْتُ، تَصَدَّقْ بِهِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ نِيارِ بْنِ مُكْرَمٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآيَةَ كانَتْ فارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قاهِرِينَ الرُّومَ وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم وإيّاهم أهْلُ الكِتابِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وكانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فارِسَ لِأنَّهم وإيّاهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ ولا إيمانٍ بِبَعْثٍ، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ يَصِيحُ في نَواحِي مَكَّةَ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِن قُرَيْشٍ لِأبِي بَكْرٍ: ذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَكم يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ، أفَلا نُراهِنُكَ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ بَلى، وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهانِ، فارْتَهَنَ أبُو بَكْرٍ والمُشْرِكُونَ وتَواضَعُوا الرِّهانَ، وقالُوا لِأبِي بَكْرٍ: لَمْ تَجْعَلِ البِضْعَ ثَلاثَ سِنِينَ إلى تِسْعِ سِنِينَ فَسَمِّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ وسَطًا تَنْتَهِي إلَيْهِ، قالَ: فَسَمَّوْا بَيْنَهم سِتَّ سِنِينَ، فَمَضَتِ السِّتُّ قَبْلَ أنْ يَظْهَرُوا، فَأخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أبِي بَكْرٍ، فَلَمّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ، فَعابَ المُسْلِمُونَ عَلى أبِي بَكْرٍ تَسْمِيَتَهُ سِتَّ سِنِينَ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَأسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ ناسٌ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِأبِي بَكْرٍ: «ألا احْتَطَّتَ يا أبا بَكْرٍ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى تِسْعٍ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ في تارِيخِهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَأعْجَبَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قَرَأها بِالنَّصْبِ: يَعْنِي لِلْغَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ . قالَ: فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورٍ الرُّومِ عَلى فارِسَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقِراءَةِ أبِي سَعِيدٍ ومَن مَعَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَيَجِيءُ أقْوامٌ يَقْرَءُونَ " الم غَلَبَتِ الرُّومُ " يَعْنِي بِفَتْحِ الغَيْنِ، وإنَّما هي غُلِبَتْ: يَعْنِي بِضَمِّها، وفي البابِ رِواياتٌ وما ذَكَرْناهُ يُغْنِي عَمّا سِواهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي مَعايِشَهم مَتى يَغْرِسُونَ، ومَتى يَزْرَعُونَ، ومَتى يَحْصُدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم بَيْنَ مَنكِبَيْهِ مَيْلٌ.

الروم 30:9

(p-١١٢٧)وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيرِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الرُّومِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأ فِيها سُورَةَ الرُّومِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ الأغَرِّ المَدَنِيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الرُّومِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وأحْمَدُ وابْنُ قانِعٌ مِن طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ مِثْلَ حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي مِنَ الصَّحابَةِ، وزادَ: يَتَرَدَّدُ فِيها، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: «إنَّما يُلْبِسُ عَلَيْنا في صَلاتِنا قَوْمٌ يَحْضُرُونَ الصَّلاةَ بِغَيْرِ طَهُورٍ، مَن شَهِدَ الصَّلاةَ فَلْيُحْسِنِ الطَّهُورَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ السُّورَةِ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ ومَحَلِّ أمْثالِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ بِفَتْحِ الغَيْنِ واللّامِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أكْثَرِ النّاسِ " غُلِبَتْ " بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ. قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ فَفَرِحَ بِذَلِكَ كُفّارُ مَكَّةَ وقالُوا: الَّذِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ غَلَبُوا الَّذِينَ لَهم كِتابٌ، وافْتَخَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ أيْضًا نَغْلِبُكم كَما غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ. ومَعْنى ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ في أقْرَبِ أرْضِهِمْ مِن أرْضِ العَرَبِ، أوْ في أقْرَبِ أرْضِ العَرَبِ مِنهم، قِيلَ: هي أرْضُ الجَزِيرَةِ، وقِيلَ: أذْرِعاتٌ، وقِيلَ: كَسْكَرُ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ، وقِيلَ: فِلَسْطِينُ، وهَذِهِ المَواضِعُ هي أقْرَبُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِن غَيْرِها وإنَّما حُمِلَتِ الأرْضُ عَلى أرْضِ العَرَبِ لِأنَّها المَعْهُودُ في ألْسِنَتِهِمْ إذا أطْلَقُوا الأرْضَ أرادُوا بِها جَزِيرَةَ العَرَبِ وقِيلَ: إنَّ الألِفَ واللّامَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: في أدْنى أرْضِهِمْ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ إلى الرُّومِ، ويَكُونُ المَعْنى: في أقْرَبِ أرْضِ الرُّومِ مِنَ العَرَبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِأذْرُعاتٍ فَهي مِن أدْنى الأرْضِ بِالقِياسِ إلى مَكَّةَ، وإنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِالجَزِيرَةِ فَهي أدْنى بِالقِياسِ إلى أرْضِ كِسْرى، وإنْ كانَتْ بِالأُرْدُنِّ فَهي أدْنى إلى أرْضِ الرُّومِ ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ أيْ: والرُّومُ مِن بَعْدِ غَلَبِ فارِسَ إيّاهم سَيَغْلِبُونَ أهْلَ فارِسَ، والغَلَبُ والغَلَبَةُ لُغَتانِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " سَيَغْلِبُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو سَعِيدٍ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ مِن " بَعْدِ غَلْبِهِمْ " بِسُكُونِ اللّامِ. ﴿في بِضْعِ سِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البِضْعِ واشْتِقاقِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ: هو المُنْفَرِدُ بِالقُدْرَةِ وإنْقاذِ الأحْكامِ وقْتَ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ ووَقْتَ غالِبِيَّتِهِمْ، فَكُلُّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقَضائِهِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ " بِضَمِّهِما لِكَوْنِهِما مَقْطُوعَيْنِ عَنِ الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ الغَلَبِ ومِن بَعْدِهِ، أوْ مِن قَبْلِ كُلِّ أمْرٍ ومِن بَعْدِهِ. وحَكى الكِسائِيُّ " مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدُ " بِكَسْرِ الأوَّلِ مُنَوَّنًا وضَمِّ الثّانِي بِلا تَنْوِينٍ. وحَكى الفَرّاءُ " مِن قَبْلِ ومِن بَعْدِ " بِكَسْرِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وغَلَّطَهُ النَّحّاسُ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: قَدْ قُرِئَ بِكَسْرِهِما مُنَوَّنَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: مِن مُتَقَدَّمٍ ومِن مُتَأخَّرٍ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَوْمَ أنْ تَغْلِبَ الرُّومُ عَلى فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ لِلرُّومِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ كَما أنَّ المُسْلِمِينَ أهْلُ كِتابٍ، بِخِلافِ فارِسَ فَإنَّهُ لا كِتابَ لَهم، ولِهَذا سُرَّ المُشْرِكُونَ بِنَصْرِهِمْ عَلى الرُّومِ، وقِيلَ: نَصْرُ اللَّهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ مِن غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ إنْباءٌ بِما سَيَكُونُ، وهَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ - . يَنْصُرُ مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَهُ وهو العَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ الرَّحِيمُ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا: الدُّنْيَوِيَّةُ، وهي شامِلَةٌ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ. ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا لا يُخْلِفُهُ، وهو ظُهُورُ الرُّومِ عَلى فارِسَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، وهُمُ الكُفّارُ، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ. ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ ظاهِرَ ما يُشاهِدُونَهُ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا ومَلاذِّها وأمْرِ مَعاشِهِمْ، (p-١١٢٨)وأسْبابِ تَحْصِيلِ فَوائِدِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقِيلَ: هو ما تُلْقِيهِ الشَّياطِينُ إلَيْهِمْ مِن أُمُورِ الدُّنْيا عِنْدَ اسْتِراقِهُمُ السَّمْعَ، وقِيلَ: الظّاهِرُ الباطِلُ وهم عَنِ الآخِرَةِ الَّتِي هي النِّعْمَةُ الدّائِمَةُ، واللَّذَّةُ الخالِصَةُ هم غافِلُونَ لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها ولا يُعِدُّونَ لَها ما يُحْتاجُ إلَيْهِ، أوْ غافِلُونَ عَنِ الإيمانِ بِها والتَّصْدِيقِ بِمَجِيئِها. ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، وفي أنْفُسِهِمْ ظَرْفٌ لِلتَّفَكُّرِ ولَيْسَ مَفْعُولًا لِلتَّفَكُّرِ والمَعْنى: أنَّ أسْبابَ التَّفَكُّرِ حاصِلَةٌ لَهم، وهي أنْفُسُهم لَوْ تَفَكَّرُوا فِيها كَما يَنْبَغِي لَعَلِمُوا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وصِدْقَ أنْبِيائِهِ. وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ لِلتَّفَكُّرِ. والمَعْنى: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما في ما خَلَقَ اللَّهُ نافِيَةٌ أيْ: لَمْ يَخْلُقْها إلّا بِالحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يَحِقُّ ثُبُوتُهُ، أوْ هي اسْمٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ: بِما خَلَقَ اللَّهُ والعامِلُ فِيها إمّا العِلْمُ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ التَّفَكُّرُ وقالَ الزَّجّاجُ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَيَعْلَمُوا، فَجَعَلَ ما مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ لا لِلْعِلْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ، والباءُ في إلّا بِالحَقِّ إمّا لِلسَّبَبِيَّةِ، أوْ هي ومَجْرُورُها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ إلّا لِلْحَقِّ أيْ: لِلثَّوابِ والعِقابِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ بِالعَدْلِ، وقِيلَ: بِالحِكْمَةِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ أيْ: أنَّهُ هو الحَقُّ ولِلْحَقِّ خَلَقَها، " وأجَلٍ مُسَمًّى " مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ: وبِأجَلٍ مُسَمّى لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما تَنْتَهِي إلَيْهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الفَناءِ، وأنَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ أجَلًا لا يُجاوِزُهُ. وقِيلَ: مَعْنى وأجَلٍ مُسَمًّى أنَّهُ خَلَقَ ما خَلَقَ في وقْتٍ سَمّاهُ لِخَلْقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ أيْ: لَكافِرُونَ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، واللّامُ هي المُؤَكِّدَةُ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الكُفّارُ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ. أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في الآثارِ وتَأمُّلِهِمْ لِمَواقِعِ الِاعْتِبارِ، والفاءُ في فَيَنْظُرُوا لِلْعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا داخِلٌ تَحْتَ ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: أنَّهم قَدْ سارُوا وشاهَدُوا ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وجُحُودِهِمْ لِلْحَقِّ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ، وجُمْلَةُ ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْكَيْفِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وأنَّهم أقْدَرُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ ومَن تابَعَهم عَلى الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ومَعْنى ﴿وأثارُوا الأرْضَ﴾ حَرَثُوها وقَلَّبُوها لِلزِّراعَةِ وزاوَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ أهْلُ مَكَّةَ أهْلَ حَرْثٍ ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: عَمَرُوها عِمارَةً أكْثَرَ مِمّا عَمَرَها هَؤُلاءِ، لِأنَّ أُولَئِكَ كانُوا أطْوَلَ مِنهم أعْمارًا، وأقْوى أجْسامًا، وأكْثَرَ تَحْصِيلًا لِأسْبابِ المَعاشِ. فَعَمَرُوا الأرْضَ بِالأبْنِيَةِ والزِّراعَةِ والغَرْسِ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ بِالبَيِّناتِ أيِ: المُعْجِزاتِ، وقِيلَ: بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم بِتَعْذِيبِهِمْ عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا﴾ أيْ: عَمِلُوا السَّيِّئاتِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي السُّوءى هي فُعْلى مِنَ السُّوءِ تَأْنِيثُ الأسْوَأِ، وهو الأقْبَحُ أيْ: كانَ عاقِبَتَهُمُ العُقُوبَةُ الَّتِي هي أسْوَأُ العُقُوباتِ، وقِيلَ: هي اسْمٌ لِجَهَنَّمَ كَما أنَّ الحُسْنى اسْمٌ لِلْجَنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالبُشْرى والذِّكْرى. وُصِفَتْ بِهِ العُقُوبَةُ مُبالَغَةً. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " عاقِبَةُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ، وتَذْكِيرُ الفِعْلِ لِكَوْنِ تَأْنِيثِها مَجازِيًّا، والخَبَرُ السُّوءى أيِ: الفِعْلَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ العُقُوبَةُ السُّوءى أوِ الخَبَرُ أنْ كَذَّبُوا أيْ: كانَ آخِرَ أمْرِهِمُ التَّكْذِيبُ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا، والسُّوءى مَصْدَرُ أساءُوا أوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: أنْ كَذَّبُوا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى رُسُلِهِ، أوْ بِأنْ كَذَّبُوا، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ السُّوءى جَهَنَّمُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وابْنُ قُتَيْبَةَ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ سُوءى لِكَوْنِها تَسُوءُ صاحِبَها. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أشْرَكُوا النّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ آياتِ اللَّهِ واسْتِهْزائِهِمْ، وجُمْلَةُ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ عَطْفٌ عَلى كَذَّبُوا داخِلَةٌ مَعَهُ في حُكْمِ العِلِيَّةِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، أوْ في حُكْمِ الِاسْمِيَّةِ لِكانَ، أوِ الخَبَرِيَّةِ لَها عَلى القَوْلِ الآخَرِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ فارِسُ عَلى الرُّومِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ أوْثانٍ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أصْحابُ كِتابٍ، فَذَكَرُوهُ لِأبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أما إنَّهم سَيَغْلِبُونَ فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لَهم، فَقالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا فَإنْ ظَهْرَنا كانَ لَنا كَذا وكَذا، وإنْ ظَهَرْتُمْ كانَ لَكم كَذا وكَذا، فَجَعَلَ بَيْنَهم أجَلًا خَمْسَ سِنِينَ فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا جَعَلْتَهُ أُراهُ قالَ: دُونَ العَشْرِ، فَظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فَغُلِبَتْ، ثُمَّ غُلِبَتْ بَعْدُ بِقَوْلِ اللَّهِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾» " . قالَ سُفْيانُ: سَمِعْتُ أنَّهم ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ نَحْوَهُ، وزادَ أنَّهُ «لَمّا مَضى الأجَلُ ولَمْ تَغْلِبِ الرُّومُ فارِسًا، ساءَ النَّبِيُّ ما جَعَلَهُ أبُو بَكْرٍ مِنَ المُدَّةِ وكَرِهَهُ وقالَ: ما دَعاكَ إلى هَذا ؟ قالَ: تَصْدِيقًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ فَقالَ: تَعَرَّضْ لَهم وأعْظِمِ الخُطَّةَ واجْعَلْهُ إلى بِضْعِ سِنِينَ، فَأتاهم أبُو بَكْرٍ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ في العَوْدِ فَإنَّ العَوْدَ أحْمَدُ ؟ قالُوا نَعَمْ، فَلَمْ تَمْضِ تِلْكَ السُّنُونَ حَتّى غَلَبَتِ الرُّومُ فارِسًا ورَبَطُوا (p-١١٢٩)خُيُولَهم بِالمَدائِنِ وبَنَوْا رُومِيَّةَ، فَقَمَرَ أبُو بَكْرٍ فَجاءَ بِهِ أبُو بَكْرٍ يَحْمِلُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: هَذا السُّحْتُ، تَصَدَّقْ بِهِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ نِيارِ بْنِ مُكْرَمٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآيَةَ كانَتْ فارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قاهِرِينَ الرُّومَ وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم وإيّاهم أهْلُ الكِتابِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وكانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فارِسَ لِأنَّهم وإيّاهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ ولا إيمانٍ بِبَعْثٍ، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ يَصِيحُ في نَواحِي مَكَّةَ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِن قُرَيْشٍ لِأبِي بَكْرٍ: ذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَكم يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ، أفَلا نُراهِنُكَ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ بَلى، وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهانِ، فارْتَهَنَ أبُو بَكْرٍ والمُشْرِكُونَ وتَواضَعُوا الرِّهانَ، وقالُوا لِأبِي بَكْرٍ: لَمْ تَجْعَلِ البِضْعَ ثَلاثَ سِنِينَ إلى تِسْعِ سِنِينَ فَسَمِّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ وسَطًا تَنْتَهِي إلَيْهِ، قالَ: فَسَمَّوْا بَيْنَهم سِتَّ سِنِينَ، فَمَضَتِ السِّتُّ قَبْلَ أنْ يَظْهَرُوا، فَأخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أبِي بَكْرٍ، فَلَمّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ، فَعابَ المُسْلِمُونَ عَلى أبِي بَكْرٍ تَسْمِيَتَهُ سِتَّ سِنِينَ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَأسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ ناسٌ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِأبِي بَكْرٍ: «ألا احْتَطَّتَ يا أبا بَكْرٍ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى تِسْعٍ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ في تارِيخِهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَأعْجَبَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قَرَأها بِالنَّصْبِ: يَعْنِي لِلْغَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ . قالَ: فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورٍ الرُّومِ عَلى فارِسَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقِراءَةِ أبِي سَعِيدٍ ومَن مَعَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَيَجِيءُ أقْوامٌ يَقْرَءُونَ " الم غَلَبَتِ الرُّومُ " يَعْنِي بِفَتْحِ الغَيْنِ، وإنَّما هي غُلِبَتْ: يَعْنِي بِضَمِّها، وفي البابِ رِواياتٌ وما ذَكَرْناهُ يُغْنِي عَمّا سِواهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي مَعايِشَهم مَتى يَغْرِسُونَ، ومَتى يَزْرَعُونَ، ومَتى يَحْصُدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم بَيْنَ مَنكِبَيْهِ مَيْلٌ.

الروم 30:10

(p-١١٢٧)وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيرِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الرُّومِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأ فِيها سُورَةَ الرُّومِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ الأغَرِّ المَدَنِيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الرُّومِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وأحْمَدُ وابْنُ قانِعٌ مِن طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ مِثْلَ حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي مِنَ الصَّحابَةِ، وزادَ: يَتَرَدَّدُ فِيها، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: «إنَّما يُلْبِسُ عَلَيْنا في صَلاتِنا قَوْمٌ يَحْضُرُونَ الصَّلاةَ بِغَيْرِ طَهُورٍ، مَن شَهِدَ الصَّلاةَ فَلْيُحْسِنِ الطَّهُورَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ السُّورَةِ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ ومَحَلِّ أمْثالِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ بِفَتْحِ الغَيْنِ واللّامِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أكْثَرِ النّاسِ " غُلِبَتْ " بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ. قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ فَفَرِحَ بِذَلِكَ كُفّارُ مَكَّةَ وقالُوا: الَّذِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ غَلَبُوا الَّذِينَ لَهم كِتابٌ، وافْتَخَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ أيْضًا نَغْلِبُكم كَما غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ. ومَعْنى ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ في أقْرَبِ أرْضِهِمْ مِن أرْضِ العَرَبِ، أوْ في أقْرَبِ أرْضِ العَرَبِ مِنهم، قِيلَ: هي أرْضُ الجَزِيرَةِ، وقِيلَ: أذْرِعاتٌ، وقِيلَ: كَسْكَرُ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ، وقِيلَ: فِلَسْطِينُ، وهَذِهِ المَواضِعُ هي أقْرَبُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِن غَيْرِها وإنَّما حُمِلَتِ الأرْضُ عَلى أرْضِ العَرَبِ لِأنَّها المَعْهُودُ في ألْسِنَتِهِمْ إذا أطْلَقُوا الأرْضَ أرادُوا بِها جَزِيرَةَ العَرَبِ وقِيلَ: إنَّ الألِفَ واللّامَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: في أدْنى أرْضِهِمْ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ إلى الرُّومِ، ويَكُونُ المَعْنى: في أقْرَبِ أرْضِ الرُّومِ مِنَ العَرَبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِأذْرُعاتٍ فَهي مِن أدْنى الأرْضِ بِالقِياسِ إلى مَكَّةَ، وإنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِالجَزِيرَةِ فَهي أدْنى بِالقِياسِ إلى أرْضِ كِسْرى، وإنْ كانَتْ بِالأُرْدُنِّ فَهي أدْنى إلى أرْضِ الرُّومِ ﴿وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ أيْ: والرُّومُ مِن بَعْدِ غَلَبِ فارِسَ إيّاهم سَيَغْلِبُونَ أهْلَ فارِسَ، والغَلَبُ والغَلَبَةُ لُغَتانِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ، وإلى الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " سَيَغْلِبُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو سَعِيدٍ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وابْنُ عُمَرَ وأهْلُ الشّامِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ مِن " بَعْدِ غَلْبِهِمْ " بِسُكُونِ اللّامِ. ﴿في بِضْعِ سِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البِضْعِ واشْتِقاقِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ: هو المُنْفَرِدُ بِالقُدْرَةِ وإنْقاذِ الأحْكامِ وقْتَ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ ووَقْتَ غالِبِيَّتِهِمْ، فَكُلُّ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقَضائِهِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ " بِضَمِّهِما لِكَوْنِهِما مَقْطُوعَيْنِ عَنِ الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ الغَلَبِ ومِن بَعْدِهِ، أوْ مِن قَبْلِ كُلِّ أمْرٍ ومِن بَعْدِهِ. وحَكى الكِسائِيُّ " مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدُ " بِكَسْرِ الأوَّلِ مُنَوَّنًا وضَمِّ الثّانِي بِلا تَنْوِينٍ. وحَكى الفَرّاءُ " مِن قَبْلِ ومِن بَعْدِ " بِكَسْرِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وغَلَّطَهُ النَّحّاسُ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: قَدْ قُرِئَ بِكَسْرِهِما مُنَوَّنَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: مِن مُتَقَدَّمٍ ومِن مُتَأخَّرٍ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَوْمَ أنْ تَغْلِبَ الرُّومُ عَلى فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ لِلرُّومِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ كَما أنَّ المُسْلِمِينَ أهْلُ كِتابٍ، بِخِلافِ فارِسَ فَإنَّهُ لا كِتابَ لَهم، ولِهَذا سُرَّ المُشْرِكُونَ بِنَصْرِهِمْ عَلى الرُّومِ، وقِيلَ: نَصْرُ اللَّهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ مِن غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ إنْباءٌ بِما سَيَكُونُ، وهَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ - . يَنْصُرُ مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَهُ وهو العَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ الرَّحِيمُ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا: الدُّنْيَوِيَّةُ، وهي شامِلَةٌ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ. ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا لا يُخْلِفُهُ، وهو ظُهُورُ الرُّومِ عَلى فارِسَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، وهُمُ الكُفّارُ، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ. ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ ظاهِرَ ما يُشاهِدُونَهُ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا ومَلاذِّها وأمْرِ مَعاشِهِمْ، (p-١١٢٨)وأسْبابِ تَحْصِيلِ فَوائِدِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقِيلَ: هو ما تُلْقِيهِ الشَّياطِينُ إلَيْهِمْ مِن أُمُورِ الدُّنْيا عِنْدَ اسْتِراقِهُمُ السَّمْعَ، وقِيلَ: الظّاهِرُ الباطِلُ وهم عَنِ الآخِرَةِ الَّتِي هي النِّعْمَةُ الدّائِمَةُ، واللَّذَّةُ الخالِصَةُ هم غافِلُونَ لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها ولا يُعِدُّونَ لَها ما يُحْتاجُ إلَيْهِ، أوْ غافِلُونَ عَنِ الإيمانِ بِها والتَّصْدِيقِ بِمَجِيئِها. ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، وفي أنْفُسِهِمْ ظَرْفٌ لِلتَّفَكُّرِ ولَيْسَ مَفْعُولًا لِلتَّفَكُّرِ والمَعْنى: أنَّ أسْبابَ التَّفَكُّرِ حاصِلَةٌ لَهم، وهي أنْفُسُهم لَوْ تَفَكَّرُوا فِيها كَما يَنْبَغِي لَعَلِمُوا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وصِدْقَ أنْبِيائِهِ. وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ لِلتَّفَكُّرِ. والمَعْنى: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما في ما خَلَقَ اللَّهُ نافِيَةٌ أيْ: لَمْ يَخْلُقْها إلّا بِالحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يَحِقُّ ثُبُوتُهُ، أوْ هي اسْمٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ: بِما خَلَقَ اللَّهُ والعامِلُ فِيها إمّا العِلْمُ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ التَّفَكُّرُ وقالَ الزَّجّاجُ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَيَعْلَمُوا، فَجَعَلَ ما مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ لا لِلْعِلْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ، والباءُ في إلّا بِالحَقِّ إمّا لِلسَّبَبِيَّةِ، أوْ هي ومَجْرُورُها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ إلّا لِلْحَقِّ أيْ: لِلثَّوابِ والعِقابِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ بِالعَدْلِ، وقِيلَ: بِالحِكْمَةِ، وقِيلَ: بِالحَقِّ أيْ: أنَّهُ هو الحَقُّ ولِلْحَقِّ خَلَقَها، " وأجَلٍ مُسَمًّى " مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ: وبِأجَلٍ مُسَمّى لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما تَنْتَهِي إلَيْهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الفَناءِ، وأنَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ أجَلًا لا يُجاوِزُهُ. وقِيلَ: مَعْنى وأجَلٍ مُسَمًّى أنَّهُ خَلَقَ ما خَلَقَ في وقْتٍ سَمّاهُ لِخَلْقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ أيْ: لَكافِرُونَ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، واللّامُ هي المُؤَكِّدَةُ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الكُفّارُ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ. أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في الآثارِ وتَأمُّلِهِمْ لِمَواقِعِ الِاعْتِبارِ، والفاءُ في فَيَنْظُرُوا لِلْعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا داخِلٌ تَحْتَ ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: أنَّهم قَدْ سارُوا وشاهَدُوا ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وجُحُودِهِمْ لِلْحَقِّ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ، وجُمْلَةُ ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْكَيْفِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وأنَّهم أقْدَرُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ ومَن تابَعَهم عَلى الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ومَعْنى ﴿وأثارُوا الأرْضَ﴾ حَرَثُوها وقَلَّبُوها لِلزِّراعَةِ وزاوَلُوا أسْبابَ ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ أهْلُ مَكَّةَ أهْلَ حَرْثٍ ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: عَمَرُوها عِمارَةً أكْثَرَ مِمّا عَمَرَها هَؤُلاءِ، لِأنَّ أُولَئِكَ كانُوا أطْوَلَ مِنهم أعْمارًا، وأقْوى أجْسامًا، وأكْثَرَ تَحْصِيلًا لِأسْبابِ المَعاشِ. فَعَمَرُوا الأرْضَ بِالأبْنِيَةِ والزِّراعَةِ والغَرْسِ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ بِالبَيِّناتِ أيِ: المُعْجِزاتِ، وقِيلَ: بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم بِتَعْذِيبِهِمْ عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا﴾ أيْ: عَمِلُوا السَّيِّئاتِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي السُّوءى هي فُعْلى مِنَ السُّوءِ تَأْنِيثُ الأسْوَأِ، وهو الأقْبَحُ أيْ: كانَ عاقِبَتَهُمُ العُقُوبَةُ الَّتِي هي أسْوَأُ العُقُوباتِ، وقِيلَ: هي اسْمٌ لِجَهَنَّمَ كَما أنَّ الحُسْنى اسْمٌ لِلْجَنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالبُشْرى والذِّكْرى. وُصِفَتْ بِهِ العُقُوبَةُ مُبالَغَةً. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " عاقِبَةُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ، وتَذْكِيرُ الفِعْلِ لِكَوْنِ تَأْنِيثِها مَجازِيًّا، والخَبَرُ السُّوءى أيِ: الفِعْلَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ العُقُوبَةُ السُّوءى أوِ الخَبَرُ أنْ كَذَّبُوا أيْ: كانَ آخِرَ أمْرِهِمُ التَّكْذِيبُ عاقِبَةُ الَّذِينَ أساءُوا، والسُّوءى مَصْدَرُ أساءُوا أوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: أنْ كَذَّبُوا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى رُسُلِهِ، أوْ بِأنْ كَذَّبُوا، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ السُّوءى جَهَنَّمُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وابْنُ قُتَيْبَةَ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ سُوءى لِكَوْنِها تَسُوءُ صاحِبَها. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أشْرَكُوا النّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ آياتِ اللَّهِ واسْتِهْزائِهِمْ، وجُمْلَةُ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ عَطْفٌ عَلى كَذَّبُوا داخِلَةٌ مَعَهُ في حُكْمِ العِلِيَّةِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، أوْ في حُكْمِ الِاسْمِيَّةِ لِكانَ، أوِ الخَبَرِيَّةِ لَها عَلى القَوْلِ الآخَرِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ فارِسُ عَلى الرُّومِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ أوْثانٍ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أصْحابُ كِتابٍ، فَذَكَرُوهُ لِأبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أما إنَّهم سَيَغْلِبُونَ فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لَهم، فَقالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا فَإنْ ظَهْرَنا كانَ لَنا كَذا وكَذا، وإنْ ظَهَرْتُمْ كانَ لَكم كَذا وكَذا، فَجَعَلَ بَيْنَهم أجَلًا خَمْسَ سِنِينَ فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا جَعَلْتَهُ أُراهُ قالَ: دُونَ العَشْرِ، فَظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فَغُلِبَتْ، ثُمَّ غُلِبَتْ بَعْدُ بِقَوْلِ اللَّهِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾» " . قالَ سُفْيانُ: سَمِعْتُ أنَّهم ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ نَحْوَهُ، وزادَ أنَّهُ «لَمّا مَضى الأجَلُ ولَمْ تَغْلِبِ الرُّومُ فارِسًا، ساءَ النَّبِيُّ ما جَعَلَهُ أبُو بَكْرٍ مِنَ المُدَّةِ وكَرِهَهُ وقالَ: ما دَعاكَ إلى هَذا ؟ قالَ: تَصْدِيقًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ فَقالَ: تَعَرَّضْ لَهم وأعْظِمِ الخُطَّةَ واجْعَلْهُ إلى بِضْعِ سِنِينَ، فَأتاهم أبُو بَكْرٍ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ في العَوْدِ فَإنَّ العَوْدَ أحْمَدُ ؟ قالُوا نَعَمْ، فَلَمْ تَمْضِ تِلْكَ السُّنُونَ حَتّى غَلَبَتِ الرُّومُ فارِسًا ورَبَطُوا (p-١١٢٩)خُيُولَهم بِالمَدائِنِ وبَنَوْا رُومِيَّةَ، فَقَمَرَ أبُو بَكْرٍ فَجاءَ بِهِ أبُو بَكْرٍ يَحْمِلُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: هَذا السُّحْتُ، تَصَدَّقْ بِهِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ نِيارِ بْنِ مُكْرَمٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآيَةَ كانَتْ فارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قاهِرِينَ الرُّومَ وكانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم وإيّاهم أهْلُ الكِتابِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وكانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فارِسَ لِأنَّهم وإيّاهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ ولا إيمانٍ بِبَعْثٍ، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ يَصِيحُ في نَواحِي مَكَّةَ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِن قُرَيْشٍ لِأبِي بَكْرٍ: ذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَكم يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ، أفَلا نُراهِنُكَ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ بَلى، وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهانِ، فارْتَهَنَ أبُو بَكْرٍ والمُشْرِكُونَ وتَواضَعُوا الرِّهانَ، وقالُوا لِأبِي بَكْرٍ: لَمْ تَجْعَلِ البِضْعَ ثَلاثَ سِنِينَ إلى تِسْعِ سِنِينَ فَسَمِّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ وسَطًا تَنْتَهِي إلَيْهِ، قالَ: فَسَمَّوْا بَيْنَهم سِتَّ سِنِينَ، فَمَضَتِ السِّتُّ قَبْلَ أنْ يَظْهَرُوا، فَأخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أبِي بَكْرٍ، فَلَمّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ، فَعابَ المُسْلِمُونَ عَلى أبِي بَكْرٍ تَسْمِيَتَهُ سِتَّ سِنِينَ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فَأسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ ناسٌ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِأبِي بَكْرٍ: «ألا احْتَطَّتَ يا أبا بَكْرٍ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى تِسْعٍ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ في تارِيخِهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَأعْجَبَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَتْ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قَرَأها بِالنَّصْبِ: يَعْنِي لِلْغَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ . قالَ: فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورٍ الرُّومِ عَلى فارِسَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقِراءَةِ أبِي سَعِيدٍ ومَن مَعَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَيَجِيءُ أقْوامٌ يَقْرَءُونَ " الم غَلَبَتِ الرُّومُ " يَعْنِي بِفَتْحِ الغَيْنِ، وإنَّما هي غُلِبَتْ: يَعْنِي بِضَمِّها، وفي البابِ رِواياتٌ وما ذَكَرْناهُ يُغْنِي عَمّا سِواهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي مَعايِشَهم مَتى يَغْرِسُونَ، ومَتى يَزْرَعُونَ، ومَتى يَحْصُدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم بَيْنَ مَنكِبَيْهِ مَيْلٌ.

الروم 30:11

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعِيدُهم بَعْدَ المَوْتِ أحْياءً كَما كانُوا، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في يُعِيدُهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الخَلْقِ، وجَمَعَهُ في تُرْجَعُونَ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو " يُرْجَعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ والِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِالمُبالَغَةِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُبْلِسُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ يُقالُ: أبْلَسَ الرَّجُلُ: إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: المُبْلِسُ السّاكِتُ المُنْقَطِعُ في حُجَّتِهِ الَّذِي أيِسَ أنْ يَهْتَدِيَ إلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ العَجاجِ: ؎يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا قالَ: نَعَمْ أعْرِفْهُ وأبْلَسا وقالَ الكَلْبِيُّ أيْ: يَئِسَ المُشْرِكُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ حِينَ عايَنُوا العَذابَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الإبْلاسِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ مِن شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءُ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وكانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِشُرَكائِهِمْ أيْ: بِآلِهَتِهِمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كافِرِينَ أيْ: جاحِدِينَ لِكَوْنِهِمْ آلِهَةً؛ لِأنَّهم عَلِمُوا إذْ ذاكَ أنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِ عِبادَتِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أيْ: يَتَفَرَّقُ جَمِيعُ الخَلْقِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ والمُرادُ بِالتَّفَرُّقِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفَرِدُ، فالمُؤْمِنُونَ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ، والكافِرُونَ إلى النّارِ، ولَيْسَ المُرادُ تَفَرُّقَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهم عَنِ الآخَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: (p-١١٣٠)﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ فَلا يَجْتَمِعُونَ أبَدًا. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ تَفَرُّقِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ مَعْنى " أمّا " دَعْ ما كُنّا فِيهِ وخُذْ في غَيْرِهِ، وكَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ مَعْناهُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَخُذْ في غَيْرِ ما كُنّا فِيهِ، والرَّوْضَةُ كُلُّ أرْضٍ ذاتِ نَباتٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِها هُنا الجَنَّةُ، ومَعْنى يُحْبَرُونَ يُسَرُّونَ، والحُبُورُ والحَبْرَةُ السُّرُورُ أيْ: فَهم في رِياضِ الجَنَّةِ يَنْعَمُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الرَّوْضَةُ ما كانَ في سُفْلٍ، فَإذا كانَ مُرْتَفِعًا فَهو تَلْعَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ: أحْسَنُ ما تَكُونُ الرَّوْضَةُ إذا كانَتْ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ وقِيلَ: مَعْنى يُحْبَرُونَ يُكْرَمُونَ. قالَ النَّحّاسُ: حَكى الكِسائِيُّ حَبَرْتُهُ أيْ: أكْرَمْتُهُ ونَعَّمْتُهُ، والأوْلى تَفْسِيرُ يُحْبَرُونَ بِالسُّرُورِ كَما هو المَعْنى العَرَبِيُّ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ يَسْتَلْزِمُ الإكْرامَ والنَّعِيمَ، وفي السُّرُورِ زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: التَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ فَمَعْنى يُحْبَرُونَ يُحْسَنُ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو السَّماعُ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِآياتِنا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ أيِ: البَعْثِ والجَنَّةِ والنّارِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في العَذابِ مُحْضَرُونَ أيْ: مُقِيمُونَ فِيهِ، وقِيلَ: مَجْمُوعُونَ، وقِيلَ: نازِلُونَ، وقِيلَ: مُعَذَّبُونَ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ دَوامُ عَذابِهِمْ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ عاقِبَةَ طائِفَةِ المُؤْمِنِينَ وطائِفَةِ الكافِرِينَ أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما فِيهِ الأجْرُ الوافِرُ والخَيْرُ العامُّ. فَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها أيْ: فَإذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَسَبِّحُوا اللَّهَ أيْ: نَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في وقْتِ الصَّباحِ والمَساءِ وفي العَشِيِّ وفي وقْتِ الظَّهِيرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا الصَّلَواتُ الخَمْسُ، فَقَوْلُهُ حِينَ تُمْسُونَ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقَوْلُهُ وحِينَ تُصْبِحُونَ صَلاةُ الفَجْرِ، وقَوْلُهُ وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ، وقَوْلُهُ حِينَ تُظْهِرُونَ صَلاةُ الظُّهْرِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنْ مَعْنى فَسُبْحانَ اللَّهِ فَصَلُّوا لِلَّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الصَّلَواتِ قالَ: وسَمِعَتْ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: حَقِيقَتُهُ عِنْدِي فَسَبِّحُوا لِلَّهِ في الصَّلَواتِ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ يَكُونُ في الصَّلاةِ، وجُمْلَةُ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مَسُوقَةٌ لِلْإرْشادِ إلى الحَمْدِ والإيذانِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسْبِيحِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقِيلَ: مَعْنى ولَهُ الحَمْدُ أيِ: الِاخْتِصاصُ لَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي يُقْرَأُ فِيها الحَمْدُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ عِكْرِمَةُ " حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ " والمَعْنى: حِينًا تُمْسُونَ فِيهِ وحِينًا تُصْبِحُونَ فِيهِ والعَشِيُّ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى العَتَمَةِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وقالَ قَوْمٌ: هو مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَدَوْنا غَدْوَةً سَحَرًا بِلَيْلٍ ∗∗∗ عَشِيًّا بَعْدَ ما انْتَصَفَ النَّهارُ وقَوْلُهُ: عَشِيًّا مَعْطُوفٌ عَلى حِينَ، وفي السَّماواتِ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ أيِ: الحَمْدُ لَهُ يَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ. ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ والطَّيْرِ مِنَ البَيْضَةِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ مِنَ الحَيَوانِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. قِيلَ: ووَجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ الصَّباحِ يَخْرُجُ مِن شِبْهِ المَوْتِ، وهو النَّوْمُ إلى شِبْهِ الوُجُودِ، وهو اليَقَظَةُ، وعِنْدَ العِشاءِ يَخْرُجُ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ، وهو شَبِيهٌ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ تُخْرَجُونَ مِن قُبُورِكم. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُخْرَجُونَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَأسْنَدَ الخُرُوجَ إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [المعارج: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: مِن آياتِهِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَكم أيْ: خَلَقَ أباكم آدَمَ مِن تُرابِ وخَلَقَكم في ضِمْنِ خَلْقِهِ، لِأنَّ الفَرْعَ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الأصْلِ ومَأْخُوذٌ مِنهُ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ، وأنْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: ثُمَّ فاجَأْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وقْتُ كَوْنِكم بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ في الأرْضِ، وإذا الفُجائِيَّةُ وإنْ كانَتْ أكْثَرَ ما تَقَعُ بَعْدَ الفاءِ، لَكِنَّها وقَعَتْ هُنا بَعْدَ ثُمَّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ الحالَةِ الخاصَّةِ، وهي أطْوارُ الإنْسانِ كَما حَكاهُ اللَّهُ في مَواضِعَ: مِن كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا مَكْسُوًّا لَحْمًا فاجَأ البَشَرِيَّةَ، والِانْتِشارُ، ومَعْنى تَنْتَشِرُونَ: تَنْصَرِفُونَ فِيما هو قِوامُ مَعايِشِكم. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ أيْ: ومِن عَلاماتِهِ ودَلالاتِهِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا أيْ: مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ حَوّاءُ فَإنَّهُ خَلَقَها مِن ضِلْعِ آدَمَ لِتَسْكُنُوا إلَيْها أيْ: تَأْلَفُوها وتَمِيلُوا إلَيْها، فَإنَّ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ لا يَسْكُنُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ ولا يَمِيلُ قَلْبُهُ إلَيْهِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ أيْ: وِدادًا وتَراحُمًا بِسَبَبِ عِصْمَةِ النِّكاحِ يَعْطِفُ بِهِ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَكم قَبْلَ ذَلِكَ مَعْرِفَةٌ، فَضْلًا عَنْ مَوَدَّةٍ ورَحْمَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَوَدَّةُ الجِماعُ، والرَّحْمَةُ الوَلَدُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَوَدَّةُ المَحَبَّةُ، والرَّحْمَةُ الشَّفَقَةُ. وقِيلَ: المَوَدَّةُ حُبِّ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، والرَّحْمَةُ رَحْمَتُهُ إيّاها مِن أنْ يُصِيبَها بِسُوءٍ، وقَوْلُهُ أنْ خَلَقَ لَكم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ سابِقًا. لَآياتٍ عَظِيمَةَ الشَّأْنِ بَدِيعَةَ البَيانِ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَقْتَدِرُونَ (p-١١٣١)عَلى الِاسْتِدْلالِ لِكَوْنِ التَّفَكُّرِ مادَّةً لَهُ يَتَحَصَّلُ عَنْهُ، وأمّا الغافِلُونَ عَنِ التَّفَكُّرِ فَما هم إلّا كالأنْعامِ. ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العَظِيمَةَ الَّتِي هي أجْرامُ السَّماواتِ والأرْضِ وجَعَلَها باقِيَةً ما دامَتْ هَذِهِ الدّارُ وخَلَقَ فِيها مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ وغَرائِبِ التَّكْوِينِ ما هو عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَكم بَعْدَ مَوْتِكم ويَنْشُرَكم مِن قُبُورِكم ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ: لُغاتِكم مِن عَرَبٍ وعَجَمٍ، وتُرْكٍ، ورُومٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللُّغاتِ، وألْوانِكم مِنَ البَياضِ والسَّوادِ والحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ والزُّرْقَةِ والخُضْرَةِ مَعَ كَوْنِكم أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ وأُمٍّ واحِدَةٍ، ويَجْمَعُكم نَوْعٌ واحِدٌ وهو الإنْسانِيَّةُ، وفَصْلٌ واحِدٌ وهو النّاطِقِيَّةُ، حَتّى صِرْتُمْ مُتَمَيِّزِينَ في ذاتِ بَيْنِكم لا يَلْتَبِسُ هَذا بِهَذا، بَلْ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِكم ما يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأفْرادِ، وفي هَذا مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ ما لا يَعْقِلُهُ إلّا العالَمُونَ، ولا يَفْهَمُهُ إلّا المُتَفَكِّرُونَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ الَّذِينَ هم مِن جِنْسِ هَذا العالَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ بَرٍّ وفاجِرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ لامِ العالَمِينَ. وقَرَأ حَفْصٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها. قالَ الفَرّاءُ: ولَهُ وجْهٌ جَيِّدٌ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ قِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ بِالنَّهارِ. وقِيلَ: المَعْنى صَحِيحٌ مِن دُونِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ أيْ: ومِن آياتِهِ العَظِيمَةِ أنَّكم تَنامُونَ بِاللَّيْلِ وتَنامُونَ بِالنَّهارِ في بَعْضِ الأحْوالِ لِلِاسْتِراحَةِ كَوَقْتِ القَيْلُولَةِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ فِيهِما، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقَعُ فِيهِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ ابْتِغاءُ الفَضْلِ في النَّهارِ أكْثَرَ. والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِسائِرِ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذا المَعْنى، والآخَرُ هو المُناسِبُ لِلنَّظْمِ القُرْآنِيِّ هاهُنا. ووَجْهُ ذِكْرِ النَّوْمِ والِابْتِغاءِ هاهُنا وجَعْلِهِما مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ أنَّ النَّوْمَ شَبِيهٌ بِالمَوْتِ، والتَّصَرُّفَ في الحاجاتِ والسَّعْيِ في المَكاسِبِ شَبِيهٌ بِالحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ: يَسْمَعُونَ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ مُتَفَكِّرٍ مُتَدَبِّرٍ فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى البَعْثِ. ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ المَعْنى: أنْ يُرِيَكم، فَحَذْفُ أنْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَما قالَ طَرَفَةُ: ؎ألا أيُّهَذا اللّائِمِي أحْضُرُ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي والتَّقْدِيرُ: أنْ أحْضُرَ، فَلَمّا حُذِفَ الحَرْفُ في الآيَةِ والبَيْتِ بَطُلَ عَمَلُهُ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ تَسْمَعَ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: ويُرِيكُمُ البَرْقَ مِن آياتِهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُرِيكم صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ومِن آياتِهِ آيَةٌ يُرِيكم بِها وفِيها البَرْقَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا مِن آياتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. قالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: خَوْفًا مِنَ الصَّواعِقِ وطَمَعًا في الغَيْثِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ خَوْفًا مِنَ البَرْدِ أنْ يُهْلِكَ الزَّرْعَ، وطَمَعًا في المَطَرِ أنْ يُحْيِيَ الزَّرْعَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: خَوْفًا أنْ يَكُونَ البَرْقُ بَرْقًا خُلَّبًا لا يُمْطِرُ، وطَمَعًا أنْ يَكُونَ مُمْطِرًا، وأنْشَدَ: ؎لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقًا خُلَّبًا ∗∗∗ إنَّ خَيْرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ مَعَهُ وانْتِصابُ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى العِلَّةِ ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فَإنَّ مَن لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العَقْلِ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ آيَةٌ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: قِيامُهُما واسْتِمْساكُهُما بِإرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - وقُدْرَتِهِ بِلا عَمَدٍ يَعْمِدُهُما، ولا مُسْتَقَرٍّ يَسْتَقِرّانِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ أنْ تَدُوما قائِمَتَيْنِ بِأمْرِهِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أيْ: ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِكم ومَصِيرِكم في القُبُورِ إذا دَعاكم دَعْوَةً واحِدَةً فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ تَلَبُّثٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَما يُجِيبُ المَدْعُوُّ المُطِيعُ دَعْوَةَ الدّاعِي المُطاعِ. ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا أيْ: دَعاكم مِنَ الأرْضِ الَّتِي أنْتُمْ فِيها، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِدَعْوَةٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَخْرُجُونَ أيْ: خَرَجْتُمْ مِنَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ تَخْرُجُونَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وهَذِهِ الدَّعْوَةُ هي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الآخِرَةُ في الصُّورِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ التّاءِ في " تَخْرُجُونَ " هُنا، وغَلَطَ مَن قالَ إنَّهُ قُرِئَ هُنا بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإنَّما قُرِئَ بِضَمِّها في الأعْرافِ. ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا وتَصَرُّفًا وخَلْقًا، لَيْسَ لِغَيْرِهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أيْ: مُطِيعُونَ طاعَةَ انْقِيادٍ، وقِيلَ: مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: مُصَلُّونَ، وقِيلَ: قائِمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] أيْ: لِلْحِسابِ، وقِيلَ: بِالشَّهادَةِ أنَّهم عِبادُهُ، وقِيلَ: مُخْلِصُونَ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ المَوْتِ فَيُحْيِيهِ الحَياةَ الدّائِمَةَ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَيِّنٌ عَلَيْهِ لا يَسْتَصْعِبُهُ، أوْ أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِكم وعَلى ما يَقُولُهُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ، وإلّا فَلا شَيْءَ في قُدْرَتِهِ بَعْضُهُ أهْوَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّ الأشْياءِ مُسْتَوِيَةٌ يُوجِدُها بِقَوْلِهِ: كُنْ فَتَكُونُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَن جَعَلَ " أهْوَنُ " عِبارَةً عَنْ تَفْضِيلِ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البقرة: ٢٥٥] والعَرَبُ تَحْمِلُ أفْعَلَ عَلى فاعِلٍ كَثِيرًا كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ، وأنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ عَلى ذَلِكَ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ (p-١١٣٢)أيْ: لَسْتُ بِواحِدٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ ∗∗∗ لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ أيْ: وفاضِلٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وهو عَلَيْهِ هَيِّنٌ " وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: إنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ أيْ: عَلى اللَّهِ مِنَ البِدايَةِ أيْ: أيْسَرُ وإنْ كانَ جَمِيعُهُ هَيِّنًا. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الإعادَةَ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ أهْوَنُ مِنَ البِدايَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في عَلَيْهِ لِلْخَلْقِ أيْ: وهو أهْوَنُ عَلى الخَلْقِ لِأنَّهُ يُصاحُ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَيَقُومُونَ ويُقالُ لَهم كُونُوا فَيَكُونُونَ، فَذَلِكَ أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يَكُونُوا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى آخِرِ النَّشْأةِ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ قالَ الخَلِيلُ: المَثَلُ الصِّفَةُ أيْ: ولَهُ الوَصْفُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ كَما قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [ الرَّعْدِ: ٣٥، ومُحَمَّدٍ: ١٥ ] أيْ: صِفَتُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المَثَلُ الأعْلى قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قَدْ ضَرَبَهُ لَكم مَثَلًا فِيما يَصْعُبُ ويَسْهُلُ. وقِيلَ: المَثَلُ الأعْلى هو أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: هو أنَّ ما أرادَهُ كانَ بِقَوْلِ كُنْ، وفي السَّماواتِ والأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عُرِفَ بِالمَثَلِ الأعْلى، ووُصِفَ بِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الأعْلى، أوْ مِنَ المَثَلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الأعْلى، وهو العَزِيزُ في مُلْكِهِ، القادِرُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الحَكِيمُ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُبْلِسُ قالَ: يَبْتَئِسُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، يُبْلِسُ قالَ: يَكْتَئِبُ، وعَنْهُ الإبْلاسُ: الفَضِيحَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُحْبَرُونَ قالَ: يُكْرَمُونَ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا يُنَزِّهُونَ أسْماعَهم وأبْصارَهم عَنْ مَزامِيرِ الشَّيْطانِ مَيِّزُوهم، فَيُمَيَّزُونَ في كَثَبِ المِسْكِ والعَنْبَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أسْمِعُوهم مِن تَسْبِيحِي وتَحْمِيدِي وتَهْلِيلِي، قالَ: فَيُسَبِّحُونَ بِأصْواتٍ لَمْ يَسْمَعِ السّامِعُونَ بِمِثْلِها قَطُّ» . وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في المُجالَسَةِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، ولَمْ يُسَمِّ مَن رَواهُ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي، والأصْبِهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ كِلاهُما في صِفَةِ الجَنَّةِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ عَلى ساقٍ قَدْرَ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ، فَيُخْرِجُ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ الغُرَفِ وغَيْرِهِمْ فَيَتَحَدَّثُونَ في ظِلِّها، فَيَشْتَهِي بَعْضُهم ويَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ كانَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ فَهو صَلاةٌ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: جاءَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ ؟ قالَ نَعَمْ، فَقَرَأ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صَلاةُ المَغْرِبِ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صَلاةُ الظُّهْرِ، وقَرَأ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَواقِيتَ الصَّلاةِ، ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قالَ: المَغْرِبُ والعِشاءُ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفَجْرُ وعَشِيًّا العَصْرُ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهْرُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ يَوْمِ ولَيْلَةٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى ؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾» وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ، ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يَقُولُ مُطِيعُونَ: يَعْنِي الحَياةَ والنُّشُورَ والمَوْتَ وهم لَهُ عاصُونَ فِيما سِوى ذَلِكَ مِنَ العِبادَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: أيْسَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: الإعادَةُ أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كُنْ فَيَكُونُ، وابْتَدَأ الخِلْقَةَ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ يَقُولُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

الروم 30:12

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعِيدُهم بَعْدَ المَوْتِ أحْياءً كَما كانُوا، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في يُعِيدُهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الخَلْقِ، وجَمَعَهُ في تُرْجَعُونَ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو " يُرْجَعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ والِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِالمُبالَغَةِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُبْلِسُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ يُقالُ: أبْلَسَ الرَّجُلُ: إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: المُبْلِسُ السّاكِتُ المُنْقَطِعُ في حُجَّتِهِ الَّذِي أيِسَ أنْ يَهْتَدِيَ إلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ العَجاجِ: ؎يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا قالَ: نَعَمْ أعْرِفْهُ وأبْلَسا وقالَ الكَلْبِيُّ أيْ: يَئِسَ المُشْرِكُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ حِينَ عايَنُوا العَذابَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الإبْلاسِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ مِن شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءُ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وكانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِشُرَكائِهِمْ أيْ: بِآلِهَتِهِمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كافِرِينَ أيْ: جاحِدِينَ لِكَوْنِهِمْ آلِهَةً؛ لِأنَّهم عَلِمُوا إذْ ذاكَ أنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِ عِبادَتِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أيْ: يَتَفَرَّقُ جَمِيعُ الخَلْقِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ والمُرادُ بِالتَّفَرُّقِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفَرِدُ، فالمُؤْمِنُونَ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ، والكافِرُونَ إلى النّارِ، ولَيْسَ المُرادُ تَفَرُّقَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهم عَنِ الآخَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: (p-١١٣٠)﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ فَلا يَجْتَمِعُونَ أبَدًا. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ تَفَرُّقِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ مَعْنى " أمّا " دَعْ ما كُنّا فِيهِ وخُذْ في غَيْرِهِ، وكَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ مَعْناهُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَخُذْ في غَيْرِ ما كُنّا فِيهِ، والرَّوْضَةُ كُلُّ أرْضٍ ذاتِ نَباتٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِها هُنا الجَنَّةُ، ومَعْنى يُحْبَرُونَ يُسَرُّونَ، والحُبُورُ والحَبْرَةُ السُّرُورُ أيْ: فَهم في رِياضِ الجَنَّةِ يَنْعَمُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الرَّوْضَةُ ما كانَ في سُفْلٍ، فَإذا كانَ مُرْتَفِعًا فَهو تَلْعَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ: أحْسَنُ ما تَكُونُ الرَّوْضَةُ إذا كانَتْ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ وقِيلَ: مَعْنى يُحْبَرُونَ يُكْرَمُونَ. قالَ النَّحّاسُ: حَكى الكِسائِيُّ حَبَرْتُهُ أيْ: أكْرَمْتُهُ ونَعَّمْتُهُ، والأوْلى تَفْسِيرُ يُحْبَرُونَ بِالسُّرُورِ كَما هو المَعْنى العَرَبِيُّ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ يَسْتَلْزِمُ الإكْرامَ والنَّعِيمَ، وفي السُّرُورِ زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: التَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ فَمَعْنى يُحْبَرُونَ يُحْسَنُ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو السَّماعُ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِآياتِنا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ أيِ: البَعْثِ والجَنَّةِ والنّارِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في العَذابِ مُحْضَرُونَ أيْ: مُقِيمُونَ فِيهِ، وقِيلَ: مَجْمُوعُونَ، وقِيلَ: نازِلُونَ، وقِيلَ: مُعَذَّبُونَ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ دَوامُ عَذابِهِمْ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ عاقِبَةَ طائِفَةِ المُؤْمِنِينَ وطائِفَةِ الكافِرِينَ أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما فِيهِ الأجْرُ الوافِرُ والخَيْرُ العامُّ. فَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها أيْ: فَإذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَسَبِّحُوا اللَّهَ أيْ: نَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في وقْتِ الصَّباحِ والمَساءِ وفي العَشِيِّ وفي وقْتِ الظَّهِيرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا الصَّلَواتُ الخَمْسُ، فَقَوْلُهُ حِينَ تُمْسُونَ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقَوْلُهُ وحِينَ تُصْبِحُونَ صَلاةُ الفَجْرِ، وقَوْلُهُ وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ، وقَوْلُهُ حِينَ تُظْهِرُونَ صَلاةُ الظُّهْرِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنْ مَعْنى فَسُبْحانَ اللَّهِ فَصَلُّوا لِلَّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الصَّلَواتِ قالَ: وسَمِعَتْ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: حَقِيقَتُهُ عِنْدِي فَسَبِّحُوا لِلَّهِ في الصَّلَواتِ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ يَكُونُ في الصَّلاةِ، وجُمْلَةُ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مَسُوقَةٌ لِلْإرْشادِ إلى الحَمْدِ والإيذانِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسْبِيحِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقِيلَ: مَعْنى ولَهُ الحَمْدُ أيِ: الِاخْتِصاصُ لَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي يُقْرَأُ فِيها الحَمْدُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ عِكْرِمَةُ " حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ " والمَعْنى: حِينًا تُمْسُونَ فِيهِ وحِينًا تُصْبِحُونَ فِيهِ والعَشِيُّ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى العَتَمَةِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وقالَ قَوْمٌ: هو مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَدَوْنا غَدْوَةً سَحَرًا بِلَيْلٍ ∗∗∗ عَشِيًّا بَعْدَ ما انْتَصَفَ النَّهارُ وقَوْلُهُ: عَشِيًّا مَعْطُوفٌ عَلى حِينَ، وفي السَّماواتِ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ أيِ: الحَمْدُ لَهُ يَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ. ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ والطَّيْرِ مِنَ البَيْضَةِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ مِنَ الحَيَوانِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. قِيلَ: ووَجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ الصَّباحِ يَخْرُجُ مِن شِبْهِ المَوْتِ، وهو النَّوْمُ إلى شِبْهِ الوُجُودِ، وهو اليَقَظَةُ، وعِنْدَ العِشاءِ يَخْرُجُ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ، وهو شَبِيهٌ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ تُخْرَجُونَ مِن قُبُورِكم. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُخْرَجُونَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَأسْنَدَ الخُرُوجَ إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [المعارج: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: مِن آياتِهِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَكم أيْ: خَلَقَ أباكم آدَمَ مِن تُرابِ وخَلَقَكم في ضِمْنِ خَلْقِهِ، لِأنَّ الفَرْعَ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الأصْلِ ومَأْخُوذٌ مِنهُ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ، وأنْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: ثُمَّ فاجَأْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وقْتُ كَوْنِكم بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ في الأرْضِ، وإذا الفُجائِيَّةُ وإنْ كانَتْ أكْثَرَ ما تَقَعُ بَعْدَ الفاءِ، لَكِنَّها وقَعَتْ هُنا بَعْدَ ثُمَّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ الحالَةِ الخاصَّةِ، وهي أطْوارُ الإنْسانِ كَما حَكاهُ اللَّهُ في مَواضِعَ: مِن كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا مَكْسُوًّا لَحْمًا فاجَأ البَشَرِيَّةَ، والِانْتِشارُ، ومَعْنى تَنْتَشِرُونَ: تَنْصَرِفُونَ فِيما هو قِوامُ مَعايِشِكم. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ أيْ: ومِن عَلاماتِهِ ودَلالاتِهِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا أيْ: مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ حَوّاءُ فَإنَّهُ خَلَقَها مِن ضِلْعِ آدَمَ لِتَسْكُنُوا إلَيْها أيْ: تَأْلَفُوها وتَمِيلُوا إلَيْها، فَإنَّ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ لا يَسْكُنُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ ولا يَمِيلُ قَلْبُهُ إلَيْهِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ أيْ: وِدادًا وتَراحُمًا بِسَبَبِ عِصْمَةِ النِّكاحِ يَعْطِفُ بِهِ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَكم قَبْلَ ذَلِكَ مَعْرِفَةٌ، فَضْلًا عَنْ مَوَدَّةٍ ورَحْمَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَوَدَّةُ الجِماعُ، والرَّحْمَةُ الوَلَدُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَوَدَّةُ المَحَبَّةُ، والرَّحْمَةُ الشَّفَقَةُ. وقِيلَ: المَوَدَّةُ حُبِّ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، والرَّحْمَةُ رَحْمَتُهُ إيّاها مِن أنْ يُصِيبَها بِسُوءٍ، وقَوْلُهُ أنْ خَلَقَ لَكم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ سابِقًا. لَآياتٍ عَظِيمَةَ الشَّأْنِ بَدِيعَةَ البَيانِ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَقْتَدِرُونَ (p-١١٣١)عَلى الِاسْتِدْلالِ لِكَوْنِ التَّفَكُّرِ مادَّةً لَهُ يَتَحَصَّلُ عَنْهُ، وأمّا الغافِلُونَ عَنِ التَّفَكُّرِ فَما هم إلّا كالأنْعامِ. ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العَظِيمَةَ الَّتِي هي أجْرامُ السَّماواتِ والأرْضِ وجَعَلَها باقِيَةً ما دامَتْ هَذِهِ الدّارُ وخَلَقَ فِيها مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ وغَرائِبِ التَّكْوِينِ ما هو عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَكم بَعْدَ مَوْتِكم ويَنْشُرَكم مِن قُبُورِكم ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ: لُغاتِكم مِن عَرَبٍ وعَجَمٍ، وتُرْكٍ، ورُومٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللُّغاتِ، وألْوانِكم مِنَ البَياضِ والسَّوادِ والحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ والزُّرْقَةِ والخُضْرَةِ مَعَ كَوْنِكم أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ وأُمٍّ واحِدَةٍ، ويَجْمَعُكم نَوْعٌ واحِدٌ وهو الإنْسانِيَّةُ، وفَصْلٌ واحِدٌ وهو النّاطِقِيَّةُ، حَتّى صِرْتُمْ مُتَمَيِّزِينَ في ذاتِ بَيْنِكم لا يَلْتَبِسُ هَذا بِهَذا، بَلْ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِكم ما يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأفْرادِ، وفي هَذا مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ ما لا يَعْقِلُهُ إلّا العالَمُونَ، ولا يَفْهَمُهُ إلّا المُتَفَكِّرُونَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ الَّذِينَ هم مِن جِنْسِ هَذا العالَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ بَرٍّ وفاجِرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ لامِ العالَمِينَ. وقَرَأ حَفْصٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها. قالَ الفَرّاءُ: ولَهُ وجْهٌ جَيِّدٌ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ قِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ بِالنَّهارِ. وقِيلَ: المَعْنى صَحِيحٌ مِن دُونِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ أيْ: ومِن آياتِهِ العَظِيمَةِ أنَّكم تَنامُونَ بِاللَّيْلِ وتَنامُونَ بِالنَّهارِ في بَعْضِ الأحْوالِ لِلِاسْتِراحَةِ كَوَقْتِ القَيْلُولَةِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ فِيهِما، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقَعُ فِيهِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ ابْتِغاءُ الفَضْلِ في النَّهارِ أكْثَرَ. والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِسائِرِ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذا المَعْنى، والآخَرُ هو المُناسِبُ لِلنَّظْمِ القُرْآنِيِّ هاهُنا. ووَجْهُ ذِكْرِ النَّوْمِ والِابْتِغاءِ هاهُنا وجَعْلِهِما مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ أنَّ النَّوْمَ شَبِيهٌ بِالمَوْتِ، والتَّصَرُّفَ في الحاجاتِ والسَّعْيِ في المَكاسِبِ شَبِيهٌ بِالحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ: يَسْمَعُونَ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ مُتَفَكِّرٍ مُتَدَبِّرٍ فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى البَعْثِ. ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ المَعْنى: أنْ يُرِيَكم، فَحَذْفُ أنْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَما قالَ طَرَفَةُ: ؎ألا أيُّهَذا اللّائِمِي أحْضُرُ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي والتَّقْدِيرُ: أنْ أحْضُرَ، فَلَمّا حُذِفَ الحَرْفُ في الآيَةِ والبَيْتِ بَطُلَ عَمَلُهُ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ تَسْمَعَ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: ويُرِيكُمُ البَرْقَ مِن آياتِهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُرِيكم صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ومِن آياتِهِ آيَةٌ يُرِيكم بِها وفِيها البَرْقَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا مِن آياتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. قالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: خَوْفًا مِنَ الصَّواعِقِ وطَمَعًا في الغَيْثِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ خَوْفًا مِنَ البَرْدِ أنْ يُهْلِكَ الزَّرْعَ، وطَمَعًا في المَطَرِ أنْ يُحْيِيَ الزَّرْعَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: خَوْفًا أنْ يَكُونَ البَرْقُ بَرْقًا خُلَّبًا لا يُمْطِرُ، وطَمَعًا أنْ يَكُونَ مُمْطِرًا، وأنْشَدَ: ؎لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقًا خُلَّبًا ∗∗∗ إنَّ خَيْرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ مَعَهُ وانْتِصابُ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى العِلَّةِ ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فَإنَّ مَن لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العَقْلِ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ آيَةٌ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: قِيامُهُما واسْتِمْساكُهُما بِإرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - وقُدْرَتِهِ بِلا عَمَدٍ يَعْمِدُهُما، ولا مُسْتَقَرٍّ يَسْتَقِرّانِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ أنْ تَدُوما قائِمَتَيْنِ بِأمْرِهِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أيْ: ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِكم ومَصِيرِكم في القُبُورِ إذا دَعاكم دَعْوَةً واحِدَةً فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ تَلَبُّثٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَما يُجِيبُ المَدْعُوُّ المُطِيعُ دَعْوَةَ الدّاعِي المُطاعِ. ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا أيْ: دَعاكم مِنَ الأرْضِ الَّتِي أنْتُمْ فِيها، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِدَعْوَةٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَخْرُجُونَ أيْ: خَرَجْتُمْ مِنَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ تَخْرُجُونَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وهَذِهِ الدَّعْوَةُ هي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الآخِرَةُ في الصُّورِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ التّاءِ في " تَخْرُجُونَ " هُنا، وغَلَطَ مَن قالَ إنَّهُ قُرِئَ هُنا بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإنَّما قُرِئَ بِضَمِّها في الأعْرافِ. ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا وتَصَرُّفًا وخَلْقًا، لَيْسَ لِغَيْرِهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أيْ: مُطِيعُونَ طاعَةَ انْقِيادٍ، وقِيلَ: مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: مُصَلُّونَ، وقِيلَ: قائِمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] أيْ: لِلْحِسابِ، وقِيلَ: بِالشَّهادَةِ أنَّهم عِبادُهُ، وقِيلَ: مُخْلِصُونَ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ المَوْتِ فَيُحْيِيهِ الحَياةَ الدّائِمَةَ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَيِّنٌ عَلَيْهِ لا يَسْتَصْعِبُهُ، أوْ أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِكم وعَلى ما يَقُولُهُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ، وإلّا فَلا شَيْءَ في قُدْرَتِهِ بَعْضُهُ أهْوَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّ الأشْياءِ مُسْتَوِيَةٌ يُوجِدُها بِقَوْلِهِ: كُنْ فَتَكُونُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَن جَعَلَ " أهْوَنُ " عِبارَةً عَنْ تَفْضِيلِ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البقرة: ٢٥٥] والعَرَبُ تَحْمِلُ أفْعَلَ عَلى فاعِلٍ كَثِيرًا كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ، وأنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ عَلى ذَلِكَ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ (p-١١٣٢)أيْ: لَسْتُ بِواحِدٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ ∗∗∗ لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ أيْ: وفاضِلٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وهو عَلَيْهِ هَيِّنٌ " وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: إنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ أيْ: عَلى اللَّهِ مِنَ البِدايَةِ أيْ: أيْسَرُ وإنْ كانَ جَمِيعُهُ هَيِّنًا. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الإعادَةَ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ أهْوَنُ مِنَ البِدايَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في عَلَيْهِ لِلْخَلْقِ أيْ: وهو أهْوَنُ عَلى الخَلْقِ لِأنَّهُ يُصاحُ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَيَقُومُونَ ويُقالُ لَهم كُونُوا فَيَكُونُونَ، فَذَلِكَ أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يَكُونُوا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى آخِرِ النَّشْأةِ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ قالَ الخَلِيلُ: المَثَلُ الصِّفَةُ أيْ: ولَهُ الوَصْفُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ كَما قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [ الرَّعْدِ: ٣٥، ومُحَمَّدٍ: ١٥ ] أيْ: صِفَتُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المَثَلُ الأعْلى قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قَدْ ضَرَبَهُ لَكم مَثَلًا فِيما يَصْعُبُ ويَسْهُلُ. وقِيلَ: المَثَلُ الأعْلى هو أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: هو أنَّ ما أرادَهُ كانَ بِقَوْلِ كُنْ، وفي السَّماواتِ والأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عُرِفَ بِالمَثَلِ الأعْلى، ووُصِفَ بِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الأعْلى، أوْ مِنَ المَثَلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الأعْلى، وهو العَزِيزُ في مُلْكِهِ، القادِرُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الحَكِيمُ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُبْلِسُ قالَ: يَبْتَئِسُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، يُبْلِسُ قالَ: يَكْتَئِبُ، وعَنْهُ الإبْلاسُ: الفَضِيحَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُحْبَرُونَ قالَ: يُكْرَمُونَ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا يُنَزِّهُونَ أسْماعَهم وأبْصارَهم عَنْ مَزامِيرِ الشَّيْطانِ مَيِّزُوهم، فَيُمَيَّزُونَ في كَثَبِ المِسْكِ والعَنْبَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أسْمِعُوهم مِن تَسْبِيحِي وتَحْمِيدِي وتَهْلِيلِي، قالَ: فَيُسَبِّحُونَ بِأصْواتٍ لَمْ يَسْمَعِ السّامِعُونَ بِمِثْلِها قَطُّ» . وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في المُجالَسَةِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، ولَمْ يُسَمِّ مَن رَواهُ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي، والأصْبِهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ كِلاهُما في صِفَةِ الجَنَّةِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ عَلى ساقٍ قَدْرَ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ، فَيُخْرِجُ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ الغُرَفِ وغَيْرِهِمْ فَيَتَحَدَّثُونَ في ظِلِّها، فَيَشْتَهِي بَعْضُهم ويَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ كانَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ فَهو صَلاةٌ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: جاءَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ ؟ قالَ نَعَمْ، فَقَرَأ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صَلاةُ المَغْرِبِ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صَلاةُ الظُّهْرِ، وقَرَأ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَواقِيتَ الصَّلاةِ، ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قالَ: المَغْرِبُ والعِشاءُ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفَجْرُ وعَشِيًّا العَصْرُ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهْرُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ يَوْمِ ولَيْلَةٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى ؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾» وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ، ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يَقُولُ مُطِيعُونَ: يَعْنِي الحَياةَ والنُّشُورَ والمَوْتَ وهم لَهُ عاصُونَ فِيما سِوى ذَلِكَ مِنَ العِبادَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: أيْسَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: الإعادَةُ أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كُنْ فَيَكُونُ، وابْتَدَأ الخِلْقَةَ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ يَقُولُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

الروم 30:13

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعِيدُهم بَعْدَ المَوْتِ أحْياءً كَما كانُوا، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في يُعِيدُهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الخَلْقِ، وجَمَعَهُ في تُرْجَعُونَ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو " يُرْجَعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ والِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِالمُبالَغَةِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُبْلِسُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ يُقالُ: أبْلَسَ الرَّجُلُ: إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: المُبْلِسُ السّاكِتُ المُنْقَطِعُ في حُجَّتِهِ الَّذِي أيِسَ أنْ يَهْتَدِيَ إلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ العَجاجِ: ؎يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا قالَ: نَعَمْ أعْرِفْهُ وأبْلَسا وقالَ الكَلْبِيُّ أيْ: يَئِسَ المُشْرِكُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ حِينَ عايَنُوا العَذابَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الإبْلاسِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ مِن شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءُ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وكانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِشُرَكائِهِمْ أيْ: بِآلِهَتِهِمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كافِرِينَ أيْ: جاحِدِينَ لِكَوْنِهِمْ آلِهَةً؛ لِأنَّهم عَلِمُوا إذْ ذاكَ أنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِ عِبادَتِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أيْ: يَتَفَرَّقُ جَمِيعُ الخَلْقِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ والمُرادُ بِالتَّفَرُّقِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفَرِدُ، فالمُؤْمِنُونَ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ، والكافِرُونَ إلى النّارِ، ولَيْسَ المُرادُ تَفَرُّقَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهم عَنِ الآخَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: (p-١١٣٠)﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ فَلا يَجْتَمِعُونَ أبَدًا. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ تَفَرُّقِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ مَعْنى " أمّا " دَعْ ما كُنّا فِيهِ وخُذْ في غَيْرِهِ، وكَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ مَعْناهُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَخُذْ في غَيْرِ ما كُنّا فِيهِ، والرَّوْضَةُ كُلُّ أرْضٍ ذاتِ نَباتٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِها هُنا الجَنَّةُ، ومَعْنى يُحْبَرُونَ يُسَرُّونَ، والحُبُورُ والحَبْرَةُ السُّرُورُ أيْ: فَهم في رِياضِ الجَنَّةِ يَنْعَمُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الرَّوْضَةُ ما كانَ في سُفْلٍ، فَإذا كانَ مُرْتَفِعًا فَهو تَلْعَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ: أحْسَنُ ما تَكُونُ الرَّوْضَةُ إذا كانَتْ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ وقِيلَ: مَعْنى يُحْبَرُونَ يُكْرَمُونَ. قالَ النَّحّاسُ: حَكى الكِسائِيُّ حَبَرْتُهُ أيْ: أكْرَمْتُهُ ونَعَّمْتُهُ، والأوْلى تَفْسِيرُ يُحْبَرُونَ بِالسُّرُورِ كَما هو المَعْنى العَرَبِيُّ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ يَسْتَلْزِمُ الإكْرامَ والنَّعِيمَ، وفي السُّرُورِ زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: التَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ فَمَعْنى يُحْبَرُونَ يُحْسَنُ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو السَّماعُ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِآياتِنا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ أيِ: البَعْثِ والجَنَّةِ والنّارِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في العَذابِ مُحْضَرُونَ أيْ: مُقِيمُونَ فِيهِ، وقِيلَ: مَجْمُوعُونَ، وقِيلَ: نازِلُونَ، وقِيلَ: مُعَذَّبُونَ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ دَوامُ عَذابِهِمْ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ عاقِبَةَ طائِفَةِ المُؤْمِنِينَ وطائِفَةِ الكافِرِينَ أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما فِيهِ الأجْرُ الوافِرُ والخَيْرُ العامُّ. فَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها أيْ: فَإذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَسَبِّحُوا اللَّهَ أيْ: نَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في وقْتِ الصَّباحِ والمَساءِ وفي العَشِيِّ وفي وقْتِ الظَّهِيرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا الصَّلَواتُ الخَمْسُ، فَقَوْلُهُ حِينَ تُمْسُونَ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقَوْلُهُ وحِينَ تُصْبِحُونَ صَلاةُ الفَجْرِ، وقَوْلُهُ وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ، وقَوْلُهُ حِينَ تُظْهِرُونَ صَلاةُ الظُّهْرِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنْ مَعْنى فَسُبْحانَ اللَّهِ فَصَلُّوا لِلَّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الصَّلَواتِ قالَ: وسَمِعَتْ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: حَقِيقَتُهُ عِنْدِي فَسَبِّحُوا لِلَّهِ في الصَّلَواتِ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ يَكُونُ في الصَّلاةِ، وجُمْلَةُ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مَسُوقَةٌ لِلْإرْشادِ إلى الحَمْدِ والإيذانِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسْبِيحِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقِيلَ: مَعْنى ولَهُ الحَمْدُ أيِ: الِاخْتِصاصُ لَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي يُقْرَأُ فِيها الحَمْدُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ عِكْرِمَةُ " حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ " والمَعْنى: حِينًا تُمْسُونَ فِيهِ وحِينًا تُصْبِحُونَ فِيهِ والعَشِيُّ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى العَتَمَةِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وقالَ قَوْمٌ: هو مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَدَوْنا غَدْوَةً سَحَرًا بِلَيْلٍ ∗∗∗ عَشِيًّا بَعْدَ ما انْتَصَفَ النَّهارُ وقَوْلُهُ: عَشِيًّا مَعْطُوفٌ عَلى حِينَ، وفي السَّماواتِ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ أيِ: الحَمْدُ لَهُ يَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ. ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ والطَّيْرِ مِنَ البَيْضَةِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ مِنَ الحَيَوانِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. قِيلَ: ووَجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ الصَّباحِ يَخْرُجُ مِن شِبْهِ المَوْتِ، وهو النَّوْمُ إلى شِبْهِ الوُجُودِ، وهو اليَقَظَةُ، وعِنْدَ العِشاءِ يَخْرُجُ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ، وهو شَبِيهٌ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ تُخْرَجُونَ مِن قُبُورِكم. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُخْرَجُونَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَأسْنَدَ الخُرُوجَ إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [المعارج: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: مِن آياتِهِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَكم أيْ: خَلَقَ أباكم آدَمَ مِن تُرابِ وخَلَقَكم في ضِمْنِ خَلْقِهِ، لِأنَّ الفَرْعَ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الأصْلِ ومَأْخُوذٌ مِنهُ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ، وأنْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: ثُمَّ فاجَأْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وقْتُ كَوْنِكم بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ في الأرْضِ، وإذا الفُجائِيَّةُ وإنْ كانَتْ أكْثَرَ ما تَقَعُ بَعْدَ الفاءِ، لَكِنَّها وقَعَتْ هُنا بَعْدَ ثُمَّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ الحالَةِ الخاصَّةِ، وهي أطْوارُ الإنْسانِ كَما حَكاهُ اللَّهُ في مَواضِعَ: مِن كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا مَكْسُوًّا لَحْمًا فاجَأ البَشَرِيَّةَ، والِانْتِشارُ، ومَعْنى تَنْتَشِرُونَ: تَنْصَرِفُونَ فِيما هو قِوامُ مَعايِشِكم. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ أيْ: ومِن عَلاماتِهِ ودَلالاتِهِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا أيْ: مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ حَوّاءُ فَإنَّهُ خَلَقَها مِن ضِلْعِ آدَمَ لِتَسْكُنُوا إلَيْها أيْ: تَأْلَفُوها وتَمِيلُوا إلَيْها، فَإنَّ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ لا يَسْكُنُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ ولا يَمِيلُ قَلْبُهُ إلَيْهِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ أيْ: وِدادًا وتَراحُمًا بِسَبَبِ عِصْمَةِ النِّكاحِ يَعْطِفُ بِهِ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَكم قَبْلَ ذَلِكَ مَعْرِفَةٌ، فَضْلًا عَنْ مَوَدَّةٍ ورَحْمَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَوَدَّةُ الجِماعُ، والرَّحْمَةُ الوَلَدُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَوَدَّةُ المَحَبَّةُ، والرَّحْمَةُ الشَّفَقَةُ. وقِيلَ: المَوَدَّةُ حُبِّ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، والرَّحْمَةُ رَحْمَتُهُ إيّاها مِن أنْ يُصِيبَها بِسُوءٍ، وقَوْلُهُ أنْ خَلَقَ لَكم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ سابِقًا. لَآياتٍ عَظِيمَةَ الشَّأْنِ بَدِيعَةَ البَيانِ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَقْتَدِرُونَ (p-١١٣١)عَلى الِاسْتِدْلالِ لِكَوْنِ التَّفَكُّرِ مادَّةً لَهُ يَتَحَصَّلُ عَنْهُ، وأمّا الغافِلُونَ عَنِ التَّفَكُّرِ فَما هم إلّا كالأنْعامِ. ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العَظِيمَةَ الَّتِي هي أجْرامُ السَّماواتِ والأرْضِ وجَعَلَها باقِيَةً ما دامَتْ هَذِهِ الدّارُ وخَلَقَ فِيها مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ وغَرائِبِ التَّكْوِينِ ما هو عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَكم بَعْدَ مَوْتِكم ويَنْشُرَكم مِن قُبُورِكم ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ: لُغاتِكم مِن عَرَبٍ وعَجَمٍ، وتُرْكٍ، ورُومٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللُّغاتِ، وألْوانِكم مِنَ البَياضِ والسَّوادِ والحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ والزُّرْقَةِ والخُضْرَةِ مَعَ كَوْنِكم أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ وأُمٍّ واحِدَةٍ، ويَجْمَعُكم نَوْعٌ واحِدٌ وهو الإنْسانِيَّةُ، وفَصْلٌ واحِدٌ وهو النّاطِقِيَّةُ، حَتّى صِرْتُمْ مُتَمَيِّزِينَ في ذاتِ بَيْنِكم لا يَلْتَبِسُ هَذا بِهَذا، بَلْ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِكم ما يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأفْرادِ، وفي هَذا مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ ما لا يَعْقِلُهُ إلّا العالَمُونَ، ولا يَفْهَمُهُ إلّا المُتَفَكِّرُونَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ الَّذِينَ هم مِن جِنْسِ هَذا العالَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ بَرٍّ وفاجِرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ لامِ العالَمِينَ. وقَرَأ حَفْصٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها. قالَ الفَرّاءُ: ولَهُ وجْهٌ جَيِّدٌ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ قِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ بِالنَّهارِ. وقِيلَ: المَعْنى صَحِيحٌ مِن دُونِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ أيْ: ومِن آياتِهِ العَظِيمَةِ أنَّكم تَنامُونَ بِاللَّيْلِ وتَنامُونَ بِالنَّهارِ في بَعْضِ الأحْوالِ لِلِاسْتِراحَةِ كَوَقْتِ القَيْلُولَةِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ فِيهِما، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقَعُ فِيهِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ ابْتِغاءُ الفَضْلِ في النَّهارِ أكْثَرَ. والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِسائِرِ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذا المَعْنى، والآخَرُ هو المُناسِبُ لِلنَّظْمِ القُرْآنِيِّ هاهُنا. ووَجْهُ ذِكْرِ النَّوْمِ والِابْتِغاءِ هاهُنا وجَعْلِهِما مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ أنَّ النَّوْمَ شَبِيهٌ بِالمَوْتِ، والتَّصَرُّفَ في الحاجاتِ والسَّعْيِ في المَكاسِبِ شَبِيهٌ بِالحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ: يَسْمَعُونَ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ مُتَفَكِّرٍ مُتَدَبِّرٍ فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى البَعْثِ. ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ المَعْنى: أنْ يُرِيَكم، فَحَذْفُ أنْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَما قالَ طَرَفَةُ: ؎ألا أيُّهَذا اللّائِمِي أحْضُرُ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي والتَّقْدِيرُ: أنْ أحْضُرَ، فَلَمّا حُذِفَ الحَرْفُ في الآيَةِ والبَيْتِ بَطُلَ عَمَلُهُ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ تَسْمَعَ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: ويُرِيكُمُ البَرْقَ مِن آياتِهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُرِيكم صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ومِن آياتِهِ آيَةٌ يُرِيكم بِها وفِيها البَرْقَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا مِن آياتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. قالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: خَوْفًا مِنَ الصَّواعِقِ وطَمَعًا في الغَيْثِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ خَوْفًا مِنَ البَرْدِ أنْ يُهْلِكَ الزَّرْعَ، وطَمَعًا في المَطَرِ أنْ يُحْيِيَ الزَّرْعَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: خَوْفًا أنْ يَكُونَ البَرْقُ بَرْقًا خُلَّبًا لا يُمْطِرُ، وطَمَعًا أنْ يَكُونَ مُمْطِرًا، وأنْشَدَ: ؎لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقًا خُلَّبًا ∗∗∗ إنَّ خَيْرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ مَعَهُ وانْتِصابُ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى العِلَّةِ ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فَإنَّ مَن لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العَقْلِ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ آيَةٌ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: قِيامُهُما واسْتِمْساكُهُما بِإرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - وقُدْرَتِهِ بِلا عَمَدٍ يَعْمِدُهُما، ولا مُسْتَقَرٍّ يَسْتَقِرّانِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ أنْ تَدُوما قائِمَتَيْنِ بِأمْرِهِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أيْ: ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِكم ومَصِيرِكم في القُبُورِ إذا دَعاكم دَعْوَةً واحِدَةً فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ تَلَبُّثٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَما يُجِيبُ المَدْعُوُّ المُطِيعُ دَعْوَةَ الدّاعِي المُطاعِ. ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا أيْ: دَعاكم مِنَ الأرْضِ الَّتِي أنْتُمْ فِيها، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِدَعْوَةٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَخْرُجُونَ أيْ: خَرَجْتُمْ مِنَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ تَخْرُجُونَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وهَذِهِ الدَّعْوَةُ هي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الآخِرَةُ في الصُّورِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ التّاءِ في " تَخْرُجُونَ " هُنا، وغَلَطَ مَن قالَ إنَّهُ قُرِئَ هُنا بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإنَّما قُرِئَ بِضَمِّها في الأعْرافِ. ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا وتَصَرُّفًا وخَلْقًا، لَيْسَ لِغَيْرِهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أيْ: مُطِيعُونَ طاعَةَ انْقِيادٍ، وقِيلَ: مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: مُصَلُّونَ، وقِيلَ: قائِمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] أيْ: لِلْحِسابِ، وقِيلَ: بِالشَّهادَةِ أنَّهم عِبادُهُ، وقِيلَ: مُخْلِصُونَ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ المَوْتِ فَيُحْيِيهِ الحَياةَ الدّائِمَةَ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَيِّنٌ عَلَيْهِ لا يَسْتَصْعِبُهُ، أوْ أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِكم وعَلى ما يَقُولُهُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ، وإلّا فَلا شَيْءَ في قُدْرَتِهِ بَعْضُهُ أهْوَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّ الأشْياءِ مُسْتَوِيَةٌ يُوجِدُها بِقَوْلِهِ: كُنْ فَتَكُونُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَن جَعَلَ " أهْوَنُ " عِبارَةً عَنْ تَفْضِيلِ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البقرة: ٢٥٥] والعَرَبُ تَحْمِلُ أفْعَلَ عَلى فاعِلٍ كَثِيرًا كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ، وأنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ عَلى ذَلِكَ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ (p-١١٣٢)أيْ: لَسْتُ بِواحِدٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ ∗∗∗ لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ أيْ: وفاضِلٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وهو عَلَيْهِ هَيِّنٌ " وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: إنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ أيْ: عَلى اللَّهِ مِنَ البِدايَةِ أيْ: أيْسَرُ وإنْ كانَ جَمِيعُهُ هَيِّنًا. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الإعادَةَ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ أهْوَنُ مِنَ البِدايَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في عَلَيْهِ لِلْخَلْقِ أيْ: وهو أهْوَنُ عَلى الخَلْقِ لِأنَّهُ يُصاحُ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَيَقُومُونَ ويُقالُ لَهم كُونُوا فَيَكُونُونَ، فَذَلِكَ أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يَكُونُوا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى آخِرِ النَّشْأةِ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ قالَ الخَلِيلُ: المَثَلُ الصِّفَةُ أيْ: ولَهُ الوَصْفُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ كَما قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [ الرَّعْدِ: ٣٥، ومُحَمَّدٍ: ١٥ ] أيْ: صِفَتُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المَثَلُ الأعْلى قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قَدْ ضَرَبَهُ لَكم مَثَلًا فِيما يَصْعُبُ ويَسْهُلُ. وقِيلَ: المَثَلُ الأعْلى هو أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: هو أنَّ ما أرادَهُ كانَ بِقَوْلِ كُنْ، وفي السَّماواتِ والأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عُرِفَ بِالمَثَلِ الأعْلى، ووُصِفَ بِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الأعْلى، أوْ مِنَ المَثَلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الأعْلى، وهو العَزِيزُ في مُلْكِهِ، القادِرُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الحَكِيمُ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُبْلِسُ قالَ: يَبْتَئِسُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، يُبْلِسُ قالَ: يَكْتَئِبُ، وعَنْهُ الإبْلاسُ: الفَضِيحَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُحْبَرُونَ قالَ: يُكْرَمُونَ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا يُنَزِّهُونَ أسْماعَهم وأبْصارَهم عَنْ مَزامِيرِ الشَّيْطانِ مَيِّزُوهم، فَيُمَيَّزُونَ في كَثَبِ المِسْكِ والعَنْبَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أسْمِعُوهم مِن تَسْبِيحِي وتَحْمِيدِي وتَهْلِيلِي، قالَ: فَيُسَبِّحُونَ بِأصْواتٍ لَمْ يَسْمَعِ السّامِعُونَ بِمِثْلِها قَطُّ» . وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في المُجالَسَةِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، ولَمْ يُسَمِّ مَن رَواهُ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي، والأصْبِهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ كِلاهُما في صِفَةِ الجَنَّةِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ عَلى ساقٍ قَدْرَ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ، فَيُخْرِجُ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ الغُرَفِ وغَيْرِهِمْ فَيَتَحَدَّثُونَ في ظِلِّها، فَيَشْتَهِي بَعْضُهم ويَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ كانَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ فَهو صَلاةٌ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: جاءَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ ؟ قالَ نَعَمْ، فَقَرَأ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صَلاةُ المَغْرِبِ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صَلاةُ الظُّهْرِ، وقَرَأ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَواقِيتَ الصَّلاةِ، ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قالَ: المَغْرِبُ والعِشاءُ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفَجْرُ وعَشِيًّا العَصْرُ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهْرُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ يَوْمِ ولَيْلَةٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى ؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾» وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ، ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يَقُولُ مُطِيعُونَ: يَعْنِي الحَياةَ والنُّشُورَ والمَوْتَ وهم لَهُ عاصُونَ فِيما سِوى ذَلِكَ مِنَ العِبادَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: أيْسَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: الإعادَةُ أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كُنْ فَيَكُونُ، وابْتَدَأ الخِلْقَةَ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ يَقُولُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

الروم 30:14

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعِيدُهم بَعْدَ المَوْتِ أحْياءً كَما كانُوا، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في يُعِيدُهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الخَلْقِ، وجَمَعَهُ في تُرْجَعُونَ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو " يُرْجَعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ والِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِالمُبالَغَةِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُبْلِسُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ يُقالُ: أبْلَسَ الرَّجُلُ: إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: المُبْلِسُ السّاكِتُ المُنْقَطِعُ في حُجَّتِهِ الَّذِي أيِسَ أنْ يَهْتَدِيَ إلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ العَجاجِ: ؎يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا قالَ: نَعَمْ أعْرِفْهُ وأبْلَسا وقالَ الكَلْبِيُّ أيْ: يَئِسَ المُشْرِكُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ حِينَ عايَنُوا العَذابَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الإبْلاسِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ مِن شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءُ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وكانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِشُرَكائِهِمْ أيْ: بِآلِهَتِهِمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كافِرِينَ أيْ: جاحِدِينَ لِكَوْنِهِمْ آلِهَةً؛ لِأنَّهم عَلِمُوا إذْ ذاكَ أنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِ عِبادَتِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أيْ: يَتَفَرَّقُ جَمِيعُ الخَلْقِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ والمُرادُ بِالتَّفَرُّقِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفَرِدُ، فالمُؤْمِنُونَ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ، والكافِرُونَ إلى النّارِ، ولَيْسَ المُرادُ تَفَرُّقَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهم عَنِ الآخَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: (p-١١٣٠)﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ فَلا يَجْتَمِعُونَ أبَدًا. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ تَفَرُّقِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ مَعْنى " أمّا " دَعْ ما كُنّا فِيهِ وخُذْ في غَيْرِهِ، وكَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ مَعْناهُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَخُذْ في غَيْرِ ما كُنّا فِيهِ، والرَّوْضَةُ كُلُّ أرْضٍ ذاتِ نَباتٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِها هُنا الجَنَّةُ، ومَعْنى يُحْبَرُونَ يُسَرُّونَ، والحُبُورُ والحَبْرَةُ السُّرُورُ أيْ: فَهم في رِياضِ الجَنَّةِ يَنْعَمُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الرَّوْضَةُ ما كانَ في سُفْلٍ، فَإذا كانَ مُرْتَفِعًا فَهو تَلْعَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ: أحْسَنُ ما تَكُونُ الرَّوْضَةُ إذا كانَتْ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ وقِيلَ: مَعْنى يُحْبَرُونَ يُكْرَمُونَ. قالَ النَّحّاسُ: حَكى الكِسائِيُّ حَبَرْتُهُ أيْ: أكْرَمْتُهُ ونَعَّمْتُهُ، والأوْلى تَفْسِيرُ يُحْبَرُونَ بِالسُّرُورِ كَما هو المَعْنى العَرَبِيُّ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ يَسْتَلْزِمُ الإكْرامَ والنَّعِيمَ، وفي السُّرُورِ زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: التَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ فَمَعْنى يُحْبَرُونَ يُحْسَنُ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو السَّماعُ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِآياتِنا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ أيِ: البَعْثِ والجَنَّةِ والنّارِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في العَذابِ مُحْضَرُونَ أيْ: مُقِيمُونَ فِيهِ، وقِيلَ: مَجْمُوعُونَ، وقِيلَ: نازِلُونَ، وقِيلَ: مُعَذَّبُونَ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ دَوامُ عَذابِهِمْ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ عاقِبَةَ طائِفَةِ المُؤْمِنِينَ وطائِفَةِ الكافِرِينَ أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما فِيهِ الأجْرُ الوافِرُ والخَيْرُ العامُّ. فَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها أيْ: فَإذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَسَبِّحُوا اللَّهَ أيْ: نَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في وقْتِ الصَّباحِ والمَساءِ وفي العَشِيِّ وفي وقْتِ الظَّهِيرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا الصَّلَواتُ الخَمْسُ، فَقَوْلُهُ حِينَ تُمْسُونَ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقَوْلُهُ وحِينَ تُصْبِحُونَ صَلاةُ الفَجْرِ، وقَوْلُهُ وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ، وقَوْلُهُ حِينَ تُظْهِرُونَ صَلاةُ الظُّهْرِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنْ مَعْنى فَسُبْحانَ اللَّهِ فَصَلُّوا لِلَّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الصَّلَواتِ قالَ: وسَمِعَتْ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: حَقِيقَتُهُ عِنْدِي فَسَبِّحُوا لِلَّهِ في الصَّلَواتِ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ يَكُونُ في الصَّلاةِ، وجُمْلَةُ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مَسُوقَةٌ لِلْإرْشادِ إلى الحَمْدِ والإيذانِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسْبِيحِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقِيلَ: مَعْنى ولَهُ الحَمْدُ أيِ: الِاخْتِصاصُ لَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي يُقْرَأُ فِيها الحَمْدُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ عِكْرِمَةُ " حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ " والمَعْنى: حِينًا تُمْسُونَ فِيهِ وحِينًا تُصْبِحُونَ فِيهِ والعَشِيُّ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى العَتَمَةِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وقالَ قَوْمٌ: هو مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَدَوْنا غَدْوَةً سَحَرًا بِلَيْلٍ ∗∗∗ عَشِيًّا بَعْدَ ما انْتَصَفَ النَّهارُ وقَوْلُهُ: عَشِيًّا مَعْطُوفٌ عَلى حِينَ، وفي السَّماواتِ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ أيِ: الحَمْدُ لَهُ يَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ. ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ والطَّيْرِ مِنَ البَيْضَةِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ مِنَ الحَيَوانِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. قِيلَ: ووَجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ الصَّباحِ يَخْرُجُ مِن شِبْهِ المَوْتِ، وهو النَّوْمُ إلى شِبْهِ الوُجُودِ، وهو اليَقَظَةُ، وعِنْدَ العِشاءِ يَخْرُجُ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ، وهو شَبِيهٌ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ تُخْرَجُونَ مِن قُبُورِكم. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُخْرَجُونَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَأسْنَدَ الخُرُوجَ إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [المعارج: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: مِن آياتِهِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَكم أيْ: خَلَقَ أباكم آدَمَ مِن تُرابِ وخَلَقَكم في ضِمْنِ خَلْقِهِ، لِأنَّ الفَرْعَ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الأصْلِ ومَأْخُوذٌ مِنهُ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ، وأنْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: ثُمَّ فاجَأْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وقْتُ كَوْنِكم بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ في الأرْضِ، وإذا الفُجائِيَّةُ وإنْ كانَتْ أكْثَرَ ما تَقَعُ بَعْدَ الفاءِ، لَكِنَّها وقَعَتْ هُنا بَعْدَ ثُمَّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ الحالَةِ الخاصَّةِ، وهي أطْوارُ الإنْسانِ كَما حَكاهُ اللَّهُ في مَواضِعَ: مِن كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا مَكْسُوًّا لَحْمًا فاجَأ البَشَرِيَّةَ، والِانْتِشارُ، ومَعْنى تَنْتَشِرُونَ: تَنْصَرِفُونَ فِيما هو قِوامُ مَعايِشِكم. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ أيْ: ومِن عَلاماتِهِ ودَلالاتِهِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا أيْ: مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ حَوّاءُ فَإنَّهُ خَلَقَها مِن ضِلْعِ آدَمَ لِتَسْكُنُوا إلَيْها أيْ: تَأْلَفُوها وتَمِيلُوا إلَيْها، فَإنَّ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ لا يَسْكُنُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ ولا يَمِيلُ قَلْبُهُ إلَيْهِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ أيْ: وِدادًا وتَراحُمًا بِسَبَبِ عِصْمَةِ النِّكاحِ يَعْطِفُ بِهِ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَكم قَبْلَ ذَلِكَ مَعْرِفَةٌ، فَضْلًا عَنْ مَوَدَّةٍ ورَحْمَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَوَدَّةُ الجِماعُ، والرَّحْمَةُ الوَلَدُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَوَدَّةُ المَحَبَّةُ، والرَّحْمَةُ الشَّفَقَةُ. وقِيلَ: المَوَدَّةُ حُبِّ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، والرَّحْمَةُ رَحْمَتُهُ إيّاها مِن أنْ يُصِيبَها بِسُوءٍ، وقَوْلُهُ أنْ خَلَقَ لَكم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ سابِقًا. لَآياتٍ عَظِيمَةَ الشَّأْنِ بَدِيعَةَ البَيانِ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَقْتَدِرُونَ (p-١١٣١)عَلى الِاسْتِدْلالِ لِكَوْنِ التَّفَكُّرِ مادَّةً لَهُ يَتَحَصَّلُ عَنْهُ، وأمّا الغافِلُونَ عَنِ التَّفَكُّرِ فَما هم إلّا كالأنْعامِ. ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العَظِيمَةَ الَّتِي هي أجْرامُ السَّماواتِ والأرْضِ وجَعَلَها باقِيَةً ما دامَتْ هَذِهِ الدّارُ وخَلَقَ فِيها مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ وغَرائِبِ التَّكْوِينِ ما هو عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَكم بَعْدَ مَوْتِكم ويَنْشُرَكم مِن قُبُورِكم ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ: لُغاتِكم مِن عَرَبٍ وعَجَمٍ، وتُرْكٍ، ورُومٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللُّغاتِ، وألْوانِكم مِنَ البَياضِ والسَّوادِ والحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ والزُّرْقَةِ والخُضْرَةِ مَعَ كَوْنِكم أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ وأُمٍّ واحِدَةٍ، ويَجْمَعُكم نَوْعٌ واحِدٌ وهو الإنْسانِيَّةُ، وفَصْلٌ واحِدٌ وهو النّاطِقِيَّةُ، حَتّى صِرْتُمْ مُتَمَيِّزِينَ في ذاتِ بَيْنِكم لا يَلْتَبِسُ هَذا بِهَذا، بَلْ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِكم ما يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأفْرادِ، وفي هَذا مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ ما لا يَعْقِلُهُ إلّا العالَمُونَ، ولا يَفْهَمُهُ إلّا المُتَفَكِّرُونَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ الَّذِينَ هم مِن جِنْسِ هَذا العالَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ بَرٍّ وفاجِرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ لامِ العالَمِينَ. وقَرَأ حَفْصٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها. قالَ الفَرّاءُ: ولَهُ وجْهٌ جَيِّدٌ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ قِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ بِالنَّهارِ. وقِيلَ: المَعْنى صَحِيحٌ مِن دُونِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ أيْ: ومِن آياتِهِ العَظِيمَةِ أنَّكم تَنامُونَ بِاللَّيْلِ وتَنامُونَ بِالنَّهارِ في بَعْضِ الأحْوالِ لِلِاسْتِراحَةِ كَوَقْتِ القَيْلُولَةِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ فِيهِما، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقَعُ فِيهِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ ابْتِغاءُ الفَضْلِ في النَّهارِ أكْثَرَ. والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِسائِرِ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذا المَعْنى، والآخَرُ هو المُناسِبُ لِلنَّظْمِ القُرْآنِيِّ هاهُنا. ووَجْهُ ذِكْرِ النَّوْمِ والِابْتِغاءِ هاهُنا وجَعْلِهِما مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ أنَّ النَّوْمَ شَبِيهٌ بِالمَوْتِ، والتَّصَرُّفَ في الحاجاتِ والسَّعْيِ في المَكاسِبِ شَبِيهٌ بِالحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ: يَسْمَعُونَ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ مُتَفَكِّرٍ مُتَدَبِّرٍ فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى البَعْثِ. ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ المَعْنى: أنْ يُرِيَكم، فَحَذْفُ أنْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَما قالَ طَرَفَةُ: ؎ألا أيُّهَذا اللّائِمِي أحْضُرُ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي والتَّقْدِيرُ: أنْ أحْضُرَ، فَلَمّا حُذِفَ الحَرْفُ في الآيَةِ والبَيْتِ بَطُلَ عَمَلُهُ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ تَسْمَعَ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: ويُرِيكُمُ البَرْقَ مِن آياتِهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُرِيكم صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ومِن آياتِهِ آيَةٌ يُرِيكم بِها وفِيها البَرْقَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا مِن آياتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. قالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: خَوْفًا مِنَ الصَّواعِقِ وطَمَعًا في الغَيْثِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ خَوْفًا مِنَ البَرْدِ أنْ يُهْلِكَ الزَّرْعَ، وطَمَعًا في المَطَرِ أنْ يُحْيِيَ الزَّرْعَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: خَوْفًا أنْ يَكُونَ البَرْقُ بَرْقًا خُلَّبًا لا يُمْطِرُ، وطَمَعًا أنْ يَكُونَ مُمْطِرًا، وأنْشَدَ: ؎لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقًا خُلَّبًا ∗∗∗ إنَّ خَيْرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ مَعَهُ وانْتِصابُ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى العِلَّةِ ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فَإنَّ مَن لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العَقْلِ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ آيَةٌ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: قِيامُهُما واسْتِمْساكُهُما بِإرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - وقُدْرَتِهِ بِلا عَمَدٍ يَعْمِدُهُما، ولا مُسْتَقَرٍّ يَسْتَقِرّانِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ أنْ تَدُوما قائِمَتَيْنِ بِأمْرِهِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أيْ: ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِكم ومَصِيرِكم في القُبُورِ إذا دَعاكم دَعْوَةً واحِدَةً فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ تَلَبُّثٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَما يُجِيبُ المَدْعُوُّ المُطِيعُ دَعْوَةَ الدّاعِي المُطاعِ. ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا أيْ: دَعاكم مِنَ الأرْضِ الَّتِي أنْتُمْ فِيها، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِدَعْوَةٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَخْرُجُونَ أيْ: خَرَجْتُمْ مِنَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ تَخْرُجُونَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وهَذِهِ الدَّعْوَةُ هي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الآخِرَةُ في الصُّورِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ التّاءِ في " تَخْرُجُونَ " هُنا، وغَلَطَ مَن قالَ إنَّهُ قُرِئَ هُنا بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإنَّما قُرِئَ بِضَمِّها في الأعْرافِ. ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا وتَصَرُّفًا وخَلْقًا، لَيْسَ لِغَيْرِهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أيْ: مُطِيعُونَ طاعَةَ انْقِيادٍ، وقِيلَ: مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: مُصَلُّونَ، وقِيلَ: قائِمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] أيْ: لِلْحِسابِ، وقِيلَ: بِالشَّهادَةِ أنَّهم عِبادُهُ، وقِيلَ: مُخْلِصُونَ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ المَوْتِ فَيُحْيِيهِ الحَياةَ الدّائِمَةَ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَيِّنٌ عَلَيْهِ لا يَسْتَصْعِبُهُ، أوْ أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِكم وعَلى ما يَقُولُهُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ، وإلّا فَلا شَيْءَ في قُدْرَتِهِ بَعْضُهُ أهْوَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّ الأشْياءِ مُسْتَوِيَةٌ يُوجِدُها بِقَوْلِهِ: كُنْ فَتَكُونُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَن جَعَلَ " أهْوَنُ " عِبارَةً عَنْ تَفْضِيلِ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البقرة: ٢٥٥] والعَرَبُ تَحْمِلُ أفْعَلَ عَلى فاعِلٍ كَثِيرًا كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ، وأنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ عَلى ذَلِكَ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ (p-١١٣٢)أيْ: لَسْتُ بِواحِدٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ ∗∗∗ لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ أيْ: وفاضِلٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وهو عَلَيْهِ هَيِّنٌ " وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: إنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ أيْ: عَلى اللَّهِ مِنَ البِدايَةِ أيْ: أيْسَرُ وإنْ كانَ جَمِيعُهُ هَيِّنًا. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الإعادَةَ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ أهْوَنُ مِنَ البِدايَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في عَلَيْهِ لِلْخَلْقِ أيْ: وهو أهْوَنُ عَلى الخَلْقِ لِأنَّهُ يُصاحُ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَيَقُومُونَ ويُقالُ لَهم كُونُوا فَيَكُونُونَ، فَذَلِكَ أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يَكُونُوا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى آخِرِ النَّشْأةِ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ قالَ الخَلِيلُ: المَثَلُ الصِّفَةُ أيْ: ولَهُ الوَصْفُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ كَما قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [ الرَّعْدِ: ٣٥، ومُحَمَّدٍ: ١٥ ] أيْ: صِفَتُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المَثَلُ الأعْلى قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قَدْ ضَرَبَهُ لَكم مَثَلًا فِيما يَصْعُبُ ويَسْهُلُ. وقِيلَ: المَثَلُ الأعْلى هو أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: هو أنَّ ما أرادَهُ كانَ بِقَوْلِ كُنْ، وفي السَّماواتِ والأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عُرِفَ بِالمَثَلِ الأعْلى، ووُصِفَ بِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الأعْلى، أوْ مِنَ المَثَلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الأعْلى، وهو العَزِيزُ في مُلْكِهِ، القادِرُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الحَكِيمُ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُبْلِسُ قالَ: يَبْتَئِسُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، يُبْلِسُ قالَ: يَكْتَئِبُ، وعَنْهُ الإبْلاسُ: الفَضِيحَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُحْبَرُونَ قالَ: يُكْرَمُونَ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا يُنَزِّهُونَ أسْماعَهم وأبْصارَهم عَنْ مَزامِيرِ الشَّيْطانِ مَيِّزُوهم، فَيُمَيَّزُونَ في كَثَبِ المِسْكِ والعَنْبَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أسْمِعُوهم مِن تَسْبِيحِي وتَحْمِيدِي وتَهْلِيلِي، قالَ: فَيُسَبِّحُونَ بِأصْواتٍ لَمْ يَسْمَعِ السّامِعُونَ بِمِثْلِها قَطُّ» . وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في المُجالَسَةِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، ولَمْ يُسَمِّ مَن رَواهُ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي، والأصْبِهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ كِلاهُما في صِفَةِ الجَنَّةِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ عَلى ساقٍ قَدْرَ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ، فَيُخْرِجُ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ الغُرَفِ وغَيْرِهِمْ فَيَتَحَدَّثُونَ في ظِلِّها، فَيَشْتَهِي بَعْضُهم ويَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ كانَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ فَهو صَلاةٌ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: جاءَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ ؟ قالَ نَعَمْ، فَقَرَأ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صَلاةُ المَغْرِبِ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صَلاةُ الظُّهْرِ، وقَرَأ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَواقِيتَ الصَّلاةِ، ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قالَ: المَغْرِبُ والعِشاءُ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفَجْرُ وعَشِيًّا العَصْرُ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهْرُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ يَوْمِ ولَيْلَةٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى ؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾» وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ، ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يَقُولُ مُطِيعُونَ: يَعْنِي الحَياةَ والنُّشُورَ والمَوْتَ وهم لَهُ عاصُونَ فِيما سِوى ذَلِكَ مِنَ العِبادَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: أيْسَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: الإعادَةُ أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كُنْ فَيَكُونُ، وابْتَدَأ الخِلْقَةَ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ يَقُولُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

الروم 30:15

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعِيدُهم بَعْدَ المَوْتِ أحْياءً كَما كانُوا، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في يُعِيدُهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الخَلْقِ، وجَمَعَهُ في تُرْجَعُونَ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو " يُرْجَعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ والِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِالمُبالَغَةِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُبْلِسُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ يُقالُ: أبْلَسَ الرَّجُلُ: إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: المُبْلِسُ السّاكِتُ المُنْقَطِعُ في حُجَّتِهِ الَّذِي أيِسَ أنْ يَهْتَدِيَ إلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ العَجاجِ: ؎يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا قالَ: نَعَمْ أعْرِفْهُ وأبْلَسا وقالَ الكَلْبِيُّ أيْ: يَئِسَ المُشْرِكُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ حِينَ عايَنُوا العَذابَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الإبْلاسِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ مِن شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءُ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وكانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِشُرَكائِهِمْ أيْ: بِآلِهَتِهِمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كافِرِينَ أيْ: جاحِدِينَ لِكَوْنِهِمْ آلِهَةً؛ لِأنَّهم عَلِمُوا إذْ ذاكَ أنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِ عِبادَتِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أيْ: يَتَفَرَّقُ جَمِيعُ الخَلْقِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ والمُرادُ بِالتَّفَرُّقِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفَرِدُ، فالمُؤْمِنُونَ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ، والكافِرُونَ إلى النّارِ، ولَيْسَ المُرادُ تَفَرُّقَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهم عَنِ الآخَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: (p-١١٣٠)﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ فَلا يَجْتَمِعُونَ أبَدًا. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ تَفَرُّقِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ مَعْنى " أمّا " دَعْ ما كُنّا فِيهِ وخُذْ في غَيْرِهِ، وكَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ مَعْناهُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَخُذْ في غَيْرِ ما كُنّا فِيهِ، والرَّوْضَةُ كُلُّ أرْضٍ ذاتِ نَباتٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِها هُنا الجَنَّةُ، ومَعْنى يُحْبَرُونَ يُسَرُّونَ، والحُبُورُ والحَبْرَةُ السُّرُورُ أيْ: فَهم في رِياضِ الجَنَّةِ يَنْعَمُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الرَّوْضَةُ ما كانَ في سُفْلٍ، فَإذا كانَ مُرْتَفِعًا فَهو تَلْعَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ: أحْسَنُ ما تَكُونُ الرَّوْضَةُ إذا كانَتْ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ وقِيلَ: مَعْنى يُحْبَرُونَ يُكْرَمُونَ. قالَ النَّحّاسُ: حَكى الكِسائِيُّ حَبَرْتُهُ أيْ: أكْرَمْتُهُ ونَعَّمْتُهُ، والأوْلى تَفْسِيرُ يُحْبَرُونَ بِالسُّرُورِ كَما هو المَعْنى العَرَبِيُّ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ يَسْتَلْزِمُ الإكْرامَ والنَّعِيمَ، وفي السُّرُورِ زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: التَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ فَمَعْنى يُحْبَرُونَ يُحْسَنُ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو السَّماعُ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِآياتِنا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ أيِ: البَعْثِ والجَنَّةِ والنّارِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في العَذابِ مُحْضَرُونَ أيْ: مُقِيمُونَ فِيهِ، وقِيلَ: مَجْمُوعُونَ، وقِيلَ: نازِلُونَ، وقِيلَ: مُعَذَّبُونَ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ دَوامُ عَذابِهِمْ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ عاقِبَةَ طائِفَةِ المُؤْمِنِينَ وطائِفَةِ الكافِرِينَ أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما فِيهِ الأجْرُ الوافِرُ والخَيْرُ العامُّ. فَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها أيْ: فَإذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَسَبِّحُوا اللَّهَ أيْ: نَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في وقْتِ الصَّباحِ والمَساءِ وفي العَشِيِّ وفي وقْتِ الظَّهِيرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا الصَّلَواتُ الخَمْسُ، فَقَوْلُهُ حِينَ تُمْسُونَ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقَوْلُهُ وحِينَ تُصْبِحُونَ صَلاةُ الفَجْرِ، وقَوْلُهُ وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ، وقَوْلُهُ حِينَ تُظْهِرُونَ صَلاةُ الظُّهْرِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنْ مَعْنى فَسُبْحانَ اللَّهِ فَصَلُّوا لِلَّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الصَّلَواتِ قالَ: وسَمِعَتْ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: حَقِيقَتُهُ عِنْدِي فَسَبِّحُوا لِلَّهِ في الصَّلَواتِ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ يَكُونُ في الصَّلاةِ، وجُمْلَةُ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مَسُوقَةٌ لِلْإرْشادِ إلى الحَمْدِ والإيذانِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسْبِيحِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقِيلَ: مَعْنى ولَهُ الحَمْدُ أيِ: الِاخْتِصاصُ لَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي يُقْرَأُ فِيها الحَمْدُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ عِكْرِمَةُ " حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ " والمَعْنى: حِينًا تُمْسُونَ فِيهِ وحِينًا تُصْبِحُونَ فِيهِ والعَشِيُّ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى العَتَمَةِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وقالَ قَوْمٌ: هو مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَدَوْنا غَدْوَةً سَحَرًا بِلَيْلٍ ∗∗∗ عَشِيًّا بَعْدَ ما انْتَصَفَ النَّهارُ وقَوْلُهُ: عَشِيًّا مَعْطُوفٌ عَلى حِينَ، وفي السَّماواتِ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ أيِ: الحَمْدُ لَهُ يَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ. ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ والطَّيْرِ مِنَ البَيْضَةِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ مِنَ الحَيَوانِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. قِيلَ: ووَجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ الصَّباحِ يَخْرُجُ مِن شِبْهِ المَوْتِ، وهو النَّوْمُ إلى شِبْهِ الوُجُودِ، وهو اليَقَظَةُ، وعِنْدَ العِشاءِ يَخْرُجُ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ، وهو شَبِيهٌ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ تُخْرَجُونَ مِن قُبُورِكم. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُخْرَجُونَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَأسْنَدَ الخُرُوجَ إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [المعارج: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: مِن آياتِهِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَكم أيْ: خَلَقَ أباكم آدَمَ مِن تُرابِ وخَلَقَكم في ضِمْنِ خَلْقِهِ، لِأنَّ الفَرْعَ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الأصْلِ ومَأْخُوذٌ مِنهُ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ، وأنْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: ثُمَّ فاجَأْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وقْتُ كَوْنِكم بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ في الأرْضِ، وإذا الفُجائِيَّةُ وإنْ كانَتْ أكْثَرَ ما تَقَعُ بَعْدَ الفاءِ، لَكِنَّها وقَعَتْ هُنا بَعْدَ ثُمَّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ الحالَةِ الخاصَّةِ، وهي أطْوارُ الإنْسانِ كَما حَكاهُ اللَّهُ في مَواضِعَ: مِن كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا مَكْسُوًّا لَحْمًا فاجَأ البَشَرِيَّةَ، والِانْتِشارُ، ومَعْنى تَنْتَشِرُونَ: تَنْصَرِفُونَ فِيما هو قِوامُ مَعايِشِكم. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ أيْ: ومِن عَلاماتِهِ ودَلالاتِهِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا أيْ: مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ حَوّاءُ فَإنَّهُ خَلَقَها مِن ضِلْعِ آدَمَ لِتَسْكُنُوا إلَيْها أيْ: تَأْلَفُوها وتَمِيلُوا إلَيْها، فَإنَّ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ لا يَسْكُنُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ ولا يَمِيلُ قَلْبُهُ إلَيْهِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ أيْ: وِدادًا وتَراحُمًا بِسَبَبِ عِصْمَةِ النِّكاحِ يَعْطِفُ بِهِ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَكم قَبْلَ ذَلِكَ مَعْرِفَةٌ، فَضْلًا عَنْ مَوَدَّةٍ ورَحْمَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَوَدَّةُ الجِماعُ، والرَّحْمَةُ الوَلَدُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَوَدَّةُ المَحَبَّةُ، والرَّحْمَةُ الشَّفَقَةُ. وقِيلَ: المَوَدَّةُ حُبِّ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، والرَّحْمَةُ رَحْمَتُهُ إيّاها مِن أنْ يُصِيبَها بِسُوءٍ، وقَوْلُهُ أنْ خَلَقَ لَكم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ سابِقًا. لَآياتٍ عَظِيمَةَ الشَّأْنِ بَدِيعَةَ البَيانِ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَقْتَدِرُونَ (p-١١٣١)عَلى الِاسْتِدْلالِ لِكَوْنِ التَّفَكُّرِ مادَّةً لَهُ يَتَحَصَّلُ عَنْهُ، وأمّا الغافِلُونَ عَنِ التَّفَكُّرِ فَما هم إلّا كالأنْعامِ. ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العَظِيمَةَ الَّتِي هي أجْرامُ السَّماواتِ والأرْضِ وجَعَلَها باقِيَةً ما دامَتْ هَذِهِ الدّارُ وخَلَقَ فِيها مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ وغَرائِبِ التَّكْوِينِ ما هو عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَكم بَعْدَ مَوْتِكم ويَنْشُرَكم مِن قُبُورِكم ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ: لُغاتِكم مِن عَرَبٍ وعَجَمٍ، وتُرْكٍ، ورُومٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللُّغاتِ، وألْوانِكم مِنَ البَياضِ والسَّوادِ والحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ والزُّرْقَةِ والخُضْرَةِ مَعَ كَوْنِكم أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ وأُمٍّ واحِدَةٍ، ويَجْمَعُكم نَوْعٌ واحِدٌ وهو الإنْسانِيَّةُ، وفَصْلٌ واحِدٌ وهو النّاطِقِيَّةُ، حَتّى صِرْتُمْ مُتَمَيِّزِينَ في ذاتِ بَيْنِكم لا يَلْتَبِسُ هَذا بِهَذا، بَلْ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِكم ما يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأفْرادِ، وفي هَذا مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ ما لا يَعْقِلُهُ إلّا العالَمُونَ، ولا يَفْهَمُهُ إلّا المُتَفَكِّرُونَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ الَّذِينَ هم مِن جِنْسِ هَذا العالَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ بَرٍّ وفاجِرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ لامِ العالَمِينَ. وقَرَأ حَفْصٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها. قالَ الفَرّاءُ: ولَهُ وجْهٌ جَيِّدٌ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ قِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ بِالنَّهارِ. وقِيلَ: المَعْنى صَحِيحٌ مِن دُونِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ أيْ: ومِن آياتِهِ العَظِيمَةِ أنَّكم تَنامُونَ بِاللَّيْلِ وتَنامُونَ بِالنَّهارِ في بَعْضِ الأحْوالِ لِلِاسْتِراحَةِ كَوَقْتِ القَيْلُولَةِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ فِيهِما، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقَعُ فِيهِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ ابْتِغاءُ الفَضْلِ في النَّهارِ أكْثَرَ. والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِسائِرِ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذا المَعْنى، والآخَرُ هو المُناسِبُ لِلنَّظْمِ القُرْآنِيِّ هاهُنا. ووَجْهُ ذِكْرِ النَّوْمِ والِابْتِغاءِ هاهُنا وجَعْلِهِما مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ أنَّ النَّوْمَ شَبِيهٌ بِالمَوْتِ، والتَّصَرُّفَ في الحاجاتِ والسَّعْيِ في المَكاسِبِ شَبِيهٌ بِالحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ: يَسْمَعُونَ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ مُتَفَكِّرٍ مُتَدَبِّرٍ فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى البَعْثِ. ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ المَعْنى: أنْ يُرِيَكم، فَحَذْفُ أنْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَما قالَ طَرَفَةُ: ؎ألا أيُّهَذا اللّائِمِي أحْضُرُ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي والتَّقْدِيرُ: أنْ أحْضُرَ، فَلَمّا حُذِفَ الحَرْفُ في الآيَةِ والبَيْتِ بَطُلَ عَمَلُهُ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ تَسْمَعَ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: ويُرِيكُمُ البَرْقَ مِن آياتِهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُرِيكم صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ومِن آياتِهِ آيَةٌ يُرِيكم بِها وفِيها البَرْقَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا مِن آياتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. قالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: خَوْفًا مِنَ الصَّواعِقِ وطَمَعًا في الغَيْثِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ خَوْفًا مِنَ البَرْدِ أنْ يُهْلِكَ الزَّرْعَ، وطَمَعًا في المَطَرِ أنْ يُحْيِيَ الزَّرْعَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: خَوْفًا أنْ يَكُونَ البَرْقُ بَرْقًا خُلَّبًا لا يُمْطِرُ، وطَمَعًا أنْ يَكُونَ مُمْطِرًا، وأنْشَدَ: ؎لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقًا خُلَّبًا ∗∗∗ إنَّ خَيْرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ مَعَهُ وانْتِصابُ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى العِلَّةِ ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فَإنَّ مَن لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العَقْلِ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ آيَةٌ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: قِيامُهُما واسْتِمْساكُهُما بِإرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - وقُدْرَتِهِ بِلا عَمَدٍ يَعْمِدُهُما، ولا مُسْتَقَرٍّ يَسْتَقِرّانِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ أنْ تَدُوما قائِمَتَيْنِ بِأمْرِهِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أيْ: ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِكم ومَصِيرِكم في القُبُورِ إذا دَعاكم دَعْوَةً واحِدَةً فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ تَلَبُّثٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَما يُجِيبُ المَدْعُوُّ المُطِيعُ دَعْوَةَ الدّاعِي المُطاعِ. ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا أيْ: دَعاكم مِنَ الأرْضِ الَّتِي أنْتُمْ فِيها، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِدَعْوَةٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَخْرُجُونَ أيْ: خَرَجْتُمْ مِنَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ تَخْرُجُونَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وهَذِهِ الدَّعْوَةُ هي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الآخِرَةُ في الصُّورِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ التّاءِ في " تَخْرُجُونَ " هُنا، وغَلَطَ مَن قالَ إنَّهُ قُرِئَ هُنا بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإنَّما قُرِئَ بِضَمِّها في الأعْرافِ. ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا وتَصَرُّفًا وخَلْقًا، لَيْسَ لِغَيْرِهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أيْ: مُطِيعُونَ طاعَةَ انْقِيادٍ، وقِيلَ: مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: مُصَلُّونَ، وقِيلَ: قائِمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] أيْ: لِلْحِسابِ، وقِيلَ: بِالشَّهادَةِ أنَّهم عِبادُهُ، وقِيلَ: مُخْلِصُونَ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ المَوْتِ فَيُحْيِيهِ الحَياةَ الدّائِمَةَ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَيِّنٌ عَلَيْهِ لا يَسْتَصْعِبُهُ، أوْ أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِكم وعَلى ما يَقُولُهُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ، وإلّا فَلا شَيْءَ في قُدْرَتِهِ بَعْضُهُ أهْوَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّ الأشْياءِ مُسْتَوِيَةٌ يُوجِدُها بِقَوْلِهِ: كُنْ فَتَكُونُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَن جَعَلَ " أهْوَنُ " عِبارَةً عَنْ تَفْضِيلِ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البقرة: ٢٥٥] والعَرَبُ تَحْمِلُ أفْعَلَ عَلى فاعِلٍ كَثِيرًا كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ، وأنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ عَلى ذَلِكَ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ (p-١١٣٢)أيْ: لَسْتُ بِواحِدٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ ∗∗∗ لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ أيْ: وفاضِلٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وهو عَلَيْهِ هَيِّنٌ " وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: إنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ أيْ: عَلى اللَّهِ مِنَ البِدايَةِ أيْ: أيْسَرُ وإنْ كانَ جَمِيعُهُ هَيِّنًا. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الإعادَةَ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ أهْوَنُ مِنَ البِدايَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في عَلَيْهِ لِلْخَلْقِ أيْ: وهو أهْوَنُ عَلى الخَلْقِ لِأنَّهُ يُصاحُ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَيَقُومُونَ ويُقالُ لَهم كُونُوا فَيَكُونُونَ، فَذَلِكَ أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يَكُونُوا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى آخِرِ النَّشْأةِ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ قالَ الخَلِيلُ: المَثَلُ الصِّفَةُ أيْ: ولَهُ الوَصْفُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ كَما قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [ الرَّعْدِ: ٣٥، ومُحَمَّدٍ: ١٥ ] أيْ: صِفَتُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المَثَلُ الأعْلى قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قَدْ ضَرَبَهُ لَكم مَثَلًا فِيما يَصْعُبُ ويَسْهُلُ. وقِيلَ: المَثَلُ الأعْلى هو أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: هو أنَّ ما أرادَهُ كانَ بِقَوْلِ كُنْ، وفي السَّماواتِ والأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عُرِفَ بِالمَثَلِ الأعْلى، ووُصِفَ بِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الأعْلى، أوْ مِنَ المَثَلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الأعْلى، وهو العَزِيزُ في مُلْكِهِ، القادِرُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الحَكِيمُ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُبْلِسُ قالَ: يَبْتَئِسُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، يُبْلِسُ قالَ: يَكْتَئِبُ، وعَنْهُ الإبْلاسُ: الفَضِيحَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُحْبَرُونَ قالَ: يُكْرَمُونَ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا يُنَزِّهُونَ أسْماعَهم وأبْصارَهم عَنْ مَزامِيرِ الشَّيْطانِ مَيِّزُوهم، فَيُمَيَّزُونَ في كَثَبِ المِسْكِ والعَنْبَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أسْمِعُوهم مِن تَسْبِيحِي وتَحْمِيدِي وتَهْلِيلِي، قالَ: فَيُسَبِّحُونَ بِأصْواتٍ لَمْ يَسْمَعِ السّامِعُونَ بِمِثْلِها قَطُّ» . وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في المُجالَسَةِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، ولَمْ يُسَمِّ مَن رَواهُ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي، والأصْبِهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ كِلاهُما في صِفَةِ الجَنَّةِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ عَلى ساقٍ قَدْرَ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ، فَيُخْرِجُ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ الغُرَفِ وغَيْرِهِمْ فَيَتَحَدَّثُونَ في ظِلِّها، فَيَشْتَهِي بَعْضُهم ويَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ كانَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ فَهو صَلاةٌ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: جاءَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ ؟ قالَ نَعَمْ، فَقَرَأ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صَلاةُ المَغْرِبِ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صَلاةُ الظُّهْرِ، وقَرَأ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَواقِيتَ الصَّلاةِ، ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قالَ: المَغْرِبُ والعِشاءُ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفَجْرُ وعَشِيًّا العَصْرُ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهْرُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ يَوْمِ ولَيْلَةٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى ؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾» وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ، ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يَقُولُ مُطِيعُونَ: يَعْنِي الحَياةَ والنُّشُورَ والمَوْتَ وهم لَهُ عاصُونَ فِيما سِوى ذَلِكَ مِنَ العِبادَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: أيْسَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: الإعادَةُ أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كُنْ فَيَكُونُ، وابْتَدَأ الخِلْقَةَ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ يَقُولُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

الروم 30:16

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعِيدُهم بَعْدَ المَوْتِ أحْياءً كَما كانُوا، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في يُعِيدُهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الخَلْقِ، وجَمَعَهُ في تُرْجَعُونَ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو " يُرْجَعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ والِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِالمُبالَغَةِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُبْلِسُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ يُقالُ: أبْلَسَ الرَّجُلُ: إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: المُبْلِسُ السّاكِتُ المُنْقَطِعُ في حُجَّتِهِ الَّذِي أيِسَ أنْ يَهْتَدِيَ إلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ العَجاجِ: ؎يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا قالَ: نَعَمْ أعْرِفْهُ وأبْلَسا وقالَ الكَلْبِيُّ أيْ: يَئِسَ المُشْرِكُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ حِينَ عايَنُوا العَذابَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الإبْلاسِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ مِن شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءُ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وكانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِشُرَكائِهِمْ أيْ: بِآلِهَتِهِمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كافِرِينَ أيْ: جاحِدِينَ لِكَوْنِهِمْ آلِهَةً؛ لِأنَّهم عَلِمُوا إذْ ذاكَ أنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِ عِبادَتِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أيْ: يَتَفَرَّقُ جَمِيعُ الخَلْقِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ والمُرادُ بِالتَّفَرُّقِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفَرِدُ، فالمُؤْمِنُونَ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ، والكافِرُونَ إلى النّارِ، ولَيْسَ المُرادُ تَفَرُّقَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهم عَنِ الآخَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: (p-١١٣٠)﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ فَلا يَجْتَمِعُونَ أبَدًا. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ تَفَرُّقِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ مَعْنى " أمّا " دَعْ ما كُنّا فِيهِ وخُذْ في غَيْرِهِ، وكَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ مَعْناهُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَخُذْ في غَيْرِ ما كُنّا فِيهِ، والرَّوْضَةُ كُلُّ أرْضٍ ذاتِ نَباتٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِها هُنا الجَنَّةُ، ومَعْنى يُحْبَرُونَ يُسَرُّونَ، والحُبُورُ والحَبْرَةُ السُّرُورُ أيْ: فَهم في رِياضِ الجَنَّةِ يَنْعَمُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الرَّوْضَةُ ما كانَ في سُفْلٍ، فَإذا كانَ مُرْتَفِعًا فَهو تَلْعَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ: أحْسَنُ ما تَكُونُ الرَّوْضَةُ إذا كانَتْ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ وقِيلَ: مَعْنى يُحْبَرُونَ يُكْرَمُونَ. قالَ النَّحّاسُ: حَكى الكِسائِيُّ حَبَرْتُهُ أيْ: أكْرَمْتُهُ ونَعَّمْتُهُ، والأوْلى تَفْسِيرُ يُحْبَرُونَ بِالسُّرُورِ كَما هو المَعْنى العَرَبِيُّ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ يَسْتَلْزِمُ الإكْرامَ والنَّعِيمَ، وفي السُّرُورِ زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: التَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ فَمَعْنى يُحْبَرُونَ يُحْسَنُ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو السَّماعُ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِآياتِنا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ أيِ: البَعْثِ والجَنَّةِ والنّارِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في العَذابِ مُحْضَرُونَ أيْ: مُقِيمُونَ فِيهِ، وقِيلَ: مَجْمُوعُونَ، وقِيلَ: نازِلُونَ، وقِيلَ: مُعَذَّبُونَ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ دَوامُ عَذابِهِمْ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ عاقِبَةَ طائِفَةِ المُؤْمِنِينَ وطائِفَةِ الكافِرِينَ أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما فِيهِ الأجْرُ الوافِرُ والخَيْرُ العامُّ. فَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها أيْ: فَإذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَسَبِّحُوا اللَّهَ أيْ: نَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في وقْتِ الصَّباحِ والمَساءِ وفي العَشِيِّ وفي وقْتِ الظَّهِيرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا الصَّلَواتُ الخَمْسُ، فَقَوْلُهُ حِينَ تُمْسُونَ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقَوْلُهُ وحِينَ تُصْبِحُونَ صَلاةُ الفَجْرِ، وقَوْلُهُ وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ، وقَوْلُهُ حِينَ تُظْهِرُونَ صَلاةُ الظُّهْرِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنْ مَعْنى فَسُبْحانَ اللَّهِ فَصَلُّوا لِلَّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الصَّلَواتِ قالَ: وسَمِعَتْ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: حَقِيقَتُهُ عِنْدِي فَسَبِّحُوا لِلَّهِ في الصَّلَواتِ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ يَكُونُ في الصَّلاةِ، وجُمْلَةُ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مَسُوقَةٌ لِلْإرْشادِ إلى الحَمْدِ والإيذانِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسْبِيحِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقِيلَ: مَعْنى ولَهُ الحَمْدُ أيِ: الِاخْتِصاصُ لَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي يُقْرَأُ فِيها الحَمْدُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ عِكْرِمَةُ " حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ " والمَعْنى: حِينًا تُمْسُونَ فِيهِ وحِينًا تُصْبِحُونَ فِيهِ والعَشِيُّ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى العَتَمَةِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وقالَ قَوْمٌ: هو مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَدَوْنا غَدْوَةً سَحَرًا بِلَيْلٍ ∗∗∗ عَشِيًّا بَعْدَ ما انْتَصَفَ النَّهارُ وقَوْلُهُ: عَشِيًّا مَعْطُوفٌ عَلى حِينَ، وفي السَّماواتِ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ أيِ: الحَمْدُ لَهُ يَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ. ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ والطَّيْرِ مِنَ البَيْضَةِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ مِنَ الحَيَوانِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. قِيلَ: ووَجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ الصَّباحِ يَخْرُجُ مِن شِبْهِ المَوْتِ، وهو النَّوْمُ إلى شِبْهِ الوُجُودِ، وهو اليَقَظَةُ، وعِنْدَ العِشاءِ يَخْرُجُ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ، وهو شَبِيهٌ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ تُخْرَجُونَ مِن قُبُورِكم. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُخْرَجُونَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَأسْنَدَ الخُرُوجَ إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [المعارج: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: مِن آياتِهِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَكم أيْ: خَلَقَ أباكم آدَمَ مِن تُرابِ وخَلَقَكم في ضِمْنِ خَلْقِهِ، لِأنَّ الفَرْعَ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الأصْلِ ومَأْخُوذٌ مِنهُ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ، وأنْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: ثُمَّ فاجَأْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وقْتُ كَوْنِكم بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ في الأرْضِ، وإذا الفُجائِيَّةُ وإنْ كانَتْ أكْثَرَ ما تَقَعُ بَعْدَ الفاءِ، لَكِنَّها وقَعَتْ هُنا بَعْدَ ثُمَّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ الحالَةِ الخاصَّةِ، وهي أطْوارُ الإنْسانِ كَما حَكاهُ اللَّهُ في مَواضِعَ: مِن كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا مَكْسُوًّا لَحْمًا فاجَأ البَشَرِيَّةَ، والِانْتِشارُ، ومَعْنى تَنْتَشِرُونَ: تَنْصَرِفُونَ فِيما هو قِوامُ مَعايِشِكم. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ أيْ: ومِن عَلاماتِهِ ودَلالاتِهِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا أيْ: مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ حَوّاءُ فَإنَّهُ خَلَقَها مِن ضِلْعِ آدَمَ لِتَسْكُنُوا إلَيْها أيْ: تَأْلَفُوها وتَمِيلُوا إلَيْها، فَإنَّ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ لا يَسْكُنُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ ولا يَمِيلُ قَلْبُهُ إلَيْهِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ أيْ: وِدادًا وتَراحُمًا بِسَبَبِ عِصْمَةِ النِّكاحِ يَعْطِفُ بِهِ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَكم قَبْلَ ذَلِكَ مَعْرِفَةٌ، فَضْلًا عَنْ مَوَدَّةٍ ورَحْمَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَوَدَّةُ الجِماعُ، والرَّحْمَةُ الوَلَدُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَوَدَّةُ المَحَبَّةُ، والرَّحْمَةُ الشَّفَقَةُ. وقِيلَ: المَوَدَّةُ حُبِّ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، والرَّحْمَةُ رَحْمَتُهُ إيّاها مِن أنْ يُصِيبَها بِسُوءٍ، وقَوْلُهُ أنْ خَلَقَ لَكم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ سابِقًا. لَآياتٍ عَظِيمَةَ الشَّأْنِ بَدِيعَةَ البَيانِ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَقْتَدِرُونَ (p-١١٣١)عَلى الِاسْتِدْلالِ لِكَوْنِ التَّفَكُّرِ مادَّةً لَهُ يَتَحَصَّلُ عَنْهُ، وأمّا الغافِلُونَ عَنِ التَّفَكُّرِ فَما هم إلّا كالأنْعامِ. ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العَظِيمَةَ الَّتِي هي أجْرامُ السَّماواتِ والأرْضِ وجَعَلَها باقِيَةً ما دامَتْ هَذِهِ الدّارُ وخَلَقَ فِيها مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ وغَرائِبِ التَّكْوِينِ ما هو عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَكم بَعْدَ مَوْتِكم ويَنْشُرَكم مِن قُبُورِكم ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ: لُغاتِكم مِن عَرَبٍ وعَجَمٍ، وتُرْكٍ، ورُومٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللُّغاتِ، وألْوانِكم مِنَ البَياضِ والسَّوادِ والحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ والزُّرْقَةِ والخُضْرَةِ مَعَ كَوْنِكم أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ وأُمٍّ واحِدَةٍ، ويَجْمَعُكم نَوْعٌ واحِدٌ وهو الإنْسانِيَّةُ، وفَصْلٌ واحِدٌ وهو النّاطِقِيَّةُ، حَتّى صِرْتُمْ مُتَمَيِّزِينَ في ذاتِ بَيْنِكم لا يَلْتَبِسُ هَذا بِهَذا، بَلْ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِكم ما يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأفْرادِ، وفي هَذا مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ ما لا يَعْقِلُهُ إلّا العالَمُونَ، ولا يَفْهَمُهُ إلّا المُتَفَكِّرُونَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ الَّذِينَ هم مِن جِنْسِ هَذا العالَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ بَرٍّ وفاجِرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ لامِ العالَمِينَ. وقَرَأ حَفْصٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها. قالَ الفَرّاءُ: ولَهُ وجْهٌ جَيِّدٌ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ قِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ بِالنَّهارِ. وقِيلَ: المَعْنى صَحِيحٌ مِن دُونِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ أيْ: ومِن آياتِهِ العَظِيمَةِ أنَّكم تَنامُونَ بِاللَّيْلِ وتَنامُونَ بِالنَّهارِ في بَعْضِ الأحْوالِ لِلِاسْتِراحَةِ كَوَقْتِ القَيْلُولَةِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ فِيهِما، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقَعُ فِيهِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ ابْتِغاءُ الفَضْلِ في النَّهارِ أكْثَرَ. والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِسائِرِ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذا المَعْنى، والآخَرُ هو المُناسِبُ لِلنَّظْمِ القُرْآنِيِّ هاهُنا. ووَجْهُ ذِكْرِ النَّوْمِ والِابْتِغاءِ هاهُنا وجَعْلِهِما مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ أنَّ النَّوْمَ شَبِيهٌ بِالمَوْتِ، والتَّصَرُّفَ في الحاجاتِ والسَّعْيِ في المَكاسِبِ شَبِيهٌ بِالحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ: يَسْمَعُونَ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ مُتَفَكِّرٍ مُتَدَبِّرٍ فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى البَعْثِ. ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ المَعْنى: أنْ يُرِيَكم، فَحَذْفُ أنْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَما قالَ طَرَفَةُ: ؎ألا أيُّهَذا اللّائِمِي أحْضُرُ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي والتَّقْدِيرُ: أنْ أحْضُرَ، فَلَمّا حُذِفَ الحَرْفُ في الآيَةِ والبَيْتِ بَطُلَ عَمَلُهُ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ تَسْمَعَ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: ويُرِيكُمُ البَرْقَ مِن آياتِهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُرِيكم صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ومِن آياتِهِ آيَةٌ يُرِيكم بِها وفِيها البَرْقَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا مِن آياتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. قالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: خَوْفًا مِنَ الصَّواعِقِ وطَمَعًا في الغَيْثِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ خَوْفًا مِنَ البَرْدِ أنْ يُهْلِكَ الزَّرْعَ، وطَمَعًا في المَطَرِ أنْ يُحْيِيَ الزَّرْعَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: خَوْفًا أنْ يَكُونَ البَرْقُ بَرْقًا خُلَّبًا لا يُمْطِرُ، وطَمَعًا أنْ يَكُونَ مُمْطِرًا، وأنْشَدَ: ؎لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقًا خُلَّبًا ∗∗∗ إنَّ خَيْرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ مَعَهُ وانْتِصابُ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى العِلَّةِ ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فَإنَّ مَن لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العَقْلِ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ آيَةٌ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: قِيامُهُما واسْتِمْساكُهُما بِإرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - وقُدْرَتِهِ بِلا عَمَدٍ يَعْمِدُهُما، ولا مُسْتَقَرٍّ يَسْتَقِرّانِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ أنْ تَدُوما قائِمَتَيْنِ بِأمْرِهِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أيْ: ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِكم ومَصِيرِكم في القُبُورِ إذا دَعاكم دَعْوَةً واحِدَةً فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ تَلَبُّثٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَما يُجِيبُ المَدْعُوُّ المُطِيعُ دَعْوَةَ الدّاعِي المُطاعِ. ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا أيْ: دَعاكم مِنَ الأرْضِ الَّتِي أنْتُمْ فِيها، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِدَعْوَةٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَخْرُجُونَ أيْ: خَرَجْتُمْ مِنَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ تَخْرُجُونَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وهَذِهِ الدَّعْوَةُ هي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الآخِرَةُ في الصُّورِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ التّاءِ في " تَخْرُجُونَ " هُنا، وغَلَطَ مَن قالَ إنَّهُ قُرِئَ هُنا بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإنَّما قُرِئَ بِضَمِّها في الأعْرافِ. ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا وتَصَرُّفًا وخَلْقًا، لَيْسَ لِغَيْرِهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أيْ: مُطِيعُونَ طاعَةَ انْقِيادٍ، وقِيلَ: مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: مُصَلُّونَ، وقِيلَ: قائِمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] أيْ: لِلْحِسابِ، وقِيلَ: بِالشَّهادَةِ أنَّهم عِبادُهُ، وقِيلَ: مُخْلِصُونَ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ المَوْتِ فَيُحْيِيهِ الحَياةَ الدّائِمَةَ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَيِّنٌ عَلَيْهِ لا يَسْتَصْعِبُهُ، أوْ أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِكم وعَلى ما يَقُولُهُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ، وإلّا فَلا شَيْءَ في قُدْرَتِهِ بَعْضُهُ أهْوَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّ الأشْياءِ مُسْتَوِيَةٌ يُوجِدُها بِقَوْلِهِ: كُنْ فَتَكُونُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَن جَعَلَ " أهْوَنُ " عِبارَةً عَنْ تَفْضِيلِ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البقرة: ٢٥٥] والعَرَبُ تَحْمِلُ أفْعَلَ عَلى فاعِلٍ كَثِيرًا كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ، وأنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ عَلى ذَلِكَ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ (p-١١٣٢)أيْ: لَسْتُ بِواحِدٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ ∗∗∗ لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ أيْ: وفاضِلٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وهو عَلَيْهِ هَيِّنٌ " وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: إنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ أيْ: عَلى اللَّهِ مِنَ البِدايَةِ أيْ: أيْسَرُ وإنْ كانَ جَمِيعُهُ هَيِّنًا. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الإعادَةَ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ أهْوَنُ مِنَ البِدايَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في عَلَيْهِ لِلْخَلْقِ أيْ: وهو أهْوَنُ عَلى الخَلْقِ لِأنَّهُ يُصاحُ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَيَقُومُونَ ويُقالُ لَهم كُونُوا فَيَكُونُونَ، فَذَلِكَ أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يَكُونُوا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى آخِرِ النَّشْأةِ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ قالَ الخَلِيلُ: المَثَلُ الصِّفَةُ أيْ: ولَهُ الوَصْفُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ كَما قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [ الرَّعْدِ: ٣٥، ومُحَمَّدٍ: ١٥ ] أيْ: صِفَتُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المَثَلُ الأعْلى قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قَدْ ضَرَبَهُ لَكم مَثَلًا فِيما يَصْعُبُ ويَسْهُلُ. وقِيلَ: المَثَلُ الأعْلى هو أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: هو أنَّ ما أرادَهُ كانَ بِقَوْلِ كُنْ، وفي السَّماواتِ والأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عُرِفَ بِالمَثَلِ الأعْلى، ووُصِفَ بِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الأعْلى، أوْ مِنَ المَثَلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الأعْلى، وهو العَزِيزُ في مُلْكِهِ، القادِرُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الحَكِيمُ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُبْلِسُ قالَ: يَبْتَئِسُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، يُبْلِسُ قالَ: يَكْتَئِبُ، وعَنْهُ الإبْلاسُ: الفَضِيحَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُحْبَرُونَ قالَ: يُكْرَمُونَ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا يُنَزِّهُونَ أسْماعَهم وأبْصارَهم عَنْ مَزامِيرِ الشَّيْطانِ مَيِّزُوهم، فَيُمَيَّزُونَ في كَثَبِ المِسْكِ والعَنْبَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أسْمِعُوهم مِن تَسْبِيحِي وتَحْمِيدِي وتَهْلِيلِي، قالَ: فَيُسَبِّحُونَ بِأصْواتٍ لَمْ يَسْمَعِ السّامِعُونَ بِمِثْلِها قَطُّ» . وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في المُجالَسَةِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، ولَمْ يُسَمِّ مَن رَواهُ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي، والأصْبِهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ كِلاهُما في صِفَةِ الجَنَّةِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ عَلى ساقٍ قَدْرَ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ، فَيُخْرِجُ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ الغُرَفِ وغَيْرِهِمْ فَيَتَحَدَّثُونَ في ظِلِّها، فَيَشْتَهِي بَعْضُهم ويَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ كانَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ فَهو صَلاةٌ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: جاءَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ ؟ قالَ نَعَمْ، فَقَرَأ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صَلاةُ المَغْرِبِ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صَلاةُ الظُّهْرِ، وقَرَأ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَواقِيتَ الصَّلاةِ، ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قالَ: المَغْرِبُ والعِشاءُ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفَجْرُ وعَشِيًّا العَصْرُ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهْرُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ يَوْمِ ولَيْلَةٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى ؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾» وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ، ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يَقُولُ مُطِيعُونَ: يَعْنِي الحَياةَ والنُّشُورَ والمَوْتَ وهم لَهُ عاصُونَ فِيما سِوى ذَلِكَ مِنَ العِبادَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: أيْسَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: الإعادَةُ أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كُنْ فَيَكُونُ، وابْتَدَأ الخِلْقَةَ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ يَقُولُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

الروم 30:17

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعِيدُهم بَعْدَ المَوْتِ أحْياءً كَما كانُوا، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في يُعِيدُهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الخَلْقِ، وجَمَعَهُ في تُرْجَعُونَ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو " يُرْجَعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ والِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِالمُبالَغَةِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُبْلِسُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ يُقالُ: أبْلَسَ الرَّجُلُ: إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: المُبْلِسُ السّاكِتُ المُنْقَطِعُ في حُجَّتِهِ الَّذِي أيِسَ أنْ يَهْتَدِيَ إلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ العَجاجِ: ؎يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا قالَ: نَعَمْ أعْرِفْهُ وأبْلَسا وقالَ الكَلْبِيُّ أيْ: يَئِسَ المُشْرِكُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ حِينَ عايَنُوا العَذابَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الإبْلاسِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ مِن شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءُ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وكانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِشُرَكائِهِمْ أيْ: بِآلِهَتِهِمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كافِرِينَ أيْ: جاحِدِينَ لِكَوْنِهِمْ آلِهَةً؛ لِأنَّهم عَلِمُوا إذْ ذاكَ أنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِ عِبادَتِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أيْ: يَتَفَرَّقُ جَمِيعُ الخَلْقِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ والمُرادُ بِالتَّفَرُّقِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفَرِدُ، فالمُؤْمِنُونَ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ، والكافِرُونَ إلى النّارِ، ولَيْسَ المُرادُ تَفَرُّقَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهم عَنِ الآخَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: (p-١١٣٠)﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ فَلا يَجْتَمِعُونَ أبَدًا. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ تَفَرُّقِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ مَعْنى " أمّا " دَعْ ما كُنّا فِيهِ وخُذْ في غَيْرِهِ، وكَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ مَعْناهُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَخُذْ في غَيْرِ ما كُنّا فِيهِ، والرَّوْضَةُ كُلُّ أرْضٍ ذاتِ نَباتٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِها هُنا الجَنَّةُ، ومَعْنى يُحْبَرُونَ يُسَرُّونَ، والحُبُورُ والحَبْرَةُ السُّرُورُ أيْ: فَهم في رِياضِ الجَنَّةِ يَنْعَمُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الرَّوْضَةُ ما كانَ في سُفْلٍ، فَإذا كانَ مُرْتَفِعًا فَهو تَلْعَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ: أحْسَنُ ما تَكُونُ الرَّوْضَةُ إذا كانَتْ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ وقِيلَ: مَعْنى يُحْبَرُونَ يُكْرَمُونَ. قالَ النَّحّاسُ: حَكى الكِسائِيُّ حَبَرْتُهُ أيْ: أكْرَمْتُهُ ونَعَّمْتُهُ، والأوْلى تَفْسِيرُ يُحْبَرُونَ بِالسُّرُورِ كَما هو المَعْنى العَرَبِيُّ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ يَسْتَلْزِمُ الإكْرامَ والنَّعِيمَ، وفي السُّرُورِ زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: التَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ فَمَعْنى يُحْبَرُونَ يُحْسَنُ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو السَّماعُ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِآياتِنا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ أيِ: البَعْثِ والجَنَّةِ والنّارِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في العَذابِ مُحْضَرُونَ أيْ: مُقِيمُونَ فِيهِ، وقِيلَ: مَجْمُوعُونَ، وقِيلَ: نازِلُونَ، وقِيلَ: مُعَذَّبُونَ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ دَوامُ عَذابِهِمْ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ عاقِبَةَ طائِفَةِ المُؤْمِنِينَ وطائِفَةِ الكافِرِينَ أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما فِيهِ الأجْرُ الوافِرُ والخَيْرُ العامُّ. فَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها أيْ: فَإذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَسَبِّحُوا اللَّهَ أيْ: نَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في وقْتِ الصَّباحِ والمَساءِ وفي العَشِيِّ وفي وقْتِ الظَّهِيرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا الصَّلَواتُ الخَمْسُ، فَقَوْلُهُ حِينَ تُمْسُونَ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقَوْلُهُ وحِينَ تُصْبِحُونَ صَلاةُ الفَجْرِ، وقَوْلُهُ وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ، وقَوْلُهُ حِينَ تُظْهِرُونَ صَلاةُ الظُّهْرِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنْ مَعْنى فَسُبْحانَ اللَّهِ فَصَلُّوا لِلَّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الصَّلَواتِ قالَ: وسَمِعَتْ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: حَقِيقَتُهُ عِنْدِي فَسَبِّحُوا لِلَّهِ في الصَّلَواتِ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ يَكُونُ في الصَّلاةِ، وجُمْلَةُ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مَسُوقَةٌ لِلْإرْشادِ إلى الحَمْدِ والإيذانِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسْبِيحِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقِيلَ: مَعْنى ولَهُ الحَمْدُ أيِ: الِاخْتِصاصُ لَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي يُقْرَأُ فِيها الحَمْدُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ عِكْرِمَةُ " حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ " والمَعْنى: حِينًا تُمْسُونَ فِيهِ وحِينًا تُصْبِحُونَ فِيهِ والعَشِيُّ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى العَتَمَةِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وقالَ قَوْمٌ: هو مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَدَوْنا غَدْوَةً سَحَرًا بِلَيْلٍ ∗∗∗ عَشِيًّا بَعْدَ ما انْتَصَفَ النَّهارُ وقَوْلُهُ: عَشِيًّا مَعْطُوفٌ عَلى حِينَ، وفي السَّماواتِ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ أيِ: الحَمْدُ لَهُ يَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ. ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ والطَّيْرِ مِنَ البَيْضَةِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ مِنَ الحَيَوانِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. قِيلَ: ووَجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ الصَّباحِ يَخْرُجُ مِن شِبْهِ المَوْتِ، وهو النَّوْمُ إلى شِبْهِ الوُجُودِ، وهو اليَقَظَةُ، وعِنْدَ العِشاءِ يَخْرُجُ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ، وهو شَبِيهٌ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ تُخْرَجُونَ مِن قُبُورِكم. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُخْرَجُونَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَأسْنَدَ الخُرُوجَ إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [المعارج: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: مِن آياتِهِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَكم أيْ: خَلَقَ أباكم آدَمَ مِن تُرابِ وخَلَقَكم في ضِمْنِ خَلْقِهِ، لِأنَّ الفَرْعَ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الأصْلِ ومَأْخُوذٌ مِنهُ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ، وأنْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: ثُمَّ فاجَأْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وقْتُ كَوْنِكم بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ في الأرْضِ، وإذا الفُجائِيَّةُ وإنْ كانَتْ أكْثَرَ ما تَقَعُ بَعْدَ الفاءِ، لَكِنَّها وقَعَتْ هُنا بَعْدَ ثُمَّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ الحالَةِ الخاصَّةِ، وهي أطْوارُ الإنْسانِ كَما حَكاهُ اللَّهُ في مَواضِعَ: مِن كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا مَكْسُوًّا لَحْمًا فاجَأ البَشَرِيَّةَ، والِانْتِشارُ، ومَعْنى تَنْتَشِرُونَ: تَنْصَرِفُونَ فِيما هو قِوامُ مَعايِشِكم. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ أيْ: ومِن عَلاماتِهِ ودَلالاتِهِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا أيْ: مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ حَوّاءُ فَإنَّهُ خَلَقَها مِن ضِلْعِ آدَمَ لِتَسْكُنُوا إلَيْها أيْ: تَأْلَفُوها وتَمِيلُوا إلَيْها، فَإنَّ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ لا يَسْكُنُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ ولا يَمِيلُ قَلْبُهُ إلَيْهِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ أيْ: وِدادًا وتَراحُمًا بِسَبَبِ عِصْمَةِ النِّكاحِ يَعْطِفُ بِهِ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَكم قَبْلَ ذَلِكَ مَعْرِفَةٌ، فَضْلًا عَنْ مَوَدَّةٍ ورَحْمَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَوَدَّةُ الجِماعُ، والرَّحْمَةُ الوَلَدُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَوَدَّةُ المَحَبَّةُ، والرَّحْمَةُ الشَّفَقَةُ. وقِيلَ: المَوَدَّةُ حُبِّ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، والرَّحْمَةُ رَحْمَتُهُ إيّاها مِن أنْ يُصِيبَها بِسُوءٍ، وقَوْلُهُ أنْ خَلَقَ لَكم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ سابِقًا. لَآياتٍ عَظِيمَةَ الشَّأْنِ بَدِيعَةَ البَيانِ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَقْتَدِرُونَ (p-١١٣١)عَلى الِاسْتِدْلالِ لِكَوْنِ التَّفَكُّرِ مادَّةً لَهُ يَتَحَصَّلُ عَنْهُ، وأمّا الغافِلُونَ عَنِ التَّفَكُّرِ فَما هم إلّا كالأنْعامِ. ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العَظِيمَةَ الَّتِي هي أجْرامُ السَّماواتِ والأرْضِ وجَعَلَها باقِيَةً ما دامَتْ هَذِهِ الدّارُ وخَلَقَ فِيها مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ وغَرائِبِ التَّكْوِينِ ما هو عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَكم بَعْدَ مَوْتِكم ويَنْشُرَكم مِن قُبُورِكم ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ: لُغاتِكم مِن عَرَبٍ وعَجَمٍ، وتُرْكٍ، ورُومٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللُّغاتِ، وألْوانِكم مِنَ البَياضِ والسَّوادِ والحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ والزُّرْقَةِ والخُضْرَةِ مَعَ كَوْنِكم أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ وأُمٍّ واحِدَةٍ، ويَجْمَعُكم نَوْعٌ واحِدٌ وهو الإنْسانِيَّةُ، وفَصْلٌ واحِدٌ وهو النّاطِقِيَّةُ، حَتّى صِرْتُمْ مُتَمَيِّزِينَ في ذاتِ بَيْنِكم لا يَلْتَبِسُ هَذا بِهَذا، بَلْ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِكم ما يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأفْرادِ، وفي هَذا مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ ما لا يَعْقِلُهُ إلّا العالَمُونَ، ولا يَفْهَمُهُ إلّا المُتَفَكِّرُونَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ الَّذِينَ هم مِن جِنْسِ هَذا العالَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ بَرٍّ وفاجِرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ لامِ العالَمِينَ. وقَرَأ حَفْصٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها. قالَ الفَرّاءُ: ولَهُ وجْهٌ جَيِّدٌ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ قِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ بِالنَّهارِ. وقِيلَ: المَعْنى صَحِيحٌ مِن دُونِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ أيْ: ومِن آياتِهِ العَظِيمَةِ أنَّكم تَنامُونَ بِاللَّيْلِ وتَنامُونَ بِالنَّهارِ في بَعْضِ الأحْوالِ لِلِاسْتِراحَةِ كَوَقْتِ القَيْلُولَةِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ فِيهِما، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقَعُ فِيهِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ ابْتِغاءُ الفَضْلِ في النَّهارِ أكْثَرَ. والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِسائِرِ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذا المَعْنى، والآخَرُ هو المُناسِبُ لِلنَّظْمِ القُرْآنِيِّ هاهُنا. ووَجْهُ ذِكْرِ النَّوْمِ والِابْتِغاءِ هاهُنا وجَعْلِهِما مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ أنَّ النَّوْمَ شَبِيهٌ بِالمَوْتِ، والتَّصَرُّفَ في الحاجاتِ والسَّعْيِ في المَكاسِبِ شَبِيهٌ بِالحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ: يَسْمَعُونَ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ مُتَفَكِّرٍ مُتَدَبِّرٍ فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى البَعْثِ. ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ المَعْنى: أنْ يُرِيَكم، فَحَذْفُ أنْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَما قالَ طَرَفَةُ: ؎ألا أيُّهَذا اللّائِمِي أحْضُرُ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي والتَّقْدِيرُ: أنْ أحْضُرَ، فَلَمّا حُذِفَ الحَرْفُ في الآيَةِ والبَيْتِ بَطُلَ عَمَلُهُ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ تَسْمَعَ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: ويُرِيكُمُ البَرْقَ مِن آياتِهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُرِيكم صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ومِن آياتِهِ آيَةٌ يُرِيكم بِها وفِيها البَرْقَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا مِن آياتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. قالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: خَوْفًا مِنَ الصَّواعِقِ وطَمَعًا في الغَيْثِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ خَوْفًا مِنَ البَرْدِ أنْ يُهْلِكَ الزَّرْعَ، وطَمَعًا في المَطَرِ أنْ يُحْيِيَ الزَّرْعَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: خَوْفًا أنْ يَكُونَ البَرْقُ بَرْقًا خُلَّبًا لا يُمْطِرُ، وطَمَعًا أنْ يَكُونَ مُمْطِرًا، وأنْشَدَ: ؎لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقًا خُلَّبًا ∗∗∗ إنَّ خَيْرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ مَعَهُ وانْتِصابُ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى العِلَّةِ ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فَإنَّ مَن لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العَقْلِ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ آيَةٌ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: قِيامُهُما واسْتِمْساكُهُما بِإرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - وقُدْرَتِهِ بِلا عَمَدٍ يَعْمِدُهُما، ولا مُسْتَقَرٍّ يَسْتَقِرّانِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ أنْ تَدُوما قائِمَتَيْنِ بِأمْرِهِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أيْ: ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِكم ومَصِيرِكم في القُبُورِ إذا دَعاكم دَعْوَةً واحِدَةً فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ تَلَبُّثٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَما يُجِيبُ المَدْعُوُّ المُطِيعُ دَعْوَةَ الدّاعِي المُطاعِ. ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا أيْ: دَعاكم مِنَ الأرْضِ الَّتِي أنْتُمْ فِيها، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِدَعْوَةٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَخْرُجُونَ أيْ: خَرَجْتُمْ مِنَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ تَخْرُجُونَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وهَذِهِ الدَّعْوَةُ هي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الآخِرَةُ في الصُّورِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ التّاءِ في " تَخْرُجُونَ " هُنا، وغَلَطَ مَن قالَ إنَّهُ قُرِئَ هُنا بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإنَّما قُرِئَ بِضَمِّها في الأعْرافِ. ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا وتَصَرُّفًا وخَلْقًا، لَيْسَ لِغَيْرِهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أيْ: مُطِيعُونَ طاعَةَ انْقِيادٍ، وقِيلَ: مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: مُصَلُّونَ، وقِيلَ: قائِمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] أيْ: لِلْحِسابِ، وقِيلَ: بِالشَّهادَةِ أنَّهم عِبادُهُ، وقِيلَ: مُخْلِصُونَ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ المَوْتِ فَيُحْيِيهِ الحَياةَ الدّائِمَةَ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَيِّنٌ عَلَيْهِ لا يَسْتَصْعِبُهُ، أوْ أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِكم وعَلى ما يَقُولُهُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ، وإلّا فَلا شَيْءَ في قُدْرَتِهِ بَعْضُهُ أهْوَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّ الأشْياءِ مُسْتَوِيَةٌ يُوجِدُها بِقَوْلِهِ: كُنْ فَتَكُونُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَن جَعَلَ " أهْوَنُ " عِبارَةً عَنْ تَفْضِيلِ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البقرة: ٢٥٥] والعَرَبُ تَحْمِلُ أفْعَلَ عَلى فاعِلٍ كَثِيرًا كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ، وأنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ عَلى ذَلِكَ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ (p-١١٣٢)أيْ: لَسْتُ بِواحِدٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ ∗∗∗ لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ أيْ: وفاضِلٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وهو عَلَيْهِ هَيِّنٌ " وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: إنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ أيْ: عَلى اللَّهِ مِنَ البِدايَةِ أيْ: أيْسَرُ وإنْ كانَ جَمِيعُهُ هَيِّنًا. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الإعادَةَ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ أهْوَنُ مِنَ البِدايَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في عَلَيْهِ لِلْخَلْقِ أيْ: وهو أهْوَنُ عَلى الخَلْقِ لِأنَّهُ يُصاحُ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَيَقُومُونَ ويُقالُ لَهم كُونُوا فَيَكُونُونَ، فَذَلِكَ أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يَكُونُوا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى آخِرِ النَّشْأةِ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ قالَ الخَلِيلُ: المَثَلُ الصِّفَةُ أيْ: ولَهُ الوَصْفُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ كَما قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [ الرَّعْدِ: ٣٥، ومُحَمَّدٍ: ١٥ ] أيْ: صِفَتُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المَثَلُ الأعْلى قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قَدْ ضَرَبَهُ لَكم مَثَلًا فِيما يَصْعُبُ ويَسْهُلُ. وقِيلَ: المَثَلُ الأعْلى هو أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: هو أنَّ ما أرادَهُ كانَ بِقَوْلِ كُنْ، وفي السَّماواتِ والأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عُرِفَ بِالمَثَلِ الأعْلى، ووُصِفَ بِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الأعْلى، أوْ مِنَ المَثَلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الأعْلى، وهو العَزِيزُ في مُلْكِهِ، القادِرُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الحَكِيمُ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُبْلِسُ قالَ: يَبْتَئِسُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، يُبْلِسُ قالَ: يَكْتَئِبُ، وعَنْهُ الإبْلاسُ: الفَضِيحَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُحْبَرُونَ قالَ: يُكْرَمُونَ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا يُنَزِّهُونَ أسْماعَهم وأبْصارَهم عَنْ مَزامِيرِ الشَّيْطانِ مَيِّزُوهم، فَيُمَيَّزُونَ في كَثَبِ المِسْكِ والعَنْبَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أسْمِعُوهم مِن تَسْبِيحِي وتَحْمِيدِي وتَهْلِيلِي، قالَ: فَيُسَبِّحُونَ بِأصْواتٍ لَمْ يَسْمَعِ السّامِعُونَ بِمِثْلِها قَطُّ» . وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في المُجالَسَةِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، ولَمْ يُسَمِّ مَن رَواهُ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي، والأصْبِهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ كِلاهُما في صِفَةِ الجَنَّةِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ عَلى ساقٍ قَدْرَ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ، فَيُخْرِجُ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ الغُرَفِ وغَيْرِهِمْ فَيَتَحَدَّثُونَ في ظِلِّها، فَيَشْتَهِي بَعْضُهم ويَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ كانَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ فَهو صَلاةٌ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: جاءَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ ؟ قالَ نَعَمْ، فَقَرَأ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صَلاةُ المَغْرِبِ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صَلاةُ الظُّهْرِ، وقَرَأ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَواقِيتَ الصَّلاةِ، ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قالَ: المَغْرِبُ والعِشاءُ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفَجْرُ وعَشِيًّا العَصْرُ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهْرُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ يَوْمِ ولَيْلَةٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى ؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾» وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ، ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يَقُولُ مُطِيعُونَ: يَعْنِي الحَياةَ والنُّشُورَ والمَوْتَ وهم لَهُ عاصُونَ فِيما سِوى ذَلِكَ مِنَ العِبادَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: أيْسَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: الإعادَةُ أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كُنْ فَيَكُونُ، وابْتَدَأ الخِلْقَةَ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ يَقُولُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

الروم 30:18

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعِيدُهم بَعْدَ المَوْتِ أحْياءً كَما كانُوا، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في يُعِيدُهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الخَلْقِ، وجَمَعَهُ في تُرْجَعُونَ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو " يُرْجَعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ والِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِالمُبالَغَةِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُبْلِسُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ يُقالُ: أبْلَسَ الرَّجُلُ: إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: المُبْلِسُ السّاكِتُ المُنْقَطِعُ في حُجَّتِهِ الَّذِي أيِسَ أنْ يَهْتَدِيَ إلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ العَجاجِ: ؎يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا قالَ: نَعَمْ أعْرِفْهُ وأبْلَسا وقالَ الكَلْبِيُّ أيْ: يَئِسَ المُشْرِكُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ حِينَ عايَنُوا العَذابَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الإبْلاسِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ مِن شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءُ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وكانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِشُرَكائِهِمْ أيْ: بِآلِهَتِهِمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كافِرِينَ أيْ: جاحِدِينَ لِكَوْنِهِمْ آلِهَةً؛ لِأنَّهم عَلِمُوا إذْ ذاكَ أنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِ عِبادَتِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أيْ: يَتَفَرَّقُ جَمِيعُ الخَلْقِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ والمُرادُ بِالتَّفَرُّقِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفَرِدُ، فالمُؤْمِنُونَ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ، والكافِرُونَ إلى النّارِ، ولَيْسَ المُرادُ تَفَرُّقَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهم عَنِ الآخَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: (p-١١٣٠)﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ فَلا يَجْتَمِعُونَ أبَدًا. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ تَفَرُّقِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ مَعْنى " أمّا " دَعْ ما كُنّا فِيهِ وخُذْ في غَيْرِهِ، وكَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ مَعْناهُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَخُذْ في غَيْرِ ما كُنّا فِيهِ، والرَّوْضَةُ كُلُّ أرْضٍ ذاتِ نَباتٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِها هُنا الجَنَّةُ، ومَعْنى يُحْبَرُونَ يُسَرُّونَ، والحُبُورُ والحَبْرَةُ السُّرُورُ أيْ: فَهم في رِياضِ الجَنَّةِ يَنْعَمُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الرَّوْضَةُ ما كانَ في سُفْلٍ، فَإذا كانَ مُرْتَفِعًا فَهو تَلْعَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ: أحْسَنُ ما تَكُونُ الرَّوْضَةُ إذا كانَتْ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ وقِيلَ: مَعْنى يُحْبَرُونَ يُكْرَمُونَ. قالَ النَّحّاسُ: حَكى الكِسائِيُّ حَبَرْتُهُ أيْ: أكْرَمْتُهُ ونَعَّمْتُهُ، والأوْلى تَفْسِيرُ يُحْبَرُونَ بِالسُّرُورِ كَما هو المَعْنى العَرَبِيُّ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ يَسْتَلْزِمُ الإكْرامَ والنَّعِيمَ، وفي السُّرُورِ زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: التَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ فَمَعْنى يُحْبَرُونَ يُحْسَنُ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو السَّماعُ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِآياتِنا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ أيِ: البَعْثِ والجَنَّةِ والنّارِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في العَذابِ مُحْضَرُونَ أيْ: مُقِيمُونَ فِيهِ، وقِيلَ: مَجْمُوعُونَ، وقِيلَ: نازِلُونَ، وقِيلَ: مُعَذَّبُونَ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ دَوامُ عَذابِهِمْ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ عاقِبَةَ طائِفَةِ المُؤْمِنِينَ وطائِفَةِ الكافِرِينَ أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما فِيهِ الأجْرُ الوافِرُ والخَيْرُ العامُّ. فَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها أيْ: فَإذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَسَبِّحُوا اللَّهَ أيْ: نَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في وقْتِ الصَّباحِ والمَساءِ وفي العَشِيِّ وفي وقْتِ الظَّهِيرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا الصَّلَواتُ الخَمْسُ، فَقَوْلُهُ حِينَ تُمْسُونَ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقَوْلُهُ وحِينَ تُصْبِحُونَ صَلاةُ الفَجْرِ، وقَوْلُهُ وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ، وقَوْلُهُ حِينَ تُظْهِرُونَ صَلاةُ الظُّهْرِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنْ مَعْنى فَسُبْحانَ اللَّهِ فَصَلُّوا لِلَّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الصَّلَواتِ قالَ: وسَمِعَتْ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: حَقِيقَتُهُ عِنْدِي فَسَبِّحُوا لِلَّهِ في الصَّلَواتِ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ يَكُونُ في الصَّلاةِ، وجُمْلَةُ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مَسُوقَةٌ لِلْإرْشادِ إلى الحَمْدِ والإيذانِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسْبِيحِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقِيلَ: مَعْنى ولَهُ الحَمْدُ أيِ: الِاخْتِصاصُ لَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي يُقْرَأُ فِيها الحَمْدُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ عِكْرِمَةُ " حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ " والمَعْنى: حِينًا تُمْسُونَ فِيهِ وحِينًا تُصْبِحُونَ فِيهِ والعَشِيُّ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى العَتَمَةِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وقالَ قَوْمٌ: هو مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَدَوْنا غَدْوَةً سَحَرًا بِلَيْلٍ ∗∗∗ عَشِيًّا بَعْدَ ما انْتَصَفَ النَّهارُ وقَوْلُهُ: عَشِيًّا مَعْطُوفٌ عَلى حِينَ، وفي السَّماواتِ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ أيِ: الحَمْدُ لَهُ يَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ. ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ والطَّيْرِ مِنَ البَيْضَةِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ مِنَ الحَيَوانِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. قِيلَ: ووَجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ الصَّباحِ يَخْرُجُ مِن شِبْهِ المَوْتِ، وهو النَّوْمُ إلى شِبْهِ الوُجُودِ، وهو اليَقَظَةُ، وعِنْدَ العِشاءِ يَخْرُجُ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ، وهو شَبِيهٌ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ تُخْرَجُونَ مِن قُبُورِكم. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُخْرَجُونَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَأسْنَدَ الخُرُوجَ إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [المعارج: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: مِن آياتِهِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَكم أيْ: خَلَقَ أباكم آدَمَ مِن تُرابِ وخَلَقَكم في ضِمْنِ خَلْقِهِ، لِأنَّ الفَرْعَ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الأصْلِ ومَأْخُوذٌ مِنهُ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ، وأنْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: ثُمَّ فاجَأْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وقْتُ كَوْنِكم بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ في الأرْضِ، وإذا الفُجائِيَّةُ وإنْ كانَتْ أكْثَرَ ما تَقَعُ بَعْدَ الفاءِ، لَكِنَّها وقَعَتْ هُنا بَعْدَ ثُمَّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ الحالَةِ الخاصَّةِ، وهي أطْوارُ الإنْسانِ كَما حَكاهُ اللَّهُ في مَواضِعَ: مِن كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا مَكْسُوًّا لَحْمًا فاجَأ البَشَرِيَّةَ، والِانْتِشارُ، ومَعْنى تَنْتَشِرُونَ: تَنْصَرِفُونَ فِيما هو قِوامُ مَعايِشِكم. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ أيْ: ومِن عَلاماتِهِ ودَلالاتِهِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا أيْ: مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ حَوّاءُ فَإنَّهُ خَلَقَها مِن ضِلْعِ آدَمَ لِتَسْكُنُوا إلَيْها أيْ: تَأْلَفُوها وتَمِيلُوا إلَيْها، فَإنَّ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ لا يَسْكُنُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ ولا يَمِيلُ قَلْبُهُ إلَيْهِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ أيْ: وِدادًا وتَراحُمًا بِسَبَبِ عِصْمَةِ النِّكاحِ يَعْطِفُ بِهِ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَكم قَبْلَ ذَلِكَ مَعْرِفَةٌ، فَضْلًا عَنْ مَوَدَّةٍ ورَحْمَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَوَدَّةُ الجِماعُ، والرَّحْمَةُ الوَلَدُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَوَدَّةُ المَحَبَّةُ، والرَّحْمَةُ الشَّفَقَةُ. وقِيلَ: المَوَدَّةُ حُبِّ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، والرَّحْمَةُ رَحْمَتُهُ إيّاها مِن أنْ يُصِيبَها بِسُوءٍ، وقَوْلُهُ أنْ خَلَقَ لَكم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ سابِقًا. لَآياتٍ عَظِيمَةَ الشَّأْنِ بَدِيعَةَ البَيانِ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَقْتَدِرُونَ (p-١١٣١)عَلى الِاسْتِدْلالِ لِكَوْنِ التَّفَكُّرِ مادَّةً لَهُ يَتَحَصَّلُ عَنْهُ، وأمّا الغافِلُونَ عَنِ التَّفَكُّرِ فَما هم إلّا كالأنْعامِ. ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العَظِيمَةَ الَّتِي هي أجْرامُ السَّماواتِ والأرْضِ وجَعَلَها باقِيَةً ما دامَتْ هَذِهِ الدّارُ وخَلَقَ فِيها مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ وغَرائِبِ التَّكْوِينِ ما هو عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَكم بَعْدَ مَوْتِكم ويَنْشُرَكم مِن قُبُورِكم ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ: لُغاتِكم مِن عَرَبٍ وعَجَمٍ، وتُرْكٍ، ورُومٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللُّغاتِ، وألْوانِكم مِنَ البَياضِ والسَّوادِ والحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ والزُّرْقَةِ والخُضْرَةِ مَعَ كَوْنِكم أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ وأُمٍّ واحِدَةٍ، ويَجْمَعُكم نَوْعٌ واحِدٌ وهو الإنْسانِيَّةُ، وفَصْلٌ واحِدٌ وهو النّاطِقِيَّةُ، حَتّى صِرْتُمْ مُتَمَيِّزِينَ في ذاتِ بَيْنِكم لا يَلْتَبِسُ هَذا بِهَذا، بَلْ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِكم ما يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأفْرادِ، وفي هَذا مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ ما لا يَعْقِلُهُ إلّا العالَمُونَ، ولا يَفْهَمُهُ إلّا المُتَفَكِّرُونَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ الَّذِينَ هم مِن جِنْسِ هَذا العالَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ بَرٍّ وفاجِرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ لامِ العالَمِينَ. وقَرَأ حَفْصٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها. قالَ الفَرّاءُ: ولَهُ وجْهٌ جَيِّدٌ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ قِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ بِالنَّهارِ. وقِيلَ: المَعْنى صَحِيحٌ مِن دُونِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ أيْ: ومِن آياتِهِ العَظِيمَةِ أنَّكم تَنامُونَ بِاللَّيْلِ وتَنامُونَ بِالنَّهارِ في بَعْضِ الأحْوالِ لِلِاسْتِراحَةِ كَوَقْتِ القَيْلُولَةِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ فِيهِما، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقَعُ فِيهِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ ابْتِغاءُ الفَضْلِ في النَّهارِ أكْثَرَ. والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِسائِرِ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذا المَعْنى، والآخَرُ هو المُناسِبُ لِلنَّظْمِ القُرْآنِيِّ هاهُنا. ووَجْهُ ذِكْرِ النَّوْمِ والِابْتِغاءِ هاهُنا وجَعْلِهِما مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ أنَّ النَّوْمَ شَبِيهٌ بِالمَوْتِ، والتَّصَرُّفَ في الحاجاتِ والسَّعْيِ في المَكاسِبِ شَبِيهٌ بِالحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ: يَسْمَعُونَ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ مُتَفَكِّرٍ مُتَدَبِّرٍ فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى البَعْثِ. ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ المَعْنى: أنْ يُرِيَكم، فَحَذْفُ أنْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَما قالَ طَرَفَةُ: ؎ألا أيُّهَذا اللّائِمِي أحْضُرُ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي والتَّقْدِيرُ: أنْ أحْضُرَ، فَلَمّا حُذِفَ الحَرْفُ في الآيَةِ والبَيْتِ بَطُلَ عَمَلُهُ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ تَسْمَعَ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: ويُرِيكُمُ البَرْقَ مِن آياتِهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُرِيكم صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ومِن آياتِهِ آيَةٌ يُرِيكم بِها وفِيها البَرْقَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا مِن آياتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. قالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: خَوْفًا مِنَ الصَّواعِقِ وطَمَعًا في الغَيْثِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ خَوْفًا مِنَ البَرْدِ أنْ يُهْلِكَ الزَّرْعَ، وطَمَعًا في المَطَرِ أنْ يُحْيِيَ الزَّرْعَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: خَوْفًا أنْ يَكُونَ البَرْقُ بَرْقًا خُلَّبًا لا يُمْطِرُ، وطَمَعًا أنْ يَكُونَ مُمْطِرًا، وأنْشَدَ: ؎لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقًا خُلَّبًا ∗∗∗ إنَّ خَيْرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ مَعَهُ وانْتِصابُ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى العِلَّةِ ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فَإنَّ مَن لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العَقْلِ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ آيَةٌ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: قِيامُهُما واسْتِمْساكُهُما بِإرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - وقُدْرَتِهِ بِلا عَمَدٍ يَعْمِدُهُما، ولا مُسْتَقَرٍّ يَسْتَقِرّانِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ أنْ تَدُوما قائِمَتَيْنِ بِأمْرِهِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أيْ: ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِكم ومَصِيرِكم في القُبُورِ إذا دَعاكم دَعْوَةً واحِدَةً فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ تَلَبُّثٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَما يُجِيبُ المَدْعُوُّ المُطِيعُ دَعْوَةَ الدّاعِي المُطاعِ. ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا أيْ: دَعاكم مِنَ الأرْضِ الَّتِي أنْتُمْ فِيها، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِدَعْوَةٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَخْرُجُونَ أيْ: خَرَجْتُمْ مِنَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ تَخْرُجُونَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وهَذِهِ الدَّعْوَةُ هي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الآخِرَةُ في الصُّورِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ التّاءِ في " تَخْرُجُونَ " هُنا، وغَلَطَ مَن قالَ إنَّهُ قُرِئَ هُنا بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإنَّما قُرِئَ بِضَمِّها في الأعْرافِ. ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا وتَصَرُّفًا وخَلْقًا، لَيْسَ لِغَيْرِهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أيْ: مُطِيعُونَ طاعَةَ انْقِيادٍ، وقِيلَ: مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: مُصَلُّونَ، وقِيلَ: قائِمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] أيْ: لِلْحِسابِ، وقِيلَ: بِالشَّهادَةِ أنَّهم عِبادُهُ، وقِيلَ: مُخْلِصُونَ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ المَوْتِ فَيُحْيِيهِ الحَياةَ الدّائِمَةَ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَيِّنٌ عَلَيْهِ لا يَسْتَصْعِبُهُ، أوْ أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِكم وعَلى ما يَقُولُهُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ، وإلّا فَلا شَيْءَ في قُدْرَتِهِ بَعْضُهُ أهْوَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّ الأشْياءِ مُسْتَوِيَةٌ يُوجِدُها بِقَوْلِهِ: كُنْ فَتَكُونُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَن جَعَلَ " أهْوَنُ " عِبارَةً عَنْ تَفْضِيلِ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البقرة: ٢٥٥] والعَرَبُ تَحْمِلُ أفْعَلَ عَلى فاعِلٍ كَثِيرًا كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ، وأنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ عَلى ذَلِكَ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ (p-١١٣٢)أيْ: لَسْتُ بِواحِدٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ ∗∗∗ لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ أيْ: وفاضِلٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وهو عَلَيْهِ هَيِّنٌ " وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: إنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ أيْ: عَلى اللَّهِ مِنَ البِدايَةِ أيْ: أيْسَرُ وإنْ كانَ جَمِيعُهُ هَيِّنًا. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الإعادَةَ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ أهْوَنُ مِنَ البِدايَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في عَلَيْهِ لِلْخَلْقِ أيْ: وهو أهْوَنُ عَلى الخَلْقِ لِأنَّهُ يُصاحُ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَيَقُومُونَ ويُقالُ لَهم كُونُوا فَيَكُونُونَ، فَذَلِكَ أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يَكُونُوا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى آخِرِ النَّشْأةِ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ قالَ الخَلِيلُ: المَثَلُ الصِّفَةُ أيْ: ولَهُ الوَصْفُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ كَما قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [ الرَّعْدِ: ٣٥، ومُحَمَّدٍ: ١٥ ] أيْ: صِفَتُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المَثَلُ الأعْلى قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قَدْ ضَرَبَهُ لَكم مَثَلًا فِيما يَصْعُبُ ويَسْهُلُ. وقِيلَ: المَثَلُ الأعْلى هو أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: هو أنَّ ما أرادَهُ كانَ بِقَوْلِ كُنْ، وفي السَّماواتِ والأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عُرِفَ بِالمَثَلِ الأعْلى، ووُصِفَ بِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الأعْلى، أوْ مِنَ المَثَلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الأعْلى، وهو العَزِيزُ في مُلْكِهِ، القادِرُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الحَكِيمُ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُبْلِسُ قالَ: يَبْتَئِسُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، يُبْلِسُ قالَ: يَكْتَئِبُ، وعَنْهُ الإبْلاسُ: الفَضِيحَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُحْبَرُونَ قالَ: يُكْرَمُونَ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا يُنَزِّهُونَ أسْماعَهم وأبْصارَهم عَنْ مَزامِيرِ الشَّيْطانِ مَيِّزُوهم، فَيُمَيَّزُونَ في كَثَبِ المِسْكِ والعَنْبَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أسْمِعُوهم مِن تَسْبِيحِي وتَحْمِيدِي وتَهْلِيلِي، قالَ: فَيُسَبِّحُونَ بِأصْواتٍ لَمْ يَسْمَعِ السّامِعُونَ بِمِثْلِها قَطُّ» . وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في المُجالَسَةِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، ولَمْ يُسَمِّ مَن رَواهُ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي، والأصْبِهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ كِلاهُما في صِفَةِ الجَنَّةِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ عَلى ساقٍ قَدْرَ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ، فَيُخْرِجُ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ الغُرَفِ وغَيْرِهِمْ فَيَتَحَدَّثُونَ في ظِلِّها، فَيَشْتَهِي بَعْضُهم ويَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ كانَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ فَهو صَلاةٌ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: جاءَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ ؟ قالَ نَعَمْ، فَقَرَأ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صَلاةُ المَغْرِبِ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صَلاةُ الظُّهْرِ، وقَرَأ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَواقِيتَ الصَّلاةِ، ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قالَ: المَغْرِبُ والعِشاءُ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفَجْرُ وعَشِيًّا العَصْرُ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهْرُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ يَوْمِ ولَيْلَةٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى ؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾» وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ، ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يَقُولُ مُطِيعُونَ: يَعْنِي الحَياةَ والنُّشُورَ والمَوْتَ وهم لَهُ عاصُونَ فِيما سِوى ذَلِكَ مِنَ العِبادَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: أيْسَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: الإعادَةُ أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كُنْ فَيَكُونُ، وابْتَدَأ الخِلْقَةَ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ يَقُولُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

الروم 30:19

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعِيدُهم بَعْدَ المَوْتِ أحْياءً كَما كانُوا، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في يُعِيدُهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الخَلْقِ، وجَمَعَهُ في تُرْجَعُونَ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو " يُرْجَعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ والِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِالمُبالَغَةِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُبْلِسُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ يُقالُ: أبْلَسَ الرَّجُلُ: إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: المُبْلِسُ السّاكِتُ المُنْقَطِعُ في حُجَّتِهِ الَّذِي أيِسَ أنْ يَهْتَدِيَ إلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ العَجاجِ: ؎يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا قالَ: نَعَمْ أعْرِفْهُ وأبْلَسا وقالَ الكَلْبِيُّ أيْ: يَئِسَ المُشْرِكُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ حِينَ عايَنُوا العَذابَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الإبْلاسِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ مِن شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءُ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وكانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِشُرَكائِهِمْ أيْ: بِآلِهَتِهِمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كافِرِينَ أيْ: جاحِدِينَ لِكَوْنِهِمْ آلِهَةً؛ لِأنَّهم عَلِمُوا إذْ ذاكَ أنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِ عِبادَتِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أيْ: يَتَفَرَّقُ جَمِيعُ الخَلْقِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ والمُرادُ بِالتَّفَرُّقِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفَرِدُ، فالمُؤْمِنُونَ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ، والكافِرُونَ إلى النّارِ، ولَيْسَ المُرادُ تَفَرُّقَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهم عَنِ الآخَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: (p-١١٣٠)﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ فَلا يَجْتَمِعُونَ أبَدًا. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ تَفَرُّقِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ مَعْنى " أمّا " دَعْ ما كُنّا فِيهِ وخُذْ في غَيْرِهِ، وكَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ مَعْناهُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَخُذْ في غَيْرِ ما كُنّا فِيهِ، والرَّوْضَةُ كُلُّ أرْضٍ ذاتِ نَباتٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِها هُنا الجَنَّةُ، ومَعْنى يُحْبَرُونَ يُسَرُّونَ، والحُبُورُ والحَبْرَةُ السُّرُورُ أيْ: فَهم في رِياضِ الجَنَّةِ يَنْعَمُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الرَّوْضَةُ ما كانَ في سُفْلٍ، فَإذا كانَ مُرْتَفِعًا فَهو تَلْعَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ: أحْسَنُ ما تَكُونُ الرَّوْضَةُ إذا كانَتْ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ وقِيلَ: مَعْنى يُحْبَرُونَ يُكْرَمُونَ. قالَ النَّحّاسُ: حَكى الكِسائِيُّ حَبَرْتُهُ أيْ: أكْرَمْتُهُ ونَعَّمْتُهُ، والأوْلى تَفْسِيرُ يُحْبَرُونَ بِالسُّرُورِ كَما هو المَعْنى العَرَبِيُّ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ يَسْتَلْزِمُ الإكْرامَ والنَّعِيمَ، وفي السُّرُورِ زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: التَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ فَمَعْنى يُحْبَرُونَ يُحْسَنُ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو السَّماعُ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِآياتِنا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ أيِ: البَعْثِ والجَنَّةِ والنّارِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في العَذابِ مُحْضَرُونَ أيْ: مُقِيمُونَ فِيهِ، وقِيلَ: مَجْمُوعُونَ، وقِيلَ: نازِلُونَ، وقِيلَ: مُعَذَّبُونَ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ دَوامُ عَذابِهِمْ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ عاقِبَةَ طائِفَةِ المُؤْمِنِينَ وطائِفَةِ الكافِرِينَ أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما فِيهِ الأجْرُ الوافِرُ والخَيْرُ العامُّ. فَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها أيْ: فَإذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَسَبِّحُوا اللَّهَ أيْ: نَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في وقْتِ الصَّباحِ والمَساءِ وفي العَشِيِّ وفي وقْتِ الظَّهِيرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا الصَّلَواتُ الخَمْسُ، فَقَوْلُهُ حِينَ تُمْسُونَ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقَوْلُهُ وحِينَ تُصْبِحُونَ صَلاةُ الفَجْرِ، وقَوْلُهُ وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ، وقَوْلُهُ حِينَ تُظْهِرُونَ صَلاةُ الظُّهْرِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنْ مَعْنى فَسُبْحانَ اللَّهِ فَصَلُّوا لِلَّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الصَّلَواتِ قالَ: وسَمِعَتْ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: حَقِيقَتُهُ عِنْدِي فَسَبِّحُوا لِلَّهِ في الصَّلَواتِ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ يَكُونُ في الصَّلاةِ، وجُمْلَةُ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مَسُوقَةٌ لِلْإرْشادِ إلى الحَمْدِ والإيذانِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسْبِيحِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقِيلَ: مَعْنى ولَهُ الحَمْدُ أيِ: الِاخْتِصاصُ لَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي يُقْرَأُ فِيها الحَمْدُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ عِكْرِمَةُ " حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ " والمَعْنى: حِينًا تُمْسُونَ فِيهِ وحِينًا تُصْبِحُونَ فِيهِ والعَشِيُّ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى العَتَمَةِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وقالَ قَوْمٌ: هو مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَدَوْنا غَدْوَةً سَحَرًا بِلَيْلٍ ∗∗∗ عَشِيًّا بَعْدَ ما انْتَصَفَ النَّهارُ وقَوْلُهُ: عَشِيًّا مَعْطُوفٌ عَلى حِينَ، وفي السَّماواتِ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ أيِ: الحَمْدُ لَهُ يَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ. ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ والطَّيْرِ مِنَ البَيْضَةِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ مِنَ الحَيَوانِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. قِيلَ: ووَجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ الصَّباحِ يَخْرُجُ مِن شِبْهِ المَوْتِ، وهو النَّوْمُ إلى شِبْهِ الوُجُودِ، وهو اليَقَظَةُ، وعِنْدَ العِشاءِ يَخْرُجُ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ، وهو شَبِيهٌ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ تُخْرَجُونَ مِن قُبُورِكم. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُخْرَجُونَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَأسْنَدَ الخُرُوجَ إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [المعارج: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: مِن آياتِهِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَكم أيْ: خَلَقَ أباكم آدَمَ مِن تُرابِ وخَلَقَكم في ضِمْنِ خَلْقِهِ، لِأنَّ الفَرْعَ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الأصْلِ ومَأْخُوذٌ مِنهُ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ، وأنْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: ثُمَّ فاجَأْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وقْتُ كَوْنِكم بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ في الأرْضِ، وإذا الفُجائِيَّةُ وإنْ كانَتْ أكْثَرَ ما تَقَعُ بَعْدَ الفاءِ، لَكِنَّها وقَعَتْ هُنا بَعْدَ ثُمَّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ الحالَةِ الخاصَّةِ، وهي أطْوارُ الإنْسانِ كَما حَكاهُ اللَّهُ في مَواضِعَ: مِن كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا مَكْسُوًّا لَحْمًا فاجَأ البَشَرِيَّةَ، والِانْتِشارُ، ومَعْنى تَنْتَشِرُونَ: تَنْصَرِفُونَ فِيما هو قِوامُ مَعايِشِكم. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ أيْ: ومِن عَلاماتِهِ ودَلالاتِهِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا أيْ: مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ حَوّاءُ فَإنَّهُ خَلَقَها مِن ضِلْعِ آدَمَ لِتَسْكُنُوا إلَيْها أيْ: تَأْلَفُوها وتَمِيلُوا إلَيْها، فَإنَّ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ لا يَسْكُنُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ ولا يَمِيلُ قَلْبُهُ إلَيْهِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ أيْ: وِدادًا وتَراحُمًا بِسَبَبِ عِصْمَةِ النِّكاحِ يَعْطِفُ بِهِ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَكم قَبْلَ ذَلِكَ مَعْرِفَةٌ، فَضْلًا عَنْ مَوَدَّةٍ ورَحْمَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَوَدَّةُ الجِماعُ، والرَّحْمَةُ الوَلَدُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَوَدَّةُ المَحَبَّةُ، والرَّحْمَةُ الشَّفَقَةُ. وقِيلَ: المَوَدَّةُ حُبِّ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، والرَّحْمَةُ رَحْمَتُهُ إيّاها مِن أنْ يُصِيبَها بِسُوءٍ، وقَوْلُهُ أنْ خَلَقَ لَكم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ سابِقًا. لَآياتٍ عَظِيمَةَ الشَّأْنِ بَدِيعَةَ البَيانِ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَقْتَدِرُونَ (p-١١٣١)عَلى الِاسْتِدْلالِ لِكَوْنِ التَّفَكُّرِ مادَّةً لَهُ يَتَحَصَّلُ عَنْهُ، وأمّا الغافِلُونَ عَنِ التَّفَكُّرِ فَما هم إلّا كالأنْعامِ. ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العَظِيمَةَ الَّتِي هي أجْرامُ السَّماواتِ والأرْضِ وجَعَلَها باقِيَةً ما دامَتْ هَذِهِ الدّارُ وخَلَقَ فِيها مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ وغَرائِبِ التَّكْوِينِ ما هو عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَكم بَعْدَ مَوْتِكم ويَنْشُرَكم مِن قُبُورِكم ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ: لُغاتِكم مِن عَرَبٍ وعَجَمٍ، وتُرْكٍ، ورُومٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللُّغاتِ، وألْوانِكم مِنَ البَياضِ والسَّوادِ والحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ والزُّرْقَةِ والخُضْرَةِ مَعَ كَوْنِكم أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ وأُمٍّ واحِدَةٍ، ويَجْمَعُكم نَوْعٌ واحِدٌ وهو الإنْسانِيَّةُ، وفَصْلٌ واحِدٌ وهو النّاطِقِيَّةُ، حَتّى صِرْتُمْ مُتَمَيِّزِينَ في ذاتِ بَيْنِكم لا يَلْتَبِسُ هَذا بِهَذا، بَلْ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِكم ما يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأفْرادِ، وفي هَذا مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ ما لا يَعْقِلُهُ إلّا العالَمُونَ، ولا يَفْهَمُهُ إلّا المُتَفَكِّرُونَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ الَّذِينَ هم مِن جِنْسِ هَذا العالَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ بَرٍّ وفاجِرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ لامِ العالَمِينَ. وقَرَأ حَفْصٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها. قالَ الفَرّاءُ: ولَهُ وجْهٌ جَيِّدٌ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ قِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ بِالنَّهارِ. وقِيلَ: المَعْنى صَحِيحٌ مِن دُونِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ أيْ: ومِن آياتِهِ العَظِيمَةِ أنَّكم تَنامُونَ بِاللَّيْلِ وتَنامُونَ بِالنَّهارِ في بَعْضِ الأحْوالِ لِلِاسْتِراحَةِ كَوَقْتِ القَيْلُولَةِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ فِيهِما، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقَعُ فِيهِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ ابْتِغاءُ الفَضْلِ في النَّهارِ أكْثَرَ. والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِسائِرِ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذا المَعْنى، والآخَرُ هو المُناسِبُ لِلنَّظْمِ القُرْآنِيِّ هاهُنا. ووَجْهُ ذِكْرِ النَّوْمِ والِابْتِغاءِ هاهُنا وجَعْلِهِما مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ أنَّ النَّوْمَ شَبِيهٌ بِالمَوْتِ، والتَّصَرُّفَ في الحاجاتِ والسَّعْيِ في المَكاسِبِ شَبِيهٌ بِالحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ: يَسْمَعُونَ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ مُتَفَكِّرٍ مُتَدَبِّرٍ فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى البَعْثِ. ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ المَعْنى: أنْ يُرِيَكم، فَحَذْفُ أنْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَما قالَ طَرَفَةُ: ؎ألا أيُّهَذا اللّائِمِي أحْضُرُ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي والتَّقْدِيرُ: أنْ أحْضُرَ، فَلَمّا حُذِفَ الحَرْفُ في الآيَةِ والبَيْتِ بَطُلَ عَمَلُهُ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ تَسْمَعَ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: ويُرِيكُمُ البَرْقَ مِن آياتِهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُرِيكم صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ومِن آياتِهِ آيَةٌ يُرِيكم بِها وفِيها البَرْقَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا مِن آياتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. قالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: خَوْفًا مِنَ الصَّواعِقِ وطَمَعًا في الغَيْثِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ خَوْفًا مِنَ البَرْدِ أنْ يُهْلِكَ الزَّرْعَ، وطَمَعًا في المَطَرِ أنْ يُحْيِيَ الزَّرْعَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: خَوْفًا أنْ يَكُونَ البَرْقُ بَرْقًا خُلَّبًا لا يُمْطِرُ، وطَمَعًا أنْ يَكُونَ مُمْطِرًا، وأنْشَدَ: ؎لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقًا خُلَّبًا ∗∗∗ إنَّ خَيْرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ مَعَهُ وانْتِصابُ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى العِلَّةِ ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فَإنَّ مَن لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العَقْلِ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ آيَةٌ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: قِيامُهُما واسْتِمْساكُهُما بِإرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - وقُدْرَتِهِ بِلا عَمَدٍ يَعْمِدُهُما، ولا مُسْتَقَرٍّ يَسْتَقِرّانِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ أنْ تَدُوما قائِمَتَيْنِ بِأمْرِهِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أيْ: ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِكم ومَصِيرِكم في القُبُورِ إذا دَعاكم دَعْوَةً واحِدَةً فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ تَلَبُّثٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَما يُجِيبُ المَدْعُوُّ المُطِيعُ دَعْوَةَ الدّاعِي المُطاعِ. ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا أيْ: دَعاكم مِنَ الأرْضِ الَّتِي أنْتُمْ فِيها، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِدَعْوَةٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَخْرُجُونَ أيْ: خَرَجْتُمْ مِنَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ تَخْرُجُونَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وهَذِهِ الدَّعْوَةُ هي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الآخِرَةُ في الصُّورِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ التّاءِ في " تَخْرُجُونَ " هُنا، وغَلَطَ مَن قالَ إنَّهُ قُرِئَ هُنا بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإنَّما قُرِئَ بِضَمِّها في الأعْرافِ. ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا وتَصَرُّفًا وخَلْقًا، لَيْسَ لِغَيْرِهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أيْ: مُطِيعُونَ طاعَةَ انْقِيادٍ، وقِيلَ: مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: مُصَلُّونَ، وقِيلَ: قائِمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] أيْ: لِلْحِسابِ، وقِيلَ: بِالشَّهادَةِ أنَّهم عِبادُهُ، وقِيلَ: مُخْلِصُونَ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ المَوْتِ فَيُحْيِيهِ الحَياةَ الدّائِمَةَ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَيِّنٌ عَلَيْهِ لا يَسْتَصْعِبُهُ، أوْ أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِكم وعَلى ما يَقُولُهُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ، وإلّا فَلا شَيْءَ في قُدْرَتِهِ بَعْضُهُ أهْوَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّ الأشْياءِ مُسْتَوِيَةٌ يُوجِدُها بِقَوْلِهِ: كُنْ فَتَكُونُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَن جَعَلَ " أهْوَنُ " عِبارَةً عَنْ تَفْضِيلِ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البقرة: ٢٥٥] والعَرَبُ تَحْمِلُ أفْعَلَ عَلى فاعِلٍ كَثِيرًا كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ، وأنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ عَلى ذَلِكَ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ (p-١١٣٢)أيْ: لَسْتُ بِواحِدٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ ∗∗∗ لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ أيْ: وفاضِلٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وهو عَلَيْهِ هَيِّنٌ " وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: إنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ أيْ: عَلى اللَّهِ مِنَ البِدايَةِ أيْ: أيْسَرُ وإنْ كانَ جَمِيعُهُ هَيِّنًا. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الإعادَةَ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ أهْوَنُ مِنَ البِدايَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في عَلَيْهِ لِلْخَلْقِ أيْ: وهو أهْوَنُ عَلى الخَلْقِ لِأنَّهُ يُصاحُ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَيَقُومُونَ ويُقالُ لَهم كُونُوا فَيَكُونُونَ، فَذَلِكَ أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يَكُونُوا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى آخِرِ النَّشْأةِ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ قالَ الخَلِيلُ: المَثَلُ الصِّفَةُ أيْ: ولَهُ الوَصْفُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ كَما قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [ الرَّعْدِ: ٣٥، ومُحَمَّدٍ: ١٥ ] أيْ: صِفَتُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المَثَلُ الأعْلى قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قَدْ ضَرَبَهُ لَكم مَثَلًا فِيما يَصْعُبُ ويَسْهُلُ. وقِيلَ: المَثَلُ الأعْلى هو أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: هو أنَّ ما أرادَهُ كانَ بِقَوْلِ كُنْ، وفي السَّماواتِ والأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عُرِفَ بِالمَثَلِ الأعْلى، ووُصِفَ بِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الأعْلى، أوْ مِنَ المَثَلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الأعْلى، وهو العَزِيزُ في مُلْكِهِ، القادِرُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الحَكِيمُ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُبْلِسُ قالَ: يَبْتَئِسُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، يُبْلِسُ قالَ: يَكْتَئِبُ، وعَنْهُ الإبْلاسُ: الفَضِيحَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُحْبَرُونَ قالَ: يُكْرَمُونَ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا يُنَزِّهُونَ أسْماعَهم وأبْصارَهم عَنْ مَزامِيرِ الشَّيْطانِ مَيِّزُوهم، فَيُمَيَّزُونَ في كَثَبِ المِسْكِ والعَنْبَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أسْمِعُوهم مِن تَسْبِيحِي وتَحْمِيدِي وتَهْلِيلِي، قالَ: فَيُسَبِّحُونَ بِأصْواتٍ لَمْ يَسْمَعِ السّامِعُونَ بِمِثْلِها قَطُّ» . وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في المُجالَسَةِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، ولَمْ يُسَمِّ مَن رَواهُ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي، والأصْبِهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ كِلاهُما في صِفَةِ الجَنَّةِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ عَلى ساقٍ قَدْرَ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ، فَيُخْرِجُ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ الغُرَفِ وغَيْرِهِمْ فَيَتَحَدَّثُونَ في ظِلِّها، فَيَشْتَهِي بَعْضُهم ويَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ كانَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ فَهو صَلاةٌ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: جاءَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ ؟ قالَ نَعَمْ، فَقَرَأ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صَلاةُ المَغْرِبِ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صَلاةُ الظُّهْرِ، وقَرَأ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَواقِيتَ الصَّلاةِ، ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قالَ: المَغْرِبُ والعِشاءُ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفَجْرُ وعَشِيًّا العَصْرُ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهْرُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ يَوْمِ ولَيْلَةٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى ؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾» وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ، ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يَقُولُ مُطِيعُونَ: يَعْنِي الحَياةَ والنُّشُورَ والمَوْتَ وهم لَهُ عاصُونَ فِيما سِوى ذَلِكَ مِنَ العِبادَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: أيْسَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: الإعادَةُ أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كُنْ فَيَكُونُ، وابْتَدَأ الخِلْقَةَ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ يَقُولُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

الروم 30:20

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعِيدُهم بَعْدَ المَوْتِ أحْياءً كَما كانُوا، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في يُعِيدُهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الخَلْقِ، وجَمَعَهُ في تُرْجَعُونَ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو " يُرْجَعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ والِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِالمُبالَغَةِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُبْلِسُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ يُقالُ: أبْلَسَ الرَّجُلُ: إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: المُبْلِسُ السّاكِتُ المُنْقَطِعُ في حُجَّتِهِ الَّذِي أيِسَ أنْ يَهْتَدِيَ إلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ العَجاجِ: ؎يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا قالَ: نَعَمْ أعْرِفْهُ وأبْلَسا وقالَ الكَلْبِيُّ أيْ: يَئِسَ المُشْرِكُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ حِينَ عايَنُوا العَذابَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الإبْلاسِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ مِن شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءُ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وكانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِشُرَكائِهِمْ أيْ: بِآلِهَتِهِمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كافِرِينَ أيْ: جاحِدِينَ لِكَوْنِهِمْ آلِهَةً؛ لِأنَّهم عَلِمُوا إذْ ذاكَ أنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِ عِبادَتِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أيْ: يَتَفَرَّقُ جَمِيعُ الخَلْقِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ والمُرادُ بِالتَّفَرُّقِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفَرِدُ، فالمُؤْمِنُونَ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ، والكافِرُونَ إلى النّارِ، ولَيْسَ المُرادُ تَفَرُّقَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهم عَنِ الآخَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: (p-١١٣٠)﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ فَلا يَجْتَمِعُونَ أبَدًا. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ تَفَرُّقِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ مَعْنى " أمّا " دَعْ ما كُنّا فِيهِ وخُذْ في غَيْرِهِ، وكَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ مَعْناهُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَخُذْ في غَيْرِ ما كُنّا فِيهِ، والرَّوْضَةُ كُلُّ أرْضٍ ذاتِ نَباتٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِها هُنا الجَنَّةُ، ومَعْنى يُحْبَرُونَ يُسَرُّونَ، والحُبُورُ والحَبْرَةُ السُّرُورُ أيْ: فَهم في رِياضِ الجَنَّةِ يَنْعَمُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الرَّوْضَةُ ما كانَ في سُفْلٍ، فَإذا كانَ مُرْتَفِعًا فَهو تَلْعَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ: أحْسَنُ ما تَكُونُ الرَّوْضَةُ إذا كانَتْ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ وقِيلَ: مَعْنى يُحْبَرُونَ يُكْرَمُونَ. قالَ النَّحّاسُ: حَكى الكِسائِيُّ حَبَرْتُهُ أيْ: أكْرَمْتُهُ ونَعَّمْتُهُ، والأوْلى تَفْسِيرُ يُحْبَرُونَ بِالسُّرُورِ كَما هو المَعْنى العَرَبِيُّ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ يَسْتَلْزِمُ الإكْرامَ والنَّعِيمَ، وفي السُّرُورِ زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: التَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ فَمَعْنى يُحْبَرُونَ يُحْسَنُ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو السَّماعُ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِآياتِنا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ أيِ: البَعْثِ والجَنَّةِ والنّارِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في العَذابِ مُحْضَرُونَ أيْ: مُقِيمُونَ فِيهِ، وقِيلَ: مَجْمُوعُونَ، وقِيلَ: نازِلُونَ، وقِيلَ: مُعَذَّبُونَ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ دَوامُ عَذابِهِمْ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ عاقِبَةَ طائِفَةِ المُؤْمِنِينَ وطائِفَةِ الكافِرِينَ أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما فِيهِ الأجْرُ الوافِرُ والخَيْرُ العامُّ. فَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها أيْ: فَإذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَسَبِّحُوا اللَّهَ أيْ: نَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في وقْتِ الصَّباحِ والمَساءِ وفي العَشِيِّ وفي وقْتِ الظَّهِيرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا الصَّلَواتُ الخَمْسُ، فَقَوْلُهُ حِينَ تُمْسُونَ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقَوْلُهُ وحِينَ تُصْبِحُونَ صَلاةُ الفَجْرِ، وقَوْلُهُ وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ، وقَوْلُهُ حِينَ تُظْهِرُونَ صَلاةُ الظُّهْرِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنْ مَعْنى فَسُبْحانَ اللَّهِ فَصَلُّوا لِلَّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الصَّلَواتِ قالَ: وسَمِعَتْ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: حَقِيقَتُهُ عِنْدِي فَسَبِّحُوا لِلَّهِ في الصَّلَواتِ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ يَكُونُ في الصَّلاةِ، وجُمْلَةُ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مَسُوقَةٌ لِلْإرْشادِ إلى الحَمْدِ والإيذانِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسْبِيحِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقِيلَ: مَعْنى ولَهُ الحَمْدُ أيِ: الِاخْتِصاصُ لَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي يُقْرَأُ فِيها الحَمْدُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ عِكْرِمَةُ " حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ " والمَعْنى: حِينًا تُمْسُونَ فِيهِ وحِينًا تُصْبِحُونَ فِيهِ والعَشِيُّ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى العَتَمَةِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وقالَ قَوْمٌ: هو مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَدَوْنا غَدْوَةً سَحَرًا بِلَيْلٍ ∗∗∗ عَشِيًّا بَعْدَ ما انْتَصَفَ النَّهارُ وقَوْلُهُ: عَشِيًّا مَعْطُوفٌ عَلى حِينَ، وفي السَّماواتِ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ أيِ: الحَمْدُ لَهُ يَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ. ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ والطَّيْرِ مِنَ البَيْضَةِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ مِنَ الحَيَوانِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. قِيلَ: ووَجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ الصَّباحِ يَخْرُجُ مِن شِبْهِ المَوْتِ، وهو النَّوْمُ إلى شِبْهِ الوُجُودِ، وهو اليَقَظَةُ، وعِنْدَ العِشاءِ يَخْرُجُ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ، وهو شَبِيهٌ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ تُخْرَجُونَ مِن قُبُورِكم. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُخْرَجُونَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَأسْنَدَ الخُرُوجَ إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [المعارج: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: مِن آياتِهِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَكم أيْ: خَلَقَ أباكم آدَمَ مِن تُرابِ وخَلَقَكم في ضِمْنِ خَلْقِهِ، لِأنَّ الفَرْعَ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الأصْلِ ومَأْخُوذٌ مِنهُ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ، وأنْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: ثُمَّ فاجَأْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وقْتُ كَوْنِكم بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ في الأرْضِ، وإذا الفُجائِيَّةُ وإنْ كانَتْ أكْثَرَ ما تَقَعُ بَعْدَ الفاءِ، لَكِنَّها وقَعَتْ هُنا بَعْدَ ثُمَّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ الحالَةِ الخاصَّةِ، وهي أطْوارُ الإنْسانِ كَما حَكاهُ اللَّهُ في مَواضِعَ: مِن كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا مَكْسُوًّا لَحْمًا فاجَأ البَشَرِيَّةَ، والِانْتِشارُ، ومَعْنى تَنْتَشِرُونَ: تَنْصَرِفُونَ فِيما هو قِوامُ مَعايِشِكم. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ أيْ: ومِن عَلاماتِهِ ودَلالاتِهِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا أيْ: مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ حَوّاءُ فَإنَّهُ خَلَقَها مِن ضِلْعِ آدَمَ لِتَسْكُنُوا إلَيْها أيْ: تَأْلَفُوها وتَمِيلُوا إلَيْها، فَإنَّ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ لا يَسْكُنُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ ولا يَمِيلُ قَلْبُهُ إلَيْهِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ أيْ: وِدادًا وتَراحُمًا بِسَبَبِ عِصْمَةِ النِّكاحِ يَعْطِفُ بِهِ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَكم قَبْلَ ذَلِكَ مَعْرِفَةٌ، فَضْلًا عَنْ مَوَدَّةٍ ورَحْمَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَوَدَّةُ الجِماعُ، والرَّحْمَةُ الوَلَدُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَوَدَّةُ المَحَبَّةُ، والرَّحْمَةُ الشَّفَقَةُ. وقِيلَ: المَوَدَّةُ حُبِّ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، والرَّحْمَةُ رَحْمَتُهُ إيّاها مِن أنْ يُصِيبَها بِسُوءٍ، وقَوْلُهُ أنْ خَلَقَ لَكم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ سابِقًا. لَآياتٍ عَظِيمَةَ الشَّأْنِ بَدِيعَةَ البَيانِ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَقْتَدِرُونَ (p-١١٣١)عَلى الِاسْتِدْلالِ لِكَوْنِ التَّفَكُّرِ مادَّةً لَهُ يَتَحَصَّلُ عَنْهُ، وأمّا الغافِلُونَ عَنِ التَّفَكُّرِ فَما هم إلّا كالأنْعامِ. ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العَظِيمَةَ الَّتِي هي أجْرامُ السَّماواتِ والأرْضِ وجَعَلَها باقِيَةً ما دامَتْ هَذِهِ الدّارُ وخَلَقَ فِيها مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ وغَرائِبِ التَّكْوِينِ ما هو عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَكم بَعْدَ مَوْتِكم ويَنْشُرَكم مِن قُبُورِكم ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ: لُغاتِكم مِن عَرَبٍ وعَجَمٍ، وتُرْكٍ، ورُومٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللُّغاتِ، وألْوانِكم مِنَ البَياضِ والسَّوادِ والحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ والزُّرْقَةِ والخُضْرَةِ مَعَ كَوْنِكم أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ وأُمٍّ واحِدَةٍ، ويَجْمَعُكم نَوْعٌ واحِدٌ وهو الإنْسانِيَّةُ، وفَصْلٌ واحِدٌ وهو النّاطِقِيَّةُ، حَتّى صِرْتُمْ مُتَمَيِّزِينَ في ذاتِ بَيْنِكم لا يَلْتَبِسُ هَذا بِهَذا، بَلْ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِكم ما يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأفْرادِ، وفي هَذا مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ ما لا يَعْقِلُهُ إلّا العالَمُونَ، ولا يَفْهَمُهُ إلّا المُتَفَكِّرُونَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ الَّذِينَ هم مِن جِنْسِ هَذا العالَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ بَرٍّ وفاجِرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ لامِ العالَمِينَ. وقَرَأ حَفْصٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها. قالَ الفَرّاءُ: ولَهُ وجْهٌ جَيِّدٌ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ قِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ بِالنَّهارِ. وقِيلَ: المَعْنى صَحِيحٌ مِن دُونِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ أيْ: ومِن آياتِهِ العَظِيمَةِ أنَّكم تَنامُونَ بِاللَّيْلِ وتَنامُونَ بِالنَّهارِ في بَعْضِ الأحْوالِ لِلِاسْتِراحَةِ كَوَقْتِ القَيْلُولَةِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ فِيهِما، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقَعُ فِيهِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ ابْتِغاءُ الفَضْلِ في النَّهارِ أكْثَرَ. والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِسائِرِ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذا المَعْنى، والآخَرُ هو المُناسِبُ لِلنَّظْمِ القُرْآنِيِّ هاهُنا. ووَجْهُ ذِكْرِ النَّوْمِ والِابْتِغاءِ هاهُنا وجَعْلِهِما مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ أنَّ النَّوْمَ شَبِيهٌ بِالمَوْتِ، والتَّصَرُّفَ في الحاجاتِ والسَّعْيِ في المَكاسِبِ شَبِيهٌ بِالحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ: يَسْمَعُونَ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ مُتَفَكِّرٍ مُتَدَبِّرٍ فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى البَعْثِ. ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ المَعْنى: أنْ يُرِيَكم، فَحَذْفُ أنْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَما قالَ طَرَفَةُ: ؎ألا أيُّهَذا اللّائِمِي أحْضُرُ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي والتَّقْدِيرُ: أنْ أحْضُرَ، فَلَمّا حُذِفَ الحَرْفُ في الآيَةِ والبَيْتِ بَطُلَ عَمَلُهُ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ تَسْمَعَ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: ويُرِيكُمُ البَرْقَ مِن آياتِهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُرِيكم صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ومِن آياتِهِ آيَةٌ يُرِيكم بِها وفِيها البَرْقَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا مِن آياتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. قالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: خَوْفًا مِنَ الصَّواعِقِ وطَمَعًا في الغَيْثِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ خَوْفًا مِنَ البَرْدِ أنْ يُهْلِكَ الزَّرْعَ، وطَمَعًا في المَطَرِ أنْ يُحْيِيَ الزَّرْعَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: خَوْفًا أنْ يَكُونَ البَرْقُ بَرْقًا خُلَّبًا لا يُمْطِرُ، وطَمَعًا أنْ يَكُونَ مُمْطِرًا، وأنْشَدَ: ؎لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقًا خُلَّبًا ∗∗∗ إنَّ خَيْرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ مَعَهُ وانْتِصابُ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى العِلَّةِ ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فَإنَّ مَن لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العَقْلِ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ آيَةٌ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: قِيامُهُما واسْتِمْساكُهُما بِإرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - وقُدْرَتِهِ بِلا عَمَدٍ يَعْمِدُهُما، ولا مُسْتَقَرٍّ يَسْتَقِرّانِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ أنْ تَدُوما قائِمَتَيْنِ بِأمْرِهِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أيْ: ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِكم ومَصِيرِكم في القُبُورِ إذا دَعاكم دَعْوَةً واحِدَةً فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ تَلَبُّثٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَما يُجِيبُ المَدْعُوُّ المُطِيعُ دَعْوَةَ الدّاعِي المُطاعِ. ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا أيْ: دَعاكم مِنَ الأرْضِ الَّتِي أنْتُمْ فِيها، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِدَعْوَةٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَخْرُجُونَ أيْ: خَرَجْتُمْ مِنَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ تَخْرُجُونَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وهَذِهِ الدَّعْوَةُ هي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الآخِرَةُ في الصُّورِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ التّاءِ في " تَخْرُجُونَ " هُنا، وغَلَطَ مَن قالَ إنَّهُ قُرِئَ هُنا بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإنَّما قُرِئَ بِضَمِّها في الأعْرافِ. ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا وتَصَرُّفًا وخَلْقًا، لَيْسَ لِغَيْرِهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أيْ: مُطِيعُونَ طاعَةَ انْقِيادٍ، وقِيلَ: مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: مُصَلُّونَ، وقِيلَ: قائِمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] أيْ: لِلْحِسابِ، وقِيلَ: بِالشَّهادَةِ أنَّهم عِبادُهُ، وقِيلَ: مُخْلِصُونَ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ المَوْتِ فَيُحْيِيهِ الحَياةَ الدّائِمَةَ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَيِّنٌ عَلَيْهِ لا يَسْتَصْعِبُهُ، أوْ أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِكم وعَلى ما يَقُولُهُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ، وإلّا فَلا شَيْءَ في قُدْرَتِهِ بَعْضُهُ أهْوَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّ الأشْياءِ مُسْتَوِيَةٌ يُوجِدُها بِقَوْلِهِ: كُنْ فَتَكُونُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَن جَعَلَ " أهْوَنُ " عِبارَةً عَنْ تَفْضِيلِ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البقرة: ٢٥٥] والعَرَبُ تَحْمِلُ أفْعَلَ عَلى فاعِلٍ كَثِيرًا كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ، وأنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ عَلى ذَلِكَ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ (p-١١٣٢)أيْ: لَسْتُ بِواحِدٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ ∗∗∗ لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ أيْ: وفاضِلٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وهو عَلَيْهِ هَيِّنٌ " وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: إنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ أيْ: عَلى اللَّهِ مِنَ البِدايَةِ أيْ: أيْسَرُ وإنْ كانَ جَمِيعُهُ هَيِّنًا. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الإعادَةَ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ أهْوَنُ مِنَ البِدايَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في عَلَيْهِ لِلْخَلْقِ أيْ: وهو أهْوَنُ عَلى الخَلْقِ لِأنَّهُ يُصاحُ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَيَقُومُونَ ويُقالُ لَهم كُونُوا فَيَكُونُونَ، فَذَلِكَ أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يَكُونُوا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى آخِرِ النَّشْأةِ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ قالَ الخَلِيلُ: المَثَلُ الصِّفَةُ أيْ: ولَهُ الوَصْفُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ كَما قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [ الرَّعْدِ: ٣٥، ومُحَمَّدٍ: ١٥ ] أيْ: صِفَتُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المَثَلُ الأعْلى قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قَدْ ضَرَبَهُ لَكم مَثَلًا فِيما يَصْعُبُ ويَسْهُلُ. وقِيلَ: المَثَلُ الأعْلى هو أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: هو أنَّ ما أرادَهُ كانَ بِقَوْلِ كُنْ، وفي السَّماواتِ والأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عُرِفَ بِالمَثَلِ الأعْلى، ووُصِفَ بِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الأعْلى، أوْ مِنَ المَثَلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الأعْلى، وهو العَزِيزُ في مُلْكِهِ، القادِرُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الحَكِيمُ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُبْلِسُ قالَ: يَبْتَئِسُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، يُبْلِسُ قالَ: يَكْتَئِبُ، وعَنْهُ الإبْلاسُ: الفَضِيحَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُحْبَرُونَ قالَ: يُكْرَمُونَ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا يُنَزِّهُونَ أسْماعَهم وأبْصارَهم عَنْ مَزامِيرِ الشَّيْطانِ مَيِّزُوهم، فَيُمَيَّزُونَ في كَثَبِ المِسْكِ والعَنْبَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أسْمِعُوهم مِن تَسْبِيحِي وتَحْمِيدِي وتَهْلِيلِي، قالَ: فَيُسَبِّحُونَ بِأصْواتٍ لَمْ يَسْمَعِ السّامِعُونَ بِمِثْلِها قَطُّ» . وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في المُجالَسَةِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، ولَمْ يُسَمِّ مَن رَواهُ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي، والأصْبِهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ كِلاهُما في صِفَةِ الجَنَّةِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ عَلى ساقٍ قَدْرَ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ، فَيُخْرِجُ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ الغُرَفِ وغَيْرِهِمْ فَيَتَحَدَّثُونَ في ظِلِّها، فَيَشْتَهِي بَعْضُهم ويَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ كانَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ فَهو صَلاةٌ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: جاءَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ ؟ قالَ نَعَمْ، فَقَرَأ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صَلاةُ المَغْرِبِ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صَلاةُ الظُّهْرِ، وقَرَأ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَواقِيتَ الصَّلاةِ، ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قالَ: المَغْرِبُ والعِشاءُ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفَجْرُ وعَشِيًّا العَصْرُ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهْرُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ يَوْمِ ولَيْلَةٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى ؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾» وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ، ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يَقُولُ مُطِيعُونَ: يَعْنِي الحَياةَ والنُّشُورَ والمَوْتَ وهم لَهُ عاصُونَ فِيما سِوى ذَلِكَ مِنَ العِبادَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: أيْسَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: الإعادَةُ أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كُنْ فَيَكُونُ، وابْتَدَأ الخِلْقَةَ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ يَقُولُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

الروم 30:21

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعِيدُهم بَعْدَ المَوْتِ أحْياءً كَما كانُوا، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في يُعِيدُهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الخَلْقِ، وجَمَعَهُ في تُرْجَعُونَ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ. قَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو " يُرْجَعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ والِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِالمُبالَغَةِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُبْلِسُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ يُقالُ: أبْلَسَ الرَّجُلُ: إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: المُبْلِسُ السّاكِتُ المُنْقَطِعُ في حُجَّتِهِ الَّذِي أيِسَ أنْ يَهْتَدِيَ إلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ العَجاجِ: ؎يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا قالَ: نَعَمْ أعْرِفْهُ وأبْلَسا وقالَ الكَلْبِيُّ أيْ: يَئِسَ المُشْرِكُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ حِينَ عايَنُوا العَذابَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الإبْلاسِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ مِن شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءُ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وكانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِشُرَكائِهِمْ أيْ: بِآلِهَتِهِمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كافِرِينَ أيْ: جاحِدِينَ لِكَوْنِهِمْ آلِهَةً؛ لِأنَّهم عَلِمُوا إذْ ذاكَ أنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِ عِبادَتِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أيْ: يَتَفَرَّقُ جَمِيعُ الخَلْقِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ والمُرادُ بِالتَّفَرُّقِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفَرِدُ، فالمُؤْمِنُونَ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ، والكافِرُونَ إلى النّارِ، ولَيْسَ المُرادُ تَفَرُّقَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهم عَنِ الآخَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: (p-١١٣٠)﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ فَلا يَجْتَمِعُونَ أبَدًا. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ تَفَرُّقِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ مَعْنى " أمّا " دَعْ ما كُنّا فِيهِ وخُذْ في غَيْرِهِ، وكَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ مَعْناهُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَخُذْ في غَيْرِ ما كُنّا فِيهِ، والرَّوْضَةُ كُلُّ أرْضٍ ذاتِ نَباتٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِها هُنا الجَنَّةُ، ومَعْنى يُحْبَرُونَ يُسَرُّونَ، والحُبُورُ والحَبْرَةُ السُّرُورُ أيْ: فَهم في رِياضِ الجَنَّةِ يَنْعَمُونَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الرَّوْضَةُ ما كانَ في سُفْلٍ، فَإذا كانَ مُرْتَفِعًا فَهو تَلْعَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ: أحْسَنُ ما تَكُونُ الرَّوْضَةُ إذا كانَتْ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ وقِيلَ: مَعْنى يُحْبَرُونَ يُكْرَمُونَ. قالَ النَّحّاسُ: حَكى الكِسائِيُّ حَبَرْتُهُ أيْ: أكْرَمْتُهُ ونَعَّمْتُهُ، والأوْلى تَفْسِيرُ يُحْبَرُونَ بِالسُّرُورِ كَما هو المَعْنى العَرَبِيُّ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ يَسْتَلْزِمُ الإكْرامَ والنَّعِيمَ، وفي السُّرُورِ زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: التَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ فَمَعْنى يُحْبَرُونَ يُحْسَنُ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو السَّماعُ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ. وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِآياتِنا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ أيِ: البَعْثِ والجَنَّةِ والنّارِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في العَذابِ مُحْضَرُونَ أيْ: مُقِيمُونَ فِيهِ، وقِيلَ: مَجْمُوعُونَ، وقِيلَ: نازِلُونَ، وقِيلَ: مُعَذَّبُونَ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ دَوامُ عَذابِهِمْ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ عاقِبَةَ طائِفَةِ المُؤْمِنِينَ وطائِفَةِ الكافِرِينَ أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما فِيهِ الأجْرُ الوافِرُ والخَيْرُ العامُّ. فَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها أيْ: فَإذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَسَبِّحُوا اللَّهَ أيْ: نَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في وقْتِ الصَّباحِ والمَساءِ وفي العَشِيِّ وفي وقْتِ الظَّهِيرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا الصَّلَواتُ الخَمْسُ، فَقَوْلُهُ حِينَ تُمْسُونَ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وقَوْلُهُ وحِينَ تُصْبِحُونَ صَلاةُ الفَجْرِ، وقَوْلُهُ وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ، وقَوْلُهُ حِينَ تُظْهِرُونَ صَلاةُ الظُّهْرِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُما. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنْ مَعْنى فَسُبْحانَ اللَّهِ فَصَلُّوا لِلَّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الصَّلَواتِ قالَ: وسَمِعَتْ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: حَقِيقَتُهُ عِنْدِي فَسَبِّحُوا لِلَّهِ في الصَّلَواتِ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ يَكُونُ في الصَّلاةِ، وجُمْلَةُ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مَسُوقَةٌ لِلْإرْشادِ إلى الحَمْدِ والإيذانِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسْبِيحِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقِيلَ: مَعْنى ولَهُ الحَمْدُ أيِ: الِاخْتِصاصُ لَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي يُقْرَأُ فِيها الحَمْدُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ عِكْرِمَةُ " حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ " والمَعْنى: حِينًا تُمْسُونَ فِيهِ وحِينًا تُصْبِحُونَ فِيهِ والعَشِيُّ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى العَتَمَةِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وقالَ قَوْمٌ: هو مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَدَوْنا غَدْوَةً سَحَرًا بِلَيْلٍ ∗∗∗ عَشِيًّا بَعْدَ ما انْتَصَفَ النَّهارُ وقَوْلُهُ: عَشِيًّا مَعْطُوفٌ عَلى حِينَ، وفي السَّماواتِ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ أيِ: الحَمْدُ لَهُ يَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ. ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ والطَّيْرِ مِنَ البَيْضَةِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ مِنَ الحَيَوانِ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. قِيلَ: ووَجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ الصَّباحِ يَخْرُجُ مِن شِبْهِ المَوْتِ، وهو النَّوْمُ إلى شِبْهِ الوُجُودِ، وهو اليَقَظَةُ، وعِنْدَ العِشاءِ يَخْرُجُ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ، وهو شَبِيهٌ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ تُخْرَجُونَ مِن قُبُورِكم. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُخْرَجُونَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَأسْنَدَ الخُرُوجَ إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [المعارج: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: مِن آياتِهِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَكم أيْ: خَلَقَ أباكم آدَمَ مِن تُرابِ وخَلَقَكم في ضِمْنِ خَلْقِهِ، لِأنَّ الفَرْعَ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الأصْلِ ومَأْخُوذٌ مِنهُ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ، وأنْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: ثُمَّ فاجَأْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وقْتُ كَوْنِكم بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ في الأرْضِ، وإذا الفُجائِيَّةُ وإنْ كانَتْ أكْثَرَ ما تَقَعُ بَعْدَ الفاءِ، لَكِنَّها وقَعَتْ هُنا بَعْدَ ثُمَّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ الحالَةِ الخاصَّةِ، وهي أطْوارُ الإنْسانِ كَما حَكاهُ اللَّهُ في مَواضِعَ: مِن كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا مَكْسُوًّا لَحْمًا فاجَأ البَشَرِيَّةَ، والِانْتِشارُ، ومَعْنى تَنْتَشِرُونَ: تَنْصَرِفُونَ فِيما هو قِوامُ مَعايِشِكم. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ أيْ: ومِن عَلاماتِهِ ودَلالاتِهِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا أيْ: مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ حَوّاءُ فَإنَّهُ خَلَقَها مِن ضِلْعِ آدَمَ لِتَسْكُنُوا إلَيْها أيْ: تَأْلَفُوها وتَمِيلُوا إلَيْها، فَإنَّ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ لا يَسْكُنُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ ولا يَمِيلُ قَلْبُهُ إلَيْهِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ أيْ: وِدادًا وتَراحُمًا بِسَبَبِ عِصْمَةِ النِّكاحِ يَعْطِفُ بِهِ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَكم قَبْلَ ذَلِكَ مَعْرِفَةٌ، فَضْلًا عَنْ مَوَدَّةٍ ورَحْمَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَوَدَّةُ الجِماعُ، والرَّحْمَةُ الوَلَدُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَوَدَّةُ المَحَبَّةُ، والرَّحْمَةُ الشَّفَقَةُ. وقِيلَ: المَوَدَّةُ حُبِّ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، والرَّحْمَةُ رَحْمَتُهُ إيّاها مِن أنْ يُصِيبَها بِسُوءٍ، وقَوْلُهُ أنْ خَلَقَ لَكم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ومِن آياتِهِ خَبَرُهُ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ سابِقًا. لَآياتٍ عَظِيمَةَ الشَّأْنِ بَدِيعَةَ البَيانِ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَقْتَدِرُونَ (p-١١٣١)عَلى الِاسْتِدْلالِ لِكَوْنِ التَّفَكُّرِ مادَّةً لَهُ يَتَحَصَّلُ عَنْهُ، وأمّا الغافِلُونَ عَنِ التَّفَكُّرِ فَما هم إلّا كالأنْعامِ. ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العَظِيمَةَ الَّتِي هي أجْرامُ السَّماواتِ والأرْضِ وجَعَلَها باقِيَةً ما دامَتْ هَذِهِ الدّارُ وخَلَقَ فِيها مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ وغَرائِبِ التَّكْوِينِ ما هو عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَكم بَعْدَ مَوْتِكم ويَنْشُرَكم مِن قُبُورِكم ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ: لُغاتِكم مِن عَرَبٍ وعَجَمٍ، وتُرْكٍ، ورُومٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللُّغاتِ، وألْوانِكم مِنَ البَياضِ والسَّوادِ والحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ والزُّرْقَةِ والخُضْرَةِ مَعَ كَوْنِكم أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ وأُمٍّ واحِدَةٍ، ويَجْمَعُكم نَوْعٌ واحِدٌ وهو الإنْسانِيَّةُ، وفَصْلٌ واحِدٌ وهو النّاطِقِيَّةُ، حَتّى صِرْتُمْ مُتَمَيِّزِينَ في ذاتِ بَيْنِكم لا يَلْتَبِسُ هَذا بِهَذا، بَلْ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِكم ما يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأفْرادِ، وفي هَذا مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ ما لا يَعْقِلُهُ إلّا العالَمُونَ، ولا يَفْهَمُهُ إلّا المُتَفَكِّرُونَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ الَّذِينَ هم مِن جِنْسِ هَذا العالَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ بَرٍّ وفاجِرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ لامِ العالَمِينَ. وقَرَأ حَفْصٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها. قالَ الفَرّاءُ: ولَهُ وجْهٌ جَيِّدٌ لِأنَّهُ قَدْ قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] . ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ قِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ بِالنَّهارِ. وقِيلَ: المَعْنى صَحِيحٌ مِن دُونِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ أيْ: ومِن آياتِهِ العَظِيمَةِ أنَّكم تَنامُونَ بِاللَّيْلِ وتَنامُونَ بِالنَّهارِ في بَعْضِ الأحْوالِ لِلِاسْتِراحَةِ كَوَقْتِ القَيْلُولَةِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ فِيهِما، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقَعُ فِيهِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ ابْتِغاءُ الفَضْلِ في النَّهارِ أكْثَرَ. والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِسائِرِ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذا المَعْنى، والآخَرُ هو المُناسِبُ لِلنَّظْمِ القُرْآنِيِّ هاهُنا. ووَجْهُ ذِكْرِ النَّوْمِ والِابْتِغاءِ هاهُنا وجَعْلِهِما مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ أنَّ النَّوْمَ شَبِيهٌ بِالمَوْتِ، والتَّصَرُّفَ في الحاجاتِ والسَّعْيِ في المَكاسِبِ شَبِيهٌ بِالحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ: يَسْمَعُونَ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ مُتَفَكِّرٍ مُتَدَبِّرٍ فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى البَعْثِ. ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ المَعْنى: أنْ يُرِيَكم، فَحَذْفُ أنْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَما قالَ طَرَفَةُ: ؎ألا أيُّهَذا اللّائِمِي أحْضُرُ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي والتَّقْدِيرُ: أنْ أحْضُرَ، فَلَمّا حُذِفَ الحَرْفُ في الآيَةِ والبَيْتِ بَطُلَ عَمَلُهُ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ تَسْمَعَ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: ويُرِيكُمُ البَرْقَ مِن آياتِهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُرِيكم صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ومِن آياتِهِ آيَةٌ يُرِيكم بِها وفِيها البَرْقَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا مِن آياتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. قالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: خَوْفًا مِنَ الصَّواعِقِ وطَمَعًا في الغَيْثِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ خَوْفًا مِنَ البَرْدِ أنْ يُهْلِكَ الزَّرْعَ، وطَمَعًا في المَطَرِ أنْ يُحْيِيَ الزَّرْعَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: خَوْفًا أنْ يَكُونَ البَرْقُ بَرْقًا خُلَّبًا لا يُمْطِرُ، وطَمَعًا أنْ يَكُونَ مُمْطِرًا، وأنْشَدَ: ؎لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقًا خُلَّبًا ∗∗∗ إنَّ خَيْرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ مَعَهُ وانْتِصابُ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى العِلَّةِ ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُحْيِيها بِالنَّباتِ بَعْدَ مَوْتِها بِاليَباسِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فَإنَّ مَن لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العَقْلِ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ آيَةٌ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ. ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: قِيامُهُما واسْتِمْساكُهُما بِإرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - وقُدْرَتِهِ بِلا عَمَدٍ يَعْمِدُهُما، ولا مُسْتَقَرٍّ يَسْتَقِرّانِ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ أنْ تَدُوما قائِمَتَيْنِ بِأمْرِهِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أيْ: ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِكم ومَصِيرِكم في القُبُورِ إذا دَعاكم دَعْوَةً واحِدَةً فاجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ تَلَبُّثٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَما يُجِيبُ المَدْعُوُّ المُطِيعُ دَعْوَةَ الدّاعِي المُطاعِ. ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا أيْ: دَعاكم مِنَ الأرْضِ الَّتِي أنْتُمْ فِيها، كَما يُقالُ: دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِدَعْوَةٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَخْرُجُونَ أيْ: خَرَجْتُمْ مِنَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ تَخْرُجُونَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وهَذِهِ الدَّعْوَةُ هي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الآخِرَةُ في الصُّورِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ التّاءِ في " تَخْرُجُونَ " هُنا، وغَلَطَ مَن قالَ إنَّهُ قُرِئَ هُنا بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإنَّما قُرِئَ بِضَمِّها في الأعْرافِ. ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا وتَصَرُّفًا وخَلْقًا، لَيْسَ لِغَيْرِهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أيْ: مُطِيعُونَ طاعَةَ انْقِيادٍ، وقِيلَ: مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: مُصَلُّونَ، وقِيلَ: قائِمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] أيْ: لِلْحِسابِ، وقِيلَ: بِالشَّهادَةِ أنَّهم عِبادُهُ، وقِيلَ: مُخْلِصُونَ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ المَوْتِ فَيُحْيِيهِ الحَياةَ الدّائِمَةَ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَيِّنٌ عَلَيْهِ لا يَسْتَصْعِبُهُ، أوْ أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِكم وعَلى ما يَقُولُهُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ، وإلّا فَلا شَيْءَ في قُدْرَتِهِ بَعْضُهُ أهْوَنُ مِن بَعْضٍ، بَلْ كُلُّ الأشْياءِ مُسْتَوِيَةٌ يُوجِدُها بِقَوْلِهِ: كُنْ فَتَكُونُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَن جَعَلَ " أهْوَنُ " عِبارَةً عَنْ تَفْضِيلِ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البقرة: ٢٥٥] والعَرَبُ تَحْمِلُ أفْعَلَ عَلى فاعِلٍ كَثِيرًا كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ، وأنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ عَلى ذَلِكَ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ (p-١١٣٢)أيْ: لَسْتُ بِواحِدٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ ∗∗∗ لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ أيْ: وفاضِلٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وهو عَلَيْهِ هَيِّنٌ " وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: إنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ أيْ: عَلى اللَّهِ مِنَ البِدايَةِ أيْ: أيْسَرُ وإنْ كانَ جَمِيعُهُ هَيِّنًا. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الإعادَةَ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ أهْوَنُ مِنَ البِدايَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في عَلَيْهِ لِلْخَلْقِ أيْ: وهو أهْوَنُ عَلى الخَلْقِ لِأنَّهُ يُصاحُ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَيَقُومُونَ ويُقالُ لَهم كُونُوا فَيَكُونُونَ، فَذَلِكَ أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يَكُونُوا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى آخِرِ النَّشْأةِ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ قالَ الخَلِيلُ: المَثَلُ الصِّفَةُ أيْ: ولَهُ الوَصْفُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ كَما قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [ الرَّعْدِ: ٣٥، ومُحَمَّدٍ: ١٥ ] أيْ: صِفَتُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المَثَلُ الأعْلى قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قَدْ ضَرَبَهُ لَكم مَثَلًا فِيما يَصْعُبُ ويَسْهُلُ. وقِيلَ: المَثَلُ الأعْلى هو أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: هو أنَّ ما أرادَهُ كانَ بِقَوْلِ كُنْ، وفي السَّماواتِ والأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عُرِفَ بِالمَثَلِ الأعْلى، ووُصِفَ بِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الأعْلى، أوْ مِنَ المَثَلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الأعْلى، وهو العَزِيزُ في مُلْكِهِ، القادِرُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الحَكِيمُ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُبْلِسُ قالَ: يَبْتَئِسُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، يُبْلِسُ قالَ: يَكْتَئِبُ، وعَنْهُ الإبْلاسُ: الفَضِيحَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُحْبَرُونَ قالَ: يُكْرَمُونَ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا يُنَزِّهُونَ أسْماعَهم وأبْصارَهم عَنْ مَزامِيرِ الشَّيْطانِ مَيِّزُوهم، فَيُمَيَّزُونَ في كَثَبِ المِسْكِ والعَنْبَرِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أسْمِعُوهم مِن تَسْبِيحِي وتَحْمِيدِي وتَهْلِيلِي، قالَ: فَيُسَبِّحُونَ بِأصْواتٍ لَمْ يَسْمَعِ السّامِعُونَ بِمِثْلِها قَطُّ» . وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في المُجالَسَةِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، ولَمْ يُسَمِّ مَن رَواهُ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي، والأصْبِهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ كِلاهُما في صِفَةِ الجَنَّةِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ عَلى ساقٍ قَدْرَ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ، فَيُخْرِجُ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ الغُرَفِ وغَيْرِهِمْ فَيَتَحَدَّثُونَ في ظِلِّها، فَيَشْتَهِي بَعْضُهم ويَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ كانَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ فَهو صَلاةٌ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: جاءَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ ؟ قالَ نَعَمْ، فَقَرَأ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صَلاةُ المَغْرِبِ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، وعَشِيًّا صَلاةُ العَصْرِ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صَلاةُ الظُّهْرِ، وقَرَأ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَواقِيتَ الصَّلاةِ، ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قالَ: المَغْرِبُ والعِشاءُ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفَجْرُ وعَشِيًّا العَصْرُ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهْرُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ يَوْمِ ولَيْلَةٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى ؟ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾» وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ، ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يَقُولُ مُطِيعُونَ: يَعْنِي الحَياةَ والنُّشُورَ والمَوْتَ وهم لَهُ عاصُونَ فِيما سِوى ذَلِكَ مِنَ العِبادَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: أيْسَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: الإعادَةُ أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كُنْ فَيَكُونُ، وابْتَدَأ الخِلْقَةَ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ يَقُولُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.