Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الصافات 37:177 – ص 38:14

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الصافات 37:177
  2. الصافات 37:178
  3. الصافات 37:179
  4. الصافات 37:180
  5. الصافات 37:181
  6. الصافات 37:182
  7. ص 38:1
  8. ص 38:2
  9. ص 38:3
  10. ص 38:4
  11. ص 38:5
  12. ص 38:6
  13. ص 38:7
  14. ص 38:8
  15. ص 38:9
  16. ص 38:10
  17. ص 38:11
  18. ص 38:12
  19. ص 38:13
  20. ص 38:14

الصافات 37:177

لَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ وقَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْتِفْتائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا مُحَمَّدُ: أيِ: اسْتَخْبِرْهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقٍ ما زَعَمُوهُ مِنَ الكَذِبِ أدْنى الجِنْسَيْنِ وأوْضَعَهُما وهو الإناثُ، ولَهم أعْلاهُما وأرْفَعَهُما وهُمُ الذُّكُورُ، وهَلْ هَذا إلّا حَيْفٌ في القِسْمَةِ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وسُوءِ إدْراكِهِمْ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] . ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ في التَّبْكِيتِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ أيْ: كَيْفَ جَعَلُوهم إناثًا وهم لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ خَلْقِنا لَهم، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم﴾ [الزخرف: ١٩] فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا بِالمُشاهَدَةِ ولَمْ يَشْهَدُوا، ولا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ مِنَ السَّمْعِ، ولا هو مِمّا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ حَتّى يَنْسُبُوا إدْراكَهُ إلى عُقُولِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ كَذِبِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَوْلَهم هَذا هو مِنَ الإفْكِ والِافْتِراءِ مِن دُونِ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةِ دَلِيلٍ فَإنَّهُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ فِعْلًا ماضِيًا مُسْنَدًا إلى اللَّهِ. وقُرِئَ بِإضافَةِ ولَدٍ إلى اللَّهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَقُولُونَ المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيعَهم وتَوْبِيخَهم فَقالَ: ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ حُذِفَ مَعَها هَمْزَةُ الوَصْلِ اسْتِغْناءً بِهِ عَنْها. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ تَثْبُتُ ابْتِداءً وتَسْقُطُ دَرْجًا، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مَنوِيًّا قالَهُ الفَرّاءُ. وحُذِفَ حَرْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى أنِ اصْطَفى وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ. وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِفْهامِ والبَدَلِ. فَقَدْ حَكى جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ أنَّ التَّوْبِيخَ يَكُونُ بِاسْتِفْهامٍ وبِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ. ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جُمْلَتانِ اسْتِفْهامِيَّتانِ لَيْسَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالأُخْرى مِن حَيْثُ الإعْرابِ: اسْتَفْهِمْهم أوَّلًا عَمّا اسْتَقَرَّ لَهم وثَبَتَ اسْتِفْهامٌ بِإنْكارٍ، وثانِيًا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن هَذا الحُكْمِ الَّذِي حَكَمُوا بِهِ، والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ لِلَّهِ بِالبَناتِ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ، ولَكم بِالبَنِينَ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تُحِبُّونَهُ ؟ . ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَذَكَّرُونَ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى: ألا تَعْتَبِرُونَ وتَتَفَكَّرُونَ فَتَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم. ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ، وهو إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخٍ إلى تَوْبِيخٍ وانْتِقالٌ مِن تَقْرِيعٍ إلى تَقْرِيعٍ. ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فَأْتُوا بِحُجَّتِكُمُ الواضِحَةِ عَلى هَذا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما تَقُولُونَهُ، أوْ فَأْتُوا بِالكُتّابِ الَّذِي يَنْطِقُ لَكم بِالحُجَّةِ ويَشْتَمِلُ عَلَيْها. ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ هُنا المَلائِكَةُ، قِيلَ: لَهم جِنَّةٌ لِأنَّهم لا يُرَوْنَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم بَطْنٌ مِن بُطُونِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنَّةُ. وقالَ أبُو مالِكٍ: إنَّما قِيلَ لَهُمُ الجِنَّةُ لِأنَّهم خُزّانٌ عَلى الجِنانِ. والنَّسَبُ الصِّهْرُ. قالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: قالُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ: إنِ اللَّهَ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتِ المَلائِكَةُ مِن أوْلادِهِمْ، قالا: والقائِلُ بِهَذِهِ المَقالَةِ اليَهُودُ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: إنَّ القائِلَ بِذَلِكَ كِنانَةُ وخُزاعَةُ قالُوا: إنَّ اللَّهَ خَطَبَ إلى ساداتِ الجِنِّ فَزَوَّجُوهُ مِن سَرَواتِ بَناتِهِمْ، فالمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ بَناتِ الجِنِّ. وقالَ الحَسَنُ: أشْرَكُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ اللَّهِ، فَهو النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ يُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ فِيها. وقِيلَ: عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم (p-١٢٥٣)أنْفُسَهم يَحْضُرُونَ لِلْحِسابِ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإحْضارَ إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ العَذابُ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم لَمُحْضَرُونَ إلى الجَنَّةِ. ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أوْ هو حِكايَةٌ لِتَنْزِيهِ المُلْكِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا وصَفَهُ بِهِ المُشْرِكُونَ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ بَرِيئُونَ عَنْ أنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها ومَعْناهُما ما بَيَّناهُ قَرِيبًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَحْضَرِينَ أيْ: إنَّهم يُحْضَرُونَ النّارَ إلّا مَن أخْلَصَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا لا مُنْقَطِعًا، وعَلى هَذا تَكُونُ جُمْلَةُ التَّسْبِيحِ مُعْتَرِضَةً. ثُمَّ خاطَبَ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ أوْ كُفّارَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّكم وآلِهَتَكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: " فاتِنِينَ "، والواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ إمّا لِلْعَطْفِ عَلى اسْمِ إنَّ، أوْ هو بِمَعْنى مَعَ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: فَإنَّكم والَّذِي تَعْبُدُونَ، أوْ وعِبادَتَكم، ومَعْنى " فاتِنِينَ " مُضِلِّينَ، يُقالُ: فَتَنْتُ الرَّجُلَ وأفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَهُ عَنِ الشَّيْءِ وبِالشَّيْءِ كَما يُقالُ: أضَلَّهُ عَلى الشَّيْءِ وأضَلَّهُ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: فَتَنْتُهُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، فالفِتْنَةُ هُنا بِمَعْنى الإضْلالِ والإفْسادِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِآلِهَتِكم إلّا مَن قَدَرَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَصْلى الجَحِيمَ، و" ما " في وما أنْتُمْ نافِيَةٌ وأنْتُمْ خِطابٌ لَهم ولِمَن يَعْبُدُونَهُ عَلى التَّغْلِيبِ. قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ مُجْمِعُونَ فِيما عَلِمْتُ أنَّ المَعْنى: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَرَدَّ بِفِتْنَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَنا فاتِنًا أيْ مُضِلًّا. ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( صالِ ) بِكَسْرِ اللّامِ؛ لِأنَّهُ مَنقُوصٌ مُضافٌ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحُمِلَ عَلى لَفْظِ ( مَن )، وأُفْرِدَ كَما أُفْرِدَ ( هو ) . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّ اللّامِ مَعَ واوٍ بَعْدَها، ورُوِيَ عَنْهُما أنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ اللّامِ بِدُونِ واوٍ. فَأمّا مَعَ الواوِ فَعَلى أنَّهُ جَمْعُ سَلامَةٍ بِالواوِ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُذِفَتْ نُونُ الجَمْعِ لِلْإضافَةِ، وأمّا بِدُونِ الواوِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وإنَّما حُذِفَتِ الواوُ خَطًّا كَما حُذِفَتْ لَفْظًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وحَقُّهُ عَلى هَذا كَسْرُ اللّامِ. قالَ النَّحّاسُ: وجَماعَةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَحْنٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ: هَذا قاضِ المَدِينَةِ، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ وما يَعْبُدُونَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ إلّا مَن هو مِن أهْلِ النّارِ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ مَن سَبَقَ القَضاءُ عَلَيْهِ بِالشَّقاوَةِ، وإنَّهُ مِمَّنْ يَصْلى النّارَ أيْ: يَدْخُلُها. ثُمَّ قالَ المَلائِكَةُ مُخْبِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما حَكاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم. ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وما مَنّا أحَدٌ، أوْ: وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في عِبادَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وما مَنّا إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، رَجَّحَ البَصْرِيُّونَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ، ورَجَّحَ الكُوفِيُّونَ الثّانِيَ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ وفِيهِ مُضْمَرٌ. المَعْنى وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ: في مَواقِفِ الطّاعَةِ. قالَ قَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ صَفُّوا أقْدامَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: صُفُوفُ المَلائِكَةِ في السَّماءِ كَصُفُوفِ أهْلِ الدُّنْيا في الأرْضِ. ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ: المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ المُقَدِّسُونَ لَهُ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُصَلُّونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِمُ المُسَبِّحُونَ مَجْمُوعُ التَّسْبِيحِ بِاللِّسانِ وبِالصَّلاةِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي صِفاتُ المَلائِكَةِ، ولَيْسُوا كَما وصَفَهم بِهِ الكُفّارُ مِن أنَّهم بَناتُ اللَّهِ. ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ أيْ: كانُوا قَبْلَ المَبْعَثِ المُحَمَّدِيِّ إذا عَيُّوا بِالجَهْلِ قالُوا. ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ، وإنَّ في قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ كَفّارُ العَرَبِ لَيَقُولُونَ إلَخْ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الدّالَّةُ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ. قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَجاءَهم مُحَمَّدٌ بِالذِّكْرِ فَكَفَرُوا بِهِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ ومَغَبَّتَهُ، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لَهم شَدِيدٌ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعِيدِ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الكُفّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِالكَلِمَةِ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ الفَرّاءُ: سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بِالسَّعادَةِ لَهم. والأُولى تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِما هو مَذْكُورٌ هُنا، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا وهَذا تَفْسِيرٌ لَها، والمُرادُ بِجُنْدِ اللَّهِ حِزْبُهُ وهُمُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم. قالَ الشَّيْبانِيُّ: جاءَ هُنا عَلى الجَمْعِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ مِن أجْلِ أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وهَذا الوَعْدُ لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ لا يُنافِيهِ انْهِزامُهم في بَعْضِ المَواطِنِ وغَلَبَةُ الكُفّارِ لَهم، فَإنَّ الغالِبَ في كُلِّ مَوْطِنٍ هو انْتِصارُهم عَلى الأعْداءِ وغَلَبَتُهُ لَهم، فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ الغالِبِ، عَلى أنَّ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ مَوْطِنٍ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم والإغْماضِ عَمّا يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ فَقالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. قالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: حَتّى نَأْمُرَكَ بِالقِتالِ. وقالَ قَتادَةُ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: وأبْصِرْهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِالقَتْلِ (p-١٢٥٤)والأسْرِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإبْصارُ، وعَبَّرَ بِالإبْصارِ عَنْ قُرْبِ الأمْرِ أيْ: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَنْ قَرِيبٍ. وقِيلَ: المَعْنى: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ. ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كانُوا يَقُولُونَ مِن فَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ: مَتى هَذا العَذابُ ؟ . ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ: إذا نَزَلَ عَذابُ اللَّهِ لَهم بِفَنائِهِمْ، والسّاحَةُ في اللُّغَةِ: فِناءُ الدّارِ الواسِعِ. قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ سَواءٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِساحَتِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ نَزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والجارُّ والمَجْرُورُ قائِمٌ مُقامَ الفاعِلِ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ: بِئْسَ صَباحُ الَّذِينَ أُنْذِرُوا بِالعَذابِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: صَباحُهم. وخَصَّ الصَّباحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ العَذابَ كانَ يَأْتِيهِمْ فِيهِ. ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - ما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وحَذَفَ مَفْعُولَ " أبْصِرْ " هاهُنا وذَكَرَهُ أوَّلًا إمّا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ هُنا اخْتِصارًا، أوْ قَصْدًا إلى التَّعْمِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ المُرادُ بِها أحْوالُ القِيامَةِ، والجُمْلَةُ الأُولى المُرادُ بِها عَذابُهم في الدُّنْيا، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، بَلْ مِن بابِ التَّأْسِيسِ. ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنْ قَبِيحِ ما يَصْدُرُ مِنهم فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ العِزَّةُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ الشَّرِيفِ، و( رَبِّ العِزَّةِ ) بَدَلٌ مِن رَبِّكَ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَشْرِيفِ رُسُلِهِ وتَكْرِيمِهِمْ فَقالَ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ وبَلَّغُوا رِسالاتِهِ، وهو مِنَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أمْنٌ لَهم وسَلامَةٌ مِنَ المَكارِهِ. ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إرْشادٌ لِعِبادِهِ إلى حَمْدِهِ عَلى إرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وتَعْلِيمٌ لَهم كَيْفَ يَصْنَعُونَ عِنْدَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ وما يُثْنُونَ عَلَيْهِ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ الحَمْدُ عَلى هَلاكِ المُشْرِكِينَ ونَصْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ، والأوْلى أنَّهُ حَمْدٌ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى خَلْقِهِ أجْمَعِينَ كَما يُفِيدُهُ حَذْفُ المَحْمُودِ عَلَيْهِ، فَإنَّ حَذْفَهُ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي، والحَمْدُ هو الثَّناءُ الجَمِيلُ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ: زَعَمَ أعْداءُ اللَّهِ أنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - هو وإبْلِيسُ أخَوانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ قالَ: فَإنَّكم يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ وما تَعْبُدُونَ: يَعْنِي الآلِهَةَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قالَ: بِمُضِلِّينَ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَقُولُ: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِي أنَّهُ سَيَصْلى الجَحِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ يَقُولُ: إنَّكم لا تَضِلُّونَ أنْتُمْ ولا أُضِلُّ مِنكم إلّا مَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ أنَّهُ صالِ الجَحِيمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لا تُفْتَنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «ما في السَّماءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ، وذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾» وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ العَلاءِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ يَوْمًا لِأصْحابِهِ أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾» . وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إنَّ مِنَ السَّماواتِ لَسَماءٌ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ قائِمًا أوْ ساجِدًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ " . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، إنَّ السَّماءَ أطَّتْ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ الصَّحابَةَ أنْ يَصُفُّوا كَما تَصُفُّ المَلائِكَةَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَقالُوا: وكَيْفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ: يُقِيمُونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ ويَتَراصُّونَ في الصَّفِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: لَمّا جاءَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وعِلْمُ الآخِرِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: " «صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْبَرَ وقَدْ خَرَجُوا بِالمَساحِي، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْهِ قالُوا: مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذِرِينَ» . الحَدِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا سَلَّمْتُمْ عَلى المُرْسَلِينَ فَسَلِّمُوا عَلَيَّ فَإنَّما أنا بَشَرٌ مِنَ المُرْسَلِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي العَوّامِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُسَلِّمَ مِن صَلاتِهِ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنّا نَعْرِفُ انْصِرافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلى (p-١٢٥٥)آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ الخَطِيبُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ» . وأخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ في تَرْغِيبِهِ مِن طَرِيقِ الأصْبَغِ بْنِ نُباتَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ نَحْوَهُ. وإلى هُنا انْتَهى الجُزْءُ الثّالِثُ مِن هَذا التَّفْسِيرِ المُبارَكِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، المَقْبُولِ بِفَضْلِ اللَّهِ، بِقَلَمِ مُصَنِّفِهِ الحَقِيرِ " مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما "، في نَهارِ الخَمِيسِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ الحَرامِ مِن شُهُورٍ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ وألْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، حامِدًا لِلَّهِ شاكِرًا لَهُ مُصَلِّيًا مُسَلِّمًا عَلى رَسُولِهِ وآلِهِ، ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ ص. انْتَهى سَماعُ هَذا الجُزْءِ عَلى مُؤَلِّفِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ غُرَّةَ شَهْرِ جَمادى الآخِرَةِ سَنَةَ ١٢٣٩ ه. كَتَبَهُ يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما.

الصافات 37:178

لَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ وقَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْتِفْتائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا مُحَمَّدُ: أيِ: اسْتَخْبِرْهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقٍ ما زَعَمُوهُ مِنَ الكَذِبِ أدْنى الجِنْسَيْنِ وأوْضَعَهُما وهو الإناثُ، ولَهم أعْلاهُما وأرْفَعَهُما وهُمُ الذُّكُورُ، وهَلْ هَذا إلّا حَيْفٌ في القِسْمَةِ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وسُوءِ إدْراكِهِمْ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] . ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ في التَّبْكِيتِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ أيْ: كَيْفَ جَعَلُوهم إناثًا وهم لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ خَلْقِنا لَهم، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم﴾ [الزخرف: ١٩] فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا بِالمُشاهَدَةِ ولَمْ يَشْهَدُوا، ولا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ مِنَ السَّمْعِ، ولا هو مِمّا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ حَتّى يَنْسُبُوا إدْراكَهُ إلى عُقُولِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ كَذِبِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَوْلَهم هَذا هو مِنَ الإفْكِ والِافْتِراءِ مِن دُونِ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةِ دَلِيلٍ فَإنَّهُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ فِعْلًا ماضِيًا مُسْنَدًا إلى اللَّهِ. وقُرِئَ بِإضافَةِ ولَدٍ إلى اللَّهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَقُولُونَ المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيعَهم وتَوْبِيخَهم فَقالَ: ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ حُذِفَ مَعَها هَمْزَةُ الوَصْلِ اسْتِغْناءً بِهِ عَنْها. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ تَثْبُتُ ابْتِداءً وتَسْقُطُ دَرْجًا، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مَنوِيًّا قالَهُ الفَرّاءُ. وحُذِفَ حَرْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى أنِ اصْطَفى وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ. وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِفْهامِ والبَدَلِ. فَقَدْ حَكى جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ أنَّ التَّوْبِيخَ يَكُونُ بِاسْتِفْهامٍ وبِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ. ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جُمْلَتانِ اسْتِفْهامِيَّتانِ لَيْسَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالأُخْرى مِن حَيْثُ الإعْرابِ: اسْتَفْهِمْهم أوَّلًا عَمّا اسْتَقَرَّ لَهم وثَبَتَ اسْتِفْهامٌ بِإنْكارٍ، وثانِيًا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن هَذا الحُكْمِ الَّذِي حَكَمُوا بِهِ، والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ لِلَّهِ بِالبَناتِ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ، ولَكم بِالبَنِينَ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تُحِبُّونَهُ ؟ . ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَذَكَّرُونَ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى: ألا تَعْتَبِرُونَ وتَتَفَكَّرُونَ فَتَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم. ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ، وهو إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخٍ إلى تَوْبِيخٍ وانْتِقالٌ مِن تَقْرِيعٍ إلى تَقْرِيعٍ. ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فَأْتُوا بِحُجَّتِكُمُ الواضِحَةِ عَلى هَذا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما تَقُولُونَهُ، أوْ فَأْتُوا بِالكُتّابِ الَّذِي يَنْطِقُ لَكم بِالحُجَّةِ ويَشْتَمِلُ عَلَيْها. ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ هُنا المَلائِكَةُ، قِيلَ: لَهم جِنَّةٌ لِأنَّهم لا يُرَوْنَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم بَطْنٌ مِن بُطُونِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنَّةُ. وقالَ أبُو مالِكٍ: إنَّما قِيلَ لَهُمُ الجِنَّةُ لِأنَّهم خُزّانٌ عَلى الجِنانِ. والنَّسَبُ الصِّهْرُ. قالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: قالُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ: إنِ اللَّهَ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتِ المَلائِكَةُ مِن أوْلادِهِمْ، قالا: والقائِلُ بِهَذِهِ المَقالَةِ اليَهُودُ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: إنَّ القائِلَ بِذَلِكَ كِنانَةُ وخُزاعَةُ قالُوا: إنَّ اللَّهَ خَطَبَ إلى ساداتِ الجِنِّ فَزَوَّجُوهُ مِن سَرَواتِ بَناتِهِمْ، فالمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ بَناتِ الجِنِّ. وقالَ الحَسَنُ: أشْرَكُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ اللَّهِ، فَهو النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ يُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ فِيها. وقِيلَ: عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم (p-١٢٥٣)أنْفُسَهم يَحْضُرُونَ لِلْحِسابِ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإحْضارَ إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ العَذابُ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم لَمُحْضَرُونَ إلى الجَنَّةِ. ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أوْ هو حِكايَةٌ لِتَنْزِيهِ المُلْكِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا وصَفَهُ بِهِ المُشْرِكُونَ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ بَرِيئُونَ عَنْ أنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها ومَعْناهُما ما بَيَّناهُ قَرِيبًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَحْضَرِينَ أيْ: إنَّهم يُحْضَرُونَ النّارَ إلّا مَن أخْلَصَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا لا مُنْقَطِعًا، وعَلى هَذا تَكُونُ جُمْلَةُ التَّسْبِيحِ مُعْتَرِضَةً. ثُمَّ خاطَبَ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ أوْ كُفّارَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّكم وآلِهَتَكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: " فاتِنِينَ "، والواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ إمّا لِلْعَطْفِ عَلى اسْمِ إنَّ، أوْ هو بِمَعْنى مَعَ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: فَإنَّكم والَّذِي تَعْبُدُونَ، أوْ وعِبادَتَكم، ومَعْنى " فاتِنِينَ " مُضِلِّينَ، يُقالُ: فَتَنْتُ الرَّجُلَ وأفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَهُ عَنِ الشَّيْءِ وبِالشَّيْءِ كَما يُقالُ: أضَلَّهُ عَلى الشَّيْءِ وأضَلَّهُ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: فَتَنْتُهُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، فالفِتْنَةُ هُنا بِمَعْنى الإضْلالِ والإفْسادِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِآلِهَتِكم إلّا مَن قَدَرَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَصْلى الجَحِيمَ، و" ما " في وما أنْتُمْ نافِيَةٌ وأنْتُمْ خِطابٌ لَهم ولِمَن يَعْبُدُونَهُ عَلى التَّغْلِيبِ. قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ مُجْمِعُونَ فِيما عَلِمْتُ أنَّ المَعْنى: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَرَدَّ بِفِتْنَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَنا فاتِنًا أيْ مُضِلًّا. ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( صالِ ) بِكَسْرِ اللّامِ؛ لِأنَّهُ مَنقُوصٌ مُضافٌ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحُمِلَ عَلى لَفْظِ ( مَن )، وأُفْرِدَ كَما أُفْرِدَ ( هو ) . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّ اللّامِ مَعَ واوٍ بَعْدَها، ورُوِيَ عَنْهُما أنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ اللّامِ بِدُونِ واوٍ. فَأمّا مَعَ الواوِ فَعَلى أنَّهُ جَمْعُ سَلامَةٍ بِالواوِ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُذِفَتْ نُونُ الجَمْعِ لِلْإضافَةِ، وأمّا بِدُونِ الواوِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وإنَّما حُذِفَتِ الواوُ خَطًّا كَما حُذِفَتْ لَفْظًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وحَقُّهُ عَلى هَذا كَسْرُ اللّامِ. قالَ النَّحّاسُ: وجَماعَةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَحْنٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ: هَذا قاضِ المَدِينَةِ، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ وما يَعْبُدُونَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ إلّا مَن هو مِن أهْلِ النّارِ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ مَن سَبَقَ القَضاءُ عَلَيْهِ بِالشَّقاوَةِ، وإنَّهُ مِمَّنْ يَصْلى النّارَ أيْ: يَدْخُلُها. ثُمَّ قالَ المَلائِكَةُ مُخْبِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما حَكاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم. ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وما مَنّا أحَدٌ، أوْ: وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في عِبادَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وما مَنّا إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، رَجَّحَ البَصْرِيُّونَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ، ورَجَّحَ الكُوفِيُّونَ الثّانِيَ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ وفِيهِ مُضْمَرٌ. المَعْنى وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ: في مَواقِفِ الطّاعَةِ. قالَ قَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ صَفُّوا أقْدامَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: صُفُوفُ المَلائِكَةِ في السَّماءِ كَصُفُوفِ أهْلِ الدُّنْيا في الأرْضِ. ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ: المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ المُقَدِّسُونَ لَهُ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُصَلُّونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِمُ المُسَبِّحُونَ مَجْمُوعُ التَّسْبِيحِ بِاللِّسانِ وبِالصَّلاةِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي صِفاتُ المَلائِكَةِ، ولَيْسُوا كَما وصَفَهم بِهِ الكُفّارُ مِن أنَّهم بَناتُ اللَّهِ. ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ أيْ: كانُوا قَبْلَ المَبْعَثِ المُحَمَّدِيِّ إذا عَيُّوا بِالجَهْلِ قالُوا. ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ، وإنَّ في قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ كَفّارُ العَرَبِ لَيَقُولُونَ إلَخْ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الدّالَّةُ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ. قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَجاءَهم مُحَمَّدٌ بِالذِّكْرِ فَكَفَرُوا بِهِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ ومَغَبَّتَهُ، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لَهم شَدِيدٌ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعِيدِ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الكُفّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِالكَلِمَةِ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ الفَرّاءُ: سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بِالسَّعادَةِ لَهم. والأُولى تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِما هو مَذْكُورٌ هُنا، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا وهَذا تَفْسِيرٌ لَها، والمُرادُ بِجُنْدِ اللَّهِ حِزْبُهُ وهُمُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم. قالَ الشَّيْبانِيُّ: جاءَ هُنا عَلى الجَمْعِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ مِن أجْلِ أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وهَذا الوَعْدُ لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ لا يُنافِيهِ انْهِزامُهم في بَعْضِ المَواطِنِ وغَلَبَةُ الكُفّارِ لَهم، فَإنَّ الغالِبَ في كُلِّ مَوْطِنٍ هو انْتِصارُهم عَلى الأعْداءِ وغَلَبَتُهُ لَهم، فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ الغالِبِ، عَلى أنَّ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ مَوْطِنٍ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم والإغْماضِ عَمّا يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ فَقالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. قالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: حَتّى نَأْمُرَكَ بِالقِتالِ. وقالَ قَتادَةُ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: وأبْصِرْهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِالقَتْلِ (p-١٢٥٤)والأسْرِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإبْصارُ، وعَبَّرَ بِالإبْصارِ عَنْ قُرْبِ الأمْرِ أيْ: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَنْ قَرِيبٍ. وقِيلَ: المَعْنى: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ. ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كانُوا يَقُولُونَ مِن فَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ: مَتى هَذا العَذابُ ؟ . ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ: إذا نَزَلَ عَذابُ اللَّهِ لَهم بِفَنائِهِمْ، والسّاحَةُ في اللُّغَةِ: فِناءُ الدّارِ الواسِعِ. قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ سَواءٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِساحَتِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ نَزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والجارُّ والمَجْرُورُ قائِمٌ مُقامَ الفاعِلِ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ: بِئْسَ صَباحُ الَّذِينَ أُنْذِرُوا بِالعَذابِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: صَباحُهم. وخَصَّ الصَّباحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ العَذابَ كانَ يَأْتِيهِمْ فِيهِ. ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - ما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وحَذَفَ مَفْعُولَ " أبْصِرْ " هاهُنا وذَكَرَهُ أوَّلًا إمّا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ هُنا اخْتِصارًا، أوْ قَصْدًا إلى التَّعْمِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ المُرادُ بِها أحْوالُ القِيامَةِ، والجُمْلَةُ الأُولى المُرادُ بِها عَذابُهم في الدُّنْيا، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، بَلْ مِن بابِ التَّأْسِيسِ. ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنْ قَبِيحِ ما يَصْدُرُ مِنهم فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ العِزَّةُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ الشَّرِيفِ، و( رَبِّ العِزَّةِ ) بَدَلٌ مِن رَبِّكَ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَشْرِيفِ رُسُلِهِ وتَكْرِيمِهِمْ فَقالَ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ وبَلَّغُوا رِسالاتِهِ، وهو مِنَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أمْنٌ لَهم وسَلامَةٌ مِنَ المَكارِهِ. ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إرْشادٌ لِعِبادِهِ إلى حَمْدِهِ عَلى إرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وتَعْلِيمٌ لَهم كَيْفَ يَصْنَعُونَ عِنْدَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ وما يُثْنُونَ عَلَيْهِ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ الحَمْدُ عَلى هَلاكِ المُشْرِكِينَ ونَصْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ، والأوْلى أنَّهُ حَمْدٌ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى خَلْقِهِ أجْمَعِينَ كَما يُفِيدُهُ حَذْفُ المَحْمُودِ عَلَيْهِ، فَإنَّ حَذْفَهُ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي، والحَمْدُ هو الثَّناءُ الجَمِيلُ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ: زَعَمَ أعْداءُ اللَّهِ أنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - هو وإبْلِيسُ أخَوانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ قالَ: فَإنَّكم يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ وما تَعْبُدُونَ: يَعْنِي الآلِهَةَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قالَ: بِمُضِلِّينَ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَقُولُ: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِي أنَّهُ سَيَصْلى الجَحِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ يَقُولُ: إنَّكم لا تَضِلُّونَ أنْتُمْ ولا أُضِلُّ مِنكم إلّا مَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ أنَّهُ صالِ الجَحِيمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لا تُفْتَنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «ما في السَّماءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ، وذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾» وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ العَلاءِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ يَوْمًا لِأصْحابِهِ أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾» . وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إنَّ مِنَ السَّماواتِ لَسَماءٌ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ قائِمًا أوْ ساجِدًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ " . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، إنَّ السَّماءَ أطَّتْ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ الصَّحابَةَ أنْ يَصُفُّوا كَما تَصُفُّ المَلائِكَةَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَقالُوا: وكَيْفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ: يُقِيمُونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ ويَتَراصُّونَ في الصَّفِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: لَمّا جاءَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وعِلْمُ الآخِرِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: " «صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْبَرَ وقَدْ خَرَجُوا بِالمَساحِي، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْهِ قالُوا: مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذِرِينَ» . الحَدِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا سَلَّمْتُمْ عَلى المُرْسَلِينَ فَسَلِّمُوا عَلَيَّ فَإنَّما أنا بَشَرٌ مِنَ المُرْسَلِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي العَوّامِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُسَلِّمَ مِن صَلاتِهِ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنّا نَعْرِفُ انْصِرافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلى (p-١٢٥٥)آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ الخَطِيبُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ» . وأخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ في تَرْغِيبِهِ مِن طَرِيقِ الأصْبَغِ بْنِ نُباتَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ نَحْوَهُ. وإلى هُنا انْتَهى الجُزْءُ الثّالِثُ مِن هَذا التَّفْسِيرِ المُبارَكِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، المَقْبُولِ بِفَضْلِ اللَّهِ، بِقَلَمِ مُصَنِّفِهِ الحَقِيرِ " مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما "، في نَهارِ الخَمِيسِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ الحَرامِ مِن شُهُورٍ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ وألْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، حامِدًا لِلَّهِ شاكِرًا لَهُ مُصَلِّيًا مُسَلِّمًا عَلى رَسُولِهِ وآلِهِ، ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ ص. انْتَهى سَماعُ هَذا الجُزْءِ عَلى مُؤَلِّفِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ غُرَّةَ شَهْرِ جَمادى الآخِرَةِ سَنَةَ ١٢٣٩ ه. كَتَبَهُ يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما.

الصافات 37:179

لَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ وقَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْتِفْتائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا مُحَمَّدُ: أيِ: اسْتَخْبِرْهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقٍ ما زَعَمُوهُ مِنَ الكَذِبِ أدْنى الجِنْسَيْنِ وأوْضَعَهُما وهو الإناثُ، ولَهم أعْلاهُما وأرْفَعَهُما وهُمُ الذُّكُورُ، وهَلْ هَذا إلّا حَيْفٌ في القِسْمَةِ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وسُوءِ إدْراكِهِمْ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] . ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ في التَّبْكِيتِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ أيْ: كَيْفَ جَعَلُوهم إناثًا وهم لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ خَلْقِنا لَهم، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم﴾ [الزخرف: ١٩] فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا بِالمُشاهَدَةِ ولَمْ يَشْهَدُوا، ولا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ مِنَ السَّمْعِ، ولا هو مِمّا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ حَتّى يَنْسُبُوا إدْراكَهُ إلى عُقُولِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ كَذِبِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَوْلَهم هَذا هو مِنَ الإفْكِ والِافْتِراءِ مِن دُونِ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةِ دَلِيلٍ فَإنَّهُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ فِعْلًا ماضِيًا مُسْنَدًا إلى اللَّهِ. وقُرِئَ بِإضافَةِ ولَدٍ إلى اللَّهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَقُولُونَ المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيعَهم وتَوْبِيخَهم فَقالَ: ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ حُذِفَ مَعَها هَمْزَةُ الوَصْلِ اسْتِغْناءً بِهِ عَنْها. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ تَثْبُتُ ابْتِداءً وتَسْقُطُ دَرْجًا، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مَنوِيًّا قالَهُ الفَرّاءُ. وحُذِفَ حَرْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى أنِ اصْطَفى وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ. وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِفْهامِ والبَدَلِ. فَقَدْ حَكى جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ أنَّ التَّوْبِيخَ يَكُونُ بِاسْتِفْهامٍ وبِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ. ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جُمْلَتانِ اسْتِفْهامِيَّتانِ لَيْسَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالأُخْرى مِن حَيْثُ الإعْرابِ: اسْتَفْهِمْهم أوَّلًا عَمّا اسْتَقَرَّ لَهم وثَبَتَ اسْتِفْهامٌ بِإنْكارٍ، وثانِيًا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن هَذا الحُكْمِ الَّذِي حَكَمُوا بِهِ، والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ لِلَّهِ بِالبَناتِ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ، ولَكم بِالبَنِينَ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تُحِبُّونَهُ ؟ . ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَذَكَّرُونَ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى: ألا تَعْتَبِرُونَ وتَتَفَكَّرُونَ فَتَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم. ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ، وهو إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخٍ إلى تَوْبِيخٍ وانْتِقالٌ مِن تَقْرِيعٍ إلى تَقْرِيعٍ. ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فَأْتُوا بِحُجَّتِكُمُ الواضِحَةِ عَلى هَذا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما تَقُولُونَهُ، أوْ فَأْتُوا بِالكُتّابِ الَّذِي يَنْطِقُ لَكم بِالحُجَّةِ ويَشْتَمِلُ عَلَيْها. ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ هُنا المَلائِكَةُ، قِيلَ: لَهم جِنَّةٌ لِأنَّهم لا يُرَوْنَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم بَطْنٌ مِن بُطُونِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنَّةُ. وقالَ أبُو مالِكٍ: إنَّما قِيلَ لَهُمُ الجِنَّةُ لِأنَّهم خُزّانٌ عَلى الجِنانِ. والنَّسَبُ الصِّهْرُ. قالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: قالُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ: إنِ اللَّهَ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتِ المَلائِكَةُ مِن أوْلادِهِمْ، قالا: والقائِلُ بِهَذِهِ المَقالَةِ اليَهُودُ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: إنَّ القائِلَ بِذَلِكَ كِنانَةُ وخُزاعَةُ قالُوا: إنَّ اللَّهَ خَطَبَ إلى ساداتِ الجِنِّ فَزَوَّجُوهُ مِن سَرَواتِ بَناتِهِمْ، فالمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ بَناتِ الجِنِّ. وقالَ الحَسَنُ: أشْرَكُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ اللَّهِ، فَهو النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ يُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ فِيها. وقِيلَ: عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم (p-١٢٥٣)أنْفُسَهم يَحْضُرُونَ لِلْحِسابِ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإحْضارَ إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ العَذابُ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم لَمُحْضَرُونَ إلى الجَنَّةِ. ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أوْ هو حِكايَةٌ لِتَنْزِيهِ المُلْكِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا وصَفَهُ بِهِ المُشْرِكُونَ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ بَرِيئُونَ عَنْ أنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها ومَعْناهُما ما بَيَّناهُ قَرِيبًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَحْضَرِينَ أيْ: إنَّهم يُحْضَرُونَ النّارَ إلّا مَن أخْلَصَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا لا مُنْقَطِعًا، وعَلى هَذا تَكُونُ جُمْلَةُ التَّسْبِيحِ مُعْتَرِضَةً. ثُمَّ خاطَبَ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ أوْ كُفّارَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّكم وآلِهَتَكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: " فاتِنِينَ "، والواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ إمّا لِلْعَطْفِ عَلى اسْمِ إنَّ، أوْ هو بِمَعْنى مَعَ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: فَإنَّكم والَّذِي تَعْبُدُونَ، أوْ وعِبادَتَكم، ومَعْنى " فاتِنِينَ " مُضِلِّينَ، يُقالُ: فَتَنْتُ الرَّجُلَ وأفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَهُ عَنِ الشَّيْءِ وبِالشَّيْءِ كَما يُقالُ: أضَلَّهُ عَلى الشَّيْءِ وأضَلَّهُ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: فَتَنْتُهُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، فالفِتْنَةُ هُنا بِمَعْنى الإضْلالِ والإفْسادِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِآلِهَتِكم إلّا مَن قَدَرَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَصْلى الجَحِيمَ، و" ما " في وما أنْتُمْ نافِيَةٌ وأنْتُمْ خِطابٌ لَهم ولِمَن يَعْبُدُونَهُ عَلى التَّغْلِيبِ. قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ مُجْمِعُونَ فِيما عَلِمْتُ أنَّ المَعْنى: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَرَدَّ بِفِتْنَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَنا فاتِنًا أيْ مُضِلًّا. ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( صالِ ) بِكَسْرِ اللّامِ؛ لِأنَّهُ مَنقُوصٌ مُضافٌ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحُمِلَ عَلى لَفْظِ ( مَن )، وأُفْرِدَ كَما أُفْرِدَ ( هو ) . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّ اللّامِ مَعَ واوٍ بَعْدَها، ورُوِيَ عَنْهُما أنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ اللّامِ بِدُونِ واوٍ. فَأمّا مَعَ الواوِ فَعَلى أنَّهُ جَمْعُ سَلامَةٍ بِالواوِ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُذِفَتْ نُونُ الجَمْعِ لِلْإضافَةِ، وأمّا بِدُونِ الواوِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وإنَّما حُذِفَتِ الواوُ خَطًّا كَما حُذِفَتْ لَفْظًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وحَقُّهُ عَلى هَذا كَسْرُ اللّامِ. قالَ النَّحّاسُ: وجَماعَةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَحْنٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ: هَذا قاضِ المَدِينَةِ، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ وما يَعْبُدُونَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ إلّا مَن هو مِن أهْلِ النّارِ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ مَن سَبَقَ القَضاءُ عَلَيْهِ بِالشَّقاوَةِ، وإنَّهُ مِمَّنْ يَصْلى النّارَ أيْ: يَدْخُلُها. ثُمَّ قالَ المَلائِكَةُ مُخْبِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما حَكاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم. ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وما مَنّا أحَدٌ، أوْ: وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في عِبادَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وما مَنّا إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، رَجَّحَ البَصْرِيُّونَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ، ورَجَّحَ الكُوفِيُّونَ الثّانِيَ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ وفِيهِ مُضْمَرٌ. المَعْنى وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ: في مَواقِفِ الطّاعَةِ. قالَ قَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ صَفُّوا أقْدامَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: صُفُوفُ المَلائِكَةِ في السَّماءِ كَصُفُوفِ أهْلِ الدُّنْيا في الأرْضِ. ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ: المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ المُقَدِّسُونَ لَهُ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُصَلُّونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِمُ المُسَبِّحُونَ مَجْمُوعُ التَّسْبِيحِ بِاللِّسانِ وبِالصَّلاةِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي صِفاتُ المَلائِكَةِ، ولَيْسُوا كَما وصَفَهم بِهِ الكُفّارُ مِن أنَّهم بَناتُ اللَّهِ. ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ أيْ: كانُوا قَبْلَ المَبْعَثِ المُحَمَّدِيِّ إذا عَيُّوا بِالجَهْلِ قالُوا. ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ، وإنَّ في قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ كَفّارُ العَرَبِ لَيَقُولُونَ إلَخْ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الدّالَّةُ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ. قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَجاءَهم مُحَمَّدٌ بِالذِّكْرِ فَكَفَرُوا بِهِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ ومَغَبَّتَهُ، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لَهم شَدِيدٌ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعِيدِ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الكُفّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِالكَلِمَةِ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ الفَرّاءُ: سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بِالسَّعادَةِ لَهم. والأُولى تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِما هو مَذْكُورٌ هُنا، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا وهَذا تَفْسِيرٌ لَها، والمُرادُ بِجُنْدِ اللَّهِ حِزْبُهُ وهُمُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم. قالَ الشَّيْبانِيُّ: جاءَ هُنا عَلى الجَمْعِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ مِن أجْلِ أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وهَذا الوَعْدُ لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ لا يُنافِيهِ انْهِزامُهم في بَعْضِ المَواطِنِ وغَلَبَةُ الكُفّارِ لَهم، فَإنَّ الغالِبَ في كُلِّ مَوْطِنٍ هو انْتِصارُهم عَلى الأعْداءِ وغَلَبَتُهُ لَهم، فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ الغالِبِ، عَلى أنَّ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ مَوْطِنٍ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم والإغْماضِ عَمّا يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ فَقالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. قالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: حَتّى نَأْمُرَكَ بِالقِتالِ. وقالَ قَتادَةُ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: وأبْصِرْهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِالقَتْلِ (p-١٢٥٤)والأسْرِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإبْصارُ، وعَبَّرَ بِالإبْصارِ عَنْ قُرْبِ الأمْرِ أيْ: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَنْ قَرِيبٍ. وقِيلَ: المَعْنى: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ. ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كانُوا يَقُولُونَ مِن فَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ: مَتى هَذا العَذابُ ؟ . ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ: إذا نَزَلَ عَذابُ اللَّهِ لَهم بِفَنائِهِمْ، والسّاحَةُ في اللُّغَةِ: فِناءُ الدّارِ الواسِعِ. قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ سَواءٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِساحَتِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ نَزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والجارُّ والمَجْرُورُ قائِمٌ مُقامَ الفاعِلِ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ: بِئْسَ صَباحُ الَّذِينَ أُنْذِرُوا بِالعَذابِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: صَباحُهم. وخَصَّ الصَّباحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ العَذابَ كانَ يَأْتِيهِمْ فِيهِ. ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - ما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وحَذَفَ مَفْعُولَ " أبْصِرْ " هاهُنا وذَكَرَهُ أوَّلًا إمّا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ هُنا اخْتِصارًا، أوْ قَصْدًا إلى التَّعْمِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ المُرادُ بِها أحْوالُ القِيامَةِ، والجُمْلَةُ الأُولى المُرادُ بِها عَذابُهم في الدُّنْيا، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، بَلْ مِن بابِ التَّأْسِيسِ. ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنْ قَبِيحِ ما يَصْدُرُ مِنهم فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ العِزَّةُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ الشَّرِيفِ، و( رَبِّ العِزَّةِ ) بَدَلٌ مِن رَبِّكَ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَشْرِيفِ رُسُلِهِ وتَكْرِيمِهِمْ فَقالَ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ وبَلَّغُوا رِسالاتِهِ، وهو مِنَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أمْنٌ لَهم وسَلامَةٌ مِنَ المَكارِهِ. ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إرْشادٌ لِعِبادِهِ إلى حَمْدِهِ عَلى إرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وتَعْلِيمٌ لَهم كَيْفَ يَصْنَعُونَ عِنْدَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ وما يُثْنُونَ عَلَيْهِ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ الحَمْدُ عَلى هَلاكِ المُشْرِكِينَ ونَصْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ، والأوْلى أنَّهُ حَمْدٌ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى خَلْقِهِ أجْمَعِينَ كَما يُفِيدُهُ حَذْفُ المَحْمُودِ عَلَيْهِ، فَإنَّ حَذْفَهُ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي، والحَمْدُ هو الثَّناءُ الجَمِيلُ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ: زَعَمَ أعْداءُ اللَّهِ أنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - هو وإبْلِيسُ أخَوانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ قالَ: فَإنَّكم يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ وما تَعْبُدُونَ: يَعْنِي الآلِهَةَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قالَ: بِمُضِلِّينَ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَقُولُ: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِي أنَّهُ سَيَصْلى الجَحِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ يَقُولُ: إنَّكم لا تَضِلُّونَ أنْتُمْ ولا أُضِلُّ مِنكم إلّا مَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ أنَّهُ صالِ الجَحِيمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لا تُفْتَنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «ما في السَّماءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ، وذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾» وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ العَلاءِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ يَوْمًا لِأصْحابِهِ أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾» . وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إنَّ مِنَ السَّماواتِ لَسَماءٌ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ قائِمًا أوْ ساجِدًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ " . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، إنَّ السَّماءَ أطَّتْ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ الصَّحابَةَ أنْ يَصُفُّوا كَما تَصُفُّ المَلائِكَةَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَقالُوا: وكَيْفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ: يُقِيمُونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ ويَتَراصُّونَ في الصَّفِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: لَمّا جاءَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وعِلْمُ الآخِرِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: " «صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْبَرَ وقَدْ خَرَجُوا بِالمَساحِي، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْهِ قالُوا: مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذِرِينَ» . الحَدِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا سَلَّمْتُمْ عَلى المُرْسَلِينَ فَسَلِّمُوا عَلَيَّ فَإنَّما أنا بَشَرٌ مِنَ المُرْسَلِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي العَوّامِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُسَلِّمَ مِن صَلاتِهِ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنّا نَعْرِفُ انْصِرافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلى (p-١٢٥٥)آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ الخَطِيبُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ» . وأخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ في تَرْغِيبِهِ مِن طَرِيقِ الأصْبَغِ بْنِ نُباتَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ نَحْوَهُ. وإلى هُنا انْتَهى الجُزْءُ الثّالِثُ مِن هَذا التَّفْسِيرِ المُبارَكِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، المَقْبُولِ بِفَضْلِ اللَّهِ، بِقَلَمِ مُصَنِّفِهِ الحَقِيرِ " مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما "، في نَهارِ الخَمِيسِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ الحَرامِ مِن شُهُورٍ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ وألْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، حامِدًا لِلَّهِ شاكِرًا لَهُ مُصَلِّيًا مُسَلِّمًا عَلى رَسُولِهِ وآلِهِ، ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ ص. انْتَهى سَماعُ هَذا الجُزْءِ عَلى مُؤَلِّفِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ غُرَّةَ شَهْرِ جَمادى الآخِرَةِ سَنَةَ ١٢٣٩ ه. كَتَبَهُ يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما.

الصافات 37:180

لَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ وقَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْتِفْتائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا مُحَمَّدُ: أيِ: اسْتَخْبِرْهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقٍ ما زَعَمُوهُ مِنَ الكَذِبِ أدْنى الجِنْسَيْنِ وأوْضَعَهُما وهو الإناثُ، ولَهم أعْلاهُما وأرْفَعَهُما وهُمُ الذُّكُورُ، وهَلْ هَذا إلّا حَيْفٌ في القِسْمَةِ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وسُوءِ إدْراكِهِمْ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] . ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ في التَّبْكِيتِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ أيْ: كَيْفَ جَعَلُوهم إناثًا وهم لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ خَلْقِنا لَهم، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم﴾ [الزخرف: ١٩] فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا بِالمُشاهَدَةِ ولَمْ يَشْهَدُوا، ولا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ مِنَ السَّمْعِ، ولا هو مِمّا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ حَتّى يَنْسُبُوا إدْراكَهُ إلى عُقُولِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ كَذِبِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَوْلَهم هَذا هو مِنَ الإفْكِ والِافْتِراءِ مِن دُونِ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةِ دَلِيلٍ فَإنَّهُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ فِعْلًا ماضِيًا مُسْنَدًا إلى اللَّهِ. وقُرِئَ بِإضافَةِ ولَدٍ إلى اللَّهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَقُولُونَ المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيعَهم وتَوْبِيخَهم فَقالَ: ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ حُذِفَ مَعَها هَمْزَةُ الوَصْلِ اسْتِغْناءً بِهِ عَنْها. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ تَثْبُتُ ابْتِداءً وتَسْقُطُ دَرْجًا، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مَنوِيًّا قالَهُ الفَرّاءُ. وحُذِفَ حَرْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى أنِ اصْطَفى وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ. وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِفْهامِ والبَدَلِ. فَقَدْ حَكى جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ أنَّ التَّوْبِيخَ يَكُونُ بِاسْتِفْهامٍ وبِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ. ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جُمْلَتانِ اسْتِفْهامِيَّتانِ لَيْسَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالأُخْرى مِن حَيْثُ الإعْرابِ: اسْتَفْهِمْهم أوَّلًا عَمّا اسْتَقَرَّ لَهم وثَبَتَ اسْتِفْهامٌ بِإنْكارٍ، وثانِيًا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن هَذا الحُكْمِ الَّذِي حَكَمُوا بِهِ، والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ لِلَّهِ بِالبَناتِ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ، ولَكم بِالبَنِينَ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تُحِبُّونَهُ ؟ . ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَذَكَّرُونَ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى: ألا تَعْتَبِرُونَ وتَتَفَكَّرُونَ فَتَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم. ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ، وهو إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخٍ إلى تَوْبِيخٍ وانْتِقالٌ مِن تَقْرِيعٍ إلى تَقْرِيعٍ. ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فَأْتُوا بِحُجَّتِكُمُ الواضِحَةِ عَلى هَذا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما تَقُولُونَهُ، أوْ فَأْتُوا بِالكُتّابِ الَّذِي يَنْطِقُ لَكم بِالحُجَّةِ ويَشْتَمِلُ عَلَيْها. ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ هُنا المَلائِكَةُ، قِيلَ: لَهم جِنَّةٌ لِأنَّهم لا يُرَوْنَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم بَطْنٌ مِن بُطُونِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنَّةُ. وقالَ أبُو مالِكٍ: إنَّما قِيلَ لَهُمُ الجِنَّةُ لِأنَّهم خُزّانٌ عَلى الجِنانِ. والنَّسَبُ الصِّهْرُ. قالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: قالُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ: إنِ اللَّهَ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتِ المَلائِكَةُ مِن أوْلادِهِمْ، قالا: والقائِلُ بِهَذِهِ المَقالَةِ اليَهُودُ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: إنَّ القائِلَ بِذَلِكَ كِنانَةُ وخُزاعَةُ قالُوا: إنَّ اللَّهَ خَطَبَ إلى ساداتِ الجِنِّ فَزَوَّجُوهُ مِن سَرَواتِ بَناتِهِمْ، فالمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ بَناتِ الجِنِّ. وقالَ الحَسَنُ: أشْرَكُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ اللَّهِ، فَهو النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ يُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ فِيها. وقِيلَ: عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم (p-١٢٥٣)أنْفُسَهم يَحْضُرُونَ لِلْحِسابِ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإحْضارَ إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ العَذابُ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم لَمُحْضَرُونَ إلى الجَنَّةِ. ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أوْ هو حِكايَةٌ لِتَنْزِيهِ المُلْكِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا وصَفَهُ بِهِ المُشْرِكُونَ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ بَرِيئُونَ عَنْ أنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها ومَعْناهُما ما بَيَّناهُ قَرِيبًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَحْضَرِينَ أيْ: إنَّهم يُحْضَرُونَ النّارَ إلّا مَن أخْلَصَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا لا مُنْقَطِعًا، وعَلى هَذا تَكُونُ جُمْلَةُ التَّسْبِيحِ مُعْتَرِضَةً. ثُمَّ خاطَبَ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ أوْ كُفّارَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّكم وآلِهَتَكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: " فاتِنِينَ "، والواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ إمّا لِلْعَطْفِ عَلى اسْمِ إنَّ، أوْ هو بِمَعْنى مَعَ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: فَإنَّكم والَّذِي تَعْبُدُونَ، أوْ وعِبادَتَكم، ومَعْنى " فاتِنِينَ " مُضِلِّينَ، يُقالُ: فَتَنْتُ الرَّجُلَ وأفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَهُ عَنِ الشَّيْءِ وبِالشَّيْءِ كَما يُقالُ: أضَلَّهُ عَلى الشَّيْءِ وأضَلَّهُ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: فَتَنْتُهُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، فالفِتْنَةُ هُنا بِمَعْنى الإضْلالِ والإفْسادِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِآلِهَتِكم إلّا مَن قَدَرَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَصْلى الجَحِيمَ، و" ما " في وما أنْتُمْ نافِيَةٌ وأنْتُمْ خِطابٌ لَهم ولِمَن يَعْبُدُونَهُ عَلى التَّغْلِيبِ. قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ مُجْمِعُونَ فِيما عَلِمْتُ أنَّ المَعْنى: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَرَدَّ بِفِتْنَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَنا فاتِنًا أيْ مُضِلًّا. ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( صالِ ) بِكَسْرِ اللّامِ؛ لِأنَّهُ مَنقُوصٌ مُضافٌ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحُمِلَ عَلى لَفْظِ ( مَن )، وأُفْرِدَ كَما أُفْرِدَ ( هو ) . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّ اللّامِ مَعَ واوٍ بَعْدَها، ورُوِيَ عَنْهُما أنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ اللّامِ بِدُونِ واوٍ. فَأمّا مَعَ الواوِ فَعَلى أنَّهُ جَمْعُ سَلامَةٍ بِالواوِ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُذِفَتْ نُونُ الجَمْعِ لِلْإضافَةِ، وأمّا بِدُونِ الواوِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وإنَّما حُذِفَتِ الواوُ خَطًّا كَما حُذِفَتْ لَفْظًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وحَقُّهُ عَلى هَذا كَسْرُ اللّامِ. قالَ النَّحّاسُ: وجَماعَةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَحْنٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ: هَذا قاضِ المَدِينَةِ، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ وما يَعْبُدُونَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ إلّا مَن هو مِن أهْلِ النّارِ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ مَن سَبَقَ القَضاءُ عَلَيْهِ بِالشَّقاوَةِ، وإنَّهُ مِمَّنْ يَصْلى النّارَ أيْ: يَدْخُلُها. ثُمَّ قالَ المَلائِكَةُ مُخْبِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما حَكاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم. ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وما مَنّا أحَدٌ، أوْ: وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في عِبادَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وما مَنّا إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، رَجَّحَ البَصْرِيُّونَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ، ورَجَّحَ الكُوفِيُّونَ الثّانِيَ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ وفِيهِ مُضْمَرٌ. المَعْنى وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ: في مَواقِفِ الطّاعَةِ. قالَ قَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ صَفُّوا أقْدامَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: صُفُوفُ المَلائِكَةِ في السَّماءِ كَصُفُوفِ أهْلِ الدُّنْيا في الأرْضِ. ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ: المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ المُقَدِّسُونَ لَهُ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُصَلُّونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِمُ المُسَبِّحُونَ مَجْمُوعُ التَّسْبِيحِ بِاللِّسانِ وبِالصَّلاةِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي صِفاتُ المَلائِكَةِ، ولَيْسُوا كَما وصَفَهم بِهِ الكُفّارُ مِن أنَّهم بَناتُ اللَّهِ. ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ أيْ: كانُوا قَبْلَ المَبْعَثِ المُحَمَّدِيِّ إذا عَيُّوا بِالجَهْلِ قالُوا. ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ، وإنَّ في قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ كَفّارُ العَرَبِ لَيَقُولُونَ إلَخْ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الدّالَّةُ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ. قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَجاءَهم مُحَمَّدٌ بِالذِّكْرِ فَكَفَرُوا بِهِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ ومَغَبَّتَهُ، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لَهم شَدِيدٌ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعِيدِ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الكُفّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِالكَلِمَةِ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ الفَرّاءُ: سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بِالسَّعادَةِ لَهم. والأُولى تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِما هو مَذْكُورٌ هُنا، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا وهَذا تَفْسِيرٌ لَها، والمُرادُ بِجُنْدِ اللَّهِ حِزْبُهُ وهُمُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم. قالَ الشَّيْبانِيُّ: جاءَ هُنا عَلى الجَمْعِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ مِن أجْلِ أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وهَذا الوَعْدُ لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ لا يُنافِيهِ انْهِزامُهم في بَعْضِ المَواطِنِ وغَلَبَةُ الكُفّارِ لَهم، فَإنَّ الغالِبَ في كُلِّ مَوْطِنٍ هو انْتِصارُهم عَلى الأعْداءِ وغَلَبَتُهُ لَهم، فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ الغالِبِ، عَلى أنَّ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ مَوْطِنٍ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم والإغْماضِ عَمّا يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ فَقالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. قالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: حَتّى نَأْمُرَكَ بِالقِتالِ. وقالَ قَتادَةُ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: وأبْصِرْهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِالقَتْلِ (p-١٢٥٤)والأسْرِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإبْصارُ، وعَبَّرَ بِالإبْصارِ عَنْ قُرْبِ الأمْرِ أيْ: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَنْ قَرِيبٍ. وقِيلَ: المَعْنى: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ. ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كانُوا يَقُولُونَ مِن فَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ: مَتى هَذا العَذابُ ؟ . ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ: إذا نَزَلَ عَذابُ اللَّهِ لَهم بِفَنائِهِمْ، والسّاحَةُ في اللُّغَةِ: فِناءُ الدّارِ الواسِعِ. قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ سَواءٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِساحَتِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ نَزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والجارُّ والمَجْرُورُ قائِمٌ مُقامَ الفاعِلِ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ: بِئْسَ صَباحُ الَّذِينَ أُنْذِرُوا بِالعَذابِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: صَباحُهم. وخَصَّ الصَّباحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ العَذابَ كانَ يَأْتِيهِمْ فِيهِ. ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - ما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وحَذَفَ مَفْعُولَ " أبْصِرْ " هاهُنا وذَكَرَهُ أوَّلًا إمّا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ هُنا اخْتِصارًا، أوْ قَصْدًا إلى التَّعْمِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ المُرادُ بِها أحْوالُ القِيامَةِ، والجُمْلَةُ الأُولى المُرادُ بِها عَذابُهم في الدُّنْيا، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، بَلْ مِن بابِ التَّأْسِيسِ. ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنْ قَبِيحِ ما يَصْدُرُ مِنهم فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ العِزَّةُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ الشَّرِيفِ، و( رَبِّ العِزَّةِ ) بَدَلٌ مِن رَبِّكَ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَشْرِيفِ رُسُلِهِ وتَكْرِيمِهِمْ فَقالَ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ وبَلَّغُوا رِسالاتِهِ، وهو مِنَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أمْنٌ لَهم وسَلامَةٌ مِنَ المَكارِهِ. ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إرْشادٌ لِعِبادِهِ إلى حَمْدِهِ عَلى إرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وتَعْلِيمٌ لَهم كَيْفَ يَصْنَعُونَ عِنْدَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ وما يُثْنُونَ عَلَيْهِ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ الحَمْدُ عَلى هَلاكِ المُشْرِكِينَ ونَصْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ، والأوْلى أنَّهُ حَمْدٌ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى خَلْقِهِ أجْمَعِينَ كَما يُفِيدُهُ حَذْفُ المَحْمُودِ عَلَيْهِ، فَإنَّ حَذْفَهُ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي، والحَمْدُ هو الثَّناءُ الجَمِيلُ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ: زَعَمَ أعْداءُ اللَّهِ أنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - هو وإبْلِيسُ أخَوانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ قالَ: فَإنَّكم يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ وما تَعْبُدُونَ: يَعْنِي الآلِهَةَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قالَ: بِمُضِلِّينَ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَقُولُ: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِي أنَّهُ سَيَصْلى الجَحِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ يَقُولُ: إنَّكم لا تَضِلُّونَ أنْتُمْ ولا أُضِلُّ مِنكم إلّا مَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ أنَّهُ صالِ الجَحِيمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لا تُفْتَنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «ما في السَّماءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ، وذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾» وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ العَلاءِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ يَوْمًا لِأصْحابِهِ أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾» . وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إنَّ مِنَ السَّماواتِ لَسَماءٌ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ قائِمًا أوْ ساجِدًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ " . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، إنَّ السَّماءَ أطَّتْ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ الصَّحابَةَ أنْ يَصُفُّوا كَما تَصُفُّ المَلائِكَةَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَقالُوا: وكَيْفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ: يُقِيمُونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ ويَتَراصُّونَ في الصَّفِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: لَمّا جاءَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وعِلْمُ الآخِرِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: " «صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْبَرَ وقَدْ خَرَجُوا بِالمَساحِي، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْهِ قالُوا: مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذِرِينَ» . الحَدِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا سَلَّمْتُمْ عَلى المُرْسَلِينَ فَسَلِّمُوا عَلَيَّ فَإنَّما أنا بَشَرٌ مِنَ المُرْسَلِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي العَوّامِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُسَلِّمَ مِن صَلاتِهِ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنّا نَعْرِفُ انْصِرافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلى (p-١٢٥٥)آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ الخَطِيبُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ» . وأخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ في تَرْغِيبِهِ مِن طَرِيقِ الأصْبَغِ بْنِ نُباتَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ نَحْوَهُ. وإلى هُنا انْتَهى الجُزْءُ الثّالِثُ مِن هَذا التَّفْسِيرِ المُبارَكِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، المَقْبُولِ بِفَضْلِ اللَّهِ، بِقَلَمِ مُصَنِّفِهِ الحَقِيرِ " مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما "، في نَهارِ الخَمِيسِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ الحَرامِ مِن شُهُورٍ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ وألْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، حامِدًا لِلَّهِ شاكِرًا لَهُ مُصَلِّيًا مُسَلِّمًا عَلى رَسُولِهِ وآلِهِ، ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ ص. انْتَهى سَماعُ هَذا الجُزْءِ عَلى مُؤَلِّفِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ غُرَّةَ شَهْرِ جَمادى الآخِرَةِ سَنَةَ ١٢٣٩ ه. كَتَبَهُ يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما.

الصافات 37:181

لَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ وقَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْتِفْتائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا مُحَمَّدُ: أيِ: اسْتَخْبِرْهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقٍ ما زَعَمُوهُ مِنَ الكَذِبِ أدْنى الجِنْسَيْنِ وأوْضَعَهُما وهو الإناثُ، ولَهم أعْلاهُما وأرْفَعَهُما وهُمُ الذُّكُورُ، وهَلْ هَذا إلّا حَيْفٌ في القِسْمَةِ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وسُوءِ إدْراكِهِمْ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] . ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ في التَّبْكِيتِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ أيْ: كَيْفَ جَعَلُوهم إناثًا وهم لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ خَلْقِنا لَهم، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم﴾ [الزخرف: ١٩] فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا بِالمُشاهَدَةِ ولَمْ يَشْهَدُوا، ولا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ مِنَ السَّمْعِ، ولا هو مِمّا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ حَتّى يَنْسُبُوا إدْراكَهُ إلى عُقُولِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ كَذِبِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَوْلَهم هَذا هو مِنَ الإفْكِ والِافْتِراءِ مِن دُونِ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةِ دَلِيلٍ فَإنَّهُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ فِعْلًا ماضِيًا مُسْنَدًا إلى اللَّهِ. وقُرِئَ بِإضافَةِ ولَدٍ إلى اللَّهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَقُولُونَ المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيعَهم وتَوْبِيخَهم فَقالَ: ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ حُذِفَ مَعَها هَمْزَةُ الوَصْلِ اسْتِغْناءً بِهِ عَنْها. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ تَثْبُتُ ابْتِداءً وتَسْقُطُ دَرْجًا، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مَنوِيًّا قالَهُ الفَرّاءُ. وحُذِفَ حَرْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى أنِ اصْطَفى وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ. وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِفْهامِ والبَدَلِ. فَقَدْ حَكى جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ أنَّ التَّوْبِيخَ يَكُونُ بِاسْتِفْهامٍ وبِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ. ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جُمْلَتانِ اسْتِفْهامِيَّتانِ لَيْسَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالأُخْرى مِن حَيْثُ الإعْرابِ: اسْتَفْهِمْهم أوَّلًا عَمّا اسْتَقَرَّ لَهم وثَبَتَ اسْتِفْهامٌ بِإنْكارٍ، وثانِيًا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن هَذا الحُكْمِ الَّذِي حَكَمُوا بِهِ، والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ لِلَّهِ بِالبَناتِ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ، ولَكم بِالبَنِينَ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تُحِبُّونَهُ ؟ . ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَذَكَّرُونَ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى: ألا تَعْتَبِرُونَ وتَتَفَكَّرُونَ فَتَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم. ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ، وهو إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخٍ إلى تَوْبِيخٍ وانْتِقالٌ مِن تَقْرِيعٍ إلى تَقْرِيعٍ. ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فَأْتُوا بِحُجَّتِكُمُ الواضِحَةِ عَلى هَذا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما تَقُولُونَهُ، أوْ فَأْتُوا بِالكُتّابِ الَّذِي يَنْطِقُ لَكم بِالحُجَّةِ ويَشْتَمِلُ عَلَيْها. ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ هُنا المَلائِكَةُ، قِيلَ: لَهم جِنَّةٌ لِأنَّهم لا يُرَوْنَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم بَطْنٌ مِن بُطُونِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنَّةُ. وقالَ أبُو مالِكٍ: إنَّما قِيلَ لَهُمُ الجِنَّةُ لِأنَّهم خُزّانٌ عَلى الجِنانِ. والنَّسَبُ الصِّهْرُ. قالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: قالُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ: إنِ اللَّهَ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتِ المَلائِكَةُ مِن أوْلادِهِمْ، قالا: والقائِلُ بِهَذِهِ المَقالَةِ اليَهُودُ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: إنَّ القائِلَ بِذَلِكَ كِنانَةُ وخُزاعَةُ قالُوا: إنَّ اللَّهَ خَطَبَ إلى ساداتِ الجِنِّ فَزَوَّجُوهُ مِن سَرَواتِ بَناتِهِمْ، فالمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ بَناتِ الجِنِّ. وقالَ الحَسَنُ: أشْرَكُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ اللَّهِ، فَهو النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ يُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ فِيها. وقِيلَ: عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم (p-١٢٥٣)أنْفُسَهم يَحْضُرُونَ لِلْحِسابِ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإحْضارَ إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ العَذابُ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم لَمُحْضَرُونَ إلى الجَنَّةِ. ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أوْ هو حِكايَةٌ لِتَنْزِيهِ المُلْكِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا وصَفَهُ بِهِ المُشْرِكُونَ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ بَرِيئُونَ عَنْ أنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها ومَعْناهُما ما بَيَّناهُ قَرِيبًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَحْضَرِينَ أيْ: إنَّهم يُحْضَرُونَ النّارَ إلّا مَن أخْلَصَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا لا مُنْقَطِعًا، وعَلى هَذا تَكُونُ جُمْلَةُ التَّسْبِيحِ مُعْتَرِضَةً. ثُمَّ خاطَبَ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ أوْ كُفّارَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّكم وآلِهَتَكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: " فاتِنِينَ "، والواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ إمّا لِلْعَطْفِ عَلى اسْمِ إنَّ، أوْ هو بِمَعْنى مَعَ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: فَإنَّكم والَّذِي تَعْبُدُونَ، أوْ وعِبادَتَكم، ومَعْنى " فاتِنِينَ " مُضِلِّينَ، يُقالُ: فَتَنْتُ الرَّجُلَ وأفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَهُ عَنِ الشَّيْءِ وبِالشَّيْءِ كَما يُقالُ: أضَلَّهُ عَلى الشَّيْءِ وأضَلَّهُ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: فَتَنْتُهُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، فالفِتْنَةُ هُنا بِمَعْنى الإضْلالِ والإفْسادِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِآلِهَتِكم إلّا مَن قَدَرَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَصْلى الجَحِيمَ، و" ما " في وما أنْتُمْ نافِيَةٌ وأنْتُمْ خِطابٌ لَهم ولِمَن يَعْبُدُونَهُ عَلى التَّغْلِيبِ. قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ مُجْمِعُونَ فِيما عَلِمْتُ أنَّ المَعْنى: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَرَدَّ بِفِتْنَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَنا فاتِنًا أيْ مُضِلًّا. ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( صالِ ) بِكَسْرِ اللّامِ؛ لِأنَّهُ مَنقُوصٌ مُضافٌ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحُمِلَ عَلى لَفْظِ ( مَن )، وأُفْرِدَ كَما أُفْرِدَ ( هو ) . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّ اللّامِ مَعَ واوٍ بَعْدَها، ورُوِيَ عَنْهُما أنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ اللّامِ بِدُونِ واوٍ. فَأمّا مَعَ الواوِ فَعَلى أنَّهُ جَمْعُ سَلامَةٍ بِالواوِ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُذِفَتْ نُونُ الجَمْعِ لِلْإضافَةِ، وأمّا بِدُونِ الواوِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وإنَّما حُذِفَتِ الواوُ خَطًّا كَما حُذِفَتْ لَفْظًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وحَقُّهُ عَلى هَذا كَسْرُ اللّامِ. قالَ النَّحّاسُ: وجَماعَةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَحْنٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ: هَذا قاضِ المَدِينَةِ، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ وما يَعْبُدُونَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ إلّا مَن هو مِن أهْلِ النّارِ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ مَن سَبَقَ القَضاءُ عَلَيْهِ بِالشَّقاوَةِ، وإنَّهُ مِمَّنْ يَصْلى النّارَ أيْ: يَدْخُلُها. ثُمَّ قالَ المَلائِكَةُ مُخْبِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما حَكاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم. ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وما مَنّا أحَدٌ، أوْ: وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في عِبادَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وما مَنّا إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، رَجَّحَ البَصْرِيُّونَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ، ورَجَّحَ الكُوفِيُّونَ الثّانِيَ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ وفِيهِ مُضْمَرٌ. المَعْنى وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ: في مَواقِفِ الطّاعَةِ. قالَ قَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ صَفُّوا أقْدامَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: صُفُوفُ المَلائِكَةِ في السَّماءِ كَصُفُوفِ أهْلِ الدُّنْيا في الأرْضِ. ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ: المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ المُقَدِّسُونَ لَهُ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُصَلُّونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِمُ المُسَبِّحُونَ مَجْمُوعُ التَّسْبِيحِ بِاللِّسانِ وبِالصَّلاةِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي صِفاتُ المَلائِكَةِ، ولَيْسُوا كَما وصَفَهم بِهِ الكُفّارُ مِن أنَّهم بَناتُ اللَّهِ. ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ أيْ: كانُوا قَبْلَ المَبْعَثِ المُحَمَّدِيِّ إذا عَيُّوا بِالجَهْلِ قالُوا. ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ، وإنَّ في قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ كَفّارُ العَرَبِ لَيَقُولُونَ إلَخْ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الدّالَّةُ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ. قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَجاءَهم مُحَمَّدٌ بِالذِّكْرِ فَكَفَرُوا بِهِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ ومَغَبَّتَهُ، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لَهم شَدِيدٌ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعِيدِ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الكُفّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِالكَلِمَةِ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ الفَرّاءُ: سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بِالسَّعادَةِ لَهم. والأُولى تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِما هو مَذْكُورٌ هُنا، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا وهَذا تَفْسِيرٌ لَها، والمُرادُ بِجُنْدِ اللَّهِ حِزْبُهُ وهُمُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم. قالَ الشَّيْبانِيُّ: جاءَ هُنا عَلى الجَمْعِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ مِن أجْلِ أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وهَذا الوَعْدُ لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ لا يُنافِيهِ انْهِزامُهم في بَعْضِ المَواطِنِ وغَلَبَةُ الكُفّارِ لَهم، فَإنَّ الغالِبَ في كُلِّ مَوْطِنٍ هو انْتِصارُهم عَلى الأعْداءِ وغَلَبَتُهُ لَهم، فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ الغالِبِ، عَلى أنَّ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ مَوْطِنٍ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم والإغْماضِ عَمّا يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ فَقالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. قالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: حَتّى نَأْمُرَكَ بِالقِتالِ. وقالَ قَتادَةُ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: وأبْصِرْهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِالقَتْلِ (p-١٢٥٤)والأسْرِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإبْصارُ، وعَبَّرَ بِالإبْصارِ عَنْ قُرْبِ الأمْرِ أيْ: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَنْ قَرِيبٍ. وقِيلَ: المَعْنى: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ. ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كانُوا يَقُولُونَ مِن فَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ: مَتى هَذا العَذابُ ؟ . ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ: إذا نَزَلَ عَذابُ اللَّهِ لَهم بِفَنائِهِمْ، والسّاحَةُ في اللُّغَةِ: فِناءُ الدّارِ الواسِعِ. قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ سَواءٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِساحَتِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ نَزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والجارُّ والمَجْرُورُ قائِمٌ مُقامَ الفاعِلِ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ: بِئْسَ صَباحُ الَّذِينَ أُنْذِرُوا بِالعَذابِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: صَباحُهم. وخَصَّ الصَّباحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ العَذابَ كانَ يَأْتِيهِمْ فِيهِ. ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - ما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وحَذَفَ مَفْعُولَ " أبْصِرْ " هاهُنا وذَكَرَهُ أوَّلًا إمّا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ هُنا اخْتِصارًا، أوْ قَصْدًا إلى التَّعْمِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ المُرادُ بِها أحْوالُ القِيامَةِ، والجُمْلَةُ الأُولى المُرادُ بِها عَذابُهم في الدُّنْيا، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، بَلْ مِن بابِ التَّأْسِيسِ. ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنْ قَبِيحِ ما يَصْدُرُ مِنهم فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ العِزَّةُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ الشَّرِيفِ، و( رَبِّ العِزَّةِ ) بَدَلٌ مِن رَبِّكَ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَشْرِيفِ رُسُلِهِ وتَكْرِيمِهِمْ فَقالَ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ وبَلَّغُوا رِسالاتِهِ، وهو مِنَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أمْنٌ لَهم وسَلامَةٌ مِنَ المَكارِهِ. ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إرْشادٌ لِعِبادِهِ إلى حَمْدِهِ عَلى إرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وتَعْلِيمٌ لَهم كَيْفَ يَصْنَعُونَ عِنْدَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ وما يُثْنُونَ عَلَيْهِ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ الحَمْدُ عَلى هَلاكِ المُشْرِكِينَ ونَصْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ، والأوْلى أنَّهُ حَمْدٌ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى خَلْقِهِ أجْمَعِينَ كَما يُفِيدُهُ حَذْفُ المَحْمُودِ عَلَيْهِ، فَإنَّ حَذْفَهُ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي، والحَمْدُ هو الثَّناءُ الجَمِيلُ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ: زَعَمَ أعْداءُ اللَّهِ أنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - هو وإبْلِيسُ أخَوانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ قالَ: فَإنَّكم يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ وما تَعْبُدُونَ: يَعْنِي الآلِهَةَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قالَ: بِمُضِلِّينَ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَقُولُ: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِي أنَّهُ سَيَصْلى الجَحِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ يَقُولُ: إنَّكم لا تَضِلُّونَ أنْتُمْ ولا أُضِلُّ مِنكم إلّا مَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ أنَّهُ صالِ الجَحِيمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لا تُفْتَنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «ما في السَّماءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ، وذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾» وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ العَلاءِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ يَوْمًا لِأصْحابِهِ أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾» . وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إنَّ مِنَ السَّماواتِ لَسَماءٌ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ قائِمًا أوْ ساجِدًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ " . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، إنَّ السَّماءَ أطَّتْ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ الصَّحابَةَ أنْ يَصُفُّوا كَما تَصُفُّ المَلائِكَةَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَقالُوا: وكَيْفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ: يُقِيمُونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ ويَتَراصُّونَ في الصَّفِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: لَمّا جاءَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وعِلْمُ الآخِرِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: " «صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْبَرَ وقَدْ خَرَجُوا بِالمَساحِي، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْهِ قالُوا: مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذِرِينَ» . الحَدِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا سَلَّمْتُمْ عَلى المُرْسَلِينَ فَسَلِّمُوا عَلَيَّ فَإنَّما أنا بَشَرٌ مِنَ المُرْسَلِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي العَوّامِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُسَلِّمَ مِن صَلاتِهِ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنّا نَعْرِفُ انْصِرافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلى (p-١٢٥٥)آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ الخَطِيبُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ» . وأخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ في تَرْغِيبِهِ مِن طَرِيقِ الأصْبَغِ بْنِ نُباتَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ نَحْوَهُ. وإلى هُنا انْتَهى الجُزْءُ الثّالِثُ مِن هَذا التَّفْسِيرِ المُبارَكِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، المَقْبُولِ بِفَضْلِ اللَّهِ، بِقَلَمِ مُصَنِّفِهِ الحَقِيرِ " مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما "، في نَهارِ الخَمِيسِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ الحَرامِ مِن شُهُورٍ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ وألْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، حامِدًا لِلَّهِ شاكِرًا لَهُ مُصَلِّيًا مُسَلِّمًا عَلى رَسُولِهِ وآلِهِ، ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ ص. انْتَهى سَماعُ هَذا الجُزْءِ عَلى مُؤَلِّفِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ غُرَّةَ شَهْرِ جَمادى الآخِرَةِ سَنَةَ ١٢٣٩ ه. كَتَبَهُ يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما.

الصافات 37:182

لَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ وقَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْتِفْتائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا مُحَمَّدُ: أيِ: اسْتَخْبِرْهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقٍ ما زَعَمُوهُ مِنَ الكَذِبِ أدْنى الجِنْسَيْنِ وأوْضَعَهُما وهو الإناثُ، ولَهم أعْلاهُما وأرْفَعَهُما وهُمُ الذُّكُورُ، وهَلْ هَذا إلّا حَيْفٌ في القِسْمَةِ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وسُوءِ إدْراكِهِمْ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] . ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ في التَّبْكِيتِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ أيْ: كَيْفَ جَعَلُوهم إناثًا وهم لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ خَلْقِنا لَهم، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم﴾ [الزخرف: ١٩] فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا بِالمُشاهَدَةِ ولَمْ يَشْهَدُوا، ولا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ مِنَ السَّمْعِ، ولا هو مِمّا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ حَتّى يَنْسُبُوا إدْراكَهُ إلى عُقُولِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ كَذِبِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَوْلَهم هَذا هو مِنَ الإفْكِ والِافْتِراءِ مِن دُونِ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةِ دَلِيلٍ فَإنَّهُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ فِعْلًا ماضِيًا مُسْنَدًا إلى اللَّهِ. وقُرِئَ بِإضافَةِ ولَدٍ إلى اللَّهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَقُولُونَ المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيعَهم وتَوْبِيخَهم فَقالَ: ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ حُذِفَ مَعَها هَمْزَةُ الوَصْلِ اسْتِغْناءً بِهِ عَنْها. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ تَثْبُتُ ابْتِداءً وتَسْقُطُ دَرْجًا، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مَنوِيًّا قالَهُ الفَرّاءُ. وحُذِفَ حَرْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى أنِ اصْطَفى وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ. وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِفْهامِ والبَدَلِ. فَقَدْ حَكى جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ أنَّ التَّوْبِيخَ يَكُونُ بِاسْتِفْهامٍ وبِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ. ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جُمْلَتانِ اسْتِفْهامِيَّتانِ لَيْسَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالأُخْرى مِن حَيْثُ الإعْرابِ: اسْتَفْهِمْهم أوَّلًا عَمّا اسْتَقَرَّ لَهم وثَبَتَ اسْتِفْهامٌ بِإنْكارٍ، وثانِيًا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن هَذا الحُكْمِ الَّذِي حَكَمُوا بِهِ، والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ لِلَّهِ بِالبَناتِ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ، ولَكم بِالبَنِينَ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تُحِبُّونَهُ ؟ . ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَذَكَّرُونَ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى: ألا تَعْتَبِرُونَ وتَتَفَكَّرُونَ فَتَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم. ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ، وهو إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخٍ إلى تَوْبِيخٍ وانْتِقالٌ مِن تَقْرِيعٍ إلى تَقْرِيعٍ. ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فَأْتُوا بِحُجَّتِكُمُ الواضِحَةِ عَلى هَذا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما تَقُولُونَهُ، أوْ فَأْتُوا بِالكُتّابِ الَّذِي يَنْطِقُ لَكم بِالحُجَّةِ ويَشْتَمِلُ عَلَيْها. ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ هُنا المَلائِكَةُ، قِيلَ: لَهم جِنَّةٌ لِأنَّهم لا يُرَوْنَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم بَطْنٌ مِن بُطُونِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنَّةُ. وقالَ أبُو مالِكٍ: إنَّما قِيلَ لَهُمُ الجِنَّةُ لِأنَّهم خُزّانٌ عَلى الجِنانِ. والنَّسَبُ الصِّهْرُ. قالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: قالُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ: إنِ اللَّهَ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتِ المَلائِكَةُ مِن أوْلادِهِمْ، قالا: والقائِلُ بِهَذِهِ المَقالَةِ اليَهُودُ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: إنَّ القائِلَ بِذَلِكَ كِنانَةُ وخُزاعَةُ قالُوا: إنَّ اللَّهَ خَطَبَ إلى ساداتِ الجِنِّ فَزَوَّجُوهُ مِن سَرَواتِ بَناتِهِمْ، فالمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ بَناتِ الجِنِّ. وقالَ الحَسَنُ: أشْرَكُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ اللَّهِ، فَهو النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ يُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ فِيها. وقِيلَ: عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم (p-١٢٥٣)أنْفُسَهم يَحْضُرُونَ لِلْحِسابِ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإحْضارَ إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ العَذابُ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم لَمُحْضَرُونَ إلى الجَنَّةِ. ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أوْ هو حِكايَةٌ لِتَنْزِيهِ المُلْكِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا وصَفَهُ بِهِ المُشْرِكُونَ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ بَرِيئُونَ عَنْ أنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها ومَعْناهُما ما بَيَّناهُ قَرِيبًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَحْضَرِينَ أيْ: إنَّهم يُحْضَرُونَ النّارَ إلّا مَن أخْلَصَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا لا مُنْقَطِعًا، وعَلى هَذا تَكُونُ جُمْلَةُ التَّسْبِيحِ مُعْتَرِضَةً. ثُمَّ خاطَبَ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ أوْ كُفّارَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّكم وآلِهَتَكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: " فاتِنِينَ "، والواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ إمّا لِلْعَطْفِ عَلى اسْمِ إنَّ، أوْ هو بِمَعْنى مَعَ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: فَإنَّكم والَّذِي تَعْبُدُونَ، أوْ وعِبادَتَكم، ومَعْنى " فاتِنِينَ " مُضِلِّينَ، يُقالُ: فَتَنْتُ الرَّجُلَ وأفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَهُ عَنِ الشَّيْءِ وبِالشَّيْءِ كَما يُقالُ: أضَلَّهُ عَلى الشَّيْءِ وأضَلَّهُ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: فَتَنْتُهُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، فالفِتْنَةُ هُنا بِمَعْنى الإضْلالِ والإفْسادِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِآلِهَتِكم إلّا مَن قَدَرَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَصْلى الجَحِيمَ، و" ما " في وما أنْتُمْ نافِيَةٌ وأنْتُمْ خِطابٌ لَهم ولِمَن يَعْبُدُونَهُ عَلى التَّغْلِيبِ. قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ مُجْمِعُونَ فِيما عَلِمْتُ أنَّ المَعْنى: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَرَدَّ بِفِتْنَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَنا فاتِنًا أيْ مُضِلًّا. ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( صالِ ) بِكَسْرِ اللّامِ؛ لِأنَّهُ مَنقُوصٌ مُضافٌ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحُمِلَ عَلى لَفْظِ ( مَن )، وأُفْرِدَ كَما أُفْرِدَ ( هو ) . وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّ اللّامِ مَعَ واوٍ بَعْدَها، ورُوِيَ عَنْهُما أنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ اللّامِ بِدُونِ واوٍ. فَأمّا مَعَ الواوِ فَعَلى أنَّهُ جَمْعُ سَلامَةٍ بِالواوِ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُذِفَتْ نُونُ الجَمْعِ لِلْإضافَةِ، وأمّا بِدُونِ الواوِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وإنَّما حُذِفَتِ الواوُ خَطًّا كَما حُذِفَتْ لَفْظًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وحَقُّهُ عَلى هَذا كَسْرُ اللّامِ. قالَ النَّحّاسُ: وجَماعَةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَحْنٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ: هَذا قاضِ المَدِينَةِ، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ وما يَعْبُدُونَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ إلّا مَن هو مِن أهْلِ النّارِ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ مَن سَبَقَ القَضاءُ عَلَيْهِ بِالشَّقاوَةِ، وإنَّهُ مِمَّنْ يَصْلى النّارَ أيْ: يَدْخُلُها. ثُمَّ قالَ المَلائِكَةُ مُخْبِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما حَكاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم. ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وما مَنّا أحَدٌ، أوْ: وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في عِبادَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وما مَنّا إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، رَجَّحَ البَصْرِيُّونَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ، ورَجَّحَ الكُوفِيُّونَ الثّانِيَ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ وفِيهِ مُضْمَرٌ. المَعْنى وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ: في مَواقِفِ الطّاعَةِ. قالَ قَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ صَفُّوا أقْدامَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: صُفُوفُ المَلائِكَةِ في السَّماءِ كَصُفُوفِ أهْلِ الدُّنْيا في الأرْضِ. ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ: المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ المُقَدِّسُونَ لَهُ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُصَلُّونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِمُ المُسَبِّحُونَ مَجْمُوعُ التَّسْبِيحِ بِاللِّسانِ وبِالصَّلاةِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي صِفاتُ المَلائِكَةِ، ولَيْسُوا كَما وصَفَهم بِهِ الكُفّارُ مِن أنَّهم بَناتُ اللَّهِ. ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ أيْ: كانُوا قَبْلَ المَبْعَثِ المُحَمَّدِيِّ إذا عَيُّوا بِالجَهْلِ قالُوا. ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ. ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ، وإنَّ في قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ كَفّارُ العَرَبِ لَيَقُولُونَ إلَخْ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الدّالَّةُ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ. قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَجاءَهم مُحَمَّدٌ بِالذِّكْرِ فَكَفَرُوا بِهِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ ومَغَبَّتَهُ، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لَهم شَدِيدٌ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعِيدِ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الكُفّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِالكَلِمَةِ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ الفَرّاءُ: سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بِالسَّعادَةِ لَهم. والأُولى تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِما هو مَذْكُورٌ هُنا، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا وهَذا تَفْسِيرٌ لَها، والمُرادُ بِجُنْدِ اللَّهِ حِزْبُهُ وهُمُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم. قالَ الشَّيْبانِيُّ: جاءَ هُنا عَلى الجَمْعِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ مِن أجْلِ أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وهَذا الوَعْدُ لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ لا يُنافِيهِ انْهِزامُهم في بَعْضِ المَواطِنِ وغَلَبَةُ الكُفّارِ لَهم، فَإنَّ الغالِبَ في كُلِّ مَوْطِنٍ هو انْتِصارُهم عَلى الأعْداءِ وغَلَبَتُهُ لَهم، فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ الغالِبِ، عَلى أنَّ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ مَوْطِنٍ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم والإغْماضِ عَمّا يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ فَقالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. قالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: حَتّى نَأْمُرَكَ بِالقِتالِ. وقالَ قَتادَةُ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: وأبْصِرْهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِالقَتْلِ (p-١٢٥٤)والأسْرِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإبْصارُ، وعَبَّرَ بِالإبْصارِ عَنْ قُرْبِ الأمْرِ أيْ: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَنْ قَرِيبٍ. وقِيلَ: المَعْنى: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ. ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كانُوا يَقُولُونَ مِن فَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ: مَتى هَذا العَذابُ ؟ . ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ: إذا نَزَلَ عَذابُ اللَّهِ لَهم بِفَنائِهِمْ، والسّاحَةُ في اللُّغَةِ: فِناءُ الدّارِ الواسِعِ. قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ سَواءٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِساحَتِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ نَزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والجارُّ والمَجْرُورُ قائِمٌ مُقامَ الفاعِلِ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ: بِئْسَ صَباحُ الَّذِينَ أُنْذِرُوا بِالعَذابِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: صَباحُهم. وخَصَّ الصَّباحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ العَذابَ كانَ يَأْتِيهِمْ فِيهِ. ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - ما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وحَذَفَ مَفْعُولَ " أبْصِرْ " هاهُنا وذَكَرَهُ أوَّلًا إمّا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ هُنا اخْتِصارًا، أوْ قَصْدًا إلى التَّعْمِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ المُرادُ بِها أحْوالُ القِيامَةِ، والجُمْلَةُ الأُولى المُرادُ بِها عَذابُهم في الدُّنْيا، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، بَلْ مِن بابِ التَّأْسِيسِ. ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنْ قَبِيحِ ما يَصْدُرُ مِنهم فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ العِزَّةُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ الشَّرِيفِ، و( رَبِّ العِزَّةِ ) بَدَلٌ مِن رَبِّكَ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَشْرِيفِ رُسُلِهِ وتَكْرِيمِهِمْ فَقالَ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ وبَلَّغُوا رِسالاتِهِ، وهو مِنَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أمْنٌ لَهم وسَلامَةٌ مِنَ المَكارِهِ. ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إرْشادٌ لِعِبادِهِ إلى حَمْدِهِ عَلى إرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وتَعْلِيمٌ لَهم كَيْفَ يَصْنَعُونَ عِنْدَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ وما يُثْنُونَ عَلَيْهِ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ الحَمْدُ عَلى هَلاكِ المُشْرِكِينَ ونَصْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ، والأوْلى أنَّهُ حَمْدٌ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى خَلْقِهِ أجْمَعِينَ كَما يُفِيدُهُ حَذْفُ المَحْمُودِ عَلَيْهِ، فَإنَّ حَذْفَهُ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي، والحَمْدُ هو الثَّناءُ الجَمِيلُ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ: زَعَمَ أعْداءُ اللَّهِ أنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - هو وإبْلِيسُ أخَوانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ قالَ: فَإنَّكم يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ وما تَعْبُدُونَ: يَعْنِي الآلِهَةَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قالَ: بِمُضِلِّينَ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَقُولُ: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِي أنَّهُ سَيَصْلى الجَحِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ يَقُولُ: إنَّكم لا تَضِلُّونَ أنْتُمْ ولا أُضِلُّ مِنكم إلّا مَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ أنَّهُ صالِ الجَحِيمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لا تُفْتَنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «ما في السَّماءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ، وذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾» وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ العَلاءِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ يَوْمًا لِأصْحابِهِ أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾» . وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إنَّ مِنَ السَّماواتِ لَسَماءٌ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ قائِمًا أوْ ساجِدًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ " . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، إنَّ السَّماءَ أطَّتْ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ الصَّحابَةَ أنْ يَصُفُّوا كَما تَصُفُّ المَلائِكَةَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَقالُوا: وكَيْفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ: يُقِيمُونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ ويَتَراصُّونَ في الصَّفِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: لَمّا جاءَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وعِلْمُ الآخِرِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: " «صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْبَرَ وقَدْ خَرَجُوا بِالمَساحِي، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْهِ قالُوا: مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذِرِينَ» . الحَدِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا سَلَّمْتُمْ عَلى المُرْسَلِينَ فَسَلِّمُوا عَلَيَّ فَإنَّما أنا بَشَرٌ مِنَ المُرْسَلِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي العَوّامِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُسَلِّمَ مِن صَلاتِهِ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنّا نَعْرِفُ انْصِرافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلى (p-١٢٥٥)آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ الخَطِيبُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ» . وأخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ في تَرْغِيبِهِ مِن طَرِيقِ الأصْبَغِ بْنِ نُباتَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ نَحْوَهُ. وإلى هُنا انْتَهى الجُزْءُ الثّالِثُ مِن هَذا التَّفْسِيرِ المُبارَكِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، المَقْبُولِ بِفَضْلِ اللَّهِ، بِقَلَمِ مُصَنِّفِهِ الحَقِيرِ " مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما "، في نَهارِ الخَمِيسِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ الحَرامِ مِن شُهُورٍ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ وألْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، حامِدًا لِلَّهِ شاكِرًا لَهُ مُصَلِّيًا مُسَلِّمًا عَلى رَسُولِهِ وآلِهِ، ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ ص. انْتَهى سَماعُ هَذا الجُزْءِ عَلى مُؤَلِّفِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ غُرَّةَ شَهْرِ جَمادى الآخِرَةِ سَنَةَ ١٢٣٩ ه. كَتَبَهُ يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما.

ص 38:1

تَفْسِيرُ سُورَةِ ص وهِيَ مَكِّيَّةٌ: قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ص " بِمَكَّةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " «لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِن قُرَيْشٍ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ ابْنَ أخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنا ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ ويَقُولُ ويَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ، فَجاءَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَدَخَلَ البَيْتَ، وبَيْنَهم وبَيْنَ أبِي طالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ، فَخَشِيَ أبُو جَهْلٍ أنْ يَجْلِسَ إلى أبِي طالِبٍ ويَكُونُ أرْقى عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، فَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ البابِ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ أيِ ابْنَ أخِي ما بالُ قَوْمِكِ يَشْكُونَكَ ؟ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهم، وتَقُولُ وتَقُولُ، قالَ: وأكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، وتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا عَمِّ إنِّي أُرِيدُهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَقُولُونَها تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ، فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ ولِقَوْلِهِ، فَقالَ القَوْمُ: كَلِمَةٌ واحِدَةٌ نَعَمْ وأبِيكَ عَشْرًا، قالُوا فَما هي ؟ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيابَهم، وهم يَقُولُونَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾» [ص: ١ - ٨] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ص﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الدّالِ كَسائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي في أوائِلِ السُّوَرِ فَإنَّها ساكِنَةُ الأواخِرِ عَلى الوَقْفِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو السِّماكِ بِكَسْرِ الدّالِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: وجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ مِن صادى يُصادِي إذا عارَضَ والمَعْنى صادِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ أيْ: عارِضْهُ بِعَمَلِكَ وقابِلْهُ فاعْمَلْ بِهِ، وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وقالَ: إنَّهُ فَسَّرَ قِراءَتَهُ هَذِهِ بِهَذا، وعَنْهُ أنَّ المَعْنى: اتْلُهُ وتَعَرَّضْ لِقِراءَتِهِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " صادَ " بِفَتْحِ الدّالِ، والفَتْحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الإغْراءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: صادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آمَنُوا بِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ " صادِ " بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ تَشْبِيهًا لِهَذا الحَرْفِ بِما هو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنَ الأصْواتِ. وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " صادُ " بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى البِناءِ نَحْوُ: مُنْذُ وحَيْثُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى " صادْ " فَقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ صَدَقَ اللَّهُ. وقالَ عَطاءٌ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو بَحْرٌ يُحْيِي اللَّهُ بِهِ المَوْتى بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو مِفْتاحُ اسْمِ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ الرَّحْمَنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقِيلَ: هو مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهَذا هو الحَقُّ كَما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. قِيلَ: وهو إمّا اسْمٌ لِلْحُرُوفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعَبُّدِ، أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هي واوُ القَسَمِ، والإقْسامُ بِالقُرْآنِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِ وعُلُوِّ مَحَلِّهِ، ومَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذِي البَيانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ذِي الشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم﴾ [الأنبياء: ١٠] (p-١٢٥٦)أيْ: شَرَفُكم، وقِيلَ: أيْ: ذِي المَوْعِظَةِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا القِسْمِ ما هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ والكِسائِيُّ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ الفَرّاءِ: إنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] وقالَ الفَرّاءُ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا لِتَأخُّرِهِ جِدًّا عَنْ قَوْلِهِ: والقُرْآنِ ورَجَّحَ هو وثَعْلَبٌ أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: الجَوابُ هو ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] وقِيلَ: هو " صادْ "، لِأنَّ مَعْناهُ حَقٌّ، فَهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ والقُرْآنِ كَما تَقُولُ حَقًّا واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ والفَرّاءِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ جَوابَ القَسَمِ يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ وهو ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تَقْدِيرُهُ ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُ الكُفّارُ، والقَوْلُ بِالحَذْفِ أوْلى. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ص مُقْسَمٌ بِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الواوُ في والقُرْآنِ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ الإقْسامُ بِالقُرْآنِ دالًّا عَلى صِدْقِهِ، وأنَّهُ حَقٌّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلرَّيْبِ. قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وكَأنَّهُ قالَ: لا رَيْبَ فِيهِ قَطْعًا، ولَمْ يَكُنْ عَدَمُ قَبُولِ المُشْرِكِينَ لَهُ لِرَيْبٍ فِيهِ. بَلْ هم في عِزَّةٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ أيْ: تَكَبُّرٍ وتَجَبُّرٍ. وشِقاقٍ أيْ: وامْتِناعٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، والعِزَّةُ عِنْدَ العَرَبِ: الغَلَبَةُ والقَهْرُ، يُقالُ: مَن عَزَّ بَزَّ أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ، ومِنهُ و﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] أيْ: غَلَبَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَعُزُّ عَلى الطَّرِيقِ بِمَنكِبَيْهِ كَما ابْتَرَكَ الخَلِيعُ عَلى القِداحِ والشِّقاقُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ. ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - وهَدَّدَهم بِما فَعَلَهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الخالِيَةَ المُهْلَكَةَ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ أيْ: كَمْ أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّذِينَ كانُوا أمْنَعَ مِن هَؤُلاءِ وأشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا، و" كَمْ " هي الخَبَرِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى التَّكْثِيرِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ " أهْلَكْنا " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ، و" مِن قَرْنٍ " تَمْيِيزٌ، و" مِن " في ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ هي لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ النِّداءُ هُنا: هو نِداءُ الِاسْتِغاثَةِ مِنهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، ولَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ. قالَ الحَسَنُ: نادَوْا بِالتَّوْبَةِ ولَيْسَ حِينَ التَّوْبَةِ ولا حِينَ يَنْفَعُ العَمَلُ. والمَناصُ مَصْدَرُ ناصَ يَنُوصُ، وهو الفَوْتُ والتَّأخُّرُ، ولاتَ بِمَعْنى لَيْسَ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ: هي لا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ كَما في قَوْلِهِمْ: رُبَّ ورُبَّتَ، وثَمَّ وثَمَّتَ قالَ الفَرّاءُ: النَّوْصُ التَّأخُّرُ، وأنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أمِن ذِكْرِ لَيْلى إذْ نَأتْكَ تَنُوصُ قالَ: يُقالُ: ناصَ عَنْ قَرْنِهِ يَنُوصُ نَوْصًا أيْ: فَرَّ وزاغَ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ: ناصَ يَنُوصُ: إذا تَقَدَّمَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَناصٌ، أيْ: عَلَيْكم بِالفِرارِ والهَزِيمَةِ، فَلَمّا أتاهُمُ العَذابُ قالُوا: مَناصٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: لاتَ مُشَبَّهَةٌ بِلَيَسَ، والِاسْمُ فِيها مُضْمَرٌ أيْ: لَيْسَ حِينُنا حِينَ مَناصٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ ولَيْسَ أوانُنا. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: والقَوْلُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، والوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الكِسائِيِّ بِالهاءِ، وبِهِ قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: والتّاءُ تُكْتَبُ مُنْقَطِعَةً عَنْ " حِينَ "، وكَذَلِكَ هي في المَصاحِفِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: تُكْتَبُ مُتَّصِلَةً بِـ " حِينَ "، فَيُقالُ: " ولا تَحِينُ " ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ: ؎العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ وقَدْ يُسْتَغْنى بِحِينَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا ∗∗∗ وأمْسى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا قالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ نَجِدِ العَرَبَ تَزِيدُ هَذِهِ التّاءَ إلّا في حِينَ وأوانَ والآنَ. قُلْتُ: بَلْ قَدْ يَزِيدُونَها في غَيْرِ ذَلِكَ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَلَتَعْرِفُنَّ خَلائِقًا مَشْمُولَةً ∗∗∗ ولَتَنْدَمُنَّ ولاتَ ساعَةِ مَندَمِ وقَدْ أنْشَدَ الفَرّاءُ هَذا البَيْتَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلى أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَخْفِضُ بِها، وجُمْلَةُ ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ نادَوْا. قَرَأ الجُمْهُورُ لاتَ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ " لاتِ " بِالكَسْرِ كَجَيْرِ. ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ أيْ: عَجِبَ الكُفّارُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم أيْ: رَسُولٌ مِن أنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، و" أنْ " وما في حَيِّزِها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: مِن أنْ جاءَهم، وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ قالُوا هَذا القَوْلَ لَمّا شاهَدُوا ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الخارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أيْ: هَذا المُدَّعِي لِلرِّسالَةِ ساحِرٌ فِيما يُظْهِرُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ كَذّابٌ فِيما يَدَّعِيهِ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ. قِيلَ: ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِإظْهارِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما قالُوهُ لا يَتَجاسَرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ. ثُمَّ أنْكَرُوا ما جاءَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّوْحِيدِ وما نَفاهُ مِنَ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ فَقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ أيْ: صَيَّرَها إلَهًا واحِدًا وقَصَرَها عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ: لَأمْرٌ بالِغٌ في العَجَبِ إلى الغايَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَجِيبُ الأمْرُ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنهُ وكَذَلِكَ العُجابُ بِالضَّمِّ والعُجّابُ بِالتَّشْدِيدِ أكْثَرُ مِنهُ قَرَأ الجُمْهُورُ عُجابٌ مُخَفَّفًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: عُجابٌ يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، قِيلَ: والعُجابُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ قَدْ تَجاوَزَ الحَدَّ في العَجَبِ، كَما يُقالُ: الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ طُولٌ، والطِّوالُ الَّذِي قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ الطُّولِ وكَلامُ الجَوْهَرِيِّ يُفِيدُ اخْتِصاصَ المُبالَغَةِ بِعُجّابٍ مُشَدَّدِ الجِيمِ لا بِالمُخَفَّفِ، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ. ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ المُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ كَما هو مُقَرَّرٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن تَفْسِيرِ الكِتابِ العَزِيزِ أيِ: انْطَلَقُوا مِن مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ عِنْدَ أبِي طالِبٍ كَما تَقَدَّمَ قائِلِينَ ﴿أنِ امْشُوا﴾ أيْ: قائِلِينَ (p-١٢٥٧)لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا امْضُوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تَدْخُلُوا في دِينِهِ ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها، وقِيلَ: المَعْنى: وانْطَلَقَ الأشْرافُ مِنهم فَقالُوا لِلْعَوامِّ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ امْشُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ، أوْ لِقَوْلِهِ وانْطَلَقَ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَعْمُولَةً لِلْمُقَدَّرِ أوْ لِلْمَذْكُورِ أيْ: بِأنِ امْشُوا. وقِيلَ: المُرادُ بِالِانْطِلاقِ: الِانْدِفاعُ في القَوْلِ، وامْشُوا مِن مَشَتِ المَرْأةُ إذا كَثُرَتْ وِلادَتُها أيِ: اجْتَمَعُوا وأكْثَرُوا، وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وخِلافُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِانْطِلاقُ والمَشْيُ بِحَقِيقَتِهِما، وخِلافُ ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ أيْ: يُرِيدُهُ مُحَمَّدٌ بِنا وبِآلِهَتِنا، ويَوَدُّ تَمامَهُ لِيَعْلُوَ عَلَيْنا، وتَكُونَ لَهُ أتْباعًا فَيَتَحَكَّمُ فِينا بِما يُرِيدُ، فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ مِنهُ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا الأمْرَ يُرِيدُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وما أرادَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، فاصْبِرُوا عَلى عِبادَةِ آلِهَتِكم. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ: يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم وتُغْلَبُوا عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: ما سَمِعْنا بِهَذا الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ في المِلَّةِ الآخِرَةِ. وهِيَ مِلَّةُ النَّصْرانِيَّةِ فَإنَّها آخِرُ المِلَلِ قَبْلَ مِلَّةِ الإسْلامِ، كَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنُونَ مِلَّةَ قُرَيْشٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى ما سَمِعْنا: أنَّ هَذا يَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ. وقِيلَ: المَعْنى: ما سَمِعْنا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ أيْ: ما هَذا إلّا كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ وافْتَراهُ. ثُمَّ اسْتَنْكَرُوا أنْ يَخُصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِمَزِيَّةِ النُّبُوَّةِ دُونَهم فَقالُوا: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ونَحْنُ الرُّؤَساءُ والأشْرافُ. قالَ الزَّجّاجُ: قالُوا كَيْفَ أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ القُرْآنُ مِن بَيْنِنا ونَحْنُ أكْبَرُ سِنًّا وأعْظَمُ شَرَفًا مِنهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَأنْكَرُوا أنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِما شاءَ. ولَمّا ذَكَرَ اسْتِنْكارَهم لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَهم بَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ تَرَكُوا تَصْدِيقَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ أوِ الوَحْيِ لِإعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ المُوجِبِ لِتَصْدِيقِهِ وإهْمالِهِمْ لِلْأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ حَقٌّ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أيْ: بَلِ السَّبَبُ أنَّهم لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي فاغْتَرُّوا بِطُولِ المُهْلَةِ، ولَوْ ذاقُوا عَذابِي عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ لَصَدَّقُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ. ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ أيْ: مَفاتِيحُ نِعَمِ رَبِّكَ وهي النُّبُوَّةُ وما هو دُونَها مِنَ النِّعَمِ حَتّى يُعْطُوها مَن شاءُوا، فَما لَهم ولِإنْكارِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلى هَذا النَّبِيِّ واخْتارَهُ لَهُ واصْطَفاهُ لِرِسالَتِهِ. والمَعْنى: بَلْ أعِنْدَهم، لِأنَّ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ. والوَهّابُ: المُعْطِي بِغَيْرِ حِسابٍ. ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَلْ ألَهم مُلْكُ هَذِهِ الأشْياءِ حَتّى يُعْطُوا مَن شاءُوا ويَمْنَعُوا مَن شاءُوا، ويَعْتَرِضُوا عَلى إعْطاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ لِمَن شاءَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْ كانَ لَهم ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا في الأسْبابِ الَّتِي تُوصِلُهم إلى السَّماءِ وإلى العَرْشِ حَتّى يَحْكُمُوا بِما يُرِيدُونَ مِن عَطاءٍ ومَنعٍ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ بِما يَشْتَهُونَ، أوْ فَلْيَصْعَدُوا، ولِيَمْنَعُوا المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والأسْبابُ: أبْوابُ السَّماواتِ الَّتِي تَنْزِلُ المَلائِكَةُ مِنها. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الأسْبابُ أدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وأشَدُّ مِنَ الحَدِيدِ ولَكِنْ لا تُرى. وقالَ السُّدِّيُّ ﴿فِي الأسْبابِ﴾ في الفَضْلِ والدِّينِ. وقِيلَ: فَلْيَعْمَلُوا في أسْبابِ القُوَّةِ إنْ ظَنُّوا أنَّها مانِعَةٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: الأسْبابُ الحِبالُ: يَعْنِي إنْ وجَدُوا حِبالًا يَصْعَدُونَ فِيها إلى السَّماءِ فَعَلُوا، والأسْبابُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ كُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَطْلُوبِ كائِنًا ما كانَ. وفي هَذا الكَلامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَعْجِيزٌ لَهم. ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ، و( جُنْدٌ ) مُرْتَفَعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هم جُنْدٌ، يَعْنِي الكُفّارَ ( مَهْزُومٌ ) مَكْسُورٌ عَمّا قَرِيبٍ، فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَظُنَّ أنَّهم يَصِلُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُضْمِرُونَهُ بِكَ مِنَ الكَيْدِ، و( ما ) في قَوْلِهِ: ما هُنالِكَ هي صِفَةٌ لِ ( جُنْدٌ ) لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ والتَّحْقِيرِ أيْ: جُنْدٌ أيُّ جُنْدٍ. وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، يُقالُ: هَزَمْتَ الجَيْشَ كَسَرْتَهُ، وتَهَزَّمَتِ القَرْيَةُ: إذا تَكَسَّرَتْ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ وهم جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومُونَ، فَلا تَحْزَنْ لِعِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ، فَإنِّي أسْلُبُ عِزَّهم وأهْزِمُ جَمْعَهم، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ في بَدْرٍ وفِيما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: سُئِلَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ عَنْ ﴿ص﴾ فَقالَ: لا نَدْرِي ما هو. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ص مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قالَ: ذِي الشَّرَفِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ التَّمِيمِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ: لَيْسَ بِحِينِ نَزْوٍ ولا فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نادَوُا النِّداءَ حِينَ يَنْفَعُهم، وأنْشَدَ: ؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى لاتَ حِينَ تَذَكُّرِ ∗∗∗ وقَدْ بِنْتُ مِنها والمَناصُ بِعِيدُ وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَيْسَ هَذا حِينَ زَوالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لا حِينَ فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-١٢٥٨)قَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ انْطَلَقَ أشْرافُ قُرَيْشٍ إلى أبِي طالِبٍ فَكَلَّمُوهُ في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ قالَ: أبُو جَهْلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قالَ: النَّصْرانِيَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ قالَ: في السَّماءِ.

ص 38:2

تَفْسِيرُ سُورَةِ ص وهِيَ مَكِّيَّةٌ: قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ص " بِمَكَّةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " «لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِن قُرَيْشٍ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ ابْنَ أخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنا ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ ويَقُولُ ويَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ، فَجاءَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَدَخَلَ البَيْتَ، وبَيْنَهم وبَيْنَ أبِي طالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ، فَخَشِيَ أبُو جَهْلٍ أنْ يَجْلِسَ إلى أبِي طالِبٍ ويَكُونُ أرْقى عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، فَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ البابِ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ أيِ ابْنَ أخِي ما بالُ قَوْمِكِ يَشْكُونَكَ ؟ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهم، وتَقُولُ وتَقُولُ، قالَ: وأكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، وتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا عَمِّ إنِّي أُرِيدُهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَقُولُونَها تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ، فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ ولِقَوْلِهِ، فَقالَ القَوْمُ: كَلِمَةٌ واحِدَةٌ نَعَمْ وأبِيكَ عَشْرًا، قالُوا فَما هي ؟ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيابَهم، وهم يَقُولُونَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾» [ص: ١ - ٨] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ص﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الدّالِ كَسائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي في أوائِلِ السُّوَرِ فَإنَّها ساكِنَةُ الأواخِرِ عَلى الوَقْفِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو السِّماكِ بِكَسْرِ الدّالِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: وجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ مِن صادى يُصادِي إذا عارَضَ والمَعْنى صادِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ أيْ: عارِضْهُ بِعَمَلِكَ وقابِلْهُ فاعْمَلْ بِهِ، وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وقالَ: إنَّهُ فَسَّرَ قِراءَتَهُ هَذِهِ بِهَذا، وعَنْهُ أنَّ المَعْنى: اتْلُهُ وتَعَرَّضْ لِقِراءَتِهِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " صادَ " بِفَتْحِ الدّالِ، والفَتْحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الإغْراءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: صادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آمَنُوا بِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ " صادِ " بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ تَشْبِيهًا لِهَذا الحَرْفِ بِما هو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنَ الأصْواتِ. وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " صادُ " بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى البِناءِ نَحْوُ: مُنْذُ وحَيْثُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى " صادْ " فَقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ صَدَقَ اللَّهُ. وقالَ عَطاءٌ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو بَحْرٌ يُحْيِي اللَّهُ بِهِ المَوْتى بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو مِفْتاحُ اسْمِ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ الرَّحْمَنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقِيلَ: هو مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهَذا هو الحَقُّ كَما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. قِيلَ: وهو إمّا اسْمٌ لِلْحُرُوفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعَبُّدِ، أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هي واوُ القَسَمِ، والإقْسامُ بِالقُرْآنِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِ وعُلُوِّ مَحَلِّهِ، ومَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذِي البَيانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ذِي الشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم﴾ [الأنبياء: ١٠] (p-١٢٥٦)أيْ: شَرَفُكم، وقِيلَ: أيْ: ذِي المَوْعِظَةِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا القِسْمِ ما هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ والكِسائِيُّ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ الفَرّاءِ: إنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] وقالَ الفَرّاءُ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا لِتَأخُّرِهِ جِدًّا عَنْ قَوْلِهِ: والقُرْآنِ ورَجَّحَ هو وثَعْلَبٌ أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: الجَوابُ هو ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] وقِيلَ: هو " صادْ "، لِأنَّ مَعْناهُ حَقٌّ، فَهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ والقُرْآنِ كَما تَقُولُ حَقًّا واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ والفَرّاءِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ جَوابَ القَسَمِ يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ وهو ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تَقْدِيرُهُ ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُ الكُفّارُ، والقَوْلُ بِالحَذْفِ أوْلى. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ص مُقْسَمٌ بِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الواوُ في والقُرْآنِ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ الإقْسامُ بِالقُرْآنِ دالًّا عَلى صِدْقِهِ، وأنَّهُ حَقٌّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلرَّيْبِ. قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وكَأنَّهُ قالَ: لا رَيْبَ فِيهِ قَطْعًا، ولَمْ يَكُنْ عَدَمُ قَبُولِ المُشْرِكِينَ لَهُ لِرَيْبٍ فِيهِ. بَلْ هم في عِزَّةٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ أيْ: تَكَبُّرٍ وتَجَبُّرٍ. وشِقاقٍ أيْ: وامْتِناعٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، والعِزَّةُ عِنْدَ العَرَبِ: الغَلَبَةُ والقَهْرُ، يُقالُ: مَن عَزَّ بَزَّ أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ، ومِنهُ و﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] أيْ: غَلَبَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَعُزُّ عَلى الطَّرِيقِ بِمَنكِبَيْهِ كَما ابْتَرَكَ الخَلِيعُ عَلى القِداحِ والشِّقاقُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ. ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - وهَدَّدَهم بِما فَعَلَهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الخالِيَةَ المُهْلَكَةَ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ أيْ: كَمْ أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّذِينَ كانُوا أمْنَعَ مِن هَؤُلاءِ وأشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا، و" كَمْ " هي الخَبَرِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى التَّكْثِيرِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ " أهْلَكْنا " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ، و" مِن قَرْنٍ " تَمْيِيزٌ، و" مِن " في ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ هي لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ النِّداءُ هُنا: هو نِداءُ الِاسْتِغاثَةِ مِنهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، ولَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ. قالَ الحَسَنُ: نادَوْا بِالتَّوْبَةِ ولَيْسَ حِينَ التَّوْبَةِ ولا حِينَ يَنْفَعُ العَمَلُ. والمَناصُ مَصْدَرُ ناصَ يَنُوصُ، وهو الفَوْتُ والتَّأخُّرُ، ولاتَ بِمَعْنى لَيْسَ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ: هي لا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ كَما في قَوْلِهِمْ: رُبَّ ورُبَّتَ، وثَمَّ وثَمَّتَ قالَ الفَرّاءُ: النَّوْصُ التَّأخُّرُ، وأنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أمِن ذِكْرِ لَيْلى إذْ نَأتْكَ تَنُوصُ قالَ: يُقالُ: ناصَ عَنْ قَرْنِهِ يَنُوصُ نَوْصًا أيْ: فَرَّ وزاغَ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ: ناصَ يَنُوصُ: إذا تَقَدَّمَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَناصٌ، أيْ: عَلَيْكم بِالفِرارِ والهَزِيمَةِ، فَلَمّا أتاهُمُ العَذابُ قالُوا: مَناصٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: لاتَ مُشَبَّهَةٌ بِلَيَسَ، والِاسْمُ فِيها مُضْمَرٌ أيْ: لَيْسَ حِينُنا حِينَ مَناصٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ ولَيْسَ أوانُنا. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: والقَوْلُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، والوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الكِسائِيِّ بِالهاءِ، وبِهِ قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: والتّاءُ تُكْتَبُ مُنْقَطِعَةً عَنْ " حِينَ "، وكَذَلِكَ هي في المَصاحِفِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: تُكْتَبُ مُتَّصِلَةً بِـ " حِينَ "، فَيُقالُ: " ولا تَحِينُ " ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ: ؎العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ وقَدْ يُسْتَغْنى بِحِينَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا ∗∗∗ وأمْسى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا قالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ نَجِدِ العَرَبَ تَزِيدُ هَذِهِ التّاءَ إلّا في حِينَ وأوانَ والآنَ. قُلْتُ: بَلْ قَدْ يَزِيدُونَها في غَيْرِ ذَلِكَ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَلَتَعْرِفُنَّ خَلائِقًا مَشْمُولَةً ∗∗∗ ولَتَنْدَمُنَّ ولاتَ ساعَةِ مَندَمِ وقَدْ أنْشَدَ الفَرّاءُ هَذا البَيْتَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلى أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَخْفِضُ بِها، وجُمْلَةُ ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ نادَوْا. قَرَأ الجُمْهُورُ لاتَ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ " لاتِ " بِالكَسْرِ كَجَيْرِ. ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ أيْ: عَجِبَ الكُفّارُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم أيْ: رَسُولٌ مِن أنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، و" أنْ " وما في حَيِّزِها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: مِن أنْ جاءَهم، وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ قالُوا هَذا القَوْلَ لَمّا شاهَدُوا ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الخارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أيْ: هَذا المُدَّعِي لِلرِّسالَةِ ساحِرٌ فِيما يُظْهِرُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ كَذّابٌ فِيما يَدَّعِيهِ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ. قِيلَ: ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِإظْهارِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما قالُوهُ لا يَتَجاسَرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ. ثُمَّ أنْكَرُوا ما جاءَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّوْحِيدِ وما نَفاهُ مِنَ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ فَقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ أيْ: صَيَّرَها إلَهًا واحِدًا وقَصَرَها عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ: لَأمْرٌ بالِغٌ في العَجَبِ إلى الغايَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَجِيبُ الأمْرُ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنهُ وكَذَلِكَ العُجابُ بِالضَّمِّ والعُجّابُ بِالتَّشْدِيدِ أكْثَرُ مِنهُ قَرَأ الجُمْهُورُ عُجابٌ مُخَفَّفًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: عُجابٌ يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، قِيلَ: والعُجابُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ قَدْ تَجاوَزَ الحَدَّ في العَجَبِ، كَما يُقالُ: الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ طُولٌ، والطِّوالُ الَّذِي قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ الطُّولِ وكَلامُ الجَوْهَرِيِّ يُفِيدُ اخْتِصاصَ المُبالَغَةِ بِعُجّابٍ مُشَدَّدِ الجِيمِ لا بِالمُخَفَّفِ، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ. ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ المُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ كَما هو مُقَرَّرٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن تَفْسِيرِ الكِتابِ العَزِيزِ أيِ: انْطَلَقُوا مِن مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ عِنْدَ أبِي طالِبٍ كَما تَقَدَّمَ قائِلِينَ ﴿أنِ امْشُوا﴾ أيْ: قائِلِينَ (p-١٢٥٧)لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا امْضُوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تَدْخُلُوا في دِينِهِ ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها، وقِيلَ: المَعْنى: وانْطَلَقَ الأشْرافُ مِنهم فَقالُوا لِلْعَوامِّ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ امْشُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ، أوْ لِقَوْلِهِ وانْطَلَقَ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَعْمُولَةً لِلْمُقَدَّرِ أوْ لِلْمَذْكُورِ أيْ: بِأنِ امْشُوا. وقِيلَ: المُرادُ بِالِانْطِلاقِ: الِانْدِفاعُ في القَوْلِ، وامْشُوا مِن مَشَتِ المَرْأةُ إذا كَثُرَتْ وِلادَتُها أيِ: اجْتَمَعُوا وأكْثَرُوا، وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وخِلافُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِانْطِلاقُ والمَشْيُ بِحَقِيقَتِهِما، وخِلافُ ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ أيْ: يُرِيدُهُ مُحَمَّدٌ بِنا وبِآلِهَتِنا، ويَوَدُّ تَمامَهُ لِيَعْلُوَ عَلَيْنا، وتَكُونَ لَهُ أتْباعًا فَيَتَحَكَّمُ فِينا بِما يُرِيدُ، فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ مِنهُ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا الأمْرَ يُرِيدُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وما أرادَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، فاصْبِرُوا عَلى عِبادَةِ آلِهَتِكم. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ: يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم وتُغْلَبُوا عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: ما سَمِعْنا بِهَذا الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ في المِلَّةِ الآخِرَةِ. وهِيَ مِلَّةُ النَّصْرانِيَّةِ فَإنَّها آخِرُ المِلَلِ قَبْلَ مِلَّةِ الإسْلامِ، كَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنُونَ مِلَّةَ قُرَيْشٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى ما سَمِعْنا: أنَّ هَذا يَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ. وقِيلَ: المَعْنى: ما سَمِعْنا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ أيْ: ما هَذا إلّا كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ وافْتَراهُ. ثُمَّ اسْتَنْكَرُوا أنْ يَخُصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِمَزِيَّةِ النُّبُوَّةِ دُونَهم فَقالُوا: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ونَحْنُ الرُّؤَساءُ والأشْرافُ. قالَ الزَّجّاجُ: قالُوا كَيْفَ أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ القُرْآنُ مِن بَيْنِنا ونَحْنُ أكْبَرُ سِنًّا وأعْظَمُ شَرَفًا مِنهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَأنْكَرُوا أنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِما شاءَ. ولَمّا ذَكَرَ اسْتِنْكارَهم لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَهم بَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ تَرَكُوا تَصْدِيقَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ أوِ الوَحْيِ لِإعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ المُوجِبِ لِتَصْدِيقِهِ وإهْمالِهِمْ لِلْأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ حَقٌّ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أيْ: بَلِ السَّبَبُ أنَّهم لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي فاغْتَرُّوا بِطُولِ المُهْلَةِ، ولَوْ ذاقُوا عَذابِي عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ لَصَدَّقُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ. ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ أيْ: مَفاتِيحُ نِعَمِ رَبِّكَ وهي النُّبُوَّةُ وما هو دُونَها مِنَ النِّعَمِ حَتّى يُعْطُوها مَن شاءُوا، فَما لَهم ولِإنْكارِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلى هَذا النَّبِيِّ واخْتارَهُ لَهُ واصْطَفاهُ لِرِسالَتِهِ. والمَعْنى: بَلْ أعِنْدَهم، لِأنَّ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ. والوَهّابُ: المُعْطِي بِغَيْرِ حِسابٍ. ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَلْ ألَهم مُلْكُ هَذِهِ الأشْياءِ حَتّى يُعْطُوا مَن شاءُوا ويَمْنَعُوا مَن شاءُوا، ويَعْتَرِضُوا عَلى إعْطاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ لِمَن شاءَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْ كانَ لَهم ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا في الأسْبابِ الَّتِي تُوصِلُهم إلى السَّماءِ وإلى العَرْشِ حَتّى يَحْكُمُوا بِما يُرِيدُونَ مِن عَطاءٍ ومَنعٍ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ بِما يَشْتَهُونَ، أوْ فَلْيَصْعَدُوا، ولِيَمْنَعُوا المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والأسْبابُ: أبْوابُ السَّماواتِ الَّتِي تَنْزِلُ المَلائِكَةُ مِنها. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الأسْبابُ أدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وأشَدُّ مِنَ الحَدِيدِ ولَكِنْ لا تُرى. وقالَ السُّدِّيُّ ﴿فِي الأسْبابِ﴾ في الفَضْلِ والدِّينِ. وقِيلَ: فَلْيَعْمَلُوا في أسْبابِ القُوَّةِ إنْ ظَنُّوا أنَّها مانِعَةٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: الأسْبابُ الحِبالُ: يَعْنِي إنْ وجَدُوا حِبالًا يَصْعَدُونَ فِيها إلى السَّماءِ فَعَلُوا، والأسْبابُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ كُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَطْلُوبِ كائِنًا ما كانَ. وفي هَذا الكَلامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَعْجِيزٌ لَهم. ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ، و( جُنْدٌ ) مُرْتَفَعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هم جُنْدٌ، يَعْنِي الكُفّارَ ( مَهْزُومٌ ) مَكْسُورٌ عَمّا قَرِيبٍ، فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَظُنَّ أنَّهم يَصِلُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُضْمِرُونَهُ بِكَ مِنَ الكَيْدِ، و( ما ) في قَوْلِهِ: ما هُنالِكَ هي صِفَةٌ لِ ( جُنْدٌ ) لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ والتَّحْقِيرِ أيْ: جُنْدٌ أيُّ جُنْدٍ. وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، يُقالُ: هَزَمْتَ الجَيْشَ كَسَرْتَهُ، وتَهَزَّمَتِ القَرْيَةُ: إذا تَكَسَّرَتْ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ وهم جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومُونَ، فَلا تَحْزَنْ لِعِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ، فَإنِّي أسْلُبُ عِزَّهم وأهْزِمُ جَمْعَهم، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ في بَدْرٍ وفِيما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: سُئِلَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ عَنْ ﴿ص﴾ فَقالَ: لا نَدْرِي ما هو. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ص مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قالَ: ذِي الشَّرَفِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ التَّمِيمِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ: لَيْسَ بِحِينِ نَزْوٍ ولا فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نادَوُا النِّداءَ حِينَ يَنْفَعُهم، وأنْشَدَ: ؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى لاتَ حِينَ تَذَكُّرِ ∗∗∗ وقَدْ بِنْتُ مِنها والمَناصُ بِعِيدُ وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَيْسَ هَذا حِينَ زَوالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لا حِينَ فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-١٢٥٨)قَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ انْطَلَقَ أشْرافُ قُرَيْشٍ إلى أبِي طالِبٍ فَكَلَّمُوهُ في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ قالَ: أبُو جَهْلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قالَ: النَّصْرانِيَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ قالَ: في السَّماءِ.

ص 38:3

تَفْسِيرُ سُورَةِ ص وهِيَ مَكِّيَّةٌ: قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ص " بِمَكَّةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " «لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِن قُرَيْشٍ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ ابْنَ أخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنا ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ ويَقُولُ ويَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ، فَجاءَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَدَخَلَ البَيْتَ، وبَيْنَهم وبَيْنَ أبِي طالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ، فَخَشِيَ أبُو جَهْلٍ أنْ يَجْلِسَ إلى أبِي طالِبٍ ويَكُونُ أرْقى عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، فَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ البابِ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ أيِ ابْنَ أخِي ما بالُ قَوْمِكِ يَشْكُونَكَ ؟ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهم، وتَقُولُ وتَقُولُ، قالَ: وأكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، وتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا عَمِّ إنِّي أُرِيدُهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَقُولُونَها تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ، فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ ولِقَوْلِهِ، فَقالَ القَوْمُ: كَلِمَةٌ واحِدَةٌ نَعَمْ وأبِيكَ عَشْرًا، قالُوا فَما هي ؟ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيابَهم، وهم يَقُولُونَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾» [ص: ١ - ٨] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ص﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الدّالِ كَسائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي في أوائِلِ السُّوَرِ فَإنَّها ساكِنَةُ الأواخِرِ عَلى الوَقْفِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو السِّماكِ بِكَسْرِ الدّالِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: وجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ مِن صادى يُصادِي إذا عارَضَ والمَعْنى صادِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ أيْ: عارِضْهُ بِعَمَلِكَ وقابِلْهُ فاعْمَلْ بِهِ، وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وقالَ: إنَّهُ فَسَّرَ قِراءَتَهُ هَذِهِ بِهَذا، وعَنْهُ أنَّ المَعْنى: اتْلُهُ وتَعَرَّضْ لِقِراءَتِهِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " صادَ " بِفَتْحِ الدّالِ، والفَتْحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الإغْراءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: صادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آمَنُوا بِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ " صادِ " بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ تَشْبِيهًا لِهَذا الحَرْفِ بِما هو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنَ الأصْواتِ. وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " صادُ " بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى البِناءِ نَحْوُ: مُنْذُ وحَيْثُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى " صادْ " فَقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ صَدَقَ اللَّهُ. وقالَ عَطاءٌ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو بَحْرٌ يُحْيِي اللَّهُ بِهِ المَوْتى بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو مِفْتاحُ اسْمِ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ الرَّحْمَنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقِيلَ: هو مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهَذا هو الحَقُّ كَما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. قِيلَ: وهو إمّا اسْمٌ لِلْحُرُوفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعَبُّدِ، أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هي واوُ القَسَمِ، والإقْسامُ بِالقُرْآنِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِ وعُلُوِّ مَحَلِّهِ، ومَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذِي البَيانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ذِي الشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم﴾ [الأنبياء: ١٠] (p-١٢٥٦)أيْ: شَرَفُكم، وقِيلَ: أيْ: ذِي المَوْعِظَةِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا القِسْمِ ما هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ والكِسائِيُّ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ الفَرّاءِ: إنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] وقالَ الفَرّاءُ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا لِتَأخُّرِهِ جِدًّا عَنْ قَوْلِهِ: والقُرْآنِ ورَجَّحَ هو وثَعْلَبٌ أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: الجَوابُ هو ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] وقِيلَ: هو " صادْ "، لِأنَّ مَعْناهُ حَقٌّ، فَهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ والقُرْآنِ كَما تَقُولُ حَقًّا واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ والفَرّاءِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ جَوابَ القَسَمِ يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ وهو ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تَقْدِيرُهُ ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُ الكُفّارُ، والقَوْلُ بِالحَذْفِ أوْلى. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ص مُقْسَمٌ بِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الواوُ في والقُرْآنِ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ الإقْسامُ بِالقُرْآنِ دالًّا عَلى صِدْقِهِ، وأنَّهُ حَقٌّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلرَّيْبِ. قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وكَأنَّهُ قالَ: لا رَيْبَ فِيهِ قَطْعًا، ولَمْ يَكُنْ عَدَمُ قَبُولِ المُشْرِكِينَ لَهُ لِرَيْبٍ فِيهِ. بَلْ هم في عِزَّةٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ أيْ: تَكَبُّرٍ وتَجَبُّرٍ. وشِقاقٍ أيْ: وامْتِناعٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، والعِزَّةُ عِنْدَ العَرَبِ: الغَلَبَةُ والقَهْرُ، يُقالُ: مَن عَزَّ بَزَّ أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ، ومِنهُ و﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] أيْ: غَلَبَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَعُزُّ عَلى الطَّرِيقِ بِمَنكِبَيْهِ كَما ابْتَرَكَ الخَلِيعُ عَلى القِداحِ والشِّقاقُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ. ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - وهَدَّدَهم بِما فَعَلَهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الخالِيَةَ المُهْلَكَةَ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ أيْ: كَمْ أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّذِينَ كانُوا أمْنَعَ مِن هَؤُلاءِ وأشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا، و" كَمْ " هي الخَبَرِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى التَّكْثِيرِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ " أهْلَكْنا " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ، و" مِن قَرْنٍ " تَمْيِيزٌ، و" مِن " في ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ هي لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ النِّداءُ هُنا: هو نِداءُ الِاسْتِغاثَةِ مِنهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، ولَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ. قالَ الحَسَنُ: نادَوْا بِالتَّوْبَةِ ولَيْسَ حِينَ التَّوْبَةِ ولا حِينَ يَنْفَعُ العَمَلُ. والمَناصُ مَصْدَرُ ناصَ يَنُوصُ، وهو الفَوْتُ والتَّأخُّرُ، ولاتَ بِمَعْنى لَيْسَ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ: هي لا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ كَما في قَوْلِهِمْ: رُبَّ ورُبَّتَ، وثَمَّ وثَمَّتَ قالَ الفَرّاءُ: النَّوْصُ التَّأخُّرُ، وأنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أمِن ذِكْرِ لَيْلى إذْ نَأتْكَ تَنُوصُ قالَ: يُقالُ: ناصَ عَنْ قَرْنِهِ يَنُوصُ نَوْصًا أيْ: فَرَّ وزاغَ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ: ناصَ يَنُوصُ: إذا تَقَدَّمَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَناصٌ، أيْ: عَلَيْكم بِالفِرارِ والهَزِيمَةِ، فَلَمّا أتاهُمُ العَذابُ قالُوا: مَناصٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: لاتَ مُشَبَّهَةٌ بِلَيَسَ، والِاسْمُ فِيها مُضْمَرٌ أيْ: لَيْسَ حِينُنا حِينَ مَناصٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ ولَيْسَ أوانُنا. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: والقَوْلُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، والوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الكِسائِيِّ بِالهاءِ، وبِهِ قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: والتّاءُ تُكْتَبُ مُنْقَطِعَةً عَنْ " حِينَ "، وكَذَلِكَ هي في المَصاحِفِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: تُكْتَبُ مُتَّصِلَةً بِـ " حِينَ "، فَيُقالُ: " ولا تَحِينُ " ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ: ؎العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ وقَدْ يُسْتَغْنى بِحِينَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا ∗∗∗ وأمْسى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا قالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ نَجِدِ العَرَبَ تَزِيدُ هَذِهِ التّاءَ إلّا في حِينَ وأوانَ والآنَ. قُلْتُ: بَلْ قَدْ يَزِيدُونَها في غَيْرِ ذَلِكَ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَلَتَعْرِفُنَّ خَلائِقًا مَشْمُولَةً ∗∗∗ ولَتَنْدَمُنَّ ولاتَ ساعَةِ مَندَمِ وقَدْ أنْشَدَ الفَرّاءُ هَذا البَيْتَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلى أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَخْفِضُ بِها، وجُمْلَةُ ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ نادَوْا. قَرَأ الجُمْهُورُ لاتَ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ " لاتِ " بِالكَسْرِ كَجَيْرِ. ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ أيْ: عَجِبَ الكُفّارُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم أيْ: رَسُولٌ مِن أنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، و" أنْ " وما في حَيِّزِها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: مِن أنْ جاءَهم، وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ قالُوا هَذا القَوْلَ لَمّا شاهَدُوا ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الخارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أيْ: هَذا المُدَّعِي لِلرِّسالَةِ ساحِرٌ فِيما يُظْهِرُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ كَذّابٌ فِيما يَدَّعِيهِ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ. قِيلَ: ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِإظْهارِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما قالُوهُ لا يَتَجاسَرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ. ثُمَّ أنْكَرُوا ما جاءَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّوْحِيدِ وما نَفاهُ مِنَ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ فَقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ أيْ: صَيَّرَها إلَهًا واحِدًا وقَصَرَها عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ: لَأمْرٌ بالِغٌ في العَجَبِ إلى الغايَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَجِيبُ الأمْرُ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنهُ وكَذَلِكَ العُجابُ بِالضَّمِّ والعُجّابُ بِالتَّشْدِيدِ أكْثَرُ مِنهُ قَرَأ الجُمْهُورُ عُجابٌ مُخَفَّفًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: عُجابٌ يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، قِيلَ: والعُجابُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ قَدْ تَجاوَزَ الحَدَّ في العَجَبِ، كَما يُقالُ: الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ طُولٌ، والطِّوالُ الَّذِي قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ الطُّولِ وكَلامُ الجَوْهَرِيِّ يُفِيدُ اخْتِصاصَ المُبالَغَةِ بِعُجّابٍ مُشَدَّدِ الجِيمِ لا بِالمُخَفَّفِ، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ. ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ المُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ كَما هو مُقَرَّرٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن تَفْسِيرِ الكِتابِ العَزِيزِ أيِ: انْطَلَقُوا مِن مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ عِنْدَ أبِي طالِبٍ كَما تَقَدَّمَ قائِلِينَ ﴿أنِ امْشُوا﴾ أيْ: قائِلِينَ (p-١٢٥٧)لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا امْضُوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تَدْخُلُوا في دِينِهِ ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها، وقِيلَ: المَعْنى: وانْطَلَقَ الأشْرافُ مِنهم فَقالُوا لِلْعَوامِّ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ امْشُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ، أوْ لِقَوْلِهِ وانْطَلَقَ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَعْمُولَةً لِلْمُقَدَّرِ أوْ لِلْمَذْكُورِ أيْ: بِأنِ امْشُوا. وقِيلَ: المُرادُ بِالِانْطِلاقِ: الِانْدِفاعُ في القَوْلِ، وامْشُوا مِن مَشَتِ المَرْأةُ إذا كَثُرَتْ وِلادَتُها أيِ: اجْتَمَعُوا وأكْثَرُوا، وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وخِلافُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِانْطِلاقُ والمَشْيُ بِحَقِيقَتِهِما، وخِلافُ ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ أيْ: يُرِيدُهُ مُحَمَّدٌ بِنا وبِآلِهَتِنا، ويَوَدُّ تَمامَهُ لِيَعْلُوَ عَلَيْنا، وتَكُونَ لَهُ أتْباعًا فَيَتَحَكَّمُ فِينا بِما يُرِيدُ، فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ مِنهُ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا الأمْرَ يُرِيدُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وما أرادَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، فاصْبِرُوا عَلى عِبادَةِ آلِهَتِكم. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ: يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم وتُغْلَبُوا عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: ما سَمِعْنا بِهَذا الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ في المِلَّةِ الآخِرَةِ. وهِيَ مِلَّةُ النَّصْرانِيَّةِ فَإنَّها آخِرُ المِلَلِ قَبْلَ مِلَّةِ الإسْلامِ، كَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنُونَ مِلَّةَ قُرَيْشٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى ما سَمِعْنا: أنَّ هَذا يَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ. وقِيلَ: المَعْنى: ما سَمِعْنا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ أيْ: ما هَذا إلّا كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ وافْتَراهُ. ثُمَّ اسْتَنْكَرُوا أنْ يَخُصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِمَزِيَّةِ النُّبُوَّةِ دُونَهم فَقالُوا: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ونَحْنُ الرُّؤَساءُ والأشْرافُ. قالَ الزَّجّاجُ: قالُوا كَيْفَ أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ القُرْآنُ مِن بَيْنِنا ونَحْنُ أكْبَرُ سِنًّا وأعْظَمُ شَرَفًا مِنهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَأنْكَرُوا أنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِما شاءَ. ولَمّا ذَكَرَ اسْتِنْكارَهم لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَهم بَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ تَرَكُوا تَصْدِيقَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ أوِ الوَحْيِ لِإعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ المُوجِبِ لِتَصْدِيقِهِ وإهْمالِهِمْ لِلْأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ حَقٌّ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أيْ: بَلِ السَّبَبُ أنَّهم لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي فاغْتَرُّوا بِطُولِ المُهْلَةِ، ولَوْ ذاقُوا عَذابِي عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ لَصَدَّقُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ. ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ أيْ: مَفاتِيحُ نِعَمِ رَبِّكَ وهي النُّبُوَّةُ وما هو دُونَها مِنَ النِّعَمِ حَتّى يُعْطُوها مَن شاءُوا، فَما لَهم ولِإنْكارِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلى هَذا النَّبِيِّ واخْتارَهُ لَهُ واصْطَفاهُ لِرِسالَتِهِ. والمَعْنى: بَلْ أعِنْدَهم، لِأنَّ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ. والوَهّابُ: المُعْطِي بِغَيْرِ حِسابٍ. ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَلْ ألَهم مُلْكُ هَذِهِ الأشْياءِ حَتّى يُعْطُوا مَن شاءُوا ويَمْنَعُوا مَن شاءُوا، ويَعْتَرِضُوا عَلى إعْطاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ لِمَن شاءَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْ كانَ لَهم ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا في الأسْبابِ الَّتِي تُوصِلُهم إلى السَّماءِ وإلى العَرْشِ حَتّى يَحْكُمُوا بِما يُرِيدُونَ مِن عَطاءٍ ومَنعٍ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ بِما يَشْتَهُونَ، أوْ فَلْيَصْعَدُوا، ولِيَمْنَعُوا المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والأسْبابُ: أبْوابُ السَّماواتِ الَّتِي تَنْزِلُ المَلائِكَةُ مِنها. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الأسْبابُ أدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وأشَدُّ مِنَ الحَدِيدِ ولَكِنْ لا تُرى. وقالَ السُّدِّيُّ ﴿فِي الأسْبابِ﴾ في الفَضْلِ والدِّينِ. وقِيلَ: فَلْيَعْمَلُوا في أسْبابِ القُوَّةِ إنْ ظَنُّوا أنَّها مانِعَةٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: الأسْبابُ الحِبالُ: يَعْنِي إنْ وجَدُوا حِبالًا يَصْعَدُونَ فِيها إلى السَّماءِ فَعَلُوا، والأسْبابُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ كُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَطْلُوبِ كائِنًا ما كانَ. وفي هَذا الكَلامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَعْجِيزٌ لَهم. ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ، و( جُنْدٌ ) مُرْتَفَعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هم جُنْدٌ، يَعْنِي الكُفّارَ ( مَهْزُومٌ ) مَكْسُورٌ عَمّا قَرِيبٍ، فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَظُنَّ أنَّهم يَصِلُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُضْمِرُونَهُ بِكَ مِنَ الكَيْدِ، و( ما ) في قَوْلِهِ: ما هُنالِكَ هي صِفَةٌ لِ ( جُنْدٌ ) لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ والتَّحْقِيرِ أيْ: جُنْدٌ أيُّ جُنْدٍ. وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، يُقالُ: هَزَمْتَ الجَيْشَ كَسَرْتَهُ، وتَهَزَّمَتِ القَرْيَةُ: إذا تَكَسَّرَتْ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ وهم جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومُونَ، فَلا تَحْزَنْ لِعِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ، فَإنِّي أسْلُبُ عِزَّهم وأهْزِمُ جَمْعَهم، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ في بَدْرٍ وفِيما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: سُئِلَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ عَنْ ﴿ص﴾ فَقالَ: لا نَدْرِي ما هو. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ص مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قالَ: ذِي الشَّرَفِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ التَّمِيمِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ: لَيْسَ بِحِينِ نَزْوٍ ولا فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نادَوُا النِّداءَ حِينَ يَنْفَعُهم، وأنْشَدَ: ؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى لاتَ حِينَ تَذَكُّرِ ∗∗∗ وقَدْ بِنْتُ مِنها والمَناصُ بِعِيدُ وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَيْسَ هَذا حِينَ زَوالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لا حِينَ فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-١٢٥٨)قَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ انْطَلَقَ أشْرافُ قُرَيْشٍ إلى أبِي طالِبٍ فَكَلَّمُوهُ في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ قالَ: أبُو جَهْلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قالَ: النَّصْرانِيَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ قالَ: في السَّماءِ.

ص 38:4

تَفْسِيرُ سُورَةِ ص وهِيَ مَكِّيَّةٌ: قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ص " بِمَكَّةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " «لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِن قُرَيْشٍ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ ابْنَ أخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنا ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ ويَقُولُ ويَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ، فَجاءَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَدَخَلَ البَيْتَ، وبَيْنَهم وبَيْنَ أبِي طالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ، فَخَشِيَ أبُو جَهْلٍ أنْ يَجْلِسَ إلى أبِي طالِبٍ ويَكُونُ أرْقى عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، فَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ البابِ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ أيِ ابْنَ أخِي ما بالُ قَوْمِكِ يَشْكُونَكَ ؟ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهم، وتَقُولُ وتَقُولُ، قالَ: وأكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، وتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا عَمِّ إنِّي أُرِيدُهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَقُولُونَها تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ، فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ ولِقَوْلِهِ، فَقالَ القَوْمُ: كَلِمَةٌ واحِدَةٌ نَعَمْ وأبِيكَ عَشْرًا، قالُوا فَما هي ؟ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيابَهم، وهم يَقُولُونَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾» [ص: ١ - ٨] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ص﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الدّالِ كَسائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي في أوائِلِ السُّوَرِ فَإنَّها ساكِنَةُ الأواخِرِ عَلى الوَقْفِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو السِّماكِ بِكَسْرِ الدّالِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: وجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ مِن صادى يُصادِي إذا عارَضَ والمَعْنى صادِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ أيْ: عارِضْهُ بِعَمَلِكَ وقابِلْهُ فاعْمَلْ بِهِ، وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وقالَ: إنَّهُ فَسَّرَ قِراءَتَهُ هَذِهِ بِهَذا، وعَنْهُ أنَّ المَعْنى: اتْلُهُ وتَعَرَّضْ لِقِراءَتِهِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " صادَ " بِفَتْحِ الدّالِ، والفَتْحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الإغْراءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: صادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آمَنُوا بِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ " صادِ " بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ تَشْبِيهًا لِهَذا الحَرْفِ بِما هو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنَ الأصْواتِ. وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " صادُ " بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى البِناءِ نَحْوُ: مُنْذُ وحَيْثُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى " صادْ " فَقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ صَدَقَ اللَّهُ. وقالَ عَطاءٌ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو بَحْرٌ يُحْيِي اللَّهُ بِهِ المَوْتى بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو مِفْتاحُ اسْمِ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ الرَّحْمَنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقِيلَ: هو مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهَذا هو الحَقُّ كَما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. قِيلَ: وهو إمّا اسْمٌ لِلْحُرُوفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعَبُّدِ، أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هي واوُ القَسَمِ، والإقْسامُ بِالقُرْآنِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِ وعُلُوِّ مَحَلِّهِ، ومَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذِي البَيانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ذِي الشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم﴾ [الأنبياء: ١٠] (p-١٢٥٦)أيْ: شَرَفُكم، وقِيلَ: أيْ: ذِي المَوْعِظَةِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا القِسْمِ ما هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ والكِسائِيُّ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ الفَرّاءِ: إنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] وقالَ الفَرّاءُ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا لِتَأخُّرِهِ جِدًّا عَنْ قَوْلِهِ: والقُرْآنِ ورَجَّحَ هو وثَعْلَبٌ أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: الجَوابُ هو ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] وقِيلَ: هو " صادْ "، لِأنَّ مَعْناهُ حَقٌّ، فَهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ والقُرْآنِ كَما تَقُولُ حَقًّا واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ والفَرّاءِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ جَوابَ القَسَمِ يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ وهو ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تَقْدِيرُهُ ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُ الكُفّارُ، والقَوْلُ بِالحَذْفِ أوْلى. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ص مُقْسَمٌ بِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الواوُ في والقُرْآنِ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ الإقْسامُ بِالقُرْآنِ دالًّا عَلى صِدْقِهِ، وأنَّهُ حَقٌّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلرَّيْبِ. قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وكَأنَّهُ قالَ: لا رَيْبَ فِيهِ قَطْعًا، ولَمْ يَكُنْ عَدَمُ قَبُولِ المُشْرِكِينَ لَهُ لِرَيْبٍ فِيهِ. بَلْ هم في عِزَّةٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ أيْ: تَكَبُّرٍ وتَجَبُّرٍ. وشِقاقٍ أيْ: وامْتِناعٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، والعِزَّةُ عِنْدَ العَرَبِ: الغَلَبَةُ والقَهْرُ، يُقالُ: مَن عَزَّ بَزَّ أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ، ومِنهُ و﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] أيْ: غَلَبَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَعُزُّ عَلى الطَّرِيقِ بِمَنكِبَيْهِ كَما ابْتَرَكَ الخَلِيعُ عَلى القِداحِ والشِّقاقُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ. ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - وهَدَّدَهم بِما فَعَلَهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الخالِيَةَ المُهْلَكَةَ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ أيْ: كَمْ أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّذِينَ كانُوا أمْنَعَ مِن هَؤُلاءِ وأشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا، و" كَمْ " هي الخَبَرِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى التَّكْثِيرِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ " أهْلَكْنا " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ، و" مِن قَرْنٍ " تَمْيِيزٌ، و" مِن " في ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ هي لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ النِّداءُ هُنا: هو نِداءُ الِاسْتِغاثَةِ مِنهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، ولَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ. قالَ الحَسَنُ: نادَوْا بِالتَّوْبَةِ ولَيْسَ حِينَ التَّوْبَةِ ولا حِينَ يَنْفَعُ العَمَلُ. والمَناصُ مَصْدَرُ ناصَ يَنُوصُ، وهو الفَوْتُ والتَّأخُّرُ، ولاتَ بِمَعْنى لَيْسَ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ: هي لا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ كَما في قَوْلِهِمْ: رُبَّ ورُبَّتَ، وثَمَّ وثَمَّتَ قالَ الفَرّاءُ: النَّوْصُ التَّأخُّرُ، وأنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أمِن ذِكْرِ لَيْلى إذْ نَأتْكَ تَنُوصُ قالَ: يُقالُ: ناصَ عَنْ قَرْنِهِ يَنُوصُ نَوْصًا أيْ: فَرَّ وزاغَ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ: ناصَ يَنُوصُ: إذا تَقَدَّمَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَناصٌ، أيْ: عَلَيْكم بِالفِرارِ والهَزِيمَةِ، فَلَمّا أتاهُمُ العَذابُ قالُوا: مَناصٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: لاتَ مُشَبَّهَةٌ بِلَيَسَ، والِاسْمُ فِيها مُضْمَرٌ أيْ: لَيْسَ حِينُنا حِينَ مَناصٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ ولَيْسَ أوانُنا. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: والقَوْلُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، والوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الكِسائِيِّ بِالهاءِ، وبِهِ قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: والتّاءُ تُكْتَبُ مُنْقَطِعَةً عَنْ " حِينَ "، وكَذَلِكَ هي في المَصاحِفِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: تُكْتَبُ مُتَّصِلَةً بِـ " حِينَ "، فَيُقالُ: " ولا تَحِينُ " ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ: ؎العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ وقَدْ يُسْتَغْنى بِحِينَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا ∗∗∗ وأمْسى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا قالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ نَجِدِ العَرَبَ تَزِيدُ هَذِهِ التّاءَ إلّا في حِينَ وأوانَ والآنَ. قُلْتُ: بَلْ قَدْ يَزِيدُونَها في غَيْرِ ذَلِكَ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَلَتَعْرِفُنَّ خَلائِقًا مَشْمُولَةً ∗∗∗ ولَتَنْدَمُنَّ ولاتَ ساعَةِ مَندَمِ وقَدْ أنْشَدَ الفَرّاءُ هَذا البَيْتَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلى أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَخْفِضُ بِها، وجُمْلَةُ ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ نادَوْا. قَرَأ الجُمْهُورُ لاتَ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ " لاتِ " بِالكَسْرِ كَجَيْرِ. ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ أيْ: عَجِبَ الكُفّارُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم أيْ: رَسُولٌ مِن أنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، و" أنْ " وما في حَيِّزِها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: مِن أنْ جاءَهم، وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ قالُوا هَذا القَوْلَ لَمّا شاهَدُوا ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الخارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أيْ: هَذا المُدَّعِي لِلرِّسالَةِ ساحِرٌ فِيما يُظْهِرُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ كَذّابٌ فِيما يَدَّعِيهِ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ. قِيلَ: ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِإظْهارِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما قالُوهُ لا يَتَجاسَرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ. ثُمَّ أنْكَرُوا ما جاءَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّوْحِيدِ وما نَفاهُ مِنَ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ فَقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ أيْ: صَيَّرَها إلَهًا واحِدًا وقَصَرَها عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ: لَأمْرٌ بالِغٌ في العَجَبِ إلى الغايَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَجِيبُ الأمْرُ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنهُ وكَذَلِكَ العُجابُ بِالضَّمِّ والعُجّابُ بِالتَّشْدِيدِ أكْثَرُ مِنهُ قَرَأ الجُمْهُورُ عُجابٌ مُخَفَّفًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: عُجابٌ يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، قِيلَ: والعُجابُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ قَدْ تَجاوَزَ الحَدَّ في العَجَبِ، كَما يُقالُ: الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ طُولٌ، والطِّوالُ الَّذِي قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ الطُّولِ وكَلامُ الجَوْهَرِيِّ يُفِيدُ اخْتِصاصَ المُبالَغَةِ بِعُجّابٍ مُشَدَّدِ الجِيمِ لا بِالمُخَفَّفِ، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ. ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ المُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ كَما هو مُقَرَّرٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن تَفْسِيرِ الكِتابِ العَزِيزِ أيِ: انْطَلَقُوا مِن مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ عِنْدَ أبِي طالِبٍ كَما تَقَدَّمَ قائِلِينَ ﴿أنِ امْشُوا﴾ أيْ: قائِلِينَ (p-١٢٥٧)لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا امْضُوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تَدْخُلُوا في دِينِهِ ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها، وقِيلَ: المَعْنى: وانْطَلَقَ الأشْرافُ مِنهم فَقالُوا لِلْعَوامِّ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ امْشُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ، أوْ لِقَوْلِهِ وانْطَلَقَ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَعْمُولَةً لِلْمُقَدَّرِ أوْ لِلْمَذْكُورِ أيْ: بِأنِ امْشُوا. وقِيلَ: المُرادُ بِالِانْطِلاقِ: الِانْدِفاعُ في القَوْلِ، وامْشُوا مِن مَشَتِ المَرْأةُ إذا كَثُرَتْ وِلادَتُها أيِ: اجْتَمَعُوا وأكْثَرُوا، وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وخِلافُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِانْطِلاقُ والمَشْيُ بِحَقِيقَتِهِما، وخِلافُ ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ أيْ: يُرِيدُهُ مُحَمَّدٌ بِنا وبِآلِهَتِنا، ويَوَدُّ تَمامَهُ لِيَعْلُوَ عَلَيْنا، وتَكُونَ لَهُ أتْباعًا فَيَتَحَكَّمُ فِينا بِما يُرِيدُ، فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ مِنهُ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا الأمْرَ يُرِيدُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وما أرادَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، فاصْبِرُوا عَلى عِبادَةِ آلِهَتِكم. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ: يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم وتُغْلَبُوا عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: ما سَمِعْنا بِهَذا الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ في المِلَّةِ الآخِرَةِ. وهِيَ مِلَّةُ النَّصْرانِيَّةِ فَإنَّها آخِرُ المِلَلِ قَبْلَ مِلَّةِ الإسْلامِ، كَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنُونَ مِلَّةَ قُرَيْشٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى ما سَمِعْنا: أنَّ هَذا يَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ. وقِيلَ: المَعْنى: ما سَمِعْنا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ أيْ: ما هَذا إلّا كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ وافْتَراهُ. ثُمَّ اسْتَنْكَرُوا أنْ يَخُصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِمَزِيَّةِ النُّبُوَّةِ دُونَهم فَقالُوا: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ونَحْنُ الرُّؤَساءُ والأشْرافُ. قالَ الزَّجّاجُ: قالُوا كَيْفَ أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ القُرْآنُ مِن بَيْنِنا ونَحْنُ أكْبَرُ سِنًّا وأعْظَمُ شَرَفًا مِنهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَأنْكَرُوا أنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِما شاءَ. ولَمّا ذَكَرَ اسْتِنْكارَهم لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَهم بَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ تَرَكُوا تَصْدِيقَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ أوِ الوَحْيِ لِإعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ المُوجِبِ لِتَصْدِيقِهِ وإهْمالِهِمْ لِلْأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ حَقٌّ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أيْ: بَلِ السَّبَبُ أنَّهم لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي فاغْتَرُّوا بِطُولِ المُهْلَةِ، ولَوْ ذاقُوا عَذابِي عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ لَصَدَّقُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ. ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ أيْ: مَفاتِيحُ نِعَمِ رَبِّكَ وهي النُّبُوَّةُ وما هو دُونَها مِنَ النِّعَمِ حَتّى يُعْطُوها مَن شاءُوا، فَما لَهم ولِإنْكارِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلى هَذا النَّبِيِّ واخْتارَهُ لَهُ واصْطَفاهُ لِرِسالَتِهِ. والمَعْنى: بَلْ أعِنْدَهم، لِأنَّ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ. والوَهّابُ: المُعْطِي بِغَيْرِ حِسابٍ. ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَلْ ألَهم مُلْكُ هَذِهِ الأشْياءِ حَتّى يُعْطُوا مَن شاءُوا ويَمْنَعُوا مَن شاءُوا، ويَعْتَرِضُوا عَلى إعْطاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ لِمَن شاءَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْ كانَ لَهم ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا في الأسْبابِ الَّتِي تُوصِلُهم إلى السَّماءِ وإلى العَرْشِ حَتّى يَحْكُمُوا بِما يُرِيدُونَ مِن عَطاءٍ ومَنعٍ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ بِما يَشْتَهُونَ، أوْ فَلْيَصْعَدُوا، ولِيَمْنَعُوا المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والأسْبابُ: أبْوابُ السَّماواتِ الَّتِي تَنْزِلُ المَلائِكَةُ مِنها. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الأسْبابُ أدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وأشَدُّ مِنَ الحَدِيدِ ولَكِنْ لا تُرى. وقالَ السُّدِّيُّ ﴿فِي الأسْبابِ﴾ في الفَضْلِ والدِّينِ. وقِيلَ: فَلْيَعْمَلُوا في أسْبابِ القُوَّةِ إنْ ظَنُّوا أنَّها مانِعَةٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: الأسْبابُ الحِبالُ: يَعْنِي إنْ وجَدُوا حِبالًا يَصْعَدُونَ فِيها إلى السَّماءِ فَعَلُوا، والأسْبابُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ كُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَطْلُوبِ كائِنًا ما كانَ. وفي هَذا الكَلامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَعْجِيزٌ لَهم. ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ، و( جُنْدٌ ) مُرْتَفَعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هم جُنْدٌ، يَعْنِي الكُفّارَ ( مَهْزُومٌ ) مَكْسُورٌ عَمّا قَرِيبٍ، فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَظُنَّ أنَّهم يَصِلُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُضْمِرُونَهُ بِكَ مِنَ الكَيْدِ، و( ما ) في قَوْلِهِ: ما هُنالِكَ هي صِفَةٌ لِ ( جُنْدٌ ) لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ والتَّحْقِيرِ أيْ: جُنْدٌ أيُّ جُنْدٍ. وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، يُقالُ: هَزَمْتَ الجَيْشَ كَسَرْتَهُ، وتَهَزَّمَتِ القَرْيَةُ: إذا تَكَسَّرَتْ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ وهم جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومُونَ، فَلا تَحْزَنْ لِعِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ، فَإنِّي أسْلُبُ عِزَّهم وأهْزِمُ جَمْعَهم، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ في بَدْرٍ وفِيما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: سُئِلَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ عَنْ ﴿ص﴾ فَقالَ: لا نَدْرِي ما هو. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ص مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قالَ: ذِي الشَّرَفِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ التَّمِيمِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ: لَيْسَ بِحِينِ نَزْوٍ ولا فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نادَوُا النِّداءَ حِينَ يَنْفَعُهم، وأنْشَدَ: ؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى لاتَ حِينَ تَذَكُّرِ ∗∗∗ وقَدْ بِنْتُ مِنها والمَناصُ بِعِيدُ وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَيْسَ هَذا حِينَ زَوالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لا حِينَ فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-١٢٥٨)قَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ انْطَلَقَ أشْرافُ قُرَيْشٍ إلى أبِي طالِبٍ فَكَلَّمُوهُ في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ قالَ: أبُو جَهْلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قالَ: النَّصْرانِيَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ قالَ: في السَّماءِ.

ص 38:5

تَفْسِيرُ سُورَةِ ص وهِيَ مَكِّيَّةٌ: قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ص " بِمَكَّةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " «لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِن قُرَيْشٍ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ ابْنَ أخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنا ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ ويَقُولُ ويَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ، فَجاءَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَدَخَلَ البَيْتَ، وبَيْنَهم وبَيْنَ أبِي طالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ، فَخَشِيَ أبُو جَهْلٍ أنْ يَجْلِسَ إلى أبِي طالِبٍ ويَكُونُ أرْقى عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، فَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ البابِ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ أيِ ابْنَ أخِي ما بالُ قَوْمِكِ يَشْكُونَكَ ؟ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهم، وتَقُولُ وتَقُولُ، قالَ: وأكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، وتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا عَمِّ إنِّي أُرِيدُهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَقُولُونَها تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ، فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ ولِقَوْلِهِ، فَقالَ القَوْمُ: كَلِمَةٌ واحِدَةٌ نَعَمْ وأبِيكَ عَشْرًا، قالُوا فَما هي ؟ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيابَهم، وهم يَقُولُونَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾» [ص: ١ - ٨] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ص﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الدّالِ كَسائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي في أوائِلِ السُّوَرِ فَإنَّها ساكِنَةُ الأواخِرِ عَلى الوَقْفِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو السِّماكِ بِكَسْرِ الدّالِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: وجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ مِن صادى يُصادِي إذا عارَضَ والمَعْنى صادِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ أيْ: عارِضْهُ بِعَمَلِكَ وقابِلْهُ فاعْمَلْ بِهِ، وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وقالَ: إنَّهُ فَسَّرَ قِراءَتَهُ هَذِهِ بِهَذا، وعَنْهُ أنَّ المَعْنى: اتْلُهُ وتَعَرَّضْ لِقِراءَتِهِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " صادَ " بِفَتْحِ الدّالِ، والفَتْحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الإغْراءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: صادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آمَنُوا بِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ " صادِ " بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ تَشْبِيهًا لِهَذا الحَرْفِ بِما هو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنَ الأصْواتِ. وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " صادُ " بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى البِناءِ نَحْوُ: مُنْذُ وحَيْثُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى " صادْ " فَقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ صَدَقَ اللَّهُ. وقالَ عَطاءٌ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو بَحْرٌ يُحْيِي اللَّهُ بِهِ المَوْتى بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو مِفْتاحُ اسْمِ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ الرَّحْمَنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقِيلَ: هو مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهَذا هو الحَقُّ كَما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. قِيلَ: وهو إمّا اسْمٌ لِلْحُرُوفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعَبُّدِ، أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هي واوُ القَسَمِ، والإقْسامُ بِالقُرْآنِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِ وعُلُوِّ مَحَلِّهِ، ومَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذِي البَيانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ذِي الشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم﴾ [الأنبياء: ١٠] (p-١٢٥٦)أيْ: شَرَفُكم، وقِيلَ: أيْ: ذِي المَوْعِظَةِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا القِسْمِ ما هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ والكِسائِيُّ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ الفَرّاءِ: إنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] وقالَ الفَرّاءُ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا لِتَأخُّرِهِ جِدًّا عَنْ قَوْلِهِ: والقُرْآنِ ورَجَّحَ هو وثَعْلَبٌ أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: الجَوابُ هو ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] وقِيلَ: هو " صادْ "، لِأنَّ مَعْناهُ حَقٌّ، فَهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ والقُرْآنِ كَما تَقُولُ حَقًّا واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ والفَرّاءِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ جَوابَ القَسَمِ يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ وهو ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تَقْدِيرُهُ ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُ الكُفّارُ، والقَوْلُ بِالحَذْفِ أوْلى. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ص مُقْسَمٌ بِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الواوُ في والقُرْآنِ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ الإقْسامُ بِالقُرْآنِ دالًّا عَلى صِدْقِهِ، وأنَّهُ حَقٌّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلرَّيْبِ. قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وكَأنَّهُ قالَ: لا رَيْبَ فِيهِ قَطْعًا، ولَمْ يَكُنْ عَدَمُ قَبُولِ المُشْرِكِينَ لَهُ لِرَيْبٍ فِيهِ. بَلْ هم في عِزَّةٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ أيْ: تَكَبُّرٍ وتَجَبُّرٍ. وشِقاقٍ أيْ: وامْتِناعٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، والعِزَّةُ عِنْدَ العَرَبِ: الغَلَبَةُ والقَهْرُ، يُقالُ: مَن عَزَّ بَزَّ أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ، ومِنهُ و﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] أيْ: غَلَبَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَعُزُّ عَلى الطَّرِيقِ بِمَنكِبَيْهِ كَما ابْتَرَكَ الخَلِيعُ عَلى القِداحِ والشِّقاقُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ. ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - وهَدَّدَهم بِما فَعَلَهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الخالِيَةَ المُهْلَكَةَ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ أيْ: كَمْ أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّذِينَ كانُوا أمْنَعَ مِن هَؤُلاءِ وأشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا، و" كَمْ " هي الخَبَرِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى التَّكْثِيرِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ " أهْلَكْنا " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ، و" مِن قَرْنٍ " تَمْيِيزٌ، و" مِن " في ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ هي لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ النِّداءُ هُنا: هو نِداءُ الِاسْتِغاثَةِ مِنهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، ولَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ. قالَ الحَسَنُ: نادَوْا بِالتَّوْبَةِ ولَيْسَ حِينَ التَّوْبَةِ ولا حِينَ يَنْفَعُ العَمَلُ. والمَناصُ مَصْدَرُ ناصَ يَنُوصُ، وهو الفَوْتُ والتَّأخُّرُ، ولاتَ بِمَعْنى لَيْسَ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ: هي لا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ كَما في قَوْلِهِمْ: رُبَّ ورُبَّتَ، وثَمَّ وثَمَّتَ قالَ الفَرّاءُ: النَّوْصُ التَّأخُّرُ، وأنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أمِن ذِكْرِ لَيْلى إذْ نَأتْكَ تَنُوصُ قالَ: يُقالُ: ناصَ عَنْ قَرْنِهِ يَنُوصُ نَوْصًا أيْ: فَرَّ وزاغَ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ: ناصَ يَنُوصُ: إذا تَقَدَّمَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَناصٌ، أيْ: عَلَيْكم بِالفِرارِ والهَزِيمَةِ، فَلَمّا أتاهُمُ العَذابُ قالُوا: مَناصٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: لاتَ مُشَبَّهَةٌ بِلَيَسَ، والِاسْمُ فِيها مُضْمَرٌ أيْ: لَيْسَ حِينُنا حِينَ مَناصٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ ولَيْسَ أوانُنا. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: والقَوْلُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، والوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الكِسائِيِّ بِالهاءِ، وبِهِ قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: والتّاءُ تُكْتَبُ مُنْقَطِعَةً عَنْ " حِينَ "، وكَذَلِكَ هي في المَصاحِفِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: تُكْتَبُ مُتَّصِلَةً بِـ " حِينَ "، فَيُقالُ: " ولا تَحِينُ " ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ: ؎العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ وقَدْ يُسْتَغْنى بِحِينَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا ∗∗∗ وأمْسى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا قالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ نَجِدِ العَرَبَ تَزِيدُ هَذِهِ التّاءَ إلّا في حِينَ وأوانَ والآنَ. قُلْتُ: بَلْ قَدْ يَزِيدُونَها في غَيْرِ ذَلِكَ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَلَتَعْرِفُنَّ خَلائِقًا مَشْمُولَةً ∗∗∗ ولَتَنْدَمُنَّ ولاتَ ساعَةِ مَندَمِ وقَدْ أنْشَدَ الفَرّاءُ هَذا البَيْتَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلى أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَخْفِضُ بِها، وجُمْلَةُ ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ نادَوْا. قَرَأ الجُمْهُورُ لاتَ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ " لاتِ " بِالكَسْرِ كَجَيْرِ. ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ أيْ: عَجِبَ الكُفّارُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم أيْ: رَسُولٌ مِن أنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، و" أنْ " وما في حَيِّزِها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: مِن أنْ جاءَهم، وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ قالُوا هَذا القَوْلَ لَمّا شاهَدُوا ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الخارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أيْ: هَذا المُدَّعِي لِلرِّسالَةِ ساحِرٌ فِيما يُظْهِرُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ كَذّابٌ فِيما يَدَّعِيهِ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ. قِيلَ: ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِإظْهارِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما قالُوهُ لا يَتَجاسَرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ. ثُمَّ أنْكَرُوا ما جاءَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّوْحِيدِ وما نَفاهُ مِنَ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ فَقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ أيْ: صَيَّرَها إلَهًا واحِدًا وقَصَرَها عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ: لَأمْرٌ بالِغٌ في العَجَبِ إلى الغايَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَجِيبُ الأمْرُ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنهُ وكَذَلِكَ العُجابُ بِالضَّمِّ والعُجّابُ بِالتَّشْدِيدِ أكْثَرُ مِنهُ قَرَأ الجُمْهُورُ عُجابٌ مُخَفَّفًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: عُجابٌ يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، قِيلَ: والعُجابُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ قَدْ تَجاوَزَ الحَدَّ في العَجَبِ، كَما يُقالُ: الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ طُولٌ، والطِّوالُ الَّذِي قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ الطُّولِ وكَلامُ الجَوْهَرِيِّ يُفِيدُ اخْتِصاصَ المُبالَغَةِ بِعُجّابٍ مُشَدَّدِ الجِيمِ لا بِالمُخَفَّفِ، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ. ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ المُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ كَما هو مُقَرَّرٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن تَفْسِيرِ الكِتابِ العَزِيزِ أيِ: انْطَلَقُوا مِن مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ عِنْدَ أبِي طالِبٍ كَما تَقَدَّمَ قائِلِينَ ﴿أنِ امْشُوا﴾ أيْ: قائِلِينَ (p-١٢٥٧)لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا امْضُوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تَدْخُلُوا في دِينِهِ ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها، وقِيلَ: المَعْنى: وانْطَلَقَ الأشْرافُ مِنهم فَقالُوا لِلْعَوامِّ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ امْشُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ، أوْ لِقَوْلِهِ وانْطَلَقَ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَعْمُولَةً لِلْمُقَدَّرِ أوْ لِلْمَذْكُورِ أيْ: بِأنِ امْشُوا. وقِيلَ: المُرادُ بِالِانْطِلاقِ: الِانْدِفاعُ في القَوْلِ، وامْشُوا مِن مَشَتِ المَرْأةُ إذا كَثُرَتْ وِلادَتُها أيِ: اجْتَمَعُوا وأكْثَرُوا، وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وخِلافُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِانْطِلاقُ والمَشْيُ بِحَقِيقَتِهِما، وخِلافُ ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ أيْ: يُرِيدُهُ مُحَمَّدٌ بِنا وبِآلِهَتِنا، ويَوَدُّ تَمامَهُ لِيَعْلُوَ عَلَيْنا، وتَكُونَ لَهُ أتْباعًا فَيَتَحَكَّمُ فِينا بِما يُرِيدُ، فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ مِنهُ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا الأمْرَ يُرِيدُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وما أرادَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، فاصْبِرُوا عَلى عِبادَةِ آلِهَتِكم. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ: يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم وتُغْلَبُوا عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: ما سَمِعْنا بِهَذا الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ في المِلَّةِ الآخِرَةِ. وهِيَ مِلَّةُ النَّصْرانِيَّةِ فَإنَّها آخِرُ المِلَلِ قَبْلَ مِلَّةِ الإسْلامِ، كَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنُونَ مِلَّةَ قُرَيْشٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى ما سَمِعْنا: أنَّ هَذا يَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ. وقِيلَ: المَعْنى: ما سَمِعْنا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ أيْ: ما هَذا إلّا كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ وافْتَراهُ. ثُمَّ اسْتَنْكَرُوا أنْ يَخُصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِمَزِيَّةِ النُّبُوَّةِ دُونَهم فَقالُوا: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ونَحْنُ الرُّؤَساءُ والأشْرافُ. قالَ الزَّجّاجُ: قالُوا كَيْفَ أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ القُرْآنُ مِن بَيْنِنا ونَحْنُ أكْبَرُ سِنًّا وأعْظَمُ شَرَفًا مِنهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَأنْكَرُوا أنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِما شاءَ. ولَمّا ذَكَرَ اسْتِنْكارَهم لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَهم بَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ تَرَكُوا تَصْدِيقَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ أوِ الوَحْيِ لِإعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ المُوجِبِ لِتَصْدِيقِهِ وإهْمالِهِمْ لِلْأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ حَقٌّ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أيْ: بَلِ السَّبَبُ أنَّهم لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي فاغْتَرُّوا بِطُولِ المُهْلَةِ، ولَوْ ذاقُوا عَذابِي عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ لَصَدَّقُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ. ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ أيْ: مَفاتِيحُ نِعَمِ رَبِّكَ وهي النُّبُوَّةُ وما هو دُونَها مِنَ النِّعَمِ حَتّى يُعْطُوها مَن شاءُوا، فَما لَهم ولِإنْكارِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلى هَذا النَّبِيِّ واخْتارَهُ لَهُ واصْطَفاهُ لِرِسالَتِهِ. والمَعْنى: بَلْ أعِنْدَهم، لِأنَّ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ. والوَهّابُ: المُعْطِي بِغَيْرِ حِسابٍ. ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَلْ ألَهم مُلْكُ هَذِهِ الأشْياءِ حَتّى يُعْطُوا مَن شاءُوا ويَمْنَعُوا مَن شاءُوا، ويَعْتَرِضُوا عَلى إعْطاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ لِمَن شاءَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْ كانَ لَهم ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا في الأسْبابِ الَّتِي تُوصِلُهم إلى السَّماءِ وإلى العَرْشِ حَتّى يَحْكُمُوا بِما يُرِيدُونَ مِن عَطاءٍ ومَنعٍ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ بِما يَشْتَهُونَ، أوْ فَلْيَصْعَدُوا، ولِيَمْنَعُوا المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والأسْبابُ: أبْوابُ السَّماواتِ الَّتِي تَنْزِلُ المَلائِكَةُ مِنها. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الأسْبابُ أدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وأشَدُّ مِنَ الحَدِيدِ ولَكِنْ لا تُرى. وقالَ السُّدِّيُّ ﴿فِي الأسْبابِ﴾ في الفَضْلِ والدِّينِ. وقِيلَ: فَلْيَعْمَلُوا في أسْبابِ القُوَّةِ إنْ ظَنُّوا أنَّها مانِعَةٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: الأسْبابُ الحِبالُ: يَعْنِي إنْ وجَدُوا حِبالًا يَصْعَدُونَ فِيها إلى السَّماءِ فَعَلُوا، والأسْبابُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ كُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَطْلُوبِ كائِنًا ما كانَ. وفي هَذا الكَلامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَعْجِيزٌ لَهم. ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ، و( جُنْدٌ ) مُرْتَفَعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هم جُنْدٌ، يَعْنِي الكُفّارَ ( مَهْزُومٌ ) مَكْسُورٌ عَمّا قَرِيبٍ، فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَظُنَّ أنَّهم يَصِلُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُضْمِرُونَهُ بِكَ مِنَ الكَيْدِ، و( ما ) في قَوْلِهِ: ما هُنالِكَ هي صِفَةٌ لِ ( جُنْدٌ ) لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ والتَّحْقِيرِ أيْ: جُنْدٌ أيُّ جُنْدٍ. وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، يُقالُ: هَزَمْتَ الجَيْشَ كَسَرْتَهُ، وتَهَزَّمَتِ القَرْيَةُ: إذا تَكَسَّرَتْ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ وهم جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومُونَ، فَلا تَحْزَنْ لِعِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ، فَإنِّي أسْلُبُ عِزَّهم وأهْزِمُ جَمْعَهم، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ في بَدْرٍ وفِيما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: سُئِلَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ عَنْ ﴿ص﴾ فَقالَ: لا نَدْرِي ما هو. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ص مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قالَ: ذِي الشَّرَفِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ التَّمِيمِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ: لَيْسَ بِحِينِ نَزْوٍ ولا فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نادَوُا النِّداءَ حِينَ يَنْفَعُهم، وأنْشَدَ: ؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى لاتَ حِينَ تَذَكُّرِ ∗∗∗ وقَدْ بِنْتُ مِنها والمَناصُ بِعِيدُ وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَيْسَ هَذا حِينَ زَوالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لا حِينَ فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-١٢٥٨)قَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ انْطَلَقَ أشْرافُ قُرَيْشٍ إلى أبِي طالِبٍ فَكَلَّمُوهُ في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ قالَ: أبُو جَهْلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قالَ: النَّصْرانِيَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ قالَ: في السَّماءِ.

ص 38:6

تَفْسِيرُ سُورَةِ ص وهِيَ مَكِّيَّةٌ: قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ص " بِمَكَّةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " «لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِن قُرَيْشٍ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ ابْنَ أخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنا ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ ويَقُولُ ويَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ، فَجاءَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَدَخَلَ البَيْتَ، وبَيْنَهم وبَيْنَ أبِي طالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ، فَخَشِيَ أبُو جَهْلٍ أنْ يَجْلِسَ إلى أبِي طالِبٍ ويَكُونُ أرْقى عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، فَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ البابِ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ أيِ ابْنَ أخِي ما بالُ قَوْمِكِ يَشْكُونَكَ ؟ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهم، وتَقُولُ وتَقُولُ، قالَ: وأكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، وتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا عَمِّ إنِّي أُرِيدُهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَقُولُونَها تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ، فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ ولِقَوْلِهِ، فَقالَ القَوْمُ: كَلِمَةٌ واحِدَةٌ نَعَمْ وأبِيكَ عَشْرًا، قالُوا فَما هي ؟ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيابَهم، وهم يَقُولُونَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾» [ص: ١ - ٨] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ص﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الدّالِ كَسائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي في أوائِلِ السُّوَرِ فَإنَّها ساكِنَةُ الأواخِرِ عَلى الوَقْفِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو السِّماكِ بِكَسْرِ الدّالِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: وجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ مِن صادى يُصادِي إذا عارَضَ والمَعْنى صادِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ أيْ: عارِضْهُ بِعَمَلِكَ وقابِلْهُ فاعْمَلْ بِهِ، وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وقالَ: إنَّهُ فَسَّرَ قِراءَتَهُ هَذِهِ بِهَذا، وعَنْهُ أنَّ المَعْنى: اتْلُهُ وتَعَرَّضْ لِقِراءَتِهِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " صادَ " بِفَتْحِ الدّالِ، والفَتْحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الإغْراءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: صادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آمَنُوا بِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ " صادِ " بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ تَشْبِيهًا لِهَذا الحَرْفِ بِما هو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنَ الأصْواتِ. وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " صادُ " بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى البِناءِ نَحْوُ: مُنْذُ وحَيْثُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى " صادْ " فَقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ صَدَقَ اللَّهُ. وقالَ عَطاءٌ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو بَحْرٌ يُحْيِي اللَّهُ بِهِ المَوْتى بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو مِفْتاحُ اسْمِ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ الرَّحْمَنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقِيلَ: هو مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهَذا هو الحَقُّ كَما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. قِيلَ: وهو إمّا اسْمٌ لِلْحُرُوفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعَبُّدِ، أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هي واوُ القَسَمِ، والإقْسامُ بِالقُرْآنِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِ وعُلُوِّ مَحَلِّهِ، ومَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذِي البَيانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ذِي الشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم﴾ [الأنبياء: ١٠] (p-١٢٥٦)أيْ: شَرَفُكم، وقِيلَ: أيْ: ذِي المَوْعِظَةِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا القِسْمِ ما هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ والكِسائِيُّ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ الفَرّاءِ: إنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] وقالَ الفَرّاءُ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا لِتَأخُّرِهِ جِدًّا عَنْ قَوْلِهِ: والقُرْآنِ ورَجَّحَ هو وثَعْلَبٌ أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: الجَوابُ هو ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] وقِيلَ: هو " صادْ "، لِأنَّ مَعْناهُ حَقٌّ، فَهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ والقُرْآنِ كَما تَقُولُ حَقًّا واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ والفَرّاءِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ جَوابَ القَسَمِ يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ وهو ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تَقْدِيرُهُ ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُ الكُفّارُ، والقَوْلُ بِالحَذْفِ أوْلى. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ص مُقْسَمٌ بِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الواوُ في والقُرْآنِ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ الإقْسامُ بِالقُرْآنِ دالًّا عَلى صِدْقِهِ، وأنَّهُ حَقٌّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلرَّيْبِ. قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وكَأنَّهُ قالَ: لا رَيْبَ فِيهِ قَطْعًا، ولَمْ يَكُنْ عَدَمُ قَبُولِ المُشْرِكِينَ لَهُ لِرَيْبٍ فِيهِ. بَلْ هم في عِزَّةٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ أيْ: تَكَبُّرٍ وتَجَبُّرٍ. وشِقاقٍ أيْ: وامْتِناعٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، والعِزَّةُ عِنْدَ العَرَبِ: الغَلَبَةُ والقَهْرُ، يُقالُ: مَن عَزَّ بَزَّ أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ، ومِنهُ و﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] أيْ: غَلَبَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَعُزُّ عَلى الطَّرِيقِ بِمَنكِبَيْهِ كَما ابْتَرَكَ الخَلِيعُ عَلى القِداحِ والشِّقاقُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ. ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - وهَدَّدَهم بِما فَعَلَهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الخالِيَةَ المُهْلَكَةَ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ أيْ: كَمْ أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّذِينَ كانُوا أمْنَعَ مِن هَؤُلاءِ وأشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا، و" كَمْ " هي الخَبَرِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى التَّكْثِيرِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ " أهْلَكْنا " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ، و" مِن قَرْنٍ " تَمْيِيزٌ، و" مِن " في ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ هي لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ النِّداءُ هُنا: هو نِداءُ الِاسْتِغاثَةِ مِنهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، ولَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ. قالَ الحَسَنُ: نادَوْا بِالتَّوْبَةِ ولَيْسَ حِينَ التَّوْبَةِ ولا حِينَ يَنْفَعُ العَمَلُ. والمَناصُ مَصْدَرُ ناصَ يَنُوصُ، وهو الفَوْتُ والتَّأخُّرُ، ولاتَ بِمَعْنى لَيْسَ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ: هي لا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ كَما في قَوْلِهِمْ: رُبَّ ورُبَّتَ، وثَمَّ وثَمَّتَ قالَ الفَرّاءُ: النَّوْصُ التَّأخُّرُ، وأنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أمِن ذِكْرِ لَيْلى إذْ نَأتْكَ تَنُوصُ قالَ: يُقالُ: ناصَ عَنْ قَرْنِهِ يَنُوصُ نَوْصًا أيْ: فَرَّ وزاغَ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ: ناصَ يَنُوصُ: إذا تَقَدَّمَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَناصٌ، أيْ: عَلَيْكم بِالفِرارِ والهَزِيمَةِ، فَلَمّا أتاهُمُ العَذابُ قالُوا: مَناصٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: لاتَ مُشَبَّهَةٌ بِلَيَسَ، والِاسْمُ فِيها مُضْمَرٌ أيْ: لَيْسَ حِينُنا حِينَ مَناصٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ ولَيْسَ أوانُنا. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: والقَوْلُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، والوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الكِسائِيِّ بِالهاءِ، وبِهِ قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: والتّاءُ تُكْتَبُ مُنْقَطِعَةً عَنْ " حِينَ "، وكَذَلِكَ هي في المَصاحِفِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: تُكْتَبُ مُتَّصِلَةً بِـ " حِينَ "، فَيُقالُ: " ولا تَحِينُ " ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ: ؎العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ وقَدْ يُسْتَغْنى بِحِينَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا ∗∗∗ وأمْسى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا قالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ نَجِدِ العَرَبَ تَزِيدُ هَذِهِ التّاءَ إلّا في حِينَ وأوانَ والآنَ. قُلْتُ: بَلْ قَدْ يَزِيدُونَها في غَيْرِ ذَلِكَ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَلَتَعْرِفُنَّ خَلائِقًا مَشْمُولَةً ∗∗∗ ولَتَنْدَمُنَّ ولاتَ ساعَةِ مَندَمِ وقَدْ أنْشَدَ الفَرّاءُ هَذا البَيْتَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلى أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَخْفِضُ بِها، وجُمْلَةُ ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ نادَوْا. قَرَأ الجُمْهُورُ لاتَ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ " لاتِ " بِالكَسْرِ كَجَيْرِ. ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ أيْ: عَجِبَ الكُفّارُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم أيْ: رَسُولٌ مِن أنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، و" أنْ " وما في حَيِّزِها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: مِن أنْ جاءَهم، وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ قالُوا هَذا القَوْلَ لَمّا شاهَدُوا ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الخارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أيْ: هَذا المُدَّعِي لِلرِّسالَةِ ساحِرٌ فِيما يُظْهِرُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ كَذّابٌ فِيما يَدَّعِيهِ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ. قِيلَ: ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِإظْهارِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما قالُوهُ لا يَتَجاسَرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ. ثُمَّ أنْكَرُوا ما جاءَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّوْحِيدِ وما نَفاهُ مِنَ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ فَقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ أيْ: صَيَّرَها إلَهًا واحِدًا وقَصَرَها عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ: لَأمْرٌ بالِغٌ في العَجَبِ إلى الغايَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَجِيبُ الأمْرُ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنهُ وكَذَلِكَ العُجابُ بِالضَّمِّ والعُجّابُ بِالتَّشْدِيدِ أكْثَرُ مِنهُ قَرَأ الجُمْهُورُ عُجابٌ مُخَفَّفًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: عُجابٌ يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، قِيلَ: والعُجابُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ قَدْ تَجاوَزَ الحَدَّ في العَجَبِ، كَما يُقالُ: الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ طُولٌ، والطِّوالُ الَّذِي قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ الطُّولِ وكَلامُ الجَوْهَرِيِّ يُفِيدُ اخْتِصاصَ المُبالَغَةِ بِعُجّابٍ مُشَدَّدِ الجِيمِ لا بِالمُخَفَّفِ، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ. ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ المُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ كَما هو مُقَرَّرٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن تَفْسِيرِ الكِتابِ العَزِيزِ أيِ: انْطَلَقُوا مِن مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ عِنْدَ أبِي طالِبٍ كَما تَقَدَّمَ قائِلِينَ ﴿أنِ امْشُوا﴾ أيْ: قائِلِينَ (p-١٢٥٧)لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا امْضُوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تَدْخُلُوا في دِينِهِ ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها، وقِيلَ: المَعْنى: وانْطَلَقَ الأشْرافُ مِنهم فَقالُوا لِلْعَوامِّ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ امْشُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ، أوْ لِقَوْلِهِ وانْطَلَقَ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَعْمُولَةً لِلْمُقَدَّرِ أوْ لِلْمَذْكُورِ أيْ: بِأنِ امْشُوا. وقِيلَ: المُرادُ بِالِانْطِلاقِ: الِانْدِفاعُ في القَوْلِ، وامْشُوا مِن مَشَتِ المَرْأةُ إذا كَثُرَتْ وِلادَتُها أيِ: اجْتَمَعُوا وأكْثَرُوا، وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وخِلافُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِانْطِلاقُ والمَشْيُ بِحَقِيقَتِهِما، وخِلافُ ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ أيْ: يُرِيدُهُ مُحَمَّدٌ بِنا وبِآلِهَتِنا، ويَوَدُّ تَمامَهُ لِيَعْلُوَ عَلَيْنا، وتَكُونَ لَهُ أتْباعًا فَيَتَحَكَّمُ فِينا بِما يُرِيدُ، فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ مِنهُ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا الأمْرَ يُرِيدُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وما أرادَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، فاصْبِرُوا عَلى عِبادَةِ آلِهَتِكم. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ: يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم وتُغْلَبُوا عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: ما سَمِعْنا بِهَذا الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ في المِلَّةِ الآخِرَةِ. وهِيَ مِلَّةُ النَّصْرانِيَّةِ فَإنَّها آخِرُ المِلَلِ قَبْلَ مِلَّةِ الإسْلامِ، كَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنُونَ مِلَّةَ قُرَيْشٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى ما سَمِعْنا: أنَّ هَذا يَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ. وقِيلَ: المَعْنى: ما سَمِعْنا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ أيْ: ما هَذا إلّا كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ وافْتَراهُ. ثُمَّ اسْتَنْكَرُوا أنْ يَخُصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِمَزِيَّةِ النُّبُوَّةِ دُونَهم فَقالُوا: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ونَحْنُ الرُّؤَساءُ والأشْرافُ. قالَ الزَّجّاجُ: قالُوا كَيْفَ أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ القُرْآنُ مِن بَيْنِنا ونَحْنُ أكْبَرُ سِنًّا وأعْظَمُ شَرَفًا مِنهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَأنْكَرُوا أنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِما شاءَ. ولَمّا ذَكَرَ اسْتِنْكارَهم لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَهم بَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ تَرَكُوا تَصْدِيقَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ أوِ الوَحْيِ لِإعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ المُوجِبِ لِتَصْدِيقِهِ وإهْمالِهِمْ لِلْأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ حَقٌّ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أيْ: بَلِ السَّبَبُ أنَّهم لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي فاغْتَرُّوا بِطُولِ المُهْلَةِ، ولَوْ ذاقُوا عَذابِي عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ لَصَدَّقُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ. ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ أيْ: مَفاتِيحُ نِعَمِ رَبِّكَ وهي النُّبُوَّةُ وما هو دُونَها مِنَ النِّعَمِ حَتّى يُعْطُوها مَن شاءُوا، فَما لَهم ولِإنْكارِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلى هَذا النَّبِيِّ واخْتارَهُ لَهُ واصْطَفاهُ لِرِسالَتِهِ. والمَعْنى: بَلْ أعِنْدَهم، لِأنَّ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ. والوَهّابُ: المُعْطِي بِغَيْرِ حِسابٍ. ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَلْ ألَهم مُلْكُ هَذِهِ الأشْياءِ حَتّى يُعْطُوا مَن شاءُوا ويَمْنَعُوا مَن شاءُوا، ويَعْتَرِضُوا عَلى إعْطاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ لِمَن شاءَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْ كانَ لَهم ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا في الأسْبابِ الَّتِي تُوصِلُهم إلى السَّماءِ وإلى العَرْشِ حَتّى يَحْكُمُوا بِما يُرِيدُونَ مِن عَطاءٍ ومَنعٍ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ بِما يَشْتَهُونَ، أوْ فَلْيَصْعَدُوا، ولِيَمْنَعُوا المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والأسْبابُ: أبْوابُ السَّماواتِ الَّتِي تَنْزِلُ المَلائِكَةُ مِنها. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الأسْبابُ أدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وأشَدُّ مِنَ الحَدِيدِ ولَكِنْ لا تُرى. وقالَ السُّدِّيُّ ﴿فِي الأسْبابِ﴾ في الفَضْلِ والدِّينِ. وقِيلَ: فَلْيَعْمَلُوا في أسْبابِ القُوَّةِ إنْ ظَنُّوا أنَّها مانِعَةٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: الأسْبابُ الحِبالُ: يَعْنِي إنْ وجَدُوا حِبالًا يَصْعَدُونَ فِيها إلى السَّماءِ فَعَلُوا، والأسْبابُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ كُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَطْلُوبِ كائِنًا ما كانَ. وفي هَذا الكَلامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَعْجِيزٌ لَهم. ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ، و( جُنْدٌ ) مُرْتَفَعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هم جُنْدٌ، يَعْنِي الكُفّارَ ( مَهْزُومٌ ) مَكْسُورٌ عَمّا قَرِيبٍ، فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَظُنَّ أنَّهم يَصِلُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُضْمِرُونَهُ بِكَ مِنَ الكَيْدِ، و( ما ) في قَوْلِهِ: ما هُنالِكَ هي صِفَةٌ لِ ( جُنْدٌ ) لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ والتَّحْقِيرِ أيْ: جُنْدٌ أيُّ جُنْدٍ. وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، يُقالُ: هَزَمْتَ الجَيْشَ كَسَرْتَهُ، وتَهَزَّمَتِ القَرْيَةُ: إذا تَكَسَّرَتْ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ وهم جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومُونَ، فَلا تَحْزَنْ لِعِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ، فَإنِّي أسْلُبُ عِزَّهم وأهْزِمُ جَمْعَهم، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ في بَدْرٍ وفِيما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: سُئِلَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ عَنْ ﴿ص﴾ فَقالَ: لا نَدْرِي ما هو. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ص مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قالَ: ذِي الشَّرَفِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ التَّمِيمِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ: لَيْسَ بِحِينِ نَزْوٍ ولا فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نادَوُا النِّداءَ حِينَ يَنْفَعُهم، وأنْشَدَ: ؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى لاتَ حِينَ تَذَكُّرِ ∗∗∗ وقَدْ بِنْتُ مِنها والمَناصُ بِعِيدُ وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَيْسَ هَذا حِينَ زَوالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لا حِينَ فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-١٢٥٨)قَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ انْطَلَقَ أشْرافُ قُرَيْشٍ إلى أبِي طالِبٍ فَكَلَّمُوهُ في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ قالَ: أبُو جَهْلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قالَ: النَّصْرانِيَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ قالَ: في السَّماءِ.

ص 38:7

تَفْسِيرُ سُورَةِ ص وهِيَ مَكِّيَّةٌ: قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ص " بِمَكَّةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " «لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِن قُرَيْشٍ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ ابْنَ أخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنا ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ ويَقُولُ ويَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ، فَجاءَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَدَخَلَ البَيْتَ، وبَيْنَهم وبَيْنَ أبِي طالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ، فَخَشِيَ أبُو جَهْلٍ أنْ يَجْلِسَ إلى أبِي طالِبٍ ويَكُونُ أرْقى عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، فَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ البابِ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ أيِ ابْنَ أخِي ما بالُ قَوْمِكِ يَشْكُونَكَ ؟ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهم، وتَقُولُ وتَقُولُ، قالَ: وأكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، وتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا عَمِّ إنِّي أُرِيدُهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَقُولُونَها تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ، فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ ولِقَوْلِهِ، فَقالَ القَوْمُ: كَلِمَةٌ واحِدَةٌ نَعَمْ وأبِيكَ عَشْرًا، قالُوا فَما هي ؟ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيابَهم، وهم يَقُولُونَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾» [ص: ١ - ٨] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ص﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الدّالِ كَسائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي في أوائِلِ السُّوَرِ فَإنَّها ساكِنَةُ الأواخِرِ عَلى الوَقْفِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو السِّماكِ بِكَسْرِ الدّالِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: وجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ مِن صادى يُصادِي إذا عارَضَ والمَعْنى صادِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ أيْ: عارِضْهُ بِعَمَلِكَ وقابِلْهُ فاعْمَلْ بِهِ، وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وقالَ: إنَّهُ فَسَّرَ قِراءَتَهُ هَذِهِ بِهَذا، وعَنْهُ أنَّ المَعْنى: اتْلُهُ وتَعَرَّضْ لِقِراءَتِهِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " صادَ " بِفَتْحِ الدّالِ، والفَتْحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الإغْراءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: صادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آمَنُوا بِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ " صادِ " بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ تَشْبِيهًا لِهَذا الحَرْفِ بِما هو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنَ الأصْواتِ. وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " صادُ " بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى البِناءِ نَحْوُ: مُنْذُ وحَيْثُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى " صادْ " فَقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ صَدَقَ اللَّهُ. وقالَ عَطاءٌ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو بَحْرٌ يُحْيِي اللَّهُ بِهِ المَوْتى بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو مِفْتاحُ اسْمِ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ الرَّحْمَنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقِيلَ: هو مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهَذا هو الحَقُّ كَما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. قِيلَ: وهو إمّا اسْمٌ لِلْحُرُوفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعَبُّدِ، أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هي واوُ القَسَمِ، والإقْسامُ بِالقُرْآنِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِ وعُلُوِّ مَحَلِّهِ، ومَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذِي البَيانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ذِي الشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم﴾ [الأنبياء: ١٠] (p-١٢٥٦)أيْ: شَرَفُكم، وقِيلَ: أيْ: ذِي المَوْعِظَةِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا القِسْمِ ما هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ والكِسائِيُّ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ الفَرّاءِ: إنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] وقالَ الفَرّاءُ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا لِتَأخُّرِهِ جِدًّا عَنْ قَوْلِهِ: والقُرْآنِ ورَجَّحَ هو وثَعْلَبٌ أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: الجَوابُ هو ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] وقِيلَ: هو " صادْ "، لِأنَّ مَعْناهُ حَقٌّ، فَهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ والقُرْآنِ كَما تَقُولُ حَقًّا واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ والفَرّاءِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ جَوابَ القَسَمِ يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ وهو ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تَقْدِيرُهُ ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُ الكُفّارُ، والقَوْلُ بِالحَذْفِ أوْلى. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ص مُقْسَمٌ بِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الواوُ في والقُرْآنِ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ الإقْسامُ بِالقُرْآنِ دالًّا عَلى صِدْقِهِ، وأنَّهُ حَقٌّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلرَّيْبِ. قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وكَأنَّهُ قالَ: لا رَيْبَ فِيهِ قَطْعًا، ولَمْ يَكُنْ عَدَمُ قَبُولِ المُشْرِكِينَ لَهُ لِرَيْبٍ فِيهِ. بَلْ هم في عِزَّةٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ أيْ: تَكَبُّرٍ وتَجَبُّرٍ. وشِقاقٍ أيْ: وامْتِناعٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، والعِزَّةُ عِنْدَ العَرَبِ: الغَلَبَةُ والقَهْرُ، يُقالُ: مَن عَزَّ بَزَّ أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ، ومِنهُ و﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] أيْ: غَلَبَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَعُزُّ عَلى الطَّرِيقِ بِمَنكِبَيْهِ كَما ابْتَرَكَ الخَلِيعُ عَلى القِداحِ والشِّقاقُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ. ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - وهَدَّدَهم بِما فَعَلَهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الخالِيَةَ المُهْلَكَةَ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ أيْ: كَمْ أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّذِينَ كانُوا أمْنَعَ مِن هَؤُلاءِ وأشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا، و" كَمْ " هي الخَبَرِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى التَّكْثِيرِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ " أهْلَكْنا " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ، و" مِن قَرْنٍ " تَمْيِيزٌ، و" مِن " في ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ هي لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ النِّداءُ هُنا: هو نِداءُ الِاسْتِغاثَةِ مِنهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، ولَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ. قالَ الحَسَنُ: نادَوْا بِالتَّوْبَةِ ولَيْسَ حِينَ التَّوْبَةِ ولا حِينَ يَنْفَعُ العَمَلُ. والمَناصُ مَصْدَرُ ناصَ يَنُوصُ، وهو الفَوْتُ والتَّأخُّرُ، ولاتَ بِمَعْنى لَيْسَ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ: هي لا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ كَما في قَوْلِهِمْ: رُبَّ ورُبَّتَ، وثَمَّ وثَمَّتَ قالَ الفَرّاءُ: النَّوْصُ التَّأخُّرُ، وأنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أمِن ذِكْرِ لَيْلى إذْ نَأتْكَ تَنُوصُ قالَ: يُقالُ: ناصَ عَنْ قَرْنِهِ يَنُوصُ نَوْصًا أيْ: فَرَّ وزاغَ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ: ناصَ يَنُوصُ: إذا تَقَدَّمَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَناصٌ، أيْ: عَلَيْكم بِالفِرارِ والهَزِيمَةِ، فَلَمّا أتاهُمُ العَذابُ قالُوا: مَناصٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: لاتَ مُشَبَّهَةٌ بِلَيَسَ، والِاسْمُ فِيها مُضْمَرٌ أيْ: لَيْسَ حِينُنا حِينَ مَناصٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ ولَيْسَ أوانُنا. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: والقَوْلُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، والوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الكِسائِيِّ بِالهاءِ، وبِهِ قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: والتّاءُ تُكْتَبُ مُنْقَطِعَةً عَنْ " حِينَ "، وكَذَلِكَ هي في المَصاحِفِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: تُكْتَبُ مُتَّصِلَةً بِـ " حِينَ "، فَيُقالُ: " ولا تَحِينُ " ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ: ؎العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ وقَدْ يُسْتَغْنى بِحِينَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا ∗∗∗ وأمْسى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا قالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ نَجِدِ العَرَبَ تَزِيدُ هَذِهِ التّاءَ إلّا في حِينَ وأوانَ والآنَ. قُلْتُ: بَلْ قَدْ يَزِيدُونَها في غَيْرِ ذَلِكَ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَلَتَعْرِفُنَّ خَلائِقًا مَشْمُولَةً ∗∗∗ ولَتَنْدَمُنَّ ولاتَ ساعَةِ مَندَمِ وقَدْ أنْشَدَ الفَرّاءُ هَذا البَيْتَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلى أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَخْفِضُ بِها، وجُمْلَةُ ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ نادَوْا. قَرَأ الجُمْهُورُ لاتَ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ " لاتِ " بِالكَسْرِ كَجَيْرِ. ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ أيْ: عَجِبَ الكُفّارُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم أيْ: رَسُولٌ مِن أنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، و" أنْ " وما في حَيِّزِها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: مِن أنْ جاءَهم، وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ قالُوا هَذا القَوْلَ لَمّا شاهَدُوا ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الخارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أيْ: هَذا المُدَّعِي لِلرِّسالَةِ ساحِرٌ فِيما يُظْهِرُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ كَذّابٌ فِيما يَدَّعِيهِ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ. قِيلَ: ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِإظْهارِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما قالُوهُ لا يَتَجاسَرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ. ثُمَّ أنْكَرُوا ما جاءَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّوْحِيدِ وما نَفاهُ مِنَ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ فَقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ أيْ: صَيَّرَها إلَهًا واحِدًا وقَصَرَها عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ: لَأمْرٌ بالِغٌ في العَجَبِ إلى الغايَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَجِيبُ الأمْرُ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنهُ وكَذَلِكَ العُجابُ بِالضَّمِّ والعُجّابُ بِالتَّشْدِيدِ أكْثَرُ مِنهُ قَرَأ الجُمْهُورُ عُجابٌ مُخَفَّفًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: عُجابٌ يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، قِيلَ: والعُجابُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ قَدْ تَجاوَزَ الحَدَّ في العَجَبِ، كَما يُقالُ: الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ طُولٌ، والطِّوالُ الَّذِي قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ الطُّولِ وكَلامُ الجَوْهَرِيِّ يُفِيدُ اخْتِصاصَ المُبالَغَةِ بِعُجّابٍ مُشَدَّدِ الجِيمِ لا بِالمُخَفَّفِ، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ. ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ المُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ كَما هو مُقَرَّرٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن تَفْسِيرِ الكِتابِ العَزِيزِ أيِ: انْطَلَقُوا مِن مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ عِنْدَ أبِي طالِبٍ كَما تَقَدَّمَ قائِلِينَ ﴿أنِ امْشُوا﴾ أيْ: قائِلِينَ (p-١٢٥٧)لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا امْضُوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تَدْخُلُوا في دِينِهِ ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها، وقِيلَ: المَعْنى: وانْطَلَقَ الأشْرافُ مِنهم فَقالُوا لِلْعَوامِّ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ امْشُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ، أوْ لِقَوْلِهِ وانْطَلَقَ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَعْمُولَةً لِلْمُقَدَّرِ أوْ لِلْمَذْكُورِ أيْ: بِأنِ امْشُوا. وقِيلَ: المُرادُ بِالِانْطِلاقِ: الِانْدِفاعُ في القَوْلِ، وامْشُوا مِن مَشَتِ المَرْأةُ إذا كَثُرَتْ وِلادَتُها أيِ: اجْتَمَعُوا وأكْثَرُوا، وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وخِلافُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِانْطِلاقُ والمَشْيُ بِحَقِيقَتِهِما، وخِلافُ ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ أيْ: يُرِيدُهُ مُحَمَّدٌ بِنا وبِآلِهَتِنا، ويَوَدُّ تَمامَهُ لِيَعْلُوَ عَلَيْنا، وتَكُونَ لَهُ أتْباعًا فَيَتَحَكَّمُ فِينا بِما يُرِيدُ، فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ مِنهُ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا الأمْرَ يُرِيدُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وما أرادَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، فاصْبِرُوا عَلى عِبادَةِ آلِهَتِكم. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ: يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم وتُغْلَبُوا عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: ما سَمِعْنا بِهَذا الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ في المِلَّةِ الآخِرَةِ. وهِيَ مِلَّةُ النَّصْرانِيَّةِ فَإنَّها آخِرُ المِلَلِ قَبْلَ مِلَّةِ الإسْلامِ، كَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنُونَ مِلَّةَ قُرَيْشٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى ما سَمِعْنا: أنَّ هَذا يَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ. وقِيلَ: المَعْنى: ما سَمِعْنا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ أيْ: ما هَذا إلّا كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ وافْتَراهُ. ثُمَّ اسْتَنْكَرُوا أنْ يَخُصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِمَزِيَّةِ النُّبُوَّةِ دُونَهم فَقالُوا: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ونَحْنُ الرُّؤَساءُ والأشْرافُ. قالَ الزَّجّاجُ: قالُوا كَيْفَ أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ القُرْآنُ مِن بَيْنِنا ونَحْنُ أكْبَرُ سِنًّا وأعْظَمُ شَرَفًا مِنهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَأنْكَرُوا أنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِما شاءَ. ولَمّا ذَكَرَ اسْتِنْكارَهم لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَهم بَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ تَرَكُوا تَصْدِيقَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ أوِ الوَحْيِ لِإعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ المُوجِبِ لِتَصْدِيقِهِ وإهْمالِهِمْ لِلْأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ حَقٌّ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أيْ: بَلِ السَّبَبُ أنَّهم لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي فاغْتَرُّوا بِطُولِ المُهْلَةِ، ولَوْ ذاقُوا عَذابِي عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ لَصَدَّقُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ. ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ أيْ: مَفاتِيحُ نِعَمِ رَبِّكَ وهي النُّبُوَّةُ وما هو دُونَها مِنَ النِّعَمِ حَتّى يُعْطُوها مَن شاءُوا، فَما لَهم ولِإنْكارِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلى هَذا النَّبِيِّ واخْتارَهُ لَهُ واصْطَفاهُ لِرِسالَتِهِ. والمَعْنى: بَلْ أعِنْدَهم، لِأنَّ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ. والوَهّابُ: المُعْطِي بِغَيْرِ حِسابٍ. ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَلْ ألَهم مُلْكُ هَذِهِ الأشْياءِ حَتّى يُعْطُوا مَن شاءُوا ويَمْنَعُوا مَن شاءُوا، ويَعْتَرِضُوا عَلى إعْطاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ لِمَن شاءَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْ كانَ لَهم ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا في الأسْبابِ الَّتِي تُوصِلُهم إلى السَّماءِ وإلى العَرْشِ حَتّى يَحْكُمُوا بِما يُرِيدُونَ مِن عَطاءٍ ومَنعٍ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ بِما يَشْتَهُونَ، أوْ فَلْيَصْعَدُوا، ولِيَمْنَعُوا المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والأسْبابُ: أبْوابُ السَّماواتِ الَّتِي تَنْزِلُ المَلائِكَةُ مِنها. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الأسْبابُ أدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وأشَدُّ مِنَ الحَدِيدِ ولَكِنْ لا تُرى. وقالَ السُّدِّيُّ ﴿فِي الأسْبابِ﴾ في الفَضْلِ والدِّينِ. وقِيلَ: فَلْيَعْمَلُوا في أسْبابِ القُوَّةِ إنْ ظَنُّوا أنَّها مانِعَةٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: الأسْبابُ الحِبالُ: يَعْنِي إنْ وجَدُوا حِبالًا يَصْعَدُونَ فِيها إلى السَّماءِ فَعَلُوا، والأسْبابُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ كُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَطْلُوبِ كائِنًا ما كانَ. وفي هَذا الكَلامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَعْجِيزٌ لَهم. ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ، و( جُنْدٌ ) مُرْتَفَعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هم جُنْدٌ، يَعْنِي الكُفّارَ ( مَهْزُومٌ ) مَكْسُورٌ عَمّا قَرِيبٍ، فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَظُنَّ أنَّهم يَصِلُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُضْمِرُونَهُ بِكَ مِنَ الكَيْدِ، و( ما ) في قَوْلِهِ: ما هُنالِكَ هي صِفَةٌ لِ ( جُنْدٌ ) لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ والتَّحْقِيرِ أيْ: جُنْدٌ أيُّ جُنْدٍ. وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، يُقالُ: هَزَمْتَ الجَيْشَ كَسَرْتَهُ، وتَهَزَّمَتِ القَرْيَةُ: إذا تَكَسَّرَتْ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ وهم جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومُونَ، فَلا تَحْزَنْ لِعِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ، فَإنِّي أسْلُبُ عِزَّهم وأهْزِمُ جَمْعَهم، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ في بَدْرٍ وفِيما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: سُئِلَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ عَنْ ﴿ص﴾ فَقالَ: لا نَدْرِي ما هو. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ص مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قالَ: ذِي الشَّرَفِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ التَّمِيمِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ: لَيْسَ بِحِينِ نَزْوٍ ولا فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نادَوُا النِّداءَ حِينَ يَنْفَعُهم، وأنْشَدَ: ؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى لاتَ حِينَ تَذَكُّرِ ∗∗∗ وقَدْ بِنْتُ مِنها والمَناصُ بِعِيدُ وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَيْسَ هَذا حِينَ زَوالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لا حِينَ فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-١٢٥٨)قَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ انْطَلَقَ أشْرافُ قُرَيْشٍ إلى أبِي طالِبٍ فَكَلَّمُوهُ في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ قالَ: أبُو جَهْلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قالَ: النَّصْرانِيَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ قالَ: في السَّماءِ.

ص 38:8

تَفْسِيرُ سُورَةِ ص وهِيَ مَكِّيَّةٌ: قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ص " بِمَكَّةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " «لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِن قُرَيْشٍ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ ابْنَ أخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنا ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ ويَقُولُ ويَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ، فَجاءَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَدَخَلَ البَيْتَ، وبَيْنَهم وبَيْنَ أبِي طالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ، فَخَشِيَ أبُو جَهْلٍ أنْ يَجْلِسَ إلى أبِي طالِبٍ ويَكُونُ أرْقى عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، فَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ البابِ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ أيِ ابْنَ أخِي ما بالُ قَوْمِكِ يَشْكُونَكَ ؟ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهم، وتَقُولُ وتَقُولُ، قالَ: وأكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، وتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا عَمِّ إنِّي أُرِيدُهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَقُولُونَها تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ، فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ ولِقَوْلِهِ، فَقالَ القَوْمُ: كَلِمَةٌ واحِدَةٌ نَعَمْ وأبِيكَ عَشْرًا، قالُوا فَما هي ؟ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيابَهم، وهم يَقُولُونَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾» [ص: ١ - ٨] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ص﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الدّالِ كَسائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي في أوائِلِ السُّوَرِ فَإنَّها ساكِنَةُ الأواخِرِ عَلى الوَقْفِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو السِّماكِ بِكَسْرِ الدّالِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: وجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ مِن صادى يُصادِي إذا عارَضَ والمَعْنى صادِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ أيْ: عارِضْهُ بِعَمَلِكَ وقابِلْهُ فاعْمَلْ بِهِ، وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وقالَ: إنَّهُ فَسَّرَ قِراءَتَهُ هَذِهِ بِهَذا، وعَنْهُ أنَّ المَعْنى: اتْلُهُ وتَعَرَّضْ لِقِراءَتِهِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " صادَ " بِفَتْحِ الدّالِ، والفَتْحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الإغْراءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: صادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آمَنُوا بِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ " صادِ " بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ تَشْبِيهًا لِهَذا الحَرْفِ بِما هو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنَ الأصْواتِ. وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " صادُ " بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى البِناءِ نَحْوُ: مُنْذُ وحَيْثُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى " صادْ " فَقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ صَدَقَ اللَّهُ. وقالَ عَطاءٌ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو بَحْرٌ يُحْيِي اللَّهُ بِهِ المَوْتى بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو مِفْتاحُ اسْمِ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ الرَّحْمَنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقِيلَ: هو مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهَذا هو الحَقُّ كَما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. قِيلَ: وهو إمّا اسْمٌ لِلْحُرُوفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعَبُّدِ، أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هي واوُ القَسَمِ، والإقْسامُ بِالقُرْآنِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِ وعُلُوِّ مَحَلِّهِ، ومَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذِي البَيانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ذِي الشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم﴾ [الأنبياء: ١٠] (p-١٢٥٦)أيْ: شَرَفُكم، وقِيلَ: أيْ: ذِي المَوْعِظَةِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا القِسْمِ ما هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ والكِسائِيُّ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ الفَرّاءِ: إنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] وقالَ الفَرّاءُ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا لِتَأخُّرِهِ جِدًّا عَنْ قَوْلِهِ: والقُرْآنِ ورَجَّحَ هو وثَعْلَبٌ أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: الجَوابُ هو ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] وقِيلَ: هو " صادْ "، لِأنَّ مَعْناهُ حَقٌّ، فَهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ والقُرْآنِ كَما تَقُولُ حَقًّا واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ والفَرّاءِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ جَوابَ القَسَمِ يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ وهو ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تَقْدِيرُهُ ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُ الكُفّارُ، والقَوْلُ بِالحَذْفِ أوْلى. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ص مُقْسَمٌ بِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الواوُ في والقُرْآنِ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ الإقْسامُ بِالقُرْآنِ دالًّا عَلى صِدْقِهِ، وأنَّهُ حَقٌّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلرَّيْبِ. قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وكَأنَّهُ قالَ: لا رَيْبَ فِيهِ قَطْعًا، ولَمْ يَكُنْ عَدَمُ قَبُولِ المُشْرِكِينَ لَهُ لِرَيْبٍ فِيهِ. بَلْ هم في عِزَّةٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ أيْ: تَكَبُّرٍ وتَجَبُّرٍ. وشِقاقٍ أيْ: وامْتِناعٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، والعِزَّةُ عِنْدَ العَرَبِ: الغَلَبَةُ والقَهْرُ، يُقالُ: مَن عَزَّ بَزَّ أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ، ومِنهُ و﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] أيْ: غَلَبَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَعُزُّ عَلى الطَّرِيقِ بِمَنكِبَيْهِ كَما ابْتَرَكَ الخَلِيعُ عَلى القِداحِ والشِّقاقُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ. ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - وهَدَّدَهم بِما فَعَلَهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الخالِيَةَ المُهْلَكَةَ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ أيْ: كَمْ أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّذِينَ كانُوا أمْنَعَ مِن هَؤُلاءِ وأشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا، و" كَمْ " هي الخَبَرِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى التَّكْثِيرِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ " أهْلَكْنا " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ، و" مِن قَرْنٍ " تَمْيِيزٌ، و" مِن " في ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ هي لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ النِّداءُ هُنا: هو نِداءُ الِاسْتِغاثَةِ مِنهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، ولَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ. قالَ الحَسَنُ: نادَوْا بِالتَّوْبَةِ ولَيْسَ حِينَ التَّوْبَةِ ولا حِينَ يَنْفَعُ العَمَلُ. والمَناصُ مَصْدَرُ ناصَ يَنُوصُ، وهو الفَوْتُ والتَّأخُّرُ، ولاتَ بِمَعْنى لَيْسَ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ: هي لا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ كَما في قَوْلِهِمْ: رُبَّ ورُبَّتَ، وثَمَّ وثَمَّتَ قالَ الفَرّاءُ: النَّوْصُ التَّأخُّرُ، وأنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أمِن ذِكْرِ لَيْلى إذْ نَأتْكَ تَنُوصُ قالَ: يُقالُ: ناصَ عَنْ قَرْنِهِ يَنُوصُ نَوْصًا أيْ: فَرَّ وزاغَ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ: ناصَ يَنُوصُ: إذا تَقَدَّمَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَناصٌ، أيْ: عَلَيْكم بِالفِرارِ والهَزِيمَةِ، فَلَمّا أتاهُمُ العَذابُ قالُوا: مَناصٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: لاتَ مُشَبَّهَةٌ بِلَيَسَ، والِاسْمُ فِيها مُضْمَرٌ أيْ: لَيْسَ حِينُنا حِينَ مَناصٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ ولَيْسَ أوانُنا. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: والقَوْلُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، والوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الكِسائِيِّ بِالهاءِ، وبِهِ قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: والتّاءُ تُكْتَبُ مُنْقَطِعَةً عَنْ " حِينَ "، وكَذَلِكَ هي في المَصاحِفِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: تُكْتَبُ مُتَّصِلَةً بِـ " حِينَ "، فَيُقالُ: " ولا تَحِينُ " ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ: ؎العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ وقَدْ يُسْتَغْنى بِحِينَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا ∗∗∗ وأمْسى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا قالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ نَجِدِ العَرَبَ تَزِيدُ هَذِهِ التّاءَ إلّا في حِينَ وأوانَ والآنَ. قُلْتُ: بَلْ قَدْ يَزِيدُونَها في غَيْرِ ذَلِكَ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَلَتَعْرِفُنَّ خَلائِقًا مَشْمُولَةً ∗∗∗ ولَتَنْدَمُنَّ ولاتَ ساعَةِ مَندَمِ وقَدْ أنْشَدَ الفَرّاءُ هَذا البَيْتَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلى أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَخْفِضُ بِها، وجُمْلَةُ ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ نادَوْا. قَرَأ الجُمْهُورُ لاتَ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ " لاتِ " بِالكَسْرِ كَجَيْرِ. ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ أيْ: عَجِبَ الكُفّارُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم أيْ: رَسُولٌ مِن أنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، و" أنْ " وما في حَيِّزِها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: مِن أنْ جاءَهم، وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ قالُوا هَذا القَوْلَ لَمّا شاهَدُوا ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الخارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أيْ: هَذا المُدَّعِي لِلرِّسالَةِ ساحِرٌ فِيما يُظْهِرُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ كَذّابٌ فِيما يَدَّعِيهِ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ. قِيلَ: ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِإظْهارِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما قالُوهُ لا يَتَجاسَرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ. ثُمَّ أنْكَرُوا ما جاءَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّوْحِيدِ وما نَفاهُ مِنَ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ فَقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ أيْ: صَيَّرَها إلَهًا واحِدًا وقَصَرَها عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ: لَأمْرٌ بالِغٌ في العَجَبِ إلى الغايَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَجِيبُ الأمْرُ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنهُ وكَذَلِكَ العُجابُ بِالضَّمِّ والعُجّابُ بِالتَّشْدِيدِ أكْثَرُ مِنهُ قَرَأ الجُمْهُورُ عُجابٌ مُخَفَّفًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: عُجابٌ يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، قِيلَ: والعُجابُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ قَدْ تَجاوَزَ الحَدَّ في العَجَبِ، كَما يُقالُ: الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ طُولٌ، والطِّوالُ الَّذِي قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ الطُّولِ وكَلامُ الجَوْهَرِيِّ يُفِيدُ اخْتِصاصَ المُبالَغَةِ بِعُجّابٍ مُشَدَّدِ الجِيمِ لا بِالمُخَفَّفِ، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ. ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ المُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ كَما هو مُقَرَّرٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن تَفْسِيرِ الكِتابِ العَزِيزِ أيِ: انْطَلَقُوا مِن مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ عِنْدَ أبِي طالِبٍ كَما تَقَدَّمَ قائِلِينَ ﴿أنِ امْشُوا﴾ أيْ: قائِلِينَ (p-١٢٥٧)لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا امْضُوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تَدْخُلُوا في دِينِهِ ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها، وقِيلَ: المَعْنى: وانْطَلَقَ الأشْرافُ مِنهم فَقالُوا لِلْعَوامِّ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ امْشُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ، أوْ لِقَوْلِهِ وانْطَلَقَ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَعْمُولَةً لِلْمُقَدَّرِ أوْ لِلْمَذْكُورِ أيْ: بِأنِ امْشُوا. وقِيلَ: المُرادُ بِالِانْطِلاقِ: الِانْدِفاعُ في القَوْلِ، وامْشُوا مِن مَشَتِ المَرْأةُ إذا كَثُرَتْ وِلادَتُها أيِ: اجْتَمَعُوا وأكْثَرُوا، وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وخِلافُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِانْطِلاقُ والمَشْيُ بِحَقِيقَتِهِما، وخِلافُ ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ أيْ: يُرِيدُهُ مُحَمَّدٌ بِنا وبِآلِهَتِنا، ويَوَدُّ تَمامَهُ لِيَعْلُوَ عَلَيْنا، وتَكُونَ لَهُ أتْباعًا فَيَتَحَكَّمُ فِينا بِما يُرِيدُ، فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ مِنهُ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا الأمْرَ يُرِيدُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وما أرادَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، فاصْبِرُوا عَلى عِبادَةِ آلِهَتِكم. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ: يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم وتُغْلَبُوا عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: ما سَمِعْنا بِهَذا الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ في المِلَّةِ الآخِرَةِ. وهِيَ مِلَّةُ النَّصْرانِيَّةِ فَإنَّها آخِرُ المِلَلِ قَبْلَ مِلَّةِ الإسْلامِ، كَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنُونَ مِلَّةَ قُرَيْشٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى ما سَمِعْنا: أنَّ هَذا يَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ. وقِيلَ: المَعْنى: ما سَمِعْنا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ أيْ: ما هَذا إلّا كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ وافْتَراهُ. ثُمَّ اسْتَنْكَرُوا أنْ يَخُصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِمَزِيَّةِ النُّبُوَّةِ دُونَهم فَقالُوا: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ونَحْنُ الرُّؤَساءُ والأشْرافُ. قالَ الزَّجّاجُ: قالُوا كَيْفَ أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ القُرْآنُ مِن بَيْنِنا ونَحْنُ أكْبَرُ سِنًّا وأعْظَمُ شَرَفًا مِنهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَأنْكَرُوا أنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِما شاءَ. ولَمّا ذَكَرَ اسْتِنْكارَهم لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَهم بَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ تَرَكُوا تَصْدِيقَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ أوِ الوَحْيِ لِإعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ المُوجِبِ لِتَصْدِيقِهِ وإهْمالِهِمْ لِلْأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ حَقٌّ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أيْ: بَلِ السَّبَبُ أنَّهم لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي فاغْتَرُّوا بِطُولِ المُهْلَةِ، ولَوْ ذاقُوا عَذابِي عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ لَصَدَّقُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ. ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ أيْ: مَفاتِيحُ نِعَمِ رَبِّكَ وهي النُّبُوَّةُ وما هو دُونَها مِنَ النِّعَمِ حَتّى يُعْطُوها مَن شاءُوا، فَما لَهم ولِإنْكارِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلى هَذا النَّبِيِّ واخْتارَهُ لَهُ واصْطَفاهُ لِرِسالَتِهِ. والمَعْنى: بَلْ أعِنْدَهم، لِأنَّ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ. والوَهّابُ: المُعْطِي بِغَيْرِ حِسابٍ. ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَلْ ألَهم مُلْكُ هَذِهِ الأشْياءِ حَتّى يُعْطُوا مَن شاءُوا ويَمْنَعُوا مَن شاءُوا، ويَعْتَرِضُوا عَلى إعْطاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ لِمَن شاءَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْ كانَ لَهم ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا في الأسْبابِ الَّتِي تُوصِلُهم إلى السَّماءِ وإلى العَرْشِ حَتّى يَحْكُمُوا بِما يُرِيدُونَ مِن عَطاءٍ ومَنعٍ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ بِما يَشْتَهُونَ، أوْ فَلْيَصْعَدُوا، ولِيَمْنَعُوا المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والأسْبابُ: أبْوابُ السَّماواتِ الَّتِي تَنْزِلُ المَلائِكَةُ مِنها. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الأسْبابُ أدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وأشَدُّ مِنَ الحَدِيدِ ولَكِنْ لا تُرى. وقالَ السُّدِّيُّ ﴿فِي الأسْبابِ﴾ في الفَضْلِ والدِّينِ. وقِيلَ: فَلْيَعْمَلُوا في أسْبابِ القُوَّةِ إنْ ظَنُّوا أنَّها مانِعَةٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: الأسْبابُ الحِبالُ: يَعْنِي إنْ وجَدُوا حِبالًا يَصْعَدُونَ فِيها إلى السَّماءِ فَعَلُوا، والأسْبابُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ كُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَطْلُوبِ كائِنًا ما كانَ. وفي هَذا الكَلامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَعْجِيزٌ لَهم. ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ، و( جُنْدٌ ) مُرْتَفَعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هم جُنْدٌ، يَعْنِي الكُفّارَ ( مَهْزُومٌ ) مَكْسُورٌ عَمّا قَرِيبٍ، فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَظُنَّ أنَّهم يَصِلُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُضْمِرُونَهُ بِكَ مِنَ الكَيْدِ، و( ما ) في قَوْلِهِ: ما هُنالِكَ هي صِفَةٌ لِ ( جُنْدٌ ) لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ والتَّحْقِيرِ أيْ: جُنْدٌ أيُّ جُنْدٍ. وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، يُقالُ: هَزَمْتَ الجَيْشَ كَسَرْتَهُ، وتَهَزَّمَتِ القَرْيَةُ: إذا تَكَسَّرَتْ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ وهم جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومُونَ، فَلا تَحْزَنْ لِعِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ، فَإنِّي أسْلُبُ عِزَّهم وأهْزِمُ جَمْعَهم، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ في بَدْرٍ وفِيما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: سُئِلَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ عَنْ ﴿ص﴾ فَقالَ: لا نَدْرِي ما هو. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ص مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قالَ: ذِي الشَّرَفِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ التَّمِيمِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ: لَيْسَ بِحِينِ نَزْوٍ ولا فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نادَوُا النِّداءَ حِينَ يَنْفَعُهم، وأنْشَدَ: ؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى لاتَ حِينَ تَذَكُّرِ ∗∗∗ وقَدْ بِنْتُ مِنها والمَناصُ بِعِيدُ وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَيْسَ هَذا حِينَ زَوالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لا حِينَ فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-١٢٥٨)قَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ انْطَلَقَ أشْرافُ قُرَيْشٍ إلى أبِي طالِبٍ فَكَلَّمُوهُ في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ قالَ: أبُو جَهْلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قالَ: النَّصْرانِيَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ قالَ: في السَّماءِ.

ص 38:9

تَفْسِيرُ سُورَةِ ص وهِيَ مَكِّيَّةٌ: قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ص " بِمَكَّةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " «لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِن قُرَيْشٍ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ ابْنَ أخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنا ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ ويَقُولُ ويَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ، فَجاءَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَدَخَلَ البَيْتَ، وبَيْنَهم وبَيْنَ أبِي طالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ، فَخَشِيَ أبُو جَهْلٍ أنْ يَجْلِسَ إلى أبِي طالِبٍ ويَكُونُ أرْقى عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، فَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ البابِ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ أيِ ابْنَ أخِي ما بالُ قَوْمِكِ يَشْكُونَكَ ؟ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهم، وتَقُولُ وتَقُولُ، قالَ: وأكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، وتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا عَمِّ إنِّي أُرِيدُهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَقُولُونَها تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ، فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ ولِقَوْلِهِ، فَقالَ القَوْمُ: كَلِمَةٌ واحِدَةٌ نَعَمْ وأبِيكَ عَشْرًا، قالُوا فَما هي ؟ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيابَهم، وهم يَقُولُونَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾» [ص: ١ - ٨] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ص﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الدّالِ كَسائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي في أوائِلِ السُّوَرِ فَإنَّها ساكِنَةُ الأواخِرِ عَلى الوَقْفِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو السِّماكِ بِكَسْرِ الدّالِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: وجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ مِن صادى يُصادِي إذا عارَضَ والمَعْنى صادِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ أيْ: عارِضْهُ بِعَمَلِكَ وقابِلْهُ فاعْمَلْ بِهِ، وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وقالَ: إنَّهُ فَسَّرَ قِراءَتَهُ هَذِهِ بِهَذا، وعَنْهُ أنَّ المَعْنى: اتْلُهُ وتَعَرَّضْ لِقِراءَتِهِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " صادَ " بِفَتْحِ الدّالِ، والفَتْحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الإغْراءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: صادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آمَنُوا بِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ " صادِ " بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ تَشْبِيهًا لِهَذا الحَرْفِ بِما هو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنَ الأصْواتِ. وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " صادُ " بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى البِناءِ نَحْوُ: مُنْذُ وحَيْثُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى " صادْ " فَقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ صَدَقَ اللَّهُ. وقالَ عَطاءٌ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو بَحْرٌ يُحْيِي اللَّهُ بِهِ المَوْتى بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو مِفْتاحُ اسْمِ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ الرَّحْمَنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقِيلَ: هو مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهَذا هو الحَقُّ كَما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. قِيلَ: وهو إمّا اسْمٌ لِلْحُرُوفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعَبُّدِ، أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هي واوُ القَسَمِ، والإقْسامُ بِالقُرْآنِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِ وعُلُوِّ مَحَلِّهِ، ومَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذِي البَيانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ذِي الشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم﴾ [الأنبياء: ١٠] (p-١٢٥٦)أيْ: شَرَفُكم، وقِيلَ: أيْ: ذِي المَوْعِظَةِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا القِسْمِ ما هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ والكِسائِيُّ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ الفَرّاءِ: إنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] وقالَ الفَرّاءُ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا لِتَأخُّرِهِ جِدًّا عَنْ قَوْلِهِ: والقُرْآنِ ورَجَّحَ هو وثَعْلَبٌ أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: الجَوابُ هو ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] وقِيلَ: هو " صادْ "، لِأنَّ مَعْناهُ حَقٌّ، فَهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ والقُرْآنِ كَما تَقُولُ حَقًّا واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ والفَرّاءِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ جَوابَ القَسَمِ يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ وهو ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تَقْدِيرُهُ ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُ الكُفّارُ، والقَوْلُ بِالحَذْفِ أوْلى. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ص مُقْسَمٌ بِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الواوُ في والقُرْآنِ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ الإقْسامُ بِالقُرْآنِ دالًّا عَلى صِدْقِهِ، وأنَّهُ حَقٌّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلرَّيْبِ. قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وكَأنَّهُ قالَ: لا رَيْبَ فِيهِ قَطْعًا، ولَمْ يَكُنْ عَدَمُ قَبُولِ المُشْرِكِينَ لَهُ لِرَيْبٍ فِيهِ. بَلْ هم في عِزَّةٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ أيْ: تَكَبُّرٍ وتَجَبُّرٍ. وشِقاقٍ أيْ: وامْتِناعٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، والعِزَّةُ عِنْدَ العَرَبِ: الغَلَبَةُ والقَهْرُ، يُقالُ: مَن عَزَّ بَزَّ أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ، ومِنهُ و﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] أيْ: غَلَبَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَعُزُّ عَلى الطَّرِيقِ بِمَنكِبَيْهِ كَما ابْتَرَكَ الخَلِيعُ عَلى القِداحِ والشِّقاقُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ. ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - وهَدَّدَهم بِما فَعَلَهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الخالِيَةَ المُهْلَكَةَ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ أيْ: كَمْ أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّذِينَ كانُوا أمْنَعَ مِن هَؤُلاءِ وأشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا، و" كَمْ " هي الخَبَرِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى التَّكْثِيرِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ " أهْلَكْنا " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ، و" مِن قَرْنٍ " تَمْيِيزٌ، و" مِن " في ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ هي لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ النِّداءُ هُنا: هو نِداءُ الِاسْتِغاثَةِ مِنهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، ولَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ. قالَ الحَسَنُ: نادَوْا بِالتَّوْبَةِ ولَيْسَ حِينَ التَّوْبَةِ ولا حِينَ يَنْفَعُ العَمَلُ. والمَناصُ مَصْدَرُ ناصَ يَنُوصُ، وهو الفَوْتُ والتَّأخُّرُ، ولاتَ بِمَعْنى لَيْسَ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ: هي لا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ كَما في قَوْلِهِمْ: رُبَّ ورُبَّتَ، وثَمَّ وثَمَّتَ قالَ الفَرّاءُ: النَّوْصُ التَّأخُّرُ، وأنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أمِن ذِكْرِ لَيْلى إذْ نَأتْكَ تَنُوصُ قالَ: يُقالُ: ناصَ عَنْ قَرْنِهِ يَنُوصُ نَوْصًا أيْ: فَرَّ وزاغَ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ: ناصَ يَنُوصُ: إذا تَقَدَّمَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَناصٌ، أيْ: عَلَيْكم بِالفِرارِ والهَزِيمَةِ، فَلَمّا أتاهُمُ العَذابُ قالُوا: مَناصٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: لاتَ مُشَبَّهَةٌ بِلَيَسَ، والِاسْمُ فِيها مُضْمَرٌ أيْ: لَيْسَ حِينُنا حِينَ مَناصٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ ولَيْسَ أوانُنا. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: والقَوْلُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، والوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الكِسائِيِّ بِالهاءِ، وبِهِ قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: والتّاءُ تُكْتَبُ مُنْقَطِعَةً عَنْ " حِينَ "، وكَذَلِكَ هي في المَصاحِفِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: تُكْتَبُ مُتَّصِلَةً بِـ " حِينَ "، فَيُقالُ: " ولا تَحِينُ " ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ: ؎العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ وقَدْ يُسْتَغْنى بِحِينَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا ∗∗∗ وأمْسى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا قالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ نَجِدِ العَرَبَ تَزِيدُ هَذِهِ التّاءَ إلّا في حِينَ وأوانَ والآنَ. قُلْتُ: بَلْ قَدْ يَزِيدُونَها في غَيْرِ ذَلِكَ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَلَتَعْرِفُنَّ خَلائِقًا مَشْمُولَةً ∗∗∗ ولَتَنْدَمُنَّ ولاتَ ساعَةِ مَندَمِ وقَدْ أنْشَدَ الفَرّاءُ هَذا البَيْتَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلى أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَخْفِضُ بِها، وجُمْلَةُ ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ نادَوْا. قَرَأ الجُمْهُورُ لاتَ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ " لاتِ " بِالكَسْرِ كَجَيْرِ. ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ أيْ: عَجِبَ الكُفّارُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم أيْ: رَسُولٌ مِن أنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، و" أنْ " وما في حَيِّزِها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: مِن أنْ جاءَهم، وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ قالُوا هَذا القَوْلَ لَمّا شاهَدُوا ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الخارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أيْ: هَذا المُدَّعِي لِلرِّسالَةِ ساحِرٌ فِيما يُظْهِرُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ كَذّابٌ فِيما يَدَّعِيهِ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ. قِيلَ: ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِإظْهارِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما قالُوهُ لا يَتَجاسَرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ. ثُمَّ أنْكَرُوا ما جاءَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّوْحِيدِ وما نَفاهُ مِنَ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ فَقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ أيْ: صَيَّرَها إلَهًا واحِدًا وقَصَرَها عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ: لَأمْرٌ بالِغٌ في العَجَبِ إلى الغايَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَجِيبُ الأمْرُ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنهُ وكَذَلِكَ العُجابُ بِالضَّمِّ والعُجّابُ بِالتَّشْدِيدِ أكْثَرُ مِنهُ قَرَأ الجُمْهُورُ عُجابٌ مُخَفَّفًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: عُجابٌ يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، قِيلَ: والعُجابُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ قَدْ تَجاوَزَ الحَدَّ في العَجَبِ، كَما يُقالُ: الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ طُولٌ، والطِّوالُ الَّذِي قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ الطُّولِ وكَلامُ الجَوْهَرِيِّ يُفِيدُ اخْتِصاصَ المُبالَغَةِ بِعُجّابٍ مُشَدَّدِ الجِيمِ لا بِالمُخَفَّفِ، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ. ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ المُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ كَما هو مُقَرَّرٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن تَفْسِيرِ الكِتابِ العَزِيزِ أيِ: انْطَلَقُوا مِن مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ عِنْدَ أبِي طالِبٍ كَما تَقَدَّمَ قائِلِينَ ﴿أنِ امْشُوا﴾ أيْ: قائِلِينَ (p-١٢٥٧)لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا امْضُوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تَدْخُلُوا في دِينِهِ ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها، وقِيلَ: المَعْنى: وانْطَلَقَ الأشْرافُ مِنهم فَقالُوا لِلْعَوامِّ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ امْشُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ، أوْ لِقَوْلِهِ وانْطَلَقَ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَعْمُولَةً لِلْمُقَدَّرِ أوْ لِلْمَذْكُورِ أيْ: بِأنِ امْشُوا. وقِيلَ: المُرادُ بِالِانْطِلاقِ: الِانْدِفاعُ في القَوْلِ، وامْشُوا مِن مَشَتِ المَرْأةُ إذا كَثُرَتْ وِلادَتُها أيِ: اجْتَمَعُوا وأكْثَرُوا، وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وخِلافُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِانْطِلاقُ والمَشْيُ بِحَقِيقَتِهِما، وخِلافُ ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ أيْ: يُرِيدُهُ مُحَمَّدٌ بِنا وبِآلِهَتِنا، ويَوَدُّ تَمامَهُ لِيَعْلُوَ عَلَيْنا، وتَكُونَ لَهُ أتْباعًا فَيَتَحَكَّمُ فِينا بِما يُرِيدُ، فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ مِنهُ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا الأمْرَ يُرِيدُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وما أرادَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، فاصْبِرُوا عَلى عِبادَةِ آلِهَتِكم. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ: يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم وتُغْلَبُوا عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: ما سَمِعْنا بِهَذا الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ في المِلَّةِ الآخِرَةِ. وهِيَ مِلَّةُ النَّصْرانِيَّةِ فَإنَّها آخِرُ المِلَلِ قَبْلَ مِلَّةِ الإسْلامِ، كَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنُونَ مِلَّةَ قُرَيْشٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى ما سَمِعْنا: أنَّ هَذا يَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ. وقِيلَ: المَعْنى: ما سَمِعْنا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ أيْ: ما هَذا إلّا كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ وافْتَراهُ. ثُمَّ اسْتَنْكَرُوا أنْ يَخُصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِمَزِيَّةِ النُّبُوَّةِ دُونَهم فَقالُوا: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ونَحْنُ الرُّؤَساءُ والأشْرافُ. قالَ الزَّجّاجُ: قالُوا كَيْفَ أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ القُرْآنُ مِن بَيْنِنا ونَحْنُ أكْبَرُ سِنًّا وأعْظَمُ شَرَفًا مِنهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَأنْكَرُوا أنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِما شاءَ. ولَمّا ذَكَرَ اسْتِنْكارَهم لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَهم بَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ تَرَكُوا تَصْدِيقَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ أوِ الوَحْيِ لِإعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ المُوجِبِ لِتَصْدِيقِهِ وإهْمالِهِمْ لِلْأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ حَقٌّ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أيْ: بَلِ السَّبَبُ أنَّهم لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي فاغْتَرُّوا بِطُولِ المُهْلَةِ، ولَوْ ذاقُوا عَذابِي عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ لَصَدَّقُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ. ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ أيْ: مَفاتِيحُ نِعَمِ رَبِّكَ وهي النُّبُوَّةُ وما هو دُونَها مِنَ النِّعَمِ حَتّى يُعْطُوها مَن شاءُوا، فَما لَهم ولِإنْكارِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلى هَذا النَّبِيِّ واخْتارَهُ لَهُ واصْطَفاهُ لِرِسالَتِهِ. والمَعْنى: بَلْ أعِنْدَهم، لِأنَّ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ. والوَهّابُ: المُعْطِي بِغَيْرِ حِسابٍ. ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَلْ ألَهم مُلْكُ هَذِهِ الأشْياءِ حَتّى يُعْطُوا مَن شاءُوا ويَمْنَعُوا مَن شاءُوا، ويَعْتَرِضُوا عَلى إعْطاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ لِمَن شاءَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْ كانَ لَهم ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا في الأسْبابِ الَّتِي تُوصِلُهم إلى السَّماءِ وإلى العَرْشِ حَتّى يَحْكُمُوا بِما يُرِيدُونَ مِن عَطاءٍ ومَنعٍ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ بِما يَشْتَهُونَ، أوْ فَلْيَصْعَدُوا، ولِيَمْنَعُوا المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والأسْبابُ: أبْوابُ السَّماواتِ الَّتِي تَنْزِلُ المَلائِكَةُ مِنها. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الأسْبابُ أدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وأشَدُّ مِنَ الحَدِيدِ ولَكِنْ لا تُرى. وقالَ السُّدِّيُّ ﴿فِي الأسْبابِ﴾ في الفَضْلِ والدِّينِ. وقِيلَ: فَلْيَعْمَلُوا في أسْبابِ القُوَّةِ إنْ ظَنُّوا أنَّها مانِعَةٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: الأسْبابُ الحِبالُ: يَعْنِي إنْ وجَدُوا حِبالًا يَصْعَدُونَ فِيها إلى السَّماءِ فَعَلُوا، والأسْبابُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ كُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَطْلُوبِ كائِنًا ما كانَ. وفي هَذا الكَلامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَعْجِيزٌ لَهم. ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ، و( جُنْدٌ ) مُرْتَفَعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هم جُنْدٌ، يَعْنِي الكُفّارَ ( مَهْزُومٌ ) مَكْسُورٌ عَمّا قَرِيبٍ، فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَظُنَّ أنَّهم يَصِلُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُضْمِرُونَهُ بِكَ مِنَ الكَيْدِ، و( ما ) في قَوْلِهِ: ما هُنالِكَ هي صِفَةٌ لِ ( جُنْدٌ ) لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ والتَّحْقِيرِ أيْ: جُنْدٌ أيُّ جُنْدٍ. وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، يُقالُ: هَزَمْتَ الجَيْشَ كَسَرْتَهُ، وتَهَزَّمَتِ القَرْيَةُ: إذا تَكَسَّرَتْ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ وهم جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومُونَ، فَلا تَحْزَنْ لِعِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ، فَإنِّي أسْلُبُ عِزَّهم وأهْزِمُ جَمْعَهم، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ في بَدْرٍ وفِيما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: سُئِلَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ عَنْ ﴿ص﴾ فَقالَ: لا نَدْرِي ما هو. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ص مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قالَ: ذِي الشَّرَفِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ التَّمِيمِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ: لَيْسَ بِحِينِ نَزْوٍ ولا فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نادَوُا النِّداءَ حِينَ يَنْفَعُهم، وأنْشَدَ: ؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى لاتَ حِينَ تَذَكُّرِ ∗∗∗ وقَدْ بِنْتُ مِنها والمَناصُ بِعِيدُ وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَيْسَ هَذا حِينَ زَوالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لا حِينَ فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-١٢٥٨)قَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ انْطَلَقَ أشْرافُ قُرَيْشٍ إلى أبِي طالِبٍ فَكَلَّمُوهُ في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ قالَ: أبُو جَهْلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قالَ: النَّصْرانِيَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ قالَ: في السَّماءِ.

ص 38:10

تَفْسِيرُ سُورَةِ ص وهِيَ مَكِّيَّةٌ: قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ص " بِمَكَّةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " «لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِن قُرَيْشٍ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ ابْنَ أخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنا ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ ويَقُولُ ويَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ، فَجاءَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَدَخَلَ البَيْتَ، وبَيْنَهم وبَيْنَ أبِي طالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ، فَخَشِيَ أبُو جَهْلٍ أنْ يَجْلِسَ إلى أبِي طالِبٍ ويَكُونُ أرْقى عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، فَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ البابِ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ أيِ ابْنَ أخِي ما بالُ قَوْمِكِ يَشْكُونَكَ ؟ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهم، وتَقُولُ وتَقُولُ، قالَ: وأكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، وتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا عَمِّ إنِّي أُرِيدُهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَقُولُونَها تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ، فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ ولِقَوْلِهِ، فَقالَ القَوْمُ: كَلِمَةٌ واحِدَةٌ نَعَمْ وأبِيكَ عَشْرًا، قالُوا فَما هي ؟ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيابَهم، وهم يَقُولُونَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾» [ص: ١ - ٨] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ص﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الدّالِ كَسائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي في أوائِلِ السُّوَرِ فَإنَّها ساكِنَةُ الأواخِرِ عَلى الوَقْفِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو السِّماكِ بِكَسْرِ الدّالِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: وجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ مِن صادى يُصادِي إذا عارَضَ والمَعْنى صادِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ أيْ: عارِضْهُ بِعَمَلِكَ وقابِلْهُ فاعْمَلْ بِهِ، وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وقالَ: إنَّهُ فَسَّرَ قِراءَتَهُ هَذِهِ بِهَذا، وعَنْهُ أنَّ المَعْنى: اتْلُهُ وتَعَرَّضْ لِقِراءَتِهِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " صادَ " بِفَتْحِ الدّالِ، والفَتْحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الإغْراءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: صادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آمَنُوا بِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ " صادِ " بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ تَشْبِيهًا لِهَذا الحَرْفِ بِما هو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنَ الأصْواتِ. وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " صادُ " بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى البِناءِ نَحْوُ: مُنْذُ وحَيْثُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى " صادْ " فَقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ صَدَقَ اللَّهُ. وقالَ عَطاءٌ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو بَحْرٌ يُحْيِي اللَّهُ بِهِ المَوْتى بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو مِفْتاحُ اسْمِ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ الرَّحْمَنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقِيلَ: هو مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهَذا هو الحَقُّ كَما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. قِيلَ: وهو إمّا اسْمٌ لِلْحُرُوفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعَبُّدِ، أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هي واوُ القَسَمِ، والإقْسامُ بِالقُرْآنِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِ وعُلُوِّ مَحَلِّهِ، ومَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذِي البَيانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ذِي الشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم﴾ [الأنبياء: ١٠] (p-١٢٥٦)أيْ: شَرَفُكم، وقِيلَ: أيْ: ذِي المَوْعِظَةِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا القِسْمِ ما هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ والكِسائِيُّ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ الفَرّاءِ: إنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] وقالَ الفَرّاءُ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا لِتَأخُّرِهِ جِدًّا عَنْ قَوْلِهِ: والقُرْآنِ ورَجَّحَ هو وثَعْلَبٌ أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: الجَوابُ هو ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] وقِيلَ: هو " صادْ "، لِأنَّ مَعْناهُ حَقٌّ، فَهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ والقُرْآنِ كَما تَقُولُ حَقًّا واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ والفَرّاءِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ جَوابَ القَسَمِ يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ وهو ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تَقْدِيرُهُ ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُ الكُفّارُ، والقَوْلُ بِالحَذْفِ أوْلى. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ص مُقْسَمٌ بِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الواوُ في والقُرْآنِ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ الإقْسامُ بِالقُرْآنِ دالًّا عَلى صِدْقِهِ، وأنَّهُ حَقٌّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلرَّيْبِ. قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وكَأنَّهُ قالَ: لا رَيْبَ فِيهِ قَطْعًا، ولَمْ يَكُنْ عَدَمُ قَبُولِ المُشْرِكِينَ لَهُ لِرَيْبٍ فِيهِ. بَلْ هم في عِزَّةٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ أيْ: تَكَبُّرٍ وتَجَبُّرٍ. وشِقاقٍ أيْ: وامْتِناعٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، والعِزَّةُ عِنْدَ العَرَبِ: الغَلَبَةُ والقَهْرُ، يُقالُ: مَن عَزَّ بَزَّ أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ، ومِنهُ و﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] أيْ: غَلَبَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَعُزُّ عَلى الطَّرِيقِ بِمَنكِبَيْهِ كَما ابْتَرَكَ الخَلِيعُ عَلى القِداحِ والشِّقاقُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ. ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - وهَدَّدَهم بِما فَعَلَهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الخالِيَةَ المُهْلَكَةَ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ أيْ: كَمْ أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّذِينَ كانُوا أمْنَعَ مِن هَؤُلاءِ وأشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا، و" كَمْ " هي الخَبَرِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى التَّكْثِيرِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ " أهْلَكْنا " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ، و" مِن قَرْنٍ " تَمْيِيزٌ، و" مِن " في ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ هي لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ النِّداءُ هُنا: هو نِداءُ الِاسْتِغاثَةِ مِنهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، ولَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ. قالَ الحَسَنُ: نادَوْا بِالتَّوْبَةِ ولَيْسَ حِينَ التَّوْبَةِ ولا حِينَ يَنْفَعُ العَمَلُ. والمَناصُ مَصْدَرُ ناصَ يَنُوصُ، وهو الفَوْتُ والتَّأخُّرُ، ولاتَ بِمَعْنى لَيْسَ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ: هي لا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ كَما في قَوْلِهِمْ: رُبَّ ورُبَّتَ، وثَمَّ وثَمَّتَ قالَ الفَرّاءُ: النَّوْصُ التَّأخُّرُ، وأنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أمِن ذِكْرِ لَيْلى إذْ نَأتْكَ تَنُوصُ قالَ: يُقالُ: ناصَ عَنْ قَرْنِهِ يَنُوصُ نَوْصًا أيْ: فَرَّ وزاغَ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ: ناصَ يَنُوصُ: إذا تَقَدَّمَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَناصٌ، أيْ: عَلَيْكم بِالفِرارِ والهَزِيمَةِ، فَلَمّا أتاهُمُ العَذابُ قالُوا: مَناصٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: لاتَ مُشَبَّهَةٌ بِلَيَسَ، والِاسْمُ فِيها مُضْمَرٌ أيْ: لَيْسَ حِينُنا حِينَ مَناصٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ ولَيْسَ أوانُنا. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: والقَوْلُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، والوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الكِسائِيِّ بِالهاءِ، وبِهِ قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: والتّاءُ تُكْتَبُ مُنْقَطِعَةً عَنْ " حِينَ "، وكَذَلِكَ هي في المَصاحِفِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: تُكْتَبُ مُتَّصِلَةً بِـ " حِينَ "، فَيُقالُ: " ولا تَحِينُ " ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ: ؎العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ وقَدْ يُسْتَغْنى بِحِينَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا ∗∗∗ وأمْسى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا قالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ نَجِدِ العَرَبَ تَزِيدُ هَذِهِ التّاءَ إلّا في حِينَ وأوانَ والآنَ. قُلْتُ: بَلْ قَدْ يَزِيدُونَها في غَيْرِ ذَلِكَ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَلَتَعْرِفُنَّ خَلائِقًا مَشْمُولَةً ∗∗∗ ولَتَنْدَمُنَّ ولاتَ ساعَةِ مَندَمِ وقَدْ أنْشَدَ الفَرّاءُ هَذا البَيْتَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلى أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَخْفِضُ بِها، وجُمْلَةُ ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ نادَوْا. قَرَأ الجُمْهُورُ لاتَ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ " لاتِ " بِالكَسْرِ كَجَيْرِ. ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ أيْ: عَجِبَ الكُفّارُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم أيْ: رَسُولٌ مِن أنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، و" أنْ " وما في حَيِّزِها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: مِن أنْ جاءَهم، وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ قالُوا هَذا القَوْلَ لَمّا شاهَدُوا ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الخارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أيْ: هَذا المُدَّعِي لِلرِّسالَةِ ساحِرٌ فِيما يُظْهِرُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ كَذّابٌ فِيما يَدَّعِيهِ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ. قِيلَ: ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِإظْهارِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما قالُوهُ لا يَتَجاسَرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ. ثُمَّ أنْكَرُوا ما جاءَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّوْحِيدِ وما نَفاهُ مِنَ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ فَقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ أيْ: صَيَّرَها إلَهًا واحِدًا وقَصَرَها عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ: لَأمْرٌ بالِغٌ في العَجَبِ إلى الغايَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَجِيبُ الأمْرُ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنهُ وكَذَلِكَ العُجابُ بِالضَّمِّ والعُجّابُ بِالتَّشْدِيدِ أكْثَرُ مِنهُ قَرَأ الجُمْهُورُ عُجابٌ مُخَفَّفًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: عُجابٌ يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، قِيلَ: والعُجابُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ قَدْ تَجاوَزَ الحَدَّ في العَجَبِ، كَما يُقالُ: الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ طُولٌ، والطِّوالُ الَّذِي قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ الطُّولِ وكَلامُ الجَوْهَرِيِّ يُفِيدُ اخْتِصاصَ المُبالَغَةِ بِعُجّابٍ مُشَدَّدِ الجِيمِ لا بِالمُخَفَّفِ، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ. ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ المُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ كَما هو مُقَرَّرٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن تَفْسِيرِ الكِتابِ العَزِيزِ أيِ: انْطَلَقُوا مِن مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ عِنْدَ أبِي طالِبٍ كَما تَقَدَّمَ قائِلِينَ ﴿أنِ امْشُوا﴾ أيْ: قائِلِينَ (p-١٢٥٧)لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا امْضُوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تَدْخُلُوا في دِينِهِ ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها، وقِيلَ: المَعْنى: وانْطَلَقَ الأشْرافُ مِنهم فَقالُوا لِلْعَوامِّ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ امْشُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ، أوْ لِقَوْلِهِ وانْطَلَقَ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَعْمُولَةً لِلْمُقَدَّرِ أوْ لِلْمَذْكُورِ أيْ: بِأنِ امْشُوا. وقِيلَ: المُرادُ بِالِانْطِلاقِ: الِانْدِفاعُ في القَوْلِ، وامْشُوا مِن مَشَتِ المَرْأةُ إذا كَثُرَتْ وِلادَتُها أيِ: اجْتَمَعُوا وأكْثَرُوا، وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وخِلافُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِانْطِلاقُ والمَشْيُ بِحَقِيقَتِهِما، وخِلافُ ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ أيْ: يُرِيدُهُ مُحَمَّدٌ بِنا وبِآلِهَتِنا، ويَوَدُّ تَمامَهُ لِيَعْلُوَ عَلَيْنا، وتَكُونَ لَهُ أتْباعًا فَيَتَحَكَّمُ فِينا بِما يُرِيدُ، فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ مِنهُ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا الأمْرَ يُرِيدُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وما أرادَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، فاصْبِرُوا عَلى عِبادَةِ آلِهَتِكم. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ: يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم وتُغْلَبُوا عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: ما سَمِعْنا بِهَذا الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ في المِلَّةِ الآخِرَةِ. وهِيَ مِلَّةُ النَّصْرانِيَّةِ فَإنَّها آخِرُ المِلَلِ قَبْلَ مِلَّةِ الإسْلامِ، كَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنُونَ مِلَّةَ قُرَيْشٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى ما سَمِعْنا: أنَّ هَذا يَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ. وقِيلَ: المَعْنى: ما سَمِعْنا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ أيْ: ما هَذا إلّا كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ وافْتَراهُ. ثُمَّ اسْتَنْكَرُوا أنْ يَخُصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِمَزِيَّةِ النُّبُوَّةِ دُونَهم فَقالُوا: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ونَحْنُ الرُّؤَساءُ والأشْرافُ. قالَ الزَّجّاجُ: قالُوا كَيْفَ أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ القُرْآنُ مِن بَيْنِنا ونَحْنُ أكْبَرُ سِنًّا وأعْظَمُ شَرَفًا مِنهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَأنْكَرُوا أنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِما شاءَ. ولَمّا ذَكَرَ اسْتِنْكارَهم لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَهم بَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ تَرَكُوا تَصْدِيقَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ أوِ الوَحْيِ لِإعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ المُوجِبِ لِتَصْدِيقِهِ وإهْمالِهِمْ لِلْأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ حَقٌّ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أيْ: بَلِ السَّبَبُ أنَّهم لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي فاغْتَرُّوا بِطُولِ المُهْلَةِ، ولَوْ ذاقُوا عَذابِي عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ لَصَدَّقُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ. ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ أيْ: مَفاتِيحُ نِعَمِ رَبِّكَ وهي النُّبُوَّةُ وما هو دُونَها مِنَ النِّعَمِ حَتّى يُعْطُوها مَن شاءُوا، فَما لَهم ولِإنْكارِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلى هَذا النَّبِيِّ واخْتارَهُ لَهُ واصْطَفاهُ لِرِسالَتِهِ. والمَعْنى: بَلْ أعِنْدَهم، لِأنَّ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ. والوَهّابُ: المُعْطِي بِغَيْرِ حِسابٍ. ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَلْ ألَهم مُلْكُ هَذِهِ الأشْياءِ حَتّى يُعْطُوا مَن شاءُوا ويَمْنَعُوا مَن شاءُوا، ويَعْتَرِضُوا عَلى إعْطاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ لِمَن شاءَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْ كانَ لَهم ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا في الأسْبابِ الَّتِي تُوصِلُهم إلى السَّماءِ وإلى العَرْشِ حَتّى يَحْكُمُوا بِما يُرِيدُونَ مِن عَطاءٍ ومَنعٍ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ بِما يَشْتَهُونَ، أوْ فَلْيَصْعَدُوا، ولِيَمْنَعُوا المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والأسْبابُ: أبْوابُ السَّماواتِ الَّتِي تَنْزِلُ المَلائِكَةُ مِنها. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الأسْبابُ أدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وأشَدُّ مِنَ الحَدِيدِ ولَكِنْ لا تُرى. وقالَ السُّدِّيُّ ﴿فِي الأسْبابِ﴾ في الفَضْلِ والدِّينِ. وقِيلَ: فَلْيَعْمَلُوا في أسْبابِ القُوَّةِ إنْ ظَنُّوا أنَّها مانِعَةٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: الأسْبابُ الحِبالُ: يَعْنِي إنْ وجَدُوا حِبالًا يَصْعَدُونَ فِيها إلى السَّماءِ فَعَلُوا، والأسْبابُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ كُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَطْلُوبِ كائِنًا ما كانَ. وفي هَذا الكَلامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَعْجِيزٌ لَهم. ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ، و( جُنْدٌ ) مُرْتَفَعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هم جُنْدٌ، يَعْنِي الكُفّارَ ( مَهْزُومٌ ) مَكْسُورٌ عَمّا قَرِيبٍ، فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَظُنَّ أنَّهم يَصِلُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُضْمِرُونَهُ بِكَ مِنَ الكَيْدِ، و( ما ) في قَوْلِهِ: ما هُنالِكَ هي صِفَةٌ لِ ( جُنْدٌ ) لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ والتَّحْقِيرِ أيْ: جُنْدٌ أيُّ جُنْدٍ. وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، يُقالُ: هَزَمْتَ الجَيْشَ كَسَرْتَهُ، وتَهَزَّمَتِ القَرْيَةُ: إذا تَكَسَّرَتْ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ وهم جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومُونَ، فَلا تَحْزَنْ لِعِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ، فَإنِّي أسْلُبُ عِزَّهم وأهْزِمُ جَمْعَهم، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ في بَدْرٍ وفِيما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: سُئِلَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ عَنْ ﴿ص﴾ فَقالَ: لا نَدْرِي ما هو. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ص مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قالَ: ذِي الشَّرَفِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ التَّمِيمِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ: لَيْسَ بِحِينِ نَزْوٍ ولا فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نادَوُا النِّداءَ حِينَ يَنْفَعُهم، وأنْشَدَ: ؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى لاتَ حِينَ تَذَكُّرِ ∗∗∗ وقَدْ بِنْتُ مِنها والمَناصُ بِعِيدُ وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَيْسَ هَذا حِينَ زَوالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لا حِينَ فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-١٢٥٨)قَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ انْطَلَقَ أشْرافُ قُرَيْشٍ إلى أبِي طالِبٍ فَكَلَّمُوهُ في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ قالَ: أبُو جَهْلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قالَ: النَّصْرانِيَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ قالَ: في السَّماءِ.

ص 38:11

تَفْسِيرُ سُورَةِ ص وهِيَ مَكِّيَّةٌ: قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ص " بِمَكَّةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " «لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِن قُرَيْشٍ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ ابْنَ أخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنا ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ ويَقُولُ ويَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ، فَجاءَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَدَخَلَ البَيْتَ، وبَيْنَهم وبَيْنَ أبِي طالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ، فَخَشِيَ أبُو جَهْلٍ أنْ يَجْلِسَ إلى أبِي طالِبٍ ويَكُونُ أرْقى عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، فَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ البابِ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ أيِ ابْنَ أخِي ما بالُ قَوْمِكِ يَشْكُونَكَ ؟ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهم، وتَقُولُ وتَقُولُ، قالَ: وأكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، وتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا عَمِّ إنِّي أُرِيدُهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَقُولُونَها تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ، فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ ولِقَوْلِهِ، فَقالَ القَوْمُ: كَلِمَةٌ واحِدَةٌ نَعَمْ وأبِيكَ عَشْرًا، قالُوا فَما هي ؟ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيابَهم، وهم يَقُولُونَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾» [ص: ١ - ٨] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ص﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الدّالِ كَسائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي في أوائِلِ السُّوَرِ فَإنَّها ساكِنَةُ الأواخِرِ عَلى الوَقْفِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو السِّماكِ بِكَسْرِ الدّالِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: وجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ مِن صادى يُصادِي إذا عارَضَ والمَعْنى صادِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ أيْ: عارِضْهُ بِعَمَلِكَ وقابِلْهُ فاعْمَلْ بِهِ، وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وقالَ: إنَّهُ فَسَّرَ قِراءَتَهُ هَذِهِ بِهَذا، وعَنْهُ أنَّ المَعْنى: اتْلُهُ وتَعَرَّضْ لِقِراءَتِهِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " صادَ " بِفَتْحِ الدّالِ، والفَتْحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الإغْراءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: صادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آمَنُوا بِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ " صادِ " بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ تَشْبِيهًا لِهَذا الحَرْفِ بِما هو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنَ الأصْواتِ. وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " صادُ " بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى البِناءِ نَحْوُ: مُنْذُ وحَيْثُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى " صادْ " فَقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ صَدَقَ اللَّهُ. وقالَ عَطاءٌ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو بَحْرٌ يُحْيِي اللَّهُ بِهِ المَوْتى بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو مِفْتاحُ اسْمِ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ الرَّحْمَنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقِيلَ: هو مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهَذا هو الحَقُّ كَما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. قِيلَ: وهو إمّا اسْمٌ لِلْحُرُوفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعَبُّدِ، أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هي واوُ القَسَمِ، والإقْسامُ بِالقُرْآنِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِ وعُلُوِّ مَحَلِّهِ، ومَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذِي البَيانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ذِي الشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم﴾ [الأنبياء: ١٠] (p-١٢٥٦)أيْ: شَرَفُكم، وقِيلَ: أيْ: ذِي المَوْعِظَةِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا القِسْمِ ما هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ والكِسائِيُّ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ الفَرّاءِ: إنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] وقالَ الفَرّاءُ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا لِتَأخُّرِهِ جِدًّا عَنْ قَوْلِهِ: والقُرْآنِ ورَجَّحَ هو وثَعْلَبٌ أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: الجَوابُ هو ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] وقِيلَ: هو " صادْ "، لِأنَّ مَعْناهُ حَقٌّ، فَهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ والقُرْآنِ كَما تَقُولُ حَقًّا واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ والفَرّاءِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ جَوابَ القَسَمِ يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ وهو ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تَقْدِيرُهُ ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُ الكُفّارُ، والقَوْلُ بِالحَذْفِ أوْلى. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ص مُقْسَمٌ بِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الواوُ في والقُرْآنِ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ الإقْسامُ بِالقُرْآنِ دالًّا عَلى صِدْقِهِ، وأنَّهُ حَقٌّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلرَّيْبِ. قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وكَأنَّهُ قالَ: لا رَيْبَ فِيهِ قَطْعًا، ولَمْ يَكُنْ عَدَمُ قَبُولِ المُشْرِكِينَ لَهُ لِرَيْبٍ فِيهِ. بَلْ هم في عِزَّةٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ أيْ: تَكَبُّرٍ وتَجَبُّرٍ. وشِقاقٍ أيْ: وامْتِناعٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، والعِزَّةُ عِنْدَ العَرَبِ: الغَلَبَةُ والقَهْرُ، يُقالُ: مَن عَزَّ بَزَّ أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ، ومِنهُ و﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] أيْ: غَلَبَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَعُزُّ عَلى الطَّرِيقِ بِمَنكِبَيْهِ كَما ابْتَرَكَ الخَلِيعُ عَلى القِداحِ والشِّقاقُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ. ثُمَّ خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - وهَدَّدَهم بِما فَعَلَهُ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الخالِيَةَ المُهْلَكَةَ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ أيْ: كَمْ أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّذِينَ كانُوا أمْنَعَ مِن هَؤُلاءِ وأشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا، و" كَمْ " هي الخَبَرِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى التَّكْثِيرِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ " أهْلَكْنا " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ، و" مِن قَرْنٍ " تَمْيِيزٌ، و" مِن " في ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ هي لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ النِّداءُ هُنا: هو نِداءُ الِاسْتِغاثَةِ مِنهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، ولَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ. قالَ الحَسَنُ: نادَوْا بِالتَّوْبَةِ ولَيْسَ حِينَ التَّوْبَةِ ولا حِينَ يَنْفَعُ العَمَلُ. والمَناصُ مَصْدَرُ ناصَ يَنُوصُ، وهو الفَوْتُ والتَّأخُّرُ، ولاتَ بِمَعْنى لَيْسَ بِلُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ: هي لا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ كَما في قَوْلِهِمْ: رُبَّ ورُبَّتَ، وثَمَّ وثَمَّتَ قالَ الفَرّاءُ: النَّوْصُ التَّأخُّرُ، وأنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أمِن ذِكْرِ لَيْلى إذْ نَأتْكَ تَنُوصُ قالَ: يُقالُ: ناصَ عَنْ قَرْنِهِ يَنُوصُ نَوْصًا أيْ: فَرَّ وزاغَ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ: ناصَ يَنُوصُ: إذا تَقَدَّمَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَناصٌ، أيْ: عَلَيْكم بِالفِرارِ والهَزِيمَةِ، فَلَمّا أتاهُمُ العَذابُ قالُوا: مَناصٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: لاتَ مُشَبَّهَةٌ بِلَيَسَ، والِاسْمُ فِيها مُضْمَرٌ أيْ: لَيْسَ حِينُنا حِينَ مَناصٍ. قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ ولَيْسَ أوانُنا. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: والقَوْلُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، والوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الكِسائِيِّ بِالهاءِ، وبِهِ قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: والتّاءُ تُكْتَبُ مُنْقَطِعَةً عَنْ " حِينَ "، وكَذَلِكَ هي في المَصاحِفِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: تُكْتَبُ مُتَّصِلَةً بِـ " حِينَ "، فَيُقالُ: " ولا تَحِينُ " ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ: ؎العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ وقَدْ يُسْتَغْنى بِحِينَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا ∗∗∗ وأمْسى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا قالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ نَجِدِ العَرَبَ تَزِيدُ هَذِهِ التّاءَ إلّا في حِينَ وأوانَ والآنَ. قُلْتُ: بَلْ قَدْ يَزِيدُونَها في غَيْرِ ذَلِكَ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَلَتَعْرِفُنَّ خَلائِقًا مَشْمُولَةً ∗∗∗ ولَتَنْدَمُنَّ ولاتَ ساعَةِ مَندَمِ وقَدْ أنْشَدَ الفَرّاءُ هَذا البَيْتَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلى أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَخْفِضُ بِها، وجُمْلَةُ ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ نادَوْا. قَرَأ الجُمْهُورُ لاتَ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ " لاتِ " بِالكَسْرِ كَجَيْرِ. ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ أيْ: عَجِبَ الكُفّارُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم أيْ: رَسُولٌ مِن أنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، و" أنْ " وما في حَيِّزِها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: مِن أنْ جاءَهم، وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ قالُوا هَذا القَوْلَ لَمّا شاهَدُوا ما جاءَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الخارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أيْ: هَذا المُدَّعِي لِلرِّسالَةِ ساحِرٌ فِيما يُظْهِرُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ كَذّابٌ فِيما يَدَّعِيهِ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ. قِيلَ: ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِإظْهارِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما قالُوهُ لا يَتَجاسَرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ. ثُمَّ أنْكَرُوا ما جاءَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّوْحِيدِ وما نَفاهُ مِنَ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ فَقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ أيْ: صَيَّرَها إلَهًا واحِدًا وقَصَرَها عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ: لَأمْرٌ بالِغٌ في العَجَبِ إلى الغايَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَجِيبُ الأمْرُ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنهُ وكَذَلِكَ العُجابُ بِالضَّمِّ والعُجّابُ بِالتَّشْدِيدِ أكْثَرُ مِنهُ قَرَأ الجُمْهُورُ عُجابٌ مُخَفَّفًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: عُجابٌ يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، قِيلَ: والعُجابُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ قَدْ تَجاوَزَ الحَدَّ في العَجَبِ، كَما يُقالُ: الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ طُولٌ، والطِّوالُ الَّذِي قَدْ تَجاوَزَ حَدَّ الطُّولِ وكَلامُ الجَوْهَرِيِّ يُفِيدُ اخْتِصاصَ المُبالَغَةِ بِعُجّابٍ مُشَدَّدِ الجِيمِ لا بِالمُخَفَّفِ، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ. ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ المُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ كَما هو مُقَرَّرٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن تَفْسِيرِ الكِتابِ العَزِيزِ أيِ: انْطَلَقُوا مِن مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ عِنْدَ أبِي طالِبٍ كَما تَقَدَّمَ قائِلِينَ ﴿أنِ امْشُوا﴾ أيْ: قائِلِينَ (p-١٢٥٧)لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا امْضُوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تَدْخُلُوا في دِينِهِ ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها، وقِيلَ: المَعْنى: وانْطَلَقَ الأشْرافُ مِنهم فَقالُوا لِلْعَوامِّ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ امْشُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ، أوْ لِقَوْلِهِ وانْطَلَقَ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَعْمُولَةً لِلْمُقَدَّرِ أوْ لِلْمَذْكُورِ أيْ: بِأنِ امْشُوا. وقِيلَ: المُرادُ بِالِانْطِلاقِ: الِانْدِفاعُ في القَوْلِ، وامْشُوا مِن مَشَتِ المَرْأةُ إذا كَثُرَتْ وِلادَتُها أيِ: اجْتَمَعُوا وأكْثَرُوا، وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وخِلافُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِانْطِلاقُ والمَشْيُ بِحَقِيقَتِهِما، وخِلافُ ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ أيْ: يُرِيدُهُ مُحَمَّدٌ بِنا وبِآلِهَتِنا، ويَوَدُّ تَمامَهُ لِيَعْلُوَ عَلَيْنا، وتَكُونَ لَهُ أتْباعًا فَيَتَحَكَّمُ فِينا بِما يُرِيدُ، فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ خارِجًا مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ مِنهُ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا الأمْرَ يُرِيدُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وما أرادَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، فاصْبِرُوا عَلى عِبادَةِ آلِهَتِكم. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ: يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم وتُغْلَبُوا عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: ما سَمِعْنا بِهَذا الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ في المِلَّةِ الآخِرَةِ. وهِيَ مِلَّةُ النَّصْرانِيَّةِ فَإنَّها آخِرُ المِلَلِ قَبْلَ مِلَّةِ الإسْلامِ، كَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنُونَ مِلَّةَ قُرَيْشٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى ما سَمِعْنا: أنَّ هَذا يَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ. وقِيلَ: المَعْنى: ما سَمِعْنا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ أيْ: ما هَذا إلّا كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ وافْتَراهُ. ثُمَّ اسْتَنْكَرُوا أنْ يَخُصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِمَزِيَّةِ النُّبُوَّةِ دُونَهم فَقالُوا: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ونَحْنُ الرُّؤَساءُ والأشْرافُ. قالَ الزَّجّاجُ: قالُوا كَيْفَ أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ القُرْآنُ مِن بَيْنِنا ونَحْنُ أكْبَرُ سِنًّا وأعْظَمُ شَرَفًا مِنهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَأنْكَرُوا أنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِما شاءَ. ولَمّا ذَكَرَ اسْتِنْكارَهم لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَهم بَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ تَرَكُوا تَصْدِيقَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ أوِ الوَحْيِ لِإعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ المُوجِبِ لِتَصْدِيقِهِ وإهْمالِهِمْ لِلْأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ حَقٌّ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أيْ: بَلِ السَّبَبُ أنَّهم لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي فاغْتَرُّوا بِطُولِ المُهْلَةِ، ولَوْ ذاقُوا عَذابِي عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والشَّكِّ لَصَدَّقُوا ما جِئْتَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ. ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ أيْ: مَفاتِيحُ نِعَمِ رَبِّكَ وهي النُّبُوَّةُ وما هو دُونَها مِنَ النِّعَمِ حَتّى يُعْطُوها مَن شاءُوا، فَما لَهم ولِإنْكارِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلى هَذا النَّبِيِّ واخْتارَهُ لَهُ واصْطَفاهُ لِرِسالَتِهِ. والمَعْنى: بَلْ أعِنْدَهم، لِأنَّ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ. والوَهّابُ: المُعْطِي بِغَيْرِ حِسابٍ. ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَلْ ألَهم مُلْكُ هَذِهِ الأشْياءِ حَتّى يُعْطُوا مَن شاءُوا ويَمْنَعُوا مَن شاءُوا، ويَعْتَرِضُوا عَلى إعْطاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ لِمَن شاءَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْ كانَ لَهم ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا في الأسْبابِ الَّتِي تُوصِلُهم إلى السَّماءِ وإلى العَرْشِ حَتّى يَحْكُمُوا بِما يُرِيدُونَ مِن عَطاءٍ ومَنعٍ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ بِما يَشْتَهُونَ، أوْ فَلْيَصْعَدُوا، ولِيَمْنَعُوا المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والأسْبابُ: أبْوابُ السَّماواتِ الَّتِي تَنْزِلُ المَلائِكَةُ مِنها. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الأسْبابُ أدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وأشَدُّ مِنَ الحَدِيدِ ولَكِنْ لا تُرى. وقالَ السُّدِّيُّ ﴿فِي الأسْبابِ﴾ في الفَضْلِ والدِّينِ. وقِيلَ: فَلْيَعْمَلُوا في أسْبابِ القُوَّةِ إنْ ظَنُّوا أنَّها مانِعَةٌ وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: الأسْبابُ الحِبالُ: يَعْنِي إنْ وجَدُوا حِبالًا يَصْعَدُونَ فِيها إلى السَّماءِ فَعَلُوا، والأسْبابُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ كُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَطْلُوبِ كائِنًا ما كانَ. وفي هَذا الكَلامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَعْجِيزٌ لَهم. ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ، و( جُنْدٌ ) مُرْتَفَعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هم جُنْدٌ، يَعْنِي الكُفّارَ ( مَهْزُومٌ ) مَكْسُورٌ عَمّا قَرِيبٍ، فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَظُنَّ أنَّهم يَصِلُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُضْمِرُونَهُ بِكَ مِنَ الكَيْدِ، و( ما ) في قَوْلِهِ: ما هُنالِكَ هي صِفَةٌ لِ ( جُنْدٌ ) لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ والتَّحْقِيرِ أيْ: جُنْدٌ أيُّ جُنْدٍ. وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، يُقالُ: هَزَمْتَ الجَيْشَ كَسَرْتَهُ، وتَهَزَّمَتِ القَرْيَةُ: إذا تَكَسَّرَتْ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ وهم جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومُونَ، فَلا تَحْزَنْ لِعِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ، فَإنِّي أسْلُبُ عِزَّهم وأهْزِمُ جَمْعَهم، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ في بَدْرٍ وفِيما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: سُئِلَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ عَنْ ﴿ص﴾ فَقالَ: لا نَدْرِي ما هو. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ص مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قالَ: ذِي الشَّرَفِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ التَّمِيمِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ: لَيْسَ بِحِينِ نَزْوٍ ولا فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نادَوُا النِّداءَ حِينَ يَنْفَعُهم، وأنْشَدَ: ؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى لاتَ حِينَ تَذَكُّرِ ∗∗∗ وقَدْ بِنْتُ مِنها والمَناصُ بِعِيدُ وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَيْسَ هَذا حِينَ زَوالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لا حِينَ فِرارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-١٢٥٨)قَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ انْطَلَقَ أشْرافُ قُرَيْشٍ إلى أبِي طالِبٍ فَكَلَّمُوهُ في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ قالَ: أبُو جَهْلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قالَ: النَّصْرانِيَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ قالَ: في السَّماءِ.

ص 38:12

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَ أمْثالَهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهم وعَمِلَ عَمَلَهم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ بِها النّاسَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ إذا غَضِبَ عَلى أحَدٍ وتَدَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ ورَأْسَهُ عَلى الأرْضِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ: الجُمُوعُ والجُنُودُ الكَثِيرَةُ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يُقَوُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ سُلْطانَهُ كَما تُقَوِّي الأوْتادُ ما ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تَقُولُ هم في عِزٍّ ثابِتِ الأوْتادِ، ومُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ، يُرِيدُونَ مُلْكًا دائِمًا شَدِيدًا، وأصْلُ هَذا أنَّ البَيْتَ مِن بُيُوتِ الشِّعْرِ إنَّما يُثَبَّتُ ويُقَوَّمُ بِالأوْتادِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ هُنا البِناءُ المُحْكَمُ أيْ: وفِرْعَوْنُ ذُو الأبْنِيَةِ المُحْكَمَةِ. قالَ الضَّحّاكُ: والبُنْيانُ يُسَمّى أوْتادًا، والأوْتادُ جَمْعُ وتِدٍ أفْصَحُها فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ التّاءِ، ويُقالُ: وتَدٌ بِفَتْحِها ووَدٌّ بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ ووَدَتٌ. قالَ الأصْمَعِيُّ ويُقالُ: وتِدٌ واتِدٌ مِثْلُ شُغْلٍ شاغِلٍ وأنْشَدَ: ؎لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفُها المَواعِدا ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها واخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَتِها في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ومَعْنى ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ هو الرَّجُلُ. وقُرَيْشٌ وإنْ كانُوا حِزْبًا كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ هم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا، وأقْوى أبْدانًا، وأوْسَعُ أمْوالًا وأعْمارًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا، والمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ وعادٌ كَذا قالَ أبُو البَقاءِ وهو ضَعِيفٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ عادٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، والأوْلى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلًا مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ. ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ( إنْ ) هي النّافِيَةُ، والمَعْنى: ما كَلُّ حِزْبٍ مِن هَذِهِ الأحْزابِ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ تَكْذِيبَ الحِزْبِ لِرَسُولِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ أوْ هو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، والمُرادُ تَكْذِيبُ كُلِّ حِزْبٍ لِرَسُولِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: كُلُّ أحَدٍ مِنَ الأحْزابِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ عِقابِي بِتَكْذِيبِهِمْ، ومَعْنى حَقَّ: ثَبَتَ ووَجَبَ، وإنْ تَأخَّرَ فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. قَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في ( عِقابِ ) وحَذَفَها الباقُونَ مُطابَقَةً لِرُءُوسِ الآيِ. ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً، وهي النَّفْخَةُ الكائِنَةُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ. وقِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وعَلى الأوَّلِ المُرادُ مَن عاصَرَ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الكُفّارِ، وعَلى الثّانِي المُرادُ كُفّارُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ أيْ: لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ حُلُولِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن عَذابِ النّارِ إلّا أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ عَذابٌ يَفْجَؤُهم في الدُّنْيا كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ وجُمْلَةُ ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِ: ( صَيْحَةً ) . قالَ الزَّجّاجُ: فَواقٍ وفُواقٍ بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّها أيْ: ما لَها مِن رُجُوعٍ، والفَواقُ ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وأفاقَ مِن مَرَضِهِ أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنَّ الفَواقَ الرُّجُوعُ. وقالَ قَتادَةُ ما لَها مِن مَثْنَوِيَّةٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَها مِن إفاقَةٍ، وقِيلَ: ما لَها مِن مَرَدٍّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: ما لَها مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ وإفاقَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ هي مِيعادُ عَذابِهِمْ، فَإذا جاءَتْ لَمْ تَرْجِعْ ولا تُرَدُّ عَنْهم ولا تُصْرَفُ مِنهم ولا تَتَوَقَّفُ مِقْدارَ فَواقِ ناقَةٍ، وهي ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎حَتّى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا والفِيقَةُ اسْمُ اللَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وجَمْعُها فِيقٌ وأفْواقٌ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ما لَها مِن فَواقٍ " بِضَمِّ الفاءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها. قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الفَواقُ بِفَتْحِ الفاءِ الرّاحَةُ أيْ: لا يُفِيقُونَ فِيها كَما يُفِيقُ المَرِيضُ والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، وبِالضَّمِّ الِانْتِظارُ. ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ لَمّا سَمِعُوا ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، والقِطُّ في اللُّغَةِ النَّصِيبُ، مِنَ القَطِّ، وهو القَطْعُ، وبِهَذا قالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. قالَ الفَرّاءُ: القِطُّ في كَلامِ العَرَبِ الحَظُّ والنَّصِيبُ، (p-١٢٥٩)ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّكِّ قِطٌّ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: القِطُّ الكِتابُ بِالجَوائِزِ، والجَمْعُ القُطُوطُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ ومَعْنى يَأْفِقُ يُصْلِحُ، ومَعْنى الآيَةِ سُؤالُهم لِرَبِّهِمْ أنْ يُعَجِّلَ لَهم نَصِيبَهم وحَظَّهم مِنَ العَذابِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [ الحَجِّ: ٤٧، والعَنْكَبُوتِ: ٥٣ ] . وقالَ: السُّدِّيُّ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُمَثِّلَ لَهم مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما يُوعَدُونَ بِهِ وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: المَعْنى عَجِّلْ لَنا أرْزاقَنا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [ الحاقَّةِ: ١٩، والِانْشِقاقِ: ٧ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالَتْ قُرَيْشٌ: زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنّا نُؤْتى كِتابَنا بِشِمالِنا فَعَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَسْمَعُهُ مِن أقْوالِهِمْ فَقالَ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم مِن جُمْلَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ قُرُونِ الضَّلالَةِ، وأُمَمِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ عَلى ما يَسْمَعُهُ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وما بَعْدَها. ومَعْنى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ اذْكُرْ قِصَّتَهُ فَإنَّكَ تَجِدُ فِيها ما تَتَسَلّى بِهِ، والأيْدُ: القُوَّةُ ومِنهُ رَجُلٌ أيْدٌ أيْ: قَوِيٌّ، وتَأيَّدَ الشَّيْءُ: تَقَوّى والمُرادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى العِبادَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَتْ قُوَّةُ داوُدَ عَلى العِبادَةِ أتَمَّ قُوَّةٍ، ومِن قُوَّتِهِ ما أخْبَرَنا بِهِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وكانَ يُصَلِّي نِصْفَ اللَّيْلِ وكانَ لا يَفِرُّ إذا لاقى العَدُوَّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذا الأيْدِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إلى ما يُحِبُّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ قَوِيًّا في دِينِهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ كُلَّما ذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغْفَرَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، وهَذا داخِلٌ تَحْتَ المَعْنى الأوَّلِ، يُقالُ: آبَ يَئُوبُ: إذا رَجَعَ. ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - ويُنَزِّهْنَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. وجُمْلَةُ يُسَبِّحْنَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي هَذا بَيانُ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ البُرْهانِ والمُعْجِزَةِ، وهو تَسْبِيحُ الجِبالِ مَعَهُ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ إذا ذَكَرَ اللَّهَ ذَكَرَتِ الجِبالُ مَعَهُ، وكانَ يَفْقَهُ تَسْبِيحَ الجِبالِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أُوتِيَ داوُدُ مِن حُسْنِ الصَّوْتِ ما يَكُونُ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، فَهَذا مَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ، والأوَّلُ أوْلى. وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحْنَ يُصَلِّينَ، ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( سَخَّرْنا ) . ومَعْنى ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، يُقالُ: أشْرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا أضاءَتْ، وذَلِكَ وقْتَ الضُّحى. وأمّا شُرُوقُها فَطُلُوعُها. قالَ الزَّجّاجُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ: إذا أضاءَتْ. ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ، وانْتِصابُ ( مَحْشُورَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ تُسَبِّحُ اللَّهَ مَعَهُ. قِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها إلَيْهِ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها الرِّيحُ. ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ رَجّاعٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ، والضَّمِيرُ في ( لَهُ ) راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - . وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ ( داوُدَ ) أيْ: لِأجْلِ تَسْبِيحِ داوُدَ مُسَبِّحٌ، فَوَضَعَ ( أوّابٌ ) مَوْضِعَ مُسَبِّحٍ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأوّابَ: الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ وثَبَّتْناهُ بِالنَّصْرِ في المَواطِنِ عَلى أعْدائِهِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ مِنهُ في قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ: بِكَثْرَةِ الجُنُودِ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةُ والمَعْرِفَةُ بِكُلِّ ما يَحْكُمُ بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَهْمُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: العَدْلُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ. وقالَ شُرَيْحٌ: السُّنَّةُ. والمُرادُ بِـ ( فَصْلَ الخِطابِ ) الفَصْلُ في القَضاءِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ. وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الشُّهُودُ والإيمانُ لِأنَّها إنَّما تَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِهَذا. وقِيلَ: هو الإيجازُ بِجَعْلِ المَعْنى الكَثِيرِ في اللَّفْظِ القَلِيلِ. ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ لَمّا مَدَحَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ الواقِعَةِ لِما فِيها مِنَ الأخْبارِ العَجِيبَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: بَعَثَ اللَّهُ إلى داوُدَ مَلَكَيْنِ، جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ لِيُنَبِّهَهُ عَلى التَّوْبَةِ، فَأتَياهُ وهو في مِحْرابِهِ. قالَ النَّحّاسُ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بِالخَصْمِ هاهُنا المَلَكانِ، والخَصْمُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ. ومَعْنى ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أتَوْهُ مِن أعْلى سُورِهِ ونَزَلُوا إلَيْهِ، والسُّورُ: الحائِطُ المُرْتَفِعُ، وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ في ( تَسَوَّرُوا ) مَعَ كَوْنِهِمُ اثْنَيْنِ نَظَرًا إلى ما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الخَصْمِ مِنَ الجَمْعِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وخَصْمٍ غِضابٍ قَدْ نَفَضْتُ لِحاهُمُ ∗∗∗ كَنَفْضِ البَراذِينِ العِرابِ المَخالِيا والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ، لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ وهو فِيها، كَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ صَدْرُ المَجْلِسِ ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ. وقِيلَ: إنَّهُما كانا إنْسِيَّيْنِ ولَمْ يَكُونا مَلَكَيْنِ. والعامِلُ في ( إذْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ النَّبَأُ أيْ: هَلْ أتاكَ الخَبَرُ الواقِعُ في وقْتِ تَسَوُّرِهِمْ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ( أتاكَ ) . وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِلْخَصْمِ. وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: وهَلْ أتاكَ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ. وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِ: ( تَسَوَّرُوا ) . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقالَ الفَرّاءُ إنْ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِمَعْنى لَمّا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُما أتَياهُ لَيْلًا في غَيْرِ وقْتِ دُخُولِ الخُصُومِ ودَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ النّاسُ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وكانَ مِحْرابُ داوُدَ مِنَ الِامْتِناعِ بِالِارْتِفاعِ بِحَيْثُ لا يَرْتَقِي إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ، وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِداوُدَ لَمّا فَزِعَ مِنهم، وارْتِفاعُ خَصْمانِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَحْنُ خَصْمانِ، وجاءَ فِيما سَبَقَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهُنا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لَفْظَ الخَصْمِ يَحْتَمِلُ المُفْرَدَ والمُثَنّى والمَجْمُوعَ، فالكُلُّ جائِزٌ. قالَ الخَلِيلُ: هو كَما تَقُولُ: نَحْنُ فَعَلْنا كَذا: إذا كُنْتُما اثْنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (p-١٢٦٠)جَمَعَ لَمّا كانَ خَبَرًا فَلَمّا انْقَضى الخَبَرُ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ أخْبَرَ الِاثْنانِ عَنْ أنْفُسِهِما فَقالا: خَصْمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وعَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يَبْغِيانِ. ثُمَّ طَلَبا مِنهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالحَقِّ ونَهَياهُ عَنِ الجَوْرِ فَقالا: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في حُكْمِكَ، يُقالُ: شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ شَطَطًا وإشْطاطًا: إذا جارَ في حُكْمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: شَطَطْتُ عَلَيْهِ وأشْطَطْتُ أيْ: جُرْتُ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ لا تُسْرِفْ، وقِيلَ: لا تُفَرِّطْ، وقِيلَ: لا تَمِلْ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والأصْلُ فِيهِ البُعْدُ، مِن شَطَّتِ الدّارُ: إذا بَعُدَتْ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الشَّطَطُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلِّ شَيْءٍ. ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ سَواءُ الصِّراطِ: وسَطُهُ. والمَعْنى: أرْشِدْنا إلى الحَقِّ واحْمِلْنا عَلَيْهِ. ثُمَّ لَمّا أخْبَراهُ عَنِ الخُصُومَةِ إجْمالًا شَرَعا في تَفْصِيلِهِما، وشَرْحِها، فَقالا: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ المُرادُ بِالأُخُوَّةِ هُنا: أُخُوَّةُ الدِّينِ أوِ الصُّحْبَةُ، والنَّعْجَةُ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُقالُ: لِبَقْرِ الوَحْشِ نَعْجَةٌ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النَّعْجَةُ البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ، والعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ المَرْأةِ بِها، وتُشَبِّهُ النِّساءَ بِالنِّعاجِ مِنَ البَقَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِها. قالَ النَّحّاسُ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما عَنى بِـ " هَذا " داوُدَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وعَنى بِقَوْلِهِ: ( ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) [ أُورِيا ] زَوْجَ المَرْأةِ الَّتِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها داوُدُ كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: ضُمَّها إلَيَّ وانْزِلْ لِي عَنْها حَتّى أكْفُلَها وأصِيرَ بَعْلًا لَها. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي ونَصِيبِي ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، يُقالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ عِزًّا: إذا غَلَبَهُ. وفِي المَثَلِ: " مَن عَزَّ بَزَّ " أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ والِاسْمُ العِزَّةُ: وهي القُوَّةُ. قالَ عَطاءٌ: المَعْنى إنْ تَكَلَّمَ كانَ أفْصَحَ مِنِّي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " وعازَّنِي في الخِطابِ " أيْ: غالَبَنِي مِنَ المُعازَّةِ وهي المُغالَبَةُ. ﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: بِسُؤالِهِ نَعْجَتِكَ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقُولُ، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهي وما بَعْدَها جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُقَدَّرِ، وجاءَ بِالقَسَمِ في كَلامِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ ما يَسْمَعُهُ مِن طَلَبِ صاحِبِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ النَّعْجَةَ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ النَّعْجَةَ الواحِدَةَ الَّتِي مَعَ صاحِبِهِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُها. ويُمْكِنُ أنَّهُ إنَّما قالَ بِهَذا بَعْدَ أنْ سَمِعَ الِاعْتِرافَ مِنَ الآخَرِ. قالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ خَطِيئَةَ داوُدَ هي قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَثَبَّتَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وهُمُ الشُّرَكاءُ واحِدُهم خَلِيطٌ: وهو المُخالِطُ في المالِ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَعَدّى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَظْلِمُهُ غَيْرَ مُراعٍ لِحَقِّهِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ ذَلِكَ، ولا يَظْلِمُونَ خَلِيطًا ولا غَيْرَهُ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وقَلِيلٌ هم، و( ما ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّعْجِيبِ. وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ، و( هم ) مُبْتَدَأٌ، و( قَلِيلٌ ) خَبَرُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . قالَ أبُو عَمْرٍو والفَرّاءُ: ( ظَنَّ ) يَعْنِي أيْقَنَ. ومَعْنى فَتَنّاهُ ابْتَلَيْناهُ، والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ أنْ تَخاصَما إلَيْهِ وقالَ ما قالَ عَلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُرادُ، وأنَّ مَقْصُودَهُما التَّعْرِيضُ بِهِ وبِصاحِبِهِ الَّذِي أرادَ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا قَضى بَيْنَهُما داوُدُ نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ داوُدُ بِما أرادَهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَنّاهُ بِالتَّخْفِيفِ لِلتّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ بِالتَّشْدِيدِ لِلتّاءِ والنُّونِ، وهي مُبالَغَةٌ في الفِتْنَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ " افْتَنّاهُ " وقَرَأ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَتَناهُ " بِتَخْفِيفِهِما وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكَيْنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) لِذَنْبِهِ ( وخَرَّ راكِعًا ) أيْ ساجِدًا، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ المُرادَ بِالرُّكُوعِ هُنا السُّجُودُ، فَإنَّ السُّجُودَ هو المَيْلُ، والرُّكُوعُ هو الِانْحِناءُ وأحَدُهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِهَيْئَةٍ. ثُمَّ جاءَ في هَذا عَلى تَسْمِيَةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ. وقِيلَ: المَعْنى لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ: مُصَلِّيًا. وقِيلَ: بَلْ كانَ رُكُوعُهم سُجُودًا، وقِيلَ: بَلْ كانَ سُجُودُهم رُكُوعًا وأنابَ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَنْبِ داوُدَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ وتابَ عَنْهُ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهُ نَظَرَ إلى امْرَأةِ الرَّجُلِ الَّتِي أرادَ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، كَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَتَعَمَّدْ داوُدُ النَّظَرَ إلى المَرْأةِ لَكِنَّهُ عاوَدَ النَّظَرَ إلَيْها، وصارَتِ الأُولى لَهُ والثّانِيَةُ عَلَيْهِ. القَوْلُ الثّانِي أنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها في جُمْلَةِ الغُزاةِ. الثّالِثُ أنَّهُ نَوى إنْ ماتَ زَوْجُها أنْ يَتَزَوَّجَها. الرّابِعُ أنَّ أُورِيا كانَ خَطَبَ تِلْكَ المَرْأةَ فَلَمّا غابَ خَطَبَها داوُدُ فَزُوِّجَتْ مِنهُ لِجَلالَتِهِ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ أُورِيا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْها لِخاطِبِها. الخامِسُ أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلى قَتْلِ أُورِيا كَما كانَ يَجْزَعُ عَلى مَن هَلَكَ مِنَ الجُنْدِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأتَهُ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ ذُنُوبَ الأنْبِياءِ وإنْ صَغُرَتْ فَهي عَظِيمَةٌ. السّادِسُ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا. وأقُولُ الظّاهِرُ مِنَ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ المَلَكَيْنِ تَعْرِيضًا لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طَلَبَ مِن زَوْجِ المَرْأةِ الواحِدَةِ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْها ويَضُمَّها إلى نِسائِهِ، ولا يُنافِي هَذا العِصْمَةَ الكائِنَةَ لِلْأنْبِياءِ، فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وعَرَّضَ لَهُ بِإرْسالِ مَلائِكَتِهِ إلَيْهِ لِيَتَخاصَمُوا في مِثْلِ قِصَّتِهِ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ ويَتُوبَ مِنهُ فاسْتَغْفَرَ وتابَ. وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] وهو أبُو البَشَرِ وأوَّلُ الأنْبِياءِ، ووَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في كِتابِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ قَبِلَ اسْتِغْفارَهُ وتَوْبَتَهُ قالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنهُ. قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ داوُدَ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى نَبَتَ الرَّعْيُ حَوْلَ وجْهِهِ وغَمَرَ رَأْسَهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (p-١٢٦١)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ تامٌّ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلْفى: القُرْبَةُ والكَرامَةُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: الزُّلْفى الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِحُسْنِ المَآبِ: حُسْنُ المَرْجِعِ وهو الجَنَّةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قالَ: مِن رَجْعَةٍ. ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: سَألُوا اللَّهَ أنْ يُعَجِّلَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ذا الأيْدِ قالَ: القُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأوّابُ المُسَبِّحُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ " فَقالَ سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْهُ فَقالَ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» . وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّابُ المُوقِنُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْهُ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي وجْهَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ حَتّى رَأيْتُ النّاسَ يُصَلُّونَ الضُّحى. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ فَما أدْرِي ما هي ؟ حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى الضُّحى، ثُمَّ قالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ. والأحادِيثُ في صَلاةِ الضُّحى كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرْناها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَعْدى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ مِن عُظَمائِهِمْ فَقالَ: إنَّ هَذا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَألَ داوُدُ الرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَألَ الآخَرَ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما داوُدُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدى، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا ولَسْتُ أعْجَلُ حَتّى أتَثَبَّتَ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ في مَنامِهِ فَأُمِرَ أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ، فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، فَأرْسَلَ داوُدُ إلى الرَّجُلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، قالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا تَثَبُّتٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ فِيكَ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ ولَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ فَقُتِلَ فاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قالَ: أمّا بَعْدُ، داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سَمِعَ زِيادَ بْنَ أبِيهِ يَقُولُ: فَصْلُ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: أمّا بَعْدُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ داوُدَ حَدَّثَ نَفْسَهُ إذا ابْتُلِيَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّكَ سَتُبْتَلى وسَتَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ فَخُذْ حَذَرَكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ، فَأخَذَ الزَّبُورَ ودَخَلَ المِحْرابَ وأغْلَقَ بابَ المِحْرابِ وأخَذَ الزَّبُورَ في حِجْرِهِ، وأقْعَدَ مُنْصِفًا: يَعْنِي خادِمًا، عَلى البابِ وقالَ: لا تَأْذَنْ لِأحَدٍ عَلَيَّ اليَوْمَ، فَبَيْنَما هو يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جاءَ طائِرٌ مُذَهَّبٌ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ الطَّيْرُ، فِيهِ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فَجَعَلَ يَدُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَنا مِنهُ فَأمْكَنَ أنْ يَأْخُذَهُ، فَتَناوَلَهُ بِيَدِهِ لِيَأْخُذَهُ فاسْتَوْفَزَ مِن خَلْفِهِ، فَأطْبَقَ الزَّبُورَ وقامَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَطارَ فَوَقَعَ عَلى كُوَّةِ المِحْرابِ، فَدَنا مِنهُ لِيَأْخُذَهُ فَأفْضى فَوَقَعَ عَلى خُصٍّ فَأشْرَفَ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ أيْنَ وقَعَ ؟ فَإذا هو بِامْرَأةٍ عِنْدَ بِرْكَتِها تَغْتَسِلُ مِنَ الحَيْضِ، فَلَمّا رَأتْ ظِلَّهُ حَرَّكَتْ رَأْسَها، فَغَطَّتْ جَسَدَها أجْمَعَ بِشَعْرِها، وكانَ زَوْجُها غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى رَأْسِ الغُزاةِ: انْظُرْ أُورِيا فاجْعَلْهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ وكانَ حَمَلَةُ التّابُوتِ إمّا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ وإمّا أنْ يُقْتَلُوا، فَقَدَّمَهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ فَقُتِلَ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبَها داوُدُ، فاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ ولَدَتْ غُلامًا أنْ يَكُونَ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ، وأشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتابًا، فَما شَعَرَ بِفِتْنَتِهِ أنَّهُ افْتُتِنَ حَتّى ولَدَتْ سُلَيْمانَ، وشَبَّ فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ المَلَكانِ المِحْرابَ وكانَ شَأْنُهُما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ وخَرَّ داوُدُ ساجِدًا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتابَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: ما أصابَ داوُدَ بَعْدَما أصابَهُ بَعْدَ القَدَرِ إلّا مِن عُجْبٍ عَجِبَ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا وعابِدٌ مِن آلِ داوُدَ يَعْبُدُكَ يُصَلِّي لَكَ أوْ يُسَبِّحُ أوْ يُكَبِّرُ وذَكَرَ أشْياءَ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا داوُدُ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا بِي فَلَوْلا عَوْنِي ما قَوِيتَ عَلَيْهِ، وعِزَّتِي وجَلالِي لَأكِلَنَّكَ إلى نَفْسِكَ يَوْمًا، قالَ: يا رَبِّ فَأخْبِرْنِي بِهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ فَأصابَتْهُ الفِتْنَةُ ذَلِكَ اليَوْمَ. وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ. وأخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلَةً. وأخْرَجَها جَماعَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ قالَ: عَلى دِينِي. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ ﴿أكْفِلْنِيها﴾ . وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ الَّذِي هم فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالَ: اخْتَبَرْناهُ. (p-١٢٦٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في السُّجُودِ في ص لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص وقالَ: سَجَدَها داوُدُ، ونَسْجُدُها شُكْرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى المِنبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَهَيَّأ النّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقالَ: إنَّما هي تَوْبَةٌ ولَكِنِّي رَأيْتُكم تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ فَعَظَّمَ شَأْنَهُ وشِدَّتَهُ قالَ: ويَقُولُ الرَّحْمَنُ - عَزَّ وجَلَّ - لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ، فَيَقُولُ داوُدُ: يا رَبِّ، أخافُ أنْ تَدْحَضَنِي خَطِيئَتِي، فَيَقُولُ: خُذْ بِقَدَمِي، فَيَأْخُذُ بِقَدَمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيَمُرُّ، قالَ: فَتِلْكَ الزُّلْفى الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾» .

ص 38:13

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَ أمْثالَهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهم وعَمِلَ عَمَلَهم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ بِها النّاسَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ إذا غَضِبَ عَلى أحَدٍ وتَدَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ ورَأْسَهُ عَلى الأرْضِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ: الجُمُوعُ والجُنُودُ الكَثِيرَةُ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يُقَوُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ سُلْطانَهُ كَما تُقَوِّي الأوْتادُ ما ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تَقُولُ هم في عِزٍّ ثابِتِ الأوْتادِ، ومُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ، يُرِيدُونَ مُلْكًا دائِمًا شَدِيدًا، وأصْلُ هَذا أنَّ البَيْتَ مِن بُيُوتِ الشِّعْرِ إنَّما يُثَبَّتُ ويُقَوَّمُ بِالأوْتادِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ هُنا البِناءُ المُحْكَمُ أيْ: وفِرْعَوْنُ ذُو الأبْنِيَةِ المُحْكَمَةِ. قالَ الضَّحّاكُ: والبُنْيانُ يُسَمّى أوْتادًا، والأوْتادُ جَمْعُ وتِدٍ أفْصَحُها فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ التّاءِ، ويُقالُ: وتَدٌ بِفَتْحِها ووَدٌّ بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ ووَدَتٌ. قالَ الأصْمَعِيُّ ويُقالُ: وتِدٌ واتِدٌ مِثْلُ شُغْلٍ شاغِلٍ وأنْشَدَ: ؎لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفُها المَواعِدا ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها واخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَتِها في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ومَعْنى ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ هو الرَّجُلُ. وقُرَيْشٌ وإنْ كانُوا حِزْبًا كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ هم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا، وأقْوى أبْدانًا، وأوْسَعُ أمْوالًا وأعْمارًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا، والمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ وعادٌ كَذا قالَ أبُو البَقاءِ وهو ضَعِيفٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ عادٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، والأوْلى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلًا مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ. ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ( إنْ ) هي النّافِيَةُ، والمَعْنى: ما كَلُّ حِزْبٍ مِن هَذِهِ الأحْزابِ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ تَكْذِيبَ الحِزْبِ لِرَسُولِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ أوْ هو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، والمُرادُ تَكْذِيبُ كُلِّ حِزْبٍ لِرَسُولِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: كُلُّ أحَدٍ مِنَ الأحْزابِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ عِقابِي بِتَكْذِيبِهِمْ، ومَعْنى حَقَّ: ثَبَتَ ووَجَبَ، وإنْ تَأخَّرَ فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. قَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في ( عِقابِ ) وحَذَفَها الباقُونَ مُطابَقَةً لِرُءُوسِ الآيِ. ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً، وهي النَّفْخَةُ الكائِنَةُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ. وقِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وعَلى الأوَّلِ المُرادُ مَن عاصَرَ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الكُفّارِ، وعَلى الثّانِي المُرادُ كُفّارُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ أيْ: لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ حُلُولِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن عَذابِ النّارِ إلّا أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ عَذابٌ يَفْجَؤُهم في الدُّنْيا كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ وجُمْلَةُ ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِ: ( صَيْحَةً ) . قالَ الزَّجّاجُ: فَواقٍ وفُواقٍ بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّها أيْ: ما لَها مِن رُجُوعٍ، والفَواقُ ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وأفاقَ مِن مَرَضِهِ أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنَّ الفَواقَ الرُّجُوعُ. وقالَ قَتادَةُ ما لَها مِن مَثْنَوِيَّةٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَها مِن إفاقَةٍ، وقِيلَ: ما لَها مِن مَرَدٍّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: ما لَها مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ وإفاقَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ هي مِيعادُ عَذابِهِمْ، فَإذا جاءَتْ لَمْ تَرْجِعْ ولا تُرَدُّ عَنْهم ولا تُصْرَفُ مِنهم ولا تَتَوَقَّفُ مِقْدارَ فَواقِ ناقَةٍ، وهي ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎حَتّى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا والفِيقَةُ اسْمُ اللَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وجَمْعُها فِيقٌ وأفْواقٌ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ما لَها مِن فَواقٍ " بِضَمِّ الفاءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها. قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الفَواقُ بِفَتْحِ الفاءِ الرّاحَةُ أيْ: لا يُفِيقُونَ فِيها كَما يُفِيقُ المَرِيضُ والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، وبِالضَّمِّ الِانْتِظارُ. ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ لَمّا سَمِعُوا ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، والقِطُّ في اللُّغَةِ النَّصِيبُ، مِنَ القَطِّ، وهو القَطْعُ، وبِهَذا قالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. قالَ الفَرّاءُ: القِطُّ في كَلامِ العَرَبِ الحَظُّ والنَّصِيبُ، (p-١٢٥٩)ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّكِّ قِطٌّ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: القِطُّ الكِتابُ بِالجَوائِزِ، والجَمْعُ القُطُوطُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ ومَعْنى يَأْفِقُ يُصْلِحُ، ومَعْنى الآيَةِ سُؤالُهم لِرَبِّهِمْ أنْ يُعَجِّلَ لَهم نَصِيبَهم وحَظَّهم مِنَ العَذابِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [ الحَجِّ: ٤٧، والعَنْكَبُوتِ: ٥٣ ] . وقالَ: السُّدِّيُّ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُمَثِّلَ لَهم مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما يُوعَدُونَ بِهِ وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: المَعْنى عَجِّلْ لَنا أرْزاقَنا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [ الحاقَّةِ: ١٩، والِانْشِقاقِ: ٧ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالَتْ قُرَيْشٌ: زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنّا نُؤْتى كِتابَنا بِشِمالِنا فَعَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَسْمَعُهُ مِن أقْوالِهِمْ فَقالَ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم مِن جُمْلَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ قُرُونِ الضَّلالَةِ، وأُمَمِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ عَلى ما يَسْمَعُهُ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وما بَعْدَها. ومَعْنى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ اذْكُرْ قِصَّتَهُ فَإنَّكَ تَجِدُ فِيها ما تَتَسَلّى بِهِ، والأيْدُ: القُوَّةُ ومِنهُ رَجُلٌ أيْدٌ أيْ: قَوِيٌّ، وتَأيَّدَ الشَّيْءُ: تَقَوّى والمُرادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى العِبادَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَتْ قُوَّةُ داوُدَ عَلى العِبادَةِ أتَمَّ قُوَّةٍ، ومِن قُوَّتِهِ ما أخْبَرَنا بِهِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وكانَ يُصَلِّي نِصْفَ اللَّيْلِ وكانَ لا يَفِرُّ إذا لاقى العَدُوَّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذا الأيْدِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إلى ما يُحِبُّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ قَوِيًّا في دِينِهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ كُلَّما ذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغْفَرَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، وهَذا داخِلٌ تَحْتَ المَعْنى الأوَّلِ، يُقالُ: آبَ يَئُوبُ: إذا رَجَعَ. ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - ويُنَزِّهْنَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. وجُمْلَةُ يُسَبِّحْنَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي هَذا بَيانُ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ البُرْهانِ والمُعْجِزَةِ، وهو تَسْبِيحُ الجِبالِ مَعَهُ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ إذا ذَكَرَ اللَّهَ ذَكَرَتِ الجِبالُ مَعَهُ، وكانَ يَفْقَهُ تَسْبِيحَ الجِبالِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أُوتِيَ داوُدُ مِن حُسْنِ الصَّوْتِ ما يَكُونُ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، فَهَذا مَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ، والأوَّلُ أوْلى. وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحْنَ يُصَلِّينَ، ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( سَخَّرْنا ) . ومَعْنى ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، يُقالُ: أشْرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا أضاءَتْ، وذَلِكَ وقْتَ الضُّحى. وأمّا شُرُوقُها فَطُلُوعُها. قالَ الزَّجّاجُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ: إذا أضاءَتْ. ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ، وانْتِصابُ ( مَحْشُورَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ تُسَبِّحُ اللَّهَ مَعَهُ. قِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها إلَيْهِ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها الرِّيحُ. ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ رَجّاعٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ، والضَّمِيرُ في ( لَهُ ) راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - . وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ ( داوُدَ ) أيْ: لِأجْلِ تَسْبِيحِ داوُدَ مُسَبِّحٌ، فَوَضَعَ ( أوّابٌ ) مَوْضِعَ مُسَبِّحٍ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأوّابَ: الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ وثَبَّتْناهُ بِالنَّصْرِ في المَواطِنِ عَلى أعْدائِهِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ مِنهُ في قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ: بِكَثْرَةِ الجُنُودِ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةُ والمَعْرِفَةُ بِكُلِّ ما يَحْكُمُ بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَهْمُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: العَدْلُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ. وقالَ شُرَيْحٌ: السُّنَّةُ. والمُرادُ بِـ ( فَصْلَ الخِطابِ ) الفَصْلُ في القَضاءِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ. وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الشُّهُودُ والإيمانُ لِأنَّها إنَّما تَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِهَذا. وقِيلَ: هو الإيجازُ بِجَعْلِ المَعْنى الكَثِيرِ في اللَّفْظِ القَلِيلِ. ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ لَمّا مَدَحَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ الواقِعَةِ لِما فِيها مِنَ الأخْبارِ العَجِيبَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: بَعَثَ اللَّهُ إلى داوُدَ مَلَكَيْنِ، جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ لِيُنَبِّهَهُ عَلى التَّوْبَةِ، فَأتَياهُ وهو في مِحْرابِهِ. قالَ النَّحّاسُ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بِالخَصْمِ هاهُنا المَلَكانِ، والخَصْمُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ. ومَعْنى ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أتَوْهُ مِن أعْلى سُورِهِ ونَزَلُوا إلَيْهِ، والسُّورُ: الحائِطُ المُرْتَفِعُ، وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ في ( تَسَوَّرُوا ) مَعَ كَوْنِهِمُ اثْنَيْنِ نَظَرًا إلى ما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الخَصْمِ مِنَ الجَمْعِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وخَصْمٍ غِضابٍ قَدْ نَفَضْتُ لِحاهُمُ ∗∗∗ كَنَفْضِ البَراذِينِ العِرابِ المَخالِيا والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ، لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ وهو فِيها، كَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ صَدْرُ المَجْلِسِ ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ. وقِيلَ: إنَّهُما كانا إنْسِيَّيْنِ ولَمْ يَكُونا مَلَكَيْنِ. والعامِلُ في ( إذْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ النَّبَأُ أيْ: هَلْ أتاكَ الخَبَرُ الواقِعُ في وقْتِ تَسَوُّرِهِمْ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ( أتاكَ ) . وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِلْخَصْمِ. وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: وهَلْ أتاكَ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ. وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِ: ( تَسَوَّرُوا ) . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقالَ الفَرّاءُ إنْ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِمَعْنى لَمّا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُما أتَياهُ لَيْلًا في غَيْرِ وقْتِ دُخُولِ الخُصُومِ ودَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ النّاسُ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وكانَ مِحْرابُ داوُدَ مِنَ الِامْتِناعِ بِالِارْتِفاعِ بِحَيْثُ لا يَرْتَقِي إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ، وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِداوُدَ لَمّا فَزِعَ مِنهم، وارْتِفاعُ خَصْمانِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَحْنُ خَصْمانِ، وجاءَ فِيما سَبَقَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهُنا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لَفْظَ الخَصْمِ يَحْتَمِلُ المُفْرَدَ والمُثَنّى والمَجْمُوعَ، فالكُلُّ جائِزٌ. قالَ الخَلِيلُ: هو كَما تَقُولُ: نَحْنُ فَعَلْنا كَذا: إذا كُنْتُما اثْنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (p-١٢٦٠)جَمَعَ لَمّا كانَ خَبَرًا فَلَمّا انْقَضى الخَبَرُ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ أخْبَرَ الِاثْنانِ عَنْ أنْفُسِهِما فَقالا: خَصْمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وعَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يَبْغِيانِ. ثُمَّ طَلَبا مِنهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالحَقِّ ونَهَياهُ عَنِ الجَوْرِ فَقالا: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في حُكْمِكَ، يُقالُ: شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ شَطَطًا وإشْطاطًا: إذا جارَ في حُكْمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: شَطَطْتُ عَلَيْهِ وأشْطَطْتُ أيْ: جُرْتُ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ لا تُسْرِفْ، وقِيلَ: لا تُفَرِّطْ، وقِيلَ: لا تَمِلْ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والأصْلُ فِيهِ البُعْدُ، مِن شَطَّتِ الدّارُ: إذا بَعُدَتْ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الشَّطَطُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلِّ شَيْءٍ. ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ سَواءُ الصِّراطِ: وسَطُهُ. والمَعْنى: أرْشِدْنا إلى الحَقِّ واحْمِلْنا عَلَيْهِ. ثُمَّ لَمّا أخْبَراهُ عَنِ الخُصُومَةِ إجْمالًا شَرَعا في تَفْصِيلِهِما، وشَرْحِها، فَقالا: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ المُرادُ بِالأُخُوَّةِ هُنا: أُخُوَّةُ الدِّينِ أوِ الصُّحْبَةُ، والنَّعْجَةُ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُقالُ: لِبَقْرِ الوَحْشِ نَعْجَةٌ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النَّعْجَةُ البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ، والعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ المَرْأةِ بِها، وتُشَبِّهُ النِّساءَ بِالنِّعاجِ مِنَ البَقَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِها. قالَ النَّحّاسُ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما عَنى بِـ " هَذا " داوُدَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وعَنى بِقَوْلِهِ: ( ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) [ أُورِيا ] زَوْجَ المَرْأةِ الَّتِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها داوُدُ كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: ضُمَّها إلَيَّ وانْزِلْ لِي عَنْها حَتّى أكْفُلَها وأصِيرَ بَعْلًا لَها. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي ونَصِيبِي ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، يُقالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ عِزًّا: إذا غَلَبَهُ. وفِي المَثَلِ: " مَن عَزَّ بَزَّ " أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ والِاسْمُ العِزَّةُ: وهي القُوَّةُ. قالَ عَطاءٌ: المَعْنى إنْ تَكَلَّمَ كانَ أفْصَحَ مِنِّي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " وعازَّنِي في الخِطابِ " أيْ: غالَبَنِي مِنَ المُعازَّةِ وهي المُغالَبَةُ. ﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: بِسُؤالِهِ نَعْجَتِكَ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقُولُ، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهي وما بَعْدَها جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُقَدَّرِ، وجاءَ بِالقَسَمِ في كَلامِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ ما يَسْمَعُهُ مِن طَلَبِ صاحِبِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ النَّعْجَةَ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ النَّعْجَةَ الواحِدَةَ الَّتِي مَعَ صاحِبِهِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُها. ويُمْكِنُ أنَّهُ إنَّما قالَ بِهَذا بَعْدَ أنْ سَمِعَ الِاعْتِرافَ مِنَ الآخَرِ. قالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ خَطِيئَةَ داوُدَ هي قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَثَبَّتَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وهُمُ الشُّرَكاءُ واحِدُهم خَلِيطٌ: وهو المُخالِطُ في المالِ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَعَدّى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَظْلِمُهُ غَيْرَ مُراعٍ لِحَقِّهِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ ذَلِكَ، ولا يَظْلِمُونَ خَلِيطًا ولا غَيْرَهُ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وقَلِيلٌ هم، و( ما ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّعْجِيبِ. وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ، و( هم ) مُبْتَدَأٌ، و( قَلِيلٌ ) خَبَرُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . قالَ أبُو عَمْرٍو والفَرّاءُ: ( ظَنَّ ) يَعْنِي أيْقَنَ. ومَعْنى فَتَنّاهُ ابْتَلَيْناهُ، والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ أنْ تَخاصَما إلَيْهِ وقالَ ما قالَ عَلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُرادُ، وأنَّ مَقْصُودَهُما التَّعْرِيضُ بِهِ وبِصاحِبِهِ الَّذِي أرادَ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا قَضى بَيْنَهُما داوُدُ نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ داوُدُ بِما أرادَهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَنّاهُ بِالتَّخْفِيفِ لِلتّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ بِالتَّشْدِيدِ لِلتّاءِ والنُّونِ، وهي مُبالَغَةٌ في الفِتْنَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ " افْتَنّاهُ " وقَرَأ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَتَناهُ " بِتَخْفِيفِهِما وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكَيْنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) لِذَنْبِهِ ( وخَرَّ راكِعًا ) أيْ ساجِدًا، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ المُرادَ بِالرُّكُوعِ هُنا السُّجُودُ، فَإنَّ السُّجُودَ هو المَيْلُ، والرُّكُوعُ هو الِانْحِناءُ وأحَدُهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِهَيْئَةٍ. ثُمَّ جاءَ في هَذا عَلى تَسْمِيَةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ. وقِيلَ: المَعْنى لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ: مُصَلِّيًا. وقِيلَ: بَلْ كانَ رُكُوعُهم سُجُودًا، وقِيلَ: بَلْ كانَ سُجُودُهم رُكُوعًا وأنابَ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَنْبِ داوُدَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ وتابَ عَنْهُ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهُ نَظَرَ إلى امْرَأةِ الرَّجُلِ الَّتِي أرادَ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، كَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَتَعَمَّدْ داوُدُ النَّظَرَ إلى المَرْأةِ لَكِنَّهُ عاوَدَ النَّظَرَ إلَيْها، وصارَتِ الأُولى لَهُ والثّانِيَةُ عَلَيْهِ. القَوْلُ الثّانِي أنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها في جُمْلَةِ الغُزاةِ. الثّالِثُ أنَّهُ نَوى إنْ ماتَ زَوْجُها أنْ يَتَزَوَّجَها. الرّابِعُ أنَّ أُورِيا كانَ خَطَبَ تِلْكَ المَرْأةَ فَلَمّا غابَ خَطَبَها داوُدُ فَزُوِّجَتْ مِنهُ لِجَلالَتِهِ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ أُورِيا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْها لِخاطِبِها. الخامِسُ أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلى قَتْلِ أُورِيا كَما كانَ يَجْزَعُ عَلى مَن هَلَكَ مِنَ الجُنْدِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأتَهُ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ ذُنُوبَ الأنْبِياءِ وإنْ صَغُرَتْ فَهي عَظِيمَةٌ. السّادِسُ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا. وأقُولُ الظّاهِرُ مِنَ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ المَلَكَيْنِ تَعْرِيضًا لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طَلَبَ مِن زَوْجِ المَرْأةِ الواحِدَةِ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْها ويَضُمَّها إلى نِسائِهِ، ولا يُنافِي هَذا العِصْمَةَ الكائِنَةَ لِلْأنْبِياءِ، فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وعَرَّضَ لَهُ بِإرْسالِ مَلائِكَتِهِ إلَيْهِ لِيَتَخاصَمُوا في مِثْلِ قِصَّتِهِ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ ويَتُوبَ مِنهُ فاسْتَغْفَرَ وتابَ. وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] وهو أبُو البَشَرِ وأوَّلُ الأنْبِياءِ، ووَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في كِتابِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ قَبِلَ اسْتِغْفارَهُ وتَوْبَتَهُ قالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنهُ. قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ داوُدَ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى نَبَتَ الرَّعْيُ حَوْلَ وجْهِهِ وغَمَرَ رَأْسَهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (p-١٢٦١)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ تامٌّ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلْفى: القُرْبَةُ والكَرامَةُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: الزُّلْفى الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِحُسْنِ المَآبِ: حُسْنُ المَرْجِعِ وهو الجَنَّةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قالَ: مِن رَجْعَةٍ. ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: سَألُوا اللَّهَ أنْ يُعَجِّلَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ذا الأيْدِ قالَ: القُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأوّابُ المُسَبِّحُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ " فَقالَ سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْهُ فَقالَ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» . وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّابُ المُوقِنُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْهُ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي وجْهَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ حَتّى رَأيْتُ النّاسَ يُصَلُّونَ الضُّحى. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ فَما أدْرِي ما هي ؟ حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى الضُّحى، ثُمَّ قالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ. والأحادِيثُ في صَلاةِ الضُّحى كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرْناها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَعْدى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ مِن عُظَمائِهِمْ فَقالَ: إنَّ هَذا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَألَ داوُدُ الرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَألَ الآخَرَ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما داوُدُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدى، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا ولَسْتُ أعْجَلُ حَتّى أتَثَبَّتَ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ في مَنامِهِ فَأُمِرَ أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ، فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، فَأرْسَلَ داوُدُ إلى الرَّجُلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، قالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا تَثَبُّتٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ فِيكَ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ ولَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ فَقُتِلَ فاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قالَ: أمّا بَعْدُ، داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سَمِعَ زِيادَ بْنَ أبِيهِ يَقُولُ: فَصْلُ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: أمّا بَعْدُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ داوُدَ حَدَّثَ نَفْسَهُ إذا ابْتُلِيَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّكَ سَتُبْتَلى وسَتَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ فَخُذْ حَذَرَكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ، فَأخَذَ الزَّبُورَ ودَخَلَ المِحْرابَ وأغْلَقَ بابَ المِحْرابِ وأخَذَ الزَّبُورَ في حِجْرِهِ، وأقْعَدَ مُنْصِفًا: يَعْنِي خادِمًا، عَلى البابِ وقالَ: لا تَأْذَنْ لِأحَدٍ عَلَيَّ اليَوْمَ، فَبَيْنَما هو يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جاءَ طائِرٌ مُذَهَّبٌ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ الطَّيْرُ، فِيهِ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فَجَعَلَ يَدُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَنا مِنهُ فَأمْكَنَ أنْ يَأْخُذَهُ، فَتَناوَلَهُ بِيَدِهِ لِيَأْخُذَهُ فاسْتَوْفَزَ مِن خَلْفِهِ، فَأطْبَقَ الزَّبُورَ وقامَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَطارَ فَوَقَعَ عَلى كُوَّةِ المِحْرابِ، فَدَنا مِنهُ لِيَأْخُذَهُ فَأفْضى فَوَقَعَ عَلى خُصٍّ فَأشْرَفَ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ أيْنَ وقَعَ ؟ فَإذا هو بِامْرَأةٍ عِنْدَ بِرْكَتِها تَغْتَسِلُ مِنَ الحَيْضِ، فَلَمّا رَأتْ ظِلَّهُ حَرَّكَتْ رَأْسَها، فَغَطَّتْ جَسَدَها أجْمَعَ بِشَعْرِها، وكانَ زَوْجُها غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى رَأْسِ الغُزاةِ: انْظُرْ أُورِيا فاجْعَلْهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ وكانَ حَمَلَةُ التّابُوتِ إمّا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ وإمّا أنْ يُقْتَلُوا، فَقَدَّمَهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ فَقُتِلَ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبَها داوُدُ، فاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ ولَدَتْ غُلامًا أنْ يَكُونَ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ، وأشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتابًا، فَما شَعَرَ بِفِتْنَتِهِ أنَّهُ افْتُتِنَ حَتّى ولَدَتْ سُلَيْمانَ، وشَبَّ فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ المَلَكانِ المِحْرابَ وكانَ شَأْنُهُما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ وخَرَّ داوُدُ ساجِدًا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتابَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: ما أصابَ داوُدَ بَعْدَما أصابَهُ بَعْدَ القَدَرِ إلّا مِن عُجْبٍ عَجِبَ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا وعابِدٌ مِن آلِ داوُدَ يَعْبُدُكَ يُصَلِّي لَكَ أوْ يُسَبِّحُ أوْ يُكَبِّرُ وذَكَرَ أشْياءَ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا داوُدُ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا بِي فَلَوْلا عَوْنِي ما قَوِيتَ عَلَيْهِ، وعِزَّتِي وجَلالِي لَأكِلَنَّكَ إلى نَفْسِكَ يَوْمًا، قالَ: يا رَبِّ فَأخْبِرْنِي بِهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ فَأصابَتْهُ الفِتْنَةُ ذَلِكَ اليَوْمَ. وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ. وأخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلَةً. وأخْرَجَها جَماعَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ قالَ: عَلى دِينِي. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ ﴿أكْفِلْنِيها﴾ . وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ الَّذِي هم فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالَ: اخْتَبَرْناهُ. (p-١٢٦٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في السُّجُودِ في ص لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص وقالَ: سَجَدَها داوُدُ، ونَسْجُدُها شُكْرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى المِنبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَهَيَّأ النّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقالَ: إنَّما هي تَوْبَةٌ ولَكِنِّي رَأيْتُكم تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ فَعَظَّمَ شَأْنَهُ وشِدَّتَهُ قالَ: ويَقُولُ الرَّحْمَنُ - عَزَّ وجَلَّ - لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ، فَيَقُولُ داوُدُ: يا رَبِّ، أخافُ أنْ تَدْحَضَنِي خَطِيئَتِي، فَيَقُولُ: خُذْ بِقَدَمِي، فَيَأْخُذُ بِقَدَمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيَمُرُّ، قالَ: فَتِلْكَ الزُّلْفى الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾» .

ص 38:14

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَ أمْثالَهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهم وعَمِلَ عَمَلَهم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ بِها النّاسَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ إذا غَضِبَ عَلى أحَدٍ وتَدَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ ورَأْسَهُ عَلى الأرْضِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ: الجُمُوعُ والجُنُودُ الكَثِيرَةُ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يُقَوُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ سُلْطانَهُ كَما تُقَوِّي الأوْتادُ ما ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تَقُولُ هم في عِزٍّ ثابِتِ الأوْتادِ، ومُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ، يُرِيدُونَ مُلْكًا دائِمًا شَدِيدًا، وأصْلُ هَذا أنَّ البَيْتَ مِن بُيُوتِ الشِّعْرِ إنَّما يُثَبَّتُ ويُقَوَّمُ بِالأوْتادِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ هُنا البِناءُ المُحْكَمُ أيْ: وفِرْعَوْنُ ذُو الأبْنِيَةِ المُحْكَمَةِ. قالَ الضَّحّاكُ: والبُنْيانُ يُسَمّى أوْتادًا، والأوْتادُ جَمْعُ وتِدٍ أفْصَحُها فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ التّاءِ، ويُقالُ: وتَدٌ بِفَتْحِها ووَدٌّ بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ ووَدَتٌ. قالَ الأصْمَعِيُّ ويُقالُ: وتِدٌ واتِدٌ مِثْلُ شُغْلٍ شاغِلٍ وأنْشَدَ: ؎لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفُها المَواعِدا ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها واخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَتِها في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ومَعْنى ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ هو الرَّجُلُ. وقُرَيْشٌ وإنْ كانُوا حِزْبًا كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ هم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا، وأقْوى أبْدانًا، وأوْسَعُ أمْوالًا وأعْمارًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا، والمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ وعادٌ كَذا قالَ أبُو البَقاءِ وهو ضَعِيفٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ عادٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، والأوْلى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلًا مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ. ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ( إنْ ) هي النّافِيَةُ، والمَعْنى: ما كَلُّ حِزْبٍ مِن هَذِهِ الأحْزابِ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ تَكْذِيبَ الحِزْبِ لِرَسُولِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ أوْ هو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، والمُرادُ تَكْذِيبُ كُلِّ حِزْبٍ لِرَسُولِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: كُلُّ أحَدٍ مِنَ الأحْزابِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ عِقابِي بِتَكْذِيبِهِمْ، ومَعْنى حَقَّ: ثَبَتَ ووَجَبَ، وإنْ تَأخَّرَ فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. قَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في ( عِقابِ ) وحَذَفَها الباقُونَ مُطابَقَةً لِرُءُوسِ الآيِ. ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً، وهي النَّفْخَةُ الكائِنَةُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ. وقِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وعَلى الأوَّلِ المُرادُ مَن عاصَرَ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الكُفّارِ، وعَلى الثّانِي المُرادُ كُفّارُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ أيْ: لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ حُلُولِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن عَذابِ النّارِ إلّا أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ عَذابٌ يَفْجَؤُهم في الدُّنْيا كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ وجُمْلَةُ ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِ: ( صَيْحَةً ) . قالَ الزَّجّاجُ: فَواقٍ وفُواقٍ بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّها أيْ: ما لَها مِن رُجُوعٍ، والفَواقُ ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وأفاقَ مِن مَرَضِهِ أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنَّ الفَواقَ الرُّجُوعُ. وقالَ قَتادَةُ ما لَها مِن مَثْنَوِيَّةٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَها مِن إفاقَةٍ، وقِيلَ: ما لَها مِن مَرَدٍّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: ما لَها مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ وإفاقَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ هي مِيعادُ عَذابِهِمْ، فَإذا جاءَتْ لَمْ تَرْجِعْ ولا تُرَدُّ عَنْهم ولا تُصْرَفُ مِنهم ولا تَتَوَقَّفُ مِقْدارَ فَواقِ ناقَةٍ، وهي ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎حَتّى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا والفِيقَةُ اسْمُ اللَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وجَمْعُها فِيقٌ وأفْواقٌ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ما لَها مِن فَواقٍ " بِضَمِّ الفاءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها. قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الفَواقُ بِفَتْحِ الفاءِ الرّاحَةُ أيْ: لا يُفِيقُونَ فِيها كَما يُفِيقُ المَرِيضُ والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، وبِالضَّمِّ الِانْتِظارُ. ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ لَمّا سَمِعُوا ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، والقِطُّ في اللُّغَةِ النَّصِيبُ، مِنَ القَطِّ، وهو القَطْعُ، وبِهَذا قالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. قالَ الفَرّاءُ: القِطُّ في كَلامِ العَرَبِ الحَظُّ والنَّصِيبُ، (p-١٢٥٩)ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّكِّ قِطٌّ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: القِطُّ الكِتابُ بِالجَوائِزِ، والجَمْعُ القُطُوطُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ ومَعْنى يَأْفِقُ يُصْلِحُ، ومَعْنى الآيَةِ سُؤالُهم لِرَبِّهِمْ أنْ يُعَجِّلَ لَهم نَصِيبَهم وحَظَّهم مِنَ العَذابِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [ الحَجِّ: ٤٧، والعَنْكَبُوتِ: ٥٣ ] . وقالَ: السُّدِّيُّ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُمَثِّلَ لَهم مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما يُوعَدُونَ بِهِ وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: المَعْنى عَجِّلْ لَنا أرْزاقَنا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ. وقالَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [ الحاقَّةِ: ١٩، والِانْشِقاقِ: ٧ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالَتْ قُرَيْشٌ: زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنّا نُؤْتى كِتابَنا بِشِمالِنا فَعَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَسْمَعُهُ مِن أقْوالِهِمْ فَقالَ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم مِن جُمْلَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ قُرُونِ الضَّلالَةِ، وأُمَمِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ عَلى ما يَسْمَعُهُ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وما بَعْدَها. ومَعْنى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ اذْكُرْ قِصَّتَهُ فَإنَّكَ تَجِدُ فِيها ما تَتَسَلّى بِهِ، والأيْدُ: القُوَّةُ ومِنهُ رَجُلٌ أيْدٌ أيْ: قَوِيٌّ، وتَأيَّدَ الشَّيْءُ: تَقَوّى والمُرادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى العِبادَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَتْ قُوَّةُ داوُدَ عَلى العِبادَةِ أتَمَّ قُوَّةٍ، ومِن قُوَّتِهِ ما أخْبَرَنا بِهِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وكانَ يُصَلِّي نِصْفَ اللَّيْلِ وكانَ لا يَفِرُّ إذا لاقى العَدُوَّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذا الأيْدِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إلى ما يُحِبُّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ قَوِيًّا في دِينِهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ كُلَّما ذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغْفَرَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، وهَذا داخِلٌ تَحْتَ المَعْنى الأوَّلِ، يُقالُ: آبَ يَئُوبُ: إذا رَجَعَ. ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - ويُنَزِّهْنَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. وجُمْلَةُ يُسَبِّحْنَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي هَذا بَيانُ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ البُرْهانِ والمُعْجِزَةِ، وهو تَسْبِيحُ الجِبالِ مَعَهُ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ إذا ذَكَرَ اللَّهَ ذَكَرَتِ الجِبالُ مَعَهُ، وكانَ يَفْقَهُ تَسْبِيحَ الجِبالِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أُوتِيَ داوُدُ مِن حُسْنِ الصَّوْتِ ما يَكُونُ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، فَهَذا مَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ، والأوَّلُ أوْلى. وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحْنَ يُصَلِّينَ، ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( سَخَّرْنا ) . ومَعْنى ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، يُقالُ: أشْرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا أضاءَتْ، وذَلِكَ وقْتَ الضُّحى. وأمّا شُرُوقُها فَطُلُوعُها. قالَ الزَّجّاجُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ: إذا أضاءَتْ. ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ، وانْتِصابُ ( مَحْشُورَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ تُسَبِّحُ اللَّهَ مَعَهُ. قِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها إلَيْهِ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها الرِّيحُ. ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ رَجّاعٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ، والضَّمِيرُ في ( لَهُ ) راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - . وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ ( داوُدَ ) أيْ: لِأجْلِ تَسْبِيحِ داوُدَ مُسَبِّحٌ، فَوَضَعَ ( أوّابٌ ) مَوْضِعَ مُسَبِّحٍ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأوّابَ: الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ وثَبَّتْناهُ بِالنَّصْرِ في المَواطِنِ عَلى أعْدائِهِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ مِنهُ في قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ: بِكَثْرَةِ الجُنُودِ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةُ والمَعْرِفَةُ بِكُلِّ ما يَحْكُمُ بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَهْمُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: العَدْلُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ. وقالَ شُرَيْحٌ: السُّنَّةُ. والمُرادُ بِـ ( فَصْلَ الخِطابِ ) الفَصْلُ في القَضاءِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ. وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الشُّهُودُ والإيمانُ لِأنَّها إنَّما تَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِهَذا. وقِيلَ: هو الإيجازُ بِجَعْلِ المَعْنى الكَثِيرِ في اللَّفْظِ القَلِيلِ. ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ لَمّا مَدَحَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ الواقِعَةِ لِما فِيها مِنَ الأخْبارِ العَجِيبَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: بَعَثَ اللَّهُ إلى داوُدَ مَلَكَيْنِ، جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ لِيُنَبِّهَهُ عَلى التَّوْبَةِ، فَأتَياهُ وهو في مِحْرابِهِ. قالَ النَّحّاسُ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بِالخَصْمِ هاهُنا المَلَكانِ، والخَصْمُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ. ومَعْنى ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أتَوْهُ مِن أعْلى سُورِهِ ونَزَلُوا إلَيْهِ، والسُّورُ: الحائِطُ المُرْتَفِعُ، وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ في ( تَسَوَّرُوا ) مَعَ كَوْنِهِمُ اثْنَيْنِ نَظَرًا إلى ما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الخَصْمِ مِنَ الجَمْعِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وخَصْمٍ غِضابٍ قَدْ نَفَضْتُ لِحاهُمُ ∗∗∗ كَنَفْضِ البَراذِينِ العِرابِ المَخالِيا والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ، لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ وهو فِيها، كَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ صَدْرُ المَجْلِسِ ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ. وقِيلَ: إنَّهُما كانا إنْسِيَّيْنِ ولَمْ يَكُونا مَلَكَيْنِ. والعامِلُ في ( إذْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ النَّبَأُ أيْ: هَلْ أتاكَ الخَبَرُ الواقِعُ في وقْتِ تَسَوُّرِهِمْ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ( أتاكَ ) . وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِلْخَصْمِ. وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: وهَلْ أتاكَ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ. وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِ: ( تَسَوَّرُوا ) . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقالَ الفَرّاءُ إنْ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِمَعْنى لَمّا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُما أتَياهُ لَيْلًا في غَيْرِ وقْتِ دُخُولِ الخُصُومِ ودَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ النّاسُ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وكانَ مِحْرابُ داوُدَ مِنَ الِامْتِناعِ بِالِارْتِفاعِ بِحَيْثُ لا يَرْتَقِي إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ، وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِداوُدَ لَمّا فَزِعَ مِنهم، وارْتِفاعُ خَصْمانِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَحْنُ خَصْمانِ، وجاءَ فِيما سَبَقَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهُنا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لَفْظَ الخَصْمِ يَحْتَمِلُ المُفْرَدَ والمُثَنّى والمَجْمُوعَ، فالكُلُّ جائِزٌ. قالَ الخَلِيلُ: هو كَما تَقُولُ: نَحْنُ فَعَلْنا كَذا: إذا كُنْتُما اثْنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (p-١٢٦٠)جَمَعَ لَمّا كانَ خَبَرًا فَلَمّا انْقَضى الخَبَرُ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ أخْبَرَ الِاثْنانِ عَنْ أنْفُسِهِما فَقالا: خَصْمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وعَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يَبْغِيانِ. ثُمَّ طَلَبا مِنهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالحَقِّ ونَهَياهُ عَنِ الجَوْرِ فَقالا: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في حُكْمِكَ، يُقالُ: شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ شَطَطًا وإشْطاطًا: إذا جارَ في حُكْمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: شَطَطْتُ عَلَيْهِ وأشْطَطْتُ أيْ: جُرْتُ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ لا تُسْرِفْ، وقِيلَ: لا تُفَرِّطْ، وقِيلَ: لا تَمِلْ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والأصْلُ فِيهِ البُعْدُ، مِن شَطَّتِ الدّارُ: إذا بَعُدَتْ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الشَّطَطُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلِّ شَيْءٍ. ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ سَواءُ الصِّراطِ: وسَطُهُ. والمَعْنى: أرْشِدْنا إلى الحَقِّ واحْمِلْنا عَلَيْهِ. ثُمَّ لَمّا أخْبَراهُ عَنِ الخُصُومَةِ إجْمالًا شَرَعا في تَفْصِيلِهِما، وشَرْحِها، فَقالا: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ المُرادُ بِالأُخُوَّةِ هُنا: أُخُوَّةُ الدِّينِ أوِ الصُّحْبَةُ، والنَّعْجَةُ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُقالُ: لِبَقْرِ الوَحْشِ نَعْجَةٌ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النَّعْجَةُ البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ، والعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ المَرْأةِ بِها، وتُشَبِّهُ النِّساءَ بِالنِّعاجِ مِنَ البَقَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِها. قالَ النَّحّاسُ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما عَنى بِـ " هَذا " داوُدَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وعَنى بِقَوْلِهِ: ( ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) [ أُورِيا ] زَوْجَ المَرْأةِ الَّتِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها داوُدُ كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: ضُمَّها إلَيَّ وانْزِلْ لِي عَنْها حَتّى أكْفُلَها وأصِيرَ بَعْلًا لَها. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي ونَصِيبِي ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، يُقالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ عِزًّا: إذا غَلَبَهُ. وفِي المَثَلِ: " مَن عَزَّ بَزَّ " أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ والِاسْمُ العِزَّةُ: وهي القُوَّةُ. قالَ عَطاءٌ: المَعْنى إنْ تَكَلَّمَ كانَ أفْصَحَ مِنِّي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " وعازَّنِي في الخِطابِ " أيْ: غالَبَنِي مِنَ المُعازَّةِ وهي المُغالَبَةُ. ﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: بِسُؤالِهِ نَعْجَتِكَ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقُولُ، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهي وما بَعْدَها جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُقَدَّرِ، وجاءَ بِالقَسَمِ في كَلامِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ ما يَسْمَعُهُ مِن طَلَبِ صاحِبِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ النَّعْجَةَ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ النَّعْجَةَ الواحِدَةَ الَّتِي مَعَ صاحِبِهِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُها. ويُمْكِنُ أنَّهُ إنَّما قالَ بِهَذا بَعْدَ أنْ سَمِعَ الِاعْتِرافَ مِنَ الآخَرِ. قالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ خَطِيئَةَ داوُدَ هي قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَثَبَّتَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وهُمُ الشُّرَكاءُ واحِدُهم خَلِيطٌ: وهو المُخالِطُ في المالِ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَعَدّى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَظْلِمُهُ غَيْرَ مُراعٍ لِحَقِّهِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ ذَلِكَ، ولا يَظْلِمُونَ خَلِيطًا ولا غَيْرَهُ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وقَلِيلٌ هم، و( ما ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّعْجِيبِ. وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ، و( هم ) مُبْتَدَأٌ، و( قَلِيلٌ ) خَبَرُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . قالَ أبُو عَمْرٍو والفَرّاءُ: ( ظَنَّ ) يَعْنِي أيْقَنَ. ومَعْنى فَتَنّاهُ ابْتَلَيْناهُ، والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ أنْ تَخاصَما إلَيْهِ وقالَ ما قالَ عَلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُرادُ، وأنَّ مَقْصُودَهُما التَّعْرِيضُ بِهِ وبِصاحِبِهِ الَّذِي أرادَ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا قَضى بَيْنَهُما داوُدُ نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ داوُدُ بِما أرادَهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَنّاهُ بِالتَّخْفِيفِ لِلتّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ بِالتَّشْدِيدِ لِلتّاءِ والنُّونِ، وهي مُبالَغَةٌ في الفِتْنَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ " افْتَنّاهُ " وقَرَأ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَتَناهُ " بِتَخْفِيفِهِما وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكَيْنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) لِذَنْبِهِ ( وخَرَّ راكِعًا ) أيْ ساجِدًا، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ المُرادَ بِالرُّكُوعِ هُنا السُّجُودُ، فَإنَّ السُّجُودَ هو المَيْلُ، والرُّكُوعُ هو الِانْحِناءُ وأحَدُهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِهَيْئَةٍ. ثُمَّ جاءَ في هَذا عَلى تَسْمِيَةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ. وقِيلَ: المَعْنى لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ: مُصَلِّيًا. وقِيلَ: بَلْ كانَ رُكُوعُهم سُجُودًا، وقِيلَ: بَلْ كانَ سُجُودُهم رُكُوعًا وأنابَ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَنْبِ داوُدَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ وتابَ عَنْهُ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهُ نَظَرَ إلى امْرَأةِ الرَّجُلِ الَّتِي أرادَ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، كَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَتَعَمَّدْ داوُدُ النَّظَرَ إلى المَرْأةِ لَكِنَّهُ عاوَدَ النَّظَرَ إلَيْها، وصارَتِ الأُولى لَهُ والثّانِيَةُ عَلَيْهِ. القَوْلُ الثّانِي أنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها في جُمْلَةِ الغُزاةِ. الثّالِثُ أنَّهُ نَوى إنْ ماتَ زَوْجُها أنْ يَتَزَوَّجَها. الرّابِعُ أنَّ أُورِيا كانَ خَطَبَ تِلْكَ المَرْأةَ فَلَمّا غابَ خَطَبَها داوُدُ فَزُوِّجَتْ مِنهُ لِجَلالَتِهِ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ أُورِيا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْها لِخاطِبِها. الخامِسُ أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلى قَتْلِ أُورِيا كَما كانَ يَجْزَعُ عَلى مَن هَلَكَ مِنَ الجُنْدِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأتَهُ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ ذُنُوبَ الأنْبِياءِ وإنْ صَغُرَتْ فَهي عَظِيمَةٌ. السّادِسُ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا. وأقُولُ الظّاهِرُ مِنَ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ المَلَكَيْنِ تَعْرِيضًا لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طَلَبَ مِن زَوْجِ المَرْأةِ الواحِدَةِ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْها ويَضُمَّها إلى نِسائِهِ، ولا يُنافِي هَذا العِصْمَةَ الكائِنَةَ لِلْأنْبِياءِ، فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وعَرَّضَ لَهُ بِإرْسالِ مَلائِكَتِهِ إلَيْهِ لِيَتَخاصَمُوا في مِثْلِ قِصَّتِهِ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ ويَتُوبَ مِنهُ فاسْتَغْفَرَ وتابَ. وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] وهو أبُو البَشَرِ وأوَّلُ الأنْبِياءِ، ووَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في كِتابِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ قَبِلَ اسْتِغْفارَهُ وتَوْبَتَهُ قالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنهُ. قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ داوُدَ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى نَبَتَ الرَّعْيُ حَوْلَ وجْهِهِ وغَمَرَ رَأْسَهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (p-١٢٦١)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ تامٌّ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلْفى: القُرْبَةُ والكَرامَةُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: الزُّلْفى الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِحُسْنِ المَآبِ: حُسْنُ المَرْجِعِ وهو الجَنَّةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قالَ: مِن رَجْعَةٍ. ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: سَألُوا اللَّهَ أنْ يُعَجِّلَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ذا الأيْدِ قالَ: القُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأوّابُ المُسَبِّحُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ " فَقالَ سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْهُ فَقالَ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» . وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّابُ المُوقِنُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْهُ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي وجْهَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ حَتّى رَأيْتُ النّاسَ يُصَلُّونَ الضُّحى. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ فَما أدْرِي ما هي ؟ حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى الضُّحى، ثُمَّ قالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ. والأحادِيثُ في صَلاةِ الضُّحى كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرْناها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَعْدى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ مِن عُظَمائِهِمْ فَقالَ: إنَّ هَذا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَألَ داوُدُ الرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَألَ الآخَرَ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما داوُدُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدى، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا ولَسْتُ أعْجَلُ حَتّى أتَثَبَّتَ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ في مَنامِهِ فَأُمِرَ أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ، فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، فَأرْسَلَ داوُدُ إلى الرَّجُلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، قالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا تَثَبُّتٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ فِيكَ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ ولَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ فَقُتِلَ فاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قالَ: أمّا بَعْدُ، داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سَمِعَ زِيادَ بْنَ أبِيهِ يَقُولُ: فَصْلُ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: أمّا بَعْدُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ داوُدَ حَدَّثَ نَفْسَهُ إذا ابْتُلِيَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّكَ سَتُبْتَلى وسَتَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ فَخُذْ حَذَرَكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ، فَأخَذَ الزَّبُورَ ودَخَلَ المِحْرابَ وأغْلَقَ بابَ المِحْرابِ وأخَذَ الزَّبُورَ في حِجْرِهِ، وأقْعَدَ مُنْصِفًا: يَعْنِي خادِمًا، عَلى البابِ وقالَ: لا تَأْذَنْ لِأحَدٍ عَلَيَّ اليَوْمَ، فَبَيْنَما هو يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جاءَ طائِرٌ مُذَهَّبٌ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ الطَّيْرُ، فِيهِ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فَجَعَلَ يَدُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَنا مِنهُ فَأمْكَنَ أنْ يَأْخُذَهُ، فَتَناوَلَهُ بِيَدِهِ لِيَأْخُذَهُ فاسْتَوْفَزَ مِن خَلْفِهِ، فَأطْبَقَ الزَّبُورَ وقامَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَطارَ فَوَقَعَ عَلى كُوَّةِ المِحْرابِ، فَدَنا مِنهُ لِيَأْخُذَهُ فَأفْضى فَوَقَعَ عَلى خُصٍّ فَأشْرَفَ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ أيْنَ وقَعَ ؟ فَإذا هو بِامْرَأةٍ عِنْدَ بِرْكَتِها تَغْتَسِلُ مِنَ الحَيْضِ، فَلَمّا رَأتْ ظِلَّهُ حَرَّكَتْ رَأْسَها، فَغَطَّتْ جَسَدَها أجْمَعَ بِشَعْرِها، وكانَ زَوْجُها غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى رَأْسِ الغُزاةِ: انْظُرْ أُورِيا فاجْعَلْهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ وكانَ حَمَلَةُ التّابُوتِ إمّا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ وإمّا أنْ يُقْتَلُوا، فَقَدَّمَهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ فَقُتِلَ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبَها داوُدُ، فاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ ولَدَتْ غُلامًا أنْ يَكُونَ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ، وأشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتابًا، فَما شَعَرَ بِفِتْنَتِهِ أنَّهُ افْتُتِنَ حَتّى ولَدَتْ سُلَيْمانَ، وشَبَّ فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ المَلَكانِ المِحْرابَ وكانَ شَأْنُهُما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ وخَرَّ داوُدُ ساجِدًا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتابَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: ما أصابَ داوُدَ بَعْدَما أصابَهُ بَعْدَ القَدَرِ إلّا مِن عُجْبٍ عَجِبَ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا وعابِدٌ مِن آلِ داوُدَ يَعْبُدُكَ يُصَلِّي لَكَ أوْ يُسَبِّحُ أوْ يُكَبِّرُ وذَكَرَ أشْياءَ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا داوُدُ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا بِي فَلَوْلا عَوْنِي ما قَوِيتَ عَلَيْهِ، وعِزَّتِي وجَلالِي لَأكِلَنَّكَ إلى نَفْسِكَ يَوْمًا، قالَ: يا رَبِّ فَأخْبِرْنِي بِهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ فَأصابَتْهُ الفِتْنَةُ ذَلِكَ اليَوْمَ. وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ. وأخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلَةً. وأخْرَجَها جَماعَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ قالَ: عَلى دِينِي. وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ ﴿أكْفِلْنِيها﴾ . وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ الَّذِي هم فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالَ: اخْتَبَرْناهُ. (p-١٢٦٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في السُّجُودِ في ص لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص وقالَ: سَجَدَها داوُدُ، ونَسْجُدُها شُكْرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى المِنبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَهَيَّأ النّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقالَ: إنَّما هي تَوْبَةٌ ولَكِنِّي رَأيْتُكم تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ فَعَظَّمَ شَأْنَهُ وشِدَّتَهُ قالَ: ويَقُولُ الرَّحْمَنُ - عَزَّ وجَلَّ - لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ، فَيَقُولُ داوُدُ: يا رَبِّ، أخافُ أنْ تَدْحَضَنِي خَطِيئَتِي، فَيَقُولُ: خُذْ بِقَدَمِي، فَيَأْخُذُ بِقَدَمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيَمُرُّ، قالَ: فَتِلْكَ الزُّلْفى الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾» .