Fath Al-Qadir Al-Shawkani — ص 38:15 – ص 38:34
المحتويات
ص 38:15
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَ أمْثالَهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهم وعَمِلَ عَمَلَهم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ بِها النّاسَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ إذا غَضِبَ عَلى أحَدٍ وتَدَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ ورَأْسَهُ عَلى الأرْضِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ: الجُمُوعُ والجُنُودُ الكَثِيرَةُ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يُقَوُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ سُلْطانَهُ كَما تُقَوِّي الأوْتادُ ما ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تَقُولُ هم في عِزٍّ ثابِتِ الأوْتادِ، ومُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ، يُرِيدُونَ مُلْكًا دائِمًا شَدِيدًا، وأصْلُ هَذا أنَّ البَيْتَ مِن بُيُوتِ الشِّعْرِ إنَّما يُثَبَّتُ ويُقَوَّمُ بِالأوْتادِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ هُنا البِناءُ المُحْكَمُ أيْ: وفِرْعَوْنُ ذُو الأبْنِيَةِ المُحْكَمَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والبُنْيانُ يُسَمّى أوْتادًا، والأوْتادُ جَمْعُ وتِدٍ أفْصَحُها فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ التّاءِ، ويُقالُ: وتَدٌ بِفَتْحِها ووَدٌّ بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ ووَدَتٌ.
قالَ الأصْمَعِيُّ ويُقالُ: وتِدٌ واتِدٌ مِثْلُ شُغْلٍ شاغِلٍ وأنْشَدَ:
؎لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفُها المَواعِدا
﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها واخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَتِها في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ومَعْنى ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ هو الرَّجُلُ.
وقُرَيْشٌ وإنْ كانُوا حِزْبًا كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ هم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا، وأقْوى أبْدانًا، وأوْسَعُ أمْوالًا وأعْمارًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا، والمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ وعادٌ كَذا قالَ أبُو البَقاءِ وهو ضَعِيفٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ عادٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، والأوْلى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلًا مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ( إنْ ) هي النّافِيَةُ، والمَعْنى: ما كَلُّ حِزْبٍ مِن هَذِهِ الأحْزابِ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ تَكْذِيبَ الحِزْبِ لِرَسُولِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ أوْ هو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، والمُرادُ تَكْذِيبُ كُلِّ حِزْبٍ لِرَسُولِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: كُلُّ أحَدٍ مِنَ الأحْزابِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ عِقابِي بِتَكْذِيبِهِمْ، ومَعْنى حَقَّ: ثَبَتَ ووَجَبَ، وإنْ تَأخَّرَ فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
قَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في ( عِقابِ ) وحَذَفَها الباقُونَ مُطابَقَةً لِرُءُوسِ الآيِ.
﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً، وهي النَّفْخَةُ الكائِنَةُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وعَلى الأوَّلِ المُرادُ مَن عاصَرَ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الكُفّارِ، وعَلى الثّانِي المُرادُ كُفّارُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ أيْ: لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ حُلُولِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن عَذابِ النّارِ إلّا أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ عَذابٌ يَفْجَؤُهم في الدُّنْيا كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
وجُمْلَةُ ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِ: ( صَيْحَةً ) . قالَ الزَّجّاجُ: فَواقٍ وفُواقٍ بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّها أيْ: ما لَها مِن رُجُوعٍ، والفَواقُ ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وأفاقَ مِن مَرَضِهِ أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنَّ الفَواقَ الرُّجُوعُ.
وقالَ قَتادَةُ ما لَها مِن مَثْنَوِيَّةٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَها مِن إفاقَةٍ، وقِيلَ: ما لَها مِن مَرَدٍّ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ما لَها مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ وإفاقَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ هي مِيعادُ عَذابِهِمْ، فَإذا جاءَتْ لَمْ تَرْجِعْ ولا تُرَدُّ عَنْهم ولا تُصْرَفُ مِنهم ولا تَتَوَقَّفُ مِقْدارَ فَواقِ ناقَةٍ، وهي ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎حَتّى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا
والفِيقَةُ اسْمُ اللَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وجَمْعُها فِيقٌ وأفْواقٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ما لَها مِن فَواقٍ " بِضَمِّ الفاءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.
قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الفَواقُ بِفَتْحِ الفاءِ الرّاحَةُ أيْ: لا يُفِيقُونَ فِيها كَما يُفِيقُ المَرِيضُ والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، وبِالضَّمِّ الِانْتِظارُ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ لَمّا سَمِعُوا ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، والقِطُّ في اللُّغَةِ النَّصِيبُ، مِنَ القَطِّ، وهو القَطْعُ، وبِهَذا قالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الفَرّاءُ: القِطُّ في كَلامِ العَرَبِ الحَظُّ والنَّصِيبُ، (p-١٢٥٩)ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّكِّ قِطٌّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: القِطُّ الكِتابُ بِالجَوائِزِ، والجَمْعُ القُطُوطُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ
ومَعْنى يَأْفِقُ يُصْلِحُ، ومَعْنى الآيَةِ سُؤالُهم لِرَبِّهِمْ أنْ يُعَجِّلَ لَهم نَصِيبَهم وحَظَّهم مِنَ العَذابِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [ الحَجِّ: ٤٧، والعَنْكَبُوتِ: ٥٣ ] .
وقالَ: السُّدِّيُّ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُمَثِّلَ لَهم مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما يُوعَدُونَ بِهِ وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: المَعْنى عَجِّلْ لَنا أرْزاقَنا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [ الحاقَّةِ: ١٩، والِانْشِقاقِ: ٧ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالَتْ قُرَيْشٌ: زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنّا نُؤْتى كِتابَنا بِشِمالِنا فَعَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَسْمَعُهُ مِن أقْوالِهِمْ فَقالَ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم مِن جُمْلَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ قُرُونِ الضَّلالَةِ، وأُمَمِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ عَلى ما يَسْمَعُهُ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وما بَعْدَها.
ومَعْنى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ اذْكُرْ قِصَّتَهُ فَإنَّكَ تَجِدُ فِيها ما تَتَسَلّى بِهِ، والأيْدُ: القُوَّةُ ومِنهُ رَجُلٌ أيْدٌ أيْ: قَوِيٌّ، وتَأيَّدَ الشَّيْءُ: تَقَوّى والمُرادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى العِبادَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وكانَتْ قُوَّةُ داوُدَ عَلى العِبادَةِ أتَمَّ قُوَّةٍ، ومِن قُوَّتِهِ ما أخْبَرَنا بِهِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وكانَ يُصَلِّي نِصْفَ اللَّيْلِ وكانَ لا يَفِرُّ إذا لاقى العَدُوَّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذا الأيْدِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إلى ما يُحِبُّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ قَوِيًّا في دِينِهِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ كُلَّما ذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغْفَرَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، وهَذا داخِلٌ تَحْتَ المَعْنى الأوَّلِ، يُقالُ: آبَ يَئُوبُ: إذا رَجَعَ.
﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - ويُنَزِّهْنَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
وجُمْلَةُ يُسَبِّحْنَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي هَذا بَيانُ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ البُرْهانِ والمُعْجِزَةِ، وهو تَسْبِيحُ الجِبالِ مَعَهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ إذا ذَكَرَ اللَّهَ ذَكَرَتِ الجِبالُ مَعَهُ، وكانَ يَفْقَهُ تَسْبِيحَ الجِبالِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أُوتِيَ داوُدُ مِن حُسْنِ الصَّوْتِ ما يَكُونُ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، فَهَذا مَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحْنَ يُصَلِّينَ، ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( سَخَّرْنا ) .
ومَعْنى ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، يُقالُ: أشْرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا أضاءَتْ، وذَلِكَ وقْتَ الضُّحى. وأمّا شُرُوقُها فَطُلُوعُها. قالَ الزَّجّاجُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ: إذا أضاءَتْ.
﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ، وانْتِصابُ ( مَحْشُورَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ تُسَبِّحُ اللَّهَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها إلَيْهِ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها الرِّيحُ. ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ رَجّاعٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ، والضَّمِيرُ في ( لَهُ ) راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ ( داوُدَ ) أيْ: لِأجْلِ تَسْبِيحِ داوُدَ مُسَبِّحٌ، فَوَضَعَ ( أوّابٌ ) مَوْضِعَ مُسَبِّحٍ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأوّابَ: الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ وثَبَّتْناهُ بِالنَّصْرِ في المَواطِنِ عَلى أعْدائِهِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ مِنهُ في قُلُوبِهِمْ.
وقِيلَ: بِكَثْرَةِ الجُنُودِ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةُ والمَعْرِفَةُ بِكُلِّ ما يَحْكُمُ بِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الفَهْمُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: العَدْلُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ. وقالَ شُرَيْحٌ: السُّنَّةُ.
والمُرادُ بِـ ( فَصْلَ الخِطابِ ) الفَصْلُ في القَضاءِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الشُّهُودُ والإيمانُ لِأنَّها إنَّما تَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِهَذا.
وقِيلَ: هو الإيجازُ بِجَعْلِ المَعْنى الكَثِيرِ في اللَّفْظِ القَلِيلِ.
﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ لَمّا مَدَحَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ الواقِعَةِ لِما فِيها مِنَ الأخْبارِ العَجِيبَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: بَعَثَ اللَّهُ إلى داوُدَ مَلَكَيْنِ، جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ لِيُنَبِّهَهُ عَلى التَّوْبَةِ، فَأتَياهُ وهو في مِحْرابِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بِالخَصْمِ هاهُنا المَلَكانِ، والخَصْمُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ.
ومَعْنى ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أتَوْهُ مِن أعْلى سُورِهِ ونَزَلُوا إلَيْهِ، والسُّورُ: الحائِطُ المُرْتَفِعُ، وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ في ( تَسَوَّرُوا ) مَعَ كَوْنِهِمُ اثْنَيْنِ نَظَرًا إلى ما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الخَصْمِ مِنَ الجَمْعِ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وخَصْمٍ غِضابٍ قَدْ نَفَضْتُ لِحاهُمُ ∗∗∗ كَنَفْضِ البَراذِينِ العِرابِ المَخالِيا
والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ، لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ وهو فِيها، كَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ صَدْرُ المَجْلِسِ ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ.
وقِيلَ: إنَّهُما كانا إنْسِيَّيْنِ ولَمْ يَكُونا مَلَكَيْنِ.
والعامِلُ في ( إذْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ النَّبَأُ أيْ: هَلْ أتاكَ الخَبَرُ الواقِعُ في وقْتِ تَسَوُّرِهِمْ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ( أتاكَ ) . وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِلْخَصْمِ. وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: وهَلْ أتاكَ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ. وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِ: ( تَسَوَّرُوا ) . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ إنْ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِمَعْنى لَمّا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُما أتَياهُ لَيْلًا في غَيْرِ وقْتِ دُخُولِ الخُصُومِ ودَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ النّاسُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وكانَ مِحْرابُ داوُدَ مِنَ الِامْتِناعِ بِالِارْتِفاعِ بِحَيْثُ لا يَرْتَقِي إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ، وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِداوُدَ لَمّا فَزِعَ مِنهم، وارْتِفاعُ خَصْمانِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَحْنُ خَصْمانِ، وجاءَ فِيما سَبَقَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهُنا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لَفْظَ الخَصْمِ يَحْتَمِلُ المُفْرَدَ والمُثَنّى والمَجْمُوعَ، فالكُلُّ جائِزٌ.
قالَ الخَلِيلُ: هو كَما تَقُولُ: نَحْنُ فَعَلْنا كَذا: إذا كُنْتُما اثْنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (p-١٢٦٠)جَمَعَ لَمّا كانَ خَبَرًا فَلَمّا انْقَضى الخَبَرُ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ أخْبَرَ الِاثْنانِ عَنْ أنْفُسِهِما فَقالا: خَصْمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وعَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يَبْغِيانِ.
ثُمَّ طَلَبا مِنهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالحَقِّ ونَهَياهُ عَنِ الجَوْرِ فَقالا: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في حُكْمِكَ، يُقالُ: شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ شَطَطًا وإشْطاطًا: إذا جارَ في حُكْمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: شَطَطْتُ عَلَيْهِ وأشْطَطْتُ أيْ: جُرْتُ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ لا تُسْرِفْ، وقِيلَ: لا تُفَرِّطْ، وقِيلَ: لا تَمِلْ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والأصْلُ فِيهِ البُعْدُ، مِن شَطَّتِ الدّارُ: إذا بَعُدَتْ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الشَّطَطُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلِّ شَيْءٍ. ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ سَواءُ الصِّراطِ: وسَطُهُ.
والمَعْنى: أرْشِدْنا إلى الحَقِّ واحْمِلْنا عَلَيْهِ. ثُمَّ لَمّا أخْبَراهُ عَنِ الخُصُومَةِ إجْمالًا شَرَعا في تَفْصِيلِهِما، وشَرْحِها، فَقالا: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ المُرادُ بِالأُخُوَّةِ هُنا: أُخُوَّةُ الدِّينِ أوِ الصُّحْبَةُ، والنَّعْجَةُ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُقالُ: لِبَقْرِ الوَحْشِ نَعْجَةٌ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النَّعْجَةُ البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ، والعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ المَرْأةِ بِها، وتُشَبِّهُ النِّساءَ بِالنِّعاجِ مِنَ البَقَرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما عَنى بِـ " هَذا " داوُدَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وعَنى بِقَوْلِهِ: ( ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) [ أُورِيا ] زَوْجَ المَرْأةِ الَّتِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها داوُدُ كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: ضُمَّها إلَيَّ وانْزِلْ لِي عَنْها حَتّى أكْفُلَها وأصِيرَ بَعْلًا لَها.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي ونَصِيبِي ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، يُقالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ عِزًّا: إذا غَلَبَهُ.
وفِي المَثَلِ: " مَن عَزَّ بَزَّ " أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ والِاسْمُ العِزَّةُ: وهي القُوَّةُ. قالَ عَطاءٌ: المَعْنى إنْ تَكَلَّمَ كانَ أفْصَحَ مِنِّي.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " وعازَّنِي في الخِطابِ " أيْ: غالَبَنِي مِنَ المُعازَّةِ وهي المُغالَبَةُ.
﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: بِسُؤالِهِ نَعْجَتِكَ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقُولُ، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهي وما بَعْدَها جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُقَدَّرِ، وجاءَ بِالقَسَمِ في كَلامِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ ما يَسْمَعُهُ مِن طَلَبِ صاحِبِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ النَّعْجَةَ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ النَّعْجَةَ الواحِدَةَ الَّتِي مَعَ صاحِبِهِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُها.
ويُمْكِنُ أنَّهُ إنَّما قالَ بِهَذا بَعْدَ أنْ سَمِعَ الِاعْتِرافَ مِنَ الآخَرِ. قالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ خَطِيئَةَ داوُدَ هي قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَثَبَّتَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وهُمُ الشُّرَكاءُ واحِدُهم خَلِيطٌ: وهو المُخالِطُ في المالِ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَعَدّى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَظْلِمُهُ غَيْرَ مُراعٍ لِحَقِّهِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ ذَلِكَ، ولا يَظْلِمُونَ خَلِيطًا ولا غَيْرَهُ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وقَلِيلٌ هم، و( ما ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّعْجِيبِ.
وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ، و( هم ) مُبْتَدَأٌ، و( قَلِيلٌ ) خَبَرُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . قالَ أبُو عَمْرٍو والفَرّاءُ: ( ظَنَّ ) يَعْنِي أيْقَنَ.
ومَعْنى فَتَنّاهُ ابْتَلَيْناهُ، والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ أنْ تَخاصَما إلَيْهِ وقالَ ما قالَ عَلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُرادُ، وأنَّ مَقْصُودَهُما التَّعْرِيضُ بِهِ وبِصاحِبِهِ الَّذِي أرادَ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا قَضى بَيْنَهُما داوُدُ نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ داوُدُ بِما أرادَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَنّاهُ بِالتَّخْفِيفِ لِلتّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ بِالتَّشْدِيدِ لِلتّاءِ والنُّونِ، وهي مُبالَغَةٌ في الفِتْنَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ " افْتَنّاهُ " وقَرَأ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَتَناهُ " بِتَخْفِيفِهِما وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكَيْنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) لِذَنْبِهِ ( وخَرَّ راكِعًا ) أيْ ساجِدًا، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ المُرادَ بِالرُّكُوعِ هُنا السُّجُودُ، فَإنَّ السُّجُودَ هو المَيْلُ، والرُّكُوعُ هو الِانْحِناءُ وأحَدُهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِهَيْئَةٍ.
ثُمَّ جاءَ في هَذا عَلى تَسْمِيَةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ. وقِيلَ: المَعْنى لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ: مُصَلِّيًا.
وقِيلَ: بَلْ كانَ رُكُوعُهم سُجُودًا، وقِيلَ: بَلْ كانَ سُجُودُهم رُكُوعًا وأنابَ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَنْبِ داوُدَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ وتابَ عَنْهُ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهُ نَظَرَ إلى امْرَأةِ الرَّجُلِ الَّتِي أرادَ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، كَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَتَعَمَّدْ داوُدُ النَّظَرَ إلى المَرْأةِ لَكِنَّهُ عاوَدَ النَّظَرَ إلَيْها، وصارَتِ الأُولى لَهُ والثّانِيَةُ عَلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي أنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها في جُمْلَةِ الغُزاةِ.
الثّالِثُ أنَّهُ نَوى إنْ ماتَ زَوْجُها أنْ يَتَزَوَّجَها.
الرّابِعُ أنَّ أُورِيا كانَ خَطَبَ تِلْكَ المَرْأةَ فَلَمّا غابَ خَطَبَها داوُدُ فَزُوِّجَتْ مِنهُ لِجَلالَتِهِ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ أُورِيا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْها لِخاطِبِها.
الخامِسُ أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلى قَتْلِ أُورِيا كَما كانَ يَجْزَعُ عَلى مَن هَلَكَ مِنَ الجُنْدِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأتَهُ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ ذُنُوبَ الأنْبِياءِ وإنْ صَغُرَتْ فَهي عَظِيمَةٌ.
السّادِسُ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا.
وأقُولُ الظّاهِرُ مِنَ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ المَلَكَيْنِ تَعْرِيضًا لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طَلَبَ مِن زَوْجِ المَرْأةِ الواحِدَةِ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْها ويَضُمَّها إلى نِسائِهِ، ولا يُنافِي هَذا العِصْمَةَ الكائِنَةَ لِلْأنْبِياءِ، فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وعَرَّضَ لَهُ بِإرْسالِ مَلائِكَتِهِ إلَيْهِ لِيَتَخاصَمُوا في مِثْلِ قِصَّتِهِ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ ويَتُوبَ مِنهُ فاسْتَغْفَرَ وتابَ.
وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] وهو أبُو البَشَرِ وأوَّلُ الأنْبِياءِ، ووَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في كِتابِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ قَبِلَ اسْتِغْفارَهُ وتَوْبَتَهُ قالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنهُ.
قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ داوُدَ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى نَبَتَ الرَّعْيُ حَوْلَ وجْهِهِ وغَمَرَ رَأْسَهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (p-١٢٦١)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ تامٌّ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلْفى: القُرْبَةُ والكَرامَةُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: الزُّلْفى الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِحُسْنِ المَآبِ: حُسْنُ المَرْجِعِ وهو الجَنَّةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قالَ: مِن رَجْعَةٍ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: سَألُوا اللَّهَ أنْ يُعَجِّلَ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ذا الأيْدِ قالَ: القُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأوّابُ المُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ " فَقالَ سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْهُ فَقالَ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّابُ المُوقِنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْهُ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي وجْهَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ حَتّى رَأيْتُ النّاسَ يُصَلُّونَ الضُّحى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ فَما أدْرِي ما هي ؟ حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى الضُّحى، ثُمَّ قالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ.
والأحادِيثُ في صَلاةِ الضُّحى كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرْناها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَعْدى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ مِن عُظَمائِهِمْ فَقالَ: إنَّ هَذا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَألَ داوُدُ الرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَألَ الآخَرَ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما داوُدُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدى، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا ولَسْتُ أعْجَلُ حَتّى أتَثَبَّتَ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ في مَنامِهِ فَأُمِرَ أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ، فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، فَأرْسَلَ داوُدُ إلى الرَّجُلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، قالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا تَثَبُّتٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ فِيكَ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ ولَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ فَقُتِلَ فاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قالَ: أمّا بَعْدُ، داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سَمِعَ زِيادَ بْنَ أبِيهِ يَقُولُ: فَصْلُ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: أمّا بَعْدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ داوُدَ حَدَّثَ نَفْسَهُ إذا ابْتُلِيَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّكَ سَتُبْتَلى وسَتَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ فَخُذْ حَذَرَكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ، فَأخَذَ الزَّبُورَ ودَخَلَ المِحْرابَ وأغْلَقَ بابَ المِحْرابِ وأخَذَ الزَّبُورَ في حِجْرِهِ، وأقْعَدَ مُنْصِفًا: يَعْنِي خادِمًا، عَلى البابِ وقالَ: لا تَأْذَنْ لِأحَدٍ عَلَيَّ اليَوْمَ، فَبَيْنَما هو يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جاءَ طائِرٌ مُذَهَّبٌ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ الطَّيْرُ، فِيهِ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فَجَعَلَ يَدُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَنا مِنهُ فَأمْكَنَ أنْ يَأْخُذَهُ، فَتَناوَلَهُ بِيَدِهِ لِيَأْخُذَهُ فاسْتَوْفَزَ مِن خَلْفِهِ، فَأطْبَقَ الزَّبُورَ وقامَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَطارَ فَوَقَعَ عَلى كُوَّةِ المِحْرابِ، فَدَنا مِنهُ لِيَأْخُذَهُ فَأفْضى فَوَقَعَ عَلى خُصٍّ فَأشْرَفَ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ أيْنَ وقَعَ ؟ فَإذا هو بِامْرَأةٍ عِنْدَ بِرْكَتِها تَغْتَسِلُ مِنَ الحَيْضِ، فَلَمّا رَأتْ ظِلَّهُ حَرَّكَتْ رَأْسَها، فَغَطَّتْ جَسَدَها أجْمَعَ بِشَعْرِها، وكانَ زَوْجُها غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى رَأْسِ الغُزاةِ: انْظُرْ أُورِيا فاجْعَلْهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ وكانَ حَمَلَةُ التّابُوتِ إمّا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ وإمّا أنْ يُقْتَلُوا، فَقَدَّمَهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ فَقُتِلَ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبَها داوُدُ، فاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ ولَدَتْ غُلامًا أنْ يَكُونَ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ، وأشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتابًا، فَما شَعَرَ بِفِتْنَتِهِ أنَّهُ افْتُتِنَ حَتّى ولَدَتْ سُلَيْمانَ، وشَبَّ فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ المَلَكانِ المِحْرابَ وكانَ شَأْنُهُما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ وخَرَّ داوُدُ ساجِدًا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتابَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: ما أصابَ داوُدَ بَعْدَما أصابَهُ بَعْدَ القَدَرِ إلّا مِن عُجْبٍ عَجِبَ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا وعابِدٌ مِن آلِ داوُدَ يَعْبُدُكَ يُصَلِّي لَكَ أوْ يُسَبِّحُ أوْ يُكَبِّرُ وذَكَرَ أشْياءَ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا داوُدُ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا بِي فَلَوْلا عَوْنِي ما قَوِيتَ عَلَيْهِ، وعِزَّتِي وجَلالِي لَأكِلَنَّكَ إلى نَفْسِكَ يَوْمًا، قالَ: يا رَبِّ فَأخْبِرْنِي بِهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ فَأصابَتْهُ الفِتْنَةُ ذَلِكَ اليَوْمَ.
وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.
وأخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلَةً. وأخْرَجَها جَماعَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ قالَ: عَلى دِينِي.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ ﴿أكْفِلْنِيها﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ الَّذِي هم فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالَ: اخْتَبَرْناهُ.
(p-١٢٦٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في السُّجُودِ في ص لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص وقالَ: سَجَدَها داوُدُ، ونَسْجُدُها شُكْرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى المِنبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَهَيَّأ النّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقالَ: إنَّما هي تَوْبَةٌ ولَكِنِّي رَأيْتُكم تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ فَعَظَّمَ شَأْنَهُ وشِدَّتَهُ قالَ: ويَقُولُ الرَّحْمَنُ - عَزَّ وجَلَّ - لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ، فَيَقُولُ داوُدُ: يا رَبِّ، أخافُ أنْ تَدْحَضَنِي خَطِيئَتِي، فَيَقُولُ: خُذْ بِقَدَمِي، فَيَأْخُذُ بِقَدَمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيَمُرُّ، قالَ: فَتِلْكَ الزُّلْفى الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾» .
ص 38:16
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَ أمْثالَهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهم وعَمِلَ عَمَلَهم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ بِها النّاسَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ إذا غَضِبَ عَلى أحَدٍ وتَدَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ ورَأْسَهُ عَلى الأرْضِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ: الجُمُوعُ والجُنُودُ الكَثِيرَةُ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يُقَوُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ سُلْطانَهُ كَما تُقَوِّي الأوْتادُ ما ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تَقُولُ هم في عِزٍّ ثابِتِ الأوْتادِ، ومُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ، يُرِيدُونَ مُلْكًا دائِمًا شَدِيدًا، وأصْلُ هَذا أنَّ البَيْتَ مِن بُيُوتِ الشِّعْرِ إنَّما يُثَبَّتُ ويُقَوَّمُ بِالأوْتادِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ هُنا البِناءُ المُحْكَمُ أيْ: وفِرْعَوْنُ ذُو الأبْنِيَةِ المُحْكَمَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والبُنْيانُ يُسَمّى أوْتادًا، والأوْتادُ جَمْعُ وتِدٍ أفْصَحُها فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ التّاءِ، ويُقالُ: وتَدٌ بِفَتْحِها ووَدٌّ بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ ووَدَتٌ.
قالَ الأصْمَعِيُّ ويُقالُ: وتِدٌ واتِدٌ مِثْلُ شُغْلٍ شاغِلٍ وأنْشَدَ:
؎لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفُها المَواعِدا
﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها واخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَتِها في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ومَعْنى ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ هو الرَّجُلُ.
وقُرَيْشٌ وإنْ كانُوا حِزْبًا كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ هم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا، وأقْوى أبْدانًا، وأوْسَعُ أمْوالًا وأعْمارًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا، والمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ وعادٌ كَذا قالَ أبُو البَقاءِ وهو ضَعِيفٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ عادٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، والأوْلى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلًا مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ( إنْ ) هي النّافِيَةُ، والمَعْنى: ما كَلُّ حِزْبٍ مِن هَذِهِ الأحْزابِ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ تَكْذِيبَ الحِزْبِ لِرَسُولِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ أوْ هو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، والمُرادُ تَكْذِيبُ كُلِّ حِزْبٍ لِرَسُولِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: كُلُّ أحَدٍ مِنَ الأحْزابِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ عِقابِي بِتَكْذِيبِهِمْ، ومَعْنى حَقَّ: ثَبَتَ ووَجَبَ، وإنْ تَأخَّرَ فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
قَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في ( عِقابِ ) وحَذَفَها الباقُونَ مُطابَقَةً لِرُءُوسِ الآيِ.
﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً، وهي النَّفْخَةُ الكائِنَةُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وعَلى الأوَّلِ المُرادُ مَن عاصَرَ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الكُفّارِ، وعَلى الثّانِي المُرادُ كُفّارُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ أيْ: لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ حُلُولِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن عَذابِ النّارِ إلّا أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ عَذابٌ يَفْجَؤُهم في الدُّنْيا كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
وجُمْلَةُ ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِ: ( صَيْحَةً ) . قالَ الزَّجّاجُ: فَواقٍ وفُواقٍ بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّها أيْ: ما لَها مِن رُجُوعٍ، والفَواقُ ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وأفاقَ مِن مَرَضِهِ أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنَّ الفَواقَ الرُّجُوعُ.
وقالَ قَتادَةُ ما لَها مِن مَثْنَوِيَّةٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَها مِن إفاقَةٍ، وقِيلَ: ما لَها مِن مَرَدٍّ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ما لَها مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ وإفاقَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ هي مِيعادُ عَذابِهِمْ، فَإذا جاءَتْ لَمْ تَرْجِعْ ولا تُرَدُّ عَنْهم ولا تُصْرَفُ مِنهم ولا تَتَوَقَّفُ مِقْدارَ فَواقِ ناقَةٍ، وهي ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎حَتّى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا
والفِيقَةُ اسْمُ اللَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وجَمْعُها فِيقٌ وأفْواقٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ما لَها مِن فَواقٍ " بِضَمِّ الفاءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.
قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الفَواقُ بِفَتْحِ الفاءِ الرّاحَةُ أيْ: لا يُفِيقُونَ فِيها كَما يُفِيقُ المَرِيضُ والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، وبِالضَّمِّ الِانْتِظارُ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ لَمّا سَمِعُوا ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، والقِطُّ في اللُّغَةِ النَّصِيبُ، مِنَ القَطِّ، وهو القَطْعُ، وبِهَذا قالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الفَرّاءُ: القِطُّ في كَلامِ العَرَبِ الحَظُّ والنَّصِيبُ، (p-١٢٥٩)ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّكِّ قِطٌّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: القِطُّ الكِتابُ بِالجَوائِزِ، والجَمْعُ القُطُوطُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ
ومَعْنى يَأْفِقُ يُصْلِحُ، ومَعْنى الآيَةِ سُؤالُهم لِرَبِّهِمْ أنْ يُعَجِّلَ لَهم نَصِيبَهم وحَظَّهم مِنَ العَذابِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [ الحَجِّ: ٤٧، والعَنْكَبُوتِ: ٥٣ ] .
وقالَ: السُّدِّيُّ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُمَثِّلَ لَهم مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما يُوعَدُونَ بِهِ وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: المَعْنى عَجِّلْ لَنا أرْزاقَنا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [ الحاقَّةِ: ١٩، والِانْشِقاقِ: ٧ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالَتْ قُرَيْشٌ: زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنّا نُؤْتى كِتابَنا بِشِمالِنا فَعَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَسْمَعُهُ مِن أقْوالِهِمْ فَقالَ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم مِن جُمْلَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ قُرُونِ الضَّلالَةِ، وأُمَمِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ عَلى ما يَسْمَعُهُ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وما بَعْدَها.
ومَعْنى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ اذْكُرْ قِصَّتَهُ فَإنَّكَ تَجِدُ فِيها ما تَتَسَلّى بِهِ، والأيْدُ: القُوَّةُ ومِنهُ رَجُلٌ أيْدٌ أيْ: قَوِيٌّ، وتَأيَّدَ الشَّيْءُ: تَقَوّى والمُرادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى العِبادَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وكانَتْ قُوَّةُ داوُدَ عَلى العِبادَةِ أتَمَّ قُوَّةٍ، ومِن قُوَّتِهِ ما أخْبَرَنا بِهِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وكانَ يُصَلِّي نِصْفَ اللَّيْلِ وكانَ لا يَفِرُّ إذا لاقى العَدُوَّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذا الأيْدِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إلى ما يُحِبُّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ قَوِيًّا في دِينِهِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ كُلَّما ذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغْفَرَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، وهَذا داخِلٌ تَحْتَ المَعْنى الأوَّلِ، يُقالُ: آبَ يَئُوبُ: إذا رَجَعَ.
﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - ويُنَزِّهْنَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
وجُمْلَةُ يُسَبِّحْنَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي هَذا بَيانُ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ البُرْهانِ والمُعْجِزَةِ، وهو تَسْبِيحُ الجِبالِ مَعَهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ إذا ذَكَرَ اللَّهَ ذَكَرَتِ الجِبالُ مَعَهُ، وكانَ يَفْقَهُ تَسْبِيحَ الجِبالِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أُوتِيَ داوُدُ مِن حُسْنِ الصَّوْتِ ما يَكُونُ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، فَهَذا مَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحْنَ يُصَلِّينَ، ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( سَخَّرْنا ) .
ومَعْنى ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، يُقالُ: أشْرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا أضاءَتْ، وذَلِكَ وقْتَ الضُّحى. وأمّا شُرُوقُها فَطُلُوعُها. قالَ الزَّجّاجُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ: إذا أضاءَتْ.
﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ، وانْتِصابُ ( مَحْشُورَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ تُسَبِّحُ اللَّهَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها إلَيْهِ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها الرِّيحُ. ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ رَجّاعٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ، والضَّمِيرُ في ( لَهُ ) راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ ( داوُدَ ) أيْ: لِأجْلِ تَسْبِيحِ داوُدَ مُسَبِّحٌ، فَوَضَعَ ( أوّابٌ ) مَوْضِعَ مُسَبِّحٍ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأوّابَ: الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ وثَبَّتْناهُ بِالنَّصْرِ في المَواطِنِ عَلى أعْدائِهِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ مِنهُ في قُلُوبِهِمْ.
وقِيلَ: بِكَثْرَةِ الجُنُودِ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةُ والمَعْرِفَةُ بِكُلِّ ما يَحْكُمُ بِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الفَهْمُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: العَدْلُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ. وقالَ شُرَيْحٌ: السُّنَّةُ.
والمُرادُ بِـ ( فَصْلَ الخِطابِ ) الفَصْلُ في القَضاءِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الشُّهُودُ والإيمانُ لِأنَّها إنَّما تَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِهَذا.
وقِيلَ: هو الإيجازُ بِجَعْلِ المَعْنى الكَثِيرِ في اللَّفْظِ القَلِيلِ.
﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ لَمّا مَدَحَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ الواقِعَةِ لِما فِيها مِنَ الأخْبارِ العَجِيبَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: بَعَثَ اللَّهُ إلى داوُدَ مَلَكَيْنِ، جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ لِيُنَبِّهَهُ عَلى التَّوْبَةِ، فَأتَياهُ وهو في مِحْرابِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بِالخَصْمِ هاهُنا المَلَكانِ، والخَصْمُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ.
ومَعْنى ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أتَوْهُ مِن أعْلى سُورِهِ ونَزَلُوا إلَيْهِ، والسُّورُ: الحائِطُ المُرْتَفِعُ، وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ في ( تَسَوَّرُوا ) مَعَ كَوْنِهِمُ اثْنَيْنِ نَظَرًا إلى ما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الخَصْمِ مِنَ الجَمْعِ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وخَصْمٍ غِضابٍ قَدْ نَفَضْتُ لِحاهُمُ ∗∗∗ كَنَفْضِ البَراذِينِ العِرابِ المَخالِيا
والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ، لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ وهو فِيها، كَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ صَدْرُ المَجْلِسِ ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ.
وقِيلَ: إنَّهُما كانا إنْسِيَّيْنِ ولَمْ يَكُونا مَلَكَيْنِ.
والعامِلُ في ( إذْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ النَّبَأُ أيْ: هَلْ أتاكَ الخَبَرُ الواقِعُ في وقْتِ تَسَوُّرِهِمْ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ( أتاكَ ) . وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِلْخَصْمِ. وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: وهَلْ أتاكَ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ. وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِ: ( تَسَوَّرُوا ) . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ إنْ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِمَعْنى لَمّا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُما أتَياهُ لَيْلًا في غَيْرِ وقْتِ دُخُولِ الخُصُومِ ودَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ النّاسُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وكانَ مِحْرابُ داوُدَ مِنَ الِامْتِناعِ بِالِارْتِفاعِ بِحَيْثُ لا يَرْتَقِي إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ، وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِداوُدَ لَمّا فَزِعَ مِنهم، وارْتِفاعُ خَصْمانِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَحْنُ خَصْمانِ، وجاءَ فِيما سَبَقَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهُنا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لَفْظَ الخَصْمِ يَحْتَمِلُ المُفْرَدَ والمُثَنّى والمَجْمُوعَ، فالكُلُّ جائِزٌ.
قالَ الخَلِيلُ: هو كَما تَقُولُ: نَحْنُ فَعَلْنا كَذا: إذا كُنْتُما اثْنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (p-١٢٦٠)جَمَعَ لَمّا كانَ خَبَرًا فَلَمّا انْقَضى الخَبَرُ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ أخْبَرَ الِاثْنانِ عَنْ أنْفُسِهِما فَقالا: خَصْمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وعَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يَبْغِيانِ.
ثُمَّ طَلَبا مِنهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالحَقِّ ونَهَياهُ عَنِ الجَوْرِ فَقالا: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في حُكْمِكَ، يُقالُ: شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ شَطَطًا وإشْطاطًا: إذا جارَ في حُكْمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: شَطَطْتُ عَلَيْهِ وأشْطَطْتُ أيْ: جُرْتُ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ لا تُسْرِفْ، وقِيلَ: لا تُفَرِّطْ، وقِيلَ: لا تَمِلْ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والأصْلُ فِيهِ البُعْدُ، مِن شَطَّتِ الدّارُ: إذا بَعُدَتْ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الشَّطَطُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلِّ شَيْءٍ. ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ سَواءُ الصِّراطِ: وسَطُهُ.
والمَعْنى: أرْشِدْنا إلى الحَقِّ واحْمِلْنا عَلَيْهِ. ثُمَّ لَمّا أخْبَراهُ عَنِ الخُصُومَةِ إجْمالًا شَرَعا في تَفْصِيلِهِما، وشَرْحِها، فَقالا: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ المُرادُ بِالأُخُوَّةِ هُنا: أُخُوَّةُ الدِّينِ أوِ الصُّحْبَةُ، والنَّعْجَةُ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُقالُ: لِبَقْرِ الوَحْشِ نَعْجَةٌ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النَّعْجَةُ البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ، والعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ المَرْأةِ بِها، وتُشَبِّهُ النِّساءَ بِالنِّعاجِ مِنَ البَقَرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما عَنى بِـ " هَذا " داوُدَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وعَنى بِقَوْلِهِ: ( ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) [ أُورِيا ] زَوْجَ المَرْأةِ الَّتِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها داوُدُ كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: ضُمَّها إلَيَّ وانْزِلْ لِي عَنْها حَتّى أكْفُلَها وأصِيرَ بَعْلًا لَها.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي ونَصِيبِي ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، يُقالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ عِزًّا: إذا غَلَبَهُ.
وفِي المَثَلِ: " مَن عَزَّ بَزَّ " أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ والِاسْمُ العِزَّةُ: وهي القُوَّةُ. قالَ عَطاءٌ: المَعْنى إنْ تَكَلَّمَ كانَ أفْصَحَ مِنِّي.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " وعازَّنِي في الخِطابِ " أيْ: غالَبَنِي مِنَ المُعازَّةِ وهي المُغالَبَةُ.
﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: بِسُؤالِهِ نَعْجَتِكَ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقُولُ، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهي وما بَعْدَها جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُقَدَّرِ، وجاءَ بِالقَسَمِ في كَلامِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ ما يَسْمَعُهُ مِن طَلَبِ صاحِبِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ النَّعْجَةَ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ النَّعْجَةَ الواحِدَةَ الَّتِي مَعَ صاحِبِهِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُها.
ويُمْكِنُ أنَّهُ إنَّما قالَ بِهَذا بَعْدَ أنْ سَمِعَ الِاعْتِرافَ مِنَ الآخَرِ. قالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ خَطِيئَةَ داوُدَ هي قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَثَبَّتَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وهُمُ الشُّرَكاءُ واحِدُهم خَلِيطٌ: وهو المُخالِطُ في المالِ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَعَدّى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَظْلِمُهُ غَيْرَ مُراعٍ لِحَقِّهِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ ذَلِكَ، ولا يَظْلِمُونَ خَلِيطًا ولا غَيْرَهُ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وقَلِيلٌ هم، و( ما ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّعْجِيبِ.
وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ، و( هم ) مُبْتَدَأٌ، و( قَلِيلٌ ) خَبَرُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . قالَ أبُو عَمْرٍو والفَرّاءُ: ( ظَنَّ ) يَعْنِي أيْقَنَ.
ومَعْنى فَتَنّاهُ ابْتَلَيْناهُ، والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ أنْ تَخاصَما إلَيْهِ وقالَ ما قالَ عَلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُرادُ، وأنَّ مَقْصُودَهُما التَّعْرِيضُ بِهِ وبِصاحِبِهِ الَّذِي أرادَ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا قَضى بَيْنَهُما داوُدُ نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ داوُدُ بِما أرادَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَنّاهُ بِالتَّخْفِيفِ لِلتّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ بِالتَّشْدِيدِ لِلتّاءِ والنُّونِ، وهي مُبالَغَةٌ في الفِتْنَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ " افْتَنّاهُ " وقَرَأ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَتَناهُ " بِتَخْفِيفِهِما وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكَيْنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) لِذَنْبِهِ ( وخَرَّ راكِعًا ) أيْ ساجِدًا، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ المُرادَ بِالرُّكُوعِ هُنا السُّجُودُ، فَإنَّ السُّجُودَ هو المَيْلُ، والرُّكُوعُ هو الِانْحِناءُ وأحَدُهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِهَيْئَةٍ.
ثُمَّ جاءَ في هَذا عَلى تَسْمِيَةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ. وقِيلَ: المَعْنى لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ: مُصَلِّيًا.
وقِيلَ: بَلْ كانَ رُكُوعُهم سُجُودًا، وقِيلَ: بَلْ كانَ سُجُودُهم رُكُوعًا وأنابَ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَنْبِ داوُدَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ وتابَ عَنْهُ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهُ نَظَرَ إلى امْرَأةِ الرَّجُلِ الَّتِي أرادَ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، كَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَتَعَمَّدْ داوُدُ النَّظَرَ إلى المَرْأةِ لَكِنَّهُ عاوَدَ النَّظَرَ إلَيْها، وصارَتِ الأُولى لَهُ والثّانِيَةُ عَلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي أنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها في جُمْلَةِ الغُزاةِ.
الثّالِثُ أنَّهُ نَوى إنْ ماتَ زَوْجُها أنْ يَتَزَوَّجَها.
الرّابِعُ أنَّ أُورِيا كانَ خَطَبَ تِلْكَ المَرْأةَ فَلَمّا غابَ خَطَبَها داوُدُ فَزُوِّجَتْ مِنهُ لِجَلالَتِهِ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ أُورِيا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْها لِخاطِبِها.
الخامِسُ أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلى قَتْلِ أُورِيا كَما كانَ يَجْزَعُ عَلى مَن هَلَكَ مِنَ الجُنْدِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأتَهُ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ ذُنُوبَ الأنْبِياءِ وإنْ صَغُرَتْ فَهي عَظِيمَةٌ.
السّادِسُ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا.
وأقُولُ الظّاهِرُ مِنَ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ المَلَكَيْنِ تَعْرِيضًا لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طَلَبَ مِن زَوْجِ المَرْأةِ الواحِدَةِ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْها ويَضُمَّها إلى نِسائِهِ، ولا يُنافِي هَذا العِصْمَةَ الكائِنَةَ لِلْأنْبِياءِ، فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وعَرَّضَ لَهُ بِإرْسالِ مَلائِكَتِهِ إلَيْهِ لِيَتَخاصَمُوا في مِثْلِ قِصَّتِهِ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ ويَتُوبَ مِنهُ فاسْتَغْفَرَ وتابَ.
وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] وهو أبُو البَشَرِ وأوَّلُ الأنْبِياءِ، ووَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في كِتابِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ قَبِلَ اسْتِغْفارَهُ وتَوْبَتَهُ قالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنهُ.
قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ داوُدَ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى نَبَتَ الرَّعْيُ حَوْلَ وجْهِهِ وغَمَرَ رَأْسَهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (p-١٢٦١)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ تامٌّ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلْفى: القُرْبَةُ والكَرامَةُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: الزُّلْفى الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِحُسْنِ المَآبِ: حُسْنُ المَرْجِعِ وهو الجَنَّةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قالَ: مِن رَجْعَةٍ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: سَألُوا اللَّهَ أنْ يُعَجِّلَ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ذا الأيْدِ قالَ: القُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأوّابُ المُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ " فَقالَ سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْهُ فَقالَ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّابُ المُوقِنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْهُ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي وجْهَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ حَتّى رَأيْتُ النّاسَ يُصَلُّونَ الضُّحى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ فَما أدْرِي ما هي ؟ حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى الضُّحى، ثُمَّ قالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ.
والأحادِيثُ في صَلاةِ الضُّحى كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرْناها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَعْدى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ مِن عُظَمائِهِمْ فَقالَ: إنَّ هَذا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَألَ داوُدُ الرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَألَ الآخَرَ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما داوُدُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدى، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا ولَسْتُ أعْجَلُ حَتّى أتَثَبَّتَ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ في مَنامِهِ فَأُمِرَ أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ، فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، فَأرْسَلَ داوُدُ إلى الرَّجُلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، قالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا تَثَبُّتٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ فِيكَ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ ولَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ فَقُتِلَ فاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قالَ: أمّا بَعْدُ، داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سَمِعَ زِيادَ بْنَ أبِيهِ يَقُولُ: فَصْلُ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: أمّا بَعْدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ داوُدَ حَدَّثَ نَفْسَهُ إذا ابْتُلِيَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّكَ سَتُبْتَلى وسَتَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ فَخُذْ حَذَرَكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ، فَأخَذَ الزَّبُورَ ودَخَلَ المِحْرابَ وأغْلَقَ بابَ المِحْرابِ وأخَذَ الزَّبُورَ في حِجْرِهِ، وأقْعَدَ مُنْصِفًا: يَعْنِي خادِمًا، عَلى البابِ وقالَ: لا تَأْذَنْ لِأحَدٍ عَلَيَّ اليَوْمَ، فَبَيْنَما هو يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جاءَ طائِرٌ مُذَهَّبٌ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ الطَّيْرُ، فِيهِ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فَجَعَلَ يَدُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَنا مِنهُ فَأمْكَنَ أنْ يَأْخُذَهُ، فَتَناوَلَهُ بِيَدِهِ لِيَأْخُذَهُ فاسْتَوْفَزَ مِن خَلْفِهِ، فَأطْبَقَ الزَّبُورَ وقامَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَطارَ فَوَقَعَ عَلى كُوَّةِ المِحْرابِ، فَدَنا مِنهُ لِيَأْخُذَهُ فَأفْضى فَوَقَعَ عَلى خُصٍّ فَأشْرَفَ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ أيْنَ وقَعَ ؟ فَإذا هو بِامْرَأةٍ عِنْدَ بِرْكَتِها تَغْتَسِلُ مِنَ الحَيْضِ، فَلَمّا رَأتْ ظِلَّهُ حَرَّكَتْ رَأْسَها، فَغَطَّتْ جَسَدَها أجْمَعَ بِشَعْرِها، وكانَ زَوْجُها غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى رَأْسِ الغُزاةِ: انْظُرْ أُورِيا فاجْعَلْهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ وكانَ حَمَلَةُ التّابُوتِ إمّا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ وإمّا أنْ يُقْتَلُوا، فَقَدَّمَهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ فَقُتِلَ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبَها داوُدُ، فاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ ولَدَتْ غُلامًا أنْ يَكُونَ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ، وأشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتابًا، فَما شَعَرَ بِفِتْنَتِهِ أنَّهُ افْتُتِنَ حَتّى ولَدَتْ سُلَيْمانَ، وشَبَّ فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ المَلَكانِ المِحْرابَ وكانَ شَأْنُهُما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ وخَرَّ داوُدُ ساجِدًا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتابَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: ما أصابَ داوُدَ بَعْدَما أصابَهُ بَعْدَ القَدَرِ إلّا مِن عُجْبٍ عَجِبَ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا وعابِدٌ مِن آلِ داوُدَ يَعْبُدُكَ يُصَلِّي لَكَ أوْ يُسَبِّحُ أوْ يُكَبِّرُ وذَكَرَ أشْياءَ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا داوُدُ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا بِي فَلَوْلا عَوْنِي ما قَوِيتَ عَلَيْهِ، وعِزَّتِي وجَلالِي لَأكِلَنَّكَ إلى نَفْسِكَ يَوْمًا، قالَ: يا رَبِّ فَأخْبِرْنِي بِهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ فَأصابَتْهُ الفِتْنَةُ ذَلِكَ اليَوْمَ.
وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.
وأخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلَةً. وأخْرَجَها جَماعَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ قالَ: عَلى دِينِي.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ ﴿أكْفِلْنِيها﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ الَّذِي هم فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالَ: اخْتَبَرْناهُ.
(p-١٢٦٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في السُّجُودِ في ص لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص وقالَ: سَجَدَها داوُدُ، ونَسْجُدُها شُكْرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى المِنبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَهَيَّأ النّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقالَ: إنَّما هي تَوْبَةٌ ولَكِنِّي رَأيْتُكم تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ فَعَظَّمَ شَأْنَهُ وشِدَّتَهُ قالَ: ويَقُولُ الرَّحْمَنُ - عَزَّ وجَلَّ - لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ، فَيَقُولُ داوُدُ: يا رَبِّ، أخافُ أنْ تَدْحَضَنِي خَطِيئَتِي، فَيَقُولُ: خُذْ بِقَدَمِي، فَيَأْخُذُ بِقَدَمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيَمُرُّ، قالَ: فَتِلْكَ الزُّلْفى الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾» .
ص 38:17
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَ أمْثالَهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهم وعَمِلَ عَمَلَهم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ بِها النّاسَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ إذا غَضِبَ عَلى أحَدٍ وتَدَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ ورَأْسَهُ عَلى الأرْضِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ: الجُمُوعُ والجُنُودُ الكَثِيرَةُ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يُقَوُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ سُلْطانَهُ كَما تُقَوِّي الأوْتادُ ما ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تَقُولُ هم في عِزٍّ ثابِتِ الأوْتادِ، ومُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ، يُرِيدُونَ مُلْكًا دائِمًا شَدِيدًا، وأصْلُ هَذا أنَّ البَيْتَ مِن بُيُوتِ الشِّعْرِ إنَّما يُثَبَّتُ ويُقَوَّمُ بِالأوْتادِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ هُنا البِناءُ المُحْكَمُ أيْ: وفِرْعَوْنُ ذُو الأبْنِيَةِ المُحْكَمَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والبُنْيانُ يُسَمّى أوْتادًا، والأوْتادُ جَمْعُ وتِدٍ أفْصَحُها فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ التّاءِ، ويُقالُ: وتَدٌ بِفَتْحِها ووَدٌّ بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ ووَدَتٌ.
قالَ الأصْمَعِيُّ ويُقالُ: وتِدٌ واتِدٌ مِثْلُ شُغْلٍ شاغِلٍ وأنْشَدَ:
؎لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفُها المَواعِدا
﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها واخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَتِها في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ومَعْنى ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ هو الرَّجُلُ.
وقُرَيْشٌ وإنْ كانُوا حِزْبًا كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ هم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا، وأقْوى أبْدانًا، وأوْسَعُ أمْوالًا وأعْمارًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا، والمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ وعادٌ كَذا قالَ أبُو البَقاءِ وهو ضَعِيفٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ عادٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، والأوْلى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلًا مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ( إنْ ) هي النّافِيَةُ، والمَعْنى: ما كَلُّ حِزْبٍ مِن هَذِهِ الأحْزابِ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ تَكْذِيبَ الحِزْبِ لِرَسُولِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ أوْ هو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، والمُرادُ تَكْذِيبُ كُلِّ حِزْبٍ لِرَسُولِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: كُلُّ أحَدٍ مِنَ الأحْزابِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ عِقابِي بِتَكْذِيبِهِمْ، ومَعْنى حَقَّ: ثَبَتَ ووَجَبَ، وإنْ تَأخَّرَ فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
قَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في ( عِقابِ ) وحَذَفَها الباقُونَ مُطابَقَةً لِرُءُوسِ الآيِ.
﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً، وهي النَّفْخَةُ الكائِنَةُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وعَلى الأوَّلِ المُرادُ مَن عاصَرَ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الكُفّارِ، وعَلى الثّانِي المُرادُ كُفّارُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ أيْ: لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ حُلُولِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن عَذابِ النّارِ إلّا أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ عَذابٌ يَفْجَؤُهم في الدُّنْيا كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
وجُمْلَةُ ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِ: ( صَيْحَةً ) . قالَ الزَّجّاجُ: فَواقٍ وفُواقٍ بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّها أيْ: ما لَها مِن رُجُوعٍ، والفَواقُ ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وأفاقَ مِن مَرَضِهِ أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنَّ الفَواقَ الرُّجُوعُ.
وقالَ قَتادَةُ ما لَها مِن مَثْنَوِيَّةٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَها مِن إفاقَةٍ، وقِيلَ: ما لَها مِن مَرَدٍّ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ما لَها مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ وإفاقَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ هي مِيعادُ عَذابِهِمْ، فَإذا جاءَتْ لَمْ تَرْجِعْ ولا تُرَدُّ عَنْهم ولا تُصْرَفُ مِنهم ولا تَتَوَقَّفُ مِقْدارَ فَواقِ ناقَةٍ، وهي ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎حَتّى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا
والفِيقَةُ اسْمُ اللَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وجَمْعُها فِيقٌ وأفْواقٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ما لَها مِن فَواقٍ " بِضَمِّ الفاءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.
قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الفَواقُ بِفَتْحِ الفاءِ الرّاحَةُ أيْ: لا يُفِيقُونَ فِيها كَما يُفِيقُ المَرِيضُ والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، وبِالضَّمِّ الِانْتِظارُ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ لَمّا سَمِعُوا ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، والقِطُّ في اللُّغَةِ النَّصِيبُ، مِنَ القَطِّ، وهو القَطْعُ، وبِهَذا قالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الفَرّاءُ: القِطُّ في كَلامِ العَرَبِ الحَظُّ والنَّصِيبُ، (p-١٢٥٩)ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّكِّ قِطٌّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: القِطُّ الكِتابُ بِالجَوائِزِ، والجَمْعُ القُطُوطُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ
ومَعْنى يَأْفِقُ يُصْلِحُ، ومَعْنى الآيَةِ سُؤالُهم لِرَبِّهِمْ أنْ يُعَجِّلَ لَهم نَصِيبَهم وحَظَّهم مِنَ العَذابِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [ الحَجِّ: ٤٧، والعَنْكَبُوتِ: ٥٣ ] .
وقالَ: السُّدِّيُّ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُمَثِّلَ لَهم مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما يُوعَدُونَ بِهِ وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: المَعْنى عَجِّلْ لَنا أرْزاقَنا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [ الحاقَّةِ: ١٩، والِانْشِقاقِ: ٧ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالَتْ قُرَيْشٌ: زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنّا نُؤْتى كِتابَنا بِشِمالِنا فَعَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَسْمَعُهُ مِن أقْوالِهِمْ فَقالَ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم مِن جُمْلَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ قُرُونِ الضَّلالَةِ، وأُمَمِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ عَلى ما يَسْمَعُهُ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وما بَعْدَها.
ومَعْنى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ اذْكُرْ قِصَّتَهُ فَإنَّكَ تَجِدُ فِيها ما تَتَسَلّى بِهِ، والأيْدُ: القُوَّةُ ومِنهُ رَجُلٌ أيْدٌ أيْ: قَوِيٌّ، وتَأيَّدَ الشَّيْءُ: تَقَوّى والمُرادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى العِبادَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وكانَتْ قُوَّةُ داوُدَ عَلى العِبادَةِ أتَمَّ قُوَّةٍ، ومِن قُوَّتِهِ ما أخْبَرَنا بِهِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وكانَ يُصَلِّي نِصْفَ اللَّيْلِ وكانَ لا يَفِرُّ إذا لاقى العَدُوَّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذا الأيْدِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إلى ما يُحِبُّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ قَوِيًّا في دِينِهِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ كُلَّما ذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغْفَرَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، وهَذا داخِلٌ تَحْتَ المَعْنى الأوَّلِ، يُقالُ: آبَ يَئُوبُ: إذا رَجَعَ.
﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - ويُنَزِّهْنَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
وجُمْلَةُ يُسَبِّحْنَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي هَذا بَيانُ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ البُرْهانِ والمُعْجِزَةِ، وهو تَسْبِيحُ الجِبالِ مَعَهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ إذا ذَكَرَ اللَّهَ ذَكَرَتِ الجِبالُ مَعَهُ، وكانَ يَفْقَهُ تَسْبِيحَ الجِبالِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أُوتِيَ داوُدُ مِن حُسْنِ الصَّوْتِ ما يَكُونُ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، فَهَذا مَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحْنَ يُصَلِّينَ، ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( سَخَّرْنا ) .
ومَعْنى ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، يُقالُ: أشْرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا أضاءَتْ، وذَلِكَ وقْتَ الضُّحى. وأمّا شُرُوقُها فَطُلُوعُها. قالَ الزَّجّاجُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ: إذا أضاءَتْ.
﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ، وانْتِصابُ ( مَحْشُورَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ تُسَبِّحُ اللَّهَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها إلَيْهِ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها الرِّيحُ. ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ رَجّاعٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ، والضَّمِيرُ في ( لَهُ ) راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ ( داوُدَ ) أيْ: لِأجْلِ تَسْبِيحِ داوُدَ مُسَبِّحٌ، فَوَضَعَ ( أوّابٌ ) مَوْضِعَ مُسَبِّحٍ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأوّابَ: الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ وثَبَّتْناهُ بِالنَّصْرِ في المَواطِنِ عَلى أعْدائِهِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ مِنهُ في قُلُوبِهِمْ.
وقِيلَ: بِكَثْرَةِ الجُنُودِ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةُ والمَعْرِفَةُ بِكُلِّ ما يَحْكُمُ بِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الفَهْمُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: العَدْلُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ. وقالَ شُرَيْحٌ: السُّنَّةُ.
والمُرادُ بِـ ( فَصْلَ الخِطابِ ) الفَصْلُ في القَضاءِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الشُّهُودُ والإيمانُ لِأنَّها إنَّما تَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِهَذا.
وقِيلَ: هو الإيجازُ بِجَعْلِ المَعْنى الكَثِيرِ في اللَّفْظِ القَلِيلِ.
﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ لَمّا مَدَحَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ الواقِعَةِ لِما فِيها مِنَ الأخْبارِ العَجِيبَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: بَعَثَ اللَّهُ إلى داوُدَ مَلَكَيْنِ، جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ لِيُنَبِّهَهُ عَلى التَّوْبَةِ، فَأتَياهُ وهو في مِحْرابِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بِالخَصْمِ هاهُنا المَلَكانِ، والخَصْمُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ.
ومَعْنى ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أتَوْهُ مِن أعْلى سُورِهِ ونَزَلُوا إلَيْهِ، والسُّورُ: الحائِطُ المُرْتَفِعُ، وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ في ( تَسَوَّرُوا ) مَعَ كَوْنِهِمُ اثْنَيْنِ نَظَرًا إلى ما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الخَصْمِ مِنَ الجَمْعِ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وخَصْمٍ غِضابٍ قَدْ نَفَضْتُ لِحاهُمُ ∗∗∗ كَنَفْضِ البَراذِينِ العِرابِ المَخالِيا
والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ، لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ وهو فِيها، كَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ صَدْرُ المَجْلِسِ ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ.
وقِيلَ: إنَّهُما كانا إنْسِيَّيْنِ ولَمْ يَكُونا مَلَكَيْنِ.
والعامِلُ في ( إذْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ النَّبَأُ أيْ: هَلْ أتاكَ الخَبَرُ الواقِعُ في وقْتِ تَسَوُّرِهِمْ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ( أتاكَ ) . وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِلْخَصْمِ. وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: وهَلْ أتاكَ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ. وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِ: ( تَسَوَّرُوا ) . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ إنْ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِمَعْنى لَمّا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُما أتَياهُ لَيْلًا في غَيْرِ وقْتِ دُخُولِ الخُصُومِ ودَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ النّاسُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وكانَ مِحْرابُ داوُدَ مِنَ الِامْتِناعِ بِالِارْتِفاعِ بِحَيْثُ لا يَرْتَقِي إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ، وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِداوُدَ لَمّا فَزِعَ مِنهم، وارْتِفاعُ خَصْمانِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَحْنُ خَصْمانِ، وجاءَ فِيما سَبَقَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهُنا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لَفْظَ الخَصْمِ يَحْتَمِلُ المُفْرَدَ والمُثَنّى والمَجْمُوعَ، فالكُلُّ جائِزٌ.
قالَ الخَلِيلُ: هو كَما تَقُولُ: نَحْنُ فَعَلْنا كَذا: إذا كُنْتُما اثْنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (p-١٢٦٠)جَمَعَ لَمّا كانَ خَبَرًا فَلَمّا انْقَضى الخَبَرُ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ أخْبَرَ الِاثْنانِ عَنْ أنْفُسِهِما فَقالا: خَصْمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وعَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يَبْغِيانِ.
ثُمَّ طَلَبا مِنهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالحَقِّ ونَهَياهُ عَنِ الجَوْرِ فَقالا: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في حُكْمِكَ، يُقالُ: شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ شَطَطًا وإشْطاطًا: إذا جارَ في حُكْمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: شَطَطْتُ عَلَيْهِ وأشْطَطْتُ أيْ: جُرْتُ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ لا تُسْرِفْ، وقِيلَ: لا تُفَرِّطْ، وقِيلَ: لا تَمِلْ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والأصْلُ فِيهِ البُعْدُ، مِن شَطَّتِ الدّارُ: إذا بَعُدَتْ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الشَّطَطُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلِّ شَيْءٍ. ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ سَواءُ الصِّراطِ: وسَطُهُ.
والمَعْنى: أرْشِدْنا إلى الحَقِّ واحْمِلْنا عَلَيْهِ. ثُمَّ لَمّا أخْبَراهُ عَنِ الخُصُومَةِ إجْمالًا شَرَعا في تَفْصِيلِهِما، وشَرْحِها، فَقالا: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ المُرادُ بِالأُخُوَّةِ هُنا: أُخُوَّةُ الدِّينِ أوِ الصُّحْبَةُ، والنَّعْجَةُ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُقالُ: لِبَقْرِ الوَحْشِ نَعْجَةٌ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النَّعْجَةُ البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ، والعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ المَرْأةِ بِها، وتُشَبِّهُ النِّساءَ بِالنِّعاجِ مِنَ البَقَرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما عَنى بِـ " هَذا " داوُدَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وعَنى بِقَوْلِهِ: ( ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) [ أُورِيا ] زَوْجَ المَرْأةِ الَّتِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها داوُدُ كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: ضُمَّها إلَيَّ وانْزِلْ لِي عَنْها حَتّى أكْفُلَها وأصِيرَ بَعْلًا لَها.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي ونَصِيبِي ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، يُقالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ عِزًّا: إذا غَلَبَهُ.
وفِي المَثَلِ: " مَن عَزَّ بَزَّ " أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ والِاسْمُ العِزَّةُ: وهي القُوَّةُ. قالَ عَطاءٌ: المَعْنى إنْ تَكَلَّمَ كانَ أفْصَحَ مِنِّي.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " وعازَّنِي في الخِطابِ " أيْ: غالَبَنِي مِنَ المُعازَّةِ وهي المُغالَبَةُ.
﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: بِسُؤالِهِ نَعْجَتِكَ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقُولُ، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهي وما بَعْدَها جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُقَدَّرِ، وجاءَ بِالقَسَمِ في كَلامِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ ما يَسْمَعُهُ مِن طَلَبِ صاحِبِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ النَّعْجَةَ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ النَّعْجَةَ الواحِدَةَ الَّتِي مَعَ صاحِبِهِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُها.
ويُمْكِنُ أنَّهُ إنَّما قالَ بِهَذا بَعْدَ أنْ سَمِعَ الِاعْتِرافَ مِنَ الآخَرِ. قالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ خَطِيئَةَ داوُدَ هي قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَثَبَّتَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وهُمُ الشُّرَكاءُ واحِدُهم خَلِيطٌ: وهو المُخالِطُ في المالِ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَعَدّى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَظْلِمُهُ غَيْرَ مُراعٍ لِحَقِّهِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ ذَلِكَ، ولا يَظْلِمُونَ خَلِيطًا ولا غَيْرَهُ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وقَلِيلٌ هم، و( ما ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّعْجِيبِ.
وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ، و( هم ) مُبْتَدَأٌ، و( قَلِيلٌ ) خَبَرُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . قالَ أبُو عَمْرٍو والفَرّاءُ: ( ظَنَّ ) يَعْنِي أيْقَنَ.
ومَعْنى فَتَنّاهُ ابْتَلَيْناهُ، والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ أنْ تَخاصَما إلَيْهِ وقالَ ما قالَ عَلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُرادُ، وأنَّ مَقْصُودَهُما التَّعْرِيضُ بِهِ وبِصاحِبِهِ الَّذِي أرادَ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا قَضى بَيْنَهُما داوُدُ نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ داوُدُ بِما أرادَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَنّاهُ بِالتَّخْفِيفِ لِلتّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ بِالتَّشْدِيدِ لِلتّاءِ والنُّونِ، وهي مُبالَغَةٌ في الفِتْنَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ " افْتَنّاهُ " وقَرَأ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَتَناهُ " بِتَخْفِيفِهِما وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكَيْنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) لِذَنْبِهِ ( وخَرَّ راكِعًا ) أيْ ساجِدًا، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ المُرادَ بِالرُّكُوعِ هُنا السُّجُودُ، فَإنَّ السُّجُودَ هو المَيْلُ، والرُّكُوعُ هو الِانْحِناءُ وأحَدُهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِهَيْئَةٍ.
ثُمَّ جاءَ في هَذا عَلى تَسْمِيَةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ. وقِيلَ: المَعْنى لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ: مُصَلِّيًا.
وقِيلَ: بَلْ كانَ رُكُوعُهم سُجُودًا، وقِيلَ: بَلْ كانَ سُجُودُهم رُكُوعًا وأنابَ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَنْبِ داوُدَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ وتابَ عَنْهُ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهُ نَظَرَ إلى امْرَأةِ الرَّجُلِ الَّتِي أرادَ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، كَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَتَعَمَّدْ داوُدُ النَّظَرَ إلى المَرْأةِ لَكِنَّهُ عاوَدَ النَّظَرَ إلَيْها، وصارَتِ الأُولى لَهُ والثّانِيَةُ عَلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي أنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها في جُمْلَةِ الغُزاةِ.
الثّالِثُ أنَّهُ نَوى إنْ ماتَ زَوْجُها أنْ يَتَزَوَّجَها.
الرّابِعُ أنَّ أُورِيا كانَ خَطَبَ تِلْكَ المَرْأةَ فَلَمّا غابَ خَطَبَها داوُدُ فَزُوِّجَتْ مِنهُ لِجَلالَتِهِ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ أُورِيا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْها لِخاطِبِها.
الخامِسُ أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلى قَتْلِ أُورِيا كَما كانَ يَجْزَعُ عَلى مَن هَلَكَ مِنَ الجُنْدِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأتَهُ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ ذُنُوبَ الأنْبِياءِ وإنْ صَغُرَتْ فَهي عَظِيمَةٌ.
السّادِسُ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا.
وأقُولُ الظّاهِرُ مِنَ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ المَلَكَيْنِ تَعْرِيضًا لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طَلَبَ مِن زَوْجِ المَرْأةِ الواحِدَةِ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْها ويَضُمَّها إلى نِسائِهِ، ولا يُنافِي هَذا العِصْمَةَ الكائِنَةَ لِلْأنْبِياءِ، فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وعَرَّضَ لَهُ بِإرْسالِ مَلائِكَتِهِ إلَيْهِ لِيَتَخاصَمُوا في مِثْلِ قِصَّتِهِ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ ويَتُوبَ مِنهُ فاسْتَغْفَرَ وتابَ.
وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] وهو أبُو البَشَرِ وأوَّلُ الأنْبِياءِ، ووَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في كِتابِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ قَبِلَ اسْتِغْفارَهُ وتَوْبَتَهُ قالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنهُ.
قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ داوُدَ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى نَبَتَ الرَّعْيُ حَوْلَ وجْهِهِ وغَمَرَ رَأْسَهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (p-١٢٦١)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ تامٌّ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلْفى: القُرْبَةُ والكَرامَةُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: الزُّلْفى الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِحُسْنِ المَآبِ: حُسْنُ المَرْجِعِ وهو الجَنَّةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قالَ: مِن رَجْعَةٍ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: سَألُوا اللَّهَ أنْ يُعَجِّلَ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ذا الأيْدِ قالَ: القُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأوّابُ المُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ " فَقالَ سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْهُ فَقالَ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّابُ المُوقِنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْهُ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي وجْهَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ حَتّى رَأيْتُ النّاسَ يُصَلُّونَ الضُّحى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ فَما أدْرِي ما هي ؟ حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى الضُّحى، ثُمَّ قالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ.
والأحادِيثُ في صَلاةِ الضُّحى كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرْناها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَعْدى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ مِن عُظَمائِهِمْ فَقالَ: إنَّ هَذا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَألَ داوُدُ الرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَألَ الآخَرَ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما داوُدُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدى، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا ولَسْتُ أعْجَلُ حَتّى أتَثَبَّتَ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ في مَنامِهِ فَأُمِرَ أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ، فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، فَأرْسَلَ داوُدُ إلى الرَّجُلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، قالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا تَثَبُّتٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ فِيكَ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ ولَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ فَقُتِلَ فاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قالَ: أمّا بَعْدُ، داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سَمِعَ زِيادَ بْنَ أبِيهِ يَقُولُ: فَصْلُ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: أمّا بَعْدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ داوُدَ حَدَّثَ نَفْسَهُ إذا ابْتُلِيَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّكَ سَتُبْتَلى وسَتَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ فَخُذْ حَذَرَكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ، فَأخَذَ الزَّبُورَ ودَخَلَ المِحْرابَ وأغْلَقَ بابَ المِحْرابِ وأخَذَ الزَّبُورَ في حِجْرِهِ، وأقْعَدَ مُنْصِفًا: يَعْنِي خادِمًا، عَلى البابِ وقالَ: لا تَأْذَنْ لِأحَدٍ عَلَيَّ اليَوْمَ، فَبَيْنَما هو يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جاءَ طائِرٌ مُذَهَّبٌ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ الطَّيْرُ، فِيهِ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فَجَعَلَ يَدُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَنا مِنهُ فَأمْكَنَ أنْ يَأْخُذَهُ، فَتَناوَلَهُ بِيَدِهِ لِيَأْخُذَهُ فاسْتَوْفَزَ مِن خَلْفِهِ، فَأطْبَقَ الزَّبُورَ وقامَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَطارَ فَوَقَعَ عَلى كُوَّةِ المِحْرابِ، فَدَنا مِنهُ لِيَأْخُذَهُ فَأفْضى فَوَقَعَ عَلى خُصٍّ فَأشْرَفَ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ أيْنَ وقَعَ ؟ فَإذا هو بِامْرَأةٍ عِنْدَ بِرْكَتِها تَغْتَسِلُ مِنَ الحَيْضِ، فَلَمّا رَأتْ ظِلَّهُ حَرَّكَتْ رَأْسَها، فَغَطَّتْ جَسَدَها أجْمَعَ بِشَعْرِها، وكانَ زَوْجُها غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى رَأْسِ الغُزاةِ: انْظُرْ أُورِيا فاجْعَلْهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ وكانَ حَمَلَةُ التّابُوتِ إمّا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ وإمّا أنْ يُقْتَلُوا، فَقَدَّمَهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ فَقُتِلَ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبَها داوُدُ، فاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ ولَدَتْ غُلامًا أنْ يَكُونَ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ، وأشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتابًا، فَما شَعَرَ بِفِتْنَتِهِ أنَّهُ افْتُتِنَ حَتّى ولَدَتْ سُلَيْمانَ، وشَبَّ فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ المَلَكانِ المِحْرابَ وكانَ شَأْنُهُما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ وخَرَّ داوُدُ ساجِدًا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتابَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: ما أصابَ داوُدَ بَعْدَما أصابَهُ بَعْدَ القَدَرِ إلّا مِن عُجْبٍ عَجِبَ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا وعابِدٌ مِن آلِ داوُدَ يَعْبُدُكَ يُصَلِّي لَكَ أوْ يُسَبِّحُ أوْ يُكَبِّرُ وذَكَرَ أشْياءَ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا داوُدُ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا بِي فَلَوْلا عَوْنِي ما قَوِيتَ عَلَيْهِ، وعِزَّتِي وجَلالِي لَأكِلَنَّكَ إلى نَفْسِكَ يَوْمًا، قالَ: يا رَبِّ فَأخْبِرْنِي بِهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ فَأصابَتْهُ الفِتْنَةُ ذَلِكَ اليَوْمَ.
وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.
وأخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلَةً. وأخْرَجَها جَماعَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ قالَ: عَلى دِينِي.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ ﴿أكْفِلْنِيها﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ الَّذِي هم فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالَ: اخْتَبَرْناهُ.
(p-١٢٦٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في السُّجُودِ في ص لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص وقالَ: سَجَدَها داوُدُ، ونَسْجُدُها شُكْرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى المِنبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَهَيَّأ النّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقالَ: إنَّما هي تَوْبَةٌ ولَكِنِّي رَأيْتُكم تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ فَعَظَّمَ شَأْنَهُ وشِدَّتَهُ قالَ: ويَقُولُ الرَّحْمَنُ - عَزَّ وجَلَّ - لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ، فَيَقُولُ داوُدُ: يا رَبِّ، أخافُ أنْ تَدْحَضَنِي خَطِيئَتِي، فَيَقُولُ: خُذْ بِقَدَمِي، فَيَأْخُذُ بِقَدَمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيَمُرُّ، قالَ: فَتِلْكَ الزُّلْفى الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾» .
ص 38:18
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَ أمْثالَهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهم وعَمِلَ عَمَلَهم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ بِها النّاسَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ إذا غَضِبَ عَلى أحَدٍ وتَدَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ ورَأْسَهُ عَلى الأرْضِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ: الجُمُوعُ والجُنُودُ الكَثِيرَةُ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يُقَوُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ سُلْطانَهُ كَما تُقَوِّي الأوْتادُ ما ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تَقُولُ هم في عِزٍّ ثابِتِ الأوْتادِ، ومُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ، يُرِيدُونَ مُلْكًا دائِمًا شَدِيدًا، وأصْلُ هَذا أنَّ البَيْتَ مِن بُيُوتِ الشِّعْرِ إنَّما يُثَبَّتُ ويُقَوَّمُ بِالأوْتادِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ هُنا البِناءُ المُحْكَمُ أيْ: وفِرْعَوْنُ ذُو الأبْنِيَةِ المُحْكَمَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والبُنْيانُ يُسَمّى أوْتادًا، والأوْتادُ جَمْعُ وتِدٍ أفْصَحُها فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ التّاءِ، ويُقالُ: وتَدٌ بِفَتْحِها ووَدٌّ بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ ووَدَتٌ.
قالَ الأصْمَعِيُّ ويُقالُ: وتِدٌ واتِدٌ مِثْلُ شُغْلٍ شاغِلٍ وأنْشَدَ:
؎لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفُها المَواعِدا
﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها واخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَتِها في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ومَعْنى ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ هو الرَّجُلُ.
وقُرَيْشٌ وإنْ كانُوا حِزْبًا كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ هم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا، وأقْوى أبْدانًا، وأوْسَعُ أمْوالًا وأعْمارًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا، والمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ وعادٌ كَذا قالَ أبُو البَقاءِ وهو ضَعِيفٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ عادٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، والأوْلى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلًا مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ( إنْ ) هي النّافِيَةُ، والمَعْنى: ما كَلُّ حِزْبٍ مِن هَذِهِ الأحْزابِ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ تَكْذِيبَ الحِزْبِ لِرَسُولِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ أوْ هو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، والمُرادُ تَكْذِيبُ كُلِّ حِزْبٍ لِرَسُولِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: كُلُّ أحَدٍ مِنَ الأحْزابِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ عِقابِي بِتَكْذِيبِهِمْ، ومَعْنى حَقَّ: ثَبَتَ ووَجَبَ، وإنْ تَأخَّرَ فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
قَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في ( عِقابِ ) وحَذَفَها الباقُونَ مُطابَقَةً لِرُءُوسِ الآيِ.
﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً، وهي النَّفْخَةُ الكائِنَةُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وعَلى الأوَّلِ المُرادُ مَن عاصَرَ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الكُفّارِ، وعَلى الثّانِي المُرادُ كُفّارُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ أيْ: لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ حُلُولِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن عَذابِ النّارِ إلّا أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ عَذابٌ يَفْجَؤُهم في الدُّنْيا كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
وجُمْلَةُ ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِ: ( صَيْحَةً ) . قالَ الزَّجّاجُ: فَواقٍ وفُواقٍ بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّها أيْ: ما لَها مِن رُجُوعٍ، والفَواقُ ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وأفاقَ مِن مَرَضِهِ أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنَّ الفَواقَ الرُّجُوعُ.
وقالَ قَتادَةُ ما لَها مِن مَثْنَوِيَّةٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَها مِن إفاقَةٍ، وقِيلَ: ما لَها مِن مَرَدٍّ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ما لَها مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ وإفاقَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ هي مِيعادُ عَذابِهِمْ، فَإذا جاءَتْ لَمْ تَرْجِعْ ولا تُرَدُّ عَنْهم ولا تُصْرَفُ مِنهم ولا تَتَوَقَّفُ مِقْدارَ فَواقِ ناقَةٍ، وهي ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎حَتّى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا
والفِيقَةُ اسْمُ اللَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وجَمْعُها فِيقٌ وأفْواقٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ما لَها مِن فَواقٍ " بِضَمِّ الفاءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.
قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الفَواقُ بِفَتْحِ الفاءِ الرّاحَةُ أيْ: لا يُفِيقُونَ فِيها كَما يُفِيقُ المَرِيضُ والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، وبِالضَّمِّ الِانْتِظارُ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ لَمّا سَمِعُوا ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، والقِطُّ في اللُّغَةِ النَّصِيبُ، مِنَ القَطِّ، وهو القَطْعُ، وبِهَذا قالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الفَرّاءُ: القِطُّ في كَلامِ العَرَبِ الحَظُّ والنَّصِيبُ، (p-١٢٥٩)ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّكِّ قِطٌّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: القِطُّ الكِتابُ بِالجَوائِزِ، والجَمْعُ القُطُوطُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ
ومَعْنى يَأْفِقُ يُصْلِحُ، ومَعْنى الآيَةِ سُؤالُهم لِرَبِّهِمْ أنْ يُعَجِّلَ لَهم نَصِيبَهم وحَظَّهم مِنَ العَذابِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [ الحَجِّ: ٤٧، والعَنْكَبُوتِ: ٥٣ ] .
وقالَ: السُّدِّيُّ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُمَثِّلَ لَهم مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما يُوعَدُونَ بِهِ وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: المَعْنى عَجِّلْ لَنا أرْزاقَنا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [ الحاقَّةِ: ١٩، والِانْشِقاقِ: ٧ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالَتْ قُرَيْشٌ: زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنّا نُؤْتى كِتابَنا بِشِمالِنا فَعَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَسْمَعُهُ مِن أقْوالِهِمْ فَقالَ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم مِن جُمْلَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ قُرُونِ الضَّلالَةِ، وأُمَمِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ عَلى ما يَسْمَعُهُ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وما بَعْدَها.
ومَعْنى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ اذْكُرْ قِصَّتَهُ فَإنَّكَ تَجِدُ فِيها ما تَتَسَلّى بِهِ، والأيْدُ: القُوَّةُ ومِنهُ رَجُلٌ أيْدٌ أيْ: قَوِيٌّ، وتَأيَّدَ الشَّيْءُ: تَقَوّى والمُرادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى العِبادَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وكانَتْ قُوَّةُ داوُدَ عَلى العِبادَةِ أتَمَّ قُوَّةٍ، ومِن قُوَّتِهِ ما أخْبَرَنا بِهِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وكانَ يُصَلِّي نِصْفَ اللَّيْلِ وكانَ لا يَفِرُّ إذا لاقى العَدُوَّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذا الأيْدِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إلى ما يُحِبُّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ قَوِيًّا في دِينِهِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ كُلَّما ذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغْفَرَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، وهَذا داخِلٌ تَحْتَ المَعْنى الأوَّلِ، يُقالُ: آبَ يَئُوبُ: إذا رَجَعَ.
﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - ويُنَزِّهْنَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
وجُمْلَةُ يُسَبِّحْنَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي هَذا بَيانُ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ البُرْهانِ والمُعْجِزَةِ، وهو تَسْبِيحُ الجِبالِ مَعَهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ إذا ذَكَرَ اللَّهَ ذَكَرَتِ الجِبالُ مَعَهُ، وكانَ يَفْقَهُ تَسْبِيحَ الجِبالِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أُوتِيَ داوُدُ مِن حُسْنِ الصَّوْتِ ما يَكُونُ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، فَهَذا مَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحْنَ يُصَلِّينَ، ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( سَخَّرْنا ) .
ومَعْنى ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، يُقالُ: أشْرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا أضاءَتْ، وذَلِكَ وقْتَ الضُّحى. وأمّا شُرُوقُها فَطُلُوعُها. قالَ الزَّجّاجُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ: إذا أضاءَتْ.
﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ، وانْتِصابُ ( مَحْشُورَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ تُسَبِّحُ اللَّهَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها إلَيْهِ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها الرِّيحُ. ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ رَجّاعٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ، والضَّمِيرُ في ( لَهُ ) راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ ( داوُدَ ) أيْ: لِأجْلِ تَسْبِيحِ داوُدَ مُسَبِّحٌ، فَوَضَعَ ( أوّابٌ ) مَوْضِعَ مُسَبِّحٍ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأوّابَ: الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ وثَبَّتْناهُ بِالنَّصْرِ في المَواطِنِ عَلى أعْدائِهِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ مِنهُ في قُلُوبِهِمْ.
وقِيلَ: بِكَثْرَةِ الجُنُودِ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةُ والمَعْرِفَةُ بِكُلِّ ما يَحْكُمُ بِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الفَهْمُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: العَدْلُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ. وقالَ شُرَيْحٌ: السُّنَّةُ.
والمُرادُ بِـ ( فَصْلَ الخِطابِ ) الفَصْلُ في القَضاءِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الشُّهُودُ والإيمانُ لِأنَّها إنَّما تَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِهَذا.
وقِيلَ: هو الإيجازُ بِجَعْلِ المَعْنى الكَثِيرِ في اللَّفْظِ القَلِيلِ.
﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ لَمّا مَدَحَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ الواقِعَةِ لِما فِيها مِنَ الأخْبارِ العَجِيبَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: بَعَثَ اللَّهُ إلى داوُدَ مَلَكَيْنِ، جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ لِيُنَبِّهَهُ عَلى التَّوْبَةِ، فَأتَياهُ وهو في مِحْرابِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بِالخَصْمِ هاهُنا المَلَكانِ، والخَصْمُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ.
ومَعْنى ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أتَوْهُ مِن أعْلى سُورِهِ ونَزَلُوا إلَيْهِ، والسُّورُ: الحائِطُ المُرْتَفِعُ، وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ في ( تَسَوَّرُوا ) مَعَ كَوْنِهِمُ اثْنَيْنِ نَظَرًا إلى ما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الخَصْمِ مِنَ الجَمْعِ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وخَصْمٍ غِضابٍ قَدْ نَفَضْتُ لِحاهُمُ ∗∗∗ كَنَفْضِ البَراذِينِ العِرابِ المَخالِيا
والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ، لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ وهو فِيها، كَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ صَدْرُ المَجْلِسِ ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ.
وقِيلَ: إنَّهُما كانا إنْسِيَّيْنِ ولَمْ يَكُونا مَلَكَيْنِ.
والعامِلُ في ( إذْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ النَّبَأُ أيْ: هَلْ أتاكَ الخَبَرُ الواقِعُ في وقْتِ تَسَوُّرِهِمْ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ( أتاكَ ) . وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِلْخَصْمِ. وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: وهَلْ أتاكَ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ. وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِ: ( تَسَوَّرُوا ) . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ إنْ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِمَعْنى لَمّا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُما أتَياهُ لَيْلًا في غَيْرِ وقْتِ دُخُولِ الخُصُومِ ودَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ النّاسُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وكانَ مِحْرابُ داوُدَ مِنَ الِامْتِناعِ بِالِارْتِفاعِ بِحَيْثُ لا يَرْتَقِي إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ، وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِداوُدَ لَمّا فَزِعَ مِنهم، وارْتِفاعُ خَصْمانِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَحْنُ خَصْمانِ، وجاءَ فِيما سَبَقَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهُنا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لَفْظَ الخَصْمِ يَحْتَمِلُ المُفْرَدَ والمُثَنّى والمَجْمُوعَ، فالكُلُّ جائِزٌ.
قالَ الخَلِيلُ: هو كَما تَقُولُ: نَحْنُ فَعَلْنا كَذا: إذا كُنْتُما اثْنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (p-١٢٦٠)جَمَعَ لَمّا كانَ خَبَرًا فَلَمّا انْقَضى الخَبَرُ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ أخْبَرَ الِاثْنانِ عَنْ أنْفُسِهِما فَقالا: خَصْمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وعَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يَبْغِيانِ.
ثُمَّ طَلَبا مِنهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالحَقِّ ونَهَياهُ عَنِ الجَوْرِ فَقالا: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في حُكْمِكَ، يُقالُ: شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ شَطَطًا وإشْطاطًا: إذا جارَ في حُكْمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: شَطَطْتُ عَلَيْهِ وأشْطَطْتُ أيْ: جُرْتُ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ لا تُسْرِفْ، وقِيلَ: لا تُفَرِّطْ، وقِيلَ: لا تَمِلْ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والأصْلُ فِيهِ البُعْدُ، مِن شَطَّتِ الدّارُ: إذا بَعُدَتْ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الشَّطَطُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلِّ شَيْءٍ. ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ سَواءُ الصِّراطِ: وسَطُهُ.
والمَعْنى: أرْشِدْنا إلى الحَقِّ واحْمِلْنا عَلَيْهِ. ثُمَّ لَمّا أخْبَراهُ عَنِ الخُصُومَةِ إجْمالًا شَرَعا في تَفْصِيلِهِما، وشَرْحِها، فَقالا: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ المُرادُ بِالأُخُوَّةِ هُنا: أُخُوَّةُ الدِّينِ أوِ الصُّحْبَةُ، والنَّعْجَةُ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُقالُ: لِبَقْرِ الوَحْشِ نَعْجَةٌ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النَّعْجَةُ البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ، والعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ المَرْأةِ بِها، وتُشَبِّهُ النِّساءَ بِالنِّعاجِ مِنَ البَقَرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما عَنى بِـ " هَذا " داوُدَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وعَنى بِقَوْلِهِ: ( ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) [ أُورِيا ] زَوْجَ المَرْأةِ الَّتِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها داوُدُ كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: ضُمَّها إلَيَّ وانْزِلْ لِي عَنْها حَتّى أكْفُلَها وأصِيرَ بَعْلًا لَها.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي ونَصِيبِي ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، يُقالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ عِزًّا: إذا غَلَبَهُ.
وفِي المَثَلِ: " مَن عَزَّ بَزَّ " أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ والِاسْمُ العِزَّةُ: وهي القُوَّةُ. قالَ عَطاءٌ: المَعْنى إنْ تَكَلَّمَ كانَ أفْصَحَ مِنِّي.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " وعازَّنِي في الخِطابِ " أيْ: غالَبَنِي مِنَ المُعازَّةِ وهي المُغالَبَةُ.
﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: بِسُؤالِهِ نَعْجَتِكَ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقُولُ، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهي وما بَعْدَها جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُقَدَّرِ، وجاءَ بِالقَسَمِ في كَلامِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ ما يَسْمَعُهُ مِن طَلَبِ صاحِبِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ النَّعْجَةَ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ النَّعْجَةَ الواحِدَةَ الَّتِي مَعَ صاحِبِهِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُها.
ويُمْكِنُ أنَّهُ إنَّما قالَ بِهَذا بَعْدَ أنْ سَمِعَ الِاعْتِرافَ مِنَ الآخَرِ. قالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ خَطِيئَةَ داوُدَ هي قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَثَبَّتَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وهُمُ الشُّرَكاءُ واحِدُهم خَلِيطٌ: وهو المُخالِطُ في المالِ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَعَدّى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَظْلِمُهُ غَيْرَ مُراعٍ لِحَقِّهِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ ذَلِكَ، ولا يَظْلِمُونَ خَلِيطًا ولا غَيْرَهُ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وقَلِيلٌ هم، و( ما ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّعْجِيبِ.
وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ، و( هم ) مُبْتَدَأٌ، و( قَلِيلٌ ) خَبَرُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . قالَ أبُو عَمْرٍو والفَرّاءُ: ( ظَنَّ ) يَعْنِي أيْقَنَ.
ومَعْنى فَتَنّاهُ ابْتَلَيْناهُ، والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ أنْ تَخاصَما إلَيْهِ وقالَ ما قالَ عَلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُرادُ، وأنَّ مَقْصُودَهُما التَّعْرِيضُ بِهِ وبِصاحِبِهِ الَّذِي أرادَ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا قَضى بَيْنَهُما داوُدُ نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ داوُدُ بِما أرادَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَنّاهُ بِالتَّخْفِيفِ لِلتّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ بِالتَّشْدِيدِ لِلتّاءِ والنُّونِ، وهي مُبالَغَةٌ في الفِتْنَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ " افْتَنّاهُ " وقَرَأ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَتَناهُ " بِتَخْفِيفِهِما وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكَيْنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) لِذَنْبِهِ ( وخَرَّ راكِعًا ) أيْ ساجِدًا، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ المُرادَ بِالرُّكُوعِ هُنا السُّجُودُ، فَإنَّ السُّجُودَ هو المَيْلُ، والرُّكُوعُ هو الِانْحِناءُ وأحَدُهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِهَيْئَةٍ.
ثُمَّ جاءَ في هَذا عَلى تَسْمِيَةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ. وقِيلَ: المَعْنى لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ: مُصَلِّيًا.
وقِيلَ: بَلْ كانَ رُكُوعُهم سُجُودًا، وقِيلَ: بَلْ كانَ سُجُودُهم رُكُوعًا وأنابَ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَنْبِ داوُدَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ وتابَ عَنْهُ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهُ نَظَرَ إلى امْرَأةِ الرَّجُلِ الَّتِي أرادَ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، كَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَتَعَمَّدْ داوُدُ النَّظَرَ إلى المَرْأةِ لَكِنَّهُ عاوَدَ النَّظَرَ إلَيْها، وصارَتِ الأُولى لَهُ والثّانِيَةُ عَلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي أنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها في جُمْلَةِ الغُزاةِ.
الثّالِثُ أنَّهُ نَوى إنْ ماتَ زَوْجُها أنْ يَتَزَوَّجَها.
الرّابِعُ أنَّ أُورِيا كانَ خَطَبَ تِلْكَ المَرْأةَ فَلَمّا غابَ خَطَبَها داوُدُ فَزُوِّجَتْ مِنهُ لِجَلالَتِهِ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ أُورِيا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْها لِخاطِبِها.
الخامِسُ أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلى قَتْلِ أُورِيا كَما كانَ يَجْزَعُ عَلى مَن هَلَكَ مِنَ الجُنْدِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأتَهُ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ ذُنُوبَ الأنْبِياءِ وإنْ صَغُرَتْ فَهي عَظِيمَةٌ.
السّادِسُ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا.
وأقُولُ الظّاهِرُ مِنَ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ المَلَكَيْنِ تَعْرِيضًا لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طَلَبَ مِن زَوْجِ المَرْأةِ الواحِدَةِ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْها ويَضُمَّها إلى نِسائِهِ، ولا يُنافِي هَذا العِصْمَةَ الكائِنَةَ لِلْأنْبِياءِ، فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وعَرَّضَ لَهُ بِإرْسالِ مَلائِكَتِهِ إلَيْهِ لِيَتَخاصَمُوا في مِثْلِ قِصَّتِهِ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ ويَتُوبَ مِنهُ فاسْتَغْفَرَ وتابَ.
وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] وهو أبُو البَشَرِ وأوَّلُ الأنْبِياءِ، ووَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في كِتابِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ قَبِلَ اسْتِغْفارَهُ وتَوْبَتَهُ قالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنهُ.
قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ داوُدَ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى نَبَتَ الرَّعْيُ حَوْلَ وجْهِهِ وغَمَرَ رَأْسَهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (p-١٢٦١)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ تامٌّ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلْفى: القُرْبَةُ والكَرامَةُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: الزُّلْفى الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِحُسْنِ المَآبِ: حُسْنُ المَرْجِعِ وهو الجَنَّةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قالَ: مِن رَجْعَةٍ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: سَألُوا اللَّهَ أنْ يُعَجِّلَ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ذا الأيْدِ قالَ: القُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأوّابُ المُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ " فَقالَ سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْهُ فَقالَ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّابُ المُوقِنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْهُ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي وجْهَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ حَتّى رَأيْتُ النّاسَ يُصَلُّونَ الضُّحى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ فَما أدْرِي ما هي ؟ حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى الضُّحى، ثُمَّ قالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ.
والأحادِيثُ في صَلاةِ الضُّحى كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرْناها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَعْدى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ مِن عُظَمائِهِمْ فَقالَ: إنَّ هَذا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَألَ داوُدُ الرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَألَ الآخَرَ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما داوُدُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدى، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا ولَسْتُ أعْجَلُ حَتّى أتَثَبَّتَ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ في مَنامِهِ فَأُمِرَ أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ، فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، فَأرْسَلَ داوُدُ إلى الرَّجُلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، قالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا تَثَبُّتٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ فِيكَ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ ولَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ فَقُتِلَ فاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قالَ: أمّا بَعْدُ، داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سَمِعَ زِيادَ بْنَ أبِيهِ يَقُولُ: فَصْلُ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: أمّا بَعْدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ داوُدَ حَدَّثَ نَفْسَهُ إذا ابْتُلِيَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّكَ سَتُبْتَلى وسَتَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ فَخُذْ حَذَرَكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ، فَأخَذَ الزَّبُورَ ودَخَلَ المِحْرابَ وأغْلَقَ بابَ المِحْرابِ وأخَذَ الزَّبُورَ في حِجْرِهِ، وأقْعَدَ مُنْصِفًا: يَعْنِي خادِمًا، عَلى البابِ وقالَ: لا تَأْذَنْ لِأحَدٍ عَلَيَّ اليَوْمَ، فَبَيْنَما هو يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جاءَ طائِرٌ مُذَهَّبٌ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ الطَّيْرُ، فِيهِ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فَجَعَلَ يَدُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَنا مِنهُ فَأمْكَنَ أنْ يَأْخُذَهُ، فَتَناوَلَهُ بِيَدِهِ لِيَأْخُذَهُ فاسْتَوْفَزَ مِن خَلْفِهِ، فَأطْبَقَ الزَّبُورَ وقامَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَطارَ فَوَقَعَ عَلى كُوَّةِ المِحْرابِ، فَدَنا مِنهُ لِيَأْخُذَهُ فَأفْضى فَوَقَعَ عَلى خُصٍّ فَأشْرَفَ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ أيْنَ وقَعَ ؟ فَإذا هو بِامْرَأةٍ عِنْدَ بِرْكَتِها تَغْتَسِلُ مِنَ الحَيْضِ، فَلَمّا رَأتْ ظِلَّهُ حَرَّكَتْ رَأْسَها، فَغَطَّتْ جَسَدَها أجْمَعَ بِشَعْرِها، وكانَ زَوْجُها غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى رَأْسِ الغُزاةِ: انْظُرْ أُورِيا فاجْعَلْهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ وكانَ حَمَلَةُ التّابُوتِ إمّا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ وإمّا أنْ يُقْتَلُوا، فَقَدَّمَهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ فَقُتِلَ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبَها داوُدُ، فاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ ولَدَتْ غُلامًا أنْ يَكُونَ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ، وأشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتابًا، فَما شَعَرَ بِفِتْنَتِهِ أنَّهُ افْتُتِنَ حَتّى ولَدَتْ سُلَيْمانَ، وشَبَّ فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ المَلَكانِ المِحْرابَ وكانَ شَأْنُهُما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ وخَرَّ داوُدُ ساجِدًا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتابَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: ما أصابَ داوُدَ بَعْدَما أصابَهُ بَعْدَ القَدَرِ إلّا مِن عُجْبٍ عَجِبَ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا وعابِدٌ مِن آلِ داوُدَ يَعْبُدُكَ يُصَلِّي لَكَ أوْ يُسَبِّحُ أوْ يُكَبِّرُ وذَكَرَ أشْياءَ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا داوُدُ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا بِي فَلَوْلا عَوْنِي ما قَوِيتَ عَلَيْهِ، وعِزَّتِي وجَلالِي لَأكِلَنَّكَ إلى نَفْسِكَ يَوْمًا، قالَ: يا رَبِّ فَأخْبِرْنِي بِهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ فَأصابَتْهُ الفِتْنَةُ ذَلِكَ اليَوْمَ.
وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.
وأخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلَةً. وأخْرَجَها جَماعَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ قالَ: عَلى دِينِي.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ ﴿أكْفِلْنِيها﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ الَّذِي هم فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالَ: اخْتَبَرْناهُ.
(p-١٢٦٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في السُّجُودِ في ص لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص وقالَ: سَجَدَها داوُدُ، ونَسْجُدُها شُكْرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى المِنبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَهَيَّأ النّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقالَ: إنَّما هي تَوْبَةٌ ولَكِنِّي رَأيْتُكم تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ فَعَظَّمَ شَأْنَهُ وشِدَّتَهُ قالَ: ويَقُولُ الرَّحْمَنُ - عَزَّ وجَلَّ - لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ، فَيَقُولُ داوُدُ: يا رَبِّ، أخافُ أنْ تَدْحَضَنِي خَطِيئَتِي، فَيَقُولُ: خُذْ بِقَدَمِي، فَيَأْخُذُ بِقَدَمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيَمُرُّ، قالَ: فَتِلْكَ الزُّلْفى الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾» .
ص 38:19
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَ أمْثالَهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهم وعَمِلَ عَمَلَهم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ بِها النّاسَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ إذا غَضِبَ عَلى أحَدٍ وتَدَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ ورَأْسَهُ عَلى الأرْضِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ: الجُمُوعُ والجُنُودُ الكَثِيرَةُ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يُقَوُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ سُلْطانَهُ كَما تُقَوِّي الأوْتادُ ما ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تَقُولُ هم في عِزٍّ ثابِتِ الأوْتادِ، ومُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ، يُرِيدُونَ مُلْكًا دائِمًا شَدِيدًا، وأصْلُ هَذا أنَّ البَيْتَ مِن بُيُوتِ الشِّعْرِ إنَّما يُثَبَّتُ ويُقَوَّمُ بِالأوْتادِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ هُنا البِناءُ المُحْكَمُ أيْ: وفِرْعَوْنُ ذُو الأبْنِيَةِ المُحْكَمَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والبُنْيانُ يُسَمّى أوْتادًا، والأوْتادُ جَمْعُ وتِدٍ أفْصَحُها فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ التّاءِ، ويُقالُ: وتَدٌ بِفَتْحِها ووَدٌّ بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ ووَدَتٌ.
قالَ الأصْمَعِيُّ ويُقالُ: وتِدٌ واتِدٌ مِثْلُ شُغْلٍ شاغِلٍ وأنْشَدَ:
؎لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفُها المَواعِدا
﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها واخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَتِها في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ومَعْنى ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ هو الرَّجُلُ.
وقُرَيْشٌ وإنْ كانُوا حِزْبًا كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ هم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا، وأقْوى أبْدانًا، وأوْسَعُ أمْوالًا وأعْمارًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا، والمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ وعادٌ كَذا قالَ أبُو البَقاءِ وهو ضَعِيفٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ عادٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، والأوْلى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلًا مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ( إنْ ) هي النّافِيَةُ، والمَعْنى: ما كَلُّ حِزْبٍ مِن هَذِهِ الأحْزابِ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ تَكْذِيبَ الحِزْبِ لِرَسُولِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ أوْ هو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، والمُرادُ تَكْذِيبُ كُلِّ حِزْبٍ لِرَسُولِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: كُلُّ أحَدٍ مِنَ الأحْزابِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ عِقابِي بِتَكْذِيبِهِمْ، ومَعْنى حَقَّ: ثَبَتَ ووَجَبَ، وإنْ تَأخَّرَ فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
قَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في ( عِقابِ ) وحَذَفَها الباقُونَ مُطابَقَةً لِرُءُوسِ الآيِ.
﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً، وهي النَّفْخَةُ الكائِنَةُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وعَلى الأوَّلِ المُرادُ مَن عاصَرَ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الكُفّارِ، وعَلى الثّانِي المُرادُ كُفّارُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ أيْ: لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ حُلُولِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن عَذابِ النّارِ إلّا أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ عَذابٌ يَفْجَؤُهم في الدُّنْيا كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
وجُمْلَةُ ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِ: ( صَيْحَةً ) . قالَ الزَّجّاجُ: فَواقٍ وفُواقٍ بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّها أيْ: ما لَها مِن رُجُوعٍ، والفَواقُ ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وأفاقَ مِن مَرَضِهِ أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنَّ الفَواقَ الرُّجُوعُ.
وقالَ قَتادَةُ ما لَها مِن مَثْنَوِيَّةٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَها مِن إفاقَةٍ، وقِيلَ: ما لَها مِن مَرَدٍّ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ما لَها مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ وإفاقَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ هي مِيعادُ عَذابِهِمْ، فَإذا جاءَتْ لَمْ تَرْجِعْ ولا تُرَدُّ عَنْهم ولا تُصْرَفُ مِنهم ولا تَتَوَقَّفُ مِقْدارَ فَواقِ ناقَةٍ، وهي ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎حَتّى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا
والفِيقَةُ اسْمُ اللَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وجَمْعُها فِيقٌ وأفْواقٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ما لَها مِن فَواقٍ " بِضَمِّ الفاءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.
قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الفَواقُ بِفَتْحِ الفاءِ الرّاحَةُ أيْ: لا يُفِيقُونَ فِيها كَما يُفِيقُ المَرِيضُ والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، وبِالضَّمِّ الِانْتِظارُ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ لَمّا سَمِعُوا ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، والقِطُّ في اللُّغَةِ النَّصِيبُ، مِنَ القَطِّ، وهو القَطْعُ، وبِهَذا قالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الفَرّاءُ: القِطُّ في كَلامِ العَرَبِ الحَظُّ والنَّصِيبُ، (p-١٢٥٩)ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّكِّ قِطٌّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: القِطُّ الكِتابُ بِالجَوائِزِ، والجَمْعُ القُطُوطُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ
ومَعْنى يَأْفِقُ يُصْلِحُ، ومَعْنى الآيَةِ سُؤالُهم لِرَبِّهِمْ أنْ يُعَجِّلَ لَهم نَصِيبَهم وحَظَّهم مِنَ العَذابِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [ الحَجِّ: ٤٧، والعَنْكَبُوتِ: ٥٣ ] .
وقالَ: السُّدِّيُّ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُمَثِّلَ لَهم مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما يُوعَدُونَ بِهِ وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: المَعْنى عَجِّلْ لَنا أرْزاقَنا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [ الحاقَّةِ: ١٩، والِانْشِقاقِ: ٧ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالَتْ قُرَيْشٌ: زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنّا نُؤْتى كِتابَنا بِشِمالِنا فَعَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَسْمَعُهُ مِن أقْوالِهِمْ فَقالَ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم مِن جُمْلَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ قُرُونِ الضَّلالَةِ، وأُمَمِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ عَلى ما يَسْمَعُهُ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وما بَعْدَها.
ومَعْنى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ اذْكُرْ قِصَّتَهُ فَإنَّكَ تَجِدُ فِيها ما تَتَسَلّى بِهِ، والأيْدُ: القُوَّةُ ومِنهُ رَجُلٌ أيْدٌ أيْ: قَوِيٌّ، وتَأيَّدَ الشَّيْءُ: تَقَوّى والمُرادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى العِبادَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وكانَتْ قُوَّةُ داوُدَ عَلى العِبادَةِ أتَمَّ قُوَّةٍ، ومِن قُوَّتِهِ ما أخْبَرَنا بِهِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وكانَ يُصَلِّي نِصْفَ اللَّيْلِ وكانَ لا يَفِرُّ إذا لاقى العَدُوَّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذا الأيْدِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إلى ما يُحِبُّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ قَوِيًّا في دِينِهِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ كُلَّما ذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغْفَرَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، وهَذا داخِلٌ تَحْتَ المَعْنى الأوَّلِ، يُقالُ: آبَ يَئُوبُ: إذا رَجَعَ.
﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - ويُنَزِّهْنَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
وجُمْلَةُ يُسَبِّحْنَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي هَذا بَيانُ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ البُرْهانِ والمُعْجِزَةِ، وهو تَسْبِيحُ الجِبالِ مَعَهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ إذا ذَكَرَ اللَّهَ ذَكَرَتِ الجِبالُ مَعَهُ، وكانَ يَفْقَهُ تَسْبِيحَ الجِبالِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أُوتِيَ داوُدُ مِن حُسْنِ الصَّوْتِ ما يَكُونُ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، فَهَذا مَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحْنَ يُصَلِّينَ، ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( سَخَّرْنا ) .
ومَعْنى ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، يُقالُ: أشْرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا أضاءَتْ، وذَلِكَ وقْتَ الضُّحى. وأمّا شُرُوقُها فَطُلُوعُها. قالَ الزَّجّاجُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ: إذا أضاءَتْ.
﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ، وانْتِصابُ ( مَحْشُورَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ تُسَبِّحُ اللَّهَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها إلَيْهِ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها الرِّيحُ. ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ رَجّاعٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ، والضَّمِيرُ في ( لَهُ ) راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ ( داوُدَ ) أيْ: لِأجْلِ تَسْبِيحِ داوُدَ مُسَبِّحٌ، فَوَضَعَ ( أوّابٌ ) مَوْضِعَ مُسَبِّحٍ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأوّابَ: الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ وثَبَّتْناهُ بِالنَّصْرِ في المَواطِنِ عَلى أعْدائِهِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ مِنهُ في قُلُوبِهِمْ.
وقِيلَ: بِكَثْرَةِ الجُنُودِ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةُ والمَعْرِفَةُ بِكُلِّ ما يَحْكُمُ بِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الفَهْمُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: العَدْلُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ. وقالَ شُرَيْحٌ: السُّنَّةُ.
والمُرادُ بِـ ( فَصْلَ الخِطابِ ) الفَصْلُ في القَضاءِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الشُّهُودُ والإيمانُ لِأنَّها إنَّما تَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِهَذا.
وقِيلَ: هو الإيجازُ بِجَعْلِ المَعْنى الكَثِيرِ في اللَّفْظِ القَلِيلِ.
﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ لَمّا مَدَحَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ الواقِعَةِ لِما فِيها مِنَ الأخْبارِ العَجِيبَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: بَعَثَ اللَّهُ إلى داوُدَ مَلَكَيْنِ، جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ لِيُنَبِّهَهُ عَلى التَّوْبَةِ، فَأتَياهُ وهو في مِحْرابِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بِالخَصْمِ هاهُنا المَلَكانِ، والخَصْمُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ.
ومَعْنى ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أتَوْهُ مِن أعْلى سُورِهِ ونَزَلُوا إلَيْهِ، والسُّورُ: الحائِطُ المُرْتَفِعُ، وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ في ( تَسَوَّرُوا ) مَعَ كَوْنِهِمُ اثْنَيْنِ نَظَرًا إلى ما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الخَصْمِ مِنَ الجَمْعِ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وخَصْمٍ غِضابٍ قَدْ نَفَضْتُ لِحاهُمُ ∗∗∗ كَنَفْضِ البَراذِينِ العِرابِ المَخالِيا
والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ، لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ وهو فِيها، كَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ صَدْرُ المَجْلِسِ ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ.
وقِيلَ: إنَّهُما كانا إنْسِيَّيْنِ ولَمْ يَكُونا مَلَكَيْنِ.
والعامِلُ في ( إذْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ النَّبَأُ أيْ: هَلْ أتاكَ الخَبَرُ الواقِعُ في وقْتِ تَسَوُّرِهِمْ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ( أتاكَ ) . وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِلْخَصْمِ. وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: وهَلْ أتاكَ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ. وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِ: ( تَسَوَّرُوا ) . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ إنْ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِمَعْنى لَمّا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُما أتَياهُ لَيْلًا في غَيْرِ وقْتِ دُخُولِ الخُصُومِ ودَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ النّاسُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وكانَ مِحْرابُ داوُدَ مِنَ الِامْتِناعِ بِالِارْتِفاعِ بِحَيْثُ لا يَرْتَقِي إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ، وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِداوُدَ لَمّا فَزِعَ مِنهم، وارْتِفاعُ خَصْمانِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَحْنُ خَصْمانِ، وجاءَ فِيما سَبَقَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهُنا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لَفْظَ الخَصْمِ يَحْتَمِلُ المُفْرَدَ والمُثَنّى والمَجْمُوعَ، فالكُلُّ جائِزٌ.
قالَ الخَلِيلُ: هو كَما تَقُولُ: نَحْنُ فَعَلْنا كَذا: إذا كُنْتُما اثْنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (p-١٢٦٠)جَمَعَ لَمّا كانَ خَبَرًا فَلَمّا انْقَضى الخَبَرُ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ أخْبَرَ الِاثْنانِ عَنْ أنْفُسِهِما فَقالا: خَصْمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وعَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يَبْغِيانِ.
ثُمَّ طَلَبا مِنهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالحَقِّ ونَهَياهُ عَنِ الجَوْرِ فَقالا: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في حُكْمِكَ، يُقالُ: شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ شَطَطًا وإشْطاطًا: إذا جارَ في حُكْمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: شَطَطْتُ عَلَيْهِ وأشْطَطْتُ أيْ: جُرْتُ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ لا تُسْرِفْ، وقِيلَ: لا تُفَرِّطْ، وقِيلَ: لا تَمِلْ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والأصْلُ فِيهِ البُعْدُ، مِن شَطَّتِ الدّارُ: إذا بَعُدَتْ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الشَّطَطُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلِّ شَيْءٍ. ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ سَواءُ الصِّراطِ: وسَطُهُ.
والمَعْنى: أرْشِدْنا إلى الحَقِّ واحْمِلْنا عَلَيْهِ. ثُمَّ لَمّا أخْبَراهُ عَنِ الخُصُومَةِ إجْمالًا شَرَعا في تَفْصِيلِهِما، وشَرْحِها، فَقالا: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ المُرادُ بِالأُخُوَّةِ هُنا: أُخُوَّةُ الدِّينِ أوِ الصُّحْبَةُ، والنَّعْجَةُ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُقالُ: لِبَقْرِ الوَحْشِ نَعْجَةٌ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النَّعْجَةُ البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ، والعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ المَرْأةِ بِها، وتُشَبِّهُ النِّساءَ بِالنِّعاجِ مِنَ البَقَرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما عَنى بِـ " هَذا " داوُدَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وعَنى بِقَوْلِهِ: ( ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) [ أُورِيا ] زَوْجَ المَرْأةِ الَّتِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها داوُدُ كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: ضُمَّها إلَيَّ وانْزِلْ لِي عَنْها حَتّى أكْفُلَها وأصِيرَ بَعْلًا لَها.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي ونَصِيبِي ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، يُقالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ عِزًّا: إذا غَلَبَهُ.
وفِي المَثَلِ: " مَن عَزَّ بَزَّ " أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ والِاسْمُ العِزَّةُ: وهي القُوَّةُ. قالَ عَطاءٌ: المَعْنى إنْ تَكَلَّمَ كانَ أفْصَحَ مِنِّي.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " وعازَّنِي في الخِطابِ " أيْ: غالَبَنِي مِنَ المُعازَّةِ وهي المُغالَبَةُ.
﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: بِسُؤالِهِ نَعْجَتِكَ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقُولُ، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهي وما بَعْدَها جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُقَدَّرِ، وجاءَ بِالقَسَمِ في كَلامِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ ما يَسْمَعُهُ مِن طَلَبِ صاحِبِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ النَّعْجَةَ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ النَّعْجَةَ الواحِدَةَ الَّتِي مَعَ صاحِبِهِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُها.
ويُمْكِنُ أنَّهُ إنَّما قالَ بِهَذا بَعْدَ أنْ سَمِعَ الِاعْتِرافَ مِنَ الآخَرِ. قالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ خَطِيئَةَ داوُدَ هي قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَثَبَّتَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وهُمُ الشُّرَكاءُ واحِدُهم خَلِيطٌ: وهو المُخالِطُ في المالِ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَعَدّى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَظْلِمُهُ غَيْرَ مُراعٍ لِحَقِّهِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ ذَلِكَ، ولا يَظْلِمُونَ خَلِيطًا ولا غَيْرَهُ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وقَلِيلٌ هم، و( ما ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّعْجِيبِ.
وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ، و( هم ) مُبْتَدَأٌ، و( قَلِيلٌ ) خَبَرُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . قالَ أبُو عَمْرٍو والفَرّاءُ: ( ظَنَّ ) يَعْنِي أيْقَنَ.
ومَعْنى فَتَنّاهُ ابْتَلَيْناهُ، والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ أنْ تَخاصَما إلَيْهِ وقالَ ما قالَ عَلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُرادُ، وأنَّ مَقْصُودَهُما التَّعْرِيضُ بِهِ وبِصاحِبِهِ الَّذِي أرادَ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا قَضى بَيْنَهُما داوُدُ نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ داوُدُ بِما أرادَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَنّاهُ بِالتَّخْفِيفِ لِلتّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ بِالتَّشْدِيدِ لِلتّاءِ والنُّونِ، وهي مُبالَغَةٌ في الفِتْنَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ " افْتَنّاهُ " وقَرَأ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَتَناهُ " بِتَخْفِيفِهِما وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكَيْنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) لِذَنْبِهِ ( وخَرَّ راكِعًا ) أيْ ساجِدًا، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ المُرادَ بِالرُّكُوعِ هُنا السُّجُودُ، فَإنَّ السُّجُودَ هو المَيْلُ، والرُّكُوعُ هو الِانْحِناءُ وأحَدُهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِهَيْئَةٍ.
ثُمَّ جاءَ في هَذا عَلى تَسْمِيَةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ. وقِيلَ: المَعْنى لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ: مُصَلِّيًا.
وقِيلَ: بَلْ كانَ رُكُوعُهم سُجُودًا، وقِيلَ: بَلْ كانَ سُجُودُهم رُكُوعًا وأنابَ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَنْبِ داوُدَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ وتابَ عَنْهُ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهُ نَظَرَ إلى امْرَأةِ الرَّجُلِ الَّتِي أرادَ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، كَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَتَعَمَّدْ داوُدُ النَّظَرَ إلى المَرْأةِ لَكِنَّهُ عاوَدَ النَّظَرَ إلَيْها، وصارَتِ الأُولى لَهُ والثّانِيَةُ عَلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي أنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها في جُمْلَةِ الغُزاةِ.
الثّالِثُ أنَّهُ نَوى إنْ ماتَ زَوْجُها أنْ يَتَزَوَّجَها.
الرّابِعُ أنَّ أُورِيا كانَ خَطَبَ تِلْكَ المَرْأةَ فَلَمّا غابَ خَطَبَها داوُدُ فَزُوِّجَتْ مِنهُ لِجَلالَتِهِ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ أُورِيا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْها لِخاطِبِها.
الخامِسُ أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلى قَتْلِ أُورِيا كَما كانَ يَجْزَعُ عَلى مَن هَلَكَ مِنَ الجُنْدِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأتَهُ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ ذُنُوبَ الأنْبِياءِ وإنْ صَغُرَتْ فَهي عَظِيمَةٌ.
السّادِسُ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا.
وأقُولُ الظّاهِرُ مِنَ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ المَلَكَيْنِ تَعْرِيضًا لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طَلَبَ مِن زَوْجِ المَرْأةِ الواحِدَةِ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْها ويَضُمَّها إلى نِسائِهِ، ولا يُنافِي هَذا العِصْمَةَ الكائِنَةَ لِلْأنْبِياءِ، فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وعَرَّضَ لَهُ بِإرْسالِ مَلائِكَتِهِ إلَيْهِ لِيَتَخاصَمُوا في مِثْلِ قِصَّتِهِ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ ويَتُوبَ مِنهُ فاسْتَغْفَرَ وتابَ.
وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] وهو أبُو البَشَرِ وأوَّلُ الأنْبِياءِ، ووَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في كِتابِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ قَبِلَ اسْتِغْفارَهُ وتَوْبَتَهُ قالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنهُ.
قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ داوُدَ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى نَبَتَ الرَّعْيُ حَوْلَ وجْهِهِ وغَمَرَ رَأْسَهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (p-١٢٦١)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ تامٌّ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلْفى: القُرْبَةُ والكَرامَةُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: الزُّلْفى الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِحُسْنِ المَآبِ: حُسْنُ المَرْجِعِ وهو الجَنَّةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قالَ: مِن رَجْعَةٍ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: سَألُوا اللَّهَ أنْ يُعَجِّلَ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ذا الأيْدِ قالَ: القُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأوّابُ المُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ " فَقالَ سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْهُ فَقالَ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّابُ المُوقِنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْهُ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي وجْهَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ حَتّى رَأيْتُ النّاسَ يُصَلُّونَ الضُّحى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ فَما أدْرِي ما هي ؟ حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى الضُّحى، ثُمَّ قالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ.
والأحادِيثُ في صَلاةِ الضُّحى كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرْناها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَعْدى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ مِن عُظَمائِهِمْ فَقالَ: إنَّ هَذا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَألَ داوُدُ الرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَألَ الآخَرَ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما داوُدُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدى، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا ولَسْتُ أعْجَلُ حَتّى أتَثَبَّتَ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ في مَنامِهِ فَأُمِرَ أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ، فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، فَأرْسَلَ داوُدُ إلى الرَّجُلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، قالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا تَثَبُّتٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ فِيكَ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ ولَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ فَقُتِلَ فاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قالَ: أمّا بَعْدُ، داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سَمِعَ زِيادَ بْنَ أبِيهِ يَقُولُ: فَصْلُ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: أمّا بَعْدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ داوُدَ حَدَّثَ نَفْسَهُ إذا ابْتُلِيَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّكَ سَتُبْتَلى وسَتَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ فَخُذْ حَذَرَكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ، فَأخَذَ الزَّبُورَ ودَخَلَ المِحْرابَ وأغْلَقَ بابَ المِحْرابِ وأخَذَ الزَّبُورَ في حِجْرِهِ، وأقْعَدَ مُنْصِفًا: يَعْنِي خادِمًا، عَلى البابِ وقالَ: لا تَأْذَنْ لِأحَدٍ عَلَيَّ اليَوْمَ، فَبَيْنَما هو يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جاءَ طائِرٌ مُذَهَّبٌ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ الطَّيْرُ، فِيهِ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فَجَعَلَ يَدُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَنا مِنهُ فَأمْكَنَ أنْ يَأْخُذَهُ، فَتَناوَلَهُ بِيَدِهِ لِيَأْخُذَهُ فاسْتَوْفَزَ مِن خَلْفِهِ، فَأطْبَقَ الزَّبُورَ وقامَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَطارَ فَوَقَعَ عَلى كُوَّةِ المِحْرابِ، فَدَنا مِنهُ لِيَأْخُذَهُ فَأفْضى فَوَقَعَ عَلى خُصٍّ فَأشْرَفَ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ أيْنَ وقَعَ ؟ فَإذا هو بِامْرَأةٍ عِنْدَ بِرْكَتِها تَغْتَسِلُ مِنَ الحَيْضِ، فَلَمّا رَأتْ ظِلَّهُ حَرَّكَتْ رَأْسَها، فَغَطَّتْ جَسَدَها أجْمَعَ بِشَعْرِها، وكانَ زَوْجُها غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى رَأْسِ الغُزاةِ: انْظُرْ أُورِيا فاجْعَلْهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ وكانَ حَمَلَةُ التّابُوتِ إمّا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ وإمّا أنْ يُقْتَلُوا، فَقَدَّمَهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ فَقُتِلَ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبَها داوُدُ، فاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ ولَدَتْ غُلامًا أنْ يَكُونَ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ، وأشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتابًا، فَما شَعَرَ بِفِتْنَتِهِ أنَّهُ افْتُتِنَ حَتّى ولَدَتْ سُلَيْمانَ، وشَبَّ فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ المَلَكانِ المِحْرابَ وكانَ شَأْنُهُما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ وخَرَّ داوُدُ ساجِدًا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتابَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: ما أصابَ داوُدَ بَعْدَما أصابَهُ بَعْدَ القَدَرِ إلّا مِن عُجْبٍ عَجِبَ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا وعابِدٌ مِن آلِ داوُدَ يَعْبُدُكَ يُصَلِّي لَكَ أوْ يُسَبِّحُ أوْ يُكَبِّرُ وذَكَرَ أشْياءَ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا داوُدُ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا بِي فَلَوْلا عَوْنِي ما قَوِيتَ عَلَيْهِ، وعِزَّتِي وجَلالِي لَأكِلَنَّكَ إلى نَفْسِكَ يَوْمًا، قالَ: يا رَبِّ فَأخْبِرْنِي بِهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ فَأصابَتْهُ الفِتْنَةُ ذَلِكَ اليَوْمَ.
وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.
وأخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلَةً. وأخْرَجَها جَماعَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ قالَ: عَلى دِينِي.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ ﴿أكْفِلْنِيها﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ الَّذِي هم فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالَ: اخْتَبَرْناهُ.
(p-١٢٦٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في السُّجُودِ في ص لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص وقالَ: سَجَدَها داوُدُ، ونَسْجُدُها شُكْرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى المِنبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَهَيَّأ النّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقالَ: إنَّما هي تَوْبَةٌ ولَكِنِّي رَأيْتُكم تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ فَعَظَّمَ شَأْنَهُ وشِدَّتَهُ قالَ: ويَقُولُ الرَّحْمَنُ - عَزَّ وجَلَّ - لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ، فَيَقُولُ داوُدُ: يا رَبِّ، أخافُ أنْ تَدْحَضَنِي خَطِيئَتِي، فَيَقُولُ: خُذْ بِقَدَمِي، فَيَأْخُذُ بِقَدَمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيَمُرُّ، قالَ: فَتِلْكَ الزُّلْفى الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾» .
ص 38:20
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَ أمْثالَهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهم وعَمِلَ عَمَلَهم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ بِها النّاسَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ إذا غَضِبَ عَلى أحَدٍ وتَدَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ ورَأْسَهُ عَلى الأرْضِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ: الجُمُوعُ والجُنُودُ الكَثِيرَةُ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يُقَوُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ سُلْطانَهُ كَما تُقَوِّي الأوْتادُ ما ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تَقُولُ هم في عِزٍّ ثابِتِ الأوْتادِ، ومُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ، يُرِيدُونَ مُلْكًا دائِمًا شَدِيدًا، وأصْلُ هَذا أنَّ البَيْتَ مِن بُيُوتِ الشِّعْرِ إنَّما يُثَبَّتُ ويُقَوَّمُ بِالأوْتادِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ هُنا البِناءُ المُحْكَمُ أيْ: وفِرْعَوْنُ ذُو الأبْنِيَةِ المُحْكَمَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والبُنْيانُ يُسَمّى أوْتادًا، والأوْتادُ جَمْعُ وتِدٍ أفْصَحُها فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ التّاءِ، ويُقالُ: وتَدٌ بِفَتْحِها ووَدٌّ بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ ووَدَتٌ.
قالَ الأصْمَعِيُّ ويُقالُ: وتِدٌ واتِدٌ مِثْلُ شُغْلٍ شاغِلٍ وأنْشَدَ:
؎لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفُها المَواعِدا
﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها واخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَتِها في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ومَعْنى ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ هو الرَّجُلُ.
وقُرَيْشٌ وإنْ كانُوا حِزْبًا كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ هم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا، وأقْوى أبْدانًا، وأوْسَعُ أمْوالًا وأعْمارًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا، والمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ وعادٌ كَذا قالَ أبُو البَقاءِ وهو ضَعِيفٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ عادٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، والأوْلى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلًا مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ( إنْ ) هي النّافِيَةُ، والمَعْنى: ما كَلُّ حِزْبٍ مِن هَذِهِ الأحْزابِ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ تَكْذِيبَ الحِزْبِ لِرَسُولِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ أوْ هو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، والمُرادُ تَكْذِيبُ كُلِّ حِزْبٍ لِرَسُولِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: كُلُّ أحَدٍ مِنَ الأحْزابِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ عِقابِي بِتَكْذِيبِهِمْ، ومَعْنى حَقَّ: ثَبَتَ ووَجَبَ، وإنْ تَأخَّرَ فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
قَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في ( عِقابِ ) وحَذَفَها الباقُونَ مُطابَقَةً لِرُءُوسِ الآيِ.
﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً، وهي النَّفْخَةُ الكائِنَةُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وعَلى الأوَّلِ المُرادُ مَن عاصَرَ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الكُفّارِ، وعَلى الثّانِي المُرادُ كُفّارُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ أيْ: لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ حُلُولِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن عَذابِ النّارِ إلّا أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ عَذابٌ يَفْجَؤُهم في الدُّنْيا كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
وجُمْلَةُ ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِ: ( صَيْحَةً ) . قالَ الزَّجّاجُ: فَواقٍ وفُواقٍ بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّها أيْ: ما لَها مِن رُجُوعٍ، والفَواقُ ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وأفاقَ مِن مَرَضِهِ أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنَّ الفَواقَ الرُّجُوعُ.
وقالَ قَتادَةُ ما لَها مِن مَثْنَوِيَّةٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَها مِن إفاقَةٍ، وقِيلَ: ما لَها مِن مَرَدٍّ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ما لَها مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ وإفاقَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ هي مِيعادُ عَذابِهِمْ، فَإذا جاءَتْ لَمْ تَرْجِعْ ولا تُرَدُّ عَنْهم ولا تُصْرَفُ مِنهم ولا تَتَوَقَّفُ مِقْدارَ فَواقِ ناقَةٍ، وهي ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎حَتّى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا
والفِيقَةُ اسْمُ اللَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وجَمْعُها فِيقٌ وأفْواقٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ما لَها مِن فَواقٍ " بِضَمِّ الفاءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.
قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الفَواقُ بِفَتْحِ الفاءِ الرّاحَةُ أيْ: لا يُفِيقُونَ فِيها كَما يُفِيقُ المَرِيضُ والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، وبِالضَّمِّ الِانْتِظارُ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ لَمّا سَمِعُوا ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، والقِطُّ في اللُّغَةِ النَّصِيبُ، مِنَ القَطِّ، وهو القَطْعُ، وبِهَذا قالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الفَرّاءُ: القِطُّ في كَلامِ العَرَبِ الحَظُّ والنَّصِيبُ، (p-١٢٥٩)ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّكِّ قِطٌّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: القِطُّ الكِتابُ بِالجَوائِزِ، والجَمْعُ القُطُوطُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ
ومَعْنى يَأْفِقُ يُصْلِحُ، ومَعْنى الآيَةِ سُؤالُهم لِرَبِّهِمْ أنْ يُعَجِّلَ لَهم نَصِيبَهم وحَظَّهم مِنَ العَذابِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [ الحَجِّ: ٤٧، والعَنْكَبُوتِ: ٥٣ ] .
وقالَ: السُّدِّيُّ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُمَثِّلَ لَهم مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما يُوعَدُونَ بِهِ وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: المَعْنى عَجِّلْ لَنا أرْزاقَنا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [ الحاقَّةِ: ١٩، والِانْشِقاقِ: ٧ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالَتْ قُرَيْشٌ: زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنّا نُؤْتى كِتابَنا بِشِمالِنا فَعَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَسْمَعُهُ مِن أقْوالِهِمْ فَقالَ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم مِن جُمْلَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ قُرُونِ الضَّلالَةِ، وأُمَمِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ عَلى ما يَسْمَعُهُ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وما بَعْدَها.
ومَعْنى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ اذْكُرْ قِصَّتَهُ فَإنَّكَ تَجِدُ فِيها ما تَتَسَلّى بِهِ، والأيْدُ: القُوَّةُ ومِنهُ رَجُلٌ أيْدٌ أيْ: قَوِيٌّ، وتَأيَّدَ الشَّيْءُ: تَقَوّى والمُرادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى العِبادَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وكانَتْ قُوَّةُ داوُدَ عَلى العِبادَةِ أتَمَّ قُوَّةٍ، ومِن قُوَّتِهِ ما أخْبَرَنا بِهِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وكانَ يُصَلِّي نِصْفَ اللَّيْلِ وكانَ لا يَفِرُّ إذا لاقى العَدُوَّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذا الأيْدِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إلى ما يُحِبُّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ قَوِيًّا في دِينِهِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ كُلَّما ذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغْفَرَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، وهَذا داخِلٌ تَحْتَ المَعْنى الأوَّلِ، يُقالُ: آبَ يَئُوبُ: إذا رَجَعَ.
﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - ويُنَزِّهْنَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
وجُمْلَةُ يُسَبِّحْنَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي هَذا بَيانُ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ البُرْهانِ والمُعْجِزَةِ، وهو تَسْبِيحُ الجِبالِ مَعَهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ إذا ذَكَرَ اللَّهَ ذَكَرَتِ الجِبالُ مَعَهُ، وكانَ يَفْقَهُ تَسْبِيحَ الجِبالِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أُوتِيَ داوُدُ مِن حُسْنِ الصَّوْتِ ما يَكُونُ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، فَهَذا مَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحْنَ يُصَلِّينَ، ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( سَخَّرْنا ) .
ومَعْنى ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، يُقالُ: أشْرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا أضاءَتْ، وذَلِكَ وقْتَ الضُّحى. وأمّا شُرُوقُها فَطُلُوعُها. قالَ الزَّجّاجُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ: إذا أضاءَتْ.
﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ، وانْتِصابُ ( مَحْشُورَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ تُسَبِّحُ اللَّهَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها إلَيْهِ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها الرِّيحُ. ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ رَجّاعٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ، والضَّمِيرُ في ( لَهُ ) راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ ( داوُدَ ) أيْ: لِأجْلِ تَسْبِيحِ داوُدَ مُسَبِّحٌ، فَوَضَعَ ( أوّابٌ ) مَوْضِعَ مُسَبِّحٍ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأوّابَ: الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ وثَبَّتْناهُ بِالنَّصْرِ في المَواطِنِ عَلى أعْدائِهِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ مِنهُ في قُلُوبِهِمْ.
وقِيلَ: بِكَثْرَةِ الجُنُودِ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةُ والمَعْرِفَةُ بِكُلِّ ما يَحْكُمُ بِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الفَهْمُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: العَدْلُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ. وقالَ شُرَيْحٌ: السُّنَّةُ.
والمُرادُ بِـ ( فَصْلَ الخِطابِ ) الفَصْلُ في القَضاءِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الشُّهُودُ والإيمانُ لِأنَّها إنَّما تَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِهَذا.
وقِيلَ: هو الإيجازُ بِجَعْلِ المَعْنى الكَثِيرِ في اللَّفْظِ القَلِيلِ.
﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ لَمّا مَدَحَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ الواقِعَةِ لِما فِيها مِنَ الأخْبارِ العَجِيبَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: بَعَثَ اللَّهُ إلى داوُدَ مَلَكَيْنِ، جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ لِيُنَبِّهَهُ عَلى التَّوْبَةِ، فَأتَياهُ وهو في مِحْرابِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بِالخَصْمِ هاهُنا المَلَكانِ، والخَصْمُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ.
ومَعْنى ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أتَوْهُ مِن أعْلى سُورِهِ ونَزَلُوا إلَيْهِ، والسُّورُ: الحائِطُ المُرْتَفِعُ، وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ في ( تَسَوَّرُوا ) مَعَ كَوْنِهِمُ اثْنَيْنِ نَظَرًا إلى ما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الخَصْمِ مِنَ الجَمْعِ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وخَصْمٍ غِضابٍ قَدْ نَفَضْتُ لِحاهُمُ ∗∗∗ كَنَفْضِ البَراذِينِ العِرابِ المَخالِيا
والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ، لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ وهو فِيها، كَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ صَدْرُ المَجْلِسِ ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ.
وقِيلَ: إنَّهُما كانا إنْسِيَّيْنِ ولَمْ يَكُونا مَلَكَيْنِ.
والعامِلُ في ( إذْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ النَّبَأُ أيْ: هَلْ أتاكَ الخَبَرُ الواقِعُ في وقْتِ تَسَوُّرِهِمْ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ( أتاكَ ) . وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِلْخَصْمِ. وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: وهَلْ أتاكَ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ. وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِ: ( تَسَوَّرُوا ) . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ إنْ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِمَعْنى لَمّا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُما أتَياهُ لَيْلًا في غَيْرِ وقْتِ دُخُولِ الخُصُومِ ودَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ النّاسُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وكانَ مِحْرابُ داوُدَ مِنَ الِامْتِناعِ بِالِارْتِفاعِ بِحَيْثُ لا يَرْتَقِي إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ، وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِداوُدَ لَمّا فَزِعَ مِنهم، وارْتِفاعُ خَصْمانِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَحْنُ خَصْمانِ، وجاءَ فِيما سَبَقَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهُنا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لَفْظَ الخَصْمِ يَحْتَمِلُ المُفْرَدَ والمُثَنّى والمَجْمُوعَ، فالكُلُّ جائِزٌ.
قالَ الخَلِيلُ: هو كَما تَقُولُ: نَحْنُ فَعَلْنا كَذا: إذا كُنْتُما اثْنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (p-١٢٦٠)جَمَعَ لَمّا كانَ خَبَرًا فَلَمّا انْقَضى الخَبَرُ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ أخْبَرَ الِاثْنانِ عَنْ أنْفُسِهِما فَقالا: خَصْمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وعَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يَبْغِيانِ.
ثُمَّ طَلَبا مِنهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالحَقِّ ونَهَياهُ عَنِ الجَوْرِ فَقالا: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في حُكْمِكَ، يُقالُ: شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ شَطَطًا وإشْطاطًا: إذا جارَ في حُكْمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: شَطَطْتُ عَلَيْهِ وأشْطَطْتُ أيْ: جُرْتُ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ لا تُسْرِفْ، وقِيلَ: لا تُفَرِّطْ، وقِيلَ: لا تَمِلْ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والأصْلُ فِيهِ البُعْدُ، مِن شَطَّتِ الدّارُ: إذا بَعُدَتْ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الشَّطَطُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلِّ شَيْءٍ. ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ سَواءُ الصِّراطِ: وسَطُهُ.
والمَعْنى: أرْشِدْنا إلى الحَقِّ واحْمِلْنا عَلَيْهِ. ثُمَّ لَمّا أخْبَراهُ عَنِ الخُصُومَةِ إجْمالًا شَرَعا في تَفْصِيلِهِما، وشَرْحِها، فَقالا: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ المُرادُ بِالأُخُوَّةِ هُنا: أُخُوَّةُ الدِّينِ أوِ الصُّحْبَةُ، والنَّعْجَةُ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُقالُ: لِبَقْرِ الوَحْشِ نَعْجَةٌ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النَّعْجَةُ البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ، والعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ المَرْأةِ بِها، وتُشَبِّهُ النِّساءَ بِالنِّعاجِ مِنَ البَقَرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما عَنى بِـ " هَذا " داوُدَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وعَنى بِقَوْلِهِ: ( ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) [ أُورِيا ] زَوْجَ المَرْأةِ الَّتِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها داوُدُ كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: ضُمَّها إلَيَّ وانْزِلْ لِي عَنْها حَتّى أكْفُلَها وأصِيرَ بَعْلًا لَها.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي ونَصِيبِي ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، يُقالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ عِزًّا: إذا غَلَبَهُ.
وفِي المَثَلِ: " مَن عَزَّ بَزَّ " أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ والِاسْمُ العِزَّةُ: وهي القُوَّةُ. قالَ عَطاءٌ: المَعْنى إنْ تَكَلَّمَ كانَ أفْصَحَ مِنِّي.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " وعازَّنِي في الخِطابِ " أيْ: غالَبَنِي مِنَ المُعازَّةِ وهي المُغالَبَةُ.
﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: بِسُؤالِهِ نَعْجَتِكَ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقُولُ، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهي وما بَعْدَها جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُقَدَّرِ، وجاءَ بِالقَسَمِ في كَلامِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ ما يَسْمَعُهُ مِن طَلَبِ صاحِبِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ النَّعْجَةَ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ النَّعْجَةَ الواحِدَةَ الَّتِي مَعَ صاحِبِهِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُها.
ويُمْكِنُ أنَّهُ إنَّما قالَ بِهَذا بَعْدَ أنْ سَمِعَ الِاعْتِرافَ مِنَ الآخَرِ. قالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ خَطِيئَةَ داوُدَ هي قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَثَبَّتَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وهُمُ الشُّرَكاءُ واحِدُهم خَلِيطٌ: وهو المُخالِطُ في المالِ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَعَدّى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَظْلِمُهُ غَيْرَ مُراعٍ لِحَقِّهِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ ذَلِكَ، ولا يَظْلِمُونَ خَلِيطًا ولا غَيْرَهُ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وقَلِيلٌ هم، و( ما ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّعْجِيبِ.
وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ، و( هم ) مُبْتَدَأٌ، و( قَلِيلٌ ) خَبَرُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . قالَ أبُو عَمْرٍو والفَرّاءُ: ( ظَنَّ ) يَعْنِي أيْقَنَ.
ومَعْنى فَتَنّاهُ ابْتَلَيْناهُ، والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ أنْ تَخاصَما إلَيْهِ وقالَ ما قالَ عَلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُرادُ، وأنَّ مَقْصُودَهُما التَّعْرِيضُ بِهِ وبِصاحِبِهِ الَّذِي أرادَ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا قَضى بَيْنَهُما داوُدُ نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ داوُدُ بِما أرادَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَنّاهُ بِالتَّخْفِيفِ لِلتّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ بِالتَّشْدِيدِ لِلتّاءِ والنُّونِ، وهي مُبالَغَةٌ في الفِتْنَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ " افْتَنّاهُ " وقَرَأ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَتَناهُ " بِتَخْفِيفِهِما وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكَيْنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) لِذَنْبِهِ ( وخَرَّ راكِعًا ) أيْ ساجِدًا، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ المُرادَ بِالرُّكُوعِ هُنا السُّجُودُ، فَإنَّ السُّجُودَ هو المَيْلُ، والرُّكُوعُ هو الِانْحِناءُ وأحَدُهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِهَيْئَةٍ.
ثُمَّ جاءَ في هَذا عَلى تَسْمِيَةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ. وقِيلَ: المَعْنى لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ: مُصَلِّيًا.
وقِيلَ: بَلْ كانَ رُكُوعُهم سُجُودًا، وقِيلَ: بَلْ كانَ سُجُودُهم رُكُوعًا وأنابَ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَنْبِ داوُدَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ وتابَ عَنْهُ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهُ نَظَرَ إلى امْرَأةِ الرَّجُلِ الَّتِي أرادَ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، كَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَتَعَمَّدْ داوُدُ النَّظَرَ إلى المَرْأةِ لَكِنَّهُ عاوَدَ النَّظَرَ إلَيْها، وصارَتِ الأُولى لَهُ والثّانِيَةُ عَلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي أنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها في جُمْلَةِ الغُزاةِ.
الثّالِثُ أنَّهُ نَوى إنْ ماتَ زَوْجُها أنْ يَتَزَوَّجَها.
الرّابِعُ أنَّ أُورِيا كانَ خَطَبَ تِلْكَ المَرْأةَ فَلَمّا غابَ خَطَبَها داوُدُ فَزُوِّجَتْ مِنهُ لِجَلالَتِهِ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ أُورِيا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْها لِخاطِبِها.
الخامِسُ أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلى قَتْلِ أُورِيا كَما كانَ يَجْزَعُ عَلى مَن هَلَكَ مِنَ الجُنْدِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأتَهُ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ ذُنُوبَ الأنْبِياءِ وإنْ صَغُرَتْ فَهي عَظِيمَةٌ.
السّادِسُ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا.
وأقُولُ الظّاهِرُ مِنَ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ المَلَكَيْنِ تَعْرِيضًا لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طَلَبَ مِن زَوْجِ المَرْأةِ الواحِدَةِ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْها ويَضُمَّها إلى نِسائِهِ، ولا يُنافِي هَذا العِصْمَةَ الكائِنَةَ لِلْأنْبِياءِ، فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وعَرَّضَ لَهُ بِإرْسالِ مَلائِكَتِهِ إلَيْهِ لِيَتَخاصَمُوا في مِثْلِ قِصَّتِهِ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ ويَتُوبَ مِنهُ فاسْتَغْفَرَ وتابَ.
وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] وهو أبُو البَشَرِ وأوَّلُ الأنْبِياءِ، ووَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في كِتابِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ قَبِلَ اسْتِغْفارَهُ وتَوْبَتَهُ قالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنهُ.
قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ داوُدَ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى نَبَتَ الرَّعْيُ حَوْلَ وجْهِهِ وغَمَرَ رَأْسَهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (p-١٢٦١)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ تامٌّ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلْفى: القُرْبَةُ والكَرامَةُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: الزُّلْفى الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِحُسْنِ المَآبِ: حُسْنُ المَرْجِعِ وهو الجَنَّةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قالَ: مِن رَجْعَةٍ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: سَألُوا اللَّهَ أنْ يُعَجِّلَ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ذا الأيْدِ قالَ: القُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأوّابُ المُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ " فَقالَ سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْهُ فَقالَ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّابُ المُوقِنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْهُ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي وجْهَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ حَتّى رَأيْتُ النّاسَ يُصَلُّونَ الضُّحى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ فَما أدْرِي ما هي ؟ حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى الضُّحى، ثُمَّ قالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ.
والأحادِيثُ في صَلاةِ الضُّحى كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرْناها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَعْدى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ مِن عُظَمائِهِمْ فَقالَ: إنَّ هَذا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَألَ داوُدُ الرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَألَ الآخَرَ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما داوُدُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدى، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا ولَسْتُ أعْجَلُ حَتّى أتَثَبَّتَ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ في مَنامِهِ فَأُمِرَ أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ، فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، فَأرْسَلَ داوُدُ إلى الرَّجُلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، قالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا تَثَبُّتٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ فِيكَ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ ولَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ فَقُتِلَ فاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قالَ: أمّا بَعْدُ، داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سَمِعَ زِيادَ بْنَ أبِيهِ يَقُولُ: فَصْلُ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: أمّا بَعْدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ داوُدَ حَدَّثَ نَفْسَهُ إذا ابْتُلِيَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّكَ سَتُبْتَلى وسَتَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ فَخُذْ حَذَرَكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ، فَأخَذَ الزَّبُورَ ودَخَلَ المِحْرابَ وأغْلَقَ بابَ المِحْرابِ وأخَذَ الزَّبُورَ في حِجْرِهِ، وأقْعَدَ مُنْصِفًا: يَعْنِي خادِمًا، عَلى البابِ وقالَ: لا تَأْذَنْ لِأحَدٍ عَلَيَّ اليَوْمَ، فَبَيْنَما هو يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جاءَ طائِرٌ مُذَهَّبٌ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ الطَّيْرُ، فِيهِ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فَجَعَلَ يَدُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَنا مِنهُ فَأمْكَنَ أنْ يَأْخُذَهُ، فَتَناوَلَهُ بِيَدِهِ لِيَأْخُذَهُ فاسْتَوْفَزَ مِن خَلْفِهِ، فَأطْبَقَ الزَّبُورَ وقامَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَطارَ فَوَقَعَ عَلى كُوَّةِ المِحْرابِ، فَدَنا مِنهُ لِيَأْخُذَهُ فَأفْضى فَوَقَعَ عَلى خُصٍّ فَأشْرَفَ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ أيْنَ وقَعَ ؟ فَإذا هو بِامْرَأةٍ عِنْدَ بِرْكَتِها تَغْتَسِلُ مِنَ الحَيْضِ، فَلَمّا رَأتْ ظِلَّهُ حَرَّكَتْ رَأْسَها، فَغَطَّتْ جَسَدَها أجْمَعَ بِشَعْرِها، وكانَ زَوْجُها غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى رَأْسِ الغُزاةِ: انْظُرْ أُورِيا فاجْعَلْهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ وكانَ حَمَلَةُ التّابُوتِ إمّا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ وإمّا أنْ يُقْتَلُوا، فَقَدَّمَهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ فَقُتِلَ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبَها داوُدُ، فاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ ولَدَتْ غُلامًا أنْ يَكُونَ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ، وأشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتابًا، فَما شَعَرَ بِفِتْنَتِهِ أنَّهُ افْتُتِنَ حَتّى ولَدَتْ سُلَيْمانَ، وشَبَّ فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ المَلَكانِ المِحْرابَ وكانَ شَأْنُهُما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ وخَرَّ داوُدُ ساجِدًا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتابَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: ما أصابَ داوُدَ بَعْدَما أصابَهُ بَعْدَ القَدَرِ إلّا مِن عُجْبٍ عَجِبَ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا وعابِدٌ مِن آلِ داوُدَ يَعْبُدُكَ يُصَلِّي لَكَ أوْ يُسَبِّحُ أوْ يُكَبِّرُ وذَكَرَ أشْياءَ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا داوُدُ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا بِي فَلَوْلا عَوْنِي ما قَوِيتَ عَلَيْهِ، وعِزَّتِي وجَلالِي لَأكِلَنَّكَ إلى نَفْسِكَ يَوْمًا، قالَ: يا رَبِّ فَأخْبِرْنِي بِهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ فَأصابَتْهُ الفِتْنَةُ ذَلِكَ اليَوْمَ.
وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.
وأخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلَةً. وأخْرَجَها جَماعَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ قالَ: عَلى دِينِي.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ ﴿أكْفِلْنِيها﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ الَّذِي هم فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالَ: اخْتَبَرْناهُ.
(p-١٢٦٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في السُّجُودِ في ص لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص وقالَ: سَجَدَها داوُدُ، ونَسْجُدُها شُكْرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى المِنبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَهَيَّأ النّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقالَ: إنَّما هي تَوْبَةٌ ولَكِنِّي رَأيْتُكم تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ فَعَظَّمَ شَأْنَهُ وشِدَّتَهُ قالَ: ويَقُولُ الرَّحْمَنُ - عَزَّ وجَلَّ - لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ، فَيَقُولُ داوُدُ: يا رَبِّ، أخافُ أنْ تَدْحَضَنِي خَطِيئَتِي، فَيَقُولُ: خُذْ بِقَدَمِي، فَيَأْخُذُ بِقَدَمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيَمُرُّ، قالَ: فَتِلْكَ الزُّلْفى الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾» .
ص 38:21
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَ أمْثالَهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهم وعَمِلَ عَمَلَهم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ بِها النّاسَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ إذا غَضِبَ عَلى أحَدٍ وتَدَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ ورَأْسَهُ عَلى الأرْضِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ: الجُمُوعُ والجُنُودُ الكَثِيرَةُ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يُقَوُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ سُلْطانَهُ كَما تُقَوِّي الأوْتادُ ما ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تَقُولُ هم في عِزٍّ ثابِتِ الأوْتادِ، ومُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ، يُرِيدُونَ مُلْكًا دائِمًا شَدِيدًا، وأصْلُ هَذا أنَّ البَيْتَ مِن بُيُوتِ الشِّعْرِ إنَّما يُثَبَّتُ ويُقَوَّمُ بِالأوْتادِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ هُنا البِناءُ المُحْكَمُ أيْ: وفِرْعَوْنُ ذُو الأبْنِيَةِ المُحْكَمَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والبُنْيانُ يُسَمّى أوْتادًا، والأوْتادُ جَمْعُ وتِدٍ أفْصَحُها فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ التّاءِ، ويُقالُ: وتَدٌ بِفَتْحِها ووَدٌّ بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ ووَدَتٌ.
قالَ الأصْمَعِيُّ ويُقالُ: وتِدٌ واتِدٌ مِثْلُ شُغْلٍ شاغِلٍ وأنْشَدَ:
؎لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفُها المَواعِدا
﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها واخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَتِها في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ومَعْنى ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ هو الرَّجُلُ.
وقُرَيْشٌ وإنْ كانُوا حِزْبًا كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ هم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا، وأقْوى أبْدانًا، وأوْسَعُ أمْوالًا وأعْمارًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا، والمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ وعادٌ كَذا قالَ أبُو البَقاءِ وهو ضَعِيفٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ عادٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، والأوْلى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلًا مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ( إنْ ) هي النّافِيَةُ، والمَعْنى: ما كَلُّ حِزْبٍ مِن هَذِهِ الأحْزابِ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ تَكْذِيبَ الحِزْبِ لِرَسُولِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ أوْ هو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، والمُرادُ تَكْذِيبُ كُلِّ حِزْبٍ لِرَسُولِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: كُلُّ أحَدٍ مِنَ الأحْزابِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ عِقابِي بِتَكْذِيبِهِمْ، ومَعْنى حَقَّ: ثَبَتَ ووَجَبَ، وإنْ تَأخَّرَ فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
قَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في ( عِقابِ ) وحَذَفَها الباقُونَ مُطابَقَةً لِرُءُوسِ الآيِ.
﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً، وهي النَّفْخَةُ الكائِنَةُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وعَلى الأوَّلِ المُرادُ مَن عاصَرَ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الكُفّارِ، وعَلى الثّانِي المُرادُ كُفّارُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ أيْ: لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ حُلُولِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن عَذابِ النّارِ إلّا أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ عَذابٌ يَفْجَؤُهم في الدُّنْيا كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
وجُمْلَةُ ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِ: ( صَيْحَةً ) . قالَ الزَّجّاجُ: فَواقٍ وفُواقٍ بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّها أيْ: ما لَها مِن رُجُوعٍ، والفَواقُ ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وأفاقَ مِن مَرَضِهِ أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنَّ الفَواقَ الرُّجُوعُ.
وقالَ قَتادَةُ ما لَها مِن مَثْنَوِيَّةٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَها مِن إفاقَةٍ، وقِيلَ: ما لَها مِن مَرَدٍّ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ما لَها مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ وإفاقَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ هي مِيعادُ عَذابِهِمْ، فَإذا جاءَتْ لَمْ تَرْجِعْ ولا تُرَدُّ عَنْهم ولا تُصْرَفُ مِنهم ولا تَتَوَقَّفُ مِقْدارَ فَواقِ ناقَةٍ، وهي ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎حَتّى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا
والفِيقَةُ اسْمُ اللَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وجَمْعُها فِيقٌ وأفْواقٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ما لَها مِن فَواقٍ " بِضَمِّ الفاءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.
قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الفَواقُ بِفَتْحِ الفاءِ الرّاحَةُ أيْ: لا يُفِيقُونَ فِيها كَما يُفِيقُ المَرِيضُ والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، وبِالضَّمِّ الِانْتِظارُ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ لَمّا سَمِعُوا ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، والقِطُّ في اللُّغَةِ النَّصِيبُ، مِنَ القَطِّ، وهو القَطْعُ، وبِهَذا قالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الفَرّاءُ: القِطُّ في كَلامِ العَرَبِ الحَظُّ والنَّصِيبُ، (p-١٢٥٩)ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّكِّ قِطٌّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: القِطُّ الكِتابُ بِالجَوائِزِ، والجَمْعُ القُطُوطُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ
ومَعْنى يَأْفِقُ يُصْلِحُ، ومَعْنى الآيَةِ سُؤالُهم لِرَبِّهِمْ أنْ يُعَجِّلَ لَهم نَصِيبَهم وحَظَّهم مِنَ العَذابِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [ الحَجِّ: ٤٧، والعَنْكَبُوتِ: ٥٣ ] .
وقالَ: السُّدِّيُّ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُمَثِّلَ لَهم مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما يُوعَدُونَ بِهِ وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: المَعْنى عَجِّلْ لَنا أرْزاقَنا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [ الحاقَّةِ: ١٩، والِانْشِقاقِ: ٧ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالَتْ قُرَيْشٌ: زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنّا نُؤْتى كِتابَنا بِشِمالِنا فَعَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَسْمَعُهُ مِن أقْوالِهِمْ فَقالَ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم مِن جُمْلَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ قُرُونِ الضَّلالَةِ، وأُمَمِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ عَلى ما يَسْمَعُهُ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وما بَعْدَها.
ومَعْنى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ اذْكُرْ قِصَّتَهُ فَإنَّكَ تَجِدُ فِيها ما تَتَسَلّى بِهِ، والأيْدُ: القُوَّةُ ومِنهُ رَجُلٌ أيْدٌ أيْ: قَوِيٌّ، وتَأيَّدَ الشَّيْءُ: تَقَوّى والمُرادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى العِبادَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وكانَتْ قُوَّةُ داوُدَ عَلى العِبادَةِ أتَمَّ قُوَّةٍ، ومِن قُوَّتِهِ ما أخْبَرَنا بِهِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وكانَ يُصَلِّي نِصْفَ اللَّيْلِ وكانَ لا يَفِرُّ إذا لاقى العَدُوَّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذا الأيْدِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إلى ما يُحِبُّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ قَوِيًّا في دِينِهِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ كُلَّما ذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغْفَرَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، وهَذا داخِلٌ تَحْتَ المَعْنى الأوَّلِ، يُقالُ: آبَ يَئُوبُ: إذا رَجَعَ.
﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - ويُنَزِّهْنَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
وجُمْلَةُ يُسَبِّحْنَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي هَذا بَيانُ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ البُرْهانِ والمُعْجِزَةِ، وهو تَسْبِيحُ الجِبالِ مَعَهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ إذا ذَكَرَ اللَّهَ ذَكَرَتِ الجِبالُ مَعَهُ، وكانَ يَفْقَهُ تَسْبِيحَ الجِبالِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أُوتِيَ داوُدُ مِن حُسْنِ الصَّوْتِ ما يَكُونُ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، فَهَذا مَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحْنَ يُصَلِّينَ، ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( سَخَّرْنا ) .
ومَعْنى ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، يُقالُ: أشْرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا أضاءَتْ، وذَلِكَ وقْتَ الضُّحى. وأمّا شُرُوقُها فَطُلُوعُها. قالَ الزَّجّاجُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ: إذا أضاءَتْ.
﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ، وانْتِصابُ ( مَحْشُورَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ تُسَبِّحُ اللَّهَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها إلَيْهِ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها الرِّيحُ. ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ رَجّاعٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ، والضَّمِيرُ في ( لَهُ ) راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ ( داوُدَ ) أيْ: لِأجْلِ تَسْبِيحِ داوُدَ مُسَبِّحٌ، فَوَضَعَ ( أوّابٌ ) مَوْضِعَ مُسَبِّحٍ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأوّابَ: الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ وثَبَّتْناهُ بِالنَّصْرِ في المَواطِنِ عَلى أعْدائِهِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ مِنهُ في قُلُوبِهِمْ.
وقِيلَ: بِكَثْرَةِ الجُنُودِ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةُ والمَعْرِفَةُ بِكُلِّ ما يَحْكُمُ بِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الفَهْمُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: العَدْلُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ. وقالَ شُرَيْحٌ: السُّنَّةُ.
والمُرادُ بِـ ( فَصْلَ الخِطابِ ) الفَصْلُ في القَضاءِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الشُّهُودُ والإيمانُ لِأنَّها إنَّما تَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِهَذا.
وقِيلَ: هو الإيجازُ بِجَعْلِ المَعْنى الكَثِيرِ في اللَّفْظِ القَلِيلِ.
﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ لَمّا مَدَحَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ الواقِعَةِ لِما فِيها مِنَ الأخْبارِ العَجِيبَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: بَعَثَ اللَّهُ إلى داوُدَ مَلَكَيْنِ، جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ لِيُنَبِّهَهُ عَلى التَّوْبَةِ، فَأتَياهُ وهو في مِحْرابِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بِالخَصْمِ هاهُنا المَلَكانِ، والخَصْمُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ.
ومَعْنى ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أتَوْهُ مِن أعْلى سُورِهِ ونَزَلُوا إلَيْهِ، والسُّورُ: الحائِطُ المُرْتَفِعُ، وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ في ( تَسَوَّرُوا ) مَعَ كَوْنِهِمُ اثْنَيْنِ نَظَرًا إلى ما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الخَصْمِ مِنَ الجَمْعِ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وخَصْمٍ غِضابٍ قَدْ نَفَضْتُ لِحاهُمُ ∗∗∗ كَنَفْضِ البَراذِينِ العِرابِ المَخالِيا
والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ، لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ وهو فِيها، كَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ صَدْرُ المَجْلِسِ ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ.
وقِيلَ: إنَّهُما كانا إنْسِيَّيْنِ ولَمْ يَكُونا مَلَكَيْنِ.
والعامِلُ في ( إذْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ النَّبَأُ أيْ: هَلْ أتاكَ الخَبَرُ الواقِعُ في وقْتِ تَسَوُّرِهِمْ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ( أتاكَ ) . وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِلْخَصْمِ. وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: وهَلْ أتاكَ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ. وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِ: ( تَسَوَّرُوا ) . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ إنْ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِمَعْنى لَمّا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُما أتَياهُ لَيْلًا في غَيْرِ وقْتِ دُخُولِ الخُصُومِ ودَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ النّاسُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وكانَ مِحْرابُ داوُدَ مِنَ الِامْتِناعِ بِالِارْتِفاعِ بِحَيْثُ لا يَرْتَقِي إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ، وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِداوُدَ لَمّا فَزِعَ مِنهم، وارْتِفاعُ خَصْمانِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَحْنُ خَصْمانِ، وجاءَ فِيما سَبَقَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهُنا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لَفْظَ الخَصْمِ يَحْتَمِلُ المُفْرَدَ والمُثَنّى والمَجْمُوعَ، فالكُلُّ جائِزٌ.
قالَ الخَلِيلُ: هو كَما تَقُولُ: نَحْنُ فَعَلْنا كَذا: إذا كُنْتُما اثْنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (p-١٢٦٠)جَمَعَ لَمّا كانَ خَبَرًا فَلَمّا انْقَضى الخَبَرُ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ أخْبَرَ الِاثْنانِ عَنْ أنْفُسِهِما فَقالا: خَصْمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وعَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يَبْغِيانِ.
ثُمَّ طَلَبا مِنهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالحَقِّ ونَهَياهُ عَنِ الجَوْرِ فَقالا: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في حُكْمِكَ، يُقالُ: شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ شَطَطًا وإشْطاطًا: إذا جارَ في حُكْمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: شَطَطْتُ عَلَيْهِ وأشْطَطْتُ أيْ: جُرْتُ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ لا تُسْرِفْ، وقِيلَ: لا تُفَرِّطْ، وقِيلَ: لا تَمِلْ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والأصْلُ فِيهِ البُعْدُ، مِن شَطَّتِ الدّارُ: إذا بَعُدَتْ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الشَّطَطُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلِّ شَيْءٍ. ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ سَواءُ الصِّراطِ: وسَطُهُ.
والمَعْنى: أرْشِدْنا إلى الحَقِّ واحْمِلْنا عَلَيْهِ. ثُمَّ لَمّا أخْبَراهُ عَنِ الخُصُومَةِ إجْمالًا شَرَعا في تَفْصِيلِهِما، وشَرْحِها، فَقالا: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ المُرادُ بِالأُخُوَّةِ هُنا: أُخُوَّةُ الدِّينِ أوِ الصُّحْبَةُ، والنَّعْجَةُ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُقالُ: لِبَقْرِ الوَحْشِ نَعْجَةٌ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النَّعْجَةُ البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ، والعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ المَرْأةِ بِها، وتُشَبِّهُ النِّساءَ بِالنِّعاجِ مِنَ البَقَرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما عَنى بِـ " هَذا " داوُدَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وعَنى بِقَوْلِهِ: ( ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) [ أُورِيا ] زَوْجَ المَرْأةِ الَّتِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها داوُدُ كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: ضُمَّها إلَيَّ وانْزِلْ لِي عَنْها حَتّى أكْفُلَها وأصِيرَ بَعْلًا لَها.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي ونَصِيبِي ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، يُقالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ عِزًّا: إذا غَلَبَهُ.
وفِي المَثَلِ: " مَن عَزَّ بَزَّ " أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ والِاسْمُ العِزَّةُ: وهي القُوَّةُ. قالَ عَطاءٌ: المَعْنى إنْ تَكَلَّمَ كانَ أفْصَحَ مِنِّي.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " وعازَّنِي في الخِطابِ " أيْ: غالَبَنِي مِنَ المُعازَّةِ وهي المُغالَبَةُ.
﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: بِسُؤالِهِ نَعْجَتِكَ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقُولُ، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهي وما بَعْدَها جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُقَدَّرِ، وجاءَ بِالقَسَمِ في كَلامِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ ما يَسْمَعُهُ مِن طَلَبِ صاحِبِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ النَّعْجَةَ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ النَّعْجَةَ الواحِدَةَ الَّتِي مَعَ صاحِبِهِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُها.
ويُمْكِنُ أنَّهُ إنَّما قالَ بِهَذا بَعْدَ أنْ سَمِعَ الِاعْتِرافَ مِنَ الآخَرِ. قالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ خَطِيئَةَ داوُدَ هي قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَثَبَّتَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وهُمُ الشُّرَكاءُ واحِدُهم خَلِيطٌ: وهو المُخالِطُ في المالِ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَعَدّى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَظْلِمُهُ غَيْرَ مُراعٍ لِحَقِّهِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ ذَلِكَ، ولا يَظْلِمُونَ خَلِيطًا ولا غَيْرَهُ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وقَلِيلٌ هم، و( ما ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّعْجِيبِ.
وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ، و( هم ) مُبْتَدَأٌ، و( قَلِيلٌ ) خَبَرُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . قالَ أبُو عَمْرٍو والفَرّاءُ: ( ظَنَّ ) يَعْنِي أيْقَنَ.
ومَعْنى فَتَنّاهُ ابْتَلَيْناهُ، والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ أنْ تَخاصَما إلَيْهِ وقالَ ما قالَ عَلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُرادُ، وأنَّ مَقْصُودَهُما التَّعْرِيضُ بِهِ وبِصاحِبِهِ الَّذِي أرادَ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا قَضى بَيْنَهُما داوُدُ نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ داوُدُ بِما أرادَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَنّاهُ بِالتَّخْفِيفِ لِلتّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ بِالتَّشْدِيدِ لِلتّاءِ والنُّونِ، وهي مُبالَغَةٌ في الفِتْنَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ " افْتَنّاهُ " وقَرَأ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَتَناهُ " بِتَخْفِيفِهِما وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكَيْنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) لِذَنْبِهِ ( وخَرَّ راكِعًا ) أيْ ساجِدًا، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ المُرادَ بِالرُّكُوعِ هُنا السُّجُودُ، فَإنَّ السُّجُودَ هو المَيْلُ، والرُّكُوعُ هو الِانْحِناءُ وأحَدُهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِهَيْئَةٍ.
ثُمَّ جاءَ في هَذا عَلى تَسْمِيَةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ. وقِيلَ: المَعْنى لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ: مُصَلِّيًا.
وقِيلَ: بَلْ كانَ رُكُوعُهم سُجُودًا، وقِيلَ: بَلْ كانَ سُجُودُهم رُكُوعًا وأنابَ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَنْبِ داوُدَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ وتابَ عَنْهُ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهُ نَظَرَ إلى امْرَأةِ الرَّجُلِ الَّتِي أرادَ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، كَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَتَعَمَّدْ داوُدُ النَّظَرَ إلى المَرْأةِ لَكِنَّهُ عاوَدَ النَّظَرَ إلَيْها، وصارَتِ الأُولى لَهُ والثّانِيَةُ عَلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي أنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها في جُمْلَةِ الغُزاةِ.
الثّالِثُ أنَّهُ نَوى إنْ ماتَ زَوْجُها أنْ يَتَزَوَّجَها.
الرّابِعُ أنَّ أُورِيا كانَ خَطَبَ تِلْكَ المَرْأةَ فَلَمّا غابَ خَطَبَها داوُدُ فَزُوِّجَتْ مِنهُ لِجَلالَتِهِ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ أُورِيا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْها لِخاطِبِها.
الخامِسُ أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلى قَتْلِ أُورِيا كَما كانَ يَجْزَعُ عَلى مَن هَلَكَ مِنَ الجُنْدِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأتَهُ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ ذُنُوبَ الأنْبِياءِ وإنْ صَغُرَتْ فَهي عَظِيمَةٌ.
السّادِسُ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا.
وأقُولُ الظّاهِرُ مِنَ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ المَلَكَيْنِ تَعْرِيضًا لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طَلَبَ مِن زَوْجِ المَرْأةِ الواحِدَةِ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْها ويَضُمَّها إلى نِسائِهِ، ولا يُنافِي هَذا العِصْمَةَ الكائِنَةَ لِلْأنْبِياءِ، فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وعَرَّضَ لَهُ بِإرْسالِ مَلائِكَتِهِ إلَيْهِ لِيَتَخاصَمُوا في مِثْلِ قِصَّتِهِ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ ويَتُوبَ مِنهُ فاسْتَغْفَرَ وتابَ.
وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] وهو أبُو البَشَرِ وأوَّلُ الأنْبِياءِ، ووَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في كِتابِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ قَبِلَ اسْتِغْفارَهُ وتَوْبَتَهُ قالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنهُ.
قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ داوُدَ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى نَبَتَ الرَّعْيُ حَوْلَ وجْهِهِ وغَمَرَ رَأْسَهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (p-١٢٦١)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ تامٌّ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلْفى: القُرْبَةُ والكَرامَةُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: الزُّلْفى الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِحُسْنِ المَآبِ: حُسْنُ المَرْجِعِ وهو الجَنَّةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قالَ: مِن رَجْعَةٍ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: سَألُوا اللَّهَ أنْ يُعَجِّلَ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ذا الأيْدِ قالَ: القُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأوّابُ المُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ " فَقالَ سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْهُ فَقالَ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّابُ المُوقِنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْهُ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي وجْهَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ حَتّى رَأيْتُ النّاسَ يُصَلُّونَ الضُّحى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ فَما أدْرِي ما هي ؟ حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى الضُّحى، ثُمَّ قالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ.
والأحادِيثُ في صَلاةِ الضُّحى كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرْناها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَعْدى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ مِن عُظَمائِهِمْ فَقالَ: إنَّ هَذا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَألَ داوُدُ الرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَألَ الآخَرَ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما داوُدُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدى، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا ولَسْتُ أعْجَلُ حَتّى أتَثَبَّتَ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ في مَنامِهِ فَأُمِرَ أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ، فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، فَأرْسَلَ داوُدُ إلى الرَّجُلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، قالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا تَثَبُّتٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ فِيكَ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ ولَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ فَقُتِلَ فاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قالَ: أمّا بَعْدُ، داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سَمِعَ زِيادَ بْنَ أبِيهِ يَقُولُ: فَصْلُ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: أمّا بَعْدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ داوُدَ حَدَّثَ نَفْسَهُ إذا ابْتُلِيَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّكَ سَتُبْتَلى وسَتَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ فَخُذْ حَذَرَكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ، فَأخَذَ الزَّبُورَ ودَخَلَ المِحْرابَ وأغْلَقَ بابَ المِحْرابِ وأخَذَ الزَّبُورَ في حِجْرِهِ، وأقْعَدَ مُنْصِفًا: يَعْنِي خادِمًا، عَلى البابِ وقالَ: لا تَأْذَنْ لِأحَدٍ عَلَيَّ اليَوْمَ، فَبَيْنَما هو يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جاءَ طائِرٌ مُذَهَّبٌ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ الطَّيْرُ، فِيهِ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فَجَعَلَ يَدُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَنا مِنهُ فَأمْكَنَ أنْ يَأْخُذَهُ، فَتَناوَلَهُ بِيَدِهِ لِيَأْخُذَهُ فاسْتَوْفَزَ مِن خَلْفِهِ، فَأطْبَقَ الزَّبُورَ وقامَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَطارَ فَوَقَعَ عَلى كُوَّةِ المِحْرابِ، فَدَنا مِنهُ لِيَأْخُذَهُ فَأفْضى فَوَقَعَ عَلى خُصٍّ فَأشْرَفَ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ أيْنَ وقَعَ ؟ فَإذا هو بِامْرَأةٍ عِنْدَ بِرْكَتِها تَغْتَسِلُ مِنَ الحَيْضِ، فَلَمّا رَأتْ ظِلَّهُ حَرَّكَتْ رَأْسَها، فَغَطَّتْ جَسَدَها أجْمَعَ بِشَعْرِها، وكانَ زَوْجُها غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى رَأْسِ الغُزاةِ: انْظُرْ أُورِيا فاجْعَلْهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ وكانَ حَمَلَةُ التّابُوتِ إمّا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ وإمّا أنْ يُقْتَلُوا، فَقَدَّمَهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ فَقُتِلَ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبَها داوُدُ، فاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ ولَدَتْ غُلامًا أنْ يَكُونَ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ، وأشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتابًا، فَما شَعَرَ بِفِتْنَتِهِ أنَّهُ افْتُتِنَ حَتّى ولَدَتْ سُلَيْمانَ، وشَبَّ فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ المَلَكانِ المِحْرابَ وكانَ شَأْنُهُما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ وخَرَّ داوُدُ ساجِدًا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتابَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: ما أصابَ داوُدَ بَعْدَما أصابَهُ بَعْدَ القَدَرِ إلّا مِن عُجْبٍ عَجِبَ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا وعابِدٌ مِن آلِ داوُدَ يَعْبُدُكَ يُصَلِّي لَكَ أوْ يُسَبِّحُ أوْ يُكَبِّرُ وذَكَرَ أشْياءَ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا داوُدُ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا بِي فَلَوْلا عَوْنِي ما قَوِيتَ عَلَيْهِ، وعِزَّتِي وجَلالِي لَأكِلَنَّكَ إلى نَفْسِكَ يَوْمًا، قالَ: يا رَبِّ فَأخْبِرْنِي بِهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ فَأصابَتْهُ الفِتْنَةُ ذَلِكَ اليَوْمَ.
وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.
وأخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلَةً. وأخْرَجَها جَماعَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ قالَ: عَلى دِينِي.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ ﴿أكْفِلْنِيها﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ الَّذِي هم فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالَ: اخْتَبَرْناهُ.
(p-١٢٦٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في السُّجُودِ في ص لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص وقالَ: سَجَدَها داوُدُ، ونَسْجُدُها شُكْرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى المِنبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَهَيَّأ النّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقالَ: إنَّما هي تَوْبَةٌ ولَكِنِّي رَأيْتُكم تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ فَعَظَّمَ شَأْنَهُ وشِدَّتَهُ قالَ: ويَقُولُ الرَّحْمَنُ - عَزَّ وجَلَّ - لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ، فَيَقُولُ داوُدُ: يا رَبِّ، أخافُ أنْ تَدْحَضَنِي خَطِيئَتِي، فَيَقُولُ: خُذْ بِقَدَمِي، فَيَأْخُذُ بِقَدَمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيَمُرُّ، قالَ: فَتِلْكَ الزُّلْفى الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾» .
ص 38:22
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَ أمْثالَهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهم وعَمِلَ عَمَلَهم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ بِها النّاسَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ إذا غَضِبَ عَلى أحَدٍ وتَدَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ ورَأْسَهُ عَلى الأرْضِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ: الجُمُوعُ والجُنُودُ الكَثِيرَةُ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يُقَوُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ سُلْطانَهُ كَما تُقَوِّي الأوْتادُ ما ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تَقُولُ هم في عِزٍّ ثابِتِ الأوْتادِ، ومُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ، يُرِيدُونَ مُلْكًا دائِمًا شَدِيدًا، وأصْلُ هَذا أنَّ البَيْتَ مِن بُيُوتِ الشِّعْرِ إنَّما يُثَبَّتُ ويُقَوَّمُ بِالأوْتادِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ هُنا البِناءُ المُحْكَمُ أيْ: وفِرْعَوْنُ ذُو الأبْنِيَةِ المُحْكَمَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والبُنْيانُ يُسَمّى أوْتادًا، والأوْتادُ جَمْعُ وتِدٍ أفْصَحُها فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ التّاءِ، ويُقالُ: وتَدٌ بِفَتْحِها ووَدٌّ بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ ووَدَتٌ.
قالَ الأصْمَعِيُّ ويُقالُ: وتِدٌ واتِدٌ مِثْلُ شُغْلٍ شاغِلٍ وأنْشَدَ:
؎لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفُها المَواعِدا
﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها واخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَتِها في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ومَعْنى ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ هو الرَّجُلُ.
وقُرَيْشٌ وإنْ كانُوا حِزْبًا كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ هم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا، وأقْوى أبْدانًا، وأوْسَعُ أمْوالًا وأعْمارًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا، والمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ وعادٌ كَذا قالَ أبُو البَقاءِ وهو ضَعِيفٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ عادٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، والأوْلى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلًا مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ( إنْ ) هي النّافِيَةُ، والمَعْنى: ما كَلُّ حِزْبٍ مِن هَذِهِ الأحْزابِ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ تَكْذِيبَ الحِزْبِ لِرَسُولِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ أوْ هو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، والمُرادُ تَكْذِيبُ كُلِّ حِزْبٍ لِرَسُولِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: كُلُّ أحَدٍ مِنَ الأحْزابِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ عِقابِي بِتَكْذِيبِهِمْ، ومَعْنى حَقَّ: ثَبَتَ ووَجَبَ، وإنْ تَأخَّرَ فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
قَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في ( عِقابِ ) وحَذَفَها الباقُونَ مُطابَقَةً لِرُءُوسِ الآيِ.
﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً، وهي النَّفْخَةُ الكائِنَةُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وعَلى الأوَّلِ المُرادُ مَن عاصَرَ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الكُفّارِ، وعَلى الثّانِي المُرادُ كُفّارُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ أيْ: لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ حُلُولِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن عَذابِ النّارِ إلّا أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ عَذابٌ يَفْجَؤُهم في الدُّنْيا كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
وجُمْلَةُ ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِ: ( صَيْحَةً ) . قالَ الزَّجّاجُ: فَواقٍ وفُواقٍ بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّها أيْ: ما لَها مِن رُجُوعٍ، والفَواقُ ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وأفاقَ مِن مَرَضِهِ أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنَّ الفَواقَ الرُّجُوعُ.
وقالَ قَتادَةُ ما لَها مِن مَثْنَوِيَّةٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَها مِن إفاقَةٍ، وقِيلَ: ما لَها مِن مَرَدٍّ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ما لَها مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ وإفاقَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ هي مِيعادُ عَذابِهِمْ، فَإذا جاءَتْ لَمْ تَرْجِعْ ولا تُرَدُّ عَنْهم ولا تُصْرَفُ مِنهم ولا تَتَوَقَّفُ مِقْدارَ فَواقِ ناقَةٍ، وهي ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎حَتّى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا
والفِيقَةُ اسْمُ اللَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وجَمْعُها فِيقٌ وأفْواقٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ما لَها مِن فَواقٍ " بِضَمِّ الفاءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.
قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الفَواقُ بِفَتْحِ الفاءِ الرّاحَةُ أيْ: لا يُفِيقُونَ فِيها كَما يُفِيقُ المَرِيضُ والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، وبِالضَّمِّ الِانْتِظارُ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ لَمّا سَمِعُوا ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، والقِطُّ في اللُّغَةِ النَّصِيبُ، مِنَ القَطِّ، وهو القَطْعُ، وبِهَذا قالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الفَرّاءُ: القِطُّ في كَلامِ العَرَبِ الحَظُّ والنَّصِيبُ، (p-١٢٥٩)ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّكِّ قِطٌّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: القِطُّ الكِتابُ بِالجَوائِزِ، والجَمْعُ القُطُوطُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ
ومَعْنى يَأْفِقُ يُصْلِحُ، ومَعْنى الآيَةِ سُؤالُهم لِرَبِّهِمْ أنْ يُعَجِّلَ لَهم نَصِيبَهم وحَظَّهم مِنَ العَذابِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [ الحَجِّ: ٤٧، والعَنْكَبُوتِ: ٥٣ ] .
وقالَ: السُّدِّيُّ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُمَثِّلَ لَهم مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما يُوعَدُونَ بِهِ وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: المَعْنى عَجِّلْ لَنا أرْزاقَنا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [ الحاقَّةِ: ١٩، والِانْشِقاقِ: ٧ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالَتْ قُرَيْشٌ: زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنّا نُؤْتى كِتابَنا بِشِمالِنا فَعَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَسْمَعُهُ مِن أقْوالِهِمْ فَقالَ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم مِن جُمْلَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ قُرُونِ الضَّلالَةِ، وأُمَمِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ عَلى ما يَسْمَعُهُ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وما بَعْدَها.
ومَعْنى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ اذْكُرْ قِصَّتَهُ فَإنَّكَ تَجِدُ فِيها ما تَتَسَلّى بِهِ، والأيْدُ: القُوَّةُ ومِنهُ رَجُلٌ أيْدٌ أيْ: قَوِيٌّ، وتَأيَّدَ الشَّيْءُ: تَقَوّى والمُرادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى العِبادَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وكانَتْ قُوَّةُ داوُدَ عَلى العِبادَةِ أتَمَّ قُوَّةٍ، ومِن قُوَّتِهِ ما أخْبَرَنا بِهِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وكانَ يُصَلِّي نِصْفَ اللَّيْلِ وكانَ لا يَفِرُّ إذا لاقى العَدُوَّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذا الأيْدِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إلى ما يُحِبُّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ قَوِيًّا في دِينِهِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ كُلَّما ذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغْفَرَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، وهَذا داخِلٌ تَحْتَ المَعْنى الأوَّلِ، يُقالُ: آبَ يَئُوبُ: إذا رَجَعَ.
﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - ويُنَزِّهْنَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
وجُمْلَةُ يُسَبِّحْنَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي هَذا بَيانُ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ البُرْهانِ والمُعْجِزَةِ، وهو تَسْبِيحُ الجِبالِ مَعَهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ إذا ذَكَرَ اللَّهَ ذَكَرَتِ الجِبالُ مَعَهُ، وكانَ يَفْقَهُ تَسْبِيحَ الجِبالِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أُوتِيَ داوُدُ مِن حُسْنِ الصَّوْتِ ما يَكُونُ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، فَهَذا مَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحْنَ يُصَلِّينَ، ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( سَخَّرْنا ) .
ومَعْنى ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، يُقالُ: أشْرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا أضاءَتْ، وذَلِكَ وقْتَ الضُّحى. وأمّا شُرُوقُها فَطُلُوعُها. قالَ الزَّجّاجُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ: إذا أضاءَتْ.
﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ، وانْتِصابُ ( مَحْشُورَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ تُسَبِّحُ اللَّهَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها إلَيْهِ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها الرِّيحُ. ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ رَجّاعٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ، والضَّمِيرُ في ( لَهُ ) راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ ( داوُدَ ) أيْ: لِأجْلِ تَسْبِيحِ داوُدَ مُسَبِّحٌ، فَوَضَعَ ( أوّابٌ ) مَوْضِعَ مُسَبِّحٍ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأوّابَ: الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ وثَبَّتْناهُ بِالنَّصْرِ في المَواطِنِ عَلى أعْدائِهِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ مِنهُ في قُلُوبِهِمْ.
وقِيلَ: بِكَثْرَةِ الجُنُودِ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةُ والمَعْرِفَةُ بِكُلِّ ما يَحْكُمُ بِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الفَهْمُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: العَدْلُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ. وقالَ شُرَيْحٌ: السُّنَّةُ.
والمُرادُ بِـ ( فَصْلَ الخِطابِ ) الفَصْلُ في القَضاءِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الشُّهُودُ والإيمانُ لِأنَّها إنَّما تَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِهَذا.
وقِيلَ: هو الإيجازُ بِجَعْلِ المَعْنى الكَثِيرِ في اللَّفْظِ القَلِيلِ.
﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ لَمّا مَدَحَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ الواقِعَةِ لِما فِيها مِنَ الأخْبارِ العَجِيبَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: بَعَثَ اللَّهُ إلى داوُدَ مَلَكَيْنِ، جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ لِيُنَبِّهَهُ عَلى التَّوْبَةِ، فَأتَياهُ وهو في مِحْرابِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بِالخَصْمِ هاهُنا المَلَكانِ، والخَصْمُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ.
ومَعْنى ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أتَوْهُ مِن أعْلى سُورِهِ ونَزَلُوا إلَيْهِ، والسُّورُ: الحائِطُ المُرْتَفِعُ، وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ في ( تَسَوَّرُوا ) مَعَ كَوْنِهِمُ اثْنَيْنِ نَظَرًا إلى ما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الخَصْمِ مِنَ الجَمْعِ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وخَصْمٍ غِضابٍ قَدْ نَفَضْتُ لِحاهُمُ ∗∗∗ كَنَفْضِ البَراذِينِ العِرابِ المَخالِيا
والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ، لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ وهو فِيها، كَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ صَدْرُ المَجْلِسِ ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ.
وقِيلَ: إنَّهُما كانا إنْسِيَّيْنِ ولَمْ يَكُونا مَلَكَيْنِ.
والعامِلُ في ( إذْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ النَّبَأُ أيْ: هَلْ أتاكَ الخَبَرُ الواقِعُ في وقْتِ تَسَوُّرِهِمْ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ( أتاكَ ) . وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِلْخَصْمِ. وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: وهَلْ أتاكَ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ. وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِ: ( تَسَوَّرُوا ) . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ إنْ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِمَعْنى لَمّا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُما أتَياهُ لَيْلًا في غَيْرِ وقْتِ دُخُولِ الخُصُومِ ودَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ النّاسُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وكانَ مِحْرابُ داوُدَ مِنَ الِامْتِناعِ بِالِارْتِفاعِ بِحَيْثُ لا يَرْتَقِي إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ، وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِداوُدَ لَمّا فَزِعَ مِنهم، وارْتِفاعُ خَصْمانِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَحْنُ خَصْمانِ، وجاءَ فِيما سَبَقَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهُنا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لَفْظَ الخَصْمِ يَحْتَمِلُ المُفْرَدَ والمُثَنّى والمَجْمُوعَ، فالكُلُّ جائِزٌ.
قالَ الخَلِيلُ: هو كَما تَقُولُ: نَحْنُ فَعَلْنا كَذا: إذا كُنْتُما اثْنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (p-١٢٦٠)جَمَعَ لَمّا كانَ خَبَرًا فَلَمّا انْقَضى الخَبَرُ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ أخْبَرَ الِاثْنانِ عَنْ أنْفُسِهِما فَقالا: خَصْمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وعَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يَبْغِيانِ.
ثُمَّ طَلَبا مِنهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالحَقِّ ونَهَياهُ عَنِ الجَوْرِ فَقالا: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في حُكْمِكَ، يُقالُ: شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ شَطَطًا وإشْطاطًا: إذا جارَ في حُكْمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: شَطَطْتُ عَلَيْهِ وأشْطَطْتُ أيْ: جُرْتُ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ لا تُسْرِفْ، وقِيلَ: لا تُفَرِّطْ، وقِيلَ: لا تَمِلْ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والأصْلُ فِيهِ البُعْدُ، مِن شَطَّتِ الدّارُ: إذا بَعُدَتْ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الشَّطَطُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلِّ شَيْءٍ. ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ سَواءُ الصِّراطِ: وسَطُهُ.
والمَعْنى: أرْشِدْنا إلى الحَقِّ واحْمِلْنا عَلَيْهِ. ثُمَّ لَمّا أخْبَراهُ عَنِ الخُصُومَةِ إجْمالًا شَرَعا في تَفْصِيلِهِما، وشَرْحِها، فَقالا: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ المُرادُ بِالأُخُوَّةِ هُنا: أُخُوَّةُ الدِّينِ أوِ الصُّحْبَةُ، والنَّعْجَةُ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُقالُ: لِبَقْرِ الوَحْشِ نَعْجَةٌ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النَّعْجَةُ البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ، والعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ المَرْأةِ بِها، وتُشَبِّهُ النِّساءَ بِالنِّعاجِ مِنَ البَقَرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما عَنى بِـ " هَذا " داوُدَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وعَنى بِقَوْلِهِ: ( ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) [ أُورِيا ] زَوْجَ المَرْأةِ الَّتِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها داوُدُ كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: ضُمَّها إلَيَّ وانْزِلْ لِي عَنْها حَتّى أكْفُلَها وأصِيرَ بَعْلًا لَها.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي ونَصِيبِي ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، يُقالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ عِزًّا: إذا غَلَبَهُ.
وفِي المَثَلِ: " مَن عَزَّ بَزَّ " أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ والِاسْمُ العِزَّةُ: وهي القُوَّةُ. قالَ عَطاءٌ: المَعْنى إنْ تَكَلَّمَ كانَ أفْصَحَ مِنِّي.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " وعازَّنِي في الخِطابِ " أيْ: غالَبَنِي مِنَ المُعازَّةِ وهي المُغالَبَةُ.
﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: بِسُؤالِهِ نَعْجَتِكَ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقُولُ، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهي وما بَعْدَها جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُقَدَّرِ، وجاءَ بِالقَسَمِ في كَلامِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ ما يَسْمَعُهُ مِن طَلَبِ صاحِبِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ النَّعْجَةَ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ النَّعْجَةَ الواحِدَةَ الَّتِي مَعَ صاحِبِهِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُها.
ويُمْكِنُ أنَّهُ إنَّما قالَ بِهَذا بَعْدَ أنْ سَمِعَ الِاعْتِرافَ مِنَ الآخَرِ. قالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ خَطِيئَةَ داوُدَ هي قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَثَبَّتَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وهُمُ الشُّرَكاءُ واحِدُهم خَلِيطٌ: وهو المُخالِطُ في المالِ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَعَدّى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَظْلِمُهُ غَيْرَ مُراعٍ لِحَقِّهِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ ذَلِكَ، ولا يَظْلِمُونَ خَلِيطًا ولا غَيْرَهُ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وقَلِيلٌ هم، و( ما ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّعْجِيبِ.
وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ، و( هم ) مُبْتَدَأٌ، و( قَلِيلٌ ) خَبَرُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . قالَ أبُو عَمْرٍو والفَرّاءُ: ( ظَنَّ ) يَعْنِي أيْقَنَ.
ومَعْنى فَتَنّاهُ ابْتَلَيْناهُ، والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ أنْ تَخاصَما إلَيْهِ وقالَ ما قالَ عَلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُرادُ، وأنَّ مَقْصُودَهُما التَّعْرِيضُ بِهِ وبِصاحِبِهِ الَّذِي أرادَ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا قَضى بَيْنَهُما داوُدُ نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ داوُدُ بِما أرادَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَنّاهُ بِالتَّخْفِيفِ لِلتّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ بِالتَّشْدِيدِ لِلتّاءِ والنُّونِ، وهي مُبالَغَةٌ في الفِتْنَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ " افْتَنّاهُ " وقَرَأ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَتَناهُ " بِتَخْفِيفِهِما وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكَيْنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) لِذَنْبِهِ ( وخَرَّ راكِعًا ) أيْ ساجِدًا، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ المُرادَ بِالرُّكُوعِ هُنا السُّجُودُ، فَإنَّ السُّجُودَ هو المَيْلُ، والرُّكُوعُ هو الِانْحِناءُ وأحَدُهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِهَيْئَةٍ.
ثُمَّ جاءَ في هَذا عَلى تَسْمِيَةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ. وقِيلَ: المَعْنى لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ: مُصَلِّيًا.
وقِيلَ: بَلْ كانَ رُكُوعُهم سُجُودًا، وقِيلَ: بَلْ كانَ سُجُودُهم رُكُوعًا وأنابَ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَنْبِ داوُدَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ وتابَ عَنْهُ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهُ نَظَرَ إلى امْرَأةِ الرَّجُلِ الَّتِي أرادَ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، كَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَتَعَمَّدْ داوُدُ النَّظَرَ إلى المَرْأةِ لَكِنَّهُ عاوَدَ النَّظَرَ إلَيْها، وصارَتِ الأُولى لَهُ والثّانِيَةُ عَلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي أنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها في جُمْلَةِ الغُزاةِ.
الثّالِثُ أنَّهُ نَوى إنْ ماتَ زَوْجُها أنْ يَتَزَوَّجَها.
الرّابِعُ أنَّ أُورِيا كانَ خَطَبَ تِلْكَ المَرْأةَ فَلَمّا غابَ خَطَبَها داوُدُ فَزُوِّجَتْ مِنهُ لِجَلالَتِهِ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ أُورِيا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْها لِخاطِبِها.
الخامِسُ أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلى قَتْلِ أُورِيا كَما كانَ يَجْزَعُ عَلى مَن هَلَكَ مِنَ الجُنْدِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأتَهُ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ ذُنُوبَ الأنْبِياءِ وإنْ صَغُرَتْ فَهي عَظِيمَةٌ.
السّادِسُ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا.
وأقُولُ الظّاهِرُ مِنَ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ المَلَكَيْنِ تَعْرِيضًا لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طَلَبَ مِن زَوْجِ المَرْأةِ الواحِدَةِ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْها ويَضُمَّها إلى نِسائِهِ، ولا يُنافِي هَذا العِصْمَةَ الكائِنَةَ لِلْأنْبِياءِ، فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وعَرَّضَ لَهُ بِإرْسالِ مَلائِكَتِهِ إلَيْهِ لِيَتَخاصَمُوا في مِثْلِ قِصَّتِهِ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ ويَتُوبَ مِنهُ فاسْتَغْفَرَ وتابَ.
وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] وهو أبُو البَشَرِ وأوَّلُ الأنْبِياءِ، ووَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في كِتابِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ قَبِلَ اسْتِغْفارَهُ وتَوْبَتَهُ قالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنهُ.
قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ داوُدَ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى نَبَتَ الرَّعْيُ حَوْلَ وجْهِهِ وغَمَرَ رَأْسَهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (p-١٢٦١)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ تامٌّ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلْفى: القُرْبَةُ والكَرامَةُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: الزُّلْفى الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِحُسْنِ المَآبِ: حُسْنُ المَرْجِعِ وهو الجَنَّةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قالَ: مِن رَجْعَةٍ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: سَألُوا اللَّهَ أنْ يُعَجِّلَ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ذا الأيْدِ قالَ: القُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأوّابُ المُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ " فَقالَ سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْهُ فَقالَ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّابُ المُوقِنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْهُ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي وجْهَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ حَتّى رَأيْتُ النّاسَ يُصَلُّونَ الضُّحى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ فَما أدْرِي ما هي ؟ حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى الضُّحى، ثُمَّ قالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ.
والأحادِيثُ في صَلاةِ الضُّحى كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرْناها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَعْدى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ مِن عُظَمائِهِمْ فَقالَ: إنَّ هَذا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَألَ داوُدُ الرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَألَ الآخَرَ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما داوُدُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدى، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا ولَسْتُ أعْجَلُ حَتّى أتَثَبَّتَ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ في مَنامِهِ فَأُمِرَ أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ، فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، فَأرْسَلَ داوُدُ إلى الرَّجُلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، قالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا تَثَبُّتٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ فِيكَ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ ولَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ فَقُتِلَ فاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قالَ: أمّا بَعْدُ، داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سَمِعَ زِيادَ بْنَ أبِيهِ يَقُولُ: فَصْلُ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: أمّا بَعْدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ داوُدَ حَدَّثَ نَفْسَهُ إذا ابْتُلِيَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّكَ سَتُبْتَلى وسَتَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ فَخُذْ حَذَرَكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ، فَأخَذَ الزَّبُورَ ودَخَلَ المِحْرابَ وأغْلَقَ بابَ المِحْرابِ وأخَذَ الزَّبُورَ في حِجْرِهِ، وأقْعَدَ مُنْصِفًا: يَعْنِي خادِمًا، عَلى البابِ وقالَ: لا تَأْذَنْ لِأحَدٍ عَلَيَّ اليَوْمَ، فَبَيْنَما هو يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جاءَ طائِرٌ مُذَهَّبٌ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ الطَّيْرُ، فِيهِ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فَجَعَلَ يَدُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَنا مِنهُ فَأمْكَنَ أنْ يَأْخُذَهُ، فَتَناوَلَهُ بِيَدِهِ لِيَأْخُذَهُ فاسْتَوْفَزَ مِن خَلْفِهِ، فَأطْبَقَ الزَّبُورَ وقامَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَطارَ فَوَقَعَ عَلى كُوَّةِ المِحْرابِ، فَدَنا مِنهُ لِيَأْخُذَهُ فَأفْضى فَوَقَعَ عَلى خُصٍّ فَأشْرَفَ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ أيْنَ وقَعَ ؟ فَإذا هو بِامْرَأةٍ عِنْدَ بِرْكَتِها تَغْتَسِلُ مِنَ الحَيْضِ، فَلَمّا رَأتْ ظِلَّهُ حَرَّكَتْ رَأْسَها، فَغَطَّتْ جَسَدَها أجْمَعَ بِشَعْرِها، وكانَ زَوْجُها غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى رَأْسِ الغُزاةِ: انْظُرْ أُورِيا فاجْعَلْهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ وكانَ حَمَلَةُ التّابُوتِ إمّا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ وإمّا أنْ يُقْتَلُوا، فَقَدَّمَهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ فَقُتِلَ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبَها داوُدُ، فاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ ولَدَتْ غُلامًا أنْ يَكُونَ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ، وأشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتابًا، فَما شَعَرَ بِفِتْنَتِهِ أنَّهُ افْتُتِنَ حَتّى ولَدَتْ سُلَيْمانَ، وشَبَّ فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ المَلَكانِ المِحْرابَ وكانَ شَأْنُهُما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ وخَرَّ داوُدُ ساجِدًا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتابَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: ما أصابَ داوُدَ بَعْدَما أصابَهُ بَعْدَ القَدَرِ إلّا مِن عُجْبٍ عَجِبَ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا وعابِدٌ مِن آلِ داوُدَ يَعْبُدُكَ يُصَلِّي لَكَ أوْ يُسَبِّحُ أوْ يُكَبِّرُ وذَكَرَ أشْياءَ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا داوُدُ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا بِي فَلَوْلا عَوْنِي ما قَوِيتَ عَلَيْهِ، وعِزَّتِي وجَلالِي لَأكِلَنَّكَ إلى نَفْسِكَ يَوْمًا، قالَ: يا رَبِّ فَأخْبِرْنِي بِهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ فَأصابَتْهُ الفِتْنَةُ ذَلِكَ اليَوْمَ.
وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.
وأخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلَةً. وأخْرَجَها جَماعَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ قالَ: عَلى دِينِي.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ ﴿أكْفِلْنِيها﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ الَّذِي هم فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالَ: اخْتَبَرْناهُ.
(p-١٢٦٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في السُّجُودِ في ص لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص وقالَ: سَجَدَها داوُدُ، ونَسْجُدُها شُكْرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى المِنبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَهَيَّأ النّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقالَ: إنَّما هي تَوْبَةٌ ولَكِنِّي رَأيْتُكم تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ فَعَظَّمَ شَأْنَهُ وشِدَّتَهُ قالَ: ويَقُولُ الرَّحْمَنُ - عَزَّ وجَلَّ - لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ، فَيَقُولُ داوُدُ: يا رَبِّ، أخافُ أنْ تَدْحَضَنِي خَطِيئَتِي، فَيَقُولُ: خُذْ بِقَدَمِي، فَيَأْخُذُ بِقَدَمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيَمُرُّ، قالَ: فَتِلْكَ الزُّلْفى الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾» .
ص 38:23
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَ أمْثالَهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهم وعَمِلَ عَمَلَهم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ بِها النّاسَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ إذا غَضِبَ عَلى أحَدٍ وتَدَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ ورَأْسَهُ عَلى الأرْضِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ: الجُمُوعُ والجُنُودُ الكَثِيرَةُ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يُقَوُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ سُلْطانَهُ كَما تُقَوِّي الأوْتادُ ما ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تَقُولُ هم في عِزٍّ ثابِتِ الأوْتادِ، ومُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ، يُرِيدُونَ مُلْكًا دائِمًا شَدِيدًا، وأصْلُ هَذا أنَّ البَيْتَ مِن بُيُوتِ الشِّعْرِ إنَّما يُثَبَّتُ ويُقَوَّمُ بِالأوْتادِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ هُنا البِناءُ المُحْكَمُ أيْ: وفِرْعَوْنُ ذُو الأبْنِيَةِ المُحْكَمَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والبُنْيانُ يُسَمّى أوْتادًا، والأوْتادُ جَمْعُ وتِدٍ أفْصَحُها فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ التّاءِ، ويُقالُ: وتَدٌ بِفَتْحِها ووَدٌّ بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ ووَدَتٌ.
قالَ الأصْمَعِيُّ ويُقالُ: وتِدٌ واتِدٌ مِثْلُ شُغْلٍ شاغِلٍ وأنْشَدَ:
؎لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفُها المَواعِدا
﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها واخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَتِها في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ومَعْنى ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ هو الرَّجُلُ.
وقُرَيْشٌ وإنْ كانُوا حِزْبًا كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ هم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا، وأقْوى أبْدانًا، وأوْسَعُ أمْوالًا وأعْمارًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا، والمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ وعادٌ كَذا قالَ أبُو البَقاءِ وهو ضَعِيفٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ عادٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، والأوْلى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلًا مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ( إنْ ) هي النّافِيَةُ، والمَعْنى: ما كَلُّ حِزْبٍ مِن هَذِهِ الأحْزابِ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ تَكْذِيبَ الحِزْبِ لِرَسُولِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ أوْ هو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، والمُرادُ تَكْذِيبُ كُلِّ حِزْبٍ لِرَسُولِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: كُلُّ أحَدٍ مِنَ الأحْزابِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ عِقابِي بِتَكْذِيبِهِمْ، ومَعْنى حَقَّ: ثَبَتَ ووَجَبَ، وإنْ تَأخَّرَ فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
قَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في ( عِقابِ ) وحَذَفَها الباقُونَ مُطابَقَةً لِرُءُوسِ الآيِ.
﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً، وهي النَّفْخَةُ الكائِنَةُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وعَلى الأوَّلِ المُرادُ مَن عاصَرَ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الكُفّارِ، وعَلى الثّانِي المُرادُ كُفّارُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ أيْ: لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ حُلُولِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن عَذابِ النّارِ إلّا أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ عَذابٌ يَفْجَؤُهم في الدُّنْيا كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
وجُمْلَةُ ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِ: ( صَيْحَةً ) . قالَ الزَّجّاجُ: فَواقٍ وفُواقٍ بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّها أيْ: ما لَها مِن رُجُوعٍ، والفَواقُ ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وأفاقَ مِن مَرَضِهِ أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنَّ الفَواقَ الرُّجُوعُ.
وقالَ قَتادَةُ ما لَها مِن مَثْنَوِيَّةٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَها مِن إفاقَةٍ، وقِيلَ: ما لَها مِن مَرَدٍّ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ما لَها مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ وإفاقَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ هي مِيعادُ عَذابِهِمْ، فَإذا جاءَتْ لَمْ تَرْجِعْ ولا تُرَدُّ عَنْهم ولا تُصْرَفُ مِنهم ولا تَتَوَقَّفُ مِقْدارَ فَواقِ ناقَةٍ، وهي ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎حَتّى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا
والفِيقَةُ اسْمُ اللَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وجَمْعُها فِيقٌ وأفْواقٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ما لَها مِن فَواقٍ " بِضَمِّ الفاءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.
قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الفَواقُ بِفَتْحِ الفاءِ الرّاحَةُ أيْ: لا يُفِيقُونَ فِيها كَما يُفِيقُ المَرِيضُ والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، وبِالضَّمِّ الِانْتِظارُ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ لَمّا سَمِعُوا ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، والقِطُّ في اللُّغَةِ النَّصِيبُ، مِنَ القَطِّ، وهو القَطْعُ، وبِهَذا قالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الفَرّاءُ: القِطُّ في كَلامِ العَرَبِ الحَظُّ والنَّصِيبُ، (p-١٢٥٩)ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّكِّ قِطٌّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: القِطُّ الكِتابُ بِالجَوائِزِ، والجَمْعُ القُطُوطُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ
ومَعْنى يَأْفِقُ يُصْلِحُ، ومَعْنى الآيَةِ سُؤالُهم لِرَبِّهِمْ أنْ يُعَجِّلَ لَهم نَصِيبَهم وحَظَّهم مِنَ العَذابِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [ الحَجِّ: ٤٧، والعَنْكَبُوتِ: ٥٣ ] .
وقالَ: السُّدِّيُّ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُمَثِّلَ لَهم مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما يُوعَدُونَ بِهِ وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: المَعْنى عَجِّلْ لَنا أرْزاقَنا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [ الحاقَّةِ: ١٩، والِانْشِقاقِ: ٧ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالَتْ قُرَيْشٌ: زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنّا نُؤْتى كِتابَنا بِشِمالِنا فَعَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَسْمَعُهُ مِن أقْوالِهِمْ فَقالَ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم مِن جُمْلَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ قُرُونِ الضَّلالَةِ، وأُمَمِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ عَلى ما يَسْمَعُهُ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وما بَعْدَها.
ومَعْنى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ اذْكُرْ قِصَّتَهُ فَإنَّكَ تَجِدُ فِيها ما تَتَسَلّى بِهِ، والأيْدُ: القُوَّةُ ومِنهُ رَجُلٌ أيْدٌ أيْ: قَوِيٌّ، وتَأيَّدَ الشَّيْءُ: تَقَوّى والمُرادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى العِبادَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وكانَتْ قُوَّةُ داوُدَ عَلى العِبادَةِ أتَمَّ قُوَّةٍ، ومِن قُوَّتِهِ ما أخْبَرَنا بِهِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وكانَ يُصَلِّي نِصْفَ اللَّيْلِ وكانَ لا يَفِرُّ إذا لاقى العَدُوَّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذا الأيْدِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إلى ما يُحِبُّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ قَوِيًّا في دِينِهِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ كُلَّما ذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغْفَرَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، وهَذا داخِلٌ تَحْتَ المَعْنى الأوَّلِ، يُقالُ: آبَ يَئُوبُ: إذا رَجَعَ.
﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - ويُنَزِّهْنَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
وجُمْلَةُ يُسَبِّحْنَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي هَذا بَيانُ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ البُرْهانِ والمُعْجِزَةِ، وهو تَسْبِيحُ الجِبالِ مَعَهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ إذا ذَكَرَ اللَّهَ ذَكَرَتِ الجِبالُ مَعَهُ، وكانَ يَفْقَهُ تَسْبِيحَ الجِبالِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أُوتِيَ داوُدُ مِن حُسْنِ الصَّوْتِ ما يَكُونُ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، فَهَذا مَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحْنَ يُصَلِّينَ، ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( سَخَّرْنا ) .
ومَعْنى ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، يُقالُ: أشْرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا أضاءَتْ، وذَلِكَ وقْتَ الضُّحى. وأمّا شُرُوقُها فَطُلُوعُها. قالَ الزَّجّاجُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ: إذا أضاءَتْ.
﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ، وانْتِصابُ ( مَحْشُورَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ تُسَبِّحُ اللَّهَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها إلَيْهِ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها الرِّيحُ. ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ رَجّاعٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ، والضَّمِيرُ في ( لَهُ ) راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ ( داوُدَ ) أيْ: لِأجْلِ تَسْبِيحِ داوُدَ مُسَبِّحٌ، فَوَضَعَ ( أوّابٌ ) مَوْضِعَ مُسَبِّحٍ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأوّابَ: الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ وثَبَّتْناهُ بِالنَّصْرِ في المَواطِنِ عَلى أعْدائِهِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ مِنهُ في قُلُوبِهِمْ.
وقِيلَ: بِكَثْرَةِ الجُنُودِ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةُ والمَعْرِفَةُ بِكُلِّ ما يَحْكُمُ بِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الفَهْمُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: العَدْلُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ. وقالَ شُرَيْحٌ: السُّنَّةُ.
والمُرادُ بِـ ( فَصْلَ الخِطابِ ) الفَصْلُ في القَضاءِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الشُّهُودُ والإيمانُ لِأنَّها إنَّما تَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِهَذا.
وقِيلَ: هو الإيجازُ بِجَعْلِ المَعْنى الكَثِيرِ في اللَّفْظِ القَلِيلِ.
﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ لَمّا مَدَحَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ الواقِعَةِ لِما فِيها مِنَ الأخْبارِ العَجِيبَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: بَعَثَ اللَّهُ إلى داوُدَ مَلَكَيْنِ، جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ لِيُنَبِّهَهُ عَلى التَّوْبَةِ، فَأتَياهُ وهو في مِحْرابِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بِالخَصْمِ هاهُنا المَلَكانِ، والخَصْمُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ.
ومَعْنى ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أتَوْهُ مِن أعْلى سُورِهِ ونَزَلُوا إلَيْهِ، والسُّورُ: الحائِطُ المُرْتَفِعُ، وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ في ( تَسَوَّرُوا ) مَعَ كَوْنِهِمُ اثْنَيْنِ نَظَرًا إلى ما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الخَصْمِ مِنَ الجَمْعِ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وخَصْمٍ غِضابٍ قَدْ نَفَضْتُ لِحاهُمُ ∗∗∗ كَنَفْضِ البَراذِينِ العِرابِ المَخالِيا
والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ، لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ وهو فِيها، كَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ صَدْرُ المَجْلِسِ ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ.
وقِيلَ: إنَّهُما كانا إنْسِيَّيْنِ ولَمْ يَكُونا مَلَكَيْنِ.
والعامِلُ في ( إذْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ النَّبَأُ أيْ: هَلْ أتاكَ الخَبَرُ الواقِعُ في وقْتِ تَسَوُّرِهِمْ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ( أتاكَ ) . وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِلْخَصْمِ. وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: وهَلْ أتاكَ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ. وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِ: ( تَسَوَّرُوا ) . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ إنْ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِمَعْنى لَمّا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُما أتَياهُ لَيْلًا في غَيْرِ وقْتِ دُخُولِ الخُصُومِ ودَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ النّاسُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وكانَ مِحْرابُ داوُدَ مِنَ الِامْتِناعِ بِالِارْتِفاعِ بِحَيْثُ لا يَرْتَقِي إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ، وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِداوُدَ لَمّا فَزِعَ مِنهم، وارْتِفاعُ خَصْمانِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَحْنُ خَصْمانِ، وجاءَ فِيما سَبَقَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهُنا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لَفْظَ الخَصْمِ يَحْتَمِلُ المُفْرَدَ والمُثَنّى والمَجْمُوعَ، فالكُلُّ جائِزٌ.
قالَ الخَلِيلُ: هو كَما تَقُولُ: نَحْنُ فَعَلْنا كَذا: إذا كُنْتُما اثْنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (p-١٢٦٠)جَمَعَ لَمّا كانَ خَبَرًا فَلَمّا انْقَضى الخَبَرُ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ أخْبَرَ الِاثْنانِ عَنْ أنْفُسِهِما فَقالا: خَصْمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وعَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يَبْغِيانِ.
ثُمَّ طَلَبا مِنهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالحَقِّ ونَهَياهُ عَنِ الجَوْرِ فَقالا: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في حُكْمِكَ، يُقالُ: شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ شَطَطًا وإشْطاطًا: إذا جارَ في حُكْمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: شَطَطْتُ عَلَيْهِ وأشْطَطْتُ أيْ: جُرْتُ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ لا تُسْرِفْ، وقِيلَ: لا تُفَرِّطْ، وقِيلَ: لا تَمِلْ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والأصْلُ فِيهِ البُعْدُ، مِن شَطَّتِ الدّارُ: إذا بَعُدَتْ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الشَّطَطُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلِّ شَيْءٍ. ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ سَواءُ الصِّراطِ: وسَطُهُ.
والمَعْنى: أرْشِدْنا إلى الحَقِّ واحْمِلْنا عَلَيْهِ. ثُمَّ لَمّا أخْبَراهُ عَنِ الخُصُومَةِ إجْمالًا شَرَعا في تَفْصِيلِهِما، وشَرْحِها، فَقالا: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ المُرادُ بِالأُخُوَّةِ هُنا: أُخُوَّةُ الدِّينِ أوِ الصُّحْبَةُ، والنَّعْجَةُ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُقالُ: لِبَقْرِ الوَحْشِ نَعْجَةٌ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النَّعْجَةُ البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ، والعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ المَرْأةِ بِها، وتُشَبِّهُ النِّساءَ بِالنِّعاجِ مِنَ البَقَرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما عَنى بِـ " هَذا " داوُدَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وعَنى بِقَوْلِهِ: ( ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) [ أُورِيا ] زَوْجَ المَرْأةِ الَّتِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها داوُدُ كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: ضُمَّها إلَيَّ وانْزِلْ لِي عَنْها حَتّى أكْفُلَها وأصِيرَ بَعْلًا لَها.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي ونَصِيبِي ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، يُقالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ عِزًّا: إذا غَلَبَهُ.
وفِي المَثَلِ: " مَن عَزَّ بَزَّ " أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ والِاسْمُ العِزَّةُ: وهي القُوَّةُ. قالَ عَطاءٌ: المَعْنى إنْ تَكَلَّمَ كانَ أفْصَحَ مِنِّي.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " وعازَّنِي في الخِطابِ " أيْ: غالَبَنِي مِنَ المُعازَّةِ وهي المُغالَبَةُ.
﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: بِسُؤالِهِ نَعْجَتِكَ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقُولُ، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهي وما بَعْدَها جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُقَدَّرِ، وجاءَ بِالقَسَمِ في كَلامِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ ما يَسْمَعُهُ مِن طَلَبِ صاحِبِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ النَّعْجَةَ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ النَّعْجَةَ الواحِدَةَ الَّتِي مَعَ صاحِبِهِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُها.
ويُمْكِنُ أنَّهُ إنَّما قالَ بِهَذا بَعْدَ أنْ سَمِعَ الِاعْتِرافَ مِنَ الآخَرِ. قالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ خَطِيئَةَ داوُدَ هي قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَثَبَّتَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وهُمُ الشُّرَكاءُ واحِدُهم خَلِيطٌ: وهو المُخالِطُ في المالِ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَعَدّى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَظْلِمُهُ غَيْرَ مُراعٍ لِحَقِّهِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ ذَلِكَ، ولا يَظْلِمُونَ خَلِيطًا ولا غَيْرَهُ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وقَلِيلٌ هم، و( ما ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّعْجِيبِ.
وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ، و( هم ) مُبْتَدَأٌ، و( قَلِيلٌ ) خَبَرُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . قالَ أبُو عَمْرٍو والفَرّاءُ: ( ظَنَّ ) يَعْنِي أيْقَنَ.
ومَعْنى فَتَنّاهُ ابْتَلَيْناهُ، والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ أنْ تَخاصَما إلَيْهِ وقالَ ما قالَ عَلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُرادُ، وأنَّ مَقْصُودَهُما التَّعْرِيضُ بِهِ وبِصاحِبِهِ الَّذِي أرادَ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا قَضى بَيْنَهُما داوُدُ نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ داوُدُ بِما أرادَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَنّاهُ بِالتَّخْفِيفِ لِلتّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ بِالتَّشْدِيدِ لِلتّاءِ والنُّونِ، وهي مُبالَغَةٌ في الفِتْنَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ " افْتَنّاهُ " وقَرَأ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَتَناهُ " بِتَخْفِيفِهِما وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكَيْنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) لِذَنْبِهِ ( وخَرَّ راكِعًا ) أيْ ساجِدًا، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ المُرادَ بِالرُّكُوعِ هُنا السُّجُودُ، فَإنَّ السُّجُودَ هو المَيْلُ، والرُّكُوعُ هو الِانْحِناءُ وأحَدُهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِهَيْئَةٍ.
ثُمَّ جاءَ في هَذا عَلى تَسْمِيَةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ. وقِيلَ: المَعْنى لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ: مُصَلِّيًا.
وقِيلَ: بَلْ كانَ رُكُوعُهم سُجُودًا، وقِيلَ: بَلْ كانَ سُجُودُهم رُكُوعًا وأنابَ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَنْبِ داوُدَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ وتابَ عَنْهُ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهُ نَظَرَ إلى امْرَأةِ الرَّجُلِ الَّتِي أرادَ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، كَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَتَعَمَّدْ داوُدُ النَّظَرَ إلى المَرْأةِ لَكِنَّهُ عاوَدَ النَّظَرَ إلَيْها، وصارَتِ الأُولى لَهُ والثّانِيَةُ عَلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي أنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها في جُمْلَةِ الغُزاةِ.
الثّالِثُ أنَّهُ نَوى إنْ ماتَ زَوْجُها أنْ يَتَزَوَّجَها.
الرّابِعُ أنَّ أُورِيا كانَ خَطَبَ تِلْكَ المَرْأةَ فَلَمّا غابَ خَطَبَها داوُدُ فَزُوِّجَتْ مِنهُ لِجَلالَتِهِ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ أُورِيا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْها لِخاطِبِها.
الخامِسُ أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلى قَتْلِ أُورِيا كَما كانَ يَجْزَعُ عَلى مَن هَلَكَ مِنَ الجُنْدِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأتَهُ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ ذُنُوبَ الأنْبِياءِ وإنْ صَغُرَتْ فَهي عَظِيمَةٌ.
السّادِسُ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا.
وأقُولُ الظّاهِرُ مِنَ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ المَلَكَيْنِ تَعْرِيضًا لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طَلَبَ مِن زَوْجِ المَرْأةِ الواحِدَةِ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْها ويَضُمَّها إلى نِسائِهِ، ولا يُنافِي هَذا العِصْمَةَ الكائِنَةَ لِلْأنْبِياءِ، فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وعَرَّضَ لَهُ بِإرْسالِ مَلائِكَتِهِ إلَيْهِ لِيَتَخاصَمُوا في مِثْلِ قِصَّتِهِ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ ويَتُوبَ مِنهُ فاسْتَغْفَرَ وتابَ.
وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] وهو أبُو البَشَرِ وأوَّلُ الأنْبِياءِ، ووَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في كِتابِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ قَبِلَ اسْتِغْفارَهُ وتَوْبَتَهُ قالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنهُ.
قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ داوُدَ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى نَبَتَ الرَّعْيُ حَوْلَ وجْهِهِ وغَمَرَ رَأْسَهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (p-١٢٦١)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ تامٌّ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلْفى: القُرْبَةُ والكَرامَةُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: الزُّلْفى الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِحُسْنِ المَآبِ: حُسْنُ المَرْجِعِ وهو الجَنَّةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قالَ: مِن رَجْعَةٍ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: سَألُوا اللَّهَ أنْ يُعَجِّلَ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ذا الأيْدِ قالَ: القُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأوّابُ المُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ " فَقالَ سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْهُ فَقالَ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّابُ المُوقِنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْهُ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي وجْهَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ حَتّى رَأيْتُ النّاسَ يُصَلُّونَ الضُّحى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ فَما أدْرِي ما هي ؟ حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى الضُّحى، ثُمَّ قالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ.
والأحادِيثُ في صَلاةِ الضُّحى كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرْناها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَعْدى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ مِن عُظَمائِهِمْ فَقالَ: إنَّ هَذا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَألَ داوُدُ الرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَألَ الآخَرَ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما داوُدُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدى، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا ولَسْتُ أعْجَلُ حَتّى أتَثَبَّتَ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ في مَنامِهِ فَأُمِرَ أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ، فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، فَأرْسَلَ داوُدُ إلى الرَّجُلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، قالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا تَثَبُّتٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ فِيكَ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ ولَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ فَقُتِلَ فاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قالَ: أمّا بَعْدُ، داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سَمِعَ زِيادَ بْنَ أبِيهِ يَقُولُ: فَصْلُ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: أمّا بَعْدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ داوُدَ حَدَّثَ نَفْسَهُ إذا ابْتُلِيَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّكَ سَتُبْتَلى وسَتَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ فَخُذْ حَذَرَكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ، فَأخَذَ الزَّبُورَ ودَخَلَ المِحْرابَ وأغْلَقَ بابَ المِحْرابِ وأخَذَ الزَّبُورَ في حِجْرِهِ، وأقْعَدَ مُنْصِفًا: يَعْنِي خادِمًا، عَلى البابِ وقالَ: لا تَأْذَنْ لِأحَدٍ عَلَيَّ اليَوْمَ، فَبَيْنَما هو يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جاءَ طائِرٌ مُذَهَّبٌ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ الطَّيْرُ، فِيهِ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فَجَعَلَ يَدُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَنا مِنهُ فَأمْكَنَ أنْ يَأْخُذَهُ، فَتَناوَلَهُ بِيَدِهِ لِيَأْخُذَهُ فاسْتَوْفَزَ مِن خَلْفِهِ، فَأطْبَقَ الزَّبُورَ وقامَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَطارَ فَوَقَعَ عَلى كُوَّةِ المِحْرابِ، فَدَنا مِنهُ لِيَأْخُذَهُ فَأفْضى فَوَقَعَ عَلى خُصٍّ فَأشْرَفَ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ أيْنَ وقَعَ ؟ فَإذا هو بِامْرَأةٍ عِنْدَ بِرْكَتِها تَغْتَسِلُ مِنَ الحَيْضِ، فَلَمّا رَأتْ ظِلَّهُ حَرَّكَتْ رَأْسَها، فَغَطَّتْ جَسَدَها أجْمَعَ بِشَعْرِها، وكانَ زَوْجُها غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى رَأْسِ الغُزاةِ: انْظُرْ أُورِيا فاجْعَلْهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ وكانَ حَمَلَةُ التّابُوتِ إمّا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ وإمّا أنْ يُقْتَلُوا، فَقَدَّمَهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ فَقُتِلَ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبَها داوُدُ، فاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ ولَدَتْ غُلامًا أنْ يَكُونَ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ، وأشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتابًا، فَما شَعَرَ بِفِتْنَتِهِ أنَّهُ افْتُتِنَ حَتّى ولَدَتْ سُلَيْمانَ، وشَبَّ فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ المَلَكانِ المِحْرابَ وكانَ شَأْنُهُما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ وخَرَّ داوُدُ ساجِدًا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتابَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: ما أصابَ داوُدَ بَعْدَما أصابَهُ بَعْدَ القَدَرِ إلّا مِن عُجْبٍ عَجِبَ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا وعابِدٌ مِن آلِ داوُدَ يَعْبُدُكَ يُصَلِّي لَكَ أوْ يُسَبِّحُ أوْ يُكَبِّرُ وذَكَرَ أشْياءَ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا داوُدُ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا بِي فَلَوْلا عَوْنِي ما قَوِيتَ عَلَيْهِ، وعِزَّتِي وجَلالِي لَأكِلَنَّكَ إلى نَفْسِكَ يَوْمًا، قالَ: يا رَبِّ فَأخْبِرْنِي بِهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ فَأصابَتْهُ الفِتْنَةُ ذَلِكَ اليَوْمَ.
وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.
وأخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلَةً. وأخْرَجَها جَماعَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ قالَ: عَلى دِينِي.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ ﴿أكْفِلْنِيها﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ الَّذِي هم فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالَ: اخْتَبَرْناهُ.
(p-١٢٦٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في السُّجُودِ في ص لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص وقالَ: سَجَدَها داوُدُ، ونَسْجُدُها شُكْرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى المِنبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَهَيَّأ النّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقالَ: إنَّما هي تَوْبَةٌ ولَكِنِّي رَأيْتُكم تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ فَعَظَّمَ شَأْنَهُ وشِدَّتَهُ قالَ: ويَقُولُ الرَّحْمَنُ - عَزَّ وجَلَّ - لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ، فَيَقُولُ داوُدُ: يا رَبِّ، أخافُ أنْ تَدْحَضَنِي خَطِيئَتِي، فَيَقُولُ: خُذْ بِقَدَمِي، فَيَأْخُذُ بِقَدَمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيَمُرُّ، قالَ: فَتِلْكَ الزُّلْفى الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾» .
ص 38:24
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَ أمْثالَهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهم وعَمِلَ عَمَلَهم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ بِها النّاسَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ إذا غَضِبَ عَلى أحَدٍ وتَدَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ ورَأْسَهُ عَلى الأرْضِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ: الجُمُوعُ والجُنُودُ الكَثِيرَةُ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يُقَوُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ سُلْطانَهُ كَما تُقَوِّي الأوْتادُ ما ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تَقُولُ هم في عِزٍّ ثابِتِ الأوْتادِ، ومُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ، يُرِيدُونَ مُلْكًا دائِمًا شَدِيدًا، وأصْلُ هَذا أنَّ البَيْتَ مِن بُيُوتِ الشِّعْرِ إنَّما يُثَبَّتُ ويُقَوَّمُ بِالأوْتادِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ هُنا البِناءُ المُحْكَمُ أيْ: وفِرْعَوْنُ ذُو الأبْنِيَةِ المُحْكَمَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والبُنْيانُ يُسَمّى أوْتادًا، والأوْتادُ جَمْعُ وتِدٍ أفْصَحُها فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ التّاءِ، ويُقالُ: وتَدٌ بِفَتْحِها ووَدٌّ بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ ووَدَتٌ.
قالَ الأصْمَعِيُّ ويُقالُ: وتِدٌ واتِدٌ مِثْلُ شُغْلٍ شاغِلٍ وأنْشَدَ:
؎لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفُها المَواعِدا
﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها واخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَتِها في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ومَعْنى ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ هو الرَّجُلُ.
وقُرَيْشٌ وإنْ كانُوا حِزْبًا كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ هم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا، وأقْوى أبْدانًا، وأوْسَعُ أمْوالًا وأعْمارًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا، والمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ وعادٌ كَذا قالَ أبُو البَقاءِ وهو ضَعِيفٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ عادٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، والأوْلى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلًا مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ( إنْ ) هي النّافِيَةُ، والمَعْنى: ما كَلُّ حِزْبٍ مِن هَذِهِ الأحْزابِ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ تَكْذِيبَ الحِزْبِ لِرَسُولِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ أوْ هو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، والمُرادُ تَكْذِيبُ كُلِّ حِزْبٍ لِرَسُولِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: كُلُّ أحَدٍ مِنَ الأحْزابِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ عِقابِي بِتَكْذِيبِهِمْ، ومَعْنى حَقَّ: ثَبَتَ ووَجَبَ، وإنْ تَأخَّرَ فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
قَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في ( عِقابِ ) وحَذَفَها الباقُونَ مُطابَقَةً لِرُءُوسِ الآيِ.
﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً، وهي النَّفْخَةُ الكائِنَةُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وعَلى الأوَّلِ المُرادُ مَن عاصَرَ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الكُفّارِ، وعَلى الثّانِي المُرادُ كُفّارُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ أيْ: لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ حُلُولِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن عَذابِ النّارِ إلّا أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ عَذابٌ يَفْجَؤُهم في الدُّنْيا كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
وجُمْلَةُ ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِ: ( صَيْحَةً ) . قالَ الزَّجّاجُ: فَواقٍ وفُواقٍ بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّها أيْ: ما لَها مِن رُجُوعٍ، والفَواقُ ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وأفاقَ مِن مَرَضِهِ أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنَّ الفَواقَ الرُّجُوعُ.
وقالَ قَتادَةُ ما لَها مِن مَثْنَوِيَّةٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَها مِن إفاقَةٍ، وقِيلَ: ما لَها مِن مَرَدٍّ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ما لَها مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ وإفاقَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ هي مِيعادُ عَذابِهِمْ، فَإذا جاءَتْ لَمْ تَرْجِعْ ولا تُرَدُّ عَنْهم ولا تُصْرَفُ مِنهم ولا تَتَوَقَّفُ مِقْدارَ فَواقِ ناقَةٍ، وهي ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎حَتّى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا
والفِيقَةُ اسْمُ اللَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وجَمْعُها فِيقٌ وأفْواقٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ما لَها مِن فَواقٍ " بِضَمِّ الفاءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.
قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الفَواقُ بِفَتْحِ الفاءِ الرّاحَةُ أيْ: لا يُفِيقُونَ فِيها كَما يُفِيقُ المَرِيضُ والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، وبِالضَّمِّ الِانْتِظارُ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ لَمّا سَمِعُوا ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، والقِطُّ في اللُّغَةِ النَّصِيبُ، مِنَ القَطِّ، وهو القَطْعُ، وبِهَذا قالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الفَرّاءُ: القِطُّ في كَلامِ العَرَبِ الحَظُّ والنَّصِيبُ، (p-١٢٥٩)ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّكِّ قِطٌّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: القِطُّ الكِتابُ بِالجَوائِزِ، والجَمْعُ القُطُوطُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ
ومَعْنى يَأْفِقُ يُصْلِحُ، ومَعْنى الآيَةِ سُؤالُهم لِرَبِّهِمْ أنْ يُعَجِّلَ لَهم نَصِيبَهم وحَظَّهم مِنَ العَذابِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [ الحَجِّ: ٤٧، والعَنْكَبُوتِ: ٥٣ ] .
وقالَ: السُّدِّيُّ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُمَثِّلَ لَهم مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما يُوعَدُونَ بِهِ وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: المَعْنى عَجِّلْ لَنا أرْزاقَنا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [ الحاقَّةِ: ١٩، والِانْشِقاقِ: ٧ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالَتْ قُرَيْشٌ: زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنّا نُؤْتى كِتابَنا بِشِمالِنا فَعَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَسْمَعُهُ مِن أقْوالِهِمْ فَقالَ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم مِن جُمْلَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ قُرُونِ الضَّلالَةِ، وأُمَمِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ عَلى ما يَسْمَعُهُ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وما بَعْدَها.
ومَعْنى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ اذْكُرْ قِصَّتَهُ فَإنَّكَ تَجِدُ فِيها ما تَتَسَلّى بِهِ، والأيْدُ: القُوَّةُ ومِنهُ رَجُلٌ أيْدٌ أيْ: قَوِيٌّ، وتَأيَّدَ الشَّيْءُ: تَقَوّى والمُرادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى العِبادَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وكانَتْ قُوَّةُ داوُدَ عَلى العِبادَةِ أتَمَّ قُوَّةٍ، ومِن قُوَّتِهِ ما أخْبَرَنا بِهِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وكانَ يُصَلِّي نِصْفَ اللَّيْلِ وكانَ لا يَفِرُّ إذا لاقى العَدُوَّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذا الأيْدِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إلى ما يُحِبُّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ قَوِيًّا في دِينِهِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ كُلَّما ذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغْفَرَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، وهَذا داخِلٌ تَحْتَ المَعْنى الأوَّلِ، يُقالُ: آبَ يَئُوبُ: إذا رَجَعَ.
﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - ويُنَزِّهْنَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
وجُمْلَةُ يُسَبِّحْنَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي هَذا بَيانُ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ البُرْهانِ والمُعْجِزَةِ، وهو تَسْبِيحُ الجِبالِ مَعَهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ إذا ذَكَرَ اللَّهَ ذَكَرَتِ الجِبالُ مَعَهُ، وكانَ يَفْقَهُ تَسْبِيحَ الجِبالِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أُوتِيَ داوُدُ مِن حُسْنِ الصَّوْتِ ما يَكُونُ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، فَهَذا مَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحْنَ يُصَلِّينَ، ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( سَخَّرْنا ) .
ومَعْنى ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، يُقالُ: أشْرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا أضاءَتْ، وذَلِكَ وقْتَ الضُّحى. وأمّا شُرُوقُها فَطُلُوعُها. قالَ الزَّجّاجُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ: إذا أضاءَتْ.
﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ، وانْتِصابُ ( مَحْشُورَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ تُسَبِّحُ اللَّهَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها إلَيْهِ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها الرِّيحُ. ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ رَجّاعٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ، والضَّمِيرُ في ( لَهُ ) راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ ( داوُدَ ) أيْ: لِأجْلِ تَسْبِيحِ داوُدَ مُسَبِّحٌ، فَوَضَعَ ( أوّابٌ ) مَوْضِعَ مُسَبِّحٍ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأوّابَ: الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ وثَبَّتْناهُ بِالنَّصْرِ في المَواطِنِ عَلى أعْدائِهِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ مِنهُ في قُلُوبِهِمْ.
وقِيلَ: بِكَثْرَةِ الجُنُودِ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةُ والمَعْرِفَةُ بِكُلِّ ما يَحْكُمُ بِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الفَهْمُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: العَدْلُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ. وقالَ شُرَيْحٌ: السُّنَّةُ.
والمُرادُ بِـ ( فَصْلَ الخِطابِ ) الفَصْلُ في القَضاءِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الشُّهُودُ والإيمانُ لِأنَّها إنَّما تَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِهَذا.
وقِيلَ: هو الإيجازُ بِجَعْلِ المَعْنى الكَثِيرِ في اللَّفْظِ القَلِيلِ.
﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ لَمّا مَدَحَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ الواقِعَةِ لِما فِيها مِنَ الأخْبارِ العَجِيبَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: بَعَثَ اللَّهُ إلى داوُدَ مَلَكَيْنِ، جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ لِيُنَبِّهَهُ عَلى التَّوْبَةِ، فَأتَياهُ وهو في مِحْرابِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بِالخَصْمِ هاهُنا المَلَكانِ، والخَصْمُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ.
ومَعْنى ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أتَوْهُ مِن أعْلى سُورِهِ ونَزَلُوا إلَيْهِ، والسُّورُ: الحائِطُ المُرْتَفِعُ، وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ في ( تَسَوَّرُوا ) مَعَ كَوْنِهِمُ اثْنَيْنِ نَظَرًا إلى ما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الخَصْمِ مِنَ الجَمْعِ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وخَصْمٍ غِضابٍ قَدْ نَفَضْتُ لِحاهُمُ ∗∗∗ كَنَفْضِ البَراذِينِ العِرابِ المَخالِيا
والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ، لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ وهو فِيها، كَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ صَدْرُ المَجْلِسِ ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ.
وقِيلَ: إنَّهُما كانا إنْسِيَّيْنِ ولَمْ يَكُونا مَلَكَيْنِ.
والعامِلُ في ( إذْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ النَّبَأُ أيْ: هَلْ أتاكَ الخَبَرُ الواقِعُ في وقْتِ تَسَوُّرِهِمْ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ( أتاكَ ) . وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِلْخَصْمِ. وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: وهَلْ أتاكَ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ. وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِ: ( تَسَوَّرُوا ) . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ إنْ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِمَعْنى لَمّا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُما أتَياهُ لَيْلًا في غَيْرِ وقْتِ دُخُولِ الخُصُومِ ودَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ النّاسُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وكانَ مِحْرابُ داوُدَ مِنَ الِامْتِناعِ بِالِارْتِفاعِ بِحَيْثُ لا يَرْتَقِي إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ، وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِداوُدَ لَمّا فَزِعَ مِنهم، وارْتِفاعُ خَصْمانِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَحْنُ خَصْمانِ، وجاءَ فِيما سَبَقَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهُنا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لَفْظَ الخَصْمِ يَحْتَمِلُ المُفْرَدَ والمُثَنّى والمَجْمُوعَ، فالكُلُّ جائِزٌ.
قالَ الخَلِيلُ: هو كَما تَقُولُ: نَحْنُ فَعَلْنا كَذا: إذا كُنْتُما اثْنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (p-١٢٦٠)جَمَعَ لَمّا كانَ خَبَرًا فَلَمّا انْقَضى الخَبَرُ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ أخْبَرَ الِاثْنانِ عَنْ أنْفُسِهِما فَقالا: خَصْمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وعَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يَبْغِيانِ.
ثُمَّ طَلَبا مِنهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالحَقِّ ونَهَياهُ عَنِ الجَوْرِ فَقالا: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في حُكْمِكَ، يُقالُ: شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ شَطَطًا وإشْطاطًا: إذا جارَ في حُكْمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: شَطَطْتُ عَلَيْهِ وأشْطَطْتُ أيْ: جُرْتُ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ لا تُسْرِفْ، وقِيلَ: لا تُفَرِّطْ، وقِيلَ: لا تَمِلْ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والأصْلُ فِيهِ البُعْدُ، مِن شَطَّتِ الدّارُ: إذا بَعُدَتْ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الشَّطَطُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلِّ شَيْءٍ. ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ سَواءُ الصِّراطِ: وسَطُهُ.
والمَعْنى: أرْشِدْنا إلى الحَقِّ واحْمِلْنا عَلَيْهِ. ثُمَّ لَمّا أخْبَراهُ عَنِ الخُصُومَةِ إجْمالًا شَرَعا في تَفْصِيلِهِما، وشَرْحِها، فَقالا: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ المُرادُ بِالأُخُوَّةِ هُنا: أُخُوَّةُ الدِّينِ أوِ الصُّحْبَةُ، والنَّعْجَةُ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُقالُ: لِبَقْرِ الوَحْشِ نَعْجَةٌ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النَّعْجَةُ البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ، والعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ المَرْأةِ بِها، وتُشَبِّهُ النِّساءَ بِالنِّعاجِ مِنَ البَقَرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما عَنى بِـ " هَذا " داوُدَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وعَنى بِقَوْلِهِ: ( ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) [ أُورِيا ] زَوْجَ المَرْأةِ الَّتِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها داوُدُ كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: ضُمَّها إلَيَّ وانْزِلْ لِي عَنْها حَتّى أكْفُلَها وأصِيرَ بَعْلًا لَها.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي ونَصِيبِي ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، يُقالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ عِزًّا: إذا غَلَبَهُ.
وفِي المَثَلِ: " مَن عَزَّ بَزَّ " أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ والِاسْمُ العِزَّةُ: وهي القُوَّةُ. قالَ عَطاءٌ: المَعْنى إنْ تَكَلَّمَ كانَ أفْصَحَ مِنِّي.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " وعازَّنِي في الخِطابِ " أيْ: غالَبَنِي مِنَ المُعازَّةِ وهي المُغالَبَةُ.
﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: بِسُؤالِهِ نَعْجَتِكَ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقُولُ، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهي وما بَعْدَها جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُقَدَّرِ، وجاءَ بِالقَسَمِ في كَلامِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ ما يَسْمَعُهُ مِن طَلَبِ صاحِبِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ النَّعْجَةَ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ النَّعْجَةَ الواحِدَةَ الَّتِي مَعَ صاحِبِهِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُها.
ويُمْكِنُ أنَّهُ إنَّما قالَ بِهَذا بَعْدَ أنْ سَمِعَ الِاعْتِرافَ مِنَ الآخَرِ. قالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ خَطِيئَةَ داوُدَ هي قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَثَبَّتَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وهُمُ الشُّرَكاءُ واحِدُهم خَلِيطٌ: وهو المُخالِطُ في المالِ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَعَدّى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَظْلِمُهُ غَيْرَ مُراعٍ لِحَقِّهِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ ذَلِكَ، ولا يَظْلِمُونَ خَلِيطًا ولا غَيْرَهُ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وقَلِيلٌ هم، و( ما ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّعْجِيبِ.
وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ، و( هم ) مُبْتَدَأٌ، و( قَلِيلٌ ) خَبَرُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . قالَ أبُو عَمْرٍو والفَرّاءُ: ( ظَنَّ ) يَعْنِي أيْقَنَ.
ومَعْنى فَتَنّاهُ ابْتَلَيْناهُ، والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ أنْ تَخاصَما إلَيْهِ وقالَ ما قالَ عَلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُرادُ، وأنَّ مَقْصُودَهُما التَّعْرِيضُ بِهِ وبِصاحِبِهِ الَّذِي أرادَ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا قَضى بَيْنَهُما داوُدُ نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ داوُدُ بِما أرادَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَنّاهُ بِالتَّخْفِيفِ لِلتّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ بِالتَّشْدِيدِ لِلتّاءِ والنُّونِ، وهي مُبالَغَةٌ في الفِتْنَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ " افْتَنّاهُ " وقَرَأ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَتَناهُ " بِتَخْفِيفِهِما وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكَيْنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) لِذَنْبِهِ ( وخَرَّ راكِعًا ) أيْ ساجِدًا، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ المُرادَ بِالرُّكُوعِ هُنا السُّجُودُ، فَإنَّ السُّجُودَ هو المَيْلُ، والرُّكُوعُ هو الِانْحِناءُ وأحَدُهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِهَيْئَةٍ.
ثُمَّ جاءَ في هَذا عَلى تَسْمِيَةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ. وقِيلَ: المَعْنى لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ: مُصَلِّيًا.
وقِيلَ: بَلْ كانَ رُكُوعُهم سُجُودًا، وقِيلَ: بَلْ كانَ سُجُودُهم رُكُوعًا وأنابَ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَنْبِ داوُدَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ وتابَ عَنْهُ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهُ نَظَرَ إلى امْرَأةِ الرَّجُلِ الَّتِي أرادَ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، كَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَتَعَمَّدْ داوُدُ النَّظَرَ إلى المَرْأةِ لَكِنَّهُ عاوَدَ النَّظَرَ إلَيْها، وصارَتِ الأُولى لَهُ والثّانِيَةُ عَلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي أنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها في جُمْلَةِ الغُزاةِ.
الثّالِثُ أنَّهُ نَوى إنْ ماتَ زَوْجُها أنْ يَتَزَوَّجَها.
الرّابِعُ أنَّ أُورِيا كانَ خَطَبَ تِلْكَ المَرْأةَ فَلَمّا غابَ خَطَبَها داوُدُ فَزُوِّجَتْ مِنهُ لِجَلالَتِهِ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ أُورِيا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْها لِخاطِبِها.
الخامِسُ أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلى قَتْلِ أُورِيا كَما كانَ يَجْزَعُ عَلى مَن هَلَكَ مِنَ الجُنْدِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأتَهُ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ ذُنُوبَ الأنْبِياءِ وإنْ صَغُرَتْ فَهي عَظِيمَةٌ.
السّادِسُ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا.
وأقُولُ الظّاهِرُ مِنَ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ المَلَكَيْنِ تَعْرِيضًا لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طَلَبَ مِن زَوْجِ المَرْأةِ الواحِدَةِ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْها ويَضُمَّها إلى نِسائِهِ، ولا يُنافِي هَذا العِصْمَةَ الكائِنَةَ لِلْأنْبِياءِ، فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وعَرَّضَ لَهُ بِإرْسالِ مَلائِكَتِهِ إلَيْهِ لِيَتَخاصَمُوا في مِثْلِ قِصَّتِهِ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ ويَتُوبَ مِنهُ فاسْتَغْفَرَ وتابَ.
وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] وهو أبُو البَشَرِ وأوَّلُ الأنْبِياءِ، ووَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في كِتابِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ قَبِلَ اسْتِغْفارَهُ وتَوْبَتَهُ قالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنهُ.
قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ داوُدَ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى نَبَتَ الرَّعْيُ حَوْلَ وجْهِهِ وغَمَرَ رَأْسَهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (p-١٢٦١)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ تامٌّ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلْفى: القُرْبَةُ والكَرامَةُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: الزُّلْفى الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِحُسْنِ المَآبِ: حُسْنُ المَرْجِعِ وهو الجَنَّةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قالَ: مِن رَجْعَةٍ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: سَألُوا اللَّهَ أنْ يُعَجِّلَ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ذا الأيْدِ قالَ: القُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأوّابُ المُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ " فَقالَ سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْهُ فَقالَ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّابُ المُوقِنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْهُ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي وجْهَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ حَتّى رَأيْتُ النّاسَ يُصَلُّونَ الضُّحى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ فَما أدْرِي ما هي ؟ حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى الضُّحى، ثُمَّ قالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ.
والأحادِيثُ في صَلاةِ الضُّحى كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرْناها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَعْدى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ مِن عُظَمائِهِمْ فَقالَ: إنَّ هَذا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَألَ داوُدُ الرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَألَ الآخَرَ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما داوُدُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدى، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا ولَسْتُ أعْجَلُ حَتّى أتَثَبَّتَ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ في مَنامِهِ فَأُمِرَ أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ، فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، فَأرْسَلَ داوُدُ إلى الرَّجُلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، قالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا تَثَبُّتٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ فِيكَ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ ولَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ فَقُتِلَ فاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قالَ: أمّا بَعْدُ، داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سَمِعَ زِيادَ بْنَ أبِيهِ يَقُولُ: فَصْلُ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: أمّا بَعْدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ داوُدَ حَدَّثَ نَفْسَهُ إذا ابْتُلِيَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّكَ سَتُبْتَلى وسَتَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ فَخُذْ حَذَرَكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ، فَأخَذَ الزَّبُورَ ودَخَلَ المِحْرابَ وأغْلَقَ بابَ المِحْرابِ وأخَذَ الزَّبُورَ في حِجْرِهِ، وأقْعَدَ مُنْصِفًا: يَعْنِي خادِمًا، عَلى البابِ وقالَ: لا تَأْذَنْ لِأحَدٍ عَلَيَّ اليَوْمَ، فَبَيْنَما هو يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جاءَ طائِرٌ مُذَهَّبٌ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ الطَّيْرُ، فِيهِ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فَجَعَلَ يَدُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَنا مِنهُ فَأمْكَنَ أنْ يَأْخُذَهُ، فَتَناوَلَهُ بِيَدِهِ لِيَأْخُذَهُ فاسْتَوْفَزَ مِن خَلْفِهِ، فَأطْبَقَ الزَّبُورَ وقامَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَطارَ فَوَقَعَ عَلى كُوَّةِ المِحْرابِ، فَدَنا مِنهُ لِيَأْخُذَهُ فَأفْضى فَوَقَعَ عَلى خُصٍّ فَأشْرَفَ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ أيْنَ وقَعَ ؟ فَإذا هو بِامْرَأةٍ عِنْدَ بِرْكَتِها تَغْتَسِلُ مِنَ الحَيْضِ، فَلَمّا رَأتْ ظِلَّهُ حَرَّكَتْ رَأْسَها، فَغَطَّتْ جَسَدَها أجْمَعَ بِشَعْرِها، وكانَ زَوْجُها غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى رَأْسِ الغُزاةِ: انْظُرْ أُورِيا فاجْعَلْهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ وكانَ حَمَلَةُ التّابُوتِ إمّا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ وإمّا أنْ يُقْتَلُوا، فَقَدَّمَهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ فَقُتِلَ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبَها داوُدُ، فاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ ولَدَتْ غُلامًا أنْ يَكُونَ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ، وأشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتابًا، فَما شَعَرَ بِفِتْنَتِهِ أنَّهُ افْتُتِنَ حَتّى ولَدَتْ سُلَيْمانَ، وشَبَّ فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ المَلَكانِ المِحْرابَ وكانَ شَأْنُهُما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ وخَرَّ داوُدُ ساجِدًا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتابَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: ما أصابَ داوُدَ بَعْدَما أصابَهُ بَعْدَ القَدَرِ إلّا مِن عُجْبٍ عَجِبَ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا وعابِدٌ مِن آلِ داوُدَ يَعْبُدُكَ يُصَلِّي لَكَ أوْ يُسَبِّحُ أوْ يُكَبِّرُ وذَكَرَ أشْياءَ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا داوُدُ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا بِي فَلَوْلا عَوْنِي ما قَوِيتَ عَلَيْهِ، وعِزَّتِي وجَلالِي لَأكِلَنَّكَ إلى نَفْسِكَ يَوْمًا، قالَ: يا رَبِّ فَأخْبِرْنِي بِهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ فَأصابَتْهُ الفِتْنَةُ ذَلِكَ اليَوْمَ.
وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.
وأخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلَةً. وأخْرَجَها جَماعَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ قالَ: عَلى دِينِي.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ ﴿أكْفِلْنِيها﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ الَّذِي هم فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالَ: اخْتَبَرْناهُ.
(p-١٢٦٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في السُّجُودِ في ص لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص وقالَ: سَجَدَها داوُدُ، ونَسْجُدُها شُكْرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى المِنبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَهَيَّأ النّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقالَ: إنَّما هي تَوْبَةٌ ولَكِنِّي رَأيْتُكم تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ فَعَظَّمَ شَأْنَهُ وشِدَّتَهُ قالَ: ويَقُولُ الرَّحْمَنُ - عَزَّ وجَلَّ - لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ، فَيَقُولُ داوُدُ: يا رَبِّ، أخافُ أنْ تَدْحَضَنِي خَطِيئَتِي، فَيَقُولُ: خُذْ بِقَدَمِي، فَيَأْخُذُ بِقَدَمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيَمُرُّ، قالَ: فَتِلْكَ الزُّلْفى الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾» .
ص 38:25
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَ أمْثالَهم مِمَّنْ تَقَدَّمَهم وعَمِلَ عَمَلَهم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ بِها النّاسَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ إذا غَضِبَ عَلى أحَدٍ وتَدَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ ورَأْسَهُ عَلى الأرْضِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ: الجُمُوعُ والجُنُودُ الكَثِيرَةُ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يُقَوُّونَ أمْرَهُ ويَشُدُّونَ سُلْطانَهُ كَما تُقَوِّي الأوْتادُ ما ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ عَلى هَذا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تَقُولُ هم في عِزٍّ ثابِتِ الأوْتادِ، ومُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ، يُرِيدُونَ مُلْكًا دائِمًا شَدِيدًا، وأصْلُ هَذا أنَّ البَيْتَ مِن بُيُوتِ الشِّعْرِ إنَّما يُثَبَّتُ ويُقَوَّمُ بِالأوْتادِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوْتادِ هُنا البِناءُ المُحْكَمُ أيْ: وفِرْعَوْنُ ذُو الأبْنِيَةِ المُحْكَمَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والبُنْيانُ يُسَمّى أوْتادًا، والأوْتادُ جَمْعُ وتِدٍ أفْصَحُها فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ التّاءِ، ويُقالُ: وتَدٌ بِفَتْحِها ووَدٌّ بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ ووَدَتٌ.
قالَ الأصْمَعِيُّ ويُقالُ: وتِدٌ واتِدٌ مِثْلُ شُغْلٍ شاغِلٍ وأنْشَدَ:
؎لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفُها المَواعِدا
﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها واخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَتِها في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ومَعْنى ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالقُوَّةِ والكَثْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ هو الرَّجُلُ.
وقُرَيْشٌ وإنْ كانُوا حِزْبًا كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ هم أكْثَرُ مِنهم عَدَدًا، وأقْوى أبْدانًا، وأوْسَعُ أمْوالًا وأعْمارًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا، والمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ وعادٌ كَذا قالَ أبُو البَقاءِ وهو ضَعِيفٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ عادٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفاتٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، والأوْلى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلًا مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ( إنْ ) هي النّافِيَةُ، والمَعْنى: ما كَلُّ حِزْبٍ مِن هَذِهِ الأحْزابِ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ تَكْذِيبَ الحِزْبِ لِرَسُولِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ أوْ هو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، والمُرادُ تَكْذِيبُ كُلِّ حِزْبٍ لِرَسُولِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: كُلُّ أحَدٍ مِنَ الأحْزابِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ عِقابِي بِتَكْذِيبِهِمْ، ومَعْنى حَقَّ: ثَبَتَ ووَجَبَ، وإنْ تَأخَّرَ فَكَأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
قَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في ( عِقابِ ) وحَذَفَها الباقُونَ مُطابَقَةً لِرُءُوسِ الآيِ.
﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً، وهي النَّفْخَةُ الكائِنَةُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وعَلى الأوَّلِ المُرادُ مَن عاصَرَ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الكُفّارِ، وعَلى الثّانِي المُرادُ كُفّارُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ أيْ: لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ حُلُولِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن عَذابِ النّارِ إلّا أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ عَذابٌ يَفْجَؤُهم في الدُّنْيا كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
وجُمْلَةُ ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِ: ( صَيْحَةً ) . قالَ الزَّجّاجُ: فَواقٍ وفُواقٍ بِفَتْحِ الفاءِ وضَمِّها أيْ: ما لَها مِن رُجُوعٍ، والفَواقُ ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وأفاقَ مِن مَرَضِهِ أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، ولِهَذا قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنَّ الفَواقَ الرُّجُوعُ.
وقالَ قَتادَةُ ما لَها مِن مَثْنَوِيَّةٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَها مِن إفاقَةٍ، وقِيلَ: ما لَها مِن مَرَدٍّ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ما لَها مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ وإفاقَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ هي مِيعادُ عَذابِهِمْ، فَإذا جاءَتْ لَمْ تَرْجِعْ ولا تُرَدُّ عَنْهم ولا تُصْرَفُ مِنهم ولا تَتَوَقَّفُ مِقْدارَ فَواقِ ناقَةٍ، وهي ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎حَتّى إذا فِيقَةٌ في ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا
والفِيقَةُ اسْمُ اللَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وجَمْعُها فِيقٌ وأفْواقٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ما لَها مِن فَواقٍ " بِضَمِّ الفاءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.
قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الفَواقُ بِفَتْحِ الفاءِ الرّاحَةُ أيْ: لا يُفِيقُونَ فِيها كَما يُفِيقُ المَرِيضُ والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، وبِالضَّمِّ الِانْتِظارُ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ لَمّا سَمِعُوا ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، والقِطُّ في اللُّغَةِ النَّصِيبُ، مِنَ القَطِّ، وهو القَطْعُ، وبِهَذا قالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الفَرّاءُ: القِطُّ في كَلامِ العَرَبِ الحَظُّ والنَّصِيبُ، (p-١٢٥٩)ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّكِّ قِطٌّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: القِطُّ الكِتابُ بِالجَوائِزِ، والجَمْعُ القُطُوطُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ
ومَعْنى يَأْفِقُ يُصْلِحُ، ومَعْنى الآيَةِ سُؤالُهم لِرَبِّهِمْ أنْ يُعَجِّلَ لَهم نَصِيبَهم وحَظَّهم مِنَ العَذابِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [ الحَجِّ: ٤٧، والعَنْكَبُوتِ: ٥٣ ] .
وقالَ: السُّدِّيُّ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُمَثِّلَ لَهم مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما يُوعَدُونَ بِهِ وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: المَعْنى عَجِّلْ لَنا أرْزاقَنا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [ الحاقَّةِ: ١٩، والِانْشِقاقِ: ٧ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالَتْ قُرَيْشٌ: زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنّا نُؤْتى كِتابَنا بِشِمالِنا فَعَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَسْمَعُهُ مِن أقْوالِهِمْ فَقالَ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم مِن جُمْلَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ قُرُونِ الضَّلالَةِ، وأُمَمِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ عَلى ما يَسْمَعُهُ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وما بَعْدَها.
ومَعْنى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ اذْكُرْ قِصَّتَهُ فَإنَّكَ تَجِدُ فِيها ما تَتَسَلّى بِهِ، والأيْدُ: القُوَّةُ ومِنهُ رَجُلٌ أيْدٌ أيْ: قَوِيٌّ، وتَأيَّدَ الشَّيْءُ: تَقَوّى والمُرادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى العِبادَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وكانَتْ قُوَّةُ داوُدَ عَلى العِبادَةِ أتَمَّ قُوَّةٍ، ومِن قُوَّتِهِ ما أخْبَرَنا بِهِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وكانَ يُصَلِّي نِصْفَ اللَّيْلِ وكانَ لا يَفِرُّ إذا لاقى العَدُوَّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذا الأيْدِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إلى ما يُحِبُّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ قَوِيًّا في دِينِهِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ كُلَّما ذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغْفَرَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، وهَذا داخِلٌ تَحْتَ المَعْنى الأوَّلِ، يُقالُ: آبَ يَئُوبُ: إذا رَجَعَ.
﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - ويُنَزِّهْنَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
وجُمْلَةُ يُسَبِّحْنَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي هَذا بَيانُ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ البُرْهانِ والمُعْجِزَةِ، وهو تَسْبِيحُ الجِبالِ مَعَهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ إذا ذَكَرَ اللَّهَ ذَكَرَتِ الجِبالُ مَعَهُ، وكانَ يَفْقَهُ تَسْبِيحَ الجِبالِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أُوتِيَ داوُدُ مِن حُسْنِ الصَّوْتِ ما يَكُونُ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، فَهَذا مَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحْنَ يُصَلِّينَ، ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( سَخَّرْنا ) .
ومَعْنى ﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، يُقالُ: أشْرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا أضاءَتْ، وذَلِكَ وقْتَ الضُّحى. وأمّا شُرُوقُها فَطُلُوعُها. قالَ الزَّجّاجُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ: إذا أضاءَتْ.
﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ، وانْتِصابُ ( مَحْشُورَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ تُسَبِّحُ اللَّهَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها إلَيْهِ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: كانَتْ تَجْمَعُها الرِّيحُ. ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ رَجّاعٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ، والضَّمِيرُ في ( لَهُ ) راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ ( داوُدَ ) أيْ: لِأجْلِ تَسْبِيحِ داوُدَ مُسَبِّحٌ، فَوَضَعَ ( أوّابٌ ) مَوْضِعَ مُسَبِّحٍ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأوّابَ: الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ وثَبَّتْناهُ بِالنَّصْرِ في المَواطِنِ عَلى أعْدائِهِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ مِنهُ في قُلُوبِهِمْ.
وقِيلَ: بِكَثْرَةِ الجُنُودِ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةُ والمَعْرِفَةُ بِكُلِّ ما يَحْكُمُ بِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الفَهْمُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: العَدْلُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ. وقالَ شُرَيْحٌ: السُّنَّةُ.
والمُرادُ بِـ ( فَصْلَ الخِطابِ ) الفَصْلُ في القَضاءِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الشُّهُودُ والإيمانُ لِأنَّها إنَّما تَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِهَذا.
وقِيلَ: هو الإيجازُ بِجَعْلِ المَعْنى الكَثِيرِ في اللَّفْظِ القَلِيلِ.
﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ لَمّا مَدَحَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ الواقِعَةِ لِما فِيها مِنَ الأخْبارِ العَجِيبَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: بَعَثَ اللَّهُ إلى داوُدَ مَلَكَيْنِ، جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ لِيُنَبِّهَهُ عَلى التَّوْبَةِ، فَأتَياهُ وهو في مِحْرابِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ بِالخَصْمِ هاهُنا المَلَكانِ، والخَصْمُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ.
ومَعْنى ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أتَوْهُ مِن أعْلى سُورِهِ ونَزَلُوا إلَيْهِ، والسُّورُ: الحائِطُ المُرْتَفِعُ، وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ في ( تَسَوَّرُوا ) مَعَ كَوْنِهِمُ اثْنَيْنِ نَظَرًا إلى ما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الخَصْمِ مِنَ الجَمْعِ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وخَصْمٍ غِضابٍ قَدْ نَفَضْتُ لِحاهُمُ ∗∗∗ كَنَفْضِ البَراذِينِ العِرابِ المَخالِيا
والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ، لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ وهو فِيها، كَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ صَدْرُ المَجْلِسِ ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ.
وقِيلَ: إنَّهُما كانا إنْسِيَّيْنِ ولَمْ يَكُونا مَلَكَيْنِ.
والعامِلُ في ( إذْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ النَّبَأُ أيْ: هَلْ أتاكَ الخَبَرُ الواقِعُ في وقْتِ تَسَوُّرِهِمْ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ( أتاكَ ) . وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِلْخَصْمِ. وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: وهَلْ أتاكَ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ. وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِ: ( تَسَوَّرُوا ) . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ إنْ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِمَعْنى لَمّا ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُما أتَياهُ لَيْلًا في غَيْرِ وقْتِ دُخُولِ الخُصُومِ ودَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ النّاسُ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وكانَ مِحْرابُ داوُدَ مِنَ الِامْتِناعِ بِالِارْتِفاعِ بِحَيْثُ لا يَرْتَقِي إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ، وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِداوُدَ لَمّا فَزِعَ مِنهم، وارْتِفاعُ خَصْمانِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَحْنُ خَصْمانِ، وجاءَ فِيما سَبَقَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهُنا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لَفْظَ الخَصْمِ يَحْتَمِلُ المُفْرَدَ والمُثَنّى والمَجْمُوعَ، فالكُلُّ جائِزٌ.
قالَ الخَلِيلُ: هو كَما تَقُولُ: نَحْنُ فَعَلْنا كَذا: إذا كُنْتُما اثْنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: (p-١٢٦٠)جَمَعَ لَمّا كانَ خَبَرًا فَلَمّا انْقَضى الخَبَرُ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ أخْبَرَ الِاثْنانِ عَنْ أنْفُسِهِما فَقالا: خَصْمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وعَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يَبْغِيانِ.
ثُمَّ طَلَبا مِنهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالحَقِّ ونَهَياهُ عَنِ الجَوْرِ فَقالا: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في حُكْمِكَ، يُقالُ: شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ شَطَطًا وإشْطاطًا: إذا جارَ في حُكْمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: شَطَطْتُ عَلَيْهِ وأشْطَطْتُ أيْ: جُرْتُ. وقالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ لا تُسْرِفْ، وقِيلَ: لا تُفَرِّطْ، وقِيلَ: لا تَمِلْ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والأصْلُ فِيهِ البُعْدُ، مِن شَطَّتِ الدّارُ: إذا بَعُدَتْ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الشَّطَطُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلِّ شَيْءٍ. ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ سَواءُ الصِّراطِ: وسَطُهُ.
والمَعْنى: أرْشِدْنا إلى الحَقِّ واحْمِلْنا عَلَيْهِ. ثُمَّ لَمّا أخْبَراهُ عَنِ الخُصُومَةِ إجْمالًا شَرَعا في تَفْصِيلِهِما، وشَرْحِها، فَقالا: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ المُرادُ بِالأُخُوَّةِ هُنا: أُخُوَّةُ الدِّينِ أوِ الصُّحْبَةُ، والنَّعْجَةُ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُقالُ: لِبَقْرِ الوَحْشِ نَعْجَةٌ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النَّعْجَةُ البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ، والعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ المَرْأةِ بِها، وتُشَبِّهُ النِّساءَ بِالنِّعاجِ مِنَ البَقَرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما عَنى بِـ " هَذا " داوُدَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وعَنى بِقَوْلِهِ: ( ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) [ أُورِيا ] زَوْجَ المَرْأةِ الَّتِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها داوُدُ كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: ضُمَّها إلَيَّ وانْزِلْ لِي عَنْها حَتّى أكْفُلَها وأصِيرَ بَعْلًا لَها.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي ونَصِيبِي ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، يُقالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ عِزًّا: إذا غَلَبَهُ.
وفِي المَثَلِ: " مَن عَزَّ بَزَّ " أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ والِاسْمُ العِزَّةُ: وهي القُوَّةُ. قالَ عَطاءٌ: المَعْنى إنْ تَكَلَّمَ كانَ أفْصَحَ مِنِّي.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " وعازَّنِي في الخِطابِ " أيْ: غالَبَنِي مِنَ المُعازَّةِ وهي المُغالَبَةُ.
﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: بِسُؤالِهِ نَعْجَتِكَ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقُولُ، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهي وما بَعْدَها جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُقَدَّرِ، وجاءَ بِالقَسَمِ في كَلامِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ ما يَسْمَعُهُ مِن طَلَبِ صاحِبِ التِّسْعِ والتِّسْعِينَ النَّعْجَةَ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ النَّعْجَةَ الواحِدَةَ الَّتِي مَعَ صاحِبِهِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُها.
ويُمْكِنُ أنَّهُ إنَّما قالَ بِهَذا بَعْدَ أنْ سَمِعَ الِاعْتِرافَ مِنَ الآخَرِ. قالَ النَّحّاسُ: ويُقالُ: إنَّ خَطِيئَةَ داوُدَ هي قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَتَثَبَّتَ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وهُمُ الشُّرَكاءُ واحِدُهم خَلِيطٌ: وهو المُخالِطُ في المالِ ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَعَدّى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَظْلِمُهُ غَيْرَ مُراعٍ لِحَقِّهِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ ذَلِكَ، ولا يَظْلِمُونَ خَلِيطًا ولا غَيْرَهُ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وقَلِيلٌ هم، و( ما ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّعْجِيبِ.
وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ، و( هم ) مُبْتَدَأٌ، و( قَلِيلٌ ) خَبَرُهُ ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . قالَ أبُو عَمْرٍو والفَرّاءُ: ( ظَنَّ ) يَعْنِي أيْقَنَ.
ومَعْنى فَتَنّاهُ ابْتَلَيْناهُ، والمَعْنى أنَّهُ عِنْدَ أنْ تَخاصَما إلَيْهِ وقالَ ما قالَ عَلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُرادُ، وأنَّ مَقْصُودَهُما التَّعْرِيضُ بِهِ وبِصاحِبِهِ الَّذِي أرادَ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا قَضى بَيْنَهُما داوُدُ نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمَ داوُدُ بِما أرادَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَنّاهُ بِالتَّخْفِيفِ لِلتّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ بِالتَّشْدِيدِ لِلتّاءِ والنُّونِ، وهي مُبالَغَةٌ في الفِتْنَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ " افْتَنّاهُ " وقَرَأ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَتَناهُ " بِتَخْفِيفِهِما وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكَيْنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) لِذَنْبِهِ ( وخَرَّ راكِعًا ) أيْ ساجِدًا، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ المُرادَ بِالرُّكُوعِ هُنا السُّجُودُ، فَإنَّ السُّجُودَ هو المَيْلُ، والرُّكُوعُ هو الِانْحِناءُ وأحَدُهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِهَيْئَةٍ.
ثُمَّ جاءَ في هَذا عَلى تَسْمِيَةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ. وقِيلَ: المَعْنى لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ: مُصَلِّيًا.
وقِيلَ: بَلْ كانَ رُكُوعُهم سُجُودًا، وقِيلَ: بَلْ كانَ سُجُودُهم رُكُوعًا وأنابَ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَنْبِ داوُدَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ وتابَ عَنْهُ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهُ نَظَرَ إلى امْرَأةِ الرَّجُلِ الَّتِي أرادَ أنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، كَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَتَعَمَّدْ داوُدُ النَّظَرَ إلى المَرْأةِ لَكِنَّهُ عاوَدَ النَّظَرَ إلَيْها، وصارَتِ الأُولى لَهُ والثّانِيَةُ عَلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي أنَّهُ أرْسَلَ زَوْجَها في جُمْلَةِ الغُزاةِ.
الثّالِثُ أنَّهُ نَوى إنْ ماتَ زَوْجُها أنْ يَتَزَوَّجَها.
الرّابِعُ أنَّ أُورِيا كانَ خَطَبَ تِلْكَ المَرْأةَ فَلَمّا غابَ خَطَبَها داوُدُ فَزُوِّجَتْ مِنهُ لِجَلالَتِهِ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ أُورِيا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْها لِخاطِبِها.
الخامِسُ أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلى قَتْلِ أُورِيا كَما كانَ يَجْزَعُ عَلى مَن هَلَكَ مِنَ الجُنْدِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأتَهُ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ ذُنُوبَ الأنْبِياءِ وإنْ صَغُرَتْ فَهي عَظِيمَةٌ.
السّادِسُ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا.
وأقُولُ الظّاهِرُ مِنَ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ المَلَكَيْنِ تَعْرِيضًا لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ طَلَبَ مِن زَوْجِ المَرْأةِ الواحِدَةِ أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْها ويَضُمَّها إلى نِسائِهِ، ولا يُنافِي هَذا العِصْمَةَ الكائِنَةَ لِلْأنْبِياءِ، فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وعَرَّضَ لَهُ بِإرْسالِ مَلائِكَتِهِ إلَيْهِ لِيَتَخاصَمُوا في مِثْلِ قِصَّتِهِ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ ويَتُوبَ مِنهُ فاسْتَغْفَرَ وتابَ.
وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] وهو أبُو البَشَرِ وأوَّلُ الأنْبِياءِ، ووَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في كِتابِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ قَبِلَ اسْتِغْفارَهُ وتَوْبَتَهُ قالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنهُ.
قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ داوُدَ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى نَبَتَ الرَّعْيُ حَوْلَ وجْهِهِ وغَمَرَ رَأْسَهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (p-١٢٦١)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ تامٌّ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلْفى: القُرْبَةُ والكَرامَةُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: الزُّلْفى الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِحُسْنِ المَآبِ: حُسْنُ المَرْجِعِ وهو الجَنَّةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ قالَ: مِن رَجْعَةٍ.
﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: سَألُوا اللَّهَ أنْ يُعَجِّلَ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالَ: نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ذا الأيْدِ قالَ: القُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأوّابُ المُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ " فَقالَ سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْهُ فَقالَ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّابُ المُوقِنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْهُ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي وجْهَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ حَتّى رَأيْتُ النّاسَ يُصَلُّونَ الضُّحى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ فَما أدْرِي ما هي ؟ حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى الضُّحى، ثُمَّ قالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ.
والأحادِيثُ في صَلاةِ الضُّحى كَثِيرَةٌ جِدًّا قَدْ ذَكَرْناها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَعْدى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ مِن عُظَمائِهِمْ فَقالَ: إنَّ هَذا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَألَ داوُدُ الرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَألَ الآخَرَ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما داوُدُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدى، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا ولَسْتُ أعْجَلُ حَتّى أتَثَبَّتَ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ في مَنامِهِ فَأُمِرَ أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ، فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، فَأرْسَلَ داوُدُ إلى الرَّجُلِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، قالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا تَثَبُّتٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ فِيكَ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ ولَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ فَقُتِلَ فاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قالَ: أمّا بَعْدُ، داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سَمِعَ زِيادَ بْنَ أبِيهِ يَقُولُ: فَصْلُ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَ داوُدُ: أمّا بَعْدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ داوُدَ حَدَّثَ نَفْسَهُ إذا ابْتُلِيَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّكَ سَتُبْتَلى وسَتَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ فَخُذْ حَذَرَكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ، فَأخَذَ الزَّبُورَ ودَخَلَ المِحْرابَ وأغْلَقَ بابَ المِحْرابِ وأخَذَ الزَّبُورَ في حِجْرِهِ، وأقْعَدَ مُنْصِفًا: يَعْنِي خادِمًا، عَلى البابِ وقالَ: لا تَأْذَنْ لِأحَدٍ عَلَيَّ اليَوْمَ، فَبَيْنَما هو يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جاءَ طائِرٌ مُذَهَّبٌ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ الطَّيْرُ، فِيهِ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فَجَعَلَ يَدُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَنا مِنهُ فَأمْكَنَ أنْ يَأْخُذَهُ، فَتَناوَلَهُ بِيَدِهِ لِيَأْخُذَهُ فاسْتَوْفَزَ مِن خَلْفِهِ، فَأطْبَقَ الزَّبُورَ وقامَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَطارَ فَوَقَعَ عَلى كُوَّةِ المِحْرابِ، فَدَنا مِنهُ لِيَأْخُذَهُ فَأفْضى فَوَقَعَ عَلى خُصٍّ فَأشْرَفَ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ أيْنَ وقَعَ ؟ فَإذا هو بِامْرَأةٍ عِنْدَ بِرْكَتِها تَغْتَسِلُ مِنَ الحَيْضِ، فَلَمّا رَأتْ ظِلَّهُ حَرَّكَتْ رَأْسَها، فَغَطَّتْ جَسَدَها أجْمَعَ بِشَعْرِها، وكانَ زَوْجُها غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى رَأْسِ الغُزاةِ: انْظُرْ أُورِيا فاجْعَلْهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ وكانَ حَمَلَةُ التّابُوتِ إمّا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ وإمّا أنْ يُقْتَلُوا، فَقَدَّمَهُ في حَمَلَةِ التّابُوتِ فَقُتِلَ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبَها داوُدُ، فاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ ولَدَتْ غُلامًا أنْ يَكُونَ الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِهِ، وأشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتابًا، فَما شَعَرَ بِفِتْنَتِهِ أنَّهُ افْتُتِنَ حَتّى ولَدَتْ سُلَيْمانَ، وشَبَّ فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ المَلَكانِ المِحْرابَ وكانَ شَأْنُهُما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ وخَرَّ داوُدُ ساجِدًا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتابَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ قالَ: ما أصابَ داوُدَ بَعْدَما أصابَهُ بَعْدَ القَدَرِ إلّا مِن عُجْبٍ عَجِبَ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ما مِن ساعَةٍ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ إلّا وعابِدٌ مِن آلِ داوُدَ يَعْبُدُكَ يُصَلِّي لَكَ أوْ يُسَبِّحُ أوْ يُكَبِّرُ وذَكَرَ أشْياءَ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا داوُدُ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا بِي فَلَوْلا عَوْنِي ما قَوِيتَ عَلَيْهِ، وعِزَّتِي وجَلالِي لَأكِلَنَّكَ إلى نَفْسِكَ يَوْمًا، قالَ: يا رَبِّ فَأخْبِرْنِي بِهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ فَأصابَتْهُ الفِتْنَةُ ذَلِكَ اليَوْمَ.
وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.
وأخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلَةً. وأخْرَجَها جَماعَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ قالَ: عَلى دِينِي.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ ﴿أكْفِلْنِيها﴾ .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ الَّذِي هم فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالَ: اخْتَبَرْناهُ.
(p-١٢٦٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في السُّجُودِ في ص لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيها.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص وقالَ: سَجَدَها داوُدُ، ونَسْجُدُها شُكْرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَجَدَ في ص. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو عَلى المِنبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَهَيَّأ النّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقالَ: إنَّما هي تَوْبَةٌ ولَكِنِّي رَأيْتُكم تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ فَعَظَّمَ شَأْنَهُ وشِدَّتَهُ قالَ: ويَقُولُ الرَّحْمَنُ - عَزَّ وجَلَّ - لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ، فَيَقُولُ داوُدُ: يا رَبِّ، أخافُ أنْ تَدْحَضَنِي خَطِيئَتِي، فَيَقُولُ: خُذْ بِقَدَمِي، فَيَأْخُذُ بِقَدَمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيَمُرُّ، قالَ: فَتِلْكَ الزُّلْفى الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾» .
ص 38:26
لَمّا تَمَّمَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ داوُدَ أرْدَفَها بِبَيانِ تَفْوِيضِ أمْرِ خِلافَةِ الأرْضِ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى " غَفَرْنا " أيْ: وقُلْنا لَهُ ﴿ياداوُدُ إنّا﴾ اسْتَخْلَفْناكَ عَلى الأرْضِ، أوْ ﴿جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾ لِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ لِتَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ الَّذِي هو حُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ عِبادِهِ ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ أيْ: هَوى النَّفْسِ في الحُكْمِ بَيْنَ العِبادِ.
وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ الَّذِي عُوتِبَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِعَدْلٍ وأنَّ فِيهِ شائِبَةً مِنِ اتِّباعِ هَوى النَّفْسِ ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، وفاعِلُ " يُضِلَّكَ " هو الهَوى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَجْزُومًا بِالعَطْفِ عَلى النَّهْيِ، وإنَّما حُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ المَنهِيُّ عَنْهُ الجَمْعَ بَيْنَهُما، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حِدَةٍ.
و" سَبِيلِ اللَّهِ ": هو طَرِيقُ الحَقِّ، أوْ طَرِيقُ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ الهَوى والوُقُوعِ في الضَّلالِ، والباءُ في ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى النِّسْيانِ التَّرْكُ أيْ: بِسَبَبِ تَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ: قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بِتَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ صارُوا بِمَنزِلَةِ النّاسِينَ وإنْ كانُوا يُنْذَرُونَ ويُذَكَّرُونَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَهم عَذابُ يَوْمِ الحِسابِ بِما نَسُوا أيْ: تَرَكُوا القَضاءَ بِالعَدْلِ، والأوَّلُ أوْلى.
وجُمْلَةُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ أيْ: ما خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ خَلْقًا باطِلًا خارِجًا عَنِ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ، بَلْ خَلَقْناها لِلدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِنا، فانْتِصابُ ( باطِلًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَنفِيِّ قَبْلَهُ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مَظْنُونُهم، فَإنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ خُلِقَتْ لا لِغَرَضٍ ويَقُولُونَ إنَّهُ لا قِيامَةَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ باطِلًا ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ والفاءُ لِإفادَةِ تَرَتُّبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى ظَنِّهِمُ الباطِلِ أيْ: فَوَيْلٌ لَهم بِسَبَبِ النّارِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ.
ثُمَّ وبَّخَهم وبَكَّتَهم فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ كَما تُعْطَوْنَ، فَنَزَلَتْ، و" أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِـ: بَلْ والهَمْزَةِ، أيْ: نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وصَدَّقُوا رُسُلَهُ وعَمِلُوا بِفَرائِضِهِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ بِالمَعاصِي.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - إضْرابًا آخَرَ وانْتَقَلَ عَنِ الأوَّلِ إلى ما هو أظْهَرُ اسْتِحالَةً مِنهُ فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أيْ: بَلْ نَجْعَلُ أتْقِياءَ المُؤْمِنِينَ كَأشْقِياءِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ والمُنْهَمِكِينَ في مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: إنَّ الفُجّارَ هُنا خاصٌّ بِالكافِرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الصَّحابَةُ، ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ ارْتِفاعُ ( كِتابٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و( أنْزَلْناهُ إلَيْكَ ) صِفَةٌ لَهُ، و( مُبارَكٌ ) خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِكِتابٍ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الوَصْفِ الصَّرِيحِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحِ، وقَدْ جَوَّزَهُ بَعْضُ النُّحاةِ والتَّقْدِيرُ: القُرْآنُ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ يا مُحَمَّدُ كَثِيرُ الخَيْرِ والبَرَكَةِ.
وقُرِئَ " مُبارَكًا " عَلى الحالِ وقَوْلُهُ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أصْلُهُ لِيَتَدَبَّرُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّارِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أنْزَلْناهُ ) .
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِلتَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في مَعانِيهِ، لا لِمُجَرَّدِ التِّلاوَةِ بِدُونِ تَدَبُّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيَدَّبَّرُوا ) بِالإدْغامِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ " لِتَدَبَّرُوا " بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والأصْلُ لِتَتَدَبَّرُوا بِتاءَيْنِ فَحَذَفَ إحْداهُما تَخْفِيفًا. ﴿ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: لِيَتَّعِظَ أهْلُ العُقُولِ، (p-١٢٦٣)والألْبابُ جَمْعُ لُبٍّ: وهو العَقْلُ.
﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ مِن جُمْلَةِ نِعَمِهِ عَلى داوُدَ أنَّهُ وهَبَ لَهُ سُلَيْمانَ ولَدًا، ثُمَّ مَدَحَ سُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ العَبْدُ سُلَيْمانُ، وقِيلَ: إنَّ المَدْحَ هُنا بِقَوْلِهِ: نِعْمَ العَبْدُ هو لِداوُدَ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ المَدْحِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ أيِ: اذْكُرْ ما صَدَرَ عَنْهُ وقْتَ عَرْضِ الصّافِناتِ الجِيادِ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ: نِعْمَ، وهو مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَصَرِّفٍ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِهِ بِذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أوّابٌ )، ولا وجْهَ لِتَقْيِيدِ كَوْنِهِ أوّابًا بِذَلِكَ الوَقْتِ، والعَشِيُّ مِنَ الظُّهْرِ أوِ العَصْرِ إلى آخِرِ النَّهارِ.
والصّافِناتُ جَمْعُ صافِنٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعْناهُ، فَقالَ القُتَيْبِيُّ والفَرّاءُ: الصّافِنُ في كَلامِ العَرَبِ الوَقْفُ مِنَ الخَيْلِ أوْ غَيْرِها، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومِنهُ الحَدِيثُ «مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النّاسُ صُفُونًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» أيْ: يُدِيمُونَ القِيامَ لَهُ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎لَنا قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ بِفِنائِها عِتاقُ المَهارِي والجِيادُ الصَّوافِنُ
ولا حُجَّةَ لَهم في هَذا فَإنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِمَحَلِّ النِّزاعِ، وهو مُصادَرَةٌ لِأنَّ النِّزاعَ في الصّافِنِ ماذا هو ؟ وقالَ الزَّجّاجُ هو الَّذِي يَقِفُ عَلى إحْدى اليَدَيْنِ ويَرْفَعُ الأُخْرى ويَجْعَلُ عَلى الأرْضِ طَرَفَ الحافِرِ مِنها حَتّى كَأنَّهُ يَقُومُ عَلى ثَلاثٍ وهي الرِّجْلانِ وإحْدى اليَدَيْنِ، وقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِإحْدى رِجْلَيْهِ وهي عَلامَةُ الفَراهَةِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ألِفَ الصُّفُونَ فَما يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيَرُ
ومِن هَذا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
؎تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةً أعِنَّتَها صُفُونًا
فَإنَّ قَوْلَهُ: " صُفُونًا " لا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنًى غَيْرِ مُجَرَّدِ القِيامِ، لِأنَّ مُجَرَّدَ القِيامِ قَدِ اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ: عاكِفَةً عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: الصّافِنُ هو الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيهُما، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى سُنْبُكِهِ فاسْمُهُ المُتَخَيِّمُ، والجِيادُ جَمْعُ جَوادٍ، يُقالُ: لِلْفَرَسِ إذا كانَ شَدِيدَ العَدْوِ.
وقِيلَ: إنَّها طِوالُ الأعْناقِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجِيدِ وهو العُنُقُ، قِيلَ: كانَتْ مِائَةَ فَرَسٍ، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفًا، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا، وقِيلَ: إنَّها خَرَجَتْ لَهُ مِنَ البَحْرِ وكانَتْ لَها أجْنِحَةٌ.
﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ انْتِصابُ ( حُبَّ الخَيْرِ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ: ( أحْبَبْتُ ) بَعْدَ تَضْمِينِهِ مَعْنى آثَرْتُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ آثَرْتُ حُبَّ الخَيْرِ، وكُلُّ مَن أحَبَّ شَيْئًا فَقَدْ آثَرَهُ.
وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ والنّاصِبُ لَهُ ( أحْبَبْتُ )، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ أيْ: حُبًّا مِثْلَ حُبِّ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى.
والمُرادُ بِالخَيْرِ هُنا الخَيْلُ. قالَ الزَّجّاجُ: الخَيْرُ هُنا الخَيْلُ. وقالَ الفَرّاءُ: الخَيْرُ والخَيْلُ في كَلامِ العَرَبِ واحِدٌ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي الحَدِيثِ «الخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَواصِيها الخَيْرُ» فَكَأنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِهَذا. وقِيلَ: إنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِما فِيها مِنَ المَنافِعِ.
و" عَنْ " في ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ بِمَعْنى عَلى. والمَعْنى: آثَرْتُ حُبَّ الخَيْلِ عَلى ذِكْرِ رَبِّي: يَعْنِي صَلاةَ العَصْرِ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ يَعْنِي الشَّمْسَ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ ولَكِنَّ المَقامَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَجُوزُ الإضْمارُ إذا جَرى ذِكْرُ الشَّيْءِ أوْ دَلِيلُ الذِّكْرِ، وقَدْ جَرى هُنا الدَّلِيلُ وهو قَوْلُهُ بِالعَشِيِّ.
والتَّوارِي: الِاسْتِتارُ عَنِ الأبْصارِ والحِجابُ: ما يَحْجُبُها عَنِ الأبْصارِ.
قالَ قَتادَةُ وكَعْبٌ: الحِجابُ جَبَلٌ أخْضَرُ مُحِيطٌ بِالخَلائِقِ وهو جَبَلُ قافَ، وسُمِّيَ اللَّيْلُ حِجابًا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ ما فِيهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ لِلْخَيْلِ أيْ: حَتّى تَوارَتْ في المُسابَقَةِ عَنِ الأعْيُنِ. والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ سُلَيْمانَ أيْ: أعِيدُوا عَرْضَها عَلَيَّ مَرَّةً أُخْرى. قالَ الحَسَنُ: إنَّ سُلَيْمانَ لَمّا شَغَلَهُ عَرْضُ الخَيْلِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ غَضِبَ لِلَّهِ وقالَ رُدُّوها عَلَيَّ أيْ: أعِيدُوها.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( رُدُّوها ) إلى الشَّمْسِ ويَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ، وإنَّما أُمِرَ بِإرْجاعِها بَعْدَ مَغِيبِها لِأجْلِ أنْ يُصَلِّيَ العَصْرَ، والأوَّلُ أوْلى، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى مَحْذُوفٍ في الكَلامِ والتَّقْدِيرُ هُنا: فَرُدُّوها عَلَيْهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: طَفِقَ يَفْعَلُ مِثْلُ: ما زالَ يَفْعَلُ، وهو مِثْلُ ظَلَّ وباتَ، وانْتِصابُ ( مَسْحًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ: مَسَحَ مَسْحًا؛ لِأنَّ خَبَرَ طَفِقَ لا يَكُونُ إلّا فِعْلًا مُضارِعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى.
والسُّوقُ جَمْعُ ساقٍ، والأعْناقُ جَمْعُ عُنُقٍ، والمُرادُ أنَّهُ طَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وسُوقَها، يُقالُ: مَسَحَ عِلاوَتَهُ أيْ: ضَرَبَ عُنُقَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: المَسْحُ هُنا القَطْعُ، قالَ: والمَعْنى أنَّهُ أقْبَلَ يَضْرِبُ سُوقَها وأعْناقَها؛ لِأنَّها كانَتْ سَبَبَ فَوْتِ صَلاتِهِ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا وقَدْ أباحَهُ اللَّهُ لَهُ، وجائِزٌ أنْ يُباحَ ذَلِكَ لِسُلَيْمانَ ويَحْضُرَ في هَذا الوَقْتِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمَسْحِ ما تَقَدَّمَ. وقالَ آخَرُونَ مِنهُمُ الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ: إنَّ المُرادَ بِهِ المَسْحُ عَلى سُوقِها وأعْناقِها لِكَشْفِ الغُبارِ عَنْها حُبًّا لَها. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى بِسِياقِ الكَلامِ فَإنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ أخَّرَها عَلى ذِكْرِ رَبِّهِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أمَرَهم بِرَدِّها عَلَيْهِ؛ لِيُعاقِبَ نَفْسَهُ بِإفْسادِ ما ألْهاهُ عَنْ ذَلِكَ وما صَدَّهُ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِ وشَغَلَهُ عَنِ القِيامِ بِما فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ولا يُناسِبُ هَذا أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن رَدِّها عَلَيْهِ هو كَشْفُ الغُبارِ عَنْ سُوقِها وأعْناقِها بِالمَسْحِ عَلَيْها بِيَدِهِ أوْ بِثَوْبِهِ، ولا مُتَمَسِّكَ لِمَن قالَ: إنَّ فَسادَ المالِ لا يَصْدُرُ عَنِ النَّبِيِّ فَإنَّ هَذا مُجَرَّدُ اسْتِعْبادٍ بِاعْتِبارِ ما هو المُتَقَرِّرُ في شَرْعِنا مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ في شَرْعِ سُلَيْمانَ أنَّ مِثْلَ هَذا مُباحٌ عَلى أنَّ إفْسادَ المالِ المَنهِيَّ عَنْهُ في شَرْعِنا إنَّما هو مُجَرَّدُ إضاعَتِهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، وأمّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَقَدْ جازَ مِثْلُهُ في شَرْعِنا كَما «وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن إكْفاءِ القُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ القِسْمَةِ»، ولِهَذا نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في الشَّرِيعَةِ، ومِن ذَلِكَ ما وقَعَ مِنَ الصَّحابَةِ مِن إحْراقِ طَعامِ المُحْتَكِرِ.
(p-١٢٦٤)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ: الَّذِينَ آمَنُوا عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، والمُفْسِدِينَ في الأرْضِ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ والوَلِيدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ﴿الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ خَيْلٌ خُلِقَتْ عَلى ما شاءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الصّافِناتُ﴾ قالَ: صُفُونُ الفَرَسِ رَفْعُ إحْدى يَدَيْهِ حَتّى يَكُونَ عَلى أطْرافِ الحافِرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿الجِيادُ﴾ السِّراعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾ قالَ: الماءُ، وفي قَوْلِهِ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ قالَ: الخَيْلُ ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ قالَ: عَقْرًا بِالسَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الصَّلاةُ الَّتِي فَرَّطَ فِيها سُلَيْمانُ صَلاةُ العَصْرِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ قالَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفَ فَرَسٍ ذاتَ أجْنِحَةٍ فَعَقَرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ قالَ: تَوارَتْ مِن وراءِ ياقُوتَةٍ خَضْراءَ، فَخُضْرَةُ السَّماءِ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ سُلَيْمانُ لا يُكَلَّمُ إعْظامًا لَهُ، فَلَقَدْ فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ وما اسْتَطاعَ أحَدٌ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يَقُولُ: مِن ذِكْرِ رَبِّي ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ قالَ: قَطَعَ سُوقَها وأعْناقَها بِالسَّيْفِ.
ص 38:27
لَمّا تَمَّمَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ داوُدَ أرْدَفَها بِبَيانِ تَفْوِيضِ أمْرِ خِلافَةِ الأرْضِ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى " غَفَرْنا " أيْ: وقُلْنا لَهُ ﴿ياداوُدُ إنّا﴾ اسْتَخْلَفْناكَ عَلى الأرْضِ، أوْ ﴿جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾ لِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ لِتَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ الَّذِي هو حُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ عِبادِهِ ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ أيْ: هَوى النَّفْسِ في الحُكْمِ بَيْنَ العِبادِ.
وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ الَّذِي عُوتِبَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِعَدْلٍ وأنَّ فِيهِ شائِبَةً مِنِ اتِّباعِ هَوى النَّفْسِ ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، وفاعِلُ " يُضِلَّكَ " هو الهَوى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَجْزُومًا بِالعَطْفِ عَلى النَّهْيِ، وإنَّما حُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ المَنهِيُّ عَنْهُ الجَمْعَ بَيْنَهُما، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حِدَةٍ.
و" سَبِيلِ اللَّهِ ": هو طَرِيقُ الحَقِّ، أوْ طَرِيقُ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ الهَوى والوُقُوعِ في الضَّلالِ، والباءُ في ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى النِّسْيانِ التَّرْكُ أيْ: بِسَبَبِ تَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ: قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بِتَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ صارُوا بِمَنزِلَةِ النّاسِينَ وإنْ كانُوا يُنْذَرُونَ ويُذَكَّرُونَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَهم عَذابُ يَوْمِ الحِسابِ بِما نَسُوا أيْ: تَرَكُوا القَضاءَ بِالعَدْلِ، والأوَّلُ أوْلى.
وجُمْلَةُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ أيْ: ما خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ خَلْقًا باطِلًا خارِجًا عَنِ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ، بَلْ خَلَقْناها لِلدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِنا، فانْتِصابُ ( باطِلًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَنفِيِّ قَبْلَهُ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مَظْنُونُهم، فَإنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ خُلِقَتْ لا لِغَرَضٍ ويَقُولُونَ إنَّهُ لا قِيامَةَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ باطِلًا ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ والفاءُ لِإفادَةِ تَرَتُّبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى ظَنِّهِمُ الباطِلِ أيْ: فَوَيْلٌ لَهم بِسَبَبِ النّارِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ.
ثُمَّ وبَّخَهم وبَكَّتَهم فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ كَما تُعْطَوْنَ، فَنَزَلَتْ، و" أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِـ: بَلْ والهَمْزَةِ، أيْ: نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وصَدَّقُوا رُسُلَهُ وعَمِلُوا بِفَرائِضِهِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ بِالمَعاصِي.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - إضْرابًا آخَرَ وانْتَقَلَ عَنِ الأوَّلِ إلى ما هو أظْهَرُ اسْتِحالَةً مِنهُ فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أيْ: بَلْ نَجْعَلُ أتْقِياءَ المُؤْمِنِينَ كَأشْقِياءِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ والمُنْهَمِكِينَ في مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: إنَّ الفُجّارَ هُنا خاصٌّ بِالكافِرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الصَّحابَةُ، ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ ارْتِفاعُ ( كِتابٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و( أنْزَلْناهُ إلَيْكَ ) صِفَةٌ لَهُ، و( مُبارَكٌ ) خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِكِتابٍ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الوَصْفِ الصَّرِيحِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحِ، وقَدْ جَوَّزَهُ بَعْضُ النُّحاةِ والتَّقْدِيرُ: القُرْآنُ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ يا مُحَمَّدُ كَثِيرُ الخَيْرِ والبَرَكَةِ.
وقُرِئَ " مُبارَكًا " عَلى الحالِ وقَوْلُهُ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أصْلُهُ لِيَتَدَبَّرُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّارِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أنْزَلْناهُ ) .
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِلتَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في مَعانِيهِ، لا لِمُجَرَّدِ التِّلاوَةِ بِدُونِ تَدَبُّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيَدَّبَّرُوا ) بِالإدْغامِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ " لِتَدَبَّرُوا " بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والأصْلُ لِتَتَدَبَّرُوا بِتاءَيْنِ فَحَذَفَ إحْداهُما تَخْفِيفًا. ﴿ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: لِيَتَّعِظَ أهْلُ العُقُولِ، (p-١٢٦٣)والألْبابُ جَمْعُ لُبٍّ: وهو العَقْلُ.
﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ مِن جُمْلَةِ نِعَمِهِ عَلى داوُدَ أنَّهُ وهَبَ لَهُ سُلَيْمانَ ولَدًا، ثُمَّ مَدَحَ سُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ العَبْدُ سُلَيْمانُ، وقِيلَ: إنَّ المَدْحَ هُنا بِقَوْلِهِ: نِعْمَ العَبْدُ هو لِداوُدَ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ المَدْحِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ أيِ: اذْكُرْ ما صَدَرَ عَنْهُ وقْتَ عَرْضِ الصّافِناتِ الجِيادِ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ: نِعْمَ، وهو مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَصَرِّفٍ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِهِ بِذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أوّابٌ )، ولا وجْهَ لِتَقْيِيدِ كَوْنِهِ أوّابًا بِذَلِكَ الوَقْتِ، والعَشِيُّ مِنَ الظُّهْرِ أوِ العَصْرِ إلى آخِرِ النَّهارِ.
والصّافِناتُ جَمْعُ صافِنٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعْناهُ، فَقالَ القُتَيْبِيُّ والفَرّاءُ: الصّافِنُ في كَلامِ العَرَبِ الوَقْفُ مِنَ الخَيْلِ أوْ غَيْرِها، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومِنهُ الحَدِيثُ «مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النّاسُ صُفُونًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» أيْ: يُدِيمُونَ القِيامَ لَهُ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎لَنا قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ بِفِنائِها عِتاقُ المَهارِي والجِيادُ الصَّوافِنُ
ولا حُجَّةَ لَهم في هَذا فَإنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِمَحَلِّ النِّزاعِ، وهو مُصادَرَةٌ لِأنَّ النِّزاعَ في الصّافِنِ ماذا هو ؟ وقالَ الزَّجّاجُ هو الَّذِي يَقِفُ عَلى إحْدى اليَدَيْنِ ويَرْفَعُ الأُخْرى ويَجْعَلُ عَلى الأرْضِ طَرَفَ الحافِرِ مِنها حَتّى كَأنَّهُ يَقُومُ عَلى ثَلاثٍ وهي الرِّجْلانِ وإحْدى اليَدَيْنِ، وقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِإحْدى رِجْلَيْهِ وهي عَلامَةُ الفَراهَةِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ألِفَ الصُّفُونَ فَما يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيَرُ
ومِن هَذا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
؎تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةً أعِنَّتَها صُفُونًا
فَإنَّ قَوْلَهُ: " صُفُونًا " لا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنًى غَيْرِ مُجَرَّدِ القِيامِ، لِأنَّ مُجَرَّدَ القِيامِ قَدِ اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ: عاكِفَةً عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: الصّافِنُ هو الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيهُما، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى سُنْبُكِهِ فاسْمُهُ المُتَخَيِّمُ، والجِيادُ جَمْعُ جَوادٍ، يُقالُ: لِلْفَرَسِ إذا كانَ شَدِيدَ العَدْوِ.
وقِيلَ: إنَّها طِوالُ الأعْناقِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجِيدِ وهو العُنُقُ، قِيلَ: كانَتْ مِائَةَ فَرَسٍ، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفًا، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا، وقِيلَ: إنَّها خَرَجَتْ لَهُ مِنَ البَحْرِ وكانَتْ لَها أجْنِحَةٌ.
﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ انْتِصابُ ( حُبَّ الخَيْرِ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ: ( أحْبَبْتُ ) بَعْدَ تَضْمِينِهِ مَعْنى آثَرْتُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ آثَرْتُ حُبَّ الخَيْرِ، وكُلُّ مَن أحَبَّ شَيْئًا فَقَدْ آثَرَهُ.
وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ والنّاصِبُ لَهُ ( أحْبَبْتُ )، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ أيْ: حُبًّا مِثْلَ حُبِّ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى.
والمُرادُ بِالخَيْرِ هُنا الخَيْلُ. قالَ الزَّجّاجُ: الخَيْرُ هُنا الخَيْلُ. وقالَ الفَرّاءُ: الخَيْرُ والخَيْلُ في كَلامِ العَرَبِ واحِدٌ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي الحَدِيثِ «الخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَواصِيها الخَيْرُ» فَكَأنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِهَذا. وقِيلَ: إنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِما فِيها مِنَ المَنافِعِ.
و" عَنْ " في ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ بِمَعْنى عَلى. والمَعْنى: آثَرْتُ حُبَّ الخَيْلِ عَلى ذِكْرِ رَبِّي: يَعْنِي صَلاةَ العَصْرِ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ يَعْنِي الشَّمْسَ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ ولَكِنَّ المَقامَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَجُوزُ الإضْمارُ إذا جَرى ذِكْرُ الشَّيْءِ أوْ دَلِيلُ الذِّكْرِ، وقَدْ جَرى هُنا الدَّلِيلُ وهو قَوْلُهُ بِالعَشِيِّ.
والتَّوارِي: الِاسْتِتارُ عَنِ الأبْصارِ والحِجابُ: ما يَحْجُبُها عَنِ الأبْصارِ.
قالَ قَتادَةُ وكَعْبٌ: الحِجابُ جَبَلٌ أخْضَرُ مُحِيطٌ بِالخَلائِقِ وهو جَبَلُ قافَ، وسُمِّيَ اللَّيْلُ حِجابًا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ ما فِيهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ لِلْخَيْلِ أيْ: حَتّى تَوارَتْ في المُسابَقَةِ عَنِ الأعْيُنِ. والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ سُلَيْمانَ أيْ: أعِيدُوا عَرْضَها عَلَيَّ مَرَّةً أُخْرى. قالَ الحَسَنُ: إنَّ سُلَيْمانَ لَمّا شَغَلَهُ عَرْضُ الخَيْلِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ غَضِبَ لِلَّهِ وقالَ رُدُّوها عَلَيَّ أيْ: أعِيدُوها.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( رُدُّوها ) إلى الشَّمْسِ ويَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ، وإنَّما أُمِرَ بِإرْجاعِها بَعْدَ مَغِيبِها لِأجْلِ أنْ يُصَلِّيَ العَصْرَ، والأوَّلُ أوْلى، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى مَحْذُوفٍ في الكَلامِ والتَّقْدِيرُ هُنا: فَرُدُّوها عَلَيْهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: طَفِقَ يَفْعَلُ مِثْلُ: ما زالَ يَفْعَلُ، وهو مِثْلُ ظَلَّ وباتَ، وانْتِصابُ ( مَسْحًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ: مَسَحَ مَسْحًا؛ لِأنَّ خَبَرَ طَفِقَ لا يَكُونُ إلّا فِعْلًا مُضارِعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى.
والسُّوقُ جَمْعُ ساقٍ، والأعْناقُ جَمْعُ عُنُقٍ، والمُرادُ أنَّهُ طَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وسُوقَها، يُقالُ: مَسَحَ عِلاوَتَهُ أيْ: ضَرَبَ عُنُقَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: المَسْحُ هُنا القَطْعُ، قالَ: والمَعْنى أنَّهُ أقْبَلَ يَضْرِبُ سُوقَها وأعْناقَها؛ لِأنَّها كانَتْ سَبَبَ فَوْتِ صَلاتِهِ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا وقَدْ أباحَهُ اللَّهُ لَهُ، وجائِزٌ أنْ يُباحَ ذَلِكَ لِسُلَيْمانَ ويَحْضُرَ في هَذا الوَقْتِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمَسْحِ ما تَقَدَّمَ. وقالَ آخَرُونَ مِنهُمُ الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ: إنَّ المُرادَ بِهِ المَسْحُ عَلى سُوقِها وأعْناقِها لِكَشْفِ الغُبارِ عَنْها حُبًّا لَها. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى بِسِياقِ الكَلامِ فَإنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ أخَّرَها عَلى ذِكْرِ رَبِّهِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أمَرَهم بِرَدِّها عَلَيْهِ؛ لِيُعاقِبَ نَفْسَهُ بِإفْسادِ ما ألْهاهُ عَنْ ذَلِكَ وما صَدَّهُ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِ وشَغَلَهُ عَنِ القِيامِ بِما فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ولا يُناسِبُ هَذا أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن رَدِّها عَلَيْهِ هو كَشْفُ الغُبارِ عَنْ سُوقِها وأعْناقِها بِالمَسْحِ عَلَيْها بِيَدِهِ أوْ بِثَوْبِهِ، ولا مُتَمَسِّكَ لِمَن قالَ: إنَّ فَسادَ المالِ لا يَصْدُرُ عَنِ النَّبِيِّ فَإنَّ هَذا مُجَرَّدُ اسْتِعْبادٍ بِاعْتِبارِ ما هو المُتَقَرِّرُ في شَرْعِنا مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ في شَرْعِ سُلَيْمانَ أنَّ مِثْلَ هَذا مُباحٌ عَلى أنَّ إفْسادَ المالِ المَنهِيَّ عَنْهُ في شَرْعِنا إنَّما هو مُجَرَّدُ إضاعَتِهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، وأمّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَقَدْ جازَ مِثْلُهُ في شَرْعِنا كَما «وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن إكْفاءِ القُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ القِسْمَةِ»، ولِهَذا نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في الشَّرِيعَةِ، ومِن ذَلِكَ ما وقَعَ مِنَ الصَّحابَةِ مِن إحْراقِ طَعامِ المُحْتَكِرِ.
(p-١٢٦٤)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ: الَّذِينَ آمَنُوا عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، والمُفْسِدِينَ في الأرْضِ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ والوَلِيدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ﴿الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ خَيْلٌ خُلِقَتْ عَلى ما شاءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الصّافِناتُ﴾ قالَ: صُفُونُ الفَرَسِ رَفْعُ إحْدى يَدَيْهِ حَتّى يَكُونَ عَلى أطْرافِ الحافِرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿الجِيادُ﴾ السِّراعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾ قالَ: الماءُ، وفي قَوْلِهِ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ قالَ: الخَيْلُ ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ قالَ: عَقْرًا بِالسَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الصَّلاةُ الَّتِي فَرَّطَ فِيها سُلَيْمانُ صَلاةُ العَصْرِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ قالَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفَ فَرَسٍ ذاتَ أجْنِحَةٍ فَعَقَرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ قالَ: تَوارَتْ مِن وراءِ ياقُوتَةٍ خَضْراءَ، فَخُضْرَةُ السَّماءِ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ سُلَيْمانُ لا يُكَلَّمُ إعْظامًا لَهُ، فَلَقَدْ فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ وما اسْتَطاعَ أحَدٌ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يَقُولُ: مِن ذِكْرِ رَبِّي ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ قالَ: قَطَعَ سُوقَها وأعْناقَها بِالسَّيْفِ.
ص 38:28
لَمّا تَمَّمَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ داوُدَ أرْدَفَها بِبَيانِ تَفْوِيضِ أمْرِ خِلافَةِ الأرْضِ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى " غَفَرْنا " أيْ: وقُلْنا لَهُ ﴿ياداوُدُ إنّا﴾ اسْتَخْلَفْناكَ عَلى الأرْضِ، أوْ ﴿جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾ لِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ لِتَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ الَّذِي هو حُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ عِبادِهِ ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ أيْ: هَوى النَّفْسِ في الحُكْمِ بَيْنَ العِبادِ.
وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ الَّذِي عُوتِبَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِعَدْلٍ وأنَّ فِيهِ شائِبَةً مِنِ اتِّباعِ هَوى النَّفْسِ ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، وفاعِلُ " يُضِلَّكَ " هو الهَوى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَجْزُومًا بِالعَطْفِ عَلى النَّهْيِ، وإنَّما حُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ المَنهِيُّ عَنْهُ الجَمْعَ بَيْنَهُما، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حِدَةٍ.
و" سَبِيلِ اللَّهِ ": هو طَرِيقُ الحَقِّ، أوْ طَرِيقُ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ الهَوى والوُقُوعِ في الضَّلالِ، والباءُ في ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى النِّسْيانِ التَّرْكُ أيْ: بِسَبَبِ تَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ: قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بِتَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ صارُوا بِمَنزِلَةِ النّاسِينَ وإنْ كانُوا يُنْذَرُونَ ويُذَكَّرُونَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَهم عَذابُ يَوْمِ الحِسابِ بِما نَسُوا أيْ: تَرَكُوا القَضاءَ بِالعَدْلِ، والأوَّلُ أوْلى.
وجُمْلَةُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ أيْ: ما خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ خَلْقًا باطِلًا خارِجًا عَنِ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ، بَلْ خَلَقْناها لِلدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِنا، فانْتِصابُ ( باطِلًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَنفِيِّ قَبْلَهُ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مَظْنُونُهم، فَإنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ خُلِقَتْ لا لِغَرَضٍ ويَقُولُونَ إنَّهُ لا قِيامَةَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ باطِلًا ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ والفاءُ لِإفادَةِ تَرَتُّبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى ظَنِّهِمُ الباطِلِ أيْ: فَوَيْلٌ لَهم بِسَبَبِ النّارِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ.
ثُمَّ وبَّخَهم وبَكَّتَهم فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ كَما تُعْطَوْنَ، فَنَزَلَتْ، و" أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِـ: بَلْ والهَمْزَةِ، أيْ: نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وصَدَّقُوا رُسُلَهُ وعَمِلُوا بِفَرائِضِهِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ بِالمَعاصِي.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - إضْرابًا آخَرَ وانْتَقَلَ عَنِ الأوَّلِ إلى ما هو أظْهَرُ اسْتِحالَةً مِنهُ فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أيْ: بَلْ نَجْعَلُ أتْقِياءَ المُؤْمِنِينَ كَأشْقِياءِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ والمُنْهَمِكِينَ في مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: إنَّ الفُجّارَ هُنا خاصٌّ بِالكافِرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الصَّحابَةُ، ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ ارْتِفاعُ ( كِتابٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و( أنْزَلْناهُ إلَيْكَ ) صِفَةٌ لَهُ، و( مُبارَكٌ ) خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِكِتابٍ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الوَصْفِ الصَّرِيحِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحِ، وقَدْ جَوَّزَهُ بَعْضُ النُّحاةِ والتَّقْدِيرُ: القُرْآنُ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ يا مُحَمَّدُ كَثِيرُ الخَيْرِ والبَرَكَةِ.
وقُرِئَ " مُبارَكًا " عَلى الحالِ وقَوْلُهُ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أصْلُهُ لِيَتَدَبَّرُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّارِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أنْزَلْناهُ ) .
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِلتَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في مَعانِيهِ، لا لِمُجَرَّدِ التِّلاوَةِ بِدُونِ تَدَبُّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيَدَّبَّرُوا ) بِالإدْغامِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ " لِتَدَبَّرُوا " بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والأصْلُ لِتَتَدَبَّرُوا بِتاءَيْنِ فَحَذَفَ إحْداهُما تَخْفِيفًا. ﴿ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: لِيَتَّعِظَ أهْلُ العُقُولِ، (p-١٢٦٣)والألْبابُ جَمْعُ لُبٍّ: وهو العَقْلُ.
﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ مِن جُمْلَةِ نِعَمِهِ عَلى داوُدَ أنَّهُ وهَبَ لَهُ سُلَيْمانَ ولَدًا، ثُمَّ مَدَحَ سُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ العَبْدُ سُلَيْمانُ، وقِيلَ: إنَّ المَدْحَ هُنا بِقَوْلِهِ: نِعْمَ العَبْدُ هو لِداوُدَ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ المَدْحِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ أيِ: اذْكُرْ ما صَدَرَ عَنْهُ وقْتَ عَرْضِ الصّافِناتِ الجِيادِ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ: نِعْمَ، وهو مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَصَرِّفٍ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِهِ بِذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أوّابٌ )، ولا وجْهَ لِتَقْيِيدِ كَوْنِهِ أوّابًا بِذَلِكَ الوَقْتِ، والعَشِيُّ مِنَ الظُّهْرِ أوِ العَصْرِ إلى آخِرِ النَّهارِ.
والصّافِناتُ جَمْعُ صافِنٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعْناهُ، فَقالَ القُتَيْبِيُّ والفَرّاءُ: الصّافِنُ في كَلامِ العَرَبِ الوَقْفُ مِنَ الخَيْلِ أوْ غَيْرِها، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومِنهُ الحَدِيثُ «مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النّاسُ صُفُونًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» أيْ: يُدِيمُونَ القِيامَ لَهُ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎لَنا قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ بِفِنائِها عِتاقُ المَهارِي والجِيادُ الصَّوافِنُ
ولا حُجَّةَ لَهم في هَذا فَإنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِمَحَلِّ النِّزاعِ، وهو مُصادَرَةٌ لِأنَّ النِّزاعَ في الصّافِنِ ماذا هو ؟ وقالَ الزَّجّاجُ هو الَّذِي يَقِفُ عَلى إحْدى اليَدَيْنِ ويَرْفَعُ الأُخْرى ويَجْعَلُ عَلى الأرْضِ طَرَفَ الحافِرِ مِنها حَتّى كَأنَّهُ يَقُومُ عَلى ثَلاثٍ وهي الرِّجْلانِ وإحْدى اليَدَيْنِ، وقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِإحْدى رِجْلَيْهِ وهي عَلامَةُ الفَراهَةِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ألِفَ الصُّفُونَ فَما يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيَرُ
ومِن هَذا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
؎تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةً أعِنَّتَها صُفُونًا
فَإنَّ قَوْلَهُ: " صُفُونًا " لا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنًى غَيْرِ مُجَرَّدِ القِيامِ، لِأنَّ مُجَرَّدَ القِيامِ قَدِ اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ: عاكِفَةً عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: الصّافِنُ هو الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيهُما، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى سُنْبُكِهِ فاسْمُهُ المُتَخَيِّمُ، والجِيادُ جَمْعُ جَوادٍ، يُقالُ: لِلْفَرَسِ إذا كانَ شَدِيدَ العَدْوِ.
وقِيلَ: إنَّها طِوالُ الأعْناقِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجِيدِ وهو العُنُقُ، قِيلَ: كانَتْ مِائَةَ فَرَسٍ، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفًا، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا، وقِيلَ: إنَّها خَرَجَتْ لَهُ مِنَ البَحْرِ وكانَتْ لَها أجْنِحَةٌ.
﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ انْتِصابُ ( حُبَّ الخَيْرِ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ: ( أحْبَبْتُ ) بَعْدَ تَضْمِينِهِ مَعْنى آثَرْتُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ آثَرْتُ حُبَّ الخَيْرِ، وكُلُّ مَن أحَبَّ شَيْئًا فَقَدْ آثَرَهُ.
وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ والنّاصِبُ لَهُ ( أحْبَبْتُ )، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ أيْ: حُبًّا مِثْلَ حُبِّ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى.
والمُرادُ بِالخَيْرِ هُنا الخَيْلُ. قالَ الزَّجّاجُ: الخَيْرُ هُنا الخَيْلُ. وقالَ الفَرّاءُ: الخَيْرُ والخَيْلُ في كَلامِ العَرَبِ واحِدٌ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي الحَدِيثِ «الخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَواصِيها الخَيْرُ» فَكَأنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِهَذا. وقِيلَ: إنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِما فِيها مِنَ المَنافِعِ.
و" عَنْ " في ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ بِمَعْنى عَلى. والمَعْنى: آثَرْتُ حُبَّ الخَيْلِ عَلى ذِكْرِ رَبِّي: يَعْنِي صَلاةَ العَصْرِ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ يَعْنِي الشَّمْسَ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ ولَكِنَّ المَقامَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَجُوزُ الإضْمارُ إذا جَرى ذِكْرُ الشَّيْءِ أوْ دَلِيلُ الذِّكْرِ، وقَدْ جَرى هُنا الدَّلِيلُ وهو قَوْلُهُ بِالعَشِيِّ.
والتَّوارِي: الِاسْتِتارُ عَنِ الأبْصارِ والحِجابُ: ما يَحْجُبُها عَنِ الأبْصارِ.
قالَ قَتادَةُ وكَعْبٌ: الحِجابُ جَبَلٌ أخْضَرُ مُحِيطٌ بِالخَلائِقِ وهو جَبَلُ قافَ، وسُمِّيَ اللَّيْلُ حِجابًا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ ما فِيهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ لِلْخَيْلِ أيْ: حَتّى تَوارَتْ في المُسابَقَةِ عَنِ الأعْيُنِ. والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ سُلَيْمانَ أيْ: أعِيدُوا عَرْضَها عَلَيَّ مَرَّةً أُخْرى. قالَ الحَسَنُ: إنَّ سُلَيْمانَ لَمّا شَغَلَهُ عَرْضُ الخَيْلِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ غَضِبَ لِلَّهِ وقالَ رُدُّوها عَلَيَّ أيْ: أعِيدُوها.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( رُدُّوها ) إلى الشَّمْسِ ويَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ، وإنَّما أُمِرَ بِإرْجاعِها بَعْدَ مَغِيبِها لِأجْلِ أنْ يُصَلِّيَ العَصْرَ، والأوَّلُ أوْلى، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى مَحْذُوفٍ في الكَلامِ والتَّقْدِيرُ هُنا: فَرُدُّوها عَلَيْهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: طَفِقَ يَفْعَلُ مِثْلُ: ما زالَ يَفْعَلُ، وهو مِثْلُ ظَلَّ وباتَ، وانْتِصابُ ( مَسْحًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ: مَسَحَ مَسْحًا؛ لِأنَّ خَبَرَ طَفِقَ لا يَكُونُ إلّا فِعْلًا مُضارِعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى.
والسُّوقُ جَمْعُ ساقٍ، والأعْناقُ جَمْعُ عُنُقٍ، والمُرادُ أنَّهُ طَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وسُوقَها، يُقالُ: مَسَحَ عِلاوَتَهُ أيْ: ضَرَبَ عُنُقَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: المَسْحُ هُنا القَطْعُ، قالَ: والمَعْنى أنَّهُ أقْبَلَ يَضْرِبُ سُوقَها وأعْناقَها؛ لِأنَّها كانَتْ سَبَبَ فَوْتِ صَلاتِهِ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا وقَدْ أباحَهُ اللَّهُ لَهُ، وجائِزٌ أنْ يُباحَ ذَلِكَ لِسُلَيْمانَ ويَحْضُرَ في هَذا الوَقْتِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمَسْحِ ما تَقَدَّمَ. وقالَ آخَرُونَ مِنهُمُ الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ: إنَّ المُرادَ بِهِ المَسْحُ عَلى سُوقِها وأعْناقِها لِكَشْفِ الغُبارِ عَنْها حُبًّا لَها. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى بِسِياقِ الكَلامِ فَإنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ أخَّرَها عَلى ذِكْرِ رَبِّهِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أمَرَهم بِرَدِّها عَلَيْهِ؛ لِيُعاقِبَ نَفْسَهُ بِإفْسادِ ما ألْهاهُ عَنْ ذَلِكَ وما صَدَّهُ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِ وشَغَلَهُ عَنِ القِيامِ بِما فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ولا يُناسِبُ هَذا أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن رَدِّها عَلَيْهِ هو كَشْفُ الغُبارِ عَنْ سُوقِها وأعْناقِها بِالمَسْحِ عَلَيْها بِيَدِهِ أوْ بِثَوْبِهِ، ولا مُتَمَسِّكَ لِمَن قالَ: إنَّ فَسادَ المالِ لا يَصْدُرُ عَنِ النَّبِيِّ فَإنَّ هَذا مُجَرَّدُ اسْتِعْبادٍ بِاعْتِبارِ ما هو المُتَقَرِّرُ في شَرْعِنا مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ في شَرْعِ سُلَيْمانَ أنَّ مِثْلَ هَذا مُباحٌ عَلى أنَّ إفْسادَ المالِ المَنهِيَّ عَنْهُ في شَرْعِنا إنَّما هو مُجَرَّدُ إضاعَتِهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، وأمّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَقَدْ جازَ مِثْلُهُ في شَرْعِنا كَما «وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن إكْفاءِ القُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ القِسْمَةِ»، ولِهَذا نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في الشَّرِيعَةِ، ومِن ذَلِكَ ما وقَعَ مِنَ الصَّحابَةِ مِن إحْراقِ طَعامِ المُحْتَكِرِ.
(p-١٢٦٤)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ: الَّذِينَ آمَنُوا عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، والمُفْسِدِينَ في الأرْضِ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ والوَلِيدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ﴿الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ خَيْلٌ خُلِقَتْ عَلى ما شاءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الصّافِناتُ﴾ قالَ: صُفُونُ الفَرَسِ رَفْعُ إحْدى يَدَيْهِ حَتّى يَكُونَ عَلى أطْرافِ الحافِرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿الجِيادُ﴾ السِّراعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾ قالَ: الماءُ، وفي قَوْلِهِ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ قالَ: الخَيْلُ ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ قالَ: عَقْرًا بِالسَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الصَّلاةُ الَّتِي فَرَّطَ فِيها سُلَيْمانُ صَلاةُ العَصْرِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ قالَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفَ فَرَسٍ ذاتَ أجْنِحَةٍ فَعَقَرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ قالَ: تَوارَتْ مِن وراءِ ياقُوتَةٍ خَضْراءَ، فَخُضْرَةُ السَّماءِ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ سُلَيْمانُ لا يُكَلَّمُ إعْظامًا لَهُ، فَلَقَدْ فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ وما اسْتَطاعَ أحَدٌ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يَقُولُ: مِن ذِكْرِ رَبِّي ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ قالَ: قَطَعَ سُوقَها وأعْناقَها بِالسَّيْفِ.
ص 38:29
لَمّا تَمَّمَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ داوُدَ أرْدَفَها بِبَيانِ تَفْوِيضِ أمْرِ خِلافَةِ الأرْضِ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى " غَفَرْنا " أيْ: وقُلْنا لَهُ ﴿ياداوُدُ إنّا﴾ اسْتَخْلَفْناكَ عَلى الأرْضِ، أوْ ﴿جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾ لِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ لِتَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ الَّذِي هو حُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ عِبادِهِ ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ أيْ: هَوى النَّفْسِ في الحُكْمِ بَيْنَ العِبادِ.
وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ الَّذِي عُوتِبَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِعَدْلٍ وأنَّ فِيهِ شائِبَةً مِنِ اتِّباعِ هَوى النَّفْسِ ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، وفاعِلُ " يُضِلَّكَ " هو الهَوى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَجْزُومًا بِالعَطْفِ عَلى النَّهْيِ، وإنَّما حُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ المَنهِيُّ عَنْهُ الجَمْعَ بَيْنَهُما، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حِدَةٍ.
و" سَبِيلِ اللَّهِ ": هو طَرِيقُ الحَقِّ، أوْ طَرِيقُ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ الهَوى والوُقُوعِ في الضَّلالِ، والباءُ في ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى النِّسْيانِ التَّرْكُ أيْ: بِسَبَبِ تَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ: قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بِتَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ صارُوا بِمَنزِلَةِ النّاسِينَ وإنْ كانُوا يُنْذَرُونَ ويُذَكَّرُونَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَهم عَذابُ يَوْمِ الحِسابِ بِما نَسُوا أيْ: تَرَكُوا القَضاءَ بِالعَدْلِ، والأوَّلُ أوْلى.
وجُمْلَةُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ أيْ: ما خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ خَلْقًا باطِلًا خارِجًا عَنِ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ، بَلْ خَلَقْناها لِلدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِنا، فانْتِصابُ ( باطِلًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَنفِيِّ قَبْلَهُ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مَظْنُونُهم، فَإنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ خُلِقَتْ لا لِغَرَضٍ ويَقُولُونَ إنَّهُ لا قِيامَةَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ باطِلًا ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ والفاءُ لِإفادَةِ تَرَتُّبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى ظَنِّهِمُ الباطِلِ أيْ: فَوَيْلٌ لَهم بِسَبَبِ النّارِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ.
ثُمَّ وبَّخَهم وبَكَّتَهم فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ كَما تُعْطَوْنَ، فَنَزَلَتْ، و" أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِـ: بَلْ والهَمْزَةِ، أيْ: نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وصَدَّقُوا رُسُلَهُ وعَمِلُوا بِفَرائِضِهِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ بِالمَعاصِي.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - إضْرابًا آخَرَ وانْتَقَلَ عَنِ الأوَّلِ إلى ما هو أظْهَرُ اسْتِحالَةً مِنهُ فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أيْ: بَلْ نَجْعَلُ أتْقِياءَ المُؤْمِنِينَ كَأشْقِياءِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ والمُنْهَمِكِينَ في مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: إنَّ الفُجّارَ هُنا خاصٌّ بِالكافِرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الصَّحابَةُ، ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ ارْتِفاعُ ( كِتابٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و( أنْزَلْناهُ إلَيْكَ ) صِفَةٌ لَهُ، و( مُبارَكٌ ) خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِكِتابٍ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الوَصْفِ الصَّرِيحِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحِ، وقَدْ جَوَّزَهُ بَعْضُ النُّحاةِ والتَّقْدِيرُ: القُرْآنُ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ يا مُحَمَّدُ كَثِيرُ الخَيْرِ والبَرَكَةِ.
وقُرِئَ " مُبارَكًا " عَلى الحالِ وقَوْلُهُ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أصْلُهُ لِيَتَدَبَّرُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّارِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أنْزَلْناهُ ) .
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِلتَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في مَعانِيهِ، لا لِمُجَرَّدِ التِّلاوَةِ بِدُونِ تَدَبُّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيَدَّبَّرُوا ) بِالإدْغامِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ " لِتَدَبَّرُوا " بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والأصْلُ لِتَتَدَبَّرُوا بِتاءَيْنِ فَحَذَفَ إحْداهُما تَخْفِيفًا. ﴿ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: لِيَتَّعِظَ أهْلُ العُقُولِ، (p-١٢٦٣)والألْبابُ جَمْعُ لُبٍّ: وهو العَقْلُ.
﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ مِن جُمْلَةِ نِعَمِهِ عَلى داوُدَ أنَّهُ وهَبَ لَهُ سُلَيْمانَ ولَدًا، ثُمَّ مَدَحَ سُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ العَبْدُ سُلَيْمانُ، وقِيلَ: إنَّ المَدْحَ هُنا بِقَوْلِهِ: نِعْمَ العَبْدُ هو لِداوُدَ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ المَدْحِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ أيِ: اذْكُرْ ما صَدَرَ عَنْهُ وقْتَ عَرْضِ الصّافِناتِ الجِيادِ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ: نِعْمَ، وهو مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَصَرِّفٍ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِهِ بِذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أوّابٌ )، ولا وجْهَ لِتَقْيِيدِ كَوْنِهِ أوّابًا بِذَلِكَ الوَقْتِ، والعَشِيُّ مِنَ الظُّهْرِ أوِ العَصْرِ إلى آخِرِ النَّهارِ.
والصّافِناتُ جَمْعُ صافِنٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعْناهُ، فَقالَ القُتَيْبِيُّ والفَرّاءُ: الصّافِنُ في كَلامِ العَرَبِ الوَقْفُ مِنَ الخَيْلِ أوْ غَيْرِها، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومِنهُ الحَدِيثُ «مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النّاسُ صُفُونًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» أيْ: يُدِيمُونَ القِيامَ لَهُ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎لَنا قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ بِفِنائِها عِتاقُ المَهارِي والجِيادُ الصَّوافِنُ
ولا حُجَّةَ لَهم في هَذا فَإنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِمَحَلِّ النِّزاعِ، وهو مُصادَرَةٌ لِأنَّ النِّزاعَ في الصّافِنِ ماذا هو ؟ وقالَ الزَّجّاجُ هو الَّذِي يَقِفُ عَلى إحْدى اليَدَيْنِ ويَرْفَعُ الأُخْرى ويَجْعَلُ عَلى الأرْضِ طَرَفَ الحافِرِ مِنها حَتّى كَأنَّهُ يَقُومُ عَلى ثَلاثٍ وهي الرِّجْلانِ وإحْدى اليَدَيْنِ، وقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِإحْدى رِجْلَيْهِ وهي عَلامَةُ الفَراهَةِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ألِفَ الصُّفُونَ فَما يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيَرُ
ومِن هَذا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
؎تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةً أعِنَّتَها صُفُونًا
فَإنَّ قَوْلَهُ: " صُفُونًا " لا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنًى غَيْرِ مُجَرَّدِ القِيامِ، لِأنَّ مُجَرَّدَ القِيامِ قَدِ اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ: عاكِفَةً عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: الصّافِنُ هو الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيهُما، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى سُنْبُكِهِ فاسْمُهُ المُتَخَيِّمُ، والجِيادُ جَمْعُ جَوادٍ، يُقالُ: لِلْفَرَسِ إذا كانَ شَدِيدَ العَدْوِ.
وقِيلَ: إنَّها طِوالُ الأعْناقِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجِيدِ وهو العُنُقُ، قِيلَ: كانَتْ مِائَةَ فَرَسٍ، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفًا، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا، وقِيلَ: إنَّها خَرَجَتْ لَهُ مِنَ البَحْرِ وكانَتْ لَها أجْنِحَةٌ.
﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ انْتِصابُ ( حُبَّ الخَيْرِ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ: ( أحْبَبْتُ ) بَعْدَ تَضْمِينِهِ مَعْنى آثَرْتُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ آثَرْتُ حُبَّ الخَيْرِ، وكُلُّ مَن أحَبَّ شَيْئًا فَقَدْ آثَرَهُ.
وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ والنّاصِبُ لَهُ ( أحْبَبْتُ )، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ أيْ: حُبًّا مِثْلَ حُبِّ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى.
والمُرادُ بِالخَيْرِ هُنا الخَيْلُ. قالَ الزَّجّاجُ: الخَيْرُ هُنا الخَيْلُ. وقالَ الفَرّاءُ: الخَيْرُ والخَيْلُ في كَلامِ العَرَبِ واحِدٌ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي الحَدِيثِ «الخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَواصِيها الخَيْرُ» فَكَأنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِهَذا. وقِيلَ: إنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِما فِيها مِنَ المَنافِعِ.
و" عَنْ " في ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ بِمَعْنى عَلى. والمَعْنى: آثَرْتُ حُبَّ الخَيْلِ عَلى ذِكْرِ رَبِّي: يَعْنِي صَلاةَ العَصْرِ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ يَعْنِي الشَّمْسَ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ ولَكِنَّ المَقامَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَجُوزُ الإضْمارُ إذا جَرى ذِكْرُ الشَّيْءِ أوْ دَلِيلُ الذِّكْرِ، وقَدْ جَرى هُنا الدَّلِيلُ وهو قَوْلُهُ بِالعَشِيِّ.
والتَّوارِي: الِاسْتِتارُ عَنِ الأبْصارِ والحِجابُ: ما يَحْجُبُها عَنِ الأبْصارِ.
قالَ قَتادَةُ وكَعْبٌ: الحِجابُ جَبَلٌ أخْضَرُ مُحِيطٌ بِالخَلائِقِ وهو جَبَلُ قافَ، وسُمِّيَ اللَّيْلُ حِجابًا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ ما فِيهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ لِلْخَيْلِ أيْ: حَتّى تَوارَتْ في المُسابَقَةِ عَنِ الأعْيُنِ. والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ سُلَيْمانَ أيْ: أعِيدُوا عَرْضَها عَلَيَّ مَرَّةً أُخْرى. قالَ الحَسَنُ: إنَّ سُلَيْمانَ لَمّا شَغَلَهُ عَرْضُ الخَيْلِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ غَضِبَ لِلَّهِ وقالَ رُدُّوها عَلَيَّ أيْ: أعِيدُوها.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( رُدُّوها ) إلى الشَّمْسِ ويَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ، وإنَّما أُمِرَ بِإرْجاعِها بَعْدَ مَغِيبِها لِأجْلِ أنْ يُصَلِّيَ العَصْرَ، والأوَّلُ أوْلى، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى مَحْذُوفٍ في الكَلامِ والتَّقْدِيرُ هُنا: فَرُدُّوها عَلَيْهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: طَفِقَ يَفْعَلُ مِثْلُ: ما زالَ يَفْعَلُ، وهو مِثْلُ ظَلَّ وباتَ، وانْتِصابُ ( مَسْحًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ: مَسَحَ مَسْحًا؛ لِأنَّ خَبَرَ طَفِقَ لا يَكُونُ إلّا فِعْلًا مُضارِعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى.
والسُّوقُ جَمْعُ ساقٍ، والأعْناقُ جَمْعُ عُنُقٍ، والمُرادُ أنَّهُ طَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وسُوقَها، يُقالُ: مَسَحَ عِلاوَتَهُ أيْ: ضَرَبَ عُنُقَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: المَسْحُ هُنا القَطْعُ، قالَ: والمَعْنى أنَّهُ أقْبَلَ يَضْرِبُ سُوقَها وأعْناقَها؛ لِأنَّها كانَتْ سَبَبَ فَوْتِ صَلاتِهِ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا وقَدْ أباحَهُ اللَّهُ لَهُ، وجائِزٌ أنْ يُباحَ ذَلِكَ لِسُلَيْمانَ ويَحْضُرَ في هَذا الوَقْتِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمَسْحِ ما تَقَدَّمَ. وقالَ آخَرُونَ مِنهُمُ الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ: إنَّ المُرادَ بِهِ المَسْحُ عَلى سُوقِها وأعْناقِها لِكَشْفِ الغُبارِ عَنْها حُبًّا لَها. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى بِسِياقِ الكَلامِ فَإنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ أخَّرَها عَلى ذِكْرِ رَبِّهِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أمَرَهم بِرَدِّها عَلَيْهِ؛ لِيُعاقِبَ نَفْسَهُ بِإفْسادِ ما ألْهاهُ عَنْ ذَلِكَ وما صَدَّهُ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِ وشَغَلَهُ عَنِ القِيامِ بِما فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ولا يُناسِبُ هَذا أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن رَدِّها عَلَيْهِ هو كَشْفُ الغُبارِ عَنْ سُوقِها وأعْناقِها بِالمَسْحِ عَلَيْها بِيَدِهِ أوْ بِثَوْبِهِ، ولا مُتَمَسِّكَ لِمَن قالَ: إنَّ فَسادَ المالِ لا يَصْدُرُ عَنِ النَّبِيِّ فَإنَّ هَذا مُجَرَّدُ اسْتِعْبادٍ بِاعْتِبارِ ما هو المُتَقَرِّرُ في شَرْعِنا مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ في شَرْعِ سُلَيْمانَ أنَّ مِثْلَ هَذا مُباحٌ عَلى أنَّ إفْسادَ المالِ المَنهِيَّ عَنْهُ في شَرْعِنا إنَّما هو مُجَرَّدُ إضاعَتِهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، وأمّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَقَدْ جازَ مِثْلُهُ في شَرْعِنا كَما «وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن إكْفاءِ القُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ القِسْمَةِ»، ولِهَذا نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في الشَّرِيعَةِ، ومِن ذَلِكَ ما وقَعَ مِنَ الصَّحابَةِ مِن إحْراقِ طَعامِ المُحْتَكِرِ.
(p-١٢٦٤)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ: الَّذِينَ آمَنُوا عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، والمُفْسِدِينَ في الأرْضِ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ والوَلِيدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ﴿الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ خَيْلٌ خُلِقَتْ عَلى ما شاءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الصّافِناتُ﴾ قالَ: صُفُونُ الفَرَسِ رَفْعُ إحْدى يَدَيْهِ حَتّى يَكُونَ عَلى أطْرافِ الحافِرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿الجِيادُ﴾ السِّراعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾ قالَ: الماءُ، وفي قَوْلِهِ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ قالَ: الخَيْلُ ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ قالَ: عَقْرًا بِالسَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الصَّلاةُ الَّتِي فَرَّطَ فِيها سُلَيْمانُ صَلاةُ العَصْرِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ قالَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفَ فَرَسٍ ذاتَ أجْنِحَةٍ فَعَقَرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ قالَ: تَوارَتْ مِن وراءِ ياقُوتَةٍ خَضْراءَ، فَخُضْرَةُ السَّماءِ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ سُلَيْمانُ لا يُكَلَّمُ إعْظامًا لَهُ، فَلَقَدْ فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ وما اسْتَطاعَ أحَدٌ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يَقُولُ: مِن ذِكْرِ رَبِّي ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ قالَ: قَطَعَ سُوقَها وأعْناقَها بِالسَّيْفِ.
ص 38:30
لَمّا تَمَّمَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ داوُدَ أرْدَفَها بِبَيانِ تَفْوِيضِ أمْرِ خِلافَةِ الأرْضِ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى " غَفَرْنا " أيْ: وقُلْنا لَهُ ﴿ياداوُدُ إنّا﴾ اسْتَخْلَفْناكَ عَلى الأرْضِ، أوْ ﴿جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾ لِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ لِتَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ الَّذِي هو حُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ عِبادِهِ ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ أيْ: هَوى النَّفْسِ في الحُكْمِ بَيْنَ العِبادِ.
وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ الَّذِي عُوتِبَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِعَدْلٍ وأنَّ فِيهِ شائِبَةً مِنِ اتِّباعِ هَوى النَّفْسِ ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، وفاعِلُ " يُضِلَّكَ " هو الهَوى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَجْزُومًا بِالعَطْفِ عَلى النَّهْيِ، وإنَّما حُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ المَنهِيُّ عَنْهُ الجَمْعَ بَيْنَهُما، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حِدَةٍ.
و" سَبِيلِ اللَّهِ ": هو طَرِيقُ الحَقِّ، أوْ طَرِيقُ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ الهَوى والوُقُوعِ في الضَّلالِ، والباءُ في ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى النِّسْيانِ التَّرْكُ أيْ: بِسَبَبِ تَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ: قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بِتَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ صارُوا بِمَنزِلَةِ النّاسِينَ وإنْ كانُوا يُنْذَرُونَ ويُذَكَّرُونَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَهم عَذابُ يَوْمِ الحِسابِ بِما نَسُوا أيْ: تَرَكُوا القَضاءَ بِالعَدْلِ، والأوَّلُ أوْلى.
وجُمْلَةُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ أيْ: ما خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ خَلْقًا باطِلًا خارِجًا عَنِ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ، بَلْ خَلَقْناها لِلدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِنا، فانْتِصابُ ( باطِلًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَنفِيِّ قَبْلَهُ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مَظْنُونُهم، فَإنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ خُلِقَتْ لا لِغَرَضٍ ويَقُولُونَ إنَّهُ لا قِيامَةَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ باطِلًا ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ والفاءُ لِإفادَةِ تَرَتُّبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى ظَنِّهِمُ الباطِلِ أيْ: فَوَيْلٌ لَهم بِسَبَبِ النّارِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ.
ثُمَّ وبَّخَهم وبَكَّتَهم فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ كَما تُعْطَوْنَ، فَنَزَلَتْ، و" أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِـ: بَلْ والهَمْزَةِ، أيْ: نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وصَدَّقُوا رُسُلَهُ وعَمِلُوا بِفَرائِضِهِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ بِالمَعاصِي.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - إضْرابًا آخَرَ وانْتَقَلَ عَنِ الأوَّلِ إلى ما هو أظْهَرُ اسْتِحالَةً مِنهُ فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أيْ: بَلْ نَجْعَلُ أتْقِياءَ المُؤْمِنِينَ كَأشْقِياءِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ والمُنْهَمِكِينَ في مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: إنَّ الفُجّارَ هُنا خاصٌّ بِالكافِرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الصَّحابَةُ، ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ ارْتِفاعُ ( كِتابٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و( أنْزَلْناهُ إلَيْكَ ) صِفَةٌ لَهُ، و( مُبارَكٌ ) خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِكِتابٍ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الوَصْفِ الصَّرِيحِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحِ، وقَدْ جَوَّزَهُ بَعْضُ النُّحاةِ والتَّقْدِيرُ: القُرْآنُ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ يا مُحَمَّدُ كَثِيرُ الخَيْرِ والبَرَكَةِ.
وقُرِئَ " مُبارَكًا " عَلى الحالِ وقَوْلُهُ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أصْلُهُ لِيَتَدَبَّرُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّارِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أنْزَلْناهُ ) .
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِلتَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في مَعانِيهِ، لا لِمُجَرَّدِ التِّلاوَةِ بِدُونِ تَدَبُّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيَدَّبَّرُوا ) بِالإدْغامِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ " لِتَدَبَّرُوا " بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والأصْلُ لِتَتَدَبَّرُوا بِتاءَيْنِ فَحَذَفَ إحْداهُما تَخْفِيفًا. ﴿ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: لِيَتَّعِظَ أهْلُ العُقُولِ، (p-١٢٦٣)والألْبابُ جَمْعُ لُبٍّ: وهو العَقْلُ.
﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ مِن جُمْلَةِ نِعَمِهِ عَلى داوُدَ أنَّهُ وهَبَ لَهُ سُلَيْمانَ ولَدًا، ثُمَّ مَدَحَ سُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ العَبْدُ سُلَيْمانُ، وقِيلَ: إنَّ المَدْحَ هُنا بِقَوْلِهِ: نِعْمَ العَبْدُ هو لِداوُدَ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ المَدْحِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ أيِ: اذْكُرْ ما صَدَرَ عَنْهُ وقْتَ عَرْضِ الصّافِناتِ الجِيادِ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ: نِعْمَ، وهو مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَصَرِّفٍ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِهِ بِذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أوّابٌ )، ولا وجْهَ لِتَقْيِيدِ كَوْنِهِ أوّابًا بِذَلِكَ الوَقْتِ، والعَشِيُّ مِنَ الظُّهْرِ أوِ العَصْرِ إلى آخِرِ النَّهارِ.
والصّافِناتُ جَمْعُ صافِنٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعْناهُ، فَقالَ القُتَيْبِيُّ والفَرّاءُ: الصّافِنُ في كَلامِ العَرَبِ الوَقْفُ مِنَ الخَيْلِ أوْ غَيْرِها، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومِنهُ الحَدِيثُ «مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النّاسُ صُفُونًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» أيْ: يُدِيمُونَ القِيامَ لَهُ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎لَنا قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ بِفِنائِها عِتاقُ المَهارِي والجِيادُ الصَّوافِنُ
ولا حُجَّةَ لَهم في هَذا فَإنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِمَحَلِّ النِّزاعِ، وهو مُصادَرَةٌ لِأنَّ النِّزاعَ في الصّافِنِ ماذا هو ؟ وقالَ الزَّجّاجُ هو الَّذِي يَقِفُ عَلى إحْدى اليَدَيْنِ ويَرْفَعُ الأُخْرى ويَجْعَلُ عَلى الأرْضِ طَرَفَ الحافِرِ مِنها حَتّى كَأنَّهُ يَقُومُ عَلى ثَلاثٍ وهي الرِّجْلانِ وإحْدى اليَدَيْنِ، وقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِإحْدى رِجْلَيْهِ وهي عَلامَةُ الفَراهَةِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ألِفَ الصُّفُونَ فَما يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيَرُ
ومِن هَذا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
؎تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةً أعِنَّتَها صُفُونًا
فَإنَّ قَوْلَهُ: " صُفُونًا " لا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنًى غَيْرِ مُجَرَّدِ القِيامِ، لِأنَّ مُجَرَّدَ القِيامِ قَدِ اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ: عاكِفَةً عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: الصّافِنُ هو الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيهُما، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى سُنْبُكِهِ فاسْمُهُ المُتَخَيِّمُ، والجِيادُ جَمْعُ جَوادٍ، يُقالُ: لِلْفَرَسِ إذا كانَ شَدِيدَ العَدْوِ.
وقِيلَ: إنَّها طِوالُ الأعْناقِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجِيدِ وهو العُنُقُ، قِيلَ: كانَتْ مِائَةَ فَرَسٍ، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفًا، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا، وقِيلَ: إنَّها خَرَجَتْ لَهُ مِنَ البَحْرِ وكانَتْ لَها أجْنِحَةٌ.
﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ انْتِصابُ ( حُبَّ الخَيْرِ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ: ( أحْبَبْتُ ) بَعْدَ تَضْمِينِهِ مَعْنى آثَرْتُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ آثَرْتُ حُبَّ الخَيْرِ، وكُلُّ مَن أحَبَّ شَيْئًا فَقَدْ آثَرَهُ.
وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ والنّاصِبُ لَهُ ( أحْبَبْتُ )، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ أيْ: حُبًّا مِثْلَ حُبِّ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى.
والمُرادُ بِالخَيْرِ هُنا الخَيْلُ. قالَ الزَّجّاجُ: الخَيْرُ هُنا الخَيْلُ. وقالَ الفَرّاءُ: الخَيْرُ والخَيْلُ في كَلامِ العَرَبِ واحِدٌ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي الحَدِيثِ «الخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَواصِيها الخَيْرُ» فَكَأنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِهَذا. وقِيلَ: إنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِما فِيها مِنَ المَنافِعِ.
و" عَنْ " في ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ بِمَعْنى عَلى. والمَعْنى: آثَرْتُ حُبَّ الخَيْلِ عَلى ذِكْرِ رَبِّي: يَعْنِي صَلاةَ العَصْرِ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ يَعْنِي الشَّمْسَ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ ولَكِنَّ المَقامَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَجُوزُ الإضْمارُ إذا جَرى ذِكْرُ الشَّيْءِ أوْ دَلِيلُ الذِّكْرِ، وقَدْ جَرى هُنا الدَّلِيلُ وهو قَوْلُهُ بِالعَشِيِّ.
والتَّوارِي: الِاسْتِتارُ عَنِ الأبْصارِ والحِجابُ: ما يَحْجُبُها عَنِ الأبْصارِ.
قالَ قَتادَةُ وكَعْبٌ: الحِجابُ جَبَلٌ أخْضَرُ مُحِيطٌ بِالخَلائِقِ وهو جَبَلُ قافَ، وسُمِّيَ اللَّيْلُ حِجابًا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ ما فِيهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ لِلْخَيْلِ أيْ: حَتّى تَوارَتْ في المُسابَقَةِ عَنِ الأعْيُنِ. والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ سُلَيْمانَ أيْ: أعِيدُوا عَرْضَها عَلَيَّ مَرَّةً أُخْرى. قالَ الحَسَنُ: إنَّ سُلَيْمانَ لَمّا شَغَلَهُ عَرْضُ الخَيْلِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ غَضِبَ لِلَّهِ وقالَ رُدُّوها عَلَيَّ أيْ: أعِيدُوها.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( رُدُّوها ) إلى الشَّمْسِ ويَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ، وإنَّما أُمِرَ بِإرْجاعِها بَعْدَ مَغِيبِها لِأجْلِ أنْ يُصَلِّيَ العَصْرَ، والأوَّلُ أوْلى، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى مَحْذُوفٍ في الكَلامِ والتَّقْدِيرُ هُنا: فَرُدُّوها عَلَيْهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: طَفِقَ يَفْعَلُ مِثْلُ: ما زالَ يَفْعَلُ، وهو مِثْلُ ظَلَّ وباتَ، وانْتِصابُ ( مَسْحًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ: مَسَحَ مَسْحًا؛ لِأنَّ خَبَرَ طَفِقَ لا يَكُونُ إلّا فِعْلًا مُضارِعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى.
والسُّوقُ جَمْعُ ساقٍ، والأعْناقُ جَمْعُ عُنُقٍ، والمُرادُ أنَّهُ طَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وسُوقَها، يُقالُ: مَسَحَ عِلاوَتَهُ أيْ: ضَرَبَ عُنُقَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: المَسْحُ هُنا القَطْعُ، قالَ: والمَعْنى أنَّهُ أقْبَلَ يَضْرِبُ سُوقَها وأعْناقَها؛ لِأنَّها كانَتْ سَبَبَ فَوْتِ صَلاتِهِ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا وقَدْ أباحَهُ اللَّهُ لَهُ، وجائِزٌ أنْ يُباحَ ذَلِكَ لِسُلَيْمانَ ويَحْضُرَ في هَذا الوَقْتِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمَسْحِ ما تَقَدَّمَ. وقالَ آخَرُونَ مِنهُمُ الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ: إنَّ المُرادَ بِهِ المَسْحُ عَلى سُوقِها وأعْناقِها لِكَشْفِ الغُبارِ عَنْها حُبًّا لَها. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى بِسِياقِ الكَلامِ فَإنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ أخَّرَها عَلى ذِكْرِ رَبِّهِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أمَرَهم بِرَدِّها عَلَيْهِ؛ لِيُعاقِبَ نَفْسَهُ بِإفْسادِ ما ألْهاهُ عَنْ ذَلِكَ وما صَدَّهُ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِ وشَغَلَهُ عَنِ القِيامِ بِما فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ولا يُناسِبُ هَذا أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن رَدِّها عَلَيْهِ هو كَشْفُ الغُبارِ عَنْ سُوقِها وأعْناقِها بِالمَسْحِ عَلَيْها بِيَدِهِ أوْ بِثَوْبِهِ، ولا مُتَمَسِّكَ لِمَن قالَ: إنَّ فَسادَ المالِ لا يَصْدُرُ عَنِ النَّبِيِّ فَإنَّ هَذا مُجَرَّدُ اسْتِعْبادٍ بِاعْتِبارِ ما هو المُتَقَرِّرُ في شَرْعِنا مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ في شَرْعِ سُلَيْمانَ أنَّ مِثْلَ هَذا مُباحٌ عَلى أنَّ إفْسادَ المالِ المَنهِيَّ عَنْهُ في شَرْعِنا إنَّما هو مُجَرَّدُ إضاعَتِهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، وأمّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَقَدْ جازَ مِثْلُهُ في شَرْعِنا كَما «وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن إكْفاءِ القُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ القِسْمَةِ»، ولِهَذا نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في الشَّرِيعَةِ، ومِن ذَلِكَ ما وقَعَ مِنَ الصَّحابَةِ مِن إحْراقِ طَعامِ المُحْتَكِرِ.
(p-١٢٦٤)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ: الَّذِينَ آمَنُوا عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، والمُفْسِدِينَ في الأرْضِ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ والوَلِيدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ﴿الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ خَيْلٌ خُلِقَتْ عَلى ما شاءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الصّافِناتُ﴾ قالَ: صُفُونُ الفَرَسِ رَفْعُ إحْدى يَدَيْهِ حَتّى يَكُونَ عَلى أطْرافِ الحافِرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿الجِيادُ﴾ السِّراعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾ قالَ: الماءُ، وفي قَوْلِهِ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ قالَ: الخَيْلُ ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ قالَ: عَقْرًا بِالسَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الصَّلاةُ الَّتِي فَرَّطَ فِيها سُلَيْمانُ صَلاةُ العَصْرِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ قالَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفَ فَرَسٍ ذاتَ أجْنِحَةٍ فَعَقَرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ قالَ: تَوارَتْ مِن وراءِ ياقُوتَةٍ خَضْراءَ، فَخُضْرَةُ السَّماءِ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ سُلَيْمانُ لا يُكَلَّمُ إعْظامًا لَهُ، فَلَقَدْ فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ وما اسْتَطاعَ أحَدٌ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يَقُولُ: مِن ذِكْرِ رَبِّي ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ قالَ: قَطَعَ سُوقَها وأعْناقَها بِالسَّيْفِ.
ص 38:31
لَمّا تَمَّمَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ داوُدَ أرْدَفَها بِبَيانِ تَفْوِيضِ أمْرِ خِلافَةِ الأرْضِ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى " غَفَرْنا " أيْ: وقُلْنا لَهُ ﴿ياداوُدُ إنّا﴾ اسْتَخْلَفْناكَ عَلى الأرْضِ، أوْ ﴿جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾ لِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ لِتَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ الَّذِي هو حُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ عِبادِهِ ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ أيْ: هَوى النَّفْسِ في الحُكْمِ بَيْنَ العِبادِ.
وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ الَّذِي عُوتِبَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِعَدْلٍ وأنَّ فِيهِ شائِبَةً مِنِ اتِّباعِ هَوى النَّفْسِ ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، وفاعِلُ " يُضِلَّكَ " هو الهَوى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَجْزُومًا بِالعَطْفِ عَلى النَّهْيِ، وإنَّما حُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ المَنهِيُّ عَنْهُ الجَمْعَ بَيْنَهُما، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حِدَةٍ.
و" سَبِيلِ اللَّهِ ": هو طَرِيقُ الحَقِّ، أوْ طَرِيقُ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ الهَوى والوُقُوعِ في الضَّلالِ، والباءُ في ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى النِّسْيانِ التَّرْكُ أيْ: بِسَبَبِ تَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ: قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بِتَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ صارُوا بِمَنزِلَةِ النّاسِينَ وإنْ كانُوا يُنْذَرُونَ ويُذَكَّرُونَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَهم عَذابُ يَوْمِ الحِسابِ بِما نَسُوا أيْ: تَرَكُوا القَضاءَ بِالعَدْلِ، والأوَّلُ أوْلى.
وجُمْلَةُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ أيْ: ما خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ خَلْقًا باطِلًا خارِجًا عَنِ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ، بَلْ خَلَقْناها لِلدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِنا، فانْتِصابُ ( باطِلًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَنفِيِّ قَبْلَهُ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مَظْنُونُهم، فَإنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ خُلِقَتْ لا لِغَرَضٍ ويَقُولُونَ إنَّهُ لا قِيامَةَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ باطِلًا ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ والفاءُ لِإفادَةِ تَرَتُّبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى ظَنِّهِمُ الباطِلِ أيْ: فَوَيْلٌ لَهم بِسَبَبِ النّارِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ.
ثُمَّ وبَّخَهم وبَكَّتَهم فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ كَما تُعْطَوْنَ، فَنَزَلَتْ، و" أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِـ: بَلْ والهَمْزَةِ، أيْ: نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وصَدَّقُوا رُسُلَهُ وعَمِلُوا بِفَرائِضِهِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ بِالمَعاصِي.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - إضْرابًا آخَرَ وانْتَقَلَ عَنِ الأوَّلِ إلى ما هو أظْهَرُ اسْتِحالَةً مِنهُ فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أيْ: بَلْ نَجْعَلُ أتْقِياءَ المُؤْمِنِينَ كَأشْقِياءِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ والمُنْهَمِكِينَ في مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: إنَّ الفُجّارَ هُنا خاصٌّ بِالكافِرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الصَّحابَةُ، ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ ارْتِفاعُ ( كِتابٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و( أنْزَلْناهُ إلَيْكَ ) صِفَةٌ لَهُ، و( مُبارَكٌ ) خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِكِتابٍ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الوَصْفِ الصَّرِيحِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحِ، وقَدْ جَوَّزَهُ بَعْضُ النُّحاةِ والتَّقْدِيرُ: القُرْآنُ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ يا مُحَمَّدُ كَثِيرُ الخَيْرِ والبَرَكَةِ.
وقُرِئَ " مُبارَكًا " عَلى الحالِ وقَوْلُهُ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أصْلُهُ لِيَتَدَبَّرُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّارِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أنْزَلْناهُ ) .
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِلتَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في مَعانِيهِ، لا لِمُجَرَّدِ التِّلاوَةِ بِدُونِ تَدَبُّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيَدَّبَّرُوا ) بِالإدْغامِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ " لِتَدَبَّرُوا " بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والأصْلُ لِتَتَدَبَّرُوا بِتاءَيْنِ فَحَذَفَ إحْداهُما تَخْفِيفًا. ﴿ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: لِيَتَّعِظَ أهْلُ العُقُولِ، (p-١٢٦٣)والألْبابُ جَمْعُ لُبٍّ: وهو العَقْلُ.
﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ مِن جُمْلَةِ نِعَمِهِ عَلى داوُدَ أنَّهُ وهَبَ لَهُ سُلَيْمانَ ولَدًا، ثُمَّ مَدَحَ سُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ العَبْدُ سُلَيْمانُ، وقِيلَ: إنَّ المَدْحَ هُنا بِقَوْلِهِ: نِعْمَ العَبْدُ هو لِداوُدَ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ المَدْحِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ أيِ: اذْكُرْ ما صَدَرَ عَنْهُ وقْتَ عَرْضِ الصّافِناتِ الجِيادِ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ: نِعْمَ، وهو مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَصَرِّفٍ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِهِ بِذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أوّابٌ )، ولا وجْهَ لِتَقْيِيدِ كَوْنِهِ أوّابًا بِذَلِكَ الوَقْتِ، والعَشِيُّ مِنَ الظُّهْرِ أوِ العَصْرِ إلى آخِرِ النَّهارِ.
والصّافِناتُ جَمْعُ صافِنٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعْناهُ، فَقالَ القُتَيْبِيُّ والفَرّاءُ: الصّافِنُ في كَلامِ العَرَبِ الوَقْفُ مِنَ الخَيْلِ أوْ غَيْرِها، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومِنهُ الحَدِيثُ «مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النّاسُ صُفُونًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» أيْ: يُدِيمُونَ القِيامَ لَهُ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎لَنا قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ بِفِنائِها عِتاقُ المَهارِي والجِيادُ الصَّوافِنُ
ولا حُجَّةَ لَهم في هَذا فَإنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِمَحَلِّ النِّزاعِ، وهو مُصادَرَةٌ لِأنَّ النِّزاعَ في الصّافِنِ ماذا هو ؟ وقالَ الزَّجّاجُ هو الَّذِي يَقِفُ عَلى إحْدى اليَدَيْنِ ويَرْفَعُ الأُخْرى ويَجْعَلُ عَلى الأرْضِ طَرَفَ الحافِرِ مِنها حَتّى كَأنَّهُ يَقُومُ عَلى ثَلاثٍ وهي الرِّجْلانِ وإحْدى اليَدَيْنِ، وقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِإحْدى رِجْلَيْهِ وهي عَلامَةُ الفَراهَةِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ألِفَ الصُّفُونَ فَما يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيَرُ
ومِن هَذا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
؎تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةً أعِنَّتَها صُفُونًا
فَإنَّ قَوْلَهُ: " صُفُونًا " لا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنًى غَيْرِ مُجَرَّدِ القِيامِ، لِأنَّ مُجَرَّدَ القِيامِ قَدِ اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ: عاكِفَةً عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: الصّافِنُ هو الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيهُما، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى سُنْبُكِهِ فاسْمُهُ المُتَخَيِّمُ، والجِيادُ جَمْعُ جَوادٍ، يُقالُ: لِلْفَرَسِ إذا كانَ شَدِيدَ العَدْوِ.
وقِيلَ: إنَّها طِوالُ الأعْناقِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجِيدِ وهو العُنُقُ، قِيلَ: كانَتْ مِائَةَ فَرَسٍ، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفًا، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا، وقِيلَ: إنَّها خَرَجَتْ لَهُ مِنَ البَحْرِ وكانَتْ لَها أجْنِحَةٌ.
﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ انْتِصابُ ( حُبَّ الخَيْرِ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ: ( أحْبَبْتُ ) بَعْدَ تَضْمِينِهِ مَعْنى آثَرْتُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ آثَرْتُ حُبَّ الخَيْرِ، وكُلُّ مَن أحَبَّ شَيْئًا فَقَدْ آثَرَهُ.
وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ والنّاصِبُ لَهُ ( أحْبَبْتُ )، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ أيْ: حُبًّا مِثْلَ حُبِّ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى.
والمُرادُ بِالخَيْرِ هُنا الخَيْلُ. قالَ الزَّجّاجُ: الخَيْرُ هُنا الخَيْلُ. وقالَ الفَرّاءُ: الخَيْرُ والخَيْلُ في كَلامِ العَرَبِ واحِدٌ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي الحَدِيثِ «الخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَواصِيها الخَيْرُ» فَكَأنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِهَذا. وقِيلَ: إنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِما فِيها مِنَ المَنافِعِ.
و" عَنْ " في ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ بِمَعْنى عَلى. والمَعْنى: آثَرْتُ حُبَّ الخَيْلِ عَلى ذِكْرِ رَبِّي: يَعْنِي صَلاةَ العَصْرِ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ يَعْنِي الشَّمْسَ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ ولَكِنَّ المَقامَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَجُوزُ الإضْمارُ إذا جَرى ذِكْرُ الشَّيْءِ أوْ دَلِيلُ الذِّكْرِ، وقَدْ جَرى هُنا الدَّلِيلُ وهو قَوْلُهُ بِالعَشِيِّ.
والتَّوارِي: الِاسْتِتارُ عَنِ الأبْصارِ والحِجابُ: ما يَحْجُبُها عَنِ الأبْصارِ.
قالَ قَتادَةُ وكَعْبٌ: الحِجابُ جَبَلٌ أخْضَرُ مُحِيطٌ بِالخَلائِقِ وهو جَبَلُ قافَ، وسُمِّيَ اللَّيْلُ حِجابًا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ ما فِيهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ لِلْخَيْلِ أيْ: حَتّى تَوارَتْ في المُسابَقَةِ عَنِ الأعْيُنِ. والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ سُلَيْمانَ أيْ: أعِيدُوا عَرْضَها عَلَيَّ مَرَّةً أُخْرى. قالَ الحَسَنُ: إنَّ سُلَيْمانَ لَمّا شَغَلَهُ عَرْضُ الخَيْلِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ غَضِبَ لِلَّهِ وقالَ رُدُّوها عَلَيَّ أيْ: أعِيدُوها.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( رُدُّوها ) إلى الشَّمْسِ ويَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ، وإنَّما أُمِرَ بِإرْجاعِها بَعْدَ مَغِيبِها لِأجْلِ أنْ يُصَلِّيَ العَصْرَ، والأوَّلُ أوْلى، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى مَحْذُوفٍ في الكَلامِ والتَّقْدِيرُ هُنا: فَرُدُّوها عَلَيْهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: طَفِقَ يَفْعَلُ مِثْلُ: ما زالَ يَفْعَلُ، وهو مِثْلُ ظَلَّ وباتَ، وانْتِصابُ ( مَسْحًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ: مَسَحَ مَسْحًا؛ لِأنَّ خَبَرَ طَفِقَ لا يَكُونُ إلّا فِعْلًا مُضارِعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى.
والسُّوقُ جَمْعُ ساقٍ، والأعْناقُ جَمْعُ عُنُقٍ، والمُرادُ أنَّهُ طَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وسُوقَها، يُقالُ: مَسَحَ عِلاوَتَهُ أيْ: ضَرَبَ عُنُقَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: المَسْحُ هُنا القَطْعُ، قالَ: والمَعْنى أنَّهُ أقْبَلَ يَضْرِبُ سُوقَها وأعْناقَها؛ لِأنَّها كانَتْ سَبَبَ فَوْتِ صَلاتِهِ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا وقَدْ أباحَهُ اللَّهُ لَهُ، وجائِزٌ أنْ يُباحَ ذَلِكَ لِسُلَيْمانَ ويَحْضُرَ في هَذا الوَقْتِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمَسْحِ ما تَقَدَّمَ. وقالَ آخَرُونَ مِنهُمُ الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ: إنَّ المُرادَ بِهِ المَسْحُ عَلى سُوقِها وأعْناقِها لِكَشْفِ الغُبارِ عَنْها حُبًّا لَها. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى بِسِياقِ الكَلامِ فَإنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ أخَّرَها عَلى ذِكْرِ رَبِّهِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أمَرَهم بِرَدِّها عَلَيْهِ؛ لِيُعاقِبَ نَفْسَهُ بِإفْسادِ ما ألْهاهُ عَنْ ذَلِكَ وما صَدَّهُ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِ وشَغَلَهُ عَنِ القِيامِ بِما فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ولا يُناسِبُ هَذا أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن رَدِّها عَلَيْهِ هو كَشْفُ الغُبارِ عَنْ سُوقِها وأعْناقِها بِالمَسْحِ عَلَيْها بِيَدِهِ أوْ بِثَوْبِهِ، ولا مُتَمَسِّكَ لِمَن قالَ: إنَّ فَسادَ المالِ لا يَصْدُرُ عَنِ النَّبِيِّ فَإنَّ هَذا مُجَرَّدُ اسْتِعْبادٍ بِاعْتِبارِ ما هو المُتَقَرِّرُ في شَرْعِنا مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ في شَرْعِ سُلَيْمانَ أنَّ مِثْلَ هَذا مُباحٌ عَلى أنَّ إفْسادَ المالِ المَنهِيَّ عَنْهُ في شَرْعِنا إنَّما هو مُجَرَّدُ إضاعَتِهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، وأمّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَقَدْ جازَ مِثْلُهُ في شَرْعِنا كَما «وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن إكْفاءِ القُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ القِسْمَةِ»، ولِهَذا نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في الشَّرِيعَةِ، ومِن ذَلِكَ ما وقَعَ مِنَ الصَّحابَةِ مِن إحْراقِ طَعامِ المُحْتَكِرِ.
(p-١٢٦٤)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ: الَّذِينَ آمَنُوا عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، والمُفْسِدِينَ في الأرْضِ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ والوَلِيدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ﴿الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ خَيْلٌ خُلِقَتْ عَلى ما شاءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الصّافِناتُ﴾ قالَ: صُفُونُ الفَرَسِ رَفْعُ إحْدى يَدَيْهِ حَتّى يَكُونَ عَلى أطْرافِ الحافِرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿الجِيادُ﴾ السِّراعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾ قالَ: الماءُ، وفي قَوْلِهِ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ قالَ: الخَيْلُ ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ قالَ: عَقْرًا بِالسَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الصَّلاةُ الَّتِي فَرَّطَ فِيها سُلَيْمانُ صَلاةُ العَصْرِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ قالَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفَ فَرَسٍ ذاتَ أجْنِحَةٍ فَعَقَرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ قالَ: تَوارَتْ مِن وراءِ ياقُوتَةٍ خَضْراءَ، فَخُضْرَةُ السَّماءِ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ سُلَيْمانُ لا يُكَلَّمُ إعْظامًا لَهُ، فَلَقَدْ فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ وما اسْتَطاعَ أحَدٌ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يَقُولُ: مِن ذِكْرِ رَبِّي ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ قالَ: قَطَعَ سُوقَها وأعْناقَها بِالسَّيْفِ.
ص 38:32
لَمّا تَمَّمَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ داوُدَ أرْدَفَها بِبَيانِ تَفْوِيضِ أمْرِ خِلافَةِ الأرْضِ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى " غَفَرْنا " أيْ: وقُلْنا لَهُ ﴿ياداوُدُ إنّا﴾ اسْتَخْلَفْناكَ عَلى الأرْضِ، أوْ ﴿جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾ لِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ لِتَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ الَّذِي هو حُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ عِبادِهِ ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ أيْ: هَوى النَّفْسِ في الحُكْمِ بَيْنَ العِبادِ.
وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ الَّذِي عُوتِبَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِعَدْلٍ وأنَّ فِيهِ شائِبَةً مِنِ اتِّباعِ هَوى النَّفْسِ ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، وفاعِلُ " يُضِلَّكَ " هو الهَوى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَجْزُومًا بِالعَطْفِ عَلى النَّهْيِ، وإنَّما حُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ المَنهِيُّ عَنْهُ الجَمْعَ بَيْنَهُما، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حِدَةٍ.
و" سَبِيلِ اللَّهِ ": هو طَرِيقُ الحَقِّ، أوْ طَرِيقُ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ الهَوى والوُقُوعِ في الضَّلالِ، والباءُ في ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى النِّسْيانِ التَّرْكُ أيْ: بِسَبَبِ تَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ: قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بِتَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ صارُوا بِمَنزِلَةِ النّاسِينَ وإنْ كانُوا يُنْذَرُونَ ويُذَكَّرُونَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَهم عَذابُ يَوْمِ الحِسابِ بِما نَسُوا أيْ: تَرَكُوا القَضاءَ بِالعَدْلِ، والأوَّلُ أوْلى.
وجُمْلَةُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ أيْ: ما خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ خَلْقًا باطِلًا خارِجًا عَنِ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ، بَلْ خَلَقْناها لِلدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِنا، فانْتِصابُ ( باطِلًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَنفِيِّ قَبْلَهُ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مَظْنُونُهم، فَإنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ خُلِقَتْ لا لِغَرَضٍ ويَقُولُونَ إنَّهُ لا قِيامَةَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ باطِلًا ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ والفاءُ لِإفادَةِ تَرَتُّبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى ظَنِّهِمُ الباطِلِ أيْ: فَوَيْلٌ لَهم بِسَبَبِ النّارِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ.
ثُمَّ وبَّخَهم وبَكَّتَهم فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ كَما تُعْطَوْنَ، فَنَزَلَتْ، و" أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِـ: بَلْ والهَمْزَةِ، أيْ: نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وصَدَّقُوا رُسُلَهُ وعَمِلُوا بِفَرائِضِهِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ بِالمَعاصِي.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - إضْرابًا آخَرَ وانْتَقَلَ عَنِ الأوَّلِ إلى ما هو أظْهَرُ اسْتِحالَةً مِنهُ فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أيْ: بَلْ نَجْعَلُ أتْقِياءَ المُؤْمِنِينَ كَأشْقِياءِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ والمُنْهَمِكِينَ في مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: إنَّ الفُجّارَ هُنا خاصٌّ بِالكافِرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الصَّحابَةُ، ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ ارْتِفاعُ ( كِتابٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و( أنْزَلْناهُ إلَيْكَ ) صِفَةٌ لَهُ، و( مُبارَكٌ ) خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِكِتابٍ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الوَصْفِ الصَّرِيحِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحِ، وقَدْ جَوَّزَهُ بَعْضُ النُّحاةِ والتَّقْدِيرُ: القُرْآنُ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ يا مُحَمَّدُ كَثِيرُ الخَيْرِ والبَرَكَةِ.
وقُرِئَ " مُبارَكًا " عَلى الحالِ وقَوْلُهُ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أصْلُهُ لِيَتَدَبَّرُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّارِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أنْزَلْناهُ ) .
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِلتَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في مَعانِيهِ، لا لِمُجَرَّدِ التِّلاوَةِ بِدُونِ تَدَبُّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيَدَّبَّرُوا ) بِالإدْغامِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ " لِتَدَبَّرُوا " بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والأصْلُ لِتَتَدَبَّرُوا بِتاءَيْنِ فَحَذَفَ إحْداهُما تَخْفِيفًا. ﴿ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: لِيَتَّعِظَ أهْلُ العُقُولِ، (p-١٢٦٣)والألْبابُ جَمْعُ لُبٍّ: وهو العَقْلُ.
﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ مِن جُمْلَةِ نِعَمِهِ عَلى داوُدَ أنَّهُ وهَبَ لَهُ سُلَيْمانَ ولَدًا، ثُمَّ مَدَحَ سُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ العَبْدُ سُلَيْمانُ، وقِيلَ: إنَّ المَدْحَ هُنا بِقَوْلِهِ: نِعْمَ العَبْدُ هو لِداوُدَ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ المَدْحِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ أيِ: اذْكُرْ ما صَدَرَ عَنْهُ وقْتَ عَرْضِ الصّافِناتِ الجِيادِ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ: نِعْمَ، وهو مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَصَرِّفٍ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِهِ بِذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أوّابٌ )، ولا وجْهَ لِتَقْيِيدِ كَوْنِهِ أوّابًا بِذَلِكَ الوَقْتِ، والعَشِيُّ مِنَ الظُّهْرِ أوِ العَصْرِ إلى آخِرِ النَّهارِ.
والصّافِناتُ جَمْعُ صافِنٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعْناهُ، فَقالَ القُتَيْبِيُّ والفَرّاءُ: الصّافِنُ في كَلامِ العَرَبِ الوَقْفُ مِنَ الخَيْلِ أوْ غَيْرِها، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومِنهُ الحَدِيثُ «مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النّاسُ صُفُونًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» أيْ: يُدِيمُونَ القِيامَ لَهُ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎لَنا قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ بِفِنائِها عِتاقُ المَهارِي والجِيادُ الصَّوافِنُ
ولا حُجَّةَ لَهم في هَذا فَإنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِمَحَلِّ النِّزاعِ، وهو مُصادَرَةٌ لِأنَّ النِّزاعَ في الصّافِنِ ماذا هو ؟ وقالَ الزَّجّاجُ هو الَّذِي يَقِفُ عَلى إحْدى اليَدَيْنِ ويَرْفَعُ الأُخْرى ويَجْعَلُ عَلى الأرْضِ طَرَفَ الحافِرِ مِنها حَتّى كَأنَّهُ يَقُومُ عَلى ثَلاثٍ وهي الرِّجْلانِ وإحْدى اليَدَيْنِ، وقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِإحْدى رِجْلَيْهِ وهي عَلامَةُ الفَراهَةِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ألِفَ الصُّفُونَ فَما يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيَرُ
ومِن هَذا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
؎تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةً أعِنَّتَها صُفُونًا
فَإنَّ قَوْلَهُ: " صُفُونًا " لا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنًى غَيْرِ مُجَرَّدِ القِيامِ، لِأنَّ مُجَرَّدَ القِيامِ قَدِ اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ: عاكِفَةً عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: الصّافِنُ هو الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيهُما، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى سُنْبُكِهِ فاسْمُهُ المُتَخَيِّمُ، والجِيادُ جَمْعُ جَوادٍ، يُقالُ: لِلْفَرَسِ إذا كانَ شَدِيدَ العَدْوِ.
وقِيلَ: إنَّها طِوالُ الأعْناقِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجِيدِ وهو العُنُقُ، قِيلَ: كانَتْ مِائَةَ فَرَسٍ، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفًا، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا، وقِيلَ: إنَّها خَرَجَتْ لَهُ مِنَ البَحْرِ وكانَتْ لَها أجْنِحَةٌ.
﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ انْتِصابُ ( حُبَّ الخَيْرِ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ: ( أحْبَبْتُ ) بَعْدَ تَضْمِينِهِ مَعْنى آثَرْتُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ آثَرْتُ حُبَّ الخَيْرِ، وكُلُّ مَن أحَبَّ شَيْئًا فَقَدْ آثَرَهُ.
وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ والنّاصِبُ لَهُ ( أحْبَبْتُ )، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ أيْ: حُبًّا مِثْلَ حُبِّ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى.
والمُرادُ بِالخَيْرِ هُنا الخَيْلُ. قالَ الزَّجّاجُ: الخَيْرُ هُنا الخَيْلُ. وقالَ الفَرّاءُ: الخَيْرُ والخَيْلُ في كَلامِ العَرَبِ واحِدٌ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي الحَدِيثِ «الخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَواصِيها الخَيْرُ» فَكَأنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِهَذا. وقِيلَ: إنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِما فِيها مِنَ المَنافِعِ.
و" عَنْ " في ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ بِمَعْنى عَلى. والمَعْنى: آثَرْتُ حُبَّ الخَيْلِ عَلى ذِكْرِ رَبِّي: يَعْنِي صَلاةَ العَصْرِ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ يَعْنِي الشَّمْسَ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ ولَكِنَّ المَقامَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَجُوزُ الإضْمارُ إذا جَرى ذِكْرُ الشَّيْءِ أوْ دَلِيلُ الذِّكْرِ، وقَدْ جَرى هُنا الدَّلِيلُ وهو قَوْلُهُ بِالعَشِيِّ.
والتَّوارِي: الِاسْتِتارُ عَنِ الأبْصارِ والحِجابُ: ما يَحْجُبُها عَنِ الأبْصارِ.
قالَ قَتادَةُ وكَعْبٌ: الحِجابُ جَبَلٌ أخْضَرُ مُحِيطٌ بِالخَلائِقِ وهو جَبَلُ قافَ، وسُمِّيَ اللَّيْلُ حِجابًا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ ما فِيهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ لِلْخَيْلِ أيْ: حَتّى تَوارَتْ في المُسابَقَةِ عَنِ الأعْيُنِ. والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ سُلَيْمانَ أيْ: أعِيدُوا عَرْضَها عَلَيَّ مَرَّةً أُخْرى. قالَ الحَسَنُ: إنَّ سُلَيْمانَ لَمّا شَغَلَهُ عَرْضُ الخَيْلِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ غَضِبَ لِلَّهِ وقالَ رُدُّوها عَلَيَّ أيْ: أعِيدُوها.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( رُدُّوها ) إلى الشَّمْسِ ويَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ، وإنَّما أُمِرَ بِإرْجاعِها بَعْدَ مَغِيبِها لِأجْلِ أنْ يُصَلِّيَ العَصْرَ، والأوَّلُ أوْلى، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى مَحْذُوفٍ في الكَلامِ والتَّقْدِيرُ هُنا: فَرُدُّوها عَلَيْهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: طَفِقَ يَفْعَلُ مِثْلُ: ما زالَ يَفْعَلُ، وهو مِثْلُ ظَلَّ وباتَ، وانْتِصابُ ( مَسْحًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ: مَسَحَ مَسْحًا؛ لِأنَّ خَبَرَ طَفِقَ لا يَكُونُ إلّا فِعْلًا مُضارِعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى.
والسُّوقُ جَمْعُ ساقٍ، والأعْناقُ جَمْعُ عُنُقٍ، والمُرادُ أنَّهُ طَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وسُوقَها، يُقالُ: مَسَحَ عِلاوَتَهُ أيْ: ضَرَبَ عُنُقَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: المَسْحُ هُنا القَطْعُ، قالَ: والمَعْنى أنَّهُ أقْبَلَ يَضْرِبُ سُوقَها وأعْناقَها؛ لِأنَّها كانَتْ سَبَبَ فَوْتِ صَلاتِهِ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا وقَدْ أباحَهُ اللَّهُ لَهُ، وجائِزٌ أنْ يُباحَ ذَلِكَ لِسُلَيْمانَ ويَحْضُرَ في هَذا الوَقْتِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمَسْحِ ما تَقَدَّمَ. وقالَ آخَرُونَ مِنهُمُ الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ: إنَّ المُرادَ بِهِ المَسْحُ عَلى سُوقِها وأعْناقِها لِكَشْفِ الغُبارِ عَنْها حُبًّا لَها. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى بِسِياقِ الكَلامِ فَإنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ أخَّرَها عَلى ذِكْرِ رَبِّهِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أمَرَهم بِرَدِّها عَلَيْهِ؛ لِيُعاقِبَ نَفْسَهُ بِإفْسادِ ما ألْهاهُ عَنْ ذَلِكَ وما صَدَّهُ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِ وشَغَلَهُ عَنِ القِيامِ بِما فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ولا يُناسِبُ هَذا أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن رَدِّها عَلَيْهِ هو كَشْفُ الغُبارِ عَنْ سُوقِها وأعْناقِها بِالمَسْحِ عَلَيْها بِيَدِهِ أوْ بِثَوْبِهِ، ولا مُتَمَسِّكَ لِمَن قالَ: إنَّ فَسادَ المالِ لا يَصْدُرُ عَنِ النَّبِيِّ فَإنَّ هَذا مُجَرَّدُ اسْتِعْبادٍ بِاعْتِبارِ ما هو المُتَقَرِّرُ في شَرْعِنا مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ في شَرْعِ سُلَيْمانَ أنَّ مِثْلَ هَذا مُباحٌ عَلى أنَّ إفْسادَ المالِ المَنهِيَّ عَنْهُ في شَرْعِنا إنَّما هو مُجَرَّدُ إضاعَتِهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، وأمّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَقَدْ جازَ مِثْلُهُ في شَرْعِنا كَما «وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن إكْفاءِ القُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ القِسْمَةِ»، ولِهَذا نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في الشَّرِيعَةِ، ومِن ذَلِكَ ما وقَعَ مِنَ الصَّحابَةِ مِن إحْراقِ طَعامِ المُحْتَكِرِ.
(p-١٢٦٤)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ: الَّذِينَ آمَنُوا عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، والمُفْسِدِينَ في الأرْضِ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ والوَلِيدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ﴿الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ خَيْلٌ خُلِقَتْ عَلى ما شاءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الصّافِناتُ﴾ قالَ: صُفُونُ الفَرَسِ رَفْعُ إحْدى يَدَيْهِ حَتّى يَكُونَ عَلى أطْرافِ الحافِرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿الجِيادُ﴾ السِّراعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾ قالَ: الماءُ، وفي قَوْلِهِ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ قالَ: الخَيْلُ ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ قالَ: عَقْرًا بِالسَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الصَّلاةُ الَّتِي فَرَّطَ فِيها سُلَيْمانُ صَلاةُ العَصْرِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ قالَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفَ فَرَسٍ ذاتَ أجْنِحَةٍ فَعَقَرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ قالَ: تَوارَتْ مِن وراءِ ياقُوتَةٍ خَضْراءَ، فَخُضْرَةُ السَّماءِ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ سُلَيْمانُ لا يُكَلَّمُ إعْظامًا لَهُ، فَلَقَدْ فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ وما اسْتَطاعَ أحَدٌ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يَقُولُ: مِن ذِكْرِ رَبِّي ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ قالَ: قَطَعَ سُوقَها وأعْناقَها بِالسَّيْفِ.
ص 38:33
لَمّا تَمَّمَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ داوُدَ أرْدَفَها بِبَيانِ تَفْوِيضِ أمْرِ خِلافَةِ الأرْضِ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى " غَفَرْنا " أيْ: وقُلْنا لَهُ ﴿ياداوُدُ إنّا﴾ اسْتَخْلَفْناكَ عَلى الأرْضِ، أوْ ﴿جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾ لِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ لِتَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ الَّذِي هو حُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ عِبادِهِ ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ أيْ: هَوى النَّفْسِ في الحُكْمِ بَيْنَ العِبادِ.
وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ الَّذِي عُوتِبَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِعَدْلٍ وأنَّ فِيهِ شائِبَةً مِنِ اتِّباعِ هَوى النَّفْسِ ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، وفاعِلُ " يُضِلَّكَ " هو الهَوى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَجْزُومًا بِالعَطْفِ عَلى النَّهْيِ، وإنَّما حُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ المَنهِيُّ عَنْهُ الجَمْعَ بَيْنَهُما، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حِدَةٍ.
و" سَبِيلِ اللَّهِ ": هو طَرِيقُ الحَقِّ، أوْ طَرِيقُ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ الهَوى والوُقُوعِ في الضَّلالِ، والباءُ في ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى النِّسْيانِ التَّرْكُ أيْ: بِسَبَبِ تَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ: قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بِتَرْكِهِمُ العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ صارُوا بِمَنزِلَةِ النّاسِينَ وإنْ كانُوا يُنْذَرُونَ ويُذَكَّرُونَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَهم عَذابُ يَوْمِ الحِسابِ بِما نَسُوا أيْ: تَرَكُوا القَضاءَ بِالعَدْلِ، والأوَّلُ أوْلى.
وجُمْلَةُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ أيْ: ما خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ خَلْقًا باطِلًا خارِجًا عَنِ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ، بَلْ خَلَقْناها لِلدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِنا، فانْتِصابُ ( باطِلًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَنفِيِّ قَبْلَهُ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مَظْنُونُهم، فَإنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ خُلِقَتْ لا لِغَرَضٍ ويَقُولُونَ إنَّهُ لا قِيامَةَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ باطِلًا ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ والفاءُ لِإفادَةِ تَرَتُّبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى ظَنِّهِمُ الباطِلِ أيْ: فَوَيْلٌ لَهم بِسَبَبِ النّارِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ.
ثُمَّ وبَّخَهم وبَكَّتَهم فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ كَما تُعْطَوْنَ، فَنَزَلَتْ، و" أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِـ: بَلْ والهَمْزَةِ، أيْ: نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وصَدَّقُوا رُسُلَهُ وعَمِلُوا بِفَرائِضِهِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ بِالمَعاصِي.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - إضْرابًا آخَرَ وانْتَقَلَ عَنِ الأوَّلِ إلى ما هو أظْهَرُ اسْتِحالَةً مِنهُ فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أيْ: بَلْ نَجْعَلُ أتْقِياءَ المُؤْمِنِينَ كَأشْقِياءِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ والمُنْهَمِكِينَ في مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: إنَّ الفُجّارَ هُنا خاصٌّ بِالكافِرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الصَّحابَةُ، ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ ارْتِفاعُ ( كِتابٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و( أنْزَلْناهُ إلَيْكَ ) صِفَةٌ لَهُ، و( مُبارَكٌ ) خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِكِتابٍ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الوَصْفِ الصَّرِيحِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحِ، وقَدْ جَوَّزَهُ بَعْضُ النُّحاةِ والتَّقْدِيرُ: القُرْآنُ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ يا مُحَمَّدُ كَثِيرُ الخَيْرِ والبَرَكَةِ.
وقُرِئَ " مُبارَكًا " عَلى الحالِ وقَوْلُهُ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أصْلُهُ لِيَتَدَبَّرُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّارِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أنْزَلْناهُ ) .
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِلتَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في مَعانِيهِ، لا لِمُجَرَّدِ التِّلاوَةِ بِدُونِ تَدَبُّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيَدَّبَّرُوا ) بِالإدْغامِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ " لِتَدَبَّرُوا " بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والأصْلُ لِتَتَدَبَّرُوا بِتاءَيْنِ فَحَذَفَ إحْداهُما تَخْفِيفًا. ﴿ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: لِيَتَّعِظَ أهْلُ العُقُولِ، (p-١٢٦٣)والألْبابُ جَمْعُ لُبٍّ: وهو العَقْلُ.
﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ مِن جُمْلَةِ نِعَمِهِ عَلى داوُدَ أنَّهُ وهَبَ لَهُ سُلَيْمانَ ولَدًا، ثُمَّ مَدَحَ سُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ العَبْدُ سُلَيْمانُ، وقِيلَ: إنَّ المَدْحَ هُنا بِقَوْلِهِ: نِعْمَ العَبْدُ هو لِداوُدَ، والأوَّلُ أوْلى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ المَدْحِ، والأوّابُ: الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ أيِ: اذْكُرْ ما صَدَرَ عَنْهُ وقْتَ عَرْضِ الصّافِناتِ الجِيادِ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ: نِعْمَ، وهو مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَصَرِّفٍ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِهِ بِذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أوّابٌ )، ولا وجْهَ لِتَقْيِيدِ كَوْنِهِ أوّابًا بِذَلِكَ الوَقْتِ، والعَشِيُّ مِنَ الظُّهْرِ أوِ العَصْرِ إلى آخِرِ النَّهارِ.
والصّافِناتُ جَمْعُ صافِنٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعْناهُ، فَقالَ القُتَيْبِيُّ والفَرّاءُ: الصّافِنُ في كَلامِ العَرَبِ الوَقْفُ مِنَ الخَيْلِ أوْ غَيْرِها، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومِنهُ الحَدِيثُ «مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النّاسُ صُفُونًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» أيْ: يُدِيمُونَ القِيامَ لَهُ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎لَنا قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ بِفِنائِها عِتاقُ المَهارِي والجِيادُ الصَّوافِنُ
ولا حُجَّةَ لَهم في هَذا فَإنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِمَحَلِّ النِّزاعِ، وهو مُصادَرَةٌ لِأنَّ النِّزاعَ في الصّافِنِ ماذا هو ؟ وقالَ الزَّجّاجُ هو الَّذِي يَقِفُ عَلى إحْدى اليَدَيْنِ ويَرْفَعُ الأُخْرى ويَجْعَلُ عَلى الأرْضِ طَرَفَ الحافِرِ مِنها حَتّى كَأنَّهُ يَقُومُ عَلى ثَلاثٍ وهي الرِّجْلانِ وإحْدى اليَدَيْنِ، وقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِإحْدى رِجْلَيْهِ وهي عَلامَةُ الفَراهَةِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ألِفَ الصُّفُونَ فَما يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيَرُ
ومِن هَذا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
؎تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةً أعِنَّتَها صُفُونًا
فَإنَّ قَوْلَهُ: " صُفُونًا " لا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنًى غَيْرِ مُجَرَّدِ القِيامِ، لِأنَّ مُجَرَّدَ القِيامِ قَدِ اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ: عاكِفَةً عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: الصّافِنُ هو الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيهُما، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى سُنْبُكِهِ فاسْمُهُ المُتَخَيِّمُ، والجِيادُ جَمْعُ جَوادٍ، يُقالُ: لِلْفَرَسِ إذا كانَ شَدِيدَ العَدْوِ.
وقِيلَ: إنَّها طِوالُ الأعْناقِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجِيدِ وهو العُنُقُ، قِيلَ: كانَتْ مِائَةَ فَرَسٍ، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفًا، وقِيلَ: كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا، وقِيلَ: إنَّها خَرَجَتْ لَهُ مِنَ البَحْرِ وكانَتْ لَها أجْنِحَةٌ.
﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ انْتِصابُ ( حُبَّ الخَيْرِ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ: ( أحْبَبْتُ ) بَعْدَ تَضْمِينِهِ مَعْنى آثَرْتُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ آثَرْتُ حُبَّ الخَيْرِ، وكُلُّ مَن أحَبَّ شَيْئًا فَقَدْ آثَرَهُ.
وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ والنّاصِبُ لَهُ ( أحْبَبْتُ )، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ أيْ: حُبًّا مِثْلَ حُبِّ الخَيْرِ، والأوَّلُ أوْلى.
والمُرادُ بِالخَيْرِ هُنا الخَيْلُ. قالَ الزَّجّاجُ: الخَيْرُ هُنا الخَيْلُ. وقالَ الفَرّاءُ: الخَيْرُ والخَيْلُ في كَلامِ العَرَبِ واحِدٌ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي الحَدِيثِ «الخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَواصِيها الخَيْرُ» فَكَأنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِهَذا. وقِيلَ: إنَّها سُمِّيَتْ خَيْرًا لِما فِيها مِنَ المَنافِعِ.
و" عَنْ " في ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ بِمَعْنى عَلى. والمَعْنى: آثَرْتُ حُبَّ الخَيْلِ عَلى ذِكْرِ رَبِّي: يَعْنِي صَلاةَ العَصْرِ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ يَعْنِي الشَّمْسَ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ ولَكِنَّ المَقامَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَجُوزُ الإضْمارُ إذا جَرى ذِكْرُ الشَّيْءِ أوْ دَلِيلُ الذِّكْرِ، وقَدْ جَرى هُنا الدَّلِيلُ وهو قَوْلُهُ بِالعَشِيِّ.
والتَّوارِي: الِاسْتِتارُ عَنِ الأبْصارِ والحِجابُ: ما يَحْجُبُها عَنِ الأبْصارِ.
قالَ قَتادَةُ وكَعْبٌ: الحِجابُ جَبَلٌ أخْضَرُ مُحِيطٌ بِالخَلائِقِ وهو جَبَلُ قافَ، وسُمِّيَ اللَّيْلُ حِجابًا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ ما فِيهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ لِلْخَيْلِ أيْ: حَتّى تَوارَتْ في المُسابَقَةِ عَنِ الأعْيُنِ. والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ سُلَيْمانَ أيْ: أعِيدُوا عَرْضَها عَلَيَّ مَرَّةً أُخْرى. قالَ الحَسَنُ: إنَّ سُلَيْمانَ لَمّا شَغَلَهُ عَرْضُ الخَيْلِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ غَضِبَ لِلَّهِ وقالَ رُدُّوها عَلَيَّ أيْ: أعِيدُوها.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( رُدُّوها ) إلى الشَّمْسِ ويَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ، وإنَّما أُمِرَ بِإرْجاعِها بَعْدَ مَغِيبِها لِأجْلِ أنْ يُصَلِّيَ العَصْرَ، والأوَّلُ أوْلى، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى مَحْذُوفٍ في الكَلامِ والتَّقْدِيرُ هُنا: فَرُدُّوها عَلَيْهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: طَفِقَ يَفْعَلُ مِثْلُ: ما زالَ يَفْعَلُ، وهو مِثْلُ ظَلَّ وباتَ، وانْتِصابُ ( مَسْحًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ: مَسَحَ مَسْحًا؛ لِأنَّ خَبَرَ طَفِقَ لا يَكُونُ إلّا فِعْلًا مُضارِعًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى.
والسُّوقُ جَمْعُ ساقٍ، والأعْناقُ جَمْعُ عُنُقٍ، والمُرادُ أنَّهُ طَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وسُوقَها، يُقالُ: مَسَحَ عِلاوَتَهُ أيْ: ضَرَبَ عُنُقَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: المَسْحُ هُنا القَطْعُ، قالَ: والمَعْنى أنَّهُ أقْبَلَ يَضْرِبُ سُوقَها وأعْناقَها؛ لِأنَّها كانَتْ سَبَبَ فَوْتِ صَلاتِهِ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا وقَدْ أباحَهُ اللَّهُ لَهُ، وجائِزٌ أنْ يُباحَ ذَلِكَ لِسُلَيْمانَ ويَحْضُرَ في هَذا الوَقْتِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمَسْحِ ما تَقَدَّمَ. وقالَ آخَرُونَ مِنهُمُ الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ: إنَّ المُرادَ بِهِ المَسْحُ عَلى سُوقِها وأعْناقِها لِكَشْفِ الغُبارِ عَنْها حُبًّا لَها. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى بِسِياقِ الكَلامِ فَإنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ أخَّرَها عَلى ذِكْرِ رَبِّهِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أمَرَهم بِرَدِّها عَلَيْهِ؛ لِيُعاقِبَ نَفْسَهُ بِإفْسادِ ما ألْهاهُ عَنْ ذَلِكَ وما صَدَّهُ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِ وشَغَلَهُ عَنِ القِيامِ بِما فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ولا يُناسِبُ هَذا أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن رَدِّها عَلَيْهِ هو كَشْفُ الغُبارِ عَنْ سُوقِها وأعْناقِها بِالمَسْحِ عَلَيْها بِيَدِهِ أوْ بِثَوْبِهِ، ولا مُتَمَسِّكَ لِمَن قالَ: إنَّ فَسادَ المالِ لا يَصْدُرُ عَنِ النَّبِيِّ فَإنَّ هَذا مُجَرَّدُ اسْتِعْبادٍ بِاعْتِبارِ ما هو المُتَقَرِّرُ في شَرْعِنا مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ في شَرْعِ سُلَيْمانَ أنَّ مِثْلَ هَذا مُباحٌ عَلى أنَّ إفْسادَ المالِ المَنهِيَّ عَنْهُ في شَرْعِنا إنَّما هو مُجَرَّدُ إضاعَتِهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، وأمّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَقَدْ جازَ مِثْلُهُ في شَرْعِنا كَما «وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن إكْفاءِ القُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ القِسْمَةِ»، ولِهَذا نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في الشَّرِيعَةِ، ومِن ذَلِكَ ما وقَعَ مِنَ الصَّحابَةِ مِن إحْراقِ طَعامِ المُحْتَكِرِ.
(p-١٢٦٤)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ: الَّذِينَ آمَنُوا عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، والمُفْسِدِينَ في الأرْضِ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ والوَلِيدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ﴿الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ خَيْلٌ خُلِقَتْ عَلى ما شاءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الصّافِناتُ﴾ قالَ: صُفُونُ الفَرَسِ رَفْعُ إحْدى يَدَيْهِ حَتّى يَكُونَ عَلى أطْرافِ الحافِرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿الجِيادُ﴾ السِّراعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾ قالَ: الماءُ، وفي قَوْلِهِ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ قالَ: الخَيْلُ ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ قالَ: عَقْرًا بِالسَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الصَّلاةُ الَّتِي فَرَّطَ فِيها سُلَيْمانُ صَلاةُ العَصْرِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ قالَ: كانَتْ عِشْرِينَ ألْفَ فَرَسٍ ذاتَ أجْنِحَةٍ فَعَقَرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ قالَ: تَوارَتْ مِن وراءِ ياقُوتَةٍ خَضْراءَ، فَخُضْرَةُ السَّماءِ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ سُلَيْمانُ لا يُكَلَّمُ إعْظامًا لَهُ، فَلَقَدْ فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ وما اسْتَطاعَ أحَدٌ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يَقُولُ: مِن ذِكْرِ رَبِّي ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ قالَ: قَطَعَ سُوقَها وأعْناقَها بِالسَّيْفِ.
ص 38:34
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهُ واخْتَبَرْناهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: تَزَوَّجَ سُلَيْمانُ امْرَأةً مِن بَناتِ المُلُوكِ، فَعَبَدَتِ الصَّنَمَ في دارِهِ ولَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ سُلَيْمانُ، فامْتُحِنَ بِسَبَبِ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّ سَبَبَ الفِتْنَةِ أنَّهُ تَزَوَّجَ سُلَيْمانُ امْرَأةً يُقالُ: لَها جَرادَةُ وكانَ يُحِبُّها حُبًّا شَدِيدًا، فاخْتَصَمَ إلَيْهِ فَرِيقانِ: أحَدُهُما مِن أهْلِ جَرادَةَ، فَأحَبَّ أنْ يَكُونَ القَضاءُ لَهم، ثُمَّ قَضى بَيْنَهم بِالحَقِّ.
وقِيلَ: إنَّ السَّبَبَ أنَّهُ احْتَجَبَ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا يَقْضِي بَيْنَ أحَدٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ تَزَوَّجَ جَرادَةَ هَذِهِ وهي مُشْرِكَةٌ؛ لِأنَّهُ عَرَضَ عَلَيْها الإسْلامَ فَقالَتِ: اقْتُلْنِي ولا أُسْلِمُ.
وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: إنَّهُ لَمّا ظَلَمَ الخَيْلَ بِالقَتْلِ سُلِبَ مُلْكُهُ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ قارَبَ بَعْضَ نِسائِهِ في شَيْءٍ مِن حَيْضٍ أوْ غَيْرِهِ. وقِيلَ: إنَّهُ أُمِرَ أنْ لا يَتَزَوَّجَ امْرَأةً إلّا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَتَزَوَّجَ امْرَأةً مِن غَيْرِهِمْ.
وقِيلَ: إنَّ سَبَبَ فِتْنَتِهِ ما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ قالَ: «لَأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى تِسْعِينَ امْرَأةً تَأْتِي كُلُّ واحِدَةٍ بِفارِسٍ يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولَمْ يَقِلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ» . وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما عاقَبَهُ بِهِ فَقالَ: ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ انْتِصابُ ( جَسَدًا ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ " ألْقَيْنا "، وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى الحالِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالمُشْتَقِّ أيْ: ضَعِيفًا أوْ فارِغًا، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هَذا الجَسَدُ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ عَلى كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ هو شَيْطانٌ اسْمُهُ صَخْرٌ، وكانَ مُتَمَرِّدًا عَلَيْهِ غَيْرَ داخِلٍ في طاعَتِهِ، ألْقى اللَّهُ شَبَهَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ وما زالَ يَحْتالُ حَتّى ظَفِرَ بِخاتَمِ سُلَيْمانَ، وذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِ سُلَيْمانَ الكَنِيفَ؛ لِأنَّهُ كانَ يُلْقِيهِ إذا دَخَلَ الكَنِيفَ، فَجاءَ صَخْرٌ في صُورَةِ سُلَيْمانَ فَأخَذَ الخاتَمَ مِنِ امْرَأةٍ مِن نِساءِ سُلَيْمانَ، فَقَعَدَ عَلى سَرِيرِ سُلَيْمانَ وأقامَ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَلى مُلْكِهِ وسُلَيْمانُ هارِبٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ شَيْطانًا قالَ لَهُ سُلَيْمانُ: كَيْفَ تَفْتِنُونَ النّاسَ ؟ قالَ: أرِنِي خاتَمَكَ أُخْبِرْكَ، فَلَمّا أعْطاهُ إيّاهُ نَبَذَهُ في البَحْرِ، فَذَهَبَ مُلْكُهُ وقَعَدَ الشَّيْطانُ عَلى كُرْسِيِّهِ ومَنَعَهُ اللَّهُ نِساءَ سُلَيْمانَ فَلَمْ يَقْرَبْهُنَّ، وكانَ سُلَيْمانُ يَسْتَطْعِمُ فَيَقُولُ: أتَعْرِفُونَنِي أطْعِمُونِي ؟ فَيُكَذِّبُوهُ حَتّى أعْطَتْهُ امْرَأةٌ يَوْمًا حُوتًا فَشَقَّ بَطْنَهُ فَوَجَدَ خاتَمَهُ في بَطْنِهِ فَرَجَعَ إلَيْهِ مُلْكَهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنابَ﴾ أيْ: رَجَعَ إلى مُلْكِهِ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا. وقِيلَ: مَعْنى أنابَ: رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِ، وهَذا هو الصَّوابُ.
وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ( أنابَ ) وتَفْسِيرًا لَهُ أيِ: اغْفِرْ لِي ما صَدَرَ عَنِّي مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي ابْتَلَيْتَنِي لِأجْلِهِ.
ثُمَّ لَمّا قَدَّمَ التَّوْبَةَ والِاسْتِغْفارَ جَعَلَها وسِيلَةً إلى إجابَةِ طَلْبَتِهِ فَقالَ: ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي: لا يَكُونُ لِأحَدٍ مِن بَعْدِي، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْلُبَهُ مِنِّي بَعْدَ هَذِهِ السُّلْبَةِ، أوْ لا يَصِحُّ لِأحَدٍ مِن بَعِيدٍ لِعَظَمَتِهِ ولَيْسَ هَذا مِن سُؤالِ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلدُّنْيا ومُلْكِها والشَّرَفِ بَيْنَ أهْلِها، بَلِ المُرادُ بِسُؤالِهِ المُلْكَ أنْ يَتَمَكَّنَ بِهِ مِن إنْفاذِ أحْكامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، والأخْذِ عَلى يَدِ المُتَمَرِّدِينَ مِن عِبادِهِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُقْتَضَياتِ لِهَذا السُّؤالِ مِنهُ إلّا ما رَآهُ عِنْدَ قُعُودِ الشَّيْطانِ عَلى كُرْسِيِّهِ مِنَ الأحْكامِ الشَّيْطانِيَّةِ الجارِيَةِ في عِبادِ اللَّهِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِمّا طَلَبَهُ مِن مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهُ وهِبَةُ المَلِكِ الَّذِي لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ: أيْ: فَإنَّكَ كَثِيرُ الهِباتِ عَظِيمُ المَوْهُوباتِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - إجابَتَهُ لِدَعْوَتِهِ وإعْطاءَهُ لِمَسْألَتِهِ فَقالَ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ أيْ: ذَلَّلْناها لَهُ وجَعَلْناها مُنْقادَةً لِأمْرِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ التَّسْخِيرِ لَها بِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾ أيْ: لَيِّنَةَ الهُبُوبِ لَيْسَتْ بِالعاصِفِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّخاوَةِ، والمَعْنى أنَّها رِيحٌ لَيِّنَةٌ لا تُزَعْزِعُ ولا تَعْصِفُ مَعَ قُوَّةِ هُبُوبِها وسُرْعَةِ جَرْيِها، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ [الأنبياء: ٨١] لِأنَّ المُرادَ أنَّها في قُوَّةِ العاصِفَةِ ولا تَعْصِفُ.
وقِيلَ: إنَّها كانَتْ تارَةً رُخاءً، وتارَةً عاصِفَةً عَلى ما يُرِيدُهُ سُلَيْمانُ ويَشْتَهِيهِ، وهَذا أوْلى في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ (p-١٢٦٥)أيْ: حَيْثُ أرادَ.
قالَ الزَّجّاجُ: إجْماعُ أهْلِ اللُّغَةِ والمُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْنى حَيْثُ أصابَ: حَيْثُ أرادَ، وحَقِيقَتُهُ حَيْثُ قَعَدَ.
وقالَ الأصْمَعِيُّ وابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: أصابَ الصَّوابَ وأخْطَأ الجَوابَ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى أصابَ بِلُغَةِ حِمْيَرَ أرادَ ولَيْسَ مِن لُغَةِ العَرَبِ، وقِيلَ: هو بِلِسانِ هَجَرَ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَأْخُوذٌ مِن إصابَةِ السَّهْمِ لِلْغَرَضِ.
والشَّياطِينَ مَعْطُوفٌ عَلى الرِّيحِ أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ الشَّياطِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الشَّياطِينِ أيْ: كُلُّ بِنّاءٍ مِنهم وغَوّاصٍ مِنهم يَبْنُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنَ المَبانِي، ويَغُوصُونَ في البَحْرِ فَيَسْتَخْرِجُونَ لَهُ الدُّرَّ مِنهُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ الجَلِيلُ لَهُ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ
؎وخَبِّرِ الجِنَّ أنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم ∗∗∗ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصِّفاحِ والعُمُدِ
﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( كُلَّ ) داخِلٌ في حُكْمِ البَدَلِ، وهم مَرَدَةُ الشَّياطِينِ سُخِّرُوا لَهُ حَتّى قَرَّنَهم في الأصْفادِ.
يُقالُ: قَرَّنَهم في الحِبالِ إذا كانُوا جَماعَةً كَثِيرَةً، والأصْفادُ: الأغْلالُ واحِدُها صَفَدٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: هي السَّلاسِلُ، فَكُلُّ ما شَدَدْتَهُ شَدًّا وثِيقًا بِالحَدِيدِ وغَيْرِهِ فَقَدْ صَفَدْتَهُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: صَفَدْتُ الرَّجُلَ فَهو مَصْفُودٌ، وصَفَّدْتَهُ فَهو مُصَفَّدٌ، ومِن هَذا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎فَآبُوا بِالنِّهابِ وبِالسَّبايا ∗∗∗ وأُبْنا بِالمُلُوكِ مُصَفَّدِينا
قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ولَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِكُفّارِهِمْ، فَإذا آمَنُوا أطْلَقَهم ولَمْ يُسَخِّرْهم، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ " هَذا " إلى ما تَقَدَّمَ مِن تَسْخِيرِ الرِّيحِ والشَّياطِينِ لَهُ.
وهُوَ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: وقُلْنا لَهُ: ﴿هَذا عَطاؤُنا﴾ الَّذِي أعْطَيْناكَهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ الَّذِي طَلَبْتَهُ ﴿فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ قالَ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ وغَيْرُهُما أيْ: فَأعْطِ مَن شِئْتَ وامْنَعْ مَن شِئْتَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لا حِسابَ عَلَيْكَ في ذَلِكَ الإعْطاءِ أوِ الإمْساكِ، أوْ عَطاؤُنا لَكَ بِغَيْرِ حِسابٍ لِكَثْرَتِهِ وعَظَمَتِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا عَطاؤُنا﴾ إشارَةٌ إلى ما أُعْطِيَهُ مِن قُوَّةِ الجِماعِ، وهَذا لا وجْهَ لِقَصْرِ الآيَةِ عَلَيْهِ لَوْ قَدَّرْنا أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ المَذْكُوراتِ، فَكَيْفَ يَدَّعِي اخْتِصاصَ الآيَةِ بِهِ مَعَ عَدَمِ ذِكْرِهِ.
﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ أيْ: قُرْبَةً في الآخِرَةِ ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ وحُسْنَ مَرْجِعٍ، وهو الجَنَّةُ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قالَ: هو الشَّيْطانُ الَّذِي كانَ عَلى كُرْسِيِّهِ يَقْضِي بَيْنَ النّاسِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وكانَ لِسُلَيْمانَ امْرَأةٌ يُقالُ: لَها جَرادَةُ، وكانَ بَيْنَ بَعْضِ أهْلِها وبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةٌ، فَقَضى بَيْنَهم بِالحَقِّ إلّا أنَّهُ ودَّ أنَّ الحَقَّ كانَ لِأهْلِها، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ سَيُصِيبُكَ بَلاءٌ، فَكانَ لا يَدْرِي أيَأْتِيهِ مِنَ السَّماءِ أمْ مِنَ الأرْضِ ؟ وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أرادَ سُلَيْمانُ أنْ يَدْخُلَ الخَلاءَ فَأعْطى لِجَرادَةَ خاتَمَهُ، وكانَتْ جَرادَةُ امْرَأتَهُ وكانَتْ أحَبَّ نِسائِهِ إلَيْهِ، فَجاءَ الشَّيْطانُ في صُورَةِ سُلَيْمانَ فَقالَ لَها: هاتِي خاتَمِي فَأعْطَتْهُ، فَلَمّا لَبِسَهُ دانَتْ لَهُ الإنْسُ والجِنُّ والشَّياطِينُ، فَلَمّا خَرَجَ سُلَيْمانُ مِنَ الخَلاءِ قالَ: هاتِي خاتَمِي، قالَتْ: قَدْ أعْطَيْتُهُ سُلَيْمانَ. قالَ: أنا سُلَيْمانُ، قالَتْ: كَذَبْتَ لَسْتَ سُلَيْمانَ، فَجَعَلَ لا يَأْتِي أحَدًا يَقُولُ أنا سُلَيْمانُ إلّا كَذَّبَهُ، حَتّى جَعَلَ الصِّبْيانُ يَرْمُونَهُ بِالحِجارَةِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ عَرَفَ أنَّهُ مِن أمْرِ اللَّهِ، وقامَ الشَّيْطانُ يَحْكُمُ بَيْنَ النّاسِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَرُدَّ عَلى سُلَيْمانَ سُلْطانَهُ ألْقى في قُلُوبِ النّاسِ إنْكارَ ذَلِكَ الشَّيْطانِ، فَأرْسَلُوا إلى نِساءِ سُلَيْمانَ فَقالُوا لَهُنَّ: تُنْكِرْنَ مِن أمْرِ سُلَيْمانَ شَيْئًا ؟ قُلْنَ: نَعَمْ إنَّهُ يَأْتِينا ونَحْنُ نَحِيضُ، وما كانَ يَأْتِينا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأى الشَّيْطانُ أنَّهُ قَدْ فُطِنَ لَهُ ظَنَّ أنَّ أمْرَهُ قَدِ انْقَطَعَ، فَكَتَبُوا كُتُبًا فِيها سِحْرٌ وكُفْرٌ فَدَفَنُوها تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ، ثُمَّ أثارُوها وقَرَءُوها عَلى النّاسِ وقالُوا بِهَذا كانَ يَظْهَرُ سُلَيْمانُ عَلى النّاسِ ويَغْلِبُهم فَأكْفَرَ النّاسُ سُلَيْمانَ فَلَمْ يَزالُوا يُكَفِّرُونَهُ، وبَعَثَ ذَلِكَ الشَّيْطانُ بِالخاتَمِ فَطَرَحَهُ في البَحْرِ فَتَلَقَّتْهُ سَمَكَةٌ فَأخَذَتْهُ، وكانَ سُلَيْمانُ يَعْمَلُ عَلى شَطِّ البَحْرِ بِالأجْرِ، فَجاءَ رَجُلٌ فاشْتَرى سَمَكًا فِيهِ تِلْكَ السَّمَكَةُ الَّتِي في بَطْنِها الخاتَمُ، فَدَعا سُلَيْمانَ فَقالَ: تَحْمِلُ لِي هَذا السَّمَكَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: بِكَمْ ؟ قالَ: بِسَمَكَةٍ مِن هَذا السَّمَكِ، فَحَمَلَ سُلَيْمانُ السَّمَكَ ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إلى مَنزِلِهِ، فَلَمّا انْتَهى الرَّجُلُ إلى بابِ دارِهِ أعْطاهُ تِلْكَ السَّمَكَةَ الَّتِي في بَطْنِها الخاتَمُ، فَأخَذَها سُلَيْمانُ فَشَقَّ بَطْنَها فَإذا الخاتَمُ في جَوْفِها فَأخَذَهُ فَلَبِسَهُ، فَلَمّا لَبِسَهُ دانَتْ لَهُ الجِنُّ والإنْسُ والشَّياطِينُ وعادَ إلى حالِهِ وهَرَبَ الشَّيْطانُ حَتّى لَحِقَ بِجَزِيرَةٍ مِن جَزائِرِ البَحْرِ، فَأرْسَلَ سُلَيْمانُ في طَلَبِهِ، وكانَ شَيْطانًا مَرِيدًا، فَجَعَلُوا يَطْلُبُونَهُ ولا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ حَتّى وجَدُوهُ يَوْمًا نائِمًا فَجاءُوا فَبَنَوْا عَلَيْهِ بُنْيانًا مِن رَصاصٍ فاسْتَيْقَظَ فَوَثَبَ، فَجَعَلَ لا يَثِبُ في مَكانٍ مِنَ البَيْتِ إلّا أنْ دارَ مَعَهُ الرَّصاصُ فَأخَذُوهُ فَأوْثَقُوهُ وجاءُوا بِهِ إلى سُلَيْمانَ فَأمَرَ بِهِ فَنُقِرَ لَهُ تَخْتٌ مِن رُخامٍ ثُمَّ أدْخَلَهُ في جَوْفِهِ ثُمَّ شُدَّ بِالنُّحاسِ ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَطُرِحَ في البَحْرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يَعْنِي الشَّيْطانَ الَّذِي كانَ سُلِّطَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قالَ: صَخْرٌ الجِنِّيُّ تَمَثَّلَ عَلى كُرْسِيِّهِ عَلى صُورَتِهِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «إنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ جَعَلَ يَتَفَلَّتُ عَلَيَّ البارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتِي وإنَّ اللَّهَ أمْكَنَنِي مِنهُ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أرْبُطَهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إلَيْهِ كُلُّكم، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمانَ ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ فَرَدَّهُ اللَّهُ خاسِئًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فامْنُنْ﴾ يَقُولُ: اعْتِقْ مِنَ الجِنِّ مَن شِئْتَ وأمْسِكْ مِنهم مَن شِئْتَ.