Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — لقمان 31:19 – السجدة 32:11

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. لقمان 31:19
  2. لقمان 31:20
  3. لقمان 31:21
  4. لقمان 31:22
  5. لقمان 31:23
  6. لقمان 31:24
  7. لقمان 31:25
  8. لقمان 31:26
  9. لقمان 31:27
  10. لقمان 31:28
  11. لقمان 31:29
  12. لقمان 31:30
  13. لقمان 31:31
  14. لقمان 31:32
  15. لقمان 31:33
  16. لقمان 31:34
  17. السجدة 32:1
  18. السجدة 32:2
  19. السجدة 32:3
  20. السجدة 32:4
  21. السجدة 32:5
  22. السجدة 32:6
  23. السجدة 32:7
  24. السجدة 32:8
  25. السجدة 32:9
  26. السجدة 32:10
  27. السجدة 32:11

لقمان 31:19

اخْتُلِفَ في لُقْمانَ هَلْ هو عَجَمِيٌّ أمْ عَرَبِيٌّ ؟ مُشْتَقٌّ مِنَ اللُّقَمِ، فَمَن قالَ إنَّهُ عَجَمِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ، ومَن قالَ إنَّهُ عَرَبِيٌّ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ ولِزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا هو نَبِيٌّ أمْ رَجُلٌ صالِحٌ ؟ فَذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ. وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ والشَّعْبِيِّ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، والأوَّلُ أرْجَحُ لِما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ. وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ إلّا عِكْرِمَةُ فَقَطْ، مَعَ أنَّ الرّاوِيَ لِذَلِكَ عَنْهُ جابِرٌ الجُعْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا وهو لُقْمانُ بْنُ باعُورا بْنِ ناحُورَ بْنِ تارِخْ، وهو آزَرُ أبُو إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو لُقْمانُ بْنُ عَنْقا بْنِ مَرْوانَ، وكانَ نُوبِيًّا مِن أهْلِ أيْلَةَ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ. قالَ وهْبٌ: هو ابْنُ أُخْتِ أيُّوبَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ابْنُ خالَتِهِ، عاشَ ألْفَ سَنَةٍ وأخَذَ عَنْهُ العِلْمَ، وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِ داوُدَ، فَلَمّا بُعِثَ داوُدُ قَطَعَ الفَتْوى، فَقِيلَ لَهُ ؟ فَقالَ ألا أكْتَفِي إذْ كُفِيتُ. قالَ الواقِدِيُّ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، والحِكْمَةُ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ هي الفِقْهُ والعَقْلُ والإصابَةُ في القَوْلِ وفَسَّرَ الحِكْمَةَ مَن قالَ بِنُبُوَّتِهِ بِالنُّبُوَّةِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، لِأنَّ في إيتاءِ الحِكْمَةِ مَعْنى القَوْلِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ قُلْنا لَهُ أنِ اشْكُرْ لِي. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ؛ لِأنِ اشْكُرْ لِي. وقِيلَ: بِأنِ اشْكُرْ لِي فَشَكَرَ فَكانَ حَكِيمًا بِشُكْرِهِ والشُّكْرُ لِلَّهِ الثَّناءُ عَلَيْهِ في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ وطاعَتِهِ فِيما أُمِرَ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ الشُّكْرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ إلّا الشّاكِرُ، فَقالَ: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِ، وفائِدَتَهُ حاصِلَةٌ لَهُ، إذْ بِهِ تُسْتَبْقى النِّعْمَةُ وبِسَبَبِهِ يُسْتَجْلَبُ المَزِيدُ لَها مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - (p-١١٤٢)﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: مَن جَعَلَ كُفْرَ النِّعَمِ مَكانَ شُكْرِها، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ حَمِيدٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ مِن خَلْقِهِ لِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ الَّتِي لا يُحاطُ بِقَدْرِها ولا يُحْصَرُ عَدَدُها وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ مِن خَلْقِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ ناطِقٌ بِحَمْدِهِ بِلِسانِ الحالِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ حَمِيدٌ في فِعْلِهِ. ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ﴾ قالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُ ابْنِهِ ثارانَ في قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ والقُتَيْبِيِّ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِشْكَمُ. وقالَ النَّقاشُ: أنْعَمُ. وقِيلَ: ماتانَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: كانَ ابْنُهُ وامْرَأتُهُ كافِرَيْنِ فَما زالَ يَعِظُهُما حَتّى أسْلَما، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ حِينَ جَعَلْناهُ شاكِرًا في نَفْسِهِ، وحِينَ جَعَلْناهُ واعِظًا لِغَيْرِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: إذْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِآتَيْنا. والمَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ إذْ قالَ. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُهُ غَلَطًا لِأنَّ في الكَلامِ واوًا وهي تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿وهُوَ يَعِظُهُ﴾ يُخاطِبُهُ بِالمَواعِظِ الَّتِي تُرَغِّبُهُ في التَّوْحِيدِ وتَصُدُّهُ عَنِ الشِّرْكِ ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإسْكانِها. وقَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِها، ونَهْيُهُ عَنِ الشِّرْكِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ كافِرًا كَما تَقَدَّمَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وبَدَأ في وعْظِهِ بِنَهْيِهِ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ مِن غَيْرِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَقِيلَ: هي مِن كَلامِ لُقْمانَ، وقِيلَ: هي مِن كَلامِ اللَّهِ، فَتَكُونُ مُنْقَطِعَةً عَمّا قَبْلَها، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فَطابَتْ أنْفُسُهم. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ هَذِهِ الوَصِيَّةُ بِالوالِدَيْنِ وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامِ لُقْمانَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وتَفْسِيرُ التَّوْصِيَةِ هي قَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ وفي جَعْلِ الشُّكْرِ لَهُما مُقْتَرِنًا بِالشُّكْرِ لِلَّهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ حَقَّهُما مِن أعْظَمِ الحُقُوقِ عَلى الوَلَدِ وأكْبَرِها وأشَدِّها وُجُوبًا ومَعْنى ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ أنَّها حَمَلَتْهُ في بَطْنِها وهي تَزْدادُ كُلِّ يَوْمٍ ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ المَرْأةَ ضَعِيفَةُ الخِلْقَةِ، ثُمَّ يُضْعِفُها الحَمْلُ، وانْتِصابُ وهْنًا عَلى المَصْدَرِ. وقالَ النَّحّاسُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ بِإسْقاطِ الحَرْفِ أيْ: حَمَلَتْهُ بِضَعْفٍ عَلى ضَعْفٍ وقالَ الزَّجّاجُ المَعْنى لَزِمَها بِحَمْلِها إيّاهُ أنْ تَضْعُفَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن أُمِّهِ و﴿عَلى وهْنٍ﴾ صِفَةٌ لِوَهْنًا أيْ: وهْنًا كائِنًا عَلى وهْنٍ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِهِما وهُما لُغَتانِ. قالَ قَعْنَبٌ: ؎هَلْ لِلْعَواذِلِ مِن ناهٍ فَيَزْجُرُها إنَّ العَواذِلَ فِيها الأيْنُ والوَهْنُ ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ الفِصالُ الفِطامُ، وهو أنْ يُفْصَلَ الوَلَدُ عَنِ الأُمِّ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ ويَعْقُوبُ " وفَصْلُهُ " وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: انْفَصَلَ عَنْ كَذا أيْ: تَمَيَّزَ، وبِهِ سُمِّيَ الفَصِيلُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ " أنْ " في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ هي المُفَسِّرَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: بِأنِ اشْكُرْ لِي. قالَ النَّحّاسُ: وأجْوَدُ مِنهُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً، وجُمْلَةُ ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ امْتِثالِ الأمْرِ أيِ: الرُّجُوعِ إلَيَّ لا إلى غَيْرِي. ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: ما لا عِلْمَ لَكَ بِشَرِكَتِهِ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ الآيَةِ وسَبَبَ نُزُولِها في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وانْتِصابُ ﴿مَعْرُوفًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وصاحِبْهُما صِحابًا مَعْرُوفًا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والتَّقْدِيرُ بِمَعْرُوفٍ ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ أيِ: اتَّبِعْ سَبِيلَ مَن رَجَعَ إلَيَّ مِن عِبادِي الصّالِحِينَ بِالتَّوْبَةِ والإخْلاصِ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ جَمِيعًا لا إلى غَيْرِي ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُكم عِنْدَ رُجُوعِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَأُجازِيَ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا السِّياقَ مِن قَوْلِهِ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ إلى هُنا مِن كَلامِ لُقْمانَ فَلا يَكُونُ اعْتِراضًا وفِيهِ بُعْدٌ. ثُمَّ شَرَعَ - سُبْحانَهُ - في حِكايَةِ بَقِيَّةِ كَلامِ لُقْمانَ في وعْظِهِ لِابْنِهِ فَقالَ: ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ الضَّمِيرُ في إنَّها عائِدٌ إلى الخَطِيئَةِ لِما رُوِيَ أنَّ ابْنَ لُقْمانَ قالَ لِأبِيهِ: يا أبَتِ إنْ عَمِلْتُ الخَطِيئَةَ حَيْثُ لا يَرانِي أحَدٌ هَلْ يَعْلَمُها اللَّهُ ؟ فَقالَ إنَّها أيِ: الخَطِيئَةُ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُفَسِّرَةٌ لِلضَّمِيرِ أيْ: إنَّ الخَطِيئَةَ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ إنَّ الَّتِي سَألْتَنِي عَنْها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ، وعَبَّرَ بِالخَرْدَلَةِ أنَّها أصْغَرُ الحُبُوبِ ولا يُدْرَكُ بِالحِسِّ ثِقْلُها ولا تُرَجِّحُ مِيزانًا. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في " إنَّها " راجِعٌ إلى الخَصْلَةِ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ أيْ: إنَّ الخَصْلَةَ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ إلَخْ، ثُمَّ زادَ في بَيانِ خَفاءِ الحَبَّةِ مَعَ خِفَّتِها فَقالَ: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ﴾ فَإنَّ كَوْنَها في الصَّخْرَةِ قَدْ صارَتْ في أخْفى مَكانٍ وأحْرَزِهِ ﴿أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ: أوْ حَيْثُ كانَتْ مِن بِقاعِ السَّماواتِ أوْ مِن بِقاعِ الأرْضِ ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ: يُحْضِرُها ويُحاسِبُ فاعِلَها عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، بَلْ يَصِلُ عِلْمُهُ إلى كُلِّ خَفِيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ " إنْ تَكُ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى مَعْنى إنْ تَكُ الخَطِيئَةُ أوِ المَسْألَةُ أوِ الخَصْلَةُ أوِ القِصَّةُ. وقَرَءُوا " مِثْقالَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها هو أحَدُ تِلْكَ المُقَدَّراتِ. وقَرَأ نافِعٌ بِرَفْعِ " مِثْقالَ " عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وهي تامَّةٌ. وأنَّثَ الفِعْلَ في هَذِهِ القِراءَةِ لِإضافَةِ مِثْقالٍ إلى المُؤَنَّثِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَكُنْ " بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِها وتَشْدِيدِ النُّونِ: مِنَ الكَنِّ الَّذِي هو الشَّيْءُ المُغَطّى. قالَ السُّدِّيُّ: هَذِهِ الصَّخْرَةُ هي صَخْرَةٌ لَيْسَتْ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ لُقْمانَ أنَّهُ أمَرَ ابْنَهُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ (p-١١٤٣)المُنْكَرِ والصَّبْرِ عَلى المُصِيبَةِ. ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الطّاعاتِ أنَّها أُمَّهاتُ العِباداتِ وعِمادُ الخَيْرِ كُلَّهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إلى الطّاعاتِ المَذْكُورَةِ. وخَبَرُ إنَّ: قَوْلُهُ: ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ عَزِيمَةً، وأوْجَبَهُ عَلى عِبادِهِ. وقِيلَ المَعْنى مِن حَقِّ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، والعَزْمُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَعْزُومِ: أيْ: مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ أوْ بِمَعْنى العازِمِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [محمد: ٢١] قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ العَيْنَ تُبْدَلُ حاءً، فَيُقالُ: عَزْمٌ وحَزْمٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّ ذَلِكَ مِن مَكارِمِ أهْلِ الأخْلاقِ وعَزائِمِ أهْلِ الحَزْمِ السّالِكِينَ طَرِيقَ النَّجاةِ، وصَوَّبَ هَذا القُرْطُبِيُّ. " ولا تُصاعِرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ " قَرَأ الجُمْهُورُ " تُصَعِّرْ " وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٍ " تُصاعِرْ " والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والصَّعَرُ المَيْلُ، يُقالُ: صَعَّرَ خَدَّهُ وصاعَرَ خَدَّهُ: إذا أمالَ وجْهَهُ وأعْرَضَ تَكَبُّرًا. والمَعْنى: لا تُعْرِضْ عَنِ النّاسِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ مَشَيْنا إلَيْهِ بِالسُّيُوفِ نُعاتِبُهْ ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذا: ؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما قالَ الهَرَوِيُّ " ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ " أيْ: لا تُعْرِضْ عَنْهم تَكَبُّرًا، يُقالُ: أصابَ البَعِيرَ صَعَرٌ: إذا أصابَهُ داءٌ يَلْوِي عُنُقَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: ولا تَلْوِ شِدْقَكَ إذا ذُكِرَ الرَّجُلُ عِنْدَكَ كَأنَّكَ تَحْتَقِرُهُ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِندادَ: كَأنَّهُ نَهى أنْ يُذِلَّ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، ولَعَلَّهُ فَهِمَ مِنَ التَّصْعِيرِ التَّذَلُّلَ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ: خُيَلاءَ وفَرِحًا، والمَعْنى النَّهْيُ عَنِ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ، والمُخْتالُ يَمْرَحُ في مَشْيِهِ، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ؛ لِأنَّ الِاخْتِيالَ هو المَرَحُ، والفَخُورُ هو الَّذِي يَفْتَخِرُ عَلى النّاسِ بِما لَهُ مِنَ المالِ أوِ الشَّرَفِ أوِ القُوَّةِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ولَيْسَ مِنهُ التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] . ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ أيْ: تَوَسَّطْ فِيهِ، والقَصْدُ ما بَيْنَ الإسْراعِ والبُطْءِ، يُقالُ: قَصَدَ فُلانٌ في مِشْيَتِهِ: إذا مَشى مُسْتَوِيًا لا يَدِبُّ دَبِيبَ المُتَماوِتِينَ ولا يَثِبُ وُثُوبَ الشَّياطِينِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ إذا مَشى أسْرَعَ»، فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ القَصْدُ هُنا عَلى ما جاوَزَ الحَدَّ في السُّرْعَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لا تَخْتَلَّ في مِشْيَتِكَ. وقالَ عَطاءٌ: امْشِ بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] . ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أيِ: انْقُصْ مِنهُ واخْفِضْهُ ولا تَتَكَلَّفْ رَفْعَهُ، فَإنَّ الجَهْرَ بِأكْثَرَ مِنَ الحاجَةِ يُؤْذِي السّامِعَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ أيْ: أوْحَشُها وأقْبَحُها. قالَ قَتادَةُ: أقْبَحُ الأصْواتِ صَوْتُ الحَمِيرِ أوَّلُهُ زَفِيرٌ وآخِرُهُ شَهِيقٌ. قالَ المُبَرِّدُ: تَأْوِيلُهُ إنَّ الجَهْرَ بِالصَّوْتِ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ وإنَّهُ داخِلٌ في بابِ الصَّوْتِ المُنْكَرِ، واللّامُ في ﴿لَصَوْتُ﴾ لِلتَّأْكِيدِ، ووَحَّدَ الصَّوْتَ مَعَ كَوْنِهِ مُضافًا إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وهو مَصْدَرُ صاتَ يَصُوتُ صَوْتًا فَهو صائِتٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أتَدْرُونَ ما كانَ لُقْمانُ ؟» قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «كانَ حَبَشِيًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المَمْلُوكِينَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ لُقْمانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجّارًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ حِبّانَ في الضُّعَفاءِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اتَّخِذُوا السُّودانَ فَإنَّ ثَلاثَةً مِنهم ساداتُ أهْلِ الجَنَّةِ: لُقْمانَ الحَكِيمَ، والنَّجاشِيَّ، وبِلالَ المُؤَذِّنَ» . قالَ الطَّبَرانِيُّ: أرادَ الحَبَشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ يَعْنِي العَقْلَ والفَهْمَ والفِطْنَةَ في غَيْرِ نُبُوَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الرّاوِيَ عَنْهُ جابِرُ الجُعْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ إذا اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ» . وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الحَدِيثِ رِواياتٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ تَتَضَمَّنُ كَلِماتٍ مِن مَواعِظِ لُقْمانَ وحِكَمِهِ، ولَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ولا ثَبْتَ إسْنادٌ صَحِيحٌ إلى لُقْمانَ بِشَيْءٍ مِنها حَتّى نَقْبَلَهُ. وقَدْ حَكى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن مَواعِظِهِ لِابْنِهِ ما حَكاهُ في هَذا المَوْضِعِ، وفِيهِ كِفايَةٌ، وما عَدا ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَصِحَّ فَلَيْسَ في ذِكْرِهِ إلّا شَغْلَةٌ لِلْحَيِّزِ وقَطِيعَةٌ لِلْوَقْتِ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا حَتّى يَكُونَ ما نُقِلَ عَنْهُ مِن شَرْعِ مَن قَبْلَنا، ولا صَحَّ إسْنادُ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الكَلِماتِ حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ ذَلِكَ مِن تَدْوِينِ كَلِماتِ الحِكْمَةِ الَّتِي هي ضالَّةُ المُؤْمِنِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ قالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ قالَ: شِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ وخَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ قالَ: «لِيُّ الشِّدْقِ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ لا تَتَكَبَّرْ فَتَحْتَقِرْ عِبادَ اللَّهِ وتُعْرِضْ عَنْهم إذا كَلَّمُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الَّذِي إذا سُلِّمَ عَلَيْهِ لَوى عُنُقَهُ كالمُسْتَكْبِرِ.

لقمان 31:20

(p-١١٤٤)لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن قِصَّةِ لُقْمانَ رَجَعَ إلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى تَسْخِيرِها لِلْآدَمِيِّينَ الِانْتِفاعُ بِها. انْتَهى، فَمِن مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ أيِ: الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ ونَحْوُ ذَلِكَ. ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ المَلائِكَةُ فَإنَّهم حَفَظَةٌ لِبَنِي آدَمَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، ومِن مَخْلُوقاتِ الأرْضِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ الأحْجارُ والتُّرابُ والزَّرْعُ والشَّجَرُ والثَّمَرُ والحَيَواناتُ الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها والعُشْبُ الَّذِي يَرْعَوْنَ فِيهِ دَوابَّهم وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً، فالمُرادُ بِالتَّسْخِيرِ جَعْلُ المُسَخَّرِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ المُسَخَّرُ لَهُ، سَواءٌ كانَ مُنْقادًا لَهُ وداخِلًا تَحْتَ تَصَرُّفِهِ أمْ لا ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ أيْ: أتَمَّ وأكْمَلَ عَلَيْكم نِعَمَهُ، يُقالُ: سَبَغَتِ النِّعْمَةُ إذا تَمَّتْ وكَمُلَتْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أسْبَغَ " بِالسِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَحْيى بْنُ عُمارَةَ أصْبَغَ، بِالصّادِ مَكانِ السِّينِ. والنِّعَمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ " نِعْمَةً " بِسُكُونِ العَيْنِ عَلى الإفْرادِ والتَّنْوِينِ، اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ ويُدَلُّ بِهِ عَلى الكَثْرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. والمُرادُ بِالنِّعَمِ الظّاهِرَةِ ما يُدْرَكُ بِالعَقْلِ أوِ الحِسِّ ويَعْرِفُهُ مَن يَتَعَرَّفُهُ، وبِالباطِنَةِ ما لا يُدْرَكُ لِلنّاسِ ويَخْفى عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ: الصِّحَّةُ، وكَمالُ الخَلْقِ، والباطِنَةُ المَعْرِفَةُ والعَقْلُ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ ما يُرى بِالأبْصارِ مِنَ المالِ، والجاهِ، والجَمالِ، وفَعْلِ الطّاعاتِ، والباطِنَةُ ما يَجِدُهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ وحُسْنِ اليَقِينِ وما يَدْفَعُهُ اللَّهُ عَنِ البُعْدِ مِنَ الآفاتِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نِعَمُ الدُّنْيا، والباطِنَةُ نِعَمُ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ الإسْلامُ والجَمالُ، والباطِنَةُ ما سَتَرَهُ اللَّهُ عَلى العَبْدِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - في تَوْحِيدِهِ وصِفاتِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ لَهُ وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِن عَقْلٍ ولا نَقْلٍ ﴿ولا هُدًى﴾ يَهْتَدِي بِهِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، بَلْ مُجَرَّدُ تَعَنُّتٍ ومَحْضُ عِنادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: إذا قِيلَ لِهَؤُلاءِ المُجادِلِينَ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنَ الكِتابِ تَمَسَّكُوا بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ البَحْتِ، و﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فَنَعْبُدَ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، ونَمْشِي في الطَّرِيقِ الَّتِي كانُوا يَمْشُونَ بِها في دِينِهِمْ، ثُمَّ قالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ لِلِاسْتِبْعادِ والتَّبْكِيتِ ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ: يَدْعُو آباءَهُمُ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ في دِينِهِمْ أيْ: يَتْبَعُونَهم في الشِّرْكِ، ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو هَؤُلاءِ الأتْباعَ إلى عَذابِ السَّعِيرِ، لِأنَّهُ زَيَّنَ لَهُمُ اتِّباعَ آبائِهِمْ والتَّدَيُّنَ بِدِينِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو جَمِيعَ التّابِعِينَ والمَتْبُوعِينَ إلى العَذابِ، فَدُعاؤُهُ لِلْمَتْبُوعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهُمُ الشِّرْكَ، ودُعاؤُهُ لِلتّابِعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهم دِينَ آبائِهِمْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أيْ: يَدْعُوهم فَيَتَّبِعُونَهم، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. وما أقْبَحَ التَّقْلِيدَ، وأكْثَرَ ضَرَرَهُ عَلى صاحِبِهِ، وأوْخَمَ عاقِبَتَهُ، وأشْأمَ عائِدَتَهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ. فَإنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كَمَن يُرِيدُ أنْ يَذُودَ الفِراشَ عَنْ لَهَبِ النّارِ لِئَلّا تَحْتَرِقَ، فَتَأْبى ذَلِكَ وتَتَهافَتُ في نارِ الحَرِيقِ وعَذابِ السَّعِيرِ. ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: يُفَوِّضُ إلَيْهِ أمْرَهُ، ويُخْلِصُ لَهُ عِبادَتَهُ ويُقْبِلُ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في أعْمالِهِ؛ لِأنَّ العِبادَةَ مِن غَيْرِ إحْسانٍ لَها ولا مَعْرِفَةٍ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ فِيها لا تَقَعُ بِالمَوْقِعِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ عِبادَةُ المُحْسِنِينَ. وقَدْ صَحَّ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَنِ الإحْسانِ أنَّهُ قالَ لَهُ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيِ: اعْتَصَمَ بِالعَهْدِ الأوْثَقِ وتَعَلَّقَ بِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ إلى اللَّهِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَرَقّى إلى شاهِقِ جَبَلٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى حَبْلٍ مُتَدَلٍّ مِنهُ ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ: مَصِيرُها إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ " ومَن يُسَلِّمْ " بِالتَّشْدِيدِ قالَ النَّحّاسُ: والتَّخْفِيفُ في هَذا أعْرَفُ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] . ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ لِذَلِكَ، فَإنَّ كُفْرَهُ لا يَضُرُّكَ، بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكافِرِينَ بَعْدَ فَراغِهِ مِن بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ أيْ: نُخْبِرُهم بِقَبائِحِ أعْمالِهِمْ ونُجازِيهِمْ عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِما تُسِرُّهُ صُدُورُهم لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ فالسِّرُّ عِنْدَهُ كالعَلانِيَةِ. ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا﴾ أيْ: نُبْقِيهِمْ في الدُّنْيا مُدَّةً قَلِيلَةً يَتَمَتَّعُونَ بِها. فَإنَّ النَّعِيمَ الزّائِلَ هو أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّعِيمِ الدّائِمِ. وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَمْتِيعًا قَلِيلًا ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ: نُلْجِئُهم إلى عَذابِ النّارِ. فَإنَّهُ لا أثْقَلَ مِنهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ وأُصِيبَ بِهِ، فَلِهَذا اسْتُعِيرَ لَهُ الغِلَظُ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ خالِقِ ذَلِكَ لِوُضُوحِ الأمْرِ فِيهِ عِنْدَهم. وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ ولِهَذا قالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ الحَمْدُ (p-١١٤٥)لِلَّهِ عَلى اعْتِرافِكم، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ وتَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ ؟ أوِ المَعْنى: فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما هَدانا لَهُ مِن دِينِهِ ولا حَمْدَ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَدَبَّرُونَ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّ خالِقَ هَذِهِ الأشْياءِ هو الَّذِي تَجِبُ لَهُ العِبادَةُ دُونَ غَيْرِهِ. ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ غَيْرِهِ الحَمِيدُ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ أوِ المَحْمُودُ مِن عِبادِهِ بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ وراءَ ذَلِكَ ما لا يُحِيطُ بِهِ عَدَدٌ ولا يُحْصَرُ بِحَدٍّ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامٌ، ووَحَّدَ الشَّجَرَةَ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي أنَّ اسْتِغْراقَ المُفْرَدِ أشْمَلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ شَجَرَةٍ شَجَرَةٍ حَتّى لا يَبْقى مِن جِنْسِ الشَّجَرِ واحِدَةٌ إلّا وقَدْ بُرِيَتْ أقْلامًا، وجَمَعَ الأقْلامَ لِقَصْدِ التَّكْثِيرِ أيْ: لَوْ أنْ يَعُدَّ كُلَّ شَجَرَةٍ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامًا، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو مِن وُقُوعِ المُفْرَدِ مَوْقِعَ الجَمْعِ، والنَّكِرَةِ مَوْقِعَ المَعْرِفَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، ثُمَّ قالَ - سُبْحانُهُ - ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ أيْ: يَمُدُّهُ مِن بَعْدِ نَفادِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " والبَحْرُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و" يَمُدُّهُ " خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ البَحْرَ المُحِيطَ مَعَ سِعَتِهِ يَمُدُّهُ السَّبْعَةُ الأبْحُرِ مَدًّا لا يَنْقَطِعُ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ البَحْرَ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ ولَوْ ثَبَتَ البَحْرُ حالَ كَوْنِهِ تَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ، وقِيلَ: هو مُرْتَفِعٌ بِالعَطْفِ عَلى أنَّ، وما في حَيِّزِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " والبَحْرَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ أنَّ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ يَمُدُّهُ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، والحَسَنُ يُمِدُّهُ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ، مِن أمَدَّ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والبَحْرُ " مِدادُهُ " وجَوابُ لَوْ ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ أيْ: كَلِماتُهُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ مَعْلُوماتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المُرادُ بِالكَلِماتِ واللَّهُ أعْلَمُ ما في المَقْدُورِ دُونَ ما خَرَجَ مِنهُ إلى الوُجُودِ، ووافَقَهُ القَفّالُ فَقالَ: المَعْنى أنَّ الأشْجارَ لَوْ كانَتْ أقْلامًا، والبِحارَ مِدادًا فَكُتِبَ بِها عَجائِبُ صُنْعِ اللَّهِ الدّالَّةُ عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ لَمْ تَنْفَذْ تِلْكَ العَجائِبُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: رَدَّ القَفّالُ مَعْنى الكَلِماتِ إلى المُقَدُوراتِ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى الكَلامِ القَدِيمِ أوْلى. قالَ النَّحّاسُ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّ الكَلِماتِ هاهُنا يُرادُ بِها العِلْمُ وحَقائِقُ الأشْياءِ، لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا عَلِمَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ ما هو خالِقٌ في السَّماواتِ والأرْضِ مِن شَيْءٍ، وعَلِمَ ما فِيهِ مِن مَثاقِيلِ الذَّرِّ، وعَلِمَ الأجْناسَ كُلَّها وما فِيها مِن شَعْرَةٍ وعُضْوٍ وما في الشَّجَرَةِ مِن ورَقَةٍ وما فِيها مِن ضُرُوبِ الخَلْقِ. وقِيلَ: إنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: ما أكْثَرَ كَلامَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] في اليَهُودِ، قالُوا كَيْفَ وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها كَلامُ اللَّهِ وأحْكامُهُ، فَنَزَلَتْ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالبَحْرِ هُنا الماءُ العَذْبُ الَّذِي يُنْبِتُ الأقْلامَ، وأمّا الماءُ المالِحُ فَلا يُنْبِتُ الأقْلامَ. قُلْتُ: ما أسْقَطَ هَذا الكَلامَ وأقَلَّ جَدْواهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ولا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ فَرْدٌ مِن أفْرادِ مَخْلُوقاتِهِ. ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ: إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِها. قالَ النَّحّاسُ: كَذا قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ كَخَلْقِ نَفْسٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . قالَ الزَّجّاجُ أيْ: قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى بَعْثِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ وعَلى خَلْقِهِمْ كَقُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِكُلِّ ما يَسْمَعُ بَصِيرٌ بِكُلِّ ما يُبْصِرُ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَطاءٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ هَذِهِ مِن كُنُوزِ عِلْمِي سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فَما سَوّى مِن خَلْقِكَ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن عَوْرَتِكَ، ولَوْ أبْداها لَقَلاكَ أهْلُكَ فَمَن سِواهم» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ قالَ: " سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فالإسْلامُ وما سَوّى مِن خَلْقِكَ وما أسْبَغَ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن مُساوِي عَمَلِكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ الإسْلامُ، والنِّعْمَةُ الباطِنَةُ كُلُّ ما يَسْتُرُ عَلَيْكم مِنَ الذُّنُوبِ والعُيُوبِ والحُدُودِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في «قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ " أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالمَدِينَةِ: يا مُحَمَّدُ أرَأيْتَ قَوْلَكَ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] إيّانا تُرِيدُ أمْ قَوْمَكَ ؟ فَقالَ كُلًّا، فَقالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ، وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ ؟ فَقالَ: إنَّها في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ» " . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

لقمان 31:21

(p-١١٤٤)لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن قِصَّةِ لُقْمانَ رَجَعَ إلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى تَسْخِيرِها لِلْآدَمِيِّينَ الِانْتِفاعُ بِها. انْتَهى، فَمِن مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ أيِ: الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ ونَحْوُ ذَلِكَ. ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ المَلائِكَةُ فَإنَّهم حَفَظَةٌ لِبَنِي آدَمَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، ومِن مَخْلُوقاتِ الأرْضِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ الأحْجارُ والتُّرابُ والزَّرْعُ والشَّجَرُ والثَّمَرُ والحَيَواناتُ الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها والعُشْبُ الَّذِي يَرْعَوْنَ فِيهِ دَوابَّهم وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً، فالمُرادُ بِالتَّسْخِيرِ جَعْلُ المُسَخَّرِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ المُسَخَّرُ لَهُ، سَواءٌ كانَ مُنْقادًا لَهُ وداخِلًا تَحْتَ تَصَرُّفِهِ أمْ لا ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ أيْ: أتَمَّ وأكْمَلَ عَلَيْكم نِعَمَهُ، يُقالُ: سَبَغَتِ النِّعْمَةُ إذا تَمَّتْ وكَمُلَتْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أسْبَغَ " بِالسِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَحْيى بْنُ عُمارَةَ أصْبَغَ، بِالصّادِ مَكانِ السِّينِ. والنِّعَمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ " نِعْمَةً " بِسُكُونِ العَيْنِ عَلى الإفْرادِ والتَّنْوِينِ، اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ ويُدَلُّ بِهِ عَلى الكَثْرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. والمُرادُ بِالنِّعَمِ الظّاهِرَةِ ما يُدْرَكُ بِالعَقْلِ أوِ الحِسِّ ويَعْرِفُهُ مَن يَتَعَرَّفُهُ، وبِالباطِنَةِ ما لا يُدْرَكُ لِلنّاسِ ويَخْفى عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ: الصِّحَّةُ، وكَمالُ الخَلْقِ، والباطِنَةُ المَعْرِفَةُ والعَقْلُ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ ما يُرى بِالأبْصارِ مِنَ المالِ، والجاهِ، والجَمالِ، وفَعْلِ الطّاعاتِ، والباطِنَةُ ما يَجِدُهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ وحُسْنِ اليَقِينِ وما يَدْفَعُهُ اللَّهُ عَنِ البُعْدِ مِنَ الآفاتِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نِعَمُ الدُّنْيا، والباطِنَةُ نِعَمُ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ الإسْلامُ والجَمالُ، والباطِنَةُ ما سَتَرَهُ اللَّهُ عَلى العَبْدِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - في تَوْحِيدِهِ وصِفاتِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ لَهُ وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِن عَقْلٍ ولا نَقْلٍ ﴿ولا هُدًى﴾ يَهْتَدِي بِهِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، بَلْ مُجَرَّدُ تَعَنُّتٍ ومَحْضُ عِنادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: إذا قِيلَ لِهَؤُلاءِ المُجادِلِينَ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنَ الكِتابِ تَمَسَّكُوا بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ البَحْتِ، و﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فَنَعْبُدَ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، ونَمْشِي في الطَّرِيقِ الَّتِي كانُوا يَمْشُونَ بِها في دِينِهِمْ، ثُمَّ قالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ لِلِاسْتِبْعادِ والتَّبْكِيتِ ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ: يَدْعُو آباءَهُمُ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ في دِينِهِمْ أيْ: يَتْبَعُونَهم في الشِّرْكِ، ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو هَؤُلاءِ الأتْباعَ إلى عَذابِ السَّعِيرِ، لِأنَّهُ زَيَّنَ لَهُمُ اتِّباعَ آبائِهِمْ والتَّدَيُّنَ بِدِينِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو جَمِيعَ التّابِعِينَ والمَتْبُوعِينَ إلى العَذابِ، فَدُعاؤُهُ لِلْمَتْبُوعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهُمُ الشِّرْكَ، ودُعاؤُهُ لِلتّابِعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهم دِينَ آبائِهِمْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أيْ: يَدْعُوهم فَيَتَّبِعُونَهم، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. وما أقْبَحَ التَّقْلِيدَ، وأكْثَرَ ضَرَرَهُ عَلى صاحِبِهِ، وأوْخَمَ عاقِبَتَهُ، وأشْأمَ عائِدَتَهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ. فَإنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كَمَن يُرِيدُ أنْ يَذُودَ الفِراشَ عَنْ لَهَبِ النّارِ لِئَلّا تَحْتَرِقَ، فَتَأْبى ذَلِكَ وتَتَهافَتُ في نارِ الحَرِيقِ وعَذابِ السَّعِيرِ. ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: يُفَوِّضُ إلَيْهِ أمْرَهُ، ويُخْلِصُ لَهُ عِبادَتَهُ ويُقْبِلُ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في أعْمالِهِ؛ لِأنَّ العِبادَةَ مِن غَيْرِ إحْسانٍ لَها ولا مَعْرِفَةٍ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ فِيها لا تَقَعُ بِالمَوْقِعِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ عِبادَةُ المُحْسِنِينَ. وقَدْ صَحَّ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَنِ الإحْسانِ أنَّهُ قالَ لَهُ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيِ: اعْتَصَمَ بِالعَهْدِ الأوْثَقِ وتَعَلَّقَ بِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ إلى اللَّهِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَرَقّى إلى شاهِقِ جَبَلٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى حَبْلٍ مُتَدَلٍّ مِنهُ ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ: مَصِيرُها إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ " ومَن يُسَلِّمْ " بِالتَّشْدِيدِ قالَ النَّحّاسُ: والتَّخْفِيفُ في هَذا أعْرَفُ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] . ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ لِذَلِكَ، فَإنَّ كُفْرَهُ لا يَضُرُّكَ، بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكافِرِينَ بَعْدَ فَراغِهِ مِن بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ أيْ: نُخْبِرُهم بِقَبائِحِ أعْمالِهِمْ ونُجازِيهِمْ عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِما تُسِرُّهُ صُدُورُهم لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ فالسِّرُّ عِنْدَهُ كالعَلانِيَةِ. ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا﴾ أيْ: نُبْقِيهِمْ في الدُّنْيا مُدَّةً قَلِيلَةً يَتَمَتَّعُونَ بِها. فَإنَّ النَّعِيمَ الزّائِلَ هو أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّعِيمِ الدّائِمِ. وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَمْتِيعًا قَلِيلًا ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ: نُلْجِئُهم إلى عَذابِ النّارِ. فَإنَّهُ لا أثْقَلَ مِنهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ وأُصِيبَ بِهِ، فَلِهَذا اسْتُعِيرَ لَهُ الغِلَظُ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ خالِقِ ذَلِكَ لِوُضُوحِ الأمْرِ فِيهِ عِنْدَهم. وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ ولِهَذا قالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ الحَمْدُ (p-١١٤٥)لِلَّهِ عَلى اعْتِرافِكم، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ وتَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ ؟ أوِ المَعْنى: فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما هَدانا لَهُ مِن دِينِهِ ولا حَمْدَ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَدَبَّرُونَ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّ خالِقَ هَذِهِ الأشْياءِ هو الَّذِي تَجِبُ لَهُ العِبادَةُ دُونَ غَيْرِهِ. ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ غَيْرِهِ الحَمِيدُ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ أوِ المَحْمُودُ مِن عِبادِهِ بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ وراءَ ذَلِكَ ما لا يُحِيطُ بِهِ عَدَدٌ ولا يُحْصَرُ بِحَدٍّ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامٌ، ووَحَّدَ الشَّجَرَةَ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي أنَّ اسْتِغْراقَ المُفْرَدِ أشْمَلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ شَجَرَةٍ شَجَرَةٍ حَتّى لا يَبْقى مِن جِنْسِ الشَّجَرِ واحِدَةٌ إلّا وقَدْ بُرِيَتْ أقْلامًا، وجَمَعَ الأقْلامَ لِقَصْدِ التَّكْثِيرِ أيْ: لَوْ أنْ يَعُدَّ كُلَّ شَجَرَةٍ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامًا، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو مِن وُقُوعِ المُفْرَدِ مَوْقِعَ الجَمْعِ، والنَّكِرَةِ مَوْقِعَ المَعْرِفَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، ثُمَّ قالَ - سُبْحانُهُ - ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ أيْ: يَمُدُّهُ مِن بَعْدِ نَفادِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " والبَحْرُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و" يَمُدُّهُ " خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ البَحْرَ المُحِيطَ مَعَ سِعَتِهِ يَمُدُّهُ السَّبْعَةُ الأبْحُرِ مَدًّا لا يَنْقَطِعُ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ البَحْرَ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ ولَوْ ثَبَتَ البَحْرُ حالَ كَوْنِهِ تَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ، وقِيلَ: هو مُرْتَفِعٌ بِالعَطْفِ عَلى أنَّ، وما في حَيِّزِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " والبَحْرَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ أنَّ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ يَمُدُّهُ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، والحَسَنُ يُمِدُّهُ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ، مِن أمَدَّ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والبَحْرُ " مِدادُهُ " وجَوابُ لَوْ ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ أيْ: كَلِماتُهُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ مَعْلُوماتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المُرادُ بِالكَلِماتِ واللَّهُ أعْلَمُ ما في المَقْدُورِ دُونَ ما خَرَجَ مِنهُ إلى الوُجُودِ، ووافَقَهُ القَفّالُ فَقالَ: المَعْنى أنَّ الأشْجارَ لَوْ كانَتْ أقْلامًا، والبِحارَ مِدادًا فَكُتِبَ بِها عَجائِبُ صُنْعِ اللَّهِ الدّالَّةُ عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ لَمْ تَنْفَذْ تِلْكَ العَجائِبُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: رَدَّ القَفّالُ مَعْنى الكَلِماتِ إلى المُقَدُوراتِ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى الكَلامِ القَدِيمِ أوْلى. قالَ النَّحّاسُ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّ الكَلِماتِ هاهُنا يُرادُ بِها العِلْمُ وحَقائِقُ الأشْياءِ، لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا عَلِمَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ ما هو خالِقٌ في السَّماواتِ والأرْضِ مِن شَيْءٍ، وعَلِمَ ما فِيهِ مِن مَثاقِيلِ الذَّرِّ، وعَلِمَ الأجْناسَ كُلَّها وما فِيها مِن شَعْرَةٍ وعُضْوٍ وما في الشَّجَرَةِ مِن ورَقَةٍ وما فِيها مِن ضُرُوبِ الخَلْقِ. وقِيلَ: إنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: ما أكْثَرَ كَلامَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] في اليَهُودِ، قالُوا كَيْفَ وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها كَلامُ اللَّهِ وأحْكامُهُ، فَنَزَلَتْ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالبَحْرِ هُنا الماءُ العَذْبُ الَّذِي يُنْبِتُ الأقْلامَ، وأمّا الماءُ المالِحُ فَلا يُنْبِتُ الأقْلامَ. قُلْتُ: ما أسْقَطَ هَذا الكَلامَ وأقَلَّ جَدْواهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ولا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ فَرْدٌ مِن أفْرادِ مَخْلُوقاتِهِ. ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ: إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِها. قالَ النَّحّاسُ: كَذا قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ كَخَلْقِ نَفْسٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . قالَ الزَّجّاجُ أيْ: قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى بَعْثِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ وعَلى خَلْقِهِمْ كَقُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِكُلِّ ما يَسْمَعُ بَصِيرٌ بِكُلِّ ما يُبْصِرُ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَطاءٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ هَذِهِ مِن كُنُوزِ عِلْمِي سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فَما سَوّى مِن خَلْقِكَ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن عَوْرَتِكَ، ولَوْ أبْداها لَقَلاكَ أهْلُكَ فَمَن سِواهم» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ قالَ: " سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فالإسْلامُ وما سَوّى مِن خَلْقِكَ وما أسْبَغَ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن مُساوِي عَمَلِكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ الإسْلامُ، والنِّعْمَةُ الباطِنَةُ كُلُّ ما يَسْتُرُ عَلَيْكم مِنَ الذُّنُوبِ والعُيُوبِ والحُدُودِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في «قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ " أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالمَدِينَةِ: يا مُحَمَّدُ أرَأيْتَ قَوْلَكَ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] إيّانا تُرِيدُ أمْ قَوْمَكَ ؟ فَقالَ كُلًّا، فَقالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ، وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ ؟ فَقالَ: إنَّها في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ» " . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

لقمان 31:22

(p-١١٤٤)لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن قِصَّةِ لُقْمانَ رَجَعَ إلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى تَسْخِيرِها لِلْآدَمِيِّينَ الِانْتِفاعُ بِها. انْتَهى، فَمِن مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ أيِ: الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ ونَحْوُ ذَلِكَ. ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ المَلائِكَةُ فَإنَّهم حَفَظَةٌ لِبَنِي آدَمَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، ومِن مَخْلُوقاتِ الأرْضِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ الأحْجارُ والتُّرابُ والزَّرْعُ والشَّجَرُ والثَّمَرُ والحَيَواناتُ الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها والعُشْبُ الَّذِي يَرْعَوْنَ فِيهِ دَوابَّهم وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً، فالمُرادُ بِالتَّسْخِيرِ جَعْلُ المُسَخَّرِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ المُسَخَّرُ لَهُ، سَواءٌ كانَ مُنْقادًا لَهُ وداخِلًا تَحْتَ تَصَرُّفِهِ أمْ لا ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ أيْ: أتَمَّ وأكْمَلَ عَلَيْكم نِعَمَهُ، يُقالُ: سَبَغَتِ النِّعْمَةُ إذا تَمَّتْ وكَمُلَتْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أسْبَغَ " بِالسِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَحْيى بْنُ عُمارَةَ أصْبَغَ، بِالصّادِ مَكانِ السِّينِ. والنِّعَمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ " نِعْمَةً " بِسُكُونِ العَيْنِ عَلى الإفْرادِ والتَّنْوِينِ، اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ ويُدَلُّ بِهِ عَلى الكَثْرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. والمُرادُ بِالنِّعَمِ الظّاهِرَةِ ما يُدْرَكُ بِالعَقْلِ أوِ الحِسِّ ويَعْرِفُهُ مَن يَتَعَرَّفُهُ، وبِالباطِنَةِ ما لا يُدْرَكُ لِلنّاسِ ويَخْفى عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ: الصِّحَّةُ، وكَمالُ الخَلْقِ، والباطِنَةُ المَعْرِفَةُ والعَقْلُ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ ما يُرى بِالأبْصارِ مِنَ المالِ، والجاهِ، والجَمالِ، وفَعْلِ الطّاعاتِ، والباطِنَةُ ما يَجِدُهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ وحُسْنِ اليَقِينِ وما يَدْفَعُهُ اللَّهُ عَنِ البُعْدِ مِنَ الآفاتِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نِعَمُ الدُّنْيا، والباطِنَةُ نِعَمُ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ الإسْلامُ والجَمالُ، والباطِنَةُ ما سَتَرَهُ اللَّهُ عَلى العَبْدِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - في تَوْحِيدِهِ وصِفاتِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ لَهُ وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِن عَقْلٍ ولا نَقْلٍ ﴿ولا هُدًى﴾ يَهْتَدِي بِهِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، بَلْ مُجَرَّدُ تَعَنُّتٍ ومَحْضُ عِنادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: إذا قِيلَ لِهَؤُلاءِ المُجادِلِينَ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنَ الكِتابِ تَمَسَّكُوا بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ البَحْتِ، و﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فَنَعْبُدَ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، ونَمْشِي في الطَّرِيقِ الَّتِي كانُوا يَمْشُونَ بِها في دِينِهِمْ، ثُمَّ قالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ لِلِاسْتِبْعادِ والتَّبْكِيتِ ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ: يَدْعُو آباءَهُمُ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ في دِينِهِمْ أيْ: يَتْبَعُونَهم في الشِّرْكِ، ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو هَؤُلاءِ الأتْباعَ إلى عَذابِ السَّعِيرِ، لِأنَّهُ زَيَّنَ لَهُمُ اتِّباعَ آبائِهِمْ والتَّدَيُّنَ بِدِينِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو جَمِيعَ التّابِعِينَ والمَتْبُوعِينَ إلى العَذابِ، فَدُعاؤُهُ لِلْمَتْبُوعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهُمُ الشِّرْكَ، ودُعاؤُهُ لِلتّابِعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهم دِينَ آبائِهِمْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أيْ: يَدْعُوهم فَيَتَّبِعُونَهم، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. وما أقْبَحَ التَّقْلِيدَ، وأكْثَرَ ضَرَرَهُ عَلى صاحِبِهِ، وأوْخَمَ عاقِبَتَهُ، وأشْأمَ عائِدَتَهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ. فَإنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كَمَن يُرِيدُ أنْ يَذُودَ الفِراشَ عَنْ لَهَبِ النّارِ لِئَلّا تَحْتَرِقَ، فَتَأْبى ذَلِكَ وتَتَهافَتُ في نارِ الحَرِيقِ وعَذابِ السَّعِيرِ. ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: يُفَوِّضُ إلَيْهِ أمْرَهُ، ويُخْلِصُ لَهُ عِبادَتَهُ ويُقْبِلُ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في أعْمالِهِ؛ لِأنَّ العِبادَةَ مِن غَيْرِ إحْسانٍ لَها ولا مَعْرِفَةٍ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ فِيها لا تَقَعُ بِالمَوْقِعِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ عِبادَةُ المُحْسِنِينَ. وقَدْ صَحَّ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَنِ الإحْسانِ أنَّهُ قالَ لَهُ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيِ: اعْتَصَمَ بِالعَهْدِ الأوْثَقِ وتَعَلَّقَ بِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ إلى اللَّهِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَرَقّى إلى شاهِقِ جَبَلٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى حَبْلٍ مُتَدَلٍّ مِنهُ ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ: مَصِيرُها إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ " ومَن يُسَلِّمْ " بِالتَّشْدِيدِ قالَ النَّحّاسُ: والتَّخْفِيفُ في هَذا أعْرَفُ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] . ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ لِذَلِكَ، فَإنَّ كُفْرَهُ لا يَضُرُّكَ، بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكافِرِينَ بَعْدَ فَراغِهِ مِن بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ أيْ: نُخْبِرُهم بِقَبائِحِ أعْمالِهِمْ ونُجازِيهِمْ عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِما تُسِرُّهُ صُدُورُهم لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ فالسِّرُّ عِنْدَهُ كالعَلانِيَةِ. ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا﴾ أيْ: نُبْقِيهِمْ في الدُّنْيا مُدَّةً قَلِيلَةً يَتَمَتَّعُونَ بِها. فَإنَّ النَّعِيمَ الزّائِلَ هو أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّعِيمِ الدّائِمِ. وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَمْتِيعًا قَلِيلًا ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ: نُلْجِئُهم إلى عَذابِ النّارِ. فَإنَّهُ لا أثْقَلَ مِنهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ وأُصِيبَ بِهِ، فَلِهَذا اسْتُعِيرَ لَهُ الغِلَظُ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ خالِقِ ذَلِكَ لِوُضُوحِ الأمْرِ فِيهِ عِنْدَهم. وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ ولِهَذا قالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ الحَمْدُ (p-١١٤٥)لِلَّهِ عَلى اعْتِرافِكم، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ وتَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ ؟ أوِ المَعْنى: فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما هَدانا لَهُ مِن دِينِهِ ولا حَمْدَ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَدَبَّرُونَ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّ خالِقَ هَذِهِ الأشْياءِ هو الَّذِي تَجِبُ لَهُ العِبادَةُ دُونَ غَيْرِهِ. ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ غَيْرِهِ الحَمِيدُ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ أوِ المَحْمُودُ مِن عِبادِهِ بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ وراءَ ذَلِكَ ما لا يُحِيطُ بِهِ عَدَدٌ ولا يُحْصَرُ بِحَدٍّ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامٌ، ووَحَّدَ الشَّجَرَةَ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي أنَّ اسْتِغْراقَ المُفْرَدِ أشْمَلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ شَجَرَةٍ شَجَرَةٍ حَتّى لا يَبْقى مِن جِنْسِ الشَّجَرِ واحِدَةٌ إلّا وقَدْ بُرِيَتْ أقْلامًا، وجَمَعَ الأقْلامَ لِقَصْدِ التَّكْثِيرِ أيْ: لَوْ أنْ يَعُدَّ كُلَّ شَجَرَةٍ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامًا، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو مِن وُقُوعِ المُفْرَدِ مَوْقِعَ الجَمْعِ، والنَّكِرَةِ مَوْقِعَ المَعْرِفَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، ثُمَّ قالَ - سُبْحانُهُ - ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ أيْ: يَمُدُّهُ مِن بَعْدِ نَفادِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " والبَحْرُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و" يَمُدُّهُ " خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ البَحْرَ المُحِيطَ مَعَ سِعَتِهِ يَمُدُّهُ السَّبْعَةُ الأبْحُرِ مَدًّا لا يَنْقَطِعُ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ البَحْرَ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ ولَوْ ثَبَتَ البَحْرُ حالَ كَوْنِهِ تَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ، وقِيلَ: هو مُرْتَفِعٌ بِالعَطْفِ عَلى أنَّ، وما في حَيِّزِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " والبَحْرَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ أنَّ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ يَمُدُّهُ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، والحَسَنُ يُمِدُّهُ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ، مِن أمَدَّ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والبَحْرُ " مِدادُهُ " وجَوابُ لَوْ ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ أيْ: كَلِماتُهُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ مَعْلُوماتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المُرادُ بِالكَلِماتِ واللَّهُ أعْلَمُ ما في المَقْدُورِ دُونَ ما خَرَجَ مِنهُ إلى الوُجُودِ، ووافَقَهُ القَفّالُ فَقالَ: المَعْنى أنَّ الأشْجارَ لَوْ كانَتْ أقْلامًا، والبِحارَ مِدادًا فَكُتِبَ بِها عَجائِبُ صُنْعِ اللَّهِ الدّالَّةُ عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ لَمْ تَنْفَذْ تِلْكَ العَجائِبُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: رَدَّ القَفّالُ مَعْنى الكَلِماتِ إلى المُقَدُوراتِ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى الكَلامِ القَدِيمِ أوْلى. قالَ النَّحّاسُ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّ الكَلِماتِ هاهُنا يُرادُ بِها العِلْمُ وحَقائِقُ الأشْياءِ، لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا عَلِمَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ ما هو خالِقٌ في السَّماواتِ والأرْضِ مِن شَيْءٍ، وعَلِمَ ما فِيهِ مِن مَثاقِيلِ الذَّرِّ، وعَلِمَ الأجْناسَ كُلَّها وما فِيها مِن شَعْرَةٍ وعُضْوٍ وما في الشَّجَرَةِ مِن ورَقَةٍ وما فِيها مِن ضُرُوبِ الخَلْقِ. وقِيلَ: إنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: ما أكْثَرَ كَلامَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] في اليَهُودِ، قالُوا كَيْفَ وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها كَلامُ اللَّهِ وأحْكامُهُ، فَنَزَلَتْ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالبَحْرِ هُنا الماءُ العَذْبُ الَّذِي يُنْبِتُ الأقْلامَ، وأمّا الماءُ المالِحُ فَلا يُنْبِتُ الأقْلامَ. قُلْتُ: ما أسْقَطَ هَذا الكَلامَ وأقَلَّ جَدْواهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ولا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ فَرْدٌ مِن أفْرادِ مَخْلُوقاتِهِ. ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ: إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِها. قالَ النَّحّاسُ: كَذا قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ كَخَلْقِ نَفْسٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . قالَ الزَّجّاجُ أيْ: قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى بَعْثِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ وعَلى خَلْقِهِمْ كَقُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِكُلِّ ما يَسْمَعُ بَصِيرٌ بِكُلِّ ما يُبْصِرُ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَطاءٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ هَذِهِ مِن كُنُوزِ عِلْمِي سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فَما سَوّى مِن خَلْقِكَ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن عَوْرَتِكَ، ولَوْ أبْداها لَقَلاكَ أهْلُكَ فَمَن سِواهم» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ قالَ: " سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فالإسْلامُ وما سَوّى مِن خَلْقِكَ وما أسْبَغَ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن مُساوِي عَمَلِكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ الإسْلامُ، والنِّعْمَةُ الباطِنَةُ كُلُّ ما يَسْتُرُ عَلَيْكم مِنَ الذُّنُوبِ والعُيُوبِ والحُدُودِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في «قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ " أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالمَدِينَةِ: يا مُحَمَّدُ أرَأيْتَ قَوْلَكَ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] إيّانا تُرِيدُ أمْ قَوْمَكَ ؟ فَقالَ كُلًّا، فَقالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ، وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ ؟ فَقالَ: إنَّها في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ» " . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

لقمان 31:23

(p-١١٤٤)لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن قِصَّةِ لُقْمانَ رَجَعَ إلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى تَسْخِيرِها لِلْآدَمِيِّينَ الِانْتِفاعُ بِها. انْتَهى، فَمِن مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ أيِ: الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ ونَحْوُ ذَلِكَ. ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ المَلائِكَةُ فَإنَّهم حَفَظَةٌ لِبَنِي آدَمَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، ومِن مَخْلُوقاتِ الأرْضِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ الأحْجارُ والتُّرابُ والزَّرْعُ والشَّجَرُ والثَّمَرُ والحَيَواناتُ الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها والعُشْبُ الَّذِي يَرْعَوْنَ فِيهِ دَوابَّهم وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً، فالمُرادُ بِالتَّسْخِيرِ جَعْلُ المُسَخَّرِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ المُسَخَّرُ لَهُ، سَواءٌ كانَ مُنْقادًا لَهُ وداخِلًا تَحْتَ تَصَرُّفِهِ أمْ لا ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ أيْ: أتَمَّ وأكْمَلَ عَلَيْكم نِعَمَهُ، يُقالُ: سَبَغَتِ النِّعْمَةُ إذا تَمَّتْ وكَمُلَتْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أسْبَغَ " بِالسِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَحْيى بْنُ عُمارَةَ أصْبَغَ، بِالصّادِ مَكانِ السِّينِ. والنِّعَمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ " نِعْمَةً " بِسُكُونِ العَيْنِ عَلى الإفْرادِ والتَّنْوِينِ، اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ ويُدَلُّ بِهِ عَلى الكَثْرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. والمُرادُ بِالنِّعَمِ الظّاهِرَةِ ما يُدْرَكُ بِالعَقْلِ أوِ الحِسِّ ويَعْرِفُهُ مَن يَتَعَرَّفُهُ، وبِالباطِنَةِ ما لا يُدْرَكُ لِلنّاسِ ويَخْفى عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ: الصِّحَّةُ، وكَمالُ الخَلْقِ، والباطِنَةُ المَعْرِفَةُ والعَقْلُ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ ما يُرى بِالأبْصارِ مِنَ المالِ، والجاهِ، والجَمالِ، وفَعْلِ الطّاعاتِ، والباطِنَةُ ما يَجِدُهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ وحُسْنِ اليَقِينِ وما يَدْفَعُهُ اللَّهُ عَنِ البُعْدِ مِنَ الآفاتِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نِعَمُ الدُّنْيا، والباطِنَةُ نِعَمُ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ الإسْلامُ والجَمالُ، والباطِنَةُ ما سَتَرَهُ اللَّهُ عَلى العَبْدِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - في تَوْحِيدِهِ وصِفاتِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ لَهُ وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِن عَقْلٍ ولا نَقْلٍ ﴿ولا هُدًى﴾ يَهْتَدِي بِهِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، بَلْ مُجَرَّدُ تَعَنُّتٍ ومَحْضُ عِنادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: إذا قِيلَ لِهَؤُلاءِ المُجادِلِينَ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنَ الكِتابِ تَمَسَّكُوا بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ البَحْتِ، و﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فَنَعْبُدَ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، ونَمْشِي في الطَّرِيقِ الَّتِي كانُوا يَمْشُونَ بِها في دِينِهِمْ، ثُمَّ قالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ لِلِاسْتِبْعادِ والتَّبْكِيتِ ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ: يَدْعُو آباءَهُمُ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ في دِينِهِمْ أيْ: يَتْبَعُونَهم في الشِّرْكِ، ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو هَؤُلاءِ الأتْباعَ إلى عَذابِ السَّعِيرِ، لِأنَّهُ زَيَّنَ لَهُمُ اتِّباعَ آبائِهِمْ والتَّدَيُّنَ بِدِينِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو جَمِيعَ التّابِعِينَ والمَتْبُوعِينَ إلى العَذابِ، فَدُعاؤُهُ لِلْمَتْبُوعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهُمُ الشِّرْكَ، ودُعاؤُهُ لِلتّابِعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهم دِينَ آبائِهِمْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أيْ: يَدْعُوهم فَيَتَّبِعُونَهم، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. وما أقْبَحَ التَّقْلِيدَ، وأكْثَرَ ضَرَرَهُ عَلى صاحِبِهِ، وأوْخَمَ عاقِبَتَهُ، وأشْأمَ عائِدَتَهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ. فَإنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كَمَن يُرِيدُ أنْ يَذُودَ الفِراشَ عَنْ لَهَبِ النّارِ لِئَلّا تَحْتَرِقَ، فَتَأْبى ذَلِكَ وتَتَهافَتُ في نارِ الحَرِيقِ وعَذابِ السَّعِيرِ. ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: يُفَوِّضُ إلَيْهِ أمْرَهُ، ويُخْلِصُ لَهُ عِبادَتَهُ ويُقْبِلُ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في أعْمالِهِ؛ لِأنَّ العِبادَةَ مِن غَيْرِ إحْسانٍ لَها ولا مَعْرِفَةٍ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ فِيها لا تَقَعُ بِالمَوْقِعِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ عِبادَةُ المُحْسِنِينَ. وقَدْ صَحَّ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَنِ الإحْسانِ أنَّهُ قالَ لَهُ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيِ: اعْتَصَمَ بِالعَهْدِ الأوْثَقِ وتَعَلَّقَ بِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ إلى اللَّهِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَرَقّى إلى شاهِقِ جَبَلٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى حَبْلٍ مُتَدَلٍّ مِنهُ ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ: مَصِيرُها إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ " ومَن يُسَلِّمْ " بِالتَّشْدِيدِ قالَ النَّحّاسُ: والتَّخْفِيفُ في هَذا أعْرَفُ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] . ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ لِذَلِكَ، فَإنَّ كُفْرَهُ لا يَضُرُّكَ، بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكافِرِينَ بَعْدَ فَراغِهِ مِن بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ أيْ: نُخْبِرُهم بِقَبائِحِ أعْمالِهِمْ ونُجازِيهِمْ عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِما تُسِرُّهُ صُدُورُهم لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ فالسِّرُّ عِنْدَهُ كالعَلانِيَةِ. ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا﴾ أيْ: نُبْقِيهِمْ في الدُّنْيا مُدَّةً قَلِيلَةً يَتَمَتَّعُونَ بِها. فَإنَّ النَّعِيمَ الزّائِلَ هو أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّعِيمِ الدّائِمِ. وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَمْتِيعًا قَلِيلًا ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ: نُلْجِئُهم إلى عَذابِ النّارِ. فَإنَّهُ لا أثْقَلَ مِنهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ وأُصِيبَ بِهِ، فَلِهَذا اسْتُعِيرَ لَهُ الغِلَظُ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ خالِقِ ذَلِكَ لِوُضُوحِ الأمْرِ فِيهِ عِنْدَهم. وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ ولِهَذا قالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ الحَمْدُ (p-١١٤٥)لِلَّهِ عَلى اعْتِرافِكم، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ وتَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ ؟ أوِ المَعْنى: فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما هَدانا لَهُ مِن دِينِهِ ولا حَمْدَ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَدَبَّرُونَ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّ خالِقَ هَذِهِ الأشْياءِ هو الَّذِي تَجِبُ لَهُ العِبادَةُ دُونَ غَيْرِهِ. ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ غَيْرِهِ الحَمِيدُ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ أوِ المَحْمُودُ مِن عِبادِهِ بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ وراءَ ذَلِكَ ما لا يُحِيطُ بِهِ عَدَدٌ ولا يُحْصَرُ بِحَدٍّ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامٌ، ووَحَّدَ الشَّجَرَةَ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي أنَّ اسْتِغْراقَ المُفْرَدِ أشْمَلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ شَجَرَةٍ شَجَرَةٍ حَتّى لا يَبْقى مِن جِنْسِ الشَّجَرِ واحِدَةٌ إلّا وقَدْ بُرِيَتْ أقْلامًا، وجَمَعَ الأقْلامَ لِقَصْدِ التَّكْثِيرِ أيْ: لَوْ أنْ يَعُدَّ كُلَّ شَجَرَةٍ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامًا، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو مِن وُقُوعِ المُفْرَدِ مَوْقِعَ الجَمْعِ، والنَّكِرَةِ مَوْقِعَ المَعْرِفَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، ثُمَّ قالَ - سُبْحانُهُ - ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ أيْ: يَمُدُّهُ مِن بَعْدِ نَفادِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " والبَحْرُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و" يَمُدُّهُ " خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ البَحْرَ المُحِيطَ مَعَ سِعَتِهِ يَمُدُّهُ السَّبْعَةُ الأبْحُرِ مَدًّا لا يَنْقَطِعُ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ البَحْرَ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ ولَوْ ثَبَتَ البَحْرُ حالَ كَوْنِهِ تَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ، وقِيلَ: هو مُرْتَفِعٌ بِالعَطْفِ عَلى أنَّ، وما في حَيِّزِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " والبَحْرَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ أنَّ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ يَمُدُّهُ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، والحَسَنُ يُمِدُّهُ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ، مِن أمَدَّ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والبَحْرُ " مِدادُهُ " وجَوابُ لَوْ ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ أيْ: كَلِماتُهُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ مَعْلُوماتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المُرادُ بِالكَلِماتِ واللَّهُ أعْلَمُ ما في المَقْدُورِ دُونَ ما خَرَجَ مِنهُ إلى الوُجُودِ، ووافَقَهُ القَفّالُ فَقالَ: المَعْنى أنَّ الأشْجارَ لَوْ كانَتْ أقْلامًا، والبِحارَ مِدادًا فَكُتِبَ بِها عَجائِبُ صُنْعِ اللَّهِ الدّالَّةُ عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ لَمْ تَنْفَذْ تِلْكَ العَجائِبُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: رَدَّ القَفّالُ مَعْنى الكَلِماتِ إلى المُقَدُوراتِ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى الكَلامِ القَدِيمِ أوْلى. قالَ النَّحّاسُ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّ الكَلِماتِ هاهُنا يُرادُ بِها العِلْمُ وحَقائِقُ الأشْياءِ، لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا عَلِمَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ ما هو خالِقٌ في السَّماواتِ والأرْضِ مِن شَيْءٍ، وعَلِمَ ما فِيهِ مِن مَثاقِيلِ الذَّرِّ، وعَلِمَ الأجْناسَ كُلَّها وما فِيها مِن شَعْرَةٍ وعُضْوٍ وما في الشَّجَرَةِ مِن ورَقَةٍ وما فِيها مِن ضُرُوبِ الخَلْقِ. وقِيلَ: إنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: ما أكْثَرَ كَلامَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] في اليَهُودِ، قالُوا كَيْفَ وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها كَلامُ اللَّهِ وأحْكامُهُ، فَنَزَلَتْ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالبَحْرِ هُنا الماءُ العَذْبُ الَّذِي يُنْبِتُ الأقْلامَ، وأمّا الماءُ المالِحُ فَلا يُنْبِتُ الأقْلامَ. قُلْتُ: ما أسْقَطَ هَذا الكَلامَ وأقَلَّ جَدْواهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ولا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ فَرْدٌ مِن أفْرادِ مَخْلُوقاتِهِ. ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ: إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِها. قالَ النَّحّاسُ: كَذا قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ كَخَلْقِ نَفْسٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . قالَ الزَّجّاجُ أيْ: قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى بَعْثِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ وعَلى خَلْقِهِمْ كَقُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِكُلِّ ما يَسْمَعُ بَصِيرٌ بِكُلِّ ما يُبْصِرُ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَطاءٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ هَذِهِ مِن كُنُوزِ عِلْمِي سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فَما سَوّى مِن خَلْقِكَ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن عَوْرَتِكَ، ولَوْ أبْداها لَقَلاكَ أهْلُكَ فَمَن سِواهم» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ قالَ: " سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فالإسْلامُ وما سَوّى مِن خَلْقِكَ وما أسْبَغَ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن مُساوِي عَمَلِكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ الإسْلامُ، والنِّعْمَةُ الباطِنَةُ كُلُّ ما يَسْتُرُ عَلَيْكم مِنَ الذُّنُوبِ والعُيُوبِ والحُدُودِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في «قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ " أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالمَدِينَةِ: يا مُحَمَّدُ أرَأيْتَ قَوْلَكَ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] إيّانا تُرِيدُ أمْ قَوْمَكَ ؟ فَقالَ كُلًّا، فَقالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ، وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ ؟ فَقالَ: إنَّها في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ» " . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

لقمان 31:24

(p-١١٤٤)لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن قِصَّةِ لُقْمانَ رَجَعَ إلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى تَسْخِيرِها لِلْآدَمِيِّينَ الِانْتِفاعُ بِها. انْتَهى، فَمِن مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ أيِ: الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ ونَحْوُ ذَلِكَ. ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ المَلائِكَةُ فَإنَّهم حَفَظَةٌ لِبَنِي آدَمَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، ومِن مَخْلُوقاتِ الأرْضِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ الأحْجارُ والتُّرابُ والزَّرْعُ والشَّجَرُ والثَّمَرُ والحَيَواناتُ الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها والعُشْبُ الَّذِي يَرْعَوْنَ فِيهِ دَوابَّهم وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً، فالمُرادُ بِالتَّسْخِيرِ جَعْلُ المُسَخَّرِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ المُسَخَّرُ لَهُ، سَواءٌ كانَ مُنْقادًا لَهُ وداخِلًا تَحْتَ تَصَرُّفِهِ أمْ لا ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ أيْ: أتَمَّ وأكْمَلَ عَلَيْكم نِعَمَهُ، يُقالُ: سَبَغَتِ النِّعْمَةُ إذا تَمَّتْ وكَمُلَتْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أسْبَغَ " بِالسِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَحْيى بْنُ عُمارَةَ أصْبَغَ، بِالصّادِ مَكانِ السِّينِ. والنِّعَمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ " نِعْمَةً " بِسُكُونِ العَيْنِ عَلى الإفْرادِ والتَّنْوِينِ، اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ ويُدَلُّ بِهِ عَلى الكَثْرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. والمُرادُ بِالنِّعَمِ الظّاهِرَةِ ما يُدْرَكُ بِالعَقْلِ أوِ الحِسِّ ويَعْرِفُهُ مَن يَتَعَرَّفُهُ، وبِالباطِنَةِ ما لا يُدْرَكُ لِلنّاسِ ويَخْفى عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ: الصِّحَّةُ، وكَمالُ الخَلْقِ، والباطِنَةُ المَعْرِفَةُ والعَقْلُ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ ما يُرى بِالأبْصارِ مِنَ المالِ، والجاهِ، والجَمالِ، وفَعْلِ الطّاعاتِ، والباطِنَةُ ما يَجِدُهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ وحُسْنِ اليَقِينِ وما يَدْفَعُهُ اللَّهُ عَنِ البُعْدِ مِنَ الآفاتِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نِعَمُ الدُّنْيا، والباطِنَةُ نِعَمُ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ الإسْلامُ والجَمالُ، والباطِنَةُ ما سَتَرَهُ اللَّهُ عَلى العَبْدِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - في تَوْحِيدِهِ وصِفاتِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ لَهُ وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِن عَقْلٍ ولا نَقْلٍ ﴿ولا هُدًى﴾ يَهْتَدِي بِهِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، بَلْ مُجَرَّدُ تَعَنُّتٍ ومَحْضُ عِنادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: إذا قِيلَ لِهَؤُلاءِ المُجادِلِينَ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنَ الكِتابِ تَمَسَّكُوا بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ البَحْتِ، و﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فَنَعْبُدَ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، ونَمْشِي في الطَّرِيقِ الَّتِي كانُوا يَمْشُونَ بِها في دِينِهِمْ، ثُمَّ قالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ لِلِاسْتِبْعادِ والتَّبْكِيتِ ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ: يَدْعُو آباءَهُمُ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ في دِينِهِمْ أيْ: يَتْبَعُونَهم في الشِّرْكِ، ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو هَؤُلاءِ الأتْباعَ إلى عَذابِ السَّعِيرِ، لِأنَّهُ زَيَّنَ لَهُمُ اتِّباعَ آبائِهِمْ والتَّدَيُّنَ بِدِينِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو جَمِيعَ التّابِعِينَ والمَتْبُوعِينَ إلى العَذابِ، فَدُعاؤُهُ لِلْمَتْبُوعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهُمُ الشِّرْكَ، ودُعاؤُهُ لِلتّابِعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهم دِينَ آبائِهِمْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أيْ: يَدْعُوهم فَيَتَّبِعُونَهم، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. وما أقْبَحَ التَّقْلِيدَ، وأكْثَرَ ضَرَرَهُ عَلى صاحِبِهِ، وأوْخَمَ عاقِبَتَهُ، وأشْأمَ عائِدَتَهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ. فَإنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كَمَن يُرِيدُ أنْ يَذُودَ الفِراشَ عَنْ لَهَبِ النّارِ لِئَلّا تَحْتَرِقَ، فَتَأْبى ذَلِكَ وتَتَهافَتُ في نارِ الحَرِيقِ وعَذابِ السَّعِيرِ. ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: يُفَوِّضُ إلَيْهِ أمْرَهُ، ويُخْلِصُ لَهُ عِبادَتَهُ ويُقْبِلُ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في أعْمالِهِ؛ لِأنَّ العِبادَةَ مِن غَيْرِ إحْسانٍ لَها ولا مَعْرِفَةٍ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ فِيها لا تَقَعُ بِالمَوْقِعِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ عِبادَةُ المُحْسِنِينَ. وقَدْ صَحَّ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَنِ الإحْسانِ أنَّهُ قالَ لَهُ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيِ: اعْتَصَمَ بِالعَهْدِ الأوْثَقِ وتَعَلَّقَ بِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ إلى اللَّهِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَرَقّى إلى شاهِقِ جَبَلٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى حَبْلٍ مُتَدَلٍّ مِنهُ ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ: مَصِيرُها إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ " ومَن يُسَلِّمْ " بِالتَّشْدِيدِ قالَ النَّحّاسُ: والتَّخْفِيفُ في هَذا أعْرَفُ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] . ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ لِذَلِكَ، فَإنَّ كُفْرَهُ لا يَضُرُّكَ، بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكافِرِينَ بَعْدَ فَراغِهِ مِن بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ أيْ: نُخْبِرُهم بِقَبائِحِ أعْمالِهِمْ ونُجازِيهِمْ عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِما تُسِرُّهُ صُدُورُهم لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ فالسِّرُّ عِنْدَهُ كالعَلانِيَةِ. ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا﴾ أيْ: نُبْقِيهِمْ في الدُّنْيا مُدَّةً قَلِيلَةً يَتَمَتَّعُونَ بِها. فَإنَّ النَّعِيمَ الزّائِلَ هو أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّعِيمِ الدّائِمِ. وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَمْتِيعًا قَلِيلًا ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ: نُلْجِئُهم إلى عَذابِ النّارِ. فَإنَّهُ لا أثْقَلَ مِنهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ وأُصِيبَ بِهِ، فَلِهَذا اسْتُعِيرَ لَهُ الغِلَظُ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ خالِقِ ذَلِكَ لِوُضُوحِ الأمْرِ فِيهِ عِنْدَهم. وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ ولِهَذا قالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ الحَمْدُ (p-١١٤٥)لِلَّهِ عَلى اعْتِرافِكم، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ وتَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ ؟ أوِ المَعْنى: فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما هَدانا لَهُ مِن دِينِهِ ولا حَمْدَ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَدَبَّرُونَ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّ خالِقَ هَذِهِ الأشْياءِ هو الَّذِي تَجِبُ لَهُ العِبادَةُ دُونَ غَيْرِهِ. ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ غَيْرِهِ الحَمِيدُ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ أوِ المَحْمُودُ مِن عِبادِهِ بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ وراءَ ذَلِكَ ما لا يُحِيطُ بِهِ عَدَدٌ ولا يُحْصَرُ بِحَدٍّ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامٌ، ووَحَّدَ الشَّجَرَةَ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي أنَّ اسْتِغْراقَ المُفْرَدِ أشْمَلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ شَجَرَةٍ شَجَرَةٍ حَتّى لا يَبْقى مِن جِنْسِ الشَّجَرِ واحِدَةٌ إلّا وقَدْ بُرِيَتْ أقْلامًا، وجَمَعَ الأقْلامَ لِقَصْدِ التَّكْثِيرِ أيْ: لَوْ أنْ يَعُدَّ كُلَّ شَجَرَةٍ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامًا، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو مِن وُقُوعِ المُفْرَدِ مَوْقِعَ الجَمْعِ، والنَّكِرَةِ مَوْقِعَ المَعْرِفَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، ثُمَّ قالَ - سُبْحانُهُ - ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ أيْ: يَمُدُّهُ مِن بَعْدِ نَفادِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " والبَحْرُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و" يَمُدُّهُ " خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ البَحْرَ المُحِيطَ مَعَ سِعَتِهِ يَمُدُّهُ السَّبْعَةُ الأبْحُرِ مَدًّا لا يَنْقَطِعُ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ البَحْرَ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ ولَوْ ثَبَتَ البَحْرُ حالَ كَوْنِهِ تَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ، وقِيلَ: هو مُرْتَفِعٌ بِالعَطْفِ عَلى أنَّ، وما في حَيِّزِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " والبَحْرَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ أنَّ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ يَمُدُّهُ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، والحَسَنُ يُمِدُّهُ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ، مِن أمَدَّ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والبَحْرُ " مِدادُهُ " وجَوابُ لَوْ ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ أيْ: كَلِماتُهُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ مَعْلُوماتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المُرادُ بِالكَلِماتِ واللَّهُ أعْلَمُ ما في المَقْدُورِ دُونَ ما خَرَجَ مِنهُ إلى الوُجُودِ، ووافَقَهُ القَفّالُ فَقالَ: المَعْنى أنَّ الأشْجارَ لَوْ كانَتْ أقْلامًا، والبِحارَ مِدادًا فَكُتِبَ بِها عَجائِبُ صُنْعِ اللَّهِ الدّالَّةُ عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ لَمْ تَنْفَذْ تِلْكَ العَجائِبُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: رَدَّ القَفّالُ مَعْنى الكَلِماتِ إلى المُقَدُوراتِ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى الكَلامِ القَدِيمِ أوْلى. قالَ النَّحّاسُ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّ الكَلِماتِ هاهُنا يُرادُ بِها العِلْمُ وحَقائِقُ الأشْياءِ، لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا عَلِمَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ ما هو خالِقٌ في السَّماواتِ والأرْضِ مِن شَيْءٍ، وعَلِمَ ما فِيهِ مِن مَثاقِيلِ الذَّرِّ، وعَلِمَ الأجْناسَ كُلَّها وما فِيها مِن شَعْرَةٍ وعُضْوٍ وما في الشَّجَرَةِ مِن ورَقَةٍ وما فِيها مِن ضُرُوبِ الخَلْقِ. وقِيلَ: إنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: ما أكْثَرَ كَلامَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] في اليَهُودِ، قالُوا كَيْفَ وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها كَلامُ اللَّهِ وأحْكامُهُ، فَنَزَلَتْ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالبَحْرِ هُنا الماءُ العَذْبُ الَّذِي يُنْبِتُ الأقْلامَ، وأمّا الماءُ المالِحُ فَلا يُنْبِتُ الأقْلامَ. قُلْتُ: ما أسْقَطَ هَذا الكَلامَ وأقَلَّ جَدْواهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ولا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ فَرْدٌ مِن أفْرادِ مَخْلُوقاتِهِ. ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ: إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِها. قالَ النَّحّاسُ: كَذا قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ كَخَلْقِ نَفْسٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . قالَ الزَّجّاجُ أيْ: قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى بَعْثِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ وعَلى خَلْقِهِمْ كَقُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِكُلِّ ما يَسْمَعُ بَصِيرٌ بِكُلِّ ما يُبْصِرُ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَطاءٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ هَذِهِ مِن كُنُوزِ عِلْمِي سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فَما سَوّى مِن خَلْقِكَ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن عَوْرَتِكَ، ولَوْ أبْداها لَقَلاكَ أهْلُكَ فَمَن سِواهم» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ قالَ: " سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فالإسْلامُ وما سَوّى مِن خَلْقِكَ وما أسْبَغَ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن مُساوِي عَمَلِكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ الإسْلامُ، والنِّعْمَةُ الباطِنَةُ كُلُّ ما يَسْتُرُ عَلَيْكم مِنَ الذُّنُوبِ والعُيُوبِ والحُدُودِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في «قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ " أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالمَدِينَةِ: يا مُحَمَّدُ أرَأيْتَ قَوْلَكَ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] إيّانا تُرِيدُ أمْ قَوْمَكَ ؟ فَقالَ كُلًّا، فَقالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ، وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ ؟ فَقالَ: إنَّها في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ» " . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

لقمان 31:25

(p-١١٤٤)لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن قِصَّةِ لُقْمانَ رَجَعَ إلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى تَسْخِيرِها لِلْآدَمِيِّينَ الِانْتِفاعُ بِها. انْتَهى، فَمِن مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ أيِ: الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ ونَحْوُ ذَلِكَ. ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ المَلائِكَةُ فَإنَّهم حَفَظَةٌ لِبَنِي آدَمَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، ومِن مَخْلُوقاتِ الأرْضِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ الأحْجارُ والتُّرابُ والزَّرْعُ والشَّجَرُ والثَّمَرُ والحَيَواناتُ الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها والعُشْبُ الَّذِي يَرْعَوْنَ فِيهِ دَوابَّهم وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً، فالمُرادُ بِالتَّسْخِيرِ جَعْلُ المُسَخَّرِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ المُسَخَّرُ لَهُ، سَواءٌ كانَ مُنْقادًا لَهُ وداخِلًا تَحْتَ تَصَرُّفِهِ أمْ لا ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ أيْ: أتَمَّ وأكْمَلَ عَلَيْكم نِعَمَهُ، يُقالُ: سَبَغَتِ النِّعْمَةُ إذا تَمَّتْ وكَمُلَتْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أسْبَغَ " بِالسِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَحْيى بْنُ عُمارَةَ أصْبَغَ، بِالصّادِ مَكانِ السِّينِ. والنِّعَمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ " نِعْمَةً " بِسُكُونِ العَيْنِ عَلى الإفْرادِ والتَّنْوِينِ، اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ ويُدَلُّ بِهِ عَلى الكَثْرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. والمُرادُ بِالنِّعَمِ الظّاهِرَةِ ما يُدْرَكُ بِالعَقْلِ أوِ الحِسِّ ويَعْرِفُهُ مَن يَتَعَرَّفُهُ، وبِالباطِنَةِ ما لا يُدْرَكُ لِلنّاسِ ويَخْفى عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ: الصِّحَّةُ، وكَمالُ الخَلْقِ، والباطِنَةُ المَعْرِفَةُ والعَقْلُ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ ما يُرى بِالأبْصارِ مِنَ المالِ، والجاهِ، والجَمالِ، وفَعْلِ الطّاعاتِ، والباطِنَةُ ما يَجِدُهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ وحُسْنِ اليَقِينِ وما يَدْفَعُهُ اللَّهُ عَنِ البُعْدِ مِنَ الآفاتِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نِعَمُ الدُّنْيا، والباطِنَةُ نِعَمُ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ الإسْلامُ والجَمالُ، والباطِنَةُ ما سَتَرَهُ اللَّهُ عَلى العَبْدِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - في تَوْحِيدِهِ وصِفاتِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ لَهُ وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِن عَقْلٍ ولا نَقْلٍ ﴿ولا هُدًى﴾ يَهْتَدِي بِهِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، بَلْ مُجَرَّدُ تَعَنُّتٍ ومَحْضُ عِنادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: إذا قِيلَ لِهَؤُلاءِ المُجادِلِينَ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنَ الكِتابِ تَمَسَّكُوا بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ البَحْتِ، و﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فَنَعْبُدَ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، ونَمْشِي في الطَّرِيقِ الَّتِي كانُوا يَمْشُونَ بِها في دِينِهِمْ، ثُمَّ قالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ لِلِاسْتِبْعادِ والتَّبْكِيتِ ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ: يَدْعُو آباءَهُمُ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ في دِينِهِمْ أيْ: يَتْبَعُونَهم في الشِّرْكِ، ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو هَؤُلاءِ الأتْباعَ إلى عَذابِ السَّعِيرِ، لِأنَّهُ زَيَّنَ لَهُمُ اتِّباعَ آبائِهِمْ والتَّدَيُّنَ بِدِينِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو جَمِيعَ التّابِعِينَ والمَتْبُوعِينَ إلى العَذابِ، فَدُعاؤُهُ لِلْمَتْبُوعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهُمُ الشِّرْكَ، ودُعاؤُهُ لِلتّابِعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهم دِينَ آبائِهِمْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أيْ: يَدْعُوهم فَيَتَّبِعُونَهم، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. وما أقْبَحَ التَّقْلِيدَ، وأكْثَرَ ضَرَرَهُ عَلى صاحِبِهِ، وأوْخَمَ عاقِبَتَهُ، وأشْأمَ عائِدَتَهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ. فَإنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كَمَن يُرِيدُ أنْ يَذُودَ الفِراشَ عَنْ لَهَبِ النّارِ لِئَلّا تَحْتَرِقَ، فَتَأْبى ذَلِكَ وتَتَهافَتُ في نارِ الحَرِيقِ وعَذابِ السَّعِيرِ. ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: يُفَوِّضُ إلَيْهِ أمْرَهُ، ويُخْلِصُ لَهُ عِبادَتَهُ ويُقْبِلُ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في أعْمالِهِ؛ لِأنَّ العِبادَةَ مِن غَيْرِ إحْسانٍ لَها ولا مَعْرِفَةٍ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ فِيها لا تَقَعُ بِالمَوْقِعِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ عِبادَةُ المُحْسِنِينَ. وقَدْ صَحَّ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَنِ الإحْسانِ أنَّهُ قالَ لَهُ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيِ: اعْتَصَمَ بِالعَهْدِ الأوْثَقِ وتَعَلَّقَ بِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ إلى اللَّهِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَرَقّى إلى شاهِقِ جَبَلٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى حَبْلٍ مُتَدَلٍّ مِنهُ ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ: مَصِيرُها إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ " ومَن يُسَلِّمْ " بِالتَّشْدِيدِ قالَ النَّحّاسُ: والتَّخْفِيفُ في هَذا أعْرَفُ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] . ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ لِذَلِكَ، فَإنَّ كُفْرَهُ لا يَضُرُّكَ، بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكافِرِينَ بَعْدَ فَراغِهِ مِن بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ أيْ: نُخْبِرُهم بِقَبائِحِ أعْمالِهِمْ ونُجازِيهِمْ عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِما تُسِرُّهُ صُدُورُهم لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ فالسِّرُّ عِنْدَهُ كالعَلانِيَةِ. ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا﴾ أيْ: نُبْقِيهِمْ في الدُّنْيا مُدَّةً قَلِيلَةً يَتَمَتَّعُونَ بِها. فَإنَّ النَّعِيمَ الزّائِلَ هو أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّعِيمِ الدّائِمِ. وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَمْتِيعًا قَلِيلًا ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ: نُلْجِئُهم إلى عَذابِ النّارِ. فَإنَّهُ لا أثْقَلَ مِنهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ وأُصِيبَ بِهِ، فَلِهَذا اسْتُعِيرَ لَهُ الغِلَظُ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ خالِقِ ذَلِكَ لِوُضُوحِ الأمْرِ فِيهِ عِنْدَهم. وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ ولِهَذا قالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ الحَمْدُ (p-١١٤٥)لِلَّهِ عَلى اعْتِرافِكم، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ وتَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ ؟ أوِ المَعْنى: فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما هَدانا لَهُ مِن دِينِهِ ولا حَمْدَ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَدَبَّرُونَ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّ خالِقَ هَذِهِ الأشْياءِ هو الَّذِي تَجِبُ لَهُ العِبادَةُ دُونَ غَيْرِهِ. ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ غَيْرِهِ الحَمِيدُ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ أوِ المَحْمُودُ مِن عِبادِهِ بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ وراءَ ذَلِكَ ما لا يُحِيطُ بِهِ عَدَدٌ ولا يُحْصَرُ بِحَدٍّ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامٌ، ووَحَّدَ الشَّجَرَةَ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي أنَّ اسْتِغْراقَ المُفْرَدِ أشْمَلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ شَجَرَةٍ شَجَرَةٍ حَتّى لا يَبْقى مِن جِنْسِ الشَّجَرِ واحِدَةٌ إلّا وقَدْ بُرِيَتْ أقْلامًا، وجَمَعَ الأقْلامَ لِقَصْدِ التَّكْثِيرِ أيْ: لَوْ أنْ يَعُدَّ كُلَّ شَجَرَةٍ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامًا، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو مِن وُقُوعِ المُفْرَدِ مَوْقِعَ الجَمْعِ، والنَّكِرَةِ مَوْقِعَ المَعْرِفَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، ثُمَّ قالَ - سُبْحانُهُ - ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ أيْ: يَمُدُّهُ مِن بَعْدِ نَفادِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " والبَحْرُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و" يَمُدُّهُ " خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ البَحْرَ المُحِيطَ مَعَ سِعَتِهِ يَمُدُّهُ السَّبْعَةُ الأبْحُرِ مَدًّا لا يَنْقَطِعُ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ البَحْرَ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ ولَوْ ثَبَتَ البَحْرُ حالَ كَوْنِهِ تَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ، وقِيلَ: هو مُرْتَفِعٌ بِالعَطْفِ عَلى أنَّ، وما في حَيِّزِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " والبَحْرَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ أنَّ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ يَمُدُّهُ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، والحَسَنُ يُمِدُّهُ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ، مِن أمَدَّ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والبَحْرُ " مِدادُهُ " وجَوابُ لَوْ ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ أيْ: كَلِماتُهُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ مَعْلُوماتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المُرادُ بِالكَلِماتِ واللَّهُ أعْلَمُ ما في المَقْدُورِ دُونَ ما خَرَجَ مِنهُ إلى الوُجُودِ، ووافَقَهُ القَفّالُ فَقالَ: المَعْنى أنَّ الأشْجارَ لَوْ كانَتْ أقْلامًا، والبِحارَ مِدادًا فَكُتِبَ بِها عَجائِبُ صُنْعِ اللَّهِ الدّالَّةُ عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ لَمْ تَنْفَذْ تِلْكَ العَجائِبُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: رَدَّ القَفّالُ مَعْنى الكَلِماتِ إلى المُقَدُوراتِ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى الكَلامِ القَدِيمِ أوْلى. قالَ النَّحّاسُ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّ الكَلِماتِ هاهُنا يُرادُ بِها العِلْمُ وحَقائِقُ الأشْياءِ، لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا عَلِمَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ ما هو خالِقٌ في السَّماواتِ والأرْضِ مِن شَيْءٍ، وعَلِمَ ما فِيهِ مِن مَثاقِيلِ الذَّرِّ، وعَلِمَ الأجْناسَ كُلَّها وما فِيها مِن شَعْرَةٍ وعُضْوٍ وما في الشَّجَرَةِ مِن ورَقَةٍ وما فِيها مِن ضُرُوبِ الخَلْقِ. وقِيلَ: إنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: ما أكْثَرَ كَلامَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] في اليَهُودِ، قالُوا كَيْفَ وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها كَلامُ اللَّهِ وأحْكامُهُ، فَنَزَلَتْ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالبَحْرِ هُنا الماءُ العَذْبُ الَّذِي يُنْبِتُ الأقْلامَ، وأمّا الماءُ المالِحُ فَلا يُنْبِتُ الأقْلامَ. قُلْتُ: ما أسْقَطَ هَذا الكَلامَ وأقَلَّ جَدْواهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ولا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ فَرْدٌ مِن أفْرادِ مَخْلُوقاتِهِ. ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ: إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِها. قالَ النَّحّاسُ: كَذا قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ كَخَلْقِ نَفْسٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . قالَ الزَّجّاجُ أيْ: قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى بَعْثِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ وعَلى خَلْقِهِمْ كَقُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِكُلِّ ما يَسْمَعُ بَصِيرٌ بِكُلِّ ما يُبْصِرُ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَطاءٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ هَذِهِ مِن كُنُوزِ عِلْمِي سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فَما سَوّى مِن خَلْقِكَ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن عَوْرَتِكَ، ولَوْ أبْداها لَقَلاكَ أهْلُكَ فَمَن سِواهم» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ قالَ: " سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فالإسْلامُ وما سَوّى مِن خَلْقِكَ وما أسْبَغَ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن مُساوِي عَمَلِكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ الإسْلامُ، والنِّعْمَةُ الباطِنَةُ كُلُّ ما يَسْتُرُ عَلَيْكم مِنَ الذُّنُوبِ والعُيُوبِ والحُدُودِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في «قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ " أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالمَدِينَةِ: يا مُحَمَّدُ أرَأيْتَ قَوْلَكَ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] إيّانا تُرِيدُ أمْ قَوْمَكَ ؟ فَقالَ كُلًّا، فَقالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ، وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ ؟ فَقالَ: إنَّها في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ» " . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

لقمان 31:26

(p-١١٤٤)لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن قِصَّةِ لُقْمانَ رَجَعَ إلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى تَسْخِيرِها لِلْآدَمِيِّينَ الِانْتِفاعُ بِها. انْتَهى، فَمِن مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ أيِ: الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ ونَحْوُ ذَلِكَ. ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ المَلائِكَةُ فَإنَّهم حَفَظَةٌ لِبَنِي آدَمَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، ومِن مَخْلُوقاتِ الأرْضِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ الأحْجارُ والتُّرابُ والزَّرْعُ والشَّجَرُ والثَّمَرُ والحَيَواناتُ الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها والعُشْبُ الَّذِي يَرْعَوْنَ فِيهِ دَوابَّهم وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً، فالمُرادُ بِالتَّسْخِيرِ جَعْلُ المُسَخَّرِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ المُسَخَّرُ لَهُ، سَواءٌ كانَ مُنْقادًا لَهُ وداخِلًا تَحْتَ تَصَرُّفِهِ أمْ لا ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ أيْ: أتَمَّ وأكْمَلَ عَلَيْكم نِعَمَهُ، يُقالُ: سَبَغَتِ النِّعْمَةُ إذا تَمَّتْ وكَمُلَتْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أسْبَغَ " بِالسِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَحْيى بْنُ عُمارَةَ أصْبَغَ، بِالصّادِ مَكانِ السِّينِ. والنِّعَمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ " نِعْمَةً " بِسُكُونِ العَيْنِ عَلى الإفْرادِ والتَّنْوِينِ، اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ ويُدَلُّ بِهِ عَلى الكَثْرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. والمُرادُ بِالنِّعَمِ الظّاهِرَةِ ما يُدْرَكُ بِالعَقْلِ أوِ الحِسِّ ويَعْرِفُهُ مَن يَتَعَرَّفُهُ، وبِالباطِنَةِ ما لا يُدْرَكُ لِلنّاسِ ويَخْفى عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ: الصِّحَّةُ، وكَمالُ الخَلْقِ، والباطِنَةُ المَعْرِفَةُ والعَقْلُ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ ما يُرى بِالأبْصارِ مِنَ المالِ، والجاهِ، والجَمالِ، وفَعْلِ الطّاعاتِ، والباطِنَةُ ما يَجِدُهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ وحُسْنِ اليَقِينِ وما يَدْفَعُهُ اللَّهُ عَنِ البُعْدِ مِنَ الآفاتِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نِعَمُ الدُّنْيا، والباطِنَةُ نِعَمُ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ الإسْلامُ والجَمالُ، والباطِنَةُ ما سَتَرَهُ اللَّهُ عَلى العَبْدِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - في تَوْحِيدِهِ وصِفاتِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ لَهُ وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِن عَقْلٍ ولا نَقْلٍ ﴿ولا هُدًى﴾ يَهْتَدِي بِهِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، بَلْ مُجَرَّدُ تَعَنُّتٍ ومَحْضُ عِنادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: إذا قِيلَ لِهَؤُلاءِ المُجادِلِينَ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنَ الكِتابِ تَمَسَّكُوا بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ البَحْتِ، و﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فَنَعْبُدَ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، ونَمْشِي في الطَّرِيقِ الَّتِي كانُوا يَمْشُونَ بِها في دِينِهِمْ، ثُمَّ قالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ لِلِاسْتِبْعادِ والتَّبْكِيتِ ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ: يَدْعُو آباءَهُمُ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ في دِينِهِمْ أيْ: يَتْبَعُونَهم في الشِّرْكِ، ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو هَؤُلاءِ الأتْباعَ إلى عَذابِ السَّعِيرِ، لِأنَّهُ زَيَّنَ لَهُمُ اتِّباعَ آبائِهِمْ والتَّدَيُّنَ بِدِينِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو جَمِيعَ التّابِعِينَ والمَتْبُوعِينَ إلى العَذابِ، فَدُعاؤُهُ لِلْمَتْبُوعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهُمُ الشِّرْكَ، ودُعاؤُهُ لِلتّابِعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهم دِينَ آبائِهِمْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أيْ: يَدْعُوهم فَيَتَّبِعُونَهم، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. وما أقْبَحَ التَّقْلِيدَ، وأكْثَرَ ضَرَرَهُ عَلى صاحِبِهِ، وأوْخَمَ عاقِبَتَهُ، وأشْأمَ عائِدَتَهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ. فَإنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كَمَن يُرِيدُ أنْ يَذُودَ الفِراشَ عَنْ لَهَبِ النّارِ لِئَلّا تَحْتَرِقَ، فَتَأْبى ذَلِكَ وتَتَهافَتُ في نارِ الحَرِيقِ وعَذابِ السَّعِيرِ. ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: يُفَوِّضُ إلَيْهِ أمْرَهُ، ويُخْلِصُ لَهُ عِبادَتَهُ ويُقْبِلُ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في أعْمالِهِ؛ لِأنَّ العِبادَةَ مِن غَيْرِ إحْسانٍ لَها ولا مَعْرِفَةٍ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ فِيها لا تَقَعُ بِالمَوْقِعِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ عِبادَةُ المُحْسِنِينَ. وقَدْ صَحَّ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَنِ الإحْسانِ أنَّهُ قالَ لَهُ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيِ: اعْتَصَمَ بِالعَهْدِ الأوْثَقِ وتَعَلَّقَ بِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ إلى اللَّهِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَرَقّى إلى شاهِقِ جَبَلٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى حَبْلٍ مُتَدَلٍّ مِنهُ ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ: مَصِيرُها إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ " ومَن يُسَلِّمْ " بِالتَّشْدِيدِ قالَ النَّحّاسُ: والتَّخْفِيفُ في هَذا أعْرَفُ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] . ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ لِذَلِكَ، فَإنَّ كُفْرَهُ لا يَضُرُّكَ، بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكافِرِينَ بَعْدَ فَراغِهِ مِن بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ أيْ: نُخْبِرُهم بِقَبائِحِ أعْمالِهِمْ ونُجازِيهِمْ عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِما تُسِرُّهُ صُدُورُهم لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ فالسِّرُّ عِنْدَهُ كالعَلانِيَةِ. ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا﴾ أيْ: نُبْقِيهِمْ في الدُّنْيا مُدَّةً قَلِيلَةً يَتَمَتَّعُونَ بِها. فَإنَّ النَّعِيمَ الزّائِلَ هو أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّعِيمِ الدّائِمِ. وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَمْتِيعًا قَلِيلًا ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ: نُلْجِئُهم إلى عَذابِ النّارِ. فَإنَّهُ لا أثْقَلَ مِنهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ وأُصِيبَ بِهِ، فَلِهَذا اسْتُعِيرَ لَهُ الغِلَظُ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ خالِقِ ذَلِكَ لِوُضُوحِ الأمْرِ فِيهِ عِنْدَهم. وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ ولِهَذا قالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ الحَمْدُ (p-١١٤٥)لِلَّهِ عَلى اعْتِرافِكم، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ وتَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ ؟ أوِ المَعْنى: فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما هَدانا لَهُ مِن دِينِهِ ولا حَمْدَ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَدَبَّرُونَ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّ خالِقَ هَذِهِ الأشْياءِ هو الَّذِي تَجِبُ لَهُ العِبادَةُ دُونَ غَيْرِهِ. ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ غَيْرِهِ الحَمِيدُ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ أوِ المَحْمُودُ مِن عِبادِهِ بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ وراءَ ذَلِكَ ما لا يُحِيطُ بِهِ عَدَدٌ ولا يُحْصَرُ بِحَدٍّ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامٌ، ووَحَّدَ الشَّجَرَةَ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي أنَّ اسْتِغْراقَ المُفْرَدِ أشْمَلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ شَجَرَةٍ شَجَرَةٍ حَتّى لا يَبْقى مِن جِنْسِ الشَّجَرِ واحِدَةٌ إلّا وقَدْ بُرِيَتْ أقْلامًا، وجَمَعَ الأقْلامَ لِقَصْدِ التَّكْثِيرِ أيْ: لَوْ أنْ يَعُدَّ كُلَّ شَجَرَةٍ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامًا، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو مِن وُقُوعِ المُفْرَدِ مَوْقِعَ الجَمْعِ، والنَّكِرَةِ مَوْقِعَ المَعْرِفَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، ثُمَّ قالَ - سُبْحانُهُ - ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ أيْ: يَمُدُّهُ مِن بَعْدِ نَفادِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " والبَحْرُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و" يَمُدُّهُ " خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ البَحْرَ المُحِيطَ مَعَ سِعَتِهِ يَمُدُّهُ السَّبْعَةُ الأبْحُرِ مَدًّا لا يَنْقَطِعُ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ البَحْرَ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ ولَوْ ثَبَتَ البَحْرُ حالَ كَوْنِهِ تَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ، وقِيلَ: هو مُرْتَفِعٌ بِالعَطْفِ عَلى أنَّ، وما في حَيِّزِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " والبَحْرَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ أنَّ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ يَمُدُّهُ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، والحَسَنُ يُمِدُّهُ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ، مِن أمَدَّ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والبَحْرُ " مِدادُهُ " وجَوابُ لَوْ ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ أيْ: كَلِماتُهُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ مَعْلُوماتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المُرادُ بِالكَلِماتِ واللَّهُ أعْلَمُ ما في المَقْدُورِ دُونَ ما خَرَجَ مِنهُ إلى الوُجُودِ، ووافَقَهُ القَفّالُ فَقالَ: المَعْنى أنَّ الأشْجارَ لَوْ كانَتْ أقْلامًا، والبِحارَ مِدادًا فَكُتِبَ بِها عَجائِبُ صُنْعِ اللَّهِ الدّالَّةُ عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ لَمْ تَنْفَذْ تِلْكَ العَجائِبُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: رَدَّ القَفّالُ مَعْنى الكَلِماتِ إلى المُقَدُوراتِ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى الكَلامِ القَدِيمِ أوْلى. قالَ النَّحّاسُ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّ الكَلِماتِ هاهُنا يُرادُ بِها العِلْمُ وحَقائِقُ الأشْياءِ، لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا عَلِمَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ ما هو خالِقٌ في السَّماواتِ والأرْضِ مِن شَيْءٍ، وعَلِمَ ما فِيهِ مِن مَثاقِيلِ الذَّرِّ، وعَلِمَ الأجْناسَ كُلَّها وما فِيها مِن شَعْرَةٍ وعُضْوٍ وما في الشَّجَرَةِ مِن ورَقَةٍ وما فِيها مِن ضُرُوبِ الخَلْقِ. وقِيلَ: إنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: ما أكْثَرَ كَلامَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] في اليَهُودِ، قالُوا كَيْفَ وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها كَلامُ اللَّهِ وأحْكامُهُ، فَنَزَلَتْ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالبَحْرِ هُنا الماءُ العَذْبُ الَّذِي يُنْبِتُ الأقْلامَ، وأمّا الماءُ المالِحُ فَلا يُنْبِتُ الأقْلامَ. قُلْتُ: ما أسْقَطَ هَذا الكَلامَ وأقَلَّ جَدْواهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ولا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ فَرْدٌ مِن أفْرادِ مَخْلُوقاتِهِ. ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ: إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِها. قالَ النَّحّاسُ: كَذا قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ كَخَلْقِ نَفْسٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . قالَ الزَّجّاجُ أيْ: قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى بَعْثِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ وعَلى خَلْقِهِمْ كَقُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِكُلِّ ما يَسْمَعُ بَصِيرٌ بِكُلِّ ما يُبْصِرُ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَطاءٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ هَذِهِ مِن كُنُوزِ عِلْمِي سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فَما سَوّى مِن خَلْقِكَ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن عَوْرَتِكَ، ولَوْ أبْداها لَقَلاكَ أهْلُكَ فَمَن سِواهم» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ قالَ: " سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فالإسْلامُ وما سَوّى مِن خَلْقِكَ وما أسْبَغَ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن مُساوِي عَمَلِكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ الإسْلامُ، والنِّعْمَةُ الباطِنَةُ كُلُّ ما يَسْتُرُ عَلَيْكم مِنَ الذُّنُوبِ والعُيُوبِ والحُدُودِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في «قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ " أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالمَدِينَةِ: يا مُحَمَّدُ أرَأيْتَ قَوْلَكَ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] إيّانا تُرِيدُ أمْ قَوْمَكَ ؟ فَقالَ كُلًّا، فَقالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ، وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ ؟ فَقالَ: إنَّها في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ» " . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

لقمان 31:27

(p-١١٤٤)لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن قِصَّةِ لُقْمانَ رَجَعَ إلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى تَسْخِيرِها لِلْآدَمِيِّينَ الِانْتِفاعُ بِها. انْتَهى، فَمِن مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ أيِ: الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ ونَحْوُ ذَلِكَ. ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ المَلائِكَةُ فَإنَّهم حَفَظَةٌ لِبَنِي آدَمَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، ومِن مَخْلُوقاتِ الأرْضِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ الأحْجارُ والتُّرابُ والزَّرْعُ والشَّجَرُ والثَّمَرُ والحَيَواناتُ الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها والعُشْبُ الَّذِي يَرْعَوْنَ فِيهِ دَوابَّهم وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً، فالمُرادُ بِالتَّسْخِيرِ جَعْلُ المُسَخَّرِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ المُسَخَّرُ لَهُ، سَواءٌ كانَ مُنْقادًا لَهُ وداخِلًا تَحْتَ تَصَرُّفِهِ أمْ لا ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ أيْ: أتَمَّ وأكْمَلَ عَلَيْكم نِعَمَهُ، يُقالُ: سَبَغَتِ النِّعْمَةُ إذا تَمَّتْ وكَمُلَتْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أسْبَغَ " بِالسِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَحْيى بْنُ عُمارَةَ أصْبَغَ، بِالصّادِ مَكانِ السِّينِ. والنِّعَمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ " نِعْمَةً " بِسُكُونِ العَيْنِ عَلى الإفْرادِ والتَّنْوِينِ، اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ ويُدَلُّ بِهِ عَلى الكَثْرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. والمُرادُ بِالنِّعَمِ الظّاهِرَةِ ما يُدْرَكُ بِالعَقْلِ أوِ الحِسِّ ويَعْرِفُهُ مَن يَتَعَرَّفُهُ، وبِالباطِنَةِ ما لا يُدْرَكُ لِلنّاسِ ويَخْفى عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ: الصِّحَّةُ، وكَمالُ الخَلْقِ، والباطِنَةُ المَعْرِفَةُ والعَقْلُ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ ما يُرى بِالأبْصارِ مِنَ المالِ، والجاهِ، والجَمالِ، وفَعْلِ الطّاعاتِ، والباطِنَةُ ما يَجِدُهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ وحُسْنِ اليَقِينِ وما يَدْفَعُهُ اللَّهُ عَنِ البُعْدِ مِنَ الآفاتِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نِعَمُ الدُّنْيا، والباطِنَةُ نِعَمُ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ الإسْلامُ والجَمالُ، والباطِنَةُ ما سَتَرَهُ اللَّهُ عَلى العَبْدِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - في تَوْحِيدِهِ وصِفاتِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ لَهُ وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِن عَقْلٍ ولا نَقْلٍ ﴿ولا هُدًى﴾ يَهْتَدِي بِهِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، بَلْ مُجَرَّدُ تَعَنُّتٍ ومَحْضُ عِنادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: إذا قِيلَ لِهَؤُلاءِ المُجادِلِينَ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنَ الكِتابِ تَمَسَّكُوا بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ البَحْتِ، و﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فَنَعْبُدَ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، ونَمْشِي في الطَّرِيقِ الَّتِي كانُوا يَمْشُونَ بِها في دِينِهِمْ، ثُمَّ قالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ لِلِاسْتِبْعادِ والتَّبْكِيتِ ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ: يَدْعُو آباءَهُمُ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ في دِينِهِمْ أيْ: يَتْبَعُونَهم في الشِّرْكِ، ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو هَؤُلاءِ الأتْباعَ إلى عَذابِ السَّعِيرِ، لِأنَّهُ زَيَّنَ لَهُمُ اتِّباعَ آبائِهِمْ والتَّدَيُّنَ بِدِينِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو جَمِيعَ التّابِعِينَ والمَتْبُوعِينَ إلى العَذابِ، فَدُعاؤُهُ لِلْمَتْبُوعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهُمُ الشِّرْكَ، ودُعاؤُهُ لِلتّابِعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهم دِينَ آبائِهِمْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أيْ: يَدْعُوهم فَيَتَّبِعُونَهم، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. وما أقْبَحَ التَّقْلِيدَ، وأكْثَرَ ضَرَرَهُ عَلى صاحِبِهِ، وأوْخَمَ عاقِبَتَهُ، وأشْأمَ عائِدَتَهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ. فَإنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كَمَن يُرِيدُ أنْ يَذُودَ الفِراشَ عَنْ لَهَبِ النّارِ لِئَلّا تَحْتَرِقَ، فَتَأْبى ذَلِكَ وتَتَهافَتُ في نارِ الحَرِيقِ وعَذابِ السَّعِيرِ. ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: يُفَوِّضُ إلَيْهِ أمْرَهُ، ويُخْلِصُ لَهُ عِبادَتَهُ ويُقْبِلُ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في أعْمالِهِ؛ لِأنَّ العِبادَةَ مِن غَيْرِ إحْسانٍ لَها ولا مَعْرِفَةٍ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ فِيها لا تَقَعُ بِالمَوْقِعِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ عِبادَةُ المُحْسِنِينَ. وقَدْ صَحَّ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَنِ الإحْسانِ أنَّهُ قالَ لَهُ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيِ: اعْتَصَمَ بِالعَهْدِ الأوْثَقِ وتَعَلَّقَ بِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ إلى اللَّهِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَرَقّى إلى شاهِقِ جَبَلٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى حَبْلٍ مُتَدَلٍّ مِنهُ ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ: مَصِيرُها إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ " ومَن يُسَلِّمْ " بِالتَّشْدِيدِ قالَ النَّحّاسُ: والتَّخْفِيفُ في هَذا أعْرَفُ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] . ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ لِذَلِكَ، فَإنَّ كُفْرَهُ لا يَضُرُّكَ، بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكافِرِينَ بَعْدَ فَراغِهِ مِن بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ أيْ: نُخْبِرُهم بِقَبائِحِ أعْمالِهِمْ ونُجازِيهِمْ عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِما تُسِرُّهُ صُدُورُهم لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ فالسِّرُّ عِنْدَهُ كالعَلانِيَةِ. ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا﴾ أيْ: نُبْقِيهِمْ في الدُّنْيا مُدَّةً قَلِيلَةً يَتَمَتَّعُونَ بِها. فَإنَّ النَّعِيمَ الزّائِلَ هو أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّعِيمِ الدّائِمِ. وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَمْتِيعًا قَلِيلًا ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ: نُلْجِئُهم إلى عَذابِ النّارِ. فَإنَّهُ لا أثْقَلَ مِنهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ وأُصِيبَ بِهِ، فَلِهَذا اسْتُعِيرَ لَهُ الغِلَظُ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ خالِقِ ذَلِكَ لِوُضُوحِ الأمْرِ فِيهِ عِنْدَهم. وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ ولِهَذا قالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ الحَمْدُ (p-١١٤٥)لِلَّهِ عَلى اعْتِرافِكم، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ وتَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ ؟ أوِ المَعْنى: فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما هَدانا لَهُ مِن دِينِهِ ولا حَمْدَ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَدَبَّرُونَ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّ خالِقَ هَذِهِ الأشْياءِ هو الَّذِي تَجِبُ لَهُ العِبادَةُ دُونَ غَيْرِهِ. ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ غَيْرِهِ الحَمِيدُ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ أوِ المَحْمُودُ مِن عِبادِهِ بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ وراءَ ذَلِكَ ما لا يُحِيطُ بِهِ عَدَدٌ ولا يُحْصَرُ بِحَدٍّ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامٌ، ووَحَّدَ الشَّجَرَةَ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي أنَّ اسْتِغْراقَ المُفْرَدِ أشْمَلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ شَجَرَةٍ شَجَرَةٍ حَتّى لا يَبْقى مِن جِنْسِ الشَّجَرِ واحِدَةٌ إلّا وقَدْ بُرِيَتْ أقْلامًا، وجَمَعَ الأقْلامَ لِقَصْدِ التَّكْثِيرِ أيْ: لَوْ أنْ يَعُدَّ كُلَّ شَجَرَةٍ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامًا، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو مِن وُقُوعِ المُفْرَدِ مَوْقِعَ الجَمْعِ، والنَّكِرَةِ مَوْقِعَ المَعْرِفَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، ثُمَّ قالَ - سُبْحانُهُ - ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ أيْ: يَمُدُّهُ مِن بَعْدِ نَفادِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " والبَحْرُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و" يَمُدُّهُ " خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ البَحْرَ المُحِيطَ مَعَ سِعَتِهِ يَمُدُّهُ السَّبْعَةُ الأبْحُرِ مَدًّا لا يَنْقَطِعُ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ البَحْرَ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ ولَوْ ثَبَتَ البَحْرُ حالَ كَوْنِهِ تَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ، وقِيلَ: هو مُرْتَفِعٌ بِالعَطْفِ عَلى أنَّ، وما في حَيِّزِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " والبَحْرَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ أنَّ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ يَمُدُّهُ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، والحَسَنُ يُمِدُّهُ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ، مِن أمَدَّ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والبَحْرُ " مِدادُهُ " وجَوابُ لَوْ ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ أيْ: كَلِماتُهُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ مَعْلُوماتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المُرادُ بِالكَلِماتِ واللَّهُ أعْلَمُ ما في المَقْدُورِ دُونَ ما خَرَجَ مِنهُ إلى الوُجُودِ، ووافَقَهُ القَفّالُ فَقالَ: المَعْنى أنَّ الأشْجارَ لَوْ كانَتْ أقْلامًا، والبِحارَ مِدادًا فَكُتِبَ بِها عَجائِبُ صُنْعِ اللَّهِ الدّالَّةُ عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ لَمْ تَنْفَذْ تِلْكَ العَجائِبُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: رَدَّ القَفّالُ مَعْنى الكَلِماتِ إلى المُقَدُوراتِ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى الكَلامِ القَدِيمِ أوْلى. قالَ النَّحّاسُ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّ الكَلِماتِ هاهُنا يُرادُ بِها العِلْمُ وحَقائِقُ الأشْياءِ، لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا عَلِمَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ ما هو خالِقٌ في السَّماواتِ والأرْضِ مِن شَيْءٍ، وعَلِمَ ما فِيهِ مِن مَثاقِيلِ الذَّرِّ، وعَلِمَ الأجْناسَ كُلَّها وما فِيها مِن شَعْرَةٍ وعُضْوٍ وما في الشَّجَرَةِ مِن ورَقَةٍ وما فِيها مِن ضُرُوبِ الخَلْقِ. وقِيلَ: إنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: ما أكْثَرَ كَلامَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] في اليَهُودِ، قالُوا كَيْفَ وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها كَلامُ اللَّهِ وأحْكامُهُ، فَنَزَلَتْ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالبَحْرِ هُنا الماءُ العَذْبُ الَّذِي يُنْبِتُ الأقْلامَ، وأمّا الماءُ المالِحُ فَلا يُنْبِتُ الأقْلامَ. قُلْتُ: ما أسْقَطَ هَذا الكَلامَ وأقَلَّ جَدْواهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ولا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ فَرْدٌ مِن أفْرادِ مَخْلُوقاتِهِ. ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ: إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِها. قالَ النَّحّاسُ: كَذا قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ كَخَلْقِ نَفْسٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . قالَ الزَّجّاجُ أيْ: قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى بَعْثِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ وعَلى خَلْقِهِمْ كَقُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِكُلِّ ما يَسْمَعُ بَصِيرٌ بِكُلِّ ما يُبْصِرُ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَطاءٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ هَذِهِ مِن كُنُوزِ عِلْمِي سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فَما سَوّى مِن خَلْقِكَ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن عَوْرَتِكَ، ولَوْ أبْداها لَقَلاكَ أهْلُكَ فَمَن سِواهم» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ قالَ: " سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فالإسْلامُ وما سَوّى مِن خَلْقِكَ وما أسْبَغَ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن مُساوِي عَمَلِكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ الإسْلامُ، والنِّعْمَةُ الباطِنَةُ كُلُّ ما يَسْتُرُ عَلَيْكم مِنَ الذُّنُوبِ والعُيُوبِ والحُدُودِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في «قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ " أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالمَدِينَةِ: يا مُحَمَّدُ أرَأيْتَ قَوْلَكَ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] إيّانا تُرِيدُ أمْ قَوْمَكَ ؟ فَقالَ كُلًّا، فَقالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ، وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ ؟ فَقالَ: إنَّها في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ» " . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

لقمان 31:28

(p-١١٤٤)لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن قِصَّةِ لُقْمانَ رَجَعَ إلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى تَسْخِيرِها لِلْآدَمِيِّينَ الِانْتِفاعُ بِها. انْتَهى، فَمِن مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ أيِ: الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ ونَحْوُ ذَلِكَ. ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ المَلائِكَةُ فَإنَّهم حَفَظَةٌ لِبَنِي آدَمَ بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، ومِن مَخْلُوقاتِ الأرْضِ المُسَخَّرَةِ لِبَنِي آدَمَ الأحْجارُ والتُّرابُ والزَّرْعُ والشَّجَرُ والثَّمَرُ والحَيَواناتُ الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِها والعُشْبُ الَّذِي يَرْعَوْنَ فِيهِ دَوابَّهم وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً، فالمُرادُ بِالتَّسْخِيرِ جَعْلُ المُسَخَّرِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ المُسَخَّرُ لَهُ، سَواءٌ كانَ مُنْقادًا لَهُ وداخِلًا تَحْتَ تَصَرُّفِهِ أمْ لا ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ أيْ: أتَمَّ وأكْمَلَ عَلَيْكم نِعَمَهُ، يُقالُ: سَبَغَتِ النِّعْمَةُ إذا تَمَّتْ وكَمُلَتْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أسْبَغَ " بِالسِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَحْيى بْنُ عُمارَةَ أصْبَغَ، بِالصّادِ مَكانِ السِّينِ. والنِّعَمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ " نِعْمَةً " بِسُكُونِ العَيْنِ عَلى الإفْرادِ والتَّنْوِينِ، اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ ويُدَلُّ بِهِ عَلى الكَثْرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ. والمُرادُ بِالنِّعَمِ الظّاهِرَةِ ما يُدْرَكُ بِالعَقْلِ أوِ الحِسِّ ويَعْرِفُهُ مَن يَتَعَرَّفُهُ، وبِالباطِنَةِ ما لا يُدْرَكُ لِلنّاسِ ويَخْفى عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ: الصِّحَّةُ، وكَمالُ الخَلْقِ، والباطِنَةُ المَعْرِفَةُ والعَقْلُ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ ما يُرى بِالأبْصارِ مِنَ المالِ، والجاهِ، والجَمالِ، وفَعْلِ الطّاعاتِ، والباطِنَةُ ما يَجِدُهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ وحُسْنِ اليَقِينِ وما يَدْفَعُهُ اللَّهُ عَنِ البُعْدِ مِنَ الآفاتِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نِعَمُ الدُّنْيا، والباطِنَةُ نِعَمُ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ الإسْلامُ والجَمالُ، والباطِنَةُ ما سَتَرَهُ اللَّهُ عَلى العَبْدِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - في تَوْحِيدِهِ وصِفاتِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ لَهُ وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِن عَقْلٍ ولا نَقْلٍ ﴿ولا هُدًى﴾ يَهْتَدِي بِهِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، بَلْ مُجَرَّدُ تَعَنُّتٍ ومَحْضُ عِنادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: إذا قِيلَ لِهَؤُلاءِ المُجادِلِينَ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنَ الكِتابِ تَمَسَّكُوا بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ البَحْتِ، و﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فَنَعْبُدَ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، ونَمْشِي في الطَّرِيقِ الَّتِي كانُوا يَمْشُونَ بِها في دِينِهِمْ، ثُمَّ قالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ لِلِاسْتِبْعادِ والتَّبْكِيتِ ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ: يَدْعُو آباءَهُمُ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ في دِينِهِمْ أيْ: يَتْبَعُونَهم في الشِّرْكِ، ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو هَؤُلاءِ الأتْباعَ إلى عَذابِ السَّعِيرِ، لِأنَّهُ زَيَّنَ لَهُمُ اتِّباعَ آبائِهِمْ والتَّدَيُّنَ بِدِينِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو جَمِيعَ التّابِعِينَ والمَتْبُوعِينَ إلى العَذابِ، فَدُعاؤُهُ لِلْمَتْبُوعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهُمُ الشِّرْكَ، ودُعاؤُهُ لِلتّابِعِينَ بِتَزْيِينِهِ لَهم دِينَ آبائِهِمْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أيْ: يَدْعُوهم فَيَتَّبِعُونَهم، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. وما أقْبَحَ التَّقْلِيدَ، وأكْثَرَ ضَرَرَهُ عَلى صاحِبِهِ، وأوْخَمَ عاقِبَتَهُ، وأشْأمَ عائِدَتَهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ. فَإنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كَمَن يُرِيدُ أنْ يَذُودَ الفِراشَ عَنْ لَهَبِ النّارِ لِئَلّا تَحْتَرِقَ، فَتَأْبى ذَلِكَ وتَتَهافَتُ في نارِ الحَرِيقِ وعَذابِ السَّعِيرِ. ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: يُفَوِّضُ إلَيْهِ أمْرَهُ، ويُخْلِصُ لَهُ عِبادَتَهُ ويُقْبِلُ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في أعْمالِهِ؛ لِأنَّ العِبادَةَ مِن غَيْرِ إحْسانٍ لَها ولا مَعْرِفَةٍ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ فِيها لا تَقَعُ بِالمَوْقِعِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ عِبادَةُ المُحْسِنِينَ. وقَدْ صَحَّ عَنِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَنِ الإحْسانِ أنَّهُ قالَ لَهُ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيِ: اعْتَصَمَ بِالعَهْدِ الأوْثَقِ وتَعَلَّقَ بِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ إلى اللَّهِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَرَقّى إلى شاهِقِ جَبَلٍ، فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى حَبْلٍ مُتَدَلٍّ مِنهُ ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ: مَصِيرُها إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ " ومَن يُسَلِّمْ " بِالتَّشْدِيدِ قالَ النَّحّاسُ: والتَّخْفِيفُ في هَذا أعْرَفُ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] . ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ لِذَلِكَ، فَإنَّ كُفْرَهُ لا يَضُرُّكَ، بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ الكافِرِينَ بَعْدَ فَراغِهِ مِن بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ أيْ: نُخْبِرُهم بِقَبائِحِ أعْمالِهِمْ ونُجازِيهِمْ عَلَيْها ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِما تُسِرُّهُ صُدُورُهم لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ فالسِّرُّ عِنْدَهُ كالعَلانِيَةِ. ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا﴾ أيْ: نُبْقِيهِمْ في الدُّنْيا مُدَّةً قَلِيلَةً يَتَمَتَّعُونَ بِها. فَإنَّ النَّعِيمَ الزّائِلَ هو أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّعِيمِ الدّائِمِ. وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَمْتِيعًا قَلِيلًا ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ: نُلْجِئُهم إلى عَذابِ النّارِ. فَإنَّهُ لا أثْقَلَ مِنهُ عَلى مَن وقَعَ فِيهِ وأُصِيبَ بِهِ، فَلِهَذا اسْتُعِيرَ لَهُ الغِلَظُ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ خالِقِ ذَلِكَ لِوُضُوحِ الأمْرِ فِيهِ عِنْدَهم. وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ ولِهَذا قالَ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ الحَمْدُ (p-١١٤٥)لِلَّهِ عَلى اعْتِرافِكم، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ وتَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ ؟ أوِ المَعْنى: فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما هَدانا لَهُ مِن دِينِهِ ولا حَمْدَ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَدَبَّرُونَ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّ خالِقَ هَذِهِ الأشْياءِ هو الَّذِي تَجِبُ لَهُ العِبادَةُ دُونَ غَيْرِهِ. ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ غَيْرِهِ الحَمِيدُ أيِ: المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ أوِ المَحْمُودُ مِن عِبادِهِ بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ وراءَ ذَلِكَ ما لا يُحِيطُ بِهِ عَدَدٌ ولا يُحْصَرُ بِحَدٍّ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامٌ، ووَحَّدَ الشَّجَرَةَ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي أنَّ اسْتِغْراقَ المُفْرَدِ أشْمَلُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ شَجَرَةٍ شَجَرَةٍ حَتّى لا يَبْقى مِن جِنْسِ الشَّجَرِ واحِدَةٌ إلّا وقَدْ بُرِيَتْ أقْلامًا، وجَمَعَ الأقْلامَ لِقَصْدِ التَّكْثِيرِ أيْ: لَوْ أنْ يَعُدَّ كُلَّ شَجَرَةٍ مِنَ الشَّجَرِ أقْلامًا، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو مِن وُقُوعِ المُفْرَدِ مَوْقِعَ الجَمْعِ، والنَّكِرَةِ مَوْقِعَ المَعْرِفَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، ثُمَّ قالَ - سُبْحانُهُ - ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ أيْ: يَمُدُّهُ مِن بَعْدِ نَفادِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " والبَحْرُ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و" يَمُدُّهُ " خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ البَحْرَ المُحِيطَ مَعَ سِعَتِهِ يَمُدُّهُ السَّبْعَةُ الأبْحُرِ مَدًّا لا يَنْقَطِعُ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ البَحْرَ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ ولَوْ ثَبَتَ البَحْرُ حالَ كَوْنِهِ تَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ، وقِيلَ: هو مُرْتَفِعٌ بِالعَطْفِ عَلى أنَّ، وما في حَيِّزِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " والبَحْرَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ أنَّ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ يَمُدُّهُ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، والحَسَنُ يُمِدُّهُ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ، مِن أمَدَّ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والبَحْرُ " مِدادُهُ " وجَوابُ لَوْ ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ أيْ: كَلِماتُهُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ مَعْلُوماتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المُرادُ بِالكَلِماتِ واللَّهُ أعْلَمُ ما في المَقْدُورِ دُونَ ما خَرَجَ مِنهُ إلى الوُجُودِ، ووافَقَهُ القَفّالُ فَقالَ: المَعْنى أنَّ الأشْجارَ لَوْ كانَتْ أقْلامًا، والبِحارَ مِدادًا فَكُتِبَ بِها عَجائِبُ صُنْعِ اللَّهِ الدّالَّةُ عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ لَمْ تَنْفَذْ تِلْكَ العَجائِبُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: رَدَّ القَفّالُ مَعْنى الكَلِماتِ إلى المُقَدُوراتِ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى الكَلامِ القَدِيمِ أوْلى. قالَ النَّحّاسُ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّ الكَلِماتِ هاهُنا يُرادُ بِها العِلْمُ وحَقائِقُ الأشْياءِ، لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا عَلِمَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ ما هو خالِقٌ في السَّماواتِ والأرْضِ مِن شَيْءٍ، وعَلِمَ ما فِيهِ مِن مَثاقِيلِ الذَّرِّ، وعَلِمَ الأجْناسَ كُلَّها وما فِيها مِن شَعْرَةٍ وعُضْوٍ وما في الشَّجَرَةِ مِن ورَقَةٍ وما فِيها مِن ضُرُوبِ الخَلْقِ. وقِيلَ: إنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: ما أكْثَرَ كَلامَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا نَزَلَتْ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] في اليَهُودِ، قالُوا كَيْفَ وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها كَلامُ اللَّهِ وأحْكامُهُ، فَنَزَلَتْ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُرادُ بِالبَحْرِ هُنا الماءُ العَذْبُ الَّذِي يُنْبِتُ الأقْلامَ، وأمّا الماءُ المالِحُ فَلا يُنْبِتُ الأقْلامَ. قُلْتُ: ما أسْقَطَ هَذا الكَلامَ وأقَلَّ جَدْواهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ولا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ فَرْدٌ مِن أفْرادِ مَخْلُوقاتِهِ. ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ: إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِها. قالَ النَّحّاسُ: كَذا قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ كَخَلْقِ نَفْسٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . قالَ الزَّجّاجُ أيْ: قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى بَعْثِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ وعَلى خَلْقِهِمْ كَقُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِكُلِّ ما يَسْمَعُ بَصِيرٌ بِكُلِّ ما يُبْصِرُ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَطاءٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ هَذِهِ مِن كُنُوزِ عِلْمِي سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فَما سَوّى مِن خَلْقِكَ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن عَوْرَتِكَ، ولَوْ أبْداها لَقَلاكَ أهْلُكَ فَمَن سِواهم» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ قالَ: " سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ فَقالَ: «أمّا الظّاهِرَةُ فالإسْلامُ وما سَوّى مِن خَلْقِكَ وما أسْبَغَ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن مُساوِي عَمَلِكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ الإسْلامُ، والنِّعْمَةُ الباطِنَةُ كُلُّ ما يَسْتُرُ عَلَيْكم مِنَ الذُّنُوبِ والعُيُوبِ والحُدُودِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في «قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ " أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالمَدِينَةِ: يا مُحَمَّدُ أرَأيْتَ قَوْلَكَ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] إيّانا تُرِيدُ أمْ قَوْمَكَ ؟ فَقالَ كُلًّا، فَقالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ، وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ ؟ فَقالَ: إنَّها في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ» " . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

لقمان 31:29

(p-١١٤٦)الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ أوْ لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: يُدْخِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في الآخَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الحَجِّ والأنْعامِ ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ أيْ: ذَلَّلَهُما وجَعَلَهُما مُنْقادَيْنَ بِالطُّلُوعِ والأُفُولِ تَقْدِيرًا لِلْآجالِ وتَتْمِيمًا لِلْمَنافِعِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَهُما مَعَ اخْتِلافِهِما ﴿كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ اخْتُلِفَ في الأجَلِ المُسَمّى ماذا هو ؟ فَقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقِيلَ: وقْتُ الطُّلُوعِ ووَقْتُ الأُفُولِ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يُولِجُ أيْ: خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ فَقُدْرَتُهُ عَلى العِلْمِ بِما تَعْمَلُونَهُ بِالأوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ " تَعْمَلُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ ونَصْرُ بْنُ عامِرٍ والدُّورِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والباءُ في ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿هُوَ الحَقُّ﴾ وغَيْرُهُ الباطِلُ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ الحَقُّ ﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الشَّيْطانُ، وقِيلَ: ما أشْرَكُوا بِهِ مِن صَنَمٍ أوْ غَيْرِهِ، وهَذا أوْلى ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الصُّنْعَ البَدِيعَ الَّذِي وصَفَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى حَقِيَّةِ اللَّهِ، وبُطْلانِ ما سِواهُ، وعُلُوِّهِ وكِبْرِيائِهِ: هو العَلِيُّ في مَكانَتِهِ، ذُو الكِبْرِياءِ في رُبُوبِيَّتِهِ وسُلْطانِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِن عَجِيبِ صُنْعِهِ وبَدِيعِ قُدْرَتِهِ نَوْعًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِلُطْفِهِ بِكم ورَحْمَتِهِ لَكم، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ نِعَمَهِ عَلَيْكم؛ لِأنَّها تُخَلِّصُكم مِنَ الغَرَقِ عِنْدَ أسْفارِكم في البَحْرِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ بِنِعَماتِ اللَّهِ جَمْعُ نِعْمَةٍ ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ: لِيُرِيَكم بَعْضَ آياتِهِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: وهو جَرْيُ السُّفُنِ في البَحْرِ بِالرِّيحِ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ مِن آياتِهِ ما يُشاهِدُونَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، وقالَ النَّقاشُ: ما يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ في البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ لَآياتٍ عَظِيمَةٍ لِكُلٍّ مَن لَهُ صَبْرٌ بَلِيغٌ وشُكْرٌ كَثِيرٌ يَصْبِرُ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ ويَشْكُرُ نِعَمَهُ. ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ شَبَّهَ المَوْجَ لِكِبَرِهِ بِما يُظِلُّ الإنْسانَ مِن جَبَلٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما، وإنَّما شَبَّهَ المَوْجَ وهو واحِدٌ بِالظُّلَلِ. وهِيَ جَمْعٌ، لِأنَّ المَوْتَ يَأْتِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ويَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقِيلَ: إنَّ المَوْجَ في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وأصْلُ المَوْجِ الحَرَكَةُ والِازْدِحامُ، ومِنهُ يُقالُ: ماجَ البَحْرُ وماجَ النّاسُ. وقَرَأ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ " مَوْجٌ كالظِّلالِ " جَمْعُ ظِلٍّ. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: دَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ لا يُعَوِّلُونَ عَلى غَيْرِهِ في خَلاصِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ سِواهُ، ولَكِنَّهُ تَغْلِبُ عَلى طَبائِعِهِمُ العاداتُ وتَقْلِيدُ الأمْواتِ، فَإذا وقَعُوا في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ اعْتَرَفُوا بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لَهُ طَلَبًا لِلْخَلاصِ والسَّلامَةِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ﴾ صارُوا عَلى قِسْمَيْنِ: فَقِسْمٌ ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ أيْ: مُوفٍ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ في البَحْرِ مِن إخْلاصِ الدِّينِ لَهُ باقٍ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ أنْ نَجّاهُ اللَّهُ مِن هَوْلِ البَحْرِ، وأخْرَجَهُ إلى البَرِّ سالِمًا. قالَ الحَسَنُ: مَعْنى " مُقْتَصِدٌ " مُؤْمِنٌ مُتَمَسِّكٌ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: مُقْتَصِدٌ في القَوْلِ مُضْمِرٌ لِلْكُفْرِ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ، ويَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم كافِرٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ الخَتْرُ: أسْوَأُ الغَدْرِ وأقْبَحُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎بِالأبْلَقِ الفَرْدِ مِن تَيْماءَ مَنزِلُهُ حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتّارِ قالَ الجَوْهَرِيُّ: الخَتْرُ الغَدْرُ، يُقالُ: خَتَرَهُ فَهو خَتّارٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ الجاحِدُ، وجَحْدُ الآياتِ: إنْكارُها، والكَفُورُ: عَظِيمُ الكُفْرِ بِنِعَمِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ أيْ: لا يُغْنِي الوالِدُ عَنْ ولَدِهِ شَيْئًا ولا يَنْفَعُهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ لِاشْتِغالِهِ بِنَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُ في البَقَرَةِ ﴿ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرْدَيْنِ مِنَ القَراباتِ وهو الوالِدُ والوَلَدُ وهُما الغايَةُ في الحُنُوِّ والشَّفَقَةِ عَلى بَعْضِهِمُ البَعْضُ فَما عَداهُما مِنَ القَراباتِ لا يَجْزِي بِالأوْلى فَكَيْفَ بِالأجانِبِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ لا يَرْجُو سِواكَ ولا يُعَوِّلُ عَلى غَيْرِكَ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ لا يَتَخَلَّفُ فَما وعَدَ بِهِ مِنَ الخَيْرِ وأوْعَدَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ وزَخارِفُها فَإنَّها زائِلَةٌ ذاهِبَةٌ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " الغَرُورِ " بِفَتْحِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ، والغَرُورِ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَغُرَّ الخَلْقَ ويُمَنِّيَهم بِالأمانِي الباطِلَةِ، ويُلْهِيَهم عَنِ الآخِرَةِ، ويَصُدَّهم عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ. وقَرَأ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ الغَيْنِ مَصْدَرُ غَرَّ يَغُرُّ غُرُورًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا واقِعًا وصْفًا لِلشَّيْطانِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيْ: عِلْمُ وقْتِها الَّذِي تَقُومُ فِيهِ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى هَذا الكَلامِ النَّفْيُ أيْ: ما يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما صارَ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ لِما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو﴾ [الأنعام: ٥٩] إنَّها هَذِهِ، ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ في الأوْقاتِ الَّتِي جَعَلَها مُعَيَّنَةً لِإنْزالِهِ ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْرُهُ ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ والصَّلاحِ والفَسادِ ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ كائِنَةً ما كانَتْ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والجِنِّ والإنْسِ ﴿ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مِن كَسْبِ دِينٍ أوْ كَسْبِ دُنْيا ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ أيْ: بِأيِّ مَكانٍ يَقْضِي اللَّهُ عَلَيْها بِالمَوْتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ويَنَزِّلُ الغَيْثَ " (p-١١٤٧)مُشَدَّدًا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ مُخَفَّفًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ " بِأيِّ أرْضٍ " وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ومُوسى الأهْوازِيُّ " بِأيَّةِ " وجَوَّزَ ذَلِكَ الفَرّاءُ وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ. قالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَرَرْتُ بِجارِيَةٍ أيُّ جارِيَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَنِ ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِن هَذِهِ الخَمْسِ فَقَدْ كَفَرَ بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّهُ خالَفَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: خَتّارٍ قالَ: جَحّادٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: هو الشَّيْطانُ. وكَذا قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ جاءَ رَجُلٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ فَقالَ: إنَّ امْرَأتَيْ حُبْلى فَأخْبِرْنِي ما تَلِدُ ؟ وبِلادُنا مُجْدِبَةٌ فَأخْبِرْنِي مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ وقَدْ عَلِمْتُ مَتى وُلِدْتُ فَأخْبِرْنِي مَتى أمُوتُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ وزادَ: وقَدْ عَلِمْتُ ما كَسَبْتُ اليَوْمَ فَماذا أكْسِبُ غَدًا ؟ وزادَ أيْضًا أنَّهُ سَألَهُ عَنْ قِيامِ السّاعَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَفاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ ما في غَدٍ إلّا اللَّهُ، ولا مَتى تَقُومُ السّاعَةُ إلّا اللَّهُ، ولا ما في الأرْحامِ إلّا اللَّهُ، ولا مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ إلّا اللَّهُ، وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إلّا اللَّهُ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في حَدِيثِ سُؤالِهِ عَنِ السّاعَةِ وجَوابِهِ بِأشْراطِها، ثُمَّ قالَ «فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ»، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وفي البابِ أحادِيثُ.

لقمان 31:30

(p-١١٤٦)الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ أوْ لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: يُدْخِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في الآخَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الحَجِّ والأنْعامِ ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ أيْ: ذَلَّلَهُما وجَعَلَهُما مُنْقادَيْنَ بِالطُّلُوعِ والأُفُولِ تَقْدِيرًا لِلْآجالِ وتَتْمِيمًا لِلْمَنافِعِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَهُما مَعَ اخْتِلافِهِما ﴿كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ اخْتُلِفَ في الأجَلِ المُسَمّى ماذا هو ؟ فَقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقِيلَ: وقْتُ الطُّلُوعِ ووَقْتُ الأُفُولِ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يُولِجُ أيْ: خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ فَقُدْرَتُهُ عَلى العِلْمِ بِما تَعْمَلُونَهُ بِالأوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ " تَعْمَلُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ ونَصْرُ بْنُ عامِرٍ والدُّورِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والباءُ في ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿هُوَ الحَقُّ﴾ وغَيْرُهُ الباطِلُ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ الحَقُّ ﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الشَّيْطانُ، وقِيلَ: ما أشْرَكُوا بِهِ مِن صَنَمٍ أوْ غَيْرِهِ، وهَذا أوْلى ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الصُّنْعَ البَدِيعَ الَّذِي وصَفَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى حَقِيَّةِ اللَّهِ، وبُطْلانِ ما سِواهُ، وعُلُوِّهِ وكِبْرِيائِهِ: هو العَلِيُّ في مَكانَتِهِ، ذُو الكِبْرِياءِ في رُبُوبِيَّتِهِ وسُلْطانِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِن عَجِيبِ صُنْعِهِ وبَدِيعِ قُدْرَتِهِ نَوْعًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِلُطْفِهِ بِكم ورَحْمَتِهِ لَكم، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ نِعَمَهِ عَلَيْكم؛ لِأنَّها تُخَلِّصُكم مِنَ الغَرَقِ عِنْدَ أسْفارِكم في البَحْرِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ بِنِعَماتِ اللَّهِ جَمْعُ نِعْمَةٍ ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ: لِيُرِيَكم بَعْضَ آياتِهِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: وهو جَرْيُ السُّفُنِ في البَحْرِ بِالرِّيحِ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ مِن آياتِهِ ما يُشاهِدُونَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، وقالَ النَّقاشُ: ما يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ في البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ لَآياتٍ عَظِيمَةٍ لِكُلٍّ مَن لَهُ صَبْرٌ بَلِيغٌ وشُكْرٌ كَثِيرٌ يَصْبِرُ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ ويَشْكُرُ نِعَمَهُ. ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ شَبَّهَ المَوْجَ لِكِبَرِهِ بِما يُظِلُّ الإنْسانَ مِن جَبَلٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما، وإنَّما شَبَّهَ المَوْجَ وهو واحِدٌ بِالظُّلَلِ. وهِيَ جَمْعٌ، لِأنَّ المَوْتَ يَأْتِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ويَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقِيلَ: إنَّ المَوْجَ في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وأصْلُ المَوْجِ الحَرَكَةُ والِازْدِحامُ، ومِنهُ يُقالُ: ماجَ البَحْرُ وماجَ النّاسُ. وقَرَأ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ " مَوْجٌ كالظِّلالِ " جَمْعُ ظِلٍّ. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: دَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ لا يُعَوِّلُونَ عَلى غَيْرِهِ في خَلاصِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ سِواهُ، ولَكِنَّهُ تَغْلِبُ عَلى طَبائِعِهِمُ العاداتُ وتَقْلِيدُ الأمْواتِ، فَإذا وقَعُوا في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ اعْتَرَفُوا بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لَهُ طَلَبًا لِلْخَلاصِ والسَّلامَةِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ﴾ صارُوا عَلى قِسْمَيْنِ: فَقِسْمٌ ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ أيْ: مُوفٍ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ في البَحْرِ مِن إخْلاصِ الدِّينِ لَهُ باقٍ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ أنْ نَجّاهُ اللَّهُ مِن هَوْلِ البَحْرِ، وأخْرَجَهُ إلى البَرِّ سالِمًا. قالَ الحَسَنُ: مَعْنى " مُقْتَصِدٌ " مُؤْمِنٌ مُتَمَسِّكٌ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: مُقْتَصِدٌ في القَوْلِ مُضْمِرٌ لِلْكُفْرِ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ، ويَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم كافِرٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ الخَتْرُ: أسْوَأُ الغَدْرِ وأقْبَحُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎بِالأبْلَقِ الفَرْدِ مِن تَيْماءَ مَنزِلُهُ حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتّارِ قالَ الجَوْهَرِيُّ: الخَتْرُ الغَدْرُ، يُقالُ: خَتَرَهُ فَهو خَتّارٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ الجاحِدُ، وجَحْدُ الآياتِ: إنْكارُها، والكَفُورُ: عَظِيمُ الكُفْرِ بِنِعَمِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ أيْ: لا يُغْنِي الوالِدُ عَنْ ولَدِهِ شَيْئًا ولا يَنْفَعُهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ لِاشْتِغالِهِ بِنَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُ في البَقَرَةِ ﴿ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرْدَيْنِ مِنَ القَراباتِ وهو الوالِدُ والوَلَدُ وهُما الغايَةُ في الحُنُوِّ والشَّفَقَةِ عَلى بَعْضِهِمُ البَعْضُ فَما عَداهُما مِنَ القَراباتِ لا يَجْزِي بِالأوْلى فَكَيْفَ بِالأجانِبِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ لا يَرْجُو سِواكَ ولا يُعَوِّلُ عَلى غَيْرِكَ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ لا يَتَخَلَّفُ فَما وعَدَ بِهِ مِنَ الخَيْرِ وأوْعَدَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ وزَخارِفُها فَإنَّها زائِلَةٌ ذاهِبَةٌ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " الغَرُورِ " بِفَتْحِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ، والغَرُورِ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَغُرَّ الخَلْقَ ويُمَنِّيَهم بِالأمانِي الباطِلَةِ، ويُلْهِيَهم عَنِ الآخِرَةِ، ويَصُدَّهم عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ. وقَرَأ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ الغَيْنِ مَصْدَرُ غَرَّ يَغُرُّ غُرُورًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا واقِعًا وصْفًا لِلشَّيْطانِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيْ: عِلْمُ وقْتِها الَّذِي تَقُومُ فِيهِ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى هَذا الكَلامِ النَّفْيُ أيْ: ما يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما صارَ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ لِما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو﴾ [الأنعام: ٥٩] إنَّها هَذِهِ، ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ في الأوْقاتِ الَّتِي جَعَلَها مُعَيَّنَةً لِإنْزالِهِ ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْرُهُ ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ والصَّلاحِ والفَسادِ ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ كائِنَةً ما كانَتْ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والجِنِّ والإنْسِ ﴿ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مِن كَسْبِ دِينٍ أوْ كَسْبِ دُنْيا ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ أيْ: بِأيِّ مَكانٍ يَقْضِي اللَّهُ عَلَيْها بِالمَوْتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ويَنَزِّلُ الغَيْثَ " (p-١١٤٧)مُشَدَّدًا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ مُخَفَّفًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ " بِأيِّ أرْضٍ " وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ومُوسى الأهْوازِيُّ " بِأيَّةِ " وجَوَّزَ ذَلِكَ الفَرّاءُ وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ. قالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَرَرْتُ بِجارِيَةٍ أيُّ جارِيَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَنِ ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِن هَذِهِ الخَمْسِ فَقَدْ كَفَرَ بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّهُ خالَفَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: خَتّارٍ قالَ: جَحّادٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: هو الشَّيْطانُ. وكَذا قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ جاءَ رَجُلٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ فَقالَ: إنَّ امْرَأتَيْ حُبْلى فَأخْبِرْنِي ما تَلِدُ ؟ وبِلادُنا مُجْدِبَةٌ فَأخْبِرْنِي مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ وقَدْ عَلِمْتُ مَتى وُلِدْتُ فَأخْبِرْنِي مَتى أمُوتُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ وزادَ: وقَدْ عَلِمْتُ ما كَسَبْتُ اليَوْمَ فَماذا أكْسِبُ غَدًا ؟ وزادَ أيْضًا أنَّهُ سَألَهُ عَنْ قِيامِ السّاعَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَفاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ ما في غَدٍ إلّا اللَّهُ، ولا مَتى تَقُومُ السّاعَةُ إلّا اللَّهُ، ولا ما في الأرْحامِ إلّا اللَّهُ، ولا مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ إلّا اللَّهُ، وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إلّا اللَّهُ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في حَدِيثِ سُؤالِهِ عَنِ السّاعَةِ وجَوابِهِ بِأشْراطِها، ثُمَّ قالَ «فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ»، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وفي البابِ أحادِيثُ.

لقمان 31:31

(p-١١٤٦)الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ أوْ لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: يُدْخِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في الآخَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الحَجِّ والأنْعامِ ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ أيْ: ذَلَّلَهُما وجَعَلَهُما مُنْقادَيْنَ بِالطُّلُوعِ والأُفُولِ تَقْدِيرًا لِلْآجالِ وتَتْمِيمًا لِلْمَنافِعِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَهُما مَعَ اخْتِلافِهِما ﴿كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ اخْتُلِفَ في الأجَلِ المُسَمّى ماذا هو ؟ فَقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقِيلَ: وقْتُ الطُّلُوعِ ووَقْتُ الأُفُولِ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يُولِجُ أيْ: خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ فَقُدْرَتُهُ عَلى العِلْمِ بِما تَعْمَلُونَهُ بِالأوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ " تَعْمَلُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ ونَصْرُ بْنُ عامِرٍ والدُّورِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والباءُ في ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿هُوَ الحَقُّ﴾ وغَيْرُهُ الباطِلُ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ الحَقُّ ﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الشَّيْطانُ، وقِيلَ: ما أشْرَكُوا بِهِ مِن صَنَمٍ أوْ غَيْرِهِ، وهَذا أوْلى ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الصُّنْعَ البَدِيعَ الَّذِي وصَفَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى حَقِيَّةِ اللَّهِ، وبُطْلانِ ما سِواهُ، وعُلُوِّهِ وكِبْرِيائِهِ: هو العَلِيُّ في مَكانَتِهِ، ذُو الكِبْرِياءِ في رُبُوبِيَّتِهِ وسُلْطانِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِن عَجِيبِ صُنْعِهِ وبَدِيعِ قُدْرَتِهِ نَوْعًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِلُطْفِهِ بِكم ورَحْمَتِهِ لَكم، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ نِعَمَهِ عَلَيْكم؛ لِأنَّها تُخَلِّصُكم مِنَ الغَرَقِ عِنْدَ أسْفارِكم في البَحْرِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ بِنِعَماتِ اللَّهِ جَمْعُ نِعْمَةٍ ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ: لِيُرِيَكم بَعْضَ آياتِهِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: وهو جَرْيُ السُّفُنِ في البَحْرِ بِالرِّيحِ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ مِن آياتِهِ ما يُشاهِدُونَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، وقالَ النَّقاشُ: ما يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ في البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ لَآياتٍ عَظِيمَةٍ لِكُلٍّ مَن لَهُ صَبْرٌ بَلِيغٌ وشُكْرٌ كَثِيرٌ يَصْبِرُ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ ويَشْكُرُ نِعَمَهُ. ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ شَبَّهَ المَوْجَ لِكِبَرِهِ بِما يُظِلُّ الإنْسانَ مِن جَبَلٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما، وإنَّما شَبَّهَ المَوْجَ وهو واحِدٌ بِالظُّلَلِ. وهِيَ جَمْعٌ، لِأنَّ المَوْتَ يَأْتِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ويَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقِيلَ: إنَّ المَوْجَ في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وأصْلُ المَوْجِ الحَرَكَةُ والِازْدِحامُ، ومِنهُ يُقالُ: ماجَ البَحْرُ وماجَ النّاسُ. وقَرَأ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ " مَوْجٌ كالظِّلالِ " جَمْعُ ظِلٍّ. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: دَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ لا يُعَوِّلُونَ عَلى غَيْرِهِ في خَلاصِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ سِواهُ، ولَكِنَّهُ تَغْلِبُ عَلى طَبائِعِهِمُ العاداتُ وتَقْلِيدُ الأمْواتِ، فَإذا وقَعُوا في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ اعْتَرَفُوا بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لَهُ طَلَبًا لِلْخَلاصِ والسَّلامَةِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ﴾ صارُوا عَلى قِسْمَيْنِ: فَقِسْمٌ ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ أيْ: مُوفٍ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ في البَحْرِ مِن إخْلاصِ الدِّينِ لَهُ باقٍ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ أنْ نَجّاهُ اللَّهُ مِن هَوْلِ البَحْرِ، وأخْرَجَهُ إلى البَرِّ سالِمًا. قالَ الحَسَنُ: مَعْنى " مُقْتَصِدٌ " مُؤْمِنٌ مُتَمَسِّكٌ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: مُقْتَصِدٌ في القَوْلِ مُضْمِرٌ لِلْكُفْرِ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ، ويَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم كافِرٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ الخَتْرُ: أسْوَأُ الغَدْرِ وأقْبَحُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎بِالأبْلَقِ الفَرْدِ مِن تَيْماءَ مَنزِلُهُ حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتّارِ قالَ الجَوْهَرِيُّ: الخَتْرُ الغَدْرُ، يُقالُ: خَتَرَهُ فَهو خَتّارٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ الجاحِدُ، وجَحْدُ الآياتِ: إنْكارُها، والكَفُورُ: عَظِيمُ الكُفْرِ بِنِعَمِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ أيْ: لا يُغْنِي الوالِدُ عَنْ ولَدِهِ شَيْئًا ولا يَنْفَعُهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ لِاشْتِغالِهِ بِنَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُ في البَقَرَةِ ﴿ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرْدَيْنِ مِنَ القَراباتِ وهو الوالِدُ والوَلَدُ وهُما الغايَةُ في الحُنُوِّ والشَّفَقَةِ عَلى بَعْضِهِمُ البَعْضُ فَما عَداهُما مِنَ القَراباتِ لا يَجْزِي بِالأوْلى فَكَيْفَ بِالأجانِبِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ لا يَرْجُو سِواكَ ولا يُعَوِّلُ عَلى غَيْرِكَ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ لا يَتَخَلَّفُ فَما وعَدَ بِهِ مِنَ الخَيْرِ وأوْعَدَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ وزَخارِفُها فَإنَّها زائِلَةٌ ذاهِبَةٌ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " الغَرُورِ " بِفَتْحِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ، والغَرُورِ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَغُرَّ الخَلْقَ ويُمَنِّيَهم بِالأمانِي الباطِلَةِ، ويُلْهِيَهم عَنِ الآخِرَةِ، ويَصُدَّهم عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ. وقَرَأ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ الغَيْنِ مَصْدَرُ غَرَّ يَغُرُّ غُرُورًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا واقِعًا وصْفًا لِلشَّيْطانِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيْ: عِلْمُ وقْتِها الَّذِي تَقُومُ فِيهِ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى هَذا الكَلامِ النَّفْيُ أيْ: ما يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما صارَ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ لِما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو﴾ [الأنعام: ٥٩] إنَّها هَذِهِ، ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ في الأوْقاتِ الَّتِي جَعَلَها مُعَيَّنَةً لِإنْزالِهِ ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْرُهُ ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ والصَّلاحِ والفَسادِ ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ كائِنَةً ما كانَتْ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والجِنِّ والإنْسِ ﴿ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مِن كَسْبِ دِينٍ أوْ كَسْبِ دُنْيا ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ أيْ: بِأيِّ مَكانٍ يَقْضِي اللَّهُ عَلَيْها بِالمَوْتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ويَنَزِّلُ الغَيْثَ " (p-١١٤٧)مُشَدَّدًا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ مُخَفَّفًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ " بِأيِّ أرْضٍ " وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ومُوسى الأهْوازِيُّ " بِأيَّةِ " وجَوَّزَ ذَلِكَ الفَرّاءُ وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ. قالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَرَرْتُ بِجارِيَةٍ أيُّ جارِيَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَنِ ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِن هَذِهِ الخَمْسِ فَقَدْ كَفَرَ بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّهُ خالَفَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: خَتّارٍ قالَ: جَحّادٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: هو الشَّيْطانُ. وكَذا قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ جاءَ رَجُلٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ فَقالَ: إنَّ امْرَأتَيْ حُبْلى فَأخْبِرْنِي ما تَلِدُ ؟ وبِلادُنا مُجْدِبَةٌ فَأخْبِرْنِي مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ وقَدْ عَلِمْتُ مَتى وُلِدْتُ فَأخْبِرْنِي مَتى أمُوتُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ وزادَ: وقَدْ عَلِمْتُ ما كَسَبْتُ اليَوْمَ فَماذا أكْسِبُ غَدًا ؟ وزادَ أيْضًا أنَّهُ سَألَهُ عَنْ قِيامِ السّاعَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَفاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ ما في غَدٍ إلّا اللَّهُ، ولا مَتى تَقُومُ السّاعَةُ إلّا اللَّهُ، ولا ما في الأرْحامِ إلّا اللَّهُ، ولا مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ إلّا اللَّهُ، وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إلّا اللَّهُ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في حَدِيثِ سُؤالِهِ عَنِ السّاعَةِ وجَوابِهِ بِأشْراطِها، ثُمَّ قالَ «فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ»، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وفي البابِ أحادِيثُ.

لقمان 31:32

(p-١١٤٦)الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ أوْ لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: يُدْخِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في الآخَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الحَجِّ والأنْعامِ ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ أيْ: ذَلَّلَهُما وجَعَلَهُما مُنْقادَيْنَ بِالطُّلُوعِ والأُفُولِ تَقْدِيرًا لِلْآجالِ وتَتْمِيمًا لِلْمَنافِعِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَهُما مَعَ اخْتِلافِهِما ﴿كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ اخْتُلِفَ في الأجَلِ المُسَمّى ماذا هو ؟ فَقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقِيلَ: وقْتُ الطُّلُوعِ ووَقْتُ الأُفُولِ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يُولِجُ أيْ: خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ فَقُدْرَتُهُ عَلى العِلْمِ بِما تَعْمَلُونَهُ بِالأوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ " تَعْمَلُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ ونَصْرُ بْنُ عامِرٍ والدُّورِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والباءُ في ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿هُوَ الحَقُّ﴾ وغَيْرُهُ الباطِلُ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ الحَقُّ ﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الشَّيْطانُ، وقِيلَ: ما أشْرَكُوا بِهِ مِن صَنَمٍ أوْ غَيْرِهِ، وهَذا أوْلى ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الصُّنْعَ البَدِيعَ الَّذِي وصَفَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى حَقِيَّةِ اللَّهِ، وبُطْلانِ ما سِواهُ، وعُلُوِّهِ وكِبْرِيائِهِ: هو العَلِيُّ في مَكانَتِهِ، ذُو الكِبْرِياءِ في رُبُوبِيَّتِهِ وسُلْطانِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِن عَجِيبِ صُنْعِهِ وبَدِيعِ قُدْرَتِهِ نَوْعًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِلُطْفِهِ بِكم ورَحْمَتِهِ لَكم، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ نِعَمَهِ عَلَيْكم؛ لِأنَّها تُخَلِّصُكم مِنَ الغَرَقِ عِنْدَ أسْفارِكم في البَحْرِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ بِنِعَماتِ اللَّهِ جَمْعُ نِعْمَةٍ ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ: لِيُرِيَكم بَعْضَ آياتِهِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: وهو جَرْيُ السُّفُنِ في البَحْرِ بِالرِّيحِ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ مِن آياتِهِ ما يُشاهِدُونَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، وقالَ النَّقاشُ: ما يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ في البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ لَآياتٍ عَظِيمَةٍ لِكُلٍّ مَن لَهُ صَبْرٌ بَلِيغٌ وشُكْرٌ كَثِيرٌ يَصْبِرُ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ ويَشْكُرُ نِعَمَهُ. ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ شَبَّهَ المَوْجَ لِكِبَرِهِ بِما يُظِلُّ الإنْسانَ مِن جَبَلٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما، وإنَّما شَبَّهَ المَوْجَ وهو واحِدٌ بِالظُّلَلِ. وهِيَ جَمْعٌ، لِأنَّ المَوْتَ يَأْتِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ويَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقِيلَ: إنَّ المَوْجَ في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وأصْلُ المَوْجِ الحَرَكَةُ والِازْدِحامُ، ومِنهُ يُقالُ: ماجَ البَحْرُ وماجَ النّاسُ. وقَرَأ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ " مَوْجٌ كالظِّلالِ " جَمْعُ ظِلٍّ. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: دَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ لا يُعَوِّلُونَ عَلى غَيْرِهِ في خَلاصِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ سِواهُ، ولَكِنَّهُ تَغْلِبُ عَلى طَبائِعِهِمُ العاداتُ وتَقْلِيدُ الأمْواتِ، فَإذا وقَعُوا في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ اعْتَرَفُوا بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لَهُ طَلَبًا لِلْخَلاصِ والسَّلامَةِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ﴾ صارُوا عَلى قِسْمَيْنِ: فَقِسْمٌ ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ أيْ: مُوفٍ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ في البَحْرِ مِن إخْلاصِ الدِّينِ لَهُ باقٍ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ أنْ نَجّاهُ اللَّهُ مِن هَوْلِ البَحْرِ، وأخْرَجَهُ إلى البَرِّ سالِمًا. قالَ الحَسَنُ: مَعْنى " مُقْتَصِدٌ " مُؤْمِنٌ مُتَمَسِّكٌ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: مُقْتَصِدٌ في القَوْلِ مُضْمِرٌ لِلْكُفْرِ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ، ويَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم كافِرٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ الخَتْرُ: أسْوَأُ الغَدْرِ وأقْبَحُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎بِالأبْلَقِ الفَرْدِ مِن تَيْماءَ مَنزِلُهُ حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتّارِ قالَ الجَوْهَرِيُّ: الخَتْرُ الغَدْرُ، يُقالُ: خَتَرَهُ فَهو خَتّارٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ الجاحِدُ، وجَحْدُ الآياتِ: إنْكارُها، والكَفُورُ: عَظِيمُ الكُفْرِ بِنِعَمِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ أيْ: لا يُغْنِي الوالِدُ عَنْ ولَدِهِ شَيْئًا ولا يَنْفَعُهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ لِاشْتِغالِهِ بِنَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُ في البَقَرَةِ ﴿ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرْدَيْنِ مِنَ القَراباتِ وهو الوالِدُ والوَلَدُ وهُما الغايَةُ في الحُنُوِّ والشَّفَقَةِ عَلى بَعْضِهِمُ البَعْضُ فَما عَداهُما مِنَ القَراباتِ لا يَجْزِي بِالأوْلى فَكَيْفَ بِالأجانِبِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ لا يَرْجُو سِواكَ ولا يُعَوِّلُ عَلى غَيْرِكَ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ لا يَتَخَلَّفُ فَما وعَدَ بِهِ مِنَ الخَيْرِ وأوْعَدَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ وزَخارِفُها فَإنَّها زائِلَةٌ ذاهِبَةٌ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " الغَرُورِ " بِفَتْحِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ، والغَرُورِ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَغُرَّ الخَلْقَ ويُمَنِّيَهم بِالأمانِي الباطِلَةِ، ويُلْهِيَهم عَنِ الآخِرَةِ، ويَصُدَّهم عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ. وقَرَأ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ الغَيْنِ مَصْدَرُ غَرَّ يَغُرُّ غُرُورًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا واقِعًا وصْفًا لِلشَّيْطانِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيْ: عِلْمُ وقْتِها الَّذِي تَقُومُ فِيهِ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى هَذا الكَلامِ النَّفْيُ أيْ: ما يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما صارَ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ لِما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو﴾ [الأنعام: ٥٩] إنَّها هَذِهِ، ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ في الأوْقاتِ الَّتِي جَعَلَها مُعَيَّنَةً لِإنْزالِهِ ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْرُهُ ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ والصَّلاحِ والفَسادِ ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ كائِنَةً ما كانَتْ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والجِنِّ والإنْسِ ﴿ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مِن كَسْبِ دِينٍ أوْ كَسْبِ دُنْيا ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ أيْ: بِأيِّ مَكانٍ يَقْضِي اللَّهُ عَلَيْها بِالمَوْتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ويَنَزِّلُ الغَيْثَ " (p-١١٤٧)مُشَدَّدًا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ مُخَفَّفًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ " بِأيِّ أرْضٍ " وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ومُوسى الأهْوازِيُّ " بِأيَّةِ " وجَوَّزَ ذَلِكَ الفَرّاءُ وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ. قالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَرَرْتُ بِجارِيَةٍ أيُّ جارِيَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَنِ ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِن هَذِهِ الخَمْسِ فَقَدْ كَفَرَ بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّهُ خالَفَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: خَتّارٍ قالَ: جَحّادٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: هو الشَّيْطانُ. وكَذا قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ جاءَ رَجُلٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ فَقالَ: إنَّ امْرَأتَيْ حُبْلى فَأخْبِرْنِي ما تَلِدُ ؟ وبِلادُنا مُجْدِبَةٌ فَأخْبِرْنِي مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ وقَدْ عَلِمْتُ مَتى وُلِدْتُ فَأخْبِرْنِي مَتى أمُوتُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ وزادَ: وقَدْ عَلِمْتُ ما كَسَبْتُ اليَوْمَ فَماذا أكْسِبُ غَدًا ؟ وزادَ أيْضًا أنَّهُ سَألَهُ عَنْ قِيامِ السّاعَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَفاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ ما في غَدٍ إلّا اللَّهُ، ولا مَتى تَقُومُ السّاعَةُ إلّا اللَّهُ، ولا ما في الأرْحامِ إلّا اللَّهُ، ولا مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ إلّا اللَّهُ، وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إلّا اللَّهُ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في حَدِيثِ سُؤالِهِ عَنِ السّاعَةِ وجَوابِهِ بِأشْراطِها، ثُمَّ قالَ «فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ»، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وفي البابِ أحادِيثُ.

لقمان 31:33

(p-١١٤٦)الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ أوْ لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: يُدْخِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في الآخَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الحَجِّ والأنْعامِ ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ أيْ: ذَلَّلَهُما وجَعَلَهُما مُنْقادَيْنَ بِالطُّلُوعِ والأُفُولِ تَقْدِيرًا لِلْآجالِ وتَتْمِيمًا لِلْمَنافِعِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَهُما مَعَ اخْتِلافِهِما ﴿كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ اخْتُلِفَ في الأجَلِ المُسَمّى ماذا هو ؟ فَقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقِيلَ: وقْتُ الطُّلُوعِ ووَقْتُ الأُفُولِ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يُولِجُ أيْ: خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ فَقُدْرَتُهُ عَلى العِلْمِ بِما تَعْمَلُونَهُ بِالأوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ " تَعْمَلُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ ونَصْرُ بْنُ عامِرٍ والدُّورِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والباءُ في ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿هُوَ الحَقُّ﴾ وغَيْرُهُ الباطِلُ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ الحَقُّ ﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الشَّيْطانُ، وقِيلَ: ما أشْرَكُوا بِهِ مِن صَنَمٍ أوْ غَيْرِهِ، وهَذا أوْلى ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الصُّنْعَ البَدِيعَ الَّذِي وصَفَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى حَقِيَّةِ اللَّهِ، وبُطْلانِ ما سِواهُ، وعُلُوِّهِ وكِبْرِيائِهِ: هو العَلِيُّ في مَكانَتِهِ، ذُو الكِبْرِياءِ في رُبُوبِيَّتِهِ وسُلْطانِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِن عَجِيبِ صُنْعِهِ وبَدِيعِ قُدْرَتِهِ نَوْعًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِلُطْفِهِ بِكم ورَحْمَتِهِ لَكم، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ نِعَمَهِ عَلَيْكم؛ لِأنَّها تُخَلِّصُكم مِنَ الغَرَقِ عِنْدَ أسْفارِكم في البَحْرِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ بِنِعَماتِ اللَّهِ جَمْعُ نِعْمَةٍ ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ: لِيُرِيَكم بَعْضَ آياتِهِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: وهو جَرْيُ السُّفُنِ في البَحْرِ بِالرِّيحِ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ مِن آياتِهِ ما يُشاهِدُونَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، وقالَ النَّقاشُ: ما يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ في البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ لَآياتٍ عَظِيمَةٍ لِكُلٍّ مَن لَهُ صَبْرٌ بَلِيغٌ وشُكْرٌ كَثِيرٌ يَصْبِرُ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ ويَشْكُرُ نِعَمَهُ. ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ شَبَّهَ المَوْجَ لِكِبَرِهِ بِما يُظِلُّ الإنْسانَ مِن جَبَلٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما، وإنَّما شَبَّهَ المَوْجَ وهو واحِدٌ بِالظُّلَلِ. وهِيَ جَمْعٌ، لِأنَّ المَوْتَ يَأْتِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ويَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقِيلَ: إنَّ المَوْجَ في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وأصْلُ المَوْجِ الحَرَكَةُ والِازْدِحامُ، ومِنهُ يُقالُ: ماجَ البَحْرُ وماجَ النّاسُ. وقَرَأ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ " مَوْجٌ كالظِّلالِ " جَمْعُ ظِلٍّ. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: دَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ لا يُعَوِّلُونَ عَلى غَيْرِهِ في خَلاصِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ سِواهُ، ولَكِنَّهُ تَغْلِبُ عَلى طَبائِعِهِمُ العاداتُ وتَقْلِيدُ الأمْواتِ، فَإذا وقَعُوا في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ اعْتَرَفُوا بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لَهُ طَلَبًا لِلْخَلاصِ والسَّلامَةِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ﴾ صارُوا عَلى قِسْمَيْنِ: فَقِسْمٌ ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ أيْ: مُوفٍ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ في البَحْرِ مِن إخْلاصِ الدِّينِ لَهُ باقٍ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ أنْ نَجّاهُ اللَّهُ مِن هَوْلِ البَحْرِ، وأخْرَجَهُ إلى البَرِّ سالِمًا. قالَ الحَسَنُ: مَعْنى " مُقْتَصِدٌ " مُؤْمِنٌ مُتَمَسِّكٌ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: مُقْتَصِدٌ في القَوْلِ مُضْمِرٌ لِلْكُفْرِ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ، ويَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم كافِرٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ الخَتْرُ: أسْوَأُ الغَدْرِ وأقْبَحُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎بِالأبْلَقِ الفَرْدِ مِن تَيْماءَ مَنزِلُهُ حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتّارِ قالَ الجَوْهَرِيُّ: الخَتْرُ الغَدْرُ، يُقالُ: خَتَرَهُ فَهو خَتّارٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ الجاحِدُ، وجَحْدُ الآياتِ: إنْكارُها، والكَفُورُ: عَظِيمُ الكُفْرِ بِنِعَمِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ أيْ: لا يُغْنِي الوالِدُ عَنْ ولَدِهِ شَيْئًا ولا يَنْفَعُهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ لِاشْتِغالِهِ بِنَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُ في البَقَرَةِ ﴿ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرْدَيْنِ مِنَ القَراباتِ وهو الوالِدُ والوَلَدُ وهُما الغايَةُ في الحُنُوِّ والشَّفَقَةِ عَلى بَعْضِهِمُ البَعْضُ فَما عَداهُما مِنَ القَراباتِ لا يَجْزِي بِالأوْلى فَكَيْفَ بِالأجانِبِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ لا يَرْجُو سِواكَ ولا يُعَوِّلُ عَلى غَيْرِكَ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ لا يَتَخَلَّفُ فَما وعَدَ بِهِ مِنَ الخَيْرِ وأوْعَدَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ وزَخارِفُها فَإنَّها زائِلَةٌ ذاهِبَةٌ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " الغَرُورِ " بِفَتْحِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ، والغَرُورِ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَغُرَّ الخَلْقَ ويُمَنِّيَهم بِالأمانِي الباطِلَةِ، ويُلْهِيَهم عَنِ الآخِرَةِ، ويَصُدَّهم عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ. وقَرَأ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ الغَيْنِ مَصْدَرُ غَرَّ يَغُرُّ غُرُورًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا واقِعًا وصْفًا لِلشَّيْطانِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيْ: عِلْمُ وقْتِها الَّذِي تَقُومُ فِيهِ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى هَذا الكَلامِ النَّفْيُ أيْ: ما يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما صارَ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ لِما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو﴾ [الأنعام: ٥٩] إنَّها هَذِهِ، ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ في الأوْقاتِ الَّتِي جَعَلَها مُعَيَّنَةً لِإنْزالِهِ ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْرُهُ ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ والصَّلاحِ والفَسادِ ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ كائِنَةً ما كانَتْ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والجِنِّ والإنْسِ ﴿ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مِن كَسْبِ دِينٍ أوْ كَسْبِ دُنْيا ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ أيْ: بِأيِّ مَكانٍ يَقْضِي اللَّهُ عَلَيْها بِالمَوْتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ويَنَزِّلُ الغَيْثَ " (p-١١٤٧)مُشَدَّدًا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ مُخَفَّفًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ " بِأيِّ أرْضٍ " وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ومُوسى الأهْوازِيُّ " بِأيَّةِ " وجَوَّزَ ذَلِكَ الفَرّاءُ وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ. قالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَرَرْتُ بِجارِيَةٍ أيُّ جارِيَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَنِ ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِن هَذِهِ الخَمْسِ فَقَدْ كَفَرَ بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّهُ خالَفَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: خَتّارٍ قالَ: جَحّادٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: هو الشَّيْطانُ. وكَذا قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ جاءَ رَجُلٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ فَقالَ: إنَّ امْرَأتَيْ حُبْلى فَأخْبِرْنِي ما تَلِدُ ؟ وبِلادُنا مُجْدِبَةٌ فَأخْبِرْنِي مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ وقَدْ عَلِمْتُ مَتى وُلِدْتُ فَأخْبِرْنِي مَتى أمُوتُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ وزادَ: وقَدْ عَلِمْتُ ما كَسَبْتُ اليَوْمَ فَماذا أكْسِبُ غَدًا ؟ وزادَ أيْضًا أنَّهُ سَألَهُ عَنْ قِيامِ السّاعَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَفاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ ما في غَدٍ إلّا اللَّهُ، ولا مَتى تَقُومُ السّاعَةُ إلّا اللَّهُ، ولا ما في الأرْحامِ إلّا اللَّهُ، ولا مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ إلّا اللَّهُ، وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إلّا اللَّهُ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في حَدِيثِ سُؤالِهِ عَنِ السّاعَةِ وجَوابِهِ بِأشْراطِها، ثُمَّ قالَ «فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ»، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وفي البابِ أحادِيثُ.

لقمان 31:34

(p-١١٤٦)الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ أوْ لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: يُدْخِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في الآخَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الحَجِّ والأنْعامِ ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ أيْ: ذَلَّلَهُما وجَعَلَهُما مُنْقادَيْنَ بِالطُّلُوعِ والأُفُولِ تَقْدِيرًا لِلْآجالِ وتَتْمِيمًا لِلْمَنافِعِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَهُما مَعَ اخْتِلافِهِما ﴿كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ اخْتُلِفَ في الأجَلِ المُسَمّى ماذا هو ؟ فَقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقِيلَ: وقْتُ الطُّلُوعِ ووَقْتُ الأُفُولِ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يُولِجُ أيْ: خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ فَقُدْرَتُهُ عَلى العِلْمِ بِما تَعْمَلُونَهُ بِالأوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ " تَعْمَلُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ ونَصْرُ بْنُ عامِرٍ والدُّورِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والباءُ في ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿هُوَ الحَقُّ﴾ وغَيْرُهُ الباطِلُ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ الحَقُّ ﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الشَّيْطانُ، وقِيلَ: ما أشْرَكُوا بِهِ مِن صَنَمٍ أوْ غَيْرِهِ، وهَذا أوْلى ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الصُّنْعَ البَدِيعَ الَّذِي وصَفَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى حَقِيَّةِ اللَّهِ، وبُطْلانِ ما سِواهُ، وعُلُوِّهِ وكِبْرِيائِهِ: هو العَلِيُّ في مَكانَتِهِ، ذُو الكِبْرِياءِ في رُبُوبِيَّتِهِ وسُلْطانِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِن عَجِيبِ صُنْعِهِ وبَدِيعِ قُدْرَتِهِ نَوْعًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِلُطْفِهِ بِكم ورَحْمَتِهِ لَكم، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ نِعَمَهِ عَلَيْكم؛ لِأنَّها تُخَلِّصُكم مِنَ الغَرَقِ عِنْدَ أسْفارِكم في البَحْرِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ بِنِعَماتِ اللَّهِ جَمْعُ نِعْمَةٍ ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ: لِيُرِيَكم بَعْضَ آياتِهِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: وهو جَرْيُ السُّفُنِ في البَحْرِ بِالرِّيحِ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ مِن آياتِهِ ما يُشاهِدُونَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، وقالَ النَّقاشُ: ما يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ في البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ لَآياتٍ عَظِيمَةٍ لِكُلٍّ مَن لَهُ صَبْرٌ بَلِيغٌ وشُكْرٌ كَثِيرٌ يَصْبِرُ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ ويَشْكُرُ نِعَمَهُ. ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ شَبَّهَ المَوْجَ لِكِبَرِهِ بِما يُظِلُّ الإنْسانَ مِن جَبَلٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما، وإنَّما شَبَّهَ المَوْجَ وهو واحِدٌ بِالظُّلَلِ. وهِيَ جَمْعٌ، لِأنَّ المَوْتَ يَأْتِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ويَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقِيلَ: إنَّ المَوْجَ في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وأصْلُ المَوْجِ الحَرَكَةُ والِازْدِحامُ، ومِنهُ يُقالُ: ماجَ البَحْرُ وماجَ النّاسُ. وقَرَأ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ " مَوْجٌ كالظِّلالِ " جَمْعُ ظِلٍّ. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: دَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ لا يُعَوِّلُونَ عَلى غَيْرِهِ في خَلاصِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ سِواهُ، ولَكِنَّهُ تَغْلِبُ عَلى طَبائِعِهِمُ العاداتُ وتَقْلِيدُ الأمْواتِ، فَإذا وقَعُوا في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ اعْتَرَفُوا بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لَهُ طَلَبًا لِلْخَلاصِ والسَّلامَةِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ﴾ صارُوا عَلى قِسْمَيْنِ: فَقِسْمٌ ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ أيْ: مُوفٍ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ في البَحْرِ مِن إخْلاصِ الدِّينِ لَهُ باقٍ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ أنْ نَجّاهُ اللَّهُ مِن هَوْلِ البَحْرِ، وأخْرَجَهُ إلى البَرِّ سالِمًا. قالَ الحَسَنُ: مَعْنى " مُقْتَصِدٌ " مُؤْمِنٌ مُتَمَسِّكٌ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: مُقْتَصِدٌ في القَوْلِ مُضْمِرٌ لِلْكُفْرِ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ، ويَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم كافِرٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ الخَتْرُ: أسْوَأُ الغَدْرِ وأقْبَحُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎بِالأبْلَقِ الفَرْدِ مِن تَيْماءَ مَنزِلُهُ حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتّارِ قالَ الجَوْهَرِيُّ: الخَتْرُ الغَدْرُ، يُقالُ: خَتَرَهُ فَهو خَتّارٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ الجاحِدُ، وجَحْدُ الآياتِ: إنْكارُها، والكَفُورُ: عَظِيمُ الكُفْرِ بِنِعَمِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ أيْ: لا يُغْنِي الوالِدُ عَنْ ولَدِهِ شَيْئًا ولا يَنْفَعُهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ لِاشْتِغالِهِ بِنَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُ في البَقَرَةِ ﴿ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرْدَيْنِ مِنَ القَراباتِ وهو الوالِدُ والوَلَدُ وهُما الغايَةُ في الحُنُوِّ والشَّفَقَةِ عَلى بَعْضِهِمُ البَعْضُ فَما عَداهُما مِنَ القَراباتِ لا يَجْزِي بِالأوْلى فَكَيْفَ بِالأجانِبِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ لا يَرْجُو سِواكَ ولا يُعَوِّلُ عَلى غَيْرِكَ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ لا يَتَخَلَّفُ فَما وعَدَ بِهِ مِنَ الخَيْرِ وأوْعَدَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ وزَخارِفُها فَإنَّها زائِلَةٌ ذاهِبَةٌ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " الغَرُورِ " بِفَتْحِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ، والغَرُورِ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَغُرَّ الخَلْقَ ويُمَنِّيَهم بِالأمانِي الباطِلَةِ، ويُلْهِيَهم عَنِ الآخِرَةِ، ويَصُدَّهم عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ. وقَرَأ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ الغَيْنِ مَصْدَرُ غَرَّ يَغُرُّ غُرُورًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا واقِعًا وصْفًا لِلشَّيْطانِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيْ: عِلْمُ وقْتِها الَّذِي تَقُومُ فِيهِ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى هَذا الكَلامِ النَّفْيُ أيْ: ما يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما صارَ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ لِما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو﴾ [الأنعام: ٥٩] إنَّها هَذِهِ، ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ في الأوْقاتِ الَّتِي جَعَلَها مُعَيَّنَةً لِإنْزالِهِ ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْرُهُ ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ والصَّلاحِ والفَسادِ ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ كائِنَةً ما كانَتْ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والجِنِّ والإنْسِ ﴿ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مِن كَسْبِ دِينٍ أوْ كَسْبِ دُنْيا ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ أيْ: بِأيِّ مَكانٍ يَقْضِي اللَّهُ عَلَيْها بِالمَوْتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ويَنَزِّلُ الغَيْثَ " (p-١١٤٧)مُشَدَّدًا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ مُخَفَّفًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ " بِأيِّ أرْضٍ " وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ومُوسى الأهْوازِيُّ " بِأيَّةِ " وجَوَّزَ ذَلِكَ الفَرّاءُ وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ. قالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَرَرْتُ بِجارِيَةٍ أيُّ جارِيَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَنِ ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِن هَذِهِ الخَمْسِ فَقَدْ كَفَرَ بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّهُ خالَفَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: خَتّارٍ قالَ: جَحّادٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: هو الشَّيْطانُ. وكَذا قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ جاءَ رَجُلٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ فَقالَ: إنَّ امْرَأتَيْ حُبْلى فَأخْبِرْنِي ما تَلِدُ ؟ وبِلادُنا مُجْدِبَةٌ فَأخْبِرْنِي مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ وقَدْ عَلِمْتُ مَتى وُلِدْتُ فَأخْبِرْنِي مَتى أمُوتُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ وزادَ: وقَدْ عَلِمْتُ ما كَسَبْتُ اليَوْمَ فَماذا أكْسِبُ غَدًا ؟ وزادَ أيْضًا أنَّهُ سَألَهُ عَنْ قِيامِ السّاعَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَفاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ ما في غَدٍ إلّا اللَّهُ، ولا مَتى تَقُومُ السّاعَةُ إلّا اللَّهُ، ولا ما في الأرْحامِ إلّا اللَّهُ، ولا مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ إلّا اللَّهُ، وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إلّا اللَّهُ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في حَدِيثِ سُؤالِهِ عَنِ السّاعَةِ وجَوابِهِ بِأشْراطِها، ثُمَّ قالَ «فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ»، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وفي البابِ أحادِيثُ.

السجدة 32:1

(p-١١٤٦)الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ أوْ لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: يُدْخِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في الآخَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الحَجِّ والأنْعامِ ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ أيْ: ذَلَّلَهُما وجَعَلَهُما مُنْقادَيْنَ بِالطُّلُوعِ والأُفُولِ تَقْدِيرًا لِلْآجالِ وتَتْمِيمًا لِلْمَنافِعِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَهُما مَعَ اخْتِلافِهِما ﴿كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ اخْتُلِفَ في الأجَلِ المُسَمّى ماذا هو ؟ فَقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقِيلَ: وقْتُ الطُّلُوعِ ووَقْتُ الأُفُولِ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يُولِجُ أيْ: خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ فَقُدْرَتُهُ عَلى العِلْمِ بِما تَعْمَلُونَهُ بِالأوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ " تَعْمَلُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ ونَصْرُ بْنُ عامِرٍ والدُّورِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والباءُ في ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿هُوَ الحَقُّ﴾ وغَيْرُهُ الباطِلُ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ الحَقُّ ﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الشَّيْطانُ، وقِيلَ: ما أشْرَكُوا بِهِ مِن صَنَمٍ أوْ غَيْرِهِ، وهَذا أوْلى ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الصُّنْعَ البَدِيعَ الَّذِي وصَفَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى حَقِيَّةِ اللَّهِ، وبُطْلانِ ما سِواهُ، وعُلُوِّهِ وكِبْرِيائِهِ: هو العَلِيُّ في مَكانَتِهِ، ذُو الكِبْرِياءِ في رُبُوبِيَّتِهِ وسُلْطانِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِن عَجِيبِ صُنْعِهِ وبَدِيعِ قُدْرَتِهِ نَوْعًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِلُطْفِهِ بِكم ورَحْمَتِهِ لَكم، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ نِعَمَهِ عَلَيْكم؛ لِأنَّها تُخَلِّصُكم مِنَ الغَرَقِ عِنْدَ أسْفارِكم في البَحْرِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ بِنِعَماتِ اللَّهِ جَمْعُ نِعْمَةٍ ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ: لِيُرِيَكم بَعْضَ آياتِهِ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: وهو جَرْيُ السُّفُنِ في البَحْرِ بِالرِّيحِ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ مِن آياتِهِ ما يُشاهِدُونَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، وقالَ النَّقاشُ: ما يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ في البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ لَآياتٍ عَظِيمَةٍ لِكُلٍّ مَن لَهُ صَبْرٌ بَلِيغٌ وشُكْرٌ كَثِيرٌ يَصْبِرُ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ ويَشْكُرُ نِعَمَهُ. ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ شَبَّهَ المَوْجَ لِكِبَرِهِ بِما يُظِلُّ الإنْسانَ مِن جَبَلٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما، وإنَّما شَبَّهَ المَوْجَ وهو واحِدٌ بِالظُّلَلِ. وهِيَ جَمْعٌ، لِأنَّ المَوْتَ يَأْتِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ويَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقِيلَ: إنَّ المَوْجَ في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وأصْلُ المَوْجِ الحَرَكَةُ والِازْدِحامُ، ومِنهُ يُقالُ: ماجَ البَحْرُ وماجَ النّاسُ. وقَرَأ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ " مَوْجٌ كالظِّلالِ " جَمْعُ ظِلٍّ. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: دَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ لا يُعَوِّلُونَ عَلى غَيْرِهِ في خَلاصِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ سِواهُ، ولَكِنَّهُ تَغْلِبُ عَلى طَبائِعِهِمُ العاداتُ وتَقْلِيدُ الأمْواتِ، فَإذا وقَعُوا في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ اعْتَرَفُوا بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لَهُ طَلَبًا لِلْخَلاصِ والسَّلامَةِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ﴾ صارُوا عَلى قِسْمَيْنِ: فَقِسْمٌ ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ أيْ: مُوفٍ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ في البَحْرِ مِن إخْلاصِ الدِّينِ لَهُ باقٍ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ أنْ نَجّاهُ اللَّهُ مِن هَوْلِ البَحْرِ، وأخْرَجَهُ إلى البَرِّ سالِمًا. قالَ الحَسَنُ: مَعْنى " مُقْتَصِدٌ " مُؤْمِنٌ مُتَمَسِّكٌ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: مُقْتَصِدٌ في القَوْلِ مُضْمِرٌ لِلْكُفْرِ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ، ويَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم كافِرٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ الخَتْرُ: أسْوَأُ الغَدْرِ وأقْبَحُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎بِالأبْلَقِ الفَرْدِ مِن تَيْماءَ مَنزِلُهُ حِصْنٌ حَصِينٌ وجارٌ غَيْرُ خَتّارِ قالَ الجَوْهَرِيُّ: الخَتْرُ الغَدْرُ، يُقالُ: خَتَرَهُ فَهو خَتّارٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ الجاحِدُ، وجَحْدُ الآياتِ: إنْكارُها، والكَفُورُ: عَظِيمُ الكُفْرِ بِنِعَمِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ أيْ: لا يُغْنِي الوالِدُ عَنْ ولَدِهِ شَيْئًا ولا يَنْفَعُهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ لِاشْتِغالِهِ بِنَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُ في البَقَرَةِ ﴿ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرْدَيْنِ مِنَ القَراباتِ وهو الوالِدُ والوَلَدُ وهُما الغايَةُ في الحُنُوِّ والشَّفَقَةِ عَلى بَعْضِهِمُ البَعْضُ فَما عَداهُما مِنَ القَراباتِ لا يَجْزِي بِالأوْلى فَكَيْفَ بِالأجانِبِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ لا يَرْجُو سِواكَ ولا يُعَوِّلُ عَلى غَيْرِكَ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ لا يَتَخَلَّفُ فَما وعَدَ بِهِ مِنَ الخَيْرِ وأوْعَدَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ وزَخارِفُها فَإنَّها زائِلَةٌ ذاهِبَةٌ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " الغَرُورِ " بِفَتْحِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ، والغَرُورِ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَغُرَّ الخَلْقَ ويُمَنِّيَهم بِالأمانِي الباطِلَةِ، ويُلْهِيَهم عَنِ الآخِرَةِ، ويَصُدَّهم عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ. وقَرَأ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ الغَيْنِ مَصْدَرُ غَرَّ يَغُرُّ غُرُورًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا واقِعًا وصْفًا لِلشَّيْطانِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيْ: عِلْمُ وقْتِها الَّذِي تَقُومُ فِيهِ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى هَذا الكَلامِ النَّفْيُ أيْ: ما يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما صارَ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ لِما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو﴾ [الأنعام: ٥٩] إنَّها هَذِهِ، ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ في الأوْقاتِ الَّتِي جَعَلَها مُعَيَّنَةً لِإنْزالِهِ ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْرُهُ ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ والصَّلاحِ والفَسادِ ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ كائِنَةً ما كانَتْ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والجِنِّ والإنْسِ ﴿ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مِن كَسْبِ دِينٍ أوْ كَسْبِ دُنْيا ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ أيْ: بِأيِّ مَكانٍ يَقْضِي اللَّهُ عَلَيْها بِالمَوْتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ويَنَزِّلُ الغَيْثَ " (p-١١٤٧)مُشَدَّدًا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ مُخَفَّفًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ " بِأيِّ أرْضٍ " وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ومُوسى الأهْوازِيُّ " بِأيَّةِ " وجَوَّزَ ذَلِكَ الفَرّاءُ وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ. قالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَرَرْتُ بِجارِيَةٍ أيُّ جارِيَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَنِ ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِن هَذِهِ الخَمْسِ فَقَدْ كَفَرَ بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّهُ خالَفَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: خَتّارٍ قالَ: جَحّادٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: هو الشَّيْطانُ. وكَذا قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ جاءَ رَجُلٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ فَقالَ: إنَّ امْرَأتَيْ حُبْلى فَأخْبِرْنِي ما تَلِدُ ؟ وبِلادُنا مُجْدِبَةٌ فَأخْبِرْنِي مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ وقَدْ عَلِمْتُ مَتى وُلِدْتُ فَأخْبِرْنِي مَتى أمُوتُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ وزادَ: وقَدْ عَلِمْتُ ما كَسَبْتُ اليَوْمَ فَماذا أكْسِبُ غَدًا ؟ وزادَ أيْضًا أنَّهُ سَألَهُ عَنْ قِيامِ السّاعَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَفاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ ما في غَدٍ إلّا اللَّهُ، ولا مَتى تَقُومُ السّاعَةُ إلّا اللَّهُ، ولا ما في الأرْحامِ إلّا اللَّهُ، ولا مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ إلّا اللَّهُ، وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إلّا اللَّهُ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في حَدِيثِ سُؤالِهِ عَنِ السّاعَةِ وجَوابِهِ بِأشْراطِها، ثُمَّ قالَ «فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ»، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وفي البابِ أحادِيثُ.

السجدة 32:2

وهي مَكِّيَّةٌ كَما رَواهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ [السجدة: ١٨ ٢٠]، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، وقِيلَ: إلّا خَمْسَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ١٦ ٢٠] وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وأهْلِ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِـ الم تَنْزِلُ السَّجْدَةُ، و﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾» [الدهر: ١] . وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِهِ أيْضًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ ﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]» . وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ خَلْفَ العِشاءِ الأخِيرَةِ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وفي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١] كُتِبْنَ لَهُ كَأرْبَعِ رَكَعاتٍ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن قَرَأ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]، و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ فَكَأنَّما قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و" يس " و﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ كُنْ لَهُ نُورًا وحِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ، ورَفْعٌ في الدَّرَجاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ المُسَيِّبِ بْنِ رافِعٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ تَجِيءُ لَها جَناحانِ يَوْمَ القِيامَةِ تُظِلُّ صاحِبَها وتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: الم قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ وعَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. وارْتِفاعُ تَنْزِيلُ عَلى أنَّهُ خَبَّرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الم في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ " تَنْزِيلُ " عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لا رَيْبَ فِيهِ، ومِن رَبِّ العالَمِينَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ كُلُّها أخْبارًا لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ قَبْلَ " تَنْزِيلُ "، أوْ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ لا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ حُرُوفٌ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأحْسَنُ الوُجُوهِ أنْ تَكُونَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ الخَبَرُ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّ تَنْزِيلَ الكِتابِ المَتْلُوِّ لا رَيْبَ فِيهِ ولا شَكَّ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهانَةٍ ولا أساطِيرِ الأوَّلِينَ. و" أمْ " في ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ هو مُفْتَرًى، (p-١١٤٨)فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو مُعْتَقَدُ الكُفّارِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى ﴿افْتَراهُ﴾ افْتَعَلَهُ واخْتَلَقَهُ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ إلى بَيانِ ما هو الحَقُّ في شَأْنِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَكَذَّبَهم - سُبْحانَهُ - في دَعْوى الِافْتِراءِ، ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي كانَ التَّنْزِيلُ لِأجْلِها فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وهُمُ العَرَبُ وكانُوا أُمَّةً أُمَيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ، وقِيلَ: قُرَيْشٌ خاصَّةً، والمَفْعُولُ الثّانِي لِتُنْذِرَ مَحْذُوفٌ أيْ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ، وجُمْلَةُ ما أتاهم مِن نَذِيرٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ومِن قَبْلِكَ صِفَةٌ لِنَذِيرِ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً، والتَّقْدِيرُ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ الَّذِي أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ المُرادَ تَعْلِيلُ الإنْزالِ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَهُ، لا تَعْلِيلُهُ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ قَدْ أُنْذِرُوا بِما أنْذَرَهم بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ أهْلُ الفَتْرَةِ ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَهْتَدُوا أوْ كَيْ يَهْتَدُوا. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بينهما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمُرادُ مِن ذِكْرِها هُنا تَعْرِيفُهم كَمالَ قُدْرَتِهِ وعَظِيمَ صُنْعِهِ لِيَسْمَعُوا القُرْآنَ ويَتَأمَّلُوهُ، مَعْنى خَلَقَ: أوْجَدَ، وأبْدَعَ. قالَ الحَسَنُ: الأيّامُ هُنا هي مِن أيّامِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مِقْدارُ اليَوْمِ ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَعَلى هَذا المُرادُ بِالأيّامِ هُنا هي مِن أيّامِ الآخِرَةِ لا مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَيْسَتْ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مِن دُونِ عَذابِهِ مِن ولِيٍّ يُوالِيكم ويَرُدُّ عَنْكم عَذابَهُ ولا شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَكم عِنْدَهُ ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ تَذَكُّرَ تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ، وتَسْمَعُونَ هَذِهِ المَواعِظَ سَماعَ مَن يَفْهَمُ ويَعْقِلُ حَتّى تَنْتَفِعُوا بِها. ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما بَيَّنَ تَدْبِيرَهُ لِأمْرِها أيْ: يُحْكِمُ الأمْرَ بِقَضائِهِ وقَدْرِهِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والمَعْنى: يُنْزِلُ أمْرَهُ مِن أعْلى السَّماواتِ إلى أقْصى تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ومَسافَةُ ما بَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا والأرْضِ الَّتِي تَحْتَها نُزُولًا وطُلُوعًا ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمُورِ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ الأعْمالِ أيْ: يُنَزِّلُهُ مُدَبَّرًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ أحْكامُها وآثارُها إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يَنْزِلُ الوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ. وقِيلَ: العَرْشُ مَوْضِعُ التَّدْبِيرِ كَما أنَّ ما دُونَ العَرْشِ مَوْضِعُ التَّفْصِيلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ . . . . . . . . . . . . . . ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الرعد: ٢] وما دُونَ السَّماواتِ مَوْضِعُ التَّصَرُّفِ. قالَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠] ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - تَدْبِيرَ الأمْرِ قالَ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ: ثُمَّ يَرْجِعُ ذَلِكَ الأمْرُ ويَعُودُ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ مَسافَةِ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ والطُّلُوعِ مِنَ الأرْضِ كَما قَدَّمْنا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ حِينَ يَنْقَطِعُ أمْرُ الدُّنْيا ويَمُوتُ مَن فِيها. وقِيلَ: هي أخْبارُ أهْلِ الأرْضِ تَصْعَدُ إلَيْهِ مَعَ مَن يُرْسِلُهُ إلَيْها مِنَ المَلائِكَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُثْبِتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ ويَكْتُبُ في صُحُفِ مَلائِكَتِهِ ما عَمِلَهُ أهْلُ الأرْضِ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلى أنْ تَبْلُغَ مُدَّةُ الدُّنْيا آخِرَها. وقِيلَ: مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾: يَثْبُتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ هي مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ، والمُرادُ طُولُ امْتِدادِ ما بَيْنَ تَدْبِيرِ الحَوادِثِ وحُدُوثِها مِنَ الزَّمانِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الحَوادِثِ اليَوْمِيَّةِ بِإثْباتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَتَنْزِلُ بِها المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَتَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الأعْمالَ الَّتِي هي طاعاتٌ يُدَبِّرُها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ويَنْزِلُ بِها مَلائِكَتُهُ ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلى المَلِكِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِنَ السِّياقِ، وقَدْ جاءَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] والضَّمِيرُ في إلَيْهِ يَرْجِعُ إلى السَّماءِ عَلى لُغَةِ مَن يَذْكُرُها، أوْ إلى مَكانِ المَلِكِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ وهو الَّذِي أقَرَّهُ اللَّهُ فِيهِ. وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أمْرَ الشَّمْسِ في طُلُوعِها وغُرُوبِها ورُجُوعِها إلى مَوْضِعِها مِنَ الطُّلُوعِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ في المَسافَةِ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ المَلِكَ يَعْرُجُ إلى اللَّهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ لَوْ سارَهُ غَيْرُ المَلِكِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لَأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسافَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَمَسافَةُ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والرُّجُوعِ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ ألْفُ عامٍ، وقَدْ رَجَّحَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: مَسافَةُ النُّزُولِ ألْفُ سَنَةٍ ومَسافَةُ الطُّلُوعِ ألْفُ سَنَةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ. وهَذا اليَوْمُ هو عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ يَتَقَدَّرُ بِألْفِ سَنَةٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مُسَمّى اليَوْمِ الَّذِي هو مُدَّةُ النَّهارِ بَيْنَ لَيْلَتَيْنِ، والعَرَبُ قَدْ تُعَبِّرُ عَنِ المُدَّةِ بِاليَوْمِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْدِيبُ فَإنَّ الشّاعِرَ لَمْ يُرِدْ يَوْمَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ، وإنَّما أرادَ أنَّ زَمانَهم يَنْقَسِمُ شَطْرَيْنِ، فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّطْرَيْنِ بِيَوْمٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْرُجُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأصْلُ يُعْرَجُ بِهِ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجارِّ فاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ. وقَدِ اسْتَشْكَلَ جَماعَةٌ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] . فَقِيلَ: في الجَوابِ إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ صُعُوبَتِهِ وشِدَّةِ أهْوالِهِ عَلى الكُفّارِ كَخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، والعَرَبُ تَصِفُ كَثِيرًا يَوْمَ المَكْرُوهِ بِالطُّولِ كَما (p-١١٤٩)تَصِفُ يَوْمَ السُّرُورِ بِالقِصَرِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ويَوْمٌ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ ∗∗∗ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ويَوْمٌ كَإبْهامِ القِطَّةِ قَطَّعْتُهُ وقِيلَ: إنْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيهِ أيّامٌ، فَمِنها ما مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ، ومِنها ما مِقْدارُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: هي أوْقاتٌ مُخْتَلِفَةٌ يُعَذَّبُ الكافِرُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُنْقَلُ إلى نَوْعٍ آخَرَ، فَيُعَذَّبُ بِهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: مَواقِفُ القِيامَةِ خَمْسُونَ مَوْقِفًا كُلُّ مَوْقِفٍ ألْفُ سَنَةٍ، فَيَكُونُ مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في وقْتٍ مِن تِلْكَ الأوْقاتِ أوْ مَوْقِفٍ مِن تِلْكَ المَواقِفِ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ أنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] المَسافَةَ مِنَ الأرْضِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى الَّتِي هي مَقامُ جِبْرِيلَ، والمُرادُ أنَّهُ يَسِيرُ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ في مِقْدارِ يَوْمٍ واحِدٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ المَسافَةَ الَّتِي بَيْنَ الأرْضِ وبَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا هُبُوطًا وصُعُودًا فَإنَّها مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِدادِ نَفاذِ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَفَذَ أمْرُهُ غايَةَ النَّفاذِ في يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ وانْقَطَعَ لا يَكُونُ مِثْلَ مَن يَنْفُذُ أمْرُهُ في سِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ يَعْنِي يُدَبِّرُ الأمْرَ في زَمانٍ يَوْمٌ مِنهُ ألْفُ سَنَةٍ. فَكَمْ يَكُونُ الشَّهْرُ مِنهُ ؟ وكَمْ تَكُونُ السَّنَةُ مِنهُ ؟ وعَلى هَذا فَلا فَرْقَ بَيْنَ ألْفِ سَنَةٍ وبَيْنَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ وقَفَ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنِ الآيَتَيْنِ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مِمّا تَعُدُّونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِتِلْكَ الأوْصافِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيِ: العالِمُ بِما غابَ عَنِ الخَلْقِ وما حَضَرَهم. وفِي هَذا مَعْنى التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - إذا عَلِمَ بِما يَغِيبُ وما يَحْضُرُ، فَهو مُجازٍ لِكُلِّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. أوْ فَهو يُدَبِّرُ الأمْرَ بِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ العَزِيزُ القاهِرُ الغالِبُ الرَّحِيمُ بِعِبادِهِ، وهَذِهِ أخْبارٌ لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ هو خَبَرٌ آخَرُ. قَرَأ الجُمْهُورُ خَلَقَهُ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِإسْكانِها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو فِعْلٌ ماضٍ نَعْتًا لِشَيْءٍ، فَهو في مَحَلِّ جَرٍّ. وقَدِ اخْتارَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْمُضافِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، فَفي نَصْبِهِ أوْجُهٌ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن كُلِّ شَيْءٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا هو الوَجْهُ المَشْهُورُ عِنْدَ النُّحاةِ. الثّانِي أنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ ومَعْنى أحْسَنَ: حَسَّنَ، لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو مَخْلُوقٌ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، فَكُلُّ المَخْلُوقاتِ حَسَنَةٌ. الثّالِثُ أنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وخَلَقَهُ هو المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ أحْسَنَ مَعْنى أعْطى، والمَعْنى: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ الَّذِي خَصَّهُ بِهِ. وقِيلَ: عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى ألْهَمَ. قالَ الفَرّاءُ: ألْهَمَ خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. الرّابِعُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ أيْ: خَلَقَهُ خَلْقًا كَقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . والخامِسُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ في خَلْقِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ أتْقَنَ وأحْكَمَ خَلْقَ مَخْلُوقاتِهِ، فَبَعْضُ المَخْلُوقاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ حَسَنَةً في نَفْسِها، فَهي مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها مَعْنى﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقِ الإنْسانَ عَلى خَلْقِ البَهِيمَةِ ولا خَلَقَ البَهِيمَةَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ، وقِيلَ: هو عُمُومٌ في اللَّفْظِ خُصُوصٌ في المَعْنى: أيْ: أحْسَنَ خَلْقَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنٍ ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ يَعْنِي: آدَمَ خَلَقَهُ مِن طِينٍ فَصارَ عَلى صُورَةٍ بَدِيعَةٍ وشَكْلٍ حَسَنٍ. ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أيْ: ذُرِّيَّتَهُ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ سُمِّيَتِ الذُّرِّيَّةُ سُلالَةً لِأنَّها تُسَلُّ مِنَ الأصْلِ وتَنْفَصِلُ عَنْهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مِن ماءِ مُمْتَهَنٍ لا خَطَرَ لَهُ عِنْدَ النّاسِ وهو المَنِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: مِن ماءٍ ضَعِيفٍ. ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيِ: الإنْسانُ الَّذِي بَدَأ خَلْقَهُ مِن طِينٍ، وهو: آدَمُ، أوْ جَمِيعُ النَّوْعِ، والمُرادُ أنَّهُ عَدَّلَ خَلْقَهُ وسَوّى شَكْلَهُ وناسَبَ بَيْنَ أعْضائِهِ ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وهَذِهِ الإضافَةُ تُقَوِّي أنَّ الكَلامَ في آدَمَ لا في ذُرِّيَّتِهِ وإنْ أمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَمِيعِ. ثُمَّ خاطَبَ جَمِيعَ النَّوْعِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيْ: خَلَقَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ تَكْمِيلًا لِنِعْمَتِهِ عَلَيْكم وتَتْمِيمًا لِتَسْوِيَتِهِ لِخَلْقِكم حَتّى تَجْتَمِعَ لَكُمُ النِّعَمُ، فَتَسْمَعُونَ كُلَّ مَسْمُوعٍ وتُبْصِرُونَ كُلَّ مُبْصِرٍ، وتَتَعَقَّلُونَ كُلَّ مُتَعَقِّلٍ، وتَفْهَمُونَ كُلَّ ما يُفْهَمُ، وأفْرَدَ السَّمْعَ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، وخَصَّ السَّمْعَ بِذِكْرِ المَصْدَرِ دُونَ البَصَرِ والفُؤادَ فَذَكَرَهُما بِالِاسْمِ ولِهَذا جُمِعا، لِأنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها مَحَلٌّ واحِدٌ وهو الأُذُنُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ يَصِلُ إلَيْها ولا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ، ولا عَلى تَخْصِيصِ السَّمْعِ بِبَعْضِ المَسْمُوعاتِ دُونَ بَعْضٍ، بِخِلافِ الأبْصارِ فَمَحَلُّها العَيْنُ ولَهُ فِيهِ اخْتِيارٌ، فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبِ المَرْئِيِّ دُونَ غَيْرِهِ، وتُطْبِقُ أجْفانَها إذا لَمْ تُرِدِ الرُّؤْيَةَ لِشَيْءٍ؛ وكَذَلِكَ الفُؤادُ لَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ في إدْراكِهِ، فَيَتَعَقَّلُ هَذا دُونَ هَذا، ويُفْهَمُ هَذا دُونَ هَذا. قَرَأ الجُمْهُورُ " وبَدَأ " بِالهَمْزِ، والزُّهْرِيُّ بِألْفٍ خالِصَةٍ بِدُونِ هَمْزٍ، وانْتِصابُ ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا، أوْ صِفَةُ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. وفِي هَذا بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ لِنِعَمِ اللَّهِ، (p-١١٥٠)وتَرْكِهِمْ لِشُكْرِها إلّا فِيما نَدَرَ مِنَ الأحْوالِ. ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذِهِ الهَمْزَةِ وفي الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَها، والضَّلالُ الغَيْبُوبَةُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ في التُّرابِ إذا غابَ وبَطَلَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتّى خَفِيَ أثَرُهُ قَدْ ضَلَّ. ومِنهُ قَوْلٌ الأخْطَلِ: ؎كُنْتُ القَذى في مَوْجِ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِها فَضَلَّ ضَلالًا قالَ قُطْرُبٌ: مَعْنى ضَلَلْنا في الأرْضِ: غِبْنا في الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ضَلَلْنا " بِفَتْحِ ضادٍ مُعْجَمَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ بِمَعْنى ذَهَبْنا وضِعْنا وصِرْنا تُرابًا وغِبْنا عَنِ الأعْيُنِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو رَجاءٍ " ضَلَلْنا " بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةُ العالِيَةِ مِن نَجْدٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأهْلُ العالِيَةِ يَقُولُونَ ضَلَلْتُ بِالكَسْرِ. قالَ وأضَلَّهُ أيْ: أضاعَهُ وأهْلَكَهُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ إذا دُفِنَ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ وأبانُ بْنُ سَعِيدٍ " صَلَلْنا " بِصادٍ مُهْمَلَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ أيْ: أنْتَنّا. قالَ النَّحّاسُ: ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ صَلَلْنا، ولَكِنْ يُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: صَلَّ اللَّحْمُ يَصِلُّ بِالكَسْرِ صُلُولًا إذا أنْتَنَ، مَطْبُوخًا كانَ أوْ نَيِّئًا، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎ذاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذا قُدْرَةٍ ∗∗∗ لا يُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولُ ﴿أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: نُبْعَثُ ونَصِيرُ أحْياءً، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ. وهَذا قَوْلُ مُنْكِرِي البَعْثِ مِنَ الكُفّارِ، فَأضْرَبَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِإنْكارِ البَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِلِقاءِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ لَهُ مُكابَرَةً وعِنادًا، فَإنَّ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ المُبْتَدِئُ لِلْخَلْقِ يَسْتَلْزِمُ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ ويَرُدَّ عَلَيْهِمْ ما زَعَمُوهُ مِنَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم﴾ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ واسْتَوْفى رُوحَهُ إذا قَبَضَهُ إلَيْهِ، ومَلَكُ المَوْتِ هو عِزْرائِيلُ، ومَعْنى وُكِّلَ بِكم: وُكِّلَ بِقَبْضِ أرْواحِكم عِنْدَ حُضُورِ آجالِكم ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: تَصِيرُونَ إلَيْهِ أحْياءً بِالبَعْثِ والنُّشُورِ لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ الآيَةَ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ مَوْلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ فَيْرُوزَ: يا أبا عَبّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ اتَّهَمَهُ فَقالَ: ما يَوْمٌ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ؟ قالَ: إنَّما سَألْتُكَ لِتُخْبِرَنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما يَوْمانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ في كِتابِهِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِهِما، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ في كِتابِ اللَّهِ ما لا أعْلَمُ، فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِن ضَرَباتِهِ حَتّى جَلَسْتُ إلى ابْنِ المُسَيَّبِ، فَسَألَهُ عَنْهُما إنْسانٌ فَلَمْ يُخْبِرْهُ ولَمْ يَدْرِ. فَقُلْتُ: ألا أُخْبِرُكَ بِما حَضَرْتُ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؟ قالَ: بَلى، فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ لِلسّائِلِ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ أبى أنْ يَقُولَ فِيها، وهو أعْلَمُ مِنِّي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ في مِقْدارِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى يَقْضِيَ بَيْنَ العِبادِ، فَيَنْزِلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، ولَوْ كانَ إلى غَيْرِهِ لَمْ يَفْرَغْ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ﴾ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومَسِيرَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قالَ: ما رَأيْتُ القِرَدَةَ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ، ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: أما إنَّ اسْتَ القِرَدَةِ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها، وقالَ: خَلَقَهُ: صُورَتُهُ. وقالَ: ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ القَبِيحُ، والحَسَنُ والعَقارِبُ والحَيّاتُ وكُلُّ شَيْءٍ مِمّا خَلَقَ، وغَيْرُهُ لا يُحْسِنُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذْ لَقِينا عَمْرَو بْنَ زُرارَةَ الأنْصارِيَّ في حُلَّةٍ قَدْ أسْبَلَ، فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِناحِيَةِ ثَوْبِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْمَشُ السّاقَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُسْبِلِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قالَ " «أبْصَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا قَدْ أسْبَلَ إزارَهُ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْنَفُ تَصْطَكُّ رُكْبَتايَ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ حَسَنٌ» .

السجدة 32:3

وهي مَكِّيَّةٌ كَما رَواهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ [السجدة: ١٨ ٢٠]، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، وقِيلَ: إلّا خَمْسَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ١٦ ٢٠] وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وأهْلِ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِـ الم تَنْزِلُ السَّجْدَةُ، و﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾» [الدهر: ١] . وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِهِ أيْضًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ ﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]» . وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ خَلْفَ العِشاءِ الأخِيرَةِ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وفي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١] كُتِبْنَ لَهُ كَأرْبَعِ رَكَعاتٍ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن قَرَأ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]، و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ فَكَأنَّما قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و" يس " و﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ كُنْ لَهُ نُورًا وحِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ، ورَفْعٌ في الدَّرَجاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ المُسَيِّبِ بْنِ رافِعٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ تَجِيءُ لَها جَناحانِ يَوْمَ القِيامَةِ تُظِلُّ صاحِبَها وتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: الم قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ وعَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. وارْتِفاعُ تَنْزِيلُ عَلى أنَّهُ خَبَّرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الم في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ " تَنْزِيلُ " عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لا رَيْبَ فِيهِ، ومِن رَبِّ العالَمِينَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ كُلُّها أخْبارًا لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ قَبْلَ " تَنْزِيلُ "، أوْ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ لا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ حُرُوفٌ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأحْسَنُ الوُجُوهِ أنْ تَكُونَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ الخَبَرُ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّ تَنْزِيلَ الكِتابِ المَتْلُوِّ لا رَيْبَ فِيهِ ولا شَكَّ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهانَةٍ ولا أساطِيرِ الأوَّلِينَ. و" أمْ " في ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ هو مُفْتَرًى، (p-١١٤٨)فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو مُعْتَقَدُ الكُفّارِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى ﴿افْتَراهُ﴾ افْتَعَلَهُ واخْتَلَقَهُ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ إلى بَيانِ ما هو الحَقُّ في شَأْنِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَكَذَّبَهم - سُبْحانَهُ - في دَعْوى الِافْتِراءِ، ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي كانَ التَّنْزِيلُ لِأجْلِها فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وهُمُ العَرَبُ وكانُوا أُمَّةً أُمَيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ، وقِيلَ: قُرَيْشٌ خاصَّةً، والمَفْعُولُ الثّانِي لِتُنْذِرَ مَحْذُوفٌ أيْ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ، وجُمْلَةُ ما أتاهم مِن نَذِيرٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ومِن قَبْلِكَ صِفَةٌ لِنَذِيرِ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً، والتَّقْدِيرُ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ الَّذِي أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ المُرادَ تَعْلِيلُ الإنْزالِ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَهُ، لا تَعْلِيلُهُ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ قَدْ أُنْذِرُوا بِما أنْذَرَهم بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ أهْلُ الفَتْرَةِ ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَهْتَدُوا أوْ كَيْ يَهْتَدُوا. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بينهما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمُرادُ مِن ذِكْرِها هُنا تَعْرِيفُهم كَمالَ قُدْرَتِهِ وعَظِيمَ صُنْعِهِ لِيَسْمَعُوا القُرْآنَ ويَتَأمَّلُوهُ، مَعْنى خَلَقَ: أوْجَدَ، وأبْدَعَ. قالَ الحَسَنُ: الأيّامُ هُنا هي مِن أيّامِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مِقْدارُ اليَوْمِ ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَعَلى هَذا المُرادُ بِالأيّامِ هُنا هي مِن أيّامِ الآخِرَةِ لا مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَيْسَتْ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مِن دُونِ عَذابِهِ مِن ولِيٍّ يُوالِيكم ويَرُدُّ عَنْكم عَذابَهُ ولا شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَكم عِنْدَهُ ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ تَذَكُّرَ تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ، وتَسْمَعُونَ هَذِهِ المَواعِظَ سَماعَ مَن يَفْهَمُ ويَعْقِلُ حَتّى تَنْتَفِعُوا بِها. ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما بَيَّنَ تَدْبِيرَهُ لِأمْرِها أيْ: يُحْكِمُ الأمْرَ بِقَضائِهِ وقَدْرِهِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والمَعْنى: يُنْزِلُ أمْرَهُ مِن أعْلى السَّماواتِ إلى أقْصى تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ومَسافَةُ ما بَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا والأرْضِ الَّتِي تَحْتَها نُزُولًا وطُلُوعًا ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمُورِ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ الأعْمالِ أيْ: يُنَزِّلُهُ مُدَبَّرًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ أحْكامُها وآثارُها إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يَنْزِلُ الوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ. وقِيلَ: العَرْشُ مَوْضِعُ التَّدْبِيرِ كَما أنَّ ما دُونَ العَرْشِ مَوْضِعُ التَّفْصِيلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ . . . . . . . . . . . . . . ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الرعد: ٢] وما دُونَ السَّماواتِ مَوْضِعُ التَّصَرُّفِ. قالَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠] ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - تَدْبِيرَ الأمْرِ قالَ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ: ثُمَّ يَرْجِعُ ذَلِكَ الأمْرُ ويَعُودُ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ مَسافَةِ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ والطُّلُوعِ مِنَ الأرْضِ كَما قَدَّمْنا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ حِينَ يَنْقَطِعُ أمْرُ الدُّنْيا ويَمُوتُ مَن فِيها. وقِيلَ: هي أخْبارُ أهْلِ الأرْضِ تَصْعَدُ إلَيْهِ مَعَ مَن يُرْسِلُهُ إلَيْها مِنَ المَلائِكَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُثْبِتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ ويَكْتُبُ في صُحُفِ مَلائِكَتِهِ ما عَمِلَهُ أهْلُ الأرْضِ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلى أنْ تَبْلُغَ مُدَّةُ الدُّنْيا آخِرَها. وقِيلَ: مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾: يَثْبُتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ هي مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ، والمُرادُ طُولُ امْتِدادِ ما بَيْنَ تَدْبِيرِ الحَوادِثِ وحُدُوثِها مِنَ الزَّمانِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الحَوادِثِ اليَوْمِيَّةِ بِإثْباتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَتَنْزِلُ بِها المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَتَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الأعْمالَ الَّتِي هي طاعاتٌ يُدَبِّرُها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ويَنْزِلُ بِها مَلائِكَتُهُ ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلى المَلِكِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِنَ السِّياقِ، وقَدْ جاءَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] والضَّمِيرُ في إلَيْهِ يَرْجِعُ إلى السَّماءِ عَلى لُغَةِ مَن يَذْكُرُها، أوْ إلى مَكانِ المَلِكِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ وهو الَّذِي أقَرَّهُ اللَّهُ فِيهِ. وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أمْرَ الشَّمْسِ في طُلُوعِها وغُرُوبِها ورُجُوعِها إلى مَوْضِعِها مِنَ الطُّلُوعِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ في المَسافَةِ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ المَلِكَ يَعْرُجُ إلى اللَّهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ لَوْ سارَهُ غَيْرُ المَلِكِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لَأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسافَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَمَسافَةُ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والرُّجُوعِ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ ألْفُ عامٍ، وقَدْ رَجَّحَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: مَسافَةُ النُّزُولِ ألْفُ سَنَةٍ ومَسافَةُ الطُّلُوعِ ألْفُ سَنَةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ. وهَذا اليَوْمُ هو عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ يَتَقَدَّرُ بِألْفِ سَنَةٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مُسَمّى اليَوْمِ الَّذِي هو مُدَّةُ النَّهارِ بَيْنَ لَيْلَتَيْنِ، والعَرَبُ قَدْ تُعَبِّرُ عَنِ المُدَّةِ بِاليَوْمِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْدِيبُ فَإنَّ الشّاعِرَ لَمْ يُرِدْ يَوْمَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ، وإنَّما أرادَ أنَّ زَمانَهم يَنْقَسِمُ شَطْرَيْنِ، فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّطْرَيْنِ بِيَوْمٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْرُجُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأصْلُ يُعْرَجُ بِهِ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجارِّ فاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ. وقَدِ اسْتَشْكَلَ جَماعَةٌ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] . فَقِيلَ: في الجَوابِ إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ صُعُوبَتِهِ وشِدَّةِ أهْوالِهِ عَلى الكُفّارِ كَخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، والعَرَبُ تَصِفُ كَثِيرًا يَوْمَ المَكْرُوهِ بِالطُّولِ كَما (p-١١٤٩)تَصِفُ يَوْمَ السُّرُورِ بِالقِصَرِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ويَوْمٌ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ ∗∗∗ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ويَوْمٌ كَإبْهامِ القِطَّةِ قَطَّعْتُهُ وقِيلَ: إنْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيهِ أيّامٌ، فَمِنها ما مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ، ومِنها ما مِقْدارُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: هي أوْقاتٌ مُخْتَلِفَةٌ يُعَذَّبُ الكافِرُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُنْقَلُ إلى نَوْعٍ آخَرَ، فَيُعَذَّبُ بِهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: مَواقِفُ القِيامَةِ خَمْسُونَ مَوْقِفًا كُلُّ مَوْقِفٍ ألْفُ سَنَةٍ، فَيَكُونُ مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في وقْتٍ مِن تِلْكَ الأوْقاتِ أوْ مَوْقِفٍ مِن تِلْكَ المَواقِفِ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ أنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] المَسافَةَ مِنَ الأرْضِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى الَّتِي هي مَقامُ جِبْرِيلَ، والمُرادُ أنَّهُ يَسِيرُ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ في مِقْدارِ يَوْمٍ واحِدٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ المَسافَةَ الَّتِي بَيْنَ الأرْضِ وبَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا هُبُوطًا وصُعُودًا فَإنَّها مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِدادِ نَفاذِ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَفَذَ أمْرُهُ غايَةَ النَّفاذِ في يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ وانْقَطَعَ لا يَكُونُ مِثْلَ مَن يَنْفُذُ أمْرُهُ في سِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ يَعْنِي يُدَبِّرُ الأمْرَ في زَمانٍ يَوْمٌ مِنهُ ألْفُ سَنَةٍ. فَكَمْ يَكُونُ الشَّهْرُ مِنهُ ؟ وكَمْ تَكُونُ السَّنَةُ مِنهُ ؟ وعَلى هَذا فَلا فَرْقَ بَيْنَ ألْفِ سَنَةٍ وبَيْنَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ وقَفَ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنِ الآيَتَيْنِ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مِمّا تَعُدُّونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِتِلْكَ الأوْصافِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيِ: العالِمُ بِما غابَ عَنِ الخَلْقِ وما حَضَرَهم. وفِي هَذا مَعْنى التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - إذا عَلِمَ بِما يَغِيبُ وما يَحْضُرُ، فَهو مُجازٍ لِكُلِّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. أوْ فَهو يُدَبِّرُ الأمْرَ بِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ العَزِيزُ القاهِرُ الغالِبُ الرَّحِيمُ بِعِبادِهِ، وهَذِهِ أخْبارٌ لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ هو خَبَرٌ آخَرُ. قَرَأ الجُمْهُورُ خَلَقَهُ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِإسْكانِها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو فِعْلٌ ماضٍ نَعْتًا لِشَيْءٍ، فَهو في مَحَلِّ جَرٍّ. وقَدِ اخْتارَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْمُضافِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، فَفي نَصْبِهِ أوْجُهٌ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن كُلِّ شَيْءٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا هو الوَجْهُ المَشْهُورُ عِنْدَ النُّحاةِ. الثّانِي أنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ ومَعْنى أحْسَنَ: حَسَّنَ، لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو مَخْلُوقٌ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، فَكُلُّ المَخْلُوقاتِ حَسَنَةٌ. الثّالِثُ أنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وخَلَقَهُ هو المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ أحْسَنَ مَعْنى أعْطى، والمَعْنى: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ الَّذِي خَصَّهُ بِهِ. وقِيلَ: عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى ألْهَمَ. قالَ الفَرّاءُ: ألْهَمَ خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. الرّابِعُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ أيْ: خَلَقَهُ خَلْقًا كَقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . والخامِسُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ في خَلْقِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ أتْقَنَ وأحْكَمَ خَلْقَ مَخْلُوقاتِهِ، فَبَعْضُ المَخْلُوقاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ حَسَنَةً في نَفْسِها، فَهي مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها مَعْنى﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقِ الإنْسانَ عَلى خَلْقِ البَهِيمَةِ ولا خَلَقَ البَهِيمَةَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ، وقِيلَ: هو عُمُومٌ في اللَّفْظِ خُصُوصٌ في المَعْنى: أيْ: أحْسَنَ خَلْقَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنٍ ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ يَعْنِي: آدَمَ خَلَقَهُ مِن طِينٍ فَصارَ عَلى صُورَةٍ بَدِيعَةٍ وشَكْلٍ حَسَنٍ. ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أيْ: ذُرِّيَّتَهُ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ سُمِّيَتِ الذُّرِّيَّةُ سُلالَةً لِأنَّها تُسَلُّ مِنَ الأصْلِ وتَنْفَصِلُ عَنْهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مِن ماءِ مُمْتَهَنٍ لا خَطَرَ لَهُ عِنْدَ النّاسِ وهو المَنِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: مِن ماءٍ ضَعِيفٍ. ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيِ: الإنْسانُ الَّذِي بَدَأ خَلْقَهُ مِن طِينٍ، وهو: آدَمُ، أوْ جَمِيعُ النَّوْعِ، والمُرادُ أنَّهُ عَدَّلَ خَلْقَهُ وسَوّى شَكْلَهُ وناسَبَ بَيْنَ أعْضائِهِ ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وهَذِهِ الإضافَةُ تُقَوِّي أنَّ الكَلامَ في آدَمَ لا في ذُرِّيَّتِهِ وإنْ أمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَمِيعِ. ثُمَّ خاطَبَ جَمِيعَ النَّوْعِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيْ: خَلَقَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ تَكْمِيلًا لِنِعْمَتِهِ عَلَيْكم وتَتْمِيمًا لِتَسْوِيَتِهِ لِخَلْقِكم حَتّى تَجْتَمِعَ لَكُمُ النِّعَمُ، فَتَسْمَعُونَ كُلَّ مَسْمُوعٍ وتُبْصِرُونَ كُلَّ مُبْصِرٍ، وتَتَعَقَّلُونَ كُلَّ مُتَعَقِّلٍ، وتَفْهَمُونَ كُلَّ ما يُفْهَمُ، وأفْرَدَ السَّمْعَ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، وخَصَّ السَّمْعَ بِذِكْرِ المَصْدَرِ دُونَ البَصَرِ والفُؤادَ فَذَكَرَهُما بِالِاسْمِ ولِهَذا جُمِعا، لِأنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها مَحَلٌّ واحِدٌ وهو الأُذُنُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ يَصِلُ إلَيْها ولا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ، ولا عَلى تَخْصِيصِ السَّمْعِ بِبَعْضِ المَسْمُوعاتِ دُونَ بَعْضٍ، بِخِلافِ الأبْصارِ فَمَحَلُّها العَيْنُ ولَهُ فِيهِ اخْتِيارٌ، فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبِ المَرْئِيِّ دُونَ غَيْرِهِ، وتُطْبِقُ أجْفانَها إذا لَمْ تُرِدِ الرُّؤْيَةَ لِشَيْءٍ؛ وكَذَلِكَ الفُؤادُ لَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ في إدْراكِهِ، فَيَتَعَقَّلُ هَذا دُونَ هَذا، ويُفْهَمُ هَذا دُونَ هَذا. قَرَأ الجُمْهُورُ " وبَدَأ " بِالهَمْزِ، والزُّهْرِيُّ بِألْفٍ خالِصَةٍ بِدُونِ هَمْزٍ، وانْتِصابُ ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا، أوْ صِفَةُ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. وفِي هَذا بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ لِنِعَمِ اللَّهِ، (p-١١٥٠)وتَرْكِهِمْ لِشُكْرِها إلّا فِيما نَدَرَ مِنَ الأحْوالِ. ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذِهِ الهَمْزَةِ وفي الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَها، والضَّلالُ الغَيْبُوبَةُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ في التُّرابِ إذا غابَ وبَطَلَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتّى خَفِيَ أثَرُهُ قَدْ ضَلَّ. ومِنهُ قَوْلٌ الأخْطَلِ: ؎كُنْتُ القَذى في مَوْجِ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِها فَضَلَّ ضَلالًا قالَ قُطْرُبٌ: مَعْنى ضَلَلْنا في الأرْضِ: غِبْنا في الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ضَلَلْنا " بِفَتْحِ ضادٍ مُعْجَمَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ بِمَعْنى ذَهَبْنا وضِعْنا وصِرْنا تُرابًا وغِبْنا عَنِ الأعْيُنِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو رَجاءٍ " ضَلَلْنا " بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةُ العالِيَةِ مِن نَجْدٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأهْلُ العالِيَةِ يَقُولُونَ ضَلَلْتُ بِالكَسْرِ. قالَ وأضَلَّهُ أيْ: أضاعَهُ وأهْلَكَهُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ إذا دُفِنَ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ وأبانُ بْنُ سَعِيدٍ " صَلَلْنا " بِصادٍ مُهْمَلَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ أيْ: أنْتَنّا. قالَ النَّحّاسُ: ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ صَلَلْنا، ولَكِنْ يُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: صَلَّ اللَّحْمُ يَصِلُّ بِالكَسْرِ صُلُولًا إذا أنْتَنَ، مَطْبُوخًا كانَ أوْ نَيِّئًا، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎ذاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذا قُدْرَةٍ ∗∗∗ لا يُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولُ ﴿أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: نُبْعَثُ ونَصِيرُ أحْياءً، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ. وهَذا قَوْلُ مُنْكِرِي البَعْثِ مِنَ الكُفّارِ، فَأضْرَبَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِإنْكارِ البَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِلِقاءِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ لَهُ مُكابَرَةً وعِنادًا، فَإنَّ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ المُبْتَدِئُ لِلْخَلْقِ يَسْتَلْزِمُ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ ويَرُدَّ عَلَيْهِمْ ما زَعَمُوهُ مِنَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم﴾ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ واسْتَوْفى رُوحَهُ إذا قَبَضَهُ إلَيْهِ، ومَلَكُ المَوْتِ هو عِزْرائِيلُ، ومَعْنى وُكِّلَ بِكم: وُكِّلَ بِقَبْضِ أرْواحِكم عِنْدَ حُضُورِ آجالِكم ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: تَصِيرُونَ إلَيْهِ أحْياءً بِالبَعْثِ والنُّشُورِ لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ الآيَةَ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ مَوْلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ فَيْرُوزَ: يا أبا عَبّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ اتَّهَمَهُ فَقالَ: ما يَوْمٌ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ؟ قالَ: إنَّما سَألْتُكَ لِتُخْبِرَنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما يَوْمانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ في كِتابِهِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِهِما، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ في كِتابِ اللَّهِ ما لا أعْلَمُ، فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِن ضَرَباتِهِ حَتّى جَلَسْتُ إلى ابْنِ المُسَيَّبِ، فَسَألَهُ عَنْهُما إنْسانٌ فَلَمْ يُخْبِرْهُ ولَمْ يَدْرِ. فَقُلْتُ: ألا أُخْبِرُكَ بِما حَضَرْتُ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؟ قالَ: بَلى، فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ لِلسّائِلِ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ أبى أنْ يَقُولَ فِيها، وهو أعْلَمُ مِنِّي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ في مِقْدارِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى يَقْضِيَ بَيْنَ العِبادِ، فَيَنْزِلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، ولَوْ كانَ إلى غَيْرِهِ لَمْ يَفْرَغْ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ﴾ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومَسِيرَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قالَ: ما رَأيْتُ القِرَدَةَ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ، ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: أما إنَّ اسْتَ القِرَدَةِ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها، وقالَ: خَلَقَهُ: صُورَتُهُ. وقالَ: ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ القَبِيحُ، والحَسَنُ والعَقارِبُ والحَيّاتُ وكُلُّ شَيْءٍ مِمّا خَلَقَ، وغَيْرُهُ لا يُحْسِنُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذْ لَقِينا عَمْرَو بْنَ زُرارَةَ الأنْصارِيَّ في حُلَّةٍ قَدْ أسْبَلَ، فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِناحِيَةِ ثَوْبِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْمَشُ السّاقَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُسْبِلِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قالَ " «أبْصَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا قَدْ أسْبَلَ إزارَهُ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْنَفُ تَصْطَكُّ رُكْبَتايَ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ حَسَنٌ» .

السجدة 32:4

وهي مَكِّيَّةٌ كَما رَواهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ [السجدة: ١٨ ٢٠]، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، وقِيلَ: إلّا خَمْسَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ١٦ ٢٠] وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وأهْلِ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِـ الم تَنْزِلُ السَّجْدَةُ، و﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾» [الدهر: ١] . وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِهِ أيْضًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ ﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]» . وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ خَلْفَ العِشاءِ الأخِيرَةِ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وفي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١] كُتِبْنَ لَهُ كَأرْبَعِ رَكَعاتٍ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن قَرَأ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]، و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ فَكَأنَّما قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و" يس " و﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ كُنْ لَهُ نُورًا وحِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ، ورَفْعٌ في الدَّرَجاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ المُسَيِّبِ بْنِ رافِعٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ تَجِيءُ لَها جَناحانِ يَوْمَ القِيامَةِ تُظِلُّ صاحِبَها وتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: الم قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ وعَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. وارْتِفاعُ تَنْزِيلُ عَلى أنَّهُ خَبَّرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الم في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ " تَنْزِيلُ " عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لا رَيْبَ فِيهِ، ومِن رَبِّ العالَمِينَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ كُلُّها أخْبارًا لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ قَبْلَ " تَنْزِيلُ "، أوْ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ لا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ حُرُوفٌ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأحْسَنُ الوُجُوهِ أنْ تَكُونَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ الخَبَرُ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّ تَنْزِيلَ الكِتابِ المَتْلُوِّ لا رَيْبَ فِيهِ ولا شَكَّ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهانَةٍ ولا أساطِيرِ الأوَّلِينَ. و" أمْ " في ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ هو مُفْتَرًى، (p-١١٤٨)فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو مُعْتَقَدُ الكُفّارِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى ﴿افْتَراهُ﴾ افْتَعَلَهُ واخْتَلَقَهُ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ إلى بَيانِ ما هو الحَقُّ في شَأْنِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَكَذَّبَهم - سُبْحانَهُ - في دَعْوى الِافْتِراءِ، ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي كانَ التَّنْزِيلُ لِأجْلِها فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وهُمُ العَرَبُ وكانُوا أُمَّةً أُمَيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ، وقِيلَ: قُرَيْشٌ خاصَّةً، والمَفْعُولُ الثّانِي لِتُنْذِرَ مَحْذُوفٌ أيْ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ، وجُمْلَةُ ما أتاهم مِن نَذِيرٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ومِن قَبْلِكَ صِفَةٌ لِنَذِيرِ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً، والتَّقْدِيرُ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ الَّذِي أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ المُرادَ تَعْلِيلُ الإنْزالِ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَهُ، لا تَعْلِيلُهُ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ قَدْ أُنْذِرُوا بِما أنْذَرَهم بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ أهْلُ الفَتْرَةِ ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَهْتَدُوا أوْ كَيْ يَهْتَدُوا. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بينهما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمُرادُ مِن ذِكْرِها هُنا تَعْرِيفُهم كَمالَ قُدْرَتِهِ وعَظِيمَ صُنْعِهِ لِيَسْمَعُوا القُرْآنَ ويَتَأمَّلُوهُ، مَعْنى خَلَقَ: أوْجَدَ، وأبْدَعَ. قالَ الحَسَنُ: الأيّامُ هُنا هي مِن أيّامِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مِقْدارُ اليَوْمِ ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَعَلى هَذا المُرادُ بِالأيّامِ هُنا هي مِن أيّامِ الآخِرَةِ لا مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَيْسَتْ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مِن دُونِ عَذابِهِ مِن ولِيٍّ يُوالِيكم ويَرُدُّ عَنْكم عَذابَهُ ولا شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَكم عِنْدَهُ ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ تَذَكُّرَ تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ، وتَسْمَعُونَ هَذِهِ المَواعِظَ سَماعَ مَن يَفْهَمُ ويَعْقِلُ حَتّى تَنْتَفِعُوا بِها. ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما بَيَّنَ تَدْبِيرَهُ لِأمْرِها أيْ: يُحْكِمُ الأمْرَ بِقَضائِهِ وقَدْرِهِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والمَعْنى: يُنْزِلُ أمْرَهُ مِن أعْلى السَّماواتِ إلى أقْصى تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ومَسافَةُ ما بَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا والأرْضِ الَّتِي تَحْتَها نُزُولًا وطُلُوعًا ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمُورِ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ الأعْمالِ أيْ: يُنَزِّلُهُ مُدَبَّرًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ أحْكامُها وآثارُها إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يَنْزِلُ الوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ. وقِيلَ: العَرْشُ مَوْضِعُ التَّدْبِيرِ كَما أنَّ ما دُونَ العَرْشِ مَوْضِعُ التَّفْصِيلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ . . . . . . . . . . . . . . ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الرعد: ٢] وما دُونَ السَّماواتِ مَوْضِعُ التَّصَرُّفِ. قالَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠] ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - تَدْبِيرَ الأمْرِ قالَ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ: ثُمَّ يَرْجِعُ ذَلِكَ الأمْرُ ويَعُودُ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ مَسافَةِ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ والطُّلُوعِ مِنَ الأرْضِ كَما قَدَّمْنا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ حِينَ يَنْقَطِعُ أمْرُ الدُّنْيا ويَمُوتُ مَن فِيها. وقِيلَ: هي أخْبارُ أهْلِ الأرْضِ تَصْعَدُ إلَيْهِ مَعَ مَن يُرْسِلُهُ إلَيْها مِنَ المَلائِكَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُثْبِتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ ويَكْتُبُ في صُحُفِ مَلائِكَتِهِ ما عَمِلَهُ أهْلُ الأرْضِ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلى أنْ تَبْلُغَ مُدَّةُ الدُّنْيا آخِرَها. وقِيلَ: مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾: يَثْبُتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ هي مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ، والمُرادُ طُولُ امْتِدادِ ما بَيْنَ تَدْبِيرِ الحَوادِثِ وحُدُوثِها مِنَ الزَّمانِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الحَوادِثِ اليَوْمِيَّةِ بِإثْباتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَتَنْزِلُ بِها المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَتَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الأعْمالَ الَّتِي هي طاعاتٌ يُدَبِّرُها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ويَنْزِلُ بِها مَلائِكَتُهُ ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلى المَلِكِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِنَ السِّياقِ، وقَدْ جاءَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] والضَّمِيرُ في إلَيْهِ يَرْجِعُ إلى السَّماءِ عَلى لُغَةِ مَن يَذْكُرُها، أوْ إلى مَكانِ المَلِكِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ وهو الَّذِي أقَرَّهُ اللَّهُ فِيهِ. وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أمْرَ الشَّمْسِ في طُلُوعِها وغُرُوبِها ورُجُوعِها إلى مَوْضِعِها مِنَ الطُّلُوعِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ في المَسافَةِ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ المَلِكَ يَعْرُجُ إلى اللَّهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ لَوْ سارَهُ غَيْرُ المَلِكِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لَأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسافَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَمَسافَةُ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والرُّجُوعِ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ ألْفُ عامٍ، وقَدْ رَجَّحَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: مَسافَةُ النُّزُولِ ألْفُ سَنَةٍ ومَسافَةُ الطُّلُوعِ ألْفُ سَنَةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ. وهَذا اليَوْمُ هو عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ يَتَقَدَّرُ بِألْفِ سَنَةٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مُسَمّى اليَوْمِ الَّذِي هو مُدَّةُ النَّهارِ بَيْنَ لَيْلَتَيْنِ، والعَرَبُ قَدْ تُعَبِّرُ عَنِ المُدَّةِ بِاليَوْمِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْدِيبُ فَإنَّ الشّاعِرَ لَمْ يُرِدْ يَوْمَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ، وإنَّما أرادَ أنَّ زَمانَهم يَنْقَسِمُ شَطْرَيْنِ، فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّطْرَيْنِ بِيَوْمٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْرُجُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأصْلُ يُعْرَجُ بِهِ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجارِّ فاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ. وقَدِ اسْتَشْكَلَ جَماعَةٌ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] . فَقِيلَ: في الجَوابِ إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ صُعُوبَتِهِ وشِدَّةِ أهْوالِهِ عَلى الكُفّارِ كَخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، والعَرَبُ تَصِفُ كَثِيرًا يَوْمَ المَكْرُوهِ بِالطُّولِ كَما (p-١١٤٩)تَصِفُ يَوْمَ السُّرُورِ بِالقِصَرِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ويَوْمٌ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ ∗∗∗ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ويَوْمٌ كَإبْهامِ القِطَّةِ قَطَّعْتُهُ وقِيلَ: إنْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيهِ أيّامٌ، فَمِنها ما مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ، ومِنها ما مِقْدارُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: هي أوْقاتٌ مُخْتَلِفَةٌ يُعَذَّبُ الكافِرُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُنْقَلُ إلى نَوْعٍ آخَرَ، فَيُعَذَّبُ بِهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: مَواقِفُ القِيامَةِ خَمْسُونَ مَوْقِفًا كُلُّ مَوْقِفٍ ألْفُ سَنَةٍ، فَيَكُونُ مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في وقْتٍ مِن تِلْكَ الأوْقاتِ أوْ مَوْقِفٍ مِن تِلْكَ المَواقِفِ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ أنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] المَسافَةَ مِنَ الأرْضِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى الَّتِي هي مَقامُ جِبْرِيلَ، والمُرادُ أنَّهُ يَسِيرُ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ في مِقْدارِ يَوْمٍ واحِدٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ المَسافَةَ الَّتِي بَيْنَ الأرْضِ وبَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا هُبُوطًا وصُعُودًا فَإنَّها مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِدادِ نَفاذِ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَفَذَ أمْرُهُ غايَةَ النَّفاذِ في يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ وانْقَطَعَ لا يَكُونُ مِثْلَ مَن يَنْفُذُ أمْرُهُ في سِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ يَعْنِي يُدَبِّرُ الأمْرَ في زَمانٍ يَوْمٌ مِنهُ ألْفُ سَنَةٍ. فَكَمْ يَكُونُ الشَّهْرُ مِنهُ ؟ وكَمْ تَكُونُ السَّنَةُ مِنهُ ؟ وعَلى هَذا فَلا فَرْقَ بَيْنَ ألْفِ سَنَةٍ وبَيْنَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ وقَفَ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنِ الآيَتَيْنِ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مِمّا تَعُدُّونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِتِلْكَ الأوْصافِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيِ: العالِمُ بِما غابَ عَنِ الخَلْقِ وما حَضَرَهم. وفِي هَذا مَعْنى التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - إذا عَلِمَ بِما يَغِيبُ وما يَحْضُرُ، فَهو مُجازٍ لِكُلِّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. أوْ فَهو يُدَبِّرُ الأمْرَ بِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ العَزِيزُ القاهِرُ الغالِبُ الرَّحِيمُ بِعِبادِهِ، وهَذِهِ أخْبارٌ لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ هو خَبَرٌ آخَرُ. قَرَأ الجُمْهُورُ خَلَقَهُ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِإسْكانِها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو فِعْلٌ ماضٍ نَعْتًا لِشَيْءٍ، فَهو في مَحَلِّ جَرٍّ. وقَدِ اخْتارَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْمُضافِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، فَفي نَصْبِهِ أوْجُهٌ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن كُلِّ شَيْءٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا هو الوَجْهُ المَشْهُورُ عِنْدَ النُّحاةِ. الثّانِي أنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ ومَعْنى أحْسَنَ: حَسَّنَ، لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو مَخْلُوقٌ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، فَكُلُّ المَخْلُوقاتِ حَسَنَةٌ. الثّالِثُ أنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وخَلَقَهُ هو المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ أحْسَنَ مَعْنى أعْطى، والمَعْنى: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ الَّذِي خَصَّهُ بِهِ. وقِيلَ: عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى ألْهَمَ. قالَ الفَرّاءُ: ألْهَمَ خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. الرّابِعُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ أيْ: خَلَقَهُ خَلْقًا كَقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . والخامِسُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ في خَلْقِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ أتْقَنَ وأحْكَمَ خَلْقَ مَخْلُوقاتِهِ، فَبَعْضُ المَخْلُوقاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ حَسَنَةً في نَفْسِها، فَهي مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها مَعْنى﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقِ الإنْسانَ عَلى خَلْقِ البَهِيمَةِ ولا خَلَقَ البَهِيمَةَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ، وقِيلَ: هو عُمُومٌ في اللَّفْظِ خُصُوصٌ في المَعْنى: أيْ: أحْسَنَ خَلْقَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنٍ ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ يَعْنِي: آدَمَ خَلَقَهُ مِن طِينٍ فَصارَ عَلى صُورَةٍ بَدِيعَةٍ وشَكْلٍ حَسَنٍ. ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أيْ: ذُرِّيَّتَهُ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ سُمِّيَتِ الذُّرِّيَّةُ سُلالَةً لِأنَّها تُسَلُّ مِنَ الأصْلِ وتَنْفَصِلُ عَنْهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مِن ماءِ مُمْتَهَنٍ لا خَطَرَ لَهُ عِنْدَ النّاسِ وهو المَنِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: مِن ماءٍ ضَعِيفٍ. ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيِ: الإنْسانُ الَّذِي بَدَأ خَلْقَهُ مِن طِينٍ، وهو: آدَمُ، أوْ جَمِيعُ النَّوْعِ، والمُرادُ أنَّهُ عَدَّلَ خَلْقَهُ وسَوّى شَكْلَهُ وناسَبَ بَيْنَ أعْضائِهِ ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وهَذِهِ الإضافَةُ تُقَوِّي أنَّ الكَلامَ في آدَمَ لا في ذُرِّيَّتِهِ وإنْ أمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَمِيعِ. ثُمَّ خاطَبَ جَمِيعَ النَّوْعِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيْ: خَلَقَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ تَكْمِيلًا لِنِعْمَتِهِ عَلَيْكم وتَتْمِيمًا لِتَسْوِيَتِهِ لِخَلْقِكم حَتّى تَجْتَمِعَ لَكُمُ النِّعَمُ، فَتَسْمَعُونَ كُلَّ مَسْمُوعٍ وتُبْصِرُونَ كُلَّ مُبْصِرٍ، وتَتَعَقَّلُونَ كُلَّ مُتَعَقِّلٍ، وتَفْهَمُونَ كُلَّ ما يُفْهَمُ، وأفْرَدَ السَّمْعَ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، وخَصَّ السَّمْعَ بِذِكْرِ المَصْدَرِ دُونَ البَصَرِ والفُؤادَ فَذَكَرَهُما بِالِاسْمِ ولِهَذا جُمِعا، لِأنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها مَحَلٌّ واحِدٌ وهو الأُذُنُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ يَصِلُ إلَيْها ولا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ، ولا عَلى تَخْصِيصِ السَّمْعِ بِبَعْضِ المَسْمُوعاتِ دُونَ بَعْضٍ، بِخِلافِ الأبْصارِ فَمَحَلُّها العَيْنُ ولَهُ فِيهِ اخْتِيارٌ، فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبِ المَرْئِيِّ دُونَ غَيْرِهِ، وتُطْبِقُ أجْفانَها إذا لَمْ تُرِدِ الرُّؤْيَةَ لِشَيْءٍ؛ وكَذَلِكَ الفُؤادُ لَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ في إدْراكِهِ، فَيَتَعَقَّلُ هَذا دُونَ هَذا، ويُفْهَمُ هَذا دُونَ هَذا. قَرَأ الجُمْهُورُ " وبَدَأ " بِالهَمْزِ، والزُّهْرِيُّ بِألْفٍ خالِصَةٍ بِدُونِ هَمْزٍ، وانْتِصابُ ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا، أوْ صِفَةُ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. وفِي هَذا بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ لِنِعَمِ اللَّهِ، (p-١١٥٠)وتَرْكِهِمْ لِشُكْرِها إلّا فِيما نَدَرَ مِنَ الأحْوالِ. ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذِهِ الهَمْزَةِ وفي الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَها، والضَّلالُ الغَيْبُوبَةُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ في التُّرابِ إذا غابَ وبَطَلَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتّى خَفِيَ أثَرُهُ قَدْ ضَلَّ. ومِنهُ قَوْلٌ الأخْطَلِ: ؎كُنْتُ القَذى في مَوْجِ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِها فَضَلَّ ضَلالًا قالَ قُطْرُبٌ: مَعْنى ضَلَلْنا في الأرْضِ: غِبْنا في الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ضَلَلْنا " بِفَتْحِ ضادٍ مُعْجَمَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ بِمَعْنى ذَهَبْنا وضِعْنا وصِرْنا تُرابًا وغِبْنا عَنِ الأعْيُنِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو رَجاءٍ " ضَلَلْنا " بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةُ العالِيَةِ مِن نَجْدٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأهْلُ العالِيَةِ يَقُولُونَ ضَلَلْتُ بِالكَسْرِ. قالَ وأضَلَّهُ أيْ: أضاعَهُ وأهْلَكَهُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ إذا دُفِنَ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ وأبانُ بْنُ سَعِيدٍ " صَلَلْنا " بِصادٍ مُهْمَلَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ أيْ: أنْتَنّا. قالَ النَّحّاسُ: ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ صَلَلْنا، ولَكِنْ يُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: صَلَّ اللَّحْمُ يَصِلُّ بِالكَسْرِ صُلُولًا إذا أنْتَنَ، مَطْبُوخًا كانَ أوْ نَيِّئًا، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎ذاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذا قُدْرَةٍ ∗∗∗ لا يُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولُ ﴿أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: نُبْعَثُ ونَصِيرُ أحْياءً، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ. وهَذا قَوْلُ مُنْكِرِي البَعْثِ مِنَ الكُفّارِ، فَأضْرَبَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِإنْكارِ البَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِلِقاءِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ لَهُ مُكابَرَةً وعِنادًا، فَإنَّ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ المُبْتَدِئُ لِلْخَلْقِ يَسْتَلْزِمُ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ ويَرُدَّ عَلَيْهِمْ ما زَعَمُوهُ مِنَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم﴾ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ واسْتَوْفى رُوحَهُ إذا قَبَضَهُ إلَيْهِ، ومَلَكُ المَوْتِ هو عِزْرائِيلُ، ومَعْنى وُكِّلَ بِكم: وُكِّلَ بِقَبْضِ أرْواحِكم عِنْدَ حُضُورِ آجالِكم ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: تَصِيرُونَ إلَيْهِ أحْياءً بِالبَعْثِ والنُّشُورِ لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ الآيَةَ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ مَوْلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ فَيْرُوزَ: يا أبا عَبّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ اتَّهَمَهُ فَقالَ: ما يَوْمٌ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ؟ قالَ: إنَّما سَألْتُكَ لِتُخْبِرَنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما يَوْمانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ في كِتابِهِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِهِما، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ في كِتابِ اللَّهِ ما لا أعْلَمُ، فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِن ضَرَباتِهِ حَتّى جَلَسْتُ إلى ابْنِ المُسَيَّبِ، فَسَألَهُ عَنْهُما إنْسانٌ فَلَمْ يُخْبِرْهُ ولَمْ يَدْرِ. فَقُلْتُ: ألا أُخْبِرُكَ بِما حَضَرْتُ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؟ قالَ: بَلى، فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ لِلسّائِلِ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ أبى أنْ يَقُولَ فِيها، وهو أعْلَمُ مِنِّي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ في مِقْدارِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى يَقْضِيَ بَيْنَ العِبادِ، فَيَنْزِلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، ولَوْ كانَ إلى غَيْرِهِ لَمْ يَفْرَغْ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ﴾ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومَسِيرَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قالَ: ما رَأيْتُ القِرَدَةَ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ، ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: أما إنَّ اسْتَ القِرَدَةِ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها، وقالَ: خَلَقَهُ: صُورَتُهُ. وقالَ: ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ القَبِيحُ، والحَسَنُ والعَقارِبُ والحَيّاتُ وكُلُّ شَيْءٍ مِمّا خَلَقَ، وغَيْرُهُ لا يُحْسِنُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذْ لَقِينا عَمْرَو بْنَ زُرارَةَ الأنْصارِيَّ في حُلَّةٍ قَدْ أسْبَلَ، فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِناحِيَةِ ثَوْبِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْمَشُ السّاقَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُسْبِلِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قالَ " «أبْصَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا قَدْ أسْبَلَ إزارَهُ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْنَفُ تَصْطَكُّ رُكْبَتايَ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ حَسَنٌ» .

السجدة 32:5

وهي مَكِّيَّةٌ كَما رَواهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ [السجدة: ١٨ ٢٠]، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، وقِيلَ: إلّا خَمْسَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ١٦ ٢٠] وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وأهْلِ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِـ الم تَنْزِلُ السَّجْدَةُ، و﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾» [الدهر: ١] . وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِهِ أيْضًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ ﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]» . وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ خَلْفَ العِشاءِ الأخِيرَةِ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وفي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١] كُتِبْنَ لَهُ كَأرْبَعِ رَكَعاتٍ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن قَرَأ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]، و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ فَكَأنَّما قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و" يس " و﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ كُنْ لَهُ نُورًا وحِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ، ورَفْعٌ في الدَّرَجاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ المُسَيِّبِ بْنِ رافِعٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ تَجِيءُ لَها جَناحانِ يَوْمَ القِيامَةِ تُظِلُّ صاحِبَها وتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: الم قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ وعَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. وارْتِفاعُ تَنْزِيلُ عَلى أنَّهُ خَبَّرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الم في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ " تَنْزِيلُ " عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لا رَيْبَ فِيهِ، ومِن رَبِّ العالَمِينَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ كُلُّها أخْبارًا لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ قَبْلَ " تَنْزِيلُ "، أوْ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ لا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ حُرُوفٌ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأحْسَنُ الوُجُوهِ أنْ تَكُونَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ الخَبَرُ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّ تَنْزِيلَ الكِتابِ المَتْلُوِّ لا رَيْبَ فِيهِ ولا شَكَّ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهانَةٍ ولا أساطِيرِ الأوَّلِينَ. و" أمْ " في ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ هو مُفْتَرًى، (p-١١٤٨)فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو مُعْتَقَدُ الكُفّارِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى ﴿افْتَراهُ﴾ افْتَعَلَهُ واخْتَلَقَهُ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ إلى بَيانِ ما هو الحَقُّ في شَأْنِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَكَذَّبَهم - سُبْحانَهُ - في دَعْوى الِافْتِراءِ، ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي كانَ التَّنْزِيلُ لِأجْلِها فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وهُمُ العَرَبُ وكانُوا أُمَّةً أُمَيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ، وقِيلَ: قُرَيْشٌ خاصَّةً، والمَفْعُولُ الثّانِي لِتُنْذِرَ مَحْذُوفٌ أيْ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ، وجُمْلَةُ ما أتاهم مِن نَذِيرٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ومِن قَبْلِكَ صِفَةٌ لِنَذِيرِ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً، والتَّقْدِيرُ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ الَّذِي أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ المُرادَ تَعْلِيلُ الإنْزالِ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَهُ، لا تَعْلِيلُهُ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ قَدْ أُنْذِرُوا بِما أنْذَرَهم بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ أهْلُ الفَتْرَةِ ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَهْتَدُوا أوْ كَيْ يَهْتَدُوا. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بينهما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمُرادُ مِن ذِكْرِها هُنا تَعْرِيفُهم كَمالَ قُدْرَتِهِ وعَظِيمَ صُنْعِهِ لِيَسْمَعُوا القُرْآنَ ويَتَأمَّلُوهُ، مَعْنى خَلَقَ: أوْجَدَ، وأبْدَعَ. قالَ الحَسَنُ: الأيّامُ هُنا هي مِن أيّامِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مِقْدارُ اليَوْمِ ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَعَلى هَذا المُرادُ بِالأيّامِ هُنا هي مِن أيّامِ الآخِرَةِ لا مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَيْسَتْ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مِن دُونِ عَذابِهِ مِن ولِيٍّ يُوالِيكم ويَرُدُّ عَنْكم عَذابَهُ ولا شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَكم عِنْدَهُ ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ تَذَكُّرَ تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ، وتَسْمَعُونَ هَذِهِ المَواعِظَ سَماعَ مَن يَفْهَمُ ويَعْقِلُ حَتّى تَنْتَفِعُوا بِها. ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما بَيَّنَ تَدْبِيرَهُ لِأمْرِها أيْ: يُحْكِمُ الأمْرَ بِقَضائِهِ وقَدْرِهِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والمَعْنى: يُنْزِلُ أمْرَهُ مِن أعْلى السَّماواتِ إلى أقْصى تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ومَسافَةُ ما بَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا والأرْضِ الَّتِي تَحْتَها نُزُولًا وطُلُوعًا ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمُورِ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ الأعْمالِ أيْ: يُنَزِّلُهُ مُدَبَّرًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ أحْكامُها وآثارُها إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يَنْزِلُ الوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ. وقِيلَ: العَرْشُ مَوْضِعُ التَّدْبِيرِ كَما أنَّ ما دُونَ العَرْشِ مَوْضِعُ التَّفْصِيلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ . . . . . . . . . . . . . . ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الرعد: ٢] وما دُونَ السَّماواتِ مَوْضِعُ التَّصَرُّفِ. قالَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠] ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - تَدْبِيرَ الأمْرِ قالَ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ: ثُمَّ يَرْجِعُ ذَلِكَ الأمْرُ ويَعُودُ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ مَسافَةِ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ والطُّلُوعِ مِنَ الأرْضِ كَما قَدَّمْنا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ حِينَ يَنْقَطِعُ أمْرُ الدُّنْيا ويَمُوتُ مَن فِيها. وقِيلَ: هي أخْبارُ أهْلِ الأرْضِ تَصْعَدُ إلَيْهِ مَعَ مَن يُرْسِلُهُ إلَيْها مِنَ المَلائِكَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُثْبِتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ ويَكْتُبُ في صُحُفِ مَلائِكَتِهِ ما عَمِلَهُ أهْلُ الأرْضِ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلى أنْ تَبْلُغَ مُدَّةُ الدُّنْيا آخِرَها. وقِيلَ: مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾: يَثْبُتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ هي مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ، والمُرادُ طُولُ امْتِدادِ ما بَيْنَ تَدْبِيرِ الحَوادِثِ وحُدُوثِها مِنَ الزَّمانِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الحَوادِثِ اليَوْمِيَّةِ بِإثْباتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَتَنْزِلُ بِها المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَتَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الأعْمالَ الَّتِي هي طاعاتٌ يُدَبِّرُها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ويَنْزِلُ بِها مَلائِكَتُهُ ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلى المَلِكِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِنَ السِّياقِ، وقَدْ جاءَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] والضَّمِيرُ في إلَيْهِ يَرْجِعُ إلى السَّماءِ عَلى لُغَةِ مَن يَذْكُرُها، أوْ إلى مَكانِ المَلِكِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ وهو الَّذِي أقَرَّهُ اللَّهُ فِيهِ. وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أمْرَ الشَّمْسِ في طُلُوعِها وغُرُوبِها ورُجُوعِها إلى مَوْضِعِها مِنَ الطُّلُوعِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ في المَسافَةِ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ المَلِكَ يَعْرُجُ إلى اللَّهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ لَوْ سارَهُ غَيْرُ المَلِكِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لَأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسافَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَمَسافَةُ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والرُّجُوعِ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ ألْفُ عامٍ، وقَدْ رَجَّحَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: مَسافَةُ النُّزُولِ ألْفُ سَنَةٍ ومَسافَةُ الطُّلُوعِ ألْفُ سَنَةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ. وهَذا اليَوْمُ هو عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ يَتَقَدَّرُ بِألْفِ سَنَةٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مُسَمّى اليَوْمِ الَّذِي هو مُدَّةُ النَّهارِ بَيْنَ لَيْلَتَيْنِ، والعَرَبُ قَدْ تُعَبِّرُ عَنِ المُدَّةِ بِاليَوْمِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْدِيبُ فَإنَّ الشّاعِرَ لَمْ يُرِدْ يَوْمَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ، وإنَّما أرادَ أنَّ زَمانَهم يَنْقَسِمُ شَطْرَيْنِ، فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّطْرَيْنِ بِيَوْمٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْرُجُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأصْلُ يُعْرَجُ بِهِ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجارِّ فاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ. وقَدِ اسْتَشْكَلَ جَماعَةٌ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] . فَقِيلَ: في الجَوابِ إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ صُعُوبَتِهِ وشِدَّةِ أهْوالِهِ عَلى الكُفّارِ كَخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، والعَرَبُ تَصِفُ كَثِيرًا يَوْمَ المَكْرُوهِ بِالطُّولِ كَما (p-١١٤٩)تَصِفُ يَوْمَ السُّرُورِ بِالقِصَرِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ويَوْمٌ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ ∗∗∗ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ويَوْمٌ كَإبْهامِ القِطَّةِ قَطَّعْتُهُ وقِيلَ: إنْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيهِ أيّامٌ، فَمِنها ما مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ، ومِنها ما مِقْدارُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: هي أوْقاتٌ مُخْتَلِفَةٌ يُعَذَّبُ الكافِرُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُنْقَلُ إلى نَوْعٍ آخَرَ، فَيُعَذَّبُ بِهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: مَواقِفُ القِيامَةِ خَمْسُونَ مَوْقِفًا كُلُّ مَوْقِفٍ ألْفُ سَنَةٍ، فَيَكُونُ مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في وقْتٍ مِن تِلْكَ الأوْقاتِ أوْ مَوْقِفٍ مِن تِلْكَ المَواقِفِ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ أنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] المَسافَةَ مِنَ الأرْضِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى الَّتِي هي مَقامُ جِبْرِيلَ، والمُرادُ أنَّهُ يَسِيرُ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ في مِقْدارِ يَوْمٍ واحِدٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ المَسافَةَ الَّتِي بَيْنَ الأرْضِ وبَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا هُبُوطًا وصُعُودًا فَإنَّها مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِدادِ نَفاذِ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَفَذَ أمْرُهُ غايَةَ النَّفاذِ في يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ وانْقَطَعَ لا يَكُونُ مِثْلَ مَن يَنْفُذُ أمْرُهُ في سِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ يَعْنِي يُدَبِّرُ الأمْرَ في زَمانٍ يَوْمٌ مِنهُ ألْفُ سَنَةٍ. فَكَمْ يَكُونُ الشَّهْرُ مِنهُ ؟ وكَمْ تَكُونُ السَّنَةُ مِنهُ ؟ وعَلى هَذا فَلا فَرْقَ بَيْنَ ألْفِ سَنَةٍ وبَيْنَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ وقَفَ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنِ الآيَتَيْنِ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مِمّا تَعُدُّونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِتِلْكَ الأوْصافِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيِ: العالِمُ بِما غابَ عَنِ الخَلْقِ وما حَضَرَهم. وفِي هَذا مَعْنى التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - إذا عَلِمَ بِما يَغِيبُ وما يَحْضُرُ، فَهو مُجازٍ لِكُلِّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. أوْ فَهو يُدَبِّرُ الأمْرَ بِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ العَزِيزُ القاهِرُ الغالِبُ الرَّحِيمُ بِعِبادِهِ، وهَذِهِ أخْبارٌ لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ هو خَبَرٌ آخَرُ. قَرَأ الجُمْهُورُ خَلَقَهُ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِإسْكانِها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو فِعْلٌ ماضٍ نَعْتًا لِشَيْءٍ، فَهو في مَحَلِّ جَرٍّ. وقَدِ اخْتارَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْمُضافِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، فَفي نَصْبِهِ أوْجُهٌ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن كُلِّ شَيْءٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا هو الوَجْهُ المَشْهُورُ عِنْدَ النُّحاةِ. الثّانِي أنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ ومَعْنى أحْسَنَ: حَسَّنَ، لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو مَخْلُوقٌ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، فَكُلُّ المَخْلُوقاتِ حَسَنَةٌ. الثّالِثُ أنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وخَلَقَهُ هو المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ أحْسَنَ مَعْنى أعْطى، والمَعْنى: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ الَّذِي خَصَّهُ بِهِ. وقِيلَ: عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى ألْهَمَ. قالَ الفَرّاءُ: ألْهَمَ خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. الرّابِعُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ أيْ: خَلَقَهُ خَلْقًا كَقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . والخامِسُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ في خَلْقِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ أتْقَنَ وأحْكَمَ خَلْقَ مَخْلُوقاتِهِ، فَبَعْضُ المَخْلُوقاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ حَسَنَةً في نَفْسِها، فَهي مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها مَعْنى﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقِ الإنْسانَ عَلى خَلْقِ البَهِيمَةِ ولا خَلَقَ البَهِيمَةَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ، وقِيلَ: هو عُمُومٌ في اللَّفْظِ خُصُوصٌ في المَعْنى: أيْ: أحْسَنَ خَلْقَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنٍ ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ يَعْنِي: آدَمَ خَلَقَهُ مِن طِينٍ فَصارَ عَلى صُورَةٍ بَدِيعَةٍ وشَكْلٍ حَسَنٍ. ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أيْ: ذُرِّيَّتَهُ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ سُمِّيَتِ الذُّرِّيَّةُ سُلالَةً لِأنَّها تُسَلُّ مِنَ الأصْلِ وتَنْفَصِلُ عَنْهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مِن ماءِ مُمْتَهَنٍ لا خَطَرَ لَهُ عِنْدَ النّاسِ وهو المَنِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: مِن ماءٍ ضَعِيفٍ. ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيِ: الإنْسانُ الَّذِي بَدَأ خَلْقَهُ مِن طِينٍ، وهو: آدَمُ، أوْ جَمِيعُ النَّوْعِ، والمُرادُ أنَّهُ عَدَّلَ خَلْقَهُ وسَوّى شَكْلَهُ وناسَبَ بَيْنَ أعْضائِهِ ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وهَذِهِ الإضافَةُ تُقَوِّي أنَّ الكَلامَ في آدَمَ لا في ذُرِّيَّتِهِ وإنْ أمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَمِيعِ. ثُمَّ خاطَبَ جَمِيعَ النَّوْعِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيْ: خَلَقَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ تَكْمِيلًا لِنِعْمَتِهِ عَلَيْكم وتَتْمِيمًا لِتَسْوِيَتِهِ لِخَلْقِكم حَتّى تَجْتَمِعَ لَكُمُ النِّعَمُ، فَتَسْمَعُونَ كُلَّ مَسْمُوعٍ وتُبْصِرُونَ كُلَّ مُبْصِرٍ، وتَتَعَقَّلُونَ كُلَّ مُتَعَقِّلٍ، وتَفْهَمُونَ كُلَّ ما يُفْهَمُ، وأفْرَدَ السَّمْعَ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، وخَصَّ السَّمْعَ بِذِكْرِ المَصْدَرِ دُونَ البَصَرِ والفُؤادَ فَذَكَرَهُما بِالِاسْمِ ولِهَذا جُمِعا، لِأنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها مَحَلٌّ واحِدٌ وهو الأُذُنُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ يَصِلُ إلَيْها ولا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ، ولا عَلى تَخْصِيصِ السَّمْعِ بِبَعْضِ المَسْمُوعاتِ دُونَ بَعْضٍ، بِخِلافِ الأبْصارِ فَمَحَلُّها العَيْنُ ولَهُ فِيهِ اخْتِيارٌ، فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبِ المَرْئِيِّ دُونَ غَيْرِهِ، وتُطْبِقُ أجْفانَها إذا لَمْ تُرِدِ الرُّؤْيَةَ لِشَيْءٍ؛ وكَذَلِكَ الفُؤادُ لَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ في إدْراكِهِ، فَيَتَعَقَّلُ هَذا دُونَ هَذا، ويُفْهَمُ هَذا دُونَ هَذا. قَرَأ الجُمْهُورُ " وبَدَأ " بِالهَمْزِ، والزُّهْرِيُّ بِألْفٍ خالِصَةٍ بِدُونِ هَمْزٍ، وانْتِصابُ ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا، أوْ صِفَةُ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. وفِي هَذا بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ لِنِعَمِ اللَّهِ، (p-١١٥٠)وتَرْكِهِمْ لِشُكْرِها إلّا فِيما نَدَرَ مِنَ الأحْوالِ. ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذِهِ الهَمْزَةِ وفي الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَها، والضَّلالُ الغَيْبُوبَةُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ في التُّرابِ إذا غابَ وبَطَلَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتّى خَفِيَ أثَرُهُ قَدْ ضَلَّ. ومِنهُ قَوْلٌ الأخْطَلِ: ؎كُنْتُ القَذى في مَوْجِ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِها فَضَلَّ ضَلالًا قالَ قُطْرُبٌ: مَعْنى ضَلَلْنا في الأرْضِ: غِبْنا في الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ضَلَلْنا " بِفَتْحِ ضادٍ مُعْجَمَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ بِمَعْنى ذَهَبْنا وضِعْنا وصِرْنا تُرابًا وغِبْنا عَنِ الأعْيُنِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو رَجاءٍ " ضَلَلْنا " بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةُ العالِيَةِ مِن نَجْدٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأهْلُ العالِيَةِ يَقُولُونَ ضَلَلْتُ بِالكَسْرِ. قالَ وأضَلَّهُ أيْ: أضاعَهُ وأهْلَكَهُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ إذا دُفِنَ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ وأبانُ بْنُ سَعِيدٍ " صَلَلْنا " بِصادٍ مُهْمَلَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ أيْ: أنْتَنّا. قالَ النَّحّاسُ: ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ صَلَلْنا، ولَكِنْ يُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: صَلَّ اللَّحْمُ يَصِلُّ بِالكَسْرِ صُلُولًا إذا أنْتَنَ، مَطْبُوخًا كانَ أوْ نَيِّئًا، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎ذاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذا قُدْرَةٍ ∗∗∗ لا يُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولُ ﴿أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: نُبْعَثُ ونَصِيرُ أحْياءً، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ. وهَذا قَوْلُ مُنْكِرِي البَعْثِ مِنَ الكُفّارِ، فَأضْرَبَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِإنْكارِ البَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِلِقاءِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ لَهُ مُكابَرَةً وعِنادًا، فَإنَّ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ المُبْتَدِئُ لِلْخَلْقِ يَسْتَلْزِمُ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ ويَرُدَّ عَلَيْهِمْ ما زَعَمُوهُ مِنَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم﴾ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ واسْتَوْفى رُوحَهُ إذا قَبَضَهُ إلَيْهِ، ومَلَكُ المَوْتِ هو عِزْرائِيلُ، ومَعْنى وُكِّلَ بِكم: وُكِّلَ بِقَبْضِ أرْواحِكم عِنْدَ حُضُورِ آجالِكم ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: تَصِيرُونَ إلَيْهِ أحْياءً بِالبَعْثِ والنُّشُورِ لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ الآيَةَ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ مَوْلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ فَيْرُوزَ: يا أبا عَبّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ اتَّهَمَهُ فَقالَ: ما يَوْمٌ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ؟ قالَ: إنَّما سَألْتُكَ لِتُخْبِرَنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما يَوْمانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ في كِتابِهِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِهِما، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ في كِتابِ اللَّهِ ما لا أعْلَمُ، فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِن ضَرَباتِهِ حَتّى جَلَسْتُ إلى ابْنِ المُسَيَّبِ، فَسَألَهُ عَنْهُما إنْسانٌ فَلَمْ يُخْبِرْهُ ولَمْ يَدْرِ. فَقُلْتُ: ألا أُخْبِرُكَ بِما حَضَرْتُ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؟ قالَ: بَلى، فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ لِلسّائِلِ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ أبى أنْ يَقُولَ فِيها، وهو أعْلَمُ مِنِّي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ في مِقْدارِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى يَقْضِيَ بَيْنَ العِبادِ، فَيَنْزِلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، ولَوْ كانَ إلى غَيْرِهِ لَمْ يَفْرَغْ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ﴾ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومَسِيرَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قالَ: ما رَأيْتُ القِرَدَةَ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ، ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: أما إنَّ اسْتَ القِرَدَةِ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها، وقالَ: خَلَقَهُ: صُورَتُهُ. وقالَ: ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ القَبِيحُ، والحَسَنُ والعَقارِبُ والحَيّاتُ وكُلُّ شَيْءٍ مِمّا خَلَقَ، وغَيْرُهُ لا يُحْسِنُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذْ لَقِينا عَمْرَو بْنَ زُرارَةَ الأنْصارِيَّ في حُلَّةٍ قَدْ أسْبَلَ، فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِناحِيَةِ ثَوْبِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْمَشُ السّاقَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُسْبِلِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قالَ " «أبْصَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا قَدْ أسْبَلَ إزارَهُ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْنَفُ تَصْطَكُّ رُكْبَتايَ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ حَسَنٌ» .

السجدة 32:6

وهي مَكِّيَّةٌ كَما رَواهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ [السجدة: ١٨ ٢٠]، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، وقِيلَ: إلّا خَمْسَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ١٦ ٢٠] وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وأهْلِ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِـ الم تَنْزِلُ السَّجْدَةُ، و﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾» [الدهر: ١] . وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِهِ أيْضًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ ﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]» . وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ خَلْفَ العِشاءِ الأخِيرَةِ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وفي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١] كُتِبْنَ لَهُ كَأرْبَعِ رَكَعاتٍ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن قَرَأ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]، و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ فَكَأنَّما قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و" يس " و﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ كُنْ لَهُ نُورًا وحِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ، ورَفْعٌ في الدَّرَجاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ المُسَيِّبِ بْنِ رافِعٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ تَجِيءُ لَها جَناحانِ يَوْمَ القِيامَةِ تُظِلُّ صاحِبَها وتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: الم قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ وعَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. وارْتِفاعُ تَنْزِيلُ عَلى أنَّهُ خَبَّرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الم في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ " تَنْزِيلُ " عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لا رَيْبَ فِيهِ، ومِن رَبِّ العالَمِينَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ كُلُّها أخْبارًا لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ قَبْلَ " تَنْزِيلُ "، أوْ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ لا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ حُرُوفٌ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأحْسَنُ الوُجُوهِ أنْ تَكُونَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ الخَبَرُ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّ تَنْزِيلَ الكِتابِ المَتْلُوِّ لا رَيْبَ فِيهِ ولا شَكَّ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهانَةٍ ولا أساطِيرِ الأوَّلِينَ. و" أمْ " في ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ هو مُفْتَرًى، (p-١١٤٨)فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو مُعْتَقَدُ الكُفّارِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى ﴿افْتَراهُ﴾ افْتَعَلَهُ واخْتَلَقَهُ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ إلى بَيانِ ما هو الحَقُّ في شَأْنِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَكَذَّبَهم - سُبْحانَهُ - في دَعْوى الِافْتِراءِ، ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي كانَ التَّنْزِيلُ لِأجْلِها فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وهُمُ العَرَبُ وكانُوا أُمَّةً أُمَيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ، وقِيلَ: قُرَيْشٌ خاصَّةً، والمَفْعُولُ الثّانِي لِتُنْذِرَ مَحْذُوفٌ أيْ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ، وجُمْلَةُ ما أتاهم مِن نَذِيرٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ومِن قَبْلِكَ صِفَةٌ لِنَذِيرِ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً، والتَّقْدِيرُ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ الَّذِي أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ المُرادَ تَعْلِيلُ الإنْزالِ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَهُ، لا تَعْلِيلُهُ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ قَدْ أُنْذِرُوا بِما أنْذَرَهم بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ أهْلُ الفَتْرَةِ ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَهْتَدُوا أوْ كَيْ يَهْتَدُوا. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بينهما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمُرادُ مِن ذِكْرِها هُنا تَعْرِيفُهم كَمالَ قُدْرَتِهِ وعَظِيمَ صُنْعِهِ لِيَسْمَعُوا القُرْآنَ ويَتَأمَّلُوهُ، مَعْنى خَلَقَ: أوْجَدَ، وأبْدَعَ. قالَ الحَسَنُ: الأيّامُ هُنا هي مِن أيّامِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مِقْدارُ اليَوْمِ ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَعَلى هَذا المُرادُ بِالأيّامِ هُنا هي مِن أيّامِ الآخِرَةِ لا مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَيْسَتْ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مِن دُونِ عَذابِهِ مِن ولِيٍّ يُوالِيكم ويَرُدُّ عَنْكم عَذابَهُ ولا شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَكم عِنْدَهُ ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ تَذَكُّرَ تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ، وتَسْمَعُونَ هَذِهِ المَواعِظَ سَماعَ مَن يَفْهَمُ ويَعْقِلُ حَتّى تَنْتَفِعُوا بِها. ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما بَيَّنَ تَدْبِيرَهُ لِأمْرِها أيْ: يُحْكِمُ الأمْرَ بِقَضائِهِ وقَدْرِهِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والمَعْنى: يُنْزِلُ أمْرَهُ مِن أعْلى السَّماواتِ إلى أقْصى تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ومَسافَةُ ما بَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا والأرْضِ الَّتِي تَحْتَها نُزُولًا وطُلُوعًا ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمُورِ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ الأعْمالِ أيْ: يُنَزِّلُهُ مُدَبَّرًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ أحْكامُها وآثارُها إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يَنْزِلُ الوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ. وقِيلَ: العَرْشُ مَوْضِعُ التَّدْبِيرِ كَما أنَّ ما دُونَ العَرْشِ مَوْضِعُ التَّفْصِيلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ . . . . . . . . . . . . . . ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الرعد: ٢] وما دُونَ السَّماواتِ مَوْضِعُ التَّصَرُّفِ. قالَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠] ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - تَدْبِيرَ الأمْرِ قالَ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ: ثُمَّ يَرْجِعُ ذَلِكَ الأمْرُ ويَعُودُ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ مَسافَةِ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ والطُّلُوعِ مِنَ الأرْضِ كَما قَدَّمْنا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ حِينَ يَنْقَطِعُ أمْرُ الدُّنْيا ويَمُوتُ مَن فِيها. وقِيلَ: هي أخْبارُ أهْلِ الأرْضِ تَصْعَدُ إلَيْهِ مَعَ مَن يُرْسِلُهُ إلَيْها مِنَ المَلائِكَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُثْبِتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ ويَكْتُبُ في صُحُفِ مَلائِكَتِهِ ما عَمِلَهُ أهْلُ الأرْضِ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلى أنْ تَبْلُغَ مُدَّةُ الدُّنْيا آخِرَها. وقِيلَ: مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾: يَثْبُتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ هي مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ، والمُرادُ طُولُ امْتِدادِ ما بَيْنَ تَدْبِيرِ الحَوادِثِ وحُدُوثِها مِنَ الزَّمانِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الحَوادِثِ اليَوْمِيَّةِ بِإثْباتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَتَنْزِلُ بِها المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَتَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الأعْمالَ الَّتِي هي طاعاتٌ يُدَبِّرُها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ويَنْزِلُ بِها مَلائِكَتُهُ ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلى المَلِكِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِنَ السِّياقِ، وقَدْ جاءَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] والضَّمِيرُ في إلَيْهِ يَرْجِعُ إلى السَّماءِ عَلى لُغَةِ مَن يَذْكُرُها، أوْ إلى مَكانِ المَلِكِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ وهو الَّذِي أقَرَّهُ اللَّهُ فِيهِ. وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أمْرَ الشَّمْسِ في طُلُوعِها وغُرُوبِها ورُجُوعِها إلى مَوْضِعِها مِنَ الطُّلُوعِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ في المَسافَةِ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ المَلِكَ يَعْرُجُ إلى اللَّهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ لَوْ سارَهُ غَيْرُ المَلِكِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لَأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسافَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَمَسافَةُ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والرُّجُوعِ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ ألْفُ عامٍ، وقَدْ رَجَّحَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: مَسافَةُ النُّزُولِ ألْفُ سَنَةٍ ومَسافَةُ الطُّلُوعِ ألْفُ سَنَةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ. وهَذا اليَوْمُ هو عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ يَتَقَدَّرُ بِألْفِ سَنَةٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مُسَمّى اليَوْمِ الَّذِي هو مُدَّةُ النَّهارِ بَيْنَ لَيْلَتَيْنِ، والعَرَبُ قَدْ تُعَبِّرُ عَنِ المُدَّةِ بِاليَوْمِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْدِيبُ فَإنَّ الشّاعِرَ لَمْ يُرِدْ يَوْمَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ، وإنَّما أرادَ أنَّ زَمانَهم يَنْقَسِمُ شَطْرَيْنِ، فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّطْرَيْنِ بِيَوْمٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْرُجُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأصْلُ يُعْرَجُ بِهِ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجارِّ فاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ. وقَدِ اسْتَشْكَلَ جَماعَةٌ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] . فَقِيلَ: في الجَوابِ إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ صُعُوبَتِهِ وشِدَّةِ أهْوالِهِ عَلى الكُفّارِ كَخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، والعَرَبُ تَصِفُ كَثِيرًا يَوْمَ المَكْرُوهِ بِالطُّولِ كَما (p-١١٤٩)تَصِفُ يَوْمَ السُّرُورِ بِالقِصَرِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ويَوْمٌ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ ∗∗∗ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ويَوْمٌ كَإبْهامِ القِطَّةِ قَطَّعْتُهُ وقِيلَ: إنْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيهِ أيّامٌ، فَمِنها ما مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ، ومِنها ما مِقْدارُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: هي أوْقاتٌ مُخْتَلِفَةٌ يُعَذَّبُ الكافِرُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُنْقَلُ إلى نَوْعٍ آخَرَ، فَيُعَذَّبُ بِهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: مَواقِفُ القِيامَةِ خَمْسُونَ مَوْقِفًا كُلُّ مَوْقِفٍ ألْفُ سَنَةٍ، فَيَكُونُ مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في وقْتٍ مِن تِلْكَ الأوْقاتِ أوْ مَوْقِفٍ مِن تِلْكَ المَواقِفِ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ أنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] المَسافَةَ مِنَ الأرْضِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى الَّتِي هي مَقامُ جِبْرِيلَ، والمُرادُ أنَّهُ يَسِيرُ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ في مِقْدارِ يَوْمٍ واحِدٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ المَسافَةَ الَّتِي بَيْنَ الأرْضِ وبَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا هُبُوطًا وصُعُودًا فَإنَّها مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِدادِ نَفاذِ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَفَذَ أمْرُهُ غايَةَ النَّفاذِ في يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ وانْقَطَعَ لا يَكُونُ مِثْلَ مَن يَنْفُذُ أمْرُهُ في سِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ يَعْنِي يُدَبِّرُ الأمْرَ في زَمانٍ يَوْمٌ مِنهُ ألْفُ سَنَةٍ. فَكَمْ يَكُونُ الشَّهْرُ مِنهُ ؟ وكَمْ تَكُونُ السَّنَةُ مِنهُ ؟ وعَلى هَذا فَلا فَرْقَ بَيْنَ ألْفِ سَنَةٍ وبَيْنَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ وقَفَ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنِ الآيَتَيْنِ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مِمّا تَعُدُّونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِتِلْكَ الأوْصافِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيِ: العالِمُ بِما غابَ عَنِ الخَلْقِ وما حَضَرَهم. وفِي هَذا مَعْنى التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - إذا عَلِمَ بِما يَغِيبُ وما يَحْضُرُ، فَهو مُجازٍ لِكُلِّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. أوْ فَهو يُدَبِّرُ الأمْرَ بِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ العَزِيزُ القاهِرُ الغالِبُ الرَّحِيمُ بِعِبادِهِ، وهَذِهِ أخْبارٌ لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ هو خَبَرٌ آخَرُ. قَرَأ الجُمْهُورُ خَلَقَهُ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِإسْكانِها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو فِعْلٌ ماضٍ نَعْتًا لِشَيْءٍ، فَهو في مَحَلِّ جَرٍّ. وقَدِ اخْتارَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْمُضافِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، فَفي نَصْبِهِ أوْجُهٌ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن كُلِّ شَيْءٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا هو الوَجْهُ المَشْهُورُ عِنْدَ النُّحاةِ. الثّانِي أنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ ومَعْنى أحْسَنَ: حَسَّنَ، لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو مَخْلُوقٌ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، فَكُلُّ المَخْلُوقاتِ حَسَنَةٌ. الثّالِثُ أنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وخَلَقَهُ هو المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ أحْسَنَ مَعْنى أعْطى، والمَعْنى: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ الَّذِي خَصَّهُ بِهِ. وقِيلَ: عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى ألْهَمَ. قالَ الفَرّاءُ: ألْهَمَ خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. الرّابِعُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ أيْ: خَلَقَهُ خَلْقًا كَقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . والخامِسُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ في خَلْقِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ أتْقَنَ وأحْكَمَ خَلْقَ مَخْلُوقاتِهِ، فَبَعْضُ المَخْلُوقاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ حَسَنَةً في نَفْسِها، فَهي مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها مَعْنى﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقِ الإنْسانَ عَلى خَلْقِ البَهِيمَةِ ولا خَلَقَ البَهِيمَةَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ، وقِيلَ: هو عُمُومٌ في اللَّفْظِ خُصُوصٌ في المَعْنى: أيْ: أحْسَنَ خَلْقَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنٍ ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ يَعْنِي: آدَمَ خَلَقَهُ مِن طِينٍ فَصارَ عَلى صُورَةٍ بَدِيعَةٍ وشَكْلٍ حَسَنٍ. ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أيْ: ذُرِّيَّتَهُ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ سُمِّيَتِ الذُّرِّيَّةُ سُلالَةً لِأنَّها تُسَلُّ مِنَ الأصْلِ وتَنْفَصِلُ عَنْهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مِن ماءِ مُمْتَهَنٍ لا خَطَرَ لَهُ عِنْدَ النّاسِ وهو المَنِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: مِن ماءٍ ضَعِيفٍ. ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيِ: الإنْسانُ الَّذِي بَدَأ خَلْقَهُ مِن طِينٍ، وهو: آدَمُ، أوْ جَمِيعُ النَّوْعِ، والمُرادُ أنَّهُ عَدَّلَ خَلْقَهُ وسَوّى شَكْلَهُ وناسَبَ بَيْنَ أعْضائِهِ ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وهَذِهِ الإضافَةُ تُقَوِّي أنَّ الكَلامَ في آدَمَ لا في ذُرِّيَّتِهِ وإنْ أمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَمِيعِ. ثُمَّ خاطَبَ جَمِيعَ النَّوْعِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيْ: خَلَقَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ تَكْمِيلًا لِنِعْمَتِهِ عَلَيْكم وتَتْمِيمًا لِتَسْوِيَتِهِ لِخَلْقِكم حَتّى تَجْتَمِعَ لَكُمُ النِّعَمُ، فَتَسْمَعُونَ كُلَّ مَسْمُوعٍ وتُبْصِرُونَ كُلَّ مُبْصِرٍ، وتَتَعَقَّلُونَ كُلَّ مُتَعَقِّلٍ، وتَفْهَمُونَ كُلَّ ما يُفْهَمُ، وأفْرَدَ السَّمْعَ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، وخَصَّ السَّمْعَ بِذِكْرِ المَصْدَرِ دُونَ البَصَرِ والفُؤادَ فَذَكَرَهُما بِالِاسْمِ ولِهَذا جُمِعا، لِأنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها مَحَلٌّ واحِدٌ وهو الأُذُنُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ يَصِلُ إلَيْها ولا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ، ولا عَلى تَخْصِيصِ السَّمْعِ بِبَعْضِ المَسْمُوعاتِ دُونَ بَعْضٍ، بِخِلافِ الأبْصارِ فَمَحَلُّها العَيْنُ ولَهُ فِيهِ اخْتِيارٌ، فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبِ المَرْئِيِّ دُونَ غَيْرِهِ، وتُطْبِقُ أجْفانَها إذا لَمْ تُرِدِ الرُّؤْيَةَ لِشَيْءٍ؛ وكَذَلِكَ الفُؤادُ لَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ في إدْراكِهِ، فَيَتَعَقَّلُ هَذا دُونَ هَذا، ويُفْهَمُ هَذا دُونَ هَذا. قَرَأ الجُمْهُورُ " وبَدَأ " بِالهَمْزِ، والزُّهْرِيُّ بِألْفٍ خالِصَةٍ بِدُونِ هَمْزٍ، وانْتِصابُ ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا، أوْ صِفَةُ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. وفِي هَذا بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ لِنِعَمِ اللَّهِ، (p-١١٥٠)وتَرْكِهِمْ لِشُكْرِها إلّا فِيما نَدَرَ مِنَ الأحْوالِ. ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذِهِ الهَمْزَةِ وفي الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَها، والضَّلالُ الغَيْبُوبَةُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ في التُّرابِ إذا غابَ وبَطَلَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتّى خَفِيَ أثَرُهُ قَدْ ضَلَّ. ومِنهُ قَوْلٌ الأخْطَلِ: ؎كُنْتُ القَذى في مَوْجِ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِها فَضَلَّ ضَلالًا قالَ قُطْرُبٌ: مَعْنى ضَلَلْنا في الأرْضِ: غِبْنا في الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ضَلَلْنا " بِفَتْحِ ضادٍ مُعْجَمَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ بِمَعْنى ذَهَبْنا وضِعْنا وصِرْنا تُرابًا وغِبْنا عَنِ الأعْيُنِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو رَجاءٍ " ضَلَلْنا " بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةُ العالِيَةِ مِن نَجْدٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأهْلُ العالِيَةِ يَقُولُونَ ضَلَلْتُ بِالكَسْرِ. قالَ وأضَلَّهُ أيْ: أضاعَهُ وأهْلَكَهُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ إذا دُفِنَ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ وأبانُ بْنُ سَعِيدٍ " صَلَلْنا " بِصادٍ مُهْمَلَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ أيْ: أنْتَنّا. قالَ النَّحّاسُ: ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ صَلَلْنا، ولَكِنْ يُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: صَلَّ اللَّحْمُ يَصِلُّ بِالكَسْرِ صُلُولًا إذا أنْتَنَ، مَطْبُوخًا كانَ أوْ نَيِّئًا، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎ذاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذا قُدْرَةٍ ∗∗∗ لا يُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولُ ﴿أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: نُبْعَثُ ونَصِيرُ أحْياءً، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ. وهَذا قَوْلُ مُنْكِرِي البَعْثِ مِنَ الكُفّارِ، فَأضْرَبَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِإنْكارِ البَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِلِقاءِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ لَهُ مُكابَرَةً وعِنادًا، فَإنَّ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ المُبْتَدِئُ لِلْخَلْقِ يَسْتَلْزِمُ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ ويَرُدَّ عَلَيْهِمْ ما زَعَمُوهُ مِنَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم﴾ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ واسْتَوْفى رُوحَهُ إذا قَبَضَهُ إلَيْهِ، ومَلَكُ المَوْتِ هو عِزْرائِيلُ، ومَعْنى وُكِّلَ بِكم: وُكِّلَ بِقَبْضِ أرْواحِكم عِنْدَ حُضُورِ آجالِكم ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: تَصِيرُونَ إلَيْهِ أحْياءً بِالبَعْثِ والنُّشُورِ لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ الآيَةَ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ مَوْلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ فَيْرُوزَ: يا أبا عَبّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ اتَّهَمَهُ فَقالَ: ما يَوْمٌ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ؟ قالَ: إنَّما سَألْتُكَ لِتُخْبِرَنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما يَوْمانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ في كِتابِهِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِهِما، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ في كِتابِ اللَّهِ ما لا أعْلَمُ، فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِن ضَرَباتِهِ حَتّى جَلَسْتُ إلى ابْنِ المُسَيَّبِ، فَسَألَهُ عَنْهُما إنْسانٌ فَلَمْ يُخْبِرْهُ ولَمْ يَدْرِ. فَقُلْتُ: ألا أُخْبِرُكَ بِما حَضَرْتُ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؟ قالَ: بَلى، فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ لِلسّائِلِ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ أبى أنْ يَقُولَ فِيها، وهو أعْلَمُ مِنِّي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ في مِقْدارِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى يَقْضِيَ بَيْنَ العِبادِ، فَيَنْزِلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، ولَوْ كانَ إلى غَيْرِهِ لَمْ يَفْرَغْ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ﴾ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومَسِيرَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قالَ: ما رَأيْتُ القِرَدَةَ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ، ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: أما إنَّ اسْتَ القِرَدَةِ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها، وقالَ: خَلَقَهُ: صُورَتُهُ. وقالَ: ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ القَبِيحُ، والحَسَنُ والعَقارِبُ والحَيّاتُ وكُلُّ شَيْءٍ مِمّا خَلَقَ، وغَيْرُهُ لا يُحْسِنُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذْ لَقِينا عَمْرَو بْنَ زُرارَةَ الأنْصارِيَّ في حُلَّةٍ قَدْ أسْبَلَ، فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِناحِيَةِ ثَوْبِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْمَشُ السّاقَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُسْبِلِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قالَ " «أبْصَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا قَدْ أسْبَلَ إزارَهُ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْنَفُ تَصْطَكُّ رُكْبَتايَ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ حَسَنٌ» .

السجدة 32:7

وهي مَكِّيَّةٌ كَما رَواهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ [السجدة: ١٨ ٢٠]، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، وقِيلَ: إلّا خَمْسَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ١٦ ٢٠] وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وأهْلِ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِـ الم تَنْزِلُ السَّجْدَةُ، و﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾» [الدهر: ١] . وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِهِ أيْضًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ ﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]» . وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ خَلْفَ العِشاءِ الأخِيرَةِ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وفي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١] كُتِبْنَ لَهُ كَأرْبَعِ رَكَعاتٍ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن قَرَأ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]، و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ فَكَأنَّما قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و" يس " و﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ كُنْ لَهُ نُورًا وحِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ، ورَفْعٌ في الدَّرَجاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ المُسَيِّبِ بْنِ رافِعٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ تَجِيءُ لَها جَناحانِ يَوْمَ القِيامَةِ تُظِلُّ صاحِبَها وتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: الم قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ وعَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. وارْتِفاعُ تَنْزِيلُ عَلى أنَّهُ خَبَّرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الم في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ " تَنْزِيلُ " عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لا رَيْبَ فِيهِ، ومِن رَبِّ العالَمِينَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ كُلُّها أخْبارًا لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ قَبْلَ " تَنْزِيلُ "، أوْ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ لا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ حُرُوفٌ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأحْسَنُ الوُجُوهِ أنْ تَكُونَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ الخَبَرُ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّ تَنْزِيلَ الكِتابِ المَتْلُوِّ لا رَيْبَ فِيهِ ولا شَكَّ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهانَةٍ ولا أساطِيرِ الأوَّلِينَ. و" أمْ " في ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ هو مُفْتَرًى، (p-١١٤٨)فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو مُعْتَقَدُ الكُفّارِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى ﴿افْتَراهُ﴾ افْتَعَلَهُ واخْتَلَقَهُ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ إلى بَيانِ ما هو الحَقُّ في شَأْنِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَكَذَّبَهم - سُبْحانَهُ - في دَعْوى الِافْتِراءِ، ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي كانَ التَّنْزِيلُ لِأجْلِها فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وهُمُ العَرَبُ وكانُوا أُمَّةً أُمَيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ، وقِيلَ: قُرَيْشٌ خاصَّةً، والمَفْعُولُ الثّانِي لِتُنْذِرَ مَحْذُوفٌ أيْ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ، وجُمْلَةُ ما أتاهم مِن نَذِيرٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ومِن قَبْلِكَ صِفَةٌ لِنَذِيرِ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً، والتَّقْدِيرُ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ الَّذِي أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ المُرادَ تَعْلِيلُ الإنْزالِ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَهُ، لا تَعْلِيلُهُ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ قَدْ أُنْذِرُوا بِما أنْذَرَهم بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ أهْلُ الفَتْرَةِ ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَهْتَدُوا أوْ كَيْ يَهْتَدُوا. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بينهما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمُرادُ مِن ذِكْرِها هُنا تَعْرِيفُهم كَمالَ قُدْرَتِهِ وعَظِيمَ صُنْعِهِ لِيَسْمَعُوا القُرْآنَ ويَتَأمَّلُوهُ، مَعْنى خَلَقَ: أوْجَدَ، وأبْدَعَ. قالَ الحَسَنُ: الأيّامُ هُنا هي مِن أيّامِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مِقْدارُ اليَوْمِ ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَعَلى هَذا المُرادُ بِالأيّامِ هُنا هي مِن أيّامِ الآخِرَةِ لا مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَيْسَتْ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مِن دُونِ عَذابِهِ مِن ولِيٍّ يُوالِيكم ويَرُدُّ عَنْكم عَذابَهُ ولا شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَكم عِنْدَهُ ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ تَذَكُّرَ تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ، وتَسْمَعُونَ هَذِهِ المَواعِظَ سَماعَ مَن يَفْهَمُ ويَعْقِلُ حَتّى تَنْتَفِعُوا بِها. ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما بَيَّنَ تَدْبِيرَهُ لِأمْرِها أيْ: يُحْكِمُ الأمْرَ بِقَضائِهِ وقَدْرِهِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والمَعْنى: يُنْزِلُ أمْرَهُ مِن أعْلى السَّماواتِ إلى أقْصى تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ومَسافَةُ ما بَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا والأرْضِ الَّتِي تَحْتَها نُزُولًا وطُلُوعًا ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمُورِ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ الأعْمالِ أيْ: يُنَزِّلُهُ مُدَبَّرًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ أحْكامُها وآثارُها إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يَنْزِلُ الوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ. وقِيلَ: العَرْشُ مَوْضِعُ التَّدْبِيرِ كَما أنَّ ما دُونَ العَرْشِ مَوْضِعُ التَّفْصِيلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ . . . . . . . . . . . . . . ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الرعد: ٢] وما دُونَ السَّماواتِ مَوْضِعُ التَّصَرُّفِ. قالَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠] ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - تَدْبِيرَ الأمْرِ قالَ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ: ثُمَّ يَرْجِعُ ذَلِكَ الأمْرُ ويَعُودُ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ مَسافَةِ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ والطُّلُوعِ مِنَ الأرْضِ كَما قَدَّمْنا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ حِينَ يَنْقَطِعُ أمْرُ الدُّنْيا ويَمُوتُ مَن فِيها. وقِيلَ: هي أخْبارُ أهْلِ الأرْضِ تَصْعَدُ إلَيْهِ مَعَ مَن يُرْسِلُهُ إلَيْها مِنَ المَلائِكَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُثْبِتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ ويَكْتُبُ في صُحُفِ مَلائِكَتِهِ ما عَمِلَهُ أهْلُ الأرْضِ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلى أنْ تَبْلُغَ مُدَّةُ الدُّنْيا آخِرَها. وقِيلَ: مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾: يَثْبُتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ هي مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ، والمُرادُ طُولُ امْتِدادِ ما بَيْنَ تَدْبِيرِ الحَوادِثِ وحُدُوثِها مِنَ الزَّمانِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الحَوادِثِ اليَوْمِيَّةِ بِإثْباتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَتَنْزِلُ بِها المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَتَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الأعْمالَ الَّتِي هي طاعاتٌ يُدَبِّرُها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ويَنْزِلُ بِها مَلائِكَتُهُ ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلى المَلِكِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِنَ السِّياقِ، وقَدْ جاءَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] والضَّمِيرُ في إلَيْهِ يَرْجِعُ إلى السَّماءِ عَلى لُغَةِ مَن يَذْكُرُها، أوْ إلى مَكانِ المَلِكِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ وهو الَّذِي أقَرَّهُ اللَّهُ فِيهِ. وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أمْرَ الشَّمْسِ في طُلُوعِها وغُرُوبِها ورُجُوعِها إلى مَوْضِعِها مِنَ الطُّلُوعِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ في المَسافَةِ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ المَلِكَ يَعْرُجُ إلى اللَّهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ لَوْ سارَهُ غَيْرُ المَلِكِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لَأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسافَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَمَسافَةُ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والرُّجُوعِ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ ألْفُ عامٍ، وقَدْ رَجَّحَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: مَسافَةُ النُّزُولِ ألْفُ سَنَةٍ ومَسافَةُ الطُّلُوعِ ألْفُ سَنَةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ. وهَذا اليَوْمُ هو عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ يَتَقَدَّرُ بِألْفِ سَنَةٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مُسَمّى اليَوْمِ الَّذِي هو مُدَّةُ النَّهارِ بَيْنَ لَيْلَتَيْنِ، والعَرَبُ قَدْ تُعَبِّرُ عَنِ المُدَّةِ بِاليَوْمِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْدِيبُ فَإنَّ الشّاعِرَ لَمْ يُرِدْ يَوْمَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ، وإنَّما أرادَ أنَّ زَمانَهم يَنْقَسِمُ شَطْرَيْنِ، فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّطْرَيْنِ بِيَوْمٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْرُجُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأصْلُ يُعْرَجُ بِهِ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجارِّ فاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ. وقَدِ اسْتَشْكَلَ جَماعَةٌ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] . فَقِيلَ: في الجَوابِ إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ صُعُوبَتِهِ وشِدَّةِ أهْوالِهِ عَلى الكُفّارِ كَخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، والعَرَبُ تَصِفُ كَثِيرًا يَوْمَ المَكْرُوهِ بِالطُّولِ كَما (p-١١٤٩)تَصِفُ يَوْمَ السُّرُورِ بِالقِصَرِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ويَوْمٌ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ ∗∗∗ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ويَوْمٌ كَإبْهامِ القِطَّةِ قَطَّعْتُهُ وقِيلَ: إنْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيهِ أيّامٌ، فَمِنها ما مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ، ومِنها ما مِقْدارُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: هي أوْقاتٌ مُخْتَلِفَةٌ يُعَذَّبُ الكافِرُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُنْقَلُ إلى نَوْعٍ آخَرَ، فَيُعَذَّبُ بِهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: مَواقِفُ القِيامَةِ خَمْسُونَ مَوْقِفًا كُلُّ مَوْقِفٍ ألْفُ سَنَةٍ، فَيَكُونُ مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في وقْتٍ مِن تِلْكَ الأوْقاتِ أوْ مَوْقِفٍ مِن تِلْكَ المَواقِفِ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ أنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] المَسافَةَ مِنَ الأرْضِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى الَّتِي هي مَقامُ جِبْرِيلَ، والمُرادُ أنَّهُ يَسِيرُ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ في مِقْدارِ يَوْمٍ واحِدٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ المَسافَةَ الَّتِي بَيْنَ الأرْضِ وبَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا هُبُوطًا وصُعُودًا فَإنَّها مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِدادِ نَفاذِ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَفَذَ أمْرُهُ غايَةَ النَّفاذِ في يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ وانْقَطَعَ لا يَكُونُ مِثْلَ مَن يَنْفُذُ أمْرُهُ في سِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ يَعْنِي يُدَبِّرُ الأمْرَ في زَمانٍ يَوْمٌ مِنهُ ألْفُ سَنَةٍ. فَكَمْ يَكُونُ الشَّهْرُ مِنهُ ؟ وكَمْ تَكُونُ السَّنَةُ مِنهُ ؟ وعَلى هَذا فَلا فَرْقَ بَيْنَ ألْفِ سَنَةٍ وبَيْنَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ وقَفَ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنِ الآيَتَيْنِ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مِمّا تَعُدُّونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِتِلْكَ الأوْصافِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيِ: العالِمُ بِما غابَ عَنِ الخَلْقِ وما حَضَرَهم. وفِي هَذا مَعْنى التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - إذا عَلِمَ بِما يَغِيبُ وما يَحْضُرُ، فَهو مُجازٍ لِكُلِّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. أوْ فَهو يُدَبِّرُ الأمْرَ بِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ العَزِيزُ القاهِرُ الغالِبُ الرَّحِيمُ بِعِبادِهِ، وهَذِهِ أخْبارٌ لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ هو خَبَرٌ آخَرُ. قَرَأ الجُمْهُورُ خَلَقَهُ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِإسْكانِها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو فِعْلٌ ماضٍ نَعْتًا لِشَيْءٍ، فَهو في مَحَلِّ جَرٍّ. وقَدِ اخْتارَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْمُضافِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، فَفي نَصْبِهِ أوْجُهٌ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن كُلِّ شَيْءٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا هو الوَجْهُ المَشْهُورُ عِنْدَ النُّحاةِ. الثّانِي أنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ ومَعْنى أحْسَنَ: حَسَّنَ، لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو مَخْلُوقٌ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، فَكُلُّ المَخْلُوقاتِ حَسَنَةٌ. الثّالِثُ أنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وخَلَقَهُ هو المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ أحْسَنَ مَعْنى أعْطى، والمَعْنى: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ الَّذِي خَصَّهُ بِهِ. وقِيلَ: عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى ألْهَمَ. قالَ الفَرّاءُ: ألْهَمَ خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. الرّابِعُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ أيْ: خَلَقَهُ خَلْقًا كَقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . والخامِسُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ في خَلْقِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ أتْقَنَ وأحْكَمَ خَلْقَ مَخْلُوقاتِهِ، فَبَعْضُ المَخْلُوقاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ حَسَنَةً في نَفْسِها، فَهي مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها مَعْنى﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقِ الإنْسانَ عَلى خَلْقِ البَهِيمَةِ ولا خَلَقَ البَهِيمَةَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ، وقِيلَ: هو عُمُومٌ في اللَّفْظِ خُصُوصٌ في المَعْنى: أيْ: أحْسَنَ خَلْقَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنٍ ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ يَعْنِي: آدَمَ خَلَقَهُ مِن طِينٍ فَصارَ عَلى صُورَةٍ بَدِيعَةٍ وشَكْلٍ حَسَنٍ. ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أيْ: ذُرِّيَّتَهُ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ سُمِّيَتِ الذُّرِّيَّةُ سُلالَةً لِأنَّها تُسَلُّ مِنَ الأصْلِ وتَنْفَصِلُ عَنْهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مِن ماءِ مُمْتَهَنٍ لا خَطَرَ لَهُ عِنْدَ النّاسِ وهو المَنِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: مِن ماءٍ ضَعِيفٍ. ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيِ: الإنْسانُ الَّذِي بَدَأ خَلْقَهُ مِن طِينٍ، وهو: آدَمُ، أوْ جَمِيعُ النَّوْعِ، والمُرادُ أنَّهُ عَدَّلَ خَلْقَهُ وسَوّى شَكْلَهُ وناسَبَ بَيْنَ أعْضائِهِ ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وهَذِهِ الإضافَةُ تُقَوِّي أنَّ الكَلامَ في آدَمَ لا في ذُرِّيَّتِهِ وإنْ أمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَمِيعِ. ثُمَّ خاطَبَ جَمِيعَ النَّوْعِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيْ: خَلَقَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ تَكْمِيلًا لِنِعْمَتِهِ عَلَيْكم وتَتْمِيمًا لِتَسْوِيَتِهِ لِخَلْقِكم حَتّى تَجْتَمِعَ لَكُمُ النِّعَمُ، فَتَسْمَعُونَ كُلَّ مَسْمُوعٍ وتُبْصِرُونَ كُلَّ مُبْصِرٍ، وتَتَعَقَّلُونَ كُلَّ مُتَعَقِّلٍ، وتَفْهَمُونَ كُلَّ ما يُفْهَمُ، وأفْرَدَ السَّمْعَ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، وخَصَّ السَّمْعَ بِذِكْرِ المَصْدَرِ دُونَ البَصَرِ والفُؤادَ فَذَكَرَهُما بِالِاسْمِ ولِهَذا جُمِعا، لِأنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها مَحَلٌّ واحِدٌ وهو الأُذُنُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ يَصِلُ إلَيْها ولا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ، ولا عَلى تَخْصِيصِ السَّمْعِ بِبَعْضِ المَسْمُوعاتِ دُونَ بَعْضٍ، بِخِلافِ الأبْصارِ فَمَحَلُّها العَيْنُ ولَهُ فِيهِ اخْتِيارٌ، فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبِ المَرْئِيِّ دُونَ غَيْرِهِ، وتُطْبِقُ أجْفانَها إذا لَمْ تُرِدِ الرُّؤْيَةَ لِشَيْءٍ؛ وكَذَلِكَ الفُؤادُ لَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ في إدْراكِهِ، فَيَتَعَقَّلُ هَذا دُونَ هَذا، ويُفْهَمُ هَذا دُونَ هَذا. قَرَأ الجُمْهُورُ " وبَدَأ " بِالهَمْزِ، والزُّهْرِيُّ بِألْفٍ خالِصَةٍ بِدُونِ هَمْزٍ، وانْتِصابُ ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا، أوْ صِفَةُ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. وفِي هَذا بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ لِنِعَمِ اللَّهِ، (p-١١٥٠)وتَرْكِهِمْ لِشُكْرِها إلّا فِيما نَدَرَ مِنَ الأحْوالِ. ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذِهِ الهَمْزَةِ وفي الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَها، والضَّلالُ الغَيْبُوبَةُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ في التُّرابِ إذا غابَ وبَطَلَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتّى خَفِيَ أثَرُهُ قَدْ ضَلَّ. ومِنهُ قَوْلٌ الأخْطَلِ: ؎كُنْتُ القَذى في مَوْجِ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِها فَضَلَّ ضَلالًا قالَ قُطْرُبٌ: مَعْنى ضَلَلْنا في الأرْضِ: غِبْنا في الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ضَلَلْنا " بِفَتْحِ ضادٍ مُعْجَمَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ بِمَعْنى ذَهَبْنا وضِعْنا وصِرْنا تُرابًا وغِبْنا عَنِ الأعْيُنِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو رَجاءٍ " ضَلَلْنا " بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةُ العالِيَةِ مِن نَجْدٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأهْلُ العالِيَةِ يَقُولُونَ ضَلَلْتُ بِالكَسْرِ. قالَ وأضَلَّهُ أيْ: أضاعَهُ وأهْلَكَهُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ إذا دُفِنَ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ وأبانُ بْنُ سَعِيدٍ " صَلَلْنا " بِصادٍ مُهْمَلَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ أيْ: أنْتَنّا. قالَ النَّحّاسُ: ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ صَلَلْنا، ولَكِنْ يُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: صَلَّ اللَّحْمُ يَصِلُّ بِالكَسْرِ صُلُولًا إذا أنْتَنَ، مَطْبُوخًا كانَ أوْ نَيِّئًا، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎ذاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذا قُدْرَةٍ ∗∗∗ لا يُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولُ ﴿أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: نُبْعَثُ ونَصِيرُ أحْياءً، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ. وهَذا قَوْلُ مُنْكِرِي البَعْثِ مِنَ الكُفّارِ، فَأضْرَبَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِإنْكارِ البَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِلِقاءِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ لَهُ مُكابَرَةً وعِنادًا، فَإنَّ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ المُبْتَدِئُ لِلْخَلْقِ يَسْتَلْزِمُ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ ويَرُدَّ عَلَيْهِمْ ما زَعَمُوهُ مِنَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم﴾ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ واسْتَوْفى رُوحَهُ إذا قَبَضَهُ إلَيْهِ، ومَلَكُ المَوْتِ هو عِزْرائِيلُ، ومَعْنى وُكِّلَ بِكم: وُكِّلَ بِقَبْضِ أرْواحِكم عِنْدَ حُضُورِ آجالِكم ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: تَصِيرُونَ إلَيْهِ أحْياءً بِالبَعْثِ والنُّشُورِ لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ الآيَةَ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ مَوْلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ فَيْرُوزَ: يا أبا عَبّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ اتَّهَمَهُ فَقالَ: ما يَوْمٌ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ؟ قالَ: إنَّما سَألْتُكَ لِتُخْبِرَنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما يَوْمانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ في كِتابِهِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِهِما، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ في كِتابِ اللَّهِ ما لا أعْلَمُ، فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِن ضَرَباتِهِ حَتّى جَلَسْتُ إلى ابْنِ المُسَيَّبِ، فَسَألَهُ عَنْهُما إنْسانٌ فَلَمْ يُخْبِرْهُ ولَمْ يَدْرِ. فَقُلْتُ: ألا أُخْبِرُكَ بِما حَضَرْتُ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؟ قالَ: بَلى، فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ لِلسّائِلِ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ أبى أنْ يَقُولَ فِيها، وهو أعْلَمُ مِنِّي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ في مِقْدارِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى يَقْضِيَ بَيْنَ العِبادِ، فَيَنْزِلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، ولَوْ كانَ إلى غَيْرِهِ لَمْ يَفْرَغْ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ﴾ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومَسِيرَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قالَ: ما رَأيْتُ القِرَدَةَ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ، ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: أما إنَّ اسْتَ القِرَدَةِ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها، وقالَ: خَلَقَهُ: صُورَتُهُ. وقالَ: ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ القَبِيحُ، والحَسَنُ والعَقارِبُ والحَيّاتُ وكُلُّ شَيْءٍ مِمّا خَلَقَ، وغَيْرُهُ لا يُحْسِنُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذْ لَقِينا عَمْرَو بْنَ زُرارَةَ الأنْصارِيَّ في حُلَّةٍ قَدْ أسْبَلَ، فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِناحِيَةِ ثَوْبِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْمَشُ السّاقَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُسْبِلِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قالَ " «أبْصَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا قَدْ أسْبَلَ إزارَهُ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْنَفُ تَصْطَكُّ رُكْبَتايَ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ حَسَنٌ» .

السجدة 32:8

وهي مَكِّيَّةٌ كَما رَواهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ [السجدة: ١٨ ٢٠]، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، وقِيلَ: إلّا خَمْسَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ١٦ ٢٠] وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وأهْلِ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِـ الم تَنْزِلُ السَّجْدَةُ، و﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾» [الدهر: ١] . وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِهِ أيْضًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ ﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]» . وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ خَلْفَ العِشاءِ الأخِيرَةِ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وفي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١] كُتِبْنَ لَهُ كَأرْبَعِ رَكَعاتٍ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن قَرَأ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]، و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ فَكَأنَّما قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و" يس " و﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ كُنْ لَهُ نُورًا وحِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ، ورَفْعٌ في الدَّرَجاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ المُسَيِّبِ بْنِ رافِعٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ تَجِيءُ لَها جَناحانِ يَوْمَ القِيامَةِ تُظِلُّ صاحِبَها وتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: الم قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ وعَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. وارْتِفاعُ تَنْزِيلُ عَلى أنَّهُ خَبَّرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الم في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ " تَنْزِيلُ " عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لا رَيْبَ فِيهِ، ومِن رَبِّ العالَمِينَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ كُلُّها أخْبارًا لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ قَبْلَ " تَنْزِيلُ "، أوْ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ لا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ حُرُوفٌ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأحْسَنُ الوُجُوهِ أنْ تَكُونَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ الخَبَرُ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّ تَنْزِيلَ الكِتابِ المَتْلُوِّ لا رَيْبَ فِيهِ ولا شَكَّ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهانَةٍ ولا أساطِيرِ الأوَّلِينَ. و" أمْ " في ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ هو مُفْتَرًى، (p-١١٤٨)فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو مُعْتَقَدُ الكُفّارِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى ﴿افْتَراهُ﴾ افْتَعَلَهُ واخْتَلَقَهُ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ إلى بَيانِ ما هو الحَقُّ في شَأْنِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَكَذَّبَهم - سُبْحانَهُ - في دَعْوى الِافْتِراءِ، ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي كانَ التَّنْزِيلُ لِأجْلِها فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وهُمُ العَرَبُ وكانُوا أُمَّةً أُمَيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ، وقِيلَ: قُرَيْشٌ خاصَّةً، والمَفْعُولُ الثّانِي لِتُنْذِرَ مَحْذُوفٌ أيْ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ، وجُمْلَةُ ما أتاهم مِن نَذِيرٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ومِن قَبْلِكَ صِفَةٌ لِنَذِيرِ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً، والتَّقْدِيرُ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ الَّذِي أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ المُرادَ تَعْلِيلُ الإنْزالِ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَهُ، لا تَعْلِيلُهُ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ قَدْ أُنْذِرُوا بِما أنْذَرَهم بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ أهْلُ الفَتْرَةِ ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَهْتَدُوا أوْ كَيْ يَهْتَدُوا. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بينهما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمُرادُ مِن ذِكْرِها هُنا تَعْرِيفُهم كَمالَ قُدْرَتِهِ وعَظِيمَ صُنْعِهِ لِيَسْمَعُوا القُرْآنَ ويَتَأمَّلُوهُ، مَعْنى خَلَقَ: أوْجَدَ، وأبْدَعَ. قالَ الحَسَنُ: الأيّامُ هُنا هي مِن أيّامِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مِقْدارُ اليَوْمِ ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَعَلى هَذا المُرادُ بِالأيّامِ هُنا هي مِن أيّامِ الآخِرَةِ لا مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَيْسَتْ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مِن دُونِ عَذابِهِ مِن ولِيٍّ يُوالِيكم ويَرُدُّ عَنْكم عَذابَهُ ولا شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَكم عِنْدَهُ ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ تَذَكُّرَ تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ، وتَسْمَعُونَ هَذِهِ المَواعِظَ سَماعَ مَن يَفْهَمُ ويَعْقِلُ حَتّى تَنْتَفِعُوا بِها. ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما بَيَّنَ تَدْبِيرَهُ لِأمْرِها أيْ: يُحْكِمُ الأمْرَ بِقَضائِهِ وقَدْرِهِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والمَعْنى: يُنْزِلُ أمْرَهُ مِن أعْلى السَّماواتِ إلى أقْصى تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ومَسافَةُ ما بَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا والأرْضِ الَّتِي تَحْتَها نُزُولًا وطُلُوعًا ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمُورِ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ الأعْمالِ أيْ: يُنَزِّلُهُ مُدَبَّرًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ أحْكامُها وآثارُها إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يَنْزِلُ الوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ. وقِيلَ: العَرْشُ مَوْضِعُ التَّدْبِيرِ كَما أنَّ ما دُونَ العَرْشِ مَوْضِعُ التَّفْصِيلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ . . . . . . . . . . . . . . ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الرعد: ٢] وما دُونَ السَّماواتِ مَوْضِعُ التَّصَرُّفِ. قالَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠] ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - تَدْبِيرَ الأمْرِ قالَ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ: ثُمَّ يَرْجِعُ ذَلِكَ الأمْرُ ويَعُودُ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ مَسافَةِ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ والطُّلُوعِ مِنَ الأرْضِ كَما قَدَّمْنا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ حِينَ يَنْقَطِعُ أمْرُ الدُّنْيا ويَمُوتُ مَن فِيها. وقِيلَ: هي أخْبارُ أهْلِ الأرْضِ تَصْعَدُ إلَيْهِ مَعَ مَن يُرْسِلُهُ إلَيْها مِنَ المَلائِكَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُثْبِتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ ويَكْتُبُ في صُحُفِ مَلائِكَتِهِ ما عَمِلَهُ أهْلُ الأرْضِ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلى أنْ تَبْلُغَ مُدَّةُ الدُّنْيا آخِرَها. وقِيلَ: مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾: يَثْبُتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ هي مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ، والمُرادُ طُولُ امْتِدادِ ما بَيْنَ تَدْبِيرِ الحَوادِثِ وحُدُوثِها مِنَ الزَّمانِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الحَوادِثِ اليَوْمِيَّةِ بِإثْباتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَتَنْزِلُ بِها المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَتَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الأعْمالَ الَّتِي هي طاعاتٌ يُدَبِّرُها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ويَنْزِلُ بِها مَلائِكَتُهُ ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلى المَلِكِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِنَ السِّياقِ، وقَدْ جاءَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] والضَّمِيرُ في إلَيْهِ يَرْجِعُ إلى السَّماءِ عَلى لُغَةِ مَن يَذْكُرُها، أوْ إلى مَكانِ المَلِكِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ وهو الَّذِي أقَرَّهُ اللَّهُ فِيهِ. وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أمْرَ الشَّمْسِ في طُلُوعِها وغُرُوبِها ورُجُوعِها إلى مَوْضِعِها مِنَ الطُّلُوعِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ في المَسافَةِ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ المَلِكَ يَعْرُجُ إلى اللَّهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ لَوْ سارَهُ غَيْرُ المَلِكِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لَأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسافَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَمَسافَةُ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والرُّجُوعِ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ ألْفُ عامٍ، وقَدْ رَجَّحَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: مَسافَةُ النُّزُولِ ألْفُ سَنَةٍ ومَسافَةُ الطُّلُوعِ ألْفُ سَنَةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ. وهَذا اليَوْمُ هو عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ يَتَقَدَّرُ بِألْفِ سَنَةٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مُسَمّى اليَوْمِ الَّذِي هو مُدَّةُ النَّهارِ بَيْنَ لَيْلَتَيْنِ، والعَرَبُ قَدْ تُعَبِّرُ عَنِ المُدَّةِ بِاليَوْمِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْدِيبُ فَإنَّ الشّاعِرَ لَمْ يُرِدْ يَوْمَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ، وإنَّما أرادَ أنَّ زَمانَهم يَنْقَسِمُ شَطْرَيْنِ، فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّطْرَيْنِ بِيَوْمٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْرُجُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأصْلُ يُعْرَجُ بِهِ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجارِّ فاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ. وقَدِ اسْتَشْكَلَ جَماعَةٌ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] . فَقِيلَ: في الجَوابِ إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ صُعُوبَتِهِ وشِدَّةِ أهْوالِهِ عَلى الكُفّارِ كَخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، والعَرَبُ تَصِفُ كَثِيرًا يَوْمَ المَكْرُوهِ بِالطُّولِ كَما (p-١١٤٩)تَصِفُ يَوْمَ السُّرُورِ بِالقِصَرِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ويَوْمٌ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ ∗∗∗ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ويَوْمٌ كَإبْهامِ القِطَّةِ قَطَّعْتُهُ وقِيلَ: إنْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيهِ أيّامٌ، فَمِنها ما مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ، ومِنها ما مِقْدارُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: هي أوْقاتٌ مُخْتَلِفَةٌ يُعَذَّبُ الكافِرُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُنْقَلُ إلى نَوْعٍ آخَرَ، فَيُعَذَّبُ بِهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: مَواقِفُ القِيامَةِ خَمْسُونَ مَوْقِفًا كُلُّ مَوْقِفٍ ألْفُ سَنَةٍ، فَيَكُونُ مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في وقْتٍ مِن تِلْكَ الأوْقاتِ أوْ مَوْقِفٍ مِن تِلْكَ المَواقِفِ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ أنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] المَسافَةَ مِنَ الأرْضِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى الَّتِي هي مَقامُ جِبْرِيلَ، والمُرادُ أنَّهُ يَسِيرُ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ في مِقْدارِ يَوْمٍ واحِدٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ المَسافَةَ الَّتِي بَيْنَ الأرْضِ وبَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا هُبُوطًا وصُعُودًا فَإنَّها مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِدادِ نَفاذِ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَفَذَ أمْرُهُ غايَةَ النَّفاذِ في يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ وانْقَطَعَ لا يَكُونُ مِثْلَ مَن يَنْفُذُ أمْرُهُ في سِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ يَعْنِي يُدَبِّرُ الأمْرَ في زَمانٍ يَوْمٌ مِنهُ ألْفُ سَنَةٍ. فَكَمْ يَكُونُ الشَّهْرُ مِنهُ ؟ وكَمْ تَكُونُ السَّنَةُ مِنهُ ؟ وعَلى هَذا فَلا فَرْقَ بَيْنَ ألْفِ سَنَةٍ وبَيْنَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ وقَفَ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنِ الآيَتَيْنِ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مِمّا تَعُدُّونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِتِلْكَ الأوْصافِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيِ: العالِمُ بِما غابَ عَنِ الخَلْقِ وما حَضَرَهم. وفِي هَذا مَعْنى التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - إذا عَلِمَ بِما يَغِيبُ وما يَحْضُرُ، فَهو مُجازٍ لِكُلِّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. أوْ فَهو يُدَبِّرُ الأمْرَ بِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ العَزِيزُ القاهِرُ الغالِبُ الرَّحِيمُ بِعِبادِهِ، وهَذِهِ أخْبارٌ لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ هو خَبَرٌ آخَرُ. قَرَأ الجُمْهُورُ خَلَقَهُ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِإسْكانِها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو فِعْلٌ ماضٍ نَعْتًا لِشَيْءٍ، فَهو في مَحَلِّ جَرٍّ. وقَدِ اخْتارَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْمُضافِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، فَفي نَصْبِهِ أوْجُهٌ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن كُلِّ شَيْءٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا هو الوَجْهُ المَشْهُورُ عِنْدَ النُّحاةِ. الثّانِي أنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ ومَعْنى أحْسَنَ: حَسَّنَ، لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو مَخْلُوقٌ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، فَكُلُّ المَخْلُوقاتِ حَسَنَةٌ. الثّالِثُ أنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وخَلَقَهُ هو المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ أحْسَنَ مَعْنى أعْطى، والمَعْنى: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ الَّذِي خَصَّهُ بِهِ. وقِيلَ: عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى ألْهَمَ. قالَ الفَرّاءُ: ألْهَمَ خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. الرّابِعُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ أيْ: خَلَقَهُ خَلْقًا كَقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . والخامِسُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ في خَلْقِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ أتْقَنَ وأحْكَمَ خَلْقَ مَخْلُوقاتِهِ، فَبَعْضُ المَخْلُوقاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ حَسَنَةً في نَفْسِها، فَهي مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها مَعْنى﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقِ الإنْسانَ عَلى خَلْقِ البَهِيمَةِ ولا خَلَقَ البَهِيمَةَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ، وقِيلَ: هو عُمُومٌ في اللَّفْظِ خُصُوصٌ في المَعْنى: أيْ: أحْسَنَ خَلْقَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنٍ ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ يَعْنِي: آدَمَ خَلَقَهُ مِن طِينٍ فَصارَ عَلى صُورَةٍ بَدِيعَةٍ وشَكْلٍ حَسَنٍ. ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أيْ: ذُرِّيَّتَهُ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ سُمِّيَتِ الذُّرِّيَّةُ سُلالَةً لِأنَّها تُسَلُّ مِنَ الأصْلِ وتَنْفَصِلُ عَنْهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مِن ماءِ مُمْتَهَنٍ لا خَطَرَ لَهُ عِنْدَ النّاسِ وهو المَنِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: مِن ماءٍ ضَعِيفٍ. ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيِ: الإنْسانُ الَّذِي بَدَأ خَلْقَهُ مِن طِينٍ، وهو: آدَمُ، أوْ جَمِيعُ النَّوْعِ، والمُرادُ أنَّهُ عَدَّلَ خَلْقَهُ وسَوّى شَكْلَهُ وناسَبَ بَيْنَ أعْضائِهِ ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وهَذِهِ الإضافَةُ تُقَوِّي أنَّ الكَلامَ في آدَمَ لا في ذُرِّيَّتِهِ وإنْ أمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَمِيعِ. ثُمَّ خاطَبَ جَمِيعَ النَّوْعِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيْ: خَلَقَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ تَكْمِيلًا لِنِعْمَتِهِ عَلَيْكم وتَتْمِيمًا لِتَسْوِيَتِهِ لِخَلْقِكم حَتّى تَجْتَمِعَ لَكُمُ النِّعَمُ، فَتَسْمَعُونَ كُلَّ مَسْمُوعٍ وتُبْصِرُونَ كُلَّ مُبْصِرٍ، وتَتَعَقَّلُونَ كُلَّ مُتَعَقِّلٍ، وتَفْهَمُونَ كُلَّ ما يُفْهَمُ، وأفْرَدَ السَّمْعَ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، وخَصَّ السَّمْعَ بِذِكْرِ المَصْدَرِ دُونَ البَصَرِ والفُؤادَ فَذَكَرَهُما بِالِاسْمِ ولِهَذا جُمِعا، لِأنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها مَحَلٌّ واحِدٌ وهو الأُذُنُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ يَصِلُ إلَيْها ولا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ، ولا عَلى تَخْصِيصِ السَّمْعِ بِبَعْضِ المَسْمُوعاتِ دُونَ بَعْضٍ، بِخِلافِ الأبْصارِ فَمَحَلُّها العَيْنُ ولَهُ فِيهِ اخْتِيارٌ، فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبِ المَرْئِيِّ دُونَ غَيْرِهِ، وتُطْبِقُ أجْفانَها إذا لَمْ تُرِدِ الرُّؤْيَةَ لِشَيْءٍ؛ وكَذَلِكَ الفُؤادُ لَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ في إدْراكِهِ، فَيَتَعَقَّلُ هَذا دُونَ هَذا، ويُفْهَمُ هَذا دُونَ هَذا. قَرَأ الجُمْهُورُ " وبَدَأ " بِالهَمْزِ، والزُّهْرِيُّ بِألْفٍ خالِصَةٍ بِدُونِ هَمْزٍ، وانْتِصابُ ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا، أوْ صِفَةُ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. وفِي هَذا بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ لِنِعَمِ اللَّهِ، (p-١١٥٠)وتَرْكِهِمْ لِشُكْرِها إلّا فِيما نَدَرَ مِنَ الأحْوالِ. ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذِهِ الهَمْزَةِ وفي الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَها، والضَّلالُ الغَيْبُوبَةُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ في التُّرابِ إذا غابَ وبَطَلَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتّى خَفِيَ أثَرُهُ قَدْ ضَلَّ. ومِنهُ قَوْلٌ الأخْطَلِ: ؎كُنْتُ القَذى في مَوْجِ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِها فَضَلَّ ضَلالًا قالَ قُطْرُبٌ: مَعْنى ضَلَلْنا في الأرْضِ: غِبْنا في الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ضَلَلْنا " بِفَتْحِ ضادٍ مُعْجَمَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ بِمَعْنى ذَهَبْنا وضِعْنا وصِرْنا تُرابًا وغِبْنا عَنِ الأعْيُنِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو رَجاءٍ " ضَلَلْنا " بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةُ العالِيَةِ مِن نَجْدٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأهْلُ العالِيَةِ يَقُولُونَ ضَلَلْتُ بِالكَسْرِ. قالَ وأضَلَّهُ أيْ: أضاعَهُ وأهْلَكَهُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ إذا دُفِنَ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ وأبانُ بْنُ سَعِيدٍ " صَلَلْنا " بِصادٍ مُهْمَلَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ أيْ: أنْتَنّا. قالَ النَّحّاسُ: ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ صَلَلْنا، ولَكِنْ يُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: صَلَّ اللَّحْمُ يَصِلُّ بِالكَسْرِ صُلُولًا إذا أنْتَنَ، مَطْبُوخًا كانَ أوْ نَيِّئًا، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎ذاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذا قُدْرَةٍ ∗∗∗ لا يُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولُ ﴿أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: نُبْعَثُ ونَصِيرُ أحْياءً، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ. وهَذا قَوْلُ مُنْكِرِي البَعْثِ مِنَ الكُفّارِ، فَأضْرَبَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِإنْكارِ البَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِلِقاءِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ لَهُ مُكابَرَةً وعِنادًا، فَإنَّ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ المُبْتَدِئُ لِلْخَلْقِ يَسْتَلْزِمُ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ ويَرُدَّ عَلَيْهِمْ ما زَعَمُوهُ مِنَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم﴾ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ واسْتَوْفى رُوحَهُ إذا قَبَضَهُ إلَيْهِ، ومَلَكُ المَوْتِ هو عِزْرائِيلُ، ومَعْنى وُكِّلَ بِكم: وُكِّلَ بِقَبْضِ أرْواحِكم عِنْدَ حُضُورِ آجالِكم ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: تَصِيرُونَ إلَيْهِ أحْياءً بِالبَعْثِ والنُّشُورِ لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ الآيَةَ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ مَوْلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ فَيْرُوزَ: يا أبا عَبّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ اتَّهَمَهُ فَقالَ: ما يَوْمٌ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ؟ قالَ: إنَّما سَألْتُكَ لِتُخْبِرَنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما يَوْمانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ في كِتابِهِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِهِما، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ في كِتابِ اللَّهِ ما لا أعْلَمُ، فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِن ضَرَباتِهِ حَتّى جَلَسْتُ إلى ابْنِ المُسَيَّبِ، فَسَألَهُ عَنْهُما إنْسانٌ فَلَمْ يُخْبِرْهُ ولَمْ يَدْرِ. فَقُلْتُ: ألا أُخْبِرُكَ بِما حَضَرْتُ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؟ قالَ: بَلى، فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ لِلسّائِلِ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ أبى أنْ يَقُولَ فِيها، وهو أعْلَمُ مِنِّي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ في مِقْدارِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى يَقْضِيَ بَيْنَ العِبادِ، فَيَنْزِلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، ولَوْ كانَ إلى غَيْرِهِ لَمْ يَفْرَغْ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ﴾ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومَسِيرَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قالَ: ما رَأيْتُ القِرَدَةَ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ، ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: أما إنَّ اسْتَ القِرَدَةِ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها، وقالَ: خَلَقَهُ: صُورَتُهُ. وقالَ: ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ القَبِيحُ، والحَسَنُ والعَقارِبُ والحَيّاتُ وكُلُّ شَيْءٍ مِمّا خَلَقَ، وغَيْرُهُ لا يُحْسِنُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذْ لَقِينا عَمْرَو بْنَ زُرارَةَ الأنْصارِيَّ في حُلَّةٍ قَدْ أسْبَلَ، فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِناحِيَةِ ثَوْبِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْمَشُ السّاقَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُسْبِلِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قالَ " «أبْصَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا قَدْ أسْبَلَ إزارَهُ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْنَفُ تَصْطَكُّ رُكْبَتايَ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ حَسَنٌ» .

السجدة 32:9

وهي مَكِّيَّةٌ كَما رَواهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ [السجدة: ١٨ ٢٠]، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، وقِيلَ: إلّا خَمْسَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ١٦ ٢٠] وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وأهْلِ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِـ الم تَنْزِلُ السَّجْدَةُ، و﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾» [الدهر: ١] . وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِهِ أيْضًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ ﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]» . وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ خَلْفَ العِشاءِ الأخِيرَةِ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وفي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١] كُتِبْنَ لَهُ كَأرْبَعِ رَكَعاتٍ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن قَرَأ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]، و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ فَكَأنَّما قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و" يس " و﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ كُنْ لَهُ نُورًا وحِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ، ورَفْعٌ في الدَّرَجاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ المُسَيِّبِ بْنِ رافِعٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ تَجِيءُ لَها جَناحانِ يَوْمَ القِيامَةِ تُظِلُّ صاحِبَها وتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: الم قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ وعَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. وارْتِفاعُ تَنْزِيلُ عَلى أنَّهُ خَبَّرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الم في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ " تَنْزِيلُ " عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لا رَيْبَ فِيهِ، ومِن رَبِّ العالَمِينَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ كُلُّها أخْبارًا لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ قَبْلَ " تَنْزِيلُ "، أوْ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ لا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ حُرُوفٌ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأحْسَنُ الوُجُوهِ أنْ تَكُونَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ الخَبَرُ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّ تَنْزِيلَ الكِتابِ المَتْلُوِّ لا رَيْبَ فِيهِ ولا شَكَّ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهانَةٍ ولا أساطِيرِ الأوَّلِينَ. و" أمْ " في ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ هو مُفْتَرًى، (p-١١٤٨)فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو مُعْتَقَدُ الكُفّارِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى ﴿افْتَراهُ﴾ افْتَعَلَهُ واخْتَلَقَهُ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ إلى بَيانِ ما هو الحَقُّ في شَأْنِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَكَذَّبَهم - سُبْحانَهُ - في دَعْوى الِافْتِراءِ، ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي كانَ التَّنْزِيلُ لِأجْلِها فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وهُمُ العَرَبُ وكانُوا أُمَّةً أُمَيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ، وقِيلَ: قُرَيْشٌ خاصَّةً، والمَفْعُولُ الثّانِي لِتُنْذِرَ مَحْذُوفٌ أيْ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ، وجُمْلَةُ ما أتاهم مِن نَذِيرٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ومِن قَبْلِكَ صِفَةٌ لِنَذِيرِ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً، والتَّقْدِيرُ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ الَّذِي أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ المُرادَ تَعْلِيلُ الإنْزالِ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَهُ، لا تَعْلِيلُهُ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ قَدْ أُنْذِرُوا بِما أنْذَرَهم بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ أهْلُ الفَتْرَةِ ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَهْتَدُوا أوْ كَيْ يَهْتَدُوا. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بينهما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمُرادُ مِن ذِكْرِها هُنا تَعْرِيفُهم كَمالَ قُدْرَتِهِ وعَظِيمَ صُنْعِهِ لِيَسْمَعُوا القُرْآنَ ويَتَأمَّلُوهُ، مَعْنى خَلَقَ: أوْجَدَ، وأبْدَعَ. قالَ الحَسَنُ: الأيّامُ هُنا هي مِن أيّامِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مِقْدارُ اليَوْمِ ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَعَلى هَذا المُرادُ بِالأيّامِ هُنا هي مِن أيّامِ الآخِرَةِ لا مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَيْسَتْ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مِن دُونِ عَذابِهِ مِن ولِيٍّ يُوالِيكم ويَرُدُّ عَنْكم عَذابَهُ ولا شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَكم عِنْدَهُ ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ تَذَكُّرَ تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ، وتَسْمَعُونَ هَذِهِ المَواعِظَ سَماعَ مَن يَفْهَمُ ويَعْقِلُ حَتّى تَنْتَفِعُوا بِها. ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما بَيَّنَ تَدْبِيرَهُ لِأمْرِها أيْ: يُحْكِمُ الأمْرَ بِقَضائِهِ وقَدْرِهِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والمَعْنى: يُنْزِلُ أمْرَهُ مِن أعْلى السَّماواتِ إلى أقْصى تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ومَسافَةُ ما بَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا والأرْضِ الَّتِي تَحْتَها نُزُولًا وطُلُوعًا ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمُورِ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ الأعْمالِ أيْ: يُنَزِّلُهُ مُدَبَّرًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ أحْكامُها وآثارُها إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يَنْزِلُ الوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ. وقِيلَ: العَرْشُ مَوْضِعُ التَّدْبِيرِ كَما أنَّ ما دُونَ العَرْشِ مَوْضِعُ التَّفْصِيلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ . . . . . . . . . . . . . . ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الرعد: ٢] وما دُونَ السَّماواتِ مَوْضِعُ التَّصَرُّفِ. قالَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠] ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - تَدْبِيرَ الأمْرِ قالَ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ: ثُمَّ يَرْجِعُ ذَلِكَ الأمْرُ ويَعُودُ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ مَسافَةِ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ والطُّلُوعِ مِنَ الأرْضِ كَما قَدَّمْنا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ حِينَ يَنْقَطِعُ أمْرُ الدُّنْيا ويَمُوتُ مَن فِيها. وقِيلَ: هي أخْبارُ أهْلِ الأرْضِ تَصْعَدُ إلَيْهِ مَعَ مَن يُرْسِلُهُ إلَيْها مِنَ المَلائِكَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُثْبِتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ ويَكْتُبُ في صُحُفِ مَلائِكَتِهِ ما عَمِلَهُ أهْلُ الأرْضِ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلى أنْ تَبْلُغَ مُدَّةُ الدُّنْيا آخِرَها. وقِيلَ: مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾: يَثْبُتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ هي مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ، والمُرادُ طُولُ امْتِدادِ ما بَيْنَ تَدْبِيرِ الحَوادِثِ وحُدُوثِها مِنَ الزَّمانِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الحَوادِثِ اليَوْمِيَّةِ بِإثْباتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَتَنْزِلُ بِها المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَتَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الأعْمالَ الَّتِي هي طاعاتٌ يُدَبِّرُها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ويَنْزِلُ بِها مَلائِكَتُهُ ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلى المَلِكِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِنَ السِّياقِ، وقَدْ جاءَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] والضَّمِيرُ في إلَيْهِ يَرْجِعُ إلى السَّماءِ عَلى لُغَةِ مَن يَذْكُرُها، أوْ إلى مَكانِ المَلِكِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ وهو الَّذِي أقَرَّهُ اللَّهُ فِيهِ. وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أمْرَ الشَّمْسِ في طُلُوعِها وغُرُوبِها ورُجُوعِها إلى مَوْضِعِها مِنَ الطُّلُوعِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ في المَسافَةِ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ المَلِكَ يَعْرُجُ إلى اللَّهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ لَوْ سارَهُ غَيْرُ المَلِكِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لَأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسافَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَمَسافَةُ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والرُّجُوعِ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ ألْفُ عامٍ، وقَدْ رَجَّحَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: مَسافَةُ النُّزُولِ ألْفُ سَنَةٍ ومَسافَةُ الطُّلُوعِ ألْفُ سَنَةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ. وهَذا اليَوْمُ هو عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ يَتَقَدَّرُ بِألْفِ سَنَةٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مُسَمّى اليَوْمِ الَّذِي هو مُدَّةُ النَّهارِ بَيْنَ لَيْلَتَيْنِ، والعَرَبُ قَدْ تُعَبِّرُ عَنِ المُدَّةِ بِاليَوْمِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْدِيبُ فَإنَّ الشّاعِرَ لَمْ يُرِدْ يَوْمَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ، وإنَّما أرادَ أنَّ زَمانَهم يَنْقَسِمُ شَطْرَيْنِ، فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّطْرَيْنِ بِيَوْمٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْرُجُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأصْلُ يُعْرَجُ بِهِ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجارِّ فاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ. وقَدِ اسْتَشْكَلَ جَماعَةٌ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] . فَقِيلَ: في الجَوابِ إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ صُعُوبَتِهِ وشِدَّةِ أهْوالِهِ عَلى الكُفّارِ كَخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، والعَرَبُ تَصِفُ كَثِيرًا يَوْمَ المَكْرُوهِ بِالطُّولِ كَما (p-١١٤٩)تَصِفُ يَوْمَ السُّرُورِ بِالقِصَرِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ويَوْمٌ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ ∗∗∗ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ويَوْمٌ كَإبْهامِ القِطَّةِ قَطَّعْتُهُ وقِيلَ: إنْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيهِ أيّامٌ، فَمِنها ما مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ، ومِنها ما مِقْدارُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: هي أوْقاتٌ مُخْتَلِفَةٌ يُعَذَّبُ الكافِرُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُنْقَلُ إلى نَوْعٍ آخَرَ، فَيُعَذَّبُ بِهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: مَواقِفُ القِيامَةِ خَمْسُونَ مَوْقِفًا كُلُّ مَوْقِفٍ ألْفُ سَنَةٍ، فَيَكُونُ مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في وقْتٍ مِن تِلْكَ الأوْقاتِ أوْ مَوْقِفٍ مِن تِلْكَ المَواقِفِ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ أنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] المَسافَةَ مِنَ الأرْضِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى الَّتِي هي مَقامُ جِبْرِيلَ، والمُرادُ أنَّهُ يَسِيرُ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ في مِقْدارِ يَوْمٍ واحِدٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ المَسافَةَ الَّتِي بَيْنَ الأرْضِ وبَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا هُبُوطًا وصُعُودًا فَإنَّها مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِدادِ نَفاذِ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَفَذَ أمْرُهُ غايَةَ النَّفاذِ في يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ وانْقَطَعَ لا يَكُونُ مِثْلَ مَن يَنْفُذُ أمْرُهُ في سِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ يَعْنِي يُدَبِّرُ الأمْرَ في زَمانٍ يَوْمٌ مِنهُ ألْفُ سَنَةٍ. فَكَمْ يَكُونُ الشَّهْرُ مِنهُ ؟ وكَمْ تَكُونُ السَّنَةُ مِنهُ ؟ وعَلى هَذا فَلا فَرْقَ بَيْنَ ألْفِ سَنَةٍ وبَيْنَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ وقَفَ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنِ الآيَتَيْنِ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مِمّا تَعُدُّونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِتِلْكَ الأوْصافِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيِ: العالِمُ بِما غابَ عَنِ الخَلْقِ وما حَضَرَهم. وفِي هَذا مَعْنى التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - إذا عَلِمَ بِما يَغِيبُ وما يَحْضُرُ، فَهو مُجازٍ لِكُلِّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. أوْ فَهو يُدَبِّرُ الأمْرَ بِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ العَزِيزُ القاهِرُ الغالِبُ الرَّحِيمُ بِعِبادِهِ، وهَذِهِ أخْبارٌ لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ هو خَبَرٌ آخَرُ. قَرَأ الجُمْهُورُ خَلَقَهُ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِإسْكانِها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو فِعْلٌ ماضٍ نَعْتًا لِشَيْءٍ، فَهو في مَحَلِّ جَرٍّ. وقَدِ اخْتارَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْمُضافِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، فَفي نَصْبِهِ أوْجُهٌ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن كُلِّ شَيْءٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا هو الوَجْهُ المَشْهُورُ عِنْدَ النُّحاةِ. الثّانِي أنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ ومَعْنى أحْسَنَ: حَسَّنَ، لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو مَخْلُوقٌ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، فَكُلُّ المَخْلُوقاتِ حَسَنَةٌ. الثّالِثُ أنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وخَلَقَهُ هو المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ أحْسَنَ مَعْنى أعْطى، والمَعْنى: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ الَّذِي خَصَّهُ بِهِ. وقِيلَ: عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى ألْهَمَ. قالَ الفَرّاءُ: ألْهَمَ خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. الرّابِعُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ أيْ: خَلَقَهُ خَلْقًا كَقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . والخامِسُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ في خَلْقِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ أتْقَنَ وأحْكَمَ خَلْقَ مَخْلُوقاتِهِ، فَبَعْضُ المَخْلُوقاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ حَسَنَةً في نَفْسِها، فَهي مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها مَعْنى﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقِ الإنْسانَ عَلى خَلْقِ البَهِيمَةِ ولا خَلَقَ البَهِيمَةَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ، وقِيلَ: هو عُمُومٌ في اللَّفْظِ خُصُوصٌ في المَعْنى: أيْ: أحْسَنَ خَلْقَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنٍ ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ يَعْنِي: آدَمَ خَلَقَهُ مِن طِينٍ فَصارَ عَلى صُورَةٍ بَدِيعَةٍ وشَكْلٍ حَسَنٍ. ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أيْ: ذُرِّيَّتَهُ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ سُمِّيَتِ الذُّرِّيَّةُ سُلالَةً لِأنَّها تُسَلُّ مِنَ الأصْلِ وتَنْفَصِلُ عَنْهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مِن ماءِ مُمْتَهَنٍ لا خَطَرَ لَهُ عِنْدَ النّاسِ وهو المَنِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: مِن ماءٍ ضَعِيفٍ. ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيِ: الإنْسانُ الَّذِي بَدَأ خَلْقَهُ مِن طِينٍ، وهو: آدَمُ، أوْ جَمِيعُ النَّوْعِ، والمُرادُ أنَّهُ عَدَّلَ خَلْقَهُ وسَوّى شَكْلَهُ وناسَبَ بَيْنَ أعْضائِهِ ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وهَذِهِ الإضافَةُ تُقَوِّي أنَّ الكَلامَ في آدَمَ لا في ذُرِّيَّتِهِ وإنْ أمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَمِيعِ. ثُمَّ خاطَبَ جَمِيعَ النَّوْعِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيْ: خَلَقَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ تَكْمِيلًا لِنِعْمَتِهِ عَلَيْكم وتَتْمِيمًا لِتَسْوِيَتِهِ لِخَلْقِكم حَتّى تَجْتَمِعَ لَكُمُ النِّعَمُ، فَتَسْمَعُونَ كُلَّ مَسْمُوعٍ وتُبْصِرُونَ كُلَّ مُبْصِرٍ، وتَتَعَقَّلُونَ كُلَّ مُتَعَقِّلٍ، وتَفْهَمُونَ كُلَّ ما يُفْهَمُ، وأفْرَدَ السَّمْعَ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، وخَصَّ السَّمْعَ بِذِكْرِ المَصْدَرِ دُونَ البَصَرِ والفُؤادَ فَذَكَرَهُما بِالِاسْمِ ولِهَذا جُمِعا، لِأنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها مَحَلٌّ واحِدٌ وهو الأُذُنُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ يَصِلُ إلَيْها ولا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ، ولا عَلى تَخْصِيصِ السَّمْعِ بِبَعْضِ المَسْمُوعاتِ دُونَ بَعْضٍ، بِخِلافِ الأبْصارِ فَمَحَلُّها العَيْنُ ولَهُ فِيهِ اخْتِيارٌ، فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبِ المَرْئِيِّ دُونَ غَيْرِهِ، وتُطْبِقُ أجْفانَها إذا لَمْ تُرِدِ الرُّؤْيَةَ لِشَيْءٍ؛ وكَذَلِكَ الفُؤادُ لَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ في إدْراكِهِ، فَيَتَعَقَّلُ هَذا دُونَ هَذا، ويُفْهَمُ هَذا دُونَ هَذا. قَرَأ الجُمْهُورُ " وبَدَأ " بِالهَمْزِ، والزُّهْرِيُّ بِألْفٍ خالِصَةٍ بِدُونِ هَمْزٍ، وانْتِصابُ ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا، أوْ صِفَةُ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. وفِي هَذا بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ لِنِعَمِ اللَّهِ، (p-١١٥٠)وتَرْكِهِمْ لِشُكْرِها إلّا فِيما نَدَرَ مِنَ الأحْوالِ. ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذِهِ الهَمْزَةِ وفي الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَها، والضَّلالُ الغَيْبُوبَةُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ في التُّرابِ إذا غابَ وبَطَلَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتّى خَفِيَ أثَرُهُ قَدْ ضَلَّ. ومِنهُ قَوْلٌ الأخْطَلِ: ؎كُنْتُ القَذى في مَوْجِ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِها فَضَلَّ ضَلالًا قالَ قُطْرُبٌ: مَعْنى ضَلَلْنا في الأرْضِ: غِبْنا في الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ضَلَلْنا " بِفَتْحِ ضادٍ مُعْجَمَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ بِمَعْنى ذَهَبْنا وضِعْنا وصِرْنا تُرابًا وغِبْنا عَنِ الأعْيُنِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو رَجاءٍ " ضَلَلْنا " بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةُ العالِيَةِ مِن نَجْدٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأهْلُ العالِيَةِ يَقُولُونَ ضَلَلْتُ بِالكَسْرِ. قالَ وأضَلَّهُ أيْ: أضاعَهُ وأهْلَكَهُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ إذا دُفِنَ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ وأبانُ بْنُ سَعِيدٍ " صَلَلْنا " بِصادٍ مُهْمَلَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ أيْ: أنْتَنّا. قالَ النَّحّاسُ: ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ صَلَلْنا، ولَكِنْ يُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: صَلَّ اللَّحْمُ يَصِلُّ بِالكَسْرِ صُلُولًا إذا أنْتَنَ، مَطْبُوخًا كانَ أوْ نَيِّئًا، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎ذاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذا قُدْرَةٍ ∗∗∗ لا يُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولُ ﴿أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: نُبْعَثُ ونَصِيرُ أحْياءً، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ. وهَذا قَوْلُ مُنْكِرِي البَعْثِ مِنَ الكُفّارِ، فَأضْرَبَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِإنْكارِ البَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِلِقاءِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ لَهُ مُكابَرَةً وعِنادًا، فَإنَّ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ المُبْتَدِئُ لِلْخَلْقِ يَسْتَلْزِمُ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ ويَرُدَّ عَلَيْهِمْ ما زَعَمُوهُ مِنَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم﴾ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ واسْتَوْفى رُوحَهُ إذا قَبَضَهُ إلَيْهِ، ومَلَكُ المَوْتِ هو عِزْرائِيلُ، ومَعْنى وُكِّلَ بِكم: وُكِّلَ بِقَبْضِ أرْواحِكم عِنْدَ حُضُورِ آجالِكم ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: تَصِيرُونَ إلَيْهِ أحْياءً بِالبَعْثِ والنُّشُورِ لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ الآيَةَ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ مَوْلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ فَيْرُوزَ: يا أبا عَبّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ اتَّهَمَهُ فَقالَ: ما يَوْمٌ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ؟ قالَ: إنَّما سَألْتُكَ لِتُخْبِرَنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما يَوْمانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ في كِتابِهِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِهِما، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ في كِتابِ اللَّهِ ما لا أعْلَمُ، فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِن ضَرَباتِهِ حَتّى جَلَسْتُ إلى ابْنِ المُسَيَّبِ، فَسَألَهُ عَنْهُما إنْسانٌ فَلَمْ يُخْبِرْهُ ولَمْ يَدْرِ. فَقُلْتُ: ألا أُخْبِرُكَ بِما حَضَرْتُ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؟ قالَ: بَلى، فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ لِلسّائِلِ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ أبى أنْ يَقُولَ فِيها، وهو أعْلَمُ مِنِّي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ في مِقْدارِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى يَقْضِيَ بَيْنَ العِبادِ، فَيَنْزِلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، ولَوْ كانَ إلى غَيْرِهِ لَمْ يَفْرَغْ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ﴾ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومَسِيرَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قالَ: ما رَأيْتُ القِرَدَةَ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ، ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: أما إنَّ اسْتَ القِرَدَةِ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها، وقالَ: خَلَقَهُ: صُورَتُهُ. وقالَ: ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ القَبِيحُ، والحَسَنُ والعَقارِبُ والحَيّاتُ وكُلُّ شَيْءٍ مِمّا خَلَقَ، وغَيْرُهُ لا يُحْسِنُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذْ لَقِينا عَمْرَو بْنَ زُرارَةَ الأنْصارِيَّ في حُلَّةٍ قَدْ أسْبَلَ، فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِناحِيَةِ ثَوْبِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْمَشُ السّاقَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُسْبِلِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قالَ " «أبْصَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا قَدْ أسْبَلَ إزارَهُ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْنَفُ تَصْطَكُّ رُكْبَتايَ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ حَسَنٌ» .

السجدة 32:10

وهي مَكِّيَّةٌ كَما رَواهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ [السجدة: ١٨ ٢٠]، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، وقِيلَ: إلّا خَمْسَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ١٦ ٢٠] وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وأهْلِ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِـ الم تَنْزِلُ السَّجْدَةُ، و﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾» [الدهر: ١] . وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِهِ أيْضًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ ﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]» . وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ خَلْفَ العِشاءِ الأخِيرَةِ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وفي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١] كُتِبْنَ لَهُ كَأرْبَعِ رَكَعاتٍ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن قَرَأ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]، و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ فَكَأنَّما قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و" يس " و﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ كُنْ لَهُ نُورًا وحِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ، ورَفْعٌ في الدَّرَجاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ المُسَيِّبِ بْنِ رافِعٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ تَجِيءُ لَها جَناحانِ يَوْمَ القِيامَةِ تُظِلُّ صاحِبَها وتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: الم قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ وعَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. وارْتِفاعُ تَنْزِيلُ عَلى أنَّهُ خَبَّرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الم في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ " تَنْزِيلُ " عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لا رَيْبَ فِيهِ، ومِن رَبِّ العالَمِينَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ كُلُّها أخْبارًا لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ قَبْلَ " تَنْزِيلُ "، أوْ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ لا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ حُرُوفٌ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأحْسَنُ الوُجُوهِ أنْ تَكُونَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ الخَبَرُ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّ تَنْزِيلَ الكِتابِ المَتْلُوِّ لا رَيْبَ فِيهِ ولا شَكَّ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهانَةٍ ولا أساطِيرِ الأوَّلِينَ. و" أمْ " في ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ هو مُفْتَرًى، (p-١١٤٨)فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو مُعْتَقَدُ الكُفّارِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى ﴿افْتَراهُ﴾ افْتَعَلَهُ واخْتَلَقَهُ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ إلى بَيانِ ما هو الحَقُّ في شَأْنِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَكَذَّبَهم - سُبْحانَهُ - في دَعْوى الِافْتِراءِ، ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي كانَ التَّنْزِيلُ لِأجْلِها فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وهُمُ العَرَبُ وكانُوا أُمَّةً أُمَيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ، وقِيلَ: قُرَيْشٌ خاصَّةً، والمَفْعُولُ الثّانِي لِتُنْذِرَ مَحْذُوفٌ أيْ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ، وجُمْلَةُ ما أتاهم مِن نَذِيرٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ومِن قَبْلِكَ صِفَةٌ لِنَذِيرِ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً، والتَّقْدِيرُ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ الَّذِي أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ المُرادَ تَعْلِيلُ الإنْزالِ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَهُ، لا تَعْلِيلُهُ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ قَدْ أُنْذِرُوا بِما أنْذَرَهم بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ أهْلُ الفَتْرَةِ ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَهْتَدُوا أوْ كَيْ يَهْتَدُوا. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بينهما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمُرادُ مِن ذِكْرِها هُنا تَعْرِيفُهم كَمالَ قُدْرَتِهِ وعَظِيمَ صُنْعِهِ لِيَسْمَعُوا القُرْآنَ ويَتَأمَّلُوهُ، مَعْنى خَلَقَ: أوْجَدَ، وأبْدَعَ. قالَ الحَسَنُ: الأيّامُ هُنا هي مِن أيّامِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مِقْدارُ اليَوْمِ ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَعَلى هَذا المُرادُ بِالأيّامِ هُنا هي مِن أيّامِ الآخِرَةِ لا مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَيْسَتْ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مِن دُونِ عَذابِهِ مِن ولِيٍّ يُوالِيكم ويَرُدُّ عَنْكم عَذابَهُ ولا شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَكم عِنْدَهُ ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ تَذَكُّرَ تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ، وتَسْمَعُونَ هَذِهِ المَواعِظَ سَماعَ مَن يَفْهَمُ ويَعْقِلُ حَتّى تَنْتَفِعُوا بِها. ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما بَيَّنَ تَدْبِيرَهُ لِأمْرِها أيْ: يُحْكِمُ الأمْرَ بِقَضائِهِ وقَدْرِهِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والمَعْنى: يُنْزِلُ أمْرَهُ مِن أعْلى السَّماواتِ إلى أقْصى تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ومَسافَةُ ما بَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا والأرْضِ الَّتِي تَحْتَها نُزُولًا وطُلُوعًا ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمُورِ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ الأعْمالِ أيْ: يُنَزِّلُهُ مُدَبَّرًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ أحْكامُها وآثارُها إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يَنْزِلُ الوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ. وقِيلَ: العَرْشُ مَوْضِعُ التَّدْبِيرِ كَما أنَّ ما دُونَ العَرْشِ مَوْضِعُ التَّفْصِيلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ . . . . . . . . . . . . . . ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الرعد: ٢] وما دُونَ السَّماواتِ مَوْضِعُ التَّصَرُّفِ. قالَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠] ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - تَدْبِيرَ الأمْرِ قالَ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ: ثُمَّ يَرْجِعُ ذَلِكَ الأمْرُ ويَعُودُ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ مَسافَةِ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ والطُّلُوعِ مِنَ الأرْضِ كَما قَدَّمْنا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ حِينَ يَنْقَطِعُ أمْرُ الدُّنْيا ويَمُوتُ مَن فِيها. وقِيلَ: هي أخْبارُ أهْلِ الأرْضِ تَصْعَدُ إلَيْهِ مَعَ مَن يُرْسِلُهُ إلَيْها مِنَ المَلائِكَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُثْبِتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ ويَكْتُبُ في صُحُفِ مَلائِكَتِهِ ما عَمِلَهُ أهْلُ الأرْضِ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلى أنْ تَبْلُغَ مُدَّةُ الدُّنْيا آخِرَها. وقِيلَ: مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾: يَثْبُتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ هي مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ، والمُرادُ طُولُ امْتِدادِ ما بَيْنَ تَدْبِيرِ الحَوادِثِ وحُدُوثِها مِنَ الزَّمانِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الحَوادِثِ اليَوْمِيَّةِ بِإثْباتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَتَنْزِلُ بِها المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَتَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الأعْمالَ الَّتِي هي طاعاتٌ يُدَبِّرُها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ويَنْزِلُ بِها مَلائِكَتُهُ ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلى المَلِكِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِنَ السِّياقِ، وقَدْ جاءَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] والضَّمِيرُ في إلَيْهِ يَرْجِعُ إلى السَّماءِ عَلى لُغَةِ مَن يَذْكُرُها، أوْ إلى مَكانِ المَلِكِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ وهو الَّذِي أقَرَّهُ اللَّهُ فِيهِ. وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أمْرَ الشَّمْسِ في طُلُوعِها وغُرُوبِها ورُجُوعِها إلى مَوْضِعِها مِنَ الطُّلُوعِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ في المَسافَةِ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ المَلِكَ يَعْرُجُ إلى اللَّهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ لَوْ سارَهُ غَيْرُ المَلِكِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لَأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسافَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَمَسافَةُ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والرُّجُوعِ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ ألْفُ عامٍ، وقَدْ رَجَّحَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: مَسافَةُ النُّزُولِ ألْفُ سَنَةٍ ومَسافَةُ الطُّلُوعِ ألْفُ سَنَةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ. وهَذا اليَوْمُ هو عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ يَتَقَدَّرُ بِألْفِ سَنَةٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مُسَمّى اليَوْمِ الَّذِي هو مُدَّةُ النَّهارِ بَيْنَ لَيْلَتَيْنِ، والعَرَبُ قَدْ تُعَبِّرُ عَنِ المُدَّةِ بِاليَوْمِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْدِيبُ فَإنَّ الشّاعِرَ لَمْ يُرِدْ يَوْمَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ، وإنَّما أرادَ أنَّ زَمانَهم يَنْقَسِمُ شَطْرَيْنِ، فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّطْرَيْنِ بِيَوْمٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْرُجُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأصْلُ يُعْرَجُ بِهِ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجارِّ فاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ. وقَدِ اسْتَشْكَلَ جَماعَةٌ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] . فَقِيلَ: في الجَوابِ إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ صُعُوبَتِهِ وشِدَّةِ أهْوالِهِ عَلى الكُفّارِ كَخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، والعَرَبُ تَصِفُ كَثِيرًا يَوْمَ المَكْرُوهِ بِالطُّولِ كَما (p-١١٤٩)تَصِفُ يَوْمَ السُّرُورِ بِالقِصَرِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ويَوْمٌ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ ∗∗∗ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ويَوْمٌ كَإبْهامِ القِطَّةِ قَطَّعْتُهُ وقِيلَ: إنْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيهِ أيّامٌ، فَمِنها ما مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ، ومِنها ما مِقْدارُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: هي أوْقاتٌ مُخْتَلِفَةٌ يُعَذَّبُ الكافِرُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُنْقَلُ إلى نَوْعٍ آخَرَ، فَيُعَذَّبُ بِهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: مَواقِفُ القِيامَةِ خَمْسُونَ مَوْقِفًا كُلُّ مَوْقِفٍ ألْفُ سَنَةٍ، فَيَكُونُ مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في وقْتٍ مِن تِلْكَ الأوْقاتِ أوْ مَوْقِفٍ مِن تِلْكَ المَواقِفِ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ أنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] المَسافَةَ مِنَ الأرْضِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى الَّتِي هي مَقامُ جِبْرِيلَ، والمُرادُ أنَّهُ يَسِيرُ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ في مِقْدارِ يَوْمٍ واحِدٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ المَسافَةَ الَّتِي بَيْنَ الأرْضِ وبَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا هُبُوطًا وصُعُودًا فَإنَّها مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِدادِ نَفاذِ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَفَذَ أمْرُهُ غايَةَ النَّفاذِ في يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ وانْقَطَعَ لا يَكُونُ مِثْلَ مَن يَنْفُذُ أمْرُهُ في سِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ يَعْنِي يُدَبِّرُ الأمْرَ في زَمانٍ يَوْمٌ مِنهُ ألْفُ سَنَةٍ. فَكَمْ يَكُونُ الشَّهْرُ مِنهُ ؟ وكَمْ تَكُونُ السَّنَةُ مِنهُ ؟ وعَلى هَذا فَلا فَرْقَ بَيْنَ ألْفِ سَنَةٍ وبَيْنَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ وقَفَ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنِ الآيَتَيْنِ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مِمّا تَعُدُّونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِتِلْكَ الأوْصافِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيِ: العالِمُ بِما غابَ عَنِ الخَلْقِ وما حَضَرَهم. وفِي هَذا مَعْنى التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - إذا عَلِمَ بِما يَغِيبُ وما يَحْضُرُ، فَهو مُجازٍ لِكُلِّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. أوْ فَهو يُدَبِّرُ الأمْرَ بِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ العَزِيزُ القاهِرُ الغالِبُ الرَّحِيمُ بِعِبادِهِ، وهَذِهِ أخْبارٌ لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ هو خَبَرٌ آخَرُ. قَرَأ الجُمْهُورُ خَلَقَهُ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِإسْكانِها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو فِعْلٌ ماضٍ نَعْتًا لِشَيْءٍ، فَهو في مَحَلِّ جَرٍّ. وقَدِ اخْتارَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْمُضافِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، فَفي نَصْبِهِ أوْجُهٌ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن كُلِّ شَيْءٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا هو الوَجْهُ المَشْهُورُ عِنْدَ النُّحاةِ. الثّانِي أنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ ومَعْنى أحْسَنَ: حَسَّنَ، لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو مَخْلُوقٌ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، فَكُلُّ المَخْلُوقاتِ حَسَنَةٌ. الثّالِثُ أنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وخَلَقَهُ هو المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ أحْسَنَ مَعْنى أعْطى، والمَعْنى: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ الَّذِي خَصَّهُ بِهِ. وقِيلَ: عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى ألْهَمَ. قالَ الفَرّاءُ: ألْهَمَ خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. الرّابِعُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ أيْ: خَلَقَهُ خَلْقًا كَقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . والخامِسُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ في خَلْقِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ أتْقَنَ وأحْكَمَ خَلْقَ مَخْلُوقاتِهِ، فَبَعْضُ المَخْلُوقاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ حَسَنَةً في نَفْسِها، فَهي مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها مَعْنى﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقِ الإنْسانَ عَلى خَلْقِ البَهِيمَةِ ولا خَلَقَ البَهِيمَةَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ، وقِيلَ: هو عُمُومٌ في اللَّفْظِ خُصُوصٌ في المَعْنى: أيْ: أحْسَنَ خَلْقَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنٍ ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ يَعْنِي: آدَمَ خَلَقَهُ مِن طِينٍ فَصارَ عَلى صُورَةٍ بَدِيعَةٍ وشَكْلٍ حَسَنٍ. ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أيْ: ذُرِّيَّتَهُ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ سُمِّيَتِ الذُّرِّيَّةُ سُلالَةً لِأنَّها تُسَلُّ مِنَ الأصْلِ وتَنْفَصِلُ عَنْهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مِن ماءِ مُمْتَهَنٍ لا خَطَرَ لَهُ عِنْدَ النّاسِ وهو المَنِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: مِن ماءٍ ضَعِيفٍ. ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيِ: الإنْسانُ الَّذِي بَدَأ خَلْقَهُ مِن طِينٍ، وهو: آدَمُ، أوْ جَمِيعُ النَّوْعِ، والمُرادُ أنَّهُ عَدَّلَ خَلْقَهُ وسَوّى شَكْلَهُ وناسَبَ بَيْنَ أعْضائِهِ ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وهَذِهِ الإضافَةُ تُقَوِّي أنَّ الكَلامَ في آدَمَ لا في ذُرِّيَّتِهِ وإنْ أمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَمِيعِ. ثُمَّ خاطَبَ جَمِيعَ النَّوْعِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيْ: خَلَقَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ تَكْمِيلًا لِنِعْمَتِهِ عَلَيْكم وتَتْمِيمًا لِتَسْوِيَتِهِ لِخَلْقِكم حَتّى تَجْتَمِعَ لَكُمُ النِّعَمُ، فَتَسْمَعُونَ كُلَّ مَسْمُوعٍ وتُبْصِرُونَ كُلَّ مُبْصِرٍ، وتَتَعَقَّلُونَ كُلَّ مُتَعَقِّلٍ، وتَفْهَمُونَ كُلَّ ما يُفْهَمُ، وأفْرَدَ السَّمْعَ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، وخَصَّ السَّمْعَ بِذِكْرِ المَصْدَرِ دُونَ البَصَرِ والفُؤادَ فَذَكَرَهُما بِالِاسْمِ ولِهَذا جُمِعا، لِأنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها مَحَلٌّ واحِدٌ وهو الأُذُنُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ يَصِلُ إلَيْها ولا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ، ولا عَلى تَخْصِيصِ السَّمْعِ بِبَعْضِ المَسْمُوعاتِ دُونَ بَعْضٍ، بِخِلافِ الأبْصارِ فَمَحَلُّها العَيْنُ ولَهُ فِيهِ اخْتِيارٌ، فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبِ المَرْئِيِّ دُونَ غَيْرِهِ، وتُطْبِقُ أجْفانَها إذا لَمْ تُرِدِ الرُّؤْيَةَ لِشَيْءٍ؛ وكَذَلِكَ الفُؤادُ لَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ في إدْراكِهِ، فَيَتَعَقَّلُ هَذا دُونَ هَذا، ويُفْهَمُ هَذا دُونَ هَذا. قَرَأ الجُمْهُورُ " وبَدَأ " بِالهَمْزِ، والزُّهْرِيُّ بِألْفٍ خالِصَةٍ بِدُونِ هَمْزٍ، وانْتِصابُ ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا، أوْ صِفَةُ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. وفِي هَذا بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ لِنِعَمِ اللَّهِ، (p-١١٥٠)وتَرْكِهِمْ لِشُكْرِها إلّا فِيما نَدَرَ مِنَ الأحْوالِ. ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذِهِ الهَمْزَةِ وفي الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَها، والضَّلالُ الغَيْبُوبَةُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ في التُّرابِ إذا غابَ وبَطَلَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتّى خَفِيَ أثَرُهُ قَدْ ضَلَّ. ومِنهُ قَوْلٌ الأخْطَلِ: ؎كُنْتُ القَذى في مَوْجِ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِها فَضَلَّ ضَلالًا قالَ قُطْرُبٌ: مَعْنى ضَلَلْنا في الأرْضِ: غِبْنا في الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ضَلَلْنا " بِفَتْحِ ضادٍ مُعْجَمَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ بِمَعْنى ذَهَبْنا وضِعْنا وصِرْنا تُرابًا وغِبْنا عَنِ الأعْيُنِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو رَجاءٍ " ضَلَلْنا " بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةُ العالِيَةِ مِن نَجْدٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأهْلُ العالِيَةِ يَقُولُونَ ضَلَلْتُ بِالكَسْرِ. قالَ وأضَلَّهُ أيْ: أضاعَهُ وأهْلَكَهُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ إذا دُفِنَ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ وأبانُ بْنُ سَعِيدٍ " صَلَلْنا " بِصادٍ مُهْمَلَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ أيْ: أنْتَنّا. قالَ النَّحّاسُ: ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ صَلَلْنا، ولَكِنْ يُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: صَلَّ اللَّحْمُ يَصِلُّ بِالكَسْرِ صُلُولًا إذا أنْتَنَ، مَطْبُوخًا كانَ أوْ نَيِّئًا، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎ذاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذا قُدْرَةٍ ∗∗∗ لا يُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولُ ﴿أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: نُبْعَثُ ونَصِيرُ أحْياءً، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ. وهَذا قَوْلُ مُنْكِرِي البَعْثِ مِنَ الكُفّارِ، فَأضْرَبَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِإنْكارِ البَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِلِقاءِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ لَهُ مُكابَرَةً وعِنادًا، فَإنَّ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ المُبْتَدِئُ لِلْخَلْقِ يَسْتَلْزِمُ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ ويَرُدَّ عَلَيْهِمْ ما زَعَمُوهُ مِنَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم﴾ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ واسْتَوْفى رُوحَهُ إذا قَبَضَهُ إلَيْهِ، ومَلَكُ المَوْتِ هو عِزْرائِيلُ، ومَعْنى وُكِّلَ بِكم: وُكِّلَ بِقَبْضِ أرْواحِكم عِنْدَ حُضُورِ آجالِكم ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: تَصِيرُونَ إلَيْهِ أحْياءً بِالبَعْثِ والنُّشُورِ لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ الآيَةَ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ مَوْلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ فَيْرُوزَ: يا أبا عَبّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ اتَّهَمَهُ فَقالَ: ما يَوْمٌ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ؟ قالَ: إنَّما سَألْتُكَ لِتُخْبِرَنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما يَوْمانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ في كِتابِهِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِهِما، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ في كِتابِ اللَّهِ ما لا أعْلَمُ، فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِن ضَرَباتِهِ حَتّى جَلَسْتُ إلى ابْنِ المُسَيَّبِ، فَسَألَهُ عَنْهُما إنْسانٌ فَلَمْ يُخْبِرْهُ ولَمْ يَدْرِ. فَقُلْتُ: ألا أُخْبِرُكَ بِما حَضَرْتُ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؟ قالَ: بَلى، فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ لِلسّائِلِ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ أبى أنْ يَقُولَ فِيها، وهو أعْلَمُ مِنِّي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ في مِقْدارِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى يَقْضِيَ بَيْنَ العِبادِ، فَيَنْزِلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، ولَوْ كانَ إلى غَيْرِهِ لَمْ يَفْرَغْ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ﴾ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومَسِيرَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قالَ: ما رَأيْتُ القِرَدَةَ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ، ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: أما إنَّ اسْتَ القِرَدَةِ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها، وقالَ: خَلَقَهُ: صُورَتُهُ. وقالَ: ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ القَبِيحُ، والحَسَنُ والعَقارِبُ والحَيّاتُ وكُلُّ شَيْءٍ مِمّا خَلَقَ، وغَيْرُهُ لا يُحْسِنُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذْ لَقِينا عَمْرَو بْنَ زُرارَةَ الأنْصارِيَّ في حُلَّةٍ قَدْ أسْبَلَ، فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِناحِيَةِ ثَوْبِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْمَشُ السّاقَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُسْبِلِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قالَ " «أبْصَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا قَدْ أسْبَلَ إزارَهُ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْنَفُ تَصْطَكُّ رُكْبَتايَ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ حَسَنٌ» .

السجدة 32:11

وهي مَكِّيَّةٌ كَما رَواهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ [السجدة: ١٨ ٢٠]، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، وقِيلَ: إلّا خَمْسَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ١٦ ٢٠] وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وأهْلِ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِـ الم تَنْزِلُ السَّجْدَةُ، و﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾» [الدهر: ١] . وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِهِ أيْضًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ ﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]» . وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ خَلْفَ العِشاءِ الأخِيرَةِ قَرَأ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وفي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١] كُتِبْنَ لَهُ كَأرْبَعِ رَكَعاتٍ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «مَن قَرَأ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]، و﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ فَكَأنَّما قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ و" يس " و﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ كُنْ لَهُ نُورًا وحِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ، ورَفْعٌ في الدَّرَجاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ المُسَيِّبِ بْنِ رافِعٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «﴿آلَمَ تَنْزِيلُ﴾ تَجِيءُ لَها جَناحانِ يَوْمَ القِيامَةِ تُظِلُّ صاحِبَها وتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: الم قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ وعَلى مَحَلِّها مِنَ الإعْرابِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ. وارْتِفاعُ تَنْزِيلُ عَلى أنَّهُ خَبَّرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الم في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ " تَنْزِيلُ " عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لا رَيْبَ فِيهِ، ومِن رَبِّ العالَمِينَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ كُلُّها أخْبارًا لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ قَبْلَ " تَنْزِيلُ "، أوْ لِقَوْلِهِ الم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ لا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ حُرُوفٌ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأحْسَنُ الوُجُوهِ أنْ تَكُونَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ الخَبَرُ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّ تَنْزِيلَ الكِتابِ المَتْلُوِّ لا رَيْبَ فِيهِ ولا شَكَّ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهانَةٍ ولا أساطِيرِ الأوَّلِينَ. و" أمْ " في ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ هو مُفْتَرًى، (p-١١٤٨)فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو مُعْتَقَدُ الكُفّارِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى ﴿افْتَراهُ﴾ افْتَعَلَهُ واخْتَلَقَهُ. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ إلى بَيانِ ما هو الحَقُّ في شَأْنِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَكَذَّبَهم - سُبْحانَهُ - في دَعْوى الِافْتِراءِ، ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي كانَ التَّنْزِيلُ لِأجْلِها فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وهُمُ العَرَبُ وكانُوا أُمَّةً أُمَيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ، وقِيلَ: قُرَيْشٌ خاصَّةً، والمَفْعُولُ الثّانِي لِتُنْذِرَ مَحْذُوفٌ أيْ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ، وجُمْلَةُ ما أتاهم مِن نَذِيرٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ومِن قَبْلِكَ صِفَةٌ لِنَذِيرِ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً، والتَّقْدِيرُ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ الَّذِي أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ المُرادَ تَعْلِيلُ الإنْزالِ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَهُ، لا تَعْلِيلُهُ بِالإنْذارِ لِقَوْمٍ قَدْ أُنْذِرُوا بِما أنْذَرَهم بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ أهْلُ الفَتْرَةِ ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَهْتَدُوا أوْ كَيْ يَهْتَدُوا. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بينهما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمُرادُ مِن ذِكْرِها هُنا تَعْرِيفُهم كَمالَ قُدْرَتِهِ وعَظِيمَ صُنْعِهِ لِيَسْمَعُوا القُرْآنَ ويَتَأمَّلُوهُ، مَعْنى خَلَقَ: أوْجَدَ، وأبْدَعَ. قالَ الحَسَنُ: الأيّامُ هُنا هي مِن أيّامِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مِقْدارُ اليَوْمِ ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَعَلى هَذا المُرادُ بِالأيّامِ هُنا هي مِن أيّامِ الآخِرَةِ لا مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَيْسَتْ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مِن دُونِ عَذابِهِ مِن ولِيٍّ يُوالِيكم ويَرُدُّ عَنْكم عَذابَهُ ولا شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَكم عِنْدَهُ ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ تَذَكُّرَ تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ، وتَسْمَعُونَ هَذِهِ المَواعِظَ سَماعَ مَن يَفْهَمُ ويَعْقِلُ حَتّى تَنْتَفِعُوا بِها. ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما بَيَّنَ تَدْبِيرَهُ لِأمْرِها أيْ: يُحْكِمُ الأمْرَ بِقَضائِهِ وقَدْرِهِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والمَعْنى: يُنْزِلُ أمْرَهُ مِن أعْلى السَّماواتِ إلى أقْصى تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ومَسافَةُ ما بَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا والأرْضِ الَّتِي تَحْتَها نُزُولًا وطُلُوعًا ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمُورِ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ الأعْمالِ أيْ: يُنَزِّلُهُ مُدَبَّرًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ أحْكامُها وآثارُها إلى الأرْضِ. وقِيلَ: يَنْزِلُ الوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ. وقِيلَ: العَرْشُ مَوْضِعُ التَّدْبِيرِ كَما أنَّ ما دُونَ العَرْشِ مَوْضِعُ التَّفْصِيلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ . . . . . . . . . . . . . . ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الرعد: ٢] وما دُونَ السَّماواتِ مَوْضِعُ التَّصَرُّفِ. قالَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠] ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - تَدْبِيرَ الأمْرِ قالَ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ: ثُمَّ يَرْجِعُ ذَلِكَ الأمْرُ ويَعُودُ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ مَسافَةِ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ والطُّلُوعِ مِنَ الأرْضِ كَما قَدَّمْنا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وذَلِكَ حِينَ يَنْقَطِعُ أمْرُ الدُّنْيا ويَمُوتُ مَن فِيها. وقِيلَ: هي أخْبارُ أهْلِ الأرْضِ تَصْعَدُ إلَيْهِ مَعَ مَن يُرْسِلُهُ إلَيْها مِنَ المَلائِكَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُثْبِتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ ويَكْتُبُ في صُحُفِ مَلائِكَتِهِ ما عَمِلَهُ أهْلُ الأرْضِ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلى أنْ تَبْلُغَ مُدَّةُ الدُّنْيا آخِرَها. وقِيلَ: مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾: يَثْبُتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ هي مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ، والمُرادُ طُولُ امْتِدادِ ما بَيْنَ تَدْبِيرِ الحَوادِثِ وحُدُوثِها مِنَ الزَّمانِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الحَوادِثِ اليَوْمِيَّةِ بِإثْباتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَتَنْزِلُ بِها المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَتَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ، ثُمَّ تَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الأعْمالَ الَّتِي هي طاعاتٌ يُدَبِّرُها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ويَنْزِلُ بِها مَلائِكَتُهُ ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلَيْها مِنها إلّا الخالِصُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخَلِّصِينَ مِن عِبادِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَعْرُجُ يَعُودُ إلى المَلِكِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِنَ السِّياقِ، وقَدْ جاءَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] والضَّمِيرُ في إلَيْهِ يَرْجِعُ إلى السَّماءِ عَلى لُغَةِ مَن يَذْكُرُها، أوْ إلى مَكانِ المَلِكِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ وهو الَّذِي أقَرَّهُ اللَّهُ فِيهِ. وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أمْرَ الشَّمْسِ في طُلُوعِها وغُرُوبِها ورُجُوعِها إلى مَوْضِعِها مِنَ الطُّلُوعِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ في المَسافَةِ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ المَلِكَ يَعْرُجُ إلى اللَّهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ لَوْ سارَهُ غَيْرُ المَلِكِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لَأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسافَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَمَسافَةُ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ والرُّجُوعِ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ ألْفُ عامٍ، وقَدْ رَجَّحَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: مَسافَةُ النُّزُولِ ألْفُ سَنَةٍ ومَسافَةُ الطُّلُوعِ ألْفُ سَنَةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ. وهَذا اليَوْمُ هو عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ يَتَقَدَّرُ بِألْفِ سَنَةٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مُسَمّى اليَوْمِ الَّذِي هو مُدَّةُ النَّهارِ بَيْنَ لَيْلَتَيْنِ، والعَرَبُ قَدْ تُعَبِّرُ عَنِ المُدَّةِ بِاليَوْمِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْدِيبُ فَإنَّ الشّاعِرَ لَمْ يُرِدْ يَوْمَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ، وإنَّما أرادَ أنَّ زَمانَهم يَنْقَسِمُ شَطْرَيْنِ، فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّطْرَيْنِ بِيَوْمٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْرُجُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأصْلُ يُعْرَجُ بِهِ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجارِّ فاسْتَتَرَ الضَّمِيرُ. وقَدِ اسْتَشْكَلَ جَماعَةٌ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] . فَقِيلَ: في الجَوابِ إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ولَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ صُعُوبَتِهِ وشِدَّةِ أهْوالِهِ عَلى الكُفّارِ كَخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، والعَرَبُ تَصِفُ كَثِيرًا يَوْمَ المَكْرُوهِ بِالطُّولِ كَما (p-١١٤٩)تَصِفُ يَوْمَ السُّرُورِ بِالقِصَرِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ويَوْمٌ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ ∗∗∗ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ويَوْمٌ كَإبْهامِ القِطَّةِ قَطَّعْتُهُ وقِيلَ: إنْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيهِ أيّامٌ، فَمِنها ما مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ، ومِنها ما مِقْدارُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: هي أوْقاتٌ مُخْتَلِفَةٌ يُعَذَّبُ الكافِرُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُنْقَلُ إلى نَوْعٍ آخَرَ، فَيُعَذَّبُ بِهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: مَواقِفُ القِيامَةِ خَمْسُونَ مَوْقِفًا كُلُّ مَوْقِفٍ ألْفُ سَنَةٍ، فَيَكُونُ مَعْنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أنَّهُ يَعْرُجُ إلَيْهِ في وقْتٍ مِن تِلْكَ الأوْقاتِ أوْ مَوْقِفٍ مِن تِلْكَ المَواقِفِ. وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ أنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] المَسافَةَ مِنَ الأرْضِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى الَّتِي هي مَقامُ جِبْرِيلَ، والمُرادُ أنَّهُ يَسِيرُ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ في مِقْدارِ يَوْمٍ واحِدٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ المَسافَةَ الَّتِي بَيْنَ الأرْضِ وبَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا هُبُوطًا وصُعُودًا فَإنَّها مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِدادِ نَفاذِ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَفَذَ أمْرُهُ غايَةَ النَّفاذِ في يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ وانْقَطَعَ لا يَكُونُ مِثْلَ مَن يَنْفُذُ أمْرُهُ في سِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ يَعْنِي يُدَبِّرُ الأمْرَ في زَمانٍ يَوْمٌ مِنهُ ألْفُ سَنَةٍ. فَكَمْ يَكُونُ الشَّهْرُ مِنهُ ؟ وكَمْ تَكُونُ السَّنَةُ مِنهُ ؟ وعَلى هَذا فَلا فَرْقَ بَيْنَ ألْفِ سَنَةٍ وبَيْنَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ وقَفَ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنِ الآيَتَيْنِ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مِمّا تَعُدُّونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِتِلْكَ الأوْصافِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيِ: العالِمُ بِما غابَ عَنِ الخَلْقِ وما حَضَرَهم. وفِي هَذا مَعْنى التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - إذا عَلِمَ بِما يَغِيبُ وما يَحْضُرُ، فَهو مُجازٍ لِكُلِّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. أوْ فَهو يُدَبِّرُ الأمْرَ بِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ العَزِيزُ القاهِرُ الغالِبُ الرَّحِيمُ بِعِبادِهِ، وهَذِهِ أخْبارٌ لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ هو خَبَرٌ آخَرُ. قَرَأ الجُمْهُورُ خَلَقَهُ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِإسْكانِها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو فِعْلٌ ماضٍ نَعْتًا لِشَيْءٍ، فَهو في مَحَلِّ جَرٍّ. وقَدِ اخْتارَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْمُضافِ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، فَفي نَصْبِهِ أوْجُهٌ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن كُلِّ شَيْءٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا هو الوَجْهُ المَشْهُورُ عِنْدَ النُّحاةِ. الثّانِي أنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ ومَعْنى أحْسَنَ: حَسَّنَ، لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو مَخْلُوقٌ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، فَكُلُّ المَخْلُوقاتِ حَسَنَةٌ. الثّالِثُ أنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وخَلَقَهُ هو المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَضْمِينِ أحْسَنَ مَعْنى أعْطى، والمَعْنى: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ الَّذِي خَصَّهُ بِهِ. وقِيلَ: عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى ألْهَمَ. قالَ الفَرّاءُ: ألْهَمَ خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. الرّابِعُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ أيْ: خَلَقَهُ خَلْقًا كَقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . والخامِسُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ في خَلْقِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ أتْقَنَ وأحْكَمَ خَلْقَ مَخْلُوقاتِهِ، فَبَعْضُ المَخْلُوقاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ حَسَنَةً في نَفْسِها، فَهي مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها مَعْنى﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقِ الإنْسانَ عَلى خَلْقِ البَهِيمَةِ ولا خَلَقَ البَهِيمَةَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ، وقِيلَ: هو عُمُومٌ في اللَّفْظِ خُصُوصٌ في المَعْنى: أيْ: أحْسَنَ خَلْقَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنٍ ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ يَعْنِي: آدَمَ خَلَقَهُ مِن طِينٍ فَصارَ عَلى صُورَةٍ بَدِيعَةٍ وشَكْلٍ حَسَنٍ. ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أيْ: ذُرِّيَّتَهُ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ سُمِّيَتِ الذُّرِّيَّةُ سُلالَةً لِأنَّها تُسَلُّ مِنَ الأصْلِ وتَنْفَصِلُ عَنْهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مِن ماءِ مُمْتَهَنٍ لا خَطَرَ لَهُ عِنْدَ النّاسِ وهو المَنِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: مِن ماءٍ ضَعِيفٍ. ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيِ: الإنْسانُ الَّذِي بَدَأ خَلْقَهُ مِن طِينٍ، وهو: آدَمُ، أوْ جَمِيعُ النَّوْعِ، والمُرادُ أنَّهُ عَدَّلَ خَلْقَهُ وسَوّى شَكْلَهُ وناسَبَ بَيْنَ أعْضائِهِ ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وهَذِهِ الإضافَةُ تُقَوِّي أنَّ الكَلامَ في آدَمَ لا في ذُرِّيَّتِهِ وإنْ أمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَمِيعِ. ثُمَّ خاطَبَ جَمِيعَ النَّوْعِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أيْ: خَلَقَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ تَكْمِيلًا لِنِعْمَتِهِ عَلَيْكم وتَتْمِيمًا لِتَسْوِيَتِهِ لِخَلْقِكم حَتّى تَجْتَمِعَ لَكُمُ النِّعَمُ، فَتَسْمَعُونَ كُلَّ مَسْمُوعٍ وتُبْصِرُونَ كُلَّ مُبْصِرٍ، وتَتَعَقَّلُونَ كُلَّ مُتَعَقِّلٍ، وتَفْهَمُونَ كُلَّ ما يُفْهَمُ، وأفْرَدَ السَّمْعَ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، وخَصَّ السَّمْعَ بِذِكْرِ المَصْدَرِ دُونَ البَصَرِ والفُؤادَ فَذَكَرَهُما بِالِاسْمِ ولِهَذا جُمِعا، لِأنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها مَحَلٌّ واحِدٌ وهو الأُذُنُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ يَصِلُ إلَيْها ولا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ، ولا عَلى تَخْصِيصِ السَّمْعِ بِبَعْضِ المَسْمُوعاتِ دُونَ بَعْضٍ، بِخِلافِ الأبْصارِ فَمَحَلُّها العَيْنُ ولَهُ فِيهِ اخْتِيارٌ، فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبِ المَرْئِيِّ دُونَ غَيْرِهِ، وتُطْبِقُ أجْفانَها إذا لَمْ تُرِدِ الرُّؤْيَةَ لِشَيْءٍ؛ وكَذَلِكَ الفُؤادُ لَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ في إدْراكِهِ، فَيَتَعَقَّلُ هَذا دُونَ هَذا، ويُفْهَمُ هَذا دُونَ هَذا. قَرَأ الجُمْهُورُ " وبَدَأ " بِالهَمْزِ، والزُّهْرِيُّ بِألْفٍ خالِصَةٍ بِدُونِ هَمْزٍ، وانْتِصابُ ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا، أوْ صِفَةُ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. وفِي هَذا بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ لِنِعَمِ اللَّهِ، (p-١١٥٠)وتَرْكِهِمْ لِشُكْرِها إلّا فِيما نَدَرَ مِنَ الأحْوالِ. ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذِهِ الهَمْزَةِ وفي الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَها، والضَّلالُ الغَيْبُوبَةُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ في التُّرابِ إذا غابَ وبَطَلَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتّى خَفِيَ أثَرُهُ قَدْ ضَلَّ. ومِنهُ قَوْلٌ الأخْطَلِ: ؎كُنْتُ القَذى في مَوْجِ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِها فَضَلَّ ضَلالًا قالَ قُطْرُبٌ: مَعْنى ضَلَلْنا في الأرْضِ: غِبْنا في الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " ضَلَلْنا " بِفَتْحِ ضادٍ مُعْجَمَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ بِمَعْنى ذَهَبْنا وضِعْنا وصِرْنا تُرابًا وغِبْنا عَنِ الأعْيُنِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو رَجاءٍ " ضَلَلْنا " بِكَسْرِ اللّامِ، وهي لُغَةُ العالِيَةِ مِن نَجْدٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأهْلُ العالِيَةِ يَقُولُونَ ضَلَلْتُ بِالكَسْرِ. قالَ وأضَلَّهُ أيْ: أضاعَهُ وأهْلَكَهُ، يُقالُ: ضَلَّ المَيِّتُ إذا دُفِنَ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ وأبانُ بْنُ سَعِيدٍ " صَلَلْنا " بِصادٍ مُهْمَلَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ أيْ: أنْتَنّا. قالَ النَّحّاسُ: ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ صَلَلْنا، ولَكِنْ يُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: صَلَّ اللَّحْمُ يَصِلُّ بِالكَسْرِ صُلُولًا إذا أنْتَنَ، مَطْبُوخًا كانَ أوْ نَيِّئًا، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎ذاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذا قُدْرَةٍ ∗∗∗ لا يُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولُ ﴿أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: نُبْعَثُ ونَصِيرُ أحْياءً، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ. وهَذا قَوْلُ مُنْكِرِي البَعْثِ مِنَ الكُفّارِ، فَأضْرَبَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِإنْكارِ البَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِلِقاءِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ لَهُ مُكابَرَةً وعِنادًا، فَإنَّ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ المُبْتَدِئُ لِلْخَلْقِ يَسْتَلْزِمُ اعْتِرافَهم بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ ويَرُدَّ عَلَيْهِمْ ما زَعَمُوهُ مِنَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم﴾ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ واسْتَوْفى رُوحَهُ إذا قَبَضَهُ إلَيْهِ، ومَلَكُ المَوْتِ هو عِزْرائِيلُ، ومَعْنى وُكِّلَ بِكم: وُكِّلَ بِقَبْضِ أرْواحِكم عِنْدَ حُضُورِ آجالِكم ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: تَصِيرُونَ إلَيْهِ أحْياءً بِالبَعْثِ والنُّشُورِ لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ الآيَةَ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ مَوْلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ فَيْرُوزَ: يا أبا عَبّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ اتَّهَمَهُ فَقالَ: ما يَوْمٌ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ؟ قالَ: إنَّما سَألْتُكَ لِتُخْبِرَنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما يَوْمانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ في كِتابِهِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِهِما، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ في كِتابِ اللَّهِ ما لا أعْلَمُ، فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِن ضَرَباتِهِ حَتّى جَلَسْتُ إلى ابْنِ المُسَيَّبِ، فَسَألَهُ عَنْهُما إنْسانٌ فَلَمْ يُخْبِرْهُ ولَمْ يَدْرِ. فَقُلْتُ: ألا أُخْبِرُكَ بِما حَضَرْتُ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؟ قالَ: بَلى، فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ لِلسّائِلِ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ أبى أنْ يَقُولَ فِيها، وهو أعْلَمُ مِنِّي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ في مِقْدارِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى يَقْضِيَ بَيْنَ العِبادِ، فَيَنْزِلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، ولَوْ كانَ إلى غَيْرِهِ لَمْ يَفْرَغْ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ﴾ مِن أيّامِكم هَذِهِ، ومَسِيرَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قالَ: ما رَأيْتُ القِرَدَةَ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ، ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: أما إنَّ اسْتَ القِرَدَةِ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّهُ أحْكَمَ خَلْقَها، وقالَ: خَلَقَهُ: صُورَتُهُ. وقالَ: ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ القَبِيحُ، والحَسَنُ والعَقارِبُ والحَيّاتُ وكُلُّ شَيْءٍ مِمّا خَلَقَ، وغَيْرُهُ لا يُحْسِنُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذْ لَقِينا عَمْرَو بْنَ زُرارَةَ الأنْصارِيَّ في حُلَّةٍ قَدْ أسْبَلَ، فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِناحِيَةِ ثَوْبِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْمَشُ السّاقَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، يا عَمْرُو بْنَ زُرارَةَ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُسْبِلِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قالَ " «أبْصَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا قَدْ أسْبَلَ إزارَهُ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أحْنَفُ تَصْطَكُّ رُكْبَتايَ، فَقالَ: ارْفَعْ إزارَكَ كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ حَسَنٌ» .