Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأحزاب 33:1 – الأحزاب 33:19

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الأحزاب 33:1
  2. الأحزاب 33:2
  3. الأحزاب 33:3
  4. الأحزاب 33:4
  5. الأحزاب 33:5
  6. الأحزاب 33:6
  7. الأحزاب 33:7
  8. الأحزاب 33:8
  9. الأحزاب 33:9
  10. الأحزاب 33:10
  11. الأحزاب 33:11
  12. الأحزاب 33:12
  13. الأحزاب 33:13
  14. الأحزاب 33:14
  15. الأحزاب 33:15
  16. الأحزاب 33:16
  17. الأحزاب 33:17
  18. الأحزاب 33:18
  19. الأحزاب 33:19

الأحزاب 33:1

تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْزابِ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأحْزابِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ والطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَنِيعٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ زِرٍّ قالَ: قالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأيٍّ تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزابِ أوْ كَأيِّنْ تَعُدُّها ؟، قُلْتُ ثَلاثًا وسَبْعِينَ آيَةً، فَقالَ أقَطُّ لَقَدْ رَأيْتُها وإنَّها لَتُعادِلُ سُورَةَ البَقَرَةِ، أوْ أكْثَرَ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها " الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " فَرُفِعَ فِيما رُفِعَ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ حَسَنٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قامَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، فَكانَ فِيما أنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْناها ووَعَيْناها " الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ " ورَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ورَجَمْنا بَعْدَهُ، فَأخْشى أنْ يَطُولَ بِالنّاسِ زَمانٌ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ في كِتابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ لِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: كَمْ تَعُدُّونَ سُورَةَ الأحْزابِ ؟ قُلْتُ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلاثًا وسَبْعِينَ، قالَ: إنْ كانَتْ لَتُقارِبُ سُورَةَ البَقَرَةِ، وإنْ كانَ فِيها لَآيَةُ الرَّجْمِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ قالَ: قَرَأْتُ سُورَةَ الأحْزابِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَسِيتُ مِنها سَبْعِينَ آيَةً ما وجَدْتُها. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في الفَضائِلِ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَتْ سُورَةُ الأحْزابِ تُقْرَأُ في زَمانِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِائَتَيْ آيَةٍ، فَلَمّا كَتَبَ عُثْمانُ المَصاحِفَ لَمْ يُقَرِّرْ مِنها إلّا عَلى ما هو الآنَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (p-١١٥٦)قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذَلِكَ وازْدَدْ مِنهُ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن هو عَلى مِثْلِ كُفْرِهِمْ والمُنافِقِينَ أيِ: الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - بِالكافِرِينَ أبا سُفْيانَ وعِكْرِمَةَ وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا، وقُلْ إنَّ لَها شَفاعَةً لِمَن عَبَدَها. قالَ: والمُنافِقِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ. وسَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ العِلْمِ والحِكْمَةِ بَلِيغَهُما، قالَ النَّحّاسُ: ودَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ كانَ يَمِيلُ إلَيْهِمْ: يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اسْتِدْعاءً لَهم إلى الإسْلامِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَوْ عَلِمَ أنَّ مَيْلَكَ إلَيْهِمْ فِيهِ مَنفَعَةٌ لَما نَهاكَ عَنْهم؛ لِأنَّهُ حَكِيمٌ، ولا يَخْفى بُعْدَ هَذِهِ الدَّلالَةِ الَّتِي زَعَمَها، ولَكِنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ الأمْرِ بِالتَّقْوى والنَّهْيِ عَنْ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْمُرُكَ أوْ يَنْهاكَ إلّا بِما عَلِمَ فِيهِ صَلاحًا أوْ فَسادًا لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ وسَعَةِ حِكْمَتِهِ. ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ أيِ: اتَّبِعِ الوَحْيَ في كُلِّ أُمُورِكَ ولا تَتَّبِعْ شَيْئًا مِمّا عَداهُ مِن مَشُوراتِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ولا مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، فَإنَّ فِيما أُوحِيَ إلَيْكَ ما يُغْنِيكَ عَنْ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تَعْلِيلٌ لِأمْرِهِ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْكَ، والأمْرُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمْرٌ لِأُمَّتِهِ، فَهم مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِ القُرْآنِ كَما هو مَأْمُورٌ بِاتِّباعِهِ، ولِهَذا جاءَ بِخِطابِهِ وخِطابِهِمْ في قَوْلِهِ: بِما تَعْمَلُونَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالفَوْقِيَّةِ لِلْخِطابِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبُيْدٍ وأبُو حاتِمٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِالتَّحْتِيَّةِ. ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ أيِ: اعْتَمِدْ عَلَيْهِ وفَوِّضْ أُمُورَكَ إلَيْهِ، وكَفى بِهِ حافِظًا يَحْفَظُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَثَلًا تَوْطِئْةً وتَمْهِيدًا لِما يَتَعَقَّبُهُ مِنَ الأحْكامِ القُرْآنِيَّةِ الَّتِي هي مِنَ الوَحْيِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ . وقَدِ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَما سَيَأْتِي، وقِيلَ: هي مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُظاهِرِ أيْ: كَما لا يَكُونُ لِلرَّجُلِ قَلْبانِ كَذَلِكَ لا تَكُونُ امْرَأةُ المُظاهِرِ أُمَّهُ حَتّى يَكُونَ لَهُ أُمّانِ، وكَذَلِكَ لا يَكُونُ الدَّعِيُّ ابْنًا لِرَجُلَيْنِ. وقِيلَ: كانَ الواحِدُ مِنَ المُنافِقِينَ يَقُولُ: لِي قَلْبٌ يَأْمُرُنِي بِكَذا وقَلْبٌ بِكَذا. فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِرَدِّ النِّفاقِ وبَيانِ أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الإسْلامِ كَما لا يَجْتَمِعُ قَلْبانِ، والقَلْبُ بِضْعَةٌ صَغِيرَةٌ عَلى هَيْئَةِ الصَّنَوْبَرَةِ خَلَقَها اللَّهُ وجَعَلَها مَحَلًّا لِلْعِلْمِ ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم﴾ وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ " اللّائِي " بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ هَمْزَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والبَزِّيُّ بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ ألِفٍ مَحْضَةٍ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّها لُغَةُ قُرَيْشٍ الَّتِي أمَرَ النّاسَ أنْ يَقْرَءُوا بِها. وقَرَأ قُنْبُلٌ ووَرْشٌ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بِدُونِ ياءٍ. قَرَأ عاصِمٌ تُظاهِرُونَ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ الهاءِ بَعْدَ ألِفِ مُضارِعِ ظاهَرَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ مُضارِعِ تَظاهَرَ، والأصْلُ تَتَظاهَرُونَ وقَرَأ الباقُونَ " تَظَّهَّرُونَ " بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ بِدُونِ ألِفٍ، والأصْلُ تَتَظَهَّرُونَ، والظِّهارُ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ، وأصْلُهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، والمَعْنى: وما جَعَلَ اللَّهُ نِساءَكُمُ اللّائِي تَقُولُونَ لَهُنَّ هَذا القَوْلَ كَأُمَّهاتِكم في التَّحْرِيمِ، ولَكِنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ " و " كَذَلِكَ ما جَعَلَ الأدْعِياءَ الَّذِينَ تَدَّعُونَ أنَّهم أبْناؤُكم أبْناءً لَكم، والأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ، وهو الَّذِي يَدَّعِي ابْنًا لِغَيْرِ أبِيهِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ في الظِّهارِ في سُورَةِ المُجادَلَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الظِّهارِ والِادِّعاءِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدَ قَوْلٍ بِالأفْواهِ ولا تَأْثِيرَ لَهُ، فَلا تَصِيرُ المَرْأةُ بِهِ أُمًّا ولا ابْنُ الغَيْرِ بِهِ ابْنًا، ولا يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ شَيْءٌ مِن أحْكامِ الأُمُومَةِ والبُنُوَّةِ. وقِيلَ: الإشارَةُ راجِعَةٌ إلى الِادِّعاءِ أيِ: ادِّعاؤُكم أنَّ أبْناءَ الغَيْرِ أبْناؤُكم لا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ هو مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِالفَمِ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ الَّذِي يَحِقُّ اتِّباعُهُ لِكَوْنِهِ حَقًّا في نَفْسِهِ لا باطِلًا، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ دُعاءُ الأبْناءِ لِآبائِهِمْ ﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: يَدُلُّ عَلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى الحَقِّ، وفي هَذا إرْشادٌ لِلْعِبادِ إلى قَوْلِ الحَقِّ وتَرْكِ قَوْلِ الباطِلِ والزُّورِ. ثُمَّ صَرَّحَ - سُبْحانَهُ - بِما يَجِبُ عَلى العِبادِ مِن دُعاءِ الأبْناءِ لِلْآباءِ، فَقالَ: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ لِلصُّلْبِ وانْسُبُوهم إلَيْهِمْ ولا تَدْعُوهم إلى غَيْرِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِدُعاءِ الأبْناءِ لِلْآباءِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَصْدَرِ ادْعُوهم، ومَعْنى أقْسَطُ أعْدَلُ أيْ: أعْدَلُ كُلِّ كَلامٍ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، فَتَرَكَ الإضافَةَ لِلْعُمُومِ كَقَوْلِهِ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَدْ يَكُونُ المُضافُ إلَيْهِ مُقَدَّرًا خاصًّا أيْ: أعْدَلُ مِن قَوْلِكم هو ابْنُ فُلانٍ ولَمْ يَكُنِ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ. ثُمَّ تَمَّمَ - سُبْحانَهُ - الإرْشادَ لِلْعِبادِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ وهم مَوالِيكم، فَقُولُوا: أخِي ومَوْلايَ ولا تَقُولُوا ابْنُ فُلانٍ، حَيْثُ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم عَلى الحَقِيقِيَّةِ: قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوالِيكم أوْلِياءَكم في الدِّينِ. وقِيلَ: المَعْنى: فَإنْ كانُوا مُحَرَّرِينَ ولَمْ يَكُونُوا أحْرارًا، فَقُولُوا مَوالِي فُلانٍ (p-١١٥٧)﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم فِيما وقَعَ مِنكم مِن ذَلِكَ خَطَأً مِن غَيْرِ عَمْدٍ، ولَكِنْ الإثْمُ في ﴿ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وهو ما قُلْتُمُوهُ عَلى طَرِيقَةِ العَمْدِ مِن نِسْبَةِ الأبْناءِ إلى غَيْرِ آبائِهِمْ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ. قالَ قَتادَةُ: لَوْ دَعَوْتَ رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ وأنْتَ تَرى أنَّهُ أبُوهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ بَأْسٌ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَغْفِرُ لِلْمُخْطِئِ ويَرْحَمُهُ ويَتَجاوَزُ عَنْهُ، أوْ غَفُورًا لِلذُّنُوبِ رَحِيمًا بِالعِبادِ، ومِن جُمْلَةِ مَن يَغْفِرُ لَهُ ويَرْحَمُهُ مَن دَعا رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ خَطَأً. أوْ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - لِرَسُولِهِ مَزِيَّةً عَظِيمَةً وخُصُوصِيَّةً جَلِيلَةً لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ مِنَ العِبادِ فَقالَ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: هو أحَقُّ بِهِمْ في كُلِّ أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وأوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ أوْلى بِهِمْ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْثِرُوهُ بِما أرادَهُ مِن أمْوالِهِمْ، وإنْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلَيْها، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُحِبُّوهُ زِيادَةً عَلى حُبِّهِمْ أنْفُسَهم، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقَدِّمُوا حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ عَلى حُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ. وبِالجُمْلَةِ فَإذا دَعاهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِشَيْءٍ ودَعَتْهم أنْفُسُهم إلى غَيْرِهِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يُقَدِّمُوا ما دَعاهم إلَيْهِ ويُؤَخِّرُوا ما دَعَتْهم أنْفُسُهم إلَيْهِ، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُطِيعُوهُ فَوْقَ طاعَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ ويُقَدِّمُوا طاعَتَهُ عَلى ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُهم وتَطْلُبُهُ خَواطِرُهم. وقِيلَ: المُرادُ بِأنْفُسِهِمْ في الآيَةِ بَعْضُهم، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِالقَضاءِ أيْ: هو أوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ فِيما قَضى بِهِ بَيْنَهم. وقِيلَ: أوْلى بِهِمْ في الجِهادِ بَيْنَ يَدَيْهِ وبَذْلِ النَّفْسِ دُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أُمَّهاتِهِمْ في الحُكْمِ بِالتَّحْرِيمِ ومُنَزَّلاتٌ مَنزِلَتَهُنَّ في اسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ فَلا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَتَزَوَّجَ بِواحِدَةٍ مِنهُنَّ كَما لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّهِ، فَهَذِهِ الأُمُومَةُ مُخْتَصَّةٌ بِتَحْرِيمِ النِّكاحِ لَهُنَّ وبِالتَّعْظِيمِ لِجَنابِهِنَّ، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ لَسْنَ أُمَّهاتِ نِساءِ المُؤْمِنِينَ، ولا بَناتُهُنَّ أخَواتِ المُؤْمِنِينَ، ولا إخْوَتُهُنَّ أخْوالَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُنَّ أُمَّهاتُ الرِّجالِ والنِّساءِ تَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾، وهَذا يَشْمَلُ الرِّجالَ والنِّساءَ ضَرُورَةً. قالَ: ثُمَّ إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ " وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم "، ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ القَرابَةَ أوْلى بِبَعْضِهِمُ البَعْضِ، فَقالَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ المُرادُ بِأُولِي الأرْحامِ القَراباتُ أيْ: هم أحَقُّ بِبَعْضِهِمُ البَعْضِ في المِيراثِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْفالِ وهي ناسِخَةٌ لِما كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ مِن التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ والمُوالاةِ. قالَ قَتادَةُ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فَتَوارَثَ المُسْلِمُونَ بِالهِجْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَذا قالَ غَيْرُهُ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِلتَّوارُثِ بِالحَلِفِ والمُؤاخاةِ في الدِّينِ، و﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأفْعَلَ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْلى بِبَعْضٍ﴾ لِأنَّهُ يَعْمَلُ في الظَّرْفِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ: كائِنًا في كِتابِ اللَّهِ والمُرادُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ القُرْآنُ، أوْ آيَةُ المَوارِيثِ، وقَوْلُهُ: مِنَ المُؤْمِنِينَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِ ( أُولُو الأرْحامِ )، والمَعْنى أنَّ ذَوِي القَراباتِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأُولى أيْ: أُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ الَّذِي هم أجانِبُ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: وأُولُو الأرْحامِ بِبَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ: إلّا ما يَجُوزُ لِأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن كَوْنِهِمْ كالأُمَّهاتِ في تَحْرِيمِ النِّكاحِ، وفي هَذا مِنَ الضَّعْفِ ما لا يَخْفى. ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ إمّا مُتَّصِلٌ مِن أعَمِّ العامِّ، والتَّقْدِيرُ: وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الإرْثِ وغَيْرِهِ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا مِن صَدَقَةٍ أوْ وصِيَّةٍ فَإنَّ ذَلِكَ جائِزٌ. قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ وعَطاءٌ ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ. قالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: نَزَلَتْ في إجازَةِ الوَصِيَّةِ لِلْيَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ. فالكافِرُ ولِيٌّ في النَّسَبِ لا في الدِّينِ، فَتَجُوزُ الوَصِيَّةُ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، والمَعْنى: لَكِنَّ فِعْلَ المَعْرُوفِ لِلْأوْلِياءِ لا بَأْسَ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا نَسَخَ التَّوارُثَ بِالحَلِفِ والهِجْرَةِ أباحَ أنْ يُوصى لَهم. وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِالمَعْرُوفِ النُّصْرَةَ وحِفْظَ الحُرْمَةَ بِحَقِّ الإيمانِ والهِجْرَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: كانَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أيْ: كانَ نَسْخُ المِيراثِ بِالهِجْرَةِ والمُحالَفَةِ والمُعاقَدَةِ، ورَدُّهُ إلى ذَوِي الأرْحامِ مِنَ القَراباتِ ﴿فِي الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في القُرْآنِ مَكْتُوبًا. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا يُصَلِّي، فَخَطَرَ خَطْرَةً، فَقالَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ: ألا تَرى أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ قَلْبًا مَعَكم وقَلْبًا مَعَهم ؟ فَنَزَلَ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى بِلَفْظِ صَلّى لِلَّهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلاةً فَسَها فِيها، فَخَطَرَتْ مِنهُ كَلِمَةٌ فَسَمِعَها المُنافِقُونَ، فَقالُوا: إنْ لَهُ قَلْبَيْنِ، فَنَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُسَمّى مِن دَهائِهِ ذا القَلْبَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذا في شَأْنِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما كُنّا نَدْعُوهُ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ أنْتَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بْنِ شَراحِيلَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى النّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ (p-١١٥٨)فَأيُّما مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالًا فَلْتَرِثْهُ عُصْبَتُهُ مَن كانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضَياعًا فَلْيَأْتِنِي فَأنا مَوْلاهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ «عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ إلى اليَمَنِ فَرَأيْتُ مِنهُ جَفْوَةً، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرْتُ عَلِيًّا فَتَنَقَّصْتُهُ، فَرَأيْتُ وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَغَيَّرَ وقالَ: يا بُرَيْدَةُ ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ ووَلَدِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لَها: يا أُمَّهْ، فَقالَتْ: أنا أُمُّ رِجالِكم ولَسْتُ أُمَّ نِسائِكم. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: أنا أُمُّ الرِّجالِ مِنكم والنِّساءِ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وإسْحاقُ بْنُ راهْوَيْهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في دَلائِلِهِ عَنْ بَجالَةَ: قالَ مَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِغُلامٍ وهو يَقْرَأُ في المُصْحَفِ " النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم " فَقالَ يا غُلامُ حُكَّها، فَقالَ: هَذا مُصْحَفُ أُبَيٍّ، فَذَهَبَ إلَيْهِ فَسَألَهُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ يُلْهِينِي القُرْآنُ ويُلْهِيكَ الصَّفْقُ في الأسْواقِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم " .

الأحزاب 33:2

تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْزابِ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأحْزابِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ والطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَنِيعٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ زِرٍّ قالَ: قالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأيٍّ تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزابِ أوْ كَأيِّنْ تَعُدُّها ؟، قُلْتُ ثَلاثًا وسَبْعِينَ آيَةً، فَقالَ أقَطُّ لَقَدْ رَأيْتُها وإنَّها لَتُعادِلُ سُورَةَ البَقَرَةِ، أوْ أكْثَرَ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها " الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " فَرُفِعَ فِيما رُفِعَ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ حَسَنٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قامَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، فَكانَ فِيما أنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْناها ووَعَيْناها " الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ " ورَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ورَجَمْنا بَعْدَهُ، فَأخْشى أنْ يَطُولَ بِالنّاسِ زَمانٌ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ في كِتابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ لِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: كَمْ تَعُدُّونَ سُورَةَ الأحْزابِ ؟ قُلْتُ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلاثًا وسَبْعِينَ، قالَ: إنْ كانَتْ لَتُقارِبُ سُورَةَ البَقَرَةِ، وإنْ كانَ فِيها لَآيَةُ الرَّجْمِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ قالَ: قَرَأْتُ سُورَةَ الأحْزابِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَسِيتُ مِنها سَبْعِينَ آيَةً ما وجَدْتُها. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في الفَضائِلِ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَتْ سُورَةُ الأحْزابِ تُقْرَأُ في زَمانِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِائَتَيْ آيَةٍ، فَلَمّا كَتَبَ عُثْمانُ المَصاحِفَ لَمْ يُقَرِّرْ مِنها إلّا عَلى ما هو الآنَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (p-١١٥٦)قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذَلِكَ وازْدَدْ مِنهُ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن هو عَلى مِثْلِ كُفْرِهِمْ والمُنافِقِينَ أيِ: الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - بِالكافِرِينَ أبا سُفْيانَ وعِكْرِمَةَ وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا، وقُلْ إنَّ لَها شَفاعَةً لِمَن عَبَدَها. قالَ: والمُنافِقِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ. وسَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ العِلْمِ والحِكْمَةِ بَلِيغَهُما، قالَ النَّحّاسُ: ودَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ كانَ يَمِيلُ إلَيْهِمْ: يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اسْتِدْعاءً لَهم إلى الإسْلامِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَوْ عَلِمَ أنَّ مَيْلَكَ إلَيْهِمْ فِيهِ مَنفَعَةٌ لَما نَهاكَ عَنْهم؛ لِأنَّهُ حَكِيمٌ، ولا يَخْفى بُعْدَ هَذِهِ الدَّلالَةِ الَّتِي زَعَمَها، ولَكِنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ الأمْرِ بِالتَّقْوى والنَّهْيِ عَنْ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْمُرُكَ أوْ يَنْهاكَ إلّا بِما عَلِمَ فِيهِ صَلاحًا أوْ فَسادًا لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ وسَعَةِ حِكْمَتِهِ. ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ أيِ: اتَّبِعِ الوَحْيَ في كُلِّ أُمُورِكَ ولا تَتَّبِعْ شَيْئًا مِمّا عَداهُ مِن مَشُوراتِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ولا مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، فَإنَّ فِيما أُوحِيَ إلَيْكَ ما يُغْنِيكَ عَنْ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تَعْلِيلٌ لِأمْرِهِ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْكَ، والأمْرُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمْرٌ لِأُمَّتِهِ، فَهم مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِ القُرْآنِ كَما هو مَأْمُورٌ بِاتِّباعِهِ، ولِهَذا جاءَ بِخِطابِهِ وخِطابِهِمْ في قَوْلِهِ: بِما تَعْمَلُونَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالفَوْقِيَّةِ لِلْخِطابِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبُيْدٍ وأبُو حاتِمٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِالتَّحْتِيَّةِ. ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ أيِ: اعْتَمِدْ عَلَيْهِ وفَوِّضْ أُمُورَكَ إلَيْهِ، وكَفى بِهِ حافِظًا يَحْفَظُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَثَلًا تَوْطِئْةً وتَمْهِيدًا لِما يَتَعَقَّبُهُ مِنَ الأحْكامِ القُرْآنِيَّةِ الَّتِي هي مِنَ الوَحْيِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ . وقَدِ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَما سَيَأْتِي، وقِيلَ: هي مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُظاهِرِ أيْ: كَما لا يَكُونُ لِلرَّجُلِ قَلْبانِ كَذَلِكَ لا تَكُونُ امْرَأةُ المُظاهِرِ أُمَّهُ حَتّى يَكُونَ لَهُ أُمّانِ، وكَذَلِكَ لا يَكُونُ الدَّعِيُّ ابْنًا لِرَجُلَيْنِ. وقِيلَ: كانَ الواحِدُ مِنَ المُنافِقِينَ يَقُولُ: لِي قَلْبٌ يَأْمُرُنِي بِكَذا وقَلْبٌ بِكَذا. فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِرَدِّ النِّفاقِ وبَيانِ أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الإسْلامِ كَما لا يَجْتَمِعُ قَلْبانِ، والقَلْبُ بِضْعَةٌ صَغِيرَةٌ عَلى هَيْئَةِ الصَّنَوْبَرَةِ خَلَقَها اللَّهُ وجَعَلَها مَحَلًّا لِلْعِلْمِ ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم﴾ وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ " اللّائِي " بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ هَمْزَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والبَزِّيُّ بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ ألِفٍ مَحْضَةٍ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّها لُغَةُ قُرَيْشٍ الَّتِي أمَرَ النّاسَ أنْ يَقْرَءُوا بِها. وقَرَأ قُنْبُلٌ ووَرْشٌ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بِدُونِ ياءٍ. قَرَأ عاصِمٌ تُظاهِرُونَ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ الهاءِ بَعْدَ ألِفِ مُضارِعِ ظاهَرَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ مُضارِعِ تَظاهَرَ، والأصْلُ تَتَظاهَرُونَ وقَرَأ الباقُونَ " تَظَّهَّرُونَ " بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ بِدُونِ ألِفٍ، والأصْلُ تَتَظَهَّرُونَ، والظِّهارُ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ، وأصْلُهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، والمَعْنى: وما جَعَلَ اللَّهُ نِساءَكُمُ اللّائِي تَقُولُونَ لَهُنَّ هَذا القَوْلَ كَأُمَّهاتِكم في التَّحْرِيمِ، ولَكِنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ " و " كَذَلِكَ ما جَعَلَ الأدْعِياءَ الَّذِينَ تَدَّعُونَ أنَّهم أبْناؤُكم أبْناءً لَكم، والأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ، وهو الَّذِي يَدَّعِي ابْنًا لِغَيْرِ أبِيهِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ في الظِّهارِ في سُورَةِ المُجادَلَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الظِّهارِ والِادِّعاءِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدَ قَوْلٍ بِالأفْواهِ ولا تَأْثِيرَ لَهُ، فَلا تَصِيرُ المَرْأةُ بِهِ أُمًّا ولا ابْنُ الغَيْرِ بِهِ ابْنًا، ولا يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ شَيْءٌ مِن أحْكامِ الأُمُومَةِ والبُنُوَّةِ. وقِيلَ: الإشارَةُ راجِعَةٌ إلى الِادِّعاءِ أيِ: ادِّعاؤُكم أنَّ أبْناءَ الغَيْرِ أبْناؤُكم لا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ هو مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِالفَمِ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ الَّذِي يَحِقُّ اتِّباعُهُ لِكَوْنِهِ حَقًّا في نَفْسِهِ لا باطِلًا، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ دُعاءُ الأبْناءِ لِآبائِهِمْ ﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: يَدُلُّ عَلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى الحَقِّ، وفي هَذا إرْشادٌ لِلْعِبادِ إلى قَوْلِ الحَقِّ وتَرْكِ قَوْلِ الباطِلِ والزُّورِ. ثُمَّ صَرَّحَ - سُبْحانَهُ - بِما يَجِبُ عَلى العِبادِ مِن دُعاءِ الأبْناءِ لِلْآباءِ، فَقالَ: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ لِلصُّلْبِ وانْسُبُوهم إلَيْهِمْ ولا تَدْعُوهم إلى غَيْرِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِدُعاءِ الأبْناءِ لِلْآباءِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَصْدَرِ ادْعُوهم، ومَعْنى أقْسَطُ أعْدَلُ أيْ: أعْدَلُ كُلِّ كَلامٍ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، فَتَرَكَ الإضافَةَ لِلْعُمُومِ كَقَوْلِهِ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَدْ يَكُونُ المُضافُ إلَيْهِ مُقَدَّرًا خاصًّا أيْ: أعْدَلُ مِن قَوْلِكم هو ابْنُ فُلانٍ ولَمْ يَكُنِ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ. ثُمَّ تَمَّمَ - سُبْحانَهُ - الإرْشادَ لِلْعِبادِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ وهم مَوالِيكم، فَقُولُوا: أخِي ومَوْلايَ ولا تَقُولُوا ابْنُ فُلانٍ، حَيْثُ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم عَلى الحَقِيقِيَّةِ: قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوالِيكم أوْلِياءَكم في الدِّينِ. وقِيلَ: المَعْنى: فَإنْ كانُوا مُحَرَّرِينَ ولَمْ يَكُونُوا أحْرارًا، فَقُولُوا مَوالِي فُلانٍ (p-١١٥٧)﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم فِيما وقَعَ مِنكم مِن ذَلِكَ خَطَأً مِن غَيْرِ عَمْدٍ، ولَكِنْ الإثْمُ في ﴿ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وهو ما قُلْتُمُوهُ عَلى طَرِيقَةِ العَمْدِ مِن نِسْبَةِ الأبْناءِ إلى غَيْرِ آبائِهِمْ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ. قالَ قَتادَةُ: لَوْ دَعَوْتَ رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ وأنْتَ تَرى أنَّهُ أبُوهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ بَأْسٌ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَغْفِرُ لِلْمُخْطِئِ ويَرْحَمُهُ ويَتَجاوَزُ عَنْهُ، أوْ غَفُورًا لِلذُّنُوبِ رَحِيمًا بِالعِبادِ، ومِن جُمْلَةِ مَن يَغْفِرُ لَهُ ويَرْحَمُهُ مَن دَعا رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ خَطَأً. أوْ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - لِرَسُولِهِ مَزِيَّةً عَظِيمَةً وخُصُوصِيَّةً جَلِيلَةً لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ مِنَ العِبادِ فَقالَ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: هو أحَقُّ بِهِمْ في كُلِّ أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وأوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ أوْلى بِهِمْ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْثِرُوهُ بِما أرادَهُ مِن أمْوالِهِمْ، وإنْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلَيْها، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُحِبُّوهُ زِيادَةً عَلى حُبِّهِمْ أنْفُسَهم، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقَدِّمُوا حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ عَلى حُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ. وبِالجُمْلَةِ فَإذا دَعاهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِشَيْءٍ ودَعَتْهم أنْفُسُهم إلى غَيْرِهِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يُقَدِّمُوا ما دَعاهم إلَيْهِ ويُؤَخِّرُوا ما دَعَتْهم أنْفُسُهم إلَيْهِ، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُطِيعُوهُ فَوْقَ طاعَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ ويُقَدِّمُوا طاعَتَهُ عَلى ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُهم وتَطْلُبُهُ خَواطِرُهم. وقِيلَ: المُرادُ بِأنْفُسِهِمْ في الآيَةِ بَعْضُهم، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِالقَضاءِ أيْ: هو أوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ فِيما قَضى بِهِ بَيْنَهم. وقِيلَ: أوْلى بِهِمْ في الجِهادِ بَيْنَ يَدَيْهِ وبَذْلِ النَّفْسِ دُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أُمَّهاتِهِمْ في الحُكْمِ بِالتَّحْرِيمِ ومُنَزَّلاتٌ مَنزِلَتَهُنَّ في اسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ فَلا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَتَزَوَّجَ بِواحِدَةٍ مِنهُنَّ كَما لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّهِ، فَهَذِهِ الأُمُومَةُ مُخْتَصَّةٌ بِتَحْرِيمِ النِّكاحِ لَهُنَّ وبِالتَّعْظِيمِ لِجَنابِهِنَّ، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ لَسْنَ أُمَّهاتِ نِساءِ المُؤْمِنِينَ، ولا بَناتُهُنَّ أخَواتِ المُؤْمِنِينَ، ولا إخْوَتُهُنَّ أخْوالَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُنَّ أُمَّهاتُ الرِّجالِ والنِّساءِ تَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾، وهَذا يَشْمَلُ الرِّجالَ والنِّساءَ ضَرُورَةً. قالَ: ثُمَّ إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ " وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم "، ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ القَرابَةَ أوْلى بِبَعْضِهِمُ البَعْضِ، فَقالَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ المُرادُ بِأُولِي الأرْحامِ القَراباتُ أيْ: هم أحَقُّ بِبَعْضِهِمُ البَعْضِ في المِيراثِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْفالِ وهي ناسِخَةٌ لِما كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ مِن التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ والمُوالاةِ. قالَ قَتادَةُ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فَتَوارَثَ المُسْلِمُونَ بِالهِجْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَذا قالَ غَيْرُهُ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِلتَّوارُثِ بِالحَلِفِ والمُؤاخاةِ في الدِّينِ، و﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأفْعَلَ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْلى بِبَعْضٍ﴾ لِأنَّهُ يَعْمَلُ في الظَّرْفِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ: كائِنًا في كِتابِ اللَّهِ والمُرادُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ القُرْآنُ، أوْ آيَةُ المَوارِيثِ، وقَوْلُهُ: مِنَ المُؤْمِنِينَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِ ( أُولُو الأرْحامِ )، والمَعْنى أنَّ ذَوِي القَراباتِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأُولى أيْ: أُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ الَّذِي هم أجانِبُ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: وأُولُو الأرْحامِ بِبَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ: إلّا ما يَجُوزُ لِأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن كَوْنِهِمْ كالأُمَّهاتِ في تَحْرِيمِ النِّكاحِ، وفي هَذا مِنَ الضَّعْفِ ما لا يَخْفى. ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ إمّا مُتَّصِلٌ مِن أعَمِّ العامِّ، والتَّقْدِيرُ: وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الإرْثِ وغَيْرِهِ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا مِن صَدَقَةٍ أوْ وصِيَّةٍ فَإنَّ ذَلِكَ جائِزٌ. قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ وعَطاءٌ ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ. قالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: نَزَلَتْ في إجازَةِ الوَصِيَّةِ لِلْيَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ. فالكافِرُ ولِيٌّ في النَّسَبِ لا في الدِّينِ، فَتَجُوزُ الوَصِيَّةُ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، والمَعْنى: لَكِنَّ فِعْلَ المَعْرُوفِ لِلْأوْلِياءِ لا بَأْسَ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا نَسَخَ التَّوارُثَ بِالحَلِفِ والهِجْرَةِ أباحَ أنْ يُوصى لَهم. وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِالمَعْرُوفِ النُّصْرَةَ وحِفْظَ الحُرْمَةَ بِحَقِّ الإيمانِ والهِجْرَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: كانَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أيْ: كانَ نَسْخُ المِيراثِ بِالهِجْرَةِ والمُحالَفَةِ والمُعاقَدَةِ، ورَدُّهُ إلى ذَوِي الأرْحامِ مِنَ القَراباتِ ﴿فِي الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في القُرْآنِ مَكْتُوبًا. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا يُصَلِّي، فَخَطَرَ خَطْرَةً، فَقالَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ: ألا تَرى أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ قَلْبًا مَعَكم وقَلْبًا مَعَهم ؟ فَنَزَلَ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى بِلَفْظِ صَلّى لِلَّهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلاةً فَسَها فِيها، فَخَطَرَتْ مِنهُ كَلِمَةٌ فَسَمِعَها المُنافِقُونَ، فَقالُوا: إنْ لَهُ قَلْبَيْنِ، فَنَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُسَمّى مِن دَهائِهِ ذا القَلْبَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذا في شَأْنِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما كُنّا نَدْعُوهُ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ أنْتَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بْنِ شَراحِيلَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى النّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ (p-١١٥٨)فَأيُّما مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالًا فَلْتَرِثْهُ عُصْبَتُهُ مَن كانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضَياعًا فَلْيَأْتِنِي فَأنا مَوْلاهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ «عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ إلى اليَمَنِ فَرَأيْتُ مِنهُ جَفْوَةً، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرْتُ عَلِيًّا فَتَنَقَّصْتُهُ، فَرَأيْتُ وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَغَيَّرَ وقالَ: يا بُرَيْدَةُ ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ ووَلَدِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لَها: يا أُمَّهْ، فَقالَتْ: أنا أُمُّ رِجالِكم ولَسْتُ أُمَّ نِسائِكم. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: أنا أُمُّ الرِّجالِ مِنكم والنِّساءِ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وإسْحاقُ بْنُ راهْوَيْهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في دَلائِلِهِ عَنْ بَجالَةَ: قالَ مَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِغُلامٍ وهو يَقْرَأُ في المُصْحَفِ " النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم " فَقالَ يا غُلامُ حُكَّها، فَقالَ: هَذا مُصْحَفُ أُبَيٍّ، فَذَهَبَ إلَيْهِ فَسَألَهُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ يُلْهِينِي القُرْآنُ ويُلْهِيكَ الصَّفْقُ في الأسْواقِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم " .

الأحزاب 33:3

تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْزابِ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأحْزابِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ والطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَنِيعٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ زِرٍّ قالَ: قالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأيٍّ تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزابِ أوْ كَأيِّنْ تَعُدُّها ؟، قُلْتُ ثَلاثًا وسَبْعِينَ آيَةً، فَقالَ أقَطُّ لَقَدْ رَأيْتُها وإنَّها لَتُعادِلُ سُورَةَ البَقَرَةِ، أوْ أكْثَرَ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها " الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " فَرُفِعَ فِيما رُفِعَ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ حَسَنٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قامَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، فَكانَ فِيما أنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْناها ووَعَيْناها " الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ " ورَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ورَجَمْنا بَعْدَهُ، فَأخْشى أنْ يَطُولَ بِالنّاسِ زَمانٌ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ في كِتابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ لِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: كَمْ تَعُدُّونَ سُورَةَ الأحْزابِ ؟ قُلْتُ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلاثًا وسَبْعِينَ، قالَ: إنْ كانَتْ لَتُقارِبُ سُورَةَ البَقَرَةِ، وإنْ كانَ فِيها لَآيَةُ الرَّجْمِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ قالَ: قَرَأْتُ سُورَةَ الأحْزابِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَسِيتُ مِنها سَبْعِينَ آيَةً ما وجَدْتُها. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في الفَضائِلِ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَتْ سُورَةُ الأحْزابِ تُقْرَأُ في زَمانِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِائَتَيْ آيَةٍ، فَلَمّا كَتَبَ عُثْمانُ المَصاحِفَ لَمْ يُقَرِّرْ مِنها إلّا عَلى ما هو الآنَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (p-١١٥٦)قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذَلِكَ وازْدَدْ مِنهُ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن هو عَلى مِثْلِ كُفْرِهِمْ والمُنافِقِينَ أيِ: الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - بِالكافِرِينَ أبا سُفْيانَ وعِكْرِمَةَ وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا، وقُلْ إنَّ لَها شَفاعَةً لِمَن عَبَدَها. قالَ: والمُنافِقِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ. وسَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ العِلْمِ والحِكْمَةِ بَلِيغَهُما، قالَ النَّحّاسُ: ودَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ كانَ يَمِيلُ إلَيْهِمْ: يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اسْتِدْعاءً لَهم إلى الإسْلامِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَوْ عَلِمَ أنَّ مَيْلَكَ إلَيْهِمْ فِيهِ مَنفَعَةٌ لَما نَهاكَ عَنْهم؛ لِأنَّهُ حَكِيمٌ، ولا يَخْفى بُعْدَ هَذِهِ الدَّلالَةِ الَّتِي زَعَمَها، ولَكِنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ الأمْرِ بِالتَّقْوى والنَّهْيِ عَنْ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْمُرُكَ أوْ يَنْهاكَ إلّا بِما عَلِمَ فِيهِ صَلاحًا أوْ فَسادًا لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ وسَعَةِ حِكْمَتِهِ. ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ أيِ: اتَّبِعِ الوَحْيَ في كُلِّ أُمُورِكَ ولا تَتَّبِعْ شَيْئًا مِمّا عَداهُ مِن مَشُوراتِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ولا مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، فَإنَّ فِيما أُوحِيَ إلَيْكَ ما يُغْنِيكَ عَنْ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تَعْلِيلٌ لِأمْرِهِ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْكَ، والأمْرُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمْرٌ لِأُمَّتِهِ، فَهم مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِ القُرْآنِ كَما هو مَأْمُورٌ بِاتِّباعِهِ، ولِهَذا جاءَ بِخِطابِهِ وخِطابِهِمْ في قَوْلِهِ: بِما تَعْمَلُونَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالفَوْقِيَّةِ لِلْخِطابِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبُيْدٍ وأبُو حاتِمٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِالتَّحْتِيَّةِ. ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ أيِ: اعْتَمِدْ عَلَيْهِ وفَوِّضْ أُمُورَكَ إلَيْهِ، وكَفى بِهِ حافِظًا يَحْفَظُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَثَلًا تَوْطِئْةً وتَمْهِيدًا لِما يَتَعَقَّبُهُ مِنَ الأحْكامِ القُرْآنِيَّةِ الَّتِي هي مِنَ الوَحْيِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ . وقَدِ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَما سَيَأْتِي، وقِيلَ: هي مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُظاهِرِ أيْ: كَما لا يَكُونُ لِلرَّجُلِ قَلْبانِ كَذَلِكَ لا تَكُونُ امْرَأةُ المُظاهِرِ أُمَّهُ حَتّى يَكُونَ لَهُ أُمّانِ، وكَذَلِكَ لا يَكُونُ الدَّعِيُّ ابْنًا لِرَجُلَيْنِ. وقِيلَ: كانَ الواحِدُ مِنَ المُنافِقِينَ يَقُولُ: لِي قَلْبٌ يَأْمُرُنِي بِكَذا وقَلْبٌ بِكَذا. فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِرَدِّ النِّفاقِ وبَيانِ أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الإسْلامِ كَما لا يَجْتَمِعُ قَلْبانِ، والقَلْبُ بِضْعَةٌ صَغِيرَةٌ عَلى هَيْئَةِ الصَّنَوْبَرَةِ خَلَقَها اللَّهُ وجَعَلَها مَحَلًّا لِلْعِلْمِ ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم﴾ وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ " اللّائِي " بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ هَمْزَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والبَزِّيُّ بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ ألِفٍ مَحْضَةٍ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّها لُغَةُ قُرَيْشٍ الَّتِي أمَرَ النّاسَ أنْ يَقْرَءُوا بِها. وقَرَأ قُنْبُلٌ ووَرْشٌ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بِدُونِ ياءٍ. قَرَأ عاصِمٌ تُظاهِرُونَ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ الهاءِ بَعْدَ ألِفِ مُضارِعِ ظاهَرَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ مُضارِعِ تَظاهَرَ، والأصْلُ تَتَظاهَرُونَ وقَرَأ الباقُونَ " تَظَّهَّرُونَ " بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ بِدُونِ ألِفٍ، والأصْلُ تَتَظَهَّرُونَ، والظِّهارُ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ، وأصْلُهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، والمَعْنى: وما جَعَلَ اللَّهُ نِساءَكُمُ اللّائِي تَقُولُونَ لَهُنَّ هَذا القَوْلَ كَأُمَّهاتِكم في التَّحْرِيمِ، ولَكِنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ " و " كَذَلِكَ ما جَعَلَ الأدْعِياءَ الَّذِينَ تَدَّعُونَ أنَّهم أبْناؤُكم أبْناءً لَكم، والأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ، وهو الَّذِي يَدَّعِي ابْنًا لِغَيْرِ أبِيهِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ في الظِّهارِ في سُورَةِ المُجادَلَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الظِّهارِ والِادِّعاءِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدَ قَوْلٍ بِالأفْواهِ ولا تَأْثِيرَ لَهُ، فَلا تَصِيرُ المَرْأةُ بِهِ أُمًّا ولا ابْنُ الغَيْرِ بِهِ ابْنًا، ولا يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ شَيْءٌ مِن أحْكامِ الأُمُومَةِ والبُنُوَّةِ. وقِيلَ: الإشارَةُ راجِعَةٌ إلى الِادِّعاءِ أيِ: ادِّعاؤُكم أنَّ أبْناءَ الغَيْرِ أبْناؤُكم لا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ هو مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِالفَمِ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ الَّذِي يَحِقُّ اتِّباعُهُ لِكَوْنِهِ حَقًّا في نَفْسِهِ لا باطِلًا، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ دُعاءُ الأبْناءِ لِآبائِهِمْ ﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: يَدُلُّ عَلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى الحَقِّ، وفي هَذا إرْشادٌ لِلْعِبادِ إلى قَوْلِ الحَقِّ وتَرْكِ قَوْلِ الباطِلِ والزُّورِ. ثُمَّ صَرَّحَ - سُبْحانَهُ - بِما يَجِبُ عَلى العِبادِ مِن دُعاءِ الأبْناءِ لِلْآباءِ، فَقالَ: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ لِلصُّلْبِ وانْسُبُوهم إلَيْهِمْ ولا تَدْعُوهم إلى غَيْرِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِدُعاءِ الأبْناءِ لِلْآباءِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَصْدَرِ ادْعُوهم، ومَعْنى أقْسَطُ أعْدَلُ أيْ: أعْدَلُ كُلِّ كَلامٍ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، فَتَرَكَ الإضافَةَ لِلْعُمُومِ كَقَوْلِهِ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَدْ يَكُونُ المُضافُ إلَيْهِ مُقَدَّرًا خاصًّا أيْ: أعْدَلُ مِن قَوْلِكم هو ابْنُ فُلانٍ ولَمْ يَكُنِ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ. ثُمَّ تَمَّمَ - سُبْحانَهُ - الإرْشادَ لِلْعِبادِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ وهم مَوالِيكم، فَقُولُوا: أخِي ومَوْلايَ ولا تَقُولُوا ابْنُ فُلانٍ، حَيْثُ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم عَلى الحَقِيقِيَّةِ: قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوالِيكم أوْلِياءَكم في الدِّينِ. وقِيلَ: المَعْنى: فَإنْ كانُوا مُحَرَّرِينَ ولَمْ يَكُونُوا أحْرارًا، فَقُولُوا مَوالِي فُلانٍ (p-١١٥٧)﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم فِيما وقَعَ مِنكم مِن ذَلِكَ خَطَأً مِن غَيْرِ عَمْدٍ، ولَكِنْ الإثْمُ في ﴿ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وهو ما قُلْتُمُوهُ عَلى طَرِيقَةِ العَمْدِ مِن نِسْبَةِ الأبْناءِ إلى غَيْرِ آبائِهِمْ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ. قالَ قَتادَةُ: لَوْ دَعَوْتَ رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ وأنْتَ تَرى أنَّهُ أبُوهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ بَأْسٌ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَغْفِرُ لِلْمُخْطِئِ ويَرْحَمُهُ ويَتَجاوَزُ عَنْهُ، أوْ غَفُورًا لِلذُّنُوبِ رَحِيمًا بِالعِبادِ، ومِن جُمْلَةِ مَن يَغْفِرُ لَهُ ويَرْحَمُهُ مَن دَعا رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ خَطَأً. أوْ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - لِرَسُولِهِ مَزِيَّةً عَظِيمَةً وخُصُوصِيَّةً جَلِيلَةً لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ مِنَ العِبادِ فَقالَ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: هو أحَقُّ بِهِمْ في كُلِّ أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وأوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ أوْلى بِهِمْ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْثِرُوهُ بِما أرادَهُ مِن أمْوالِهِمْ، وإنْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلَيْها، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُحِبُّوهُ زِيادَةً عَلى حُبِّهِمْ أنْفُسَهم، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقَدِّمُوا حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ عَلى حُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ. وبِالجُمْلَةِ فَإذا دَعاهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِشَيْءٍ ودَعَتْهم أنْفُسُهم إلى غَيْرِهِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يُقَدِّمُوا ما دَعاهم إلَيْهِ ويُؤَخِّرُوا ما دَعَتْهم أنْفُسُهم إلَيْهِ، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُطِيعُوهُ فَوْقَ طاعَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ ويُقَدِّمُوا طاعَتَهُ عَلى ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُهم وتَطْلُبُهُ خَواطِرُهم. وقِيلَ: المُرادُ بِأنْفُسِهِمْ في الآيَةِ بَعْضُهم، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِالقَضاءِ أيْ: هو أوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ فِيما قَضى بِهِ بَيْنَهم. وقِيلَ: أوْلى بِهِمْ في الجِهادِ بَيْنَ يَدَيْهِ وبَذْلِ النَّفْسِ دُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أُمَّهاتِهِمْ في الحُكْمِ بِالتَّحْرِيمِ ومُنَزَّلاتٌ مَنزِلَتَهُنَّ في اسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ فَلا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَتَزَوَّجَ بِواحِدَةٍ مِنهُنَّ كَما لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّهِ، فَهَذِهِ الأُمُومَةُ مُخْتَصَّةٌ بِتَحْرِيمِ النِّكاحِ لَهُنَّ وبِالتَّعْظِيمِ لِجَنابِهِنَّ، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ لَسْنَ أُمَّهاتِ نِساءِ المُؤْمِنِينَ، ولا بَناتُهُنَّ أخَواتِ المُؤْمِنِينَ، ولا إخْوَتُهُنَّ أخْوالَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُنَّ أُمَّهاتُ الرِّجالِ والنِّساءِ تَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾، وهَذا يَشْمَلُ الرِّجالَ والنِّساءَ ضَرُورَةً. قالَ: ثُمَّ إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ " وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم "، ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ القَرابَةَ أوْلى بِبَعْضِهِمُ البَعْضِ، فَقالَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ المُرادُ بِأُولِي الأرْحامِ القَراباتُ أيْ: هم أحَقُّ بِبَعْضِهِمُ البَعْضِ في المِيراثِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْفالِ وهي ناسِخَةٌ لِما كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ مِن التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ والمُوالاةِ. قالَ قَتادَةُ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فَتَوارَثَ المُسْلِمُونَ بِالهِجْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَذا قالَ غَيْرُهُ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِلتَّوارُثِ بِالحَلِفِ والمُؤاخاةِ في الدِّينِ، و﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأفْعَلَ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْلى بِبَعْضٍ﴾ لِأنَّهُ يَعْمَلُ في الظَّرْفِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ: كائِنًا في كِتابِ اللَّهِ والمُرادُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ القُرْآنُ، أوْ آيَةُ المَوارِيثِ، وقَوْلُهُ: مِنَ المُؤْمِنِينَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِ ( أُولُو الأرْحامِ )، والمَعْنى أنَّ ذَوِي القَراباتِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأُولى أيْ: أُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ الَّذِي هم أجانِبُ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: وأُولُو الأرْحامِ بِبَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ: إلّا ما يَجُوزُ لِأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن كَوْنِهِمْ كالأُمَّهاتِ في تَحْرِيمِ النِّكاحِ، وفي هَذا مِنَ الضَّعْفِ ما لا يَخْفى. ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ إمّا مُتَّصِلٌ مِن أعَمِّ العامِّ، والتَّقْدِيرُ: وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الإرْثِ وغَيْرِهِ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا مِن صَدَقَةٍ أوْ وصِيَّةٍ فَإنَّ ذَلِكَ جائِزٌ. قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ وعَطاءٌ ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ. قالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: نَزَلَتْ في إجازَةِ الوَصِيَّةِ لِلْيَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ. فالكافِرُ ولِيٌّ في النَّسَبِ لا في الدِّينِ، فَتَجُوزُ الوَصِيَّةُ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، والمَعْنى: لَكِنَّ فِعْلَ المَعْرُوفِ لِلْأوْلِياءِ لا بَأْسَ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا نَسَخَ التَّوارُثَ بِالحَلِفِ والهِجْرَةِ أباحَ أنْ يُوصى لَهم. وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِالمَعْرُوفِ النُّصْرَةَ وحِفْظَ الحُرْمَةَ بِحَقِّ الإيمانِ والهِجْرَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: كانَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أيْ: كانَ نَسْخُ المِيراثِ بِالهِجْرَةِ والمُحالَفَةِ والمُعاقَدَةِ، ورَدُّهُ إلى ذَوِي الأرْحامِ مِنَ القَراباتِ ﴿فِي الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في القُرْآنِ مَكْتُوبًا. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا يُصَلِّي، فَخَطَرَ خَطْرَةً، فَقالَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ: ألا تَرى أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ قَلْبًا مَعَكم وقَلْبًا مَعَهم ؟ فَنَزَلَ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى بِلَفْظِ صَلّى لِلَّهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلاةً فَسَها فِيها، فَخَطَرَتْ مِنهُ كَلِمَةٌ فَسَمِعَها المُنافِقُونَ، فَقالُوا: إنْ لَهُ قَلْبَيْنِ، فَنَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُسَمّى مِن دَهائِهِ ذا القَلْبَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذا في شَأْنِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما كُنّا نَدْعُوهُ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ أنْتَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بْنِ شَراحِيلَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى النّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ (p-١١٥٨)فَأيُّما مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالًا فَلْتَرِثْهُ عُصْبَتُهُ مَن كانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضَياعًا فَلْيَأْتِنِي فَأنا مَوْلاهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ «عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ إلى اليَمَنِ فَرَأيْتُ مِنهُ جَفْوَةً، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرْتُ عَلِيًّا فَتَنَقَّصْتُهُ، فَرَأيْتُ وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَغَيَّرَ وقالَ: يا بُرَيْدَةُ ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ ووَلَدِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لَها: يا أُمَّهْ، فَقالَتْ: أنا أُمُّ رِجالِكم ولَسْتُ أُمَّ نِسائِكم. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: أنا أُمُّ الرِّجالِ مِنكم والنِّساءِ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وإسْحاقُ بْنُ راهْوَيْهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في دَلائِلِهِ عَنْ بَجالَةَ: قالَ مَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِغُلامٍ وهو يَقْرَأُ في المُصْحَفِ " النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم " فَقالَ يا غُلامُ حُكَّها، فَقالَ: هَذا مُصْحَفُ أُبَيٍّ، فَذَهَبَ إلَيْهِ فَسَألَهُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ يُلْهِينِي القُرْآنُ ويُلْهِيكَ الصَّفْقُ في الأسْواقِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم " .

الأحزاب 33:4

تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْزابِ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأحْزابِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ والطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَنِيعٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ زِرٍّ قالَ: قالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأيٍّ تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزابِ أوْ كَأيِّنْ تَعُدُّها ؟، قُلْتُ ثَلاثًا وسَبْعِينَ آيَةً، فَقالَ أقَطُّ لَقَدْ رَأيْتُها وإنَّها لَتُعادِلُ سُورَةَ البَقَرَةِ، أوْ أكْثَرَ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها " الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " فَرُفِعَ فِيما رُفِعَ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ حَسَنٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قامَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، فَكانَ فِيما أنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْناها ووَعَيْناها " الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ " ورَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ورَجَمْنا بَعْدَهُ، فَأخْشى أنْ يَطُولَ بِالنّاسِ زَمانٌ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ في كِتابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ لِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: كَمْ تَعُدُّونَ سُورَةَ الأحْزابِ ؟ قُلْتُ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلاثًا وسَبْعِينَ، قالَ: إنْ كانَتْ لَتُقارِبُ سُورَةَ البَقَرَةِ، وإنْ كانَ فِيها لَآيَةُ الرَّجْمِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ قالَ: قَرَأْتُ سُورَةَ الأحْزابِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَسِيتُ مِنها سَبْعِينَ آيَةً ما وجَدْتُها. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في الفَضائِلِ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَتْ سُورَةُ الأحْزابِ تُقْرَأُ في زَمانِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِائَتَيْ آيَةٍ، فَلَمّا كَتَبَ عُثْمانُ المَصاحِفَ لَمْ يُقَرِّرْ مِنها إلّا عَلى ما هو الآنَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (p-١١٥٦)قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذَلِكَ وازْدَدْ مِنهُ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن هو عَلى مِثْلِ كُفْرِهِمْ والمُنافِقِينَ أيِ: الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - بِالكافِرِينَ أبا سُفْيانَ وعِكْرِمَةَ وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا، وقُلْ إنَّ لَها شَفاعَةً لِمَن عَبَدَها. قالَ: والمُنافِقِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ. وسَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ العِلْمِ والحِكْمَةِ بَلِيغَهُما، قالَ النَّحّاسُ: ودَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ كانَ يَمِيلُ إلَيْهِمْ: يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اسْتِدْعاءً لَهم إلى الإسْلامِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَوْ عَلِمَ أنَّ مَيْلَكَ إلَيْهِمْ فِيهِ مَنفَعَةٌ لَما نَهاكَ عَنْهم؛ لِأنَّهُ حَكِيمٌ، ولا يَخْفى بُعْدَ هَذِهِ الدَّلالَةِ الَّتِي زَعَمَها، ولَكِنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ الأمْرِ بِالتَّقْوى والنَّهْيِ عَنْ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْمُرُكَ أوْ يَنْهاكَ إلّا بِما عَلِمَ فِيهِ صَلاحًا أوْ فَسادًا لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ وسَعَةِ حِكْمَتِهِ. ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ أيِ: اتَّبِعِ الوَحْيَ في كُلِّ أُمُورِكَ ولا تَتَّبِعْ شَيْئًا مِمّا عَداهُ مِن مَشُوراتِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ولا مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، فَإنَّ فِيما أُوحِيَ إلَيْكَ ما يُغْنِيكَ عَنْ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تَعْلِيلٌ لِأمْرِهِ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْكَ، والأمْرُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمْرٌ لِأُمَّتِهِ، فَهم مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِ القُرْآنِ كَما هو مَأْمُورٌ بِاتِّباعِهِ، ولِهَذا جاءَ بِخِطابِهِ وخِطابِهِمْ في قَوْلِهِ: بِما تَعْمَلُونَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالفَوْقِيَّةِ لِلْخِطابِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبُيْدٍ وأبُو حاتِمٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِالتَّحْتِيَّةِ. ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ أيِ: اعْتَمِدْ عَلَيْهِ وفَوِّضْ أُمُورَكَ إلَيْهِ، وكَفى بِهِ حافِظًا يَحْفَظُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَثَلًا تَوْطِئْةً وتَمْهِيدًا لِما يَتَعَقَّبُهُ مِنَ الأحْكامِ القُرْآنِيَّةِ الَّتِي هي مِنَ الوَحْيِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ . وقَدِ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَما سَيَأْتِي، وقِيلَ: هي مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُظاهِرِ أيْ: كَما لا يَكُونُ لِلرَّجُلِ قَلْبانِ كَذَلِكَ لا تَكُونُ امْرَأةُ المُظاهِرِ أُمَّهُ حَتّى يَكُونَ لَهُ أُمّانِ، وكَذَلِكَ لا يَكُونُ الدَّعِيُّ ابْنًا لِرَجُلَيْنِ. وقِيلَ: كانَ الواحِدُ مِنَ المُنافِقِينَ يَقُولُ: لِي قَلْبٌ يَأْمُرُنِي بِكَذا وقَلْبٌ بِكَذا. فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِرَدِّ النِّفاقِ وبَيانِ أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الإسْلامِ كَما لا يَجْتَمِعُ قَلْبانِ، والقَلْبُ بِضْعَةٌ صَغِيرَةٌ عَلى هَيْئَةِ الصَّنَوْبَرَةِ خَلَقَها اللَّهُ وجَعَلَها مَحَلًّا لِلْعِلْمِ ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم﴾ وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ " اللّائِي " بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ هَمْزَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والبَزِّيُّ بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ ألِفٍ مَحْضَةٍ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّها لُغَةُ قُرَيْشٍ الَّتِي أمَرَ النّاسَ أنْ يَقْرَءُوا بِها. وقَرَأ قُنْبُلٌ ووَرْشٌ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بِدُونِ ياءٍ. قَرَأ عاصِمٌ تُظاهِرُونَ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ الهاءِ بَعْدَ ألِفِ مُضارِعِ ظاهَرَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ مُضارِعِ تَظاهَرَ، والأصْلُ تَتَظاهَرُونَ وقَرَأ الباقُونَ " تَظَّهَّرُونَ " بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ بِدُونِ ألِفٍ، والأصْلُ تَتَظَهَّرُونَ، والظِّهارُ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ، وأصْلُهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، والمَعْنى: وما جَعَلَ اللَّهُ نِساءَكُمُ اللّائِي تَقُولُونَ لَهُنَّ هَذا القَوْلَ كَأُمَّهاتِكم في التَّحْرِيمِ، ولَكِنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ " و " كَذَلِكَ ما جَعَلَ الأدْعِياءَ الَّذِينَ تَدَّعُونَ أنَّهم أبْناؤُكم أبْناءً لَكم، والأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ، وهو الَّذِي يَدَّعِي ابْنًا لِغَيْرِ أبِيهِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ في الظِّهارِ في سُورَةِ المُجادَلَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الظِّهارِ والِادِّعاءِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدَ قَوْلٍ بِالأفْواهِ ولا تَأْثِيرَ لَهُ، فَلا تَصِيرُ المَرْأةُ بِهِ أُمًّا ولا ابْنُ الغَيْرِ بِهِ ابْنًا، ولا يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ شَيْءٌ مِن أحْكامِ الأُمُومَةِ والبُنُوَّةِ. وقِيلَ: الإشارَةُ راجِعَةٌ إلى الِادِّعاءِ أيِ: ادِّعاؤُكم أنَّ أبْناءَ الغَيْرِ أبْناؤُكم لا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ هو مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِالفَمِ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ الَّذِي يَحِقُّ اتِّباعُهُ لِكَوْنِهِ حَقًّا في نَفْسِهِ لا باطِلًا، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ دُعاءُ الأبْناءِ لِآبائِهِمْ ﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: يَدُلُّ عَلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى الحَقِّ، وفي هَذا إرْشادٌ لِلْعِبادِ إلى قَوْلِ الحَقِّ وتَرْكِ قَوْلِ الباطِلِ والزُّورِ. ثُمَّ صَرَّحَ - سُبْحانَهُ - بِما يَجِبُ عَلى العِبادِ مِن دُعاءِ الأبْناءِ لِلْآباءِ، فَقالَ: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ لِلصُّلْبِ وانْسُبُوهم إلَيْهِمْ ولا تَدْعُوهم إلى غَيْرِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِدُعاءِ الأبْناءِ لِلْآباءِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَصْدَرِ ادْعُوهم، ومَعْنى أقْسَطُ أعْدَلُ أيْ: أعْدَلُ كُلِّ كَلامٍ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، فَتَرَكَ الإضافَةَ لِلْعُمُومِ كَقَوْلِهِ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَدْ يَكُونُ المُضافُ إلَيْهِ مُقَدَّرًا خاصًّا أيْ: أعْدَلُ مِن قَوْلِكم هو ابْنُ فُلانٍ ولَمْ يَكُنِ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ. ثُمَّ تَمَّمَ - سُبْحانَهُ - الإرْشادَ لِلْعِبادِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ وهم مَوالِيكم، فَقُولُوا: أخِي ومَوْلايَ ولا تَقُولُوا ابْنُ فُلانٍ، حَيْثُ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم عَلى الحَقِيقِيَّةِ: قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوالِيكم أوْلِياءَكم في الدِّينِ. وقِيلَ: المَعْنى: فَإنْ كانُوا مُحَرَّرِينَ ولَمْ يَكُونُوا أحْرارًا، فَقُولُوا مَوالِي فُلانٍ (p-١١٥٧)﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم فِيما وقَعَ مِنكم مِن ذَلِكَ خَطَأً مِن غَيْرِ عَمْدٍ، ولَكِنْ الإثْمُ في ﴿ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وهو ما قُلْتُمُوهُ عَلى طَرِيقَةِ العَمْدِ مِن نِسْبَةِ الأبْناءِ إلى غَيْرِ آبائِهِمْ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ. قالَ قَتادَةُ: لَوْ دَعَوْتَ رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ وأنْتَ تَرى أنَّهُ أبُوهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ بَأْسٌ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَغْفِرُ لِلْمُخْطِئِ ويَرْحَمُهُ ويَتَجاوَزُ عَنْهُ، أوْ غَفُورًا لِلذُّنُوبِ رَحِيمًا بِالعِبادِ، ومِن جُمْلَةِ مَن يَغْفِرُ لَهُ ويَرْحَمُهُ مَن دَعا رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ خَطَأً. أوْ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - لِرَسُولِهِ مَزِيَّةً عَظِيمَةً وخُصُوصِيَّةً جَلِيلَةً لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ مِنَ العِبادِ فَقالَ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: هو أحَقُّ بِهِمْ في كُلِّ أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وأوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ أوْلى بِهِمْ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْثِرُوهُ بِما أرادَهُ مِن أمْوالِهِمْ، وإنْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلَيْها، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُحِبُّوهُ زِيادَةً عَلى حُبِّهِمْ أنْفُسَهم، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقَدِّمُوا حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ عَلى حُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ. وبِالجُمْلَةِ فَإذا دَعاهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِشَيْءٍ ودَعَتْهم أنْفُسُهم إلى غَيْرِهِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يُقَدِّمُوا ما دَعاهم إلَيْهِ ويُؤَخِّرُوا ما دَعَتْهم أنْفُسُهم إلَيْهِ، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُطِيعُوهُ فَوْقَ طاعَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ ويُقَدِّمُوا طاعَتَهُ عَلى ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُهم وتَطْلُبُهُ خَواطِرُهم. وقِيلَ: المُرادُ بِأنْفُسِهِمْ في الآيَةِ بَعْضُهم، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِالقَضاءِ أيْ: هو أوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ فِيما قَضى بِهِ بَيْنَهم. وقِيلَ: أوْلى بِهِمْ في الجِهادِ بَيْنَ يَدَيْهِ وبَذْلِ النَّفْسِ دُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أُمَّهاتِهِمْ في الحُكْمِ بِالتَّحْرِيمِ ومُنَزَّلاتٌ مَنزِلَتَهُنَّ في اسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ فَلا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَتَزَوَّجَ بِواحِدَةٍ مِنهُنَّ كَما لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّهِ، فَهَذِهِ الأُمُومَةُ مُخْتَصَّةٌ بِتَحْرِيمِ النِّكاحِ لَهُنَّ وبِالتَّعْظِيمِ لِجَنابِهِنَّ، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ لَسْنَ أُمَّهاتِ نِساءِ المُؤْمِنِينَ، ولا بَناتُهُنَّ أخَواتِ المُؤْمِنِينَ، ولا إخْوَتُهُنَّ أخْوالَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُنَّ أُمَّهاتُ الرِّجالِ والنِّساءِ تَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾، وهَذا يَشْمَلُ الرِّجالَ والنِّساءَ ضَرُورَةً. قالَ: ثُمَّ إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ " وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم "، ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ القَرابَةَ أوْلى بِبَعْضِهِمُ البَعْضِ، فَقالَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ المُرادُ بِأُولِي الأرْحامِ القَراباتُ أيْ: هم أحَقُّ بِبَعْضِهِمُ البَعْضِ في المِيراثِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْفالِ وهي ناسِخَةٌ لِما كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ مِن التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ والمُوالاةِ. قالَ قَتادَةُ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فَتَوارَثَ المُسْلِمُونَ بِالهِجْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَذا قالَ غَيْرُهُ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِلتَّوارُثِ بِالحَلِفِ والمُؤاخاةِ في الدِّينِ، و﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأفْعَلَ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْلى بِبَعْضٍ﴾ لِأنَّهُ يَعْمَلُ في الظَّرْفِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ: كائِنًا في كِتابِ اللَّهِ والمُرادُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ القُرْآنُ، أوْ آيَةُ المَوارِيثِ، وقَوْلُهُ: مِنَ المُؤْمِنِينَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِ ( أُولُو الأرْحامِ )، والمَعْنى أنَّ ذَوِي القَراباتِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأُولى أيْ: أُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ الَّذِي هم أجانِبُ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: وأُولُو الأرْحامِ بِبَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ: إلّا ما يَجُوزُ لِأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن كَوْنِهِمْ كالأُمَّهاتِ في تَحْرِيمِ النِّكاحِ، وفي هَذا مِنَ الضَّعْفِ ما لا يَخْفى. ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ إمّا مُتَّصِلٌ مِن أعَمِّ العامِّ، والتَّقْدِيرُ: وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الإرْثِ وغَيْرِهِ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا مِن صَدَقَةٍ أوْ وصِيَّةٍ فَإنَّ ذَلِكَ جائِزٌ. قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ وعَطاءٌ ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ. قالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: نَزَلَتْ في إجازَةِ الوَصِيَّةِ لِلْيَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ. فالكافِرُ ولِيٌّ في النَّسَبِ لا في الدِّينِ، فَتَجُوزُ الوَصِيَّةُ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، والمَعْنى: لَكِنَّ فِعْلَ المَعْرُوفِ لِلْأوْلِياءِ لا بَأْسَ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا نَسَخَ التَّوارُثَ بِالحَلِفِ والهِجْرَةِ أباحَ أنْ يُوصى لَهم. وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِالمَعْرُوفِ النُّصْرَةَ وحِفْظَ الحُرْمَةَ بِحَقِّ الإيمانِ والهِجْرَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: كانَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أيْ: كانَ نَسْخُ المِيراثِ بِالهِجْرَةِ والمُحالَفَةِ والمُعاقَدَةِ، ورَدُّهُ إلى ذَوِي الأرْحامِ مِنَ القَراباتِ ﴿فِي الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في القُرْآنِ مَكْتُوبًا. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا يُصَلِّي، فَخَطَرَ خَطْرَةً، فَقالَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ: ألا تَرى أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ قَلْبًا مَعَكم وقَلْبًا مَعَهم ؟ فَنَزَلَ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى بِلَفْظِ صَلّى لِلَّهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلاةً فَسَها فِيها، فَخَطَرَتْ مِنهُ كَلِمَةٌ فَسَمِعَها المُنافِقُونَ، فَقالُوا: إنْ لَهُ قَلْبَيْنِ، فَنَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُسَمّى مِن دَهائِهِ ذا القَلْبَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذا في شَأْنِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما كُنّا نَدْعُوهُ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ أنْتَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بْنِ شَراحِيلَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى النّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ (p-١١٥٨)فَأيُّما مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالًا فَلْتَرِثْهُ عُصْبَتُهُ مَن كانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضَياعًا فَلْيَأْتِنِي فَأنا مَوْلاهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ «عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ إلى اليَمَنِ فَرَأيْتُ مِنهُ جَفْوَةً، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرْتُ عَلِيًّا فَتَنَقَّصْتُهُ، فَرَأيْتُ وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَغَيَّرَ وقالَ: يا بُرَيْدَةُ ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ ووَلَدِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لَها: يا أُمَّهْ، فَقالَتْ: أنا أُمُّ رِجالِكم ولَسْتُ أُمَّ نِسائِكم. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: أنا أُمُّ الرِّجالِ مِنكم والنِّساءِ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وإسْحاقُ بْنُ راهْوَيْهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في دَلائِلِهِ عَنْ بَجالَةَ: قالَ مَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِغُلامٍ وهو يَقْرَأُ في المُصْحَفِ " النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم " فَقالَ يا غُلامُ حُكَّها، فَقالَ: هَذا مُصْحَفُ أُبَيٍّ، فَذَهَبَ إلَيْهِ فَسَألَهُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ يُلْهِينِي القُرْآنُ ويُلْهِيكَ الصَّفْقُ في الأسْواقِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم " .

الأحزاب 33:5

تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْزابِ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأحْزابِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ والطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَنِيعٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ زِرٍّ قالَ: قالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأيٍّ تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزابِ أوْ كَأيِّنْ تَعُدُّها ؟، قُلْتُ ثَلاثًا وسَبْعِينَ آيَةً، فَقالَ أقَطُّ لَقَدْ رَأيْتُها وإنَّها لَتُعادِلُ سُورَةَ البَقَرَةِ، أوْ أكْثَرَ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها " الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " فَرُفِعَ فِيما رُفِعَ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ حَسَنٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قامَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، فَكانَ فِيما أنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْناها ووَعَيْناها " الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ " ورَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ورَجَمْنا بَعْدَهُ، فَأخْشى أنْ يَطُولَ بِالنّاسِ زَمانٌ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ في كِتابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ لِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: كَمْ تَعُدُّونَ سُورَةَ الأحْزابِ ؟ قُلْتُ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلاثًا وسَبْعِينَ، قالَ: إنْ كانَتْ لَتُقارِبُ سُورَةَ البَقَرَةِ، وإنْ كانَ فِيها لَآيَةُ الرَّجْمِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ قالَ: قَرَأْتُ سُورَةَ الأحْزابِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَسِيتُ مِنها سَبْعِينَ آيَةً ما وجَدْتُها. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في الفَضائِلِ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَتْ سُورَةُ الأحْزابِ تُقْرَأُ في زَمانِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِائَتَيْ آيَةٍ، فَلَمّا كَتَبَ عُثْمانُ المَصاحِفَ لَمْ يُقَرِّرْ مِنها إلّا عَلى ما هو الآنَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (p-١١٥٦)قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذَلِكَ وازْدَدْ مِنهُ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن هو عَلى مِثْلِ كُفْرِهِمْ والمُنافِقِينَ أيِ: الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - بِالكافِرِينَ أبا سُفْيانَ وعِكْرِمَةَ وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا، وقُلْ إنَّ لَها شَفاعَةً لِمَن عَبَدَها. قالَ: والمُنافِقِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ. وسَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ العِلْمِ والحِكْمَةِ بَلِيغَهُما، قالَ النَّحّاسُ: ودَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ كانَ يَمِيلُ إلَيْهِمْ: يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اسْتِدْعاءً لَهم إلى الإسْلامِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَوْ عَلِمَ أنَّ مَيْلَكَ إلَيْهِمْ فِيهِ مَنفَعَةٌ لَما نَهاكَ عَنْهم؛ لِأنَّهُ حَكِيمٌ، ولا يَخْفى بُعْدَ هَذِهِ الدَّلالَةِ الَّتِي زَعَمَها، ولَكِنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ الأمْرِ بِالتَّقْوى والنَّهْيِ عَنْ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْمُرُكَ أوْ يَنْهاكَ إلّا بِما عَلِمَ فِيهِ صَلاحًا أوْ فَسادًا لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ وسَعَةِ حِكْمَتِهِ. ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ أيِ: اتَّبِعِ الوَحْيَ في كُلِّ أُمُورِكَ ولا تَتَّبِعْ شَيْئًا مِمّا عَداهُ مِن مَشُوراتِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ولا مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، فَإنَّ فِيما أُوحِيَ إلَيْكَ ما يُغْنِيكَ عَنْ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تَعْلِيلٌ لِأمْرِهِ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْكَ، والأمْرُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمْرٌ لِأُمَّتِهِ، فَهم مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِ القُرْآنِ كَما هو مَأْمُورٌ بِاتِّباعِهِ، ولِهَذا جاءَ بِخِطابِهِ وخِطابِهِمْ في قَوْلِهِ: بِما تَعْمَلُونَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالفَوْقِيَّةِ لِلْخِطابِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبُيْدٍ وأبُو حاتِمٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِالتَّحْتِيَّةِ. ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ أيِ: اعْتَمِدْ عَلَيْهِ وفَوِّضْ أُمُورَكَ إلَيْهِ، وكَفى بِهِ حافِظًا يَحْفَظُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَثَلًا تَوْطِئْةً وتَمْهِيدًا لِما يَتَعَقَّبُهُ مِنَ الأحْكامِ القُرْآنِيَّةِ الَّتِي هي مِنَ الوَحْيِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ . وقَدِ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَما سَيَأْتِي، وقِيلَ: هي مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُظاهِرِ أيْ: كَما لا يَكُونُ لِلرَّجُلِ قَلْبانِ كَذَلِكَ لا تَكُونُ امْرَأةُ المُظاهِرِ أُمَّهُ حَتّى يَكُونَ لَهُ أُمّانِ، وكَذَلِكَ لا يَكُونُ الدَّعِيُّ ابْنًا لِرَجُلَيْنِ. وقِيلَ: كانَ الواحِدُ مِنَ المُنافِقِينَ يَقُولُ: لِي قَلْبٌ يَأْمُرُنِي بِكَذا وقَلْبٌ بِكَذا. فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِرَدِّ النِّفاقِ وبَيانِ أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الإسْلامِ كَما لا يَجْتَمِعُ قَلْبانِ، والقَلْبُ بِضْعَةٌ صَغِيرَةٌ عَلى هَيْئَةِ الصَّنَوْبَرَةِ خَلَقَها اللَّهُ وجَعَلَها مَحَلًّا لِلْعِلْمِ ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم﴾ وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ " اللّائِي " بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ هَمْزَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والبَزِّيُّ بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ ألِفٍ مَحْضَةٍ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّها لُغَةُ قُرَيْشٍ الَّتِي أمَرَ النّاسَ أنْ يَقْرَءُوا بِها. وقَرَأ قُنْبُلٌ ووَرْشٌ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بِدُونِ ياءٍ. قَرَأ عاصِمٌ تُظاهِرُونَ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ الهاءِ بَعْدَ ألِفِ مُضارِعِ ظاهَرَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ مُضارِعِ تَظاهَرَ، والأصْلُ تَتَظاهَرُونَ وقَرَأ الباقُونَ " تَظَّهَّرُونَ " بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ بِدُونِ ألِفٍ، والأصْلُ تَتَظَهَّرُونَ، والظِّهارُ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ، وأصْلُهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، والمَعْنى: وما جَعَلَ اللَّهُ نِساءَكُمُ اللّائِي تَقُولُونَ لَهُنَّ هَذا القَوْلَ كَأُمَّهاتِكم في التَّحْرِيمِ، ولَكِنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ " و " كَذَلِكَ ما جَعَلَ الأدْعِياءَ الَّذِينَ تَدَّعُونَ أنَّهم أبْناؤُكم أبْناءً لَكم، والأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ، وهو الَّذِي يَدَّعِي ابْنًا لِغَيْرِ أبِيهِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ في الظِّهارِ في سُورَةِ المُجادَلَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الظِّهارِ والِادِّعاءِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدَ قَوْلٍ بِالأفْواهِ ولا تَأْثِيرَ لَهُ، فَلا تَصِيرُ المَرْأةُ بِهِ أُمًّا ولا ابْنُ الغَيْرِ بِهِ ابْنًا، ولا يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ شَيْءٌ مِن أحْكامِ الأُمُومَةِ والبُنُوَّةِ. وقِيلَ: الإشارَةُ راجِعَةٌ إلى الِادِّعاءِ أيِ: ادِّعاؤُكم أنَّ أبْناءَ الغَيْرِ أبْناؤُكم لا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ هو مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِالفَمِ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ الَّذِي يَحِقُّ اتِّباعُهُ لِكَوْنِهِ حَقًّا في نَفْسِهِ لا باطِلًا، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ دُعاءُ الأبْناءِ لِآبائِهِمْ ﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: يَدُلُّ عَلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى الحَقِّ، وفي هَذا إرْشادٌ لِلْعِبادِ إلى قَوْلِ الحَقِّ وتَرْكِ قَوْلِ الباطِلِ والزُّورِ. ثُمَّ صَرَّحَ - سُبْحانَهُ - بِما يَجِبُ عَلى العِبادِ مِن دُعاءِ الأبْناءِ لِلْآباءِ، فَقالَ: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ لِلصُّلْبِ وانْسُبُوهم إلَيْهِمْ ولا تَدْعُوهم إلى غَيْرِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِدُعاءِ الأبْناءِ لِلْآباءِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَصْدَرِ ادْعُوهم، ومَعْنى أقْسَطُ أعْدَلُ أيْ: أعْدَلُ كُلِّ كَلامٍ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، فَتَرَكَ الإضافَةَ لِلْعُمُومِ كَقَوْلِهِ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَدْ يَكُونُ المُضافُ إلَيْهِ مُقَدَّرًا خاصًّا أيْ: أعْدَلُ مِن قَوْلِكم هو ابْنُ فُلانٍ ولَمْ يَكُنِ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ. ثُمَّ تَمَّمَ - سُبْحانَهُ - الإرْشادَ لِلْعِبادِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ وهم مَوالِيكم، فَقُولُوا: أخِي ومَوْلايَ ولا تَقُولُوا ابْنُ فُلانٍ، حَيْثُ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم عَلى الحَقِيقِيَّةِ: قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوالِيكم أوْلِياءَكم في الدِّينِ. وقِيلَ: المَعْنى: فَإنْ كانُوا مُحَرَّرِينَ ولَمْ يَكُونُوا أحْرارًا، فَقُولُوا مَوالِي فُلانٍ (p-١١٥٧)﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم فِيما وقَعَ مِنكم مِن ذَلِكَ خَطَأً مِن غَيْرِ عَمْدٍ، ولَكِنْ الإثْمُ في ﴿ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وهو ما قُلْتُمُوهُ عَلى طَرِيقَةِ العَمْدِ مِن نِسْبَةِ الأبْناءِ إلى غَيْرِ آبائِهِمْ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ. قالَ قَتادَةُ: لَوْ دَعَوْتَ رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ وأنْتَ تَرى أنَّهُ أبُوهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ بَأْسٌ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَغْفِرُ لِلْمُخْطِئِ ويَرْحَمُهُ ويَتَجاوَزُ عَنْهُ، أوْ غَفُورًا لِلذُّنُوبِ رَحِيمًا بِالعِبادِ، ومِن جُمْلَةِ مَن يَغْفِرُ لَهُ ويَرْحَمُهُ مَن دَعا رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ خَطَأً. أوْ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - لِرَسُولِهِ مَزِيَّةً عَظِيمَةً وخُصُوصِيَّةً جَلِيلَةً لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ مِنَ العِبادِ فَقالَ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: هو أحَقُّ بِهِمْ في كُلِّ أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وأوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ أوْلى بِهِمْ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْثِرُوهُ بِما أرادَهُ مِن أمْوالِهِمْ، وإنْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلَيْها، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُحِبُّوهُ زِيادَةً عَلى حُبِّهِمْ أنْفُسَهم، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقَدِّمُوا حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ عَلى حُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ. وبِالجُمْلَةِ فَإذا دَعاهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِشَيْءٍ ودَعَتْهم أنْفُسُهم إلى غَيْرِهِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يُقَدِّمُوا ما دَعاهم إلَيْهِ ويُؤَخِّرُوا ما دَعَتْهم أنْفُسُهم إلَيْهِ، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُطِيعُوهُ فَوْقَ طاعَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ ويُقَدِّمُوا طاعَتَهُ عَلى ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُهم وتَطْلُبُهُ خَواطِرُهم. وقِيلَ: المُرادُ بِأنْفُسِهِمْ في الآيَةِ بَعْضُهم، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِالقَضاءِ أيْ: هو أوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ فِيما قَضى بِهِ بَيْنَهم. وقِيلَ: أوْلى بِهِمْ في الجِهادِ بَيْنَ يَدَيْهِ وبَذْلِ النَّفْسِ دُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أُمَّهاتِهِمْ في الحُكْمِ بِالتَّحْرِيمِ ومُنَزَّلاتٌ مَنزِلَتَهُنَّ في اسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ فَلا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَتَزَوَّجَ بِواحِدَةٍ مِنهُنَّ كَما لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّهِ، فَهَذِهِ الأُمُومَةُ مُخْتَصَّةٌ بِتَحْرِيمِ النِّكاحِ لَهُنَّ وبِالتَّعْظِيمِ لِجَنابِهِنَّ، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ لَسْنَ أُمَّهاتِ نِساءِ المُؤْمِنِينَ، ولا بَناتُهُنَّ أخَواتِ المُؤْمِنِينَ، ولا إخْوَتُهُنَّ أخْوالَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُنَّ أُمَّهاتُ الرِّجالِ والنِّساءِ تَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾، وهَذا يَشْمَلُ الرِّجالَ والنِّساءَ ضَرُورَةً. قالَ: ثُمَّ إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ " وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم "، ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ القَرابَةَ أوْلى بِبَعْضِهِمُ البَعْضِ، فَقالَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ المُرادُ بِأُولِي الأرْحامِ القَراباتُ أيْ: هم أحَقُّ بِبَعْضِهِمُ البَعْضِ في المِيراثِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْفالِ وهي ناسِخَةٌ لِما كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ مِن التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ والمُوالاةِ. قالَ قَتادَةُ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فَتَوارَثَ المُسْلِمُونَ بِالهِجْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَذا قالَ غَيْرُهُ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِلتَّوارُثِ بِالحَلِفِ والمُؤاخاةِ في الدِّينِ، و﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأفْعَلَ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْلى بِبَعْضٍ﴾ لِأنَّهُ يَعْمَلُ في الظَّرْفِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ: كائِنًا في كِتابِ اللَّهِ والمُرادُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ القُرْآنُ، أوْ آيَةُ المَوارِيثِ، وقَوْلُهُ: مِنَ المُؤْمِنِينَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِ ( أُولُو الأرْحامِ )، والمَعْنى أنَّ ذَوِي القَراباتِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأُولى أيْ: أُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ الَّذِي هم أجانِبُ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: وأُولُو الأرْحامِ بِبَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ: إلّا ما يَجُوزُ لِأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن كَوْنِهِمْ كالأُمَّهاتِ في تَحْرِيمِ النِّكاحِ، وفي هَذا مِنَ الضَّعْفِ ما لا يَخْفى. ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ إمّا مُتَّصِلٌ مِن أعَمِّ العامِّ، والتَّقْدِيرُ: وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الإرْثِ وغَيْرِهِ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا مِن صَدَقَةٍ أوْ وصِيَّةٍ فَإنَّ ذَلِكَ جائِزٌ. قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ وعَطاءٌ ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ. قالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: نَزَلَتْ في إجازَةِ الوَصِيَّةِ لِلْيَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ. فالكافِرُ ولِيٌّ في النَّسَبِ لا في الدِّينِ، فَتَجُوزُ الوَصِيَّةُ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، والمَعْنى: لَكِنَّ فِعْلَ المَعْرُوفِ لِلْأوْلِياءِ لا بَأْسَ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا نَسَخَ التَّوارُثَ بِالحَلِفِ والهِجْرَةِ أباحَ أنْ يُوصى لَهم. وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِالمَعْرُوفِ النُّصْرَةَ وحِفْظَ الحُرْمَةَ بِحَقِّ الإيمانِ والهِجْرَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: كانَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أيْ: كانَ نَسْخُ المِيراثِ بِالهِجْرَةِ والمُحالَفَةِ والمُعاقَدَةِ، ورَدُّهُ إلى ذَوِي الأرْحامِ مِنَ القَراباتِ ﴿فِي الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في القُرْآنِ مَكْتُوبًا. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا يُصَلِّي، فَخَطَرَ خَطْرَةً، فَقالَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ: ألا تَرى أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ قَلْبًا مَعَكم وقَلْبًا مَعَهم ؟ فَنَزَلَ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى بِلَفْظِ صَلّى لِلَّهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلاةً فَسَها فِيها، فَخَطَرَتْ مِنهُ كَلِمَةٌ فَسَمِعَها المُنافِقُونَ، فَقالُوا: إنْ لَهُ قَلْبَيْنِ، فَنَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُسَمّى مِن دَهائِهِ ذا القَلْبَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذا في شَأْنِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما كُنّا نَدْعُوهُ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ أنْتَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بْنِ شَراحِيلَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى النّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ (p-١١٥٨)فَأيُّما مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالًا فَلْتَرِثْهُ عُصْبَتُهُ مَن كانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضَياعًا فَلْيَأْتِنِي فَأنا مَوْلاهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ «عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ إلى اليَمَنِ فَرَأيْتُ مِنهُ جَفْوَةً، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرْتُ عَلِيًّا فَتَنَقَّصْتُهُ، فَرَأيْتُ وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَغَيَّرَ وقالَ: يا بُرَيْدَةُ ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ ووَلَدِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لَها: يا أُمَّهْ، فَقالَتْ: أنا أُمُّ رِجالِكم ولَسْتُ أُمَّ نِسائِكم. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: أنا أُمُّ الرِّجالِ مِنكم والنِّساءِ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وإسْحاقُ بْنُ راهْوَيْهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في دَلائِلِهِ عَنْ بَجالَةَ: قالَ مَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِغُلامٍ وهو يَقْرَأُ في المُصْحَفِ " النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم " فَقالَ يا غُلامُ حُكَّها، فَقالَ: هَذا مُصْحَفُ أُبَيٍّ، فَذَهَبَ إلَيْهِ فَسَألَهُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ يُلْهِينِي القُرْآنُ ويُلْهِيكَ الصَّفْقُ في الأسْواقِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم " .

الأحزاب 33:6

تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْزابِ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأحْزابِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ والطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَنِيعٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ زِرٍّ قالَ: قالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأيٍّ تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزابِ أوْ كَأيِّنْ تَعُدُّها ؟، قُلْتُ ثَلاثًا وسَبْعِينَ آيَةً، فَقالَ أقَطُّ لَقَدْ رَأيْتُها وإنَّها لَتُعادِلُ سُورَةَ البَقَرَةِ، أوْ أكْثَرَ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها " الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " فَرُفِعَ فِيما رُفِعَ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ حَسَنٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قامَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، فَكانَ فِيما أنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْناها ووَعَيْناها " الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ " ورَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ورَجَمْنا بَعْدَهُ، فَأخْشى أنْ يَطُولَ بِالنّاسِ زَمانٌ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ في كِتابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ لِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: كَمْ تَعُدُّونَ سُورَةَ الأحْزابِ ؟ قُلْتُ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلاثًا وسَبْعِينَ، قالَ: إنْ كانَتْ لَتُقارِبُ سُورَةَ البَقَرَةِ، وإنْ كانَ فِيها لَآيَةُ الرَّجْمِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ قالَ: قَرَأْتُ سُورَةَ الأحْزابِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَسِيتُ مِنها سَبْعِينَ آيَةً ما وجَدْتُها. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في الفَضائِلِ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَتْ سُورَةُ الأحْزابِ تُقْرَأُ في زَمانِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِائَتَيْ آيَةٍ، فَلَمّا كَتَبَ عُثْمانُ المَصاحِفَ لَمْ يُقَرِّرْ مِنها إلّا عَلى ما هو الآنَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (p-١١٥٦)قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ذَلِكَ وازْدَدْ مِنهُ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن هو عَلى مِثْلِ كُفْرِهِمْ والمُنافِقِينَ أيِ: الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ أرادَ - سُبْحانَهُ - بِالكافِرِينَ أبا سُفْيانَ وعِكْرِمَةَ وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا، وقُلْ إنَّ لَها شَفاعَةً لِمَن عَبَدَها. قالَ: والمُنافِقِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ. وسَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ العِلْمِ والحِكْمَةِ بَلِيغَهُما، قالَ النَّحّاسُ: ودَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ كانَ يَمِيلُ إلَيْهِمْ: يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اسْتِدْعاءً لَهم إلى الإسْلامِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَوْ عَلِمَ أنَّ مَيْلَكَ إلَيْهِمْ فِيهِ مَنفَعَةٌ لَما نَهاكَ عَنْهم؛ لِأنَّهُ حَكِيمٌ، ولا يَخْفى بُعْدَ هَذِهِ الدَّلالَةِ الَّتِي زَعَمَها، ولَكِنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ الأمْرِ بِالتَّقْوى والنَّهْيِ عَنْ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْمُرُكَ أوْ يَنْهاكَ إلّا بِما عَلِمَ فِيهِ صَلاحًا أوْ فَسادًا لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ وسَعَةِ حِكْمَتِهِ. ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ أيِ: اتَّبِعِ الوَحْيَ في كُلِّ أُمُورِكَ ولا تَتَّبِعْ شَيْئًا مِمّا عَداهُ مِن مَشُوراتِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ولا مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، فَإنَّ فِيما أُوحِيَ إلَيْكَ ما يُغْنِيكَ عَنْ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تَعْلِيلٌ لِأمْرِهِ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْكَ، والأمْرُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمْرٌ لِأُمَّتِهِ، فَهم مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِ القُرْآنِ كَما هو مَأْمُورٌ بِاتِّباعِهِ، ولِهَذا جاءَ بِخِطابِهِ وخِطابِهِمْ في قَوْلِهِ: بِما تَعْمَلُونَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالفَوْقِيَّةِ لِلْخِطابِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبُيْدٍ وأبُو حاتِمٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِالتَّحْتِيَّةِ. ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ أيِ: اعْتَمِدْ عَلَيْهِ وفَوِّضْ أُمُورَكَ إلَيْهِ، وكَفى بِهِ حافِظًا يَحْفَظُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَثَلًا تَوْطِئْةً وتَمْهِيدًا لِما يَتَعَقَّبُهُ مِنَ الأحْكامِ القُرْآنِيَّةِ الَّتِي هي مِنَ الوَحْيِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ . وقَدِ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَما سَيَأْتِي، وقِيلَ: هي مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُظاهِرِ أيْ: كَما لا يَكُونُ لِلرَّجُلِ قَلْبانِ كَذَلِكَ لا تَكُونُ امْرَأةُ المُظاهِرِ أُمَّهُ حَتّى يَكُونَ لَهُ أُمّانِ، وكَذَلِكَ لا يَكُونُ الدَّعِيُّ ابْنًا لِرَجُلَيْنِ. وقِيلَ: كانَ الواحِدُ مِنَ المُنافِقِينَ يَقُولُ: لِي قَلْبٌ يَأْمُرُنِي بِكَذا وقَلْبٌ بِكَذا. فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِرَدِّ النِّفاقِ وبَيانِ أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الإسْلامِ كَما لا يَجْتَمِعُ قَلْبانِ، والقَلْبُ بِضْعَةٌ صَغِيرَةٌ عَلى هَيْئَةِ الصَّنَوْبَرَةِ خَلَقَها اللَّهُ وجَعَلَها مَحَلًّا لِلْعِلْمِ ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم﴾ وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ " اللّائِي " بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ هَمْزَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والبَزِّيُّ بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ ألِفٍ مَحْضَةٍ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّها لُغَةُ قُرَيْشٍ الَّتِي أمَرَ النّاسَ أنْ يَقْرَءُوا بِها. وقَرَأ قُنْبُلٌ ووَرْشٌ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بِدُونِ ياءٍ. قَرَأ عاصِمٌ تُظاهِرُونَ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ الهاءِ بَعْدَ ألِفِ مُضارِعِ ظاهَرَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ مُضارِعِ تَظاهَرَ، والأصْلُ تَتَظاهَرُونَ وقَرَأ الباقُونَ " تَظَّهَّرُونَ " بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ بِدُونِ ألِفٍ، والأصْلُ تَتَظَهَّرُونَ، والظِّهارُ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ، وأصْلُهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، والمَعْنى: وما جَعَلَ اللَّهُ نِساءَكُمُ اللّائِي تَقُولُونَ لَهُنَّ هَذا القَوْلَ كَأُمَّهاتِكم في التَّحْرِيمِ، ولَكِنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ " و " كَذَلِكَ ما جَعَلَ الأدْعِياءَ الَّذِينَ تَدَّعُونَ أنَّهم أبْناؤُكم أبْناءً لَكم، والأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ، وهو الَّذِي يَدَّعِي ابْنًا لِغَيْرِ أبِيهِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ في الظِّهارِ في سُورَةِ المُجادَلَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الظِّهارِ والِادِّعاءِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدَ قَوْلٍ بِالأفْواهِ ولا تَأْثِيرَ لَهُ، فَلا تَصِيرُ المَرْأةُ بِهِ أُمًّا ولا ابْنُ الغَيْرِ بِهِ ابْنًا، ولا يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ شَيْءٌ مِن أحْكامِ الأُمُومَةِ والبُنُوَّةِ. وقِيلَ: الإشارَةُ راجِعَةٌ إلى الِادِّعاءِ أيِ: ادِّعاؤُكم أنَّ أبْناءَ الغَيْرِ أبْناؤُكم لا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ هو مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِالفَمِ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ الَّذِي يَحِقُّ اتِّباعُهُ لِكَوْنِهِ حَقًّا في نَفْسِهِ لا باطِلًا، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ دُعاءُ الأبْناءِ لِآبائِهِمْ ﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: يَدُلُّ عَلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى الحَقِّ، وفي هَذا إرْشادٌ لِلْعِبادِ إلى قَوْلِ الحَقِّ وتَرْكِ قَوْلِ الباطِلِ والزُّورِ. ثُمَّ صَرَّحَ - سُبْحانَهُ - بِما يَجِبُ عَلى العِبادِ مِن دُعاءِ الأبْناءِ لِلْآباءِ، فَقالَ: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ لِلصُّلْبِ وانْسُبُوهم إلَيْهِمْ ولا تَدْعُوهم إلى غَيْرِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِدُعاءِ الأبْناءِ لِلْآباءِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَصْدَرِ ادْعُوهم، ومَعْنى أقْسَطُ أعْدَلُ أيْ: أعْدَلُ كُلِّ كَلامٍ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، فَتَرَكَ الإضافَةَ لِلْعُمُومِ كَقَوْلِهِ اللَّهُ أكْبَرُ، وقَدْ يَكُونُ المُضافُ إلَيْهِ مُقَدَّرًا خاصًّا أيْ: أعْدَلُ مِن قَوْلِكم هو ابْنُ فُلانٍ ولَمْ يَكُنِ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ. ثُمَّ تَمَّمَ - سُبْحانَهُ - الإرْشادَ لِلْعِبادِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ وهم مَوالِيكم، فَقُولُوا: أخِي ومَوْلايَ ولا تَقُولُوا ابْنُ فُلانٍ، حَيْثُ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم عَلى الحَقِيقِيَّةِ: قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوالِيكم أوْلِياءَكم في الدِّينِ. وقِيلَ: المَعْنى: فَإنْ كانُوا مُحَرَّرِينَ ولَمْ يَكُونُوا أحْرارًا، فَقُولُوا مَوالِي فُلانٍ (p-١١٥٧)﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم فِيما وقَعَ مِنكم مِن ذَلِكَ خَطَأً مِن غَيْرِ عَمْدٍ، ولَكِنْ الإثْمُ في ﴿ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وهو ما قُلْتُمُوهُ عَلى طَرِيقَةِ العَمْدِ مِن نِسْبَةِ الأبْناءِ إلى غَيْرِ آبائِهِمْ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ. قالَ قَتادَةُ: لَوْ دَعَوْتَ رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ وأنْتَ تَرى أنَّهُ أبُوهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ بَأْسٌ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَغْفِرُ لِلْمُخْطِئِ ويَرْحَمُهُ ويَتَجاوَزُ عَنْهُ، أوْ غَفُورًا لِلذُّنُوبِ رَحِيمًا بِالعِبادِ، ومِن جُمْلَةِ مَن يَغْفِرُ لَهُ ويَرْحَمُهُ مَن دَعا رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ خَطَأً. أوْ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - لِرَسُولِهِ مَزِيَّةً عَظِيمَةً وخُصُوصِيَّةً جَلِيلَةً لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ مِنَ العِبادِ فَقالَ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: هو أحَقُّ بِهِمْ في كُلِّ أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وأوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ أوْلى بِهِمْ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْثِرُوهُ بِما أرادَهُ مِن أمْوالِهِمْ، وإنْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلَيْها، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُحِبُّوهُ زِيادَةً عَلى حُبِّهِمْ أنْفُسَهم، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقَدِّمُوا حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ عَلى حُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ. وبِالجُمْلَةِ فَإذا دَعاهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِشَيْءٍ ودَعَتْهم أنْفُسُهم إلى غَيْرِهِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يُقَدِّمُوا ما دَعاهم إلَيْهِ ويُؤَخِّرُوا ما دَعَتْهم أنْفُسُهم إلَيْهِ، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُطِيعُوهُ فَوْقَ طاعَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ ويُقَدِّمُوا طاعَتَهُ عَلى ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُهم وتَطْلُبُهُ خَواطِرُهم. وقِيلَ: المُرادُ بِأنْفُسِهِمْ في الآيَةِ بَعْضُهم، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِالقَضاءِ أيْ: هو أوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ فِيما قَضى بِهِ بَيْنَهم. وقِيلَ: أوْلى بِهِمْ في الجِهادِ بَيْنَ يَدَيْهِ وبَذْلِ النَّفْسِ دُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أُمَّهاتِهِمْ في الحُكْمِ بِالتَّحْرِيمِ ومُنَزَّلاتٌ مَنزِلَتَهُنَّ في اسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ فَلا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَتَزَوَّجَ بِواحِدَةٍ مِنهُنَّ كَما لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّهِ، فَهَذِهِ الأُمُومَةُ مُخْتَصَّةٌ بِتَحْرِيمِ النِّكاحِ لَهُنَّ وبِالتَّعْظِيمِ لِجَنابِهِنَّ، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ لَسْنَ أُمَّهاتِ نِساءِ المُؤْمِنِينَ، ولا بَناتُهُنَّ أخَواتِ المُؤْمِنِينَ، ولا إخْوَتُهُنَّ أخْوالَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُنَّ أُمَّهاتُ الرِّجالِ والنِّساءِ تَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾، وهَذا يَشْمَلُ الرِّجالَ والنِّساءَ ضَرُورَةً. قالَ: ثُمَّ إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ " وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم "، ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ القَرابَةَ أوْلى بِبَعْضِهِمُ البَعْضِ، فَقالَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ المُرادُ بِأُولِي الأرْحامِ القَراباتُ أيْ: هم أحَقُّ بِبَعْضِهِمُ البَعْضِ في المِيراثِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْفالِ وهي ناسِخَةٌ لِما كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ مِن التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ والمُوالاةِ. قالَ قَتادَةُ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فَتَوارَثَ المُسْلِمُونَ بِالهِجْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَذا قالَ غَيْرُهُ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِلتَّوارُثِ بِالحَلِفِ والمُؤاخاةِ في الدِّينِ، و﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأفْعَلَ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْلى بِبَعْضٍ﴾ لِأنَّهُ يَعْمَلُ في الظَّرْفِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ: كائِنًا في كِتابِ اللَّهِ والمُرادُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ القُرْآنُ، أوْ آيَةُ المَوارِيثِ، وقَوْلُهُ: مِنَ المُؤْمِنِينَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِ ( أُولُو الأرْحامِ )، والمَعْنى أنَّ ذَوِي القَراباتِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأُولى أيْ: أُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ الَّذِي هم أجانِبُ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: وأُولُو الأرْحامِ بِبَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ: إلّا ما يَجُوزُ لِأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن كَوْنِهِمْ كالأُمَّهاتِ في تَحْرِيمِ النِّكاحِ، وفي هَذا مِنَ الضَّعْفِ ما لا يَخْفى. ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ إمّا مُتَّصِلٌ مِن أعَمِّ العامِّ، والتَّقْدِيرُ: وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الإرْثِ وغَيْرِهِ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا مِن صَدَقَةٍ أوْ وصِيَّةٍ فَإنَّ ذَلِكَ جائِزٌ. قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ وعَطاءٌ ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ. قالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: نَزَلَتْ في إجازَةِ الوَصِيَّةِ لِلْيَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ. فالكافِرُ ولِيٌّ في النَّسَبِ لا في الدِّينِ، فَتَجُوزُ الوَصِيَّةُ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، والمَعْنى: لَكِنَّ فِعْلَ المَعْرُوفِ لِلْأوْلِياءِ لا بَأْسَ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا نَسَخَ التَّوارُثَ بِالحَلِفِ والهِجْرَةِ أباحَ أنْ يُوصى لَهم. وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِالمَعْرُوفِ النُّصْرَةَ وحِفْظَ الحُرْمَةَ بِحَقِّ الإيمانِ والهِجْرَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: كانَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أيْ: كانَ نَسْخُ المِيراثِ بِالهِجْرَةِ والمُحالَفَةِ والمُعاقَدَةِ، ورَدُّهُ إلى ذَوِي الأرْحامِ مِنَ القَراباتِ ﴿فِي الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في القُرْآنِ مَكْتُوبًا. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا يُصَلِّي، فَخَطَرَ خَطْرَةً، فَقالَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ: ألا تَرى أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ قَلْبًا مَعَكم وقَلْبًا مَعَهم ؟ فَنَزَلَ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى بِلَفْظِ صَلّى لِلَّهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلاةً فَسَها فِيها، فَخَطَرَتْ مِنهُ كَلِمَةٌ فَسَمِعَها المُنافِقُونَ، فَقالُوا: إنْ لَهُ قَلْبَيْنِ، فَنَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُسَمّى مِن دَهائِهِ ذا القَلْبَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذا في شَأْنِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما كُنّا نَدْعُوهُ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ أنْتَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بْنِ شَراحِيلَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى النّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ (p-١١٥٨)فَأيُّما مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالًا فَلْتَرِثْهُ عُصْبَتُهُ مَن كانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضَياعًا فَلْيَأْتِنِي فَأنا مَوْلاهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ «عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ إلى اليَمَنِ فَرَأيْتُ مِنهُ جَفْوَةً، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرْتُ عَلِيًّا فَتَنَقَّصْتُهُ، فَرَأيْتُ وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَغَيَّرَ وقالَ: يا بُرَيْدَةُ ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ ووَلَدِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لَها: يا أُمَّهْ، فَقالَتْ: أنا أُمُّ رِجالِكم ولَسْتُ أُمَّ نِسائِكم. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: أنا أُمُّ الرِّجالِ مِنكم والنِّساءِ وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وإسْحاقُ بْنُ راهْوَيْهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في دَلائِلِهِ عَنْ بَجالَةَ: قالَ مَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِغُلامٍ وهو يَقْرَأُ في المُصْحَفِ " النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم " فَقالَ يا غُلامُ حُكَّها، فَقالَ: هَذا مُصْحَفُ أُبَيٍّ، فَذَهَبَ إلَيْهِ فَسَألَهُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ يُلْهِينِي القُرْآنُ ويُلْهِيكَ الصَّفْقُ في الأسْواقِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم " .

الأحزاب 33:7

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ. والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى. قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ. ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] . واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم. وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ. وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ. وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم. قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! . ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ. وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ. وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها. وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ. قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ. ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها. قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ. وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا. قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ. قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ. ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ. ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها. وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.

الأحزاب 33:8

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ. والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى. قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ. ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] . واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم. وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ. وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ. وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم. قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! . ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ. وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ. وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها. وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ. قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ. ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها. قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ. وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا. قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ. قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ. ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ. ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها. وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.

الأحزاب 33:9

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ. والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى. قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ. ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] . واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم. وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ. وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ. وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم. قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! . ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ. وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ. وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها. وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ. قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ. ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها. قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ. وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا. قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ. قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ. ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ. ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها. وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.

الأحزاب 33:10

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ. والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى. قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ. ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] . واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم. وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ. وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ. وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم. قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! . ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ. وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ. وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها. وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ. قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ. ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها. قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ. وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا. قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ. قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ. ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ. ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها. وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.

الأحزاب 33:11

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ. والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى. قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ. ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] . واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم. وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ. وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ. وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم. قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! . ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ. وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ. وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها. وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ. قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ. ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها. قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ. وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا. قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ. قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ. ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ. ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها. وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.

الأحزاب 33:12

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ. والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى. قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ. ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] . واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم. وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ. وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ. وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم. قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! . ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ. وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ. وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها. وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ. قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ. ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها. قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ. وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا. قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ. قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ. ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ. ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها. وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.

الأحزاب 33:13

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ. والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى. قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ. ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] . واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم. وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ. وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ. وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم. قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! . ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ. وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ. وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها. وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ. قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ. ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها. قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ. وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا. قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ. قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ. ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ. ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها. وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.

الأحزاب 33:14

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ. والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى. قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ. ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] . واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم. وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ. وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ. وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم. قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! . ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ. وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ. وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها. وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ. قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ. ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها. قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ. وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا. قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ. قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ. ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ. ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها. وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.

الأحزاب 33:15

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ. والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى. قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ. ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] . واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم. وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ. وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ. وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم. قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! . ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ. وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ. وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها. وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ. قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ. ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها. قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ. وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا. قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ. قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ. ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ. ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها. وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.

الأحزاب 33:16

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ. والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى. قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ. ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] . واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم. وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ. وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ. وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم. قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! . ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ. وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ. وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها. وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ. قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ. ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها. قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ. وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا. قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ. قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ. ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ. ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها. وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.

الأحزاب 33:17

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ. والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى. قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ. ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] . واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم. وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ. وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ. وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم. قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! . ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ. وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ. وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها. وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ. قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ. ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها. قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ. وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا. قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ. قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ. ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ. ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها. وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.

الأحزاب 33:18

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ. والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى. قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ. ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] . واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم. وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ. وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ. وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم. قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! . ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ. وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ. وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها. وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ. قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ. ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها. قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ. وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا. قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ. قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ. ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ. ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها. وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.

الأحزاب 33:19

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ. والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى. قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ. ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] . واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم. وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ. وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ. وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم. قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! . ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ. وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ. وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها. وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ. قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ. ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها. قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ. وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا. قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ. قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ. ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً. ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ. ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» . وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها. وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.