Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأحزاب 33:20 – الأحزاب 33:40
المحتويات
الأحزاب 33:20
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ.
قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ.
والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ.
ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى.
قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ.
ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] .
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم.
وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ.
وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا.
وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ.
وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم.
قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! .
﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ.
﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ.
وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها.
قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ.
وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ.
وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها.
وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ
أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها.
قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ.
قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا.
وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ.
﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ.
﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ.
وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا.
قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ.
قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ.
﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً.
ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ.
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ.
﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» .
وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها.
وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.
الأحزاب 33:21
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ.
قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ.
والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ.
ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى.
قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ.
ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] .
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم.
وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ.
وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا.
وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ.
وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم.
قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! .
﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ.
﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ.
وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها.
قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ.
وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ.
وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها.
وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ
أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها.
قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ.
قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا.
وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ.
﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ.
﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ.
وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا.
قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ.
قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ.
﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً.
ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ.
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ.
﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» .
وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها.
وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.
الأحزاب 33:22
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ.
قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ.
والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ.
ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى.
قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ.
ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] .
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم.
وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ.
وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا.
وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ.
وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم.
قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! .
﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ.
﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ.
وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها.
قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ.
وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ.
وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها.
وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ
أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها.
قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ.
قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا.
وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ.
﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ.
﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ.
وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا.
قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ.
قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ.
﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً.
ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ.
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ.
﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» .
وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها.
وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.
الأحزاب 33:23
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: واذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ.
قالَ قَتادَةُ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَ مِيثاقَهم عَلى أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُوا إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وأنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ.
والمِيثاقُ هو اليَمِينُ، وقِيلَ: هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ.
ثُمَّ خَصَّصَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ الإعْلامُ بِأنَّ لَهم مَزِيدَ شَرَفٍ وفَضْلٍ لِكَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ الشَّرائِعِ المَشْهُورَةِ ومِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ تَأخُّرِ زَمانِهِ فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى.
قالَ الزَّجّاجُ: وأخَذَ المِيثاقَ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ.
ثُمَّ أكَّدَ ما أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِهِ ووَصْفِهِ بِالغِلَظِ، فَقالَ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا وما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأُولى مُجَرَّدَ المِيثاقِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ ولا تَشْدِيدٍ، ثُمَّ أخَذَهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا مُغَلَّظًا مُشَدَّدًا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] .
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ أيْ: لِكَيْ يَسْألَ الصّادِقِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأنَّهم إذا كانُوا يَسْألُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ غَيْرُهم.
وقِيلَ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْألَ، ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ إذِ التَّقْدِيرُ: أثابَ الصّادِقِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أخَذْنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ.
وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، ومِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فَأثابَهم، ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم وأعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا.
وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في لِيَسْألَ كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما أعَدَّهُ لِلْكُفّارِ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ هَذا تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَها خَوْفٌ مِن أحَدٍ وقَوْلُهُ عَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ إنْ كانَتْ مَصْدَرًا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أيْ: كائِنَةً عَلَيْكم، ومَعْنى ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ حِينَ جاءَتْكم جُنُودٌ، وهو ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، أوْ لِلْمُقَدَّرِ عامِلًا في عَلَيْكم، أوْ لِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، والمُرادُ بِالجُنُودِ: جُنُودُ الأحْزابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وغَزَوْهُ إلى المَدِينَةِ، وهي الغَزْوَةُ المُسَمّاةُ " غَزْوَةَ الخَنْدَقِ " وهم: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ (p-١١٥٩)بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهم مِنَ الألْفافِ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ غَطَفانَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَضايَقُوا المُسْلِمِينَ مُضايَقَةً شَدِيدَةً كَما وصَفَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآياتِ، وكانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: كانَتْ في سَنَةِ أرْبَعٍ.
وقَدْ بَسَطَ أهْلُ السِّيَرِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما هو مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَتْكم.
قالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ألْقَتْ قُدُورَهم ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتْ أطْنابَ الفَساطِيطِ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وجالَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ، وكَثُرَ تَكْبِيرُ المَلائِكَةِ في جَوانِبِ العَسْكَرِ حَتّى كانَ سَيِّدُ كُلِّ قَوْمٍ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يا بَنِي فُلانٍ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإذا اجْتَمَعُوا قالَ لَهم: النَّجاءَ النَّجاءَ ! .
﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ أيْ: أيُّها المُسْلِمُونَ مِن تَرْتِيبِ الحَرْبِ، وحَفْرِ الخَنْدَقِ، واسْتِنْصارِكم بِهِ، وتَوَكُّلِكم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ مِنَ العِنادِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والتَّحَزُّبِ عَلى المُسْلِمِينَ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ.
﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ إذْ هَذِهِ وما بَعْدَها بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ في هَذِهِ هو العامِلُ في تِلْكَ، وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ومَعْنى مِن فَوْقِكم مِن أعْلى الوادِي، وهو مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والَّذِينَ جاءُوا مِن هَذِهِ الجِهَةِ هم غَطَفانُ وسَيِّدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وهَوازِنُ وسَيِّدُهم عَوْفُ بْنُ مالِكٍ، وأهْلُ نَجْدٍ وسَيِّدُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، وانْضَمَّ إلَيْهِمْ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ وبَنُو النَّضِيرِ، ومَعْنى ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وسَيِّدُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وجاءَ أبُو الأعْوَرِ السُّلَمِيُّ ومَعَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن وجْهِ الخَنْدَقِ، ومَعَهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجُمْلَةُ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ: مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَنْظُرْ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: شَخَصَتْ دَهَشًا مِن فَرْطِ الهَوْلِ والحَيْرَةِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي جَوْفُ الحُلْقُومِ أيِ: ارْتَفَعَتِ القُلُوبُ عَنْ مَكانِها، ووَصَلَتْ مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ إلى الحَناجِرِ، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها وهو الَّذِي نِهايَتُهُ الحَنْجَرَةُ لَخَرَجَتْ، كَذا قالَ قَتادَةُ.
وقِيلَ: هو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ المَعْهُودَةِ في كَلامِ العَرَبِ وإنْ لَمْ تَرْتَفِعِ القُلُوبُ إلى ذَلِكَ المَكانِ ولا خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِها، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ في اضْطِرابِها وجُبْنِها.
قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهم، وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ، فَإذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ ارْتَفَعَ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، ولِهَذا يُقالُ: لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحَرُهُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أيِ: الظُّنُونَ المُخْتَلِفَةَ، فَبَعْضُهم ظَنَّ النَّصْرَ ورَجا الظَّفَرَ، وبَعْضُهم ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ.
وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّهُ يُسْتَأْصَلُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ.
وقِيلَ: الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والأوْلى ما قالَهُ الحَسَنُ فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى الإطْلاقِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا في الواقِعِ أوْ مُنافِقًا.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الألِفِ في الظَّنُونا: فَأثْبَتَها وصْلًا ووَقْفًا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ، وتَمَسَّكُوا بِخَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وجَمِيعِ المَصاحِفِ في جَمِيعِ البُلْدانِ فَإنَّ الألِفَ فِيها كُلِّها ثابِتَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ إلّا أنَّهُ قالَ: لا يَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يُدْرِجَ القِراءَةَ بَعْدَهُنَّ بَلْ يَقِفُ عَلَيْهِنَّ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِما في أشْعارِ العَرَبِ مِن مِثْلِ هَذا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ بِحَذْفِها في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقالُوا: هي مِن زِياداتِ الخَطِّ فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي النُّطْقُ بِها.
وأمّا في الشِّعْرِ فَهو يَجُوزُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإثْباتِها وقْفًا وحَذْفِها وصْلًا، وهَذِهِ القِراءَةُ راجِحَةٌ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الألِفُ هي الَّتِي تُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، والكَلامُ فِيها مَعْرُوفٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهَكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ الرَّسُولا و السَّبِيلا كَما سَيَأْتِي آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وقِيلَ: بِـ ( تَظُنُّونَ )، واسْتَضْعَفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ، يُقالُ لِلْمَكانِ البَعِيدِ: هُنالِكَ كَما يُقالُ لِلْمَكانِ القَرِيبِ: هُنا، ولِلْمُتَوَسِّطِ هُناكَ. وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإذا الأُمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فَهُناكَ يَعْتَرِفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ
أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: أنَّ في ذَلِكَ المَكانِ أوِ الزَّمانِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ بِالخَوْفِ والقِتالِ والجُوعِ والحَصْرِ والنِّزالِ لِيُتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ زُلْزِلُوا بِضَمِّ الزّايِ: الأُولى وكَسْرِ الثّانِيَةِ عَلى ما هو الأصْلُ في المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الأُولى، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِإشْمامِها كَسْرًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ: الأُولى، وقَرَأ عاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها.
قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَصْدَرٍ مِنَ المُضاعَفِ عَلى فَعِلالٍ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ: نَحْوَ قَلْقَلْتُهُ قِلْقالًا، وزُلْزِلُوا زِلْزالًا، والكَسْرُ أجْوَدُ.
قالَ ابْنُ سَلامٍ: مَعْنى زُلْزِلُوا: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا.
وقالَ الضَّحّاكُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا مُخْتَلِفًا، فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ، ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ.
﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، والمَرَضُ (p-١١٦٠)فِي القُلُوبِ هو الشَّكُّ والرِّيبَةُ، والمُرادُ بِـ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وبِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: أهْلُ الشَّكِّ والِاضْطِرابِ ما ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ﴿إلّا غُرُورًا﴾ أيْ: باطِلًا مِنَ القَوْلِ، وكانَ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ النِّفاقِ والشَّكِّ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ هو كالتَّفْسِيرِ لِلظُّنُونِ المَذْكُورَةِ أيْ: كانَ ظَنُّ هَؤُلاءِ هَذا الظَّنَّ، كَما كانَ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ.
﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سالِمٍ مِنَ المُنافِقِينَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: هم أوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ وأصْحابُهُ، والطّائِفَةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ، والقَوْلُ الَّذِي قالَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ: لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكم، أوْ لا إقامَةَ لَكم هاهُنا في العَسْكَرِ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَثْرِبُ اسْمُ الأرْضِ، ومَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في ناحِيَةٍ مِنها.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: وسُمِّيَتْ يَثْرِبَ، لِأنَّ الَّذِي نَزَلَها مِنَ العَمالِقَةِ اسْمُهُ يَثْرِبُ بْنُ عُمَيْلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لا مَقامَ لَكم " بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّها، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أقامَ يُقِيمُ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى هو اسْمُ مَكانٍ فارْجِعُوا أيْ: إلى مَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ مِن عَسْكَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عامَ الخَنْدَقِ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهم إلى سَلْعٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ، فَقالَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ: لَيْسَ هاهُنا مَوْضِعُ إقامَةِ، وأمَرُوا النّاسَ بِالرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ بِالمَدِينَةِ ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم أيْ: يَسْتَأْذِنُونَ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ " يَسْتَأْذِنُ " أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والقَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وهو قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ضائِعَةٌ سائِبَةٌ لَيْسَتْ بِحَصِينَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ مِنَ العَدُوِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً، وبُيُوتٌ عَوِرَةٌ وعَوْرَةٌ، وهي مَصْدَرٌ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والحَسَنُ: قالُوا: بُيُوتُنا ضائِعَةٌ نَخْشى عَلَيْها السُّرّاقَ.
وقالَ قَتادَةُ: قالُوا: بُيُوتُنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ ولا نَأْمَنُ عَلى أهْلِنا.
قالَ الهَرَوِيُّ: كُلُّ مَكانٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ولا مَسْتُورٍ فَهو عَوْرَةٌ، والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ فَأُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ، والمُرادُ: ذاتُ عَوْرَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " عَوِرَةٌ " بِكَسْرِ الواوِ أيْ: قَصِيرَةُ الجُدْرانِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَوْرَةُ كُلُّ حالٍ يُتَخَوَّفُ مِنهُ في ثَغْرٍ أوْ حَرْبٍ.
قالَ النَّحّاسُ يُقالُ: أعْوَرَ المَكانُ: إذا تَبَيَّنَتْ فِيهِ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: إذا تَبَيَّنَ مِنهُ مَوْضِعُ الخَلَلِ، ثُمَّ رَدَّ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما ذَكَرُوهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ اسْتِئْذانِهِمْ وما يُرِيدُونَهُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ أيْ: ما يُرِيدُونَ إلّا الهَرَبَ مِنَ القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ: ما يُرِيدُونَ إلّا الفِرارَ مِنَ الدِّينِ.
﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ يَعْنِي بُيُوتَهم أوِ المَدِينَةَ، والأقْطارُ: النَّواحِي جَمْعُ قُطْرٍ، وهو الجانِبُ والنّاحِيَةُ، والمَعْنى: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهم أوِ المَدِينَةُ مِن جَوانِبِها جَمِيعًا لا مِن بَعْضِها، نَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ، واسْتُبِيحَتْ دِيارُهم، وهُتِكَتْ حُرَمُهم ومَنازِلُهم ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ النّازِلَةِ الشَّدِيدَةِ بِهِمْ لَأتَوْها أيْ: لَجاءُوها أوْ أعْطَوْها، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا: إمّا القِتالُ في العَصَبِيَّةِ كَما قالَ الضَّحّاكُ، أوِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ والرَّجْعَةُ إلى الكُفْرِ الَّذِي يُبْطِنُونَهُ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ كَما قالَ الحَسَنُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَآتَوْها " بِالمَدِّ أيْ: لَأعْطَوْها مِن أنْفُسِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ أيْ: لَجاءُوها ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أنْ أتَوُا الفِتْنَةَ إلّا تَلْبُثًّا يَسِيرًا حَتّى يَهْلِكُوا، كَذا قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والقُتَيْبِيُّ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المَعْنى: وما احْتَسَبُوا عَنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ إلّا قَلِيلًا، بَلْ هم مُسْرِعُونَ إلَيْها راغِبُونَ فِيها لا يَقِفُونَ عَنْها إلّا مُجَرَّدَ وُقُوعِ السُّؤالِ لَهم، ولا يَتَعَلَّلُونَ عَنِ الإجابَةِ بِأنَّ بُيُوتَهم في هَذِهِ الحالَةِ عَوْرَةٌ مَعَ أنَّها قَدْ صارَتْ عَوْرَةً عَلى الحَقِيقَةِ كَما تَعَلَّلُوا عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ والقِتالِ مَعَهُ بِأنَّها عَوْرَةٌ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ عَوْرَةً.
ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْهم ما قَدْ كانَ وقْعَ مِنهم مِن قَبْلُ مِنَ المُعاهَدَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالثَّباتِ في الحَرْبِ وعَدَمِ الفِرارِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ ومِن بَعْدِ بَدْرٍ قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ أنَّهم غابُوا عَنْ بَدْرٍ ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والنَّصْرِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لِنُقاتِلَنَّ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلِمَةَ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أيْ: مَسْئُولًا عَنْهُ، ومَطْلُوبًا صاحِبُهُ بِالوَفاءِ بِهِ، ومُجازًى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ.
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّ مَن حَضَرَ أجَلُهُ ماتَ أوْ قُتِلَ فَرَّ أوْ لَمْ يَفِرَّ ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا بَعْدَ فِرارِهِمْ إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالُهم، وكُلُّ ما هو آتٍ فَهو قَرِيبٌ قَرَأ الجُمْهُورُ تُمَتَّعُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ في رِوايَةِ السّاجِيِّ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ " لا تُمَتَّعُوا " بِحَذْفِ النُّونِ إعْمالًا لِإذَنْ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هي مُلْغاةٌ.
﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ أيْ: هَلاكًا أوْ نَقْصًا في الأمْوالِ وجَدْبًا ومَرَضًا ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ يَرْحَمُكم بِها مِن خِصْبٍ ونَصْرٍ وعافِيَةٍ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَدْفَعُ عَنْهم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ ؟ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ تَلا» ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ قالَ: (p-١١٦١)﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورَ الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ " قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا ؟ " قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» .
وفِي البابِ أحادِيثُ قَدْ صُحِّحَ بَعْضُها.
وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ، فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِيثاقَهم عَهْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: " لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ مِنّا، نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا في أصْواتِ رِيحِها أمْثالَ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا أُصْبُعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - و﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ فَما يَسْتَأْذِنُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ إذِ «اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا رَجُلًا حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ، فَقالَ: مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قالَ حُذَيْفَةُ، فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ، فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ، قالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ القَوْمِ، قالَ: وأنا مِن أشَدِّ القَوْمِ فَزَعًا وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: يا حُذَيْفَةُ لا تُحَدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا أدْنى النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ لا مُقامَ لَكم، وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمُ الرِّيحُ تَضْرِبُهم، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ إذا أنا بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ فارِسًا مُعْتَمِّينَ فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ قالَ: كانَ يَوْمُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ لَيْلَةَ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالُ إلى الجَنُوبِ، فَقالَتِ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وفي البابِ أحادِيثُ في وصْفِ هَذِهِ الغَزْوَةِ وما وقَعَ فِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الغَزَواتِ والسِّيَرِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي البَأْسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي: طابَةُ هي: طابَةُ هي: طابَةُ» ولَفْظُ أحْمَدَ إنَّما هي طابَةُ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ قالُوا: ﴿بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُخْتَلَّةٌ نَخْشى عَلَيْها السَّرَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَأتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها: يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ.
الأحزاب 33:24
(p-١١٦٢)قَوْلُهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم﴾ يُقالُ: عاقَهُ واعْتاقَهُ وعَوَّقَهُ: إذا صَرَفَهُ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي يُرِيدُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يُثَبِّطُونَ أنْصارَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لَهم: ما مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ إلّا أكْلَةُ رَأْسٍ، ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَقَمَهم أبُو سُفْيانَ وحِزْبُهُ، فَخَلُّوهم وتَعالَوْا إلَيْنا، وقِيلَ: إنَّ القائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ اليَهُودُ قالُوا لِإخْوانِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ هَلُمَّ إلَيْنا ومَعْنى هَلُمَّ أقْبِلْ واحْضُرْ وأهْلُ الحِجازِ يُسَوُّونَ فِيهِ بَيْنَ الواحِدِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وغَيْرُهم مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: هَلُمَّ لِلْواحِدِ المُذَكَّرِ، وهَلُمِّي لِلْمُؤَنَّثِ، وهَلُمّا لِلِاثْنَيْنِ، وهَلُمُّوا لِلْجَماعَةِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ ولا يَأْتُونَ البَأْسَ أيِ: الحَرْبَ إلّا قَلِيلًا خَوْفًا مِنَ المَوْتِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَحْضُرُونَ القِتالَ إلّا رِياءً وسُمْعَةً مِن غَيْرِ احْتِسابٍ.
﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: بُخَلاءَ عَلَيْكم لا يُعاوِنُونَكم بِحَفْرِ الخَنْدَقِ ولا بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: أشِحَّةٌ بِالقِتالِ مَعَكم، وقِيلَ: بِالنَّفَقَةِ عَلى فُقَرائِكم ومَساكِينِكم، وقِيلَ: أشِحَّةٌ بِالغَنائِمِ إذا أصابُوها. قالَهُ السُّدِّيُّ.
وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَأْتُونَ، أوْ مِنَ المُعَوِّقِينَ.
وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ في نَصْبِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: مِنها النَّصْبُ عَلى الذَّمِّ، ومِنها بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: يَأْتُونَهُ أشِحَّةً.
قالَ النَّحّاسُ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ لِلْمُعَوِّقِينَ ولا القائِلِينَ لِئَلّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الصِّلَةِ والمَوْصُولِ ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم﴾ أيْ: تَدُورُ يَمِينًا وشِمالًا، وذَلِكَ سَبِيلُ الجَبانِ إذا شاهَدَ ما يَخافُهُ ﴿كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ أيْ: كَعَيْنِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، وهو الَّذِي نَزَلَ بِهِ المَوْتُ وغَشِيَتْهُ أسْبابُهُ، فَيُذْهَلُ ويَذْهَبُ عَقْلُهُ ويَشْخَصُ بَصَرُهُ فَلا يَطْرِفُ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ تَشْخَصُ أبْصارُهم لِما يَلْحَقُهم مِنَ الخَوْفِ، ويُقالُ: لِلْمَيِّتِ إذا شَخَصَ بَصَرُهُ: دارَتْ عَيْناهُ، ودارَتْ حَمالِيقُ عَيْنَيْهِ، والكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ يُقالُ: سَلَقَ فُلانٌ فَلانًا بِلِسانِهِ: إذا أغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ مُجاهِرًا.
قالَ الفَرّاءُ أيْ: آذَوْهم بِالكَلامِ في الأمْنِ بِألْسِنَةٍ سَلِيطَةٍ ذَرِبَةٍ، ويُقالُ: خَطِيبٌ مِسْلاقٌ ومِصْلاقٌ إذا كانَ بَلِيغًا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فِيهِمُ المَجْدُ والسَّماحَةُ والنَّجْ دَةُ فِيهِمْ والخاطِبُ المِسْلاقُ
قالَ القُتَيْبِيُّ: المَعْنى آذَوْكم بِالكَلامِ الشَّدِيدِ، والسَّلْقُ الأذى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ سَلَقَتْ هَوازِنًا ∗∗∗ بَنُو أهْلٍ حَتّى انْحَنَيْنا
قالَ قَتادَةُ: مَعْنى الآيَةِ: بَسَطُوا ألْسِنَتَهم فِيكم في وقْتِ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ يَقُولُونَ: أعْطِنا فَإنَّهُ قَدْ شَهِدْنا مَعَكم، فَعِنْدَ الغَنِيمَةِ أشَحُّ قَوْمٍ وأبْسَطُهم لِسانًا ووَقْتَ البَأْسِ أجْبَنُ قَوْمٍ وأخْوَفُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وانْتِصابُ ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ سَلَقُوكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى الذَّمِّ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِ ( أشِحَّةٌ )، والمُرادُ هُنا أنَّهم أشِحَّةٌ عَلى الغَنِيمَةِ يُشاحُّونَ المُسْلِمِينَ عِنْدَ القِسْمَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: عَلى المالِ أنْ يُنْفِقُوهُ في سَبِيلِ اللَّهِ. قالَهُ السُّدِّيُّ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مَعْناهُ: أنَّهم قَلِيلُو الخَيْرِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِهِ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ إيمانًا خالِصًا بَلْ هم مُنافِقُونَ: يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ ﴿فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أبْطَلَها بِمَعْنى أظْهَرَ بُطْلانَها، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ لَهم أعْمالٌ تَقْتَضِي الثَّوابَ حَتّى يُبْطِلَها اللَّهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: أبْطَلَ جِهادَهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في إيمانٍ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أيْ: وكانَ ذَلِكَ الإحْباطُ لِأعْمالِهِمْ، أوْ كانَ نِفاقُهم عَلى اللَّهِ هَيِّنًا.
﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أيْ: يَحْسَبُ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ لِجُبْنِهِمْ أنَّ الأحْزابَ باقُونَ في مُعَسْكَرِهِمْ لَمْ يَذْهَبُوا إلى دِيارِهِمْ، وذَلِكَ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الفَشَلِ والرَّوْعِ ﴿وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾ مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ ﴿يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ﴾ أيْ: يَتَمَنَّوْنَ أنَّهم في بادِيَةِ الأعْرابِ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الرَّهْبَةِ، والبادِي خِلافُ الحاضِرِ، يُقالُ: بَدا يَبْدُو بَداوَةً إذا خَرَجَ إلى البادِيَةِ ﴿يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكُمْ﴾ أيْ: عَنْ أخْبارِكم وما جَرى لَكم، كُلَّ قادِمٍ عَلَيْهِمْ مِن جِهَتِكم، أوْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ الأخْبارِ الَّتِي بَلَغَتْهُ مِن أخْبارِ الأحْزابِ ورَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
والمَعْنى: أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ أنَّهم بَعِيدٌ عَنْكم يَسْألُونَ عَنْ أخْبارِكم مِن غَيْرِ مُشاهِدَةٍ لِلْقِتالٍ لِفَرْطِ جُبْنِهِمْ وضَعْفِ نِيّاتِهِمْ ﴿ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: لَوْ كانُوا مَعَكم في هَذِهِ الغَزْوَةِ مُشاهِدِينَ لِلْقِتالِ ما قاتَلُوا مَعَكم إلّا قِتالًا قَلِيلًا خَوْفًا مِنَ العارِ وحَمِيَّةً عَلى الدِّيارِ.
﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أيْ: قُدْوَةٌ صالِحَةٌ، يُقالُ: لِي في فُلانٍ أُسْوَةٌ أيْ: لِي بِهِ، والأُسْوَةُ مِنَ الِائْتِساءِ، كالقُدْوَةِ مِنَ الِاقْتِداءِ: اسْمٌ يُوضَعُ مَوْضِعَ المَصْدَرِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والأُسْوَةُ والإسْوَةُ بِالضَّمِّ والكَسْرِ، والجَمْعُ أُسًى وإسًى.
قَرَأ الجُمْهُورُ أُسْوَةٌ بِالضَّمِّ لِلْهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ كَما قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ عِتابٌ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ القِتالِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ حَيْثُ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلْقِتالِ وخَرَجَ إلى الخَنْدَقِ لِنُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ أُسْوَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَ سَبَبُها خاصًّا فَهي عامَّةٌ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِثْلُها ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، واللّامُ في ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ حَسَنَةٌ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِ حَسَنَةٌ أيْ: (p-١١٦٣)كائِنَةٌ لِمَن يَرْجُو اللَّهَ.
وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِنَ الكافِ في لَكم، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ وقالَ: إنَّهُ لا يُبْدَلُ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ بِإعادَةِ الجارِّ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ أجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ والأخْفَشُ وإنْ مَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، والمُرادُ بِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ: المُؤْمِنُونَ، فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَرْجُونَ اللَّهَ ويَخافُونَ عَذابَهُ، ومَعْنى يَرْجُونَ اللَّهَ: يَرْجُونَ ثَوابَهُ أوْ لِقاءَهُ، ومَعْنى يَرْجُونَ اليَوْمَ الآخِرَ: أنَّهم يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ فِيهِ أوْ يُصَدِّقُونَ بِحُصُولِهِ وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ بِالجُمْلَةِ الأُولى ﴿وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى كانَ أيْ: ولِمَن ذَكَرَ اللَّهَ في جَمِيعِ أحْوالِهِ ذِكْرًا كَثِيرًا، وجَمَعَ بَيْنَ الرَّجاءِ لِلَّهِ والذِّكْرِ لَهُ، فَإنَّ بِذَلِكَ تَتَحَقَّقُ الأُسْوَةُ الحَسَنَةُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما وقَعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ لِلْأحْزابِ ومُشاهَدَتِهِمْ لِتِلْكَ الجُيُوشِ الَّتِي أحاطَتْ بِهِمْ كالبَحْرِ العُبابِ فَقالَ: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى ما رَأوْهُ مِنَ الجُيُوشِ، أوْ إلى الخَطْبِ الَّذِي نَزَلَ والبَلاءِ الَّذِي دَهَمَ، وهَذا القَوْلُ مِنهم قالُوهُ اسْتِبْشارًا بِحُصُولٍ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن مَجِيءِ هَذِهِ الجُنُودِ، وإنَّهُ يَتَعَقَّبُ مَجِيئَهم إلَيْهِمْ نُزُولُ النَّصْرِ والظَّفَرِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وما في ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ﴾ هي المَوْصُولَةُ، أوِ المَصْدَرِيَّةُ، ثُمَّ أرْدَفُوا ما قالُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: ظَهَرَ صِدْقُ خَبَرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ أيْ: ما زادَهم ما رَأوْهُ إلّا إيمانًا بِاللَّهِ وتَسْلِيمًا لِأمْرِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: ما زادَهُمُ النَّظَرُ إلى الأحْزابِ إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا.
قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: رَأى يَدُلُّ عَلى الرُّؤْيَةِ وتَأْنِيثُ الرُّؤْيَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، والمَعْنى: ما زادَهُمُ الرُّؤْيَةُ إلّا إيمانًا لِلرَّبِّ وتَسْلِيمًا لِلْقَضاءِ، ولَوْ قالَ ما زادَتْهم لَجازَ.
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ رِجالٌ صَدَقُوا أتَوْا بِالصِّدْقِ، مِن صَدَقَنِي إذا قالَ الصِّدْقَ، ومَحَلُّ ﴿ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ النَّصْبُ بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى: أنَّهم وفَّوْا بِما عاهَدُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ العَقَبَةِ مِنَ الثَّباتِ مَعَهُ، والمُقاتَلَةِ لِمَن قاتَلَهُ، بِخِلافِ مَن كَذَبَ في عَهْدِهِ وخانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ وهُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ نَذَرُوا أنَّهم إذا لَقُوا حَرْبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثَبَتُوا لَهُ ولَمْ يَفِرُّوا، ووَجْهُ إظْهارِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ، والرَّسُولِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ هو قَصْدُ التَّعْظِيمِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أرى المَوْتَ لا يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ
وأيْضًا لَوْ أضْمَرَهُما لَجَمَعَ بَيْنَ ضَمِيرِ اللَّهِ وضَمِيرِ رَسُولِهِ في لَفْظٍ واحِدٍ.
وقالَ صَدَقا، وقَدْ ورَدَ النَّهْيُ عَنْ جَمْعِهِما كَما في حَدِيثِ «بِئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أنْتَ» لِمَن قالَ: ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ غَوى.
ثُمَّ فَصَّلَ - سُبْحانَهُ - حالَ الصّادِقِينَ بِما وعَدُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ وقَسَّمَهم إلى قِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ النَّحْبُ: ما التَزَمَهُ الإنْسانُ واعْتَقَدَ الوَفاءَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقالَ الآخَرُ:
؎بِطِخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ بِسِطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ
أيْ: عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ، والنَّحْبُ يُطْلَقُ عَلى النَّذْرِ والقَتْلِ والمَوْتِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَضى نَحْبَهُ أيْ: قُتِلَ وأصْلُ النَّحْبِ النَّذْرُ.
كانُوا يَوْمَ بَدْرٍ نَذَرُوا إنْ لَقُوا العَدُوَّ أنْ يُقاتِلُوا حَتّى يُقْتَلُوا أوْ يَفْتَحَ اللَّهُ لَهم فَقُتِلُوا، فَقِيلَ: فُلانٌ قَضى نَحْبَهُ أيْ: قُتِلَ، والنَّحْبُ أيْضًا الحاجَةُ وإدْراكُ الأُمْنِيَةِ، يَقُولُ قائِلُهم: مالِي عِنْدَهم نَحْبٌ، والنَّحْبُ العَهْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ نَحَبَتْ كَلْبٌ عَلى النّاسِ أنَّهم ∗∗∗ أحَقُّ بِتاجِ الماجِدِ المُتَكَرِّمِ
وقالَ آخَرُ:
؎قَدْ نَحَبَ المَجْدُ عَلَيْنا نَحْبا
ومِن وُرُودِ النَّحْبِ في الحاجَةِ وإدْراكِ الأُمْنِيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أنَحْبٌ فَيُقْضى أمْ ضَلالٌ وباطِلُ
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالًا أدْرَكُوا أُمْنِيَتَهم وقَضَوْا حاجَتَهم ووَفَّوْا بِنَذْرِهِمْ فَقاتَلُوا حَتّى قُتِلُوا، وذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ كَحَمْزَةَ ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وأنَسِ بْنِ النَّضْرِ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ قَضاءَ نَحْبِهِ حَتّى يَحْضُرَ أجْلُهُ كَعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ وأمْثالِهِمْ فَإنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الوَفاءِ بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّباتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والقِتالِ لِعَدُوِّهِ، ومُنْتَظِرُونَ لِقَضاءِ حاجَتِهِمْ وحُصُولِ أُمْنِيَتِهِمْ بِالقَتْلِ وإدْراكِ فَضْلِ الشَّهادَةِ، وجُمْلَةُ ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى صَدَقُوا أيْ: ما غَيَّرُوا عَهْدَهُمُ الَّذِي عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ كَما غَيَّرَ المُنافِقُونَ عَهْدَهم، بَلْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ ثُبُوتًا مُسْتَمِرًّا أمّا الَّذِينَ قَضَوْا نَحْبَهم فَظاهِرٌ، وأمّا الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ قَضاءَ نَحْبِهِمْ فَقَدِ اسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ حَتّى فارَقُوا الدُّنْيا ولَمْ يُغَيِّرُوا ولا بَدَّلُوا.
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ صَدَقُوا أوْ بِـ زادَهم، أوْ بِـ ما بَدَّلُوا، أوْ بِمَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: وقَعَ جَمِيعُ ما وقَعَ؛ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ﴾ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، جَعَلَ المُنافِقِينَ كَأنَّهم قَصَدُوا عاقِبَةَ السُّوءِ وأرادُوها بِسَبَبِ تَبْدِيلِهِمْ وتَغْيِيرِهِمْ كَما قَصَدَ الصّادِقُونَ عاقِبَةَ الصِّدْقِ بِوَفائِهِمْ، فَكُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مَسُوقٌ إلى عاقِبَتِهِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، فَكَأنَّهُما اسْتَوَيا في طَلَبِها والسَّعْيِ لِتَحْصِيلِها، ومَفْعُولُ " إنْ شاءَ " وجَوابُها مَحْذُوفانِ أيْ: إنْ شاءَ تَعْذِيبَهم عَذَّبَهم، وذَلِكَ إذا أقامُوا عَلى النِّفاقِ ولَمْ يَتْرُكُوهُ ويَتُوبُوا عَنْهُ ﴿اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: لِمَن تابَ مِنهم وأقْلَعَ عَمّا كانَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّفاقِ.
ثُمَّ رَجَعَ - سُبْحانَهُ - إلى حِكايَةِ بَقِيَّةِ القِصَّةِ وما امْتَنَّ بِهِ عَلى رَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ مِنَ النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ الأحْزابُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [الأحزاب: ٩] أوْ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: وقَعَ ما وقَعَ مِنَ الحَوادِثِ ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، (p-١١٦٤)ومَحَلُّ ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ مُتَلَبِّسِينَ بِغَيْظِهِمْ ومُصاحِبِينَ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْضًا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِنَ الحالِ الأُولى عَلى التَّعاقُبِ، أوِ التَّداخُلِ.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ رَدَّهم بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَشْفِ صُدُورَهم ولا نالُوا خَيْرًا في اعْتِقادِهِمْ، وهو الظَّفَرُ بِالمُسْلِمِينَ، أوْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا أيَّ خَيْرٍ، بَلْ رَجَعُوا خاسِرِينَ لَمْ يَرْبَحُوا إلّا عَناءَ السَّفَرِ وغُرْمَ النَّفَقَةِ ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ بِما أرْسَلَهُ مِنَ الرِّيحِ والجُنُودِ مِنَ المَلائِكَةِ ﴿وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ إذا قالَ لَهُ كُنْ كانَ، عَزِيزًا غالِبًا قاهِرًا لا يُغالِبُهُ أحَدٌ مِن خَلْقِهِ ولا يُعارِضُهُ مُعارِضٌ في سُلْطانِهِ وجَبَرُوتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، في قَوْلِهِ: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ قالَ: اسْتَقْبَلُوكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ قالَ: هَيِّنًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ وابْنُ النَّجّارِ عَنْ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قالَ: في جُوعِ رَسُولِ اللَّهِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ في مَسائِلَ كَثِيرَةٍ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ السُّنَّةِ، وهي خارِجَةٌ عَمّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: إنَّ اللَّهَ قالَ لَهم في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] فَلَمّا مَسَّهُمُ البَلاءُ حَيْثُ رابَطُوا الأحْزابَ في الخَنْدَقِ ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ فَتَأوَّلَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ فَلَمْ يَزِدْهم ﴿إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: نَرى هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أنَسِ بْنِ النَّضْرِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والبَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: غابَ عَمِّي أنْسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ بَدْرٍ فَشَقَّ عَلَيْهِ، وقالَ: أوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غِبْتُ عَنْهُ لَئِنْ أرانِي اللَّهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَعْدُ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أصْنَعُ، فَشَهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، فاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ فَقالَ: يا أبا عَمْرٍو وأيْنَ ؟ قالَ: واهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ أجِدُها دُونَ أُحُدٍ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، فَوُجِدَ في جَسَدِهِ بِضْعٌ وثَمانُونَ ما بَيْنَ ضَرْبَةٍ وطَعْنَةٍ ورَمْيَةٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ وكانُوا يَرَوْنَ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ وفي أصْحابِهِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ نَحْوُهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيِّ وغَيْرِهِما.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حِينَ انْصَرَفَ مِن أُحُدٍ مَرَّ عَلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وهو مَقْتُولٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِ ودَعا لَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: «أشْهَدُ أنَّ هَؤُلاءِ شُهَداءُ عِنْدَ اللَّهِ فَأْتُوهم وزُورُوهم، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أحَدٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إلّا رَدُّوا عَلَيْهِ» .
وقَدْ تَعَقَّبَ الحاكِمُ في تَصْحِيحِهِ الذَّهَبِيَّ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ، ولَكِنَّهُ قَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ حَدِيثًا آخَرَ وصَحَّحَهُ.
وأخْرَجَهُ أيْضًا البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «لَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ مَرَّ عَلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ مَقْتُولًا عَلى طَرِيقِهِ، فَقَرَأ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ خَبّابٍ مِثْلَهُ، وهُما يَشْهَدانِ لِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ طَلْحَةَ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالُوا لِأعْرابِيٍّ جاهِلٍ: سَلْهُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ مَن هو ؟ وكانُوا لا يَجْتَرِئُونَ عَلى مَسْألَتِهِ يُوَقِّرُونَهُ ويَهابُونَهُ، فَسَألَهُ الأعْرابِيُّ فَأعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَألَهُ فَأعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ إنِّي اطَّلَعْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ، فَقالَ: أيْنَ السّائِلُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ ؟ قالَ الأعْرابِيُّ: أنا، قالَ: «هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأبُو يَعْلى وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ يَمْشِي عَلى الأرْضِ قَدْ قَضى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طَلْحَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ قالَ: المَوْتُ عَلى ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ المَوْتَ عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ الأحْزابِ: «الآنَ نَغْزُوهم ولا يَغْزُونا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ قالَ: ماتَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ والإيمانِ ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ ذَلِكَ ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ لَمْ يُغَيِّرُوا كَما غَيَّرَ المُنافِقُونَ.
الأحزاب 33:25
(p-١١٦٢)قَوْلُهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم﴾ يُقالُ: عاقَهُ واعْتاقَهُ وعَوَّقَهُ: إذا صَرَفَهُ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي يُرِيدُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يُثَبِّطُونَ أنْصارَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لَهم: ما مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ إلّا أكْلَةُ رَأْسٍ، ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَقَمَهم أبُو سُفْيانَ وحِزْبُهُ، فَخَلُّوهم وتَعالَوْا إلَيْنا، وقِيلَ: إنَّ القائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ اليَهُودُ قالُوا لِإخْوانِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ هَلُمَّ إلَيْنا ومَعْنى هَلُمَّ أقْبِلْ واحْضُرْ وأهْلُ الحِجازِ يُسَوُّونَ فِيهِ بَيْنَ الواحِدِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وغَيْرُهم مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: هَلُمَّ لِلْواحِدِ المُذَكَّرِ، وهَلُمِّي لِلْمُؤَنَّثِ، وهَلُمّا لِلِاثْنَيْنِ، وهَلُمُّوا لِلْجَماعَةِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ ولا يَأْتُونَ البَأْسَ أيِ: الحَرْبَ إلّا قَلِيلًا خَوْفًا مِنَ المَوْتِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَحْضُرُونَ القِتالَ إلّا رِياءً وسُمْعَةً مِن غَيْرِ احْتِسابٍ.
﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: بُخَلاءَ عَلَيْكم لا يُعاوِنُونَكم بِحَفْرِ الخَنْدَقِ ولا بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: أشِحَّةٌ بِالقِتالِ مَعَكم، وقِيلَ: بِالنَّفَقَةِ عَلى فُقَرائِكم ومَساكِينِكم، وقِيلَ: أشِحَّةٌ بِالغَنائِمِ إذا أصابُوها. قالَهُ السُّدِّيُّ.
وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَأْتُونَ، أوْ مِنَ المُعَوِّقِينَ.
وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ في نَصْبِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: مِنها النَّصْبُ عَلى الذَّمِّ، ومِنها بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: يَأْتُونَهُ أشِحَّةً.
قالَ النَّحّاسُ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ لِلْمُعَوِّقِينَ ولا القائِلِينَ لِئَلّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الصِّلَةِ والمَوْصُولِ ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم﴾ أيْ: تَدُورُ يَمِينًا وشِمالًا، وذَلِكَ سَبِيلُ الجَبانِ إذا شاهَدَ ما يَخافُهُ ﴿كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ أيْ: كَعَيْنِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، وهو الَّذِي نَزَلَ بِهِ المَوْتُ وغَشِيَتْهُ أسْبابُهُ، فَيُذْهَلُ ويَذْهَبُ عَقْلُهُ ويَشْخَصُ بَصَرُهُ فَلا يَطْرِفُ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ تَشْخَصُ أبْصارُهم لِما يَلْحَقُهم مِنَ الخَوْفِ، ويُقالُ: لِلْمَيِّتِ إذا شَخَصَ بَصَرُهُ: دارَتْ عَيْناهُ، ودارَتْ حَمالِيقُ عَيْنَيْهِ، والكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ يُقالُ: سَلَقَ فُلانٌ فَلانًا بِلِسانِهِ: إذا أغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ مُجاهِرًا.
قالَ الفَرّاءُ أيْ: آذَوْهم بِالكَلامِ في الأمْنِ بِألْسِنَةٍ سَلِيطَةٍ ذَرِبَةٍ، ويُقالُ: خَطِيبٌ مِسْلاقٌ ومِصْلاقٌ إذا كانَ بَلِيغًا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فِيهِمُ المَجْدُ والسَّماحَةُ والنَّجْ دَةُ فِيهِمْ والخاطِبُ المِسْلاقُ
قالَ القُتَيْبِيُّ: المَعْنى آذَوْكم بِالكَلامِ الشَّدِيدِ، والسَّلْقُ الأذى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ سَلَقَتْ هَوازِنًا ∗∗∗ بَنُو أهْلٍ حَتّى انْحَنَيْنا
قالَ قَتادَةُ: مَعْنى الآيَةِ: بَسَطُوا ألْسِنَتَهم فِيكم في وقْتِ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ يَقُولُونَ: أعْطِنا فَإنَّهُ قَدْ شَهِدْنا مَعَكم، فَعِنْدَ الغَنِيمَةِ أشَحُّ قَوْمٍ وأبْسَطُهم لِسانًا ووَقْتَ البَأْسِ أجْبَنُ قَوْمٍ وأخْوَفُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وانْتِصابُ ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ سَلَقُوكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى الذَّمِّ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِ ( أشِحَّةٌ )، والمُرادُ هُنا أنَّهم أشِحَّةٌ عَلى الغَنِيمَةِ يُشاحُّونَ المُسْلِمِينَ عِنْدَ القِسْمَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: عَلى المالِ أنْ يُنْفِقُوهُ في سَبِيلِ اللَّهِ. قالَهُ السُّدِّيُّ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مَعْناهُ: أنَّهم قَلِيلُو الخَيْرِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِهِ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ إيمانًا خالِصًا بَلْ هم مُنافِقُونَ: يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ ﴿فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أبْطَلَها بِمَعْنى أظْهَرَ بُطْلانَها، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ لَهم أعْمالٌ تَقْتَضِي الثَّوابَ حَتّى يُبْطِلَها اللَّهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: أبْطَلَ جِهادَهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في إيمانٍ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أيْ: وكانَ ذَلِكَ الإحْباطُ لِأعْمالِهِمْ، أوْ كانَ نِفاقُهم عَلى اللَّهِ هَيِّنًا.
﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أيْ: يَحْسَبُ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ لِجُبْنِهِمْ أنَّ الأحْزابَ باقُونَ في مُعَسْكَرِهِمْ لَمْ يَذْهَبُوا إلى دِيارِهِمْ، وذَلِكَ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الفَشَلِ والرَّوْعِ ﴿وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾ مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ ﴿يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ﴾ أيْ: يَتَمَنَّوْنَ أنَّهم في بادِيَةِ الأعْرابِ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الرَّهْبَةِ، والبادِي خِلافُ الحاضِرِ، يُقالُ: بَدا يَبْدُو بَداوَةً إذا خَرَجَ إلى البادِيَةِ ﴿يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكُمْ﴾ أيْ: عَنْ أخْبارِكم وما جَرى لَكم، كُلَّ قادِمٍ عَلَيْهِمْ مِن جِهَتِكم، أوْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ الأخْبارِ الَّتِي بَلَغَتْهُ مِن أخْبارِ الأحْزابِ ورَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
والمَعْنى: أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ أنَّهم بَعِيدٌ عَنْكم يَسْألُونَ عَنْ أخْبارِكم مِن غَيْرِ مُشاهِدَةٍ لِلْقِتالٍ لِفَرْطِ جُبْنِهِمْ وضَعْفِ نِيّاتِهِمْ ﴿ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: لَوْ كانُوا مَعَكم في هَذِهِ الغَزْوَةِ مُشاهِدِينَ لِلْقِتالِ ما قاتَلُوا مَعَكم إلّا قِتالًا قَلِيلًا خَوْفًا مِنَ العارِ وحَمِيَّةً عَلى الدِّيارِ.
﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أيْ: قُدْوَةٌ صالِحَةٌ، يُقالُ: لِي في فُلانٍ أُسْوَةٌ أيْ: لِي بِهِ، والأُسْوَةُ مِنَ الِائْتِساءِ، كالقُدْوَةِ مِنَ الِاقْتِداءِ: اسْمٌ يُوضَعُ مَوْضِعَ المَصْدَرِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والأُسْوَةُ والإسْوَةُ بِالضَّمِّ والكَسْرِ، والجَمْعُ أُسًى وإسًى.
قَرَأ الجُمْهُورُ أُسْوَةٌ بِالضَّمِّ لِلْهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ كَما قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ عِتابٌ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ القِتالِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ حَيْثُ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلْقِتالِ وخَرَجَ إلى الخَنْدَقِ لِنُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ أُسْوَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَ سَبَبُها خاصًّا فَهي عامَّةٌ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِثْلُها ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، واللّامُ في ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ حَسَنَةٌ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِ حَسَنَةٌ أيْ: (p-١١٦٣)كائِنَةٌ لِمَن يَرْجُو اللَّهَ.
وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِنَ الكافِ في لَكم، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ وقالَ: إنَّهُ لا يُبْدَلُ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ بِإعادَةِ الجارِّ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ أجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ والأخْفَشُ وإنْ مَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، والمُرادُ بِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ: المُؤْمِنُونَ، فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَرْجُونَ اللَّهَ ويَخافُونَ عَذابَهُ، ومَعْنى يَرْجُونَ اللَّهَ: يَرْجُونَ ثَوابَهُ أوْ لِقاءَهُ، ومَعْنى يَرْجُونَ اليَوْمَ الآخِرَ: أنَّهم يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ فِيهِ أوْ يُصَدِّقُونَ بِحُصُولِهِ وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ بِالجُمْلَةِ الأُولى ﴿وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى كانَ أيْ: ولِمَن ذَكَرَ اللَّهَ في جَمِيعِ أحْوالِهِ ذِكْرًا كَثِيرًا، وجَمَعَ بَيْنَ الرَّجاءِ لِلَّهِ والذِّكْرِ لَهُ، فَإنَّ بِذَلِكَ تَتَحَقَّقُ الأُسْوَةُ الحَسَنَةُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما وقَعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ لِلْأحْزابِ ومُشاهَدَتِهِمْ لِتِلْكَ الجُيُوشِ الَّتِي أحاطَتْ بِهِمْ كالبَحْرِ العُبابِ فَقالَ: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى ما رَأوْهُ مِنَ الجُيُوشِ، أوْ إلى الخَطْبِ الَّذِي نَزَلَ والبَلاءِ الَّذِي دَهَمَ، وهَذا القَوْلُ مِنهم قالُوهُ اسْتِبْشارًا بِحُصُولٍ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن مَجِيءِ هَذِهِ الجُنُودِ، وإنَّهُ يَتَعَقَّبُ مَجِيئَهم إلَيْهِمْ نُزُولُ النَّصْرِ والظَّفَرِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وما في ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ﴾ هي المَوْصُولَةُ، أوِ المَصْدَرِيَّةُ، ثُمَّ أرْدَفُوا ما قالُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: ظَهَرَ صِدْقُ خَبَرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ أيْ: ما زادَهم ما رَأوْهُ إلّا إيمانًا بِاللَّهِ وتَسْلِيمًا لِأمْرِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: ما زادَهُمُ النَّظَرُ إلى الأحْزابِ إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا.
قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: رَأى يَدُلُّ عَلى الرُّؤْيَةِ وتَأْنِيثُ الرُّؤْيَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، والمَعْنى: ما زادَهُمُ الرُّؤْيَةُ إلّا إيمانًا لِلرَّبِّ وتَسْلِيمًا لِلْقَضاءِ، ولَوْ قالَ ما زادَتْهم لَجازَ.
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ رِجالٌ صَدَقُوا أتَوْا بِالصِّدْقِ، مِن صَدَقَنِي إذا قالَ الصِّدْقَ، ومَحَلُّ ﴿ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ النَّصْبُ بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى: أنَّهم وفَّوْا بِما عاهَدُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ العَقَبَةِ مِنَ الثَّباتِ مَعَهُ، والمُقاتَلَةِ لِمَن قاتَلَهُ، بِخِلافِ مَن كَذَبَ في عَهْدِهِ وخانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ وهُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ نَذَرُوا أنَّهم إذا لَقُوا حَرْبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثَبَتُوا لَهُ ولَمْ يَفِرُّوا، ووَجْهُ إظْهارِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ، والرَّسُولِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ هو قَصْدُ التَّعْظِيمِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أرى المَوْتَ لا يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ
وأيْضًا لَوْ أضْمَرَهُما لَجَمَعَ بَيْنَ ضَمِيرِ اللَّهِ وضَمِيرِ رَسُولِهِ في لَفْظٍ واحِدٍ.
وقالَ صَدَقا، وقَدْ ورَدَ النَّهْيُ عَنْ جَمْعِهِما كَما في حَدِيثِ «بِئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أنْتَ» لِمَن قالَ: ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ غَوى.
ثُمَّ فَصَّلَ - سُبْحانَهُ - حالَ الصّادِقِينَ بِما وعَدُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ وقَسَّمَهم إلى قِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ النَّحْبُ: ما التَزَمَهُ الإنْسانُ واعْتَقَدَ الوَفاءَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقالَ الآخَرُ:
؎بِطِخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ بِسِطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ
أيْ: عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ، والنَّحْبُ يُطْلَقُ عَلى النَّذْرِ والقَتْلِ والمَوْتِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَضى نَحْبَهُ أيْ: قُتِلَ وأصْلُ النَّحْبِ النَّذْرُ.
كانُوا يَوْمَ بَدْرٍ نَذَرُوا إنْ لَقُوا العَدُوَّ أنْ يُقاتِلُوا حَتّى يُقْتَلُوا أوْ يَفْتَحَ اللَّهُ لَهم فَقُتِلُوا، فَقِيلَ: فُلانٌ قَضى نَحْبَهُ أيْ: قُتِلَ، والنَّحْبُ أيْضًا الحاجَةُ وإدْراكُ الأُمْنِيَةِ، يَقُولُ قائِلُهم: مالِي عِنْدَهم نَحْبٌ، والنَّحْبُ العَهْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ نَحَبَتْ كَلْبٌ عَلى النّاسِ أنَّهم ∗∗∗ أحَقُّ بِتاجِ الماجِدِ المُتَكَرِّمِ
وقالَ آخَرُ:
؎قَدْ نَحَبَ المَجْدُ عَلَيْنا نَحْبا
ومِن وُرُودِ النَّحْبِ في الحاجَةِ وإدْراكِ الأُمْنِيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أنَحْبٌ فَيُقْضى أمْ ضَلالٌ وباطِلُ
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالًا أدْرَكُوا أُمْنِيَتَهم وقَضَوْا حاجَتَهم ووَفَّوْا بِنَذْرِهِمْ فَقاتَلُوا حَتّى قُتِلُوا، وذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ كَحَمْزَةَ ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وأنَسِ بْنِ النَّضْرِ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ قَضاءَ نَحْبِهِ حَتّى يَحْضُرَ أجْلُهُ كَعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ وأمْثالِهِمْ فَإنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الوَفاءِ بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّباتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والقِتالِ لِعَدُوِّهِ، ومُنْتَظِرُونَ لِقَضاءِ حاجَتِهِمْ وحُصُولِ أُمْنِيَتِهِمْ بِالقَتْلِ وإدْراكِ فَضْلِ الشَّهادَةِ، وجُمْلَةُ ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى صَدَقُوا أيْ: ما غَيَّرُوا عَهْدَهُمُ الَّذِي عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ كَما غَيَّرَ المُنافِقُونَ عَهْدَهم، بَلْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ ثُبُوتًا مُسْتَمِرًّا أمّا الَّذِينَ قَضَوْا نَحْبَهم فَظاهِرٌ، وأمّا الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ قَضاءَ نَحْبِهِمْ فَقَدِ اسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ حَتّى فارَقُوا الدُّنْيا ولَمْ يُغَيِّرُوا ولا بَدَّلُوا.
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ صَدَقُوا أوْ بِـ زادَهم، أوْ بِـ ما بَدَّلُوا، أوْ بِمَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: وقَعَ جَمِيعُ ما وقَعَ؛ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ﴾ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، جَعَلَ المُنافِقِينَ كَأنَّهم قَصَدُوا عاقِبَةَ السُّوءِ وأرادُوها بِسَبَبِ تَبْدِيلِهِمْ وتَغْيِيرِهِمْ كَما قَصَدَ الصّادِقُونَ عاقِبَةَ الصِّدْقِ بِوَفائِهِمْ، فَكُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مَسُوقٌ إلى عاقِبَتِهِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، فَكَأنَّهُما اسْتَوَيا في طَلَبِها والسَّعْيِ لِتَحْصِيلِها، ومَفْعُولُ " إنْ شاءَ " وجَوابُها مَحْذُوفانِ أيْ: إنْ شاءَ تَعْذِيبَهم عَذَّبَهم، وذَلِكَ إذا أقامُوا عَلى النِّفاقِ ولَمْ يَتْرُكُوهُ ويَتُوبُوا عَنْهُ ﴿اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: لِمَن تابَ مِنهم وأقْلَعَ عَمّا كانَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّفاقِ.
ثُمَّ رَجَعَ - سُبْحانَهُ - إلى حِكايَةِ بَقِيَّةِ القِصَّةِ وما امْتَنَّ بِهِ عَلى رَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ مِنَ النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ الأحْزابُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [الأحزاب: ٩] أوْ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا في ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: وقَعَ ما وقَعَ مِنَ الحَوادِثِ ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، (p-١١٦٤)ومَحَلُّ ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ مُتَلَبِّسِينَ بِغَيْظِهِمْ ومُصاحِبِينَ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْضًا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِنَ الحالِ الأُولى عَلى التَّعاقُبِ، أوِ التَّداخُلِ.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ رَدَّهم بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَشْفِ صُدُورَهم ولا نالُوا خَيْرًا في اعْتِقادِهِمْ، وهو الظَّفَرُ بِالمُسْلِمِينَ، أوْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا أيَّ خَيْرٍ، بَلْ رَجَعُوا خاسِرِينَ لَمْ يَرْبَحُوا إلّا عَناءَ السَّفَرِ وغُرْمَ النَّفَقَةِ ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ بِما أرْسَلَهُ مِنَ الرِّيحِ والجُنُودِ مِنَ المَلائِكَةِ ﴿وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ إذا قالَ لَهُ كُنْ كانَ، عَزِيزًا غالِبًا قاهِرًا لا يُغالِبُهُ أحَدٌ مِن خَلْقِهِ ولا يُعارِضُهُ مُعارِضٌ في سُلْطانِهِ وجَبَرُوتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، في قَوْلِهِ: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ قالَ: اسْتَقْبَلُوكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ قالَ: هَيِّنًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ وابْنُ النَّجّارِ عَنْ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قالَ: في جُوعِ رَسُولِ اللَّهِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ في مَسائِلَ كَثِيرَةٍ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ السُّنَّةِ، وهي خارِجَةٌ عَمّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: إنَّ اللَّهَ قالَ لَهم في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] فَلَمّا مَسَّهُمُ البَلاءُ حَيْثُ رابَطُوا الأحْزابَ في الخَنْدَقِ ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ فَتَأوَّلَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ فَلَمْ يَزِدْهم ﴿إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: نَرى هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أنَسِ بْنِ النَّضْرِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والبَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: غابَ عَمِّي أنْسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ بَدْرٍ فَشَقَّ عَلَيْهِ، وقالَ: أوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غِبْتُ عَنْهُ لَئِنْ أرانِي اللَّهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَعْدُ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أصْنَعُ، فَشَهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، فاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ فَقالَ: يا أبا عَمْرٍو وأيْنَ ؟ قالَ: واهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ أجِدُها دُونَ أُحُدٍ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، فَوُجِدَ في جَسَدِهِ بِضْعٌ وثَمانُونَ ما بَيْنَ ضَرْبَةٍ وطَعْنَةٍ ورَمْيَةٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ وكانُوا يَرَوْنَ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ وفي أصْحابِهِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ نَحْوُهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيِّ وغَيْرِهِما.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حِينَ انْصَرَفَ مِن أُحُدٍ مَرَّ عَلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وهو مَقْتُولٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِ ودَعا لَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: «أشْهَدُ أنَّ هَؤُلاءِ شُهَداءُ عِنْدَ اللَّهِ فَأْتُوهم وزُورُوهم، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أحَدٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إلّا رَدُّوا عَلَيْهِ» .
وقَدْ تَعَقَّبَ الحاكِمُ في تَصْحِيحِهِ الذَّهَبِيَّ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ، ولَكِنَّهُ قَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ حَدِيثًا آخَرَ وصَحَّحَهُ.
وأخْرَجَهُ أيْضًا البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «لَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ مَرَّ عَلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ مَقْتُولًا عَلى طَرِيقِهِ، فَقَرَأ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ خَبّابٍ مِثْلَهُ، وهُما يَشْهَدانِ لِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ طَلْحَةَ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالُوا لِأعْرابِيٍّ جاهِلٍ: سَلْهُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ مَن هو ؟ وكانُوا لا يَجْتَرِئُونَ عَلى مَسْألَتِهِ يُوَقِّرُونَهُ ويَهابُونَهُ، فَسَألَهُ الأعْرابِيُّ فَأعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَألَهُ فَأعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ إنِّي اطَّلَعْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ، فَقالَ: أيْنَ السّائِلُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ ؟ قالَ الأعْرابِيُّ: أنا، قالَ: «هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأبُو يَعْلى وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ يَمْشِي عَلى الأرْضِ قَدْ قَضى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طَلْحَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ قالَ: المَوْتُ عَلى ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ المَوْتَ عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ الأحْزابِ: «الآنَ نَغْزُوهم ولا يَغْزُونا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ قالَ: ماتَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ والإيمانِ ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ ذَلِكَ ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ لَمْ يُغَيِّرُوا كَما غَيَّرَ المُنافِقُونَ.
الأحزاب 33:26
قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيْ: عاضَدُوهم وعاوَنُوهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهم بَنُو قُرَيْظَةَ، فَإنَّهم عاوَنُوا الأحْزابَ ونَقَضُوا العَهْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وصارُوا يَدًا واحِدَةً مَعَ الأحْزابِ.
والصَّياصِي جَمْعُ صِيصِيةٌ: وهي الحُصُونُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُتَحَصَّنُ بِهِ يُقالُ: لَهُ صِيصِيَةٌ، ومِنهُ صِيصِيَةُ الدِّيكِ، وهي الشَّوْكَةُ الَّتِي في رِجْلِهِ، وصَياصِي البَقَرِ قُرُونُها لِأنَّها تَمْتَنِعُ (p-١١٦٥)بِها، ويُقالُ: لِشَوْكَةِ الحائِكِ الَّتِي يُسَوِّي بِها السَّداةَ واللُّحْمَةَ صِيصِيَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎فَجِئْتُ إلَيْهِ والرِّماحُ تَنُوشُهُ كَوَقْعِ الصَّياصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
ومِن إطْلاقِها عَلى الحُصُونِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأصْبَحَتِ الثِّيرانُ صَرْعى وأصْبَحَتْ ∗∗∗ نِساءُ تَمِيمٍ يَبْتَدِرْنَ الصَّياصِيا
﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أيِ: الخَوْفَ الشَّدِيدَ حَتّى سَلَّمُوا أنْفُسَهم لِلْقَتْلِ وأوْلادَهم ونِساءَهم لِلسَّبْيِ وهي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ فالفَرِيقُ الأوَّلُ هُمُ الرِّجالُ، والفَرِيقُ الثّانِي هُمُ النِّساءُ والذُّرِّيَّةُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ ومُقَرِّرَةٌ لِقَذْفِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَقْتُلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وكَذَلِكَ قَرَءُوا تَأْسِرُونَ وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، وقَرَأ اليَمانِيُّ بِالفَوْقِيَّةِ في الأوَّلِ والتَّحْتِيَّةِ في الثّانِي، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ تَأْسُرُونَ بِضَمِّ السِّينِ.
وقَدْ حَكى الفَرّاءُ كَسْرَ السِّينِ وضَمَّها فَهُما لُغَتانِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ مَفْعُولِ الفِعْلِ الأوَّلِ وتَأْخِيرِ مَفْعُولِ الفِعْلِ الثّانِي أنَّ الرِّجالَ لَمّا كانُوا أهْلَ الشَّوْكَةِ، وكانَ الوارِدُ عَلَيْهِمْ أشَدَّ الأمْرَيْنِ وهو القَتْلُ، كانَ الِاهْتِمامُ بِتَقْدِيمِ ذِكْرِهِمْ أنْسَبُ بِالمَقامِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في عَدَدِ المَقْتُولِينَ والمَأْسُورِينَ، فَقِيلَ: كانَ المَقْتُولُونَ مِن سِتِّمِائَةٍ إلى سَبْعِمِائَةٍ.
وقِيلَ: سِتُّمِائَةٍ، وقِيلَ: سَبْعُمِائَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِمِائَةٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةٍ، وكانَ المَأْسُورُونَ سَبْعَمِائَةٍ، وقِيلَ: سَبْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ، وقِيلَ: تِسْعَمِائَةٍ.
﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم﴾ المُرادُ بِالأرْضِ العَقارُ والنَّخِيلُ، وبِالدِّيارِ المَنازِلُ والحُصُونُ، وبِالأمْوالِ: الحُلِيُّ، والأثاثُ، والمَواشِي، والسِّلاحُ، والدَّراهِمُ، والدَّنانِيرُ ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ أيْ: وأوْرَثَكم أرْضًا لَمْ تَطَئُوها، وجُمْلَةُ لَمْ تَطَئُوها صِفَةٌ لَ أرْضًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَمْ تَطَئُوها﴾ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ واوٍ ساكِنَةٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " تَطَوْها " بِفَتْحِ الطّاءِ وواوٍ ساكِنَةٍ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ هَذِهِ الأرْضِ المَذْكُورَةِ، فَقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ وابْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ: إنَّها خَيْبَرُ ولَمْ يَكُونُوا إذْ ذاكَ قَدْ نالُوها، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ بِها.
وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّها مَكَّةُ.
وقالَ الحَسَنُ: فارِسُ والرُّومُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: كُلُّ أرْضٍ تُفْتَحُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ أيْ: هو - سُبْحانَهُ - قَدِيرٌ عَلى كُلِّ ما أرادَهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ونِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ، وعَلى إنْجازِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ الفَتْحِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ قالَ: حُصُونُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «خَرَجْتُ يَوْمَ الخَنْدَقِ أقْفُو لِلنّاسِ، فَإذا أنا بِسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ ورَماهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ: لَهُ ابْنُ الفَرْقَدَةِ بِسَهْمٍ فَأصابَ أكْحَلَهُ فَقَطَعَهُ، فَدَعا اللَّهَ سَعْدٌ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْنِي حَتّى تُقِرَّ عَيْنِي مِن قُرَيْظَةَ، فَبَعَثَ اللَّهُ الرِّيحَ عَلى المُشْرِكِينَ ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ ولَحِقَ أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ بِتِهامَةَ، ولَحِقَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ ومَن مَعَهُ بِنَجْدٍ، ورَجَعَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ فَتَحَصَّنُوا في صَياصِيهِمْ، ورَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى المَدِينَةِ وأمَرَ بِقُبَّةٍ مَن أدَمٍ، فَضُرِبَتْ عَلى سَعْدٍ في المَسْجِدِ، قالَتْ: فَجاءَ جِبْرِيلُ، وإنَّ عَلى ثَناياهُ لَوَقْعَ الغُبارِ، فَقالَ: أوَقَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ ؟ لا واللَّهِ ما وضَعَتِ المَلائِكَةُ بَعْدُ السِّلاحَ: اخْرُجْ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ فَقاتِلْهم، فَلَبِسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَأْمَتَهُ، وأذَّنَ في النّاسِ بِالرَّحِيلِ أنْ يَخْرُجُوا فَحاصَرَهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا اشْتَدَّ حَصْرُهم واشْتَدَّ البَلاءُ عَلَيْهِمْ، قِيلَ: لَهُمُ انْزِلُوا عَلى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ، قالُوا نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَنَزَلُوا وبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فَأُتِيَ بِهِ عَلى حِمارٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: احْكم فِيهِمْ، قالَ: فَإنِّي أحْكُمُ فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهم وتُسْبى ذَرارِيُّهم وتُقَسَّمَ أمْوالُهم، فَقالَ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ وحُكْمِ رَسُولِهِ» .
الأحزاب 33:27
قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيْ: عاضَدُوهم وعاوَنُوهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهم بَنُو قُرَيْظَةَ، فَإنَّهم عاوَنُوا الأحْزابَ ونَقَضُوا العَهْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وصارُوا يَدًا واحِدَةً مَعَ الأحْزابِ.
والصَّياصِي جَمْعُ صِيصِيةٌ: وهي الحُصُونُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُتَحَصَّنُ بِهِ يُقالُ: لَهُ صِيصِيَةٌ، ومِنهُ صِيصِيَةُ الدِّيكِ، وهي الشَّوْكَةُ الَّتِي في رِجْلِهِ، وصَياصِي البَقَرِ قُرُونُها لِأنَّها تَمْتَنِعُ (p-١١٦٥)بِها، ويُقالُ: لِشَوْكَةِ الحائِكِ الَّتِي يُسَوِّي بِها السَّداةَ واللُّحْمَةَ صِيصِيَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎فَجِئْتُ إلَيْهِ والرِّماحُ تَنُوشُهُ كَوَقْعِ الصَّياصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
ومِن إطْلاقِها عَلى الحُصُونِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأصْبَحَتِ الثِّيرانُ صَرْعى وأصْبَحَتْ ∗∗∗ نِساءُ تَمِيمٍ يَبْتَدِرْنَ الصَّياصِيا
﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أيِ: الخَوْفَ الشَّدِيدَ حَتّى سَلَّمُوا أنْفُسَهم لِلْقَتْلِ وأوْلادَهم ونِساءَهم لِلسَّبْيِ وهي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ فالفَرِيقُ الأوَّلُ هُمُ الرِّجالُ، والفَرِيقُ الثّانِي هُمُ النِّساءُ والذُّرِّيَّةُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ ومُقَرِّرَةٌ لِقَذْفِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَقْتُلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وكَذَلِكَ قَرَءُوا تَأْسِرُونَ وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، وقَرَأ اليَمانِيُّ بِالفَوْقِيَّةِ في الأوَّلِ والتَّحْتِيَّةِ في الثّانِي، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ تَأْسُرُونَ بِضَمِّ السِّينِ.
وقَدْ حَكى الفَرّاءُ كَسْرَ السِّينِ وضَمَّها فَهُما لُغَتانِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ مَفْعُولِ الفِعْلِ الأوَّلِ وتَأْخِيرِ مَفْعُولِ الفِعْلِ الثّانِي أنَّ الرِّجالَ لَمّا كانُوا أهْلَ الشَّوْكَةِ، وكانَ الوارِدُ عَلَيْهِمْ أشَدَّ الأمْرَيْنِ وهو القَتْلُ، كانَ الِاهْتِمامُ بِتَقْدِيمِ ذِكْرِهِمْ أنْسَبُ بِالمَقامِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في عَدَدِ المَقْتُولِينَ والمَأْسُورِينَ، فَقِيلَ: كانَ المَقْتُولُونَ مِن سِتِّمِائَةٍ إلى سَبْعِمِائَةٍ.
وقِيلَ: سِتُّمِائَةٍ، وقِيلَ: سَبْعُمِائَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِمِائَةٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةٍ، وكانَ المَأْسُورُونَ سَبْعَمِائَةٍ، وقِيلَ: سَبْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ، وقِيلَ: تِسْعَمِائَةٍ.
﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم﴾ المُرادُ بِالأرْضِ العَقارُ والنَّخِيلُ، وبِالدِّيارِ المَنازِلُ والحُصُونُ، وبِالأمْوالِ: الحُلِيُّ، والأثاثُ، والمَواشِي، والسِّلاحُ، والدَّراهِمُ، والدَّنانِيرُ ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ أيْ: وأوْرَثَكم أرْضًا لَمْ تَطَئُوها، وجُمْلَةُ لَمْ تَطَئُوها صِفَةٌ لَ أرْضًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَمْ تَطَئُوها﴾ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ واوٍ ساكِنَةٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " تَطَوْها " بِفَتْحِ الطّاءِ وواوٍ ساكِنَةٍ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ هَذِهِ الأرْضِ المَذْكُورَةِ، فَقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ وابْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ: إنَّها خَيْبَرُ ولَمْ يَكُونُوا إذْ ذاكَ قَدْ نالُوها، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ بِها.
وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّها مَكَّةُ.
وقالَ الحَسَنُ: فارِسُ والرُّومُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: كُلُّ أرْضٍ تُفْتَحُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ أيْ: هو - سُبْحانَهُ - قَدِيرٌ عَلى كُلِّ ما أرادَهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ونِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ، وعَلى إنْجازِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ الفَتْحِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ قالَ: حُصُونُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «خَرَجْتُ يَوْمَ الخَنْدَقِ أقْفُو لِلنّاسِ، فَإذا أنا بِسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ ورَماهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ: لَهُ ابْنُ الفَرْقَدَةِ بِسَهْمٍ فَأصابَ أكْحَلَهُ فَقَطَعَهُ، فَدَعا اللَّهَ سَعْدٌ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْنِي حَتّى تُقِرَّ عَيْنِي مِن قُرَيْظَةَ، فَبَعَثَ اللَّهُ الرِّيحَ عَلى المُشْرِكِينَ ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ ولَحِقَ أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ بِتِهامَةَ، ولَحِقَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ ومَن مَعَهُ بِنَجْدٍ، ورَجَعَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ فَتَحَصَّنُوا في صَياصِيهِمْ، ورَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى المَدِينَةِ وأمَرَ بِقُبَّةٍ مَن أدَمٍ، فَضُرِبَتْ عَلى سَعْدٍ في المَسْجِدِ، قالَتْ: فَجاءَ جِبْرِيلُ، وإنَّ عَلى ثَناياهُ لَوَقْعَ الغُبارِ، فَقالَ: أوَقَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ ؟ لا واللَّهِ ما وضَعَتِ المَلائِكَةُ بَعْدُ السِّلاحَ: اخْرُجْ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ فَقاتِلْهم، فَلَبِسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَأْمَتَهُ، وأذَّنَ في النّاسِ بِالرَّحِيلِ أنْ يَخْرُجُوا فَحاصَرَهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا اشْتَدَّ حَصْرُهم واشْتَدَّ البَلاءُ عَلَيْهِمْ، قِيلَ: لَهُمُ انْزِلُوا عَلى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ، قالُوا نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَنَزَلُوا وبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فَأُتِيَ بِهِ عَلى حِمارٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: احْكم فِيهِمْ، قالَ: فَإنِّي أحْكُمُ فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهم وتُسْبى ذَرارِيُّهم وتُقَسَّمَ أمْوالُهم، فَقالَ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ وحُكْمِ رَسُولِهِ» .
الأحزاب 33:28
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَعْنى ما تَقَدَّمَها مِن المَنعِ مِن إيذاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وكانَ قَدْ تَأذّى بِبَعْضِ الزَّوْجاتِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَألْنَهُ شَيْئًا مِن عَرَضِ الدُّنْيا وطَلَبْنَ مِنهُ الزِّيادَةَ في النَّفَقَةِ وآذَيْنَهُ بِغَيْرَةِ بَعْضِهِنَّ عَلى بَعْضٍ، فَآلى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهُنَّ شَهْرًا، وأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ هَذِهِ، وكُنْ يَوْمئِذٍ تِسْعًا: عائِشَةَ وحَفْصَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ وأُمَّ حَبِيبَةَ وسَوْدَةَ هَؤُلاءِ مِن نِساءِ قُرَيْشٍ وصَفِيَّةَ الخَيْبَرِيَّةَ ومَيْمُونَةَ الهِلالِيَّةَ، وزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الأسَدِيَّةَ، وجُوَيْرِيَّةَ بِنْتَ الحارِثِ المُصْطَلَقِيَّةَ.
ومَعْنى ﴿الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ سَعَتُها ونَضارَتُها ورَفاهِيَتُها والتَّنَعُّمُ فِيها ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ أيْ: أقْبِلْنَ إلَيَّ ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ أيْ: أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ " و" كَذا أُسَرِّحْكُنَّ بِالجَزْمِ أيْ: أُطَلِّقْكُنَّ وبِالجَزْمِ في الفِعْلَيْنِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حُمَيْدٌ الخَرّازُ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمُرادُ بِالسَّراحِ الجَمِيلِ: هو الواقِعُ مِن غَيْرِ ضِرارٍ عَلى مُقْتَضى السُّنَّةِ.
وقِيلَ: إنَّ جَزْمَ الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّهُما جَوابُ الشَّرْطِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ.
﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ﴾ (p-١١٦٦)أيِ: الجَنَّةَ ونَعِيمَها ﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ﴾ أيِ: اللّائِي عَمِلْنَ عَمَلًا صالِحًا أجْرًا عَظِيمًا لا يُمْكِنُ وصْفُهُ، ولا يُقادَرُ قَدْرُهُ وذَلِكَ بِسَبَبِ إحْسانِهِنَّ، وبِمُقابَلَةِ صالِحِ عَمَلِهِنَّ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ تَخْيِيرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أزْواجَهُ عَلى قَوْلَيْنِ: القَوْلُ الأوَّلُ أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بِإذْنِ اللَّهِ في البَقاءِ عَلى الزَّوْجِيَّةِ أوِ الطَّلاقِ فاخْتَرْنَ البَقاءَ، وبِهَذا قالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ والزُّهْرِيُّ ورَبِيعَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّهُ إنَّما خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا فَيُفارِقُهُنَّ، وبَيْنَ الآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ ولَمْ يُخَيِّرْهُنَّ في الطَّلاقِ، وبِهَذا قالَ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والرّاجِحُ الأوَّلُ.
واخْتَلَفُوا أيْضًا في المُخَيَّرَةِ إذا اخْتارَتْ زَوْجَها هَلْ يُحْسَبُ مُجَرَّدُ ذَلِكَ التَّخْيِيرِ عَلى الزَّوْجِ طَلْقَةً أمْ لا ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ إلى أنَّهُ لا يَكُونُ مَعَ اخْتِيارِ المَرْأةِ لِزَوْجِها طَلاقًا لا واحِدَةً ولا أكْثَرَ.
وقالَ عَلِيٌّ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ واللَّيْثُ: وحَكاهُ الخَطّابِيُّ والنَّقّاشُ عَنْ مالِكٍ.
والرّاجِحُ الأوَّلُ لِحَدِيثِ عائِشَةَ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ «قالَتْ: خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فاخْتَرْناهُ فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا» ولا وجْهَ لِجَعْلِ مُجَرَّدِ التَّخْيِيرِ طَلاقًا، ودَعْوى أنَّهُ كِنايَةٌ مِن كِناياتِ الطَّلاقِ مَدْفُوعَةٌ بِأنَّ المُخَيَّرَ لَمْ يَرِدِ الفُرْقَةَ لِمُجَرَّدِ التَّخْيِيرِ، بَلْ أرادَ تَفْوِيضَ المَرْأةِ وجَعْلَ أمْرِها بِيَدِها، فَإنِ اخْتارَتِ البَقاءَ بَقِيَتْ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ، وإنِ اخْتارَتِ الفُرْقَةَ صارَتْ مُطَلَّقَةً.
واخْتَلَفُوا في اخْتِيارِها لِنَفْسِها هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً أوْ بائِنَةً.
فَقالَ بِالأوَّلِ عُمَرُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وقالَ بِالثّانِي عَلِيٌّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ.
والرّاجِحُ الأوَّلُ، لِأنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ أنْ يُطَلِّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نِساءَهُ عَلى خِلافِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وقَدْ أمَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّها إذا اخْتارَتْ نَفْسَها فَثَلاثُ طَلْقاتٍ، ولَيْسَ لِهَذا القَوْلِ وجْهٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّها إذا اخْتارَتْ نَفْسَها فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وإذا اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
ثُمَّ لَمّا اخْتارَ نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَسُولَ اللَّهِ أنْزَلَ فِيهِنَّ هَذِهِ الآياتِ تَكْرِمَةً لَهُنَّ وتَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ، فَقالَ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أيْ: ظاهِرَةِ القُبْحِ واضِحَةِ الفُحْشِ، وقَدْ عَصَمَهُنَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وبَرَّأهُنَّ وطَهَّرَهُنَّ ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: يُعَذِّبْهُنَّ مِثْلَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ إذا أتَيْنَ بِمِثْلِ تِلْكَ الفاحِشَةِ، وذَلِكَ لِشَرَفِهِنَّ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِنَّ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِنَّ.
وقَدْ ثَبَتَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ تَضاعُفَ الشَّرَفِ وارْتِفاعَ الدَّرَجاتِ يُوجِبُ لِصاحِبِهِ إذا عَصى تَضاعُفَ العُقُوباتِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " يُضَعَّفْ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفَرَّقَ هو وأبُو عُبَيْدٍ بَيْنَ يُضاعَفْ فَقالا: يَكُونُ يُضاعَفْ ويُضَعَّفْ، فَقالا: يَكُونُ يُضاعَفْ ثَلاثَةَ عَذاباتٍ ويُضَعَّفْ عَذابَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ التَّفْرِقَةُ الَّتِي جاءَ بِها لا يَعْرِفُها أحَدٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، والمَعْنى في يُضاعَفْ ويُضَعَّفْ واحِدٌ أيْ: يُجْعَلُ ضِعْفَيْنِ وهَكَذا ضَعَّفَ ما قالاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يَتَعاظَمُهُ ولا يَصْعُبُ عَلَيْهِ.
﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَقْنُتْ بِالتَّحْتِيَّةِ، وكَذا قَرَءُوا: ﴿يَأْتِ مِنكُنَّ﴾ حَمْلًا عَلى لَفْظِ مِن في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالفَوْقِيَّةِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، ومَعْنى " مَن يَقْنُتْ " مَن يُطِعْ، وكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في مُبَيِّنَةٍ، فَمِنهم مَن قَرَأها بِالكَسْرِ ومِنهم مَن قَرَأها بِفَتْحِ الياءِ كَما تَقَدَّمَ في النِّساءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ " نَضْعُفْ " بِالنُّونِ ونَصْبِ " العَذابَ " وقُرِئَ " نُضاعِفْ " بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، وكَذا قَرَأ " يَعْمَلْ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ " تَعْمَلْ " بِالفَوْقِيَّةِ، و" نُؤْتِ " بِالنُّونِ، ومَعْنى إتْيانِهِنَّ الأجْرَ مَرَّتَيْنِ أنَّهُ يَكُونُ لَهُنَّ مِنَ الأجْرِ عَلى الطّاعَةِ مِثْلا ما يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُنَّ مِنَ النِّساءِ إذا فَعَلْنَ تِلْكَ الطّاعَةِ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أنَّهُ يَكُونُ العَذابُ مَرَّتَيْنِ لا ثَلاثًا، لِأنَّ المُرادَ إظْهارُ شَرَفِهِنَّ ومَزِيَّتِهِنَّ في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ بِكَوْنِ حَسَنَتِهِنَّ كَحَسَنَتَيْنِ، وسَيِّئَتِهِنَّ كَسَيِّئَتَيْنِ، ولَوْ كانَتْ سَيِّئَتُهُنَّ كَثَلاثِ سَيِّئاتٍ لَمْ يُناسِبْ ذَلِكَ كَوْنُ حَسَنَتِهِنَّ كَحَسَنَتَيْنِ، فَإنَّ اللَّهَ أعْدَلُ مِن أنْ يُضاعِفَ العُقُوبَةَ عَلَيْهِنَّ مُضاعَفَةً تَزِيدُ عَلى مُضاعَفَةِ أجْرِهِنَّ ﴿وأعْتَدْنا لَها﴾ زِيادَةً عَلى الأجْرِ مَرَّتَيْنِ ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: الرِّزْقُ الكَرِيمُ هو نَعِيمُ الجَنَّةِ، حَكى ذَلِكَ عَنْهُمُ النَّحّاسُ.
ثُمَّ أظْهَرَ - سُبْحانَهُ - فَضِيلَتَهُنَّ عَلى سائِرِ النِّساءِ تَصْرِيحًا.
فَقالَ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَقُلْ كَواحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ، لِأنَّ أحَدًا نَفْيٌ عامٌّ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والواحِدِ والجَماعَةِ.
وقَدْ يُقالُ: عَلى ما لَيْسَ بِآدَمِيٍّ كَما يُقالُ: لَيْسَ فِيها أحَدٌ لا شاةٌ ولا بَعِيرٌ.
والمَعْنى: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ.
ثُمَّ قَيَّدَ هَذا الشَّرَفَ العَظِيمَ بِقَيْدٍ فَقالَ: ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ لَهُنَّ إنَّما تَكُونُ بِمُلازَمَتِهِنَّ لِلتَّقْوى، لا لِمُجَرَّدِ اتِّصالِهِنَّ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ وقَعَتْ مِنهُنَّ ولِلَّهِ الحَمْدُ التَّقْوى البَيِّنَةُ، والإيمانُ الخالِصُ، والمَشْيُ عَلى طَرِيقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في حَياتِهِ وبَعْدَ مَماتِهِ.
وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ.
وقِيلَ: إنَّ جَوابَهُ ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ والأوَّلُ أوْلى.
ومَعْنى ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ لا تُلِنَّ القَوْلَ عِنْدَ مُخاطَبَةِ النّاسِ كَما تَفْعَلُهُ المُرِيباتُ مِنَ النِّساءِ، فَإنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ: فُجُورٌ وشَكٌّ ونِفاقٌ، وانْتِصابُ يَطْمَعَ لِكَوْنِهِ جَوابَ النَّهْيِ. كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ.
وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ الأعْرَجَ قَرَأ " فَيَطْمِعَ " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ.
قالَ النَّحّاسُ: أحْسَبُ هَذا غَلَطًا، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي السَّمْألِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم قَرَءُوا (p-١١٦٧)بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ فِعْلِ النَّهْيِ ﴿وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ عِنْدَ النّاسِ بَعِيدًا مِنَ الرِّيبَةِ عَلى سَنَنِ الشَّرْعِ، لا يُنْكِرُ مِنهُ سامِعُهُ شَيْئًا، ولا يَطْمَعُ فِيهِنَّ أهْلُ الفِسْقِ والفُجُورِ بِسَبَبِهِ.
﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " وقِرْنَ " بِكَسْرِ القافِ مِن وقَرَ يَقِرُ وقارًا أيْ: سَكَنَ، والأمْرُ مِنهُ قِرْ بِكَسْرِ القافِ، ولِلنِّساءِ قِرْنَ مِثْلُ عِدْنَ وزِنَّ.
وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِنَ القَرارِ، لا مِنَ الوَقارِ، تَقُولُ قَرَرْتُ بِالمَكانِ بِفَتْحِ الرّاءِ، والأصْلُ اقْرِرْنَ بِكَسْرِ الرّاءِ، فَحُذِفَتِ الرّاءُ الأُولى تَخْفِيفًا كَما قالُوا في ظَلِلْتُ ظَلْتُ، ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى القافِ، واسْتُغْنِيَ عَنْ ألِفِ الوَصْلِ بِتَحْرِيكِ القافِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أُبْدِلَتِ الرّاءُ الأُولى ياءً كَراهَةَ التَّضْعِيفِ كَما أُبْدِلَتْ في قِيراطٍ ودِينارٍ، وصارَ لِلْياءِ حَرَكَةُ الحَرْفِ الَّذِي أُبْدِلَتْ مِنهُ، والتَّقْدِيرُ اقِيرْنَ، ثُمَّ تُلْقى حَرَكَةُ الياءِ عَلى القافِ كَراهَةَ تَحْرِيكِ الياءِ بِالكَسْرِ فَتَسْقُطُ الياءُ لِاجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ، وتَسْقُطُ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِتَحْرِيكِ ما بَعْدَها فَيَصِيرُ قَرْنَ.
وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ القافِ وأصْلُهُ قَرِرْتُ بِالمَكانِ: إذا أقَمْتَ فِيهِ بِكَسْرِ الرّاءِ، أقَرُّ بِفَتْحِ القافِ كَحَمِدَ يَحْمَدُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدٍ عَنِ الكِسائِيِّ، وذَكَرَها الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هو كَما تَقُولُ هَلْ حَسْتَ صاحِبَكَ أيْ: هَلْ أحْسَسْتَهُ ؟ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: كانَ أشْياخُنا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ يُنْكِرُونَ القِراءَةَ بِالفَتْحِ لِلْقافِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَرِرْتُ بِالمَكانِ أقَرُّ لا يُجَوِّزُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ.
والصَّحِيحُ قَرَرْتُ أقِرُّ بِالكَسْرِ، ومَعْناهُ: الأمْرُ لَهُنَّ بِالتَّوَقُّرِ والسُّكُونِ في بُيُوتِهِنَّ وأنْ لا يَخْرُجْنَ، وهَذا يُخالِفُ ما ذَكَرْناهُ هُنا عَنْهُ عَنِ الكِسائِيِّ وهو مِن أجَلِّ مَشايِخِهِ.
وقَدْ وافَقَهُ عَلى الإنْكارِ لِهَذِهِ القِراءَةِ أبُو حاتِمٍ فَقالَ: إنَّ قَرْنَ بِفَتْحِ القافِ لا مَذْهَبَ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ خُولِفَ أبُو حاتِمٍ في قَوْلِهِ إنَّهُ لا مَذْهَبَ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ بَلْ فِيهِ مَذْهَبانِ: أحَدُهُما حَكاهُ الكِسائِيُّ، والآخَرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ فَأمّا المَذْهَبُ الَّذِي حَكاهُ الكِسائِيُّ فَهو ما قَدَّمْناهُ مِن رِوايَةِ أبِي عُبَيْدٍ عَنْهُ، وأمّا المَذْهَبُ الَّذِي حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ فَقالَ: إنَّهُ مِن قَرَرْتُ بِهِ عَيْنًا أقَرُّ. والمَعْنى: واقْرَرْنَ بِهِ عَيْنًا في بُيُوتِكُنَّ. قالَ النَّحّاسُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ.
وأقُولُ: لَيْسَ بِحَسَنٍ ولا هو مَعْنى الآيَةِ، فَإنَّ المُرادَ بِها أمْرُهُنَّ بِالسُّكُونِ والِاسْتِقْرارِ في بُيُوتِهِنَّ، ولَيْسَ مِن قُرَّةِ العَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " واقْرِرْنَ " بِألِفِ وصْلٍ وراءَيْنَ، الأُولى مَكْسُورَةٌ عَلى الأصْلِ ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ التَّبَرُّجُ: أنْ تُبْدِيَ المَرْأةُ مِن زِينَتِها ومَحاسِنِها ما يَجِبُ عَلَيْها سَتْرُهُ مِمّا تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةَ الرَّجُلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى التَّبَرُّجِ في سُورَةِ النُّورِ.
قالَ المُبَرِّدُ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ السَّعَةِ، يُقالُ: في أسْنانِهِ بَرَجٌ: إذا كانَتْ مُتَفَرِّقَةً. وقِيلَ: التَّبَرُّجُ هو التَّبَخْتُرُ في المَشْيِ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالجاهِلِيَّةِ الأُولى، فَقِيلَ: ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وقِيلَ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وقِيلَ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى، وقِيلَ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ.
وقالَ المُبَرِّدُ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كَما تَقُولُ الجاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ.
قالَ: وكانَ نِساءُ الجاهِلِيَّةِ تُظْهِرُ ما يَقْبُحُ إظْهارُهُ، حَتّى كانَتِ المَرْأةُ تَجْلِسُ مَعَ زَوْجِها وخَلِيلِها، فَيَنْفَرِدُ خَلِيلُها بِما فَوْقَ الإزارِ إلى أعْلى، ويَنْفَرِدُ زَوْجُها بِما دُونَ الإزارِ إلى أسْفَلَ، ورُبَّما سَألَ أحَدُهُما صاحِبَهُ البَدَلَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ أشارَ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي لَحِقْنَها فَأُمِرْنَ بِالنُّقْلَةِ عَنْ سِيرَتِهِنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن سِيرَةِ الكَفَرَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا لا غَيْرَةَ عِنْدَهم، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةً أُخْرى كَذا قالَ، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.
ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالجاهِلِيَّةِ الأُخْرى ما يَقَعُ في الإسْلامِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِأهْلِ الجاهِلِيَّةِ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولا تَبَرَّجْنَ أيُّها المُسْلِماتُ بَعْدَ إسْلامِكُنَّ تَبَرُّجًا مِثْلَ تَبَرُّجِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي كُنْتُنَّ عَلَيْها، وكانَ عَلَيْها مَن قَبْلَكُنَّ أيْ: لا تُحْدِثْنَ بِأفْعالِكُنَّ وأقْوالِكُنَّ جاهِلِيَّةً تُشابِهُ الجاهِلِيَّةَ الَّتِي كانَتْ مِن قَبْلُ ﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ خَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لِأنَّهُما أصْلُ الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ.
ثُمَّ عَمَّمَ فَأمَرَهُنَّ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ في كُلِّ ما هو شَرْعٌ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ أيْ: إنَّما أوْصاكُنَّ اللَّهُ بِما أوْصاكُنَّ مِنَ التَّقْوى، وأنْ لا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ، ومِن قَوْلِ المَعْرُوفِ، والسُّكُونِ في البُيُوتِ وعَدَمِ التَّبَرُّجِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، والطّاعَةِ؛ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ، والمُرادُ بِالرِّجْسِ الإثْمُ والذَّنْبُ المُدَنِّسانِ لِلْأعْراضِ الحاصِلانِ بِسَبَبِ تَرْكِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وفِعْلِ ما نَهى عَنْهُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ ما لَيْسَ فِيهِ لِلَّهِ رِضًا، وانْتِصابُ أهْلَ البَيْتِ عَلى المَدْحِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، قالَ: وإنْ شِئْتَ عَلى البَدَلِ. قالَ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ والخَفْضُ.
قالَ النَّحّاسُ: إنْ خُفِضَ فَعَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ، واعْتَرَضَهُ المُبَرِّدُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ البَدَلُ مِنَ المُخاطَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصَبَهُ عَلى النِّداءِ ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ أيْ: يُطَهِّرَكم مِنَ الأرْجاسِ والأدْرانِ تَطْهِيرًا كامِلًا.
وفِي اسْتِعارَةِ الرِّجْسِ لِلْمَعْصِيَةِ والتَّرْشِيحِ لَها بِالتَّطْهِيرِ تَنْفِيرٌ عَنْها بَلِيغٌ، وزَجْرٌ لِفاعِلِها شَدِيدٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في أهْلِ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ أهْلَ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ هُنَّ زَوْجاتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً.
قالُوا: والمُرادُ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَساكِنُ زَوْجاتِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ .
وأيْضًا السِّياقُ في الزَّوْجاتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ .
وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ورُوِيَ عَنْ الكَلْبِيِّ أنَّ أهْلَ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ هم: عَلِيٌّ، وفاطِمَةُ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ خاصَّةً، ومِن حُجَجِهِمُ الخِطابُ في الآيَةِ بِما يَصْلُحُ لِلذُّكُورِ لا لِلْإناثِ، وهو قَوْلُهُ: عَنْكم ولِيُطَهِّرَكم، ولَوْ كانَ لِلنِّساءِ خاصَّةً لَقالَ عَنْكُنَّ ويُطَهِّرُكُنَّ.
وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا أنَّ التَّذْكِيرَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الأهْلِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: (p-١١٦٨)﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] وكَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: كَيْفَ أهْلُكَ ؟ يُرِيدُ زَوْجَتَهُ أوْ زَوْجاتِهِ، فَيَقُولُ: هم بِخَيْرٍ.
ولْنَذْكُرْ هاهُنا ما تَمَسَّكَ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ: أمّا الأوَّلُونَ فَتَمَسَّكُوا بِالسِّياقِ، فَإنَّهُ في الزَّوْجاتِ كَما ذَكَرْنا، وبِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في نِساءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن شاءَ باهَلْتُهُ أنَّها نَزَلَتْ في أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَهُ.
وأمّا ما تَمَسَّكَ بِهِ الآخَرُونَ، فَأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ " «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: في بَيْتِي نَزَلَتْ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وفي البَيْتِ فاطِمَةُ وعَلِيٌّ، والحَسَنُ والحُسَيْنُ، فَجَلَّلَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِساءٍ كانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ " «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ في بَيْتِها عَلى مَنامِهِ لَهُ عَلَيْهِ كِساءٌ خَيْبَرِيٌّ، فَجاءَتْ فاطِمَةُ بِبُرْمَةٍ فِيها خَزِيرَةٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ادْعِي زَوْجَكِ وابْنَيْكِ حَسَنًا وحُسَيْنًا فَدَعَتْهم، فَبَيْنَما هم يَأْكُلُونَ إذْ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِفَضْلَةِ كِسائِهِ فَغَشّاهم إيّاها، ثُمَّ أخْرَجَ يَدَهُ مِنَ الكِساءِ وألْوى بِها إلى السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي وخاصَّتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسِ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، قالَها ثَلاثَ مَرّاتٍ.
قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَأدْخَلْتُ رَأْسِي في السِّتْرِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا مَعَكم ؟ فَقالَ: إنَّكِ إلى خَيْرٍ مَرَّتَيْنِ» وأخْرَجَهُ أيْضًا أحْمَدُ مِن حَدِيثِها، قالَ:، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، حَدَّثَنِي مَن سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ تَذْكُرُ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ.
وفِي إسْنادِهِ مَجْهُولٌ وهو شَيْخُ عَطاءٍ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ.
وقَدْ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْها مِن طَرِيقَيْنِ بِنَحْوِهِ.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ طُرُقًا كَثِيرَةً في مُسْنَدِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَداةً وعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجَّلٌ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ، فَجاءَهُ الحَسَنُ، والحُسَيْنُ فَأدْخَلَهُما مَعَهُ، ثُمَّ جاءَتْ فاطِمَةُ فَأدْخَلَها مَعَهُ، ثُمَّ جاءَ عَلِيٌّ فَأدْخَلَهُ مَعَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى فاطِمَةَ ومَعَهُ عَلِيٌّ، وحَسَنٌ وحُسَيْنٌ حَتّى دَخَلَ، فَأدْنى عَلِيًّا وفاطِمَةَ وأجْلَسَهُما بَيْنَ يَدَيْهِ، وأجْلَسَ حَسَنًا وحُسَيْنًا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَلى فَخِذِهِ، ثُمَّ لَفَّ عَلَيْهِمْ ثَوْبَهُ وأنا مُسْتَدْبِرُهم ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وقالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا مِن أهْلِكَ ؟ قالَ: وأنْتَ مِن أهْلِي» .
قالَ واثِلَةُ: إنَّهُ لَأرْجا ما أرْجُوهُ. ولَهُ طُرُقٌ في مُسْنَدِ أحْمَدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَمُرُّ بِبابِ فاطِمَةَ إذا خَرَجَ إلى صَلاةِ الفَجْرِ يَقُولُ: الصَّلاةَ يا أهْلَ البَيْتِ الصَّلاةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي» فَقِيلَ: لِزَيْدٍ: ومَن أهْلُ بَيْتِهِ ؟ ألَيْسَ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ ؟ قالَ: نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، ولَكِنْ أهْلُ بَيْتِهِ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ: آلُ عَلِيٍّ وآلُ عَقِيلٍ: وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ العَبّاسِ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ قَسَّمَ الخَلْقَ قِسْمَيْنِ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِما قِسْمًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٧] ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] فَأنا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنا خَيْرُ أصْحابِ اليَمِينِ. ثُمَّ جَعَلَ القِسْمَيْنِ أثْلاثًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها ثَلاثًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] فَأنا مِنَ السّابِقِينَ، وأنا خَيْرُ السّابِقِينَ. ثُمَّ جَعَلَ الأثْلاثَ قَبائِلَ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها قَبِيلَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] وأنا أتْقى ولَدِ آدَمَ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ ولا فَخْرَ. ثُمَّ جَعَلَ القَبائِلَ بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها بَيْتًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأنا، وأهْلُ بَيْتِي مُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الحَمْراءِ قالَ: «رابَطْتُ المَدِينَةَ سَبْعَةَ أشْهُرٍ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا طَلَعَ الفَجْرُ جاءَ إلى بابِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ فَقالَ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وفِي إسْنادِهِ أبُو داوُدَ الأعْمى، وهو وضّاعٌ كَذّابٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ، وقَدْ ذَكَرْنا هاهُنا ما يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ دُونَ ما يَصْلُحُ.
وقَدْ تَوَسَّطَتْ طائِفَةٌ ثالِثَةٌ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ، فَجَعَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ (p-١١٦٩)شامِلَةً لِلزَّوْجاتِ ولِعَلِيٍّ وفاطِمَةَ، والحَسَنِ والحُسَيْنِ، أمّا الزَّوْجاتُ فَلِكَوْنِهِنَّ المُرادّاتِ في سِياقِ هَذِهِ الآياتِ كَما قَدَّمْنا، ولِكَوْنِهِنَّ السّاكِناتِ في بُيُوتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّازِلاتِ في مَنازِلِهِ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.
وأمّا دُخُولُ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ، والحَسَنِ والحُسَيْنِ فَلِكَوْنِهِمْ قَرابَتَهُ وأهْلَ بَيْتِهِ في النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأحادِيثِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّهم سَبَبُ النُّزُولِ، فَمَن جَعَلَ الآيَةَ خاصَّةً بِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ فَقَدْ أعْمَلَ بَعْضَ ما يَجِبُ إعْمالُهُ وأهْمَلَ ما لا يَجُوزُ إهْمالُهُ.
وقَدْ رَجَّحَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ القُرْطُبِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُما.
وقالَ جَماعَةٌ: هم بَنُو هاشِمٍ، واسْتَدَلُّوا بِما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ المُتَقَدِّمِ حَيْثُ قالَ: ولَكِنْ آلُهُ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ: آلُ عَلِيٍّ، وآلُ عَقِيلٍ:، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ العَبّاسِ، فَهَؤُلاءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ المُرادَ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّسَبِ.
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ أيْ: اذْكُرْنَ مَوْضِعَ النِّعْمَةِ إذْ صَيَّرَكُنَّ اللَّهُ في بُيُوتٍ يُتْلى فِيها آياتُ اللَّهِ والحِكْمَةُ اذْكُرْنَها وتَفَكَّرْنَ فِيها لِتَتَّعِظْنَ بِمَواعِظِ اللَّهِ، أوِ اذْكُرْنَها لِلنّاسِ لِيَتَّعِظُوا بِها ويَهْتَدُوا بِهُداها، أوِ اذْكُرْنَها بِالتِّلاوَةِ لَها لِتَحْفَظْنَها ولا تَتْرُكْنَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ التِّلاوَةِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ وآياتُ اللَّهِ هي القُرْآنُ، والحِكْمَةُ السُّنَّةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ المُرادُ بِالآياتِ والحِكْمَةِ أمْرُهُ ونَهْيُهُ في القُرْآنِ.
وقِيلَ: إنَّ القُرْآنَ جامِعٌ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ دالَّةٍ عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ النُّبُوَّةِ وبَيْنَ كَوْنِهِ حِكْمَةً مُشْتَمِلَةً عَلى فُنُونٍ مِنَ العُلُومِ والشَّرائِعِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أيْ: لَطِيفًا بِأوْلِيائِهِ خَبِيرًا بِجَمِيعِ خَلْقِهِ وجَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، فَهو يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ «أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والنّاسُ بِبابِهِ جُلُوسٌ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عُمَرُ فاسْتَأْذَنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أُذِنَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَدَخَلا والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ وحَوْلَهُ نِساؤُهُ وهو ساكِتٌ، فَقالَ عُمَرُ: لَأُكَلِّمَنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَعَلَّهُ يَضْحَكُ، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ امْرَأةَ عُمَرَ سَألَتِ النَّفَقَةَ آنِفًا فَوَجَأْتُ في عُنُقِها، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ وقالَ: هُنَّ حَوْلِي يَسْألْنَنِي النَّفَقَةَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ إلى عائِشَةَ لِيَضْرِبَها، وقامَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ، كِلاهُما يَقُولانِ: تَسْألانِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لَيْسَ عِنْدَهُ، فَنَهاهُما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْنَ نِساؤُهُ: واللَّهِ لا نَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ هَذا المَجْلِسِ ما لَيْسَ عِنْدَهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ الخِيارَ، فَنادى بِعائِشَةَ فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا ما أُحِبُّ أنْ تُعَجِّلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالَتْ: ما هو ؟ فَتَلا عَلَيْها ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: أفِيكَ أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، بَلْ أخْتارُ اللَّهَ رَسُولَهُ، وأسْألُكَ أنْ لا تَذْكُرَ لِنِسائِكَ ما اخْتَرْتُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَنْ يَبْعَثَنِي مُتَعَنِّتًا ولَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُبَشِّرًا، لا تَسْألُنِي امْرَأةٌ مِنهُنَّ عَمّا اخْتَرْتِ إلّا أخْبَرْتُها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «جاءَها حِينَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَ أزْواجَهُ قالَتْ: فَبَدَأ بِي فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إلى تَمامِ الآيَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفي أيِّ هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، وفَعَلَ أزْواجُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَ ما فَعَلَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ قالَ يَقُولُ: مَن يُطِعِ اللَّهَ مِنكُنَّ وتَعْمَلْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بِطاعَتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: يَقُولُ لا تُرَخِّصْنَ بِالقَوْلِ ولا تَخْضَعْنَ بِالكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: مُقارَنَةُ الرِّجالِ في القَوْلِ حَتّى يَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: نُبِّئْتُ أنَّهُ قِيلَ: لِسَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ما لَكِ لا تَحُجِّينَ ولا تَعْتَمِرِينَ كَما يَفْعَلُ أخَواتُكِ ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللَّهُ أنْ أقِرَّ في بَيْتِي، فَواللَّهِ لا أخْرُجُ مِن بَيْتِي حَتّى أمُوتَ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ بِجِنازَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كانَتْ عائِشَةُ إذا قَرَأتْ ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: كانَتِ الجاهِلِيَّةُ الأُولى فِيما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ وكانَتْ ألْفَ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَهُ فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ لِأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ هَلْ كانَتْ جاهِلِيَّةٌ غَيْرَ واحِدَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما سَمِعْتُ بِأُولى إلّا ولَها آخِرَةٌ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَأْتِنِي مِن كِتابِ اللَّهِ ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم﴾ [الحج: ٧٨] أوَّلَ مَرَّةٍ فَقالَ عُمَرُ: مَن أمَرَنا أنْ نُجاهِدَ ؟ قالَ: مَخْزُومٌ وعَبْدُ شَمْسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: تَكُونُ جاهِلِيَّةٌ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ: أنَّها تَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَتْ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كانَتْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ.
وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ الآثارِ الوارِدَةِ في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ قالَ: القُرْآنُ والسُّنَّةُ يَمْتَنُّ بِذَلِكَ عَلَيْهِنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ سَهْلٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ الآيَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١١٧٠)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي في بُيُوتِ أزْواجِهِ النَّوافِلَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ» .
الأحزاب 33:29
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَعْنى ما تَقَدَّمَها مِن المَنعِ مِن إيذاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وكانَ قَدْ تَأذّى بِبَعْضِ الزَّوْجاتِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَألْنَهُ شَيْئًا مِن عَرَضِ الدُّنْيا وطَلَبْنَ مِنهُ الزِّيادَةَ في النَّفَقَةِ وآذَيْنَهُ بِغَيْرَةِ بَعْضِهِنَّ عَلى بَعْضٍ، فَآلى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهُنَّ شَهْرًا، وأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ هَذِهِ، وكُنْ يَوْمئِذٍ تِسْعًا: عائِشَةَ وحَفْصَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ وأُمَّ حَبِيبَةَ وسَوْدَةَ هَؤُلاءِ مِن نِساءِ قُرَيْشٍ وصَفِيَّةَ الخَيْبَرِيَّةَ ومَيْمُونَةَ الهِلالِيَّةَ، وزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الأسَدِيَّةَ، وجُوَيْرِيَّةَ بِنْتَ الحارِثِ المُصْطَلَقِيَّةَ.
ومَعْنى ﴿الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ سَعَتُها ونَضارَتُها ورَفاهِيَتُها والتَّنَعُّمُ فِيها ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ أيْ: أقْبِلْنَ إلَيَّ ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ أيْ: أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ " و" كَذا أُسَرِّحْكُنَّ بِالجَزْمِ أيْ: أُطَلِّقْكُنَّ وبِالجَزْمِ في الفِعْلَيْنِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حُمَيْدٌ الخَرّازُ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمُرادُ بِالسَّراحِ الجَمِيلِ: هو الواقِعُ مِن غَيْرِ ضِرارٍ عَلى مُقْتَضى السُّنَّةِ.
وقِيلَ: إنَّ جَزْمَ الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّهُما جَوابُ الشَّرْطِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ.
﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ﴾ (p-١١٦٦)أيِ: الجَنَّةَ ونَعِيمَها ﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ﴾ أيِ: اللّائِي عَمِلْنَ عَمَلًا صالِحًا أجْرًا عَظِيمًا لا يُمْكِنُ وصْفُهُ، ولا يُقادَرُ قَدْرُهُ وذَلِكَ بِسَبَبِ إحْسانِهِنَّ، وبِمُقابَلَةِ صالِحِ عَمَلِهِنَّ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ تَخْيِيرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أزْواجَهُ عَلى قَوْلَيْنِ: القَوْلُ الأوَّلُ أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بِإذْنِ اللَّهِ في البَقاءِ عَلى الزَّوْجِيَّةِ أوِ الطَّلاقِ فاخْتَرْنَ البَقاءَ، وبِهَذا قالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ والزُّهْرِيُّ ورَبِيعَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّهُ إنَّما خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا فَيُفارِقُهُنَّ، وبَيْنَ الآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ ولَمْ يُخَيِّرْهُنَّ في الطَّلاقِ، وبِهَذا قالَ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والرّاجِحُ الأوَّلُ.
واخْتَلَفُوا أيْضًا في المُخَيَّرَةِ إذا اخْتارَتْ زَوْجَها هَلْ يُحْسَبُ مُجَرَّدُ ذَلِكَ التَّخْيِيرِ عَلى الزَّوْجِ طَلْقَةً أمْ لا ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ إلى أنَّهُ لا يَكُونُ مَعَ اخْتِيارِ المَرْأةِ لِزَوْجِها طَلاقًا لا واحِدَةً ولا أكْثَرَ.
وقالَ عَلِيٌّ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ واللَّيْثُ: وحَكاهُ الخَطّابِيُّ والنَّقّاشُ عَنْ مالِكٍ.
والرّاجِحُ الأوَّلُ لِحَدِيثِ عائِشَةَ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ «قالَتْ: خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فاخْتَرْناهُ فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا» ولا وجْهَ لِجَعْلِ مُجَرَّدِ التَّخْيِيرِ طَلاقًا، ودَعْوى أنَّهُ كِنايَةٌ مِن كِناياتِ الطَّلاقِ مَدْفُوعَةٌ بِأنَّ المُخَيَّرَ لَمْ يَرِدِ الفُرْقَةَ لِمُجَرَّدِ التَّخْيِيرِ، بَلْ أرادَ تَفْوِيضَ المَرْأةِ وجَعْلَ أمْرِها بِيَدِها، فَإنِ اخْتارَتِ البَقاءَ بَقِيَتْ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ، وإنِ اخْتارَتِ الفُرْقَةَ صارَتْ مُطَلَّقَةً.
واخْتَلَفُوا في اخْتِيارِها لِنَفْسِها هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً أوْ بائِنَةً.
فَقالَ بِالأوَّلِ عُمَرُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وقالَ بِالثّانِي عَلِيٌّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ.
والرّاجِحُ الأوَّلُ، لِأنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ أنْ يُطَلِّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نِساءَهُ عَلى خِلافِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وقَدْ أمَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّها إذا اخْتارَتْ نَفْسَها فَثَلاثُ طَلْقاتٍ، ولَيْسَ لِهَذا القَوْلِ وجْهٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّها إذا اخْتارَتْ نَفْسَها فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وإذا اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
ثُمَّ لَمّا اخْتارَ نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَسُولَ اللَّهِ أنْزَلَ فِيهِنَّ هَذِهِ الآياتِ تَكْرِمَةً لَهُنَّ وتَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ، فَقالَ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أيْ: ظاهِرَةِ القُبْحِ واضِحَةِ الفُحْشِ، وقَدْ عَصَمَهُنَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وبَرَّأهُنَّ وطَهَّرَهُنَّ ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: يُعَذِّبْهُنَّ مِثْلَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ إذا أتَيْنَ بِمِثْلِ تِلْكَ الفاحِشَةِ، وذَلِكَ لِشَرَفِهِنَّ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِنَّ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِنَّ.
وقَدْ ثَبَتَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ تَضاعُفَ الشَّرَفِ وارْتِفاعَ الدَّرَجاتِ يُوجِبُ لِصاحِبِهِ إذا عَصى تَضاعُفَ العُقُوباتِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " يُضَعَّفْ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفَرَّقَ هو وأبُو عُبَيْدٍ بَيْنَ يُضاعَفْ فَقالا: يَكُونُ يُضاعَفْ ويُضَعَّفْ، فَقالا: يَكُونُ يُضاعَفْ ثَلاثَةَ عَذاباتٍ ويُضَعَّفْ عَذابَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ التَّفْرِقَةُ الَّتِي جاءَ بِها لا يَعْرِفُها أحَدٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، والمَعْنى في يُضاعَفْ ويُضَعَّفْ واحِدٌ أيْ: يُجْعَلُ ضِعْفَيْنِ وهَكَذا ضَعَّفَ ما قالاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يَتَعاظَمُهُ ولا يَصْعُبُ عَلَيْهِ.
﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَقْنُتْ بِالتَّحْتِيَّةِ، وكَذا قَرَءُوا: ﴿يَأْتِ مِنكُنَّ﴾ حَمْلًا عَلى لَفْظِ مِن في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالفَوْقِيَّةِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، ومَعْنى " مَن يَقْنُتْ " مَن يُطِعْ، وكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في مُبَيِّنَةٍ، فَمِنهم مَن قَرَأها بِالكَسْرِ ومِنهم مَن قَرَأها بِفَتْحِ الياءِ كَما تَقَدَّمَ في النِّساءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ " نَضْعُفْ " بِالنُّونِ ونَصْبِ " العَذابَ " وقُرِئَ " نُضاعِفْ " بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، وكَذا قَرَأ " يَعْمَلْ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ " تَعْمَلْ " بِالفَوْقِيَّةِ، و" نُؤْتِ " بِالنُّونِ، ومَعْنى إتْيانِهِنَّ الأجْرَ مَرَّتَيْنِ أنَّهُ يَكُونُ لَهُنَّ مِنَ الأجْرِ عَلى الطّاعَةِ مِثْلا ما يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُنَّ مِنَ النِّساءِ إذا فَعَلْنَ تِلْكَ الطّاعَةِ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أنَّهُ يَكُونُ العَذابُ مَرَّتَيْنِ لا ثَلاثًا، لِأنَّ المُرادَ إظْهارُ شَرَفِهِنَّ ومَزِيَّتِهِنَّ في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ بِكَوْنِ حَسَنَتِهِنَّ كَحَسَنَتَيْنِ، وسَيِّئَتِهِنَّ كَسَيِّئَتَيْنِ، ولَوْ كانَتْ سَيِّئَتُهُنَّ كَثَلاثِ سَيِّئاتٍ لَمْ يُناسِبْ ذَلِكَ كَوْنُ حَسَنَتِهِنَّ كَحَسَنَتَيْنِ، فَإنَّ اللَّهَ أعْدَلُ مِن أنْ يُضاعِفَ العُقُوبَةَ عَلَيْهِنَّ مُضاعَفَةً تَزِيدُ عَلى مُضاعَفَةِ أجْرِهِنَّ ﴿وأعْتَدْنا لَها﴾ زِيادَةً عَلى الأجْرِ مَرَّتَيْنِ ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: الرِّزْقُ الكَرِيمُ هو نَعِيمُ الجَنَّةِ، حَكى ذَلِكَ عَنْهُمُ النَّحّاسُ.
ثُمَّ أظْهَرَ - سُبْحانَهُ - فَضِيلَتَهُنَّ عَلى سائِرِ النِّساءِ تَصْرِيحًا.
فَقالَ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَقُلْ كَواحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ، لِأنَّ أحَدًا نَفْيٌ عامٌّ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والواحِدِ والجَماعَةِ.
وقَدْ يُقالُ: عَلى ما لَيْسَ بِآدَمِيٍّ كَما يُقالُ: لَيْسَ فِيها أحَدٌ لا شاةٌ ولا بَعِيرٌ.
والمَعْنى: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ.
ثُمَّ قَيَّدَ هَذا الشَّرَفَ العَظِيمَ بِقَيْدٍ فَقالَ: ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ لَهُنَّ إنَّما تَكُونُ بِمُلازَمَتِهِنَّ لِلتَّقْوى، لا لِمُجَرَّدِ اتِّصالِهِنَّ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ وقَعَتْ مِنهُنَّ ولِلَّهِ الحَمْدُ التَّقْوى البَيِّنَةُ، والإيمانُ الخالِصُ، والمَشْيُ عَلى طَرِيقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في حَياتِهِ وبَعْدَ مَماتِهِ.
وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ.
وقِيلَ: إنَّ جَوابَهُ ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ والأوَّلُ أوْلى.
ومَعْنى ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ لا تُلِنَّ القَوْلَ عِنْدَ مُخاطَبَةِ النّاسِ كَما تَفْعَلُهُ المُرِيباتُ مِنَ النِّساءِ، فَإنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ: فُجُورٌ وشَكٌّ ونِفاقٌ، وانْتِصابُ يَطْمَعَ لِكَوْنِهِ جَوابَ النَّهْيِ. كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ.
وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ الأعْرَجَ قَرَأ " فَيَطْمِعَ " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ.
قالَ النَّحّاسُ: أحْسَبُ هَذا غَلَطًا، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي السَّمْألِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم قَرَءُوا (p-١١٦٧)بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ فِعْلِ النَّهْيِ ﴿وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ عِنْدَ النّاسِ بَعِيدًا مِنَ الرِّيبَةِ عَلى سَنَنِ الشَّرْعِ، لا يُنْكِرُ مِنهُ سامِعُهُ شَيْئًا، ولا يَطْمَعُ فِيهِنَّ أهْلُ الفِسْقِ والفُجُورِ بِسَبَبِهِ.
﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " وقِرْنَ " بِكَسْرِ القافِ مِن وقَرَ يَقِرُ وقارًا أيْ: سَكَنَ، والأمْرُ مِنهُ قِرْ بِكَسْرِ القافِ، ولِلنِّساءِ قِرْنَ مِثْلُ عِدْنَ وزِنَّ.
وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِنَ القَرارِ، لا مِنَ الوَقارِ، تَقُولُ قَرَرْتُ بِالمَكانِ بِفَتْحِ الرّاءِ، والأصْلُ اقْرِرْنَ بِكَسْرِ الرّاءِ، فَحُذِفَتِ الرّاءُ الأُولى تَخْفِيفًا كَما قالُوا في ظَلِلْتُ ظَلْتُ، ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى القافِ، واسْتُغْنِيَ عَنْ ألِفِ الوَصْلِ بِتَحْرِيكِ القافِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أُبْدِلَتِ الرّاءُ الأُولى ياءً كَراهَةَ التَّضْعِيفِ كَما أُبْدِلَتْ في قِيراطٍ ودِينارٍ، وصارَ لِلْياءِ حَرَكَةُ الحَرْفِ الَّذِي أُبْدِلَتْ مِنهُ، والتَّقْدِيرُ اقِيرْنَ، ثُمَّ تُلْقى حَرَكَةُ الياءِ عَلى القافِ كَراهَةَ تَحْرِيكِ الياءِ بِالكَسْرِ فَتَسْقُطُ الياءُ لِاجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ، وتَسْقُطُ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِتَحْرِيكِ ما بَعْدَها فَيَصِيرُ قَرْنَ.
وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ القافِ وأصْلُهُ قَرِرْتُ بِالمَكانِ: إذا أقَمْتَ فِيهِ بِكَسْرِ الرّاءِ، أقَرُّ بِفَتْحِ القافِ كَحَمِدَ يَحْمَدُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدٍ عَنِ الكِسائِيِّ، وذَكَرَها الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هو كَما تَقُولُ هَلْ حَسْتَ صاحِبَكَ أيْ: هَلْ أحْسَسْتَهُ ؟ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: كانَ أشْياخُنا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ يُنْكِرُونَ القِراءَةَ بِالفَتْحِ لِلْقافِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَرِرْتُ بِالمَكانِ أقَرُّ لا يُجَوِّزُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ.
والصَّحِيحُ قَرَرْتُ أقِرُّ بِالكَسْرِ، ومَعْناهُ: الأمْرُ لَهُنَّ بِالتَّوَقُّرِ والسُّكُونِ في بُيُوتِهِنَّ وأنْ لا يَخْرُجْنَ، وهَذا يُخالِفُ ما ذَكَرْناهُ هُنا عَنْهُ عَنِ الكِسائِيِّ وهو مِن أجَلِّ مَشايِخِهِ.
وقَدْ وافَقَهُ عَلى الإنْكارِ لِهَذِهِ القِراءَةِ أبُو حاتِمٍ فَقالَ: إنَّ قَرْنَ بِفَتْحِ القافِ لا مَذْهَبَ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ خُولِفَ أبُو حاتِمٍ في قَوْلِهِ إنَّهُ لا مَذْهَبَ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ بَلْ فِيهِ مَذْهَبانِ: أحَدُهُما حَكاهُ الكِسائِيُّ، والآخَرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ فَأمّا المَذْهَبُ الَّذِي حَكاهُ الكِسائِيُّ فَهو ما قَدَّمْناهُ مِن رِوايَةِ أبِي عُبَيْدٍ عَنْهُ، وأمّا المَذْهَبُ الَّذِي حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ فَقالَ: إنَّهُ مِن قَرَرْتُ بِهِ عَيْنًا أقَرُّ. والمَعْنى: واقْرَرْنَ بِهِ عَيْنًا في بُيُوتِكُنَّ. قالَ النَّحّاسُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ.
وأقُولُ: لَيْسَ بِحَسَنٍ ولا هو مَعْنى الآيَةِ، فَإنَّ المُرادَ بِها أمْرُهُنَّ بِالسُّكُونِ والِاسْتِقْرارِ في بُيُوتِهِنَّ، ولَيْسَ مِن قُرَّةِ العَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " واقْرِرْنَ " بِألِفِ وصْلٍ وراءَيْنَ، الأُولى مَكْسُورَةٌ عَلى الأصْلِ ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ التَّبَرُّجُ: أنْ تُبْدِيَ المَرْأةُ مِن زِينَتِها ومَحاسِنِها ما يَجِبُ عَلَيْها سَتْرُهُ مِمّا تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةَ الرَّجُلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى التَّبَرُّجِ في سُورَةِ النُّورِ.
قالَ المُبَرِّدُ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ السَّعَةِ، يُقالُ: في أسْنانِهِ بَرَجٌ: إذا كانَتْ مُتَفَرِّقَةً. وقِيلَ: التَّبَرُّجُ هو التَّبَخْتُرُ في المَشْيِ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالجاهِلِيَّةِ الأُولى، فَقِيلَ: ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وقِيلَ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وقِيلَ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى، وقِيلَ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ.
وقالَ المُبَرِّدُ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كَما تَقُولُ الجاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ.
قالَ: وكانَ نِساءُ الجاهِلِيَّةِ تُظْهِرُ ما يَقْبُحُ إظْهارُهُ، حَتّى كانَتِ المَرْأةُ تَجْلِسُ مَعَ زَوْجِها وخَلِيلِها، فَيَنْفَرِدُ خَلِيلُها بِما فَوْقَ الإزارِ إلى أعْلى، ويَنْفَرِدُ زَوْجُها بِما دُونَ الإزارِ إلى أسْفَلَ، ورُبَّما سَألَ أحَدُهُما صاحِبَهُ البَدَلَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ أشارَ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي لَحِقْنَها فَأُمِرْنَ بِالنُّقْلَةِ عَنْ سِيرَتِهِنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن سِيرَةِ الكَفَرَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا لا غَيْرَةَ عِنْدَهم، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةً أُخْرى كَذا قالَ، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.
ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالجاهِلِيَّةِ الأُخْرى ما يَقَعُ في الإسْلامِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِأهْلِ الجاهِلِيَّةِ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولا تَبَرَّجْنَ أيُّها المُسْلِماتُ بَعْدَ إسْلامِكُنَّ تَبَرُّجًا مِثْلَ تَبَرُّجِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي كُنْتُنَّ عَلَيْها، وكانَ عَلَيْها مَن قَبْلَكُنَّ أيْ: لا تُحْدِثْنَ بِأفْعالِكُنَّ وأقْوالِكُنَّ جاهِلِيَّةً تُشابِهُ الجاهِلِيَّةَ الَّتِي كانَتْ مِن قَبْلُ ﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ خَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لِأنَّهُما أصْلُ الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ.
ثُمَّ عَمَّمَ فَأمَرَهُنَّ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ في كُلِّ ما هو شَرْعٌ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ أيْ: إنَّما أوْصاكُنَّ اللَّهُ بِما أوْصاكُنَّ مِنَ التَّقْوى، وأنْ لا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ، ومِن قَوْلِ المَعْرُوفِ، والسُّكُونِ في البُيُوتِ وعَدَمِ التَّبَرُّجِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، والطّاعَةِ؛ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ، والمُرادُ بِالرِّجْسِ الإثْمُ والذَّنْبُ المُدَنِّسانِ لِلْأعْراضِ الحاصِلانِ بِسَبَبِ تَرْكِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وفِعْلِ ما نَهى عَنْهُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ ما لَيْسَ فِيهِ لِلَّهِ رِضًا، وانْتِصابُ أهْلَ البَيْتِ عَلى المَدْحِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، قالَ: وإنْ شِئْتَ عَلى البَدَلِ. قالَ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ والخَفْضُ.
قالَ النَّحّاسُ: إنْ خُفِضَ فَعَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ، واعْتَرَضَهُ المُبَرِّدُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ البَدَلُ مِنَ المُخاطَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصَبَهُ عَلى النِّداءِ ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ أيْ: يُطَهِّرَكم مِنَ الأرْجاسِ والأدْرانِ تَطْهِيرًا كامِلًا.
وفِي اسْتِعارَةِ الرِّجْسِ لِلْمَعْصِيَةِ والتَّرْشِيحِ لَها بِالتَّطْهِيرِ تَنْفِيرٌ عَنْها بَلِيغٌ، وزَجْرٌ لِفاعِلِها شَدِيدٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في أهْلِ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ أهْلَ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ هُنَّ زَوْجاتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً.
قالُوا: والمُرادُ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَساكِنُ زَوْجاتِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ .
وأيْضًا السِّياقُ في الزَّوْجاتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ .
وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ورُوِيَ عَنْ الكَلْبِيِّ أنَّ أهْلَ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ هم: عَلِيٌّ، وفاطِمَةُ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ خاصَّةً، ومِن حُجَجِهِمُ الخِطابُ في الآيَةِ بِما يَصْلُحُ لِلذُّكُورِ لا لِلْإناثِ، وهو قَوْلُهُ: عَنْكم ولِيُطَهِّرَكم، ولَوْ كانَ لِلنِّساءِ خاصَّةً لَقالَ عَنْكُنَّ ويُطَهِّرُكُنَّ.
وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا أنَّ التَّذْكِيرَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الأهْلِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: (p-١١٦٨)﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] وكَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: كَيْفَ أهْلُكَ ؟ يُرِيدُ زَوْجَتَهُ أوْ زَوْجاتِهِ، فَيَقُولُ: هم بِخَيْرٍ.
ولْنَذْكُرْ هاهُنا ما تَمَسَّكَ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ: أمّا الأوَّلُونَ فَتَمَسَّكُوا بِالسِّياقِ، فَإنَّهُ في الزَّوْجاتِ كَما ذَكَرْنا، وبِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في نِساءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن شاءَ باهَلْتُهُ أنَّها نَزَلَتْ في أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَهُ.
وأمّا ما تَمَسَّكَ بِهِ الآخَرُونَ، فَأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ " «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: في بَيْتِي نَزَلَتْ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وفي البَيْتِ فاطِمَةُ وعَلِيٌّ، والحَسَنُ والحُسَيْنُ، فَجَلَّلَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِساءٍ كانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ " «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ في بَيْتِها عَلى مَنامِهِ لَهُ عَلَيْهِ كِساءٌ خَيْبَرِيٌّ، فَجاءَتْ فاطِمَةُ بِبُرْمَةٍ فِيها خَزِيرَةٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ادْعِي زَوْجَكِ وابْنَيْكِ حَسَنًا وحُسَيْنًا فَدَعَتْهم، فَبَيْنَما هم يَأْكُلُونَ إذْ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِفَضْلَةِ كِسائِهِ فَغَشّاهم إيّاها، ثُمَّ أخْرَجَ يَدَهُ مِنَ الكِساءِ وألْوى بِها إلى السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي وخاصَّتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسِ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، قالَها ثَلاثَ مَرّاتٍ.
قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَأدْخَلْتُ رَأْسِي في السِّتْرِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا مَعَكم ؟ فَقالَ: إنَّكِ إلى خَيْرٍ مَرَّتَيْنِ» وأخْرَجَهُ أيْضًا أحْمَدُ مِن حَدِيثِها، قالَ:، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، حَدَّثَنِي مَن سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ تَذْكُرُ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ.
وفِي إسْنادِهِ مَجْهُولٌ وهو شَيْخُ عَطاءٍ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ.
وقَدْ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْها مِن طَرِيقَيْنِ بِنَحْوِهِ.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ طُرُقًا كَثِيرَةً في مُسْنَدِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَداةً وعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجَّلٌ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ، فَجاءَهُ الحَسَنُ، والحُسَيْنُ فَأدْخَلَهُما مَعَهُ، ثُمَّ جاءَتْ فاطِمَةُ فَأدْخَلَها مَعَهُ، ثُمَّ جاءَ عَلِيٌّ فَأدْخَلَهُ مَعَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى فاطِمَةَ ومَعَهُ عَلِيٌّ، وحَسَنٌ وحُسَيْنٌ حَتّى دَخَلَ، فَأدْنى عَلِيًّا وفاطِمَةَ وأجْلَسَهُما بَيْنَ يَدَيْهِ، وأجْلَسَ حَسَنًا وحُسَيْنًا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَلى فَخِذِهِ، ثُمَّ لَفَّ عَلَيْهِمْ ثَوْبَهُ وأنا مُسْتَدْبِرُهم ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وقالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا مِن أهْلِكَ ؟ قالَ: وأنْتَ مِن أهْلِي» .
قالَ واثِلَةُ: إنَّهُ لَأرْجا ما أرْجُوهُ. ولَهُ طُرُقٌ في مُسْنَدِ أحْمَدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَمُرُّ بِبابِ فاطِمَةَ إذا خَرَجَ إلى صَلاةِ الفَجْرِ يَقُولُ: الصَّلاةَ يا أهْلَ البَيْتِ الصَّلاةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي» فَقِيلَ: لِزَيْدٍ: ومَن أهْلُ بَيْتِهِ ؟ ألَيْسَ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ ؟ قالَ: نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، ولَكِنْ أهْلُ بَيْتِهِ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ: آلُ عَلِيٍّ وآلُ عَقِيلٍ: وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ العَبّاسِ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ قَسَّمَ الخَلْقَ قِسْمَيْنِ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِما قِسْمًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٧] ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] فَأنا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنا خَيْرُ أصْحابِ اليَمِينِ. ثُمَّ جَعَلَ القِسْمَيْنِ أثْلاثًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها ثَلاثًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] فَأنا مِنَ السّابِقِينَ، وأنا خَيْرُ السّابِقِينَ. ثُمَّ جَعَلَ الأثْلاثَ قَبائِلَ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها قَبِيلَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] وأنا أتْقى ولَدِ آدَمَ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ ولا فَخْرَ. ثُمَّ جَعَلَ القَبائِلَ بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها بَيْتًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأنا، وأهْلُ بَيْتِي مُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الحَمْراءِ قالَ: «رابَطْتُ المَدِينَةَ سَبْعَةَ أشْهُرٍ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا طَلَعَ الفَجْرُ جاءَ إلى بابِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ فَقالَ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وفِي إسْنادِهِ أبُو داوُدَ الأعْمى، وهو وضّاعٌ كَذّابٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ، وقَدْ ذَكَرْنا هاهُنا ما يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ دُونَ ما يَصْلُحُ.
وقَدْ تَوَسَّطَتْ طائِفَةٌ ثالِثَةٌ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ، فَجَعَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ (p-١١٦٩)شامِلَةً لِلزَّوْجاتِ ولِعَلِيٍّ وفاطِمَةَ، والحَسَنِ والحُسَيْنِ، أمّا الزَّوْجاتُ فَلِكَوْنِهِنَّ المُرادّاتِ في سِياقِ هَذِهِ الآياتِ كَما قَدَّمْنا، ولِكَوْنِهِنَّ السّاكِناتِ في بُيُوتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّازِلاتِ في مَنازِلِهِ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.
وأمّا دُخُولُ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ، والحَسَنِ والحُسَيْنِ فَلِكَوْنِهِمْ قَرابَتَهُ وأهْلَ بَيْتِهِ في النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأحادِيثِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّهم سَبَبُ النُّزُولِ، فَمَن جَعَلَ الآيَةَ خاصَّةً بِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ فَقَدْ أعْمَلَ بَعْضَ ما يَجِبُ إعْمالُهُ وأهْمَلَ ما لا يَجُوزُ إهْمالُهُ.
وقَدْ رَجَّحَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ القُرْطُبِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُما.
وقالَ جَماعَةٌ: هم بَنُو هاشِمٍ، واسْتَدَلُّوا بِما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ المُتَقَدِّمِ حَيْثُ قالَ: ولَكِنْ آلُهُ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ: آلُ عَلِيٍّ، وآلُ عَقِيلٍ:، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ العَبّاسِ، فَهَؤُلاءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ المُرادَ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّسَبِ.
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ أيْ: اذْكُرْنَ مَوْضِعَ النِّعْمَةِ إذْ صَيَّرَكُنَّ اللَّهُ في بُيُوتٍ يُتْلى فِيها آياتُ اللَّهِ والحِكْمَةُ اذْكُرْنَها وتَفَكَّرْنَ فِيها لِتَتَّعِظْنَ بِمَواعِظِ اللَّهِ، أوِ اذْكُرْنَها لِلنّاسِ لِيَتَّعِظُوا بِها ويَهْتَدُوا بِهُداها، أوِ اذْكُرْنَها بِالتِّلاوَةِ لَها لِتَحْفَظْنَها ولا تَتْرُكْنَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ التِّلاوَةِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ وآياتُ اللَّهِ هي القُرْآنُ، والحِكْمَةُ السُّنَّةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ المُرادُ بِالآياتِ والحِكْمَةِ أمْرُهُ ونَهْيُهُ في القُرْآنِ.
وقِيلَ: إنَّ القُرْآنَ جامِعٌ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ دالَّةٍ عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ النُّبُوَّةِ وبَيْنَ كَوْنِهِ حِكْمَةً مُشْتَمِلَةً عَلى فُنُونٍ مِنَ العُلُومِ والشَّرائِعِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أيْ: لَطِيفًا بِأوْلِيائِهِ خَبِيرًا بِجَمِيعِ خَلْقِهِ وجَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، فَهو يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ «أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والنّاسُ بِبابِهِ جُلُوسٌ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عُمَرُ فاسْتَأْذَنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أُذِنَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَدَخَلا والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ وحَوْلَهُ نِساؤُهُ وهو ساكِتٌ، فَقالَ عُمَرُ: لَأُكَلِّمَنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَعَلَّهُ يَضْحَكُ، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ امْرَأةَ عُمَرَ سَألَتِ النَّفَقَةَ آنِفًا فَوَجَأْتُ في عُنُقِها، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ وقالَ: هُنَّ حَوْلِي يَسْألْنَنِي النَّفَقَةَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ إلى عائِشَةَ لِيَضْرِبَها، وقامَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ، كِلاهُما يَقُولانِ: تَسْألانِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لَيْسَ عِنْدَهُ، فَنَهاهُما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْنَ نِساؤُهُ: واللَّهِ لا نَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ هَذا المَجْلِسِ ما لَيْسَ عِنْدَهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ الخِيارَ، فَنادى بِعائِشَةَ فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا ما أُحِبُّ أنْ تُعَجِّلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالَتْ: ما هو ؟ فَتَلا عَلَيْها ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: أفِيكَ أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، بَلْ أخْتارُ اللَّهَ رَسُولَهُ، وأسْألُكَ أنْ لا تَذْكُرَ لِنِسائِكَ ما اخْتَرْتُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَنْ يَبْعَثَنِي مُتَعَنِّتًا ولَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُبَشِّرًا، لا تَسْألُنِي امْرَأةٌ مِنهُنَّ عَمّا اخْتَرْتِ إلّا أخْبَرْتُها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «جاءَها حِينَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَ أزْواجَهُ قالَتْ: فَبَدَأ بِي فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إلى تَمامِ الآيَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفي أيِّ هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، وفَعَلَ أزْواجُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَ ما فَعَلَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ قالَ يَقُولُ: مَن يُطِعِ اللَّهَ مِنكُنَّ وتَعْمَلْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بِطاعَتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: يَقُولُ لا تُرَخِّصْنَ بِالقَوْلِ ولا تَخْضَعْنَ بِالكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: مُقارَنَةُ الرِّجالِ في القَوْلِ حَتّى يَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: نُبِّئْتُ أنَّهُ قِيلَ: لِسَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ما لَكِ لا تَحُجِّينَ ولا تَعْتَمِرِينَ كَما يَفْعَلُ أخَواتُكِ ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللَّهُ أنْ أقِرَّ في بَيْتِي، فَواللَّهِ لا أخْرُجُ مِن بَيْتِي حَتّى أمُوتَ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ بِجِنازَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كانَتْ عائِشَةُ إذا قَرَأتْ ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: كانَتِ الجاهِلِيَّةُ الأُولى فِيما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ وكانَتْ ألْفَ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَهُ فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ لِأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ هَلْ كانَتْ جاهِلِيَّةٌ غَيْرَ واحِدَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما سَمِعْتُ بِأُولى إلّا ولَها آخِرَةٌ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَأْتِنِي مِن كِتابِ اللَّهِ ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم﴾ [الحج: ٧٨] أوَّلَ مَرَّةٍ فَقالَ عُمَرُ: مَن أمَرَنا أنْ نُجاهِدَ ؟ قالَ: مَخْزُومٌ وعَبْدُ شَمْسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: تَكُونُ جاهِلِيَّةٌ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ: أنَّها تَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَتْ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كانَتْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ.
وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ الآثارِ الوارِدَةِ في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ قالَ: القُرْآنُ والسُّنَّةُ يَمْتَنُّ بِذَلِكَ عَلَيْهِنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ سَهْلٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ الآيَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١١٧٠)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي في بُيُوتِ أزْواجِهِ النَّوافِلَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ» .
الأحزاب 33:30
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَعْنى ما تَقَدَّمَها مِن المَنعِ مِن إيذاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وكانَ قَدْ تَأذّى بِبَعْضِ الزَّوْجاتِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَألْنَهُ شَيْئًا مِن عَرَضِ الدُّنْيا وطَلَبْنَ مِنهُ الزِّيادَةَ في النَّفَقَةِ وآذَيْنَهُ بِغَيْرَةِ بَعْضِهِنَّ عَلى بَعْضٍ، فَآلى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهُنَّ شَهْرًا، وأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ هَذِهِ، وكُنْ يَوْمئِذٍ تِسْعًا: عائِشَةَ وحَفْصَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ وأُمَّ حَبِيبَةَ وسَوْدَةَ هَؤُلاءِ مِن نِساءِ قُرَيْشٍ وصَفِيَّةَ الخَيْبَرِيَّةَ ومَيْمُونَةَ الهِلالِيَّةَ، وزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الأسَدِيَّةَ، وجُوَيْرِيَّةَ بِنْتَ الحارِثِ المُصْطَلَقِيَّةَ.
ومَعْنى ﴿الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ سَعَتُها ونَضارَتُها ورَفاهِيَتُها والتَّنَعُّمُ فِيها ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ أيْ: أقْبِلْنَ إلَيَّ ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ أيْ: أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ " و" كَذا أُسَرِّحْكُنَّ بِالجَزْمِ أيْ: أُطَلِّقْكُنَّ وبِالجَزْمِ في الفِعْلَيْنِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حُمَيْدٌ الخَرّازُ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمُرادُ بِالسَّراحِ الجَمِيلِ: هو الواقِعُ مِن غَيْرِ ضِرارٍ عَلى مُقْتَضى السُّنَّةِ.
وقِيلَ: إنَّ جَزْمَ الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّهُما جَوابُ الشَّرْطِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ.
﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ﴾ (p-١١٦٦)أيِ: الجَنَّةَ ونَعِيمَها ﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ﴾ أيِ: اللّائِي عَمِلْنَ عَمَلًا صالِحًا أجْرًا عَظِيمًا لا يُمْكِنُ وصْفُهُ، ولا يُقادَرُ قَدْرُهُ وذَلِكَ بِسَبَبِ إحْسانِهِنَّ، وبِمُقابَلَةِ صالِحِ عَمَلِهِنَّ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ تَخْيِيرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أزْواجَهُ عَلى قَوْلَيْنِ: القَوْلُ الأوَّلُ أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بِإذْنِ اللَّهِ في البَقاءِ عَلى الزَّوْجِيَّةِ أوِ الطَّلاقِ فاخْتَرْنَ البَقاءَ، وبِهَذا قالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ والزُّهْرِيُّ ورَبِيعَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّهُ إنَّما خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا فَيُفارِقُهُنَّ، وبَيْنَ الآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ ولَمْ يُخَيِّرْهُنَّ في الطَّلاقِ، وبِهَذا قالَ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والرّاجِحُ الأوَّلُ.
واخْتَلَفُوا أيْضًا في المُخَيَّرَةِ إذا اخْتارَتْ زَوْجَها هَلْ يُحْسَبُ مُجَرَّدُ ذَلِكَ التَّخْيِيرِ عَلى الزَّوْجِ طَلْقَةً أمْ لا ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ إلى أنَّهُ لا يَكُونُ مَعَ اخْتِيارِ المَرْأةِ لِزَوْجِها طَلاقًا لا واحِدَةً ولا أكْثَرَ.
وقالَ عَلِيٌّ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ واللَّيْثُ: وحَكاهُ الخَطّابِيُّ والنَّقّاشُ عَنْ مالِكٍ.
والرّاجِحُ الأوَّلُ لِحَدِيثِ عائِشَةَ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ «قالَتْ: خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فاخْتَرْناهُ فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا» ولا وجْهَ لِجَعْلِ مُجَرَّدِ التَّخْيِيرِ طَلاقًا، ودَعْوى أنَّهُ كِنايَةٌ مِن كِناياتِ الطَّلاقِ مَدْفُوعَةٌ بِأنَّ المُخَيَّرَ لَمْ يَرِدِ الفُرْقَةَ لِمُجَرَّدِ التَّخْيِيرِ، بَلْ أرادَ تَفْوِيضَ المَرْأةِ وجَعْلَ أمْرِها بِيَدِها، فَإنِ اخْتارَتِ البَقاءَ بَقِيَتْ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ، وإنِ اخْتارَتِ الفُرْقَةَ صارَتْ مُطَلَّقَةً.
واخْتَلَفُوا في اخْتِيارِها لِنَفْسِها هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً أوْ بائِنَةً.
فَقالَ بِالأوَّلِ عُمَرُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وقالَ بِالثّانِي عَلِيٌّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ.
والرّاجِحُ الأوَّلُ، لِأنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ أنْ يُطَلِّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نِساءَهُ عَلى خِلافِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وقَدْ أمَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّها إذا اخْتارَتْ نَفْسَها فَثَلاثُ طَلْقاتٍ، ولَيْسَ لِهَذا القَوْلِ وجْهٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّها إذا اخْتارَتْ نَفْسَها فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وإذا اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
ثُمَّ لَمّا اخْتارَ نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَسُولَ اللَّهِ أنْزَلَ فِيهِنَّ هَذِهِ الآياتِ تَكْرِمَةً لَهُنَّ وتَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ، فَقالَ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أيْ: ظاهِرَةِ القُبْحِ واضِحَةِ الفُحْشِ، وقَدْ عَصَمَهُنَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وبَرَّأهُنَّ وطَهَّرَهُنَّ ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: يُعَذِّبْهُنَّ مِثْلَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ إذا أتَيْنَ بِمِثْلِ تِلْكَ الفاحِشَةِ، وذَلِكَ لِشَرَفِهِنَّ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِنَّ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِنَّ.
وقَدْ ثَبَتَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ تَضاعُفَ الشَّرَفِ وارْتِفاعَ الدَّرَجاتِ يُوجِبُ لِصاحِبِهِ إذا عَصى تَضاعُفَ العُقُوباتِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " يُضَعَّفْ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفَرَّقَ هو وأبُو عُبَيْدٍ بَيْنَ يُضاعَفْ فَقالا: يَكُونُ يُضاعَفْ ويُضَعَّفْ، فَقالا: يَكُونُ يُضاعَفْ ثَلاثَةَ عَذاباتٍ ويُضَعَّفْ عَذابَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ التَّفْرِقَةُ الَّتِي جاءَ بِها لا يَعْرِفُها أحَدٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، والمَعْنى في يُضاعَفْ ويُضَعَّفْ واحِدٌ أيْ: يُجْعَلُ ضِعْفَيْنِ وهَكَذا ضَعَّفَ ما قالاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يَتَعاظَمُهُ ولا يَصْعُبُ عَلَيْهِ.
﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَقْنُتْ بِالتَّحْتِيَّةِ، وكَذا قَرَءُوا: ﴿يَأْتِ مِنكُنَّ﴾ حَمْلًا عَلى لَفْظِ مِن في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالفَوْقِيَّةِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، ومَعْنى " مَن يَقْنُتْ " مَن يُطِعْ، وكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في مُبَيِّنَةٍ، فَمِنهم مَن قَرَأها بِالكَسْرِ ومِنهم مَن قَرَأها بِفَتْحِ الياءِ كَما تَقَدَّمَ في النِّساءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ " نَضْعُفْ " بِالنُّونِ ونَصْبِ " العَذابَ " وقُرِئَ " نُضاعِفْ " بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، وكَذا قَرَأ " يَعْمَلْ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ " تَعْمَلْ " بِالفَوْقِيَّةِ، و" نُؤْتِ " بِالنُّونِ، ومَعْنى إتْيانِهِنَّ الأجْرَ مَرَّتَيْنِ أنَّهُ يَكُونُ لَهُنَّ مِنَ الأجْرِ عَلى الطّاعَةِ مِثْلا ما يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُنَّ مِنَ النِّساءِ إذا فَعَلْنَ تِلْكَ الطّاعَةِ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أنَّهُ يَكُونُ العَذابُ مَرَّتَيْنِ لا ثَلاثًا، لِأنَّ المُرادَ إظْهارُ شَرَفِهِنَّ ومَزِيَّتِهِنَّ في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ بِكَوْنِ حَسَنَتِهِنَّ كَحَسَنَتَيْنِ، وسَيِّئَتِهِنَّ كَسَيِّئَتَيْنِ، ولَوْ كانَتْ سَيِّئَتُهُنَّ كَثَلاثِ سَيِّئاتٍ لَمْ يُناسِبْ ذَلِكَ كَوْنُ حَسَنَتِهِنَّ كَحَسَنَتَيْنِ، فَإنَّ اللَّهَ أعْدَلُ مِن أنْ يُضاعِفَ العُقُوبَةَ عَلَيْهِنَّ مُضاعَفَةً تَزِيدُ عَلى مُضاعَفَةِ أجْرِهِنَّ ﴿وأعْتَدْنا لَها﴾ زِيادَةً عَلى الأجْرِ مَرَّتَيْنِ ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: الرِّزْقُ الكَرِيمُ هو نَعِيمُ الجَنَّةِ، حَكى ذَلِكَ عَنْهُمُ النَّحّاسُ.
ثُمَّ أظْهَرَ - سُبْحانَهُ - فَضِيلَتَهُنَّ عَلى سائِرِ النِّساءِ تَصْرِيحًا.
فَقالَ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَقُلْ كَواحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ، لِأنَّ أحَدًا نَفْيٌ عامٌّ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والواحِدِ والجَماعَةِ.
وقَدْ يُقالُ: عَلى ما لَيْسَ بِآدَمِيٍّ كَما يُقالُ: لَيْسَ فِيها أحَدٌ لا شاةٌ ولا بَعِيرٌ.
والمَعْنى: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ.
ثُمَّ قَيَّدَ هَذا الشَّرَفَ العَظِيمَ بِقَيْدٍ فَقالَ: ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ لَهُنَّ إنَّما تَكُونُ بِمُلازَمَتِهِنَّ لِلتَّقْوى، لا لِمُجَرَّدِ اتِّصالِهِنَّ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ وقَعَتْ مِنهُنَّ ولِلَّهِ الحَمْدُ التَّقْوى البَيِّنَةُ، والإيمانُ الخالِصُ، والمَشْيُ عَلى طَرِيقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في حَياتِهِ وبَعْدَ مَماتِهِ.
وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ.
وقِيلَ: إنَّ جَوابَهُ ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ والأوَّلُ أوْلى.
ومَعْنى ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ لا تُلِنَّ القَوْلَ عِنْدَ مُخاطَبَةِ النّاسِ كَما تَفْعَلُهُ المُرِيباتُ مِنَ النِّساءِ، فَإنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ: فُجُورٌ وشَكٌّ ونِفاقٌ، وانْتِصابُ يَطْمَعَ لِكَوْنِهِ جَوابَ النَّهْيِ. كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ.
وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ الأعْرَجَ قَرَأ " فَيَطْمِعَ " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ.
قالَ النَّحّاسُ: أحْسَبُ هَذا غَلَطًا، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي السَّمْألِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم قَرَءُوا (p-١١٦٧)بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ فِعْلِ النَّهْيِ ﴿وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ عِنْدَ النّاسِ بَعِيدًا مِنَ الرِّيبَةِ عَلى سَنَنِ الشَّرْعِ، لا يُنْكِرُ مِنهُ سامِعُهُ شَيْئًا، ولا يَطْمَعُ فِيهِنَّ أهْلُ الفِسْقِ والفُجُورِ بِسَبَبِهِ.
﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " وقِرْنَ " بِكَسْرِ القافِ مِن وقَرَ يَقِرُ وقارًا أيْ: سَكَنَ، والأمْرُ مِنهُ قِرْ بِكَسْرِ القافِ، ولِلنِّساءِ قِرْنَ مِثْلُ عِدْنَ وزِنَّ.
وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِنَ القَرارِ، لا مِنَ الوَقارِ، تَقُولُ قَرَرْتُ بِالمَكانِ بِفَتْحِ الرّاءِ، والأصْلُ اقْرِرْنَ بِكَسْرِ الرّاءِ، فَحُذِفَتِ الرّاءُ الأُولى تَخْفِيفًا كَما قالُوا في ظَلِلْتُ ظَلْتُ، ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى القافِ، واسْتُغْنِيَ عَنْ ألِفِ الوَصْلِ بِتَحْرِيكِ القافِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أُبْدِلَتِ الرّاءُ الأُولى ياءً كَراهَةَ التَّضْعِيفِ كَما أُبْدِلَتْ في قِيراطٍ ودِينارٍ، وصارَ لِلْياءِ حَرَكَةُ الحَرْفِ الَّذِي أُبْدِلَتْ مِنهُ، والتَّقْدِيرُ اقِيرْنَ، ثُمَّ تُلْقى حَرَكَةُ الياءِ عَلى القافِ كَراهَةَ تَحْرِيكِ الياءِ بِالكَسْرِ فَتَسْقُطُ الياءُ لِاجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ، وتَسْقُطُ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِتَحْرِيكِ ما بَعْدَها فَيَصِيرُ قَرْنَ.
وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ القافِ وأصْلُهُ قَرِرْتُ بِالمَكانِ: إذا أقَمْتَ فِيهِ بِكَسْرِ الرّاءِ، أقَرُّ بِفَتْحِ القافِ كَحَمِدَ يَحْمَدُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدٍ عَنِ الكِسائِيِّ، وذَكَرَها الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هو كَما تَقُولُ هَلْ حَسْتَ صاحِبَكَ أيْ: هَلْ أحْسَسْتَهُ ؟ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: كانَ أشْياخُنا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ يُنْكِرُونَ القِراءَةَ بِالفَتْحِ لِلْقافِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَرِرْتُ بِالمَكانِ أقَرُّ لا يُجَوِّزُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ.
والصَّحِيحُ قَرَرْتُ أقِرُّ بِالكَسْرِ، ومَعْناهُ: الأمْرُ لَهُنَّ بِالتَّوَقُّرِ والسُّكُونِ في بُيُوتِهِنَّ وأنْ لا يَخْرُجْنَ، وهَذا يُخالِفُ ما ذَكَرْناهُ هُنا عَنْهُ عَنِ الكِسائِيِّ وهو مِن أجَلِّ مَشايِخِهِ.
وقَدْ وافَقَهُ عَلى الإنْكارِ لِهَذِهِ القِراءَةِ أبُو حاتِمٍ فَقالَ: إنَّ قَرْنَ بِفَتْحِ القافِ لا مَذْهَبَ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ خُولِفَ أبُو حاتِمٍ في قَوْلِهِ إنَّهُ لا مَذْهَبَ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ بَلْ فِيهِ مَذْهَبانِ: أحَدُهُما حَكاهُ الكِسائِيُّ، والآخَرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ فَأمّا المَذْهَبُ الَّذِي حَكاهُ الكِسائِيُّ فَهو ما قَدَّمْناهُ مِن رِوايَةِ أبِي عُبَيْدٍ عَنْهُ، وأمّا المَذْهَبُ الَّذِي حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ فَقالَ: إنَّهُ مِن قَرَرْتُ بِهِ عَيْنًا أقَرُّ. والمَعْنى: واقْرَرْنَ بِهِ عَيْنًا في بُيُوتِكُنَّ. قالَ النَّحّاسُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ.
وأقُولُ: لَيْسَ بِحَسَنٍ ولا هو مَعْنى الآيَةِ، فَإنَّ المُرادَ بِها أمْرُهُنَّ بِالسُّكُونِ والِاسْتِقْرارِ في بُيُوتِهِنَّ، ولَيْسَ مِن قُرَّةِ العَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " واقْرِرْنَ " بِألِفِ وصْلٍ وراءَيْنَ، الأُولى مَكْسُورَةٌ عَلى الأصْلِ ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ التَّبَرُّجُ: أنْ تُبْدِيَ المَرْأةُ مِن زِينَتِها ومَحاسِنِها ما يَجِبُ عَلَيْها سَتْرُهُ مِمّا تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةَ الرَّجُلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى التَّبَرُّجِ في سُورَةِ النُّورِ.
قالَ المُبَرِّدُ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ السَّعَةِ، يُقالُ: في أسْنانِهِ بَرَجٌ: إذا كانَتْ مُتَفَرِّقَةً. وقِيلَ: التَّبَرُّجُ هو التَّبَخْتُرُ في المَشْيِ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالجاهِلِيَّةِ الأُولى، فَقِيلَ: ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وقِيلَ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وقِيلَ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى، وقِيلَ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ.
وقالَ المُبَرِّدُ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كَما تَقُولُ الجاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ.
قالَ: وكانَ نِساءُ الجاهِلِيَّةِ تُظْهِرُ ما يَقْبُحُ إظْهارُهُ، حَتّى كانَتِ المَرْأةُ تَجْلِسُ مَعَ زَوْجِها وخَلِيلِها، فَيَنْفَرِدُ خَلِيلُها بِما فَوْقَ الإزارِ إلى أعْلى، ويَنْفَرِدُ زَوْجُها بِما دُونَ الإزارِ إلى أسْفَلَ، ورُبَّما سَألَ أحَدُهُما صاحِبَهُ البَدَلَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ أشارَ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي لَحِقْنَها فَأُمِرْنَ بِالنُّقْلَةِ عَنْ سِيرَتِهِنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن سِيرَةِ الكَفَرَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا لا غَيْرَةَ عِنْدَهم، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةً أُخْرى كَذا قالَ، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.
ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالجاهِلِيَّةِ الأُخْرى ما يَقَعُ في الإسْلامِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِأهْلِ الجاهِلِيَّةِ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولا تَبَرَّجْنَ أيُّها المُسْلِماتُ بَعْدَ إسْلامِكُنَّ تَبَرُّجًا مِثْلَ تَبَرُّجِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي كُنْتُنَّ عَلَيْها، وكانَ عَلَيْها مَن قَبْلَكُنَّ أيْ: لا تُحْدِثْنَ بِأفْعالِكُنَّ وأقْوالِكُنَّ جاهِلِيَّةً تُشابِهُ الجاهِلِيَّةَ الَّتِي كانَتْ مِن قَبْلُ ﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ خَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لِأنَّهُما أصْلُ الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ.
ثُمَّ عَمَّمَ فَأمَرَهُنَّ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ في كُلِّ ما هو شَرْعٌ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ أيْ: إنَّما أوْصاكُنَّ اللَّهُ بِما أوْصاكُنَّ مِنَ التَّقْوى، وأنْ لا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ، ومِن قَوْلِ المَعْرُوفِ، والسُّكُونِ في البُيُوتِ وعَدَمِ التَّبَرُّجِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، والطّاعَةِ؛ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ، والمُرادُ بِالرِّجْسِ الإثْمُ والذَّنْبُ المُدَنِّسانِ لِلْأعْراضِ الحاصِلانِ بِسَبَبِ تَرْكِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وفِعْلِ ما نَهى عَنْهُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ ما لَيْسَ فِيهِ لِلَّهِ رِضًا، وانْتِصابُ أهْلَ البَيْتِ عَلى المَدْحِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، قالَ: وإنْ شِئْتَ عَلى البَدَلِ. قالَ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ والخَفْضُ.
قالَ النَّحّاسُ: إنْ خُفِضَ فَعَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ، واعْتَرَضَهُ المُبَرِّدُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ البَدَلُ مِنَ المُخاطَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصَبَهُ عَلى النِّداءِ ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ أيْ: يُطَهِّرَكم مِنَ الأرْجاسِ والأدْرانِ تَطْهِيرًا كامِلًا.
وفِي اسْتِعارَةِ الرِّجْسِ لِلْمَعْصِيَةِ والتَّرْشِيحِ لَها بِالتَّطْهِيرِ تَنْفِيرٌ عَنْها بَلِيغٌ، وزَجْرٌ لِفاعِلِها شَدِيدٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في أهْلِ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ أهْلَ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ هُنَّ زَوْجاتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً.
قالُوا: والمُرادُ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَساكِنُ زَوْجاتِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ .
وأيْضًا السِّياقُ في الزَّوْجاتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ .
وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ورُوِيَ عَنْ الكَلْبِيِّ أنَّ أهْلَ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ هم: عَلِيٌّ، وفاطِمَةُ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ خاصَّةً، ومِن حُجَجِهِمُ الخِطابُ في الآيَةِ بِما يَصْلُحُ لِلذُّكُورِ لا لِلْإناثِ، وهو قَوْلُهُ: عَنْكم ولِيُطَهِّرَكم، ولَوْ كانَ لِلنِّساءِ خاصَّةً لَقالَ عَنْكُنَّ ويُطَهِّرُكُنَّ.
وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا أنَّ التَّذْكِيرَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الأهْلِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: (p-١١٦٨)﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] وكَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: كَيْفَ أهْلُكَ ؟ يُرِيدُ زَوْجَتَهُ أوْ زَوْجاتِهِ، فَيَقُولُ: هم بِخَيْرٍ.
ولْنَذْكُرْ هاهُنا ما تَمَسَّكَ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ: أمّا الأوَّلُونَ فَتَمَسَّكُوا بِالسِّياقِ، فَإنَّهُ في الزَّوْجاتِ كَما ذَكَرْنا، وبِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في نِساءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن شاءَ باهَلْتُهُ أنَّها نَزَلَتْ في أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَهُ.
وأمّا ما تَمَسَّكَ بِهِ الآخَرُونَ، فَأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ " «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: في بَيْتِي نَزَلَتْ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وفي البَيْتِ فاطِمَةُ وعَلِيٌّ، والحَسَنُ والحُسَيْنُ، فَجَلَّلَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِساءٍ كانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ " «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ في بَيْتِها عَلى مَنامِهِ لَهُ عَلَيْهِ كِساءٌ خَيْبَرِيٌّ، فَجاءَتْ فاطِمَةُ بِبُرْمَةٍ فِيها خَزِيرَةٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ادْعِي زَوْجَكِ وابْنَيْكِ حَسَنًا وحُسَيْنًا فَدَعَتْهم، فَبَيْنَما هم يَأْكُلُونَ إذْ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِفَضْلَةِ كِسائِهِ فَغَشّاهم إيّاها، ثُمَّ أخْرَجَ يَدَهُ مِنَ الكِساءِ وألْوى بِها إلى السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي وخاصَّتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسِ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، قالَها ثَلاثَ مَرّاتٍ.
قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَأدْخَلْتُ رَأْسِي في السِّتْرِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا مَعَكم ؟ فَقالَ: إنَّكِ إلى خَيْرٍ مَرَّتَيْنِ» وأخْرَجَهُ أيْضًا أحْمَدُ مِن حَدِيثِها، قالَ:، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، حَدَّثَنِي مَن سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ تَذْكُرُ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ.
وفِي إسْنادِهِ مَجْهُولٌ وهو شَيْخُ عَطاءٍ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ.
وقَدْ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْها مِن طَرِيقَيْنِ بِنَحْوِهِ.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ طُرُقًا كَثِيرَةً في مُسْنَدِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَداةً وعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجَّلٌ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ، فَجاءَهُ الحَسَنُ، والحُسَيْنُ فَأدْخَلَهُما مَعَهُ، ثُمَّ جاءَتْ فاطِمَةُ فَأدْخَلَها مَعَهُ، ثُمَّ جاءَ عَلِيٌّ فَأدْخَلَهُ مَعَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى فاطِمَةَ ومَعَهُ عَلِيٌّ، وحَسَنٌ وحُسَيْنٌ حَتّى دَخَلَ، فَأدْنى عَلِيًّا وفاطِمَةَ وأجْلَسَهُما بَيْنَ يَدَيْهِ، وأجْلَسَ حَسَنًا وحُسَيْنًا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَلى فَخِذِهِ، ثُمَّ لَفَّ عَلَيْهِمْ ثَوْبَهُ وأنا مُسْتَدْبِرُهم ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وقالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا مِن أهْلِكَ ؟ قالَ: وأنْتَ مِن أهْلِي» .
قالَ واثِلَةُ: إنَّهُ لَأرْجا ما أرْجُوهُ. ولَهُ طُرُقٌ في مُسْنَدِ أحْمَدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَمُرُّ بِبابِ فاطِمَةَ إذا خَرَجَ إلى صَلاةِ الفَجْرِ يَقُولُ: الصَّلاةَ يا أهْلَ البَيْتِ الصَّلاةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي» فَقِيلَ: لِزَيْدٍ: ومَن أهْلُ بَيْتِهِ ؟ ألَيْسَ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ ؟ قالَ: نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، ولَكِنْ أهْلُ بَيْتِهِ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ: آلُ عَلِيٍّ وآلُ عَقِيلٍ: وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ العَبّاسِ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ قَسَّمَ الخَلْقَ قِسْمَيْنِ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِما قِسْمًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٧] ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] فَأنا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنا خَيْرُ أصْحابِ اليَمِينِ. ثُمَّ جَعَلَ القِسْمَيْنِ أثْلاثًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها ثَلاثًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] فَأنا مِنَ السّابِقِينَ، وأنا خَيْرُ السّابِقِينَ. ثُمَّ جَعَلَ الأثْلاثَ قَبائِلَ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها قَبِيلَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] وأنا أتْقى ولَدِ آدَمَ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ ولا فَخْرَ. ثُمَّ جَعَلَ القَبائِلَ بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها بَيْتًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأنا، وأهْلُ بَيْتِي مُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الحَمْراءِ قالَ: «رابَطْتُ المَدِينَةَ سَبْعَةَ أشْهُرٍ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا طَلَعَ الفَجْرُ جاءَ إلى بابِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ فَقالَ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وفِي إسْنادِهِ أبُو داوُدَ الأعْمى، وهو وضّاعٌ كَذّابٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ، وقَدْ ذَكَرْنا هاهُنا ما يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ دُونَ ما يَصْلُحُ.
وقَدْ تَوَسَّطَتْ طائِفَةٌ ثالِثَةٌ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ، فَجَعَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ (p-١١٦٩)شامِلَةً لِلزَّوْجاتِ ولِعَلِيٍّ وفاطِمَةَ، والحَسَنِ والحُسَيْنِ، أمّا الزَّوْجاتُ فَلِكَوْنِهِنَّ المُرادّاتِ في سِياقِ هَذِهِ الآياتِ كَما قَدَّمْنا، ولِكَوْنِهِنَّ السّاكِناتِ في بُيُوتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّازِلاتِ في مَنازِلِهِ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.
وأمّا دُخُولُ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ، والحَسَنِ والحُسَيْنِ فَلِكَوْنِهِمْ قَرابَتَهُ وأهْلَ بَيْتِهِ في النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأحادِيثِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّهم سَبَبُ النُّزُولِ، فَمَن جَعَلَ الآيَةَ خاصَّةً بِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ فَقَدْ أعْمَلَ بَعْضَ ما يَجِبُ إعْمالُهُ وأهْمَلَ ما لا يَجُوزُ إهْمالُهُ.
وقَدْ رَجَّحَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ القُرْطُبِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُما.
وقالَ جَماعَةٌ: هم بَنُو هاشِمٍ، واسْتَدَلُّوا بِما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ المُتَقَدِّمِ حَيْثُ قالَ: ولَكِنْ آلُهُ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ: آلُ عَلِيٍّ، وآلُ عَقِيلٍ:، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ العَبّاسِ، فَهَؤُلاءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ المُرادَ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّسَبِ.
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ أيْ: اذْكُرْنَ مَوْضِعَ النِّعْمَةِ إذْ صَيَّرَكُنَّ اللَّهُ في بُيُوتٍ يُتْلى فِيها آياتُ اللَّهِ والحِكْمَةُ اذْكُرْنَها وتَفَكَّرْنَ فِيها لِتَتَّعِظْنَ بِمَواعِظِ اللَّهِ، أوِ اذْكُرْنَها لِلنّاسِ لِيَتَّعِظُوا بِها ويَهْتَدُوا بِهُداها، أوِ اذْكُرْنَها بِالتِّلاوَةِ لَها لِتَحْفَظْنَها ولا تَتْرُكْنَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ التِّلاوَةِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ وآياتُ اللَّهِ هي القُرْآنُ، والحِكْمَةُ السُّنَّةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ المُرادُ بِالآياتِ والحِكْمَةِ أمْرُهُ ونَهْيُهُ في القُرْآنِ.
وقِيلَ: إنَّ القُرْآنَ جامِعٌ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ دالَّةٍ عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ النُّبُوَّةِ وبَيْنَ كَوْنِهِ حِكْمَةً مُشْتَمِلَةً عَلى فُنُونٍ مِنَ العُلُومِ والشَّرائِعِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أيْ: لَطِيفًا بِأوْلِيائِهِ خَبِيرًا بِجَمِيعِ خَلْقِهِ وجَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، فَهو يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ «أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والنّاسُ بِبابِهِ جُلُوسٌ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عُمَرُ فاسْتَأْذَنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أُذِنَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَدَخَلا والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ وحَوْلَهُ نِساؤُهُ وهو ساكِتٌ، فَقالَ عُمَرُ: لَأُكَلِّمَنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَعَلَّهُ يَضْحَكُ، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ امْرَأةَ عُمَرَ سَألَتِ النَّفَقَةَ آنِفًا فَوَجَأْتُ في عُنُقِها، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ وقالَ: هُنَّ حَوْلِي يَسْألْنَنِي النَّفَقَةَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ إلى عائِشَةَ لِيَضْرِبَها، وقامَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ، كِلاهُما يَقُولانِ: تَسْألانِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لَيْسَ عِنْدَهُ، فَنَهاهُما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْنَ نِساؤُهُ: واللَّهِ لا نَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ هَذا المَجْلِسِ ما لَيْسَ عِنْدَهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ الخِيارَ، فَنادى بِعائِشَةَ فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا ما أُحِبُّ أنْ تُعَجِّلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالَتْ: ما هو ؟ فَتَلا عَلَيْها ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: أفِيكَ أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، بَلْ أخْتارُ اللَّهَ رَسُولَهُ، وأسْألُكَ أنْ لا تَذْكُرَ لِنِسائِكَ ما اخْتَرْتُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَنْ يَبْعَثَنِي مُتَعَنِّتًا ولَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُبَشِّرًا، لا تَسْألُنِي امْرَأةٌ مِنهُنَّ عَمّا اخْتَرْتِ إلّا أخْبَرْتُها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «جاءَها حِينَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَ أزْواجَهُ قالَتْ: فَبَدَأ بِي فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إلى تَمامِ الآيَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفي أيِّ هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، وفَعَلَ أزْواجُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَ ما فَعَلَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ قالَ يَقُولُ: مَن يُطِعِ اللَّهَ مِنكُنَّ وتَعْمَلْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بِطاعَتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: يَقُولُ لا تُرَخِّصْنَ بِالقَوْلِ ولا تَخْضَعْنَ بِالكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: مُقارَنَةُ الرِّجالِ في القَوْلِ حَتّى يَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: نُبِّئْتُ أنَّهُ قِيلَ: لِسَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ما لَكِ لا تَحُجِّينَ ولا تَعْتَمِرِينَ كَما يَفْعَلُ أخَواتُكِ ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللَّهُ أنْ أقِرَّ في بَيْتِي، فَواللَّهِ لا أخْرُجُ مِن بَيْتِي حَتّى أمُوتَ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ بِجِنازَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كانَتْ عائِشَةُ إذا قَرَأتْ ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: كانَتِ الجاهِلِيَّةُ الأُولى فِيما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ وكانَتْ ألْفَ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَهُ فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ لِأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ هَلْ كانَتْ جاهِلِيَّةٌ غَيْرَ واحِدَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما سَمِعْتُ بِأُولى إلّا ولَها آخِرَةٌ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَأْتِنِي مِن كِتابِ اللَّهِ ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم﴾ [الحج: ٧٨] أوَّلَ مَرَّةٍ فَقالَ عُمَرُ: مَن أمَرَنا أنْ نُجاهِدَ ؟ قالَ: مَخْزُومٌ وعَبْدُ شَمْسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: تَكُونُ جاهِلِيَّةٌ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ: أنَّها تَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَتْ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كانَتْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ.
وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ الآثارِ الوارِدَةِ في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ قالَ: القُرْآنُ والسُّنَّةُ يَمْتَنُّ بِذَلِكَ عَلَيْهِنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ سَهْلٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ الآيَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١١٧٠)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي في بُيُوتِ أزْواجِهِ النَّوافِلَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ» .
الأحزاب 33:31
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَعْنى ما تَقَدَّمَها مِن المَنعِ مِن إيذاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وكانَ قَدْ تَأذّى بِبَعْضِ الزَّوْجاتِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَألْنَهُ شَيْئًا مِن عَرَضِ الدُّنْيا وطَلَبْنَ مِنهُ الزِّيادَةَ في النَّفَقَةِ وآذَيْنَهُ بِغَيْرَةِ بَعْضِهِنَّ عَلى بَعْضٍ، فَآلى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهُنَّ شَهْرًا، وأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ هَذِهِ، وكُنْ يَوْمئِذٍ تِسْعًا: عائِشَةَ وحَفْصَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ وأُمَّ حَبِيبَةَ وسَوْدَةَ هَؤُلاءِ مِن نِساءِ قُرَيْشٍ وصَفِيَّةَ الخَيْبَرِيَّةَ ومَيْمُونَةَ الهِلالِيَّةَ، وزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الأسَدِيَّةَ، وجُوَيْرِيَّةَ بِنْتَ الحارِثِ المُصْطَلَقِيَّةَ.
ومَعْنى ﴿الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ سَعَتُها ونَضارَتُها ورَفاهِيَتُها والتَّنَعُّمُ فِيها ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ أيْ: أقْبِلْنَ إلَيَّ ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ أيْ: أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ " و" كَذا أُسَرِّحْكُنَّ بِالجَزْمِ أيْ: أُطَلِّقْكُنَّ وبِالجَزْمِ في الفِعْلَيْنِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حُمَيْدٌ الخَرّازُ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمُرادُ بِالسَّراحِ الجَمِيلِ: هو الواقِعُ مِن غَيْرِ ضِرارٍ عَلى مُقْتَضى السُّنَّةِ.
وقِيلَ: إنَّ جَزْمَ الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّهُما جَوابُ الشَّرْطِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ.
﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ﴾ (p-١١٦٦)أيِ: الجَنَّةَ ونَعِيمَها ﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ﴾ أيِ: اللّائِي عَمِلْنَ عَمَلًا صالِحًا أجْرًا عَظِيمًا لا يُمْكِنُ وصْفُهُ، ولا يُقادَرُ قَدْرُهُ وذَلِكَ بِسَبَبِ إحْسانِهِنَّ، وبِمُقابَلَةِ صالِحِ عَمَلِهِنَّ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ تَخْيِيرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أزْواجَهُ عَلى قَوْلَيْنِ: القَوْلُ الأوَّلُ أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بِإذْنِ اللَّهِ في البَقاءِ عَلى الزَّوْجِيَّةِ أوِ الطَّلاقِ فاخْتَرْنَ البَقاءَ، وبِهَذا قالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ والزُّهْرِيُّ ورَبِيعَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّهُ إنَّما خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا فَيُفارِقُهُنَّ، وبَيْنَ الآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ ولَمْ يُخَيِّرْهُنَّ في الطَّلاقِ، وبِهَذا قالَ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والرّاجِحُ الأوَّلُ.
واخْتَلَفُوا أيْضًا في المُخَيَّرَةِ إذا اخْتارَتْ زَوْجَها هَلْ يُحْسَبُ مُجَرَّدُ ذَلِكَ التَّخْيِيرِ عَلى الزَّوْجِ طَلْقَةً أمْ لا ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ إلى أنَّهُ لا يَكُونُ مَعَ اخْتِيارِ المَرْأةِ لِزَوْجِها طَلاقًا لا واحِدَةً ولا أكْثَرَ.
وقالَ عَلِيٌّ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ واللَّيْثُ: وحَكاهُ الخَطّابِيُّ والنَّقّاشُ عَنْ مالِكٍ.
والرّاجِحُ الأوَّلُ لِحَدِيثِ عائِشَةَ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ «قالَتْ: خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فاخْتَرْناهُ فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا» ولا وجْهَ لِجَعْلِ مُجَرَّدِ التَّخْيِيرِ طَلاقًا، ودَعْوى أنَّهُ كِنايَةٌ مِن كِناياتِ الطَّلاقِ مَدْفُوعَةٌ بِأنَّ المُخَيَّرَ لَمْ يَرِدِ الفُرْقَةَ لِمُجَرَّدِ التَّخْيِيرِ، بَلْ أرادَ تَفْوِيضَ المَرْأةِ وجَعْلَ أمْرِها بِيَدِها، فَإنِ اخْتارَتِ البَقاءَ بَقِيَتْ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ، وإنِ اخْتارَتِ الفُرْقَةَ صارَتْ مُطَلَّقَةً.
واخْتَلَفُوا في اخْتِيارِها لِنَفْسِها هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً أوْ بائِنَةً.
فَقالَ بِالأوَّلِ عُمَرُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وقالَ بِالثّانِي عَلِيٌّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ.
والرّاجِحُ الأوَّلُ، لِأنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ أنْ يُطَلِّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نِساءَهُ عَلى خِلافِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وقَدْ أمَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّها إذا اخْتارَتْ نَفْسَها فَثَلاثُ طَلْقاتٍ، ولَيْسَ لِهَذا القَوْلِ وجْهٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّها إذا اخْتارَتْ نَفْسَها فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وإذا اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
ثُمَّ لَمّا اخْتارَ نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَسُولَ اللَّهِ أنْزَلَ فِيهِنَّ هَذِهِ الآياتِ تَكْرِمَةً لَهُنَّ وتَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ، فَقالَ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أيْ: ظاهِرَةِ القُبْحِ واضِحَةِ الفُحْشِ، وقَدْ عَصَمَهُنَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وبَرَّأهُنَّ وطَهَّرَهُنَّ ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: يُعَذِّبْهُنَّ مِثْلَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ إذا أتَيْنَ بِمِثْلِ تِلْكَ الفاحِشَةِ، وذَلِكَ لِشَرَفِهِنَّ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِنَّ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِنَّ.
وقَدْ ثَبَتَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ تَضاعُفَ الشَّرَفِ وارْتِفاعَ الدَّرَجاتِ يُوجِبُ لِصاحِبِهِ إذا عَصى تَضاعُفَ العُقُوباتِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " يُضَعَّفْ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفَرَّقَ هو وأبُو عُبَيْدٍ بَيْنَ يُضاعَفْ فَقالا: يَكُونُ يُضاعَفْ ويُضَعَّفْ، فَقالا: يَكُونُ يُضاعَفْ ثَلاثَةَ عَذاباتٍ ويُضَعَّفْ عَذابَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ التَّفْرِقَةُ الَّتِي جاءَ بِها لا يَعْرِفُها أحَدٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، والمَعْنى في يُضاعَفْ ويُضَعَّفْ واحِدٌ أيْ: يُجْعَلُ ضِعْفَيْنِ وهَكَذا ضَعَّفَ ما قالاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يَتَعاظَمُهُ ولا يَصْعُبُ عَلَيْهِ.
﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَقْنُتْ بِالتَّحْتِيَّةِ، وكَذا قَرَءُوا: ﴿يَأْتِ مِنكُنَّ﴾ حَمْلًا عَلى لَفْظِ مِن في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالفَوْقِيَّةِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، ومَعْنى " مَن يَقْنُتْ " مَن يُطِعْ، وكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في مُبَيِّنَةٍ، فَمِنهم مَن قَرَأها بِالكَسْرِ ومِنهم مَن قَرَأها بِفَتْحِ الياءِ كَما تَقَدَّمَ في النِّساءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ " نَضْعُفْ " بِالنُّونِ ونَصْبِ " العَذابَ " وقُرِئَ " نُضاعِفْ " بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، وكَذا قَرَأ " يَعْمَلْ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ " تَعْمَلْ " بِالفَوْقِيَّةِ، و" نُؤْتِ " بِالنُّونِ، ومَعْنى إتْيانِهِنَّ الأجْرَ مَرَّتَيْنِ أنَّهُ يَكُونُ لَهُنَّ مِنَ الأجْرِ عَلى الطّاعَةِ مِثْلا ما يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُنَّ مِنَ النِّساءِ إذا فَعَلْنَ تِلْكَ الطّاعَةِ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أنَّهُ يَكُونُ العَذابُ مَرَّتَيْنِ لا ثَلاثًا، لِأنَّ المُرادَ إظْهارُ شَرَفِهِنَّ ومَزِيَّتِهِنَّ في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ بِكَوْنِ حَسَنَتِهِنَّ كَحَسَنَتَيْنِ، وسَيِّئَتِهِنَّ كَسَيِّئَتَيْنِ، ولَوْ كانَتْ سَيِّئَتُهُنَّ كَثَلاثِ سَيِّئاتٍ لَمْ يُناسِبْ ذَلِكَ كَوْنُ حَسَنَتِهِنَّ كَحَسَنَتَيْنِ، فَإنَّ اللَّهَ أعْدَلُ مِن أنْ يُضاعِفَ العُقُوبَةَ عَلَيْهِنَّ مُضاعَفَةً تَزِيدُ عَلى مُضاعَفَةِ أجْرِهِنَّ ﴿وأعْتَدْنا لَها﴾ زِيادَةً عَلى الأجْرِ مَرَّتَيْنِ ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: الرِّزْقُ الكَرِيمُ هو نَعِيمُ الجَنَّةِ، حَكى ذَلِكَ عَنْهُمُ النَّحّاسُ.
ثُمَّ أظْهَرَ - سُبْحانَهُ - فَضِيلَتَهُنَّ عَلى سائِرِ النِّساءِ تَصْرِيحًا.
فَقالَ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَقُلْ كَواحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ، لِأنَّ أحَدًا نَفْيٌ عامٌّ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والواحِدِ والجَماعَةِ.
وقَدْ يُقالُ: عَلى ما لَيْسَ بِآدَمِيٍّ كَما يُقالُ: لَيْسَ فِيها أحَدٌ لا شاةٌ ولا بَعِيرٌ.
والمَعْنى: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ.
ثُمَّ قَيَّدَ هَذا الشَّرَفَ العَظِيمَ بِقَيْدٍ فَقالَ: ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ لَهُنَّ إنَّما تَكُونُ بِمُلازَمَتِهِنَّ لِلتَّقْوى، لا لِمُجَرَّدِ اتِّصالِهِنَّ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ وقَعَتْ مِنهُنَّ ولِلَّهِ الحَمْدُ التَّقْوى البَيِّنَةُ، والإيمانُ الخالِصُ، والمَشْيُ عَلى طَرِيقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في حَياتِهِ وبَعْدَ مَماتِهِ.
وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ.
وقِيلَ: إنَّ جَوابَهُ ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ والأوَّلُ أوْلى.
ومَعْنى ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ لا تُلِنَّ القَوْلَ عِنْدَ مُخاطَبَةِ النّاسِ كَما تَفْعَلُهُ المُرِيباتُ مِنَ النِّساءِ، فَإنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ: فُجُورٌ وشَكٌّ ونِفاقٌ، وانْتِصابُ يَطْمَعَ لِكَوْنِهِ جَوابَ النَّهْيِ. كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ.
وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ الأعْرَجَ قَرَأ " فَيَطْمِعَ " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ.
قالَ النَّحّاسُ: أحْسَبُ هَذا غَلَطًا، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي السَّمْألِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم قَرَءُوا (p-١١٦٧)بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ فِعْلِ النَّهْيِ ﴿وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ عِنْدَ النّاسِ بَعِيدًا مِنَ الرِّيبَةِ عَلى سَنَنِ الشَّرْعِ، لا يُنْكِرُ مِنهُ سامِعُهُ شَيْئًا، ولا يَطْمَعُ فِيهِنَّ أهْلُ الفِسْقِ والفُجُورِ بِسَبَبِهِ.
﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " وقِرْنَ " بِكَسْرِ القافِ مِن وقَرَ يَقِرُ وقارًا أيْ: سَكَنَ، والأمْرُ مِنهُ قِرْ بِكَسْرِ القافِ، ولِلنِّساءِ قِرْنَ مِثْلُ عِدْنَ وزِنَّ.
وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِنَ القَرارِ، لا مِنَ الوَقارِ، تَقُولُ قَرَرْتُ بِالمَكانِ بِفَتْحِ الرّاءِ، والأصْلُ اقْرِرْنَ بِكَسْرِ الرّاءِ، فَحُذِفَتِ الرّاءُ الأُولى تَخْفِيفًا كَما قالُوا في ظَلِلْتُ ظَلْتُ، ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى القافِ، واسْتُغْنِيَ عَنْ ألِفِ الوَصْلِ بِتَحْرِيكِ القافِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أُبْدِلَتِ الرّاءُ الأُولى ياءً كَراهَةَ التَّضْعِيفِ كَما أُبْدِلَتْ في قِيراطٍ ودِينارٍ، وصارَ لِلْياءِ حَرَكَةُ الحَرْفِ الَّذِي أُبْدِلَتْ مِنهُ، والتَّقْدِيرُ اقِيرْنَ، ثُمَّ تُلْقى حَرَكَةُ الياءِ عَلى القافِ كَراهَةَ تَحْرِيكِ الياءِ بِالكَسْرِ فَتَسْقُطُ الياءُ لِاجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ، وتَسْقُطُ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِتَحْرِيكِ ما بَعْدَها فَيَصِيرُ قَرْنَ.
وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ القافِ وأصْلُهُ قَرِرْتُ بِالمَكانِ: إذا أقَمْتَ فِيهِ بِكَسْرِ الرّاءِ، أقَرُّ بِفَتْحِ القافِ كَحَمِدَ يَحْمَدُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدٍ عَنِ الكِسائِيِّ، وذَكَرَها الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هو كَما تَقُولُ هَلْ حَسْتَ صاحِبَكَ أيْ: هَلْ أحْسَسْتَهُ ؟ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: كانَ أشْياخُنا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ يُنْكِرُونَ القِراءَةَ بِالفَتْحِ لِلْقافِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَرِرْتُ بِالمَكانِ أقَرُّ لا يُجَوِّزُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ.
والصَّحِيحُ قَرَرْتُ أقِرُّ بِالكَسْرِ، ومَعْناهُ: الأمْرُ لَهُنَّ بِالتَّوَقُّرِ والسُّكُونِ في بُيُوتِهِنَّ وأنْ لا يَخْرُجْنَ، وهَذا يُخالِفُ ما ذَكَرْناهُ هُنا عَنْهُ عَنِ الكِسائِيِّ وهو مِن أجَلِّ مَشايِخِهِ.
وقَدْ وافَقَهُ عَلى الإنْكارِ لِهَذِهِ القِراءَةِ أبُو حاتِمٍ فَقالَ: إنَّ قَرْنَ بِفَتْحِ القافِ لا مَذْهَبَ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ خُولِفَ أبُو حاتِمٍ في قَوْلِهِ إنَّهُ لا مَذْهَبَ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ بَلْ فِيهِ مَذْهَبانِ: أحَدُهُما حَكاهُ الكِسائِيُّ، والآخَرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ فَأمّا المَذْهَبُ الَّذِي حَكاهُ الكِسائِيُّ فَهو ما قَدَّمْناهُ مِن رِوايَةِ أبِي عُبَيْدٍ عَنْهُ، وأمّا المَذْهَبُ الَّذِي حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ فَقالَ: إنَّهُ مِن قَرَرْتُ بِهِ عَيْنًا أقَرُّ. والمَعْنى: واقْرَرْنَ بِهِ عَيْنًا في بُيُوتِكُنَّ. قالَ النَّحّاسُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ.
وأقُولُ: لَيْسَ بِحَسَنٍ ولا هو مَعْنى الآيَةِ، فَإنَّ المُرادَ بِها أمْرُهُنَّ بِالسُّكُونِ والِاسْتِقْرارِ في بُيُوتِهِنَّ، ولَيْسَ مِن قُرَّةِ العَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " واقْرِرْنَ " بِألِفِ وصْلٍ وراءَيْنَ، الأُولى مَكْسُورَةٌ عَلى الأصْلِ ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ التَّبَرُّجُ: أنْ تُبْدِيَ المَرْأةُ مِن زِينَتِها ومَحاسِنِها ما يَجِبُ عَلَيْها سَتْرُهُ مِمّا تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةَ الرَّجُلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى التَّبَرُّجِ في سُورَةِ النُّورِ.
قالَ المُبَرِّدُ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ السَّعَةِ، يُقالُ: في أسْنانِهِ بَرَجٌ: إذا كانَتْ مُتَفَرِّقَةً. وقِيلَ: التَّبَرُّجُ هو التَّبَخْتُرُ في المَشْيِ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالجاهِلِيَّةِ الأُولى، فَقِيلَ: ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وقِيلَ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وقِيلَ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى، وقِيلَ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ.
وقالَ المُبَرِّدُ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كَما تَقُولُ الجاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ.
قالَ: وكانَ نِساءُ الجاهِلِيَّةِ تُظْهِرُ ما يَقْبُحُ إظْهارُهُ، حَتّى كانَتِ المَرْأةُ تَجْلِسُ مَعَ زَوْجِها وخَلِيلِها، فَيَنْفَرِدُ خَلِيلُها بِما فَوْقَ الإزارِ إلى أعْلى، ويَنْفَرِدُ زَوْجُها بِما دُونَ الإزارِ إلى أسْفَلَ، ورُبَّما سَألَ أحَدُهُما صاحِبَهُ البَدَلَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ أشارَ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي لَحِقْنَها فَأُمِرْنَ بِالنُّقْلَةِ عَنْ سِيرَتِهِنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن سِيرَةِ الكَفَرَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا لا غَيْرَةَ عِنْدَهم، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةً أُخْرى كَذا قالَ، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.
ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالجاهِلِيَّةِ الأُخْرى ما يَقَعُ في الإسْلامِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِأهْلِ الجاهِلِيَّةِ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولا تَبَرَّجْنَ أيُّها المُسْلِماتُ بَعْدَ إسْلامِكُنَّ تَبَرُّجًا مِثْلَ تَبَرُّجِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي كُنْتُنَّ عَلَيْها، وكانَ عَلَيْها مَن قَبْلَكُنَّ أيْ: لا تُحْدِثْنَ بِأفْعالِكُنَّ وأقْوالِكُنَّ جاهِلِيَّةً تُشابِهُ الجاهِلِيَّةَ الَّتِي كانَتْ مِن قَبْلُ ﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ خَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لِأنَّهُما أصْلُ الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ.
ثُمَّ عَمَّمَ فَأمَرَهُنَّ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ في كُلِّ ما هو شَرْعٌ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ أيْ: إنَّما أوْصاكُنَّ اللَّهُ بِما أوْصاكُنَّ مِنَ التَّقْوى، وأنْ لا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ، ومِن قَوْلِ المَعْرُوفِ، والسُّكُونِ في البُيُوتِ وعَدَمِ التَّبَرُّجِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، والطّاعَةِ؛ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ، والمُرادُ بِالرِّجْسِ الإثْمُ والذَّنْبُ المُدَنِّسانِ لِلْأعْراضِ الحاصِلانِ بِسَبَبِ تَرْكِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وفِعْلِ ما نَهى عَنْهُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ ما لَيْسَ فِيهِ لِلَّهِ رِضًا، وانْتِصابُ أهْلَ البَيْتِ عَلى المَدْحِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، قالَ: وإنْ شِئْتَ عَلى البَدَلِ. قالَ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ والخَفْضُ.
قالَ النَّحّاسُ: إنْ خُفِضَ فَعَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ، واعْتَرَضَهُ المُبَرِّدُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ البَدَلُ مِنَ المُخاطَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصَبَهُ عَلى النِّداءِ ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ أيْ: يُطَهِّرَكم مِنَ الأرْجاسِ والأدْرانِ تَطْهِيرًا كامِلًا.
وفِي اسْتِعارَةِ الرِّجْسِ لِلْمَعْصِيَةِ والتَّرْشِيحِ لَها بِالتَّطْهِيرِ تَنْفِيرٌ عَنْها بَلِيغٌ، وزَجْرٌ لِفاعِلِها شَدِيدٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في أهْلِ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ أهْلَ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ هُنَّ زَوْجاتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً.
قالُوا: والمُرادُ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَساكِنُ زَوْجاتِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ .
وأيْضًا السِّياقُ في الزَّوْجاتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ .
وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ورُوِيَ عَنْ الكَلْبِيِّ أنَّ أهْلَ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ هم: عَلِيٌّ، وفاطِمَةُ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ خاصَّةً، ومِن حُجَجِهِمُ الخِطابُ في الآيَةِ بِما يَصْلُحُ لِلذُّكُورِ لا لِلْإناثِ، وهو قَوْلُهُ: عَنْكم ولِيُطَهِّرَكم، ولَوْ كانَ لِلنِّساءِ خاصَّةً لَقالَ عَنْكُنَّ ويُطَهِّرُكُنَّ.
وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا أنَّ التَّذْكِيرَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الأهْلِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: (p-١١٦٨)﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] وكَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: كَيْفَ أهْلُكَ ؟ يُرِيدُ زَوْجَتَهُ أوْ زَوْجاتِهِ، فَيَقُولُ: هم بِخَيْرٍ.
ولْنَذْكُرْ هاهُنا ما تَمَسَّكَ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ: أمّا الأوَّلُونَ فَتَمَسَّكُوا بِالسِّياقِ، فَإنَّهُ في الزَّوْجاتِ كَما ذَكَرْنا، وبِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في نِساءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن شاءَ باهَلْتُهُ أنَّها نَزَلَتْ في أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَهُ.
وأمّا ما تَمَسَّكَ بِهِ الآخَرُونَ، فَأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ " «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: في بَيْتِي نَزَلَتْ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وفي البَيْتِ فاطِمَةُ وعَلِيٌّ، والحَسَنُ والحُسَيْنُ، فَجَلَّلَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِساءٍ كانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ " «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ في بَيْتِها عَلى مَنامِهِ لَهُ عَلَيْهِ كِساءٌ خَيْبَرِيٌّ، فَجاءَتْ فاطِمَةُ بِبُرْمَةٍ فِيها خَزِيرَةٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ادْعِي زَوْجَكِ وابْنَيْكِ حَسَنًا وحُسَيْنًا فَدَعَتْهم، فَبَيْنَما هم يَأْكُلُونَ إذْ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِفَضْلَةِ كِسائِهِ فَغَشّاهم إيّاها، ثُمَّ أخْرَجَ يَدَهُ مِنَ الكِساءِ وألْوى بِها إلى السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي وخاصَّتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسِ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، قالَها ثَلاثَ مَرّاتٍ.
قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَأدْخَلْتُ رَأْسِي في السِّتْرِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا مَعَكم ؟ فَقالَ: إنَّكِ إلى خَيْرٍ مَرَّتَيْنِ» وأخْرَجَهُ أيْضًا أحْمَدُ مِن حَدِيثِها، قالَ:، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، حَدَّثَنِي مَن سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ تَذْكُرُ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ.
وفِي إسْنادِهِ مَجْهُولٌ وهو شَيْخُ عَطاءٍ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ.
وقَدْ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْها مِن طَرِيقَيْنِ بِنَحْوِهِ.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ طُرُقًا كَثِيرَةً في مُسْنَدِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَداةً وعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجَّلٌ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ، فَجاءَهُ الحَسَنُ، والحُسَيْنُ فَأدْخَلَهُما مَعَهُ، ثُمَّ جاءَتْ فاطِمَةُ فَأدْخَلَها مَعَهُ، ثُمَّ جاءَ عَلِيٌّ فَأدْخَلَهُ مَعَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى فاطِمَةَ ومَعَهُ عَلِيٌّ، وحَسَنٌ وحُسَيْنٌ حَتّى دَخَلَ، فَأدْنى عَلِيًّا وفاطِمَةَ وأجْلَسَهُما بَيْنَ يَدَيْهِ، وأجْلَسَ حَسَنًا وحُسَيْنًا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَلى فَخِذِهِ، ثُمَّ لَفَّ عَلَيْهِمْ ثَوْبَهُ وأنا مُسْتَدْبِرُهم ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وقالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا مِن أهْلِكَ ؟ قالَ: وأنْتَ مِن أهْلِي» .
قالَ واثِلَةُ: إنَّهُ لَأرْجا ما أرْجُوهُ. ولَهُ طُرُقٌ في مُسْنَدِ أحْمَدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَمُرُّ بِبابِ فاطِمَةَ إذا خَرَجَ إلى صَلاةِ الفَجْرِ يَقُولُ: الصَّلاةَ يا أهْلَ البَيْتِ الصَّلاةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي» فَقِيلَ: لِزَيْدٍ: ومَن أهْلُ بَيْتِهِ ؟ ألَيْسَ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ ؟ قالَ: نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، ولَكِنْ أهْلُ بَيْتِهِ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ: آلُ عَلِيٍّ وآلُ عَقِيلٍ: وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ العَبّاسِ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ قَسَّمَ الخَلْقَ قِسْمَيْنِ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِما قِسْمًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٧] ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] فَأنا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنا خَيْرُ أصْحابِ اليَمِينِ. ثُمَّ جَعَلَ القِسْمَيْنِ أثْلاثًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها ثَلاثًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] فَأنا مِنَ السّابِقِينَ، وأنا خَيْرُ السّابِقِينَ. ثُمَّ جَعَلَ الأثْلاثَ قَبائِلَ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها قَبِيلَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] وأنا أتْقى ولَدِ آدَمَ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ ولا فَخْرَ. ثُمَّ جَعَلَ القَبائِلَ بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها بَيْتًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأنا، وأهْلُ بَيْتِي مُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الحَمْراءِ قالَ: «رابَطْتُ المَدِينَةَ سَبْعَةَ أشْهُرٍ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا طَلَعَ الفَجْرُ جاءَ إلى بابِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ فَقالَ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وفِي إسْنادِهِ أبُو داوُدَ الأعْمى، وهو وضّاعٌ كَذّابٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ، وقَدْ ذَكَرْنا هاهُنا ما يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ دُونَ ما يَصْلُحُ.
وقَدْ تَوَسَّطَتْ طائِفَةٌ ثالِثَةٌ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ، فَجَعَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ (p-١١٦٩)شامِلَةً لِلزَّوْجاتِ ولِعَلِيٍّ وفاطِمَةَ، والحَسَنِ والحُسَيْنِ، أمّا الزَّوْجاتُ فَلِكَوْنِهِنَّ المُرادّاتِ في سِياقِ هَذِهِ الآياتِ كَما قَدَّمْنا، ولِكَوْنِهِنَّ السّاكِناتِ في بُيُوتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّازِلاتِ في مَنازِلِهِ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.
وأمّا دُخُولُ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ، والحَسَنِ والحُسَيْنِ فَلِكَوْنِهِمْ قَرابَتَهُ وأهْلَ بَيْتِهِ في النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأحادِيثِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّهم سَبَبُ النُّزُولِ، فَمَن جَعَلَ الآيَةَ خاصَّةً بِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ فَقَدْ أعْمَلَ بَعْضَ ما يَجِبُ إعْمالُهُ وأهْمَلَ ما لا يَجُوزُ إهْمالُهُ.
وقَدْ رَجَّحَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ القُرْطُبِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُما.
وقالَ جَماعَةٌ: هم بَنُو هاشِمٍ، واسْتَدَلُّوا بِما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ المُتَقَدِّمِ حَيْثُ قالَ: ولَكِنْ آلُهُ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ: آلُ عَلِيٍّ، وآلُ عَقِيلٍ:، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ العَبّاسِ، فَهَؤُلاءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ المُرادَ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّسَبِ.
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ أيْ: اذْكُرْنَ مَوْضِعَ النِّعْمَةِ إذْ صَيَّرَكُنَّ اللَّهُ في بُيُوتٍ يُتْلى فِيها آياتُ اللَّهِ والحِكْمَةُ اذْكُرْنَها وتَفَكَّرْنَ فِيها لِتَتَّعِظْنَ بِمَواعِظِ اللَّهِ، أوِ اذْكُرْنَها لِلنّاسِ لِيَتَّعِظُوا بِها ويَهْتَدُوا بِهُداها، أوِ اذْكُرْنَها بِالتِّلاوَةِ لَها لِتَحْفَظْنَها ولا تَتْرُكْنَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ التِّلاوَةِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ وآياتُ اللَّهِ هي القُرْآنُ، والحِكْمَةُ السُّنَّةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ المُرادُ بِالآياتِ والحِكْمَةِ أمْرُهُ ونَهْيُهُ في القُرْآنِ.
وقِيلَ: إنَّ القُرْآنَ جامِعٌ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ دالَّةٍ عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ النُّبُوَّةِ وبَيْنَ كَوْنِهِ حِكْمَةً مُشْتَمِلَةً عَلى فُنُونٍ مِنَ العُلُومِ والشَّرائِعِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أيْ: لَطِيفًا بِأوْلِيائِهِ خَبِيرًا بِجَمِيعِ خَلْقِهِ وجَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، فَهو يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ «أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والنّاسُ بِبابِهِ جُلُوسٌ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عُمَرُ فاسْتَأْذَنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أُذِنَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَدَخَلا والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ وحَوْلَهُ نِساؤُهُ وهو ساكِتٌ، فَقالَ عُمَرُ: لَأُكَلِّمَنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَعَلَّهُ يَضْحَكُ، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ امْرَأةَ عُمَرَ سَألَتِ النَّفَقَةَ آنِفًا فَوَجَأْتُ في عُنُقِها، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ وقالَ: هُنَّ حَوْلِي يَسْألْنَنِي النَّفَقَةَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ إلى عائِشَةَ لِيَضْرِبَها، وقامَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ، كِلاهُما يَقُولانِ: تَسْألانِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لَيْسَ عِنْدَهُ، فَنَهاهُما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْنَ نِساؤُهُ: واللَّهِ لا نَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ هَذا المَجْلِسِ ما لَيْسَ عِنْدَهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ الخِيارَ، فَنادى بِعائِشَةَ فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا ما أُحِبُّ أنْ تُعَجِّلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالَتْ: ما هو ؟ فَتَلا عَلَيْها ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: أفِيكَ أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، بَلْ أخْتارُ اللَّهَ رَسُولَهُ، وأسْألُكَ أنْ لا تَذْكُرَ لِنِسائِكَ ما اخْتَرْتُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَنْ يَبْعَثَنِي مُتَعَنِّتًا ولَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُبَشِّرًا، لا تَسْألُنِي امْرَأةٌ مِنهُنَّ عَمّا اخْتَرْتِ إلّا أخْبَرْتُها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «جاءَها حِينَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَ أزْواجَهُ قالَتْ: فَبَدَأ بِي فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إلى تَمامِ الآيَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفي أيِّ هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، وفَعَلَ أزْواجُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَ ما فَعَلَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ قالَ يَقُولُ: مَن يُطِعِ اللَّهَ مِنكُنَّ وتَعْمَلْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بِطاعَتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: يَقُولُ لا تُرَخِّصْنَ بِالقَوْلِ ولا تَخْضَعْنَ بِالكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: مُقارَنَةُ الرِّجالِ في القَوْلِ حَتّى يَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: نُبِّئْتُ أنَّهُ قِيلَ: لِسَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ما لَكِ لا تَحُجِّينَ ولا تَعْتَمِرِينَ كَما يَفْعَلُ أخَواتُكِ ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللَّهُ أنْ أقِرَّ في بَيْتِي، فَواللَّهِ لا أخْرُجُ مِن بَيْتِي حَتّى أمُوتَ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ بِجِنازَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كانَتْ عائِشَةُ إذا قَرَأتْ ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: كانَتِ الجاهِلِيَّةُ الأُولى فِيما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ وكانَتْ ألْفَ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَهُ فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ لِأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ هَلْ كانَتْ جاهِلِيَّةٌ غَيْرَ واحِدَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما سَمِعْتُ بِأُولى إلّا ولَها آخِرَةٌ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَأْتِنِي مِن كِتابِ اللَّهِ ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم﴾ [الحج: ٧٨] أوَّلَ مَرَّةٍ فَقالَ عُمَرُ: مَن أمَرَنا أنْ نُجاهِدَ ؟ قالَ: مَخْزُومٌ وعَبْدُ شَمْسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: تَكُونُ جاهِلِيَّةٌ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ: أنَّها تَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَتْ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كانَتْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ.
وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ الآثارِ الوارِدَةِ في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ قالَ: القُرْآنُ والسُّنَّةُ يَمْتَنُّ بِذَلِكَ عَلَيْهِنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ سَهْلٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ الآيَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١١٧٠)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي في بُيُوتِ أزْواجِهِ النَّوافِلَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ» .
الأحزاب 33:32
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَعْنى ما تَقَدَّمَها مِن المَنعِ مِن إيذاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وكانَ قَدْ تَأذّى بِبَعْضِ الزَّوْجاتِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَألْنَهُ شَيْئًا مِن عَرَضِ الدُّنْيا وطَلَبْنَ مِنهُ الزِّيادَةَ في النَّفَقَةِ وآذَيْنَهُ بِغَيْرَةِ بَعْضِهِنَّ عَلى بَعْضٍ، فَآلى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهُنَّ شَهْرًا، وأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ هَذِهِ، وكُنْ يَوْمئِذٍ تِسْعًا: عائِشَةَ وحَفْصَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ وأُمَّ حَبِيبَةَ وسَوْدَةَ هَؤُلاءِ مِن نِساءِ قُرَيْشٍ وصَفِيَّةَ الخَيْبَرِيَّةَ ومَيْمُونَةَ الهِلالِيَّةَ، وزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الأسَدِيَّةَ، وجُوَيْرِيَّةَ بِنْتَ الحارِثِ المُصْطَلَقِيَّةَ.
ومَعْنى ﴿الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ سَعَتُها ونَضارَتُها ورَفاهِيَتُها والتَّنَعُّمُ فِيها ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ أيْ: أقْبِلْنَ إلَيَّ ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ أيْ: أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ " و" كَذا أُسَرِّحْكُنَّ بِالجَزْمِ أيْ: أُطَلِّقْكُنَّ وبِالجَزْمِ في الفِعْلَيْنِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حُمَيْدٌ الخَرّازُ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمُرادُ بِالسَّراحِ الجَمِيلِ: هو الواقِعُ مِن غَيْرِ ضِرارٍ عَلى مُقْتَضى السُّنَّةِ.
وقِيلَ: إنَّ جَزْمَ الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّهُما جَوابُ الشَّرْطِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ.
﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ﴾ (p-١١٦٦)أيِ: الجَنَّةَ ونَعِيمَها ﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ﴾ أيِ: اللّائِي عَمِلْنَ عَمَلًا صالِحًا أجْرًا عَظِيمًا لا يُمْكِنُ وصْفُهُ، ولا يُقادَرُ قَدْرُهُ وذَلِكَ بِسَبَبِ إحْسانِهِنَّ، وبِمُقابَلَةِ صالِحِ عَمَلِهِنَّ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ تَخْيِيرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أزْواجَهُ عَلى قَوْلَيْنِ: القَوْلُ الأوَّلُ أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بِإذْنِ اللَّهِ في البَقاءِ عَلى الزَّوْجِيَّةِ أوِ الطَّلاقِ فاخْتَرْنَ البَقاءَ، وبِهَذا قالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ والزُّهْرِيُّ ورَبِيعَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّهُ إنَّما خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا فَيُفارِقُهُنَّ، وبَيْنَ الآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ ولَمْ يُخَيِّرْهُنَّ في الطَّلاقِ، وبِهَذا قالَ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والرّاجِحُ الأوَّلُ.
واخْتَلَفُوا أيْضًا في المُخَيَّرَةِ إذا اخْتارَتْ زَوْجَها هَلْ يُحْسَبُ مُجَرَّدُ ذَلِكَ التَّخْيِيرِ عَلى الزَّوْجِ طَلْقَةً أمْ لا ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ إلى أنَّهُ لا يَكُونُ مَعَ اخْتِيارِ المَرْأةِ لِزَوْجِها طَلاقًا لا واحِدَةً ولا أكْثَرَ.
وقالَ عَلِيٌّ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ واللَّيْثُ: وحَكاهُ الخَطّابِيُّ والنَّقّاشُ عَنْ مالِكٍ.
والرّاجِحُ الأوَّلُ لِحَدِيثِ عائِشَةَ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ «قالَتْ: خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فاخْتَرْناهُ فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا» ولا وجْهَ لِجَعْلِ مُجَرَّدِ التَّخْيِيرِ طَلاقًا، ودَعْوى أنَّهُ كِنايَةٌ مِن كِناياتِ الطَّلاقِ مَدْفُوعَةٌ بِأنَّ المُخَيَّرَ لَمْ يَرِدِ الفُرْقَةَ لِمُجَرَّدِ التَّخْيِيرِ، بَلْ أرادَ تَفْوِيضَ المَرْأةِ وجَعْلَ أمْرِها بِيَدِها، فَإنِ اخْتارَتِ البَقاءَ بَقِيَتْ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ، وإنِ اخْتارَتِ الفُرْقَةَ صارَتْ مُطَلَّقَةً.
واخْتَلَفُوا في اخْتِيارِها لِنَفْسِها هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً أوْ بائِنَةً.
فَقالَ بِالأوَّلِ عُمَرُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وقالَ بِالثّانِي عَلِيٌّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ.
والرّاجِحُ الأوَّلُ، لِأنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ أنْ يُطَلِّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نِساءَهُ عَلى خِلافِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وقَدْ أمَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّها إذا اخْتارَتْ نَفْسَها فَثَلاثُ طَلْقاتٍ، ولَيْسَ لِهَذا القَوْلِ وجْهٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّها إذا اخْتارَتْ نَفْسَها فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وإذا اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
ثُمَّ لَمّا اخْتارَ نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَسُولَ اللَّهِ أنْزَلَ فِيهِنَّ هَذِهِ الآياتِ تَكْرِمَةً لَهُنَّ وتَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ، فَقالَ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أيْ: ظاهِرَةِ القُبْحِ واضِحَةِ الفُحْشِ، وقَدْ عَصَمَهُنَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وبَرَّأهُنَّ وطَهَّرَهُنَّ ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: يُعَذِّبْهُنَّ مِثْلَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ إذا أتَيْنَ بِمِثْلِ تِلْكَ الفاحِشَةِ، وذَلِكَ لِشَرَفِهِنَّ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِنَّ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِنَّ.
وقَدْ ثَبَتَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ تَضاعُفَ الشَّرَفِ وارْتِفاعَ الدَّرَجاتِ يُوجِبُ لِصاحِبِهِ إذا عَصى تَضاعُفَ العُقُوباتِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " يُضَعَّفْ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفَرَّقَ هو وأبُو عُبَيْدٍ بَيْنَ يُضاعَفْ فَقالا: يَكُونُ يُضاعَفْ ويُضَعَّفْ، فَقالا: يَكُونُ يُضاعَفْ ثَلاثَةَ عَذاباتٍ ويُضَعَّفْ عَذابَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ التَّفْرِقَةُ الَّتِي جاءَ بِها لا يَعْرِفُها أحَدٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، والمَعْنى في يُضاعَفْ ويُضَعَّفْ واحِدٌ أيْ: يُجْعَلُ ضِعْفَيْنِ وهَكَذا ضَعَّفَ ما قالاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يَتَعاظَمُهُ ولا يَصْعُبُ عَلَيْهِ.
﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَقْنُتْ بِالتَّحْتِيَّةِ، وكَذا قَرَءُوا: ﴿يَأْتِ مِنكُنَّ﴾ حَمْلًا عَلى لَفْظِ مِن في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالفَوْقِيَّةِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، ومَعْنى " مَن يَقْنُتْ " مَن يُطِعْ، وكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في مُبَيِّنَةٍ، فَمِنهم مَن قَرَأها بِالكَسْرِ ومِنهم مَن قَرَأها بِفَتْحِ الياءِ كَما تَقَدَّمَ في النِّساءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ " نَضْعُفْ " بِالنُّونِ ونَصْبِ " العَذابَ " وقُرِئَ " نُضاعِفْ " بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، وكَذا قَرَأ " يَعْمَلْ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ " تَعْمَلْ " بِالفَوْقِيَّةِ، و" نُؤْتِ " بِالنُّونِ، ومَعْنى إتْيانِهِنَّ الأجْرَ مَرَّتَيْنِ أنَّهُ يَكُونُ لَهُنَّ مِنَ الأجْرِ عَلى الطّاعَةِ مِثْلا ما يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُنَّ مِنَ النِّساءِ إذا فَعَلْنَ تِلْكَ الطّاعَةِ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أنَّهُ يَكُونُ العَذابُ مَرَّتَيْنِ لا ثَلاثًا، لِأنَّ المُرادَ إظْهارُ شَرَفِهِنَّ ومَزِيَّتِهِنَّ في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ بِكَوْنِ حَسَنَتِهِنَّ كَحَسَنَتَيْنِ، وسَيِّئَتِهِنَّ كَسَيِّئَتَيْنِ، ولَوْ كانَتْ سَيِّئَتُهُنَّ كَثَلاثِ سَيِّئاتٍ لَمْ يُناسِبْ ذَلِكَ كَوْنُ حَسَنَتِهِنَّ كَحَسَنَتَيْنِ، فَإنَّ اللَّهَ أعْدَلُ مِن أنْ يُضاعِفَ العُقُوبَةَ عَلَيْهِنَّ مُضاعَفَةً تَزِيدُ عَلى مُضاعَفَةِ أجْرِهِنَّ ﴿وأعْتَدْنا لَها﴾ زِيادَةً عَلى الأجْرِ مَرَّتَيْنِ ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: الرِّزْقُ الكَرِيمُ هو نَعِيمُ الجَنَّةِ، حَكى ذَلِكَ عَنْهُمُ النَّحّاسُ.
ثُمَّ أظْهَرَ - سُبْحانَهُ - فَضِيلَتَهُنَّ عَلى سائِرِ النِّساءِ تَصْرِيحًا.
فَقالَ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَقُلْ كَواحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ، لِأنَّ أحَدًا نَفْيٌ عامٌّ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والواحِدِ والجَماعَةِ.
وقَدْ يُقالُ: عَلى ما لَيْسَ بِآدَمِيٍّ كَما يُقالُ: لَيْسَ فِيها أحَدٌ لا شاةٌ ولا بَعِيرٌ.
والمَعْنى: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ.
ثُمَّ قَيَّدَ هَذا الشَّرَفَ العَظِيمَ بِقَيْدٍ فَقالَ: ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ لَهُنَّ إنَّما تَكُونُ بِمُلازَمَتِهِنَّ لِلتَّقْوى، لا لِمُجَرَّدِ اتِّصالِهِنَّ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ وقَعَتْ مِنهُنَّ ولِلَّهِ الحَمْدُ التَّقْوى البَيِّنَةُ، والإيمانُ الخالِصُ، والمَشْيُ عَلى طَرِيقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في حَياتِهِ وبَعْدَ مَماتِهِ.
وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ.
وقِيلَ: إنَّ جَوابَهُ ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ والأوَّلُ أوْلى.
ومَعْنى ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ لا تُلِنَّ القَوْلَ عِنْدَ مُخاطَبَةِ النّاسِ كَما تَفْعَلُهُ المُرِيباتُ مِنَ النِّساءِ، فَإنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ: فُجُورٌ وشَكٌّ ونِفاقٌ، وانْتِصابُ يَطْمَعَ لِكَوْنِهِ جَوابَ النَّهْيِ. كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ.
وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ الأعْرَجَ قَرَأ " فَيَطْمِعَ " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ.
قالَ النَّحّاسُ: أحْسَبُ هَذا غَلَطًا، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي السَّمْألِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم قَرَءُوا (p-١١٦٧)بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ فِعْلِ النَّهْيِ ﴿وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ عِنْدَ النّاسِ بَعِيدًا مِنَ الرِّيبَةِ عَلى سَنَنِ الشَّرْعِ، لا يُنْكِرُ مِنهُ سامِعُهُ شَيْئًا، ولا يَطْمَعُ فِيهِنَّ أهْلُ الفِسْقِ والفُجُورِ بِسَبَبِهِ.
﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " وقِرْنَ " بِكَسْرِ القافِ مِن وقَرَ يَقِرُ وقارًا أيْ: سَكَنَ، والأمْرُ مِنهُ قِرْ بِكَسْرِ القافِ، ولِلنِّساءِ قِرْنَ مِثْلُ عِدْنَ وزِنَّ.
وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِنَ القَرارِ، لا مِنَ الوَقارِ، تَقُولُ قَرَرْتُ بِالمَكانِ بِفَتْحِ الرّاءِ، والأصْلُ اقْرِرْنَ بِكَسْرِ الرّاءِ، فَحُذِفَتِ الرّاءُ الأُولى تَخْفِيفًا كَما قالُوا في ظَلِلْتُ ظَلْتُ، ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى القافِ، واسْتُغْنِيَ عَنْ ألِفِ الوَصْلِ بِتَحْرِيكِ القافِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أُبْدِلَتِ الرّاءُ الأُولى ياءً كَراهَةَ التَّضْعِيفِ كَما أُبْدِلَتْ في قِيراطٍ ودِينارٍ، وصارَ لِلْياءِ حَرَكَةُ الحَرْفِ الَّذِي أُبْدِلَتْ مِنهُ، والتَّقْدِيرُ اقِيرْنَ، ثُمَّ تُلْقى حَرَكَةُ الياءِ عَلى القافِ كَراهَةَ تَحْرِيكِ الياءِ بِالكَسْرِ فَتَسْقُطُ الياءُ لِاجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ، وتَسْقُطُ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِتَحْرِيكِ ما بَعْدَها فَيَصِيرُ قَرْنَ.
وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ القافِ وأصْلُهُ قَرِرْتُ بِالمَكانِ: إذا أقَمْتَ فِيهِ بِكَسْرِ الرّاءِ، أقَرُّ بِفَتْحِ القافِ كَحَمِدَ يَحْمَدُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدٍ عَنِ الكِسائِيِّ، وذَكَرَها الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هو كَما تَقُولُ هَلْ حَسْتَ صاحِبَكَ أيْ: هَلْ أحْسَسْتَهُ ؟ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: كانَ أشْياخُنا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ يُنْكِرُونَ القِراءَةَ بِالفَتْحِ لِلْقافِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَرِرْتُ بِالمَكانِ أقَرُّ لا يُجَوِّزُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ.
والصَّحِيحُ قَرَرْتُ أقِرُّ بِالكَسْرِ، ومَعْناهُ: الأمْرُ لَهُنَّ بِالتَّوَقُّرِ والسُّكُونِ في بُيُوتِهِنَّ وأنْ لا يَخْرُجْنَ، وهَذا يُخالِفُ ما ذَكَرْناهُ هُنا عَنْهُ عَنِ الكِسائِيِّ وهو مِن أجَلِّ مَشايِخِهِ.
وقَدْ وافَقَهُ عَلى الإنْكارِ لِهَذِهِ القِراءَةِ أبُو حاتِمٍ فَقالَ: إنَّ قَرْنَ بِفَتْحِ القافِ لا مَذْهَبَ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ خُولِفَ أبُو حاتِمٍ في قَوْلِهِ إنَّهُ لا مَذْهَبَ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ بَلْ فِيهِ مَذْهَبانِ: أحَدُهُما حَكاهُ الكِسائِيُّ، والآخَرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ فَأمّا المَذْهَبُ الَّذِي حَكاهُ الكِسائِيُّ فَهو ما قَدَّمْناهُ مِن رِوايَةِ أبِي عُبَيْدٍ عَنْهُ، وأمّا المَذْهَبُ الَّذِي حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ فَقالَ: إنَّهُ مِن قَرَرْتُ بِهِ عَيْنًا أقَرُّ. والمَعْنى: واقْرَرْنَ بِهِ عَيْنًا في بُيُوتِكُنَّ. قالَ النَّحّاسُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ.
وأقُولُ: لَيْسَ بِحَسَنٍ ولا هو مَعْنى الآيَةِ، فَإنَّ المُرادَ بِها أمْرُهُنَّ بِالسُّكُونِ والِاسْتِقْرارِ في بُيُوتِهِنَّ، ولَيْسَ مِن قُرَّةِ العَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " واقْرِرْنَ " بِألِفِ وصْلٍ وراءَيْنَ، الأُولى مَكْسُورَةٌ عَلى الأصْلِ ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ التَّبَرُّجُ: أنْ تُبْدِيَ المَرْأةُ مِن زِينَتِها ومَحاسِنِها ما يَجِبُ عَلَيْها سَتْرُهُ مِمّا تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةَ الرَّجُلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى التَّبَرُّجِ في سُورَةِ النُّورِ.
قالَ المُبَرِّدُ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ السَّعَةِ، يُقالُ: في أسْنانِهِ بَرَجٌ: إذا كانَتْ مُتَفَرِّقَةً. وقِيلَ: التَّبَرُّجُ هو التَّبَخْتُرُ في المَشْيِ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالجاهِلِيَّةِ الأُولى، فَقِيلَ: ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وقِيلَ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وقِيلَ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى، وقِيلَ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ.
وقالَ المُبَرِّدُ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كَما تَقُولُ الجاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ.
قالَ: وكانَ نِساءُ الجاهِلِيَّةِ تُظْهِرُ ما يَقْبُحُ إظْهارُهُ، حَتّى كانَتِ المَرْأةُ تَجْلِسُ مَعَ زَوْجِها وخَلِيلِها، فَيَنْفَرِدُ خَلِيلُها بِما فَوْقَ الإزارِ إلى أعْلى، ويَنْفَرِدُ زَوْجُها بِما دُونَ الإزارِ إلى أسْفَلَ، ورُبَّما سَألَ أحَدُهُما صاحِبَهُ البَدَلَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ أشارَ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي لَحِقْنَها فَأُمِرْنَ بِالنُّقْلَةِ عَنْ سِيرَتِهِنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن سِيرَةِ الكَفَرَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا لا غَيْرَةَ عِنْدَهم، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةً أُخْرى كَذا قالَ، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.
ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالجاهِلِيَّةِ الأُخْرى ما يَقَعُ في الإسْلامِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِأهْلِ الجاهِلِيَّةِ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولا تَبَرَّجْنَ أيُّها المُسْلِماتُ بَعْدَ إسْلامِكُنَّ تَبَرُّجًا مِثْلَ تَبَرُّجِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي كُنْتُنَّ عَلَيْها، وكانَ عَلَيْها مَن قَبْلَكُنَّ أيْ: لا تُحْدِثْنَ بِأفْعالِكُنَّ وأقْوالِكُنَّ جاهِلِيَّةً تُشابِهُ الجاهِلِيَّةَ الَّتِي كانَتْ مِن قَبْلُ ﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ خَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لِأنَّهُما أصْلُ الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ.
ثُمَّ عَمَّمَ فَأمَرَهُنَّ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ في كُلِّ ما هو شَرْعٌ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ أيْ: إنَّما أوْصاكُنَّ اللَّهُ بِما أوْصاكُنَّ مِنَ التَّقْوى، وأنْ لا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ، ومِن قَوْلِ المَعْرُوفِ، والسُّكُونِ في البُيُوتِ وعَدَمِ التَّبَرُّجِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، والطّاعَةِ؛ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ، والمُرادُ بِالرِّجْسِ الإثْمُ والذَّنْبُ المُدَنِّسانِ لِلْأعْراضِ الحاصِلانِ بِسَبَبِ تَرْكِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وفِعْلِ ما نَهى عَنْهُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ ما لَيْسَ فِيهِ لِلَّهِ رِضًا، وانْتِصابُ أهْلَ البَيْتِ عَلى المَدْحِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، قالَ: وإنْ شِئْتَ عَلى البَدَلِ. قالَ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ والخَفْضُ.
قالَ النَّحّاسُ: إنْ خُفِضَ فَعَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ، واعْتَرَضَهُ المُبَرِّدُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ البَدَلُ مِنَ المُخاطَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصَبَهُ عَلى النِّداءِ ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ أيْ: يُطَهِّرَكم مِنَ الأرْجاسِ والأدْرانِ تَطْهِيرًا كامِلًا.
وفِي اسْتِعارَةِ الرِّجْسِ لِلْمَعْصِيَةِ والتَّرْشِيحِ لَها بِالتَّطْهِيرِ تَنْفِيرٌ عَنْها بَلِيغٌ، وزَجْرٌ لِفاعِلِها شَدِيدٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في أهْلِ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ أهْلَ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ هُنَّ زَوْجاتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً.
قالُوا: والمُرادُ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَساكِنُ زَوْجاتِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ .
وأيْضًا السِّياقُ في الزَّوْجاتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ .
وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ورُوِيَ عَنْ الكَلْبِيِّ أنَّ أهْلَ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ هم: عَلِيٌّ، وفاطِمَةُ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ خاصَّةً، ومِن حُجَجِهِمُ الخِطابُ في الآيَةِ بِما يَصْلُحُ لِلذُّكُورِ لا لِلْإناثِ، وهو قَوْلُهُ: عَنْكم ولِيُطَهِّرَكم، ولَوْ كانَ لِلنِّساءِ خاصَّةً لَقالَ عَنْكُنَّ ويُطَهِّرُكُنَّ.
وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا أنَّ التَّذْكِيرَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الأهْلِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: (p-١١٦٨)﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] وكَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: كَيْفَ أهْلُكَ ؟ يُرِيدُ زَوْجَتَهُ أوْ زَوْجاتِهِ، فَيَقُولُ: هم بِخَيْرٍ.
ولْنَذْكُرْ هاهُنا ما تَمَسَّكَ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ: أمّا الأوَّلُونَ فَتَمَسَّكُوا بِالسِّياقِ، فَإنَّهُ في الزَّوْجاتِ كَما ذَكَرْنا، وبِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في نِساءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن شاءَ باهَلْتُهُ أنَّها نَزَلَتْ في أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَهُ.
وأمّا ما تَمَسَّكَ بِهِ الآخَرُونَ، فَأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ " «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: في بَيْتِي نَزَلَتْ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وفي البَيْتِ فاطِمَةُ وعَلِيٌّ، والحَسَنُ والحُسَيْنُ، فَجَلَّلَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِساءٍ كانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ " «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ في بَيْتِها عَلى مَنامِهِ لَهُ عَلَيْهِ كِساءٌ خَيْبَرِيٌّ، فَجاءَتْ فاطِمَةُ بِبُرْمَةٍ فِيها خَزِيرَةٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ادْعِي زَوْجَكِ وابْنَيْكِ حَسَنًا وحُسَيْنًا فَدَعَتْهم، فَبَيْنَما هم يَأْكُلُونَ إذْ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِفَضْلَةِ كِسائِهِ فَغَشّاهم إيّاها، ثُمَّ أخْرَجَ يَدَهُ مِنَ الكِساءِ وألْوى بِها إلى السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي وخاصَّتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسِ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، قالَها ثَلاثَ مَرّاتٍ.
قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَأدْخَلْتُ رَأْسِي في السِّتْرِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا مَعَكم ؟ فَقالَ: إنَّكِ إلى خَيْرٍ مَرَّتَيْنِ» وأخْرَجَهُ أيْضًا أحْمَدُ مِن حَدِيثِها، قالَ:، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، حَدَّثَنِي مَن سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ تَذْكُرُ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ.
وفِي إسْنادِهِ مَجْهُولٌ وهو شَيْخُ عَطاءٍ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ.
وقَدْ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْها مِن طَرِيقَيْنِ بِنَحْوِهِ.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ طُرُقًا كَثِيرَةً في مُسْنَدِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَداةً وعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجَّلٌ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ، فَجاءَهُ الحَسَنُ، والحُسَيْنُ فَأدْخَلَهُما مَعَهُ، ثُمَّ جاءَتْ فاطِمَةُ فَأدْخَلَها مَعَهُ، ثُمَّ جاءَ عَلِيٌّ فَأدْخَلَهُ مَعَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى فاطِمَةَ ومَعَهُ عَلِيٌّ، وحَسَنٌ وحُسَيْنٌ حَتّى دَخَلَ، فَأدْنى عَلِيًّا وفاطِمَةَ وأجْلَسَهُما بَيْنَ يَدَيْهِ، وأجْلَسَ حَسَنًا وحُسَيْنًا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَلى فَخِذِهِ، ثُمَّ لَفَّ عَلَيْهِمْ ثَوْبَهُ وأنا مُسْتَدْبِرُهم ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وقالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا مِن أهْلِكَ ؟ قالَ: وأنْتَ مِن أهْلِي» .
قالَ واثِلَةُ: إنَّهُ لَأرْجا ما أرْجُوهُ. ولَهُ طُرُقٌ في مُسْنَدِ أحْمَدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَمُرُّ بِبابِ فاطِمَةَ إذا خَرَجَ إلى صَلاةِ الفَجْرِ يَقُولُ: الصَّلاةَ يا أهْلَ البَيْتِ الصَّلاةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي» فَقِيلَ: لِزَيْدٍ: ومَن أهْلُ بَيْتِهِ ؟ ألَيْسَ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ ؟ قالَ: نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، ولَكِنْ أهْلُ بَيْتِهِ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ: آلُ عَلِيٍّ وآلُ عَقِيلٍ: وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ العَبّاسِ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ قَسَّمَ الخَلْقَ قِسْمَيْنِ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِما قِسْمًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٧] ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] فَأنا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنا خَيْرُ أصْحابِ اليَمِينِ. ثُمَّ جَعَلَ القِسْمَيْنِ أثْلاثًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها ثَلاثًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] فَأنا مِنَ السّابِقِينَ، وأنا خَيْرُ السّابِقِينَ. ثُمَّ جَعَلَ الأثْلاثَ قَبائِلَ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها قَبِيلَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] وأنا أتْقى ولَدِ آدَمَ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ ولا فَخْرَ. ثُمَّ جَعَلَ القَبائِلَ بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها بَيْتًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأنا، وأهْلُ بَيْتِي مُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الحَمْراءِ قالَ: «رابَطْتُ المَدِينَةَ سَبْعَةَ أشْهُرٍ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا طَلَعَ الفَجْرُ جاءَ إلى بابِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ فَقالَ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وفِي إسْنادِهِ أبُو داوُدَ الأعْمى، وهو وضّاعٌ كَذّابٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ، وقَدْ ذَكَرْنا هاهُنا ما يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ دُونَ ما يَصْلُحُ.
وقَدْ تَوَسَّطَتْ طائِفَةٌ ثالِثَةٌ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ، فَجَعَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ (p-١١٦٩)شامِلَةً لِلزَّوْجاتِ ولِعَلِيٍّ وفاطِمَةَ، والحَسَنِ والحُسَيْنِ، أمّا الزَّوْجاتُ فَلِكَوْنِهِنَّ المُرادّاتِ في سِياقِ هَذِهِ الآياتِ كَما قَدَّمْنا، ولِكَوْنِهِنَّ السّاكِناتِ في بُيُوتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّازِلاتِ في مَنازِلِهِ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.
وأمّا دُخُولُ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ، والحَسَنِ والحُسَيْنِ فَلِكَوْنِهِمْ قَرابَتَهُ وأهْلَ بَيْتِهِ في النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأحادِيثِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّهم سَبَبُ النُّزُولِ، فَمَن جَعَلَ الآيَةَ خاصَّةً بِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ فَقَدْ أعْمَلَ بَعْضَ ما يَجِبُ إعْمالُهُ وأهْمَلَ ما لا يَجُوزُ إهْمالُهُ.
وقَدْ رَجَّحَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ القُرْطُبِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُما.
وقالَ جَماعَةٌ: هم بَنُو هاشِمٍ، واسْتَدَلُّوا بِما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ المُتَقَدِّمِ حَيْثُ قالَ: ولَكِنْ آلُهُ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ: آلُ عَلِيٍّ، وآلُ عَقِيلٍ:، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ العَبّاسِ، فَهَؤُلاءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ المُرادَ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّسَبِ.
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ أيْ: اذْكُرْنَ مَوْضِعَ النِّعْمَةِ إذْ صَيَّرَكُنَّ اللَّهُ في بُيُوتٍ يُتْلى فِيها آياتُ اللَّهِ والحِكْمَةُ اذْكُرْنَها وتَفَكَّرْنَ فِيها لِتَتَّعِظْنَ بِمَواعِظِ اللَّهِ، أوِ اذْكُرْنَها لِلنّاسِ لِيَتَّعِظُوا بِها ويَهْتَدُوا بِهُداها، أوِ اذْكُرْنَها بِالتِّلاوَةِ لَها لِتَحْفَظْنَها ولا تَتْرُكْنَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ التِّلاوَةِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ وآياتُ اللَّهِ هي القُرْآنُ، والحِكْمَةُ السُّنَّةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ المُرادُ بِالآياتِ والحِكْمَةِ أمْرُهُ ونَهْيُهُ في القُرْآنِ.
وقِيلَ: إنَّ القُرْآنَ جامِعٌ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ دالَّةٍ عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ النُّبُوَّةِ وبَيْنَ كَوْنِهِ حِكْمَةً مُشْتَمِلَةً عَلى فُنُونٍ مِنَ العُلُومِ والشَّرائِعِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أيْ: لَطِيفًا بِأوْلِيائِهِ خَبِيرًا بِجَمِيعِ خَلْقِهِ وجَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، فَهو يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ «أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والنّاسُ بِبابِهِ جُلُوسٌ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عُمَرُ فاسْتَأْذَنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أُذِنَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَدَخَلا والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ وحَوْلَهُ نِساؤُهُ وهو ساكِتٌ، فَقالَ عُمَرُ: لَأُكَلِّمَنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَعَلَّهُ يَضْحَكُ، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ امْرَأةَ عُمَرَ سَألَتِ النَّفَقَةَ آنِفًا فَوَجَأْتُ في عُنُقِها، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ وقالَ: هُنَّ حَوْلِي يَسْألْنَنِي النَّفَقَةَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ إلى عائِشَةَ لِيَضْرِبَها، وقامَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ، كِلاهُما يَقُولانِ: تَسْألانِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لَيْسَ عِنْدَهُ، فَنَهاهُما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْنَ نِساؤُهُ: واللَّهِ لا نَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ هَذا المَجْلِسِ ما لَيْسَ عِنْدَهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ الخِيارَ، فَنادى بِعائِشَةَ فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا ما أُحِبُّ أنْ تُعَجِّلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالَتْ: ما هو ؟ فَتَلا عَلَيْها ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: أفِيكَ أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، بَلْ أخْتارُ اللَّهَ رَسُولَهُ، وأسْألُكَ أنْ لا تَذْكُرَ لِنِسائِكَ ما اخْتَرْتُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَنْ يَبْعَثَنِي مُتَعَنِّتًا ولَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُبَشِّرًا، لا تَسْألُنِي امْرَأةٌ مِنهُنَّ عَمّا اخْتَرْتِ إلّا أخْبَرْتُها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «جاءَها حِينَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَ أزْواجَهُ قالَتْ: فَبَدَأ بِي فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إلى تَمامِ الآيَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفي أيِّ هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، وفَعَلَ أزْواجُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَ ما فَعَلَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ قالَ يَقُولُ: مَن يُطِعِ اللَّهَ مِنكُنَّ وتَعْمَلْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بِطاعَتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: يَقُولُ لا تُرَخِّصْنَ بِالقَوْلِ ولا تَخْضَعْنَ بِالكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: مُقارَنَةُ الرِّجالِ في القَوْلِ حَتّى يَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: نُبِّئْتُ أنَّهُ قِيلَ: لِسَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ما لَكِ لا تَحُجِّينَ ولا تَعْتَمِرِينَ كَما يَفْعَلُ أخَواتُكِ ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللَّهُ أنْ أقِرَّ في بَيْتِي، فَواللَّهِ لا أخْرُجُ مِن بَيْتِي حَتّى أمُوتَ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ بِجِنازَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كانَتْ عائِشَةُ إذا قَرَأتْ ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: كانَتِ الجاهِلِيَّةُ الأُولى فِيما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ وكانَتْ ألْفَ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَهُ فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ لِأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ هَلْ كانَتْ جاهِلِيَّةٌ غَيْرَ واحِدَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما سَمِعْتُ بِأُولى إلّا ولَها آخِرَةٌ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَأْتِنِي مِن كِتابِ اللَّهِ ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم﴾ [الحج: ٧٨] أوَّلَ مَرَّةٍ فَقالَ عُمَرُ: مَن أمَرَنا أنْ نُجاهِدَ ؟ قالَ: مَخْزُومٌ وعَبْدُ شَمْسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: تَكُونُ جاهِلِيَّةٌ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ: أنَّها تَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَتْ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كانَتْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ.
وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ الآثارِ الوارِدَةِ في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ قالَ: القُرْآنُ والسُّنَّةُ يَمْتَنُّ بِذَلِكَ عَلَيْهِنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ سَهْلٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ الآيَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١١٧٠)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي في بُيُوتِ أزْواجِهِ النَّوافِلَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ» .
الأحزاب 33:33
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَعْنى ما تَقَدَّمَها مِن المَنعِ مِن إيذاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وكانَ قَدْ تَأذّى بِبَعْضِ الزَّوْجاتِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَألْنَهُ شَيْئًا مِن عَرَضِ الدُّنْيا وطَلَبْنَ مِنهُ الزِّيادَةَ في النَّفَقَةِ وآذَيْنَهُ بِغَيْرَةِ بَعْضِهِنَّ عَلى بَعْضٍ، فَآلى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهُنَّ شَهْرًا، وأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ هَذِهِ، وكُنْ يَوْمئِذٍ تِسْعًا: عائِشَةَ وحَفْصَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ وأُمَّ حَبِيبَةَ وسَوْدَةَ هَؤُلاءِ مِن نِساءِ قُرَيْشٍ وصَفِيَّةَ الخَيْبَرِيَّةَ ومَيْمُونَةَ الهِلالِيَّةَ، وزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الأسَدِيَّةَ، وجُوَيْرِيَّةَ بِنْتَ الحارِثِ المُصْطَلَقِيَّةَ.
ومَعْنى ﴿الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ سَعَتُها ونَضارَتُها ورَفاهِيَتُها والتَّنَعُّمُ فِيها ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ أيْ: أقْبِلْنَ إلَيَّ ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ أيْ: أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ " و" كَذا أُسَرِّحْكُنَّ بِالجَزْمِ أيْ: أُطَلِّقْكُنَّ وبِالجَزْمِ في الفِعْلَيْنِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حُمَيْدٌ الخَرّازُ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمُرادُ بِالسَّراحِ الجَمِيلِ: هو الواقِعُ مِن غَيْرِ ضِرارٍ عَلى مُقْتَضى السُّنَّةِ.
وقِيلَ: إنَّ جَزْمَ الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّهُما جَوابُ الشَّرْطِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ.
﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ﴾ (p-١١٦٦)أيِ: الجَنَّةَ ونَعِيمَها ﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ﴾ أيِ: اللّائِي عَمِلْنَ عَمَلًا صالِحًا أجْرًا عَظِيمًا لا يُمْكِنُ وصْفُهُ، ولا يُقادَرُ قَدْرُهُ وذَلِكَ بِسَبَبِ إحْسانِهِنَّ، وبِمُقابَلَةِ صالِحِ عَمَلِهِنَّ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ تَخْيِيرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أزْواجَهُ عَلى قَوْلَيْنِ: القَوْلُ الأوَّلُ أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بِإذْنِ اللَّهِ في البَقاءِ عَلى الزَّوْجِيَّةِ أوِ الطَّلاقِ فاخْتَرْنَ البَقاءَ، وبِهَذا قالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ والزُّهْرِيُّ ورَبِيعَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّهُ إنَّما خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا فَيُفارِقُهُنَّ، وبَيْنَ الآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ ولَمْ يُخَيِّرْهُنَّ في الطَّلاقِ، وبِهَذا قالَ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والرّاجِحُ الأوَّلُ.
واخْتَلَفُوا أيْضًا في المُخَيَّرَةِ إذا اخْتارَتْ زَوْجَها هَلْ يُحْسَبُ مُجَرَّدُ ذَلِكَ التَّخْيِيرِ عَلى الزَّوْجِ طَلْقَةً أمْ لا ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ إلى أنَّهُ لا يَكُونُ مَعَ اخْتِيارِ المَرْأةِ لِزَوْجِها طَلاقًا لا واحِدَةً ولا أكْثَرَ.
وقالَ عَلِيٌّ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ واللَّيْثُ: وحَكاهُ الخَطّابِيُّ والنَّقّاشُ عَنْ مالِكٍ.
والرّاجِحُ الأوَّلُ لِحَدِيثِ عائِشَةَ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ «قالَتْ: خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فاخْتَرْناهُ فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا» ولا وجْهَ لِجَعْلِ مُجَرَّدِ التَّخْيِيرِ طَلاقًا، ودَعْوى أنَّهُ كِنايَةٌ مِن كِناياتِ الطَّلاقِ مَدْفُوعَةٌ بِأنَّ المُخَيَّرَ لَمْ يَرِدِ الفُرْقَةَ لِمُجَرَّدِ التَّخْيِيرِ، بَلْ أرادَ تَفْوِيضَ المَرْأةِ وجَعْلَ أمْرِها بِيَدِها، فَإنِ اخْتارَتِ البَقاءَ بَقِيَتْ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ، وإنِ اخْتارَتِ الفُرْقَةَ صارَتْ مُطَلَّقَةً.
واخْتَلَفُوا في اخْتِيارِها لِنَفْسِها هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً أوْ بائِنَةً.
فَقالَ بِالأوَّلِ عُمَرُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وقالَ بِالثّانِي عَلِيٌّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ.
والرّاجِحُ الأوَّلُ، لِأنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ أنْ يُطَلِّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نِساءَهُ عَلى خِلافِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وقَدْ أمَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّها إذا اخْتارَتْ نَفْسَها فَثَلاثُ طَلْقاتٍ، ولَيْسَ لِهَذا القَوْلِ وجْهٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّها إذا اخْتارَتْ نَفْسَها فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وإذا اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
ثُمَّ لَمّا اخْتارَ نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَسُولَ اللَّهِ أنْزَلَ فِيهِنَّ هَذِهِ الآياتِ تَكْرِمَةً لَهُنَّ وتَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ، فَقالَ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أيْ: ظاهِرَةِ القُبْحِ واضِحَةِ الفُحْشِ، وقَدْ عَصَمَهُنَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وبَرَّأهُنَّ وطَهَّرَهُنَّ ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: يُعَذِّبْهُنَّ مِثْلَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ إذا أتَيْنَ بِمِثْلِ تِلْكَ الفاحِشَةِ، وذَلِكَ لِشَرَفِهِنَّ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِنَّ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِنَّ.
وقَدْ ثَبَتَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ تَضاعُفَ الشَّرَفِ وارْتِفاعَ الدَّرَجاتِ يُوجِبُ لِصاحِبِهِ إذا عَصى تَضاعُفَ العُقُوباتِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " يُضَعَّفْ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفَرَّقَ هو وأبُو عُبَيْدٍ بَيْنَ يُضاعَفْ فَقالا: يَكُونُ يُضاعَفْ ويُضَعَّفْ، فَقالا: يَكُونُ يُضاعَفْ ثَلاثَةَ عَذاباتٍ ويُضَعَّفْ عَذابَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ التَّفْرِقَةُ الَّتِي جاءَ بِها لا يَعْرِفُها أحَدٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، والمَعْنى في يُضاعَفْ ويُضَعَّفْ واحِدٌ أيْ: يُجْعَلُ ضِعْفَيْنِ وهَكَذا ضَعَّفَ ما قالاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يَتَعاظَمُهُ ولا يَصْعُبُ عَلَيْهِ.
﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَقْنُتْ بِالتَّحْتِيَّةِ، وكَذا قَرَءُوا: ﴿يَأْتِ مِنكُنَّ﴾ حَمْلًا عَلى لَفْظِ مِن في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالفَوْقِيَّةِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، ومَعْنى " مَن يَقْنُتْ " مَن يُطِعْ، وكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في مُبَيِّنَةٍ، فَمِنهم مَن قَرَأها بِالكَسْرِ ومِنهم مَن قَرَأها بِفَتْحِ الياءِ كَما تَقَدَّمَ في النِّساءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ " نَضْعُفْ " بِالنُّونِ ونَصْبِ " العَذابَ " وقُرِئَ " نُضاعِفْ " بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، وكَذا قَرَأ " يَعْمَلْ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ " تَعْمَلْ " بِالفَوْقِيَّةِ، و" نُؤْتِ " بِالنُّونِ، ومَعْنى إتْيانِهِنَّ الأجْرَ مَرَّتَيْنِ أنَّهُ يَكُونُ لَهُنَّ مِنَ الأجْرِ عَلى الطّاعَةِ مِثْلا ما يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُنَّ مِنَ النِّساءِ إذا فَعَلْنَ تِلْكَ الطّاعَةِ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أنَّهُ يَكُونُ العَذابُ مَرَّتَيْنِ لا ثَلاثًا، لِأنَّ المُرادَ إظْهارُ شَرَفِهِنَّ ومَزِيَّتِهِنَّ في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ بِكَوْنِ حَسَنَتِهِنَّ كَحَسَنَتَيْنِ، وسَيِّئَتِهِنَّ كَسَيِّئَتَيْنِ، ولَوْ كانَتْ سَيِّئَتُهُنَّ كَثَلاثِ سَيِّئاتٍ لَمْ يُناسِبْ ذَلِكَ كَوْنُ حَسَنَتِهِنَّ كَحَسَنَتَيْنِ، فَإنَّ اللَّهَ أعْدَلُ مِن أنْ يُضاعِفَ العُقُوبَةَ عَلَيْهِنَّ مُضاعَفَةً تَزِيدُ عَلى مُضاعَفَةِ أجْرِهِنَّ ﴿وأعْتَدْنا لَها﴾ زِيادَةً عَلى الأجْرِ مَرَّتَيْنِ ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: الرِّزْقُ الكَرِيمُ هو نَعِيمُ الجَنَّةِ، حَكى ذَلِكَ عَنْهُمُ النَّحّاسُ.
ثُمَّ أظْهَرَ - سُبْحانَهُ - فَضِيلَتَهُنَّ عَلى سائِرِ النِّساءِ تَصْرِيحًا.
فَقالَ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَقُلْ كَواحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ، لِأنَّ أحَدًا نَفْيٌ عامٌّ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والواحِدِ والجَماعَةِ.
وقَدْ يُقالُ: عَلى ما لَيْسَ بِآدَمِيٍّ كَما يُقالُ: لَيْسَ فِيها أحَدٌ لا شاةٌ ولا بَعِيرٌ.
والمَعْنى: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ.
ثُمَّ قَيَّدَ هَذا الشَّرَفَ العَظِيمَ بِقَيْدٍ فَقالَ: ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ لَهُنَّ إنَّما تَكُونُ بِمُلازَمَتِهِنَّ لِلتَّقْوى، لا لِمُجَرَّدِ اتِّصالِهِنَّ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ وقَعَتْ مِنهُنَّ ولِلَّهِ الحَمْدُ التَّقْوى البَيِّنَةُ، والإيمانُ الخالِصُ، والمَشْيُ عَلى طَرِيقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في حَياتِهِ وبَعْدَ مَماتِهِ.
وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ.
وقِيلَ: إنَّ جَوابَهُ ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ والأوَّلُ أوْلى.
ومَعْنى ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ لا تُلِنَّ القَوْلَ عِنْدَ مُخاطَبَةِ النّاسِ كَما تَفْعَلُهُ المُرِيباتُ مِنَ النِّساءِ، فَإنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ: فُجُورٌ وشَكٌّ ونِفاقٌ، وانْتِصابُ يَطْمَعَ لِكَوْنِهِ جَوابَ النَّهْيِ. كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ.
وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ الأعْرَجَ قَرَأ " فَيَطْمِعَ " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ.
قالَ النَّحّاسُ: أحْسَبُ هَذا غَلَطًا، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي السَّمْألِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم قَرَءُوا (p-١١٦٧)بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ فِعْلِ النَّهْيِ ﴿وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ عِنْدَ النّاسِ بَعِيدًا مِنَ الرِّيبَةِ عَلى سَنَنِ الشَّرْعِ، لا يُنْكِرُ مِنهُ سامِعُهُ شَيْئًا، ولا يَطْمَعُ فِيهِنَّ أهْلُ الفِسْقِ والفُجُورِ بِسَبَبِهِ.
﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " وقِرْنَ " بِكَسْرِ القافِ مِن وقَرَ يَقِرُ وقارًا أيْ: سَكَنَ، والأمْرُ مِنهُ قِرْ بِكَسْرِ القافِ، ولِلنِّساءِ قِرْنَ مِثْلُ عِدْنَ وزِنَّ.
وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِنَ القَرارِ، لا مِنَ الوَقارِ، تَقُولُ قَرَرْتُ بِالمَكانِ بِفَتْحِ الرّاءِ، والأصْلُ اقْرِرْنَ بِكَسْرِ الرّاءِ، فَحُذِفَتِ الرّاءُ الأُولى تَخْفِيفًا كَما قالُوا في ظَلِلْتُ ظَلْتُ، ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى القافِ، واسْتُغْنِيَ عَنْ ألِفِ الوَصْلِ بِتَحْرِيكِ القافِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أُبْدِلَتِ الرّاءُ الأُولى ياءً كَراهَةَ التَّضْعِيفِ كَما أُبْدِلَتْ في قِيراطٍ ودِينارٍ، وصارَ لِلْياءِ حَرَكَةُ الحَرْفِ الَّذِي أُبْدِلَتْ مِنهُ، والتَّقْدِيرُ اقِيرْنَ، ثُمَّ تُلْقى حَرَكَةُ الياءِ عَلى القافِ كَراهَةَ تَحْرِيكِ الياءِ بِالكَسْرِ فَتَسْقُطُ الياءُ لِاجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ، وتَسْقُطُ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِتَحْرِيكِ ما بَعْدَها فَيَصِيرُ قَرْنَ.
وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ القافِ وأصْلُهُ قَرِرْتُ بِالمَكانِ: إذا أقَمْتَ فِيهِ بِكَسْرِ الرّاءِ، أقَرُّ بِفَتْحِ القافِ كَحَمِدَ يَحْمَدُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدٍ عَنِ الكِسائِيِّ، وذَكَرَها الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هو كَما تَقُولُ هَلْ حَسْتَ صاحِبَكَ أيْ: هَلْ أحْسَسْتَهُ ؟ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: كانَ أشْياخُنا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ يُنْكِرُونَ القِراءَةَ بِالفَتْحِ لِلْقافِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَرِرْتُ بِالمَكانِ أقَرُّ لا يُجَوِّزُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ.
والصَّحِيحُ قَرَرْتُ أقِرُّ بِالكَسْرِ، ومَعْناهُ: الأمْرُ لَهُنَّ بِالتَّوَقُّرِ والسُّكُونِ في بُيُوتِهِنَّ وأنْ لا يَخْرُجْنَ، وهَذا يُخالِفُ ما ذَكَرْناهُ هُنا عَنْهُ عَنِ الكِسائِيِّ وهو مِن أجَلِّ مَشايِخِهِ.
وقَدْ وافَقَهُ عَلى الإنْكارِ لِهَذِهِ القِراءَةِ أبُو حاتِمٍ فَقالَ: إنَّ قَرْنَ بِفَتْحِ القافِ لا مَذْهَبَ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ خُولِفَ أبُو حاتِمٍ في قَوْلِهِ إنَّهُ لا مَذْهَبَ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ بَلْ فِيهِ مَذْهَبانِ: أحَدُهُما حَكاهُ الكِسائِيُّ، والآخَرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ فَأمّا المَذْهَبُ الَّذِي حَكاهُ الكِسائِيُّ فَهو ما قَدَّمْناهُ مِن رِوايَةِ أبِي عُبَيْدٍ عَنْهُ، وأمّا المَذْهَبُ الَّذِي حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ فَقالَ: إنَّهُ مِن قَرَرْتُ بِهِ عَيْنًا أقَرُّ. والمَعْنى: واقْرَرْنَ بِهِ عَيْنًا في بُيُوتِكُنَّ. قالَ النَّحّاسُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ.
وأقُولُ: لَيْسَ بِحَسَنٍ ولا هو مَعْنى الآيَةِ، فَإنَّ المُرادَ بِها أمْرُهُنَّ بِالسُّكُونِ والِاسْتِقْرارِ في بُيُوتِهِنَّ، ولَيْسَ مِن قُرَّةِ العَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " واقْرِرْنَ " بِألِفِ وصْلٍ وراءَيْنَ، الأُولى مَكْسُورَةٌ عَلى الأصْلِ ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ التَّبَرُّجُ: أنْ تُبْدِيَ المَرْأةُ مِن زِينَتِها ومَحاسِنِها ما يَجِبُ عَلَيْها سَتْرُهُ مِمّا تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةَ الرَّجُلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى التَّبَرُّجِ في سُورَةِ النُّورِ.
قالَ المُبَرِّدُ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ السَّعَةِ، يُقالُ: في أسْنانِهِ بَرَجٌ: إذا كانَتْ مُتَفَرِّقَةً. وقِيلَ: التَّبَرُّجُ هو التَّبَخْتُرُ في المَشْيِ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالجاهِلِيَّةِ الأُولى، فَقِيلَ: ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وقِيلَ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وقِيلَ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى، وقِيلَ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ.
وقالَ المُبَرِّدُ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كَما تَقُولُ الجاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ.
قالَ: وكانَ نِساءُ الجاهِلِيَّةِ تُظْهِرُ ما يَقْبُحُ إظْهارُهُ، حَتّى كانَتِ المَرْأةُ تَجْلِسُ مَعَ زَوْجِها وخَلِيلِها، فَيَنْفَرِدُ خَلِيلُها بِما فَوْقَ الإزارِ إلى أعْلى، ويَنْفَرِدُ زَوْجُها بِما دُونَ الإزارِ إلى أسْفَلَ، ورُبَّما سَألَ أحَدُهُما صاحِبَهُ البَدَلَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ أشارَ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي لَحِقْنَها فَأُمِرْنَ بِالنُّقْلَةِ عَنْ سِيرَتِهِنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن سِيرَةِ الكَفَرَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا لا غَيْرَةَ عِنْدَهم، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةً أُخْرى كَذا قالَ، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.
ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالجاهِلِيَّةِ الأُخْرى ما يَقَعُ في الإسْلامِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِأهْلِ الجاهِلِيَّةِ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولا تَبَرَّجْنَ أيُّها المُسْلِماتُ بَعْدَ إسْلامِكُنَّ تَبَرُّجًا مِثْلَ تَبَرُّجِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي كُنْتُنَّ عَلَيْها، وكانَ عَلَيْها مَن قَبْلَكُنَّ أيْ: لا تُحْدِثْنَ بِأفْعالِكُنَّ وأقْوالِكُنَّ جاهِلِيَّةً تُشابِهُ الجاهِلِيَّةَ الَّتِي كانَتْ مِن قَبْلُ ﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ خَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لِأنَّهُما أصْلُ الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ.
ثُمَّ عَمَّمَ فَأمَرَهُنَّ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ في كُلِّ ما هو شَرْعٌ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ أيْ: إنَّما أوْصاكُنَّ اللَّهُ بِما أوْصاكُنَّ مِنَ التَّقْوى، وأنْ لا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ، ومِن قَوْلِ المَعْرُوفِ، والسُّكُونِ في البُيُوتِ وعَدَمِ التَّبَرُّجِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، والطّاعَةِ؛ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ، والمُرادُ بِالرِّجْسِ الإثْمُ والذَّنْبُ المُدَنِّسانِ لِلْأعْراضِ الحاصِلانِ بِسَبَبِ تَرْكِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وفِعْلِ ما نَهى عَنْهُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ ما لَيْسَ فِيهِ لِلَّهِ رِضًا، وانْتِصابُ أهْلَ البَيْتِ عَلى المَدْحِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، قالَ: وإنْ شِئْتَ عَلى البَدَلِ. قالَ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ والخَفْضُ.
قالَ النَّحّاسُ: إنْ خُفِضَ فَعَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ، واعْتَرَضَهُ المُبَرِّدُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ البَدَلُ مِنَ المُخاطَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصَبَهُ عَلى النِّداءِ ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ أيْ: يُطَهِّرَكم مِنَ الأرْجاسِ والأدْرانِ تَطْهِيرًا كامِلًا.
وفِي اسْتِعارَةِ الرِّجْسِ لِلْمَعْصِيَةِ والتَّرْشِيحِ لَها بِالتَّطْهِيرِ تَنْفِيرٌ عَنْها بَلِيغٌ، وزَجْرٌ لِفاعِلِها شَدِيدٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في أهْلِ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ أهْلَ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ هُنَّ زَوْجاتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً.
قالُوا: والمُرادُ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَساكِنُ زَوْجاتِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ .
وأيْضًا السِّياقُ في الزَّوْجاتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ .
وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ورُوِيَ عَنْ الكَلْبِيِّ أنَّ أهْلَ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ هم: عَلِيٌّ، وفاطِمَةُ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ خاصَّةً، ومِن حُجَجِهِمُ الخِطابُ في الآيَةِ بِما يَصْلُحُ لِلذُّكُورِ لا لِلْإناثِ، وهو قَوْلُهُ: عَنْكم ولِيُطَهِّرَكم، ولَوْ كانَ لِلنِّساءِ خاصَّةً لَقالَ عَنْكُنَّ ويُطَهِّرُكُنَّ.
وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا أنَّ التَّذْكِيرَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الأهْلِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: (p-١١٦٨)﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] وكَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: كَيْفَ أهْلُكَ ؟ يُرِيدُ زَوْجَتَهُ أوْ زَوْجاتِهِ، فَيَقُولُ: هم بِخَيْرٍ.
ولْنَذْكُرْ هاهُنا ما تَمَسَّكَ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ: أمّا الأوَّلُونَ فَتَمَسَّكُوا بِالسِّياقِ، فَإنَّهُ في الزَّوْجاتِ كَما ذَكَرْنا، وبِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في نِساءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن شاءَ باهَلْتُهُ أنَّها نَزَلَتْ في أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَهُ.
وأمّا ما تَمَسَّكَ بِهِ الآخَرُونَ، فَأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ " «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: في بَيْتِي نَزَلَتْ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وفي البَيْتِ فاطِمَةُ وعَلِيٌّ، والحَسَنُ والحُسَيْنُ، فَجَلَّلَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِساءٍ كانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ " «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ في بَيْتِها عَلى مَنامِهِ لَهُ عَلَيْهِ كِساءٌ خَيْبَرِيٌّ، فَجاءَتْ فاطِمَةُ بِبُرْمَةٍ فِيها خَزِيرَةٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ادْعِي زَوْجَكِ وابْنَيْكِ حَسَنًا وحُسَيْنًا فَدَعَتْهم، فَبَيْنَما هم يَأْكُلُونَ إذْ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِفَضْلَةِ كِسائِهِ فَغَشّاهم إيّاها، ثُمَّ أخْرَجَ يَدَهُ مِنَ الكِساءِ وألْوى بِها إلى السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي وخاصَّتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسِ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، قالَها ثَلاثَ مَرّاتٍ.
قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَأدْخَلْتُ رَأْسِي في السِّتْرِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا مَعَكم ؟ فَقالَ: إنَّكِ إلى خَيْرٍ مَرَّتَيْنِ» وأخْرَجَهُ أيْضًا أحْمَدُ مِن حَدِيثِها، قالَ:، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، حَدَّثَنِي مَن سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ تَذْكُرُ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ.
وفِي إسْنادِهِ مَجْهُولٌ وهو شَيْخُ عَطاءٍ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ.
وقَدْ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْها مِن طَرِيقَيْنِ بِنَحْوِهِ.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ طُرُقًا كَثِيرَةً في مُسْنَدِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَداةً وعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجَّلٌ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ، فَجاءَهُ الحَسَنُ، والحُسَيْنُ فَأدْخَلَهُما مَعَهُ، ثُمَّ جاءَتْ فاطِمَةُ فَأدْخَلَها مَعَهُ، ثُمَّ جاءَ عَلِيٌّ فَأدْخَلَهُ مَعَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى فاطِمَةَ ومَعَهُ عَلِيٌّ، وحَسَنٌ وحُسَيْنٌ حَتّى دَخَلَ، فَأدْنى عَلِيًّا وفاطِمَةَ وأجْلَسَهُما بَيْنَ يَدَيْهِ، وأجْلَسَ حَسَنًا وحُسَيْنًا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَلى فَخِذِهِ، ثُمَّ لَفَّ عَلَيْهِمْ ثَوْبَهُ وأنا مُسْتَدْبِرُهم ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وقالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا مِن أهْلِكَ ؟ قالَ: وأنْتَ مِن أهْلِي» .
قالَ واثِلَةُ: إنَّهُ لَأرْجا ما أرْجُوهُ. ولَهُ طُرُقٌ في مُسْنَدِ أحْمَدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَمُرُّ بِبابِ فاطِمَةَ إذا خَرَجَ إلى صَلاةِ الفَجْرِ يَقُولُ: الصَّلاةَ يا أهْلَ البَيْتِ الصَّلاةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي» فَقِيلَ: لِزَيْدٍ: ومَن أهْلُ بَيْتِهِ ؟ ألَيْسَ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ ؟ قالَ: نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، ولَكِنْ أهْلُ بَيْتِهِ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ: آلُ عَلِيٍّ وآلُ عَقِيلٍ: وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ العَبّاسِ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ قَسَّمَ الخَلْقَ قِسْمَيْنِ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِما قِسْمًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٧] ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] فَأنا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنا خَيْرُ أصْحابِ اليَمِينِ. ثُمَّ جَعَلَ القِسْمَيْنِ أثْلاثًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها ثَلاثًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] فَأنا مِنَ السّابِقِينَ، وأنا خَيْرُ السّابِقِينَ. ثُمَّ جَعَلَ الأثْلاثَ قَبائِلَ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها قَبِيلَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] وأنا أتْقى ولَدِ آدَمَ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ ولا فَخْرَ. ثُمَّ جَعَلَ القَبائِلَ بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها بَيْتًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأنا، وأهْلُ بَيْتِي مُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الحَمْراءِ قالَ: «رابَطْتُ المَدِينَةَ سَبْعَةَ أشْهُرٍ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا طَلَعَ الفَجْرُ جاءَ إلى بابِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ فَقالَ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وفِي إسْنادِهِ أبُو داوُدَ الأعْمى، وهو وضّاعٌ كَذّابٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ، وقَدْ ذَكَرْنا هاهُنا ما يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ دُونَ ما يَصْلُحُ.
وقَدْ تَوَسَّطَتْ طائِفَةٌ ثالِثَةٌ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ، فَجَعَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ (p-١١٦٩)شامِلَةً لِلزَّوْجاتِ ولِعَلِيٍّ وفاطِمَةَ، والحَسَنِ والحُسَيْنِ، أمّا الزَّوْجاتُ فَلِكَوْنِهِنَّ المُرادّاتِ في سِياقِ هَذِهِ الآياتِ كَما قَدَّمْنا، ولِكَوْنِهِنَّ السّاكِناتِ في بُيُوتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّازِلاتِ في مَنازِلِهِ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.
وأمّا دُخُولُ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ، والحَسَنِ والحُسَيْنِ فَلِكَوْنِهِمْ قَرابَتَهُ وأهْلَ بَيْتِهِ في النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأحادِيثِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّهم سَبَبُ النُّزُولِ، فَمَن جَعَلَ الآيَةَ خاصَّةً بِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ فَقَدْ أعْمَلَ بَعْضَ ما يَجِبُ إعْمالُهُ وأهْمَلَ ما لا يَجُوزُ إهْمالُهُ.
وقَدْ رَجَّحَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ القُرْطُبِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُما.
وقالَ جَماعَةٌ: هم بَنُو هاشِمٍ، واسْتَدَلُّوا بِما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ المُتَقَدِّمِ حَيْثُ قالَ: ولَكِنْ آلُهُ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ: آلُ عَلِيٍّ، وآلُ عَقِيلٍ:، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ العَبّاسِ، فَهَؤُلاءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ المُرادَ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّسَبِ.
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ أيْ: اذْكُرْنَ مَوْضِعَ النِّعْمَةِ إذْ صَيَّرَكُنَّ اللَّهُ في بُيُوتٍ يُتْلى فِيها آياتُ اللَّهِ والحِكْمَةُ اذْكُرْنَها وتَفَكَّرْنَ فِيها لِتَتَّعِظْنَ بِمَواعِظِ اللَّهِ، أوِ اذْكُرْنَها لِلنّاسِ لِيَتَّعِظُوا بِها ويَهْتَدُوا بِهُداها، أوِ اذْكُرْنَها بِالتِّلاوَةِ لَها لِتَحْفَظْنَها ولا تَتْرُكْنَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ التِّلاوَةِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ وآياتُ اللَّهِ هي القُرْآنُ، والحِكْمَةُ السُّنَّةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ المُرادُ بِالآياتِ والحِكْمَةِ أمْرُهُ ونَهْيُهُ في القُرْآنِ.
وقِيلَ: إنَّ القُرْآنَ جامِعٌ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ دالَّةٍ عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ النُّبُوَّةِ وبَيْنَ كَوْنِهِ حِكْمَةً مُشْتَمِلَةً عَلى فُنُونٍ مِنَ العُلُومِ والشَّرائِعِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أيْ: لَطِيفًا بِأوْلِيائِهِ خَبِيرًا بِجَمِيعِ خَلْقِهِ وجَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، فَهو يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ «أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والنّاسُ بِبابِهِ جُلُوسٌ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عُمَرُ فاسْتَأْذَنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أُذِنَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَدَخَلا والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ وحَوْلَهُ نِساؤُهُ وهو ساكِتٌ، فَقالَ عُمَرُ: لَأُكَلِّمَنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَعَلَّهُ يَضْحَكُ، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ امْرَأةَ عُمَرَ سَألَتِ النَّفَقَةَ آنِفًا فَوَجَأْتُ في عُنُقِها، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ وقالَ: هُنَّ حَوْلِي يَسْألْنَنِي النَّفَقَةَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ إلى عائِشَةَ لِيَضْرِبَها، وقامَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ، كِلاهُما يَقُولانِ: تَسْألانِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لَيْسَ عِنْدَهُ، فَنَهاهُما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْنَ نِساؤُهُ: واللَّهِ لا نَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ هَذا المَجْلِسِ ما لَيْسَ عِنْدَهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ الخِيارَ، فَنادى بِعائِشَةَ فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا ما أُحِبُّ أنْ تُعَجِّلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالَتْ: ما هو ؟ فَتَلا عَلَيْها ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: أفِيكَ أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، بَلْ أخْتارُ اللَّهَ رَسُولَهُ، وأسْألُكَ أنْ لا تَذْكُرَ لِنِسائِكَ ما اخْتَرْتُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَنْ يَبْعَثَنِي مُتَعَنِّتًا ولَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُبَشِّرًا، لا تَسْألُنِي امْرَأةٌ مِنهُنَّ عَمّا اخْتَرْتِ إلّا أخْبَرْتُها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «جاءَها حِينَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَ أزْواجَهُ قالَتْ: فَبَدَأ بِي فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إلى تَمامِ الآيَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفي أيِّ هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، وفَعَلَ أزْواجُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَ ما فَعَلَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ قالَ يَقُولُ: مَن يُطِعِ اللَّهَ مِنكُنَّ وتَعْمَلْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بِطاعَتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: يَقُولُ لا تُرَخِّصْنَ بِالقَوْلِ ولا تَخْضَعْنَ بِالكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: مُقارَنَةُ الرِّجالِ في القَوْلِ حَتّى يَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: نُبِّئْتُ أنَّهُ قِيلَ: لِسَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ما لَكِ لا تَحُجِّينَ ولا تَعْتَمِرِينَ كَما يَفْعَلُ أخَواتُكِ ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللَّهُ أنْ أقِرَّ في بَيْتِي، فَواللَّهِ لا أخْرُجُ مِن بَيْتِي حَتّى أمُوتَ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ بِجِنازَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كانَتْ عائِشَةُ إذا قَرَأتْ ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: كانَتِ الجاهِلِيَّةُ الأُولى فِيما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ وكانَتْ ألْفَ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَهُ فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ لِأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ هَلْ كانَتْ جاهِلِيَّةٌ غَيْرَ واحِدَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما سَمِعْتُ بِأُولى إلّا ولَها آخِرَةٌ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَأْتِنِي مِن كِتابِ اللَّهِ ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم﴾ [الحج: ٧٨] أوَّلَ مَرَّةٍ فَقالَ عُمَرُ: مَن أمَرَنا أنْ نُجاهِدَ ؟ قالَ: مَخْزُومٌ وعَبْدُ شَمْسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: تَكُونُ جاهِلِيَّةٌ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ: أنَّها تَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَتْ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كانَتْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ.
وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ الآثارِ الوارِدَةِ في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ قالَ: القُرْآنُ والسُّنَّةُ يَمْتَنُّ بِذَلِكَ عَلَيْهِنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ سَهْلٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ الآيَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١١٧٠)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي في بُيُوتِ أزْواجِهِ النَّوافِلَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ» .
الأحزاب 33:34
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَعْنى ما تَقَدَّمَها مِن المَنعِ مِن إيذاءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وكانَ قَدْ تَأذّى بِبَعْضِ الزَّوْجاتِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَألْنَهُ شَيْئًا مِن عَرَضِ الدُّنْيا وطَلَبْنَ مِنهُ الزِّيادَةَ في النَّفَقَةِ وآذَيْنَهُ بِغَيْرَةِ بَعْضِهِنَّ عَلى بَعْضٍ، فَآلى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهُنَّ شَهْرًا، وأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ هَذِهِ، وكُنْ يَوْمئِذٍ تِسْعًا: عائِشَةَ وحَفْصَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ وأُمَّ حَبِيبَةَ وسَوْدَةَ هَؤُلاءِ مِن نِساءِ قُرَيْشٍ وصَفِيَّةَ الخَيْبَرِيَّةَ ومَيْمُونَةَ الهِلالِيَّةَ، وزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الأسَدِيَّةَ، وجُوَيْرِيَّةَ بِنْتَ الحارِثِ المُصْطَلَقِيَّةَ.
ومَعْنى ﴿الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ سَعَتُها ونَضارَتُها ورَفاهِيَتُها والتَّنَعُّمُ فِيها ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ أيْ: أقْبِلْنَ إلَيَّ ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ أيْ: أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ " و" كَذا أُسَرِّحْكُنَّ بِالجَزْمِ أيْ: أُطَلِّقْكُنَّ وبِالجَزْمِ في الفِعْلَيْنِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حُمَيْدٌ الخَرّازُ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمُرادُ بِالسَّراحِ الجَمِيلِ: هو الواقِعُ مِن غَيْرِ ضِرارٍ عَلى مُقْتَضى السُّنَّةِ.
وقِيلَ: إنَّ جَزْمَ الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّهُما جَوابُ الشَّرْطِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ.
﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ﴾ (p-١١٦٦)أيِ: الجَنَّةَ ونَعِيمَها ﴿فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ﴾ أيِ: اللّائِي عَمِلْنَ عَمَلًا صالِحًا أجْرًا عَظِيمًا لا يُمْكِنُ وصْفُهُ، ولا يُقادَرُ قَدْرُهُ وذَلِكَ بِسَبَبِ إحْسانِهِنَّ، وبِمُقابَلَةِ صالِحِ عَمَلِهِنَّ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ تَخْيِيرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أزْواجَهُ عَلى قَوْلَيْنِ: القَوْلُ الأوَّلُ أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بِإذْنِ اللَّهِ في البَقاءِ عَلى الزَّوْجِيَّةِ أوِ الطَّلاقِ فاخْتَرْنَ البَقاءَ، وبِهَذا قالَتْ عائِشَةُ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ والزُّهْرِيُّ ورَبِيعَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّهُ إنَّما خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا فَيُفارِقُهُنَّ، وبَيْنَ الآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ ولَمْ يُخَيِّرْهُنَّ في الطَّلاقِ، وبِهَذا قالَ عَلِيٌّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والرّاجِحُ الأوَّلُ.
واخْتَلَفُوا أيْضًا في المُخَيَّرَةِ إذا اخْتارَتْ زَوْجَها هَلْ يُحْسَبُ مُجَرَّدُ ذَلِكَ التَّخْيِيرِ عَلى الزَّوْجِ طَلْقَةً أمْ لا ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ إلى أنَّهُ لا يَكُونُ مَعَ اخْتِيارِ المَرْأةِ لِزَوْجِها طَلاقًا لا واحِدَةً ولا أكْثَرَ.
وقالَ عَلِيٌّ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ واللَّيْثُ: وحَكاهُ الخَطّابِيُّ والنَّقّاشُ عَنْ مالِكٍ.
والرّاجِحُ الأوَّلُ لِحَدِيثِ عائِشَةَ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ «قالَتْ: خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فاخْتَرْناهُ فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا» ولا وجْهَ لِجَعْلِ مُجَرَّدِ التَّخْيِيرِ طَلاقًا، ودَعْوى أنَّهُ كِنايَةٌ مِن كِناياتِ الطَّلاقِ مَدْفُوعَةٌ بِأنَّ المُخَيَّرَ لَمْ يَرِدِ الفُرْقَةَ لِمُجَرَّدِ التَّخْيِيرِ، بَلْ أرادَ تَفْوِيضَ المَرْأةِ وجَعْلَ أمْرِها بِيَدِها، فَإنِ اخْتارَتِ البَقاءَ بَقِيَتْ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ، وإنِ اخْتارَتِ الفُرْقَةَ صارَتْ مُطَلَّقَةً.
واخْتَلَفُوا في اخْتِيارِها لِنَفْسِها هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً أوْ بائِنَةً.
فَقالَ بِالأوَّلِ عُمَرُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وقالَ بِالثّانِي عَلِيٌّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ.
والرّاجِحُ الأوَّلُ، لِأنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ أنْ يُطَلِّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نِساءَهُ عَلى خِلافِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وقَدْ أمَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّها إذا اخْتارَتْ نَفْسَها فَثَلاثُ طَلْقاتٍ، ولَيْسَ لِهَذا القَوْلِ وجْهٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّها إذا اخْتارَتْ نَفْسَها فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وإذا اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
ثُمَّ لَمّا اخْتارَ نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَسُولَ اللَّهِ أنْزَلَ فِيهِنَّ هَذِهِ الآياتِ تَكْرِمَةً لَهُنَّ وتَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ، فَقالَ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أيْ: ظاهِرَةِ القُبْحِ واضِحَةِ الفُحْشِ، وقَدْ عَصَمَهُنَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وبَرَّأهُنَّ وطَهَّرَهُنَّ ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: يُعَذِّبْهُنَّ مِثْلَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ إذا أتَيْنَ بِمِثْلِ تِلْكَ الفاحِشَةِ، وذَلِكَ لِشَرَفِهِنَّ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِنَّ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِنَّ.
وقَدْ ثَبَتَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ تَضاعُفَ الشَّرَفِ وارْتِفاعَ الدَّرَجاتِ يُوجِبُ لِصاحِبِهِ إذا عَصى تَضاعُفَ العُقُوباتِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " يُضَعَّفْ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفَرَّقَ هو وأبُو عُبَيْدٍ بَيْنَ يُضاعَفْ فَقالا: يَكُونُ يُضاعَفْ ويُضَعَّفْ، فَقالا: يَكُونُ يُضاعَفْ ثَلاثَةَ عَذاباتٍ ويُضَعَّفْ عَذابَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ التَّفْرِقَةُ الَّتِي جاءَ بِها لا يَعْرِفُها أحَدٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، والمَعْنى في يُضاعَفْ ويُضَعَّفْ واحِدٌ أيْ: يُجْعَلُ ضِعْفَيْنِ وهَكَذا ضَعَّفَ ما قالاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يَتَعاظَمُهُ ولا يَصْعُبُ عَلَيْهِ.
﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَقْنُتْ بِالتَّحْتِيَّةِ، وكَذا قَرَءُوا: ﴿يَأْتِ مِنكُنَّ﴾ حَمْلًا عَلى لَفْظِ مِن في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالفَوْقِيَّةِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، ومَعْنى " مَن يَقْنُتْ " مَن يُطِعْ، وكَذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ في مُبَيِّنَةٍ، فَمِنهم مَن قَرَأها بِالكَسْرِ ومِنهم مَن قَرَأها بِفَتْحِ الياءِ كَما تَقَدَّمَ في النِّساءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ " نَضْعُفْ " بِالنُّونِ ونَصْبِ " العَذابَ " وقُرِئَ " نُضاعِفْ " بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، وكَذا قَرَأ " يَعْمَلْ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ " تَعْمَلْ " بِالفَوْقِيَّةِ، و" نُؤْتِ " بِالنُّونِ، ومَعْنى إتْيانِهِنَّ الأجْرَ مَرَّتَيْنِ أنَّهُ يَكُونُ لَهُنَّ مِنَ الأجْرِ عَلى الطّاعَةِ مِثْلا ما يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُنَّ مِنَ النِّساءِ إذا فَعَلْنَ تِلْكَ الطّاعَةِ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أنَّهُ يَكُونُ العَذابُ مَرَّتَيْنِ لا ثَلاثًا، لِأنَّ المُرادَ إظْهارُ شَرَفِهِنَّ ومَزِيَّتِهِنَّ في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ بِكَوْنِ حَسَنَتِهِنَّ كَحَسَنَتَيْنِ، وسَيِّئَتِهِنَّ كَسَيِّئَتَيْنِ، ولَوْ كانَتْ سَيِّئَتُهُنَّ كَثَلاثِ سَيِّئاتٍ لَمْ يُناسِبْ ذَلِكَ كَوْنُ حَسَنَتِهِنَّ كَحَسَنَتَيْنِ، فَإنَّ اللَّهَ أعْدَلُ مِن أنْ يُضاعِفَ العُقُوبَةَ عَلَيْهِنَّ مُضاعَفَةً تَزِيدُ عَلى مُضاعَفَةِ أجْرِهِنَّ ﴿وأعْتَدْنا لَها﴾ زِيادَةً عَلى الأجْرِ مَرَّتَيْنِ ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: الرِّزْقُ الكَرِيمُ هو نَعِيمُ الجَنَّةِ، حَكى ذَلِكَ عَنْهُمُ النَّحّاسُ.
ثُمَّ أظْهَرَ - سُبْحانَهُ - فَضِيلَتَهُنَّ عَلى سائِرِ النِّساءِ تَصْرِيحًا.
فَقالَ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَقُلْ كَواحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ، لِأنَّ أحَدًا نَفْيٌ عامٌّ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والواحِدِ والجَماعَةِ.
وقَدْ يُقالُ: عَلى ما لَيْسَ بِآدَمِيٍّ كَما يُقالُ: لَيْسَ فِيها أحَدٌ لا شاةٌ ولا بَعِيرٌ.
والمَعْنى: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ.
ثُمَّ قَيَّدَ هَذا الشَّرَفَ العَظِيمَ بِقَيْدٍ فَقالَ: ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ لَهُنَّ إنَّما تَكُونُ بِمُلازَمَتِهِنَّ لِلتَّقْوى، لا لِمُجَرَّدِ اتِّصالِهِنَّ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ وقَعَتْ مِنهُنَّ ولِلَّهِ الحَمْدُ التَّقْوى البَيِّنَةُ، والإيمانُ الخالِصُ، والمَشْيُ عَلى طَرِيقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في حَياتِهِ وبَعْدَ مَماتِهِ.
وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ.
وقِيلَ: إنَّ جَوابَهُ ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ والأوَّلُ أوْلى.
ومَعْنى ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ لا تُلِنَّ القَوْلَ عِنْدَ مُخاطَبَةِ النّاسِ كَما تَفْعَلُهُ المُرِيباتُ مِنَ النِّساءِ، فَإنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ: فُجُورٌ وشَكٌّ ونِفاقٌ، وانْتِصابُ يَطْمَعَ لِكَوْنِهِ جَوابَ النَّهْيِ. كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ.
وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ الأعْرَجَ قَرَأ " فَيَطْمِعَ " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ.
قالَ النَّحّاسُ: أحْسَبُ هَذا غَلَطًا، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي السَّمْألِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم قَرَءُوا (p-١١٦٧)بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ فِعْلِ النَّهْيِ ﴿وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ عِنْدَ النّاسِ بَعِيدًا مِنَ الرِّيبَةِ عَلى سَنَنِ الشَّرْعِ، لا يُنْكِرُ مِنهُ سامِعُهُ شَيْئًا، ولا يَطْمَعُ فِيهِنَّ أهْلُ الفِسْقِ والفُجُورِ بِسَبَبِهِ.
﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " وقِرْنَ " بِكَسْرِ القافِ مِن وقَرَ يَقِرُ وقارًا أيْ: سَكَنَ، والأمْرُ مِنهُ قِرْ بِكَسْرِ القافِ، ولِلنِّساءِ قِرْنَ مِثْلُ عِدْنَ وزِنَّ.
وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِنَ القَرارِ، لا مِنَ الوَقارِ، تَقُولُ قَرَرْتُ بِالمَكانِ بِفَتْحِ الرّاءِ، والأصْلُ اقْرِرْنَ بِكَسْرِ الرّاءِ، فَحُذِفَتِ الرّاءُ الأُولى تَخْفِيفًا كَما قالُوا في ظَلِلْتُ ظَلْتُ، ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى القافِ، واسْتُغْنِيَ عَنْ ألِفِ الوَصْلِ بِتَحْرِيكِ القافِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أُبْدِلَتِ الرّاءُ الأُولى ياءً كَراهَةَ التَّضْعِيفِ كَما أُبْدِلَتْ في قِيراطٍ ودِينارٍ، وصارَ لِلْياءِ حَرَكَةُ الحَرْفِ الَّذِي أُبْدِلَتْ مِنهُ، والتَّقْدِيرُ اقِيرْنَ، ثُمَّ تُلْقى حَرَكَةُ الياءِ عَلى القافِ كَراهَةَ تَحْرِيكِ الياءِ بِالكَسْرِ فَتَسْقُطُ الياءُ لِاجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ، وتَسْقُطُ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِتَحْرِيكِ ما بَعْدَها فَيَصِيرُ قَرْنَ.
وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ القافِ وأصْلُهُ قَرِرْتُ بِالمَكانِ: إذا أقَمْتَ فِيهِ بِكَسْرِ الرّاءِ، أقَرُّ بِفَتْحِ القافِ كَحَمِدَ يَحْمَدُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدٍ عَنِ الكِسائِيِّ، وذَكَرَها الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هو كَما تَقُولُ هَلْ حَسْتَ صاحِبَكَ أيْ: هَلْ أحْسَسْتَهُ ؟ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: كانَ أشْياخُنا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ يُنْكِرُونَ القِراءَةَ بِالفَتْحِ لِلْقافِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَرِرْتُ بِالمَكانِ أقَرُّ لا يُجَوِّزُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ.
والصَّحِيحُ قَرَرْتُ أقِرُّ بِالكَسْرِ، ومَعْناهُ: الأمْرُ لَهُنَّ بِالتَّوَقُّرِ والسُّكُونِ في بُيُوتِهِنَّ وأنْ لا يَخْرُجْنَ، وهَذا يُخالِفُ ما ذَكَرْناهُ هُنا عَنْهُ عَنِ الكِسائِيِّ وهو مِن أجَلِّ مَشايِخِهِ.
وقَدْ وافَقَهُ عَلى الإنْكارِ لِهَذِهِ القِراءَةِ أبُو حاتِمٍ فَقالَ: إنَّ قَرْنَ بِفَتْحِ القافِ لا مَذْهَبَ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ خُولِفَ أبُو حاتِمٍ في قَوْلِهِ إنَّهُ لا مَذْهَبَ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ بَلْ فِيهِ مَذْهَبانِ: أحَدُهُما حَكاهُ الكِسائِيُّ، والآخَرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ فَأمّا المَذْهَبُ الَّذِي حَكاهُ الكِسائِيُّ فَهو ما قَدَّمْناهُ مِن رِوايَةِ أبِي عُبَيْدٍ عَنْهُ، وأمّا المَذْهَبُ الَّذِي حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ فَقالَ: إنَّهُ مِن قَرَرْتُ بِهِ عَيْنًا أقَرُّ. والمَعْنى: واقْرَرْنَ بِهِ عَيْنًا في بُيُوتِكُنَّ. قالَ النَّحّاسُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ.
وأقُولُ: لَيْسَ بِحَسَنٍ ولا هو مَعْنى الآيَةِ، فَإنَّ المُرادَ بِها أمْرُهُنَّ بِالسُّكُونِ والِاسْتِقْرارِ في بُيُوتِهِنَّ، ولَيْسَ مِن قُرَّةِ العَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " واقْرِرْنَ " بِألِفِ وصْلٍ وراءَيْنَ، الأُولى مَكْسُورَةٌ عَلى الأصْلِ ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ التَّبَرُّجُ: أنْ تُبْدِيَ المَرْأةُ مِن زِينَتِها ومَحاسِنِها ما يَجِبُ عَلَيْها سَتْرُهُ مِمّا تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةَ الرَّجُلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى التَّبَرُّجِ في سُورَةِ النُّورِ.
قالَ المُبَرِّدُ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ السَّعَةِ، يُقالُ: في أسْنانِهِ بَرَجٌ: إذا كانَتْ مُتَفَرِّقَةً. وقِيلَ: التَّبَرُّجُ هو التَّبَخْتُرُ في المَشْيِ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالجاهِلِيَّةِ الأُولى، فَقِيلَ: ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وقِيلَ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وقِيلَ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى، وقِيلَ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ.
وقالَ المُبَرِّدُ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كَما تَقُولُ الجاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ.
قالَ: وكانَ نِساءُ الجاهِلِيَّةِ تُظْهِرُ ما يَقْبُحُ إظْهارُهُ، حَتّى كانَتِ المَرْأةُ تَجْلِسُ مَعَ زَوْجِها وخَلِيلِها، فَيَنْفَرِدُ خَلِيلُها بِما فَوْقَ الإزارِ إلى أعْلى، ويَنْفَرِدُ زَوْجُها بِما دُونَ الإزارِ إلى أسْفَلَ، ورُبَّما سَألَ أحَدُهُما صاحِبَهُ البَدَلَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ أشارَ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي لَحِقْنَها فَأُمِرْنَ بِالنُّقْلَةِ عَنْ سِيرَتِهِنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن سِيرَةِ الكَفَرَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا لا غَيْرَةَ عِنْدَهم، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةً أُخْرى كَذا قالَ، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.
ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالجاهِلِيَّةِ الأُخْرى ما يَقَعُ في الإسْلامِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِأهْلِ الجاهِلِيَّةِ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولا تَبَرَّجْنَ أيُّها المُسْلِماتُ بَعْدَ إسْلامِكُنَّ تَبَرُّجًا مِثْلَ تَبَرُّجِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي كُنْتُنَّ عَلَيْها، وكانَ عَلَيْها مَن قَبْلَكُنَّ أيْ: لا تُحْدِثْنَ بِأفْعالِكُنَّ وأقْوالِكُنَّ جاهِلِيَّةً تُشابِهُ الجاهِلِيَّةَ الَّتِي كانَتْ مِن قَبْلُ ﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ خَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لِأنَّهُما أصْلُ الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ.
ثُمَّ عَمَّمَ فَأمَرَهُنَّ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ في كُلِّ ما هو شَرْعٌ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ أيْ: إنَّما أوْصاكُنَّ اللَّهُ بِما أوْصاكُنَّ مِنَ التَّقْوى، وأنْ لا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ، ومِن قَوْلِ المَعْرُوفِ، والسُّكُونِ في البُيُوتِ وعَدَمِ التَّبَرُّجِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، والطّاعَةِ؛ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ، والمُرادُ بِالرِّجْسِ الإثْمُ والذَّنْبُ المُدَنِّسانِ لِلْأعْراضِ الحاصِلانِ بِسَبَبِ تَرْكِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وفِعْلِ ما نَهى عَنْهُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ ما لَيْسَ فِيهِ لِلَّهِ رِضًا، وانْتِصابُ أهْلَ البَيْتِ عَلى المَدْحِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، قالَ: وإنْ شِئْتَ عَلى البَدَلِ. قالَ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ والخَفْضُ.
قالَ النَّحّاسُ: إنْ خُفِضَ فَعَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ، واعْتَرَضَهُ المُبَرِّدُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ البَدَلُ مِنَ المُخاطَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصَبَهُ عَلى النِّداءِ ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ أيْ: يُطَهِّرَكم مِنَ الأرْجاسِ والأدْرانِ تَطْهِيرًا كامِلًا.
وفِي اسْتِعارَةِ الرِّجْسِ لِلْمَعْصِيَةِ والتَّرْشِيحِ لَها بِالتَّطْهِيرِ تَنْفِيرٌ عَنْها بَلِيغٌ، وزَجْرٌ لِفاعِلِها شَدِيدٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في أهْلِ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ أهْلَ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ هُنَّ زَوْجاتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً.
قالُوا: والمُرادُ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَساكِنُ زَوْجاتِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ .
وأيْضًا السِّياقُ في الزَّوْجاتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ .
وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ورُوِيَ عَنْ الكَلْبِيِّ أنَّ أهْلَ البَيْتِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ هم: عَلِيٌّ، وفاطِمَةُ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ خاصَّةً، ومِن حُجَجِهِمُ الخِطابُ في الآيَةِ بِما يَصْلُحُ لِلذُّكُورِ لا لِلْإناثِ، وهو قَوْلُهُ: عَنْكم ولِيُطَهِّرَكم، ولَوْ كانَ لِلنِّساءِ خاصَّةً لَقالَ عَنْكُنَّ ويُطَهِّرُكُنَّ.
وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا أنَّ التَّذْكِيرَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الأهْلِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: (p-١١٦٨)﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] وكَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: كَيْفَ أهْلُكَ ؟ يُرِيدُ زَوْجَتَهُ أوْ زَوْجاتِهِ، فَيَقُولُ: هم بِخَيْرٍ.
ولْنَذْكُرْ هاهُنا ما تَمَسَّكَ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ: أمّا الأوَّلُونَ فَتَمَسَّكُوا بِالسِّياقِ، فَإنَّهُ في الزَّوْجاتِ كَما ذَكَرْنا، وبِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في نِساءِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن شاءَ باهَلْتُهُ أنَّها نَزَلَتْ في أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَهُ.
وأمّا ما تَمَسَّكَ بِهِ الآخَرُونَ، فَأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ " «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: في بَيْتِي نَزَلَتْ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وفي البَيْتِ فاطِمَةُ وعَلِيٌّ، والحَسَنُ والحُسَيْنُ، فَجَلَّلَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكِساءٍ كانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ " «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ في بَيْتِها عَلى مَنامِهِ لَهُ عَلَيْهِ كِساءٌ خَيْبَرِيٌّ، فَجاءَتْ فاطِمَةُ بِبُرْمَةٍ فِيها خَزِيرَةٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ادْعِي زَوْجَكِ وابْنَيْكِ حَسَنًا وحُسَيْنًا فَدَعَتْهم، فَبَيْنَما هم يَأْكُلُونَ إذْ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأخَذَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِفَضْلَةِ كِسائِهِ فَغَشّاهم إيّاها، ثُمَّ أخْرَجَ يَدَهُ مِنَ الكِساءِ وألْوى بِها إلى السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي وخاصَّتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسِ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، قالَها ثَلاثَ مَرّاتٍ.
قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَأدْخَلْتُ رَأْسِي في السِّتْرِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا مَعَكم ؟ فَقالَ: إنَّكِ إلى خَيْرٍ مَرَّتَيْنِ» وأخْرَجَهُ أيْضًا أحْمَدُ مِن حَدِيثِها، قالَ:، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، حَدَّثَنِي مَن سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ تَذْكُرُ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ.
وفِي إسْنادِهِ مَجْهُولٌ وهو شَيْخُ عَطاءٍ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ.
وقَدْ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْها مِن طَرِيقَيْنِ بِنَحْوِهِ.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ طُرُقًا كَثِيرَةً في مُسْنَدِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَداةً وعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجَّلٌ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ، فَجاءَهُ الحَسَنُ، والحُسَيْنُ فَأدْخَلَهُما مَعَهُ، ثُمَّ جاءَتْ فاطِمَةُ فَأدْخَلَها مَعَهُ، ثُمَّ جاءَ عَلِيٌّ فَأدْخَلَهُ مَعَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى فاطِمَةَ ومَعَهُ عَلِيٌّ، وحَسَنٌ وحُسَيْنٌ حَتّى دَخَلَ، فَأدْنى عَلِيًّا وفاطِمَةَ وأجْلَسَهُما بَيْنَ يَدَيْهِ، وأجْلَسَ حَسَنًا وحُسَيْنًا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَلى فَخِذِهِ، ثُمَّ لَفَّ عَلَيْهِمْ ثَوْبَهُ وأنا مُسْتَدْبِرُهم ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ وقالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا مِن أهْلِكَ ؟ قالَ: وأنْتَ مِن أهْلِي» .
قالَ واثِلَةُ: إنَّهُ لَأرْجا ما أرْجُوهُ. ولَهُ طُرُقٌ في مُسْنَدِ أحْمَدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَمُرُّ بِبابِ فاطِمَةَ إذا خَرَجَ إلى صَلاةِ الفَجْرِ يَقُولُ: الصَّلاةَ يا أهْلَ البَيْتِ الصَّلاةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي» فَقِيلَ: لِزَيْدٍ: ومَن أهْلُ بَيْتِهِ ؟ ألَيْسَ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ ؟ قالَ: نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، ولَكِنْ أهْلُ بَيْتِهِ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ: آلُ عَلِيٍّ وآلُ عَقِيلٍ: وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ العَبّاسِ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ قَسَّمَ الخَلْقَ قِسْمَيْنِ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِما قِسْمًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٧] ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] فَأنا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنا خَيْرُ أصْحابِ اليَمِينِ. ثُمَّ جَعَلَ القِسْمَيْنِ أثْلاثًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها ثَلاثًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] فَأنا مِنَ السّابِقِينَ، وأنا خَيْرُ السّابِقِينَ. ثُمَّ جَعَلَ الأثْلاثَ قَبائِلَ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها قَبِيلَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] وأنا أتْقى ولَدِ آدَمَ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ ولا فَخْرَ. ثُمَّ جَعَلَ القَبائِلَ بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها بَيْتًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأنا، وأهْلُ بَيْتِي مُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الحَمْراءِ قالَ: «رابَطْتُ المَدِينَةَ سَبْعَةَ أشْهُرٍ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا طَلَعَ الفَجْرُ جاءَ إلى بابِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ فَقالَ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾» .
وفِي إسْنادِهِ أبُو داوُدَ الأعْمى، وهو وضّاعٌ كَذّابٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ، وقَدْ ذَكَرْنا هاهُنا ما يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ دُونَ ما يَصْلُحُ.
وقَدْ تَوَسَّطَتْ طائِفَةٌ ثالِثَةٌ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ، فَجَعَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ (p-١١٦٩)شامِلَةً لِلزَّوْجاتِ ولِعَلِيٍّ وفاطِمَةَ، والحَسَنِ والحُسَيْنِ، أمّا الزَّوْجاتُ فَلِكَوْنِهِنَّ المُرادّاتِ في سِياقِ هَذِهِ الآياتِ كَما قَدَّمْنا، ولِكَوْنِهِنَّ السّاكِناتِ في بُيُوتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّازِلاتِ في مَنازِلِهِ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.
وأمّا دُخُولُ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ، والحَسَنِ والحُسَيْنِ فَلِكَوْنِهِمْ قَرابَتَهُ وأهْلَ بَيْتِهِ في النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأحادِيثِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّهم سَبَبُ النُّزُولِ، فَمَن جَعَلَ الآيَةَ خاصَّةً بِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ فَقَدْ أعْمَلَ بَعْضَ ما يَجِبُ إعْمالُهُ وأهْمَلَ ما لا يَجُوزُ إهْمالُهُ.
وقَدْ رَجَّحَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ القُرْطُبِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُما.
وقالَ جَماعَةٌ: هم بَنُو هاشِمٍ، واسْتَدَلُّوا بِما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ المُتَقَدِّمِ حَيْثُ قالَ: ولَكِنْ آلُهُ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ: آلُ عَلِيٍّ، وآلُ عَقِيلٍ:، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ العَبّاسِ، فَهَؤُلاءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ المُرادَ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّسَبِ.
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ أيْ: اذْكُرْنَ مَوْضِعَ النِّعْمَةِ إذْ صَيَّرَكُنَّ اللَّهُ في بُيُوتٍ يُتْلى فِيها آياتُ اللَّهِ والحِكْمَةُ اذْكُرْنَها وتَفَكَّرْنَ فِيها لِتَتَّعِظْنَ بِمَواعِظِ اللَّهِ، أوِ اذْكُرْنَها لِلنّاسِ لِيَتَّعِظُوا بِها ويَهْتَدُوا بِهُداها، أوِ اذْكُرْنَها بِالتِّلاوَةِ لَها لِتَحْفَظْنَها ولا تَتْرُكْنَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ التِّلاوَةِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ وآياتُ اللَّهِ هي القُرْآنُ، والحِكْمَةُ السُّنَّةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ المُرادُ بِالآياتِ والحِكْمَةِ أمْرُهُ ونَهْيُهُ في القُرْآنِ.
وقِيلَ: إنَّ القُرْآنَ جامِعٌ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ دالَّةٍ عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ النُّبُوَّةِ وبَيْنَ كَوْنِهِ حِكْمَةً مُشْتَمِلَةً عَلى فُنُونٍ مِنَ العُلُومِ والشَّرائِعِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أيْ: لَطِيفًا بِأوْلِيائِهِ خَبِيرًا بِجَمِيعِ خَلْقِهِ وجَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، فَهو يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ «أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والنّاسُ بِبابِهِ جُلُوسٌ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عُمَرُ فاسْتَأْذَنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أُذِنَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَدَخَلا والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسٌ وحَوْلَهُ نِساؤُهُ وهو ساكِتٌ، فَقالَ عُمَرُ: لَأُكَلِّمَنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَعَلَّهُ يَضْحَكُ، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ امْرَأةَ عُمَرَ سَألَتِ النَّفَقَةَ آنِفًا فَوَجَأْتُ في عُنُقِها، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ وقالَ: هُنَّ حَوْلِي يَسْألْنَنِي النَّفَقَةَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ إلى عائِشَةَ لِيَضْرِبَها، وقامَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ، كِلاهُما يَقُولانِ: تَسْألانِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لَيْسَ عِنْدَهُ، فَنَهاهُما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْنَ نِساؤُهُ: واللَّهِ لا نَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ هَذا المَجْلِسِ ما لَيْسَ عِنْدَهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ الخِيارَ، فَنادى بِعائِشَةَ فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا ما أُحِبُّ أنْ تُعَجِّلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالَتْ: ما هو ؟ فَتَلا عَلَيْها ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: أفِيكَ أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، بَلْ أخْتارُ اللَّهَ رَسُولَهُ، وأسْألُكَ أنْ لا تَذْكُرَ لِنِسائِكَ ما اخْتَرْتُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَنْ يَبْعَثَنِي مُتَعَنِّتًا ولَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُبَشِّرًا، لا تَسْألُنِي امْرَأةٌ مِنهُنَّ عَمّا اخْتَرْتِ إلّا أخْبَرْتُها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «جاءَها حِينَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَ أزْواجَهُ قالَتْ: فَبَدَأ بِي فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إلى تَمامِ الآيَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفي أيِّ هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، وفَعَلَ أزْواجُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَ ما فَعَلَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ قالَ يَقُولُ: مَن يُطِعِ اللَّهَ مِنكُنَّ وتَعْمَلْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بِطاعَتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: يَقُولُ لا تُرَخِّصْنَ بِالقَوْلِ ولا تَخْضَعْنَ بِالكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: مُقارَنَةُ الرِّجالِ في القَوْلِ حَتّى يَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: نُبِّئْتُ أنَّهُ قِيلَ: لِسَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ما لَكِ لا تَحُجِّينَ ولا تَعْتَمِرِينَ كَما يَفْعَلُ أخَواتُكِ ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللَّهُ أنْ أقِرَّ في بَيْتِي، فَواللَّهِ لا أخْرُجُ مِن بَيْتِي حَتّى أمُوتَ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ بِجِنازَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كانَتْ عائِشَةُ إذا قَرَأتْ ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: كانَتِ الجاهِلِيَّةُ الأُولى فِيما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ وكانَتْ ألْفَ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَهُ فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ لِأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ هَلْ كانَتْ جاهِلِيَّةٌ غَيْرَ واحِدَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما سَمِعْتُ بِأُولى إلّا ولَها آخِرَةٌ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَأْتِنِي مِن كِتابِ اللَّهِ ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم﴾ [الحج: ٧٨] أوَّلَ مَرَّةٍ فَقالَ عُمَرُ: مَن أمَرَنا أنْ نُجاهِدَ ؟ قالَ: مَخْزُومٌ وعَبْدُ شَمْسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: تَكُونُ جاهِلِيَّةٌ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ: أنَّها تَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَتْ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كانَتْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ.
وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ الآثارِ الوارِدَةِ في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ قالَ: القُرْآنُ والسُّنَّةُ يَمْتَنُّ بِذَلِكَ عَلَيْهِنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ سَهْلٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ الآيَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١١٧٠)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي في بُيُوتِ أزْواجِهِ النَّوافِلَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ» .
الأحزاب 33:35
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ بَدَأ - سُبْحانَهُ - بِذِكْرِ الإسْلامِ الَّذِي هو مُجَرَّدُ الدُّخُولِ في الدِّينِ والِانْقِيادِ لَهُ مَعَ العَمَلِ، كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَنِ الإسْلامِ قالَ: هو أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وتُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكاةَ، وتَحُجَّ البَيْتَ، وتَصُومَ رَمَضانَ» .
ثُمَّ عَطَفَ عَلى المُسْلِمِينَ المُسْلِماتِ تَشْرِيفًا لَهُنَّ بِالذِّكْرِ.
وهَكَذا فِيما بَعْدُ وإنْ كُنَّ داخِلاتٍ في لَفْظِ المُسْلِمِينَ والمُؤْمِنِينَ ونَحْوِ ذَلِكَ، والتَّذْكِيرُ إنَّما هو لِتَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ كَما في جَمِيعِ ما ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وهم مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والقانِتُ: العابِدُ المُطِيعُ، وكَذا القانِتَةُ، وقِيلَ: المُداوِمِينَ عَلى العِبادَةِ والطّاعَةِ، والصّادِقُ والصّادِقَةُ هُما مَن يَتَكَلَّمُ بِالصِّدْقِ ويَتَجَنَّبُ الكَذِبَ ويَفِي بِما عُوهِدَ عَلَيْهِ، والصّابِرُ والصّابِرَةُ هُما مَن يَصْبِرُ عَنِ الشَّهَواتِ وعَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ، والخاشِعُ والخاشِعَةُ هُما المُتَواضِعانِ لِلَّهِ الخائِفانِ مِنهُ الخاضِعانِ في عِبادَتِهِمْ لِلَّهِ، والمُتَصَدِّقُ والمُتَصَدِّقَةُ هُما مَن تَصَدَّقَ مِن مالِهِ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وقِيلَ: ذَلِكَ أعَمُّ مِن صَدَقَةِ الفَرْضِ والنَّفْلِ، وكَذَلِكَ الصّائِمُ والصّائِمَةُ، قِيلَ: ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالفَرْضِ، وقِيلَ: هو أعَمُّ، والحافِظُ والحافِظَةُ لِفَرْجَيْهِما عَنِ الحَرامِ بِالتَّعَفُّفِ والتَّنَزُّهِ والِاقْتِصارِ عَلى الحَلالِ، والذّاكِرُ والذّاكِرَةُ هُما مَن يَذْكُرُ اللَّهَ عَلى أحْوالِهِ، وفي ذِكْرِ الكَثْرَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِكْثارِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالقَلْبِ واللِّسانِ، واكْتَفى في الحافِظاتِ بِما تَقَدَّمَ في الحافِظِينَ مِن ذِكْرِ الفُرُوجِ والتَّقْدِيرُ: والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ فُرُوجَهُنَّ، وكَذا في الذّاكِراتِ والتَّقْدِيرُ: والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ اللَّهَ كَثِيرًا، والخَبَرُ لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ هو قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ: مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِمُ الَّتِي أذْنَبُوها وأجْرًا عَظِيمًا عَلى طاعاتِهِمُ الَّتِي فَعَلُوها مِنَ الإسْلامِ والإيمانِ والقُنُوتِ والصِّدْقِ والصَّبْرِ والخُشُوعِ والتَّصَدُّقِ والصَّوْمِ والعَفافِ والذِّكْرِ، ووَصْفُ الأجْرِ بِالعِظَمِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ بالِغٌ غايَةَ المَبالِغِ، ولا شَيْءَ أعْظَمُ مِن أجْرٍ هو الجَنَّةُ ونَعِيمُها الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ ولا يَنْفَدُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذُنُوبَنا وأعْظِمْ أُجُورَنا.
﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لِرَجُلٍ ولا امْرَأةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَفْظُ ما كانَ وما يَنْبَغِي ونَحْوِهِما مَعْناها المَنعُ والحَظْرُ مِنَ الشَّيْءِ والإخْبارُ بِأنَّهُ لا يَحِلُّ أنْ يَكُونَ شَرْعًا، وقَدْ يَكُونُ لِما يَمْتَنِعُ عَقْلًا كَقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠] ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لا يَحِلُّ لِمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ إذا قَضى اللَّهُ أمْرًا أنْ يَخْتارَ مِن أمْرِ نَفْسِهِ ما شاءَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُذْعِنَ لِلْقَضاءِ ويُوقِفَ نَفْسَهُ تَحْتَ ما قَضاهُ اللَّهُ واخْتارَهُ لَهُ، وجَمَعَ الضَّمِيرَيْنِ في قَوْلِهِ: لَهم و﴿مِن أمْرِهِمْ﴾؛ لِأنَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ وقَعا في سِياقِ النَّفْيِ فَهُما يَعُمّانِ كُلَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ.
قَرَأ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ المُؤَنَّثِ بِقَوْلِهِ: لَهم مَعَ كَوْنِ التَّأْنِيثِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ لِكَوْنِهِ مُسْنَدًا إلى الخِيَرَةِ وهي مُؤَنَّثَةٌ لَفْظًا، والخِيَرَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الِاخْتِيارِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " الخِيرَةُ " بِسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، والباقُونَ بِتَحْرِيكِها، ثُمَّ تَوَعَّدَ - سُبْحانَهُ - مَن لَمْ يُذْعِنْ لِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ فَقالَ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، ومِن ذَلِكَ عَدَمُ الرِّضا بِالقَضاءِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ضَلَّ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ضَلالًا ظاهِرًا واضِحًا لا يَخْفى.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما لَنا لا نُذْكَرُ في القُرْآنِ كَما يُذْكَرُ الرِّجالُ فَلَمْ يَرُعْنِي مِنهُ ذاتَ يَوْمٍ إلّا نِداؤُهُ عَلى المِنبَرِ وهو يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» .
ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْها مِن طَرِيقٍ أُخْرى أخْرَجَها الفِرْيابِيُّ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُمِّ عُمارَةَ الأنْصارِيَّةِ أنَّها أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ما أرى كُلَّ شَيْءٍ إلّا لِلرِّجالِ، وما أرى النِّساءَ يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإسْنادٍ قالَ السُّيُوطِيُّ: حَسَنٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتِ النِّساءُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما بالُهُ يَذْكُرُ المُؤْمِنِينَ ولا يَذْكُرُ المُؤْمِناتِ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «انْطَلَقَ لِيَخْطُبَ عَلى فَتاهُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَدَخَلَ عَلى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ الأسَدِيَّةِ فَخَطَبَها، قالَتْ: لَسْتُ بِناكِحَتِهِ، قالَ: بَلى فانْكِحِيهِ، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُؤامِرُ نَفْسِي، فَبَيْنَما هُما يَتَحَدَّثانِ أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى رَسُولِهِ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآيَةَ، قالَتْ: قَدْ رَضِيتَهُ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ مُنْكِحًا، قالَ نَعَمْ، قالَتْ: إذَنْ لا أعْصِي رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أنْكَحْتُهُ نَفْسِي» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِزَيْنَبَ: «إنِّي أُرِيدُ أنْ أُزَوِّجَكِ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَإنِّي قَدْ رَضِيتُهُ لَكِ، قالَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ لَكِنِّي لا أرْضاهُ لِنَفْسِي وأنا أيِّمُ قَوْمِي وبِنْتُ عَمَّتِكَ فَلَمْ أكُنْ (p-١١٧١)لِأفْعَلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ يَعْنِي زَيْدًا ﴿ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ يَعْنِي زَيْنَبَ ﴿إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا﴾ يَعْنِي النِّكاحَ في هَذا المَوْضِعِ ﴿أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ خِلافَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ قالَتْ: قَدْ أطَعْتُكَ فاصْنَعْ ما شِئْتَ، فَزَوَّجَها زَيْدًا ودَخَلَ عَلَيْها» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدٍ قالَ: نَزَلَتْ في أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وكانَتْ أوَّلَ امْرَأةٍ هاجَرَتْ فَوَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَزَوَّجَها زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَسَخِطَتْ هي وأخُوها وقالا: إنَّما أرَدْنا رَسُولَ اللَّهِ فَزَوَّجَنا عَبْدَهُ.
الأحزاب 33:36
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ بَدَأ - سُبْحانَهُ - بِذِكْرِ الإسْلامِ الَّذِي هو مُجَرَّدُ الدُّخُولِ في الدِّينِ والِانْقِيادِ لَهُ مَعَ العَمَلِ، كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَنِ الإسْلامِ قالَ: هو أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وتُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكاةَ، وتَحُجَّ البَيْتَ، وتَصُومَ رَمَضانَ» .
ثُمَّ عَطَفَ عَلى المُسْلِمِينَ المُسْلِماتِ تَشْرِيفًا لَهُنَّ بِالذِّكْرِ.
وهَكَذا فِيما بَعْدُ وإنْ كُنَّ داخِلاتٍ في لَفْظِ المُسْلِمِينَ والمُؤْمِنِينَ ونَحْوِ ذَلِكَ، والتَّذْكِيرُ إنَّما هو لِتَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ كَما في جَمِيعِ ما ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وهم مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والقانِتُ: العابِدُ المُطِيعُ، وكَذا القانِتَةُ، وقِيلَ: المُداوِمِينَ عَلى العِبادَةِ والطّاعَةِ، والصّادِقُ والصّادِقَةُ هُما مَن يَتَكَلَّمُ بِالصِّدْقِ ويَتَجَنَّبُ الكَذِبَ ويَفِي بِما عُوهِدَ عَلَيْهِ، والصّابِرُ والصّابِرَةُ هُما مَن يَصْبِرُ عَنِ الشَّهَواتِ وعَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ، والخاشِعُ والخاشِعَةُ هُما المُتَواضِعانِ لِلَّهِ الخائِفانِ مِنهُ الخاضِعانِ في عِبادَتِهِمْ لِلَّهِ، والمُتَصَدِّقُ والمُتَصَدِّقَةُ هُما مَن تَصَدَّقَ مِن مالِهِ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وقِيلَ: ذَلِكَ أعَمُّ مِن صَدَقَةِ الفَرْضِ والنَّفْلِ، وكَذَلِكَ الصّائِمُ والصّائِمَةُ، قِيلَ: ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالفَرْضِ، وقِيلَ: هو أعَمُّ، والحافِظُ والحافِظَةُ لِفَرْجَيْهِما عَنِ الحَرامِ بِالتَّعَفُّفِ والتَّنَزُّهِ والِاقْتِصارِ عَلى الحَلالِ، والذّاكِرُ والذّاكِرَةُ هُما مَن يَذْكُرُ اللَّهَ عَلى أحْوالِهِ، وفي ذِكْرِ الكَثْرَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِكْثارِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِالقَلْبِ واللِّسانِ، واكْتَفى في الحافِظاتِ بِما تَقَدَّمَ في الحافِظِينَ مِن ذِكْرِ الفُرُوجِ والتَّقْدِيرُ: والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ فُرُوجَهُنَّ، وكَذا في الذّاكِراتِ والتَّقْدِيرُ: والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ اللَّهَ كَثِيرًا، والخَبَرُ لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ هو قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ: مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِمُ الَّتِي أذْنَبُوها وأجْرًا عَظِيمًا عَلى طاعاتِهِمُ الَّتِي فَعَلُوها مِنَ الإسْلامِ والإيمانِ والقُنُوتِ والصِّدْقِ والصَّبْرِ والخُشُوعِ والتَّصَدُّقِ والصَّوْمِ والعَفافِ والذِّكْرِ، ووَصْفُ الأجْرِ بِالعِظَمِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ بالِغٌ غايَةَ المَبالِغِ، ولا شَيْءَ أعْظَمُ مِن أجْرٍ هو الجَنَّةُ ونَعِيمُها الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ ولا يَنْفَدُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذُنُوبَنا وأعْظِمْ أُجُورَنا.
﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لِرَجُلٍ ولا امْرَأةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَفْظُ ما كانَ وما يَنْبَغِي ونَحْوِهِما مَعْناها المَنعُ والحَظْرُ مِنَ الشَّيْءِ والإخْبارُ بِأنَّهُ لا يَحِلُّ أنْ يَكُونَ شَرْعًا، وقَدْ يَكُونُ لِما يَمْتَنِعُ عَقْلًا كَقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠] ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لا يَحِلُّ لِمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ إذا قَضى اللَّهُ أمْرًا أنْ يَخْتارَ مِن أمْرِ نَفْسِهِ ما شاءَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُذْعِنَ لِلْقَضاءِ ويُوقِفَ نَفْسَهُ تَحْتَ ما قَضاهُ اللَّهُ واخْتارَهُ لَهُ، وجَمَعَ الضَّمِيرَيْنِ في قَوْلِهِ: لَهم و﴿مِن أمْرِهِمْ﴾؛ لِأنَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ وقَعا في سِياقِ النَّفْيِ فَهُما يَعُمّانِ كُلَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ.
قَرَأ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ المُؤَنَّثِ بِقَوْلِهِ: لَهم مَعَ كَوْنِ التَّأْنِيثِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ لِكَوْنِهِ مُسْنَدًا إلى الخِيَرَةِ وهي مُؤَنَّثَةٌ لَفْظًا، والخِيَرَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الِاخْتِيارِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " الخِيرَةُ " بِسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، والباقُونَ بِتَحْرِيكِها، ثُمَّ تَوَعَّدَ - سُبْحانَهُ - مَن لَمْ يُذْعِنْ لِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ فَقالَ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، ومِن ذَلِكَ عَدَمُ الرِّضا بِالقَضاءِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ضَلَّ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ضَلالًا ظاهِرًا واضِحًا لا يَخْفى.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما لَنا لا نُذْكَرُ في القُرْآنِ كَما يُذْكَرُ الرِّجالُ فَلَمْ يَرُعْنِي مِنهُ ذاتَ يَوْمٍ إلّا نِداؤُهُ عَلى المِنبَرِ وهو يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» .
ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْها مِن طَرِيقٍ أُخْرى أخْرَجَها الفِرْيابِيُّ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُمِّ عُمارَةَ الأنْصارِيَّةِ أنَّها أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ما أرى كُلَّ شَيْءٍ إلّا لِلرِّجالِ، وما أرى النِّساءَ يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإسْنادٍ قالَ السُّيُوطِيُّ: حَسَنٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتِ النِّساءُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما بالُهُ يَذْكُرُ المُؤْمِنِينَ ولا يَذْكُرُ المُؤْمِناتِ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «انْطَلَقَ لِيَخْطُبَ عَلى فَتاهُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَدَخَلَ عَلى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ الأسَدِيَّةِ فَخَطَبَها، قالَتْ: لَسْتُ بِناكِحَتِهِ، قالَ: بَلى فانْكِحِيهِ، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُؤامِرُ نَفْسِي، فَبَيْنَما هُما يَتَحَدَّثانِ أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى رَسُولِهِ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآيَةَ، قالَتْ: قَدْ رَضِيتَهُ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ مُنْكِحًا، قالَ نَعَمْ، قالَتْ: إذَنْ لا أعْصِي رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أنْكَحْتُهُ نَفْسِي» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِزَيْنَبَ: «إنِّي أُرِيدُ أنْ أُزَوِّجَكِ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَإنِّي قَدْ رَضِيتُهُ لَكِ، قالَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ لَكِنِّي لا أرْضاهُ لِنَفْسِي وأنا أيِّمُ قَوْمِي وبِنْتُ عَمَّتِكَ فَلَمْ أكُنْ (p-١١٧١)لِأفْعَلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ يَعْنِي زَيْدًا ﴿ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ يَعْنِي زَيْنَبَ ﴿إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا﴾ يَعْنِي النِّكاحَ في هَذا المَوْضِعِ ﴿أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ خِلافَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ قالَتْ: قَدْ أطَعْتُكَ فاصْنَعْ ما شِئْتَ، فَزَوَّجَها زَيْدًا ودَخَلَ عَلَيْها» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدٍ قالَ: نَزَلَتْ في أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وكانَتْ أوَّلَ امْرَأةٍ هاجَرَتْ فَوَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَزَوَّجَها زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَسَخِطَتْ هي وأخُوها وقالا: إنَّما أرَدْنا رَسُولَ اللَّهِ فَزَوَّجَنا عَبْدَهُ.
الأحزاب 33:37
لَمّا زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أنْزَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ إذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالإسْلامِ، وأنْعَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ أعْتَقَهُ مِنَ الرِّقِّ، وكانَ مِن سَبْيِ الجاهِلِيَّةِ اشْتَراهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الجاهِلِيَّةِ وأعْتَقَهُ وتَبَنّاهُ، وسَيَأْتِي في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ في آخِرِ البَحْثِ ما يُوَضِّحُ المُرادَ مِنها.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدِ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقَعَ مِنهُ اسْتِحْسانٌ لِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وهي في عِصْمَةِ زَيْدٍ، وكانَ حَرِيصًا عَلى أنْ يُطَلِّقَها زَيْدٌ فَيَتَزَوَّجَها هو، ثُمَّ إنَّ زَيْدًا لَمّا أخْبَرَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ فِراقَها ويَشْكُو مِنها غِلْظَةَ قَوْلٍ وعِصْيانَ أمْرٍ وأذًى بِاللِّسانِ وتَعَظُّمًا بِالشَّرَفِ، قالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فِيما تَقُولُ عَنْها وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، وهو يُخْفِي الحِرْصَ عَلى طَلاقِ زَيْدٍ إيّاها، وهَذا الَّذِي كانَ يُخْفِي في نَفْسِهِ ولَكِنَّهُ لَزِمَ ما يَجِبُ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ. انْتَهى. ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يَعْنِي زَيْنَبَ ﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمْرِها ولا تُعَجِّلْ بِطَلاقِها ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهو نِكاحُها إنْ طَلَّقَها زَيْدٌ، وقِيلَ: حُبُّها ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ أيْ: تَسْتَحْيِيهِمْ، أوْ تَخافُ مِن تَعْبِيرِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا أمَرَ مَوْلاهُ بِطَلاقِ امْرَأتِهِ ثُمَّ تَزَوَّجَها ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ في كُلِّ حالٍ وتَخافُ مِنهُ وتَسْتَحْيِيهِ والواوُ لِلْحالِ أيْ: تُخْفِي في نَفْسِكَ ذَلِكَ الأمْرَ مَخافَةً مِنَ النّاسِ ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ قَضاءُ الوَطَرِ في اللُّغَةِ: بُلُوغُ مُنْتَهى ما في النَّفْسِ مِنَ الشَّيْءِ، يُقالُ: قَضى وطَرًا مِنهُ: إذا بَلَغَ ما أرادَ مِن حاجَتِهِ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ
؎أيُّها الرّائِحُ المُجِدُّ ابْتِكارا قَدْ قَضى مِن تِهامَةَ الأوْطارا
أيْ: فَرَغَ مِن أعْمالِ الحَجِّ وبَلَغَ ما أرادَ مِنهُ، والمُرادُ هُنا أنَّهُ قَضى وطَرَهُ مِنها بِنِكاحِهِ والدُّخُولِ بِها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيها حاجَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الطَّلاقُ، وأنَّ الرَّجُلَ إنَّما يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ إذا لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيها حاجَةٌ وقالَ المُبَرِّدُ: الوَطَرُ الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ وأنْشَدَ:
؎وكَيْفَ ثِوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَ ما ∗∗∗ قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوَطَرُ: الأرَبُ والحاجَةُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الفَزارِيِّ:
؎ودَّعَنا قَبْلَ أنْ نُوَدِّعَهُ ∗∗∗ لَمّا قَضى مِن شَبابِنا وطَرا
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زَوَّجْناكَها﴾ وقَرَأ عَلِيٌّ وابْناهُ الحَسَنُ والحُسَيْنُ " زَوَّجْتُكَها " فَلَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ ولا عَقْدٍ ولا تَقْدِيرِ صَداقٍ ولا شَيْءٍ مِمّا هو مُعْتَبَرٌ في النِّكاحِ في حَقِّ أُمَّتِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأمْرُ لَهُ بِأنْ يَتَزَوَّجَها. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ جاءَتِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ.
ثُمَّ عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ أيْ: ضِيقٌ ومَشَقَّةٌ ﴿فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ أيْ: في التَّزَوُّجِ بِأزْواجِ مَن يَجْعَلُونَهُ ابْنًا كَما كانَتْ تَفْعَلُهُ العَرَبُ فَإنَّهم كانُوا يَتَبَنَّوْنَ مَن يُرِيدُونَ، وكانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ تَبَنّى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، فَكانَ يُقالُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وكانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ نِساءُ مَن تَبَنَّوْهُ كَما تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ نِساءُ أبْنائِهِمْ حَقِيقَةً.
والأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ، وهو الَّذِي يَدَّعِي ابْنًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ابْنًا عَلى الحَقِيقَةِ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ أنَّ نِساءَ الأدْعِياءِ حَلالٌ لَهم ﴿إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ بِخِلافِ ابْنِ الصُّلْبِ فَإنَّ امْرَأتَهُ تَحْرُمُ عَلى أبِيهِ بِنَفْسِ العَقْدِ عَلَيْها ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أيْ: كانَ قَضاءُ اللَّهِ في زَيْنَبَ أنْ يَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَضاءً ماضِيًا مَفْعُولًا لا مَحالَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَرَجٌ في هَذا النِّكاحِ فَقالَ: ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أيْ: فِيما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ وقَدَّرَهُ وقَضاهُ، يُقالُ: فَرَضَ لَهُ كَذا أيْ: قَدَّرَ لَهُ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: إنَّ هَذا هو السَّنَنُ الأقْدَمُ في الأنْبِياءِ والأُمَمِ الماضِيَةِ أنْ يَنالُوا ما أحَلَّهُ اللَّهُ لَهم مِن أمْرِ النِّكاحِ وغَيْرِهِ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أيْ: قَضاءً مَقْضِيًّا.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ اللَّهُ أنَّ أمْرَ زَيْنَبَ كانَ مِن حُكْمِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وانْتِصابُ سُنَّةَ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّةَ اللَّهِ، أوِ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ أوْ مَنصُوبٌ بِجَعَلَ أوْ بِالإغْراءِ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ عامِلَ الإغْراءِ لا يُحْذَفُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الأنْبِياءَ الماضِينَ وأثْنى عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٌ لِلَّذِينَ خَلَوْا أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، مَدَحَهم - سُبْحانَهُ - بِتَبْلِيغِ ما أرْسَلَهم بِهِ إلى عِبادِهِ وخَشْيَتِهِ في كُلِّ فِعْلٍ وقَوْلٍ، (p-١١٧٢)ولا يَخْشَوْنَ سِواهُ ولا يُبالُونَ بِقَوْلِ النّاسِ ولا بِتَعْبِيرِهِمْ، بَلْ خَشْيَتُهم مَقْصُورَةٌ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ حاضِرًا في كُلِّ مَكانٍ يَكْفِي عِبادَهُ كُلَّ ما يَخافُونَهُ، أوْ مُحاسِبًا لَهم في كُلِّ شَيْءٍ، ولَمّا تَزَوَّجَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - زَيْنَبَ قالَ النّاسُ: تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ.
فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ بِأبٍ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ عَلى الحَقِيقَةِ حَتّى تَحْرُمَ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ، ولا هو أبٌ لِأحَدٍ لَمْ يَلِدْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَكُنْ أبا أحَدٍ لَمْ يَلِدْهُ، وقَدْ وُلِدَ لَهُ مِنَ الذُّكُورِ إبْراهِيمُ والقاسِمُ والطَّيِّبُ والمُطَهَّرُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولَكِنْ لَمْ يَعِشْ لَهُ ابْنٌ حَتّى يَصِيرَ رَجُلًا: قالَ: وأمّا الحَسَنُ والحُسَيْنُ فَكانا طِفْلَيْنِ ولَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ مُعاصِرَيْنِ لَهُ ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: ولَكِنْ كانَ رَسُولَ اللَّهِ وأجازا الرَّفْعَ.
وكَذا قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ في رَسُولَ وفي خاتَمَ عَلى مَعْنى: ولَكِنْ هو رَسُولُ اللَّهِ وخاتَمُ النَّبِيِّينَ وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِ لَكِنْ، ونَصْبِ " رَسُولَ " و" خاتَمَ "، ووَجْهُ النَّصْبِ عَلى خَبَرِيَّةِ كانَ المُقَدَّرَةِ كَما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالعَطْفِ عَلى ﴿أبا أحَدٍ﴾ .
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ لَكِنْ ونَصْبِ رَسُولَ عَلى أنَّهُ اسْمُها وخَبَرُها مَحْذُوفٌ أيْ: ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ هو.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " خاتِمَ " بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِها، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى: أنَّهُ خَتَمَهم أيْ: جاءَ آخِرَهم.
ومَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّهُ صارَ كالخاتَمِ لَهُمُ الَّذِي يَتَخَتَّمُونَ بِهِ ويَتَزَيَّنُونَ بِكَوْنِهِ مِنهم. وقِيلَ: كَسْرُ التّاءِ وفَتْحُها لُغَتانِ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الوَجْهُ الكَسْرُ لِأنَّ التَّأْوِيلَ أنَّهُ خَتَمَهم فَهو خاتِمُهم، وأنَّهُ قالَ: «أنا خاتِمُ النَّبِيِّينَ» وخاتِمُ الشَّيْءِ آخِرُهُ ومِنهُ قَوْلُهم: خاتِمُهُ المِسْكُ.
وقالَ الحَسَنُ: الخاتَمُ هو الَّذِي خُتِمَ بِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ قَدْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ هَذِهِ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ هُنا.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ يَشْكُو زَيْنَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾» .
قالَ أنَسٌ: فَلَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ، فَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَما أوْلَمَ عَلى امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ ما أوْلَمَ عَلَيْها، ذَبَحَ شاةً ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ وزَوَّجَنِيَ اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِزَيْدٍ: اذْهَبْ فاذْكُرْها عَلَيَّ، فانْطَلَقَ، قالَ: فَلَمّا رَأيْتُها عَظُمَتْ في صَدْرِي، فَقُلْتُ: يا زَيْنَبُ أبْشِرِي أرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ يَذْكُرُكِ، قالَتْ ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي، فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها ونَزَلَ القُرْآنُ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ، ولَقَدْ رَأيْتُنا حِينَ دَخَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أطْعَمَنا عَلَيْها الخُبْزَ واللَّحْمَ، فَخَرَجَ النّاسُ وبَقِيَ رِجالٌ يَتَحَدَّثُونَ في البَيْتِ بَعْدَ الطَّعامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - واتَّبَعْتُهُ، فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسائِهِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ ويَقُولُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ وجَدْتَ أهْلَكَ ؟ فَما أدْرِي أنا أخْبَرْتُهُ أنَّ القَوْمَ قَدْ خَرَجُوا أوْ أُخْبِرَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ البَيْتَ، فَذَهَبْتُ أدْخُلُ مَعَهُ، فَألْقى السِّتْرَ بَيْنِي وبَيْنَهُ ونَزَلَ الحِجابُ ووُعِظَ القَوْمُ بِما وُعِظُوا بِهِ ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ لَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي بِالإسْلامِ ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي بِالعِتْقِ ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا تَزَوَّجَها قالُوا تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَبَنّاهُ وهو صَغِيرٌ، فَلَبِثَ حَتّى صارَ رَجُلًا يُقالُ: لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] يَعْنِي أعْدَلَ عِنْدَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ قالَ: يَعْنِي يَتَزَوَّجُ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ هَذا فَرِيضَةٌ، وكانَ مَن قَبْلُ مِنَ الأنْبِياءِ هَذا سُنَّتُهم، قَدْ كانَ لِسُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ ألْفُ امْرَأةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ قالَ داوُدُ: والمَرْأةُ الَّتِي نَكَحَ وزُوِّجَها اسْمُها اليسية، فَذَلِكَ سُنَّةٌ في مُحَمَّدٍ وزَيْنَبَ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ كَذَلِكَ مِن سُنَّتِهِ في داوُدَ والمَرْأةِ والنَّبِيِّ وزَيْنَبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَثَلِي ومَثَلُ النَّبِيِّينَ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا، فانْتَهى إلّا لَبِنَةً واحِدَةً، فَجِئْتُ أنا فَأتْمَمْتُ تِلْكَ اللَّبِنَةَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنى دارًا فَأكْمَلَها وأحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَكانَ مَن دَخَلَها فَنَظَرَ إلَيْها قالَ: ما أحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ، فَأنا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ حَتّى خَتَمَ بِيَ الأنْبِياءَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
الأحزاب 33:38
لَمّا زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أنْزَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ إذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالإسْلامِ، وأنْعَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ أعْتَقَهُ مِنَ الرِّقِّ، وكانَ مِن سَبْيِ الجاهِلِيَّةِ اشْتَراهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الجاهِلِيَّةِ وأعْتَقَهُ وتَبَنّاهُ، وسَيَأْتِي في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ في آخِرِ البَحْثِ ما يُوَضِّحُ المُرادَ مِنها.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدِ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقَعَ مِنهُ اسْتِحْسانٌ لِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وهي في عِصْمَةِ زَيْدٍ، وكانَ حَرِيصًا عَلى أنْ يُطَلِّقَها زَيْدٌ فَيَتَزَوَّجَها هو، ثُمَّ إنَّ زَيْدًا لَمّا أخْبَرَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ فِراقَها ويَشْكُو مِنها غِلْظَةَ قَوْلٍ وعِصْيانَ أمْرٍ وأذًى بِاللِّسانِ وتَعَظُّمًا بِالشَّرَفِ، قالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فِيما تَقُولُ عَنْها وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، وهو يُخْفِي الحِرْصَ عَلى طَلاقِ زَيْدٍ إيّاها، وهَذا الَّذِي كانَ يُخْفِي في نَفْسِهِ ولَكِنَّهُ لَزِمَ ما يَجِبُ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ. انْتَهى. ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يَعْنِي زَيْنَبَ ﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمْرِها ولا تُعَجِّلْ بِطَلاقِها ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهو نِكاحُها إنْ طَلَّقَها زَيْدٌ، وقِيلَ: حُبُّها ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ أيْ: تَسْتَحْيِيهِمْ، أوْ تَخافُ مِن تَعْبِيرِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا أمَرَ مَوْلاهُ بِطَلاقِ امْرَأتِهِ ثُمَّ تَزَوَّجَها ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ في كُلِّ حالٍ وتَخافُ مِنهُ وتَسْتَحْيِيهِ والواوُ لِلْحالِ أيْ: تُخْفِي في نَفْسِكَ ذَلِكَ الأمْرَ مَخافَةً مِنَ النّاسِ ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ قَضاءُ الوَطَرِ في اللُّغَةِ: بُلُوغُ مُنْتَهى ما في النَّفْسِ مِنَ الشَّيْءِ، يُقالُ: قَضى وطَرًا مِنهُ: إذا بَلَغَ ما أرادَ مِن حاجَتِهِ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ
؎أيُّها الرّائِحُ المُجِدُّ ابْتِكارا قَدْ قَضى مِن تِهامَةَ الأوْطارا
أيْ: فَرَغَ مِن أعْمالِ الحَجِّ وبَلَغَ ما أرادَ مِنهُ، والمُرادُ هُنا أنَّهُ قَضى وطَرَهُ مِنها بِنِكاحِهِ والدُّخُولِ بِها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيها حاجَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الطَّلاقُ، وأنَّ الرَّجُلَ إنَّما يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ إذا لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيها حاجَةٌ وقالَ المُبَرِّدُ: الوَطَرُ الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ وأنْشَدَ:
؎وكَيْفَ ثِوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَ ما ∗∗∗ قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوَطَرُ: الأرَبُ والحاجَةُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الفَزارِيِّ:
؎ودَّعَنا قَبْلَ أنْ نُوَدِّعَهُ ∗∗∗ لَمّا قَضى مِن شَبابِنا وطَرا
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زَوَّجْناكَها﴾ وقَرَأ عَلِيٌّ وابْناهُ الحَسَنُ والحُسَيْنُ " زَوَّجْتُكَها " فَلَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ ولا عَقْدٍ ولا تَقْدِيرِ صَداقٍ ولا شَيْءٍ مِمّا هو مُعْتَبَرٌ في النِّكاحِ في حَقِّ أُمَّتِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأمْرُ لَهُ بِأنْ يَتَزَوَّجَها. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ جاءَتِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ.
ثُمَّ عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ أيْ: ضِيقٌ ومَشَقَّةٌ ﴿فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ أيْ: في التَّزَوُّجِ بِأزْواجِ مَن يَجْعَلُونَهُ ابْنًا كَما كانَتْ تَفْعَلُهُ العَرَبُ فَإنَّهم كانُوا يَتَبَنَّوْنَ مَن يُرِيدُونَ، وكانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ تَبَنّى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، فَكانَ يُقالُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وكانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ نِساءُ مَن تَبَنَّوْهُ كَما تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ نِساءُ أبْنائِهِمْ حَقِيقَةً.
والأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ، وهو الَّذِي يَدَّعِي ابْنًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ابْنًا عَلى الحَقِيقَةِ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ أنَّ نِساءَ الأدْعِياءِ حَلالٌ لَهم ﴿إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ بِخِلافِ ابْنِ الصُّلْبِ فَإنَّ امْرَأتَهُ تَحْرُمُ عَلى أبِيهِ بِنَفْسِ العَقْدِ عَلَيْها ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أيْ: كانَ قَضاءُ اللَّهِ في زَيْنَبَ أنْ يَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَضاءً ماضِيًا مَفْعُولًا لا مَحالَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَرَجٌ في هَذا النِّكاحِ فَقالَ: ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أيْ: فِيما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ وقَدَّرَهُ وقَضاهُ، يُقالُ: فَرَضَ لَهُ كَذا أيْ: قَدَّرَ لَهُ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: إنَّ هَذا هو السَّنَنُ الأقْدَمُ في الأنْبِياءِ والأُمَمِ الماضِيَةِ أنْ يَنالُوا ما أحَلَّهُ اللَّهُ لَهم مِن أمْرِ النِّكاحِ وغَيْرِهِ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أيْ: قَضاءً مَقْضِيًّا.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ اللَّهُ أنَّ أمْرَ زَيْنَبَ كانَ مِن حُكْمِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وانْتِصابُ سُنَّةَ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّةَ اللَّهِ، أوِ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ أوْ مَنصُوبٌ بِجَعَلَ أوْ بِالإغْراءِ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ عامِلَ الإغْراءِ لا يُحْذَفُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الأنْبِياءَ الماضِينَ وأثْنى عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٌ لِلَّذِينَ خَلَوْا أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، مَدَحَهم - سُبْحانَهُ - بِتَبْلِيغِ ما أرْسَلَهم بِهِ إلى عِبادِهِ وخَشْيَتِهِ في كُلِّ فِعْلٍ وقَوْلٍ، (p-١١٧٢)ولا يَخْشَوْنَ سِواهُ ولا يُبالُونَ بِقَوْلِ النّاسِ ولا بِتَعْبِيرِهِمْ، بَلْ خَشْيَتُهم مَقْصُورَةٌ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ حاضِرًا في كُلِّ مَكانٍ يَكْفِي عِبادَهُ كُلَّ ما يَخافُونَهُ، أوْ مُحاسِبًا لَهم في كُلِّ شَيْءٍ، ولَمّا تَزَوَّجَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - زَيْنَبَ قالَ النّاسُ: تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ.
فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ بِأبٍ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ عَلى الحَقِيقَةِ حَتّى تَحْرُمَ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ، ولا هو أبٌ لِأحَدٍ لَمْ يَلِدْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَكُنْ أبا أحَدٍ لَمْ يَلِدْهُ، وقَدْ وُلِدَ لَهُ مِنَ الذُّكُورِ إبْراهِيمُ والقاسِمُ والطَّيِّبُ والمُطَهَّرُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولَكِنْ لَمْ يَعِشْ لَهُ ابْنٌ حَتّى يَصِيرَ رَجُلًا: قالَ: وأمّا الحَسَنُ والحُسَيْنُ فَكانا طِفْلَيْنِ ولَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ مُعاصِرَيْنِ لَهُ ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: ولَكِنْ كانَ رَسُولَ اللَّهِ وأجازا الرَّفْعَ.
وكَذا قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ في رَسُولَ وفي خاتَمَ عَلى مَعْنى: ولَكِنْ هو رَسُولُ اللَّهِ وخاتَمُ النَّبِيِّينَ وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِ لَكِنْ، ونَصْبِ " رَسُولَ " و" خاتَمَ "، ووَجْهُ النَّصْبِ عَلى خَبَرِيَّةِ كانَ المُقَدَّرَةِ كَما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالعَطْفِ عَلى ﴿أبا أحَدٍ﴾ .
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ لَكِنْ ونَصْبِ رَسُولَ عَلى أنَّهُ اسْمُها وخَبَرُها مَحْذُوفٌ أيْ: ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ هو.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " خاتِمَ " بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِها، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى: أنَّهُ خَتَمَهم أيْ: جاءَ آخِرَهم.
ومَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّهُ صارَ كالخاتَمِ لَهُمُ الَّذِي يَتَخَتَّمُونَ بِهِ ويَتَزَيَّنُونَ بِكَوْنِهِ مِنهم. وقِيلَ: كَسْرُ التّاءِ وفَتْحُها لُغَتانِ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الوَجْهُ الكَسْرُ لِأنَّ التَّأْوِيلَ أنَّهُ خَتَمَهم فَهو خاتِمُهم، وأنَّهُ قالَ: «أنا خاتِمُ النَّبِيِّينَ» وخاتِمُ الشَّيْءِ آخِرُهُ ومِنهُ قَوْلُهم: خاتِمُهُ المِسْكُ.
وقالَ الحَسَنُ: الخاتَمُ هو الَّذِي خُتِمَ بِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ قَدْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ هَذِهِ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ هُنا.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ يَشْكُو زَيْنَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾» .
قالَ أنَسٌ: فَلَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ، فَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَما أوْلَمَ عَلى امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ ما أوْلَمَ عَلَيْها، ذَبَحَ شاةً ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ وزَوَّجَنِيَ اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِزَيْدٍ: اذْهَبْ فاذْكُرْها عَلَيَّ، فانْطَلَقَ، قالَ: فَلَمّا رَأيْتُها عَظُمَتْ في صَدْرِي، فَقُلْتُ: يا زَيْنَبُ أبْشِرِي أرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ يَذْكُرُكِ، قالَتْ ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي، فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها ونَزَلَ القُرْآنُ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ، ولَقَدْ رَأيْتُنا حِينَ دَخَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أطْعَمَنا عَلَيْها الخُبْزَ واللَّحْمَ، فَخَرَجَ النّاسُ وبَقِيَ رِجالٌ يَتَحَدَّثُونَ في البَيْتِ بَعْدَ الطَّعامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - واتَّبَعْتُهُ، فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسائِهِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ ويَقُولُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ وجَدْتَ أهْلَكَ ؟ فَما أدْرِي أنا أخْبَرْتُهُ أنَّ القَوْمَ قَدْ خَرَجُوا أوْ أُخْبِرَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ البَيْتَ، فَذَهَبْتُ أدْخُلُ مَعَهُ، فَألْقى السِّتْرَ بَيْنِي وبَيْنَهُ ونَزَلَ الحِجابُ ووُعِظَ القَوْمُ بِما وُعِظُوا بِهِ ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ لَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي بِالإسْلامِ ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي بِالعِتْقِ ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا تَزَوَّجَها قالُوا تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَبَنّاهُ وهو صَغِيرٌ، فَلَبِثَ حَتّى صارَ رَجُلًا يُقالُ: لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] يَعْنِي أعْدَلَ عِنْدَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ قالَ: يَعْنِي يَتَزَوَّجُ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ هَذا فَرِيضَةٌ، وكانَ مَن قَبْلُ مِنَ الأنْبِياءِ هَذا سُنَّتُهم، قَدْ كانَ لِسُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ ألْفُ امْرَأةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ قالَ داوُدُ: والمَرْأةُ الَّتِي نَكَحَ وزُوِّجَها اسْمُها اليسية، فَذَلِكَ سُنَّةٌ في مُحَمَّدٍ وزَيْنَبَ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ كَذَلِكَ مِن سُنَّتِهِ في داوُدَ والمَرْأةِ والنَّبِيِّ وزَيْنَبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَثَلِي ومَثَلُ النَّبِيِّينَ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا، فانْتَهى إلّا لَبِنَةً واحِدَةً، فَجِئْتُ أنا فَأتْمَمْتُ تِلْكَ اللَّبِنَةَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنى دارًا فَأكْمَلَها وأحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَكانَ مَن دَخَلَها فَنَظَرَ إلَيْها قالَ: ما أحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ، فَأنا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ حَتّى خَتَمَ بِيَ الأنْبِياءَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
الأحزاب 33:39
لَمّا زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أنْزَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ إذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالإسْلامِ، وأنْعَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ أعْتَقَهُ مِنَ الرِّقِّ، وكانَ مِن سَبْيِ الجاهِلِيَّةِ اشْتَراهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الجاهِلِيَّةِ وأعْتَقَهُ وتَبَنّاهُ، وسَيَأْتِي في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ في آخِرِ البَحْثِ ما يُوَضِّحُ المُرادَ مِنها.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدِ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقَعَ مِنهُ اسْتِحْسانٌ لِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وهي في عِصْمَةِ زَيْدٍ، وكانَ حَرِيصًا عَلى أنْ يُطَلِّقَها زَيْدٌ فَيَتَزَوَّجَها هو، ثُمَّ إنَّ زَيْدًا لَمّا أخْبَرَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ فِراقَها ويَشْكُو مِنها غِلْظَةَ قَوْلٍ وعِصْيانَ أمْرٍ وأذًى بِاللِّسانِ وتَعَظُّمًا بِالشَّرَفِ، قالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فِيما تَقُولُ عَنْها وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، وهو يُخْفِي الحِرْصَ عَلى طَلاقِ زَيْدٍ إيّاها، وهَذا الَّذِي كانَ يُخْفِي في نَفْسِهِ ولَكِنَّهُ لَزِمَ ما يَجِبُ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ. انْتَهى. ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يَعْنِي زَيْنَبَ ﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمْرِها ولا تُعَجِّلْ بِطَلاقِها ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهو نِكاحُها إنْ طَلَّقَها زَيْدٌ، وقِيلَ: حُبُّها ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ أيْ: تَسْتَحْيِيهِمْ، أوْ تَخافُ مِن تَعْبِيرِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا أمَرَ مَوْلاهُ بِطَلاقِ امْرَأتِهِ ثُمَّ تَزَوَّجَها ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ في كُلِّ حالٍ وتَخافُ مِنهُ وتَسْتَحْيِيهِ والواوُ لِلْحالِ أيْ: تُخْفِي في نَفْسِكَ ذَلِكَ الأمْرَ مَخافَةً مِنَ النّاسِ ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ قَضاءُ الوَطَرِ في اللُّغَةِ: بُلُوغُ مُنْتَهى ما في النَّفْسِ مِنَ الشَّيْءِ، يُقالُ: قَضى وطَرًا مِنهُ: إذا بَلَغَ ما أرادَ مِن حاجَتِهِ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ
؎أيُّها الرّائِحُ المُجِدُّ ابْتِكارا قَدْ قَضى مِن تِهامَةَ الأوْطارا
أيْ: فَرَغَ مِن أعْمالِ الحَجِّ وبَلَغَ ما أرادَ مِنهُ، والمُرادُ هُنا أنَّهُ قَضى وطَرَهُ مِنها بِنِكاحِهِ والدُّخُولِ بِها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيها حاجَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الطَّلاقُ، وأنَّ الرَّجُلَ إنَّما يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ إذا لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيها حاجَةٌ وقالَ المُبَرِّدُ: الوَطَرُ الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ وأنْشَدَ:
؎وكَيْفَ ثِوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَ ما ∗∗∗ قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوَطَرُ: الأرَبُ والحاجَةُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الفَزارِيِّ:
؎ودَّعَنا قَبْلَ أنْ نُوَدِّعَهُ ∗∗∗ لَمّا قَضى مِن شَبابِنا وطَرا
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زَوَّجْناكَها﴾ وقَرَأ عَلِيٌّ وابْناهُ الحَسَنُ والحُسَيْنُ " زَوَّجْتُكَها " فَلَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ ولا عَقْدٍ ولا تَقْدِيرِ صَداقٍ ولا شَيْءٍ مِمّا هو مُعْتَبَرٌ في النِّكاحِ في حَقِّ أُمَّتِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأمْرُ لَهُ بِأنْ يَتَزَوَّجَها. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ جاءَتِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ.
ثُمَّ عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ أيْ: ضِيقٌ ومَشَقَّةٌ ﴿فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ أيْ: في التَّزَوُّجِ بِأزْواجِ مَن يَجْعَلُونَهُ ابْنًا كَما كانَتْ تَفْعَلُهُ العَرَبُ فَإنَّهم كانُوا يَتَبَنَّوْنَ مَن يُرِيدُونَ، وكانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ تَبَنّى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، فَكانَ يُقالُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وكانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ نِساءُ مَن تَبَنَّوْهُ كَما تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ نِساءُ أبْنائِهِمْ حَقِيقَةً.
والأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ، وهو الَّذِي يَدَّعِي ابْنًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ابْنًا عَلى الحَقِيقَةِ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ أنَّ نِساءَ الأدْعِياءِ حَلالٌ لَهم ﴿إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ بِخِلافِ ابْنِ الصُّلْبِ فَإنَّ امْرَأتَهُ تَحْرُمُ عَلى أبِيهِ بِنَفْسِ العَقْدِ عَلَيْها ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أيْ: كانَ قَضاءُ اللَّهِ في زَيْنَبَ أنْ يَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَضاءً ماضِيًا مَفْعُولًا لا مَحالَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَرَجٌ في هَذا النِّكاحِ فَقالَ: ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أيْ: فِيما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ وقَدَّرَهُ وقَضاهُ، يُقالُ: فَرَضَ لَهُ كَذا أيْ: قَدَّرَ لَهُ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: إنَّ هَذا هو السَّنَنُ الأقْدَمُ في الأنْبِياءِ والأُمَمِ الماضِيَةِ أنْ يَنالُوا ما أحَلَّهُ اللَّهُ لَهم مِن أمْرِ النِّكاحِ وغَيْرِهِ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أيْ: قَضاءً مَقْضِيًّا.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ اللَّهُ أنَّ أمْرَ زَيْنَبَ كانَ مِن حُكْمِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وانْتِصابُ سُنَّةَ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّةَ اللَّهِ، أوِ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ أوْ مَنصُوبٌ بِجَعَلَ أوْ بِالإغْراءِ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ عامِلَ الإغْراءِ لا يُحْذَفُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الأنْبِياءَ الماضِينَ وأثْنى عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٌ لِلَّذِينَ خَلَوْا أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، مَدَحَهم - سُبْحانَهُ - بِتَبْلِيغِ ما أرْسَلَهم بِهِ إلى عِبادِهِ وخَشْيَتِهِ في كُلِّ فِعْلٍ وقَوْلٍ، (p-١١٧٢)ولا يَخْشَوْنَ سِواهُ ولا يُبالُونَ بِقَوْلِ النّاسِ ولا بِتَعْبِيرِهِمْ، بَلْ خَشْيَتُهم مَقْصُورَةٌ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ حاضِرًا في كُلِّ مَكانٍ يَكْفِي عِبادَهُ كُلَّ ما يَخافُونَهُ، أوْ مُحاسِبًا لَهم في كُلِّ شَيْءٍ، ولَمّا تَزَوَّجَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - زَيْنَبَ قالَ النّاسُ: تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ.
فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ بِأبٍ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ عَلى الحَقِيقَةِ حَتّى تَحْرُمَ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ، ولا هو أبٌ لِأحَدٍ لَمْ يَلِدْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَكُنْ أبا أحَدٍ لَمْ يَلِدْهُ، وقَدْ وُلِدَ لَهُ مِنَ الذُّكُورِ إبْراهِيمُ والقاسِمُ والطَّيِّبُ والمُطَهَّرُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولَكِنْ لَمْ يَعِشْ لَهُ ابْنٌ حَتّى يَصِيرَ رَجُلًا: قالَ: وأمّا الحَسَنُ والحُسَيْنُ فَكانا طِفْلَيْنِ ولَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ مُعاصِرَيْنِ لَهُ ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: ولَكِنْ كانَ رَسُولَ اللَّهِ وأجازا الرَّفْعَ.
وكَذا قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ في رَسُولَ وفي خاتَمَ عَلى مَعْنى: ولَكِنْ هو رَسُولُ اللَّهِ وخاتَمُ النَّبِيِّينَ وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِ لَكِنْ، ونَصْبِ " رَسُولَ " و" خاتَمَ "، ووَجْهُ النَّصْبِ عَلى خَبَرِيَّةِ كانَ المُقَدَّرَةِ كَما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالعَطْفِ عَلى ﴿أبا أحَدٍ﴾ .
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ لَكِنْ ونَصْبِ رَسُولَ عَلى أنَّهُ اسْمُها وخَبَرُها مَحْذُوفٌ أيْ: ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ هو.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " خاتِمَ " بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِها، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى: أنَّهُ خَتَمَهم أيْ: جاءَ آخِرَهم.
ومَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّهُ صارَ كالخاتَمِ لَهُمُ الَّذِي يَتَخَتَّمُونَ بِهِ ويَتَزَيَّنُونَ بِكَوْنِهِ مِنهم. وقِيلَ: كَسْرُ التّاءِ وفَتْحُها لُغَتانِ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الوَجْهُ الكَسْرُ لِأنَّ التَّأْوِيلَ أنَّهُ خَتَمَهم فَهو خاتِمُهم، وأنَّهُ قالَ: «أنا خاتِمُ النَّبِيِّينَ» وخاتِمُ الشَّيْءِ آخِرُهُ ومِنهُ قَوْلُهم: خاتِمُهُ المِسْكُ.
وقالَ الحَسَنُ: الخاتَمُ هو الَّذِي خُتِمَ بِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ قَدْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ هَذِهِ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ هُنا.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ يَشْكُو زَيْنَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾» .
قالَ أنَسٌ: فَلَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ، فَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَما أوْلَمَ عَلى امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ ما أوْلَمَ عَلَيْها، ذَبَحَ شاةً ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ وزَوَّجَنِيَ اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِزَيْدٍ: اذْهَبْ فاذْكُرْها عَلَيَّ، فانْطَلَقَ، قالَ: فَلَمّا رَأيْتُها عَظُمَتْ في صَدْرِي، فَقُلْتُ: يا زَيْنَبُ أبْشِرِي أرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ يَذْكُرُكِ، قالَتْ ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي، فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها ونَزَلَ القُرْآنُ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ، ولَقَدْ رَأيْتُنا حِينَ دَخَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أطْعَمَنا عَلَيْها الخُبْزَ واللَّحْمَ، فَخَرَجَ النّاسُ وبَقِيَ رِجالٌ يَتَحَدَّثُونَ في البَيْتِ بَعْدَ الطَّعامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - واتَّبَعْتُهُ، فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسائِهِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ ويَقُولُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ وجَدْتَ أهْلَكَ ؟ فَما أدْرِي أنا أخْبَرْتُهُ أنَّ القَوْمَ قَدْ خَرَجُوا أوْ أُخْبِرَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ البَيْتَ، فَذَهَبْتُ أدْخُلُ مَعَهُ، فَألْقى السِّتْرَ بَيْنِي وبَيْنَهُ ونَزَلَ الحِجابُ ووُعِظَ القَوْمُ بِما وُعِظُوا بِهِ ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ لَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي بِالإسْلامِ ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي بِالعِتْقِ ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا تَزَوَّجَها قالُوا تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَبَنّاهُ وهو صَغِيرٌ، فَلَبِثَ حَتّى صارَ رَجُلًا يُقالُ: لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] يَعْنِي أعْدَلَ عِنْدَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ قالَ: يَعْنِي يَتَزَوَّجُ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ هَذا فَرِيضَةٌ، وكانَ مَن قَبْلُ مِنَ الأنْبِياءِ هَذا سُنَّتُهم، قَدْ كانَ لِسُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ ألْفُ امْرَأةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ قالَ داوُدُ: والمَرْأةُ الَّتِي نَكَحَ وزُوِّجَها اسْمُها اليسية، فَذَلِكَ سُنَّةٌ في مُحَمَّدٍ وزَيْنَبَ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ كَذَلِكَ مِن سُنَّتِهِ في داوُدَ والمَرْأةِ والنَّبِيِّ وزَيْنَبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَثَلِي ومَثَلُ النَّبِيِّينَ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا، فانْتَهى إلّا لَبِنَةً واحِدَةً، فَجِئْتُ أنا فَأتْمَمْتُ تِلْكَ اللَّبِنَةَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنى دارًا فَأكْمَلَها وأحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَكانَ مَن دَخَلَها فَنَظَرَ إلَيْها قالَ: ما أحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ، فَأنا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ حَتّى خَتَمَ بِيَ الأنْبِياءَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
الأحزاب 33:40
لَمّا زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أنْزَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ إذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالإسْلامِ، وأنْعَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ أعْتَقَهُ مِنَ الرِّقِّ، وكانَ مِن سَبْيِ الجاهِلِيَّةِ اشْتَراهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الجاهِلِيَّةِ وأعْتَقَهُ وتَبَنّاهُ، وسَيَأْتِي في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ في آخِرِ البَحْثِ ما يُوَضِّحُ المُرادَ مِنها.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدِ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وقَعَ مِنهُ اسْتِحْسانٌ لِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وهي في عِصْمَةِ زَيْدٍ، وكانَ حَرِيصًا عَلى أنْ يُطَلِّقَها زَيْدٌ فَيَتَزَوَّجَها هو، ثُمَّ إنَّ زَيْدًا لَمّا أخْبَرَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ فِراقَها ويَشْكُو مِنها غِلْظَةَ قَوْلٍ وعِصْيانَ أمْرٍ وأذًى بِاللِّسانِ وتَعَظُّمًا بِالشَّرَفِ، قالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فِيما تَقُولُ عَنْها وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، وهو يُخْفِي الحِرْصَ عَلى طَلاقِ زَيْدٍ إيّاها، وهَذا الَّذِي كانَ يُخْفِي في نَفْسِهِ ولَكِنَّهُ لَزِمَ ما يَجِبُ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ. انْتَهى. ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يَعْنِي زَيْنَبَ ﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمْرِها ولا تُعَجِّلْ بِطَلاقِها ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهو نِكاحُها إنْ طَلَّقَها زَيْدٌ، وقِيلَ: حُبُّها ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ أيْ: تَسْتَحْيِيهِمْ، أوْ تَخافُ مِن تَعْبِيرِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا أمَرَ مَوْلاهُ بِطَلاقِ امْرَأتِهِ ثُمَّ تَزَوَّجَها ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ في كُلِّ حالٍ وتَخافُ مِنهُ وتَسْتَحْيِيهِ والواوُ لِلْحالِ أيْ: تُخْفِي في نَفْسِكَ ذَلِكَ الأمْرَ مَخافَةً مِنَ النّاسِ ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ قَضاءُ الوَطَرِ في اللُّغَةِ: بُلُوغُ مُنْتَهى ما في النَّفْسِ مِنَ الشَّيْءِ، يُقالُ: قَضى وطَرًا مِنهُ: إذا بَلَغَ ما أرادَ مِن حاجَتِهِ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ
؎أيُّها الرّائِحُ المُجِدُّ ابْتِكارا قَدْ قَضى مِن تِهامَةَ الأوْطارا
أيْ: فَرَغَ مِن أعْمالِ الحَجِّ وبَلَغَ ما أرادَ مِنهُ، والمُرادُ هُنا أنَّهُ قَضى وطَرَهُ مِنها بِنِكاحِهِ والدُّخُولِ بِها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيها حاجَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الطَّلاقُ، وأنَّ الرَّجُلَ إنَّما يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ إذا لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيها حاجَةٌ وقالَ المُبَرِّدُ: الوَطَرُ الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ وأنْشَدَ:
؎وكَيْفَ ثِوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَ ما ∗∗∗ قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوَطَرُ: الأرَبُ والحاجَةُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الفَزارِيِّ:
؎ودَّعَنا قَبْلَ أنْ نُوَدِّعَهُ ∗∗∗ لَمّا قَضى مِن شَبابِنا وطَرا
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زَوَّجْناكَها﴾ وقَرَأ عَلِيٌّ وابْناهُ الحَسَنُ والحُسَيْنُ " زَوَّجْتُكَها " فَلَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ ولا عَقْدٍ ولا تَقْدِيرِ صَداقٍ ولا شَيْءٍ مِمّا هو مُعْتَبَرٌ في النِّكاحِ في حَقِّ أُمَّتِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأمْرُ لَهُ بِأنْ يَتَزَوَّجَها. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ جاءَتِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ.
ثُمَّ عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ أيْ: ضِيقٌ ومَشَقَّةٌ ﴿فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ أيْ: في التَّزَوُّجِ بِأزْواجِ مَن يَجْعَلُونَهُ ابْنًا كَما كانَتْ تَفْعَلُهُ العَرَبُ فَإنَّهم كانُوا يَتَبَنَّوْنَ مَن يُرِيدُونَ، وكانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ تَبَنّى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، فَكانَ يُقالُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وكانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ نِساءُ مَن تَبَنَّوْهُ كَما تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ نِساءُ أبْنائِهِمْ حَقِيقَةً.
والأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ، وهو الَّذِي يَدَّعِي ابْنًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ابْنًا عَلى الحَقِيقَةِ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ أنَّ نِساءَ الأدْعِياءِ حَلالٌ لَهم ﴿إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ بِخِلافِ ابْنِ الصُّلْبِ فَإنَّ امْرَأتَهُ تَحْرُمُ عَلى أبِيهِ بِنَفْسِ العَقْدِ عَلَيْها ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أيْ: كانَ قَضاءُ اللَّهِ في زَيْنَبَ أنْ يَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَضاءً ماضِيًا مَفْعُولًا لا مَحالَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَرَجٌ في هَذا النِّكاحِ فَقالَ: ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أيْ: فِيما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ وقَدَّرَهُ وقَضاهُ، يُقالُ: فَرَضَ لَهُ كَذا أيْ: قَدَّرَ لَهُ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: إنَّ هَذا هو السَّنَنُ الأقْدَمُ في الأنْبِياءِ والأُمَمِ الماضِيَةِ أنْ يَنالُوا ما أحَلَّهُ اللَّهُ لَهم مِن أمْرِ النِّكاحِ وغَيْرِهِ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أيْ: قَضاءً مَقْضِيًّا.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ اللَّهُ أنَّ أمْرَ زَيْنَبَ كانَ مِن حُكْمِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وانْتِصابُ سُنَّةَ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّةَ اللَّهِ، أوِ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ أوْ مَنصُوبٌ بِجَعَلَ أوْ بِالإغْراءِ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ عامِلَ الإغْراءِ لا يُحْذَفُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الأنْبِياءَ الماضِينَ وأثْنى عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٌ لِلَّذِينَ خَلَوْا أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، مَدَحَهم - سُبْحانَهُ - بِتَبْلِيغِ ما أرْسَلَهم بِهِ إلى عِبادِهِ وخَشْيَتِهِ في كُلِّ فِعْلٍ وقَوْلٍ، (p-١١٧٢)ولا يَخْشَوْنَ سِواهُ ولا يُبالُونَ بِقَوْلِ النّاسِ ولا بِتَعْبِيرِهِمْ، بَلْ خَشْيَتُهم مَقْصُورَةٌ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ حاضِرًا في كُلِّ مَكانٍ يَكْفِي عِبادَهُ كُلَّ ما يَخافُونَهُ، أوْ مُحاسِبًا لَهم في كُلِّ شَيْءٍ، ولَمّا تَزَوَّجَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - زَيْنَبَ قالَ النّاسُ: تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ.
فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ بِأبٍ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ عَلى الحَقِيقَةِ حَتّى تَحْرُمَ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ، ولا هو أبٌ لِأحَدٍ لَمْ يَلِدْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَكُنْ أبا أحَدٍ لَمْ يَلِدْهُ، وقَدْ وُلِدَ لَهُ مِنَ الذُّكُورِ إبْراهِيمُ والقاسِمُ والطَّيِّبُ والمُطَهَّرُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولَكِنْ لَمْ يَعِشْ لَهُ ابْنٌ حَتّى يَصِيرَ رَجُلًا: قالَ: وأمّا الحَسَنُ والحُسَيْنُ فَكانا طِفْلَيْنِ ولَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ مُعاصِرَيْنِ لَهُ ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: ولَكِنْ كانَ رَسُولَ اللَّهِ وأجازا الرَّفْعَ.
وكَذا قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ في رَسُولَ وفي خاتَمَ عَلى مَعْنى: ولَكِنْ هو رَسُولُ اللَّهِ وخاتَمُ النَّبِيِّينَ وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِ لَكِنْ، ونَصْبِ " رَسُولَ " و" خاتَمَ "، ووَجْهُ النَّصْبِ عَلى خَبَرِيَّةِ كانَ المُقَدَّرَةِ كَما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالعَطْفِ عَلى ﴿أبا أحَدٍ﴾ .
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ لَكِنْ ونَصْبِ رَسُولَ عَلى أنَّهُ اسْمُها وخَبَرُها مَحْذُوفٌ أيْ: ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ هو.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " خاتِمَ " بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِها، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى: أنَّهُ خَتَمَهم أيْ: جاءَ آخِرَهم.
ومَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّهُ صارَ كالخاتَمِ لَهُمُ الَّذِي يَتَخَتَّمُونَ بِهِ ويَتَزَيَّنُونَ بِكَوْنِهِ مِنهم. وقِيلَ: كَسْرُ التّاءِ وفَتْحُها لُغَتانِ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الوَجْهُ الكَسْرُ لِأنَّ التَّأْوِيلَ أنَّهُ خَتَمَهم فَهو خاتِمُهم، وأنَّهُ قالَ: «أنا خاتِمُ النَّبِيِّينَ» وخاتِمُ الشَّيْءِ آخِرُهُ ومِنهُ قَوْلُهم: خاتِمُهُ المِسْكُ.
وقالَ الحَسَنُ: الخاتَمُ هو الَّذِي خُتِمَ بِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ قَدْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ هَذِهِ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ هُنا.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ يَشْكُو زَيْنَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾» .
قالَ أنَسٌ: فَلَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ، فَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَما أوْلَمَ عَلى امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ ما أوْلَمَ عَلَيْها، ذَبَحَ شاةً ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ وزَوَّجَنِيَ اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِزَيْدٍ: اذْهَبْ فاذْكُرْها عَلَيَّ، فانْطَلَقَ، قالَ: فَلَمّا رَأيْتُها عَظُمَتْ في صَدْرِي، فَقُلْتُ: يا زَيْنَبُ أبْشِرِي أرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ يَذْكُرُكِ، قالَتْ ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي، فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها ونَزَلَ القُرْآنُ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ، ولَقَدْ رَأيْتُنا حِينَ دَخَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أطْعَمَنا عَلَيْها الخُبْزَ واللَّحْمَ، فَخَرَجَ النّاسُ وبَقِيَ رِجالٌ يَتَحَدَّثُونَ في البَيْتِ بَعْدَ الطَّعامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - واتَّبَعْتُهُ، فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسائِهِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ ويَقُولُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ وجَدْتَ أهْلَكَ ؟ فَما أدْرِي أنا أخْبَرْتُهُ أنَّ القَوْمَ قَدْ خَرَجُوا أوْ أُخْبِرَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ البَيْتَ، فَذَهَبْتُ أدْخُلُ مَعَهُ، فَألْقى السِّتْرَ بَيْنِي وبَيْنَهُ ونَزَلَ الحِجابُ ووُعِظَ القَوْمُ بِما وُعِظُوا بِهِ ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ لَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي بِالإسْلامِ ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي بِالعِتْقِ ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا تَزَوَّجَها قالُوا تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَبَنّاهُ وهو صَغِيرٌ، فَلَبِثَ حَتّى صارَ رَجُلًا يُقالُ: لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] يَعْنِي أعْدَلَ عِنْدَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ قالَ: يَعْنِي يَتَزَوَّجُ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ هَذا فَرِيضَةٌ، وكانَ مَن قَبْلُ مِنَ الأنْبِياءِ هَذا سُنَّتُهم، قَدْ كانَ لِسُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ ألْفُ امْرَأةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ قالَ داوُدُ: والمَرْأةُ الَّتِي نَكَحَ وزُوِّجَها اسْمُها اليسية، فَذَلِكَ سُنَّةٌ في مُحَمَّدٍ وزَيْنَبَ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ كَذَلِكَ مِن سُنَّتِهِ في داوُدَ والمَرْأةِ والنَّبِيِّ وزَيْنَبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَثَلِي ومَثَلُ النَّبِيِّينَ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا، فانْتَهى إلّا لَبِنَةً واحِدَةً، فَجِئْتُ أنا فَأتْمَمْتُ تِلْكَ اللَّبِنَةَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنى دارًا فَأكْمَلَها وأحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَكانَ مَن دَخَلَها فَنَظَرَ إلَيْها قالَ: ما أحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ، فَأنا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ حَتّى خَتَمَ بِيَ الأنْبِياءَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَهُ أيْضًا.