Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الروم 30:49 – لقمان 31:18

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الروم 30:49
  2. الروم 30:50
  3. الروم 30:51
  4. الروم 30:52
  5. الروم 30:53
  6. الروم 30:54
  7. الروم 30:55
  8. الروم 30:56
  9. الروم 30:57
  10. الروم 30:58
  11. الروم 30:59
  12. الروم 30:60
  13. لقمان 31:1
  14. لقمان 31:2
  15. لقمان 31:3
  16. لقمان 31:4
  17. لقمان 31:5
  18. لقمان 31:6
  19. لقمان 31:7
  20. لقمان 31:8
  21. لقمان 31:9
  22. لقمان 31:10
  23. لقمان 31:11
  24. لقمان 31:12
  25. لقمان 31:13
  26. لقمان 31:14
  27. لقمان 31:15
  28. لقمان 31:16
  29. لقمان 31:17
  30. لقمان 31:18

الروم 30:49

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

الروم 30:50

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

الروم 30:51

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

الروم 30:52

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

الروم 30:53

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

الروم 30:54

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

الروم 30:55

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

الروم 30:56

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

الروم 30:57

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

الروم 30:58

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

الروم 30:59

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

الروم 30:60

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

لقمان 31:1

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

لقمان 31:2

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

لقمان 31:3

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

لقمان 31:4

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

لقمان 31:5

. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ﴾ كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ والحُجَجِ النَّيِّراتِ فانْتَقَمْنا مِنهم أيْ: فَكَفَرُوا ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإجْرامَ، وهي الآثامُ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ نَصْرَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ حَقٌّ عَلَيْهِ وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى حَقًّا وجَعَلَ اسْمَ كانَ ضَمِيرًا فِيها وخَبَرَها حَقًّا أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ اسْمُها وحَقًّا خَبَرُها وعَلَيْنا مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ يُرْسِلُ " الرِّيحَ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " الرِّياحَ " قالَ أبُو عَمْرٍو: كُلُّ ما كانَ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ فَهو جَمْعٌ، وما كانَ بِمَعْنى العَذابِ فَهو مُوَحَّدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، فَتَكُونُ عَلى هَذا جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضٌ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن حَيْثُ هو ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تارَةً سائِرًا وتارَةً واقِفًا، وتارَةً مُطْبِقًا، وتارَةً غَيْرُ مُطْبِقٍ، وتارَةً إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وتارَةً إلى مَسافَةِ قَرِيبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ تارَةً أُخْرى، أوْ يَجْعَلُهُ بَعْدَ بَسْطِهِ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، والكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ مِنَ السَّحابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ واخْتِلافُ القِراءَةِ فِيهِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ الوَدْقُ المَطَرُ، ومِن خِلالِهِ مِن وسَطِهِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ " يَخْرُجُ مَن خَلَلِهِ " ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِلادَهم وأرْضَهم ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ المَطَرِ، والِاسْتِبْشارُ الفَرَحُ. ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ هو اسْمُها أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ الأخْفَشُ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ كَما حَكاهُ عَنْهُمُ النَّحّاسُ. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَبْلِهِ راجِعٌ إلى المَطَرِ أيْ: وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ التَّنْزِيلِ مِن قَبْلِ المَطَرِ. وقِيلَ: المَعْنى: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ الزَّرْعِ والمَطَرِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِ (p-١١٣٨)السَّحابِ أيْ: مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ، واخْتارَ هَذا النَّحّاسُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِسَفِ، وقِيلَ: إلى الإرْسالِ، وقِيلَ: إلى الِاسْتِبْشارِ. والرّاجِحُ الوَجْهُ الأوَّلُ، وما بَعْدَهُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها فَفي غايَةِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وخَبَرُ كانَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ: آيِسِينَ أوْ بائِسِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا. " فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ " النّاشِئَةِ عَنِ إنْزالِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ والزَّرائِعِ الَّتِي بِها يَكُونُ الخِصْبُ ورَخاءُ العَيْشِ أيِ: انْظُرْ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ لِتَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِهَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أثَرِ " بِالتَّوْحِيدِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿آثارِ﴾ بِالجَمْعِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فاعِلُ الإحْياءِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وقِيلَ: ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الأثَرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِانْظُرْ أيِ: انْظُرْ إلى كَيْفِيَّةِ هَذا الإحْياءِ البَدِيعِ لِلْأرْضِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " تُحْيِي " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الرَّحْمَةِ أوْ إلى الآثارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: إنَّ اللَّهَ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُخْتَرِعَ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ في الآخِرَةِ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ كَما أحْيا الأرْضَ المَيِّتَةَ بِالمَطَرِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ القُدْرَةِ كَثِيرُها. ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضَّمِيرُ في فَرَأوْهُ يَرْجِعُ إلى الزَّرْعِ والنَّباتِ الَّذِي كانَ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ أيْ: فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا مِنَ البَرْدِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وهو يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى الأثَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالآثارِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى السَّحابِ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، والأوَّلُ أوْلى. واللّامُ هي المُوطِّئَةُ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً، فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصُّفارِ لَظَلُّوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ويَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ وضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، ولَيْسَ كَذا حالُ أهْلِ الإيمانِ. ثُمَّ شَبَّهَهم بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ فَقالَ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إذا دَعَوْتَهم، فَكَذا هَؤُلاءِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْحَقائِقِ ومَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّوابِ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهم إلى الحَقِّ ووَعَظْتَهم بِمَواعِظِ اللَّهِ، وذَكَّرْتَهُمُ الآخِرَةَ وما فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِمْ كالأمْواتِ وكَوْنِهِمْ صُمَّ الآذانِ، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ. ثُمَّ وصَفَهم بِالعُمْيِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لِفَقْدِهِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالأبْصارِ كَما يَنْبَغِي، أوْ لِفَقْدِهِمْ لِلْبَصائِرِ ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا هَؤُلاءِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعُونَ لَهُ. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وهو خَلْقُ الإنْسانِ نَفْسِهِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى مِن ضَعْفٍ: مِن نُطْفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن نُطْفَةٍ، والمَعْنى مِن ذِي ضَعْفٍ. وقِيلَ: المُرادُ حالُ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وهي قُوَّةُ الشَّبابِ، فَإنَّهُ إذْ ذاكَ تَسْتَحْكِمُ القُوَّةُ وتَشْتَدُّ الخِلْقَةُ إلى بُلُوغِ النِّهايَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ أيْ: عِنْدَ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿وشَيْبَةً﴾ الشَّيْبَةُ هي تَمامُ الضَّعْفِ ونِهايَةُ الكِبَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ضُعْفٍ بِضَمِّ الضّادِ في هَذِهِ المَواضِعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالفَتْحِ في الأوَّلَيْنِ والضَّمِّ في الثّالِثِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ قُرَيْشٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ في الرَّأْيِ، وبِالضَّمِّ في الجِسْمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ومَن جُمْلَتِها القُوَّةُ والضَّعْفُ في بَنِي آدَمَ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بِتَدْبِيرِهِ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى خَلْقِ ما يُرِيدُهُ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ مِن ضَعَفٍ بِفَتْحِ الضّادِ والعَيْنِ. ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ: يَحْلِفُونَ ما لَبِثُوا في الدُّنْيا، أوْ في قُبُورِهِمْ غَيْرَ ساعَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ، فَحَلَفُوا عَلَيْهِ وهم يَظُنُّونَ أنَّ حَلْفَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهم كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كانُوا يُكَذِّبُونَ مِن قَبْلُ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِأنَّهم إنْ أرادُوا لُبْثَهم في الدُّنْيا فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم مِقْدارَهُ، وإنْ أرادُوا لُبْثَهم في القُبُورِ فَقَدْ حَلَفُوا عَلى جَهالَةٍ إنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الأوْقاتَ في البَرْزَخِ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ: إذا صَرَفَ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ. وقِيلَ: المُرادُ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: عَنِ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَلْفَهم كَذِبٌ. ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَقِيلَ: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُلَماءُ الأُمَمِ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ. ومَعْنى في كِتابِ اللَّهِ: في عِلْمِهِ وقَضائِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثَبَّتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوا هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ في كِتابِ اللَّهِ، وكانَ رَدُّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلَيْهِمْ بِاليَمِينِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِلْيَمِينِ بِاليَمِينِ، ثُمَّ نَبَّهُوهم عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ بِأنَّ " هَذا " الوَقْتَ الَّذِي صارُوا فِيهِ هو ﴿يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، بَلْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم﴾ أيْ: لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ يَوْمَئِذٍ ولا يُفِيدُهم عِلْمُهم بِالقِيامَةِ. وقِيلَ: لَمّا رَدَّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا واعْتَذَرُوا فَلَمْ يُعْذَرُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ " لا تَنْفَعُ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، وذَلِكَ إذا كُنْتَ جانِيًا (p-١١٣٩)عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ أعْتَبْتُهُ أزَلْتُ عَتْبَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْعُونَ إلى إزالَةِ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دَعَوْا إلى ذَلِكَ في الدُّنْيا. ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ واحْتَجَجْنا عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، أوْ لَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ كالعَصا واليَدِ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ما أنْتَ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ إلّا مُبْطِلُونَ أصْحابُ أباطِيلَ تَتَّبِعُونَ السِّحْرَ وما هو مُشاكِلٌ لَهُ في البُطْلانِ. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الفاقِدِينَ لِلْعِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَهْتَدُونَ بِهِ إلى الحَقِّ ويَنْجُونَ بِهِ مِنَ الباطِلِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما تَسْمَعُهُ مِنهم مِنَ الأذى وتَنْتَظِرُهُ مِنَ الأفْعالِ الكُفْرِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإعْلاءِ حُجَّتِكَ وإظْهارِ دَعْوَتِكَ، ووَعْدُهُ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يُقالُ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ فَلانًا أيِ: اسْتَجْهَلَهُ حَتّى حَمَلَهُ عَلى اتِّباعِهِ في الغَيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْتَخِفَّنَّكَ " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وقافٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والنَّهْيِ في الآيَةِ مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، ثُمَّ تَلا ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾، وهو مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قالَ: قِطَعًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: مِن بَيْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ في دُعاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ بَدْرٍ، والإسْنادُ ضَعِيفٌ. والمَشْهُورُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ عائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ رِوايَةِ مَن رَوى مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «نادى أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ»، وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ عَلى رَدِّ الخاصِّ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّكَ تُنادِي أجْسادًا بالِيَةً: " ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهم» " وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُنادِيهِمْ، فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ تُنادِيهِمْ بَعْدَ ثَلاثٍ وهَلْ يَسْمَعُونَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم، ولَكِنَّهم لا يُطِيقُونَ أنْ يُجِيبُوا» .

لقمان 31:6

وهي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [ لُقْمانَ: ٢٧: ٢٩ ] إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ النَّحّاسُ عَنْهُ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أنَّها مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَسْتَثْنِ، وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ البَراءِ قالَ: «كُنّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الظُّهْرَ نَسْمَعُ مِنهُ الآيَةَ بَعْدَ الآيَةِ مِن سُورَةِ لُقْمانَ والذّارِياتِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الم تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أمْثالِ فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ ومَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ، وبَيانُ مَرْجِعِ الإشارَةِ أيْضًا. و" الحَكِيمُ " إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، أوْ بِمَعْنى فاعِلٍ، أوْ بِمَعْنى ذِي الحِكْمَةِ أوِ الحَكِيمِ قائِلُهُ. و﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تِلْكَ آياتُ الكِتابِ في حالِ الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ " ورَحْمَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هو هُدًى ورَحْمَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَ تِلْكَ، والمُحْسِنُ العامِلُ لِلْحَسَناتِ، أوْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ كَما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الصَّحِيحِ لَمّا سَألَهُجِبْرِيلُ عَنِ الإحْسانِ: فَقالَ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . ثُمَّ بَيَّنَ عَمَلَ المُحْسِنِينَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِ لِلْمُحْسِنِينَ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ، أوْ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ أوِ القَطْعِ، وخَصَّ هَذِهِ العِباداتِ الثَّلاثَ لِأنَّها عُمْدَةُ العِباداتِ. ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَعْنى هُنا: أنَّ أُولَئِكَ المُتَّصِفِينَ بِالإحْسانِ وفِعْلِ تِلْكَ الطّاعاتِ الَّتِي هي أُمَّهاتُ العِباداتِ هم عَلى طَرِيقَةِ الهُدى. وهُمُ الفائِزُونَ بِمَطالِبِهِمُ الظّافِرُونَ بِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ. (p-١١٤٠)﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ مَحَلُّ ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وخَبَرُهُ ﴿مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ ومَن إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، ولَهْوُ الحَدِيثِ كُلُّ ما يُلْهِي عَنِ الخَيْرِ مِنَ الغِناءِ والمَلاهِي والأحادِيثِ المَكْذُوبَةِ، وكُلُّ ما هو مُنْكَرٌ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ. وقِيلَ: المُرادُ شِراءُ القَيْناتِ المُغَنِّياتِ والمُغَنِّينَ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومَن يَشْتَرِي أهْلَ لَهْوِ الحَدِيثِ. قالَ الحَسَنُ: لَهْوُ الحَدِيثِ المَعازِفُ والغِناءُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو الكُفْرُ والشِّرْكُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ أوْلى ما قِيلَ: في هَذا البابِ هو تَفْسِيرُ لَهْوِ الحَدِيثِ بِالغِناءِ، قالَ: وهو قَوْلُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الياءِ مِن " لِيُضِلَّ " أيْ: لِيُضِلَّ غَيْرَهُ عَنْ طَرِيقِ الهُدى ومَنهَجِ الحَقِّ، وإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ في نَفْسِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ ووَرْشٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الياءِ أيْ: لِيَضِلَّ هو في نَفْسِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ، فَمَعْناهُ لِيُضِلَّ غَيْرَهُ، فَإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ هو، ومَن قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ فَمَعْناهُ لِيَصِيرَ أمْرُهُ إلى الضَّلالِ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ يَشْتَرِي لِلضَّلالَةِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ أمْرُهُ إلى ذَلِكَ، فَأفادَ هَذا التَّعْلِيلُ أنَّهُ إنَّما يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ مَنِ اشْتَرى لَهْوَ الحَدِيثِ لِهَذا المَقْصِدِ، ويُؤَيِّدُ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ وسَيَأْتِي. قالَ القُرْطُبِيُّ: قَدْ أجْمَعَ عُلَماءُ الأمْصارِ عَلى كَراهَةِ الغِناءِ والمَنعِ مِنهُ. وإنَّما فارَقَ الجَماعَةَ إبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ العَنْبَرِيُّ. قالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَسْمَعَ غِناءَ جارِيَتِهِ إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنها عَلَيْهِ حَرامٌ لا مِن ظاهِرِها ولا مِن باطِنِها، فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنَ التَّلَذُّذِ بِصَوْتِها ؟ قُلْتُ: قَدْ جَمَعْتُ رِسالَةً مُشْتَمِلَةً عَلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ في الغِناءِ وما اسْتَدَلَّ بِهِ المُحَلِّلُونَ لَهُ والمُحَرِّمُونَ لَهُ، وحَقَّقْتُ هَذا المَقامَ بِما لا يَحْتاجُ مَن نَظَرَ فِيها وتَدَبَّرَ مَعانِيَها إلى النَّظَرِ في غَيْرِها، وسَمَّيْتُها [ إبْطالُ دَعْوى الإجْماعِ، عَلى تَحْرِيمِ مُطْلَقِ السَّماعِ ] فَمَن أحَبَّ تَحْقِيقَ المَقامِ كَما يَنْبَغِي فَلْيَرْجِعْ إلَيْها. ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِ غَيْرَ عالِمٍ بِحالِ ما يَشْتَرِيهِ، أوْ بِحالِ ما يَنْفَعُ مِنَ التِّجارَةِ وما يَضُرُّ، فَلِهَذا اسْتَبْدَلَ بِالخَيْرِ ما هو شَرٌّ مَحْضٌ ﴿ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ يَتَّخِذُها عَطْفًا عَلى يَشْتَرِي فَهو مِن جُمْلَةِ الصِّلَةِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يَتَّخِذُها يَعُودُ إلى الآياتِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ " ويَتَّخِذَها " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى يُضِلَّ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ راجِعٌ إلى السَّبِيلِ، فَتَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن جُمْلَةِ التَّعْلِيلِ لِلتَّحْرِيمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِلْإضْلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واتِّخاذِ السَّبِيلِ هُزُوًا أيْ: مَهْزُوءًا بِهِ، والسَّبِيلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ إلى مَن. والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، والعَذابُ المُهِينُ: هو الشَّدِيدُ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ مَن وقَعَ عَلَيْهِ مَهِينًا. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ أيْ: وإذا تُتْلى آياتُ القُرْآنِ عَلى هَذا المُسْتَهْزِئِ ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْها حالَ كَوْنِهِ مُبالِغًا في التَّكَبُّرِ، وجُمْلَةُ ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَأنَّ ذَلِكَ المُعْرِضَ المُسْتَكْبِرَ لَمْ يَسْمَعْها مَعَ أنَّهُ قَدْ سَمِعَها، ولَكِنْ أشْبَهَتْ حالُهُ حالَ مَن لَمْ يَسْمَعْ، وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَسْمَعُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والوَقْرُ الثِّقْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في إعْراضِ ذَلِكَ المَعْرَضِ ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: أخْبِرْهُ بِأنَّ لَهُ العَذابَ البَلِيغَ في الألَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ مَن يُعْرِضُ عَنِ الآياتِ بَيَّنَ حالَ مَن يُقْبِلُ عَلَيْها، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: آمَنُوا بِاللَّهِ وبِآياتِهِ ولَمْ يُعْرِضُوا عَنْها بَلْ قَبِلُوها وعَمِلُوا بِها ﴿لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ أيْ: نَعِيمُ الجَنّاتِ فَعَكَسَهُ لِلْمُبالَغَةِ، جَعَلَ لَهم جَنّاتِ النَّعِيمِ كَما جَعَلَ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ العَذابَ المُهِينَ. وانْتِصابُ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ عَلى الحالِ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " خالِدُونَ فِيها " عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ هُما مُصْدَرانِ الأوَّلُ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا، والثّانِي مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ، وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْدِيرُهُ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. والمَعْنى: أنَّ وعْدَهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ ولا خُلْفَ فِيهِ ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ غالِبٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ في كُلِّ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - عِزَّتَهُ وحِكْمَتْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ العَمَدُ جَمْعُ عِمادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ، وتَرَوْنَها في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِعَمَدٍ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ ثَمَّ عَمَدٌ، ولَكِنْ لا تُرى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: ولا عَمَدَ البَتَّةَ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ يَقُولُ: الأوْلى أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا أيْ: ولا عَمَدَ ثَمَّ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بِكم، والكُوفِيُّونَ يُقَدِّرُونَهُ لِئَلّا تَمِيدَ، والمَعْنى: أنَّها خُلِقَتْ وجَعَلَها مُسْتَقِرَّةً ثابِتَةً لا تَتَحَرَّكُ بِجِبالٍ جَعَلَها عَلَيْها وأرْساها عَلى ظَهْرِها ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الدَّوابِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى البَثِّ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَطَرًا فَأنْبَتْنا فِيها بِسَبَبِ إنْزالِهِ مِن كُلِّ زَوْجٍ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ، ووَصَفَهُ بِكَوْنِهِ كَرِيمًا لِحُسْنِ لَوْنِهِ وكَثْرَةِ مَنافِعِهِ. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِذَلِكَ النّاسُ، فالكَرِيمُ مِنهم مَن يَصِيرُ إلى الجَنَّةِ، واللَّئِيمُ مَن يَصِيرُ إلى النّارِ. قالَهُ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا إلى ما ذُكِرَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ أيْ: مَخْلُوقُهُ ﴿فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: فَأرُونِي أيَّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِمّا يُحاكِي خَلْقَ اللَّهِ أوْ يُقارِبُهُ، وهَذا الأمْرُ لَهم لِقَصْدِ التَّعْجِيزِ والتَّبْكِيتِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ (p-١١٤١)الظّاهِرِ فَقالَ ﴿بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ﴾ فَقَرَّرَ ظُلْمَهم أوَّلًا وضَلالَهم ثانِيًا، ووَصَفَ ضَلالَهم بِالوُضُوحِ والظُّهُورِ، ومَن كانَ هَكَذا فَلا يَعْقِلُ الحُجَّةَ ولا يَهْتَدِي إلى الحَقِّ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي باطِلَ الحَدِيثِ. وهُوَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ اشْتَرى أحادِيثَ الأعاجِمِ وصَنِيعَهم في دَهْرِهِمْ. وكانَ يَكْتُبُ الكُتُبَ مِنَ الحِيرَةِ إلى الشّامِ ويُكَذِّبُ بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في الآيَةِ قالَ: باطِلُ الحَدِيثِ. وهو الغِناءُ ونَحْوُهُ ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: قِراءَةُ القُرْآنِ وذِكْرُ اللَّهِ، نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةً. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هو الغِناءُ وأشْباهُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: الجَوارِي الضّارِباتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي الصَّهْباءِ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ قالَ: هو واللَّهِ الغِناءُ. ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: هو الغِناءُ واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، يُرَدِّدُها ثَلاثَ مَرّاتٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا تَبِيعُوا القَيْناتِ ولا تَشْتَرُوهُنَّ، ولا خَيْرَ في تِجارَةٍ فِيهِنَّ وثَمَنُهُنَّ حَرامٌ» في مِثْلِ هَذا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ، وفي إسْنادِهِ عُبَيْدُ بْنُ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وفِيهِمْ ضَعْفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ القَيْنَةَ وبَيْعَها وثَمَنَها وتَعْلِيمَها والِاسْتِماعَ إلَيْها»، ثُمَّ قَرَأ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ» ورَوَياهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ما رَفَعَ أحَدٌ صَوْتَهُ بِغِناءٍ إلّا بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ شَيْطانَيْنِ يَجْلِسانِ عَلى مَنكِبَيْهِ يَضْرِبانِ بِأعْقابِهِما عَلى صَدْرِهِ حَتّى يُمْسِكَ» . وفِي البابِ أحادِيثُ في كُلِّ حَدِيثٍ مِنها مَقالٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَشْتَرِي جارِيَةً تُغَنِّي لَيْلًا ونَهارًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾: «إنَّما ذَلِكَ شِراءُ الرَّجُلِ اللَّعِبَ والباطِلَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: كُنْتُ أسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في طَرِيقٍ، «فَسَمِعَ زَمّارَةً فَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، ثُمَّ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ يا نافِعُ أتَسْمَعُ ؟ قُلْتُ لا، فَأخْرَجَ أُصْبُعَيْهِ مِن أُذُنَيْهِ وقالَ: هَكَذا رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَنَعَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما نُهِيتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ فاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغَمَةِ لَهْوٍ ومَزامِيرِ شَيْطانٍ، وصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ: خَمْشِ وُجُوهٍ وشَقِّ جُيُوبٍ ورَنَّةِ شَيْطانٍ» .

لقمان 31:7

وهي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [ لُقْمانَ: ٢٧: ٢٩ ] إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ النَّحّاسُ عَنْهُ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أنَّها مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَسْتَثْنِ، وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ البَراءِ قالَ: «كُنّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الظُّهْرَ نَسْمَعُ مِنهُ الآيَةَ بَعْدَ الآيَةِ مِن سُورَةِ لُقْمانَ والذّارِياتِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الم تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أمْثالِ فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ ومَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ، وبَيانُ مَرْجِعِ الإشارَةِ أيْضًا. و" الحَكِيمُ " إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، أوْ بِمَعْنى فاعِلٍ، أوْ بِمَعْنى ذِي الحِكْمَةِ أوِ الحَكِيمِ قائِلُهُ. و﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تِلْكَ آياتُ الكِتابِ في حالِ الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ " ورَحْمَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هو هُدًى ورَحْمَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَ تِلْكَ، والمُحْسِنُ العامِلُ لِلْحَسَناتِ، أوْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ كَما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الصَّحِيحِ لَمّا سَألَهُجِبْرِيلُ عَنِ الإحْسانِ: فَقالَ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . ثُمَّ بَيَّنَ عَمَلَ المُحْسِنِينَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِ لِلْمُحْسِنِينَ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ، أوْ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ أوِ القَطْعِ، وخَصَّ هَذِهِ العِباداتِ الثَّلاثَ لِأنَّها عُمْدَةُ العِباداتِ. ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَعْنى هُنا: أنَّ أُولَئِكَ المُتَّصِفِينَ بِالإحْسانِ وفِعْلِ تِلْكَ الطّاعاتِ الَّتِي هي أُمَّهاتُ العِباداتِ هم عَلى طَرِيقَةِ الهُدى. وهُمُ الفائِزُونَ بِمَطالِبِهِمُ الظّافِرُونَ بِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ. (p-١١٤٠)﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ مَحَلُّ ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وخَبَرُهُ ﴿مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ ومَن إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، ولَهْوُ الحَدِيثِ كُلُّ ما يُلْهِي عَنِ الخَيْرِ مِنَ الغِناءِ والمَلاهِي والأحادِيثِ المَكْذُوبَةِ، وكُلُّ ما هو مُنْكَرٌ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ. وقِيلَ: المُرادُ شِراءُ القَيْناتِ المُغَنِّياتِ والمُغَنِّينَ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومَن يَشْتَرِي أهْلَ لَهْوِ الحَدِيثِ. قالَ الحَسَنُ: لَهْوُ الحَدِيثِ المَعازِفُ والغِناءُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو الكُفْرُ والشِّرْكُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ أوْلى ما قِيلَ: في هَذا البابِ هو تَفْسِيرُ لَهْوِ الحَدِيثِ بِالغِناءِ، قالَ: وهو قَوْلُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الياءِ مِن " لِيُضِلَّ " أيْ: لِيُضِلَّ غَيْرَهُ عَنْ طَرِيقِ الهُدى ومَنهَجِ الحَقِّ، وإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ في نَفْسِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ ووَرْشٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الياءِ أيْ: لِيَضِلَّ هو في نَفْسِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ، فَمَعْناهُ لِيُضِلَّ غَيْرَهُ، فَإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ هو، ومَن قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ فَمَعْناهُ لِيَصِيرَ أمْرُهُ إلى الضَّلالِ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ يَشْتَرِي لِلضَّلالَةِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ أمْرُهُ إلى ذَلِكَ، فَأفادَ هَذا التَّعْلِيلُ أنَّهُ إنَّما يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ مَنِ اشْتَرى لَهْوَ الحَدِيثِ لِهَذا المَقْصِدِ، ويُؤَيِّدُ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ وسَيَأْتِي. قالَ القُرْطُبِيُّ: قَدْ أجْمَعَ عُلَماءُ الأمْصارِ عَلى كَراهَةِ الغِناءِ والمَنعِ مِنهُ. وإنَّما فارَقَ الجَماعَةَ إبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ العَنْبَرِيُّ. قالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَسْمَعَ غِناءَ جارِيَتِهِ إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنها عَلَيْهِ حَرامٌ لا مِن ظاهِرِها ولا مِن باطِنِها، فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنَ التَّلَذُّذِ بِصَوْتِها ؟ قُلْتُ: قَدْ جَمَعْتُ رِسالَةً مُشْتَمِلَةً عَلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ في الغِناءِ وما اسْتَدَلَّ بِهِ المُحَلِّلُونَ لَهُ والمُحَرِّمُونَ لَهُ، وحَقَّقْتُ هَذا المَقامَ بِما لا يَحْتاجُ مَن نَظَرَ فِيها وتَدَبَّرَ مَعانِيَها إلى النَّظَرِ في غَيْرِها، وسَمَّيْتُها [ إبْطالُ دَعْوى الإجْماعِ، عَلى تَحْرِيمِ مُطْلَقِ السَّماعِ ] فَمَن أحَبَّ تَحْقِيقَ المَقامِ كَما يَنْبَغِي فَلْيَرْجِعْ إلَيْها. ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِ غَيْرَ عالِمٍ بِحالِ ما يَشْتَرِيهِ، أوْ بِحالِ ما يَنْفَعُ مِنَ التِّجارَةِ وما يَضُرُّ، فَلِهَذا اسْتَبْدَلَ بِالخَيْرِ ما هو شَرٌّ مَحْضٌ ﴿ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ يَتَّخِذُها عَطْفًا عَلى يَشْتَرِي فَهو مِن جُمْلَةِ الصِّلَةِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يَتَّخِذُها يَعُودُ إلى الآياتِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ " ويَتَّخِذَها " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى يُضِلَّ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ راجِعٌ إلى السَّبِيلِ، فَتَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن جُمْلَةِ التَّعْلِيلِ لِلتَّحْرِيمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِلْإضْلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واتِّخاذِ السَّبِيلِ هُزُوًا أيْ: مَهْزُوءًا بِهِ، والسَّبِيلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ إلى مَن. والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، والعَذابُ المُهِينُ: هو الشَّدِيدُ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ مَن وقَعَ عَلَيْهِ مَهِينًا. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ أيْ: وإذا تُتْلى آياتُ القُرْآنِ عَلى هَذا المُسْتَهْزِئِ ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْها حالَ كَوْنِهِ مُبالِغًا في التَّكَبُّرِ، وجُمْلَةُ ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَأنَّ ذَلِكَ المُعْرِضَ المُسْتَكْبِرَ لَمْ يَسْمَعْها مَعَ أنَّهُ قَدْ سَمِعَها، ولَكِنْ أشْبَهَتْ حالُهُ حالَ مَن لَمْ يَسْمَعْ، وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَسْمَعُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والوَقْرُ الثِّقْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في إعْراضِ ذَلِكَ المَعْرَضِ ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: أخْبِرْهُ بِأنَّ لَهُ العَذابَ البَلِيغَ في الألَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ مَن يُعْرِضُ عَنِ الآياتِ بَيَّنَ حالَ مَن يُقْبِلُ عَلَيْها، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: آمَنُوا بِاللَّهِ وبِآياتِهِ ولَمْ يُعْرِضُوا عَنْها بَلْ قَبِلُوها وعَمِلُوا بِها ﴿لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ أيْ: نَعِيمُ الجَنّاتِ فَعَكَسَهُ لِلْمُبالَغَةِ، جَعَلَ لَهم جَنّاتِ النَّعِيمِ كَما جَعَلَ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ العَذابَ المُهِينَ. وانْتِصابُ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ عَلى الحالِ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " خالِدُونَ فِيها " عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ هُما مُصْدَرانِ الأوَّلُ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا، والثّانِي مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ، وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْدِيرُهُ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. والمَعْنى: أنَّ وعْدَهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ ولا خُلْفَ فِيهِ ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ غالِبٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ في كُلِّ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - عِزَّتَهُ وحِكْمَتْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ العَمَدُ جَمْعُ عِمادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ، وتَرَوْنَها في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِعَمَدٍ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ ثَمَّ عَمَدٌ، ولَكِنْ لا تُرى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: ولا عَمَدَ البَتَّةَ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ يَقُولُ: الأوْلى أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا أيْ: ولا عَمَدَ ثَمَّ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بِكم، والكُوفِيُّونَ يُقَدِّرُونَهُ لِئَلّا تَمِيدَ، والمَعْنى: أنَّها خُلِقَتْ وجَعَلَها مُسْتَقِرَّةً ثابِتَةً لا تَتَحَرَّكُ بِجِبالٍ جَعَلَها عَلَيْها وأرْساها عَلى ظَهْرِها ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الدَّوابِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى البَثِّ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَطَرًا فَأنْبَتْنا فِيها بِسَبَبِ إنْزالِهِ مِن كُلِّ زَوْجٍ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ، ووَصَفَهُ بِكَوْنِهِ كَرِيمًا لِحُسْنِ لَوْنِهِ وكَثْرَةِ مَنافِعِهِ. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِذَلِكَ النّاسُ، فالكَرِيمُ مِنهم مَن يَصِيرُ إلى الجَنَّةِ، واللَّئِيمُ مَن يَصِيرُ إلى النّارِ. قالَهُ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا إلى ما ذُكِرَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ أيْ: مَخْلُوقُهُ ﴿فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: فَأرُونِي أيَّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِمّا يُحاكِي خَلْقَ اللَّهِ أوْ يُقارِبُهُ، وهَذا الأمْرُ لَهم لِقَصْدِ التَّعْجِيزِ والتَّبْكِيتِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ (p-١١٤١)الظّاهِرِ فَقالَ ﴿بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ﴾ فَقَرَّرَ ظُلْمَهم أوَّلًا وضَلالَهم ثانِيًا، ووَصَفَ ضَلالَهم بِالوُضُوحِ والظُّهُورِ، ومَن كانَ هَكَذا فَلا يَعْقِلُ الحُجَّةَ ولا يَهْتَدِي إلى الحَقِّ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي باطِلَ الحَدِيثِ. وهُوَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ اشْتَرى أحادِيثَ الأعاجِمِ وصَنِيعَهم في دَهْرِهِمْ. وكانَ يَكْتُبُ الكُتُبَ مِنَ الحِيرَةِ إلى الشّامِ ويُكَذِّبُ بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في الآيَةِ قالَ: باطِلُ الحَدِيثِ. وهو الغِناءُ ونَحْوُهُ ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: قِراءَةُ القُرْآنِ وذِكْرُ اللَّهِ، نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةً. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هو الغِناءُ وأشْباهُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: الجَوارِي الضّارِباتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي الصَّهْباءِ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ قالَ: هو واللَّهِ الغِناءُ. ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: هو الغِناءُ واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، يُرَدِّدُها ثَلاثَ مَرّاتٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا تَبِيعُوا القَيْناتِ ولا تَشْتَرُوهُنَّ، ولا خَيْرَ في تِجارَةٍ فِيهِنَّ وثَمَنُهُنَّ حَرامٌ» في مِثْلِ هَذا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ، وفي إسْنادِهِ عُبَيْدُ بْنُ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وفِيهِمْ ضَعْفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ القَيْنَةَ وبَيْعَها وثَمَنَها وتَعْلِيمَها والِاسْتِماعَ إلَيْها»، ثُمَّ قَرَأ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ» ورَوَياهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ما رَفَعَ أحَدٌ صَوْتَهُ بِغِناءٍ إلّا بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ شَيْطانَيْنِ يَجْلِسانِ عَلى مَنكِبَيْهِ يَضْرِبانِ بِأعْقابِهِما عَلى صَدْرِهِ حَتّى يُمْسِكَ» . وفِي البابِ أحادِيثُ في كُلِّ حَدِيثٍ مِنها مَقالٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَشْتَرِي جارِيَةً تُغَنِّي لَيْلًا ونَهارًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾: «إنَّما ذَلِكَ شِراءُ الرَّجُلِ اللَّعِبَ والباطِلَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: كُنْتُ أسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في طَرِيقٍ، «فَسَمِعَ زَمّارَةً فَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، ثُمَّ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ يا نافِعُ أتَسْمَعُ ؟ قُلْتُ لا، فَأخْرَجَ أُصْبُعَيْهِ مِن أُذُنَيْهِ وقالَ: هَكَذا رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَنَعَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما نُهِيتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ فاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغَمَةِ لَهْوٍ ومَزامِيرِ شَيْطانٍ، وصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ: خَمْشِ وُجُوهٍ وشَقِّ جُيُوبٍ ورَنَّةِ شَيْطانٍ» .

لقمان 31:8

وهي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [ لُقْمانَ: ٢٧: ٢٩ ] إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ النَّحّاسُ عَنْهُ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أنَّها مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَسْتَثْنِ، وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ البَراءِ قالَ: «كُنّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الظُّهْرَ نَسْمَعُ مِنهُ الآيَةَ بَعْدَ الآيَةِ مِن سُورَةِ لُقْمانَ والذّارِياتِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الم تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أمْثالِ فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ ومَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ، وبَيانُ مَرْجِعِ الإشارَةِ أيْضًا. و" الحَكِيمُ " إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، أوْ بِمَعْنى فاعِلٍ، أوْ بِمَعْنى ذِي الحِكْمَةِ أوِ الحَكِيمِ قائِلُهُ. و﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تِلْكَ آياتُ الكِتابِ في حالِ الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ " ورَحْمَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هو هُدًى ورَحْمَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَ تِلْكَ، والمُحْسِنُ العامِلُ لِلْحَسَناتِ، أوْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ كَما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الصَّحِيحِ لَمّا سَألَهُجِبْرِيلُ عَنِ الإحْسانِ: فَقالَ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . ثُمَّ بَيَّنَ عَمَلَ المُحْسِنِينَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِ لِلْمُحْسِنِينَ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ، أوْ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ أوِ القَطْعِ، وخَصَّ هَذِهِ العِباداتِ الثَّلاثَ لِأنَّها عُمْدَةُ العِباداتِ. ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَعْنى هُنا: أنَّ أُولَئِكَ المُتَّصِفِينَ بِالإحْسانِ وفِعْلِ تِلْكَ الطّاعاتِ الَّتِي هي أُمَّهاتُ العِباداتِ هم عَلى طَرِيقَةِ الهُدى. وهُمُ الفائِزُونَ بِمَطالِبِهِمُ الظّافِرُونَ بِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ. (p-١١٤٠)﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ مَحَلُّ ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وخَبَرُهُ ﴿مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ ومَن إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، ولَهْوُ الحَدِيثِ كُلُّ ما يُلْهِي عَنِ الخَيْرِ مِنَ الغِناءِ والمَلاهِي والأحادِيثِ المَكْذُوبَةِ، وكُلُّ ما هو مُنْكَرٌ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ. وقِيلَ: المُرادُ شِراءُ القَيْناتِ المُغَنِّياتِ والمُغَنِّينَ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومَن يَشْتَرِي أهْلَ لَهْوِ الحَدِيثِ. قالَ الحَسَنُ: لَهْوُ الحَدِيثِ المَعازِفُ والغِناءُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو الكُفْرُ والشِّرْكُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ أوْلى ما قِيلَ: في هَذا البابِ هو تَفْسِيرُ لَهْوِ الحَدِيثِ بِالغِناءِ، قالَ: وهو قَوْلُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الياءِ مِن " لِيُضِلَّ " أيْ: لِيُضِلَّ غَيْرَهُ عَنْ طَرِيقِ الهُدى ومَنهَجِ الحَقِّ، وإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ في نَفْسِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ ووَرْشٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الياءِ أيْ: لِيَضِلَّ هو في نَفْسِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ، فَمَعْناهُ لِيُضِلَّ غَيْرَهُ، فَإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ هو، ومَن قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ فَمَعْناهُ لِيَصِيرَ أمْرُهُ إلى الضَّلالِ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ يَشْتَرِي لِلضَّلالَةِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ أمْرُهُ إلى ذَلِكَ، فَأفادَ هَذا التَّعْلِيلُ أنَّهُ إنَّما يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ مَنِ اشْتَرى لَهْوَ الحَدِيثِ لِهَذا المَقْصِدِ، ويُؤَيِّدُ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ وسَيَأْتِي. قالَ القُرْطُبِيُّ: قَدْ أجْمَعَ عُلَماءُ الأمْصارِ عَلى كَراهَةِ الغِناءِ والمَنعِ مِنهُ. وإنَّما فارَقَ الجَماعَةَ إبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ العَنْبَرِيُّ. قالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَسْمَعَ غِناءَ جارِيَتِهِ إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنها عَلَيْهِ حَرامٌ لا مِن ظاهِرِها ولا مِن باطِنِها، فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنَ التَّلَذُّذِ بِصَوْتِها ؟ قُلْتُ: قَدْ جَمَعْتُ رِسالَةً مُشْتَمِلَةً عَلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ في الغِناءِ وما اسْتَدَلَّ بِهِ المُحَلِّلُونَ لَهُ والمُحَرِّمُونَ لَهُ، وحَقَّقْتُ هَذا المَقامَ بِما لا يَحْتاجُ مَن نَظَرَ فِيها وتَدَبَّرَ مَعانِيَها إلى النَّظَرِ في غَيْرِها، وسَمَّيْتُها [ إبْطالُ دَعْوى الإجْماعِ، عَلى تَحْرِيمِ مُطْلَقِ السَّماعِ ] فَمَن أحَبَّ تَحْقِيقَ المَقامِ كَما يَنْبَغِي فَلْيَرْجِعْ إلَيْها. ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِ غَيْرَ عالِمٍ بِحالِ ما يَشْتَرِيهِ، أوْ بِحالِ ما يَنْفَعُ مِنَ التِّجارَةِ وما يَضُرُّ، فَلِهَذا اسْتَبْدَلَ بِالخَيْرِ ما هو شَرٌّ مَحْضٌ ﴿ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ يَتَّخِذُها عَطْفًا عَلى يَشْتَرِي فَهو مِن جُمْلَةِ الصِّلَةِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يَتَّخِذُها يَعُودُ إلى الآياتِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ " ويَتَّخِذَها " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى يُضِلَّ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ راجِعٌ إلى السَّبِيلِ، فَتَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن جُمْلَةِ التَّعْلِيلِ لِلتَّحْرِيمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِلْإضْلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واتِّخاذِ السَّبِيلِ هُزُوًا أيْ: مَهْزُوءًا بِهِ، والسَّبِيلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ إلى مَن. والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، والعَذابُ المُهِينُ: هو الشَّدِيدُ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ مَن وقَعَ عَلَيْهِ مَهِينًا. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ أيْ: وإذا تُتْلى آياتُ القُرْآنِ عَلى هَذا المُسْتَهْزِئِ ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْها حالَ كَوْنِهِ مُبالِغًا في التَّكَبُّرِ، وجُمْلَةُ ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَأنَّ ذَلِكَ المُعْرِضَ المُسْتَكْبِرَ لَمْ يَسْمَعْها مَعَ أنَّهُ قَدْ سَمِعَها، ولَكِنْ أشْبَهَتْ حالُهُ حالَ مَن لَمْ يَسْمَعْ، وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَسْمَعُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والوَقْرُ الثِّقْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في إعْراضِ ذَلِكَ المَعْرَضِ ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: أخْبِرْهُ بِأنَّ لَهُ العَذابَ البَلِيغَ في الألَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ مَن يُعْرِضُ عَنِ الآياتِ بَيَّنَ حالَ مَن يُقْبِلُ عَلَيْها، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: آمَنُوا بِاللَّهِ وبِآياتِهِ ولَمْ يُعْرِضُوا عَنْها بَلْ قَبِلُوها وعَمِلُوا بِها ﴿لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ أيْ: نَعِيمُ الجَنّاتِ فَعَكَسَهُ لِلْمُبالَغَةِ، جَعَلَ لَهم جَنّاتِ النَّعِيمِ كَما جَعَلَ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ العَذابَ المُهِينَ. وانْتِصابُ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ عَلى الحالِ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " خالِدُونَ فِيها " عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ هُما مُصْدَرانِ الأوَّلُ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا، والثّانِي مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ، وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْدِيرُهُ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. والمَعْنى: أنَّ وعْدَهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ ولا خُلْفَ فِيهِ ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ غالِبٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ في كُلِّ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - عِزَّتَهُ وحِكْمَتْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ العَمَدُ جَمْعُ عِمادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ، وتَرَوْنَها في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِعَمَدٍ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ ثَمَّ عَمَدٌ، ولَكِنْ لا تُرى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: ولا عَمَدَ البَتَّةَ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ يَقُولُ: الأوْلى أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا أيْ: ولا عَمَدَ ثَمَّ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بِكم، والكُوفِيُّونَ يُقَدِّرُونَهُ لِئَلّا تَمِيدَ، والمَعْنى: أنَّها خُلِقَتْ وجَعَلَها مُسْتَقِرَّةً ثابِتَةً لا تَتَحَرَّكُ بِجِبالٍ جَعَلَها عَلَيْها وأرْساها عَلى ظَهْرِها ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الدَّوابِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى البَثِّ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَطَرًا فَأنْبَتْنا فِيها بِسَبَبِ إنْزالِهِ مِن كُلِّ زَوْجٍ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ، ووَصَفَهُ بِكَوْنِهِ كَرِيمًا لِحُسْنِ لَوْنِهِ وكَثْرَةِ مَنافِعِهِ. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِذَلِكَ النّاسُ، فالكَرِيمُ مِنهم مَن يَصِيرُ إلى الجَنَّةِ، واللَّئِيمُ مَن يَصِيرُ إلى النّارِ. قالَهُ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا إلى ما ذُكِرَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ أيْ: مَخْلُوقُهُ ﴿فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: فَأرُونِي أيَّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِمّا يُحاكِي خَلْقَ اللَّهِ أوْ يُقارِبُهُ، وهَذا الأمْرُ لَهم لِقَصْدِ التَّعْجِيزِ والتَّبْكِيتِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ (p-١١٤١)الظّاهِرِ فَقالَ ﴿بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ﴾ فَقَرَّرَ ظُلْمَهم أوَّلًا وضَلالَهم ثانِيًا، ووَصَفَ ضَلالَهم بِالوُضُوحِ والظُّهُورِ، ومَن كانَ هَكَذا فَلا يَعْقِلُ الحُجَّةَ ولا يَهْتَدِي إلى الحَقِّ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي باطِلَ الحَدِيثِ. وهُوَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ اشْتَرى أحادِيثَ الأعاجِمِ وصَنِيعَهم في دَهْرِهِمْ. وكانَ يَكْتُبُ الكُتُبَ مِنَ الحِيرَةِ إلى الشّامِ ويُكَذِّبُ بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في الآيَةِ قالَ: باطِلُ الحَدِيثِ. وهو الغِناءُ ونَحْوُهُ ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: قِراءَةُ القُرْآنِ وذِكْرُ اللَّهِ، نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةً. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هو الغِناءُ وأشْباهُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: الجَوارِي الضّارِباتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي الصَّهْباءِ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ قالَ: هو واللَّهِ الغِناءُ. ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: هو الغِناءُ واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، يُرَدِّدُها ثَلاثَ مَرّاتٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا تَبِيعُوا القَيْناتِ ولا تَشْتَرُوهُنَّ، ولا خَيْرَ في تِجارَةٍ فِيهِنَّ وثَمَنُهُنَّ حَرامٌ» في مِثْلِ هَذا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ، وفي إسْنادِهِ عُبَيْدُ بْنُ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وفِيهِمْ ضَعْفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ القَيْنَةَ وبَيْعَها وثَمَنَها وتَعْلِيمَها والِاسْتِماعَ إلَيْها»، ثُمَّ قَرَأ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ» ورَوَياهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ما رَفَعَ أحَدٌ صَوْتَهُ بِغِناءٍ إلّا بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ شَيْطانَيْنِ يَجْلِسانِ عَلى مَنكِبَيْهِ يَضْرِبانِ بِأعْقابِهِما عَلى صَدْرِهِ حَتّى يُمْسِكَ» . وفِي البابِ أحادِيثُ في كُلِّ حَدِيثٍ مِنها مَقالٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَشْتَرِي جارِيَةً تُغَنِّي لَيْلًا ونَهارًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾: «إنَّما ذَلِكَ شِراءُ الرَّجُلِ اللَّعِبَ والباطِلَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: كُنْتُ أسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في طَرِيقٍ، «فَسَمِعَ زَمّارَةً فَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، ثُمَّ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ يا نافِعُ أتَسْمَعُ ؟ قُلْتُ لا، فَأخْرَجَ أُصْبُعَيْهِ مِن أُذُنَيْهِ وقالَ: هَكَذا رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَنَعَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما نُهِيتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ فاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغَمَةِ لَهْوٍ ومَزامِيرِ شَيْطانٍ، وصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ: خَمْشِ وُجُوهٍ وشَقِّ جُيُوبٍ ورَنَّةِ شَيْطانٍ» .

لقمان 31:9

وهي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [ لُقْمانَ: ٢٧: ٢٩ ] إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ النَّحّاسُ عَنْهُ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أنَّها مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَسْتَثْنِ، وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ البَراءِ قالَ: «كُنّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الظُّهْرَ نَسْمَعُ مِنهُ الآيَةَ بَعْدَ الآيَةِ مِن سُورَةِ لُقْمانَ والذّارِياتِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الم تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أمْثالِ فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ ومَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ، وبَيانُ مَرْجِعِ الإشارَةِ أيْضًا. و" الحَكِيمُ " إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، أوْ بِمَعْنى فاعِلٍ، أوْ بِمَعْنى ذِي الحِكْمَةِ أوِ الحَكِيمِ قائِلُهُ. و﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تِلْكَ آياتُ الكِتابِ في حالِ الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ " ورَحْمَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هو هُدًى ورَحْمَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَ تِلْكَ، والمُحْسِنُ العامِلُ لِلْحَسَناتِ، أوْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ كَما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الصَّحِيحِ لَمّا سَألَهُجِبْرِيلُ عَنِ الإحْسانِ: فَقالَ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . ثُمَّ بَيَّنَ عَمَلَ المُحْسِنِينَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِ لِلْمُحْسِنِينَ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ، أوْ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ أوِ القَطْعِ، وخَصَّ هَذِهِ العِباداتِ الثَّلاثَ لِأنَّها عُمْدَةُ العِباداتِ. ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَعْنى هُنا: أنَّ أُولَئِكَ المُتَّصِفِينَ بِالإحْسانِ وفِعْلِ تِلْكَ الطّاعاتِ الَّتِي هي أُمَّهاتُ العِباداتِ هم عَلى طَرِيقَةِ الهُدى. وهُمُ الفائِزُونَ بِمَطالِبِهِمُ الظّافِرُونَ بِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ. (p-١١٤٠)﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ مَحَلُّ ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وخَبَرُهُ ﴿مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ ومَن إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، ولَهْوُ الحَدِيثِ كُلُّ ما يُلْهِي عَنِ الخَيْرِ مِنَ الغِناءِ والمَلاهِي والأحادِيثِ المَكْذُوبَةِ، وكُلُّ ما هو مُنْكَرٌ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ. وقِيلَ: المُرادُ شِراءُ القَيْناتِ المُغَنِّياتِ والمُغَنِّينَ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومَن يَشْتَرِي أهْلَ لَهْوِ الحَدِيثِ. قالَ الحَسَنُ: لَهْوُ الحَدِيثِ المَعازِفُ والغِناءُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو الكُفْرُ والشِّرْكُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ أوْلى ما قِيلَ: في هَذا البابِ هو تَفْسِيرُ لَهْوِ الحَدِيثِ بِالغِناءِ، قالَ: وهو قَوْلُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الياءِ مِن " لِيُضِلَّ " أيْ: لِيُضِلَّ غَيْرَهُ عَنْ طَرِيقِ الهُدى ومَنهَجِ الحَقِّ، وإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ في نَفْسِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ ووَرْشٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الياءِ أيْ: لِيَضِلَّ هو في نَفْسِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ، فَمَعْناهُ لِيُضِلَّ غَيْرَهُ، فَإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ هو، ومَن قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ فَمَعْناهُ لِيَصِيرَ أمْرُهُ إلى الضَّلالِ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ يَشْتَرِي لِلضَّلالَةِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ أمْرُهُ إلى ذَلِكَ، فَأفادَ هَذا التَّعْلِيلُ أنَّهُ إنَّما يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ مَنِ اشْتَرى لَهْوَ الحَدِيثِ لِهَذا المَقْصِدِ، ويُؤَيِّدُ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ وسَيَأْتِي. قالَ القُرْطُبِيُّ: قَدْ أجْمَعَ عُلَماءُ الأمْصارِ عَلى كَراهَةِ الغِناءِ والمَنعِ مِنهُ. وإنَّما فارَقَ الجَماعَةَ إبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ العَنْبَرِيُّ. قالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَسْمَعَ غِناءَ جارِيَتِهِ إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنها عَلَيْهِ حَرامٌ لا مِن ظاهِرِها ولا مِن باطِنِها، فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنَ التَّلَذُّذِ بِصَوْتِها ؟ قُلْتُ: قَدْ جَمَعْتُ رِسالَةً مُشْتَمِلَةً عَلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ في الغِناءِ وما اسْتَدَلَّ بِهِ المُحَلِّلُونَ لَهُ والمُحَرِّمُونَ لَهُ، وحَقَّقْتُ هَذا المَقامَ بِما لا يَحْتاجُ مَن نَظَرَ فِيها وتَدَبَّرَ مَعانِيَها إلى النَّظَرِ في غَيْرِها، وسَمَّيْتُها [ إبْطالُ دَعْوى الإجْماعِ، عَلى تَحْرِيمِ مُطْلَقِ السَّماعِ ] فَمَن أحَبَّ تَحْقِيقَ المَقامِ كَما يَنْبَغِي فَلْيَرْجِعْ إلَيْها. ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِ غَيْرَ عالِمٍ بِحالِ ما يَشْتَرِيهِ، أوْ بِحالِ ما يَنْفَعُ مِنَ التِّجارَةِ وما يَضُرُّ، فَلِهَذا اسْتَبْدَلَ بِالخَيْرِ ما هو شَرٌّ مَحْضٌ ﴿ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ يَتَّخِذُها عَطْفًا عَلى يَشْتَرِي فَهو مِن جُمْلَةِ الصِّلَةِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يَتَّخِذُها يَعُودُ إلى الآياتِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ " ويَتَّخِذَها " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى يُضِلَّ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ راجِعٌ إلى السَّبِيلِ، فَتَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن جُمْلَةِ التَّعْلِيلِ لِلتَّحْرِيمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِلْإضْلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واتِّخاذِ السَّبِيلِ هُزُوًا أيْ: مَهْزُوءًا بِهِ، والسَّبِيلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ إلى مَن. والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، والعَذابُ المُهِينُ: هو الشَّدِيدُ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ مَن وقَعَ عَلَيْهِ مَهِينًا. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ أيْ: وإذا تُتْلى آياتُ القُرْآنِ عَلى هَذا المُسْتَهْزِئِ ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْها حالَ كَوْنِهِ مُبالِغًا في التَّكَبُّرِ، وجُمْلَةُ ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَأنَّ ذَلِكَ المُعْرِضَ المُسْتَكْبِرَ لَمْ يَسْمَعْها مَعَ أنَّهُ قَدْ سَمِعَها، ولَكِنْ أشْبَهَتْ حالُهُ حالَ مَن لَمْ يَسْمَعْ، وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَسْمَعُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والوَقْرُ الثِّقْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في إعْراضِ ذَلِكَ المَعْرَضِ ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: أخْبِرْهُ بِأنَّ لَهُ العَذابَ البَلِيغَ في الألَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ مَن يُعْرِضُ عَنِ الآياتِ بَيَّنَ حالَ مَن يُقْبِلُ عَلَيْها، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: آمَنُوا بِاللَّهِ وبِآياتِهِ ولَمْ يُعْرِضُوا عَنْها بَلْ قَبِلُوها وعَمِلُوا بِها ﴿لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ أيْ: نَعِيمُ الجَنّاتِ فَعَكَسَهُ لِلْمُبالَغَةِ، جَعَلَ لَهم جَنّاتِ النَّعِيمِ كَما جَعَلَ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ العَذابَ المُهِينَ. وانْتِصابُ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ عَلى الحالِ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " خالِدُونَ فِيها " عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ هُما مُصْدَرانِ الأوَّلُ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا، والثّانِي مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ، وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْدِيرُهُ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. والمَعْنى: أنَّ وعْدَهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ ولا خُلْفَ فِيهِ ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ غالِبٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ في كُلِّ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - عِزَّتَهُ وحِكْمَتْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ العَمَدُ جَمْعُ عِمادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ، وتَرَوْنَها في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِعَمَدٍ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ ثَمَّ عَمَدٌ، ولَكِنْ لا تُرى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: ولا عَمَدَ البَتَّةَ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ يَقُولُ: الأوْلى أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا أيْ: ولا عَمَدَ ثَمَّ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بِكم، والكُوفِيُّونَ يُقَدِّرُونَهُ لِئَلّا تَمِيدَ، والمَعْنى: أنَّها خُلِقَتْ وجَعَلَها مُسْتَقِرَّةً ثابِتَةً لا تَتَحَرَّكُ بِجِبالٍ جَعَلَها عَلَيْها وأرْساها عَلى ظَهْرِها ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الدَّوابِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى البَثِّ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَطَرًا فَأنْبَتْنا فِيها بِسَبَبِ إنْزالِهِ مِن كُلِّ زَوْجٍ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ، ووَصَفَهُ بِكَوْنِهِ كَرِيمًا لِحُسْنِ لَوْنِهِ وكَثْرَةِ مَنافِعِهِ. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِذَلِكَ النّاسُ، فالكَرِيمُ مِنهم مَن يَصِيرُ إلى الجَنَّةِ، واللَّئِيمُ مَن يَصِيرُ إلى النّارِ. قالَهُ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا إلى ما ذُكِرَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ أيْ: مَخْلُوقُهُ ﴿فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: فَأرُونِي أيَّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِمّا يُحاكِي خَلْقَ اللَّهِ أوْ يُقارِبُهُ، وهَذا الأمْرُ لَهم لِقَصْدِ التَّعْجِيزِ والتَّبْكِيتِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ (p-١١٤١)الظّاهِرِ فَقالَ ﴿بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ﴾ فَقَرَّرَ ظُلْمَهم أوَّلًا وضَلالَهم ثانِيًا، ووَصَفَ ضَلالَهم بِالوُضُوحِ والظُّهُورِ، ومَن كانَ هَكَذا فَلا يَعْقِلُ الحُجَّةَ ولا يَهْتَدِي إلى الحَقِّ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي باطِلَ الحَدِيثِ. وهُوَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ اشْتَرى أحادِيثَ الأعاجِمِ وصَنِيعَهم في دَهْرِهِمْ. وكانَ يَكْتُبُ الكُتُبَ مِنَ الحِيرَةِ إلى الشّامِ ويُكَذِّبُ بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في الآيَةِ قالَ: باطِلُ الحَدِيثِ. وهو الغِناءُ ونَحْوُهُ ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: قِراءَةُ القُرْآنِ وذِكْرُ اللَّهِ، نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةً. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هو الغِناءُ وأشْباهُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: الجَوارِي الضّارِباتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي الصَّهْباءِ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ قالَ: هو واللَّهِ الغِناءُ. ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: هو الغِناءُ واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، يُرَدِّدُها ثَلاثَ مَرّاتٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا تَبِيعُوا القَيْناتِ ولا تَشْتَرُوهُنَّ، ولا خَيْرَ في تِجارَةٍ فِيهِنَّ وثَمَنُهُنَّ حَرامٌ» في مِثْلِ هَذا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ، وفي إسْنادِهِ عُبَيْدُ بْنُ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وفِيهِمْ ضَعْفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ القَيْنَةَ وبَيْعَها وثَمَنَها وتَعْلِيمَها والِاسْتِماعَ إلَيْها»، ثُمَّ قَرَأ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ» ورَوَياهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ما رَفَعَ أحَدٌ صَوْتَهُ بِغِناءٍ إلّا بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ شَيْطانَيْنِ يَجْلِسانِ عَلى مَنكِبَيْهِ يَضْرِبانِ بِأعْقابِهِما عَلى صَدْرِهِ حَتّى يُمْسِكَ» . وفِي البابِ أحادِيثُ في كُلِّ حَدِيثٍ مِنها مَقالٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَشْتَرِي جارِيَةً تُغَنِّي لَيْلًا ونَهارًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾: «إنَّما ذَلِكَ شِراءُ الرَّجُلِ اللَّعِبَ والباطِلَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: كُنْتُ أسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في طَرِيقٍ، «فَسَمِعَ زَمّارَةً فَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، ثُمَّ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ يا نافِعُ أتَسْمَعُ ؟ قُلْتُ لا، فَأخْرَجَ أُصْبُعَيْهِ مِن أُذُنَيْهِ وقالَ: هَكَذا رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَنَعَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما نُهِيتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ فاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغَمَةِ لَهْوٍ ومَزامِيرِ شَيْطانٍ، وصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ: خَمْشِ وُجُوهٍ وشَقِّ جُيُوبٍ ورَنَّةِ شَيْطانٍ» .

لقمان 31:10

وهي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [ لُقْمانَ: ٢٧: ٢٩ ] إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ النَّحّاسُ عَنْهُ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أنَّها مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَسْتَثْنِ، وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ البَراءِ قالَ: «كُنّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الظُّهْرَ نَسْمَعُ مِنهُ الآيَةَ بَعْدَ الآيَةِ مِن سُورَةِ لُقْمانَ والذّارِياتِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الم تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أمْثالِ فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ ومَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ، وبَيانُ مَرْجِعِ الإشارَةِ أيْضًا. و" الحَكِيمُ " إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، أوْ بِمَعْنى فاعِلٍ، أوْ بِمَعْنى ذِي الحِكْمَةِ أوِ الحَكِيمِ قائِلُهُ. و﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تِلْكَ آياتُ الكِتابِ في حالِ الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ " ورَحْمَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هو هُدًى ورَحْمَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَ تِلْكَ، والمُحْسِنُ العامِلُ لِلْحَسَناتِ، أوْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ كَما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الصَّحِيحِ لَمّا سَألَهُجِبْرِيلُ عَنِ الإحْسانِ: فَقالَ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . ثُمَّ بَيَّنَ عَمَلَ المُحْسِنِينَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِ لِلْمُحْسِنِينَ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ، أوْ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ أوِ القَطْعِ، وخَصَّ هَذِهِ العِباداتِ الثَّلاثَ لِأنَّها عُمْدَةُ العِباداتِ. ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَعْنى هُنا: أنَّ أُولَئِكَ المُتَّصِفِينَ بِالإحْسانِ وفِعْلِ تِلْكَ الطّاعاتِ الَّتِي هي أُمَّهاتُ العِباداتِ هم عَلى طَرِيقَةِ الهُدى. وهُمُ الفائِزُونَ بِمَطالِبِهِمُ الظّافِرُونَ بِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ. (p-١١٤٠)﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ مَحَلُّ ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وخَبَرُهُ ﴿مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ ومَن إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، ولَهْوُ الحَدِيثِ كُلُّ ما يُلْهِي عَنِ الخَيْرِ مِنَ الغِناءِ والمَلاهِي والأحادِيثِ المَكْذُوبَةِ، وكُلُّ ما هو مُنْكَرٌ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ. وقِيلَ: المُرادُ شِراءُ القَيْناتِ المُغَنِّياتِ والمُغَنِّينَ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومَن يَشْتَرِي أهْلَ لَهْوِ الحَدِيثِ. قالَ الحَسَنُ: لَهْوُ الحَدِيثِ المَعازِفُ والغِناءُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو الكُفْرُ والشِّرْكُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ أوْلى ما قِيلَ: في هَذا البابِ هو تَفْسِيرُ لَهْوِ الحَدِيثِ بِالغِناءِ، قالَ: وهو قَوْلُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الياءِ مِن " لِيُضِلَّ " أيْ: لِيُضِلَّ غَيْرَهُ عَنْ طَرِيقِ الهُدى ومَنهَجِ الحَقِّ، وإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ في نَفْسِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ ووَرْشٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الياءِ أيْ: لِيَضِلَّ هو في نَفْسِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ، فَمَعْناهُ لِيُضِلَّ غَيْرَهُ، فَإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ هو، ومَن قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ فَمَعْناهُ لِيَصِيرَ أمْرُهُ إلى الضَّلالِ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ يَشْتَرِي لِلضَّلالَةِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ أمْرُهُ إلى ذَلِكَ، فَأفادَ هَذا التَّعْلِيلُ أنَّهُ إنَّما يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ مَنِ اشْتَرى لَهْوَ الحَدِيثِ لِهَذا المَقْصِدِ، ويُؤَيِّدُ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ وسَيَأْتِي. قالَ القُرْطُبِيُّ: قَدْ أجْمَعَ عُلَماءُ الأمْصارِ عَلى كَراهَةِ الغِناءِ والمَنعِ مِنهُ. وإنَّما فارَقَ الجَماعَةَ إبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ العَنْبَرِيُّ. قالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَسْمَعَ غِناءَ جارِيَتِهِ إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنها عَلَيْهِ حَرامٌ لا مِن ظاهِرِها ولا مِن باطِنِها، فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنَ التَّلَذُّذِ بِصَوْتِها ؟ قُلْتُ: قَدْ جَمَعْتُ رِسالَةً مُشْتَمِلَةً عَلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ في الغِناءِ وما اسْتَدَلَّ بِهِ المُحَلِّلُونَ لَهُ والمُحَرِّمُونَ لَهُ، وحَقَّقْتُ هَذا المَقامَ بِما لا يَحْتاجُ مَن نَظَرَ فِيها وتَدَبَّرَ مَعانِيَها إلى النَّظَرِ في غَيْرِها، وسَمَّيْتُها [ إبْطالُ دَعْوى الإجْماعِ، عَلى تَحْرِيمِ مُطْلَقِ السَّماعِ ] فَمَن أحَبَّ تَحْقِيقَ المَقامِ كَما يَنْبَغِي فَلْيَرْجِعْ إلَيْها. ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِ غَيْرَ عالِمٍ بِحالِ ما يَشْتَرِيهِ، أوْ بِحالِ ما يَنْفَعُ مِنَ التِّجارَةِ وما يَضُرُّ، فَلِهَذا اسْتَبْدَلَ بِالخَيْرِ ما هو شَرٌّ مَحْضٌ ﴿ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ يَتَّخِذُها عَطْفًا عَلى يَشْتَرِي فَهو مِن جُمْلَةِ الصِّلَةِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يَتَّخِذُها يَعُودُ إلى الآياتِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ " ويَتَّخِذَها " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى يُضِلَّ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ راجِعٌ إلى السَّبِيلِ، فَتَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن جُمْلَةِ التَّعْلِيلِ لِلتَّحْرِيمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِلْإضْلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واتِّخاذِ السَّبِيلِ هُزُوًا أيْ: مَهْزُوءًا بِهِ، والسَّبِيلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ إلى مَن. والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، والعَذابُ المُهِينُ: هو الشَّدِيدُ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ مَن وقَعَ عَلَيْهِ مَهِينًا. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ أيْ: وإذا تُتْلى آياتُ القُرْآنِ عَلى هَذا المُسْتَهْزِئِ ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْها حالَ كَوْنِهِ مُبالِغًا في التَّكَبُّرِ، وجُمْلَةُ ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَأنَّ ذَلِكَ المُعْرِضَ المُسْتَكْبِرَ لَمْ يَسْمَعْها مَعَ أنَّهُ قَدْ سَمِعَها، ولَكِنْ أشْبَهَتْ حالُهُ حالَ مَن لَمْ يَسْمَعْ، وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَسْمَعُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والوَقْرُ الثِّقْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في إعْراضِ ذَلِكَ المَعْرَضِ ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: أخْبِرْهُ بِأنَّ لَهُ العَذابَ البَلِيغَ في الألَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ مَن يُعْرِضُ عَنِ الآياتِ بَيَّنَ حالَ مَن يُقْبِلُ عَلَيْها، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: آمَنُوا بِاللَّهِ وبِآياتِهِ ولَمْ يُعْرِضُوا عَنْها بَلْ قَبِلُوها وعَمِلُوا بِها ﴿لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ أيْ: نَعِيمُ الجَنّاتِ فَعَكَسَهُ لِلْمُبالَغَةِ، جَعَلَ لَهم جَنّاتِ النَّعِيمِ كَما جَعَلَ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ العَذابَ المُهِينَ. وانْتِصابُ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ عَلى الحالِ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " خالِدُونَ فِيها " عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ هُما مُصْدَرانِ الأوَّلُ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا، والثّانِي مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ، وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْدِيرُهُ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. والمَعْنى: أنَّ وعْدَهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ ولا خُلْفَ فِيهِ ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ غالِبٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ في كُلِّ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - عِزَّتَهُ وحِكْمَتْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ العَمَدُ جَمْعُ عِمادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ، وتَرَوْنَها في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِعَمَدٍ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ ثَمَّ عَمَدٌ، ولَكِنْ لا تُرى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: ولا عَمَدَ البَتَّةَ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ يَقُولُ: الأوْلى أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا أيْ: ولا عَمَدَ ثَمَّ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بِكم، والكُوفِيُّونَ يُقَدِّرُونَهُ لِئَلّا تَمِيدَ، والمَعْنى: أنَّها خُلِقَتْ وجَعَلَها مُسْتَقِرَّةً ثابِتَةً لا تَتَحَرَّكُ بِجِبالٍ جَعَلَها عَلَيْها وأرْساها عَلى ظَهْرِها ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الدَّوابِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى البَثِّ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَطَرًا فَأنْبَتْنا فِيها بِسَبَبِ إنْزالِهِ مِن كُلِّ زَوْجٍ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ، ووَصَفَهُ بِكَوْنِهِ كَرِيمًا لِحُسْنِ لَوْنِهِ وكَثْرَةِ مَنافِعِهِ. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِذَلِكَ النّاسُ، فالكَرِيمُ مِنهم مَن يَصِيرُ إلى الجَنَّةِ، واللَّئِيمُ مَن يَصِيرُ إلى النّارِ. قالَهُ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا إلى ما ذُكِرَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ أيْ: مَخْلُوقُهُ ﴿فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: فَأرُونِي أيَّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِمّا يُحاكِي خَلْقَ اللَّهِ أوْ يُقارِبُهُ، وهَذا الأمْرُ لَهم لِقَصْدِ التَّعْجِيزِ والتَّبْكِيتِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ (p-١١٤١)الظّاهِرِ فَقالَ ﴿بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ﴾ فَقَرَّرَ ظُلْمَهم أوَّلًا وضَلالَهم ثانِيًا، ووَصَفَ ضَلالَهم بِالوُضُوحِ والظُّهُورِ، ومَن كانَ هَكَذا فَلا يَعْقِلُ الحُجَّةَ ولا يَهْتَدِي إلى الحَقِّ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي باطِلَ الحَدِيثِ. وهُوَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ اشْتَرى أحادِيثَ الأعاجِمِ وصَنِيعَهم في دَهْرِهِمْ. وكانَ يَكْتُبُ الكُتُبَ مِنَ الحِيرَةِ إلى الشّامِ ويُكَذِّبُ بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في الآيَةِ قالَ: باطِلُ الحَدِيثِ. وهو الغِناءُ ونَحْوُهُ ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: قِراءَةُ القُرْآنِ وذِكْرُ اللَّهِ، نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةً. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هو الغِناءُ وأشْباهُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: الجَوارِي الضّارِباتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي الصَّهْباءِ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ قالَ: هو واللَّهِ الغِناءُ. ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: هو الغِناءُ واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، يُرَدِّدُها ثَلاثَ مَرّاتٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا تَبِيعُوا القَيْناتِ ولا تَشْتَرُوهُنَّ، ولا خَيْرَ في تِجارَةٍ فِيهِنَّ وثَمَنُهُنَّ حَرامٌ» في مِثْلِ هَذا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ، وفي إسْنادِهِ عُبَيْدُ بْنُ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وفِيهِمْ ضَعْفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ القَيْنَةَ وبَيْعَها وثَمَنَها وتَعْلِيمَها والِاسْتِماعَ إلَيْها»، ثُمَّ قَرَأ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ» ورَوَياهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ما رَفَعَ أحَدٌ صَوْتَهُ بِغِناءٍ إلّا بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ شَيْطانَيْنِ يَجْلِسانِ عَلى مَنكِبَيْهِ يَضْرِبانِ بِأعْقابِهِما عَلى صَدْرِهِ حَتّى يُمْسِكَ» . وفِي البابِ أحادِيثُ في كُلِّ حَدِيثٍ مِنها مَقالٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَشْتَرِي جارِيَةً تُغَنِّي لَيْلًا ونَهارًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾: «إنَّما ذَلِكَ شِراءُ الرَّجُلِ اللَّعِبَ والباطِلَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: كُنْتُ أسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في طَرِيقٍ، «فَسَمِعَ زَمّارَةً فَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، ثُمَّ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ يا نافِعُ أتَسْمَعُ ؟ قُلْتُ لا، فَأخْرَجَ أُصْبُعَيْهِ مِن أُذُنَيْهِ وقالَ: هَكَذا رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَنَعَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما نُهِيتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ فاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغَمَةِ لَهْوٍ ومَزامِيرِ شَيْطانٍ، وصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ: خَمْشِ وُجُوهٍ وشَقِّ جُيُوبٍ ورَنَّةِ شَيْطانٍ» .

لقمان 31:11

وهي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [ لُقْمانَ: ٢٧: ٢٩ ] إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ النَّحّاسُ عَنْهُ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أنَّها مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَسْتَثْنِ، وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ البَراءِ قالَ: «كُنّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الظُّهْرَ نَسْمَعُ مِنهُ الآيَةَ بَعْدَ الآيَةِ مِن سُورَةِ لُقْمانَ والذّارِياتِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الم تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أمْثالِ فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ ومَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ، وبَيانُ مَرْجِعِ الإشارَةِ أيْضًا. و" الحَكِيمُ " إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، أوْ بِمَعْنى فاعِلٍ، أوْ بِمَعْنى ذِي الحِكْمَةِ أوِ الحَكِيمِ قائِلُهُ. و﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تِلْكَ آياتُ الكِتابِ في حالِ الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ " ورَحْمَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هو هُدًى ورَحْمَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَ تِلْكَ، والمُحْسِنُ العامِلُ لِلْحَسَناتِ، أوْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ كَما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الصَّحِيحِ لَمّا سَألَهُجِبْرِيلُ عَنِ الإحْسانِ: فَقالَ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . ثُمَّ بَيَّنَ عَمَلَ المُحْسِنِينَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِ لِلْمُحْسِنِينَ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ، أوْ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ أوِ القَطْعِ، وخَصَّ هَذِهِ العِباداتِ الثَّلاثَ لِأنَّها عُمْدَةُ العِباداتِ. ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَعْنى هُنا: أنَّ أُولَئِكَ المُتَّصِفِينَ بِالإحْسانِ وفِعْلِ تِلْكَ الطّاعاتِ الَّتِي هي أُمَّهاتُ العِباداتِ هم عَلى طَرِيقَةِ الهُدى. وهُمُ الفائِزُونَ بِمَطالِبِهِمُ الظّافِرُونَ بِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ. (p-١١٤٠)﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ مَحَلُّ ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وخَبَرُهُ ﴿مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ ومَن إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، ولَهْوُ الحَدِيثِ كُلُّ ما يُلْهِي عَنِ الخَيْرِ مِنَ الغِناءِ والمَلاهِي والأحادِيثِ المَكْذُوبَةِ، وكُلُّ ما هو مُنْكَرٌ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ. وقِيلَ: المُرادُ شِراءُ القَيْناتِ المُغَنِّياتِ والمُغَنِّينَ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومَن يَشْتَرِي أهْلَ لَهْوِ الحَدِيثِ. قالَ الحَسَنُ: لَهْوُ الحَدِيثِ المَعازِفُ والغِناءُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو الكُفْرُ والشِّرْكُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ أوْلى ما قِيلَ: في هَذا البابِ هو تَفْسِيرُ لَهْوِ الحَدِيثِ بِالغِناءِ، قالَ: وهو قَوْلُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الياءِ مِن " لِيُضِلَّ " أيْ: لِيُضِلَّ غَيْرَهُ عَنْ طَرِيقِ الهُدى ومَنهَجِ الحَقِّ، وإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ في نَفْسِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ ووَرْشٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الياءِ أيْ: لِيَضِلَّ هو في نَفْسِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ، فَمَعْناهُ لِيُضِلَّ غَيْرَهُ، فَإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ هو، ومَن قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ فَمَعْناهُ لِيَصِيرَ أمْرُهُ إلى الضَّلالِ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ يَشْتَرِي لِلضَّلالَةِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ أمْرُهُ إلى ذَلِكَ، فَأفادَ هَذا التَّعْلِيلُ أنَّهُ إنَّما يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ مَنِ اشْتَرى لَهْوَ الحَدِيثِ لِهَذا المَقْصِدِ، ويُؤَيِّدُ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ وسَيَأْتِي. قالَ القُرْطُبِيُّ: قَدْ أجْمَعَ عُلَماءُ الأمْصارِ عَلى كَراهَةِ الغِناءِ والمَنعِ مِنهُ. وإنَّما فارَقَ الجَماعَةَ إبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ العَنْبَرِيُّ. قالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَسْمَعَ غِناءَ جارِيَتِهِ إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنها عَلَيْهِ حَرامٌ لا مِن ظاهِرِها ولا مِن باطِنِها، فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنَ التَّلَذُّذِ بِصَوْتِها ؟ قُلْتُ: قَدْ جَمَعْتُ رِسالَةً مُشْتَمِلَةً عَلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ في الغِناءِ وما اسْتَدَلَّ بِهِ المُحَلِّلُونَ لَهُ والمُحَرِّمُونَ لَهُ، وحَقَّقْتُ هَذا المَقامَ بِما لا يَحْتاجُ مَن نَظَرَ فِيها وتَدَبَّرَ مَعانِيَها إلى النَّظَرِ في غَيْرِها، وسَمَّيْتُها [ إبْطالُ دَعْوى الإجْماعِ، عَلى تَحْرِيمِ مُطْلَقِ السَّماعِ ] فَمَن أحَبَّ تَحْقِيقَ المَقامِ كَما يَنْبَغِي فَلْيَرْجِعْ إلَيْها. ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِ غَيْرَ عالِمٍ بِحالِ ما يَشْتَرِيهِ، أوْ بِحالِ ما يَنْفَعُ مِنَ التِّجارَةِ وما يَضُرُّ، فَلِهَذا اسْتَبْدَلَ بِالخَيْرِ ما هو شَرٌّ مَحْضٌ ﴿ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ يَتَّخِذُها عَطْفًا عَلى يَشْتَرِي فَهو مِن جُمْلَةِ الصِّلَةِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يَتَّخِذُها يَعُودُ إلى الآياتِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ " ويَتَّخِذَها " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى يُضِلَّ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ راجِعٌ إلى السَّبِيلِ، فَتَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن جُمْلَةِ التَّعْلِيلِ لِلتَّحْرِيمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِلْإضْلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واتِّخاذِ السَّبِيلِ هُزُوًا أيْ: مَهْزُوءًا بِهِ، والسَّبِيلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ إلى مَن. والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، والعَذابُ المُهِينُ: هو الشَّدِيدُ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ مَن وقَعَ عَلَيْهِ مَهِينًا. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ أيْ: وإذا تُتْلى آياتُ القُرْآنِ عَلى هَذا المُسْتَهْزِئِ ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْها حالَ كَوْنِهِ مُبالِغًا في التَّكَبُّرِ، وجُمْلَةُ ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَأنَّ ذَلِكَ المُعْرِضَ المُسْتَكْبِرَ لَمْ يَسْمَعْها مَعَ أنَّهُ قَدْ سَمِعَها، ولَكِنْ أشْبَهَتْ حالُهُ حالَ مَن لَمْ يَسْمَعْ، وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَسْمَعُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والوَقْرُ الثِّقْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في إعْراضِ ذَلِكَ المَعْرَضِ ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: أخْبِرْهُ بِأنَّ لَهُ العَذابَ البَلِيغَ في الألَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ مَن يُعْرِضُ عَنِ الآياتِ بَيَّنَ حالَ مَن يُقْبِلُ عَلَيْها، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: آمَنُوا بِاللَّهِ وبِآياتِهِ ولَمْ يُعْرِضُوا عَنْها بَلْ قَبِلُوها وعَمِلُوا بِها ﴿لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ أيْ: نَعِيمُ الجَنّاتِ فَعَكَسَهُ لِلْمُبالَغَةِ، جَعَلَ لَهم جَنّاتِ النَّعِيمِ كَما جَعَلَ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ العَذابَ المُهِينَ. وانْتِصابُ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ عَلى الحالِ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " خالِدُونَ فِيها " عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ هُما مُصْدَرانِ الأوَّلُ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا، والثّانِي مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ، وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْدِيرُهُ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. والمَعْنى: أنَّ وعْدَهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ ولا خُلْفَ فِيهِ ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ غالِبٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ في كُلِّ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - عِزَّتَهُ وحِكْمَتْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ العَمَدُ جَمْعُ عِمادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ، وتَرَوْنَها في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِعَمَدٍ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ ثَمَّ عَمَدٌ، ولَكِنْ لا تُرى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: ولا عَمَدَ البَتَّةَ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ يَقُولُ: الأوْلى أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا أيْ: ولا عَمَدَ ثَمَّ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بِكم، والكُوفِيُّونَ يُقَدِّرُونَهُ لِئَلّا تَمِيدَ، والمَعْنى: أنَّها خُلِقَتْ وجَعَلَها مُسْتَقِرَّةً ثابِتَةً لا تَتَحَرَّكُ بِجِبالٍ جَعَلَها عَلَيْها وأرْساها عَلى ظَهْرِها ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الدَّوابِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى البَثِّ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَطَرًا فَأنْبَتْنا فِيها بِسَبَبِ إنْزالِهِ مِن كُلِّ زَوْجٍ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ، ووَصَفَهُ بِكَوْنِهِ كَرِيمًا لِحُسْنِ لَوْنِهِ وكَثْرَةِ مَنافِعِهِ. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِذَلِكَ النّاسُ، فالكَرِيمُ مِنهم مَن يَصِيرُ إلى الجَنَّةِ، واللَّئِيمُ مَن يَصِيرُ إلى النّارِ. قالَهُ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا إلى ما ذُكِرَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ أيْ: مَخْلُوقُهُ ﴿فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: فَأرُونِي أيَّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِمّا يُحاكِي خَلْقَ اللَّهِ أوْ يُقارِبُهُ، وهَذا الأمْرُ لَهم لِقَصْدِ التَّعْجِيزِ والتَّبْكِيتِ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ (p-١١٤١)الظّاهِرِ فَقالَ ﴿بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ﴾ فَقَرَّرَ ظُلْمَهم أوَّلًا وضَلالَهم ثانِيًا، ووَصَفَ ضَلالَهم بِالوُضُوحِ والظُّهُورِ، ومَن كانَ هَكَذا فَلا يَعْقِلُ الحُجَّةَ ولا يَهْتَدِي إلى الحَقِّ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي باطِلَ الحَدِيثِ. وهُوَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ اشْتَرى أحادِيثَ الأعاجِمِ وصَنِيعَهم في دَهْرِهِمْ. وكانَ يَكْتُبُ الكُتُبَ مِنَ الحِيرَةِ إلى الشّامِ ويُكَذِّبُ بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في الآيَةِ قالَ: باطِلُ الحَدِيثِ. وهو الغِناءُ ونَحْوُهُ ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: قِراءَةُ القُرْآنِ وذِكْرُ اللَّهِ، نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةً. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هو الغِناءُ وأشْباهُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: الجَوارِي الضّارِباتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي الصَّهْباءِ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ قالَ: هو واللَّهِ الغِناءُ. ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: هو الغِناءُ واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، يُرَدِّدُها ثَلاثَ مَرّاتٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا تَبِيعُوا القَيْناتِ ولا تَشْتَرُوهُنَّ، ولا خَيْرَ في تِجارَةٍ فِيهِنَّ وثَمَنُهُنَّ حَرامٌ» في مِثْلِ هَذا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ، وفي إسْنادِهِ عُبَيْدُ بْنُ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وفِيهِمْ ضَعْفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ القَيْنَةَ وبَيْعَها وثَمَنَها وتَعْلِيمَها والِاسْتِماعَ إلَيْها»، ثُمَّ قَرَأ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ» ورَوَياهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ما رَفَعَ أحَدٌ صَوْتَهُ بِغِناءٍ إلّا بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ شَيْطانَيْنِ يَجْلِسانِ عَلى مَنكِبَيْهِ يَضْرِبانِ بِأعْقابِهِما عَلى صَدْرِهِ حَتّى يُمْسِكَ» . وفِي البابِ أحادِيثُ في كُلِّ حَدِيثٍ مِنها مَقالٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَشْتَرِي جارِيَةً تُغَنِّي لَيْلًا ونَهارًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾: «إنَّما ذَلِكَ شِراءُ الرَّجُلِ اللَّعِبَ والباطِلَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: كُنْتُ أسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في طَرِيقٍ، «فَسَمِعَ زَمّارَةً فَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، ثُمَّ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ يا نافِعُ أتَسْمَعُ ؟ قُلْتُ لا، فَأخْرَجَ أُصْبُعَيْهِ مِن أُذُنَيْهِ وقالَ: هَكَذا رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَنَعَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما نُهِيتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ فاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغَمَةِ لَهْوٍ ومَزامِيرِ شَيْطانٍ، وصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ: خَمْشِ وُجُوهٍ وشَقِّ جُيُوبٍ ورَنَّةِ شَيْطانٍ» .

لقمان 31:12

اخْتُلِفَ في لُقْمانَ هَلْ هو عَجَمِيٌّ أمْ عَرَبِيٌّ ؟ مُشْتَقٌّ مِنَ اللُّقَمِ، فَمَن قالَ إنَّهُ عَجَمِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ، ومَن قالَ إنَّهُ عَرَبِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ ولِزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا هو نَبِيٌّ أمْ رَجُلٌ صالِحٌ ؟ فَذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ. وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ والشَّعْبِيِّ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، والأوَّلُ أرْجَحُ لِما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ. وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ إلّا عِكْرِمَةُ فَقَطْ، مَعَ أنَّ الرّاوِيَ لِذَلِكَ عَنْهُ جابِرٌ الجُعْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا وهو لُقْمانُ بْنُ باعُورا بْنِ ناحُورَ بْنِ تارِخْ، وهو آزَرُ أبُو إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو لُقْمانُ بْنُ عَنْقا بْنِ مَرْوانَ، وكانَ نُوبِيًّا مِن أهْلِ أيْلَةَ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ. قالَ وهْبٌ: هو ابْنُ أُخْتِ أيُّوبَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ابْنُ خالَتِهِ، عاشَ ألْفَ سَنَةٍ وأخَذَ عَنْهُ العِلْمَ، وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِ داوُدَ، فَلَمّا بُعِثَ داوُدُ قَطَعَ الفَتْوى، فَقِيلَ لَهُ ؟ فَقالَ ألا أكْتَفِي إذْ كُفِيتُ. قالَ الواقِدِيُّ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، والحِكْمَةُ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ هي الفِقْهُ والعَقْلُ والإصابَةُ في القَوْلِ وفَسَّرَ الحِكْمَةَ مَن قالَ بِنُبُوَّتِهِ بِالنُّبُوَّةِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، لِأنَّ في إيتاءِ الحِكْمَةِ مَعْنى القَوْلِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ قُلْنا لَهُ أنِ اشْكُرْ لِي. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ؛ لِأنِ اشْكُرْ لِي. وقِيلَ: بِأنِ اشْكُرْ لِي فَشَكَرَ فَكانَ حَكِيمًا بِشُكْرِهِ والشُّكْرُ لِلَّهِ الثَّناءُ عَلَيْهِ في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ وطاعَتِهِ فِيما أُمِرَ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ الشُّكْرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ إلّا الشّاكِرُ، فَقالَ: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ، وفائِدَتَهُ حاصِلَةٌ لَهُ، إذْ بِهِ تُسْتَبْقى النِّعْمَةُ وبِسَبَبِهِ يُسْتَجْلَبُ المَزِيدُ لَها مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - (p-١١٤٢)﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: مَن جَعَلَ كُفْرَ النِّعَمِ مَكانَ شُكْرِها، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ حَمِيدٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ مِن خَلْقِهِ لِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ الَّتِي لا يُحاطُ بِقَدْرِها ولا يُحْصَرُ عَدَدُها وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ مِن خَلْقِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ ناطِقٌ بِحَمْدِهِ بِلِسانِ الحالِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ حَمِيدٌ في فِعْلِهِ. ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ﴾ قالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُ ابْنِهِ ثارانَ في قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ والقُتَيْبِيِّ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِشْكَمُ. وقالَ النَّقاشُ: أنْعَمُ. وقِيلَ: ماتانَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: كانَ ابْنُهُ وامْرَأتُهُ كافِرَيْنِ فَما زالَ يَعِظُهُما حَتّى أسْلَما، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ حِينَ جَعَلْناهُ شاكِرًا في نَفْسِهِ، وحِينَ جَعَلْناهُ واعِظًا لِغَيْرِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: إذْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِآتَيْنا. والمَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ إذْ قالَ. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُهُ غَلَطًا لِأنَّ في الكَلامِ واوًا وهي تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿وهُوَ يَعِظُهُ﴾ يُخاطِبُهُ بِالمَواعِظِ الَّتِي تُرَغِّبُهُ في التَّوْحِيدِ وتَصُدُّهُ عَنِ الشِّرْكِ ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإسْكانِها. وقَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِها، ونَهْيُهُ عَنِ الشِّرْكِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ كافِرًا كَما تَقَدَّمَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وبَدَأ في وعْظِهِ بِنَهْيِهِ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ مِن غَيْرِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَقِيلَ: هي مِن كَلامِ لُقْمانَ، وقِيلَ: هي مِن كَلامِ اللَّهِ، فَتَكُونُ مُنْقَطِعَةً عَمّا قَبْلَها، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فَطابَتْ أنْفُسُهم. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ هَذِهِ الوَصِيَّةُ بِالوالِدَيْنِ وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامِ لُقْمانَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وتَفْسِيرُ التَّوْصِيَةِ هي قَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ وفي جَعْلِ الشُّكْرِ لَهُما مُقْتَرِنًا بِالشُّكْرِ لِلَّهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ حَقَّهُما مِن أعْظَمِ الحُقُوقِ عَلى الوَلَدِ وأكْبَرِها وأشَدِّها وُجُوبًا ومَعْنى ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ أنَّها حَمَلَتْهُ في بَطْنِها وهي تَزْدادُ كُلِّ يَوْمٍ ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ المَرْأةَ ضَعِيفَةُ الخِلْقَةِ، ثُمَّ يُضْعِفُها الحَمْلُ، وانْتِصابُ وهْنًا عَلى المَصْدَرِ. وقالَ النَّحّاسُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ بِإسْقاطِ الحَرْفِ أيْ: حَمَلَتْهُ بِضَعْفٍ عَلى ضَعْفٍ وقالَ الزَّجّاجُ المَعْنى لَزِمَها بِحَمْلِها إيّاهُ أنْ تَضْعُفَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن أُمِّهِ و﴿عَلى وهْنٍ﴾ صِفَةٌ لِوَهْنًا أيْ: وهْنًا كائِنًا عَلى وهْنٍ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِهِما وهُما لُغَتانِ. قالَ قَعْنَبٌ: ؎هَلْ لِلْعَواذِلِ مِن ناهٍ فَيَزْجُرُها إنَّ العَواذِلَ فِيها الأيْنُ والوَهْنُ ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ الفِصالُ الفِطامُ، وهو أنْ يُفْصَلَ الوَلَدُ عَنِ الأُمِّ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ ويَعْقُوبُ " وفَصْلُهُ " وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: انْفَصَلَ عَنْ كَذا أيْ: تَمَيَّزَ، وبِهِ سُمِّيَ الفَصِيلُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ " أنْ " في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ هي المُفَسِّرَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: بِأنِ اشْكُرْ لِي. قالَ النَّحّاسُ: وأجْوَدُ مِنهُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، وجُمْلَةُ ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ امْتِثالِ الأمْرِ أيِ: الرُّجُوعِ إلَيَّ لا إلى غَيْرِي. ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: ما لا عِلْمَ لَكَ بِشَرِكَتِهِ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الآيَةِ وسَبَبَ نُزُولِها في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْتِصابُ ﴿مَعْرُوفًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وصاحِبْهُما صِحابًا مَعْرُوفًا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والتَّقْدِيرُ بِمَعْرُوفٍ ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ أيِ: اتَّبِعْ سَبِيلَ مَن رَجَعَ إلَيَّ مِن عِبادِي الصّالِحِينَ بِالتَّوْبَةِ والإخْلاصِ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ جَمِيعًا لا إلى غَيْرِي ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُكم عِنْدَ رُجُوعِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَأُجازِيَ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا السِّياقَ مِن قَوْلِهِ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ إلى هُنا مِن كَلامِ لُقْمانَ فَلا يَكُونُ اعْتِراضًا وفِيهِ بُعْدٌ. ثُمَّ شَرَعَ - سُبْحانَهُ - في حِكايَةِ بَقِيَّةِ كَلامِ لُقْمانَ في وعْظِهِ لِابْنِهِ فَقالَ: ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ الضَّمِيرُ في إنَّها عائِدٌ إلى الخَطِيئَةِ لِما رُوِيَ أنَّ ابْنَ لُقْمانَ قالَ لِأبِيهِ: يا أبَتِ إنْ عَمِلْتُ الخَطِيئَةَ حَيْثُ لا يَرانِي أحَدٌ هَلْ يَعْلَمُها اللَّهُ ؟ فَقالَ إنَّها أيِ: الخَطِيئَةُ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُفَسِّرَةٌ لِلضَّمِيرِ أيْ: إنَّ الخَطِيئَةَ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ إنَّ الَّتِي سَألْتَنِي عَنْها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ، وعَبَّرَ بِالخَرْدَلَةِ أنَّها أصْغَرُ الحُبُوبِ ولا يُدْرَكُ بِالحِسِّ ثِقْلُها ولا تُرَجِّحُ مِيزانًا. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في " إنَّها " راجِعٌ إلى الخَصْلَةِ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ أيْ: إنَّ الخَصْلَةَ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ إلَخْ، ثُمَّ زادَ في بَيانِ خَفاءِ الحَبَّةِ مَعَ خِفَّتِها فَقالَ: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ﴾ فَإنَّ كَوْنَها في الصَّخْرَةِ قَدْ صارَتْ في أخْفى مَكانٍ وأحْرَزِهِ ﴿أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ: أوْ حَيْثُ كانَتْ مِن بِقاعِ السَّماواتِ أوْ مِن بِقاعِ الأرْضِ ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ: يُحْضِرُها ويُحاسِبُ فاعِلَها عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، بَلْ يَصِلُ عِلْمُهُ إلى كُلِّ خَفِيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ " إنْ تَكُ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى مَعْنى إنْ تَكُ الخَطِيئَةُ أوِ المَسْألَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ القِصَّةُ. وقَرَءُوا " مِثْقالَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها هو أحَدُ تِلْكَ المُقَدَّراتِ. وقَرَأ نافِعٌ بِرَفْعِ " مِثْقالَ " عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وهي تامَّةٌ. وأنَّثَ الفِعْلَ في هَذِهِ القِراءَةِ لِإضافَةِ مِثْقالٍ إلى المُؤَنَّثِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَكُنْ " بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِها وتَشْدِيدِ النُّونِ: مِنَ الكَنِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ المُغَطّى. قالَ السُّدِّيُّ: هَذِهِ الصَّخْرَةُ هي صَخْرَةٌ لَيْسَتْ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ لُقْمانَ أنَّهُ أمَرَ ابْنَهُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ (p-١١٤٣)المُنْكَرِ والصَّبْرِ عَلى المُصِيبَةِ. ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الطّاعاتِ أنَّها أُمَّهاتُ العِباداتِ وعِمادُ الخَيْرِ كُلَّهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى الطّاعاتِ المَذْكُورَةِ. وخَبَرُ إنَّ: قَوْلُهُ: ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ عَزِيمَةً، وأوْجَبَهُ عَلى عِبادِهِ. وقِيلَ المَعْنى مِن حَقِّ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، والعَزْمُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَعْزُومِ: أيْ: مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ أوْ بِمَعْنى العازِمِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [محمد: ٢١] قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ العَيْنَ تُبْدَلُ حاءً، فَيُقالُ: عَزْمٌ وحَزْمٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّ ذَلِكَ مِن مَكارِمِ أهْلِ الأخْلاقِ وعَزائِمِ أهْلِ الحَزْمِ السّالِكِينَ طَرِيقَ النَّجاةِ، وصَوَّبَ هَذا القُرْطُبِيُّ. " ولا تُصاعِرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ " قَرَأ الجُمْهُورُ " تُصَعِّرْ " وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٍ " تُصاعِرْ " والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والصَّعَرُ المَيْلُ، يُقالُ: صَعَّرَ خَدَّهُ وصاعَرَ خَدَّهُ: إذا أمالَ وجْهَهُ وأعْرَضَ تَكَبُّرًا. والمَعْنى: لا تُعْرِضْ عَنِ النّاسِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ مَشَيْنا إلَيْهِ بِالسُّيُوفِ نُعاتِبُهْ ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذا: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما قالَ الهَرَوِيُّ " ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ " أيْ: لا تُعْرِضْ عَنْهم تَكَبُّرًا، يُقالُ: أصابَ البَعِيرَ صَعَرٌ: إذا أصابَهُ داءٌ يَلْوِي عُنُقَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: ولا تَلْوِ شِدْقَكَ إذا ذُكِرَ الرَّجُلُ عِنْدَكَ كَأنَّكَ تَحْتَقِرُهُ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِندادَ: كَأنَّهُ نَهى أنْ يُذِلَّ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، ولَعَلَّهُ فَهِمَ مِنَ التَّصْعِيرِ التَّذَلُّلَ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ: خُيَلاءَ وفَرِحًا، والمَعْنى النَّهْيُ عَنِ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ، والمُخْتالُ يَمْرَحُ في مَشْيِهِ، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ؛ لِأنَّ الِاخْتِيالَ هو المَرَحُ، والفَخُورُ هو الَّذِي يَفْتَخِرُ عَلى النّاسِ بِما لَهُ مِنَ المالِ أوِ الشَّرَفِ أوِ القُوَّةِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ولَيْسَ مِنهُ التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] . ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ أيْ: تَوَسَّطْ فِيهِ، والقَصْدُ ما بَيْنَ الإسْراعِ والبُطْءِ، يُقالُ: قَصَدَ فُلانٌ في مِشْيَتِهِ: إذا مَشى مُسْتَوِيًا لا يَدِبُّ دَبِيبَ المُتَماوِتِينَ ولا يَثِبُ وُثُوبَ الشَّياطِينِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ إذا مَشى أسْرَعَ»، فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ القَصْدُ هُنا عَلى ما جاوَزَ الحَدَّ في السُّرْعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلَّ في مِشْيَتِكَ. وقالَ عَطاءٌ: امْشِ بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] . ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أيِ: انْقُصْ مِنهُ واخْفِضْهُ ولا تَتَكَلَّفْ رَفْعَهُ، فَإنَّ الجَهْرَ بِأكْثَرَ مِنَ الحاجَةِ يُؤْذِي السّامِعَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ أيْ: أوْحَشُها وأقْبَحُها. قالَ قَتادَةُ: أقْبَحُ الأصْواتِ صَوْتُ الحَمِيرِ أوَّلُهُ زَفِيرٌ وآخِرُهُ شَهِيقٌ. قالَ المُبَرِّدُ: تَأْوِيلُهُ إنَّ الجَهْرَ بِالصَّوْتِ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ وإنَّهُ داخِلٌ في بابِ الصَّوْتِ المُنْكَرِ، واللّامُ في ﴿لَصَوْتُ﴾ لِلتَّأْكِيدِ، ووَحَّدَ الصَّوْتَ مَعَ كَوْنِهِ مُضافًا إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وهو مَصْدَرُ صاتَ يَصُوتُ صَوْتًا فَهو صائِتٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أتَدْرُونَ ما كانَ لُقْمانُ ؟» قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «كانَ حَبَشِيًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المَمْلُوكِينَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ لُقْمانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجّارًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ حِبّانَ في الضُّعَفاءِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اتَّخِذُوا السُّودانَ فَإنَّ ثَلاثَةً مِنهم ساداتُ أهْلِ الجَنَّةِ: لُقْمانَ الحَكِيمَ، والنَّجاشِيَّ، وبِلالَ المُؤَذِّنَ» . قالَ الطَّبَرانِيُّ: أرادَ الحَبَشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ يَعْنِي العَقْلَ والفَهْمَ والفِطْنَةَ في غَيْرِ نُبُوَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الرّاوِيَ عَنْهُ جابِرُ الجُعْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ إذا اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ» . وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الحَدِيثِ رِواياتٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ تَتَضَمَّنُ كَلِماتٍ مِن مَواعِظِ لُقْمانَ وحِكَمِهِ، ولَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ولا ثَبْتَ إسْنادٌ صَحِيحٌ إلى لُقْمانَ بِشَيْءٍ مِنها حَتّى نَقْبَلَهُ. وقَدْ حَكى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن مَواعِظِهِ لِابْنِهِ ما حَكاهُ في هَذا المَوْضِعِ، وفِيهِ كِفايَةٌ، وما عَدا ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَصِحَّ فَلَيْسَ في ذِكْرِهِ إلّا شَغْلَةٌ لِلْحَيِّزِ وقَطِيعَةٌ لِلْوَقْتِ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا حَتّى يَكُونَ ما نُقِلَ عَنْهُ مِن شَرْعِ مَن قَبْلَنا، ولا صَحَّ إسْنادُ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الكَلِماتِ حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ ذَلِكَ مِن تَدْوِينِ كَلِماتِ الحِكْمَةِ الَّتِي هي ضالَّةُ المُؤْمِنِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ قالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ قالَ: شِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ وخَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ قالَ: «لِيُّ الشِّدْقِ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ لا تَتَكَبَّرْ فَتَحْتَقِرْ عِبادَ اللَّهِ وتُعْرِضْ عَنْهم إذا كَلَّمُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الَّذِي إذا سُلِّمَ عَلَيْهِ لَوى عُنُقَهُ كالمُسْتَكْبِرِ.

لقمان 31:13

اخْتُلِفَ في لُقْمانَ هَلْ هو عَجَمِيٌّ أمْ عَرَبِيٌّ ؟ مُشْتَقٌّ مِنَ اللُّقَمِ، فَمَن قالَ إنَّهُ عَجَمِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ، ومَن قالَ إنَّهُ عَرَبِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ ولِزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا هو نَبِيٌّ أمْ رَجُلٌ صالِحٌ ؟ فَذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ. وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ والشَّعْبِيِّ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، والأوَّلُ أرْجَحُ لِما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ. وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ إلّا عِكْرِمَةُ فَقَطْ، مَعَ أنَّ الرّاوِيَ لِذَلِكَ عَنْهُ جابِرٌ الجُعْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا وهو لُقْمانُ بْنُ باعُورا بْنِ ناحُورَ بْنِ تارِخْ، وهو آزَرُ أبُو إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو لُقْمانُ بْنُ عَنْقا بْنِ مَرْوانَ، وكانَ نُوبِيًّا مِن أهْلِ أيْلَةَ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ. قالَ وهْبٌ: هو ابْنُ أُخْتِ أيُّوبَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ابْنُ خالَتِهِ، عاشَ ألْفَ سَنَةٍ وأخَذَ عَنْهُ العِلْمَ، وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِ داوُدَ، فَلَمّا بُعِثَ داوُدُ قَطَعَ الفَتْوى، فَقِيلَ لَهُ ؟ فَقالَ ألا أكْتَفِي إذْ كُفِيتُ. قالَ الواقِدِيُّ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، والحِكْمَةُ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ هي الفِقْهُ والعَقْلُ والإصابَةُ في القَوْلِ وفَسَّرَ الحِكْمَةَ مَن قالَ بِنُبُوَّتِهِ بِالنُّبُوَّةِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، لِأنَّ في إيتاءِ الحِكْمَةِ مَعْنى القَوْلِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ قُلْنا لَهُ أنِ اشْكُرْ لِي. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ؛ لِأنِ اشْكُرْ لِي. وقِيلَ: بِأنِ اشْكُرْ لِي فَشَكَرَ فَكانَ حَكِيمًا بِشُكْرِهِ والشُّكْرُ لِلَّهِ الثَّناءُ عَلَيْهِ في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ وطاعَتِهِ فِيما أُمِرَ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ الشُّكْرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ إلّا الشّاكِرُ، فَقالَ: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ، وفائِدَتَهُ حاصِلَةٌ لَهُ، إذْ بِهِ تُسْتَبْقى النِّعْمَةُ وبِسَبَبِهِ يُسْتَجْلَبُ المَزِيدُ لَها مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - (p-١١٤٢)﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: مَن جَعَلَ كُفْرَ النِّعَمِ مَكانَ شُكْرِها، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ حَمِيدٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ مِن خَلْقِهِ لِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ الَّتِي لا يُحاطُ بِقَدْرِها ولا يُحْصَرُ عَدَدُها وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ مِن خَلْقِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ ناطِقٌ بِحَمْدِهِ بِلِسانِ الحالِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ حَمِيدٌ في فِعْلِهِ. ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ﴾ قالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُ ابْنِهِ ثارانَ في قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ والقُتَيْبِيِّ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِشْكَمُ. وقالَ النَّقاشُ: أنْعَمُ. وقِيلَ: ماتانَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: كانَ ابْنُهُ وامْرَأتُهُ كافِرَيْنِ فَما زالَ يَعِظُهُما حَتّى أسْلَما، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ حِينَ جَعَلْناهُ شاكِرًا في نَفْسِهِ، وحِينَ جَعَلْناهُ واعِظًا لِغَيْرِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: إذْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِآتَيْنا. والمَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ إذْ قالَ. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُهُ غَلَطًا لِأنَّ في الكَلامِ واوًا وهي تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿وهُوَ يَعِظُهُ﴾ يُخاطِبُهُ بِالمَواعِظِ الَّتِي تُرَغِّبُهُ في التَّوْحِيدِ وتَصُدُّهُ عَنِ الشِّرْكِ ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإسْكانِها. وقَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِها، ونَهْيُهُ عَنِ الشِّرْكِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ كافِرًا كَما تَقَدَّمَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وبَدَأ في وعْظِهِ بِنَهْيِهِ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ مِن غَيْرِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَقِيلَ: هي مِن كَلامِ لُقْمانَ، وقِيلَ: هي مِن كَلامِ اللَّهِ، فَتَكُونُ مُنْقَطِعَةً عَمّا قَبْلَها، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فَطابَتْ أنْفُسُهم. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ هَذِهِ الوَصِيَّةُ بِالوالِدَيْنِ وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامِ لُقْمانَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وتَفْسِيرُ التَّوْصِيَةِ هي قَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ وفي جَعْلِ الشُّكْرِ لَهُما مُقْتَرِنًا بِالشُّكْرِ لِلَّهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ حَقَّهُما مِن أعْظَمِ الحُقُوقِ عَلى الوَلَدِ وأكْبَرِها وأشَدِّها وُجُوبًا ومَعْنى ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ أنَّها حَمَلَتْهُ في بَطْنِها وهي تَزْدادُ كُلِّ يَوْمٍ ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ المَرْأةَ ضَعِيفَةُ الخِلْقَةِ، ثُمَّ يُضْعِفُها الحَمْلُ، وانْتِصابُ وهْنًا عَلى المَصْدَرِ. وقالَ النَّحّاسُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ بِإسْقاطِ الحَرْفِ أيْ: حَمَلَتْهُ بِضَعْفٍ عَلى ضَعْفٍ وقالَ الزَّجّاجُ المَعْنى لَزِمَها بِحَمْلِها إيّاهُ أنْ تَضْعُفَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن أُمِّهِ و﴿عَلى وهْنٍ﴾ صِفَةٌ لِوَهْنًا أيْ: وهْنًا كائِنًا عَلى وهْنٍ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِهِما وهُما لُغَتانِ. قالَ قَعْنَبٌ: ؎هَلْ لِلْعَواذِلِ مِن ناهٍ فَيَزْجُرُها إنَّ العَواذِلَ فِيها الأيْنُ والوَهْنُ ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ الفِصالُ الفِطامُ، وهو أنْ يُفْصَلَ الوَلَدُ عَنِ الأُمِّ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ ويَعْقُوبُ " وفَصْلُهُ " وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: انْفَصَلَ عَنْ كَذا أيْ: تَمَيَّزَ، وبِهِ سُمِّيَ الفَصِيلُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ " أنْ " في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ هي المُفَسِّرَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: بِأنِ اشْكُرْ لِي. قالَ النَّحّاسُ: وأجْوَدُ مِنهُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، وجُمْلَةُ ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ امْتِثالِ الأمْرِ أيِ: الرُّجُوعِ إلَيَّ لا إلى غَيْرِي. ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: ما لا عِلْمَ لَكَ بِشَرِكَتِهِ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الآيَةِ وسَبَبَ نُزُولِها في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْتِصابُ ﴿مَعْرُوفًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وصاحِبْهُما صِحابًا مَعْرُوفًا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والتَّقْدِيرُ بِمَعْرُوفٍ ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ أيِ: اتَّبِعْ سَبِيلَ مَن رَجَعَ إلَيَّ مِن عِبادِي الصّالِحِينَ بِالتَّوْبَةِ والإخْلاصِ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ جَمِيعًا لا إلى غَيْرِي ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُكم عِنْدَ رُجُوعِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَأُجازِيَ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا السِّياقَ مِن قَوْلِهِ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ إلى هُنا مِن كَلامِ لُقْمانَ فَلا يَكُونُ اعْتِراضًا وفِيهِ بُعْدٌ. ثُمَّ شَرَعَ - سُبْحانَهُ - في حِكايَةِ بَقِيَّةِ كَلامِ لُقْمانَ في وعْظِهِ لِابْنِهِ فَقالَ: ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ الضَّمِيرُ في إنَّها عائِدٌ إلى الخَطِيئَةِ لِما رُوِيَ أنَّ ابْنَ لُقْمانَ قالَ لِأبِيهِ: يا أبَتِ إنْ عَمِلْتُ الخَطِيئَةَ حَيْثُ لا يَرانِي أحَدٌ هَلْ يَعْلَمُها اللَّهُ ؟ فَقالَ إنَّها أيِ: الخَطِيئَةُ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُفَسِّرَةٌ لِلضَّمِيرِ أيْ: إنَّ الخَطِيئَةَ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ إنَّ الَّتِي سَألْتَنِي عَنْها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ، وعَبَّرَ بِالخَرْدَلَةِ أنَّها أصْغَرُ الحُبُوبِ ولا يُدْرَكُ بِالحِسِّ ثِقْلُها ولا تُرَجِّحُ مِيزانًا. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في " إنَّها " راجِعٌ إلى الخَصْلَةِ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ أيْ: إنَّ الخَصْلَةَ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ إلَخْ، ثُمَّ زادَ في بَيانِ خَفاءِ الحَبَّةِ مَعَ خِفَّتِها فَقالَ: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ﴾ فَإنَّ كَوْنَها في الصَّخْرَةِ قَدْ صارَتْ في أخْفى مَكانٍ وأحْرَزِهِ ﴿أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ: أوْ حَيْثُ كانَتْ مِن بِقاعِ السَّماواتِ أوْ مِن بِقاعِ الأرْضِ ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ: يُحْضِرُها ويُحاسِبُ فاعِلَها عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، بَلْ يَصِلُ عِلْمُهُ إلى كُلِّ خَفِيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ " إنْ تَكُ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى مَعْنى إنْ تَكُ الخَطِيئَةُ أوِ المَسْألَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ القِصَّةُ. وقَرَءُوا " مِثْقالَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها هو أحَدُ تِلْكَ المُقَدَّراتِ. وقَرَأ نافِعٌ بِرَفْعِ " مِثْقالَ " عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وهي تامَّةٌ. وأنَّثَ الفِعْلَ في هَذِهِ القِراءَةِ لِإضافَةِ مِثْقالٍ إلى المُؤَنَّثِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَكُنْ " بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِها وتَشْدِيدِ النُّونِ: مِنَ الكَنِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ المُغَطّى. قالَ السُّدِّيُّ: هَذِهِ الصَّخْرَةُ هي صَخْرَةٌ لَيْسَتْ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ لُقْمانَ أنَّهُ أمَرَ ابْنَهُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ (p-١١٤٣)المُنْكَرِ والصَّبْرِ عَلى المُصِيبَةِ. ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الطّاعاتِ أنَّها أُمَّهاتُ العِباداتِ وعِمادُ الخَيْرِ كُلَّهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى الطّاعاتِ المَذْكُورَةِ. وخَبَرُ إنَّ: قَوْلُهُ: ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ عَزِيمَةً، وأوْجَبَهُ عَلى عِبادِهِ. وقِيلَ المَعْنى مِن حَقِّ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، والعَزْمُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَعْزُومِ: أيْ: مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ أوْ بِمَعْنى العازِمِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [محمد: ٢١] قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ العَيْنَ تُبْدَلُ حاءً، فَيُقالُ: عَزْمٌ وحَزْمٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّ ذَلِكَ مِن مَكارِمِ أهْلِ الأخْلاقِ وعَزائِمِ أهْلِ الحَزْمِ السّالِكِينَ طَرِيقَ النَّجاةِ، وصَوَّبَ هَذا القُرْطُبِيُّ. " ولا تُصاعِرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ " قَرَأ الجُمْهُورُ " تُصَعِّرْ " وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٍ " تُصاعِرْ " والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والصَّعَرُ المَيْلُ، يُقالُ: صَعَّرَ خَدَّهُ وصاعَرَ خَدَّهُ: إذا أمالَ وجْهَهُ وأعْرَضَ تَكَبُّرًا. والمَعْنى: لا تُعْرِضْ عَنِ النّاسِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ مَشَيْنا إلَيْهِ بِالسُّيُوفِ نُعاتِبُهْ ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذا: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما قالَ الهَرَوِيُّ " ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ " أيْ: لا تُعْرِضْ عَنْهم تَكَبُّرًا، يُقالُ: أصابَ البَعِيرَ صَعَرٌ: إذا أصابَهُ داءٌ يَلْوِي عُنُقَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: ولا تَلْوِ شِدْقَكَ إذا ذُكِرَ الرَّجُلُ عِنْدَكَ كَأنَّكَ تَحْتَقِرُهُ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِندادَ: كَأنَّهُ نَهى أنْ يُذِلَّ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، ولَعَلَّهُ فَهِمَ مِنَ التَّصْعِيرِ التَّذَلُّلَ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ: خُيَلاءَ وفَرِحًا، والمَعْنى النَّهْيُ عَنِ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ، والمُخْتالُ يَمْرَحُ في مَشْيِهِ، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ؛ لِأنَّ الِاخْتِيالَ هو المَرَحُ، والفَخُورُ هو الَّذِي يَفْتَخِرُ عَلى النّاسِ بِما لَهُ مِنَ المالِ أوِ الشَّرَفِ أوِ القُوَّةِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ولَيْسَ مِنهُ التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] . ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ أيْ: تَوَسَّطْ فِيهِ، والقَصْدُ ما بَيْنَ الإسْراعِ والبُطْءِ، يُقالُ: قَصَدَ فُلانٌ في مِشْيَتِهِ: إذا مَشى مُسْتَوِيًا لا يَدِبُّ دَبِيبَ المُتَماوِتِينَ ولا يَثِبُ وُثُوبَ الشَّياطِينِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ إذا مَشى أسْرَعَ»، فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ القَصْدُ هُنا عَلى ما جاوَزَ الحَدَّ في السُّرْعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلَّ في مِشْيَتِكَ. وقالَ عَطاءٌ: امْشِ بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] . ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أيِ: انْقُصْ مِنهُ واخْفِضْهُ ولا تَتَكَلَّفْ رَفْعَهُ، فَإنَّ الجَهْرَ بِأكْثَرَ مِنَ الحاجَةِ يُؤْذِي السّامِعَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ أيْ: أوْحَشُها وأقْبَحُها. قالَ قَتادَةُ: أقْبَحُ الأصْواتِ صَوْتُ الحَمِيرِ أوَّلُهُ زَفِيرٌ وآخِرُهُ شَهِيقٌ. قالَ المُبَرِّدُ: تَأْوِيلُهُ إنَّ الجَهْرَ بِالصَّوْتِ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ وإنَّهُ داخِلٌ في بابِ الصَّوْتِ المُنْكَرِ، واللّامُ في ﴿لَصَوْتُ﴾ لِلتَّأْكِيدِ، ووَحَّدَ الصَّوْتَ مَعَ كَوْنِهِ مُضافًا إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وهو مَصْدَرُ صاتَ يَصُوتُ صَوْتًا فَهو صائِتٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أتَدْرُونَ ما كانَ لُقْمانُ ؟» قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «كانَ حَبَشِيًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المَمْلُوكِينَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ لُقْمانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجّارًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ حِبّانَ في الضُّعَفاءِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اتَّخِذُوا السُّودانَ فَإنَّ ثَلاثَةً مِنهم ساداتُ أهْلِ الجَنَّةِ: لُقْمانَ الحَكِيمَ، والنَّجاشِيَّ، وبِلالَ المُؤَذِّنَ» . قالَ الطَّبَرانِيُّ: أرادَ الحَبَشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ يَعْنِي العَقْلَ والفَهْمَ والفِطْنَةَ في غَيْرِ نُبُوَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الرّاوِيَ عَنْهُ جابِرُ الجُعْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ إذا اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ» . وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الحَدِيثِ رِواياتٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ تَتَضَمَّنُ كَلِماتٍ مِن مَواعِظِ لُقْمانَ وحِكَمِهِ، ولَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ولا ثَبْتَ إسْنادٌ صَحِيحٌ إلى لُقْمانَ بِشَيْءٍ مِنها حَتّى نَقْبَلَهُ. وقَدْ حَكى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن مَواعِظِهِ لِابْنِهِ ما حَكاهُ في هَذا المَوْضِعِ، وفِيهِ كِفايَةٌ، وما عَدا ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَصِحَّ فَلَيْسَ في ذِكْرِهِ إلّا شَغْلَةٌ لِلْحَيِّزِ وقَطِيعَةٌ لِلْوَقْتِ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا حَتّى يَكُونَ ما نُقِلَ عَنْهُ مِن شَرْعِ مَن قَبْلَنا، ولا صَحَّ إسْنادُ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الكَلِماتِ حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ ذَلِكَ مِن تَدْوِينِ كَلِماتِ الحِكْمَةِ الَّتِي هي ضالَّةُ المُؤْمِنِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ قالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ قالَ: شِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ وخَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ قالَ: «لِيُّ الشِّدْقِ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ لا تَتَكَبَّرْ فَتَحْتَقِرْ عِبادَ اللَّهِ وتُعْرِضْ عَنْهم إذا كَلَّمُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الَّذِي إذا سُلِّمَ عَلَيْهِ لَوى عُنُقَهُ كالمُسْتَكْبِرِ.

لقمان 31:14

اخْتُلِفَ في لُقْمانَ هَلْ هو عَجَمِيٌّ أمْ عَرَبِيٌّ ؟ مُشْتَقٌّ مِنَ اللُّقَمِ، فَمَن قالَ إنَّهُ عَجَمِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ، ومَن قالَ إنَّهُ عَرَبِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ ولِزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا هو نَبِيٌّ أمْ رَجُلٌ صالِحٌ ؟ فَذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ. وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ والشَّعْبِيِّ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، والأوَّلُ أرْجَحُ لِما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ. وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ إلّا عِكْرِمَةُ فَقَطْ، مَعَ أنَّ الرّاوِيَ لِذَلِكَ عَنْهُ جابِرٌ الجُعْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا وهو لُقْمانُ بْنُ باعُورا بْنِ ناحُورَ بْنِ تارِخْ، وهو آزَرُ أبُو إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو لُقْمانُ بْنُ عَنْقا بْنِ مَرْوانَ، وكانَ نُوبِيًّا مِن أهْلِ أيْلَةَ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ. قالَ وهْبٌ: هو ابْنُ أُخْتِ أيُّوبَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ابْنُ خالَتِهِ، عاشَ ألْفَ سَنَةٍ وأخَذَ عَنْهُ العِلْمَ، وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِ داوُدَ، فَلَمّا بُعِثَ داوُدُ قَطَعَ الفَتْوى، فَقِيلَ لَهُ ؟ فَقالَ ألا أكْتَفِي إذْ كُفِيتُ. قالَ الواقِدِيُّ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، والحِكْمَةُ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ هي الفِقْهُ والعَقْلُ والإصابَةُ في القَوْلِ وفَسَّرَ الحِكْمَةَ مَن قالَ بِنُبُوَّتِهِ بِالنُّبُوَّةِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، لِأنَّ في إيتاءِ الحِكْمَةِ مَعْنى القَوْلِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ قُلْنا لَهُ أنِ اشْكُرْ لِي. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ؛ لِأنِ اشْكُرْ لِي. وقِيلَ: بِأنِ اشْكُرْ لِي فَشَكَرَ فَكانَ حَكِيمًا بِشُكْرِهِ والشُّكْرُ لِلَّهِ الثَّناءُ عَلَيْهِ في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ وطاعَتِهِ فِيما أُمِرَ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ الشُّكْرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ إلّا الشّاكِرُ، فَقالَ: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ، وفائِدَتَهُ حاصِلَةٌ لَهُ، إذْ بِهِ تُسْتَبْقى النِّعْمَةُ وبِسَبَبِهِ يُسْتَجْلَبُ المَزِيدُ لَها مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - (p-١١٤٢)﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: مَن جَعَلَ كُفْرَ النِّعَمِ مَكانَ شُكْرِها، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ حَمِيدٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ مِن خَلْقِهِ لِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ الَّتِي لا يُحاطُ بِقَدْرِها ولا يُحْصَرُ عَدَدُها وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ مِن خَلْقِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ ناطِقٌ بِحَمْدِهِ بِلِسانِ الحالِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ حَمِيدٌ في فِعْلِهِ. ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ﴾ قالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُ ابْنِهِ ثارانَ في قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ والقُتَيْبِيِّ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِشْكَمُ. وقالَ النَّقاشُ: أنْعَمُ. وقِيلَ: ماتانَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: كانَ ابْنُهُ وامْرَأتُهُ كافِرَيْنِ فَما زالَ يَعِظُهُما حَتّى أسْلَما، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ حِينَ جَعَلْناهُ شاكِرًا في نَفْسِهِ، وحِينَ جَعَلْناهُ واعِظًا لِغَيْرِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: إذْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِآتَيْنا. والمَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ إذْ قالَ. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُهُ غَلَطًا لِأنَّ في الكَلامِ واوًا وهي تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿وهُوَ يَعِظُهُ﴾ يُخاطِبُهُ بِالمَواعِظِ الَّتِي تُرَغِّبُهُ في التَّوْحِيدِ وتَصُدُّهُ عَنِ الشِّرْكِ ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإسْكانِها. وقَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِها، ونَهْيُهُ عَنِ الشِّرْكِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ كافِرًا كَما تَقَدَّمَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وبَدَأ في وعْظِهِ بِنَهْيِهِ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ مِن غَيْرِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَقِيلَ: هي مِن كَلامِ لُقْمانَ، وقِيلَ: هي مِن كَلامِ اللَّهِ، فَتَكُونُ مُنْقَطِعَةً عَمّا قَبْلَها، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فَطابَتْ أنْفُسُهم. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ هَذِهِ الوَصِيَّةُ بِالوالِدَيْنِ وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامِ لُقْمانَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وتَفْسِيرُ التَّوْصِيَةِ هي قَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ وفي جَعْلِ الشُّكْرِ لَهُما مُقْتَرِنًا بِالشُّكْرِ لِلَّهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ حَقَّهُما مِن أعْظَمِ الحُقُوقِ عَلى الوَلَدِ وأكْبَرِها وأشَدِّها وُجُوبًا ومَعْنى ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ أنَّها حَمَلَتْهُ في بَطْنِها وهي تَزْدادُ كُلِّ يَوْمٍ ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ المَرْأةَ ضَعِيفَةُ الخِلْقَةِ، ثُمَّ يُضْعِفُها الحَمْلُ، وانْتِصابُ وهْنًا عَلى المَصْدَرِ. وقالَ النَّحّاسُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ بِإسْقاطِ الحَرْفِ أيْ: حَمَلَتْهُ بِضَعْفٍ عَلى ضَعْفٍ وقالَ الزَّجّاجُ المَعْنى لَزِمَها بِحَمْلِها إيّاهُ أنْ تَضْعُفَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن أُمِّهِ و﴿عَلى وهْنٍ﴾ صِفَةٌ لِوَهْنًا أيْ: وهْنًا كائِنًا عَلى وهْنٍ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِهِما وهُما لُغَتانِ. قالَ قَعْنَبٌ: ؎هَلْ لِلْعَواذِلِ مِن ناهٍ فَيَزْجُرُها إنَّ العَواذِلَ فِيها الأيْنُ والوَهْنُ ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ الفِصالُ الفِطامُ، وهو أنْ يُفْصَلَ الوَلَدُ عَنِ الأُمِّ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ ويَعْقُوبُ " وفَصْلُهُ " وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: انْفَصَلَ عَنْ كَذا أيْ: تَمَيَّزَ، وبِهِ سُمِّيَ الفَصِيلُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ " أنْ " في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ هي المُفَسِّرَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: بِأنِ اشْكُرْ لِي. قالَ النَّحّاسُ: وأجْوَدُ مِنهُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، وجُمْلَةُ ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ امْتِثالِ الأمْرِ أيِ: الرُّجُوعِ إلَيَّ لا إلى غَيْرِي. ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: ما لا عِلْمَ لَكَ بِشَرِكَتِهِ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الآيَةِ وسَبَبَ نُزُولِها في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْتِصابُ ﴿مَعْرُوفًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وصاحِبْهُما صِحابًا مَعْرُوفًا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والتَّقْدِيرُ بِمَعْرُوفٍ ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ أيِ: اتَّبِعْ سَبِيلَ مَن رَجَعَ إلَيَّ مِن عِبادِي الصّالِحِينَ بِالتَّوْبَةِ والإخْلاصِ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ جَمِيعًا لا إلى غَيْرِي ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُكم عِنْدَ رُجُوعِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَأُجازِيَ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا السِّياقَ مِن قَوْلِهِ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ إلى هُنا مِن كَلامِ لُقْمانَ فَلا يَكُونُ اعْتِراضًا وفِيهِ بُعْدٌ. ثُمَّ شَرَعَ - سُبْحانَهُ - في حِكايَةِ بَقِيَّةِ كَلامِ لُقْمانَ في وعْظِهِ لِابْنِهِ فَقالَ: ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ الضَّمِيرُ في إنَّها عائِدٌ إلى الخَطِيئَةِ لِما رُوِيَ أنَّ ابْنَ لُقْمانَ قالَ لِأبِيهِ: يا أبَتِ إنْ عَمِلْتُ الخَطِيئَةَ حَيْثُ لا يَرانِي أحَدٌ هَلْ يَعْلَمُها اللَّهُ ؟ فَقالَ إنَّها أيِ: الخَطِيئَةُ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُفَسِّرَةٌ لِلضَّمِيرِ أيْ: إنَّ الخَطِيئَةَ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ إنَّ الَّتِي سَألْتَنِي عَنْها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ، وعَبَّرَ بِالخَرْدَلَةِ أنَّها أصْغَرُ الحُبُوبِ ولا يُدْرَكُ بِالحِسِّ ثِقْلُها ولا تُرَجِّحُ مِيزانًا. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في " إنَّها " راجِعٌ إلى الخَصْلَةِ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ أيْ: إنَّ الخَصْلَةَ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ إلَخْ، ثُمَّ زادَ في بَيانِ خَفاءِ الحَبَّةِ مَعَ خِفَّتِها فَقالَ: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ﴾ فَإنَّ كَوْنَها في الصَّخْرَةِ قَدْ صارَتْ في أخْفى مَكانٍ وأحْرَزِهِ ﴿أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ: أوْ حَيْثُ كانَتْ مِن بِقاعِ السَّماواتِ أوْ مِن بِقاعِ الأرْضِ ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ: يُحْضِرُها ويُحاسِبُ فاعِلَها عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، بَلْ يَصِلُ عِلْمُهُ إلى كُلِّ خَفِيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ " إنْ تَكُ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى مَعْنى إنْ تَكُ الخَطِيئَةُ أوِ المَسْألَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ القِصَّةُ. وقَرَءُوا " مِثْقالَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها هو أحَدُ تِلْكَ المُقَدَّراتِ. وقَرَأ نافِعٌ بِرَفْعِ " مِثْقالَ " عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وهي تامَّةٌ. وأنَّثَ الفِعْلَ في هَذِهِ القِراءَةِ لِإضافَةِ مِثْقالٍ إلى المُؤَنَّثِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَكُنْ " بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِها وتَشْدِيدِ النُّونِ: مِنَ الكَنِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ المُغَطّى. قالَ السُّدِّيُّ: هَذِهِ الصَّخْرَةُ هي صَخْرَةٌ لَيْسَتْ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ لُقْمانَ أنَّهُ أمَرَ ابْنَهُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ (p-١١٤٣)المُنْكَرِ والصَّبْرِ عَلى المُصِيبَةِ. ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الطّاعاتِ أنَّها أُمَّهاتُ العِباداتِ وعِمادُ الخَيْرِ كُلَّهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى الطّاعاتِ المَذْكُورَةِ. وخَبَرُ إنَّ: قَوْلُهُ: ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ عَزِيمَةً، وأوْجَبَهُ عَلى عِبادِهِ. وقِيلَ المَعْنى مِن حَقِّ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، والعَزْمُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَعْزُومِ: أيْ: مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ أوْ بِمَعْنى العازِمِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [محمد: ٢١] قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ العَيْنَ تُبْدَلُ حاءً، فَيُقالُ: عَزْمٌ وحَزْمٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّ ذَلِكَ مِن مَكارِمِ أهْلِ الأخْلاقِ وعَزائِمِ أهْلِ الحَزْمِ السّالِكِينَ طَرِيقَ النَّجاةِ، وصَوَّبَ هَذا القُرْطُبِيُّ. " ولا تُصاعِرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ " قَرَأ الجُمْهُورُ " تُصَعِّرْ " وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٍ " تُصاعِرْ " والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والصَّعَرُ المَيْلُ، يُقالُ: صَعَّرَ خَدَّهُ وصاعَرَ خَدَّهُ: إذا أمالَ وجْهَهُ وأعْرَضَ تَكَبُّرًا. والمَعْنى: لا تُعْرِضْ عَنِ النّاسِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ مَشَيْنا إلَيْهِ بِالسُّيُوفِ نُعاتِبُهْ ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذا: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما قالَ الهَرَوِيُّ " ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ " أيْ: لا تُعْرِضْ عَنْهم تَكَبُّرًا، يُقالُ: أصابَ البَعِيرَ صَعَرٌ: إذا أصابَهُ داءٌ يَلْوِي عُنُقَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: ولا تَلْوِ شِدْقَكَ إذا ذُكِرَ الرَّجُلُ عِنْدَكَ كَأنَّكَ تَحْتَقِرُهُ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِندادَ: كَأنَّهُ نَهى أنْ يُذِلَّ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، ولَعَلَّهُ فَهِمَ مِنَ التَّصْعِيرِ التَّذَلُّلَ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ: خُيَلاءَ وفَرِحًا، والمَعْنى النَّهْيُ عَنِ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ، والمُخْتالُ يَمْرَحُ في مَشْيِهِ، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ؛ لِأنَّ الِاخْتِيالَ هو المَرَحُ، والفَخُورُ هو الَّذِي يَفْتَخِرُ عَلى النّاسِ بِما لَهُ مِنَ المالِ أوِ الشَّرَفِ أوِ القُوَّةِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ولَيْسَ مِنهُ التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] . ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ أيْ: تَوَسَّطْ فِيهِ، والقَصْدُ ما بَيْنَ الإسْراعِ والبُطْءِ، يُقالُ: قَصَدَ فُلانٌ في مِشْيَتِهِ: إذا مَشى مُسْتَوِيًا لا يَدِبُّ دَبِيبَ المُتَماوِتِينَ ولا يَثِبُ وُثُوبَ الشَّياطِينِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ إذا مَشى أسْرَعَ»، فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ القَصْدُ هُنا عَلى ما جاوَزَ الحَدَّ في السُّرْعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلَّ في مِشْيَتِكَ. وقالَ عَطاءٌ: امْشِ بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] . ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أيِ: انْقُصْ مِنهُ واخْفِضْهُ ولا تَتَكَلَّفْ رَفْعَهُ، فَإنَّ الجَهْرَ بِأكْثَرَ مِنَ الحاجَةِ يُؤْذِي السّامِعَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ أيْ: أوْحَشُها وأقْبَحُها. قالَ قَتادَةُ: أقْبَحُ الأصْواتِ صَوْتُ الحَمِيرِ أوَّلُهُ زَفِيرٌ وآخِرُهُ شَهِيقٌ. قالَ المُبَرِّدُ: تَأْوِيلُهُ إنَّ الجَهْرَ بِالصَّوْتِ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ وإنَّهُ داخِلٌ في بابِ الصَّوْتِ المُنْكَرِ، واللّامُ في ﴿لَصَوْتُ﴾ لِلتَّأْكِيدِ، ووَحَّدَ الصَّوْتَ مَعَ كَوْنِهِ مُضافًا إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وهو مَصْدَرُ صاتَ يَصُوتُ صَوْتًا فَهو صائِتٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أتَدْرُونَ ما كانَ لُقْمانُ ؟» قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «كانَ حَبَشِيًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المَمْلُوكِينَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ لُقْمانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجّارًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ حِبّانَ في الضُّعَفاءِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اتَّخِذُوا السُّودانَ فَإنَّ ثَلاثَةً مِنهم ساداتُ أهْلِ الجَنَّةِ: لُقْمانَ الحَكِيمَ، والنَّجاشِيَّ، وبِلالَ المُؤَذِّنَ» . قالَ الطَّبَرانِيُّ: أرادَ الحَبَشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ يَعْنِي العَقْلَ والفَهْمَ والفِطْنَةَ في غَيْرِ نُبُوَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الرّاوِيَ عَنْهُ جابِرُ الجُعْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ إذا اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ» . وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الحَدِيثِ رِواياتٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ تَتَضَمَّنُ كَلِماتٍ مِن مَواعِظِ لُقْمانَ وحِكَمِهِ، ولَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ولا ثَبْتَ إسْنادٌ صَحِيحٌ إلى لُقْمانَ بِشَيْءٍ مِنها حَتّى نَقْبَلَهُ. وقَدْ حَكى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن مَواعِظِهِ لِابْنِهِ ما حَكاهُ في هَذا المَوْضِعِ، وفِيهِ كِفايَةٌ، وما عَدا ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَصِحَّ فَلَيْسَ في ذِكْرِهِ إلّا شَغْلَةٌ لِلْحَيِّزِ وقَطِيعَةٌ لِلْوَقْتِ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا حَتّى يَكُونَ ما نُقِلَ عَنْهُ مِن شَرْعِ مَن قَبْلَنا، ولا صَحَّ إسْنادُ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الكَلِماتِ حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ ذَلِكَ مِن تَدْوِينِ كَلِماتِ الحِكْمَةِ الَّتِي هي ضالَّةُ المُؤْمِنِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ قالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ قالَ: شِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ وخَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ قالَ: «لِيُّ الشِّدْقِ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ لا تَتَكَبَّرْ فَتَحْتَقِرْ عِبادَ اللَّهِ وتُعْرِضْ عَنْهم إذا كَلَّمُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الَّذِي إذا سُلِّمَ عَلَيْهِ لَوى عُنُقَهُ كالمُسْتَكْبِرِ.

لقمان 31:15

اخْتُلِفَ في لُقْمانَ هَلْ هو عَجَمِيٌّ أمْ عَرَبِيٌّ ؟ مُشْتَقٌّ مِنَ اللُّقَمِ، فَمَن قالَ إنَّهُ عَجَمِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ، ومَن قالَ إنَّهُ عَرَبِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ ولِزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا هو نَبِيٌّ أمْ رَجُلٌ صالِحٌ ؟ فَذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ. وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ والشَّعْبِيِّ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، والأوَّلُ أرْجَحُ لِما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ. وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ إلّا عِكْرِمَةُ فَقَطْ، مَعَ أنَّ الرّاوِيَ لِذَلِكَ عَنْهُ جابِرٌ الجُعْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا وهو لُقْمانُ بْنُ باعُورا بْنِ ناحُورَ بْنِ تارِخْ، وهو آزَرُ أبُو إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو لُقْمانُ بْنُ عَنْقا بْنِ مَرْوانَ، وكانَ نُوبِيًّا مِن أهْلِ أيْلَةَ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ. قالَ وهْبٌ: هو ابْنُ أُخْتِ أيُّوبَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ابْنُ خالَتِهِ، عاشَ ألْفَ سَنَةٍ وأخَذَ عَنْهُ العِلْمَ، وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِ داوُدَ، فَلَمّا بُعِثَ داوُدُ قَطَعَ الفَتْوى، فَقِيلَ لَهُ ؟ فَقالَ ألا أكْتَفِي إذْ كُفِيتُ. قالَ الواقِدِيُّ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، والحِكْمَةُ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ هي الفِقْهُ والعَقْلُ والإصابَةُ في القَوْلِ وفَسَّرَ الحِكْمَةَ مَن قالَ بِنُبُوَّتِهِ بِالنُّبُوَّةِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، لِأنَّ في إيتاءِ الحِكْمَةِ مَعْنى القَوْلِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ قُلْنا لَهُ أنِ اشْكُرْ لِي. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ؛ لِأنِ اشْكُرْ لِي. وقِيلَ: بِأنِ اشْكُرْ لِي فَشَكَرَ فَكانَ حَكِيمًا بِشُكْرِهِ والشُّكْرُ لِلَّهِ الثَّناءُ عَلَيْهِ في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ وطاعَتِهِ فِيما أُمِرَ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ الشُّكْرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ إلّا الشّاكِرُ، فَقالَ: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ، وفائِدَتَهُ حاصِلَةٌ لَهُ، إذْ بِهِ تُسْتَبْقى النِّعْمَةُ وبِسَبَبِهِ يُسْتَجْلَبُ المَزِيدُ لَها مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - (p-١١٤٢)﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: مَن جَعَلَ كُفْرَ النِّعَمِ مَكانَ شُكْرِها، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ حَمِيدٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ مِن خَلْقِهِ لِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ الَّتِي لا يُحاطُ بِقَدْرِها ولا يُحْصَرُ عَدَدُها وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ مِن خَلْقِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ ناطِقٌ بِحَمْدِهِ بِلِسانِ الحالِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ حَمِيدٌ في فِعْلِهِ. ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ﴾ قالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُ ابْنِهِ ثارانَ في قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ والقُتَيْبِيِّ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِشْكَمُ. وقالَ النَّقاشُ: أنْعَمُ. وقِيلَ: ماتانَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: كانَ ابْنُهُ وامْرَأتُهُ كافِرَيْنِ فَما زالَ يَعِظُهُما حَتّى أسْلَما، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ حِينَ جَعَلْناهُ شاكِرًا في نَفْسِهِ، وحِينَ جَعَلْناهُ واعِظًا لِغَيْرِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: إذْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِآتَيْنا. والمَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ إذْ قالَ. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُهُ غَلَطًا لِأنَّ في الكَلامِ واوًا وهي تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿وهُوَ يَعِظُهُ﴾ يُخاطِبُهُ بِالمَواعِظِ الَّتِي تُرَغِّبُهُ في التَّوْحِيدِ وتَصُدُّهُ عَنِ الشِّرْكِ ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإسْكانِها. وقَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِها، ونَهْيُهُ عَنِ الشِّرْكِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ كافِرًا كَما تَقَدَّمَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وبَدَأ في وعْظِهِ بِنَهْيِهِ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ مِن غَيْرِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَقِيلَ: هي مِن كَلامِ لُقْمانَ، وقِيلَ: هي مِن كَلامِ اللَّهِ، فَتَكُونُ مُنْقَطِعَةً عَمّا قَبْلَها، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فَطابَتْ أنْفُسُهم. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ هَذِهِ الوَصِيَّةُ بِالوالِدَيْنِ وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامِ لُقْمانَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وتَفْسِيرُ التَّوْصِيَةِ هي قَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ وفي جَعْلِ الشُّكْرِ لَهُما مُقْتَرِنًا بِالشُّكْرِ لِلَّهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ حَقَّهُما مِن أعْظَمِ الحُقُوقِ عَلى الوَلَدِ وأكْبَرِها وأشَدِّها وُجُوبًا ومَعْنى ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ أنَّها حَمَلَتْهُ في بَطْنِها وهي تَزْدادُ كُلِّ يَوْمٍ ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ المَرْأةَ ضَعِيفَةُ الخِلْقَةِ، ثُمَّ يُضْعِفُها الحَمْلُ، وانْتِصابُ وهْنًا عَلى المَصْدَرِ. وقالَ النَّحّاسُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ بِإسْقاطِ الحَرْفِ أيْ: حَمَلَتْهُ بِضَعْفٍ عَلى ضَعْفٍ وقالَ الزَّجّاجُ المَعْنى لَزِمَها بِحَمْلِها إيّاهُ أنْ تَضْعُفَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن أُمِّهِ و﴿عَلى وهْنٍ﴾ صِفَةٌ لِوَهْنًا أيْ: وهْنًا كائِنًا عَلى وهْنٍ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِهِما وهُما لُغَتانِ. قالَ قَعْنَبٌ: ؎هَلْ لِلْعَواذِلِ مِن ناهٍ فَيَزْجُرُها إنَّ العَواذِلَ فِيها الأيْنُ والوَهْنُ ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ الفِصالُ الفِطامُ، وهو أنْ يُفْصَلَ الوَلَدُ عَنِ الأُمِّ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ ويَعْقُوبُ " وفَصْلُهُ " وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: انْفَصَلَ عَنْ كَذا أيْ: تَمَيَّزَ، وبِهِ سُمِّيَ الفَصِيلُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ " أنْ " في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ هي المُفَسِّرَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: بِأنِ اشْكُرْ لِي. قالَ النَّحّاسُ: وأجْوَدُ مِنهُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، وجُمْلَةُ ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ امْتِثالِ الأمْرِ أيِ: الرُّجُوعِ إلَيَّ لا إلى غَيْرِي. ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: ما لا عِلْمَ لَكَ بِشَرِكَتِهِ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الآيَةِ وسَبَبَ نُزُولِها في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْتِصابُ ﴿مَعْرُوفًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وصاحِبْهُما صِحابًا مَعْرُوفًا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والتَّقْدِيرُ بِمَعْرُوفٍ ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ أيِ: اتَّبِعْ سَبِيلَ مَن رَجَعَ إلَيَّ مِن عِبادِي الصّالِحِينَ بِالتَّوْبَةِ والإخْلاصِ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ جَمِيعًا لا إلى غَيْرِي ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُكم عِنْدَ رُجُوعِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَأُجازِيَ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا السِّياقَ مِن قَوْلِهِ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ إلى هُنا مِن كَلامِ لُقْمانَ فَلا يَكُونُ اعْتِراضًا وفِيهِ بُعْدٌ. ثُمَّ شَرَعَ - سُبْحانَهُ - في حِكايَةِ بَقِيَّةِ كَلامِ لُقْمانَ في وعْظِهِ لِابْنِهِ فَقالَ: ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ الضَّمِيرُ في إنَّها عائِدٌ إلى الخَطِيئَةِ لِما رُوِيَ أنَّ ابْنَ لُقْمانَ قالَ لِأبِيهِ: يا أبَتِ إنْ عَمِلْتُ الخَطِيئَةَ حَيْثُ لا يَرانِي أحَدٌ هَلْ يَعْلَمُها اللَّهُ ؟ فَقالَ إنَّها أيِ: الخَطِيئَةُ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُفَسِّرَةٌ لِلضَّمِيرِ أيْ: إنَّ الخَطِيئَةَ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ إنَّ الَّتِي سَألْتَنِي عَنْها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ، وعَبَّرَ بِالخَرْدَلَةِ أنَّها أصْغَرُ الحُبُوبِ ولا يُدْرَكُ بِالحِسِّ ثِقْلُها ولا تُرَجِّحُ مِيزانًا. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في " إنَّها " راجِعٌ إلى الخَصْلَةِ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ أيْ: إنَّ الخَصْلَةَ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ إلَخْ، ثُمَّ زادَ في بَيانِ خَفاءِ الحَبَّةِ مَعَ خِفَّتِها فَقالَ: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ﴾ فَإنَّ كَوْنَها في الصَّخْرَةِ قَدْ صارَتْ في أخْفى مَكانٍ وأحْرَزِهِ ﴿أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ: أوْ حَيْثُ كانَتْ مِن بِقاعِ السَّماواتِ أوْ مِن بِقاعِ الأرْضِ ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ: يُحْضِرُها ويُحاسِبُ فاعِلَها عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، بَلْ يَصِلُ عِلْمُهُ إلى كُلِّ خَفِيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ " إنْ تَكُ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى مَعْنى إنْ تَكُ الخَطِيئَةُ أوِ المَسْألَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ القِصَّةُ. وقَرَءُوا " مِثْقالَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها هو أحَدُ تِلْكَ المُقَدَّراتِ. وقَرَأ نافِعٌ بِرَفْعِ " مِثْقالَ " عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وهي تامَّةٌ. وأنَّثَ الفِعْلَ في هَذِهِ القِراءَةِ لِإضافَةِ مِثْقالٍ إلى المُؤَنَّثِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَكُنْ " بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِها وتَشْدِيدِ النُّونِ: مِنَ الكَنِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ المُغَطّى. قالَ السُّدِّيُّ: هَذِهِ الصَّخْرَةُ هي صَخْرَةٌ لَيْسَتْ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ لُقْمانَ أنَّهُ أمَرَ ابْنَهُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ (p-١١٤٣)المُنْكَرِ والصَّبْرِ عَلى المُصِيبَةِ. ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الطّاعاتِ أنَّها أُمَّهاتُ العِباداتِ وعِمادُ الخَيْرِ كُلَّهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى الطّاعاتِ المَذْكُورَةِ. وخَبَرُ إنَّ: قَوْلُهُ: ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ عَزِيمَةً، وأوْجَبَهُ عَلى عِبادِهِ. وقِيلَ المَعْنى مِن حَقِّ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، والعَزْمُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَعْزُومِ: أيْ: مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ أوْ بِمَعْنى العازِمِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [محمد: ٢١] قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ العَيْنَ تُبْدَلُ حاءً، فَيُقالُ: عَزْمٌ وحَزْمٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّ ذَلِكَ مِن مَكارِمِ أهْلِ الأخْلاقِ وعَزائِمِ أهْلِ الحَزْمِ السّالِكِينَ طَرِيقَ النَّجاةِ، وصَوَّبَ هَذا القُرْطُبِيُّ. " ولا تُصاعِرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ " قَرَأ الجُمْهُورُ " تُصَعِّرْ " وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٍ " تُصاعِرْ " والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والصَّعَرُ المَيْلُ، يُقالُ: صَعَّرَ خَدَّهُ وصاعَرَ خَدَّهُ: إذا أمالَ وجْهَهُ وأعْرَضَ تَكَبُّرًا. والمَعْنى: لا تُعْرِضْ عَنِ النّاسِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ مَشَيْنا إلَيْهِ بِالسُّيُوفِ نُعاتِبُهْ ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذا: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما قالَ الهَرَوِيُّ " ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ " أيْ: لا تُعْرِضْ عَنْهم تَكَبُّرًا، يُقالُ: أصابَ البَعِيرَ صَعَرٌ: إذا أصابَهُ داءٌ يَلْوِي عُنُقَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: ولا تَلْوِ شِدْقَكَ إذا ذُكِرَ الرَّجُلُ عِنْدَكَ كَأنَّكَ تَحْتَقِرُهُ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِندادَ: كَأنَّهُ نَهى أنْ يُذِلَّ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، ولَعَلَّهُ فَهِمَ مِنَ التَّصْعِيرِ التَّذَلُّلَ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ: خُيَلاءَ وفَرِحًا، والمَعْنى النَّهْيُ عَنِ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ، والمُخْتالُ يَمْرَحُ في مَشْيِهِ، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ؛ لِأنَّ الِاخْتِيالَ هو المَرَحُ، والفَخُورُ هو الَّذِي يَفْتَخِرُ عَلى النّاسِ بِما لَهُ مِنَ المالِ أوِ الشَّرَفِ أوِ القُوَّةِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ولَيْسَ مِنهُ التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] . ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ أيْ: تَوَسَّطْ فِيهِ، والقَصْدُ ما بَيْنَ الإسْراعِ والبُطْءِ، يُقالُ: قَصَدَ فُلانٌ في مِشْيَتِهِ: إذا مَشى مُسْتَوِيًا لا يَدِبُّ دَبِيبَ المُتَماوِتِينَ ولا يَثِبُ وُثُوبَ الشَّياطِينِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ إذا مَشى أسْرَعَ»، فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ القَصْدُ هُنا عَلى ما جاوَزَ الحَدَّ في السُّرْعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلَّ في مِشْيَتِكَ. وقالَ عَطاءٌ: امْشِ بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] . ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أيِ: انْقُصْ مِنهُ واخْفِضْهُ ولا تَتَكَلَّفْ رَفْعَهُ، فَإنَّ الجَهْرَ بِأكْثَرَ مِنَ الحاجَةِ يُؤْذِي السّامِعَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ أيْ: أوْحَشُها وأقْبَحُها. قالَ قَتادَةُ: أقْبَحُ الأصْواتِ صَوْتُ الحَمِيرِ أوَّلُهُ زَفِيرٌ وآخِرُهُ شَهِيقٌ. قالَ المُبَرِّدُ: تَأْوِيلُهُ إنَّ الجَهْرَ بِالصَّوْتِ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ وإنَّهُ داخِلٌ في بابِ الصَّوْتِ المُنْكَرِ، واللّامُ في ﴿لَصَوْتُ﴾ لِلتَّأْكِيدِ، ووَحَّدَ الصَّوْتَ مَعَ كَوْنِهِ مُضافًا إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وهو مَصْدَرُ صاتَ يَصُوتُ صَوْتًا فَهو صائِتٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أتَدْرُونَ ما كانَ لُقْمانُ ؟» قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «كانَ حَبَشِيًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المَمْلُوكِينَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ لُقْمانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجّارًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ حِبّانَ في الضُّعَفاءِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اتَّخِذُوا السُّودانَ فَإنَّ ثَلاثَةً مِنهم ساداتُ أهْلِ الجَنَّةِ: لُقْمانَ الحَكِيمَ، والنَّجاشِيَّ، وبِلالَ المُؤَذِّنَ» . قالَ الطَّبَرانِيُّ: أرادَ الحَبَشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ يَعْنِي العَقْلَ والفَهْمَ والفِطْنَةَ في غَيْرِ نُبُوَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الرّاوِيَ عَنْهُ جابِرُ الجُعْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ إذا اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ» . وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الحَدِيثِ رِواياتٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ تَتَضَمَّنُ كَلِماتٍ مِن مَواعِظِ لُقْمانَ وحِكَمِهِ، ولَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ولا ثَبْتَ إسْنادٌ صَحِيحٌ إلى لُقْمانَ بِشَيْءٍ مِنها حَتّى نَقْبَلَهُ. وقَدْ حَكى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن مَواعِظِهِ لِابْنِهِ ما حَكاهُ في هَذا المَوْضِعِ، وفِيهِ كِفايَةٌ، وما عَدا ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَصِحَّ فَلَيْسَ في ذِكْرِهِ إلّا شَغْلَةٌ لِلْحَيِّزِ وقَطِيعَةٌ لِلْوَقْتِ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا حَتّى يَكُونَ ما نُقِلَ عَنْهُ مِن شَرْعِ مَن قَبْلَنا، ولا صَحَّ إسْنادُ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الكَلِماتِ حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ ذَلِكَ مِن تَدْوِينِ كَلِماتِ الحِكْمَةِ الَّتِي هي ضالَّةُ المُؤْمِنِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ قالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ قالَ: شِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ وخَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ قالَ: «لِيُّ الشِّدْقِ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ لا تَتَكَبَّرْ فَتَحْتَقِرْ عِبادَ اللَّهِ وتُعْرِضْ عَنْهم إذا كَلَّمُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الَّذِي إذا سُلِّمَ عَلَيْهِ لَوى عُنُقَهُ كالمُسْتَكْبِرِ.

لقمان 31:16

اخْتُلِفَ في لُقْمانَ هَلْ هو عَجَمِيٌّ أمْ عَرَبِيٌّ ؟ مُشْتَقٌّ مِنَ اللُّقَمِ، فَمَن قالَ إنَّهُ عَجَمِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ، ومَن قالَ إنَّهُ عَرَبِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ ولِزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا هو نَبِيٌّ أمْ رَجُلٌ صالِحٌ ؟ فَذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ. وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ والشَّعْبِيِّ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، والأوَّلُ أرْجَحُ لِما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ. وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ إلّا عِكْرِمَةُ فَقَطْ، مَعَ أنَّ الرّاوِيَ لِذَلِكَ عَنْهُ جابِرٌ الجُعْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا وهو لُقْمانُ بْنُ باعُورا بْنِ ناحُورَ بْنِ تارِخْ، وهو آزَرُ أبُو إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو لُقْمانُ بْنُ عَنْقا بْنِ مَرْوانَ، وكانَ نُوبِيًّا مِن أهْلِ أيْلَةَ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ. قالَ وهْبٌ: هو ابْنُ أُخْتِ أيُّوبَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ابْنُ خالَتِهِ، عاشَ ألْفَ سَنَةٍ وأخَذَ عَنْهُ العِلْمَ، وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِ داوُدَ، فَلَمّا بُعِثَ داوُدُ قَطَعَ الفَتْوى، فَقِيلَ لَهُ ؟ فَقالَ ألا أكْتَفِي إذْ كُفِيتُ. قالَ الواقِدِيُّ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، والحِكْمَةُ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ هي الفِقْهُ والعَقْلُ والإصابَةُ في القَوْلِ وفَسَّرَ الحِكْمَةَ مَن قالَ بِنُبُوَّتِهِ بِالنُّبُوَّةِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، لِأنَّ في إيتاءِ الحِكْمَةِ مَعْنى القَوْلِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ قُلْنا لَهُ أنِ اشْكُرْ لِي. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ؛ لِأنِ اشْكُرْ لِي. وقِيلَ: بِأنِ اشْكُرْ لِي فَشَكَرَ فَكانَ حَكِيمًا بِشُكْرِهِ والشُّكْرُ لِلَّهِ الثَّناءُ عَلَيْهِ في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ وطاعَتِهِ فِيما أُمِرَ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ الشُّكْرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ إلّا الشّاكِرُ، فَقالَ: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ، وفائِدَتَهُ حاصِلَةٌ لَهُ، إذْ بِهِ تُسْتَبْقى النِّعْمَةُ وبِسَبَبِهِ يُسْتَجْلَبُ المَزِيدُ لَها مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - (p-١١٤٢)﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: مَن جَعَلَ كُفْرَ النِّعَمِ مَكانَ شُكْرِها، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ حَمِيدٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ مِن خَلْقِهِ لِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ الَّتِي لا يُحاطُ بِقَدْرِها ولا يُحْصَرُ عَدَدُها وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ مِن خَلْقِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ ناطِقٌ بِحَمْدِهِ بِلِسانِ الحالِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ حَمِيدٌ في فِعْلِهِ. ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ﴾ قالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُ ابْنِهِ ثارانَ في قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ والقُتَيْبِيِّ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِشْكَمُ. وقالَ النَّقاشُ: أنْعَمُ. وقِيلَ: ماتانَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: كانَ ابْنُهُ وامْرَأتُهُ كافِرَيْنِ فَما زالَ يَعِظُهُما حَتّى أسْلَما، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ حِينَ جَعَلْناهُ شاكِرًا في نَفْسِهِ، وحِينَ جَعَلْناهُ واعِظًا لِغَيْرِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: إذْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِآتَيْنا. والمَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ إذْ قالَ. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُهُ غَلَطًا لِأنَّ في الكَلامِ واوًا وهي تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿وهُوَ يَعِظُهُ﴾ يُخاطِبُهُ بِالمَواعِظِ الَّتِي تُرَغِّبُهُ في التَّوْحِيدِ وتَصُدُّهُ عَنِ الشِّرْكِ ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإسْكانِها. وقَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِها، ونَهْيُهُ عَنِ الشِّرْكِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ كافِرًا كَما تَقَدَّمَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وبَدَأ في وعْظِهِ بِنَهْيِهِ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ مِن غَيْرِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَقِيلَ: هي مِن كَلامِ لُقْمانَ، وقِيلَ: هي مِن كَلامِ اللَّهِ، فَتَكُونُ مُنْقَطِعَةً عَمّا قَبْلَها، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فَطابَتْ أنْفُسُهم. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ هَذِهِ الوَصِيَّةُ بِالوالِدَيْنِ وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامِ لُقْمانَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وتَفْسِيرُ التَّوْصِيَةِ هي قَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ وفي جَعْلِ الشُّكْرِ لَهُما مُقْتَرِنًا بِالشُّكْرِ لِلَّهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ حَقَّهُما مِن أعْظَمِ الحُقُوقِ عَلى الوَلَدِ وأكْبَرِها وأشَدِّها وُجُوبًا ومَعْنى ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ أنَّها حَمَلَتْهُ في بَطْنِها وهي تَزْدادُ كُلِّ يَوْمٍ ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ المَرْأةَ ضَعِيفَةُ الخِلْقَةِ، ثُمَّ يُضْعِفُها الحَمْلُ، وانْتِصابُ وهْنًا عَلى المَصْدَرِ. وقالَ النَّحّاسُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ بِإسْقاطِ الحَرْفِ أيْ: حَمَلَتْهُ بِضَعْفٍ عَلى ضَعْفٍ وقالَ الزَّجّاجُ المَعْنى لَزِمَها بِحَمْلِها إيّاهُ أنْ تَضْعُفَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن أُمِّهِ و﴿عَلى وهْنٍ﴾ صِفَةٌ لِوَهْنًا أيْ: وهْنًا كائِنًا عَلى وهْنٍ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِهِما وهُما لُغَتانِ. قالَ قَعْنَبٌ: ؎هَلْ لِلْعَواذِلِ مِن ناهٍ فَيَزْجُرُها إنَّ العَواذِلَ فِيها الأيْنُ والوَهْنُ ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ الفِصالُ الفِطامُ، وهو أنْ يُفْصَلَ الوَلَدُ عَنِ الأُمِّ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ ويَعْقُوبُ " وفَصْلُهُ " وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: انْفَصَلَ عَنْ كَذا أيْ: تَمَيَّزَ، وبِهِ سُمِّيَ الفَصِيلُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ " أنْ " في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ هي المُفَسِّرَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: بِأنِ اشْكُرْ لِي. قالَ النَّحّاسُ: وأجْوَدُ مِنهُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، وجُمْلَةُ ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ امْتِثالِ الأمْرِ أيِ: الرُّجُوعِ إلَيَّ لا إلى غَيْرِي. ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: ما لا عِلْمَ لَكَ بِشَرِكَتِهِ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الآيَةِ وسَبَبَ نُزُولِها في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْتِصابُ ﴿مَعْرُوفًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وصاحِبْهُما صِحابًا مَعْرُوفًا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والتَّقْدِيرُ بِمَعْرُوفٍ ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ أيِ: اتَّبِعْ سَبِيلَ مَن رَجَعَ إلَيَّ مِن عِبادِي الصّالِحِينَ بِالتَّوْبَةِ والإخْلاصِ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ جَمِيعًا لا إلى غَيْرِي ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُكم عِنْدَ رُجُوعِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَأُجازِيَ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا السِّياقَ مِن قَوْلِهِ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ إلى هُنا مِن كَلامِ لُقْمانَ فَلا يَكُونُ اعْتِراضًا وفِيهِ بُعْدٌ. ثُمَّ شَرَعَ - سُبْحانَهُ - في حِكايَةِ بَقِيَّةِ كَلامِ لُقْمانَ في وعْظِهِ لِابْنِهِ فَقالَ: ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ الضَّمِيرُ في إنَّها عائِدٌ إلى الخَطِيئَةِ لِما رُوِيَ أنَّ ابْنَ لُقْمانَ قالَ لِأبِيهِ: يا أبَتِ إنْ عَمِلْتُ الخَطِيئَةَ حَيْثُ لا يَرانِي أحَدٌ هَلْ يَعْلَمُها اللَّهُ ؟ فَقالَ إنَّها أيِ: الخَطِيئَةُ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُفَسِّرَةٌ لِلضَّمِيرِ أيْ: إنَّ الخَطِيئَةَ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ إنَّ الَّتِي سَألْتَنِي عَنْها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ، وعَبَّرَ بِالخَرْدَلَةِ أنَّها أصْغَرُ الحُبُوبِ ولا يُدْرَكُ بِالحِسِّ ثِقْلُها ولا تُرَجِّحُ مِيزانًا. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في " إنَّها " راجِعٌ إلى الخَصْلَةِ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ أيْ: إنَّ الخَصْلَةَ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ إلَخْ، ثُمَّ زادَ في بَيانِ خَفاءِ الحَبَّةِ مَعَ خِفَّتِها فَقالَ: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ﴾ فَإنَّ كَوْنَها في الصَّخْرَةِ قَدْ صارَتْ في أخْفى مَكانٍ وأحْرَزِهِ ﴿أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ: أوْ حَيْثُ كانَتْ مِن بِقاعِ السَّماواتِ أوْ مِن بِقاعِ الأرْضِ ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ: يُحْضِرُها ويُحاسِبُ فاعِلَها عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، بَلْ يَصِلُ عِلْمُهُ إلى كُلِّ خَفِيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ " إنْ تَكُ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى مَعْنى إنْ تَكُ الخَطِيئَةُ أوِ المَسْألَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ القِصَّةُ. وقَرَءُوا " مِثْقالَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها هو أحَدُ تِلْكَ المُقَدَّراتِ. وقَرَأ نافِعٌ بِرَفْعِ " مِثْقالَ " عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وهي تامَّةٌ. وأنَّثَ الفِعْلَ في هَذِهِ القِراءَةِ لِإضافَةِ مِثْقالٍ إلى المُؤَنَّثِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَكُنْ " بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِها وتَشْدِيدِ النُّونِ: مِنَ الكَنِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ المُغَطّى. قالَ السُّدِّيُّ: هَذِهِ الصَّخْرَةُ هي صَخْرَةٌ لَيْسَتْ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ لُقْمانَ أنَّهُ أمَرَ ابْنَهُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ (p-١١٤٣)المُنْكَرِ والصَّبْرِ عَلى المُصِيبَةِ. ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الطّاعاتِ أنَّها أُمَّهاتُ العِباداتِ وعِمادُ الخَيْرِ كُلَّهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى الطّاعاتِ المَذْكُورَةِ. وخَبَرُ إنَّ: قَوْلُهُ: ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ عَزِيمَةً، وأوْجَبَهُ عَلى عِبادِهِ. وقِيلَ المَعْنى مِن حَقِّ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، والعَزْمُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَعْزُومِ: أيْ: مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ أوْ بِمَعْنى العازِمِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [محمد: ٢١] قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ العَيْنَ تُبْدَلُ حاءً، فَيُقالُ: عَزْمٌ وحَزْمٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّ ذَلِكَ مِن مَكارِمِ أهْلِ الأخْلاقِ وعَزائِمِ أهْلِ الحَزْمِ السّالِكِينَ طَرِيقَ النَّجاةِ، وصَوَّبَ هَذا القُرْطُبِيُّ. " ولا تُصاعِرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ " قَرَأ الجُمْهُورُ " تُصَعِّرْ " وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٍ " تُصاعِرْ " والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والصَّعَرُ المَيْلُ، يُقالُ: صَعَّرَ خَدَّهُ وصاعَرَ خَدَّهُ: إذا أمالَ وجْهَهُ وأعْرَضَ تَكَبُّرًا. والمَعْنى: لا تُعْرِضْ عَنِ النّاسِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ مَشَيْنا إلَيْهِ بِالسُّيُوفِ نُعاتِبُهْ ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذا: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما قالَ الهَرَوِيُّ " ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ " أيْ: لا تُعْرِضْ عَنْهم تَكَبُّرًا، يُقالُ: أصابَ البَعِيرَ صَعَرٌ: إذا أصابَهُ داءٌ يَلْوِي عُنُقَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: ولا تَلْوِ شِدْقَكَ إذا ذُكِرَ الرَّجُلُ عِنْدَكَ كَأنَّكَ تَحْتَقِرُهُ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِندادَ: كَأنَّهُ نَهى أنْ يُذِلَّ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، ولَعَلَّهُ فَهِمَ مِنَ التَّصْعِيرِ التَّذَلُّلَ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ: خُيَلاءَ وفَرِحًا، والمَعْنى النَّهْيُ عَنِ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ، والمُخْتالُ يَمْرَحُ في مَشْيِهِ، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ؛ لِأنَّ الِاخْتِيالَ هو المَرَحُ، والفَخُورُ هو الَّذِي يَفْتَخِرُ عَلى النّاسِ بِما لَهُ مِنَ المالِ أوِ الشَّرَفِ أوِ القُوَّةِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ولَيْسَ مِنهُ التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] . ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ أيْ: تَوَسَّطْ فِيهِ، والقَصْدُ ما بَيْنَ الإسْراعِ والبُطْءِ، يُقالُ: قَصَدَ فُلانٌ في مِشْيَتِهِ: إذا مَشى مُسْتَوِيًا لا يَدِبُّ دَبِيبَ المُتَماوِتِينَ ولا يَثِبُ وُثُوبَ الشَّياطِينِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ إذا مَشى أسْرَعَ»، فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ القَصْدُ هُنا عَلى ما جاوَزَ الحَدَّ في السُّرْعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلَّ في مِشْيَتِكَ. وقالَ عَطاءٌ: امْشِ بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] . ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أيِ: انْقُصْ مِنهُ واخْفِضْهُ ولا تَتَكَلَّفْ رَفْعَهُ، فَإنَّ الجَهْرَ بِأكْثَرَ مِنَ الحاجَةِ يُؤْذِي السّامِعَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ أيْ: أوْحَشُها وأقْبَحُها. قالَ قَتادَةُ: أقْبَحُ الأصْواتِ صَوْتُ الحَمِيرِ أوَّلُهُ زَفِيرٌ وآخِرُهُ شَهِيقٌ. قالَ المُبَرِّدُ: تَأْوِيلُهُ إنَّ الجَهْرَ بِالصَّوْتِ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ وإنَّهُ داخِلٌ في بابِ الصَّوْتِ المُنْكَرِ، واللّامُ في ﴿لَصَوْتُ﴾ لِلتَّأْكِيدِ، ووَحَّدَ الصَّوْتَ مَعَ كَوْنِهِ مُضافًا إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وهو مَصْدَرُ صاتَ يَصُوتُ صَوْتًا فَهو صائِتٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أتَدْرُونَ ما كانَ لُقْمانُ ؟» قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «كانَ حَبَشِيًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المَمْلُوكِينَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ لُقْمانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجّارًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ حِبّانَ في الضُّعَفاءِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اتَّخِذُوا السُّودانَ فَإنَّ ثَلاثَةً مِنهم ساداتُ أهْلِ الجَنَّةِ: لُقْمانَ الحَكِيمَ، والنَّجاشِيَّ، وبِلالَ المُؤَذِّنَ» . قالَ الطَّبَرانِيُّ: أرادَ الحَبَشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ يَعْنِي العَقْلَ والفَهْمَ والفِطْنَةَ في غَيْرِ نُبُوَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الرّاوِيَ عَنْهُ جابِرُ الجُعْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ إذا اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ» . وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الحَدِيثِ رِواياتٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ تَتَضَمَّنُ كَلِماتٍ مِن مَواعِظِ لُقْمانَ وحِكَمِهِ، ولَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ولا ثَبْتَ إسْنادٌ صَحِيحٌ إلى لُقْمانَ بِشَيْءٍ مِنها حَتّى نَقْبَلَهُ. وقَدْ حَكى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن مَواعِظِهِ لِابْنِهِ ما حَكاهُ في هَذا المَوْضِعِ، وفِيهِ كِفايَةٌ، وما عَدا ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَصِحَّ فَلَيْسَ في ذِكْرِهِ إلّا شَغْلَةٌ لِلْحَيِّزِ وقَطِيعَةٌ لِلْوَقْتِ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا حَتّى يَكُونَ ما نُقِلَ عَنْهُ مِن شَرْعِ مَن قَبْلَنا، ولا صَحَّ إسْنادُ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الكَلِماتِ حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ ذَلِكَ مِن تَدْوِينِ كَلِماتِ الحِكْمَةِ الَّتِي هي ضالَّةُ المُؤْمِنِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ قالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ قالَ: شِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ وخَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ قالَ: «لِيُّ الشِّدْقِ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ لا تَتَكَبَّرْ فَتَحْتَقِرْ عِبادَ اللَّهِ وتُعْرِضْ عَنْهم إذا كَلَّمُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الَّذِي إذا سُلِّمَ عَلَيْهِ لَوى عُنُقَهُ كالمُسْتَكْبِرِ.

لقمان 31:17

اخْتُلِفَ في لُقْمانَ هَلْ هو عَجَمِيٌّ أمْ عَرَبِيٌّ ؟ مُشْتَقٌّ مِنَ اللُّقَمِ، فَمَن قالَ إنَّهُ عَجَمِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ، ومَن قالَ إنَّهُ عَرَبِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ ولِزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا هو نَبِيٌّ أمْ رَجُلٌ صالِحٌ ؟ فَذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ. وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ والشَّعْبِيِّ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، والأوَّلُ أرْجَحُ لِما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ. وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ إلّا عِكْرِمَةُ فَقَطْ، مَعَ أنَّ الرّاوِيَ لِذَلِكَ عَنْهُ جابِرٌ الجُعْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا وهو لُقْمانُ بْنُ باعُورا بْنِ ناحُورَ بْنِ تارِخْ، وهو آزَرُ أبُو إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو لُقْمانُ بْنُ عَنْقا بْنِ مَرْوانَ، وكانَ نُوبِيًّا مِن أهْلِ أيْلَةَ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ. قالَ وهْبٌ: هو ابْنُ أُخْتِ أيُّوبَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ابْنُ خالَتِهِ، عاشَ ألْفَ سَنَةٍ وأخَذَ عَنْهُ العِلْمَ، وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِ داوُدَ، فَلَمّا بُعِثَ داوُدُ قَطَعَ الفَتْوى، فَقِيلَ لَهُ ؟ فَقالَ ألا أكْتَفِي إذْ كُفِيتُ. قالَ الواقِدِيُّ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، والحِكْمَةُ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ هي الفِقْهُ والعَقْلُ والإصابَةُ في القَوْلِ وفَسَّرَ الحِكْمَةَ مَن قالَ بِنُبُوَّتِهِ بِالنُّبُوَّةِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، لِأنَّ في إيتاءِ الحِكْمَةِ مَعْنى القَوْلِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ قُلْنا لَهُ أنِ اشْكُرْ لِي. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ؛ لِأنِ اشْكُرْ لِي. وقِيلَ: بِأنِ اشْكُرْ لِي فَشَكَرَ فَكانَ حَكِيمًا بِشُكْرِهِ والشُّكْرُ لِلَّهِ الثَّناءُ عَلَيْهِ في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ وطاعَتِهِ فِيما أُمِرَ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ الشُّكْرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ إلّا الشّاكِرُ، فَقالَ: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ، وفائِدَتَهُ حاصِلَةٌ لَهُ، إذْ بِهِ تُسْتَبْقى النِّعْمَةُ وبِسَبَبِهِ يُسْتَجْلَبُ المَزِيدُ لَها مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - (p-١١٤٢)﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: مَن جَعَلَ كُفْرَ النِّعَمِ مَكانَ شُكْرِها، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ حَمِيدٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ مِن خَلْقِهِ لِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ الَّتِي لا يُحاطُ بِقَدْرِها ولا يُحْصَرُ عَدَدُها وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ مِن خَلْقِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ ناطِقٌ بِحَمْدِهِ بِلِسانِ الحالِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ حَمِيدٌ في فِعْلِهِ. ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ﴾ قالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُ ابْنِهِ ثارانَ في قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ والقُتَيْبِيِّ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِشْكَمُ. وقالَ النَّقاشُ: أنْعَمُ. وقِيلَ: ماتانَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: كانَ ابْنُهُ وامْرَأتُهُ كافِرَيْنِ فَما زالَ يَعِظُهُما حَتّى أسْلَما، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ حِينَ جَعَلْناهُ شاكِرًا في نَفْسِهِ، وحِينَ جَعَلْناهُ واعِظًا لِغَيْرِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: إذْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِآتَيْنا. والمَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ إذْ قالَ. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُهُ غَلَطًا لِأنَّ في الكَلامِ واوًا وهي تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿وهُوَ يَعِظُهُ﴾ يُخاطِبُهُ بِالمَواعِظِ الَّتِي تُرَغِّبُهُ في التَّوْحِيدِ وتَصُدُّهُ عَنِ الشِّرْكِ ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإسْكانِها. وقَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِها، ونَهْيُهُ عَنِ الشِّرْكِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ كافِرًا كَما تَقَدَّمَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وبَدَأ في وعْظِهِ بِنَهْيِهِ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ مِن غَيْرِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَقِيلَ: هي مِن كَلامِ لُقْمانَ، وقِيلَ: هي مِن كَلامِ اللَّهِ، فَتَكُونُ مُنْقَطِعَةً عَمّا قَبْلَها، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فَطابَتْ أنْفُسُهم. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ هَذِهِ الوَصِيَّةُ بِالوالِدَيْنِ وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامِ لُقْمانَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وتَفْسِيرُ التَّوْصِيَةِ هي قَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ وفي جَعْلِ الشُّكْرِ لَهُما مُقْتَرِنًا بِالشُّكْرِ لِلَّهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ حَقَّهُما مِن أعْظَمِ الحُقُوقِ عَلى الوَلَدِ وأكْبَرِها وأشَدِّها وُجُوبًا ومَعْنى ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ أنَّها حَمَلَتْهُ في بَطْنِها وهي تَزْدادُ كُلِّ يَوْمٍ ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ المَرْأةَ ضَعِيفَةُ الخِلْقَةِ، ثُمَّ يُضْعِفُها الحَمْلُ، وانْتِصابُ وهْنًا عَلى المَصْدَرِ. وقالَ النَّحّاسُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ بِإسْقاطِ الحَرْفِ أيْ: حَمَلَتْهُ بِضَعْفٍ عَلى ضَعْفٍ وقالَ الزَّجّاجُ المَعْنى لَزِمَها بِحَمْلِها إيّاهُ أنْ تَضْعُفَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن أُمِّهِ و﴿عَلى وهْنٍ﴾ صِفَةٌ لِوَهْنًا أيْ: وهْنًا كائِنًا عَلى وهْنٍ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِهِما وهُما لُغَتانِ. قالَ قَعْنَبٌ: ؎هَلْ لِلْعَواذِلِ مِن ناهٍ فَيَزْجُرُها إنَّ العَواذِلَ فِيها الأيْنُ والوَهْنُ ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ الفِصالُ الفِطامُ، وهو أنْ يُفْصَلَ الوَلَدُ عَنِ الأُمِّ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ ويَعْقُوبُ " وفَصْلُهُ " وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: انْفَصَلَ عَنْ كَذا أيْ: تَمَيَّزَ، وبِهِ سُمِّيَ الفَصِيلُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ " أنْ " في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ هي المُفَسِّرَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: بِأنِ اشْكُرْ لِي. قالَ النَّحّاسُ: وأجْوَدُ مِنهُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، وجُمْلَةُ ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ امْتِثالِ الأمْرِ أيِ: الرُّجُوعِ إلَيَّ لا إلى غَيْرِي. ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: ما لا عِلْمَ لَكَ بِشَرِكَتِهِ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الآيَةِ وسَبَبَ نُزُولِها في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْتِصابُ ﴿مَعْرُوفًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وصاحِبْهُما صِحابًا مَعْرُوفًا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والتَّقْدِيرُ بِمَعْرُوفٍ ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ أيِ: اتَّبِعْ سَبِيلَ مَن رَجَعَ إلَيَّ مِن عِبادِي الصّالِحِينَ بِالتَّوْبَةِ والإخْلاصِ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ جَمِيعًا لا إلى غَيْرِي ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُكم عِنْدَ رُجُوعِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَأُجازِيَ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا السِّياقَ مِن قَوْلِهِ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ إلى هُنا مِن كَلامِ لُقْمانَ فَلا يَكُونُ اعْتِراضًا وفِيهِ بُعْدٌ. ثُمَّ شَرَعَ - سُبْحانَهُ - في حِكايَةِ بَقِيَّةِ كَلامِ لُقْمانَ في وعْظِهِ لِابْنِهِ فَقالَ: ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ الضَّمِيرُ في إنَّها عائِدٌ إلى الخَطِيئَةِ لِما رُوِيَ أنَّ ابْنَ لُقْمانَ قالَ لِأبِيهِ: يا أبَتِ إنْ عَمِلْتُ الخَطِيئَةَ حَيْثُ لا يَرانِي أحَدٌ هَلْ يَعْلَمُها اللَّهُ ؟ فَقالَ إنَّها أيِ: الخَطِيئَةُ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُفَسِّرَةٌ لِلضَّمِيرِ أيْ: إنَّ الخَطِيئَةَ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ إنَّ الَّتِي سَألْتَنِي عَنْها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ، وعَبَّرَ بِالخَرْدَلَةِ أنَّها أصْغَرُ الحُبُوبِ ولا يُدْرَكُ بِالحِسِّ ثِقْلُها ولا تُرَجِّحُ مِيزانًا. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في " إنَّها " راجِعٌ إلى الخَصْلَةِ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ أيْ: إنَّ الخَصْلَةَ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ إلَخْ، ثُمَّ زادَ في بَيانِ خَفاءِ الحَبَّةِ مَعَ خِفَّتِها فَقالَ: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ﴾ فَإنَّ كَوْنَها في الصَّخْرَةِ قَدْ صارَتْ في أخْفى مَكانٍ وأحْرَزِهِ ﴿أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ: أوْ حَيْثُ كانَتْ مِن بِقاعِ السَّماواتِ أوْ مِن بِقاعِ الأرْضِ ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ: يُحْضِرُها ويُحاسِبُ فاعِلَها عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، بَلْ يَصِلُ عِلْمُهُ إلى كُلِّ خَفِيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ " إنْ تَكُ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى مَعْنى إنْ تَكُ الخَطِيئَةُ أوِ المَسْألَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ القِصَّةُ. وقَرَءُوا " مِثْقالَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها هو أحَدُ تِلْكَ المُقَدَّراتِ. وقَرَأ نافِعٌ بِرَفْعِ " مِثْقالَ " عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وهي تامَّةٌ. وأنَّثَ الفِعْلَ في هَذِهِ القِراءَةِ لِإضافَةِ مِثْقالٍ إلى المُؤَنَّثِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَكُنْ " بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِها وتَشْدِيدِ النُّونِ: مِنَ الكَنِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ المُغَطّى. قالَ السُّدِّيُّ: هَذِهِ الصَّخْرَةُ هي صَخْرَةٌ لَيْسَتْ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ لُقْمانَ أنَّهُ أمَرَ ابْنَهُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ (p-١١٤٣)المُنْكَرِ والصَّبْرِ عَلى المُصِيبَةِ. ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الطّاعاتِ أنَّها أُمَّهاتُ العِباداتِ وعِمادُ الخَيْرِ كُلَّهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى الطّاعاتِ المَذْكُورَةِ. وخَبَرُ إنَّ: قَوْلُهُ: ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ عَزِيمَةً، وأوْجَبَهُ عَلى عِبادِهِ. وقِيلَ المَعْنى مِن حَقِّ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، والعَزْمُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَعْزُومِ: أيْ: مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ أوْ بِمَعْنى العازِمِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [محمد: ٢١] قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ العَيْنَ تُبْدَلُ حاءً، فَيُقالُ: عَزْمٌ وحَزْمٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّ ذَلِكَ مِن مَكارِمِ أهْلِ الأخْلاقِ وعَزائِمِ أهْلِ الحَزْمِ السّالِكِينَ طَرِيقَ النَّجاةِ، وصَوَّبَ هَذا القُرْطُبِيُّ. " ولا تُصاعِرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ " قَرَأ الجُمْهُورُ " تُصَعِّرْ " وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٍ " تُصاعِرْ " والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والصَّعَرُ المَيْلُ، يُقالُ: صَعَّرَ خَدَّهُ وصاعَرَ خَدَّهُ: إذا أمالَ وجْهَهُ وأعْرَضَ تَكَبُّرًا. والمَعْنى: لا تُعْرِضْ عَنِ النّاسِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ مَشَيْنا إلَيْهِ بِالسُّيُوفِ نُعاتِبُهْ ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذا: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما قالَ الهَرَوِيُّ " ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ " أيْ: لا تُعْرِضْ عَنْهم تَكَبُّرًا، يُقالُ: أصابَ البَعِيرَ صَعَرٌ: إذا أصابَهُ داءٌ يَلْوِي عُنُقَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: ولا تَلْوِ شِدْقَكَ إذا ذُكِرَ الرَّجُلُ عِنْدَكَ كَأنَّكَ تَحْتَقِرُهُ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِندادَ: كَأنَّهُ نَهى أنْ يُذِلَّ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، ولَعَلَّهُ فَهِمَ مِنَ التَّصْعِيرِ التَّذَلُّلَ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ: خُيَلاءَ وفَرِحًا، والمَعْنى النَّهْيُ عَنِ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ، والمُخْتالُ يَمْرَحُ في مَشْيِهِ، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ؛ لِأنَّ الِاخْتِيالَ هو المَرَحُ، والفَخُورُ هو الَّذِي يَفْتَخِرُ عَلى النّاسِ بِما لَهُ مِنَ المالِ أوِ الشَّرَفِ أوِ القُوَّةِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ولَيْسَ مِنهُ التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] . ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ أيْ: تَوَسَّطْ فِيهِ، والقَصْدُ ما بَيْنَ الإسْراعِ والبُطْءِ، يُقالُ: قَصَدَ فُلانٌ في مِشْيَتِهِ: إذا مَشى مُسْتَوِيًا لا يَدِبُّ دَبِيبَ المُتَماوِتِينَ ولا يَثِبُ وُثُوبَ الشَّياطِينِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ إذا مَشى أسْرَعَ»، فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ القَصْدُ هُنا عَلى ما جاوَزَ الحَدَّ في السُّرْعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلَّ في مِشْيَتِكَ. وقالَ عَطاءٌ: امْشِ بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] . ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أيِ: انْقُصْ مِنهُ واخْفِضْهُ ولا تَتَكَلَّفْ رَفْعَهُ، فَإنَّ الجَهْرَ بِأكْثَرَ مِنَ الحاجَةِ يُؤْذِي السّامِعَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ أيْ: أوْحَشُها وأقْبَحُها. قالَ قَتادَةُ: أقْبَحُ الأصْواتِ صَوْتُ الحَمِيرِ أوَّلُهُ زَفِيرٌ وآخِرُهُ شَهِيقٌ. قالَ المُبَرِّدُ: تَأْوِيلُهُ إنَّ الجَهْرَ بِالصَّوْتِ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ وإنَّهُ داخِلٌ في بابِ الصَّوْتِ المُنْكَرِ، واللّامُ في ﴿لَصَوْتُ﴾ لِلتَّأْكِيدِ، ووَحَّدَ الصَّوْتَ مَعَ كَوْنِهِ مُضافًا إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وهو مَصْدَرُ صاتَ يَصُوتُ صَوْتًا فَهو صائِتٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أتَدْرُونَ ما كانَ لُقْمانُ ؟» قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «كانَ حَبَشِيًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المَمْلُوكِينَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ لُقْمانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجّارًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ حِبّانَ في الضُّعَفاءِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اتَّخِذُوا السُّودانَ فَإنَّ ثَلاثَةً مِنهم ساداتُ أهْلِ الجَنَّةِ: لُقْمانَ الحَكِيمَ، والنَّجاشِيَّ، وبِلالَ المُؤَذِّنَ» . قالَ الطَّبَرانِيُّ: أرادَ الحَبَشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ يَعْنِي العَقْلَ والفَهْمَ والفِطْنَةَ في غَيْرِ نُبُوَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الرّاوِيَ عَنْهُ جابِرُ الجُعْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ إذا اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ» . وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الحَدِيثِ رِواياتٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ تَتَضَمَّنُ كَلِماتٍ مِن مَواعِظِ لُقْمانَ وحِكَمِهِ، ولَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ولا ثَبْتَ إسْنادٌ صَحِيحٌ إلى لُقْمانَ بِشَيْءٍ مِنها حَتّى نَقْبَلَهُ. وقَدْ حَكى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن مَواعِظِهِ لِابْنِهِ ما حَكاهُ في هَذا المَوْضِعِ، وفِيهِ كِفايَةٌ، وما عَدا ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَصِحَّ فَلَيْسَ في ذِكْرِهِ إلّا شَغْلَةٌ لِلْحَيِّزِ وقَطِيعَةٌ لِلْوَقْتِ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا حَتّى يَكُونَ ما نُقِلَ عَنْهُ مِن شَرْعِ مَن قَبْلَنا، ولا صَحَّ إسْنادُ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الكَلِماتِ حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ ذَلِكَ مِن تَدْوِينِ كَلِماتِ الحِكْمَةِ الَّتِي هي ضالَّةُ المُؤْمِنِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ قالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ قالَ: شِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ وخَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ قالَ: «لِيُّ الشِّدْقِ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ لا تَتَكَبَّرْ فَتَحْتَقِرْ عِبادَ اللَّهِ وتُعْرِضْ عَنْهم إذا كَلَّمُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الَّذِي إذا سُلِّمَ عَلَيْهِ لَوى عُنُقَهُ كالمُسْتَكْبِرِ.

لقمان 31:18

اخْتُلِفَ في لُقْمانَ هَلْ هو عَجَمِيٌّ أمْ عَرَبِيٌّ ؟ مُشْتَقٌّ مِنَ اللُّقَمِ، فَمَن قالَ إنَّهُ عَجَمِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ، ومَن قالَ إنَّهُ عَرَبِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ ولِزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا هو نَبِيٌّ أمْ رَجُلٌ صالِحٌ ؟ فَذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ. وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ والشَّعْبِيِّ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، والأوَّلُ أرْجَحُ لِما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ. وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ إلّا عِكْرِمَةُ فَقَطْ، مَعَ أنَّ الرّاوِيَ لِذَلِكَ عَنْهُ جابِرٌ الجُعْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا وهو لُقْمانُ بْنُ باعُورا بْنِ ناحُورَ بْنِ تارِخْ، وهو آزَرُ أبُو إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو لُقْمانُ بْنُ عَنْقا بْنِ مَرْوانَ، وكانَ نُوبِيًّا مِن أهْلِ أيْلَةَ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ. قالَ وهْبٌ: هو ابْنُ أُخْتِ أيُّوبَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ابْنُ خالَتِهِ، عاشَ ألْفَ سَنَةٍ وأخَذَ عَنْهُ العِلْمَ، وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِ داوُدَ، فَلَمّا بُعِثَ داوُدُ قَطَعَ الفَتْوى، فَقِيلَ لَهُ ؟ فَقالَ ألا أكْتَفِي إذْ كُفِيتُ. قالَ الواقِدِيُّ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، والحِكْمَةُ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ هي الفِقْهُ والعَقْلُ والإصابَةُ في القَوْلِ وفَسَّرَ الحِكْمَةَ مَن قالَ بِنُبُوَّتِهِ بِالنُّبُوَّةِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، لِأنَّ في إيتاءِ الحِكْمَةِ مَعْنى القَوْلِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ قُلْنا لَهُ أنِ اشْكُرْ لِي. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ؛ لِأنِ اشْكُرْ لِي. وقِيلَ: بِأنِ اشْكُرْ لِي فَشَكَرَ فَكانَ حَكِيمًا بِشُكْرِهِ والشُّكْرُ لِلَّهِ الثَّناءُ عَلَيْهِ في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ وطاعَتِهِ فِيما أُمِرَ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ الشُّكْرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ إلّا الشّاكِرُ، فَقالَ: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ، وفائِدَتَهُ حاصِلَةٌ لَهُ، إذْ بِهِ تُسْتَبْقى النِّعْمَةُ وبِسَبَبِهِ يُسْتَجْلَبُ المَزِيدُ لَها مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - (p-١١٤٢)﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: مَن جَعَلَ كُفْرَ النِّعَمِ مَكانَ شُكْرِها، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ حَمِيدٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ مِن خَلْقِهِ لِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ الَّتِي لا يُحاطُ بِقَدْرِها ولا يُحْصَرُ عَدَدُها وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ مِن خَلْقِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ ناطِقٌ بِحَمْدِهِ بِلِسانِ الحالِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ حَمِيدٌ في فِعْلِهِ. ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ﴾ قالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُ ابْنِهِ ثارانَ في قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ والقُتَيْبِيِّ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِشْكَمُ. وقالَ النَّقاشُ: أنْعَمُ. وقِيلَ: ماتانَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: كانَ ابْنُهُ وامْرَأتُهُ كافِرَيْنِ فَما زالَ يَعِظُهُما حَتّى أسْلَما، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ حِينَ جَعَلْناهُ شاكِرًا في نَفْسِهِ، وحِينَ جَعَلْناهُ واعِظًا لِغَيْرِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: إذْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِآتَيْنا. والمَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ إذْ قالَ. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُهُ غَلَطًا لِأنَّ في الكَلامِ واوًا وهي تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿وهُوَ يَعِظُهُ﴾ يُخاطِبُهُ بِالمَواعِظِ الَّتِي تُرَغِّبُهُ في التَّوْحِيدِ وتَصُدُّهُ عَنِ الشِّرْكِ ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإسْكانِها. وقَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِها، ونَهْيُهُ عَنِ الشِّرْكِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ كافِرًا كَما تَقَدَّمَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وبَدَأ في وعْظِهِ بِنَهْيِهِ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ مِن غَيْرِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَقِيلَ: هي مِن كَلامِ لُقْمانَ، وقِيلَ: هي مِن كَلامِ اللَّهِ، فَتَكُونُ مُنْقَطِعَةً عَمّا قَبْلَها، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فَطابَتْ أنْفُسُهم. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ هَذِهِ الوَصِيَّةُ بِالوالِدَيْنِ وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامِ لُقْمانَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وتَفْسِيرُ التَّوْصِيَةِ هي قَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ وفي جَعْلِ الشُّكْرِ لَهُما مُقْتَرِنًا بِالشُّكْرِ لِلَّهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ حَقَّهُما مِن أعْظَمِ الحُقُوقِ عَلى الوَلَدِ وأكْبَرِها وأشَدِّها وُجُوبًا ومَعْنى ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ أنَّها حَمَلَتْهُ في بَطْنِها وهي تَزْدادُ كُلِّ يَوْمٍ ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ المَرْأةَ ضَعِيفَةُ الخِلْقَةِ، ثُمَّ يُضْعِفُها الحَمْلُ، وانْتِصابُ وهْنًا عَلى المَصْدَرِ. وقالَ النَّحّاسُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ بِإسْقاطِ الحَرْفِ أيْ: حَمَلَتْهُ بِضَعْفٍ عَلى ضَعْفٍ وقالَ الزَّجّاجُ المَعْنى لَزِمَها بِحَمْلِها إيّاهُ أنْ تَضْعُفَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن أُمِّهِ و﴿عَلى وهْنٍ﴾ صِفَةٌ لِوَهْنًا أيْ: وهْنًا كائِنًا عَلى وهْنٍ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِهِما وهُما لُغَتانِ. قالَ قَعْنَبٌ: ؎هَلْ لِلْعَواذِلِ مِن ناهٍ فَيَزْجُرُها إنَّ العَواذِلَ فِيها الأيْنُ والوَهْنُ ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ الفِصالُ الفِطامُ، وهو أنْ يُفْصَلَ الوَلَدُ عَنِ الأُمِّ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ ويَعْقُوبُ " وفَصْلُهُ " وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: انْفَصَلَ عَنْ كَذا أيْ: تَمَيَّزَ، وبِهِ سُمِّيَ الفَصِيلُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ " أنْ " في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ هي المُفَسِّرَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: بِأنِ اشْكُرْ لِي. قالَ النَّحّاسُ: وأجْوَدُ مِنهُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، وجُمْلَةُ ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ امْتِثالِ الأمْرِ أيِ: الرُّجُوعِ إلَيَّ لا إلى غَيْرِي. ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: ما لا عِلْمَ لَكَ بِشَرِكَتِهِ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الآيَةِ وسَبَبَ نُزُولِها في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْتِصابُ ﴿مَعْرُوفًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وصاحِبْهُما صِحابًا مَعْرُوفًا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والتَّقْدِيرُ بِمَعْرُوفٍ ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ أيِ: اتَّبِعْ سَبِيلَ مَن رَجَعَ إلَيَّ مِن عِبادِي الصّالِحِينَ بِالتَّوْبَةِ والإخْلاصِ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ جَمِيعًا لا إلى غَيْرِي ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُكم عِنْدَ رُجُوعِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَأُجازِيَ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا السِّياقَ مِن قَوْلِهِ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ إلى هُنا مِن كَلامِ لُقْمانَ فَلا يَكُونُ اعْتِراضًا وفِيهِ بُعْدٌ. ثُمَّ شَرَعَ - سُبْحانَهُ - في حِكايَةِ بَقِيَّةِ كَلامِ لُقْمانَ في وعْظِهِ لِابْنِهِ فَقالَ: ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ الضَّمِيرُ في إنَّها عائِدٌ إلى الخَطِيئَةِ لِما رُوِيَ أنَّ ابْنَ لُقْمانَ قالَ لِأبِيهِ: يا أبَتِ إنْ عَمِلْتُ الخَطِيئَةَ حَيْثُ لا يَرانِي أحَدٌ هَلْ يَعْلَمُها اللَّهُ ؟ فَقالَ إنَّها أيِ: الخَطِيئَةُ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُفَسِّرَةٌ لِلضَّمِيرِ أيْ: إنَّ الخَطِيئَةَ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ إنَّ الَّتِي سَألْتَنِي عَنْها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ، وعَبَّرَ بِالخَرْدَلَةِ أنَّها أصْغَرُ الحُبُوبِ ولا يُدْرَكُ بِالحِسِّ ثِقْلُها ولا تُرَجِّحُ مِيزانًا. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في " إنَّها " راجِعٌ إلى الخَصْلَةِ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ أيْ: إنَّ الخَصْلَةَ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ إلَخْ، ثُمَّ زادَ في بَيانِ خَفاءِ الحَبَّةِ مَعَ خِفَّتِها فَقالَ: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ﴾ فَإنَّ كَوْنَها في الصَّخْرَةِ قَدْ صارَتْ في أخْفى مَكانٍ وأحْرَزِهِ ﴿أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ: أوْ حَيْثُ كانَتْ مِن بِقاعِ السَّماواتِ أوْ مِن بِقاعِ الأرْضِ ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ: يُحْضِرُها ويُحاسِبُ فاعِلَها عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، بَلْ يَصِلُ عِلْمُهُ إلى كُلِّ خَفِيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ " إنْ تَكُ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى مَعْنى إنْ تَكُ الخَطِيئَةُ أوِ المَسْألَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ القِصَّةُ. وقَرَءُوا " مِثْقالَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها هو أحَدُ تِلْكَ المُقَدَّراتِ. وقَرَأ نافِعٌ بِرَفْعِ " مِثْقالَ " عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وهي تامَّةٌ. وأنَّثَ الفِعْلَ في هَذِهِ القِراءَةِ لِإضافَةِ مِثْقالٍ إلى المُؤَنَّثِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَكُنْ " بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِها وتَشْدِيدِ النُّونِ: مِنَ الكَنِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ المُغَطّى. قالَ السُّدِّيُّ: هَذِهِ الصَّخْرَةُ هي صَخْرَةٌ لَيْسَتْ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ لُقْمانَ أنَّهُ أمَرَ ابْنَهُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ (p-١١٤٣)المُنْكَرِ والصَّبْرِ عَلى المُصِيبَةِ. ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الطّاعاتِ أنَّها أُمَّهاتُ العِباداتِ وعِمادُ الخَيْرِ كُلَّهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى الطّاعاتِ المَذْكُورَةِ. وخَبَرُ إنَّ: قَوْلُهُ: ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ عَزِيمَةً، وأوْجَبَهُ عَلى عِبادِهِ. وقِيلَ المَعْنى مِن حَقِّ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، والعَزْمُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَعْزُومِ: أيْ: مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ أوْ بِمَعْنى العازِمِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [محمد: ٢١] قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ العَيْنَ تُبْدَلُ حاءً، فَيُقالُ: عَزْمٌ وحَزْمٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّ ذَلِكَ مِن مَكارِمِ أهْلِ الأخْلاقِ وعَزائِمِ أهْلِ الحَزْمِ السّالِكِينَ طَرِيقَ النَّجاةِ، وصَوَّبَ هَذا القُرْطُبِيُّ. " ولا تُصاعِرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ " قَرَأ الجُمْهُورُ " تُصَعِّرْ " وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٍ " تُصاعِرْ " والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والصَّعَرُ المَيْلُ، يُقالُ: صَعَّرَ خَدَّهُ وصاعَرَ خَدَّهُ: إذا أمالَ وجْهَهُ وأعْرَضَ تَكَبُّرًا. والمَعْنى: لا تُعْرِضْ عَنِ النّاسِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ مَشَيْنا إلَيْهِ بِالسُّيُوفِ نُعاتِبُهْ ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذا: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما قالَ الهَرَوِيُّ " ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ " أيْ: لا تُعْرِضْ عَنْهم تَكَبُّرًا، يُقالُ: أصابَ البَعِيرَ صَعَرٌ: إذا أصابَهُ داءٌ يَلْوِي عُنُقَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: ولا تَلْوِ شِدْقَكَ إذا ذُكِرَ الرَّجُلُ عِنْدَكَ كَأنَّكَ تَحْتَقِرُهُ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِندادَ: كَأنَّهُ نَهى أنْ يُذِلَّ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، ولَعَلَّهُ فَهِمَ مِنَ التَّصْعِيرِ التَّذَلُّلَ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ: خُيَلاءَ وفَرِحًا، والمَعْنى النَّهْيُ عَنِ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ، والمُخْتالُ يَمْرَحُ في مَشْيِهِ، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ؛ لِأنَّ الِاخْتِيالَ هو المَرَحُ، والفَخُورُ هو الَّذِي يَفْتَخِرُ عَلى النّاسِ بِما لَهُ مِنَ المالِ أوِ الشَّرَفِ أوِ القُوَّةِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ولَيْسَ مِنهُ التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] . ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ أيْ: تَوَسَّطْ فِيهِ، والقَصْدُ ما بَيْنَ الإسْراعِ والبُطْءِ، يُقالُ: قَصَدَ فُلانٌ في مِشْيَتِهِ: إذا مَشى مُسْتَوِيًا لا يَدِبُّ دَبِيبَ المُتَماوِتِينَ ولا يَثِبُ وُثُوبَ الشَّياطِينِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ إذا مَشى أسْرَعَ»، فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ القَصْدُ هُنا عَلى ما جاوَزَ الحَدَّ في السُّرْعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلَّ في مِشْيَتِكَ. وقالَ عَطاءٌ: امْشِ بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] . ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أيِ: انْقُصْ مِنهُ واخْفِضْهُ ولا تَتَكَلَّفْ رَفْعَهُ، فَإنَّ الجَهْرَ بِأكْثَرَ مِنَ الحاجَةِ يُؤْذِي السّامِعَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ أيْ: أوْحَشُها وأقْبَحُها. قالَ قَتادَةُ: أقْبَحُ الأصْواتِ صَوْتُ الحَمِيرِ أوَّلُهُ زَفِيرٌ وآخِرُهُ شَهِيقٌ. قالَ المُبَرِّدُ: تَأْوِيلُهُ إنَّ الجَهْرَ بِالصَّوْتِ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ وإنَّهُ داخِلٌ في بابِ الصَّوْتِ المُنْكَرِ، واللّامُ في ﴿لَصَوْتُ﴾ لِلتَّأْكِيدِ، ووَحَّدَ الصَّوْتَ مَعَ كَوْنِهِ مُضافًا إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وهو مَصْدَرُ صاتَ يَصُوتُ صَوْتًا فَهو صائِتٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أتَدْرُونَ ما كانَ لُقْمانُ ؟» قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «كانَ حَبَشِيًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المَمْلُوكِينَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ لُقْمانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجّارًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ حِبّانَ في الضُّعَفاءِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اتَّخِذُوا السُّودانَ فَإنَّ ثَلاثَةً مِنهم ساداتُ أهْلِ الجَنَّةِ: لُقْمانَ الحَكِيمَ، والنَّجاشِيَّ، وبِلالَ المُؤَذِّنَ» . قالَ الطَّبَرانِيُّ: أرادَ الحَبَشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ يَعْنِي العَقْلَ والفَهْمَ والفِطْنَةَ في غَيْرِ نُبُوَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الرّاوِيَ عَنْهُ جابِرُ الجُعْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ إذا اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ» . وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الحَدِيثِ رِواياتٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ تَتَضَمَّنُ كَلِماتٍ مِن مَواعِظِ لُقْمانَ وحِكَمِهِ، ولَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ولا ثَبْتَ إسْنادٌ صَحِيحٌ إلى لُقْمانَ بِشَيْءٍ مِنها حَتّى نَقْبَلَهُ. وقَدْ حَكى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن مَواعِظِهِ لِابْنِهِ ما حَكاهُ في هَذا المَوْضِعِ، وفِيهِ كِفايَةٌ، وما عَدا ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَصِحَّ فَلَيْسَ في ذِكْرِهِ إلّا شَغْلَةٌ لِلْحَيِّزِ وقَطِيعَةٌ لِلْوَقْتِ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا حَتّى يَكُونَ ما نُقِلَ عَنْهُ مِن شَرْعِ مَن قَبْلَنا، ولا صَحَّ إسْنادُ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الكَلِماتِ حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ ذَلِكَ مِن تَدْوِينِ كَلِماتِ الحِكْمَةِ الَّتِي هي ضالَّةُ المُؤْمِنِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ قالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ قالَ: شِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ وخَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ قالَ: «لِيُّ الشِّدْقِ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ لا تَتَكَبَّرْ فَتَحْتَقِرْ عِبادَ اللَّهِ وتُعْرِضْ عَنْهم إذا كَلَّمُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الَّذِي إذا سُلِّمَ عَلَيْهِ لَوى عُنُقَهُ كالمُسْتَكْبِرِ.