Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — ص 38:86 – الزمر 39:28

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. ص 38:86
  2. ص 38:87
  3. ص 38:88
  4. الزمر 39:1
  5. الزمر 39:2
  6. الزمر 39:3
  7. الزمر 39:4
  8. الزمر 39:5
  9. الزمر 39:6
  10. الزمر 39:7
  11. الزمر 39:8
  12. الزمر 39:9
  13. الزمر 39:10
  14. الزمر 39:11
  15. الزمر 39:12
  16. الزمر 39:13
  17. الزمر 39:14
  18. الزمر 39:15
  19. الزمر 39:16
  20. الزمر 39:17
  21. الزمر 39:18
  22. الزمر 39:19
  23. الزمر 39:20
  24. الزمر 39:21
  25. الزمر 39:22
  26. الزمر 39:23
  27. الزمر 39:24
  28. الزمر 39:25
  29. الزمر 39:26
  30. الزمر 39:27
  31. الزمر 39:28

ص 38:86

. المُرادُ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ هو آدَمُ لِأنَّهُ أصْلُ هَذا النَّوْعِ، والصَّلْصالُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الطِّينُ المَخْلُوطُ بِالرَّمْلِ الَّذِي يَتَصَلْصَلُ إذا حُرِّكَ، فَإذا طُبِخَ في النّارِ فَهو الفَخّارُ. وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الكِسائِيُّ: هو الطِّينُ المُنْتِنُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ صَلَّ (p-٧٦١)اللَّحْمُ وأصَلَّ، إذا أنْتَنَ، مَطْبُوخًا كانَ أوْ نِيئًا. قالَ الحُطَيْئَةُ: ؎ذاكَ فَتًى يَبْدُلُ ذا قِدْرِةٍ لا يُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولُ والحَمَأُ: الطِّينُ الأسْوَدُ المُتَغَيِّرُ. أوِ الطِّينُ الأسْوَدُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالمُتَغَيِّرِ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: تَقُولُ مِنهُ حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمِئَتِ البِئْرُ حَمَأً بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمَأتُها، وأحْمَيْتُها إحْماءً: ألْقَيْتُ فِيها الحَمَأةَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَمْأةُ بِسُكُونِ المِيمِ مِثْلُ الحَمَأةِ يَعْنِي بِالتَّحْرِيكِ، والجَمْعُ حَمْءٌ مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، والحَمَأُ المَصْدَرُ مِثْلُ الهَلَعِ والجَزَعِ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ. والمَسْنُونُ قالَ الفَرّاءُ: هو المُتَغَيِّرُ، وأصْلُهُ مِن سَنَنْتُ الحَجَرَ عَلى الحَجَرِ: إذا حَكَكْتُهُ، وما يَخْرُجُ بَيْنَ الحَجَرَيْنِ يُقالُ لَهُ السُّنانَةُ والسِّنِينُ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسّانَ: ؎ثُمَّ حاصَرَتْها إلى القُبَّةِ الحَمْرا ∗∗∗ تَمْشِي في مَرْمَرٍ وسُنُونِ أيْ مَحْكُوكٍ، ويُقالُ: أسِنَ الماءُ إذا تَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] وقَوْلُهُ: ﴿ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] وكِلا الِاشْتِقاقَيْنِ يَدُلُّ عَلى التَّغَيُّرِ، لِأنَّ ما يَخْرُجُ بَيْنَ الحَجَرَيْنِ لا يَكُونُ إلّا مُنْتِنًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَسْنُونُ المُصَوَّبُ، وهو مِن قَوْلِ العَرَبِ سَنَنْتُ الماءَ عَلى الوَجْهِ: إذا صَبَبْتَهُ، والسَّنُّ الصَّبُّ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: المَسْنُونُ المُصَوَّرُ، مَأْخُوذٌ مِن سُنَّةِ الوَجْهِ، وهي صُورَتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎تُرِيكَ سُنَّةَ وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ ∗∗∗ مَلْساءَ لَيْسَ بِها خالٌ ولا نَدَبُ وقالَ الأخْفَشُ: المَسْنُونُ المَنصُوبُ القائِمُ، مِن قَوْلِهِمْ وجْهٌ مَسْنُونٌ: إذا كانَ فِيهِ طُولٌ. والحاصِلُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ التُّرابَ لَمّا بُلَّ صارَ طِينًا، فَلَمّا أنْتَنَ صارَ حَمَأً مَسْنُونًا، فَلَمّا يَبِسَ صارَ صَلْصالًا. فَأصْلُ الصَّلْصالِ: هو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ولِهَذا وُصِفَ بِهِما. ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ الجانَّ أبُو الجِنِّ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ عَطاءٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هو إبْلِيسُ. وسُمِّيَ جانًّا لِتَوارِيهِ عَنِ الأعْيُنِ. يُقالُ: جَنَّ الشَّيْءَ إذا سَتَرَهُ. فالجانُّ يَسْتُرُ نَفْسَهُ عَنْ أعْيُنِ بَنِي آدَمَ، ومَعْنى مِن قَبْلُ: مِن قَبْلِ خَلْقِ آدَمَ، والسَّمُومُ: الرِّيحُ الحادَّةُ النّافِذَةُ في المَسامِّ، تَكُونُ بِالنَّهارِ وقَدْ تَكُونُ بِاللَّيْلِ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وذُكِرَ خَلْقُ الإنْسانِ والجانِّ في هَذا المَوْضِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وبَيانِ أنَّ القادِرَ عَلى النَّشْأةِ الأوْلى قادِرٌ عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى. ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، بَيَّنَ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِخَلْقِ الإنْسانِ ما وقَعَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهُ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في البَقَرَةِ، والبَشَرُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَشَرَةِ، وهي ظاهِرُ الجِلْدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الصَّلْصالِ والحَمَأِ المَسْنُونِ قَرِيبًا مُسْتَوْفًى. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ أيْ سَوَّيْتُ خَلْقَهُ وعَدَلْتُ صُورَتَهُ الإنْسانِيَّةَ وكَمَّلْتُ أجْزاءَهُ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ النَّفْخُ: إجْراءُ الرِّيحِ في تَجاوِيفِ جِسْمٍ آخَرَ، فَمَن قالَ إنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ كالهَواءِ فَمَعْناهُ ظاهِرٌ، ومَن قالَ: إنَّهُ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في مُتَحَيِّزٍ. فَمَعْنى النَّفْخِ عِنْدَهُ تَهْيِئَةُ البَدَنِ لِتَعَلُّقِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ بِهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: ولا خِلافَ في أنَّ الإضافَةَ في ( رُوحِي ) لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، مِثْلُ: ناقَةِ اللَّهِ، وبَيْتِ اللَّهِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والرُّوحُ: جِسْمٌ لَطِيفٌ أجْرى اللَّهُ العادَةَ بِأنْ يَخْلُقَ الحَياةَ في البَدَنِ مَعَ ذَلِكَ الجِسْمِ. وحَقِيقَتُهُ إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، فالرُّوحُ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، قالَ: ومِثْلُهُ ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] . وقَدْ تَقَدَّمَ في النِّساءِ، ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ الفاءُ تَدُلُّ عَلى أنَّ سُجُودَهم واجِبٌ عَلَيْهِمْ عَقِبَ التَّسْوِيَةِ والنَّفْخِ مِن غَيْرِ تَراخٍ، وهو أمْرٌ بِالوُقُوعِ مِن وقَعَ يَقَعُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ هو السُّجُودُ لا مُجَرَّدُ الِانْحِناءِ كَما قِيلَ، وهَذا السُّجُودُ هو سُجُودُ تَحِيَّةٍ وتَكْرِيمٍ لا سُجُودُ عِبادَةٍ ولِلَّهِ أنْ يُكْرِمَ مَن يَشاءُ مِن مَخْلُوقاتِهِ كَيْفَ يَشاءُ بِما يَشاءُ، وقِيلَ: كانَ السُّجُودُ لِلَّهِ تَعالى وكانَ آدَمُ قِبْلَةً لَهم. ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ المَلائِكَةَ سَجَدُوا جَمِيعًا عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم بِذَلِكَ مِن غَيْرِ تَراخٍ، قالَ المُبَرِّدُ: قَوْلُهُ كُلُّهم أزالَ احْتِمالَ أنَّ بَعْضَ المَلائِكَةِ لَمْ يَسْجُدْ، وقَوْلُهُ ﴿أجْمَعُونَ﴾ تَوْكِيدٌ بَعْدَ تَوْكِيدٍ، ورَجَّحَ هَذا الزَّجّاجُ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: وذَلِكَ لِأنَّ أجْمَعَ مَعْرِفَةٌ فَلا يَقَعُ حالًا ولَوْ صَحَّ أنْ يَكُونَ حالًا لَكانَ مُنْتَصِبًا. ثُمَّ اسْتَثْنى إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَ: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ قِيلَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ لِكَوْنِهِ كانَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ ولَكِنَّهُ أبى ذَلِكَ اسْتِكْبارًا واسْتِعْظامًا لِنَفْسِهِ وحَسَدًالِآدَمَ فَحَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ ولَكِنَّهُ كانَ مَعَهم فَغَلَبَ اسْمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِ وأُمِرَ بِما أُمِرُوا بِهِ، فَكانَ الِاسْتِثْناءُ بِهَذا الِاعْتِبارِ مُتَّصِلًا، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْفَصِلٌ بِناءً عَلى عَدَمِ كَوْنِهِ مِنهم، وعَدَمِ تَغْلِيبِهِمْ عَلَيْهِ، أيْ: ولَكِنَّ إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ ما فِيهِمْ مِنَ الِاسْتِثْناءِ مِن عَدَمِ السُّجُودِ، لِأنَّ عَدَمَ السُّجُودِ قَدْ يَكُونُ مَعَ التَّرَدُّدِ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ كانَ عَلى وجْهِ الإباءِ. وجِلْمَةُ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِإبْلِيسَ بَعْدَ أنْ أبى السُّجُودَ ؟ وهَذا الخِطابُ لَهُ لَيْسَ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، بَلْ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: أيُّ غَرَضٍ لَكَ في الِامْتِناعِ، وأيُّ سَبَبٍ حَمَلَكَ عَلَيْهِ عَلى ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ لِآدَمَ مَعَ المَلائِكَةِ وهم في الشَّرَفِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والقُرْبِ مِنَ اللَّهِ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي قَدْ عَلِمْتَها. وجُمْلَةُ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها، جَعَلَ العِلَّةَ لِتَرْكِ سُجُودِهِ كَوْنَ آدَمَ بَشَرًا مَخْلُوقًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ زَعْمًا مِنهُ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن عُنْصُرٍ أشْرَفَ مِن عُنْصُرِ آدَمَ، وفِيهِ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ في كَوْنِهِ خَيْرًا مِنهُ. وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ. فَقالَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] واللّامُ في لِأسْجُدَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، أيْ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنِّي. فَأجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ (p-٧٦٢)والضَّمِيرُ في مِنها، قِيلَ: عائِدٌ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: إلى السَّماءِ، وقِيلَ: إلى زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، أيْ: فاخْرُجْ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ مَرْجُومٌ بِالشُّهُبِ. وقِيلَ: مَعْنى رَّجِيمِ مَلْعُونٌ، أيْ: مَطْرُودٌ لِأنَّ مَن يُطْرَدُ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ. ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ: عَلَيْكَ الطَّرْدَ والإبْعادَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُسْتَمِرًا عَلَيْكَ لازِمًا لَكَ إلى يَوْمِ الجَزاءِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وجَعْلُ يَوْمِ الدِّينِ غايَةً لِلَّعْنَةِ لا يَسْتَلْزِمُ انْقِطاعَها في ذَلِكَ الوَقْتِ، لِأنَّ المُرادَ دَوامُها مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وذُكِرَ يَوْمُ الدِّينِ لِلْمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] أوْ أنَّ المُرادَ أنَّهُ في يَوْمِ الدِّينِ وما بَعْدَهُ يُعَذَّبُ بِما هو أشَدُّ مِنَ اللَّعْنِ مِن أنْواعِ العَذابِ، فَكَأنَّهُ لا يَجِدُ لَهُ ما كانَ يَجِدُهُ قَبْلَ أنْ يَمَسَّهُ العَذابُ. ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي﴾ أيْ أخِّرْنِي وأمْهِلْنِي ولا تُمِتْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ. طَلَبَ أنْ يَبْقى حَيًّا إلى هَذا اليَوْمِ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أخَّرَ عَذابَهُ إلى الدّارِ الآخِرَةِ وكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ لا يَمُوتَ أبَدًا، لِأنَّهُ إذا أُخِّرَ مَوْتُهُ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، فَهو يَوْمٌ لا مَوْتَ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ أنْ لا يَمُوتَ، بَلْ طَلَبَ أنْ يُؤَخَّرَ عَذابُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولا يُعَذَّبَ في الدُّنْيا. ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ لَمّا سَألَ الإنْظارَ أجابَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى ما طَلَبَهُ وأخْبَرَهُ بِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ مَن أنْظَرَهُ مِمَّنْ أخَّرَ آجالَهم مِن مَخْلُوقاتِهِ، أوْ مِن جُمْلَةِ مَن أخَّرَ عُقُوبَتَهم بِما اقْتَرَفُوا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الغايَةَ الَّتِي أمْهَلَهُ إلَيْها. فَقالَ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ فَإنَّ يَوْمَ الدِّينِ ويَوْمَ يَبْعَثُونَ ويَوْمَ الوَقْتِ المَعْلُومِ كُلَّها عِباراتٌ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَقْتِ المَعْلُومِ هو الوَقْتُ القَرِيبُ مِنَ البَعْثِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَمُوتُ. ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ﴾ الباءُ لِلْقَسَمِ، و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾، أيْ: أُقْسِمُ بِإغْوائِكَ إيّايَ لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ، أيْ: ما دامُوا في الدُّنْيا، والتَّزْيِينُ مِنهُ إمّا بِتَحْسِينِ المَعاصِي لَهم وإيقاعِهِمْ فِيها، أوْ يَشْغَلُهم بِزِينَةِ الدُّنْيا عَنْ فِعْلِ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى غَيْرِها. وإقْسامُهُ هاهُنا بِإغْواءِ اللَّهِ لَهُ لا يُنافِي إقْسامَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِعِزَّةِ اللَّهِ الَّتِي هي سُلْطانُهُ وقَهْرُهُ، لِأنَّ الإغْراءَ لَهُ هو مِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ العِزَّةُ ﴿ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ لَأُضِلَّنَّهم عَنْ طَرِيقِ الهُدى، وأُوقِعُهم في طَرِيقِ الغَوايَة وأحْمِلُهم عَلَيْها. ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ الكُوفَةِ بِفَتْحِ اللّامِ: أيِ الَّذِينَ اسْتَخْلَصْتَهم مِنَ العِبادِ. وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ اللّامِ، أيِ: الَّذِينَ أخْلَصُوا لَكَ العِبادَةَ فَلَمْ يَقْصِدُوا بِها غَيْرَكَ. ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ حَقٌّ عَلَيَّ أنْ أُراعِيَهُ، وهو أنْ لا يَكُونَ لَكَ عَلى عِبادِي سُلْطانٌ. قالَ الكِسائِيُّ: هَذا عَلى الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تُهَدِّدُهُ: طَرِيقُكَ عَلَيَّ ومَصِيرُكُ إلَيَّ، وكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] فَكَأنَّ مَعْنى هَذا الكَلامِ: هَذا طَرِيقُ مَرْجِعِهِ إلَيَّ فَأُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: عَلى هُنا بِمَعْنى إلى، وقِيلَ: المَعْنى عَلى أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِالبَيانِ والحُجَّةِ، وقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ وقَتادَةُ والحَسَنُ وقَيْسُ بْنُ عَبّادٍ وأبُو رَجاءٍ وحُمَيْدٌ ويَعْقُوبُ " هَذا صِراطٌ عَلِيٌّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، ومَعْناهُ رَفِيعٌ. ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ المُرادُ بِالعِبادِ هُنا هُمُ المُخْلَصُونَ، والمُرادُ أنَّهُ لا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَيْهِمْ بِإيقاعِهِمْ في ذَنْبٍ يَهْلَكُونَ بِهِ ولا يَتُوبُونَ مِنهُ، فَلا يُنافِي هَذا ما وقَعَ مِن آدَمَ وحَوّاءَ ونَحْوِهِما، فَإنَّهُ ذَنْبٌ مَغْفُورٌ لِوُقُوعِ التَّوْبَةِ عَنْهُ ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ اسْتَثْنى سُبْحانَهُ مِن عِبادِهِ هَؤُلاءِ، وهُمُ المُتَّبِعُونَ لِإبْلِيسَ - مِنَ الغاوِينَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ الواقِعِينَ في الضَّلالِ، وهو مُوافِقٌ لِما قالَهُ إبْلِيسُ اللَّعِينُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ بَيْنَ الكَلامَيْنِ فَرْقًا، فَكَلامُ اللَّهِ سُبْحانَهُ فِيهِ نَفْيُ سُلْطانِ إبْلِيسَ عَلى جَمِيعِ عِبادِهِ إلّا مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الغاوِينَ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ المُخْلَصُونَ وغَيْرُهم مِمَّنْ لَمْ يَتَّبِعْ إبْلِيسَ مِنَ الغاوِينَ، وكَلامُ إبْلِيسَ اللَّعِينِ يَتَضَمَّنُ إغْواءَ الجَمِيعِ إلّا المُخْلَصِينَ، فَدَخَلَ فِيهِمْ مَن لَمْ يَكُنْ مُخْلَصًا ولا تابِعًا لِإبْلِيسَ غاوِيًا. والحاصِلُ أنَّ بَيْنَ المُخْلَصِينَ والغاوِينَ التّابِعِينَ لِإبْلِيسَ طائِفَةٌ لَمْ تَكُنْ مُخْلَصَةً ولا غاوِيَةً تابِعَةً لِإبْلِيسَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الغاوِينَ المُتَّبِعِينَ لِإبْلِيسَ هُمُ المُشْرِكُونَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] . ثُمَّ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُتَوَعِّدًا لِأتْباعِ إبْلِيسَ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ . أيْ مَوْعِدُ المُتَّبِعِينَ الغاوِينَ، و" أجْمَعِينَ " تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ أوْ حالٌ. ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ﴾ يَدْخُلُ أهْلُ النّارِ مِنها، وإنَّما كانَتْ سَبْعَةً لِكَثْرَةِ أهْلِها ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ الأتْباعِ الغُواةِ ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أيْ قَدَرٌ مَعْلُومٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأبْوابِ الأطْباقُ طَبَقٌ فَوْقَ طَبَقٍ، وهي: جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظى ثُمَّ الحُطَمَةُ ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ، فَأعْلاها لِلْمُوَحِّدِينَ، والثّانِيَةُ لِلْيَهُودِ، والثّالِثَةُ لِلنَّصارى، والرّابِعَةُ لِلصّابِئِينَ، والخامِسَةُ لِلْمَجُوسِ، والسّادِسَةُ لِلْمُشْرِكِينَ، والسّابِعَةُ لِلْمُنافِقِينَ، فَجَهَنَّمُ أعْلى الطِّباقِ، ثُمَّ ما بَعْدَها تَحْتَها، ثُمَّ كَذَلِكَ، كَذا قِيلَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خُلِقَ الإنْسانُ مِن ثَلاثٍ: مِن طِينٍ لازِبٍ وصَلْصالٍ وحَمَأٍ مَسْنُونٍ، فالطِّينُ اللّازِبُ: اللّازِمُ الجَيِّدُ، والصَّلْصالُ: المُدَقَّقُ الَّذِي يُصْنَعُ مِنهُ الفَخّارُ، والحَمَأُ المَسْنُونُ: الطِّينُ الَّذِي فِيهِ الحَمَأةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: الصَّلْصالُ الماءُ يَقَعُ عَلى الأرْضِ الطَّيِّبَةِ ثُمَّ يُحْسَرُ عَنْها فَتَشَقَّقُ ثُمَّ تَصِيرُ مِثْلَ الخَزَفِ الرِّقاقِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الصَّلْصالُ هو التُّرابُ اليابِسُ الَّذِي يُبَلُّ بَعْدَ يُبْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا، قالَ: الصَّلْصالُ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا. قالَ: الصَّلْصالُ الَّذِي إذا ضَرَبْتَهُ صَلْصَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا. قالَ: الصَّلْصالُ الطِّينُ تَعْصِرُ بِيَدِكَ فَيَخْرُجُ الماءُ مِن بَيْنِ أصابِعِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ (p-٧٦٣)المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قالَ: مِن طِينٍ رَطْبٍ: وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قالَ: مِن طِينٍ مُنْتِنٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الجانُّ مَسِيخُ الجِنِّ كالقِرَدَةِ والخَنازِيرِ مَسِيخُ الإنْسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الجانُّ هو إبْلِيسُ خُلِقَ مِن قَبْلِ آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ قالَ: مِن أحْسَنِ النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: ﴿نارِ السَّمُومِ﴾ الحارَةِ الَّتِي تَقْتُلُ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: السَّمُومُ الَّتِي خُلِقَ مِنها الجانُّ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ: أرادَ إبْلِيسُ ألّا يَذُوقَ المَوْتَ فَقِيلَ إنَّكَ مِنَ المَنظَرَيْنِ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ، قالَ: النَّفْخَةُ الأُولى يَمُوتُ فِيها إبْلِيسُ، وبَيْنَ النَّفْخَةِ والنَّفْخَةِ أرْبَعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ رَفِيعٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ﴾ بِعَدَدِ أطْباقِ جَهَنَّمَ، كَما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ النّارِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: أطْباقُ جَهَنَّمَ سَبْعَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، فَيُمْلَأُ الأوَّلُ، ثُمَّ الثّانِي، ثُمَّ الثّالِثُ، حَتّى تُمْلَأ كُلُّها، وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «بِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أبْوابٍ: بابٌ مِنها لِمَن سَلَّ السَّيْفَ عَلى أُمَّتِي» . وقَدْ ورَدَ في صِفَةِ النّارِ أحادِيثُ وآثارٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قالَ: جُزْءٌ أشْرَكُوا بِاللَّهِ، وجُزْءٌ شَكُّوا في اللَّهِ، وجُزْءٌ غَفَلُوا عَنِ اللَّهِ» .

ص 38:87

. المُرادُ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ هو آدَمُ لِأنَّهُ أصْلُ هَذا النَّوْعِ، والصَّلْصالُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الطِّينُ المَخْلُوطُ بِالرَّمْلِ الَّذِي يَتَصَلْصَلُ إذا حُرِّكَ، فَإذا طُبِخَ في النّارِ فَهو الفَخّارُ. وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الكِسائِيُّ: هو الطِّينُ المُنْتِنُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ صَلَّ (p-٧٦١)اللَّحْمُ وأصَلَّ، إذا أنْتَنَ، مَطْبُوخًا كانَ أوْ نِيئًا. قالَ الحُطَيْئَةُ: ؎ذاكَ فَتًى يَبْدُلُ ذا قِدْرِةٍ لا يُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولُ والحَمَأُ: الطِّينُ الأسْوَدُ المُتَغَيِّرُ. أوِ الطِّينُ الأسْوَدُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالمُتَغَيِّرِ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: تَقُولُ مِنهُ حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمِئَتِ البِئْرُ حَمَأً بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمَأتُها، وأحْمَيْتُها إحْماءً: ألْقَيْتُ فِيها الحَمَأةَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَمْأةُ بِسُكُونِ المِيمِ مِثْلُ الحَمَأةِ يَعْنِي بِالتَّحْرِيكِ، والجَمْعُ حَمْءٌ مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، والحَمَأُ المَصْدَرُ مِثْلُ الهَلَعِ والجَزَعِ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ. والمَسْنُونُ قالَ الفَرّاءُ: هو المُتَغَيِّرُ، وأصْلُهُ مِن سَنَنْتُ الحَجَرَ عَلى الحَجَرِ: إذا حَكَكْتُهُ، وما يَخْرُجُ بَيْنَ الحَجَرَيْنِ يُقالُ لَهُ السُّنانَةُ والسِّنِينُ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسّانَ: ؎ثُمَّ حاصَرَتْها إلى القُبَّةِ الحَمْرا ∗∗∗ تَمْشِي في مَرْمَرٍ وسُنُونِ أيْ مَحْكُوكٍ، ويُقالُ: أسِنَ الماءُ إذا تَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] وقَوْلُهُ: ﴿ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] وكِلا الِاشْتِقاقَيْنِ يَدُلُّ عَلى التَّغَيُّرِ، لِأنَّ ما يَخْرُجُ بَيْنَ الحَجَرَيْنِ لا يَكُونُ إلّا مُنْتِنًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَسْنُونُ المُصَوَّبُ، وهو مِن قَوْلِ العَرَبِ سَنَنْتُ الماءَ عَلى الوَجْهِ: إذا صَبَبْتَهُ، والسَّنُّ الصَّبُّ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: المَسْنُونُ المُصَوَّرُ، مَأْخُوذٌ مِن سُنَّةِ الوَجْهِ، وهي صُورَتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎تُرِيكَ سُنَّةَ وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ ∗∗∗ مَلْساءَ لَيْسَ بِها خالٌ ولا نَدَبُ وقالَ الأخْفَشُ: المَسْنُونُ المَنصُوبُ القائِمُ، مِن قَوْلِهِمْ وجْهٌ مَسْنُونٌ: إذا كانَ فِيهِ طُولٌ. والحاصِلُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ التُّرابَ لَمّا بُلَّ صارَ طِينًا، فَلَمّا أنْتَنَ صارَ حَمَأً مَسْنُونًا، فَلَمّا يَبِسَ صارَ صَلْصالًا. فَأصْلُ الصَّلْصالِ: هو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ولِهَذا وُصِفَ بِهِما. ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ الجانَّ أبُو الجِنِّ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ عَطاءٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هو إبْلِيسُ. وسُمِّيَ جانًّا لِتَوارِيهِ عَنِ الأعْيُنِ. يُقالُ: جَنَّ الشَّيْءَ إذا سَتَرَهُ. فالجانُّ يَسْتُرُ نَفْسَهُ عَنْ أعْيُنِ بَنِي آدَمَ، ومَعْنى مِن قَبْلُ: مِن قَبْلِ خَلْقِ آدَمَ، والسَّمُومُ: الرِّيحُ الحادَّةُ النّافِذَةُ في المَسامِّ، تَكُونُ بِالنَّهارِ وقَدْ تَكُونُ بِاللَّيْلِ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وذُكِرَ خَلْقُ الإنْسانِ والجانِّ في هَذا المَوْضِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وبَيانِ أنَّ القادِرَ عَلى النَّشْأةِ الأوْلى قادِرٌ عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى. ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، بَيَّنَ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِخَلْقِ الإنْسانِ ما وقَعَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهُ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في البَقَرَةِ، والبَشَرُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَشَرَةِ، وهي ظاهِرُ الجِلْدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الصَّلْصالِ والحَمَأِ المَسْنُونِ قَرِيبًا مُسْتَوْفًى. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ أيْ سَوَّيْتُ خَلْقَهُ وعَدَلْتُ صُورَتَهُ الإنْسانِيَّةَ وكَمَّلْتُ أجْزاءَهُ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ النَّفْخُ: إجْراءُ الرِّيحِ في تَجاوِيفِ جِسْمٍ آخَرَ، فَمَن قالَ إنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ كالهَواءِ فَمَعْناهُ ظاهِرٌ، ومَن قالَ: إنَّهُ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في مُتَحَيِّزٍ. فَمَعْنى النَّفْخِ عِنْدَهُ تَهْيِئَةُ البَدَنِ لِتَعَلُّقِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ بِهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: ولا خِلافَ في أنَّ الإضافَةَ في ( رُوحِي ) لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، مِثْلُ: ناقَةِ اللَّهِ، وبَيْتِ اللَّهِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والرُّوحُ: جِسْمٌ لَطِيفٌ أجْرى اللَّهُ العادَةَ بِأنْ يَخْلُقَ الحَياةَ في البَدَنِ مَعَ ذَلِكَ الجِسْمِ. وحَقِيقَتُهُ إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، فالرُّوحُ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، قالَ: ومِثْلُهُ ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] . وقَدْ تَقَدَّمَ في النِّساءِ، ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ الفاءُ تَدُلُّ عَلى أنَّ سُجُودَهم واجِبٌ عَلَيْهِمْ عَقِبَ التَّسْوِيَةِ والنَّفْخِ مِن غَيْرِ تَراخٍ، وهو أمْرٌ بِالوُقُوعِ مِن وقَعَ يَقَعُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ هو السُّجُودُ لا مُجَرَّدُ الِانْحِناءِ كَما قِيلَ، وهَذا السُّجُودُ هو سُجُودُ تَحِيَّةٍ وتَكْرِيمٍ لا سُجُودُ عِبادَةٍ ولِلَّهِ أنْ يُكْرِمَ مَن يَشاءُ مِن مَخْلُوقاتِهِ كَيْفَ يَشاءُ بِما يَشاءُ، وقِيلَ: كانَ السُّجُودُ لِلَّهِ تَعالى وكانَ آدَمُ قِبْلَةً لَهم. ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ المَلائِكَةَ سَجَدُوا جَمِيعًا عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم بِذَلِكَ مِن غَيْرِ تَراخٍ، قالَ المُبَرِّدُ: قَوْلُهُ كُلُّهم أزالَ احْتِمالَ أنَّ بَعْضَ المَلائِكَةِ لَمْ يَسْجُدْ، وقَوْلُهُ ﴿أجْمَعُونَ﴾ تَوْكِيدٌ بَعْدَ تَوْكِيدٍ، ورَجَّحَ هَذا الزَّجّاجُ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: وذَلِكَ لِأنَّ أجْمَعَ مَعْرِفَةٌ فَلا يَقَعُ حالًا ولَوْ صَحَّ أنْ يَكُونَ حالًا لَكانَ مُنْتَصِبًا. ثُمَّ اسْتَثْنى إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَ: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ قِيلَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ لِكَوْنِهِ كانَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ ولَكِنَّهُ أبى ذَلِكَ اسْتِكْبارًا واسْتِعْظامًا لِنَفْسِهِ وحَسَدًالِآدَمَ فَحَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ ولَكِنَّهُ كانَ مَعَهم فَغَلَبَ اسْمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِ وأُمِرَ بِما أُمِرُوا بِهِ، فَكانَ الِاسْتِثْناءُ بِهَذا الِاعْتِبارِ مُتَّصِلًا، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْفَصِلٌ بِناءً عَلى عَدَمِ كَوْنِهِ مِنهم، وعَدَمِ تَغْلِيبِهِمْ عَلَيْهِ، أيْ: ولَكِنَّ إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ ما فِيهِمْ مِنَ الِاسْتِثْناءِ مِن عَدَمِ السُّجُودِ، لِأنَّ عَدَمَ السُّجُودِ قَدْ يَكُونُ مَعَ التَّرَدُّدِ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ كانَ عَلى وجْهِ الإباءِ. وجِلْمَةُ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِإبْلِيسَ بَعْدَ أنْ أبى السُّجُودَ ؟ وهَذا الخِطابُ لَهُ لَيْسَ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، بَلْ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: أيُّ غَرَضٍ لَكَ في الِامْتِناعِ، وأيُّ سَبَبٍ حَمَلَكَ عَلَيْهِ عَلى ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ لِآدَمَ مَعَ المَلائِكَةِ وهم في الشَّرَفِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والقُرْبِ مِنَ اللَّهِ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي قَدْ عَلِمْتَها. وجُمْلَةُ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها، جَعَلَ العِلَّةَ لِتَرْكِ سُجُودِهِ كَوْنَ آدَمَ بَشَرًا مَخْلُوقًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ زَعْمًا مِنهُ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن عُنْصُرٍ أشْرَفَ مِن عُنْصُرِ آدَمَ، وفِيهِ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ في كَوْنِهِ خَيْرًا مِنهُ. وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ. فَقالَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] واللّامُ في لِأسْجُدَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، أيْ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنِّي. فَأجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ (p-٧٦٢)والضَّمِيرُ في مِنها، قِيلَ: عائِدٌ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: إلى السَّماءِ، وقِيلَ: إلى زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، أيْ: فاخْرُجْ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ مَرْجُومٌ بِالشُّهُبِ. وقِيلَ: مَعْنى رَّجِيمِ مَلْعُونٌ، أيْ: مَطْرُودٌ لِأنَّ مَن يُطْرَدُ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ. ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ: عَلَيْكَ الطَّرْدَ والإبْعادَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُسْتَمِرًا عَلَيْكَ لازِمًا لَكَ إلى يَوْمِ الجَزاءِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وجَعْلُ يَوْمِ الدِّينِ غايَةً لِلَّعْنَةِ لا يَسْتَلْزِمُ انْقِطاعَها في ذَلِكَ الوَقْتِ، لِأنَّ المُرادَ دَوامُها مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وذُكِرَ يَوْمُ الدِّينِ لِلْمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] أوْ أنَّ المُرادَ أنَّهُ في يَوْمِ الدِّينِ وما بَعْدَهُ يُعَذَّبُ بِما هو أشَدُّ مِنَ اللَّعْنِ مِن أنْواعِ العَذابِ، فَكَأنَّهُ لا يَجِدُ لَهُ ما كانَ يَجِدُهُ قَبْلَ أنْ يَمَسَّهُ العَذابُ. ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي﴾ أيْ أخِّرْنِي وأمْهِلْنِي ولا تُمِتْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ. طَلَبَ أنْ يَبْقى حَيًّا إلى هَذا اليَوْمِ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أخَّرَ عَذابَهُ إلى الدّارِ الآخِرَةِ وكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ لا يَمُوتَ أبَدًا، لِأنَّهُ إذا أُخِّرَ مَوْتُهُ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، فَهو يَوْمٌ لا مَوْتَ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ أنْ لا يَمُوتَ، بَلْ طَلَبَ أنْ يُؤَخَّرَ عَذابُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولا يُعَذَّبَ في الدُّنْيا. ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ لَمّا سَألَ الإنْظارَ أجابَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى ما طَلَبَهُ وأخْبَرَهُ بِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ مَن أنْظَرَهُ مِمَّنْ أخَّرَ آجالَهم مِن مَخْلُوقاتِهِ، أوْ مِن جُمْلَةِ مَن أخَّرَ عُقُوبَتَهم بِما اقْتَرَفُوا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الغايَةَ الَّتِي أمْهَلَهُ إلَيْها. فَقالَ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ فَإنَّ يَوْمَ الدِّينِ ويَوْمَ يَبْعَثُونَ ويَوْمَ الوَقْتِ المَعْلُومِ كُلَّها عِباراتٌ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَقْتِ المَعْلُومِ هو الوَقْتُ القَرِيبُ مِنَ البَعْثِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَمُوتُ. ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ﴾ الباءُ لِلْقَسَمِ، و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾، أيْ: أُقْسِمُ بِإغْوائِكَ إيّايَ لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ، أيْ: ما دامُوا في الدُّنْيا، والتَّزْيِينُ مِنهُ إمّا بِتَحْسِينِ المَعاصِي لَهم وإيقاعِهِمْ فِيها، أوْ يَشْغَلُهم بِزِينَةِ الدُّنْيا عَنْ فِعْلِ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى غَيْرِها. وإقْسامُهُ هاهُنا بِإغْواءِ اللَّهِ لَهُ لا يُنافِي إقْسامَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِعِزَّةِ اللَّهِ الَّتِي هي سُلْطانُهُ وقَهْرُهُ، لِأنَّ الإغْراءَ لَهُ هو مِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ العِزَّةُ ﴿ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ لَأُضِلَّنَّهم عَنْ طَرِيقِ الهُدى، وأُوقِعُهم في طَرِيقِ الغَوايَة وأحْمِلُهم عَلَيْها. ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ الكُوفَةِ بِفَتْحِ اللّامِ: أيِ الَّذِينَ اسْتَخْلَصْتَهم مِنَ العِبادِ. وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ اللّامِ، أيِ: الَّذِينَ أخْلَصُوا لَكَ العِبادَةَ فَلَمْ يَقْصِدُوا بِها غَيْرَكَ. ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ حَقٌّ عَلَيَّ أنْ أُراعِيَهُ، وهو أنْ لا يَكُونَ لَكَ عَلى عِبادِي سُلْطانٌ. قالَ الكِسائِيُّ: هَذا عَلى الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تُهَدِّدُهُ: طَرِيقُكَ عَلَيَّ ومَصِيرُكُ إلَيَّ، وكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] فَكَأنَّ مَعْنى هَذا الكَلامِ: هَذا طَرِيقُ مَرْجِعِهِ إلَيَّ فَأُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: عَلى هُنا بِمَعْنى إلى، وقِيلَ: المَعْنى عَلى أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِالبَيانِ والحُجَّةِ، وقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ وقَتادَةُ والحَسَنُ وقَيْسُ بْنُ عَبّادٍ وأبُو رَجاءٍ وحُمَيْدٌ ويَعْقُوبُ " هَذا صِراطٌ عَلِيٌّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، ومَعْناهُ رَفِيعٌ. ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ المُرادُ بِالعِبادِ هُنا هُمُ المُخْلَصُونَ، والمُرادُ أنَّهُ لا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَيْهِمْ بِإيقاعِهِمْ في ذَنْبٍ يَهْلَكُونَ بِهِ ولا يَتُوبُونَ مِنهُ، فَلا يُنافِي هَذا ما وقَعَ مِن آدَمَ وحَوّاءَ ونَحْوِهِما، فَإنَّهُ ذَنْبٌ مَغْفُورٌ لِوُقُوعِ التَّوْبَةِ عَنْهُ ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ اسْتَثْنى سُبْحانَهُ مِن عِبادِهِ هَؤُلاءِ، وهُمُ المُتَّبِعُونَ لِإبْلِيسَ - مِنَ الغاوِينَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ الواقِعِينَ في الضَّلالِ، وهو مُوافِقٌ لِما قالَهُ إبْلِيسُ اللَّعِينُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ بَيْنَ الكَلامَيْنِ فَرْقًا، فَكَلامُ اللَّهِ سُبْحانَهُ فِيهِ نَفْيُ سُلْطانِ إبْلِيسَ عَلى جَمِيعِ عِبادِهِ إلّا مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الغاوِينَ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ المُخْلَصُونَ وغَيْرُهم مِمَّنْ لَمْ يَتَّبِعْ إبْلِيسَ مِنَ الغاوِينَ، وكَلامُ إبْلِيسَ اللَّعِينِ يَتَضَمَّنُ إغْواءَ الجَمِيعِ إلّا المُخْلَصِينَ، فَدَخَلَ فِيهِمْ مَن لَمْ يَكُنْ مُخْلَصًا ولا تابِعًا لِإبْلِيسَ غاوِيًا. والحاصِلُ أنَّ بَيْنَ المُخْلَصِينَ والغاوِينَ التّابِعِينَ لِإبْلِيسَ طائِفَةٌ لَمْ تَكُنْ مُخْلَصَةً ولا غاوِيَةً تابِعَةً لِإبْلِيسَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الغاوِينَ المُتَّبِعِينَ لِإبْلِيسَ هُمُ المُشْرِكُونَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] . ثُمَّ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُتَوَعِّدًا لِأتْباعِ إبْلِيسَ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ . أيْ مَوْعِدُ المُتَّبِعِينَ الغاوِينَ، و" أجْمَعِينَ " تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ أوْ حالٌ. ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ﴾ يَدْخُلُ أهْلُ النّارِ مِنها، وإنَّما كانَتْ سَبْعَةً لِكَثْرَةِ أهْلِها ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ الأتْباعِ الغُواةِ ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أيْ قَدَرٌ مَعْلُومٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأبْوابِ الأطْباقُ طَبَقٌ فَوْقَ طَبَقٍ، وهي: جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظى ثُمَّ الحُطَمَةُ ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ، فَأعْلاها لِلْمُوَحِّدِينَ، والثّانِيَةُ لِلْيَهُودِ، والثّالِثَةُ لِلنَّصارى، والرّابِعَةُ لِلصّابِئِينَ، والخامِسَةُ لِلْمَجُوسِ، والسّادِسَةُ لِلْمُشْرِكِينَ، والسّابِعَةُ لِلْمُنافِقِينَ، فَجَهَنَّمُ أعْلى الطِّباقِ، ثُمَّ ما بَعْدَها تَحْتَها، ثُمَّ كَذَلِكَ، كَذا قِيلَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خُلِقَ الإنْسانُ مِن ثَلاثٍ: مِن طِينٍ لازِبٍ وصَلْصالٍ وحَمَأٍ مَسْنُونٍ، فالطِّينُ اللّازِبُ: اللّازِمُ الجَيِّدُ، والصَّلْصالُ: المُدَقَّقُ الَّذِي يُصْنَعُ مِنهُ الفَخّارُ، والحَمَأُ المَسْنُونُ: الطِّينُ الَّذِي فِيهِ الحَمَأةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: الصَّلْصالُ الماءُ يَقَعُ عَلى الأرْضِ الطَّيِّبَةِ ثُمَّ يُحْسَرُ عَنْها فَتَشَقَّقُ ثُمَّ تَصِيرُ مِثْلَ الخَزَفِ الرِّقاقِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الصَّلْصالُ هو التُّرابُ اليابِسُ الَّذِي يُبَلُّ بَعْدَ يُبْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا، قالَ: الصَّلْصالُ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا. قالَ: الصَّلْصالُ الَّذِي إذا ضَرَبْتَهُ صَلْصَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا. قالَ: الصَّلْصالُ الطِّينُ تَعْصِرُ بِيَدِكَ فَيَخْرُجُ الماءُ مِن بَيْنِ أصابِعِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ (p-٧٦٣)المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قالَ: مِن طِينٍ رَطْبٍ: وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قالَ: مِن طِينٍ مُنْتِنٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الجانُّ مَسِيخُ الجِنِّ كالقِرَدَةِ والخَنازِيرِ مَسِيخُ الإنْسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الجانُّ هو إبْلِيسُ خُلِقَ مِن قَبْلِ آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ قالَ: مِن أحْسَنِ النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: ﴿نارِ السَّمُومِ﴾ الحارَةِ الَّتِي تَقْتُلُ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: السَّمُومُ الَّتِي خُلِقَ مِنها الجانُّ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ: أرادَ إبْلِيسُ ألّا يَذُوقَ المَوْتَ فَقِيلَ إنَّكَ مِنَ المَنظَرَيْنِ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ، قالَ: النَّفْخَةُ الأُولى يَمُوتُ فِيها إبْلِيسُ، وبَيْنَ النَّفْخَةِ والنَّفْخَةِ أرْبَعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ رَفِيعٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ﴾ بِعَدَدِ أطْباقِ جَهَنَّمَ، كَما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ النّارِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: أطْباقُ جَهَنَّمَ سَبْعَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، فَيُمْلَأُ الأوَّلُ، ثُمَّ الثّانِي، ثُمَّ الثّالِثُ، حَتّى تُمْلَأ كُلُّها، وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «بِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أبْوابٍ: بابٌ مِنها لِمَن سَلَّ السَّيْفَ عَلى أُمَّتِي» . وقَدْ ورَدَ في صِفَةِ النّارِ أحادِيثُ وآثارٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قالَ: جُزْءٌ أشْرَكُوا بِاللَّهِ، وجُزْءٌ شَكُّوا في اللَّهِ، وجُزْءٌ غَفَلُوا عَنِ اللَّهِ» .

ص 38:88

. المُرادُ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ هو آدَمُ لِأنَّهُ أصْلُ هَذا النَّوْعِ، والصَّلْصالُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الطِّينُ المَخْلُوطُ بِالرَّمْلِ الَّذِي يَتَصَلْصَلُ إذا حُرِّكَ، فَإذا طُبِخَ في النّارِ فَهو الفَخّارُ. وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الكِسائِيُّ: هو الطِّينُ المُنْتِنُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ صَلَّ (p-٧٦١)اللَّحْمُ وأصَلَّ، إذا أنْتَنَ، مَطْبُوخًا كانَ أوْ نِيئًا. قالَ الحُطَيْئَةُ: ؎ذاكَ فَتًى يَبْدُلُ ذا قِدْرِةٍ لا يُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولُ والحَمَأُ: الطِّينُ الأسْوَدُ المُتَغَيِّرُ. أوِ الطِّينُ الأسْوَدُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالمُتَغَيِّرِ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: تَقُولُ مِنهُ حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمِئَتِ البِئْرُ حَمَأً بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمَأتُها، وأحْمَيْتُها إحْماءً: ألْقَيْتُ فِيها الحَمَأةَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَمْأةُ بِسُكُونِ المِيمِ مِثْلُ الحَمَأةِ يَعْنِي بِالتَّحْرِيكِ، والجَمْعُ حَمْءٌ مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، والحَمَأُ المَصْدَرُ مِثْلُ الهَلَعِ والجَزَعِ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ. والمَسْنُونُ قالَ الفَرّاءُ: هو المُتَغَيِّرُ، وأصْلُهُ مِن سَنَنْتُ الحَجَرَ عَلى الحَجَرِ: إذا حَكَكْتُهُ، وما يَخْرُجُ بَيْنَ الحَجَرَيْنِ يُقالُ لَهُ السُّنانَةُ والسِّنِينُ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسّانَ: ؎ثُمَّ حاصَرَتْها إلى القُبَّةِ الحَمْرا ∗∗∗ تَمْشِي في مَرْمَرٍ وسُنُونِ أيْ مَحْكُوكٍ، ويُقالُ: أسِنَ الماءُ إذا تَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] وقَوْلُهُ: ﴿ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] وكِلا الِاشْتِقاقَيْنِ يَدُلُّ عَلى التَّغَيُّرِ، لِأنَّ ما يَخْرُجُ بَيْنَ الحَجَرَيْنِ لا يَكُونُ إلّا مُنْتِنًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَسْنُونُ المُصَوَّبُ، وهو مِن قَوْلِ العَرَبِ سَنَنْتُ الماءَ عَلى الوَجْهِ: إذا صَبَبْتَهُ، والسَّنُّ الصَّبُّ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: المَسْنُونُ المُصَوَّرُ، مَأْخُوذٌ مِن سُنَّةِ الوَجْهِ، وهي صُورَتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎تُرِيكَ سُنَّةَ وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ ∗∗∗ مَلْساءَ لَيْسَ بِها خالٌ ولا نَدَبُ وقالَ الأخْفَشُ: المَسْنُونُ المَنصُوبُ القائِمُ، مِن قَوْلِهِمْ وجْهٌ مَسْنُونٌ: إذا كانَ فِيهِ طُولٌ. والحاصِلُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ التُّرابَ لَمّا بُلَّ صارَ طِينًا، فَلَمّا أنْتَنَ صارَ حَمَأً مَسْنُونًا، فَلَمّا يَبِسَ صارَ صَلْصالًا. فَأصْلُ الصَّلْصالِ: هو الحَمَأُ المَسْنُونُ، ولِهَذا وُصِفَ بِهِما. ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ الجانَّ أبُو الجِنِّ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ عَطاءٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هو إبْلِيسُ. وسُمِّيَ جانًّا لِتَوارِيهِ عَنِ الأعْيُنِ. يُقالُ: جَنَّ الشَّيْءَ إذا سَتَرَهُ. فالجانُّ يَسْتُرُ نَفْسَهُ عَنْ أعْيُنِ بَنِي آدَمَ، ومَعْنى مِن قَبْلُ: مِن قَبْلِ خَلْقِ آدَمَ، والسَّمُومُ: الرِّيحُ الحادَّةُ النّافِذَةُ في المَسامِّ، تَكُونُ بِالنَّهارِ وقَدْ تَكُونُ بِاللَّيْلِ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وذُكِرَ خَلْقُ الإنْسانِ والجانِّ في هَذا المَوْضِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وبَيانِ أنَّ القادِرَ عَلى النَّشْأةِ الأوْلى قادِرٌ عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى. ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، بَيَّنَ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِخَلْقِ الإنْسانِ ما وقَعَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهُ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في البَقَرَةِ، والبَشَرُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَشَرَةِ، وهي ظاهِرُ الجِلْدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الصَّلْصالِ والحَمَأِ المَسْنُونِ قَرِيبًا مُسْتَوْفًى. ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ أيْ سَوَّيْتُ خَلْقَهُ وعَدَلْتُ صُورَتَهُ الإنْسانِيَّةَ وكَمَّلْتُ أجْزاءَهُ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ النَّفْخُ: إجْراءُ الرِّيحِ في تَجاوِيفِ جِسْمٍ آخَرَ، فَمَن قالَ إنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ كالهَواءِ فَمَعْناهُ ظاهِرٌ، ومَن قالَ: إنَّهُ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في مُتَحَيِّزٍ. فَمَعْنى النَّفْخِ عِنْدَهُ تَهْيِئَةُ البَدَنِ لِتَعَلُّقِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ بِهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: ولا خِلافَ في أنَّ الإضافَةَ في ( رُوحِي ) لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، مِثْلُ: ناقَةِ اللَّهِ، وبَيْتِ اللَّهِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والرُّوحُ: جِسْمٌ لَطِيفٌ أجْرى اللَّهُ العادَةَ بِأنْ يَخْلُقَ الحَياةَ في البَدَنِ مَعَ ذَلِكَ الجِسْمِ. وحَقِيقَتُهُ إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، فالرُّوحُ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا، قالَ: ومِثْلُهُ ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] . وقَدْ تَقَدَّمَ في النِّساءِ، ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ الفاءُ تَدُلُّ عَلى أنَّ سُجُودَهم واجِبٌ عَلَيْهِمْ عَقِبَ التَّسْوِيَةِ والنَّفْخِ مِن غَيْرِ تَراخٍ، وهو أمْرٌ بِالوُقُوعِ مِن وقَعَ يَقَعُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ هو السُّجُودُ لا مُجَرَّدُ الِانْحِناءِ كَما قِيلَ، وهَذا السُّجُودُ هو سُجُودُ تَحِيَّةٍ وتَكْرِيمٍ لا سُجُودُ عِبادَةٍ ولِلَّهِ أنْ يُكْرِمَ مَن يَشاءُ مِن مَخْلُوقاتِهِ كَيْفَ يَشاءُ بِما يَشاءُ، وقِيلَ: كانَ السُّجُودُ لِلَّهِ تَعالى وكانَ آدَمُ قِبْلَةً لَهم. ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ المَلائِكَةَ سَجَدُوا جَمِيعًا عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم بِذَلِكَ مِن غَيْرِ تَراخٍ، قالَ المُبَرِّدُ: قَوْلُهُ كُلُّهم أزالَ احْتِمالَ أنَّ بَعْضَ المَلائِكَةِ لَمْ يَسْجُدْ، وقَوْلُهُ ﴿أجْمَعُونَ﴾ تَوْكِيدٌ بَعْدَ تَوْكِيدٍ، ورَجَّحَ هَذا الزَّجّاجُ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: وذَلِكَ لِأنَّ أجْمَعَ مَعْرِفَةٌ فَلا يَقَعُ حالًا ولَوْ صَحَّ أنْ يَكُونَ حالًا لَكانَ مُنْتَصِبًا. ثُمَّ اسْتَثْنى إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَ: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ قِيلَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ لِكَوْنِهِ كانَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ ولَكِنَّهُ أبى ذَلِكَ اسْتِكْبارًا واسْتِعْظامًا لِنَفْسِهِ وحَسَدًالِآدَمَ فَحَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ ولَكِنَّهُ كانَ مَعَهم فَغَلَبَ اسْمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِ وأُمِرَ بِما أُمِرُوا بِهِ، فَكانَ الِاسْتِثْناءُ بِهَذا الِاعْتِبارِ مُتَّصِلًا، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْفَصِلٌ بِناءً عَلى عَدَمِ كَوْنِهِ مِنهم، وعَدَمِ تَغْلِيبِهِمْ عَلَيْهِ، أيْ: ولَكِنَّ إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ ما فِيهِمْ مِنَ الِاسْتِثْناءِ مِن عَدَمِ السُّجُودِ، لِأنَّ عَدَمَ السُّجُودِ قَدْ يَكُونُ مَعَ التَّرَدُّدِ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ كانَ عَلى وجْهِ الإباءِ. وجِلْمَةُ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِإبْلِيسَ بَعْدَ أنْ أبى السُّجُودَ ؟ وهَذا الخِطابُ لَهُ لَيْسَ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، بَلْ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والمَعْنى: أيُّ غَرَضٍ لَكَ في الِامْتِناعِ، وأيُّ سَبَبٍ حَمَلَكَ عَلَيْهِ عَلى ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ لِآدَمَ مَعَ المَلائِكَةِ وهم في الشَّرَفِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والقُرْبِ مِنَ اللَّهِ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي قَدْ عَلِمْتَها. وجُمْلَةُ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها، جَعَلَ العِلَّةَ لِتَرْكِ سُجُودِهِ كَوْنَ آدَمَ بَشَرًا مَخْلُوقًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ زَعْمًا مِنهُ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن عُنْصُرٍ أشْرَفَ مِن عُنْصُرِ آدَمَ، وفِيهِ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ في كَوْنِهِ خَيْرًا مِنهُ. وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ. فَقالَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] واللّامُ في لِأسْجُدَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، أيْ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنِّي. فَأجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ (p-٧٦٢)والضَّمِيرُ في مِنها، قِيلَ: عائِدٌ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: إلى السَّماءِ، وقِيلَ: إلى زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، أيْ: فاخْرُجْ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أيْ مَرْجُومٌ بِالشُّهُبِ. وقِيلَ: مَعْنى رَّجِيمِ مَلْعُونٌ، أيْ: مَطْرُودٌ لِأنَّ مَن يُطْرَدُ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ. ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ: عَلَيْكَ الطَّرْدَ والإبْعادَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُسْتَمِرًا عَلَيْكَ لازِمًا لَكَ إلى يَوْمِ الجَزاءِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وجَعْلُ يَوْمِ الدِّينِ غايَةً لِلَّعْنَةِ لا يَسْتَلْزِمُ انْقِطاعَها في ذَلِكَ الوَقْتِ، لِأنَّ المُرادَ دَوامُها مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وذُكِرَ يَوْمُ الدِّينِ لِلْمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] أوْ أنَّ المُرادَ أنَّهُ في يَوْمِ الدِّينِ وما بَعْدَهُ يُعَذَّبُ بِما هو أشَدُّ مِنَ اللَّعْنِ مِن أنْواعِ العَذابِ، فَكَأنَّهُ لا يَجِدُ لَهُ ما كانَ يَجِدُهُ قَبْلَ أنْ يَمَسَّهُ العَذابُ. ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي﴾ أيْ أخِّرْنِي وأمْهِلْنِي ولا تُمِتْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ. طَلَبَ أنْ يَبْقى حَيًّا إلى هَذا اليَوْمِ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أخَّرَ عَذابَهُ إلى الدّارِ الآخِرَةِ وكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ لا يَمُوتَ أبَدًا، لِأنَّهُ إذا أُخِّرَ مَوْتُهُ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، فَهو يَوْمٌ لا مَوْتَ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ أنْ لا يَمُوتَ، بَلْ طَلَبَ أنْ يُؤَخَّرَ عَذابُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولا يُعَذَّبَ في الدُّنْيا. ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ لَمّا سَألَ الإنْظارَ أجابَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى ما طَلَبَهُ وأخْبَرَهُ بِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ مَن أنْظَرَهُ مِمَّنْ أخَّرَ آجالَهم مِن مَخْلُوقاتِهِ، أوْ مِن جُمْلَةِ مَن أخَّرَ عُقُوبَتَهم بِما اقْتَرَفُوا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الغايَةَ الَّتِي أمْهَلَهُ إلَيْها. فَقالَ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ فَإنَّ يَوْمَ الدِّينِ ويَوْمَ يَبْعَثُونَ ويَوْمَ الوَقْتِ المَعْلُومِ كُلَّها عِباراتٌ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَقْتِ المَعْلُومِ هو الوَقْتُ القَرِيبُ مِنَ البَعْثِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَمُوتُ. ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ﴾ الباءُ لِلْقَسَمِ، و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾، أيْ: أُقْسِمُ بِإغْوائِكَ إيّايَ لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ، أيْ: ما دامُوا في الدُّنْيا، والتَّزْيِينُ مِنهُ إمّا بِتَحْسِينِ المَعاصِي لَهم وإيقاعِهِمْ فِيها، أوْ يَشْغَلُهم بِزِينَةِ الدُّنْيا عَنْ فِعْلِ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى غَيْرِها. وإقْسامُهُ هاهُنا بِإغْواءِ اللَّهِ لَهُ لا يُنافِي إقْسامَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِعِزَّةِ اللَّهِ الَّتِي هي سُلْطانُهُ وقَهْرُهُ، لِأنَّ الإغْراءَ لَهُ هو مِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ العِزَّةُ ﴿ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ لَأُضِلَّنَّهم عَنْ طَرِيقِ الهُدى، وأُوقِعُهم في طَرِيقِ الغَوايَة وأحْمِلُهم عَلَيْها. ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ الكُوفَةِ بِفَتْحِ اللّامِ: أيِ الَّذِينَ اسْتَخْلَصْتَهم مِنَ العِبادِ. وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ اللّامِ، أيِ: الَّذِينَ أخْلَصُوا لَكَ العِبادَةَ فَلَمْ يَقْصِدُوا بِها غَيْرَكَ. ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ حَقٌّ عَلَيَّ أنْ أُراعِيَهُ، وهو أنْ لا يَكُونَ لَكَ عَلى عِبادِي سُلْطانٌ. قالَ الكِسائِيُّ: هَذا عَلى الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تُهَدِّدُهُ: طَرِيقُكَ عَلَيَّ ومَصِيرُكُ إلَيَّ، وكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] فَكَأنَّ مَعْنى هَذا الكَلامِ: هَذا طَرِيقُ مَرْجِعِهِ إلَيَّ فَأُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: عَلى هُنا بِمَعْنى إلى، وقِيلَ: المَعْنى عَلى أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِالبَيانِ والحُجَّةِ، وقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ وقَتادَةُ والحَسَنُ وقَيْسُ بْنُ عَبّادٍ وأبُو رَجاءٍ وحُمَيْدٌ ويَعْقُوبُ " هَذا صِراطٌ عَلِيٌّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، ومَعْناهُ رَفِيعٌ. ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ المُرادُ بِالعِبادِ هُنا هُمُ المُخْلَصُونَ، والمُرادُ أنَّهُ لا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَيْهِمْ بِإيقاعِهِمْ في ذَنْبٍ يَهْلَكُونَ بِهِ ولا يَتُوبُونَ مِنهُ، فَلا يُنافِي هَذا ما وقَعَ مِن آدَمَ وحَوّاءَ ونَحْوِهِما، فَإنَّهُ ذَنْبٌ مَغْفُورٌ لِوُقُوعِ التَّوْبَةِ عَنْهُ ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ اسْتَثْنى سُبْحانَهُ مِن عِبادِهِ هَؤُلاءِ، وهُمُ المُتَّبِعُونَ لِإبْلِيسَ - مِنَ الغاوِينَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ الواقِعِينَ في الضَّلالِ، وهو مُوافِقٌ لِما قالَهُ إبْلِيسُ اللَّعِينُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ بَيْنَ الكَلامَيْنِ فَرْقًا، فَكَلامُ اللَّهِ سُبْحانَهُ فِيهِ نَفْيُ سُلْطانِ إبْلِيسَ عَلى جَمِيعِ عِبادِهِ إلّا مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الغاوِينَ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ المُخْلَصُونَ وغَيْرُهم مِمَّنْ لَمْ يَتَّبِعْ إبْلِيسَ مِنَ الغاوِينَ، وكَلامُ إبْلِيسَ اللَّعِينِ يَتَضَمَّنُ إغْواءَ الجَمِيعِ إلّا المُخْلَصِينَ، فَدَخَلَ فِيهِمْ مَن لَمْ يَكُنْ مُخْلَصًا ولا تابِعًا لِإبْلِيسَ غاوِيًا. والحاصِلُ أنَّ بَيْنَ المُخْلَصِينَ والغاوِينَ التّابِعِينَ لِإبْلِيسَ طائِفَةٌ لَمْ تَكُنْ مُخْلَصَةً ولا غاوِيَةً تابِعَةً لِإبْلِيسَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الغاوِينَ المُتَّبِعِينَ لِإبْلِيسَ هُمُ المُشْرِكُونَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] . ثُمَّ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُتَوَعِّدًا لِأتْباعِ إبْلِيسَ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ . أيْ مَوْعِدُ المُتَّبِعِينَ الغاوِينَ، و" أجْمَعِينَ " تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ أوْ حالٌ. ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ﴾ يَدْخُلُ أهْلُ النّارِ مِنها، وإنَّما كانَتْ سَبْعَةً لِكَثْرَةِ أهْلِها ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ الأتْباعِ الغُواةِ ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أيْ قَدَرٌ مَعْلُومٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأبْوابِ الأطْباقُ طَبَقٌ فَوْقَ طَبَقٍ، وهي: جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظى ثُمَّ الحُطَمَةُ ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ، فَأعْلاها لِلْمُوَحِّدِينَ، والثّانِيَةُ لِلْيَهُودِ، والثّالِثَةُ لِلنَّصارى، والرّابِعَةُ لِلصّابِئِينَ، والخامِسَةُ لِلْمَجُوسِ، والسّادِسَةُ لِلْمُشْرِكِينَ، والسّابِعَةُ لِلْمُنافِقِينَ، فَجَهَنَّمُ أعْلى الطِّباقِ، ثُمَّ ما بَعْدَها تَحْتَها، ثُمَّ كَذَلِكَ، كَذا قِيلَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خُلِقَ الإنْسانُ مِن ثَلاثٍ: مِن طِينٍ لازِبٍ وصَلْصالٍ وحَمَأٍ مَسْنُونٍ، فالطِّينُ اللّازِبُ: اللّازِمُ الجَيِّدُ، والصَّلْصالُ: المُدَقَّقُ الَّذِي يُصْنَعُ مِنهُ الفَخّارُ، والحَمَأُ المَسْنُونُ: الطِّينُ الَّذِي فِيهِ الحَمَأةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: الصَّلْصالُ الماءُ يَقَعُ عَلى الأرْضِ الطَّيِّبَةِ ثُمَّ يُحْسَرُ عَنْها فَتَشَقَّقُ ثُمَّ تَصِيرُ مِثْلَ الخَزَفِ الرِّقاقِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الصَّلْصالُ هو التُّرابُ اليابِسُ الَّذِي يُبَلُّ بَعْدَ يُبْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا، قالَ: الصَّلْصالُ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا. قالَ: الصَّلْصالُ الَّذِي إذا ضَرَبْتَهُ صَلْصَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا. قالَ: الصَّلْصالُ الطِّينُ تَعْصِرُ بِيَدِكَ فَيَخْرُجُ الماءُ مِن بَيْنِ أصابِعِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ (p-٧٦٣)المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قالَ: مِن طِينٍ رَطْبٍ: وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ قالَ: مِن طِينٍ مُنْتِنٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الجانُّ مَسِيخُ الجِنِّ كالقِرَدَةِ والخَنازِيرِ مَسِيخُ الإنْسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الجانُّ هو إبْلِيسُ خُلِقَ مِن قَبْلِ آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ قالَ: مِن أحْسَنِ النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: ﴿نارِ السَّمُومِ﴾ الحارَةِ الَّتِي تَقْتُلُ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: السَّمُومُ الَّتِي خُلِقَ مِنها الجانُّ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ: أرادَ إبْلِيسُ ألّا يَذُوقَ المَوْتَ فَقِيلَ إنَّكَ مِنَ المَنظَرَيْنِ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ، قالَ: النَّفْخَةُ الأُولى يَمُوتُ فِيها إبْلِيسُ، وبَيْنَ النَّفْخَةِ والنَّفْخَةِ أرْبَعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ رَفِيعٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ﴾ بِعَدَدِ أطْباقِ جَهَنَّمَ، كَما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ النّارِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: أطْباقُ جَهَنَّمَ سَبْعَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، فَيُمْلَأُ الأوَّلُ، ثُمَّ الثّانِي، ثُمَّ الثّالِثُ، حَتّى تُمْلَأ كُلُّها، وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «بِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أبْوابٍ: بابٌ مِنها لِمَن سَلَّ السَّيْفَ عَلى أُمَّتِي» . وقَدْ ورَدَ في صِفَةِ النّارِ أحادِيثُ وآثارٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قالَ: جُزْءٌ أشْرَكُوا بِاللَّهِ، وجُزْءٌ شَكُّوا في اللَّهِ، وجُزْءٌ غَفَلُوا عَنِ اللَّهِ» .

الزمر 39:1

تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُّمَرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ الزُّمَرِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ الزُّمَرِ سِوى ثَلاثَةِ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥] الثَّلاثَ الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: إلى سَبْعِ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٩] إلى آخِرِ السَّبْعِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَصُومُ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يُفْطِرَ، ويُفْطِرَ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يَصُومَ، وكانَ يَقْرَأُ في كُلِّ لَيْلَةٍ بَنِي إسْرائِيلَ والزُّمَرَ» . وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْها بِلَفْظِ: «" كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - (p-١٢٧٤)لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ الزُّمَرَ وبَنِي إسْرائِيلَ» " . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: تَنْزِيلُ الكِتابِ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو اسْمُ إشارَةٍ أيْ: هَذا تَنْزِيلٌ. وقالَ أبُو حَيّانَ إنَّ المُبْتَدَأ المُقَدَّرَ لَفْظُ " هو " لَيَعُودُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧]، كَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا الذِّكْرُ ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَنْزِيلُ الكِتابِ، وقِيلَ: ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ أيْ: تَنْزِيلٌ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ. قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِمَعْنى هَذا تَنْزِيلٌ، وأجازَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيِ: اتَّبِعُوا أوِ اقْرَءُوا تَنْزِيلَ الكِتابِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الإغْراءِ أيِ: الزَمُوا، والكِتابُ هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ صِلَةٌ لِلتَّنْزِيلِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ عَمِلَ فِيهِ اسْمُ الإشارَةِ المُقَدَّرُ. ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالإنْزالِ أيْ: أنْزَلْناهُ بِسَبَبِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، والمُرادُ كُلُّ ما فِيهِ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وأنْواعِ التَّكالِيفِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: لَمْ نُنْزِلْهُ باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ. ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وانْتِصابُ ( مُخْلِصًا ) عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " اعْبُدْ "، والإخْلاصُ أنْ يَقْصِدَ العَبْدُ بِعَمَلِهِ وجْهَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، والدِّينُ العِبادَةُ والطّاعَةُ، ورَأْسُها تَوْحِيدُ اللَّهِ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الدِّينَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( مُخْلِصًا ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّ ( مُخْلِصًا ) مُسْنَدٌ إلى ( الدِّينَ ) عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ. قِيلَ: وكانَ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ ( مُخْلِصًا ) بِفَتْحِ اللّامِ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ وإخْلاصِها عَنِ الشَّوائِبِ؛ لِأنَّ الإخْلاصَ مِنَ الأُمُورِ القَلْبِيَّةِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا بِأعْمالِ القَلْبِ، وقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ مَلاكَ الأمْرِ في الأقْوالِ والأفْعالِ النِّيَّةُ، كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ»، وحَدِيثِ «لا قَوْلَ ولا عَمَلَ إلّا بِنِيَّةٍ» . وجُمْلَةُ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالإخْلاصِ أيْ: إنِ الدِّينَ الخالِصَ مِن شَوائِبِ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ هو لِلَّهِ، وما سِواهُ مِنَ الأدْيانِ فَلَيْسَ بِدِينِ اللَّهِ الخالِصِ الَّذِي أمَرَ بِهِ. قالَ قَتادَةُ: الدِّينُ الخالِصُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ لَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِعِبادَتِهِ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ وأنَّ الدِّينَ الخالِصَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ بَيَّنَ بُطْلانَ الشِّرْكِ الَّذِي هو مُخالِفٌ لِلْإخْلاصِ والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وجُمْلَةُ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، والمَعْنى: والَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا العِبادَةَ لِلَّهِ، بَلْ شابُوها بِعِبادَةِ غَيْرِهِ قائِلِينَ: ما نَعْبُدُهم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا والضَّمِيرُ في ( نَعْبُدُهم ) راجِعٌ إلى الأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِنَ المَلائِكَةِ وعِيسى والأصْنامِ، وهُمُ المُرادُونَ بِالأوْلِياءِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ الشَّفاعَةُ، كَما حَكاهُ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ. قالَ قَتادَةُ: كانُوا إذا قِيلَ لَهم: مَن رَبُّكم وخالِقُكم ومَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ؟ قالُوا: اللَّهُ، فَيُقالُ لَهم: ما مَعْنى عِبادَتِكم لِلْأصْنامِ ؟ قالُوا: لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ويَشْفَعُوا لَنا عِنْدَهُ. قالَ الكَلْبِيُّ: جَوابُ هَذا الكَلامِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الأحْقافِ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف: ٢٨]، والزُّلْفى اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ " قالُوا ما نَعْبُدُهم " ومَعْنى ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، وقِيلَ: بَيْنَ المُخْلِصِينَ لِلدِّينِ وبَيْنَ الَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا، وحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الحالَةِ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿فِي ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الدِّينِ بِالتَّوْحِيدِ والشِّرْكِ، فَإنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَدَّعِي أنَّ الحَقَّ مَعَها ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ أيْ: لا يُرْشِدُ لِدِينِهِ ولا يُوَفِّقُ لِلِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ مَن هو كاذِبٌ في زَعْمِهِ أنَّ الآلِهَةَ تُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ وكَفَرَ بِاتِّخاذِها آلِهَةً وجَعْلِها شُرَكاءَ لِلَّهِ، والكُفّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُفْرَ هَؤُلاءِ قَدْ بَلَغَ إلى الغايَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ " كَذّابٌ " عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ كَكُفّارٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أنَسٍ. ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى﴾ هَذا مُقَرَّرٌ لِما سَبَقَ مِن إبْطالِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ لِتَضَمُّنِهُ اسْتِحالَةَ الوَلَدِ في حَقِّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى الإطْلاقِ، فَلَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لامْتَنَعَ اتِّخاذُ الوَلَدِ حَقِيقَةً ولَمْ يَتَأتَّ ذَلِكَ إلّا بِأنْ يَصْطَفِيَ مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ أيْ: يَخْتارُ مِن جُمْلَةِ خَلْقِهِ ما يَشاءُ أنْ يَصْطَفِيَهُ، إذْ لا مَوْجُودَ سِواهُ إلّا وهو مَخْلُوقٌ لَهُ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ ولَدًا لِلْخالِقِ لِعَدَمِ المُجانَسَةِ بَيْنَهُما، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَصْطَفِيَهُ عَبْدًا كَما يُفِيدُهُ التَّعْبِيرُ بِالِاصْطِفاءِ مَكانَ (p-١٢٧٥)الِاتِّخاذِ، فَمَعْنى الآيَةِ: لَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لَوَقَعَ مِنهُ شَيْءٌ لَيْسَ هو مِنَ اتِّخاذِ الوَلَدِ، بَلْ إنَّما هو مِنَ الِاصْطِفاءِ لِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ، ولِهَذا نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ عَلى الإطْلاقِ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِتَنَزُّهِهِ بِحَسْبِ الصِّفاتِ بَعْدَ تَنَزُّهِهِ بِحَسْبِ الذّاتِ أيْ: هو المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ المُتَوَحِّدُ في ذاتِهِ فَلا مُماثِلَ لَهُ القَهّارُ لِكُلِّ مَخْلُوقاتِهِ، ومَن كانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ اسْتَحالَ وُجُودُ الوَلَدِ في حَقِّهِ. لِأنَّ الوَلَدَ مُماثِلٌ لِوالِدِهِ ولا مُماثِلَ لَهُ - سُبْحانَهُ -، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ [الأنبياء: ١٧] . ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ بِكَوْنِهِ إلَهًا واحِدًا قَهّارًا ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ فَقالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقْهُما باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، ومَن كانَ هَذا الخَلْقُ العَظِيمُ خَلْقَهُ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ تَصَرُّفِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ التَّكْوِيرُ في اللُّغَةِ طَرْحُ الشَّيْءِ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. يُقالُ: كَوَّرَ المَتاعَ: إذا ألْقى بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، ومِنهُ كَوَّرَ العِمامَةَ، فَمَعْنى تَكْوِيرِ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ تَغْشِيَتُهُ إيّاهُ حَتّى يَذْهَبَ ضَوْءُهُ، ومَعْنى تَكْوِيرِ النَّهارِ عَلى اللَّيْلِ: تَغْشِيَتُهُ إيّاهُ حَتّى تَذْهَبَ ظُلْمَتُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] هَكَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْ: يُلْقِي هَذا عَلى هَذا، وهَذا عَلى هَذا، وهو مُقارِبٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ. وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ ما نَقَصَ مِنَ اللَّيْلِ دَخَلَ في النَّهارِ، وما نَقَصَ مِنَ النَّهارِ دَخَلَ في اللَّيْلِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [ فاطِرٍ: ١٣ والحَدِيدِ: ٦ ] وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا يَكُرُّ عَلى هَذا وهَذا يَكُرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا. قالَ الرّاغِبُ: تَكْوِيرُ الشَّيْءِ إدارَتُهُ وضَمُّ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ كَ: كَوَّرَ العِمامَةَ اهـ. والإشارَةُ بِهَذا التَّكْوِيرِ المَذْكُورِ في الآيَةِ إلى جَرَيانِ الشَّمْسِ في مَطالِعِها وانْتِقاصِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وازْدِيادِهِما. قالَ الرّازِيُّ: إنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ عَسْكَرانِ عَظِيمانِ، وفي كُلِّ يَوْمٍ يَغْلِبُ هَذا ذاكَ، وذاكَ هَذا، ثُمَّ ذَكَرَ تَسْخِيرَهُ لِسُلْطانِ النَّهارِ وسُلْطانِ اللَّيْلِ، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ فَقالَ: وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ: جَعَلَهُما مُنْقادَيْنِ لِأمْرِهِ بِالطُّلُوعِ والغُرُوبِ لِمَنافِعِ العِبادِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ هَذا التَّسْخِيرِ فَقالَ: كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى أيْ: يَجْرِي في فَلَكِهِ إلى أنْ تَنْصَرِمَ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأجَلِ المُسَمّى لِجَرْيِهِما مُسْتَوْفًى في سُورَةِ يس ﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ألا حَرْفُ تَنْبِيهٍ، والمَعْنى: تَنَبَّهُوا أيُّها العِبادُ، فاللَّهُ هو الغالِبُ السّاتِرُ لِذُنُوبِ خَلْقِهِ بِالمَغْفِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، فَقالَ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي نَفْسُ آدَمَ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ جاءَ بِـ: ( ثُمَّ ) لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ خَلْقِ حَوّاءَ عَلى خَلْقِ آدَمَ، وتَراخِيهِ عَنْهُ؛ لِأنَّها خُلِقَتْ مِنهُ، والعَطْفُ: إمّا عَلى مُقَدَّرٍ هو صِفَةٌ لِنَفْسٍ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ التَّقْدِيرُ: خَلَقَكم مِن نَفْسٍ خَلَقَها واحِدَةً ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى مَعْنى ( واحِدَةٍ ) أيْ: مِن نَفْسٍ انْفَرَدَتْ ثُمَّ جَعَلَ إلَخْ، والتَّعْبِيرُ بِالجَعْلِ دُونَ الخَلْقِ مَعَ العَطْفِ بِـ: ( ثُمَّ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ خَلْقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِ آدَمَ أُدْخِلَ في كَوْنِهِ آيَةً باهِرَةً دالَّةً عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، لِأنَّ خَلْقَ آدَمَ هو عَلى عادَةِ اللَّهِ المُسْتَمِرَّةِ في خَلْقِهِ، وخَلْقُها عَلى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ لَمْ تَجْرِ بِهِ عادَةٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يَخْلُقْ - سُبْحانَهُ - أُنْثى مِن ضِلْعِ رَجُلٍ غَيْرَها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ الأعْرافِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ فَقالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( خَلَقَكم )، وعَبَّرَ بِالإنْزالِ لِما يُرْوى أنَّهُ خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها، فَيَكُونُ الإنْزالُ حَقِيقَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا لِأنَّها لَمْ تَعِشْ إلّا بِالنَّباتِ، والنَّباتُ إنَّما يَعِيشُ بِالماءِ والماءُ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماءِ، كانَتِ الأنْعامُ كَأنَّها مُنَزَّلَةٌ؛ لِأنَّ سَبَبَ سَبَبِها مُنَزَّلٌ كَما أُطْلِقَ عَلى السَّبَبِ في قَوْلِهِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا وقِيلَ: إنَّ ( أنْزَلَ ) بِمَعْنى أنْشَأ وجَعَلَ، أوْ بِمَعْنى أعْطى، وقِيلَ: جُعِلَ الخَلْقُ إنْزالًا، لِأنَّ الخَلْقَ إنَّما يَكُونُ بِأمْرٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، والثَّمانِيَةُ الأزْواجُ هي ما في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ويَعْنِي بِالِاثْنَيْنِ في الأرْبَعَةِ المَواضِعِ الذَّكَرَ والأُنْثى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ البَدِيعَةِ فَقالَ: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الأطْوارِ المُخْتَلِفَةِ في خَلْقِهِمْ، و( خَلْقًا ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، ومِن بَعْدِ خَلْقٍ صِفَةٌ لَهُ أيْ: خَلْقًا كائِنًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ. قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا ثُمَّ لَحْمًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خَلَقَكم خَلْقًا في بُطُونِ أُمَّهاتِكم مِن بَعْدِ خَلْقِكم في ظَهْرِ آدَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ( يَخْلُقُكم ) وهَذِهِ الظُّلُماتُ الثَّلاثُ هي: ظُلْمَةُ البَطْنِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ المَشِيمَةِ قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ظُلْمَةُ المَشِيمَةِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ اللَّيْلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ظُلْمَةُ صُلْبِ الرَّجُلِ، وظُلْمَةُ بَطْنِ المَرْأةِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكُمُ اللَّهُ ) إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ أفْعالِهِ السّابِقَةِ، والِاسْمُ الشَّرِيفُ خَبَرُهُ رَبُّكُمُ خَبَرٌ آخَرُ لَهُ المُلْكُ الحَقِيقِيُّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لا شَرِكَةَ لِغَيْرٍ فِيهِ، وهو خَبَرٌ ثالِثٌ، وقَوْلُهُ: ( لا إلَهَ إلّا هو ) خَبَرٌ رابِعٌ. ( فَأنّى تُصْرَفُونَ ) أيْ: فَكَيْفَ تَنْصَرِفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وتَنْقَلِبُونَ عَنْها إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ. قَرَأ حَمْزَةُ " إمِّهاتِكم " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ يَزِيدَ الرَّقاشِيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نُعْطِي أمْوالَنا التِماسَ الذِّكْرِ فَهَلْ (p-١٢٧٦)لَنا في ذَلِكَ مِن أجْرٍ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا. قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما نُعْطِي التِماسَ الأجْرِ والذِّكْرِ فَهَلْ لَنا أجْرٌ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إلّا ما أُخْلِصَ لَهُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ﴾ قالَ: يَحْمِلُ اللَّيْلَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ قالَ: عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظامًا ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ البَطْنِ والرَّحِمِ والمَشِيمَةِ.

الزمر 39:2

تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُّمَرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ الزُّمَرِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ الزُّمَرِ سِوى ثَلاثَةِ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥] الثَّلاثَ الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: إلى سَبْعِ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٩] إلى آخِرِ السَّبْعِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَصُومُ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يُفْطِرَ، ويُفْطِرَ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يَصُومَ، وكانَ يَقْرَأُ في كُلِّ لَيْلَةٍ بَنِي إسْرائِيلَ والزُّمَرَ» . وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْها بِلَفْظِ: «" كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - (p-١٢٧٤)لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ الزُّمَرَ وبَنِي إسْرائِيلَ» " . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: تَنْزِيلُ الكِتابِ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو اسْمُ إشارَةٍ أيْ: هَذا تَنْزِيلٌ. وقالَ أبُو حَيّانَ إنَّ المُبْتَدَأ المُقَدَّرَ لَفْظُ " هو " لَيَعُودُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧]، كَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا الذِّكْرُ ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَنْزِيلُ الكِتابِ، وقِيلَ: ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ أيْ: تَنْزِيلٌ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ. قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِمَعْنى هَذا تَنْزِيلٌ، وأجازَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيِ: اتَّبِعُوا أوِ اقْرَءُوا تَنْزِيلَ الكِتابِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الإغْراءِ أيِ: الزَمُوا، والكِتابُ هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ صِلَةٌ لِلتَّنْزِيلِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ عَمِلَ فِيهِ اسْمُ الإشارَةِ المُقَدَّرُ. ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالإنْزالِ أيْ: أنْزَلْناهُ بِسَبَبِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، والمُرادُ كُلُّ ما فِيهِ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وأنْواعِ التَّكالِيفِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: لَمْ نُنْزِلْهُ باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ. ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وانْتِصابُ ( مُخْلِصًا ) عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " اعْبُدْ "، والإخْلاصُ أنْ يَقْصِدَ العَبْدُ بِعَمَلِهِ وجْهَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، والدِّينُ العِبادَةُ والطّاعَةُ، ورَأْسُها تَوْحِيدُ اللَّهِ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الدِّينَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( مُخْلِصًا ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّ ( مُخْلِصًا ) مُسْنَدٌ إلى ( الدِّينَ ) عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ. قِيلَ: وكانَ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ ( مُخْلِصًا ) بِفَتْحِ اللّامِ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ وإخْلاصِها عَنِ الشَّوائِبِ؛ لِأنَّ الإخْلاصَ مِنَ الأُمُورِ القَلْبِيَّةِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا بِأعْمالِ القَلْبِ، وقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ مَلاكَ الأمْرِ في الأقْوالِ والأفْعالِ النِّيَّةُ، كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ»، وحَدِيثِ «لا قَوْلَ ولا عَمَلَ إلّا بِنِيَّةٍ» . وجُمْلَةُ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالإخْلاصِ أيْ: إنِ الدِّينَ الخالِصَ مِن شَوائِبِ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ هو لِلَّهِ، وما سِواهُ مِنَ الأدْيانِ فَلَيْسَ بِدِينِ اللَّهِ الخالِصِ الَّذِي أمَرَ بِهِ. قالَ قَتادَةُ: الدِّينُ الخالِصُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ لَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِعِبادَتِهِ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ وأنَّ الدِّينَ الخالِصَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ بَيَّنَ بُطْلانَ الشِّرْكِ الَّذِي هو مُخالِفٌ لِلْإخْلاصِ والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وجُمْلَةُ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، والمَعْنى: والَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا العِبادَةَ لِلَّهِ، بَلْ شابُوها بِعِبادَةِ غَيْرِهِ قائِلِينَ: ما نَعْبُدُهم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا والضَّمِيرُ في ( نَعْبُدُهم ) راجِعٌ إلى الأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِنَ المَلائِكَةِ وعِيسى والأصْنامِ، وهُمُ المُرادُونَ بِالأوْلِياءِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ الشَّفاعَةُ، كَما حَكاهُ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ. قالَ قَتادَةُ: كانُوا إذا قِيلَ لَهم: مَن رَبُّكم وخالِقُكم ومَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ؟ قالُوا: اللَّهُ، فَيُقالُ لَهم: ما مَعْنى عِبادَتِكم لِلْأصْنامِ ؟ قالُوا: لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ويَشْفَعُوا لَنا عِنْدَهُ. قالَ الكَلْبِيُّ: جَوابُ هَذا الكَلامِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الأحْقافِ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف: ٢٨]، والزُّلْفى اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ " قالُوا ما نَعْبُدُهم " ومَعْنى ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، وقِيلَ: بَيْنَ المُخْلِصِينَ لِلدِّينِ وبَيْنَ الَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا، وحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الحالَةِ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿فِي ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الدِّينِ بِالتَّوْحِيدِ والشِّرْكِ، فَإنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَدَّعِي أنَّ الحَقَّ مَعَها ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ أيْ: لا يُرْشِدُ لِدِينِهِ ولا يُوَفِّقُ لِلِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ مَن هو كاذِبٌ في زَعْمِهِ أنَّ الآلِهَةَ تُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ وكَفَرَ بِاتِّخاذِها آلِهَةً وجَعْلِها شُرَكاءَ لِلَّهِ، والكُفّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُفْرَ هَؤُلاءِ قَدْ بَلَغَ إلى الغايَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ " كَذّابٌ " عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ كَكُفّارٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أنَسٍ. ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى﴾ هَذا مُقَرَّرٌ لِما سَبَقَ مِن إبْطالِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ لِتَضَمُّنِهُ اسْتِحالَةَ الوَلَدِ في حَقِّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى الإطْلاقِ، فَلَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لامْتَنَعَ اتِّخاذُ الوَلَدِ حَقِيقَةً ولَمْ يَتَأتَّ ذَلِكَ إلّا بِأنْ يَصْطَفِيَ مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ أيْ: يَخْتارُ مِن جُمْلَةِ خَلْقِهِ ما يَشاءُ أنْ يَصْطَفِيَهُ، إذْ لا مَوْجُودَ سِواهُ إلّا وهو مَخْلُوقٌ لَهُ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ ولَدًا لِلْخالِقِ لِعَدَمِ المُجانَسَةِ بَيْنَهُما، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَصْطَفِيَهُ عَبْدًا كَما يُفِيدُهُ التَّعْبِيرُ بِالِاصْطِفاءِ مَكانَ (p-١٢٧٥)الِاتِّخاذِ، فَمَعْنى الآيَةِ: لَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لَوَقَعَ مِنهُ شَيْءٌ لَيْسَ هو مِنَ اتِّخاذِ الوَلَدِ، بَلْ إنَّما هو مِنَ الِاصْطِفاءِ لِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ، ولِهَذا نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ عَلى الإطْلاقِ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِتَنَزُّهِهِ بِحَسْبِ الصِّفاتِ بَعْدَ تَنَزُّهِهِ بِحَسْبِ الذّاتِ أيْ: هو المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ المُتَوَحِّدُ في ذاتِهِ فَلا مُماثِلَ لَهُ القَهّارُ لِكُلِّ مَخْلُوقاتِهِ، ومَن كانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ اسْتَحالَ وُجُودُ الوَلَدِ في حَقِّهِ. لِأنَّ الوَلَدَ مُماثِلٌ لِوالِدِهِ ولا مُماثِلَ لَهُ - سُبْحانَهُ -، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ [الأنبياء: ١٧] . ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ بِكَوْنِهِ إلَهًا واحِدًا قَهّارًا ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ فَقالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقْهُما باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، ومَن كانَ هَذا الخَلْقُ العَظِيمُ خَلْقَهُ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ تَصَرُّفِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ التَّكْوِيرُ في اللُّغَةِ طَرْحُ الشَّيْءِ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. يُقالُ: كَوَّرَ المَتاعَ: إذا ألْقى بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، ومِنهُ كَوَّرَ العِمامَةَ، فَمَعْنى تَكْوِيرِ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ تَغْشِيَتُهُ إيّاهُ حَتّى يَذْهَبَ ضَوْءُهُ، ومَعْنى تَكْوِيرِ النَّهارِ عَلى اللَّيْلِ: تَغْشِيَتُهُ إيّاهُ حَتّى تَذْهَبَ ظُلْمَتُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] هَكَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْ: يُلْقِي هَذا عَلى هَذا، وهَذا عَلى هَذا، وهو مُقارِبٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ. وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ ما نَقَصَ مِنَ اللَّيْلِ دَخَلَ في النَّهارِ، وما نَقَصَ مِنَ النَّهارِ دَخَلَ في اللَّيْلِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [ فاطِرٍ: ١٣ والحَدِيدِ: ٦ ] وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا يَكُرُّ عَلى هَذا وهَذا يَكُرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا. قالَ الرّاغِبُ: تَكْوِيرُ الشَّيْءِ إدارَتُهُ وضَمُّ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ كَ: كَوَّرَ العِمامَةَ اهـ. والإشارَةُ بِهَذا التَّكْوِيرِ المَذْكُورِ في الآيَةِ إلى جَرَيانِ الشَّمْسِ في مَطالِعِها وانْتِقاصِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وازْدِيادِهِما. قالَ الرّازِيُّ: إنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ عَسْكَرانِ عَظِيمانِ، وفي كُلِّ يَوْمٍ يَغْلِبُ هَذا ذاكَ، وذاكَ هَذا، ثُمَّ ذَكَرَ تَسْخِيرَهُ لِسُلْطانِ النَّهارِ وسُلْطانِ اللَّيْلِ، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ فَقالَ: وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ: جَعَلَهُما مُنْقادَيْنِ لِأمْرِهِ بِالطُّلُوعِ والغُرُوبِ لِمَنافِعِ العِبادِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ هَذا التَّسْخِيرِ فَقالَ: كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى أيْ: يَجْرِي في فَلَكِهِ إلى أنْ تَنْصَرِمَ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأجَلِ المُسَمّى لِجَرْيِهِما مُسْتَوْفًى في سُورَةِ يس ﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ألا حَرْفُ تَنْبِيهٍ، والمَعْنى: تَنَبَّهُوا أيُّها العِبادُ، فاللَّهُ هو الغالِبُ السّاتِرُ لِذُنُوبِ خَلْقِهِ بِالمَغْفِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، فَقالَ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي نَفْسُ آدَمَ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ جاءَ بِـ: ( ثُمَّ ) لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ خَلْقِ حَوّاءَ عَلى خَلْقِ آدَمَ، وتَراخِيهِ عَنْهُ؛ لِأنَّها خُلِقَتْ مِنهُ، والعَطْفُ: إمّا عَلى مُقَدَّرٍ هو صِفَةٌ لِنَفْسٍ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ التَّقْدِيرُ: خَلَقَكم مِن نَفْسٍ خَلَقَها واحِدَةً ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى مَعْنى ( واحِدَةٍ ) أيْ: مِن نَفْسٍ انْفَرَدَتْ ثُمَّ جَعَلَ إلَخْ، والتَّعْبِيرُ بِالجَعْلِ دُونَ الخَلْقِ مَعَ العَطْفِ بِـ: ( ثُمَّ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ خَلْقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِ آدَمَ أُدْخِلَ في كَوْنِهِ آيَةً باهِرَةً دالَّةً عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، لِأنَّ خَلْقَ آدَمَ هو عَلى عادَةِ اللَّهِ المُسْتَمِرَّةِ في خَلْقِهِ، وخَلْقُها عَلى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ لَمْ تَجْرِ بِهِ عادَةٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يَخْلُقْ - سُبْحانَهُ - أُنْثى مِن ضِلْعِ رَجُلٍ غَيْرَها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ الأعْرافِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ فَقالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( خَلَقَكم )، وعَبَّرَ بِالإنْزالِ لِما يُرْوى أنَّهُ خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها، فَيَكُونُ الإنْزالُ حَقِيقَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا لِأنَّها لَمْ تَعِشْ إلّا بِالنَّباتِ، والنَّباتُ إنَّما يَعِيشُ بِالماءِ والماءُ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماءِ، كانَتِ الأنْعامُ كَأنَّها مُنَزَّلَةٌ؛ لِأنَّ سَبَبَ سَبَبِها مُنَزَّلٌ كَما أُطْلِقَ عَلى السَّبَبِ في قَوْلِهِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا وقِيلَ: إنَّ ( أنْزَلَ ) بِمَعْنى أنْشَأ وجَعَلَ، أوْ بِمَعْنى أعْطى، وقِيلَ: جُعِلَ الخَلْقُ إنْزالًا، لِأنَّ الخَلْقَ إنَّما يَكُونُ بِأمْرٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، والثَّمانِيَةُ الأزْواجُ هي ما في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ويَعْنِي بِالِاثْنَيْنِ في الأرْبَعَةِ المَواضِعِ الذَّكَرَ والأُنْثى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ البَدِيعَةِ فَقالَ: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الأطْوارِ المُخْتَلِفَةِ في خَلْقِهِمْ، و( خَلْقًا ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، ومِن بَعْدِ خَلْقٍ صِفَةٌ لَهُ أيْ: خَلْقًا كائِنًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ. قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا ثُمَّ لَحْمًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خَلَقَكم خَلْقًا في بُطُونِ أُمَّهاتِكم مِن بَعْدِ خَلْقِكم في ظَهْرِ آدَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ( يَخْلُقُكم ) وهَذِهِ الظُّلُماتُ الثَّلاثُ هي: ظُلْمَةُ البَطْنِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ المَشِيمَةِ قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ظُلْمَةُ المَشِيمَةِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ اللَّيْلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ظُلْمَةُ صُلْبِ الرَّجُلِ، وظُلْمَةُ بَطْنِ المَرْأةِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكُمُ اللَّهُ ) إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ أفْعالِهِ السّابِقَةِ، والِاسْمُ الشَّرِيفُ خَبَرُهُ رَبُّكُمُ خَبَرٌ آخَرُ لَهُ المُلْكُ الحَقِيقِيُّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لا شَرِكَةَ لِغَيْرٍ فِيهِ، وهو خَبَرٌ ثالِثٌ، وقَوْلُهُ: ( لا إلَهَ إلّا هو ) خَبَرٌ رابِعٌ. ( فَأنّى تُصْرَفُونَ ) أيْ: فَكَيْفَ تَنْصَرِفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وتَنْقَلِبُونَ عَنْها إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ. قَرَأ حَمْزَةُ " إمِّهاتِكم " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ يَزِيدَ الرَّقاشِيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نُعْطِي أمْوالَنا التِماسَ الذِّكْرِ فَهَلْ (p-١٢٧٦)لَنا في ذَلِكَ مِن أجْرٍ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا. قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما نُعْطِي التِماسَ الأجْرِ والذِّكْرِ فَهَلْ لَنا أجْرٌ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إلّا ما أُخْلِصَ لَهُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ﴾ قالَ: يَحْمِلُ اللَّيْلَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ قالَ: عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظامًا ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ البَطْنِ والرَّحِمِ والمَشِيمَةِ.

الزمر 39:3

تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُّمَرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ الزُّمَرِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ الزُّمَرِ سِوى ثَلاثَةِ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥] الثَّلاثَ الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: إلى سَبْعِ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٩] إلى آخِرِ السَّبْعِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَصُومُ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يُفْطِرَ، ويُفْطِرَ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يَصُومَ، وكانَ يَقْرَأُ في كُلِّ لَيْلَةٍ بَنِي إسْرائِيلَ والزُّمَرَ» . وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْها بِلَفْظِ: «" كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - (p-١٢٧٤)لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ الزُّمَرَ وبَنِي إسْرائِيلَ» " . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: تَنْزِيلُ الكِتابِ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو اسْمُ إشارَةٍ أيْ: هَذا تَنْزِيلٌ. وقالَ أبُو حَيّانَ إنَّ المُبْتَدَأ المُقَدَّرَ لَفْظُ " هو " لَيَعُودُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧]، كَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا الذِّكْرُ ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَنْزِيلُ الكِتابِ، وقِيلَ: ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ أيْ: تَنْزِيلٌ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ. قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِمَعْنى هَذا تَنْزِيلٌ، وأجازَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيِ: اتَّبِعُوا أوِ اقْرَءُوا تَنْزِيلَ الكِتابِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الإغْراءِ أيِ: الزَمُوا، والكِتابُ هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ صِلَةٌ لِلتَّنْزِيلِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ عَمِلَ فِيهِ اسْمُ الإشارَةِ المُقَدَّرُ. ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالإنْزالِ أيْ: أنْزَلْناهُ بِسَبَبِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، والمُرادُ كُلُّ ما فِيهِ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وأنْواعِ التَّكالِيفِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: لَمْ نُنْزِلْهُ باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ. ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وانْتِصابُ ( مُخْلِصًا ) عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " اعْبُدْ "، والإخْلاصُ أنْ يَقْصِدَ العَبْدُ بِعَمَلِهِ وجْهَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، والدِّينُ العِبادَةُ والطّاعَةُ، ورَأْسُها تَوْحِيدُ اللَّهِ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الدِّينَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( مُخْلِصًا ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّ ( مُخْلِصًا ) مُسْنَدٌ إلى ( الدِّينَ ) عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ. قِيلَ: وكانَ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ ( مُخْلِصًا ) بِفَتْحِ اللّامِ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ وإخْلاصِها عَنِ الشَّوائِبِ؛ لِأنَّ الإخْلاصَ مِنَ الأُمُورِ القَلْبِيَّةِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا بِأعْمالِ القَلْبِ، وقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ مَلاكَ الأمْرِ في الأقْوالِ والأفْعالِ النِّيَّةُ، كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ»، وحَدِيثِ «لا قَوْلَ ولا عَمَلَ إلّا بِنِيَّةٍ» . وجُمْلَةُ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالإخْلاصِ أيْ: إنِ الدِّينَ الخالِصَ مِن شَوائِبِ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ هو لِلَّهِ، وما سِواهُ مِنَ الأدْيانِ فَلَيْسَ بِدِينِ اللَّهِ الخالِصِ الَّذِي أمَرَ بِهِ. قالَ قَتادَةُ: الدِّينُ الخالِصُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ لَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِعِبادَتِهِ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ وأنَّ الدِّينَ الخالِصَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ بَيَّنَ بُطْلانَ الشِّرْكِ الَّذِي هو مُخالِفٌ لِلْإخْلاصِ والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وجُمْلَةُ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، والمَعْنى: والَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا العِبادَةَ لِلَّهِ، بَلْ شابُوها بِعِبادَةِ غَيْرِهِ قائِلِينَ: ما نَعْبُدُهم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا والضَّمِيرُ في ( نَعْبُدُهم ) راجِعٌ إلى الأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِنَ المَلائِكَةِ وعِيسى والأصْنامِ، وهُمُ المُرادُونَ بِالأوْلِياءِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ الشَّفاعَةُ، كَما حَكاهُ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ. قالَ قَتادَةُ: كانُوا إذا قِيلَ لَهم: مَن رَبُّكم وخالِقُكم ومَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ؟ قالُوا: اللَّهُ، فَيُقالُ لَهم: ما مَعْنى عِبادَتِكم لِلْأصْنامِ ؟ قالُوا: لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ويَشْفَعُوا لَنا عِنْدَهُ. قالَ الكَلْبِيُّ: جَوابُ هَذا الكَلامِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الأحْقافِ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف: ٢٨]، والزُّلْفى اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ " قالُوا ما نَعْبُدُهم " ومَعْنى ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، وقِيلَ: بَيْنَ المُخْلِصِينَ لِلدِّينِ وبَيْنَ الَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا، وحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الحالَةِ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿فِي ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الدِّينِ بِالتَّوْحِيدِ والشِّرْكِ، فَإنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَدَّعِي أنَّ الحَقَّ مَعَها ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ أيْ: لا يُرْشِدُ لِدِينِهِ ولا يُوَفِّقُ لِلِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ مَن هو كاذِبٌ في زَعْمِهِ أنَّ الآلِهَةَ تُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ وكَفَرَ بِاتِّخاذِها آلِهَةً وجَعْلِها شُرَكاءَ لِلَّهِ، والكُفّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُفْرَ هَؤُلاءِ قَدْ بَلَغَ إلى الغايَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ " كَذّابٌ " عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ كَكُفّارٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أنَسٍ. ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى﴾ هَذا مُقَرَّرٌ لِما سَبَقَ مِن إبْطالِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ لِتَضَمُّنِهُ اسْتِحالَةَ الوَلَدِ في حَقِّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى الإطْلاقِ، فَلَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لامْتَنَعَ اتِّخاذُ الوَلَدِ حَقِيقَةً ولَمْ يَتَأتَّ ذَلِكَ إلّا بِأنْ يَصْطَفِيَ مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ أيْ: يَخْتارُ مِن جُمْلَةِ خَلْقِهِ ما يَشاءُ أنْ يَصْطَفِيَهُ، إذْ لا مَوْجُودَ سِواهُ إلّا وهو مَخْلُوقٌ لَهُ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ ولَدًا لِلْخالِقِ لِعَدَمِ المُجانَسَةِ بَيْنَهُما، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَصْطَفِيَهُ عَبْدًا كَما يُفِيدُهُ التَّعْبِيرُ بِالِاصْطِفاءِ مَكانَ (p-١٢٧٥)الِاتِّخاذِ، فَمَعْنى الآيَةِ: لَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لَوَقَعَ مِنهُ شَيْءٌ لَيْسَ هو مِنَ اتِّخاذِ الوَلَدِ، بَلْ إنَّما هو مِنَ الِاصْطِفاءِ لِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ، ولِهَذا نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ عَلى الإطْلاقِ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِتَنَزُّهِهِ بِحَسْبِ الصِّفاتِ بَعْدَ تَنَزُّهِهِ بِحَسْبِ الذّاتِ أيْ: هو المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ المُتَوَحِّدُ في ذاتِهِ فَلا مُماثِلَ لَهُ القَهّارُ لِكُلِّ مَخْلُوقاتِهِ، ومَن كانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ اسْتَحالَ وُجُودُ الوَلَدِ في حَقِّهِ. لِأنَّ الوَلَدَ مُماثِلٌ لِوالِدِهِ ولا مُماثِلَ لَهُ - سُبْحانَهُ -، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ [الأنبياء: ١٧] . ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ بِكَوْنِهِ إلَهًا واحِدًا قَهّارًا ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ فَقالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقْهُما باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، ومَن كانَ هَذا الخَلْقُ العَظِيمُ خَلْقَهُ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ تَصَرُّفِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ التَّكْوِيرُ في اللُّغَةِ طَرْحُ الشَّيْءِ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. يُقالُ: كَوَّرَ المَتاعَ: إذا ألْقى بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، ومِنهُ كَوَّرَ العِمامَةَ، فَمَعْنى تَكْوِيرِ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ تَغْشِيَتُهُ إيّاهُ حَتّى يَذْهَبَ ضَوْءُهُ، ومَعْنى تَكْوِيرِ النَّهارِ عَلى اللَّيْلِ: تَغْشِيَتُهُ إيّاهُ حَتّى تَذْهَبَ ظُلْمَتُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] هَكَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْ: يُلْقِي هَذا عَلى هَذا، وهَذا عَلى هَذا، وهو مُقارِبٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ. وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ ما نَقَصَ مِنَ اللَّيْلِ دَخَلَ في النَّهارِ، وما نَقَصَ مِنَ النَّهارِ دَخَلَ في اللَّيْلِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [ فاطِرٍ: ١٣ والحَدِيدِ: ٦ ] وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا يَكُرُّ عَلى هَذا وهَذا يَكُرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا. قالَ الرّاغِبُ: تَكْوِيرُ الشَّيْءِ إدارَتُهُ وضَمُّ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ كَ: كَوَّرَ العِمامَةَ اهـ. والإشارَةُ بِهَذا التَّكْوِيرِ المَذْكُورِ في الآيَةِ إلى جَرَيانِ الشَّمْسِ في مَطالِعِها وانْتِقاصِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وازْدِيادِهِما. قالَ الرّازِيُّ: إنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ عَسْكَرانِ عَظِيمانِ، وفي كُلِّ يَوْمٍ يَغْلِبُ هَذا ذاكَ، وذاكَ هَذا، ثُمَّ ذَكَرَ تَسْخِيرَهُ لِسُلْطانِ النَّهارِ وسُلْطانِ اللَّيْلِ، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ فَقالَ: وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ: جَعَلَهُما مُنْقادَيْنِ لِأمْرِهِ بِالطُّلُوعِ والغُرُوبِ لِمَنافِعِ العِبادِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ هَذا التَّسْخِيرِ فَقالَ: كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى أيْ: يَجْرِي في فَلَكِهِ إلى أنْ تَنْصَرِمَ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأجَلِ المُسَمّى لِجَرْيِهِما مُسْتَوْفًى في سُورَةِ يس ﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ألا حَرْفُ تَنْبِيهٍ، والمَعْنى: تَنَبَّهُوا أيُّها العِبادُ، فاللَّهُ هو الغالِبُ السّاتِرُ لِذُنُوبِ خَلْقِهِ بِالمَغْفِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، فَقالَ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي نَفْسُ آدَمَ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ جاءَ بِـ: ( ثُمَّ ) لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ خَلْقِ حَوّاءَ عَلى خَلْقِ آدَمَ، وتَراخِيهِ عَنْهُ؛ لِأنَّها خُلِقَتْ مِنهُ، والعَطْفُ: إمّا عَلى مُقَدَّرٍ هو صِفَةٌ لِنَفْسٍ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ التَّقْدِيرُ: خَلَقَكم مِن نَفْسٍ خَلَقَها واحِدَةً ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى مَعْنى ( واحِدَةٍ ) أيْ: مِن نَفْسٍ انْفَرَدَتْ ثُمَّ جَعَلَ إلَخْ، والتَّعْبِيرُ بِالجَعْلِ دُونَ الخَلْقِ مَعَ العَطْفِ بِـ: ( ثُمَّ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ خَلْقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِ آدَمَ أُدْخِلَ في كَوْنِهِ آيَةً باهِرَةً دالَّةً عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، لِأنَّ خَلْقَ آدَمَ هو عَلى عادَةِ اللَّهِ المُسْتَمِرَّةِ في خَلْقِهِ، وخَلْقُها عَلى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ لَمْ تَجْرِ بِهِ عادَةٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يَخْلُقْ - سُبْحانَهُ - أُنْثى مِن ضِلْعِ رَجُلٍ غَيْرَها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ الأعْرافِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ فَقالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( خَلَقَكم )، وعَبَّرَ بِالإنْزالِ لِما يُرْوى أنَّهُ خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها، فَيَكُونُ الإنْزالُ حَقِيقَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا لِأنَّها لَمْ تَعِشْ إلّا بِالنَّباتِ، والنَّباتُ إنَّما يَعِيشُ بِالماءِ والماءُ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماءِ، كانَتِ الأنْعامُ كَأنَّها مُنَزَّلَةٌ؛ لِأنَّ سَبَبَ سَبَبِها مُنَزَّلٌ كَما أُطْلِقَ عَلى السَّبَبِ في قَوْلِهِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا وقِيلَ: إنَّ ( أنْزَلَ ) بِمَعْنى أنْشَأ وجَعَلَ، أوْ بِمَعْنى أعْطى، وقِيلَ: جُعِلَ الخَلْقُ إنْزالًا، لِأنَّ الخَلْقَ إنَّما يَكُونُ بِأمْرٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، والثَّمانِيَةُ الأزْواجُ هي ما في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ويَعْنِي بِالِاثْنَيْنِ في الأرْبَعَةِ المَواضِعِ الذَّكَرَ والأُنْثى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ البَدِيعَةِ فَقالَ: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الأطْوارِ المُخْتَلِفَةِ في خَلْقِهِمْ، و( خَلْقًا ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، ومِن بَعْدِ خَلْقٍ صِفَةٌ لَهُ أيْ: خَلْقًا كائِنًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ. قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا ثُمَّ لَحْمًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خَلَقَكم خَلْقًا في بُطُونِ أُمَّهاتِكم مِن بَعْدِ خَلْقِكم في ظَهْرِ آدَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ( يَخْلُقُكم ) وهَذِهِ الظُّلُماتُ الثَّلاثُ هي: ظُلْمَةُ البَطْنِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ المَشِيمَةِ قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ظُلْمَةُ المَشِيمَةِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ اللَّيْلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ظُلْمَةُ صُلْبِ الرَّجُلِ، وظُلْمَةُ بَطْنِ المَرْأةِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكُمُ اللَّهُ ) إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ أفْعالِهِ السّابِقَةِ، والِاسْمُ الشَّرِيفُ خَبَرُهُ رَبُّكُمُ خَبَرٌ آخَرُ لَهُ المُلْكُ الحَقِيقِيُّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لا شَرِكَةَ لِغَيْرٍ فِيهِ، وهو خَبَرٌ ثالِثٌ، وقَوْلُهُ: ( لا إلَهَ إلّا هو ) خَبَرٌ رابِعٌ. ( فَأنّى تُصْرَفُونَ ) أيْ: فَكَيْفَ تَنْصَرِفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وتَنْقَلِبُونَ عَنْها إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ. قَرَأ حَمْزَةُ " إمِّهاتِكم " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ يَزِيدَ الرَّقاشِيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نُعْطِي أمْوالَنا التِماسَ الذِّكْرِ فَهَلْ (p-١٢٧٦)لَنا في ذَلِكَ مِن أجْرٍ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا. قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما نُعْطِي التِماسَ الأجْرِ والذِّكْرِ فَهَلْ لَنا أجْرٌ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إلّا ما أُخْلِصَ لَهُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ﴾ قالَ: يَحْمِلُ اللَّيْلَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ قالَ: عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظامًا ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ البَطْنِ والرَّحِمِ والمَشِيمَةِ.

الزمر 39:4

تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُّمَرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ الزُّمَرِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ الزُّمَرِ سِوى ثَلاثَةِ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥] الثَّلاثَ الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: إلى سَبْعِ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٩] إلى آخِرِ السَّبْعِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَصُومُ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يُفْطِرَ، ويُفْطِرَ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يَصُومَ، وكانَ يَقْرَأُ في كُلِّ لَيْلَةٍ بَنِي إسْرائِيلَ والزُّمَرَ» . وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْها بِلَفْظِ: «" كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - (p-١٢٧٤)لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ الزُّمَرَ وبَنِي إسْرائِيلَ» " . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: تَنْزِيلُ الكِتابِ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو اسْمُ إشارَةٍ أيْ: هَذا تَنْزِيلٌ. وقالَ أبُو حَيّانَ إنَّ المُبْتَدَأ المُقَدَّرَ لَفْظُ " هو " لَيَعُودُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧]، كَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا الذِّكْرُ ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَنْزِيلُ الكِتابِ، وقِيلَ: ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ أيْ: تَنْزِيلٌ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ. قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِمَعْنى هَذا تَنْزِيلٌ، وأجازَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيِ: اتَّبِعُوا أوِ اقْرَءُوا تَنْزِيلَ الكِتابِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الإغْراءِ أيِ: الزَمُوا، والكِتابُ هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ صِلَةٌ لِلتَّنْزِيلِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ عَمِلَ فِيهِ اسْمُ الإشارَةِ المُقَدَّرُ. ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالإنْزالِ أيْ: أنْزَلْناهُ بِسَبَبِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، والمُرادُ كُلُّ ما فِيهِ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وأنْواعِ التَّكالِيفِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: لَمْ نُنْزِلْهُ باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ. ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وانْتِصابُ ( مُخْلِصًا ) عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " اعْبُدْ "، والإخْلاصُ أنْ يَقْصِدَ العَبْدُ بِعَمَلِهِ وجْهَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، والدِّينُ العِبادَةُ والطّاعَةُ، ورَأْسُها تَوْحِيدُ اللَّهِ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الدِّينَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( مُخْلِصًا ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّ ( مُخْلِصًا ) مُسْنَدٌ إلى ( الدِّينَ ) عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ. قِيلَ: وكانَ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ ( مُخْلِصًا ) بِفَتْحِ اللّامِ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ وإخْلاصِها عَنِ الشَّوائِبِ؛ لِأنَّ الإخْلاصَ مِنَ الأُمُورِ القَلْبِيَّةِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا بِأعْمالِ القَلْبِ، وقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ مَلاكَ الأمْرِ في الأقْوالِ والأفْعالِ النِّيَّةُ، كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ»، وحَدِيثِ «لا قَوْلَ ولا عَمَلَ إلّا بِنِيَّةٍ» . وجُمْلَةُ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالإخْلاصِ أيْ: إنِ الدِّينَ الخالِصَ مِن شَوائِبِ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ هو لِلَّهِ، وما سِواهُ مِنَ الأدْيانِ فَلَيْسَ بِدِينِ اللَّهِ الخالِصِ الَّذِي أمَرَ بِهِ. قالَ قَتادَةُ: الدِّينُ الخالِصُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ لَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِعِبادَتِهِ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ وأنَّ الدِّينَ الخالِصَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ بَيَّنَ بُطْلانَ الشِّرْكِ الَّذِي هو مُخالِفٌ لِلْإخْلاصِ والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وجُمْلَةُ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، والمَعْنى: والَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا العِبادَةَ لِلَّهِ، بَلْ شابُوها بِعِبادَةِ غَيْرِهِ قائِلِينَ: ما نَعْبُدُهم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا والضَّمِيرُ في ( نَعْبُدُهم ) راجِعٌ إلى الأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِنَ المَلائِكَةِ وعِيسى والأصْنامِ، وهُمُ المُرادُونَ بِالأوْلِياءِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ الشَّفاعَةُ، كَما حَكاهُ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ. قالَ قَتادَةُ: كانُوا إذا قِيلَ لَهم: مَن رَبُّكم وخالِقُكم ومَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ؟ قالُوا: اللَّهُ، فَيُقالُ لَهم: ما مَعْنى عِبادَتِكم لِلْأصْنامِ ؟ قالُوا: لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ويَشْفَعُوا لَنا عِنْدَهُ. قالَ الكَلْبِيُّ: جَوابُ هَذا الكَلامِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الأحْقافِ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف: ٢٨]، والزُّلْفى اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ " قالُوا ما نَعْبُدُهم " ومَعْنى ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، وقِيلَ: بَيْنَ المُخْلِصِينَ لِلدِّينِ وبَيْنَ الَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا، وحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الحالَةِ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿فِي ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الدِّينِ بِالتَّوْحِيدِ والشِّرْكِ، فَإنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَدَّعِي أنَّ الحَقَّ مَعَها ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ أيْ: لا يُرْشِدُ لِدِينِهِ ولا يُوَفِّقُ لِلِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ مَن هو كاذِبٌ في زَعْمِهِ أنَّ الآلِهَةَ تُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ وكَفَرَ بِاتِّخاذِها آلِهَةً وجَعْلِها شُرَكاءَ لِلَّهِ، والكُفّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُفْرَ هَؤُلاءِ قَدْ بَلَغَ إلى الغايَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ " كَذّابٌ " عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ كَكُفّارٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أنَسٍ. ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى﴾ هَذا مُقَرَّرٌ لِما سَبَقَ مِن إبْطالِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ لِتَضَمُّنِهُ اسْتِحالَةَ الوَلَدِ في حَقِّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى الإطْلاقِ، فَلَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لامْتَنَعَ اتِّخاذُ الوَلَدِ حَقِيقَةً ولَمْ يَتَأتَّ ذَلِكَ إلّا بِأنْ يَصْطَفِيَ مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ أيْ: يَخْتارُ مِن جُمْلَةِ خَلْقِهِ ما يَشاءُ أنْ يَصْطَفِيَهُ، إذْ لا مَوْجُودَ سِواهُ إلّا وهو مَخْلُوقٌ لَهُ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ ولَدًا لِلْخالِقِ لِعَدَمِ المُجانَسَةِ بَيْنَهُما، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَصْطَفِيَهُ عَبْدًا كَما يُفِيدُهُ التَّعْبِيرُ بِالِاصْطِفاءِ مَكانَ (p-١٢٧٥)الِاتِّخاذِ، فَمَعْنى الآيَةِ: لَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لَوَقَعَ مِنهُ شَيْءٌ لَيْسَ هو مِنَ اتِّخاذِ الوَلَدِ، بَلْ إنَّما هو مِنَ الِاصْطِفاءِ لِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ، ولِهَذا نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ عَلى الإطْلاقِ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِتَنَزُّهِهِ بِحَسْبِ الصِّفاتِ بَعْدَ تَنَزُّهِهِ بِحَسْبِ الذّاتِ أيْ: هو المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ المُتَوَحِّدُ في ذاتِهِ فَلا مُماثِلَ لَهُ القَهّارُ لِكُلِّ مَخْلُوقاتِهِ، ومَن كانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ اسْتَحالَ وُجُودُ الوَلَدِ في حَقِّهِ. لِأنَّ الوَلَدَ مُماثِلٌ لِوالِدِهِ ولا مُماثِلَ لَهُ - سُبْحانَهُ -، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ [الأنبياء: ١٧] . ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ بِكَوْنِهِ إلَهًا واحِدًا قَهّارًا ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ فَقالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقْهُما باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، ومَن كانَ هَذا الخَلْقُ العَظِيمُ خَلْقَهُ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ تَصَرُّفِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ التَّكْوِيرُ في اللُّغَةِ طَرْحُ الشَّيْءِ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. يُقالُ: كَوَّرَ المَتاعَ: إذا ألْقى بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، ومِنهُ كَوَّرَ العِمامَةَ، فَمَعْنى تَكْوِيرِ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ تَغْشِيَتُهُ إيّاهُ حَتّى يَذْهَبَ ضَوْءُهُ، ومَعْنى تَكْوِيرِ النَّهارِ عَلى اللَّيْلِ: تَغْشِيَتُهُ إيّاهُ حَتّى تَذْهَبَ ظُلْمَتُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] هَكَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْ: يُلْقِي هَذا عَلى هَذا، وهَذا عَلى هَذا، وهو مُقارِبٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ. وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ ما نَقَصَ مِنَ اللَّيْلِ دَخَلَ في النَّهارِ، وما نَقَصَ مِنَ النَّهارِ دَخَلَ في اللَّيْلِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [ فاطِرٍ: ١٣ والحَدِيدِ: ٦ ] وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا يَكُرُّ عَلى هَذا وهَذا يَكُرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا. قالَ الرّاغِبُ: تَكْوِيرُ الشَّيْءِ إدارَتُهُ وضَمُّ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ كَ: كَوَّرَ العِمامَةَ اهـ. والإشارَةُ بِهَذا التَّكْوِيرِ المَذْكُورِ في الآيَةِ إلى جَرَيانِ الشَّمْسِ في مَطالِعِها وانْتِقاصِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وازْدِيادِهِما. قالَ الرّازِيُّ: إنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ عَسْكَرانِ عَظِيمانِ، وفي كُلِّ يَوْمٍ يَغْلِبُ هَذا ذاكَ، وذاكَ هَذا، ثُمَّ ذَكَرَ تَسْخِيرَهُ لِسُلْطانِ النَّهارِ وسُلْطانِ اللَّيْلِ، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ فَقالَ: وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ: جَعَلَهُما مُنْقادَيْنِ لِأمْرِهِ بِالطُّلُوعِ والغُرُوبِ لِمَنافِعِ العِبادِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ هَذا التَّسْخِيرِ فَقالَ: كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى أيْ: يَجْرِي في فَلَكِهِ إلى أنْ تَنْصَرِمَ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأجَلِ المُسَمّى لِجَرْيِهِما مُسْتَوْفًى في سُورَةِ يس ﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ألا حَرْفُ تَنْبِيهٍ، والمَعْنى: تَنَبَّهُوا أيُّها العِبادُ، فاللَّهُ هو الغالِبُ السّاتِرُ لِذُنُوبِ خَلْقِهِ بِالمَغْفِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، فَقالَ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي نَفْسُ آدَمَ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ جاءَ بِـ: ( ثُمَّ ) لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ خَلْقِ حَوّاءَ عَلى خَلْقِ آدَمَ، وتَراخِيهِ عَنْهُ؛ لِأنَّها خُلِقَتْ مِنهُ، والعَطْفُ: إمّا عَلى مُقَدَّرٍ هو صِفَةٌ لِنَفْسٍ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ التَّقْدِيرُ: خَلَقَكم مِن نَفْسٍ خَلَقَها واحِدَةً ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى مَعْنى ( واحِدَةٍ ) أيْ: مِن نَفْسٍ انْفَرَدَتْ ثُمَّ جَعَلَ إلَخْ، والتَّعْبِيرُ بِالجَعْلِ دُونَ الخَلْقِ مَعَ العَطْفِ بِـ: ( ثُمَّ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ خَلْقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِ آدَمَ أُدْخِلَ في كَوْنِهِ آيَةً باهِرَةً دالَّةً عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، لِأنَّ خَلْقَ آدَمَ هو عَلى عادَةِ اللَّهِ المُسْتَمِرَّةِ في خَلْقِهِ، وخَلْقُها عَلى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ لَمْ تَجْرِ بِهِ عادَةٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يَخْلُقْ - سُبْحانَهُ - أُنْثى مِن ضِلْعِ رَجُلٍ غَيْرَها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ الأعْرافِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ فَقالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( خَلَقَكم )، وعَبَّرَ بِالإنْزالِ لِما يُرْوى أنَّهُ خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها، فَيَكُونُ الإنْزالُ حَقِيقَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا لِأنَّها لَمْ تَعِشْ إلّا بِالنَّباتِ، والنَّباتُ إنَّما يَعِيشُ بِالماءِ والماءُ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماءِ، كانَتِ الأنْعامُ كَأنَّها مُنَزَّلَةٌ؛ لِأنَّ سَبَبَ سَبَبِها مُنَزَّلٌ كَما أُطْلِقَ عَلى السَّبَبِ في قَوْلِهِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا وقِيلَ: إنَّ ( أنْزَلَ ) بِمَعْنى أنْشَأ وجَعَلَ، أوْ بِمَعْنى أعْطى، وقِيلَ: جُعِلَ الخَلْقُ إنْزالًا، لِأنَّ الخَلْقَ إنَّما يَكُونُ بِأمْرٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، والثَّمانِيَةُ الأزْواجُ هي ما في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ويَعْنِي بِالِاثْنَيْنِ في الأرْبَعَةِ المَواضِعِ الذَّكَرَ والأُنْثى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ البَدِيعَةِ فَقالَ: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الأطْوارِ المُخْتَلِفَةِ في خَلْقِهِمْ، و( خَلْقًا ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، ومِن بَعْدِ خَلْقٍ صِفَةٌ لَهُ أيْ: خَلْقًا كائِنًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ. قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا ثُمَّ لَحْمًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خَلَقَكم خَلْقًا في بُطُونِ أُمَّهاتِكم مِن بَعْدِ خَلْقِكم في ظَهْرِ آدَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ( يَخْلُقُكم ) وهَذِهِ الظُّلُماتُ الثَّلاثُ هي: ظُلْمَةُ البَطْنِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ المَشِيمَةِ قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ظُلْمَةُ المَشِيمَةِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ اللَّيْلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ظُلْمَةُ صُلْبِ الرَّجُلِ، وظُلْمَةُ بَطْنِ المَرْأةِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكُمُ اللَّهُ ) إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ أفْعالِهِ السّابِقَةِ، والِاسْمُ الشَّرِيفُ خَبَرُهُ رَبُّكُمُ خَبَرٌ آخَرُ لَهُ المُلْكُ الحَقِيقِيُّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لا شَرِكَةَ لِغَيْرٍ فِيهِ، وهو خَبَرٌ ثالِثٌ، وقَوْلُهُ: ( لا إلَهَ إلّا هو ) خَبَرٌ رابِعٌ. ( فَأنّى تُصْرَفُونَ ) أيْ: فَكَيْفَ تَنْصَرِفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وتَنْقَلِبُونَ عَنْها إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ. قَرَأ حَمْزَةُ " إمِّهاتِكم " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ يَزِيدَ الرَّقاشِيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نُعْطِي أمْوالَنا التِماسَ الذِّكْرِ فَهَلْ (p-١٢٧٦)لَنا في ذَلِكَ مِن أجْرٍ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا. قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما نُعْطِي التِماسَ الأجْرِ والذِّكْرِ فَهَلْ لَنا أجْرٌ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إلّا ما أُخْلِصَ لَهُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ﴾ قالَ: يَحْمِلُ اللَّيْلَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ قالَ: عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظامًا ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ البَطْنِ والرَّحِمِ والمَشِيمَةِ.

الزمر 39:5

تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُّمَرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ الزُّمَرِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ الزُّمَرِ سِوى ثَلاثَةِ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥] الثَّلاثَ الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: إلى سَبْعِ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٩] إلى آخِرِ السَّبْعِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَصُومُ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يُفْطِرَ، ويُفْطِرَ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يَصُومَ، وكانَ يَقْرَأُ في كُلِّ لَيْلَةٍ بَنِي إسْرائِيلَ والزُّمَرَ» . وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْها بِلَفْظِ: «" كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - (p-١٢٧٤)لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ الزُّمَرَ وبَنِي إسْرائِيلَ» " . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: تَنْزِيلُ الكِتابِ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو اسْمُ إشارَةٍ أيْ: هَذا تَنْزِيلٌ. وقالَ أبُو حَيّانَ إنَّ المُبْتَدَأ المُقَدَّرَ لَفْظُ " هو " لَيَعُودُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧]، كَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا الذِّكْرُ ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَنْزِيلُ الكِتابِ، وقِيلَ: ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ أيْ: تَنْزِيلٌ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ. قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِمَعْنى هَذا تَنْزِيلٌ، وأجازَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيِ: اتَّبِعُوا أوِ اقْرَءُوا تَنْزِيلَ الكِتابِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الإغْراءِ أيِ: الزَمُوا، والكِتابُ هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ صِلَةٌ لِلتَّنْزِيلِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ عَمِلَ فِيهِ اسْمُ الإشارَةِ المُقَدَّرُ. ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالإنْزالِ أيْ: أنْزَلْناهُ بِسَبَبِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، والمُرادُ كُلُّ ما فِيهِ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وأنْواعِ التَّكالِيفِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: لَمْ نُنْزِلْهُ باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ. ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وانْتِصابُ ( مُخْلِصًا ) عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " اعْبُدْ "، والإخْلاصُ أنْ يَقْصِدَ العَبْدُ بِعَمَلِهِ وجْهَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، والدِّينُ العِبادَةُ والطّاعَةُ، ورَأْسُها تَوْحِيدُ اللَّهِ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الدِّينَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( مُخْلِصًا ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّ ( مُخْلِصًا ) مُسْنَدٌ إلى ( الدِّينَ ) عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ. قِيلَ: وكانَ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ ( مُخْلِصًا ) بِفَتْحِ اللّامِ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ وإخْلاصِها عَنِ الشَّوائِبِ؛ لِأنَّ الإخْلاصَ مِنَ الأُمُورِ القَلْبِيَّةِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا بِأعْمالِ القَلْبِ، وقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ مَلاكَ الأمْرِ في الأقْوالِ والأفْعالِ النِّيَّةُ، كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ»، وحَدِيثِ «لا قَوْلَ ولا عَمَلَ إلّا بِنِيَّةٍ» . وجُمْلَةُ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالإخْلاصِ أيْ: إنِ الدِّينَ الخالِصَ مِن شَوائِبِ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ هو لِلَّهِ، وما سِواهُ مِنَ الأدْيانِ فَلَيْسَ بِدِينِ اللَّهِ الخالِصِ الَّذِي أمَرَ بِهِ. قالَ قَتادَةُ: الدِّينُ الخالِصُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ لَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِعِبادَتِهِ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ وأنَّ الدِّينَ الخالِصَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ بَيَّنَ بُطْلانَ الشِّرْكِ الَّذِي هو مُخالِفٌ لِلْإخْلاصِ والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وجُمْلَةُ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، والمَعْنى: والَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا العِبادَةَ لِلَّهِ، بَلْ شابُوها بِعِبادَةِ غَيْرِهِ قائِلِينَ: ما نَعْبُدُهم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا والضَّمِيرُ في ( نَعْبُدُهم ) راجِعٌ إلى الأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِنَ المَلائِكَةِ وعِيسى والأصْنامِ، وهُمُ المُرادُونَ بِالأوْلِياءِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ الشَّفاعَةُ، كَما حَكاهُ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ. قالَ قَتادَةُ: كانُوا إذا قِيلَ لَهم: مَن رَبُّكم وخالِقُكم ومَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ؟ قالُوا: اللَّهُ، فَيُقالُ لَهم: ما مَعْنى عِبادَتِكم لِلْأصْنامِ ؟ قالُوا: لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ويَشْفَعُوا لَنا عِنْدَهُ. قالَ الكَلْبِيُّ: جَوابُ هَذا الكَلامِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الأحْقافِ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف: ٢٨]، والزُّلْفى اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ " قالُوا ما نَعْبُدُهم " ومَعْنى ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، وقِيلَ: بَيْنَ المُخْلِصِينَ لِلدِّينِ وبَيْنَ الَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا، وحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الحالَةِ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿فِي ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الدِّينِ بِالتَّوْحِيدِ والشِّرْكِ، فَإنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَدَّعِي أنَّ الحَقَّ مَعَها ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ أيْ: لا يُرْشِدُ لِدِينِهِ ولا يُوَفِّقُ لِلِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ مَن هو كاذِبٌ في زَعْمِهِ أنَّ الآلِهَةَ تُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ وكَفَرَ بِاتِّخاذِها آلِهَةً وجَعْلِها شُرَكاءَ لِلَّهِ، والكُفّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُفْرَ هَؤُلاءِ قَدْ بَلَغَ إلى الغايَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ " كَذّابٌ " عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ كَكُفّارٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أنَسٍ. ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى﴾ هَذا مُقَرَّرٌ لِما سَبَقَ مِن إبْطالِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ لِتَضَمُّنِهُ اسْتِحالَةَ الوَلَدِ في حَقِّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى الإطْلاقِ، فَلَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لامْتَنَعَ اتِّخاذُ الوَلَدِ حَقِيقَةً ولَمْ يَتَأتَّ ذَلِكَ إلّا بِأنْ يَصْطَفِيَ مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ أيْ: يَخْتارُ مِن جُمْلَةِ خَلْقِهِ ما يَشاءُ أنْ يَصْطَفِيَهُ، إذْ لا مَوْجُودَ سِواهُ إلّا وهو مَخْلُوقٌ لَهُ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ ولَدًا لِلْخالِقِ لِعَدَمِ المُجانَسَةِ بَيْنَهُما، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَصْطَفِيَهُ عَبْدًا كَما يُفِيدُهُ التَّعْبِيرُ بِالِاصْطِفاءِ مَكانَ (p-١٢٧٥)الِاتِّخاذِ، فَمَعْنى الآيَةِ: لَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لَوَقَعَ مِنهُ شَيْءٌ لَيْسَ هو مِنَ اتِّخاذِ الوَلَدِ، بَلْ إنَّما هو مِنَ الِاصْطِفاءِ لِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ، ولِهَذا نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ عَلى الإطْلاقِ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِتَنَزُّهِهِ بِحَسْبِ الصِّفاتِ بَعْدَ تَنَزُّهِهِ بِحَسْبِ الذّاتِ أيْ: هو المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ المُتَوَحِّدُ في ذاتِهِ فَلا مُماثِلَ لَهُ القَهّارُ لِكُلِّ مَخْلُوقاتِهِ، ومَن كانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ اسْتَحالَ وُجُودُ الوَلَدِ في حَقِّهِ. لِأنَّ الوَلَدَ مُماثِلٌ لِوالِدِهِ ولا مُماثِلَ لَهُ - سُبْحانَهُ -، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ [الأنبياء: ١٧] . ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ بِكَوْنِهِ إلَهًا واحِدًا قَهّارًا ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ فَقالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقْهُما باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، ومَن كانَ هَذا الخَلْقُ العَظِيمُ خَلْقَهُ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ تَصَرُّفِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ التَّكْوِيرُ في اللُّغَةِ طَرْحُ الشَّيْءِ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. يُقالُ: كَوَّرَ المَتاعَ: إذا ألْقى بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، ومِنهُ كَوَّرَ العِمامَةَ، فَمَعْنى تَكْوِيرِ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ تَغْشِيَتُهُ إيّاهُ حَتّى يَذْهَبَ ضَوْءُهُ، ومَعْنى تَكْوِيرِ النَّهارِ عَلى اللَّيْلِ: تَغْشِيَتُهُ إيّاهُ حَتّى تَذْهَبَ ظُلْمَتُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] هَكَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْ: يُلْقِي هَذا عَلى هَذا، وهَذا عَلى هَذا، وهو مُقارِبٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ. وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ ما نَقَصَ مِنَ اللَّيْلِ دَخَلَ في النَّهارِ، وما نَقَصَ مِنَ النَّهارِ دَخَلَ في اللَّيْلِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [ فاطِرٍ: ١٣ والحَدِيدِ: ٦ ] وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا يَكُرُّ عَلى هَذا وهَذا يَكُرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا. قالَ الرّاغِبُ: تَكْوِيرُ الشَّيْءِ إدارَتُهُ وضَمُّ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ كَ: كَوَّرَ العِمامَةَ اهـ. والإشارَةُ بِهَذا التَّكْوِيرِ المَذْكُورِ في الآيَةِ إلى جَرَيانِ الشَّمْسِ في مَطالِعِها وانْتِقاصِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وازْدِيادِهِما. قالَ الرّازِيُّ: إنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ عَسْكَرانِ عَظِيمانِ، وفي كُلِّ يَوْمٍ يَغْلِبُ هَذا ذاكَ، وذاكَ هَذا، ثُمَّ ذَكَرَ تَسْخِيرَهُ لِسُلْطانِ النَّهارِ وسُلْطانِ اللَّيْلِ، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ فَقالَ: وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ: جَعَلَهُما مُنْقادَيْنِ لِأمْرِهِ بِالطُّلُوعِ والغُرُوبِ لِمَنافِعِ العِبادِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ هَذا التَّسْخِيرِ فَقالَ: كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى أيْ: يَجْرِي في فَلَكِهِ إلى أنْ تَنْصَرِمَ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأجَلِ المُسَمّى لِجَرْيِهِما مُسْتَوْفًى في سُورَةِ يس ﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ألا حَرْفُ تَنْبِيهٍ، والمَعْنى: تَنَبَّهُوا أيُّها العِبادُ، فاللَّهُ هو الغالِبُ السّاتِرُ لِذُنُوبِ خَلْقِهِ بِالمَغْفِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، فَقالَ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي نَفْسُ آدَمَ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ جاءَ بِـ: ( ثُمَّ ) لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ خَلْقِ حَوّاءَ عَلى خَلْقِ آدَمَ، وتَراخِيهِ عَنْهُ؛ لِأنَّها خُلِقَتْ مِنهُ، والعَطْفُ: إمّا عَلى مُقَدَّرٍ هو صِفَةٌ لِنَفْسٍ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ التَّقْدِيرُ: خَلَقَكم مِن نَفْسٍ خَلَقَها واحِدَةً ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى مَعْنى ( واحِدَةٍ ) أيْ: مِن نَفْسٍ انْفَرَدَتْ ثُمَّ جَعَلَ إلَخْ، والتَّعْبِيرُ بِالجَعْلِ دُونَ الخَلْقِ مَعَ العَطْفِ بِـ: ( ثُمَّ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ خَلْقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِ آدَمَ أُدْخِلَ في كَوْنِهِ آيَةً باهِرَةً دالَّةً عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، لِأنَّ خَلْقَ آدَمَ هو عَلى عادَةِ اللَّهِ المُسْتَمِرَّةِ في خَلْقِهِ، وخَلْقُها عَلى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ لَمْ تَجْرِ بِهِ عادَةٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يَخْلُقْ - سُبْحانَهُ - أُنْثى مِن ضِلْعِ رَجُلٍ غَيْرَها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ الأعْرافِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ فَقالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( خَلَقَكم )، وعَبَّرَ بِالإنْزالِ لِما يُرْوى أنَّهُ خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها، فَيَكُونُ الإنْزالُ حَقِيقَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا لِأنَّها لَمْ تَعِشْ إلّا بِالنَّباتِ، والنَّباتُ إنَّما يَعِيشُ بِالماءِ والماءُ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماءِ، كانَتِ الأنْعامُ كَأنَّها مُنَزَّلَةٌ؛ لِأنَّ سَبَبَ سَبَبِها مُنَزَّلٌ كَما أُطْلِقَ عَلى السَّبَبِ في قَوْلِهِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا وقِيلَ: إنَّ ( أنْزَلَ ) بِمَعْنى أنْشَأ وجَعَلَ، أوْ بِمَعْنى أعْطى، وقِيلَ: جُعِلَ الخَلْقُ إنْزالًا، لِأنَّ الخَلْقَ إنَّما يَكُونُ بِأمْرٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، والثَّمانِيَةُ الأزْواجُ هي ما في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ويَعْنِي بِالِاثْنَيْنِ في الأرْبَعَةِ المَواضِعِ الذَّكَرَ والأُنْثى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ البَدِيعَةِ فَقالَ: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الأطْوارِ المُخْتَلِفَةِ في خَلْقِهِمْ، و( خَلْقًا ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، ومِن بَعْدِ خَلْقٍ صِفَةٌ لَهُ أيْ: خَلْقًا كائِنًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ. قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا ثُمَّ لَحْمًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خَلَقَكم خَلْقًا في بُطُونِ أُمَّهاتِكم مِن بَعْدِ خَلْقِكم في ظَهْرِ آدَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ( يَخْلُقُكم ) وهَذِهِ الظُّلُماتُ الثَّلاثُ هي: ظُلْمَةُ البَطْنِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ المَشِيمَةِ قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ظُلْمَةُ المَشِيمَةِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ اللَّيْلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ظُلْمَةُ صُلْبِ الرَّجُلِ، وظُلْمَةُ بَطْنِ المَرْأةِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكُمُ اللَّهُ ) إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ أفْعالِهِ السّابِقَةِ، والِاسْمُ الشَّرِيفُ خَبَرُهُ رَبُّكُمُ خَبَرٌ آخَرُ لَهُ المُلْكُ الحَقِيقِيُّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لا شَرِكَةَ لِغَيْرٍ فِيهِ، وهو خَبَرٌ ثالِثٌ، وقَوْلُهُ: ( لا إلَهَ إلّا هو ) خَبَرٌ رابِعٌ. ( فَأنّى تُصْرَفُونَ ) أيْ: فَكَيْفَ تَنْصَرِفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وتَنْقَلِبُونَ عَنْها إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ. قَرَأ حَمْزَةُ " إمِّهاتِكم " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ يَزِيدَ الرَّقاشِيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نُعْطِي أمْوالَنا التِماسَ الذِّكْرِ فَهَلْ (p-١٢٧٦)لَنا في ذَلِكَ مِن أجْرٍ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا. قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما نُعْطِي التِماسَ الأجْرِ والذِّكْرِ فَهَلْ لَنا أجْرٌ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إلّا ما أُخْلِصَ لَهُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ﴾ قالَ: يَحْمِلُ اللَّيْلَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ قالَ: عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظامًا ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ البَطْنِ والرَّحِمِ والمَشِيمَةِ.

الزمر 39:6

تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُّمَرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ الزُّمَرِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ الزُّمَرِ سِوى ثَلاثَةِ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥] الثَّلاثَ الآياتِ. وقالَ آخَرُونَ: إلى سَبْعِ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٩] إلى آخِرِ السَّبْعِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَصُومُ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يُفْطِرَ، ويُفْطِرَ حَتّى نَقُولَ ما يُرِيدُ أنْ يَصُومَ، وكانَ يَقْرَأُ في كُلِّ لَيْلَةٍ بَنِي إسْرائِيلَ والزُّمَرَ» . وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْها بِلَفْظِ: «" كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - (p-١٢٧٤)لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ الزُّمَرَ وبَنِي إسْرائِيلَ» " . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: تَنْزِيلُ الكِتابِ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو اسْمُ إشارَةٍ أيْ: هَذا تَنْزِيلٌ. وقالَ أبُو حَيّانَ إنَّ المُبْتَدَأ المُقَدَّرَ لَفْظُ " هو " لَيَعُودُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧]، كَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا الذِّكْرُ ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَنْزِيلُ الكِتابِ، وقِيلَ: ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ أيْ: تَنْزِيلٌ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ. قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِمَعْنى هَذا تَنْزِيلٌ، وأجازَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ النَّصْبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيِ: اتَّبِعُوا أوِ اقْرَءُوا تَنْزِيلَ الكِتابِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الإغْراءِ أيِ: الزَمُوا، والكِتابُ هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ صِلَةٌ لِلتَّنْزِيلِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ عَمِلَ فِيهِ اسْمُ الإشارَةِ المُقَدَّرُ. ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالإنْزالِ أيْ: أنْزَلْناهُ بِسَبَبِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، والمُرادُ كُلُّ ما فِيهِ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وأنْواعِ التَّكالِيفِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: لَمْ نُنْزِلْهُ باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ. ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وانْتِصابُ ( مُخْلِصًا ) عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " اعْبُدْ "، والإخْلاصُ أنْ يَقْصِدَ العَبْدُ بِعَمَلِهِ وجْهَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، والدِّينُ العِبادَةُ والطّاعَةُ، ورَأْسُها تَوْحِيدُ اللَّهِ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الدِّينَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( مُخْلِصًا ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّ ( مُخْلِصًا ) مُسْنَدٌ إلى ( الدِّينَ ) عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ. قِيلَ: وكانَ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ ( مُخْلِصًا ) بِفَتْحِ اللّامِ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ وإخْلاصِها عَنِ الشَّوائِبِ؛ لِأنَّ الإخْلاصَ مِنَ الأُمُورِ القَلْبِيَّةِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا بِأعْمالِ القَلْبِ، وقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ مَلاكَ الأمْرِ في الأقْوالِ والأفْعالِ النِّيَّةُ، كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ»، وحَدِيثِ «لا قَوْلَ ولا عَمَلَ إلّا بِنِيَّةٍ» . وجُمْلَةُ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالإخْلاصِ أيْ: إنِ الدِّينَ الخالِصَ مِن شَوائِبِ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ هو لِلَّهِ، وما سِواهُ مِنَ الأدْيانِ فَلَيْسَ بِدِينِ اللَّهِ الخالِصِ الَّذِي أمَرَ بِهِ. قالَ قَتادَةُ: الدِّينُ الخالِصُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ لَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِعِبادَتِهِ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ وأنَّ الدِّينَ الخالِصَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ بَيَّنَ بُطْلانَ الشِّرْكِ الَّذِي هو مُخالِفٌ لِلْإخْلاصِ والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وجُمْلَةُ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، والمَعْنى: والَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا العِبادَةَ لِلَّهِ، بَلْ شابُوها بِعِبادَةِ غَيْرِهِ قائِلِينَ: ما نَعْبُدُهم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا والضَّمِيرُ في ( نَعْبُدُهم ) راجِعٌ إلى الأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِنَ المَلائِكَةِ وعِيسى والأصْنامِ، وهُمُ المُرادُونَ بِالأوْلِياءِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ الشَّفاعَةُ، كَما حَكاهُ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ. قالَ قَتادَةُ: كانُوا إذا قِيلَ لَهم: مَن رَبُّكم وخالِقُكم ومَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ؟ قالُوا: اللَّهُ، فَيُقالُ لَهم: ما مَعْنى عِبادَتِكم لِلْأصْنامِ ؟ قالُوا: لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ويَشْفَعُوا لَنا عِنْدَهُ. قالَ الكَلْبِيُّ: جَوابُ هَذا الكَلامِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الأحْقافِ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف: ٢٨]، والزُّلْفى اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ " قالُوا ما نَعْبُدُهم " ومَعْنى ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، وقِيلَ: بَيْنَ المُخْلِصِينَ لِلدِّينِ وبَيْنَ الَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا، وحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الحالَةِ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿فِي ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الدِّينِ بِالتَّوْحِيدِ والشِّرْكِ، فَإنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَدَّعِي أنَّ الحَقَّ مَعَها ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ أيْ: لا يُرْشِدُ لِدِينِهِ ولا يُوَفِّقُ لِلِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ مَن هو كاذِبٌ في زَعْمِهِ أنَّ الآلِهَةَ تُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ وكَفَرَ بِاتِّخاذِها آلِهَةً وجَعْلِها شُرَكاءَ لِلَّهِ، والكُفّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُفْرَ هَؤُلاءِ قَدْ بَلَغَ إلى الغايَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ " كَذّابٌ " عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ كَكُفّارٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أنَسٍ. ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى﴾ هَذا مُقَرَّرٌ لِما سَبَقَ مِن إبْطالِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ لِتَضَمُّنِهُ اسْتِحالَةَ الوَلَدِ في حَقِّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى الإطْلاقِ، فَلَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لامْتَنَعَ اتِّخاذُ الوَلَدِ حَقِيقَةً ولَمْ يَتَأتَّ ذَلِكَ إلّا بِأنْ يَصْطَفِيَ مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ أيْ: يَخْتارُ مِن جُمْلَةِ خَلْقِهِ ما يَشاءُ أنْ يَصْطَفِيَهُ، إذْ لا مَوْجُودَ سِواهُ إلّا وهو مَخْلُوقٌ لَهُ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ ولَدًا لِلْخالِقِ لِعَدَمِ المُجانَسَةِ بَيْنَهُما، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَصْطَفِيَهُ عَبْدًا كَما يُفِيدُهُ التَّعْبِيرُ بِالِاصْطِفاءِ مَكانَ (p-١٢٧٥)الِاتِّخاذِ، فَمَعْنى الآيَةِ: لَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لَوَقَعَ مِنهُ شَيْءٌ لَيْسَ هو مِنَ اتِّخاذِ الوَلَدِ، بَلْ إنَّما هو مِنَ الِاصْطِفاءِ لِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ، ولِهَذا نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ عَلى الإطْلاقِ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِتَنَزُّهِهِ بِحَسْبِ الصِّفاتِ بَعْدَ تَنَزُّهِهِ بِحَسْبِ الذّاتِ أيْ: هو المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ المُتَوَحِّدُ في ذاتِهِ فَلا مُماثِلَ لَهُ القَهّارُ لِكُلِّ مَخْلُوقاتِهِ، ومَن كانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ اسْتَحالَ وُجُودُ الوَلَدِ في حَقِّهِ. لِأنَّ الوَلَدَ مُماثِلٌ لِوالِدِهِ ولا مُماثِلَ لَهُ - سُبْحانَهُ -، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ [الأنبياء: ١٧] . ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ بِكَوْنِهِ إلَهًا واحِدًا قَهّارًا ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ فَقالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقْهُما باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، ومَن كانَ هَذا الخَلْقُ العَظِيمُ خَلْقَهُ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ تَصَرُّفِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ التَّكْوِيرُ في اللُّغَةِ طَرْحُ الشَّيْءِ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. يُقالُ: كَوَّرَ المَتاعَ: إذا ألْقى بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، ومِنهُ كَوَّرَ العِمامَةَ، فَمَعْنى تَكْوِيرِ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ تَغْشِيَتُهُ إيّاهُ حَتّى يَذْهَبَ ضَوْءُهُ، ومَعْنى تَكْوِيرِ النَّهارِ عَلى اللَّيْلِ: تَغْشِيَتُهُ إيّاهُ حَتّى تَذْهَبَ ظُلْمَتُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] هَكَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْ: يُلْقِي هَذا عَلى هَذا، وهَذا عَلى هَذا، وهو مُقارِبٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ. وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ ما نَقَصَ مِنَ اللَّيْلِ دَخَلَ في النَّهارِ، وما نَقَصَ مِنَ النَّهارِ دَخَلَ في اللَّيْلِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [ فاطِرٍ: ١٣ والحَدِيدِ: ٦ ] وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا يَكُرُّ عَلى هَذا وهَذا يَكُرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا. قالَ الرّاغِبُ: تَكْوِيرُ الشَّيْءِ إدارَتُهُ وضَمُّ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ كَ: كَوَّرَ العِمامَةَ اهـ. والإشارَةُ بِهَذا التَّكْوِيرِ المَذْكُورِ في الآيَةِ إلى جَرَيانِ الشَّمْسِ في مَطالِعِها وانْتِقاصِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وازْدِيادِهِما. قالَ الرّازِيُّ: إنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ عَسْكَرانِ عَظِيمانِ، وفي كُلِّ يَوْمٍ يَغْلِبُ هَذا ذاكَ، وذاكَ هَذا، ثُمَّ ذَكَرَ تَسْخِيرَهُ لِسُلْطانِ النَّهارِ وسُلْطانِ اللَّيْلِ، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ فَقالَ: وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ: جَعَلَهُما مُنْقادَيْنِ لِأمْرِهِ بِالطُّلُوعِ والغُرُوبِ لِمَنافِعِ العِبادِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ هَذا التَّسْخِيرِ فَقالَ: كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى أيْ: يَجْرِي في فَلَكِهِ إلى أنْ تَنْصَرِمَ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأجَلِ المُسَمّى لِجَرْيِهِما مُسْتَوْفًى في سُورَةِ يس ﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ ألا حَرْفُ تَنْبِيهٍ، والمَعْنى: تَنَبَّهُوا أيُّها العِبادُ، فاللَّهُ هو الغالِبُ السّاتِرُ لِذُنُوبِ خَلْقِهِ بِالمَغْفِرَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، فَقالَ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي نَفْسُ آدَمَ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ جاءَ بِـ: ( ثُمَّ ) لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ خَلْقِ حَوّاءَ عَلى خَلْقِ آدَمَ، وتَراخِيهِ عَنْهُ؛ لِأنَّها خُلِقَتْ مِنهُ، والعَطْفُ: إمّا عَلى مُقَدَّرٍ هو صِفَةٌ لِنَفْسٍ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ التَّقْدِيرُ: خَلَقَكم مِن نَفْسٍ خَلَقَها واحِدَةً ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى مَعْنى ( واحِدَةٍ ) أيْ: مِن نَفْسٍ انْفَرَدَتْ ثُمَّ جَعَلَ إلَخْ، والتَّعْبِيرُ بِالجَعْلِ دُونَ الخَلْقِ مَعَ العَطْفِ بِـ: ( ثُمَّ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ خَلْقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِ آدَمَ أُدْخِلَ في كَوْنِهِ آيَةً باهِرَةً دالَّةً عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، لِأنَّ خَلْقَ آدَمَ هو عَلى عادَةِ اللَّهِ المُسْتَمِرَّةِ في خَلْقِهِ، وخَلْقُها عَلى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ لَمْ تَجْرِ بِهِ عادَةٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يَخْلُقْ - سُبْحانَهُ - أُنْثى مِن ضِلْعِ رَجُلٍ غَيْرَها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ الأعْرافِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ فَقالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( خَلَقَكم )، وعَبَّرَ بِالإنْزالِ لِما يُرْوى أنَّهُ خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها، فَيَكُونُ الإنْزالُ حَقِيقَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا لِأنَّها لَمْ تَعِشْ إلّا بِالنَّباتِ، والنَّباتُ إنَّما يَعِيشُ بِالماءِ والماءُ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماءِ، كانَتِ الأنْعامُ كَأنَّها مُنَزَّلَةٌ؛ لِأنَّ سَبَبَ سَبَبِها مُنَزَّلٌ كَما أُطْلِقَ عَلى السَّبَبِ في قَوْلِهِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا وقِيلَ: إنَّ ( أنْزَلَ ) بِمَعْنى أنْشَأ وجَعَلَ، أوْ بِمَعْنى أعْطى، وقِيلَ: جُعِلَ الخَلْقُ إنْزالًا، لِأنَّ الخَلْقَ إنَّما يَكُونُ بِأمْرٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، والثَّمانِيَةُ الأزْواجُ هي ما في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ويَعْنِي بِالِاثْنَيْنِ في الأرْبَعَةِ المَواضِعِ الذَّكَرَ والأُنْثى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن قُدْرَتِهِ البَدِيعَةِ فَقالَ: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الأطْوارِ المُخْتَلِفَةِ في خَلْقِهِمْ، و( خَلْقًا ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، ومِن بَعْدِ خَلْقٍ صِفَةٌ لَهُ أيْ: خَلْقًا كائِنًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ. قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا ثُمَّ لَحْمًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خَلَقَكم خَلْقًا في بُطُونِ أُمَّهاتِكم مِن بَعْدِ خَلْقِكم في ظَهْرِ آدَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ( يَخْلُقُكم ) وهَذِهِ الظُّلُماتُ الثَّلاثُ هي: ظُلْمَةُ البَطْنِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ المَشِيمَةِ قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ظُلْمَةُ المَشِيمَةِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ اللَّيْلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ظُلْمَةُ صُلْبِ الرَّجُلِ، وظُلْمَةُ بَطْنِ المَرْأةِ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكُمُ اللَّهُ ) إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ أفْعالِهِ السّابِقَةِ، والِاسْمُ الشَّرِيفُ خَبَرُهُ رَبُّكُمُ خَبَرٌ آخَرُ لَهُ المُلْكُ الحَقِيقِيُّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لا شَرِكَةَ لِغَيْرٍ فِيهِ، وهو خَبَرٌ ثالِثٌ، وقَوْلُهُ: ( لا إلَهَ إلّا هو ) خَبَرٌ رابِعٌ. ( فَأنّى تُصْرَفُونَ ) أيْ: فَكَيْفَ تَنْصَرِفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وتَنْقَلِبُونَ عَنْها إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ. قَرَأ حَمْزَةُ " إمِّهاتِكم " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ يَزِيدَ الرَّقاشِيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نُعْطِي أمْوالَنا التِماسَ الذِّكْرِ فَهَلْ (p-١٢٧٦)لَنا في ذَلِكَ مِن أجْرٍ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا. قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما نُعْطِي التِماسَ الأجْرِ والذِّكْرِ فَهَلْ لَنا أجْرٌ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إلّا ما أُخْلِصَ لَهُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ﴾ قالَ: يَحْمِلُ اللَّيْلَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ قالَ: عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظامًا ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ البَطْنِ والرَّحِمِ والمَشِيمَةِ.

الزمر 39:7

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - النِّعَمَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى عِبادِهِ وبَيَّنَ لَهم مِن بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجِيبِ فِعْلِهِ ما يُوجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أيْ: غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْكم ولا إلى إيمانِكم ولا إلى عِبادَتِكم لَهُ فَإنَّهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، " و" مَعَ كَوْنِ كُفْرِ الكافِرِ لا يَضُرُّهُ كَما أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُ المُؤْمِنِ، فَهو أيْضًا لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ أيْ: لا يَرْضى لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ الكُفْرَ ولا يُحِبُّهُ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] ومِثْلُها ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عِبادِي لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى قَلْبِ أفْجَرِ رَجُلٍ مِنكم ما نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلْكِي شَيْئًا» . وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي عَلى عُمُومِها، وإنَّ الكُفْرَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ حالٍ كَما هو الظّاهِرُ، أوْ هي خاصَّةٌ ؟ والمَعْنى: لا يَرْضى لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الكُفْرَ، وقَدْ ذَهَبَ إلى التَّخْصِيصِ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ آخِرَ البَحْثِ، وتابَعَهُ عَلى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في الآيَةِ اخْتِلافًا آخَرَ. فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ يُرِيدُ كُفْرَ الكافِرِ ولا يَرْضاهُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ لا يُرِيدُهُ ولا يَرْضاهُ، والكَلامُ في تَحْقِيقِ مِثْلِ هَذا يَطُولُ جِدًّا. وقَدِ اسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِتَخْصِيصِ هَذِهِ الآيَةِ، والمُثْبِتُونَ لِلْإرادَةِ مَعَ عَدَمِ الرِّضا بِما ثَبَتَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنِ الكِتابِ العَزِيزِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُضِلُّ مَن يَشاءُ [الرعد: ٢٧] ويَهْدِي مَن يَشاءُ [يونس: ٢٥] ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [ الإنْسانِ: ٣٠، والتَّكْوِيرِ: ٢٩ ] ونَحْوُ هَذا مِمّا يُؤَدِّي مَعْناهُ كَثِيرٌ في الكِتابِ العَزِيزِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ بَيَّنَ أنَّهُ يَرْضى لَهُمُ الشُّكْرَ فَقالَ: ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أيْ: يَرْضى لَكُمُ الشُّكْرَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وإنْ تَشْكُرُوا ويُثِبْكم عَلَيْهِ، وإنَّما رَضِيَ لَهم - سُبْحانَهُ - الشُّكْرَ لِأنَّهُ سَبَبُ سَعادَتِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم﴾ [إبراهيم: ٧] قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو وشَيْبَةُ وهُبَيْرَةُ عَنْ عاصِمٍ بِإسْكانِ الهاءِ مَن " يَرْضَهُ "، وأشْبَعَ الضَّمَّةَ عَلى الهاءِ ابْنُ ذَكْوانَ وابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ، واخْتَلَسَ الباقُونَ. ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ لِلْوِزْرِ حِمْلَ نَفْسٍ أُخْرى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: ما تُضْمِرُهُ القُلُوبُ وتَسْتُرُهُ، فَكَيْفَ بِما تُظْهِرُهُ وتُبْدِيهِ. ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ أيْ: ضُرٌّ كانَ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ خَوْفٍ ﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ مُسْتَغِيثًا بِهِ في دَفْعِ ما نَزَلَ بِهِ تارِكًا ما كانَ يَدْعُوهُ ويَسْتَغِيثُ بِهِ مِن مَيِّتٍ أوْ حَيٍّ أوْ صَنَمٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ﴾ أيْ: أعْطاهُ ومَلَّكَهُ، يُقالُ: خَوَّلَهُ أيْ: مَلَّكَهُ إيّاهُ، وكانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يُنْشِدُ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلُوا وإنْ يُسْألُوا يُعْطُوا وإنْ يَيْسِرُوا يَغْلُوا ومِنهُ قَوْلُ أبِي النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يَبْخَلِ ∗∗∗ كُومُ الذُّرى مَن خَوَلِ المُخَوَّلِ ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ عَنْهُ مِن قَبْلِ أنْ يُخَوِّلَهُ ما خَوَّلَهُ وقِيلَ: نَسِيَ الدُّعاءَ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ بِهِ وتَرَكَهُ أوْ نَسِيَ رَبَّهِ الَّذِي كانَ يَدْعُوهُ ويَتَضَرَّعُ إلَيْهِ، ثُمَّ جاوَزَ ذَلِكَ إلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: شُرَكاءَ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها يَسْتَغِيثُ بِها ويَعْبُدُها ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: لِيُضِلَّ النّاسَ عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ الَّتِي هي الإسْلامُ والتَّوْحِيدُ. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي أنْدادًا مِنَ الرِّجالِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمْ في جَمِيعِ أُمُورِهِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُهَدِّدَ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، فَمَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مَصِيرُكَ إلَيْها عَنْ قَرِيبٍ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ أمْرٌ عَظِيمٌ. قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيُضِلَّ ) بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفاتِ المُشْرِكِينَ وتَمَسُّكَهم بِغَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ انْدِفاعِ المَكْرُوهاتِ عَنْهم ذَكَرَ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ وهَذا إلى آخِرِهِ مِن تَمامِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى ذَلِكَ الكافِرُ (p-١٢٧٧)أحْسَنُ حالًا ومَآلًا، أمَّنْ هو قائِمٌ بِطاعاتِ اللَّهِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ في ساعاتِ اللَّيْلِ، مُسْتَمِرٌّ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلى دُعاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عِنْدَ نُزُولِ الضَّرَرِ بِهِ. قَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ أمَّنْ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى " أمْ " داخِلَةٌ عَلى " مَن " المَوْصُولَةِ وأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ و" أمْ " هي المُتَّصِلَةُ، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الكافِرُ خَيْرٌ أمِ الَّذِي هو قانِتٌ. وقِيلَ: هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِـ: بَلْ والهَمْزَةِ أيْ: بَلْ أمَّنْ هو قانِتٌ كالكافِرِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَقِيلَ: الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى مَن، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن كَفَرَ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الهَمْزَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلنِّداءِ و" مَن " مُنادى، وهي عِبارَةٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ والتَّقْدِيرُ: يا مَن هو قانِتٌ، قُلْ: كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: يا مَن هو قانِتٌ إنَّكَ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ. ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ الهَمْزَةَ لِلنِّداءِ الفَرّاءُ، وضَعَّفَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، وقالَ: هو أجْنَبِيٌّ عَمّا قَبْلَهُ وعَمّا بَعْدَهُ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا التَّضْعِيفِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، واعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن أصْلِها أبُو حاتِمٍ والأخْفَشُ ولا وجْهَ لِذَلِكَ فَإنّا إذا ثَبَتَتِ الرِّوايَةُ بَطَلَتِ الدِّرايَةُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ القانِتِ هُنا فَقِيلَ: المُطِيعُ، وقِيلَ: الخاشِعُ في صَلاتِهِ، وقِيلَ: القائِمُ في صَلاتِهِ، وقِيلَ: الدّاعِي لِرَبِّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أصْلُ القُنُوتَ الطّاعَةُ، فَكُلُّ ما قِيلَ فِيهِ فَهو داخِلٌ في الطّاعَةِ، والمُرادُ بِآناءِ اللَّيْلِ ساعاتُهُ، وقِيلَ: جَوْفُهُ، وقِيلَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وانْتِصابُ ساجِدًا وقائِمًا عَلى الحالِ أيْ: جامَعًا بَيْنَ السُّجُودِ والقِيامِ، وقُدِّمَ السُّجُودُ عَلى القِيامِ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في العِبادَةِ، ومَحَلُّ ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْضًا أيْ: يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٌ ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وما اجْتَمَعا في قَلْبِ رَجُلٍ إلّا فازَ. قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: كَمَن لا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا آخَرَ يَتَبَيَّنُ بِهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ فَقالَ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مِنَ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ حَقٌّ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوِ المُرادُ العُلَماءُ والجُهّالُ ومَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ لا اسْتِواءَ بَيْنَ العِلْمِ والجَهْلِ، ولا بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: كَما لا يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينِ يَعْلَمُونَ: هُمُ العامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، لِأنَّ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَعْلَمْ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: إنَّما يَتَّعِظُ ويَتَدَبَّرُ ويَتَفَكَّرُ أصْحابُ العُقُولِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ لا الكُفّارُ، فَإنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّ لَهم عُقُولًا فَهي كالعَدَمِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ لَيْسَتْ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ بَلْ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم﴾ لَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - المُساواةَ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ ومَن لا يَعْلَمُ، وبَيَّنَ أنَّهُ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ مِن عِبادِهِ بِالثَّباتِ عَلى تَقْواهُ والإيمانِ بِهِ. والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ صَدَّقُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ اتَّقُوا رَبَّكم بِطاعَتِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، وإخْلاصِ الإيمانِ لَهُ، ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، والمُرادُ قُلْ لَهم قَوْلِي هَذا بِعَيْنِهِ. ثُمَّ لَمّا أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى بَيَّنَ لَهم ما في هَذِهِ التَّقْوى مِنَ الفَوائِدِ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أيْ: لِلَّذِينِ عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ في هَذِهِ الدُّنْيا عَلى وجْهِ الإخْلاصِ حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ وهي الجَنَّةُ، وقَوْلُهُ: في هَذِهِ الدُّنْيا مُتَعَلِّقٌ بِـ: أحْسَنُوا، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِحَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ بَيانٌ لِمَكانِها، فَيَكُونُ المَعْنى: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في العَمَلِ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ والظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ لَمّا كانَ بَعْضُ العِبادِ قَدْ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ فِعْلُ الطّاعاتِ والإحْسانِ في وطَنِهِ أرْشَدَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مَن كانَ كَذَلِكَ إلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ أيْ: فَلْيُهاجِرْ إلى حَيْثُ يُمْكِنُهُ طاعَةُ اللَّهِ. والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ، والتَّرْكُ لِما نَهى عَنْهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] وقَدْ مَضى الكَلامُ في الهِجْرَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ النِّساءِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأرْضِ هُنا: أرْضُ الجَنَّةِ، رَغَّبَهم في سِعَتِها وسِعَةِ نَعِيمِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما لِلْمُحْسِنِينَ إذا أحْسَنُوا، وكانَ لا بُدَّ في ذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وعَلى كَفِّ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ، أشارَ إلى فَضِيلَةِ الصَّبْرِ وعَظِيمِ مِقْدارِهِ فَقالَ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ أجْرَهم في مُقابَلَةِ صَبْرِهِمْ بِغَيْرِ حِسابٍ أيْ: بِما لا يَقْدِرُ عَلى حَصْرِهِ حاصِرٌ، ولا يَسْتَطِيعُ حُسْبانَهُ حاسِبٌ. قالَ عَطاءٌ: بِما لا يَهْتَدِي إلَيْهِ عَقْلٌ ولا وصْفٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: أجْرُهُمُ الجَنَّةُ، وأرْزاقُهم فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ. والحاصِلُ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ثَوابَ الصّابِرِينَ وأجْرَهم لا نِهايَةَ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَدْخُلُ تَحْتَ الحِسابِ فَهو مُتَناهٍ، وما كانَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحِسابِ فَهو غَيْرُ مُتَناهٍ، وهَذِهِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ ومَثُوبَةٌ جَلِيلَةٌ تَقْتَضِي أنَّ عَلى كُلِّ راغِبٍ في ثَوابِ اللَّهِ، وطامِعٍ فِيما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ أنْ يَتَوَفَّرَ عَلى الصَّبْرِ ويَزُمَّ نَفْسَهُ بِزِمامِهِ ويُقَيِّدَها بِقَيْدِهِ، فَإنَّ الجَزَعَ لا يَرُدُّ قَضاءً قَدْ نَزَلَ، ولا يَجْلِبُ خَيْرًا قَدْ سُلِبَ، ولا يَدْفَعُ مَكْرُوهًا قَدْ وقَعَ، وإذا تَصَوَّرَ العاقِلُ هَذا حَقَّ تَصَوُّرِهِ وتَعَقَّلَهُ حَقَّ تَعَقُّلِهِ عَلِمَ أنَّ الصّابِرَ عَلى ما نَزَلَ بِهِ قَدْ فازَ بِهَذا الأجْرِ العَظِيمِ، وظَفِرَ بِهَذا الجَزاءِ الخَطِيرِ، وغَيْرَ الصّابِرِ قَدْ نَزَلَ بِهِ القَضاءُ شاءَ أمْ أبى، ومَعَ ذَلِكَ فاتَهُ مِنَ الأجْرِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يَبْلُغُ مَداهُ، فَضَمَّ إلى مُصِيبَتِهِ مُصِيبَةً أُخْرى ولَمْ يَظْفَرْ بِغَيْرِ الجَزَعِ، وما أحْسَنَ قَوْلَ مَن قالَ: ؎أرى الصَّبْرَ مَحْمُودًا وعَنْهُ مَذاهِبُ ∗∗∗ فَكَيْفَ إذا ما لَمْ يَكُنْ عَنْهُ مَذْهَبُ ؎ (p-١٢٧٨)هُناكَ يَحِقُّ الصَّبْرُ والصَّبْرُ واجِبٌ ∗∗∗ وما كانَ مِنهُ لِلضَّرُورَةِ أوْجَبُ ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُخْبِرَهم بِما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: أعْبُدُهُ عِبادَةً خالِصَةً مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ما يَحْمِلُكَ عَلى الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ، ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجَدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى فَتَأْخُذُ بِها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الآيَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وكَذَلِكَ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ دِينَ آبائِهِ ودَعا إلى التَّوْحِيدِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: وأمَرْتُ بِما أمَرْتُ بِهِ لِأجْلِ أنْ أكُونَ، وقِيلَ: إنَّها مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم، فَيَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ وهم عِبادُهُ المُخْلِصُونَ الَّذِينَ قالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فَألْزَمَهم شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحَبَّبَها إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ قالَ: لا يَرْضى لِعِبادِهِ المُسْلِمِينَ الكُفْرَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: واللَّهِ ما رَضِيَ اللَّهُ لِعَبْدٍ ضَلالَةً ولا أمَرَهُ بِها ولا دَعا إلَيْها، ولَكِنْ رَضِيَ لَكم طاعَتَهُ وأمَرَكم بِها ونَهاكم عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ قالَ: ذاكَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وفي لَفْظٍ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقاتِهِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ يَقُولُ: يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَجُلٍ وهو في المَوْتِ فَقالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قالَ: أرْجُو اللَّهَ وأخافُ ذُنُوبِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا يَجْتَمِعانِ في قَلْبِ عَبْدٍ في مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ إلّا أعْطاهُ اللَّهُ الَّذِي يَرْجُو وأمَّنَهُ الَّذِي يَخافُ» . أخْرَجُوهُ مِن طَرِيقِ سَيّارِ بْنِ حاتِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمانَ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، وقَدْ رَواهُ بَعْضُهم عَنْ ثابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُرْسَلًا.

الزمر 39:8

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - النِّعَمَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى عِبادِهِ وبَيَّنَ لَهم مِن بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجِيبِ فِعْلِهِ ما يُوجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أيْ: غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْكم ولا إلى إيمانِكم ولا إلى عِبادَتِكم لَهُ فَإنَّهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، " و" مَعَ كَوْنِ كُفْرِ الكافِرِ لا يَضُرُّهُ كَما أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُ المُؤْمِنِ، فَهو أيْضًا لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ أيْ: لا يَرْضى لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ الكُفْرَ ولا يُحِبُّهُ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] ومِثْلُها ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عِبادِي لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى قَلْبِ أفْجَرِ رَجُلٍ مِنكم ما نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلْكِي شَيْئًا» . وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي عَلى عُمُومِها، وإنَّ الكُفْرَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ حالٍ كَما هو الظّاهِرُ، أوْ هي خاصَّةٌ ؟ والمَعْنى: لا يَرْضى لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الكُفْرَ، وقَدْ ذَهَبَ إلى التَّخْصِيصِ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ آخِرَ البَحْثِ، وتابَعَهُ عَلى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في الآيَةِ اخْتِلافًا آخَرَ. فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ يُرِيدُ كُفْرَ الكافِرِ ولا يَرْضاهُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ لا يُرِيدُهُ ولا يَرْضاهُ، والكَلامُ في تَحْقِيقِ مِثْلِ هَذا يَطُولُ جِدًّا. وقَدِ اسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِتَخْصِيصِ هَذِهِ الآيَةِ، والمُثْبِتُونَ لِلْإرادَةِ مَعَ عَدَمِ الرِّضا بِما ثَبَتَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنِ الكِتابِ العَزِيزِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُضِلُّ مَن يَشاءُ [الرعد: ٢٧] ويَهْدِي مَن يَشاءُ [يونس: ٢٥] ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [ الإنْسانِ: ٣٠، والتَّكْوِيرِ: ٢٩ ] ونَحْوُ هَذا مِمّا يُؤَدِّي مَعْناهُ كَثِيرٌ في الكِتابِ العَزِيزِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ بَيَّنَ أنَّهُ يَرْضى لَهُمُ الشُّكْرَ فَقالَ: ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أيْ: يَرْضى لَكُمُ الشُّكْرَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وإنْ تَشْكُرُوا ويُثِبْكم عَلَيْهِ، وإنَّما رَضِيَ لَهم - سُبْحانَهُ - الشُّكْرَ لِأنَّهُ سَبَبُ سَعادَتِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم﴾ [إبراهيم: ٧] قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو وشَيْبَةُ وهُبَيْرَةُ عَنْ عاصِمٍ بِإسْكانِ الهاءِ مَن " يَرْضَهُ "، وأشْبَعَ الضَّمَّةَ عَلى الهاءِ ابْنُ ذَكْوانَ وابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ، واخْتَلَسَ الباقُونَ. ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ لِلْوِزْرِ حِمْلَ نَفْسٍ أُخْرى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: ما تُضْمِرُهُ القُلُوبُ وتَسْتُرُهُ، فَكَيْفَ بِما تُظْهِرُهُ وتُبْدِيهِ. ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ أيْ: ضُرٌّ كانَ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ خَوْفٍ ﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ مُسْتَغِيثًا بِهِ في دَفْعِ ما نَزَلَ بِهِ تارِكًا ما كانَ يَدْعُوهُ ويَسْتَغِيثُ بِهِ مِن مَيِّتٍ أوْ حَيٍّ أوْ صَنَمٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ﴾ أيْ: أعْطاهُ ومَلَّكَهُ، يُقالُ: خَوَّلَهُ أيْ: مَلَّكَهُ إيّاهُ، وكانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يُنْشِدُ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلُوا وإنْ يُسْألُوا يُعْطُوا وإنْ يَيْسِرُوا يَغْلُوا ومِنهُ قَوْلُ أبِي النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يَبْخَلِ ∗∗∗ كُومُ الذُّرى مَن خَوَلِ المُخَوَّلِ ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ عَنْهُ مِن قَبْلِ أنْ يُخَوِّلَهُ ما خَوَّلَهُ وقِيلَ: نَسِيَ الدُّعاءَ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ بِهِ وتَرَكَهُ أوْ نَسِيَ رَبَّهِ الَّذِي كانَ يَدْعُوهُ ويَتَضَرَّعُ إلَيْهِ، ثُمَّ جاوَزَ ذَلِكَ إلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: شُرَكاءَ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها يَسْتَغِيثُ بِها ويَعْبُدُها ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: لِيُضِلَّ النّاسَ عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ الَّتِي هي الإسْلامُ والتَّوْحِيدُ. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي أنْدادًا مِنَ الرِّجالِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمْ في جَمِيعِ أُمُورِهِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُهَدِّدَ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، فَمَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مَصِيرُكَ إلَيْها عَنْ قَرِيبٍ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ أمْرٌ عَظِيمٌ. قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيُضِلَّ ) بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفاتِ المُشْرِكِينَ وتَمَسُّكَهم بِغَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ انْدِفاعِ المَكْرُوهاتِ عَنْهم ذَكَرَ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ وهَذا إلى آخِرِهِ مِن تَمامِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى ذَلِكَ الكافِرُ (p-١٢٧٧)أحْسَنُ حالًا ومَآلًا، أمَّنْ هو قائِمٌ بِطاعاتِ اللَّهِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ في ساعاتِ اللَّيْلِ، مُسْتَمِرٌّ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلى دُعاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عِنْدَ نُزُولِ الضَّرَرِ بِهِ. قَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ أمَّنْ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى " أمْ " داخِلَةٌ عَلى " مَن " المَوْصُولَةِ وأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ و" أمْ " هي المُتَّصِلَةُ، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الكافِرُ خَيْرٌ أمِ الَّذِي هو قانِتٌ. وقِيلَ: هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِـ: بَلْ والهَمْزَةِ أيْ: بَلْ أمَّنْ هو قانِتٌ كالكافِرِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَقِيلَ: الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى مَن، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن كَفَرَ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الهَمْزَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلنِّداءِ و" مَن " مُنادى، وهي عِبارَةٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ والتَّقْدِيرُ: يا مَن هو قانِتٌ، قُلْ: كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: يا مَن هو قانِتٌ إنَّكَ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ. ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ الهَمْزَةَ لِلنِّداءِ الفَرّاءُ، وضَعَّفَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، وقالَ: هو أجْنَبِيٌّ عَمّا قَبْلَهُ وعَمّا بَعْدَهُ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا التَّضْعِيفِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، واعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن أصْلِها أبُو حاتِمٍ والأخْفَشُ ولا وجْهَ لِذَلِكَ فَإنّا إذا ثَبَتَتِ الرِّوايَةُ بَطَلَتِ الدِّرايَةُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ القانِتِ هُنا فَقِيلَ: المُطِيعُ، وقِيلَ: الخاشِعُ في صَلاتِهِ، وقِيلَ: القائِمُ في صَلاتِهِ، وقِيلَ: الدّاعِي لِرَبِّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أصْلُ القُنُوتَ الطّاعَةُ، فَكُلُّ ما قِيلَ فِيهِ فَهو داخِلٌ في الطّاعَةِ، والمُرادُ بِآناءِ اللَّيْلِ ساعاتُهُ، وقِيلَ: جَوْفُهُ، وقِيلَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وانْتِصابُ ساجِدًا وقائِمًا عَلى الحالِ أيْ: جامَعًا بَيْنَ السُّجُودِ والقِيامِ، وقُدِّمَ السُّجُودُ عَلى القِيامِ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في العِبادَةِ، ومَحَلُّ ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْضًا أيْ: يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٌ ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وما اجْتَمَعا في قَلْبِ رَجُلٍ إلّا فازَ. قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: كَمَن لا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا آخَرَ يَتَبَيَّنُ بِهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ فَقالَ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مِنَ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ حَقٌّ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوِ المُرادُ العُلَماءُ والجُهّالُ ومَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ لا اسْتِواءَ بَيْنَ العِلْمِ والجَهْلِ، ولا بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: كَما لا يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينِ يَعْلَمُونَ: هُمُ العامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، لِأنَّ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَعْلَمْ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: إنَّما يَتَّعِظُ ويَتَدَبَّرُ ويَتَفَكَّرُ أصْحابُ العُقُولِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ لا الكُفّارُ، فَإنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّ لَهم عُقُولًا فَهي كالعَدَمِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ لَيْسَتْ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ بَلْ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم﴾ لَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - المُساواةَ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ ومَن لا يَعْلَمُ، وبَيَّنَ أنَّهُ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ مِن عِبادِهِ بِالثَّباتِ عَلى تَقْواهُ والإيمانِ بِهِ. والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ صَدَّقُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ اتَّقُوا رَبَّكم بِطاعَتِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، وإخْلاصِ الإيمانِ لَهُ، ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، والمُرادُ قُلْ لَهم قَوْلِي هَذا بِعَيْنِهِ. ثُمَّ لَمّا أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى بَيَّنَ لَهم ما في هَذِهِ التَّقْوى مِنَ الفَوائِدِ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أيْ: لِلَّذِينِ عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ في هَذِهِ الدُّنْيا عَلى وجْهِ الإخْلاصِ حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ وهي الجَنَّةُ، وقَوْلُهُ: في هَذِهِ الدُّنْيا مُتَعَلِّقٌ بِـ: أحْسَنُوا، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِحَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ بَيانٌ لِمَكانِها، فَيَكُونُ المَعْنى: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في العَمَلِ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ والظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ لَمّا كانَ بَعْضُ العِبادِ قَدْ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ فِعْلُ الطّاعاتِ والإحْسانِ في وطَنِهِ أرْشَدَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مَن كانَ كَذَلِكَ إلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ أيْ: فَلْيُهاجِرْ إلى حَيْثُ يُمْكِنُهُ طاعَةُ اللَّهِ. والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ، والتَّرْكُ لِما نَهى عَنْهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] وقَدْ مَضى الكَلامُ في الهِجْرَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ النِّساءِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأرْضِ هُنا: أرْضُ الجَنَّةِ، رَغَّبَهم في سِعَتِها وسِعَةِ نَعِيمِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما لِلْمُحْسِنِينَ إذا أحْسَنُوا، وكانَ لا بُدَّ في ذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وعَلى كَفِّ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ، أشارَ إلى فَضِيلَةِ الصَّبْرِ وعَظِيمِ مِقْدارِهِ فَقالَ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ أجْرَهم في مُقابَلَةِ صَبْرِهِمْ بِغَيْرِ حِسابٍ أيْ: بِما لا يَقْدِرُ عَلى حَصْرِهِ حاصِرٌ، ولا يَسْتَطِيعُ حُسْبانَهُ حاسِبٌ. قالَ عَطاءٌ: بِما لا يَهْتَدِي إلَيْهِ عَقْلٌ ولا وصْفٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: أجْرُهُمُ الجَنَّةُ، وأرْزاقُهم فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ. والحاصِلُ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ثَوابَ الصّابِرِينَ وأجْرَهم لا نِهايَةَ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَدْخُلُ تَحْتَ الحِسابِ فَهو مُتَناهٍ، وما كانَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحِسابِ فَهو غَيْرُ مُتَناهٍ، وهَذِهِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ ومَثُوبَةٌ جَلِيلَةٌ تَقْتَضِي أنَّ عَلى كُلِّ راغِبٍ في ثَوابِ اللَّهِ، وطامِعٍ فِيما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ أنْ يَتَوَفَّرَ عَلى الصَّبْرِ ويَزُمَّ نَفْسَهُ بِزِمامِهِ ويُقَيِّدَها بِقَيْدِهِ، فَإنَّ الجَزَعَ لا يَرُدُّ قَضاءً قَدْ نَزَلَ، ولا يَجْلِبُ خَيْرًا قَدْ سُلِبَ، ولا يَدْفَعُ مَكْرُوهًا قَدْ وقَعَ، وإذا تَصَوَّرَ العاقِلُ هَذا حَقَّ تَصَوُّرِهِ وتَعَقَّلَهُ حَقَّ تَعَقُّلِهِ عَلِمَ أنَّ الصّابِرَ عَلى ما نَزَلَ بِهِ قَدْ فازَ بِهَذا الأجْرِ العَظِيمِ، وظَفِرَ بِهَذا الجَزاءِ الخَطِيرِ، وغَيْرَ الصّابِرِ قَدْ نَزَلَ بِهِ القَضاءُ شاءَ أمْ أبى، ومَعَ ذَلِكَ فاتَهُ مِنَ الأجْرِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يَبْلُغُ مَداهُ، فَضَمَّ إلى مُصِيبَتِهِ مُصِيبَةً أُخْرى ولَمْ يَظْفَرْ بِغَيْرِ الجَزَعِ، وما أحْسَنَ قَوْلَ مَن قالَ: ؎أرى الصَّبْرَ مَحْمُودًا وعَنْهُ مَذاهِبُ ∗∗∗ فَكَيْفَ إذا ما لَمْ يَكُنْ عَنْهُ مَذْهَبُ ؎ (p-١٢٧٨)هُناكَ يَحِقُّ الصَّبْرُ والصَّبْرُ واجِبٌ ∗∗∗ وما كانَ مِنهُ لِلضَّرُورَةِ أوْجَبُ ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُخْبِرَهم بِما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: أعْبُدُهُ عِبادَةً خالِصَةً مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ما يَحْمِلُكَ عَلى الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ، ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجَدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى فَتَأْخُذُ بِها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الآيَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وكَذَلِكَ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ دِينَ آبائِهِ ودَعا إلى التَّوْحِيدِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: وأمَرْتُ بِما أمَرْتُ بِهِ لِأجْلِ أنْ أكُونَ، وقِيلَ: إنَّها مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم، فَيَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ وهم عِبادُهُ المُخْلِصُونَ الَّذِينَ قالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فَألْزَمَهم شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحَبَّبَها إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ قالَ: لا يَرْضى لِعِبادِهِ المُسْلِمِينَ الكُفْرَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: واللَّهِ ما رَضِيَ اللَّهُ لِعَبْدٍ ضَلالَةً ولا أمَرَهُ بِها ولا دَعا إلَيْها، ولَكِنْ رَضِيَ لَكم طاعَتَهُ وأمَرَكم بِها ونَهاكم عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ قالَ: ذاكَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وفي لَفْظٍ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقاتِهِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ يَقُولُ: يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَجُلٍ وهو في المَوْتِ فَقالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قالَ: أرْجُو اللَّهَ وأخافُ ذُنُوبِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا يَجْتَمِعانِ في قَلْبِ عَبْدٍ في مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ إلّا أعْطاهُ اللَّهُ الَّذِي يَرْجُو وأمَّنَهُ الَّذِي يَخافُ» . أخْرَجُوهُ مِن طَرِيقِ سَيّارِ بْنِ حاتِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمانَ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، وقَدْ رَواهُ بَعْضُهم عَنْ ثابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُرْسَلًا.

الزمر 39:9

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - النِّعَمَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى عِبادِهِ وبَيَّنَ لَهم مِن بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجِيبِ فِعْلِهِ ما يُوجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أيْ: غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْكم ولا إلى إيمانِكم ولا إلى عِبادَتِكم لَهُ فَإنَّهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، " و" مَعَ كَوْنِ كُفْرِ الكافِرِ لا يَضُرُّهُ كَما أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُ المُؤْمِنِ، فَهو أيْضًا لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ أيْ: لا يَرْضى لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ الكُفْرَ ولا يُحِبُّهُ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] ومِثْلُها ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عِبادِي لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى قَلْبِ أفْجَرِ رَجُلٍ مِنكم ما نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلْكِي شَيْئًا» . وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي عَلى عُمُومِها، وإنَّ الكُفْرَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ حالٍ كَما هو الظّاهِرُ، أوْ هي خاصَّةٌ ؟ والمَعْنى: لا يَرْضى لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الكُفْرَ، وقَدْ ذَهَبَ إلى التَّخْصِيصِ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ آخِرَ البَحْثِ، وتابَعَهُ عَلى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في الآيَةِ اخْتِلافًا آخَرَ. فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ يُرِيدُ كُفْرَ الكافِرِ ولا يَرْضاهُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ لا يُرِيدُهُ ولا يَرْضاهُ، والكَلامُ في تَحْقِيقِ مِثْلِ هَذا يَطُولُ جِدًّا. وقَدِ اسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِتَخْصِيصِ هَذِهِ الآيَةِ، والمُثْبِتُونَ لِلْإرادَةِ مَعَ عَدَمِ الرِّضا بِما ثَبَتَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنِ الكِتابِ العَزِيزِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُضِلُّ مَن يَشاءُ [الرعد: ٢٧] ويَهْدِي مَن يَشاءُ [يونس: ٢٥] ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [ الإنْسانِ: ٣٠، والتَّكْوِيرِ: ٢٩ ] ونَحْوُ هَذا مِمّا يُؤَدِّي مَعْناهُ كَثِيرٌ في الكِتابِ العَزِيزِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ بَيَّنَ أنَّهُ يَرْضى لَهُمُ الشُّكْرَ فَقالَ: ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أيْ: يَرْضى لَكُمُ الشُّكْرَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وإنْ تَشْكُرُوا ويُثِبْكم عَلَيْهِ، وإنَّما رَضِيَ لَهم - سُبْحانَهُ - الشُّكْرَ لِأنَّهُ سَبَبُ سَعادَتِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم﴾ [إبراهيم: ٧] قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو وشَيْبَةُ وهُبَيْرَةُ عَنْ عاصِمٍ بِإسْكانِ الهاءِ مَن " يَرْضَهُ "، وأشْبَعَ الضَّمَّةَ عَلى الهاءِ ابْنُ ذَكْوانَ وابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ، واخْتَلَسَ الباقُونَ. ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ لِلْوِزْرِ حِمْلَ نَفْسٍ أُخْرى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: ما تُضْمِرُهُ القُلُوبُ وتَسْتُرُهُ، فَكَيْفَ بِما تُظْهِرُهُ وتُبْدِيهِ. ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ أيْ: ضُرٌّ كانَ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ خَوْفٍ ﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ مُسْتَغِيثًا بِهِ في دَفْعِ ما نَزَلَ بِهِ تارِكًا ما كانَ يَدْعُوهُ ويَسْتَغِيثُ بِهِ مِن مَيِّتٍ أوْ حَيٍّ أوْ صَنَمٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ﴾ أيْ: أعْطاهُ ومَلَّكَهُ، يُقالُ: خَوَّلَهُ أيْ: مَلَّكَهُ إيّاهُ، وكانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يُنْشِدُ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلُوا وإنْ يُسْألُوا يُعْطُوا وإنْ يَيْسِرُوا يَغْلُوا ومِنهُ قَوْلُ أبِي النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يَبْخَلِ ∗∗∗ كُومُ الذُّرى مَن خَوَلِ المُخَوَّلِ ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ عَنْهُ مِن قَبْلِ أنْ يُخَوِّلَهُ ما خَوَّلَهُ وقِيلَ: نَسِيَ الدُّعاءَ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ بِهِ وتَرَكَهُ أوْ نَسِيَ رَبَّهِ الَّذِي كانَ يَدْعُوهُ ويَتَضَرَّعُ إلَيْهِ، ثُمَّ جاوَزَ ذَلِكَ إلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: شُرَكاءَ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها يَسْتَغِيثُ بِها ويَعْبُدُها ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: لِيُضِلَّ النّاسَ عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ الَّتِي هي الإسْلامُ والتَّوْحِيدُ. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي أنْدادًا مِنَ الرِّجالِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمْ في جَمِيعِ أُمُورِهِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُهَدِّدَ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، فَمَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مَصِيرُكَ إلَيْها عَنْ قَرِيبٍ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ أمْرٌ عَظِيمٌ. قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيُضِلَّ ) بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفاتِ المُشْرِكِينَ وتَمَسُّكَهم بِغَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ انْدِفاعِ المَكْرُوهاتِ عَنْهم ذَكَرَ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ وهَذا إلى آخِرِهِ مِن تَمامِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى ذَلِكَ الكافِرُ (p-١٢٧٧)أحْسَنُ حالًا ومَآلًا، أمَّنْ هو قائِمٌ بِطاعاتِ اللَّهِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ في ساعاتِ اللَّيْلِ، مُسْتَمِرٌّ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلى دُعاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عِنْدَ نُزُولِ الضَّرَرِ بِهِ. قَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ أمَّنْ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى " أمْ " داخِلَةٌ عَلى " مَن " المَوْصُولَةِ وأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ و" أمْ " هي المُتَّصِلَةُ، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الكافِرُ خَيْرٌ أمِ الَّذِي هو قانِتٌ. وقِيلَ: هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِـ: بَلْ والهَمْزَةِ أيْ: بَلْ أمَّنْ هو قانِتٌ كالكافِرِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَقِيلَ: الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى مَن، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن كَفَرَ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الهَمْزَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلنِّداءِ و" مَن " مُنادى، وهي عِبارَةٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ والتَّقْدِيرُ: يا مَن هو قانِتٌ، قُلْ: كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: يا مَن هو قانِتٌ إنَّكَ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ. ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ الهَمْزَةَ لِلنِّداءِ الفَرّاءُ، وضَعَّفَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، وقالَ: هو أجْنَبِيٌّ عَمّا قَبْلَهُ وعَمّا بَعْدَهُ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا التَّضْعِيفِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، واعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن أصْلِها أبُو حاتِمٍ والأخْفَشُ ولا وجْهَ لِذَلِكَ فَإنّا إذا ثَبَتَتِ الرِّوايَةُ بَطَلَتِ الدِّرايَةُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ القانِتِ هُنا فَقِيلَ: المُطِيعُ، وقِيلَ: الخاشِعُ في صَلاتِهِ، وقِيلَ: القائِمُ في صَلاتِهِ، وقِيلَ: الدّاعِي لِرَبِّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أصْلُ القُنُوتَ الطّاعَةُ، فَكُلُّ ما قِيلَ فِيهِ فَهو داخِلٌ في الطّاعَةِ، والمُرادُ بِآناءِ اللَّيْلِ ساعاتُهُ، وقِيلَ: جَوْفُهُ، وقِيلَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وانْتِصابُ ساجِدًا وقائِمًا عَلى الحالِ أيْ: جامَعًا بَيْنَ السُّجُودِ والقِيامِ، وقُدِّمَ السُّجُودُ عَلى القِيامِ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في العِبادَةِ، ومَحَلُّ ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْضًا أيْ: يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٌ ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وما اجْتَمَعا في قَلْبِ رَجُلٍ إلّا فازَ. قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: كَمَن لا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا آخَرَ يَتَبَيَّنُ بِهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ فَقالَ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مِنَ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ حَقٌّ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوِ المُرادُ العُلَماءُ والجُهّالُ ومَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ لا اسْتِواءَ بَيْنَ العِلْمِ والجَهْلِ، ولا بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: كَما لا يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينِ يَعْلَمُونَ: هُمُ العامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، لِأنَّ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَعْلَمْ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: إنَّما يَتَّعِظُ ويَتَدَبَّرُ ويَتَفَكَّرُ أصْحابُ العُقُولِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ لا الكُفّارُ، فَإنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّ لَهم عُقُولًا فَهي كالعَدَمِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ لَيْسَتْ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ بَلْ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم﴾ لَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - المُساواةَ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ ومَن لا يَعْلَمُ، وبَيَّنَ أنَّهُ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ مِن عِبادِهِ بِالثَّباتِ عَلى تَقْواهُ والإيمانِ بِهِ. والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ صَدَّقُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ اتَّقُوا رَبَّكم بِطاعَتِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، وإخْلاصِ الإيمانِ لَهُ، ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، والمُرادُ قُلْ لَهم قَوْلِي هَذا بِعَيْنِهِ. ثُمَّ لَمّا أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى بَيَّنَ لَهم ما في هَذِهِ التَّقْوى مِنَ الفَوائِدِ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أيْ: لِلَّذِينِ عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ في هَذِهِ الدُّنْيا عَلى وجْهِ الإخْلاصِ حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ وهي الجَنَّةُ، وقَوْلُهُ: في هَذِهِ الدُّنْيا مُتَعَلِّقٌ بِـ: أحْسَنُوا، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِحَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ بَيانٌ لِمَكانِها، فَيَكُونُ المَعْنى: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في العَمَلِ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ والظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ لَمّا كانَ بَعْضُ العِبادِ قَدْ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ فِعْلُ الطّاعاتِ والإحْسانِ في وطَنِهِ أرْشَدَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مَن كانَ كَذَلِكَ إلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ أيْ: فَلْيُهاجِرْ إلى حَيْثُ يُمْكِنُهُ طاعَةُ اللَّهِ. والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ، والتَّرْكُ لِما نَهى عَنْهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] وقَدْ مَضى الكَلامُ في الهِجْرَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ النِّساءِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأرْضِ هُنا: أرْضُ الجَنَّةِ، رَغَّبَهم في سِعَتِها وسِعَةِ نَعِيمِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما لِلْمُحْسِنِينَ إذا أحْسَنُوا، وكانَ لا بُدَّ في ذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وعَلى كَفِّ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ، أشارَ إلى فَضِيلَةِ الصَّبْرِ وعَظِيمِ مِقْدارِهِ فَقالَ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ أجْرَهم في مُقابَلَةِ صَبْرِهِمْ بِغَيْرِ حِسابٍ أيْ: بِما لا يَقْدِرُ عَلى حَصْرِهِ حاصِرٌ، ولا يَسْتَطِيعُ حُسْبانَهُ حاسِبٌ. قالَ عَطاءٌ: بِما لا يَهْتَدِي إلَيْهِ عَقْلٌ ولا وصْفٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: أجْرُهُمُ الجَنَّةُ، وأرْزاقُهم فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ. والحاصِلُ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ثَوابَ الصّابِرِينَ وأجْرَهم لا نِهايَةَ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَدْخُلُ تَحْتَ الحِسابِ فَهو مُتَناهٍ، وما كانَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحِسابِ فَهو غَيْرُ مُتَناهٍ، وهَذِهِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ ومَثُوبَةٌ جَلِيلَةٌ تَقْتَضِي أنَّ عَلى كُلِّ راغِبٍ في ثَوابِ اللَّهِ، وطامِعٍ فِيما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ أنْ يَتَوَفَّرَ عَلى الصَّبْرِ ويَزُمَّ نَفْسَهُ بِزِمامِهِ ويُقَيِّدَها بِقَيْدِهِ، فَإنَّ الجَزَعَ لا يَرُدُّ قَضاءً قَدْ نَزَلَ، ولا يَجْلِبُ خَيْرًا قَدْ سُلِبَ، ولا يَدْفَعُ مَكْرُوهًا قَدْ وقَعَ، وإذا تَصَوَّرَ العاقِلُ هَذا حَقَّ تَصَوُّرِهِ وتَعَقَّلَهُ حَقَّ تَعَقُّلِهِ عَلِمَ أنَّ الصّابِرَ عَلى ما نَزَلَ بِهِ قَدْ فازَ بِهَذا الأجْرِ العَظِيمِ، وظَفِرَ بِهَذا الجَزاءِ الخَطِيرِ، وغَيْرَ الصّابِرِ قَدْ نَزَلَ بِهِ القَضاءُ شاءَ أمْ أبى، ومَعَ ذَلِكَ فاتَهُ مِنَ الأجْرِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يَبْلُغُ مَداهُ، فَضَمَّ إلى مُصِيبَتِهِ مُصِيبَةً أُخْرى ولَمْ يَظْفَرْ بِغَيْرِ الجَزَعِ، وما أحْسَنَ قَوْلَ مَن قالَ: ؎أرى الصَّبْرَ مَحْمُودًا وعَنْهُ مَذاهِبُ ∗∗∗ فَكَيْفَ إذا ما لَمْ يَكُنْ عَنْهُ مَذْهَبُ ؎ (p-١٢٧٨)هُناكَ يَحِقُّ الصَّبْرُ والصَّبْرُ واجِبٌ ∗∗∗ وما كانَ مِنهُ لِلضَّرُورَةِ أوْجَبُ ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُخْبِرَهم بِما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: أعْبُدُهُ عِبادَةً خالِصَةً مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ما يَحْمِلُكَ عَلى الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ، ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجَدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى فَتَأْخُذُ بِها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الآيَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وكَذَلِكَ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ دِينَ آبائِهِ ودَعا إلى التَّوْحِيدِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: وأمَرْتُ بِما أمَرْتُ بِهِ لِأجْلِ أنْ أكُونَ، وقِيلَ: إنَّها مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم، فَيَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ وهم عِبادُهُ المُخْلِصُونَ الَّذِينَ قالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فَألْزَمَهم شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحَبَّبَها إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ قالَ: لا يَرْضى لِعِبادِهِ المُسْلِمِينَ الكُفْرَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: واللَّهِ ما رَضِيَ اللَّهُ لِعَبْدٍ ضَلالَةً ولا أمَرَهُ بِها ولا دَعا إلَيْها، ولَكِنْ رَضِيَ لَكم طاعَتَهُ وأمَرَكم بِها ونَهاكم عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ قالَ: ذاكَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وفي لَفْظٍ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقاتِهِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ يَقُولُ: يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَجُلٍ وهو في المَوْتِ فَقالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قالَ: أرْجُو اللَّهَ وأخافُ ذُنُوبِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا يَجْتَمِعانِ في قَلْبِ عَبْدٍ في مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ إلّا أعْطاهُ اللَّهُ الَّذِي يَرْجُو وأمَّنَهُ الَّذِي يَخافُ» . أخْرَجُوهُ مِن طَرِيقِ سَيّارِ بْنِ حاتِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمانَ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، وقَدْ رَواهُ بَعْضُهم عَنْ ثابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُرْسَلًا.

الزمر 39:10

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - النِّعَمَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى عِبادِهِ وبَيَّنَ لَهم مِن بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجِيبِ فِعْلِهِ ما يُوجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أيْ: غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْكم ولا إلى إيمانِكم ولا إلى عِبادَتِكم لَهُ فَإنَّهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، " و" مَعَ كَوْنِ كُفْرِ الكافِرِ لا يَضُرُّهُ كَما أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُ المُؤْمِنِ، فَهو أيْضًا لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ أيْ: لا يَرْضى لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ الكُفْرَ ولا يُحِبُّهُ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] ومِثْلُها ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عِبادِي لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى قَلْبِ أفْجَرِ رَجُلٍ مِنكم ما نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلْكِي شَيْئًا» . وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي عَلى عُمُومِها، وإنَّ الكُفْرَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ حالٍ كَما هو الظّاهِرُ، أوْ هي خاصَّةٌ ؟ والمَعْنى: لا يَرْضى لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الكُفْرَ، وقَدْ ذَهَبَ إلى التَّخْصِيصِ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ آخِرَ البَحْثِ، وتابَعَهُ عَلى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في الآيَةِ اخْتِلافًا آخَرَ. فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ يُرِيدُ كُفْرَ الكافِرِ ولا يَرْضاهُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ لا يُرِيدُهُ ولا يَرْضاهُ، والكَلامُ في تَحْقِيقِ مِثْلِ هَذا يَطُولُ جِدًّا. وقَدِ اسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِتَخْصِيصِ هَذِهِ الآيَةِ، والمُثْبِتُونَ لِلْإرادَةِ مَعَ عَدَمِ الرِّضا بِما ثَبَتَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنِ الكِتابِ العَزِيزِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُضِلُّ مَن يَشاءُ [الرعد: ٢٧] ويَهْدِي مَن يَشاءُ [يونس: ٢٥] ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [ الإنْسانِ: ٣٠، والتَّكْوِيرِ: ٢٩ ] ونَحْوُ هَذا مِمّا يُؤَدِّي مَعْناهُ كَثِيرٌ في الكِتابِ العَزِيزِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ بَيَّنَ أنَّهُ يَرْضى لَهُمُ الشُّكْرَ فَقالَ: ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أيْ: يَرْضى لَكُمُ الشُّكْرَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وإنْ تَشْكُرُوا ويُثِبْكم عَلَيْهِ، وإنَّما رَضِيَ لَهم - سُبْحانَهُ - الشُّكْرَ لِأنَّهُ سَبَبُ سَعادَتِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم﴾ [إبراهيم: ٧] قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو وشَيْبَةُ وهُبَيْرَةُ عَنْ عاصِمٍ بِإسْكانِ الهاءِ مَن " يَرْضَهُ "، وأشْبَعَ الضَّمَّةَ عَلى الهاءِ ابْنُ ذَكْوانَ وابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ، واخْتَلَسَ الباقُونَ. ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ لِلْوِزْرِ حِمْلَ نَفْسٍ أُخْرى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: ما تُضْمِرُهُ القُلُوبُ وتَسْتُرُهُ، فَكَيْفَ بِما تُظْهِرُهُ وتُبْدِيهِ. ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ أيْ: ضُرٌّ كانَ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ خَوْفٍ ﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ مُسْتَغِيثًا بِهِ في دَفْعِ ما نَزَلَ بِهِ تارِكًا ما كانَ يَدْعُوهُ ويَسْتَغِيثُ بِهِ مِن مَيِّتٍ أوْ حَيٍّ أوْ صَنَمٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ﴾ أيْ: أعْطاهُ ومَلَّكَهُ، يُقالُ: خَوَّلَهُ أيْ: مَلَّكَهُ إيّاهُ، وكانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يُنْشِدُ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلُوا وإنْ يُسْألُوا يُعْطُوا وإنْ يَيْسِرُوا يَغْلُوا ومِنهُ قَوْلُ أبِي النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يَبْخَلِ ∗∗∗ كُومُ الذُّرى مَن خَوَلِ المُخَوَّلِ ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ عَنْهُ مِن قَبْلِ أنْ يُخَوِّلَهُ ما خَوَّلَهُ وقِيلَ: نَسِيَ الدُّعاءَ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ بِهِ وتَرَكَهُ أوْ نَسِيَ رَبَّهِ الَّذِي كانَ يَدْعُوهُ ويَتَضَرَّعُ إلَيْهِ، ثُمَّ جاوَزَ ذَلِكَ إلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: شُرَكاءَ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها يَسْتَغِيثُ بِها ويَعْبُدُها ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: لِيُضِلَّ النّاسَ عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ الَّتِي هي الإسْلامُ والتَّوْحِيدُ. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي أنْدادًا مِنَ الرِّجالِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمْ في جَمِيعِ أُمُورِهِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُهَدِّدَ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، فَمَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مَصِيرُكَ إلَيْها عَنْ قَرِيبٍ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ أمْرٌ عَظِيمٌ. قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيُضِلَّ ) بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفاتِ المُشْرِكِينَ وتَمَسُّكَهم بِغَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ انْدِفاعِ المَكْرُوهاتِ عَنْهم ذَكَرَ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ وهَذا إلى آخِرِهِ مِن تَمامِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى ذَلِكَ الكافِرُ (p-١٢٧٧)أحْسَنُ حالًا ومَآلًا، أمَّنْ هو قائِمٌ بِطاعاتِ اللَّهِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ في ساعاتِ اللَّيْلِ، مُسْتَمِرٌّ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلى دُعاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عِنْدَ نُزُولِ الضَّرَرِ بِهِ. قَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ أمَّنْ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى " أمْ " داخِلَةٌ عَلى " مَن " المَوْصُولَةِ وأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ و" أمْ " هي المُتَّصِلَةُ، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الكافِرُ خَيْرٌ أمِ الَّذِي هو قانِتٌ. وقِيلَ: هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِـ: بَلْ والهَمْزَةِ أيْ: بَلْ أمَّنْ هو قانِتٌ كالكافِرِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَقِيلَ: الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى مَن، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن كَفَرَ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الهَمْزَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلنِّداءِ و" مَن " مُنادى، وهي عِبارَةٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ والتَّقْدِيرُ: يا مَن هو قانِتٌ، قُلْ: كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: يا مَن هو قانِتٌ إنَّكَ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ. ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ الهَمْزَةَ لِلنِّداءِ الفَرّاءُ، وضَعَّفَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، وقالَ: هو أجْنَبِيٌّ عَمّا قَبْلَهُ وعَمّا بَعْدَهُ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا التَّضْعِيفِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، واعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن أصْلِها أبُو حاتِمٍ والأخْفَشُ ولا وجْهَ لِذَلِكَ فَإنّا إذا ثَبَتَتِ الرِّوايَةُ بَطَلَتِ الدِّرايَةُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ القانِتِ هُنا فَقِيلَ: المُطِيعُ، وقِيلَ: الخاشِعُ في صَلاتِهِ، وقِيلَ: القائِمُ في صَلاتِهِ، وقِيلَ: الدّاعِي لِرَبِّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أصْلُ القُنُوتَ الطّاعَةُ، فَكُلُّ ما قِيلَ فِيهِ فَهو داخِلٌ في الطّاعَةِ، والمُرادُ بِآناءِ اللَّيْلِ ساعاتُهُ، وقِيلَ: جَوْفُهُ، وقِيلَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وانْتِصابُ ساجِدًا وقائِمًا عَلى الحالِ أيْ: جامَعًا بَيْنَ السُّجُودِ والقِيامِ، وقُدِّمَ السُّجُودُ عَلى القِيامِ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في العِبادَةِ، ومَحَلُّ ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْضًا أيْ: يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٌ ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وما اجْتَمَعا في قَلْبِ رَجُلٍ إلّا فازَ. قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: كَمَن لا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا آخَرَ يَتَبَيَّنُ بِهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ فَقالَ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مِنَ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ حَقٌّ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوِ المُرادُ العُلَماءُ والجُهّالُ ومَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ لا اسْتِواءَ بَيْنَ العِلْمِ والجَهْلِ، ولا بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: كَما لا يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينِ يَعْلَمُونَ: هُمُ العامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، لِأنَّ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَعْلَمْ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: إنَّما يَتَّعِظُ ويَتَدَبَّرُ ويَتَفَكَّرُ أصْحابُ العُقُولِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ لا الكُفّارُ، فَإنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّ لَهم عُقُولًا فَهي كالعَدَمِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ لَيْسَتْ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ بَلْ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم﴾ لَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - المُساواةَ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ ومَن لا يَعْلَمُ، وبَيَّنَ أنَّهُ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ مِن عِبادِهِ بِالثَّباتِ عَلى تَقْواهُ والإيمانِ بِهِ. والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ صَدَّقُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ اتَّقُوا رَبَّكم بِطاعَتِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، وإخْلاصِ الإيمانِ لَهُ، ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، والمُرادُ قُلْ لَهم قَوْلِي هَذا بِعَيْنِهِ. ثُمَّ لَمّا أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى بَيَّنَ لَهم ما في هَذِهِ التَّقْوى مِنَ الفَوائِدِ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أيْ: لِلَّذِينِ عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ في هَذِهِ الدُّنْيا عَلى وجْهِ الإخْلاصِ حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ وهي الجَنَّةُ، وقَوْلُهُ: في هَذِهِ الدُّنْيا مُتَعَلِّقٌ بِـ: أحْسَنُوا، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِحَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ بَيانٌ لِمَكانِها، فَيَكُونُ المَعْنى: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في العَمَلِ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ والظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ لَمّا كانَ بَعْضُ العِبادِ قَدْ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ فِعْلُ الطّاعاتِ والإحْسانِ في وطَنِهِ أرْشَدَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مَن كانَ كَذَلِكَ إلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ أيْ: فَلْيُهاجِرْ إلى حَيْثُ يُمْكِنُهُ طاعَةُ اللَّهِ. والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ، والتَّرْكُ لِما نَهى عَنْهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] وقَدْ مَضى الكَلامُ في الهِجْرَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ النِّساءِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأرْضِ هُنا: أرْضُ الجَنَّةِ، رَغَّبَهم في سِعَتِها وسِعَةِ نَعِيمِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما لِلْمُحْسِنِينَ إذا أحْسَنُوا، وكانَ لا بُدَّ في ذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وعَلى كَفِّ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ، أشارَ إلى فَضِيلَةِ الصَّبْرِ وعَظِيمِ مِقْدارِهِ فَقالَ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ أجْرَهم في مُقابَلَةِ صَبْرِهِمْ بِغَيْرِ حِسابٍ أيْ: بِما لا يَقْدِرُ عَلى حَصْرِهِ حاصِرٌ، ولا يَسْتَطِيعُ حُسْبانَهُ حاسِبٌ. قالَ عَطاءٌ: بِما لا يَهْتَدِي إلَيْهِ عَقْلٌ ولا وصْفٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: أجْرُهُمُ الجَنَّةُ، وأرْزاقُهم فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ. والحاصِلُ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ثَوابَ الصّابِرِينَ وأجْرَهم لا نِهايَةَ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَدْخُلُ تَحْتَ الحِسابِ فَهو مُتَناهٍ، وما كانَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحِسابِ فَهو غَيْرُ مُتَناهٍ، وهَذِهِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ ومَثُوبَةٌ جَلِيلَةٌ تَقْتَضِي أنَّ عَلى كُلِّ راغِبٍ في ثَوابِ اللَّهِ، وطامِعٍ فِيما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ أنْ يَتَوَفَّرَ عَلى الصَّبْرِ ويَزُمَّ نَفْسَهُ بِزِمامِهِ ويُقَيِّدَها بِقَيْدِهِ، فَإنَّ الجَزَعَ لا يَرُدُّ قَضاءً قَدْ نَزَلَ، ولا يَجْلِبُ خَيْرًا قَدْ سُلِبَ، ولا يَدْفَعُ مَكْرُوهًا قَدْ وقَعَ، وإذا تَصَوَّرَ العاقِلُ هَذا حَقَّ تَصَوُّرِهِ وتَعَقَّلَهُ حَقَّ تَعَقُّلِهِ عَلِمَ أنَّ الصّابِرَ عَلى ما نَزَلَ بِهِ قَدْ فازَ بِهَذا الأجْرِ العَظِيمِ، وظَفِرَ بِهَذا الجَزاءِ الخَطِيرِ، وغَيْرَ الصّابِرِ قَدْ نَزَلَ بِهِ القَضاءُ شاءَ أمْ أبى، ومَعَ ذَلِكَ فاتَهُ مِنَ الأجْرِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يَبْلُغُ مَداهُ، فَضَمَّ إلى مُصِيبَتِهِ مُصِيبَةً أُخْرى ولَمْ يَظْفَرْ بِغَيْرِ الجَزَعِ، وما أحْسَنَ قَوْلَ مَن قالَ: ؎أرى الصَّبْرَ مَحْمُودًا وعَنْهُ مَذاهِبُ ∗∗∗ فَكَيْفَ إذا ما لَمْ يَكُنْ عَنْهُ مَذْهَبُ ؎ (p-١٢٧٨)هُناكَ يَحِقُّ الصَّبْرُ والصَّبْرُ واجِبٌ ∗∗∗ وما كانَ مِنهُ لِلضَّرُورَةِ أوْجَبُ ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُخْبِرَهم بِما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: أعْبُدُهُ عِبادَةً خالِصَةً مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ما يَحْمِلُكَ عَلى الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ، ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجَدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى فَتَأْخُذُ بِها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الآيَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وكَذَلِكَ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ دِينَ آبائِهِ ودَعا إلى التَّوْحِيدِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: وأمَرْتُ بِما أمَرْتُ بِهِ لِأجْلِ أنْ أكُونَ، وقِيلَ: إنَّها مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم، فَيَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ وهم عِبادُهُ المُخْلِصُونَ الَّذِينَ قالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فَألْزَمَهم شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحَبَّبَها إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ قالَ: لا يَرْضى لِعِبادِهِ المُسْلِمِينَ الكُفْرَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: واللَّهِ ما رَضِيَ اللَّهُ لِعَبْدٍ ضَلالَةً ولا أمَرَهُ بِها ولا دَعا إلَيْها، ولَكِنْ رَضِيَ لَكم طاعَتَهُ وأمَرَكم بِها ونَهاكم عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ قالَ: ذاكَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وفي لَفْظٍ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقاتِهِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ يَقُولُ: يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَجُلٍ وهو في المَوْتِ فَقالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قالَ: أرْجُو اللَّهَ وأخافُ ذُنُوبِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا يَجْتَمِعانِ في قَلْبِ عَبْدٍ في مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ إلّا أعْطاهُ اللَّهُ الَّذِي يَرْجُو وأمَّنَهُ الَّذِي يَخافُ» . أخْرَجُوهُ مِن طَرِيقِ سَيّارِ بْنِ حاتِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمانَ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، وقَدْ رَواهُ بَعْضُهم عَنْ ثابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُرْسَلًا.

الزمر 39:11

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - النِّعَمَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى عِبادِهِ وبَيَّنَ لَهم مِن بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجِيبِ فِعْلِهِ ما يُوجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أيْ: غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْكم ولا إلى إيمانِكم ولا إلى عِبادَتِكم لَهُ فَإنَّهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، " و" مَعَ كَوْنِ كُفْرِ الكافِرِ لا يَضُرُّهُ كَما أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُ المُؤْمِنِ، فَهو أيْضًا لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ أيْ: لا يَرْضى لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ الكُفْرَ ولا يُحِبُّهُ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] ومِثْلُها ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عِبادِي لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى قَلْبِ أفْجَرِ رَجُلٍ مِنكم ما نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلْكِي شَيْئًا» . وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي عَلى عُمُومِها، وإنَّ الكُفْرَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ حالٍ كَما هو الظّاهِرُ، أوْ هي خاصَّةٌ ؟ والمَعْنى: لا يَرْضى لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الكُفْرَ، وقَدْ ذَهَبَ إلى التَّخْصِيصِ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ آخِرَ البَحْثِ، وتابَعَهُ عَلى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في الآيَةِ اخْتِلافًا آخَرَ. فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ يُرِيدُ كُفْرَ الكافِرِ ولا يَرْضاهُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ لا يُرِيدُهُ ولا يَرْضاهُ، والكَلامُ في تَحْقِيقِ مِثْلِ هَذا يَطُولُ جِدًّا. وقَدِ اسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِتَخْصِيصِ هَذِهِ الآيَةِ، والمُثْبِتُونَ لِلْإرادَةِ مَعَ عَدَمِ الرِّضا بِما ثَبَتَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنِ الكِتابِ العَزِيزِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُضِلُّ مَن يَشاءُ [الرعد: ٢٧] ويَهْدِي مَن يَشاءُ [يونس: ٢٥] ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [ الإنْسانِ: ٣٠، والتَّكْوِيرِ: ٢٩ ] ونَحْوُ هَذا مِمّا يُؤَدِّي مَعْناهُ كَثِيرٌ في الكِتابِ العَزِيزِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ بَيَّنَ أنَّهُ يَرْضى لَهُمُ الشُّكْرَ فَقالَ: ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أيْ: يَرْضى لَكُمُ الشُّكْرَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وإنْ تَشْكُرُوا ويُثِبْكم عَلَيْهِ، وإنَّما رَضِيَ لَهم - سُبْحانَهُ - الشُّكْرَ لِأنَّهُ سَبَبُ سَعادَتِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم﴾ [إبراهيم: ٧] قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو وشَيْبَةُ وهُبَيْرَةُ عَنْ عاصِمٍ بِإسْكانِ الهاءِ مَن " يَرْضَهُ "، وأشْبَعَ الضَّمَّةَ عَلى الهاءِ ابْنُ ذَكْوانَ وابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ، واخْتَلَسَ الباقُونَ. ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ لِلْوِزْرِ حِمْلَ نَفْسٍ أُخْرى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: ما تُضْمِرُهُ القُلُوبُ وتَسْتُرُهُ، فَكَيْفَ بِما تُظْهِرُهُ وتُبْدِيهِ. ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ أيْ: ضُرٌّ كانَ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ خَوْفٍ ﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ مُسْتَغِيثًا بِهِ في دَفْعِ ما نَزَلَ بِهِ تارِكًا ما كانَ يَدْعُوهُ ويَسْتَغِيثُ بِهِ مِن مَيِّتٍ أوْ حَيٍّ أوْ صَنَمٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ﴾ أيْ: أعْطاهُ ومَلَّكَهُ، يُقالُ: خَوَّلَهُ أيْ: مَلَّكَهُ إيّاهُ، وكانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يُنْشِدُ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلُوا وإنْ يُسْألُوا يُعْطُوا وإنْ يَيْسِرُوا يَغْلُوا ومِنهُ قَوْلُ أبِي النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يَبْخَلِ ∗∗∗ كُومُ الذُّرى مَن خَوَلِ المُخَوَّلِ ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ عَنْهُ مِن قَبْلِ أنْ يُخَوِّلَهُ ما خَوَّلَهُ وقِيلَ: نَسِيَ الدُّعاءَ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ بِهِ وتَرَكَهُ أوْ نَسِيَ رَبَّهِ الَّذِي كانَ يَدْعُوهُ ويَتَضَرَّعُ إلَيْهِ، ثُمَّ جاوَزَ ذَلِكَ إلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: شُرَكاءَ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها يَسْتَغِيثُ بِها ويَعْبُدُها ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: لِيُضِلَّ النّاسَ عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ الَّتِي هي الإسْلامُ والتَّوْحِيدُ. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي أنْدادًا مِنَ الرِّجالِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمْ في جَمِيعِ أُمُورِهِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُهَدِّدَ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، فَمَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مَصِيرُكَ إلَيْها عَنْ قَرِيبٍ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ أمْرٌ عَظِيمٌ. قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيُضِلَّ ) بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفاتِ المُشْرِكِينَ وتَمَسُّكَهم بِغَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ انْدِفاعِ المَكْرُوهاتِ عَنْهم ذَكَرَ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ وهَذا إلى آخِرِهِ مِن تَمامِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى ذَلِكَ الكافِرُ (p-١٢٧٧)أحْسَنُ حالًا ومَآلًا، أمَّنْ هو قائِمٌ بِطاعاتِ اللَّهِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ في ساعاتِ اللَّيْلِ، مُسْتَمِرٌّ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلى دُعاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عِنْدَ نُزُولِ الضَّرَرِ بِهِ. قَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ أمَّنْ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى " أمْ " داخِلَةٌ عَلى " مَن " المَوْصُولَةِ وأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ و" أمْ " هي المُتَّصِلَةُ، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الكافِرُ خَيْرٌ أمِ الَّذِي هو قانِتٌ. وقِيلَ: هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِـ: بَلْ والهَمْزَةِ أيْ: بَلْ أمَّنْ هو قانِتٌ كالكافِرِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَقِيلَ: الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى مَن، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن كَفَرَ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الهَمْزَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلنِّداءِ و" مَن " مُنادى، وهي عِبارَةٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ والتَّقْدِيرُ: يا مَن هو قانِتٌ، قُلْ: كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: يا مَن هو قانِتٌ إنَّكَ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ. ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ الهَمْزَةَ لِلنِّداءِ الفَرّاءُ، وضَعَّفَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، وقالَ: هو أجْنَبِيٌّ عَمّا قَبْلَهُ وعَمّا بَعْدَهُ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا التَّضْعِيفِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، واعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن أصْلِها أبُو حاتِمٍ والأخْفَشُ ولا وجْهَ لِذَلِكَ فَإنّا إذا ثَبَتَتِ الرِّوايَةُ بَطَلَتِ الدِّرايَةُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ القانِتِ هُنا فَقِيلَ: المُطِيعُ، وقِيلَ: الخاشِعُ في صَلاتِهِ، وقِيلَ: القائِمُ في صَلاتِهِ، وقِيلَ: الدّاعِي لِرَبِّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أصْلُ القُنُوتَ الطّاعَةُ، فَكُلُّ ما قِيلَ فِيهِ فَهو داخِلٌ في الطّاعَةِ، والمُرادُ بِآناءِ اللَّيْلِ ساعاتُهُ، وقِيلَ: جَوْفُهُ، وقِيلَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وانْتِصابُ ساجِدًا وقائِمًا عَلى الحالِ أيْ: جامَعًا بَيْنَ السُّجُودِ والقِيامِ، وقُدِّمَ السُّجُودُ عَلى القِيامِ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في العِبادَةِ، ومَحَلُّ ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْضًا أيْ: يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٌ ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وما اجْتَمَعا في قَلْبِ رَجُلٍ إلّا فازَ. قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: كَمَن لا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا آخَرَ يَتَبَيَّنُ بِهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ فَقالَ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مِنَ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ حَقٌّ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوِ المُرادُ العُلَماءُ والجُهّالُ ومَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ لا اسْتِواءَ بَيْنَ العِلْمِ والجَهْلِ، ولا بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: كَما لا يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينِ يَعْلَمُونَ: هُمُ العامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، لِأنَّ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَعْلَمْ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: إنَّما يَتَّعِظُ ويَتَدَبَّرُ ويَتَفَكَّرُ أصْحابُ العُقُولِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ لا الكُفّارُ، فَإنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّ لَهم عُقُولًا فَهي كالعَدَمِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ لَيْسَتْ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ بَلْ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم﴾ لَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - المُساواةَ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ ومَن لا يَعْلَمُ، وبَيَّنَ أنَّهُ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ مِن عِبادِهِ بِالثَّباتِ عَلى تَقْواهُ والإيمانِ بِهِ. والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ صَدَّقُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ اتَّقُوا رَبَّكم بِطاعَتِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، وإخْلاصِ الإيمانِ لَهُ، ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، والمُرادُ قُلْ لَهم قَوْلِي هَذا بِعَيْنِهِ. ثُمَّ لَمّا أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى بَيَّنَ لَهم ما في هَذِهِ التَّقْوى مِنَ الفَوائِدِ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أيْ: لِلَّذِينِ عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ في هَذِهِ الدُّنْيا عَلى وجْهِ الإخْلاصِ حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ وهي الجَنَّةُ، وقَوْلُهُ: في هَذِهِ الدُّنْيا مُتَعَلِّقٌ بِـ: أحْسَنُوا، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِحَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ بَيانٌ لِمَكانِها، فَيَكُونُ المَعْنى: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في العَمَلِ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ والظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ لَمّا كانَ بَعْضُ العِبادِ قَدْ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ فِعْلُ الطّاعاتِ والإحْسانِ في وطَنِهِ أرْشَدَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مَن كانَ كَذَلِكَ إلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ أيْ: فَلْيُهاجِرْ إلى حَيْثُ يُمْكِنُهُ طاعَةُ اللَّهِ. والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ، والتَّرْكُ لِما نَهى عَنْهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] وقَدْ مَضى الكَلامُ في الهِجْرَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ النِّساءِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأرْضِ هُنا: أرْضُ الجَنَّةِ، رَغَّبَهم في سِعَتِها وسِعَةِ نَعِيمِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما لِلْمُحْسِنِينَ إذا أحْسَنُوا، وكانَ لا بُدَّ في ذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وعَلى كَفِّ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ، أشارَ إلى فَضِيلَةِ الصَّبْرِ وعَظِيمِ مِقْدارِهِ فَقالَ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ أجْرَهم في مُقابَلَةِ صَبْرِهِمْ بِغَيْرِ حِسابٍ أيْ: بِما لا يَقْدِرُ عَلى حَصْرِهِ حاصِرٌ، ولا يَسْتَطِيعُ حُسْبانَهُ حاسِبٌ. قالَ عَطاءٌ: بِما لا يَهْتَدِي إلَيْهِ عَقْلٌ ولا وصْفٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: أجْرُهُمُ الجَنَّةُ، وأرْزاقُهم فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ. والحاصِلُ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ثَوابَ الصّابِرِينَ وأجْرَهم لا نِهايَةَ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَدْخُلُ تَحْتَ الحِسابِ فَهو مُتَناهٍ، وما كانَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحِسابِ فَهو غَيْرُ مُتَناهٍ، وهَذِهِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ ومَثُوبَةٌ جَلِيلَةٌ تَقْتَضِي أنَّ عَلى كُلِّ راغِبٍ في ثَوابِ اللَّهِ، وطامِعٍ فِيما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ أنْ يَتَوَفَّرَ عَلى الصَّبْرِ ويَزُمَّ نَفْسَهُ بِزِمامِهِ ويُقَيِّدَها بِقَيْدِهِ، فَإنَّ الجَزَعَ لا يَرُدُّ قَضاءً قَدْ نَزَلَ، ولا يَجْلِبُ خَيْرًا قَدْ سُلِبَ، ولا يَدْفَعُ مَكْرُوهًا قَدْ وقَعَ، وإذا تَصَوَّرَ العاقِلُ هَذا حَقَّ تَصَوُّرِهِ وتَعَقَّلَهُ حَقَّ تَعَقُّلِهِ عَلِمَ أنَّ الصّابِرَ عَلى ما نَزَلَ بِهِ قَدْ فازَ بِهَذا الأجْرِ العَظِيمِ، وظَفِرَ بِهَذا الجَزاءِ الخَطِيرِ، وغَيْرَ الصّابِرِ قَدْ نَزَلَ بِهِ القَضاءُ شاءَ أمْ أبى، ومَعَ ذَلِكَ فاتَهُ مِنَ الأجْرِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يَبْلُغُ مَداهُ، فَضَمَّ إلى مُصِيبَتِهِ مُصِيبَةً أُخْرى ولَمْ يَظْفَرْ بِغَيْرِ الجَزَعِ، وما أحْسَنَ قَوْلَ مَن قالَ: ؎أرى الصَّبْرَ مَحْمُودًا وعَنْهُ مَذاهِبُ ∗∗∗ فَكَيْفَ إذا ما لَمْ يَكُنْ عَنْهُ مَذْهَبُ ؎ (p-١٢٧٨)هُناكَ يَحِقُّ الصَّبْرُ والصَّبْرُ واجِبٌ ∗∗∗ وما كانَ مِنهُ لِلضَّرُورَةِ أوْجَبُ ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُخْبِرَهم بِما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: أعْبُدُهُ عِبادَةً خالِصَةً مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ما يَحْمِلُكَ عَلى الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ، ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجَدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى فَتَأْخُذُ بِها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الآيَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وكَذَلِكَ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ دِينَ آبائِهِ ودَعا إلى التَّوْحِيدِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: وأمَرْتُ بِما أمَرْتُ بِهِ لِأجْلِ أنْ أكُونَ، وقِيلَ: إنَّها مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم، فَيَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ وهم عِبادُهُ المُخْلِصُونَ الَّذِينَ قالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فَألْزَمَهم شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحَبَّبَها إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ قالَ: لا يَرْضى لِعِبادِهِ المُسْلِمِينَ الكُفْرَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: واللَّهِ ما رَضِيَ اللَّهُ لِعَبْدٍ ضَلالَةً ولا أمَرَهُ بِها ولا دَعا إلَيْها، ولَكِنْ رَضِيَ لَكم طاعَتَهُ وأمَرَكم بِها ونَهاكم عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ قالَ: ذاكَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وفي لَفْظٍ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقاتِهِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ يَقُولُ: يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَجُلٍ وهو في المَوْتِ فَقالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قالَ: أرْجُو اللَّهَ وأخافُ ذُنُوبِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا يَجْتَمِعانِ في قَلْبِ عَبْدٍ في مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ إلّا أعْطاهُ اللَّهُ الَّذِي يَرْجُو وأمَّنَهُ الَّذِي يَخافُ» . أخْرَجُوهُ مِن طَرِيقِ سَيّارِ بْنِ حاتِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمانَ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، وقَدْ رَواهُ بَعْضُهم عَنْ ثابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُرْسَلًا.

الزمر 39:12

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - النِّعَمَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى عِبادِهِ وبَيَّنَ لَهم مِن بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجِيبِ فِعْلِهِ ما يُوجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أيْ: غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْكم ولا إلى إيمانِكم ولا إلى عِبادَتِكم لَهُ فَإنَّهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، " و" مَعَ كَوْنِ كُفْرِ الكافِرِ لا يَضُرُّهُ كَما أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُ المُؤْمِنِ، فَهو أيْضًا لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ أيْ: لا يَرْضى لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ الكُفْرَ ولا يُحِبُّهُ ولا يَأْمُرُ بِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] ومِثْلُها ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا عِبادِي لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى قَلْبِ أفْجَرِ رَجُلٍ مِنكم ما نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلْكِي شَيْئًا» . وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي عَلى عُمُومِها، وإنَّ الكُفْرَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ حالٍ كَما هو الظّاهِرُ، أوْ هي خاصَّةٌ ؟ والمَعْنى: لا يَرْضى لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الكُفْرَ، وقَدْ ذَهَبَ إلى التَّخْصِيصِ حَبْرُ الأُمَّةِ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ آخِرَ البَحْثِ، وتابَعَهُ عَلى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في الآيَةِ اخْتِلافًا آخَرَ. فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ يُرِيدُ كُفْرَ الكافِرِ ولا يَرْضاهُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ لا يُرِيدُهُ ولا يَرْضاهُ، والكَلامُ في تَحْقِيقِ مِثْلِ هَذا يَطُولُ جِدًّا. وقَدِ اسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِتَخْصِيصِ هَذِهِ الآيَةِ، والمُثْبِتُونَ لِلْإرادَةِ مَعَ عَدَمِ الرِّضا بِما ثَبَتَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنِ الكِتابِ العَزِيزِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُضِلُّ مَن يَشاءُ [الرعد: ٢٧] ويَهْدِي مَن يَشاءُ [يونس: ٢٥] ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [ الإنْسانِ: ٣٠، والتَّكْوِيرِ: ٢٩ ] ونَحْوُ هَذا مِمّا يُؤَدِّي مَعْناهُ كَثِيرٌ في الكِتابِ العَزِيزِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ بَيَّنَ أنَّهُ يَرْضى لَهُمُ الشُّكْرَ فَقالَ: ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أيْ: يَرْضى لَكُمُ الشُّكْرَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وإنْ تَشْكُرُوا ويُثِبْكم عَلَيْهِ، وإنَّما رَضِيَ لَهم - سُبْحانَهُ - الشُّكْرَ لِأنَّهُ سَبَبُ سَعادَتِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم﴾ [إبراهيم: ٧] قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو وشَيْبَةُ وهُبَيْرَةُ عَنْ عاصِمٍ بِإسْكانِ الهاءِ مَن " يَرْضَهُ "، وأشْبَعَ الضَّمَّةَ عَلى الهاءِ ابْنُ ذَكْوانَ وابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ، واخْتَلَسَ الباقُونَ. ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ لِلْوِزْرِ حِمْلَ نَفْسٍ أُخْرى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: ما تُضْمِرُهُ القُلُوبُ وتَسْتُرُهُ، فَكَيْفَ بِما تُظْهِرُهُ وتُبْدِيهِ. ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ أيْ: ضُرٌّ كانَ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ خَوْفٍ ﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ مُسْتَغِيثًا بِهِ في دَفْعِ ما نَزَلَ بِهِ تارِكًا ما كانَ يَدْعُوهُ ويَسْتَغِيثُ بِهِ مِن مَيِّتٍ أوْ حَيٍّ أوْ صَنَمٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ﴾ أيْ: أعْطاهُ ومَلَّكَهُ، يُقالُ: خَوَّلَهُ أيْ: مَلَّكَهُ إيّاهُ، وكانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يُنْشِدُ: ؎هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلُوا وإنْ يُسْألُوا يُعْطُوا وإنْ يَيْسِرُوا يَغْلُوا ومِنهُ قَوْلُ أبِي النَّجْمِ: ؎أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يَبْخَلِ ∗∗∗ كُومُ الذُّرى مَن خَوَلِ المُخَوَّلِ ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ عَنْهُ مِن قَبْلِ أنْ يُخَوِّلَهُ ما خَوَّلَهُ وقِيلَ: نَسِيَ الدُّعاءَ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ بِهِ وتَرَكَهُ أوْ نَسِيَ رَبَّهِ الَّذِي كانَ يَدْعُوهُ ويَتَضَرَّعُ إلَيْهِ، ثُمَّ جاوَزَ ذَلِكَ إلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: شُرَكاءَ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها يَسْتَغِيثُ بِها ويَعْبُدُها ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: لِيُضِلَّ النّاسَ عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ الَّتِي هي الإسْلامُ والتَّوْحِيدُ. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي أنْدادًا مِنَ الرِّجالِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمْ في جَمِيعِ أُمُورِهِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُهَدِّدَ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، فَمَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مَصِيرُكَ إلَيْها عَنْ قَرِيبٍ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ أمْرٌ عَظِيمٌ. قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيُضِلَّ ) بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفاتِ المُشْرِكِينَ وتَمَسُّكَهم بِغَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ انْدِفاعِ المَكْرُوهاتِ عَنْهم ذَكَرَ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ وهَذا إلى آخِرِهِ مِن تَمامِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى ذَلِكَ الكافِرُ (p-١٢٧٧)أحْسَنُ حالًا ومَآلًا، أمَّنْ هو قائِمٌ بِطاعاتِ اللَّهِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ في ساعاتِ اللَّيْلِ، مُسْتَمِرٌّ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلى دُعاءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عِنْدَ نُزُولِ الضَّرَرِ بِهِ. قَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ أمَّنْ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى " أمْ " داخِلَةٌ عَلى " مَن " المَوْصُولَةِ وأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ و" أمْ " هي المُتَّصِلَةُ، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الكافِرُ خَيْرٌ أمِ الَّذِي هو قانِتٌ. وقِيلَ: هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِـ: بَلْ والهَمْزَةِ أيْ: بَلْ أمَّنْ هو قانِتٌ كالكافِرِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَقِيلَ: الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى مَن، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أمَّنْ هو قانِتٌ كَمَن كَفَرَ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الهَمْزَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلنِّداءِ و" مَن " مُنادى، وهي عِبارَةٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ والتَّقْدِيرُ: يا مَن هو قانِتٌ، قُلْ: كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: يا مَن هو قانِتٌ إنَّكَ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ. ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ الهَمْزَةَ لِلنِّداءِ الفَرّاءُ، وضَعَّفَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، وقالَ: هو أجْنَبِيٌّ عَمّا قَبْلَهُ وعَمّا بَعْدَهُ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا التَّضْعِيفِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، واعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن أصْلِها أبُو حاتِمٍ والأخْفَشُ ولا وجْهَ لِذَلِكَ فَإنّا إذا ثَبَتَتِ الرِّوايَةُ بَطَلَتِ الدِّرايَةُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ القانِتِ هُنا فَقِيلَ: المُطِيعُ، وقِيلَ: الخاشِعُ في صَلاتِهِ، وقِيلَ: القائِمُ في صَلاتِهِ، وقِيلَ: الدّاعِي لِرَبِّهِ. قالَ النَّحّاسُ: أصْلُ القُنُوتَ الطّاعَةُ، فَكُلُّ ما قِيلَ فِيهِ فَهو داخِلٌ في الطّاعَةِ، والمُرادُ بِآناءِ اللَّيْلِ ساعاتُهُ، وقِيلَ: جَوْفُهُ، وقِيلَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وانْتِصابُ ساجِدًا وقائِمًا عَلى الحالِ أيْ: جامَعًا بَيْنَ السُّجُودِ والقِيامِ، وقُدِّمَ السُّجُودُ عَلى القِيامِ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في العِبادَةِ، ومَحَلُّ ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْضًا أيْ: يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٌ ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وما اجْتَمَعا في قَلْبِ رَجُلٍ إلّا فازَ. قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: كَمَن لا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا آخَرَ يَتَبَيَّنُ بِهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ فَقالَ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مِنَ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ حَقٌّ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أوِ المُرادُ العُلَماءُ والجُهّالُ ومَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ لا اسْتِواءَ بَيْنَ العِلْمِ والجَهْلِ، ولا بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: كَما لا يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينِ يَعْلَمُونَ: هُمُ العامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، لِأنَّ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَعْلَمْ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: إنَّما يَتَّعِظُ ويَتَدَبَّرُ ويَتَفَكَّرُ أصْحابُ العُقُولِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ لا الكُفّارُ، فَإنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّ لَهم عُقُولًا فَهي كالعَدَمِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ لَيْسَتْ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ بَلْ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم﴾ لَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - المُساواةَ بَيْنَ مَن يَعْلَمُ ومَن لا يَعْلَمُ، وبَيَّنَ أنَّهُ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ مِن عِبادِهِ بِالثَّباتِ عَلى تَقْواهُ والإيمانِ بِهِ. والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ صَدَّقُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ اتَّقُوا رَبَّكم بِطاعَتِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، وإخْلاصِ الإيمانِ لَهُ، ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، والمُرادُ قُلْ لَهم قَوْلِي هَذا بِعَيْنِهِ. ثُمَّ لَمّا أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى بَيَّنَ لَهم ما في هَذِهِ التَّقْوى مِنَ الفَوائِدِ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أيْ: لِلَّذِينِ عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ في هَذِهِ الدُّنْيا عَلى وجْهِ الإخْلاصِ حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ وهي الجَنَّةُ، وقَوْلُهُ: في هَذِهِ الدُّنْيا مُتَعَلِّقٌ بِـ: أحْسَنُوا، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِحَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ بَيانٌ لِمَكانِها، فَيَكُونُ المَعْنى: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في العَمَلِ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ والظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ لَمّا كانَ بَعْضُ العِبادِ قَدْ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ فِعْلُ الطّاعاتِ والإحْسانِ في وطَنِهِ أرْشَدَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مَن كانَ كَذَلِكَ إلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ أيْ: فَلْيُهاجِرْ إلى حَيْثُ يُمْكِنُهُ طاعَةُ اللَّهِ. والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ، والتَّرْكُ لِما نَهى عَنْهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] وقَدْ مَضى الكَلامُ في الهِجْرَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ النِّساءِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأرْضِ هُنا: أرْضُ الجَنَّةِ، رَغَّبَهم في سِعَتِها وسِعَةِ نَعِيمِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما لِلْمُحْسِنِينَ إذا أحْسَنُوا، وكانَ لا بُدَّ في ذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وعَلى كَفِّ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ، أشارَ إلى فَضِيلَةِ الصَّبْرِ وعَظِيمِ مِقْدارِهِ فَقالَ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ أجْرَهم في مُقابَلَةِ صَبْرِهِمْ بِغَيْرِ حِسابٍ أيْ: بِما لا يَقْدِرُ عَلى حَصْرِهِ حاصِرٌ، ولا يَسْتَطِيعُ حُسْبانَهُ حاسِبٌ. قالَ عَطاءٌ: بِما لا يَهْتَدِي إلَيْهِ عَقْلٌ ولا وصْفٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: أجْرُهُمُ الجَنَّةُ، وأرْزاقُهم فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ. والحاصِلُ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ثَوابَ الصّابِرِينَ وأجْرَهم لا نِهايَةَ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَدْخُلُ تَحْتَ الحِسابِ فَهو مُتَناهٍ، وما كانَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحِسابِ فَهو غَيْرُ مُتَناهٍ، وهَذِهِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ ومَثُوبَةٌ جَلِيلَةٌ تَقْتَضِي أنَّ عَلى كُلِّ راغِبٍ في ثَوابِ اللَّهِ، وطامِعٍ فِيما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ أنْ يَتَوَفَّرَ عَلى الصَّبْرِ ويَزُمَّ نَفْسَهُ بِزِمامِهِ ويُقَيِّدَها بِقَيْدِهِ، فَإنَّ الجَزَعَ لا يَرُدُّ قَضاءً قَدْ نَزَلَ، ولا يَجْلِبُ خَيْرًا قَدْ سُلِبَ، ولا يَدْفَعُ مَكْرُوهًا قَدْ وقَعَ، وإذا تَصَوَّرَ العاقِلُ هَذا حَقَّ تَصَوُّرِهِ وتَعَقَّلَهُ حَقَّ تَعَقُّلِهِ عَلِمَ أنَّ الصّابِرَ عَلى ما نَزَلَ بِهِ قَدْ فازَ بِهَذا الأجْرِ العَظِيمِ، وظَفِرَ بِهَذا الجَزاءِ الخَطِيرِ، وغَيْرَ الصّابِرِ قَدْ نَزَلَ بِهِ القَضاءُ شاءَ أمْ أبى، ومَعَ ذَلِكَ فاتَهُ مِنَ الأجْرِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يَبْلُغُ مَداهُ، فَضَمَّ إلى مُصِيبَتِهِ مُصِيبَةً أُخْرى ولَمْ يَظْفَرْ بِغَيْرِ الجَزَعِ، وما أحْسَنَ قَوْلَ مَن قالَ: ؎أرى الصَّبْرَ مَحْمُودًا وعَنْهُ مَذاهِبُ ∗∗∗ فَكَيْفَ إذا ما لَمْ يَكُنْ عَنْهُ مَذْهَبُ ؎ (p-١٢٧٨)هُناكَ يَحِقُّ الصَّبْرُ والصَّبْرُ واجِبٌ ∗∗∗ وما كانَ مِنهُ لِلضَّرُورَةِ أوْجَبُ ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُخْبِرَهم بِما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: أعْبُدُهُ عِبادَةً خالِصَةً مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ما يَحْمِلُكَ عَلى الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ، ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجَدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى فَتَأْخُذُ بِها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الآيَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وكَذَلِكَ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ دِينَ آبائِهِ ودَعا إلى التَّوْحِيدِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: وأمَرْتُ بِما أمَرْتُ بِهِ لِأجْلِ أنْ أكُونَ، وقِيلَ: إنَّها مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم، فَيَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ وهم عِبادُهُ المُخْلِصُونَ الَّذِينَ قالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فَألْزَمَهم شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحَبَّبَها إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ قالَ: لا يَرْضى لِعِبادِهِ المُسْلِمِينَ الكُفْرَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: واللَّهِ ما رَضِيَ اللَّهُ لِعَبْدٍ ضَلالَةً ولا أمَرَهُ بِها ولا دَعا إلَيْها، ولَكِنْ رَضِيَ لَكم طاعَتَهُ وأمَرَكم بِها ونَهاكم عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ قالَ: ذاكَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وفي لَفْظٍ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقاتِهِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ يَقُولُ: يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَجُلٍ وهو في المَوْتِ فَقالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قالَ: أرْجُو اللَّهَ وأخافُ ذُنُوبِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا يَجْتَمِعانِ في قَلْبِ عَبْدٍ في مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ إلّا أعْطاهُ اللَّهُ الَّذِي يَرْجُو وأمَّنَهُ الَّذِي يَخافُ» . أخْرَجُوهُ مِن طَرِيقِ سَيّارِ بْنِ حاتِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمانَ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، وقَدْ رَواهُ بَعْضُهم عَنْ ثابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُرْسَلًا.

الزمر 39:13

قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ: بِتَرْكِ إخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ وتَوْحِيدِهِ والدُّعاءِ إلى تَرْكِ الشِّرْكِ وتَضْلِيلِ أهْلِهِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي بِإجابَةِ المُشْرِكِينَ إلى ما دَعَوْنِي إلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. قالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ وابْنُ المُسَيَّبِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ [الزمر: ١١] فالمُرادُ عِصْيانُ هَذا الأمْرِ. ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ التَّقْدِيمُ مُشْعِرٌ بِالِاخْتِصاصِ أيْ: لا أعْبُدُ غَيْرَهُ لا اسْتِقْلالًا ولا عَلى جِهَةِ الشَّرِكَةِ، ومَعْنى ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ أنَّهُ خالِصٌ لِلَّهِ غَيْرُ مَشُوبٍ بِشِرْكٍ ولا رِياءٍ ولا غَيْرِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ. قالَ الرّازِيُّ: فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ قُلْنا: لَيْسَ هَذا بِتَكْرِيرٍ؛ لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ بِالإيمانِ والعِبادَةِ، والثّانِي إخْبارٌ بِأنَّهُ أُمِرَ أنْ لا يَعْبُدَ أحَدًا غَيْرَ اللَّهِ. ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾ أنْ تَعْبُدُوهُ مِن دُونِهِ، هَذا الأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وقِيلَ: إنَّ الأمْرَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: إنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ هم هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ مَن دَخَلَ النّارَ فَقَدْ خَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يَعْنِي بِهِ الكُفّارَ فَإنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم بِالتَّخْلِيدِ في النّارِ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ، لِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا مَدْخَلَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم أهْلٌ في الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَها، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ هَذا الخُسْرانَ، ووَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن أفْرادِ الخُسْرانِ وأنَّهُ لا خُسْرانَ يُساوِيهِ ولا عُقُوبَةَ تُدانِيهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - هَذا الخُسْرانَ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ والبَلاءَ النّازِلَ فَوْقَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ﴾ الظُّلَلُ عِبارَةٌ عَنْ أطْباقِ النّارِ أيْ: لَهم مِن فَوْقِهِمْ أطْباقٌ مِنَ النّارِ تَلْتَهِبُ عَلَيْهِمْ ﴿ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أيْ: أطْباقٌ مِنَ النّارِ، وسُمِّيَ ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِأنَّها تُظِلُّ مَن تَحْتِها مِن أهْلِ النّارِ، لِأنَّ طَبَقاتِ النّارِ صارَ في كُلِّ طَبَقَةٍ مِنها طائِفَةٌ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ (p-١٢٧٩)[العنكبوت: ٥٥] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ عَذابِهِمْ في النّارِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ:﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أيْ: يُحَذِّرُهم بِما تَوَعَّدَ بِهِ الكُفّارَ مِنَ العَذابِ لِيَخافُوهُ فَيَتَّقُوهُ، وهو مَعْنى ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقُوا هَذِهِ المَعاصِيَ المُوجِبَةَ لِمِثْلِ هَذا العَذابِ عَلى الكُفّارِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ أنَّ الغالِبَ في القُرْآنِ إطْلاقُ لَفْظِ العِبادِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو لِلْكُفّارِ وأهْلِ المَعاصِي، وقِيلَ: هو عامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ والكُفّارِ. ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: لَهُمُ البُشْرى والطّاغُوتُ بِناءُ مُبالَغَةٍ في المَصْدَرِ كالرَّحَمُوتِ والعَظَمُوتِ، وهو الأوْثانُ والشَّيْطانُ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو الشَّيْطانُ. وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هو الأوْثانُ. وقِيلَ: إنَّهُ الكاهِنُ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مِثْلُ طالُوتَ وجالُوتَ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيانِ. قالَ الأخْفَشُ: الطّاغُوتُ جَمْعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُهُ مُؤَنَّثًا، ومَعْنى اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ: أعْرَضُوا عَنْ عِبادَتِهِ وخَصُّوا عِبادَتَهم بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وقَوْلُهُ: أنْ يَعْبُدُوها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الطّاغُوتِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، كَأنَّهُ قالَ: اجْتَنِبُوا عِبادَةَ الطّاغُوتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ الطّاغُوتِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اجْتَنِبُوا، والمَعْنى: رَجَعُوا إلَيْهِ وأقْبَلُوا عَلى عِبادَتِهِ مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ لَهُمُ البُشْرى بِالثَّوابِ الجَزِيلِ وهو الجَنَّةُ، وهَذِهِ البُشْرى إمّا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، أوْ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ أوْ عِنْدَ البَعْثِ. ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ المُرادُ بِالعِبادِ هُنا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ المَوْصُوفُونَ بِالِاجْتِنابِ والإنابَةِ إلَيْهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ الحَقَّ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أيْ: مُحْكَمَهُ، ويَعْمَلُونَ بِهِ. قالَ السُّدِّيُّ: يَتَّبِعُونَ أحْسَنَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ فَيَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، وقِيلَ: هو الرَّجُلُ يَسْمَعُ الحَسَنَ والقَبِيحَ فَيَتَحَدَّثُ بِالحَسَنِ ويُنْكُفُ عَنِ القَبِيحِ فَلا يَتَحَدَّثُ بِهِ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ وغَيْرَهُ فَيَتَّبِعُونَ القُرْآنَ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ الرُّخَصَ والعَزائِمَ فَيَتَّبِعُونَ العَزائِمَ ويَتْرُكُونَ الرُّخَصَ، وقِيلَ: يَأْخُذُونَ بِالعَفْوِ ويَتْرُكُونَ العُقُوبَةَ. ثُمَّ أثْنى - سُبْحانَهُ - عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ أوْصَلَهُمُ اللَّهُ إلى الحَقِّ وهم أصْحابُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِعُقُولِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعْ مَن عَداهم بِعُقُولِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَّقاوَةُ وحُرِمَ السَّعادَةَ فَقالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ " مَن " هَذِهِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ أيْ: كَمَن يَخافُ، أوْ فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ أوْ تَتَأسَّفُ عَلَيْهِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وجَوابُهُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ فالفاءُ فاءُ الجَوابِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ وأُعِيدَتِ الهَمْزَةُ الإنْكارِيَّةُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ إنَّهُ كَرَّرَ الِاسْتِفْهامَ لِطُولِ الكَلامِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، والمُرادُ بِكَلِمَةِ العَذابِ هُنا هي قَوْلُهُ - تَعالى - لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨] ومَعْنى الآيَةِ التَّسْلِيَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وحَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اللَّهِ لا يَقْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُنْقِذَهُ مِنَ النّارِ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُؤْمِنًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أبا لَهَبٍ ووَلَدَهُ ومَن تَخَلَّفَ مِن عَشِيرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإيمانِ، وفي الآيَةِ تَنْزِيلٌ لِمَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ بِمَن قَدْ صارَ فِيهِ، وتَنْزِيلُ دُعائِهِ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ الإخْراجِ لَهُ مِن عَذابِ النّارِ. ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فِيما سَبَقَ أنَّ لِأهْلِ الشَّقاوَةِ ظُلَلًا مِن فَوْقِهِمُ النّارُ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ اسْتَدْرَكَ عَنْهم مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَقالَ: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومَعْنى ( مَبْنِيَّةٌ ) أنَّها مَبْنِيَّةٌ بِناءَ المَنازِلِ في إحْكامِ أساسِها وقُوَّةِ بِنائِها وإنْ كانَتْ مَنازِلُ الدُّنْيا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ، وفي ذَلِكَ كَمالٌ لِبَهْجَتِها وزِيادَةٌ لِرَوْنَقِها، وانْتِصابُ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ لَهم غُرَفٌ في مَعْنى وعَدَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعْدِ أيْ: لا يُخْلِفُ اللَّهُ ما وعَدَ بِهِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ الآيَةَ. قالَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِلنّارِ زالَتْ عَنْهُمُ الدُّنْيا وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الجَنَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ قالَ: أهْلِيهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ كانُوا أُعِدُّوا لَهم لَوْ عَمِلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ، فَغُبِنُوهم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو ذَرٍّ وسَلْمانُ يَتَّبِعُونَ في الجاهِلِيَّةِ أحْسَنَ القَوْلِ والكَلامِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالُوا بِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﴿يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ: " قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُنادِيًا فَنادى: مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، فاسْتَقْبَلَ عُمَرُ الرَّسُولَ فَرَدَّهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَشِيتُ أنْ يَتَّكِلَ النّاسُ فَلا يَعْمَلُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَوْ يَعْلَمُ النّاسُ قَدْرَ رَحْمَةِ رَبِّي لاتَّكَلُوا، ولَوْ يَعْلَمُونَ قَدْرَ سُخْطِ رَبِّي وعِقابِهِ لاسْتَصْغَرُوا أعْمالَهم» وهَذا الحَدِيثُ أصْلُهُ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.

الزمر 39:14

قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ: بِتَرْكِ إخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ وتَوْحِيدِهِ والدُّعاءِ إلى تَرْكِ الشِّرْكِ وتَضْلِيلِ أهْلِهِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي بِإجابَةِ المُشْرِكِينَ إلى ما دَعَوْنِي إلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. قالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ وابْنُ المُسَيَّبِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ [الزمر: ١١] فالمُرادُ عِصْيانُ هَذا الأمْرِ. ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ التَّقْدِيمُ مُشْعِرٌ بِالِاخْتِصاصِ أيْ: لا أعْبُدُ غَيْرَهُ لا اسْتِقْلالًا ولا عَلى جِهَةِ الشَّرِكَةِ، ومَعْنى ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ أنَّهُ خالِصٌ لِلَّهِ غَيْرُ مَشُوبٍ بِشِرْكٍ ولا رِياءٍ ولا غَيْرِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ. قالَ الرّازِيُّ: فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ قُلْنا: لَيْسَ هَذا بِتَكْرِيرٍ؛ لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ بِالإيمانِ والعِبادَةِ، والثّانِي إخْبارٌ بِأنَّهُ أُمِرَ أنْ لا يَعْبُدَ أحَدًا غَيْرَ اللَّهِ. ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾ أنْ تَعْبُدُوهُ مِن دُونِهِ، هَذا الأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وقِيلَ: إنَّ الأمْرَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: إنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ هم هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ مَن دَخَلَ النّارَ فَقَدْ خَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يَعْنِي بِهِ الكُفّارَ فَإنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم بِالتَّخْلِيدِ في النّارِ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ، لِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا مَدْخَلَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم أهْلٌ في الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَها، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ هَذا الخُسْرانَ، ووَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن أفْرادِ الخُسْرانِ وأنَّهُ لا خُسْرانَ يُساوِيهِ ولا عُقُوبَةَ تُدانِيهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - هَذا الخُسْرانَ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ والبَلاءَ النّازِلَ فَوْقَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ﴾ الظُّلَلُ عِبارَةٌ عَنْ أطْباقِ النّارِ أيْ: لَهم مِن فَوْقِهِمْ أطْباقٌ مِنَ النّارِ تَلْتَهِبُ عَلَيْهِمْ ﴿ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أيْ: أطْباقٌ مِنَ النّارِ، وسُمِّيَ ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِأنَّها تُظِلُّ مَن تَحْتِها مِن أهْلِ النّارِ، لِأنَّ طَبَقاتِ النّارِ صارَ في كُلِّ طَبَقَةٍ مِنها طائِفَةٌ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ (p-١٢٧٩)[العنكبوت: ٥٥] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ عَذابِهِمْ في النّارِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ:﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أيْ: يُحَذِّرُهم بِما تَوَعَّدَ بِهِ الكُفّارَ مِنَ العَذابِ لِيَخافُوهُ فَيَتَّقُوهُ، وهو مَعْنى ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقُوا هَذِهِ المَعاصِيَ المُوجِبَةَ لِمِثْلِ هَذا العَذابِ عَلى الكُفّارِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ أنَّ الغالِبَ في القُرْآنِ إطْلاقُ لَفْظِ العِبادِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو لِلْكُفّارِ وأهْلِ المَعاصِي، وقِيلَ: هو عامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ والكُفّارِ. ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: لَهُمُ البُشْرى والطّاغُوتُ بِناءُ مُبالَغَةٍ في المَصْدَرِ كالرَّحَمُوتِ والعَظَمُوتِ، وهو الأوْثانُ والشَّيْطانُ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو الشَّيْطانُ. وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هو الأوْثانُ. وقِيلَ: إنَّهُ الكاهِنُ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مِثْلُ طالُوتَ وجالُوتَ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيانِ. قالَ الأخْفَشُ: الطّاغُوتُ جَمْعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُهُ مُؤَنَّثًا، ومَعْنى اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ: أعْرَضُوا عَنْ عِبادَتِهِ وخَصُّوا عِبادَتَهم بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وقَوْلُهُ: أنْ يَعْبُدُوها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الطّاغُوتِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، كَأنَّهُ قالَ: اجْتَنِبُوا عِبادَةَ الطّاغُوتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ الطّاغُوتِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اجْتَنِبُوا، والمَعْنى: رَجَعُوا إلَيْهِ وأقْبَلُوا عَلى عِبادَتِهِ مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ لَهُمُ البُشْرى بِالثَّوابِ الجَزِيلِ وهو الجَنَّةُ، وهَذِهِ البُشْرى إمّا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، أوْ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ أوْ عِنْدَ البَعْثِ. ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ المُرادُ بِالعِبادِ هُنا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ المَوْصُوفُونَ بِالِاجْتِنابِ والإنابَةِ إلَيْهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ الحَقَّ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أيْ: مُحْكَمَهُ، ويَعْمَلُونَ بِهِ. قالَ السُّدِّيُّ: يَتَّبِعُونَ أحْسَنَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ فَيَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، وقِيلَ: هو الرَّجُلُ يَسْمَعُ الحَسَنَ والقَبِيحَ فَيَتَحَدَّثُ بِالحَسَنِ ويُنْكُفُ عَنِ القَبِيحِ فَلا يَتَحَدَّثُ بِهِ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ وغَيْرَهُ فَيَتَّبِعُونَ القُرْآنَ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ الرُّخَصَ والعَزائِمَ فَيَتَّبِعُونَ العَزائِمَ ويَتْرُكُونَ الرُّخَصَ، وقِيلَ: يَأْخُذُونَ بِالعَفْوِ ويَتْرُكُونَ العُقُوبَةَ. ثُمَّ أثْنى - سُبْحانَهُ - عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ أوْصَلَهُمُ اللَّهُ إلى الحَقِّ وهم أصْحابُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِعُقُولِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعْ مَن عَداهم بِعُقُولِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَّقاوَةُ وحُرِمَ السَّعادَةَ فَقالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ " مَن " هَذِهِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ أيْ: كَمَن يَخافُ، أوْ فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ أوْ تَتَأسَّفُ عَلَيْهِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وجَوابُهُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ فالفاءُ فاءُ الجَوابِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ وأُعِيدَتِ الهَمْزَةُ الإنْكارِيَّةُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ إنَّهُ كَرَّرَ الِاسْتِفْهامَ لِطُولِ الكَلامِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، والمُرادُ بِكَلِمَةِ العَذابِ هُنا هي قَوْلُهُ - تَعالى - لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨] ومَعْنى الآيَةِ التَّسْلِيَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وحَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اللَّهِ لا يَقْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُنْقِذَهُ مِنَ النّارِ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُؤْمِنًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أبا لَهَبٍ ووَلَدَهُ ومَن تَخَلَّفَ مِن عَشِيرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإيمانِ، وفي الآيَةِ تَنْزِيلٌ لِمَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ بِمَن قَدْ صارَ فِيهِ، وتَنْزِيلُ دُعائِهِ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ الإخْراجِ لَهُ مِن عَذابِ النّارِ. ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فِيما سَبَقَ أنَّ لِأهْلِ الشَّقاوَةِ ظُلَلًا مِن فَوْقِهِمُ النّارُ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ اسْتَدْرَكَ عَنْهم مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَقالَ: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومَعْنى ( مَبْنِيَّةٌ ) أنَّها مَبْنِيَّةٌ بِناءَ المَنازِلِ في إحْكامِ أساسِها وقُوَّةِ بِنائِها وإنْ كانَتْ مَنازِلُ الدُّنْيا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ، وفي ذَلِكَ كَمالٌ لِبَهْجَتِها وزِيادَةٌ لِرَوْنَقِها، وانْتِصابُ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ لَهم غُرَفٌ في مَعْنى وعَدَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعْدِ أيْ: لا يُخْلِفُ اللَّهُ ما وعَدَ بِهِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ الآيَةَ. قالَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِلنّارِ زالَتْ عَنْهُمُ الدُّنْيا وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الجَنَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ قالَ: أهْلِيهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ كانُوا أُعِدُّوا لَهم لَوْ عَمِلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ، فَغُبِنُوهم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو ذَرٍّ وسَلْمانُ يَتَّبِعُونَ في الجاهِلِيَّةِ أحْسَنَ القَوْلِ والكَلامِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالُوا بِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﴿يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ: " قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُنادِيًا فَنادى: مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، فاسْتَقْبَلَ عُمَرُ الرَّسُولَ فَرَدَّهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَشِيتُ أنْ يَتَّكِلَ النّاسُ فَلا يَعْمَلُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَوْ يَعْلَمُ النّاسُ قَدْرَ رَحْمَةِ رَبِّي لاتَّكَلُوا، ولَوْ يَعْلَمُونَ قَدْرَ سُخْطِ رَبِّي وعِقابِهِ لاسْتَصْغَرُوا أعْمالَهم» وهَذا الحَدِيثُ أصْلُهُ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.

الزمر 39:15

قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ: بِتَرْكِ إخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ وتَوْحِيدِهِ والدُّعاءِ إلى تَرْكِ الشِّرْكِ وتَضْلِيلِ أهْلِهِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي بِإجابَةِ المُشْرِكِينَ إلى ما دَعَوْنِي إلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. قالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ وابْنُ المُسَيَّبِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ [الزمر: ١١] فالمُرادُ عِصْيانُ هَذا الأمْرِ. ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ التَّقْدِيمُ مُشْعِرٌ بِالِاخْتِصاصِ أيْ: لا أعْبُدُ غَيْرَهُ لا اسْتِقْلالًا ولا عَلى جِهَةِ الشَّرِكَةِ، ومَعْنى ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ أنَّهُ خالِصٌ لِلَّهِ غَيْرُ مَشُوبٍ بِشِرْكٍ ولا رِياءٍ ولا غَيْرِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ. قالَ الرّازِيُّ: فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ قُلْنا: لَيْسَ هَذا بِتَكْرِيرٍ؛ لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ بِالإيمانِ والعِبادَةِ، والثّانِي إخْبارٌ بِأنَّهُ أُمِرَ أنْ لا يَعْبُدَ أحَدًا غَيْرَ اللَّهِ. ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾ أنْ تَعْبُدُوهُ مِن دُونِهِ، هَذا الأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وقِيلَ: إنَّ الأمْرَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: إنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ هم هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ مَن دَخَلَ النّارَ فَقَدْ خَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يَعْنِي بِهِ الكُفّارَ فَإنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم بِالتَّخْلِيدِ في النّارِ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ، لِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا مَدْخَلَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم أهْلٌ في الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَها، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ هَذا الخُسْرانَ، ووَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن أفْرادِ الخُسْرانِ وأنَّهُ لا خُسْرانَ يُساوِيهِ ولا عُقُوبَةَ تُدانِيهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - هَذا الخُسْرانَ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ والبَلاءَ النّازِلَ فَوْقَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ﴾ الظُّلَلُ عِبارَةٌ عَنْ أطْباقِ النّارِ أيْ: لَهم مِن فَوْقِهِمْ أطْباقٌ مِنَ النّارِ تَلْتَهِبُ عَلَيْهِمْ ﴿ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أيْ: أطْباقٌ مِنَ النّارِ، وسُمِّيَ ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِأنَّها تُظِلُّ مَن تَحْتِها مِن أهْلِ النّارِ، لِأنَّ طَبَقاتِ النّارِ صارَ في كُلِّ طَبَقَةٍ مِنها طائِفَةٌ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ (p-١٢٧٩)[العنكبوت: ٥٥] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ عَذابِهِمْ في النّارِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ:﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أيْ: يُحَذِّرُهم بِما تَوَعَّدَ بِهِ الكُفّارَ مِنَ العَذابِ لِيَخافُوهُ فَيَتَّقُوهُ، وهو مَعْنى ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقُوا هَذِهِ المَعاصِيَ المُوجِبَةَ لِمِثْلِ هَذا العَذابِ عَلى الكُفّارِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ أنَّ الغالِبَ في القُرْآنِ إطْلاقُ لَفْظِ العِبادِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو لِلْكُفّارِ وأهْلِ المَعاصِي، وقِيلَ: هو عامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ والكُفّارِ. ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: لَهُمُ البُشْرى والطّاغُوتُ بِناءُ مُبالَغَةٍ في المَصْدَرِ كالرَّحَمُوتِ والعَظَمُوتِ، وهو الأوْثانُ والشَّيْطانُ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو الشَّيْطانُ. وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هو الأوْثانُ. وقِيلَ: إنَّهُ الكاهِنُ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مِثْلُ طالُوتَ وجالُوتَ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيانِ. قالَ الأخْفَشُ: الطّاغُوتُ جَمْعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُهُ مُؤَنَّثًا، ومَعْنى اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ: أعْرَضُوا عَنْ عِبادَتِهِ وخَصُّوا عِبادَتَهم بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وقَوْلُهُ: أنْ يَعْبُدُوها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الطّاغُوتِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، كَأنَّهُ قالَ: اجْتَنِبُوا عِبادَةَ الطّاغُوتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ الطّاغُوتِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اجْتَنِبُوا، والمَعْنى: رَجَعُوا إلَيْهِ وأقْبَلُوا عَلى عِبادَتِهِ مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ لَهُمُ البُشْرى بِالثَّوابِ الجَزِيلِ وهو الجَنَّةُ، وهَذِهِ البُشْرى إمّا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، أوْ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ أوْ عِنْدَ البَعْثِ. ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ المُرادُ بِالعِبادِ هُنا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ المَوْصُوفُونَ بِالِاجْتِنابِ والإنابَةِ إلَيْهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ الحَقَّ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أيْ: مُحْكَمَهُ، ويَعْمَلُونَ بِهِ. قالَ السُّدِّيُّ: يَتَّبِعُونَ أحْسَنَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ فَيَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، وقِيلَ: هو الرَّجُلُ يَسْمَعُ الحَسَنَ والقَبِيحَ فَيَتَحَدَّثُ بِالحَسَنِ ويُنْكُفُ عَنِ القَبِيحِ فَلا يَتَحَدَّثُ بِهِ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ وغَيْرَهُ فَيَتَّبِعُونَ القُرْآنَ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ الرُّخَصَ والعَزائِمَ فَيَتَّبِعُونَ العَزائِمَ ويَتْرُكُونَ الرُّخَصَ، وقِيلَ: يَأْخُذُونَ بِالعَفْوِ ويَتْرُكُونَ العُقُوبَةَ. ثُمَّ أثْنى - سُبْحانَهُ - عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ أوْصَلَهُمُ اللَّهُ إلى الحَقِّ وهم أصْحابُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِعُقُولِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعْ مَن عَداهم بِعُقُولِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَّقاوَةُ وحُرِمَ السَّعادَةَ فَقالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ " مَن " هَذِهِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ أيْ: كَمَن يَخافُ، أوْ فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ أوْ تَتَأسَّفُ عَلَيْهِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وجَوابُهُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ فالفاءُ فاءُ الجَوابِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ وأُعِيدَتِ الهَمْزَةُ الإنْكارِيَّةُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ إنَّهُ كَرَّرَ الِاسْتِفْهامَ لِطُولِ الكَلامِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، والمُرادُ بِكَلِمَةِ العَذابِ هُنا هي قَوْلُهُ - تَعالى - لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨] ومَعْنى الآيَةِ التَّسْلِيَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وحَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اللَّهِ لا يَقْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُنْقِذَهُ مِنَ النّارِ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُؤْمِنًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أبا لَهَبٍ ووَلَدَهُ ومَن تَخَلَّفَ مِن عَشِيرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإيمانِ، وفي الآيَةِ تَنْزِيلٌ لِمَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ بِمَن قَدْ صارَ فِيهِ، وتَنْزِيلُ دُعائِهِ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ الإخْراجِ لَهُ مِن عَذابِ النّارِ. ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فِيما سَبَقَ أنَّ لِأهْلِ الشَّقاوَةِ ظُلَلًا مِن فَوْقِهِمُ النّارُ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ اسْتَدْرَكَ عَنْهم مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَقالَ: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومَعْنى ( مَبْنِيَّةٌ ) أنَّها مَبْنِيَّةٌ بِناءَ المَنازِلِ في إحْكامِ أساسِها وقُوَّةِ بِنائِها وإنْ كانَتْ مَنازِلُ الدُّنْيا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ، وفي ذَلِكَ كَمالٌ لِبَهْجَتِها وزِيادَةٌ لِرَوْنَقِها، وانْتِصابُ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ لَهم غُرَفٌ في مَعْنى وعَدَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعْدِ أيْ: لا يُخْلِفُ اللَّهُ ما وعَدَ بِهِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ الآيَةَ. قالَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِلنّارِ زالَتْ عَنْهُمُ الدُّنْيا وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الجَنَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ قالَ: أهْلِيهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ كانُوا أُعِدُّوا لَهم لَوْ عَمِلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ، فَغُبِنُوهم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو ذَرٍّ وسَلْمانُ يَتَّبِعُونَ في الجاهِلِيَّةِ أحْسَنَ القَوْلِ والكَلامِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالُوا بِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﴿يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ: " قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُنادِيًا فَنادى: مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، فاسْتَقْبَلَ عُمَرُ الرَّسُولَ فَرَدَّهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَشِيتُ أنْ يَتَّكِلَ النّاسُ فَلا يَعْمَلُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَوْ يَعْلَمُ النّاسُ قَدْرَ رَحْمَةِ رَبِّي لاتَّكَلُوا، ولَوْ يَعْلَمُونَ قَدْرَ سُخْطِ رَبِّي وعِقابِهِ لاسْتَصْغَرُوا أعْمالَهم» وهَذا الحَدِيثُ أصْلُهُ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.

الزمر 39:16

قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ: بِتَرْكِ إخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ وتَوْحِيدِهِ والدُّعاءِ إلى تَرْكِ الشِّرْكِ وتَضْلِيلِ أهْلِهِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي بِإجابَةِ المُشْرِكِينَ إلى ما دَعَوْنِي إلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. قالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ وابْنُ المُسَيَّبِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ [الزمر: ١١] فالمُرادُ عِصْيانُ هَذا الأمْرِ. ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ التَّقْدِيمُ مُشْعِرٌ بِالِاخْتِصاصِ أيْ: لا أعْبُدُ غَيْرَهُ لا اسْتِقْلالًا ولا عَلى جِهَةِ الشَّرِكَةِ، ومَعْنى ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ أنَّهُ خالِصٌ لِلَّهِ غَيْرُ مَشُوبٍ بِشِرْكٍ ولا رِياءٍ ولا غَيْرِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ. قالَ الرّازِيُّ: فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ قُلْنا: لَيْسَ هَذا بِتَكْرِيرٍ؛ لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ بِالإيمانِ والعِبادَةِ، والثّانِي إخْبارٌ بِأنَّهُ أُمِرَ أنْ لا يَعْبُدَ أحَدًا غَيْرَ اللَّهِ. ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾ أنْ تَعْبُدُوهُ مِن دُونِهِ، هَذا الأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وقِيلَ: إنَّ الأمْرَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: إنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ هم هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ مَن دَخَلَ النّارَ فَقَدْ خَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يَعْنِي بِهِ الكُفّارَ فَإنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم بِالتَّخْلِيدِ في النّارِ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ، لِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا مَدْخَلَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم أهْلٌ في الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَها، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ هَذا الخُسْرانَ، ووَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن أفْرادِ الخُسْرانِ وأنَّهُ لا خُسْرانَ يُساوِيهِ ولا عُقُوبَةَ تُدانِيهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - هَذا الخُسْرانَ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ والبَلاءَ النّازِلَ فَوْقَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ﴾ الظُّلَلُ عِبارَةٌ عَنْ أطْباقِ النّارِ أيْ: لَهم مِن فَوْقِهِمْ أطْباقٌ مِنَ النّارِ تَلْتَهِبُ عَلَيْهِمْ ﴿ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أيْ: أطْباقٌ مِنَ النّارِ، وسُمِّيَ ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِأنَّها تُظِلُّ مَن تَحْتِها مِن أهْلِ النّارِ، لِأنَّ طَبَقاتِ النّارِ صارَ في كُلِّ طَبَقَةٍ مِنها طائِفَةٌ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ (p-١٢٧٩)[العنكبوت: ٥٥] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ عَذابِهِمْ في النّارِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ:﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أيْ: يُحَذِّرُهم بِما تَوَعَّدَ بِهِ الكُفّارَ مِنَ العَذابِ لِيَخافُوهُ فَيَتَّقُوهُ، وهو مَعْنى ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقُوا هَذِهِ المَعاصِيَ المُوجِبَةَ لِمِثْلِ هَذا العَذابِ عَلى الكُفّارِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ أنَّ الغالِبَ في القُرْآنِ إطْلاقُ لَفْظِ العِبادِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو لِلْكُفّارِ وأهْلِ المَعاصِي، وقِيلَ: هو عامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ والكُفّارِ. ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: لَهُمُ البُشْرى والطّاغُوتُ بِناءُ مُبالَغَةٍ في المَصْدَرِ كالرَّحَمُوتِ والعَظَمُوتِ، وهو الأوْثانُ والشَّيْطانُ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو الشَّيْطانُ. وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هو الأوْثانُ. وقِيلَ: إنَّهُ الكاهِنُ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مِثْلُ طالُوتَ وجالُوتَ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيانِ. قالَ الأخْفَشُ: الطّاغُوتُ جَمْعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُهُ مُؤَنَّثًا، ومَعْنى اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ: أعْرَضُوا عَنْ عِبادَتِهِ وخَصُّوا عِبادَتَهم بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وقَوْلُهُ: أنْ يَعْبُدُوها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الطّاغُوتِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، كَأنَّهُ قالَ: اجْتَنِبُوا عِبادَةَ الطّاغُوتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ الطّاغُوتِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اجْتَنِبُوا، والمَعْنى: رَجَعُوا إلَيْهِ وأقْبَلُوا عَلى عِبادَتِهِ مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ لَهُمُ البُشْرى بِالثَّوابِ الجَزِيلِ وهو الجَنَّةُ، وهَذِهِ البُشْرى إمّا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، أوْ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ أوْ عِنْدَ البَعْثِ. ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ المُرادُ بِالعِبادِ هُنا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ المَوْصُوفُونَ بِالِاجْتِنابِ والإنابَةِ إلَيْهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ الحَقَّ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أيْ: مُحْكَمَهُ، ويَعْمَلُونَ بِهِ. قالَ السُّدِّيُّ: يَتَّبِعُونَ أحْسَنَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ فَيَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، وقِيلَ: هو الرَّجُلُ يَسْمَعُ الحَسَنَ والقَبِيحَ فَيَتَحَدَّثُ بِالحَسَنِ ويُنْكُفُ عَنِ القَبِيحِ فَلا يَتَحَدَّثُ بِهِ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ وغَيْرَهُ فَيَتَّبِعُونَ القُرْآنَ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ الرُّخَصَ والعَزائِمَ فَيَتَّبِعُونَ العَزائِمَ ويَتْرُكُونَ الرُّخَصَ، وقِيلَ: يَأْخُذُونَ بِالعَفْوِ ويَتْرُكُونَ العُقُوبَةَ. ثُمَّ أثْنى - سُبْحانَهُ - عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ أوْصَلَهُمُ اللَّهُ إلى الحَقِّ وهم أصْحابُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِعُقُولِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعْ مَن عَداهم بِعُقُولِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَّقاوَةُ وحُرِمَ السَّعادَةَ فَقالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ " مَن " هَذِهِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ أيْ: كَمَن يَخافُ، أوْ فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ أوْ تَتَأسَّفُ عَلَيْهِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وجَوابُهُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ فالفاءُ فاءُ الجَوابِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ وأُعِيدَتِ الهَمْزَةُ الإنْكارِيَّةُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ إنَّهُ كَرَّرَ الِاسْتِفْهامَ لِطُولِ الكَلامِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، والمُرادُ بِكَلِمَةِ العَذابِ هُنا هي قَوْلُهُ - تَعالى - لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨] ومَعْنى الآيَةِ التَّسْلِيَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وحَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اللَّهِ لا يَقْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُنْقِذَهُ مِنَ النّارِ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُؤْمِنًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أبا لَهَبٍ ووَلَدَهُ ومَن تَخَلَّفَ مِن عَشِيرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإيمانِ، وفي الآيَةِ تَنْزِيلٌ لِمَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ بِمَن قَدْ صارَ فِيهِ، وتَنْزِيلُ دُعائِهِ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ الإخْراجِ لَهُ مِن عَذابِ النّارِ. ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فِيما سَبَقَ أنَّ لِأهْلِ الشَّقاوَةِ ظُلَلًا مِن فَوْقِهِمُ النّارُ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ اسْتَدْرَكَ عَنْهم مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَقالَ: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومَعْنى ( مَبْنِيَّةٌ ) أنَّها مَبْنِيَّةٌ بِناءَ المَنازِلِ في إحْكامِ أساسِها وقُوَّةِ بِنائِها وإنْ كانَتْ مَنازِلُ الدُّنْيا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ، وفي ذَلِكَ كَمالٌ لِبَهْجَتِها وزِيادَةٌ لِرَوْنَقِها، وانْتِصابُ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ لَهم غُرَفٌ في مَعْنى وعَدَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعْدِ أيْ: لا يُخْلِفُ اللَّهُ ما وعَدَ بِهِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ الآيَةَ. قالَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِلنّارِ زالَتْ عَنْهُمُ الدُّنْيا وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الجَنَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ قالَ: أهْلِيهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ كانُوا أُعِدُّوا لَهم لَوْ عَمِلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ، فَغُبِنُوهم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو ذَرٍّ وسَلْمانُ يَتَّبِعُونَ في الجاهِلِيَّةِ أحْسَنَ القَوْلِ والكَلامِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالُوا بِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﴿يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ: " قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُنادِيًا فَنادى: مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، فاسْتَقْبَلَ عُمَرُ الرَّسُولَ فَرَدَّهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَشِيتُ أنْ يَتَّكِلَ النّاسُ فَلا يَعْمَلُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَوْ يَعْلَمُ النّاسُ قَدْرَ رَحْمَةِ رَبِّي لاتَّكَلُوا، ولَوْ يَعْلَمُونَ قَدْرَ سُخْطِ رَبِّي وعِقابِهِ لاسْتَصْغَرُوا أعْمالَهم» وهَذا الحَدِيثُ أصْلُهُ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.

الزمر 39:17

قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ: بِتَرْكِ إخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ وتَوْحِيدِهِ والدُّعاءِ إلى تَرْكِ الشِّرْكِ وتَضْلِيلِ أهْلِهِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي بِإجابَةِ المُشْرِكِينَ إلى ما دَعَوْنِي إلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. قالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ وابْنُ المُسَيَّبِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ [الزمر: ١١] فالمُرادُ عِصْيانُ هَذا الأمْرِ. ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ التَّقْدِيمُ مُشْعِرٌ بِالِاخْتِصاصِ أيْ: لا أعْبُدُ غَيْرَهُ لا اسْتِقْلالًا ولا عَلى جِهَةِ الشَّرِكَةِ، ومَعْنى ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ أنَّهُ خالِصٌ لِلَّهِ غَيْرُ مَشُوبٍ بِشِرْكٍ ولا رِياءٍ ولا غَيْرِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ. قالَ الرّازِيُّ: فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ قُلْنا: لَيْسَ هَذا بِتَكْرِيرٍ؛ لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ بِالإيمانِ والعِبادَةِ، والثّانِي إخْبارٌ بِأنَّهُ أُمِرَ أنْ لا يَعْبُدَ أحَدًا غَيْرَ اللَّهِ. ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾ أنْ تَعْبُدُوهُ مِن دُونِهِ، هَذا الأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وقِيلَ: إنَّ الأمْرَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: إنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ هم هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ مَن دَخَلَ النّارَ فَقَدْ خَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يَعْنِي بِهِ الكُفّارَ فَإنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم بِالتَّخْلِيدِ في النّارِ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ، لِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا مَدْخَلَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم أهْلٌ في الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَها، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ هَذا الخُسْرانَ، ووَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن أفْرادِ الخُسْرانِ وأنَّهُ لا خُسْرانَ يُساوِيهِ ولا عُقُوبَةَ تُدانِيهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - هَذا الخُسْرانَ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ والبَلاءَ النّازِلَ فَوْقَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ﴾ الظُّلَلُ عِبارَةٌ عَنْ أطْباقِ النّارِ أيْ: لَهم مِن فَوْقِهِمْ أطْباقٌ مِنَ النّارِ تَلْتَهِبُ عَلَيْهِمْ ﴿ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أيْ: أطْباقٌ مِنَ النّارِ، وسُمِّيَ ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِأنَّها تُظِلُّ مَن تَحْتِها مِن أهْلِ النّارِ، لِأنَّ طَبَقاتِ النّارِ صارَ في كُلِّ طَبَقَةٍ مِنها طائِفَةٌ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ (p-١٢٧٩)[العنكبوت: ٥٥] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ عَذابِهِمْ في النّارِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ:﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أيْ: يُحَذِّرُهم بِما تَوَعَّدَ بِهِ الكُفّارَ مِنَ العَذابِ لِيَخافُوهُ فَيَتَّقُوهُ، وهو مَعْنى ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقُوا هَذِهِ المَعاصِيَ المُوجِبَةَ لِمِثْلِ هَذا العَذابِ عَلى الكُفّارِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ أنَّ الغالِبَ في القُرْآنِ إطْلاقُ لَفْظِ العِبادِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو لِلْكُفّارِ وأهْلِ المَعاصِي، وقِيلَ: هو عامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ والكُفّارِ. ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: لَهُمُ البُشْرى والطّاغُوتُ بِناءُ مُبالَغَةٍ في المَصْدَرِ كالرَّحَمُوتِ والعَظَمُوتِ، وهو الأوْثانُ والشَّيْطانُ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو الشَّيْطانُ. وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هو الأوْثانُ. وقِيلَ: إنَّهُ الكاهِنُ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مِثْلُ طالُوتَ وجالُوتَ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيانِ. قالَ الأخْفَشُ: الطّاغُوتُ جَمْعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُهُ مُؤَنَّثًا، ومَعْنى اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ: أعْرَضُوا عَنْ عِبادَتِهِ وخَصُّوا عِبادَتَهم بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وقَوْلُهُ: أنْ يَعْبُدُوها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الطّاغُوتِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، كَأنَّهُ قالَ: اجْتَنِبُوا عِبادَةَ الطّاغُوتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ الطّاغُوتِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اجْتَنِبُوا، والمَعْنى: رَجَعُوا إلَيْهِ وأقْبَلُوا عَلى عِبادَتِهِ مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ لَهُمُ البُشْرى بِالثَّوابِ الجَزِيلِ وهو الجَنَّةُ، وهَذِهِ البُشْرى إمّا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، أوْ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ أوْ عِنْدَ البَعْثِ. ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ المُرادُ بِالعِبادِ هُنا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ المَوْصُوفُونَ بِالِاجْتِنابِ والإنابَةِ إلَيْهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ الحَقَّ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أيْ: مُحْكَمَهُ، ويَعْمَلُونَ بِهِ. قالَ السُّدِّيُّ: يَتَّبِعُونَ أحْسَنَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ فَيَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، وقِيلَ: هو الرَّجُلُ يَسْمَعُ الحَسَنَ والقَبِيحَ فَيَتَحَدَّثُ بِالحَسَنِ ويُنْكُفُ عَنِ القَبِيحِ فَلا يَتَحَدَّثُ بِهِ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ وغَيْرَهُ فَيَتَّبِعُونَ القُرْآنَ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ الرُّخَصَ والعَزائِمَ فَيَتَّبِعُونَ العَزائِمَ ويَتْرُكُونَ الرُّخَصَ، وقِيلَ: يَأْخُذُونَ بِالعَفْوِ ويَتْرُكُونَ العُقُوبَةَ. ثُمَّ أثْنى - سُبْحانَهُ - عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ أوْصَلَهُمُ اللَّهُ إلى الحَقِّ وهم أصْحابُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِعُقُولِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعْ مَن عَداهم بِعُقُولِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَّقاوَةُ وحُرِمَ السَّعادَةَ فَقالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ " مَن " هَذِهِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ أيْ: كَمَن يَخافُ، أوْ فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ أوْ تَتَأسَّفُ عَلَيْهِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وجَوابُهُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ فالفاءُ فاءُ الجَوابِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ وأُعِيدَتِ الهَمْزَةُ الإنْكارِيَّةُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ إنَّهُ كَرَّرَ الِاسْتِفْهامَ لِطُولِ الكَلامِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، والمُرادُ بِكَلِمَةِ العَذابِ هُنا هي قَوْلُهُ - تَعالى - لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨] ومَعْنى الآيَةِ التَّسْلِيَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وحَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اللَّهِ لا يَقْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُنْقِذَهُ مِنَ النّارِ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُؤْمِنًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أبا لَهَبٍ ووَلَدَهُ ومَن تَخَلَّفَ مِن عَشِيرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإيمانِ، وفي الآيَةِ تَنْزِيلٌ لِمَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ بِمَن قَدْ صارَ فِيهِ، وتَنْزِيلُ دُعائِهِ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ الإخْراجِ لَهُ مِن عَذابِ النّارِ. ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فِيما سَبَقَ أنَّ لِأهْلِ الشَّقاوَةِ ظُلَلًا مِن فَوْقِهِمُ النّارُ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ اسْتَدْرَكَ عَنْهم مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَقالَ: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومَعْنى ( مَبْنِيَّةٌ ) أنَّها مَبْنِيَّةٌ بِناءَ المَنازِلِ في إحْكامِ أساسِها وقُوَّةِ بِنائِها وإنْ كانَتْ مَنازِلُ الدُّنْيا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ، وفي ذَلِكَ كَمالٌ لِبَهْجَتِها وزِيادَةٌ لِرَوْنَقِها، وانْتِصابُ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ لَهم غُرَفٌ في مَعْنى وعَدَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعْدِ أيْ: لا يُخْلِفُ اللَّهُ ما وعَدَ بِهِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ الآيَةَ. قالَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِلنّارِ زالَتْ عَنْهُمُ الدُّنْيا وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الجَنَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ قالَ: أهْلِيهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ كانُوا أُعِدُّوا لَهم لَوْ عَمِلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ، فَغُبِنُوهم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو ذَرٍّ وسَلْمانُ يَتَّبِعُونَ في الجاهِلِيَّةِ أحْسَنَ القَوْلِ والكَلامِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالُوا بِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﴿يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ: " قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُنادِيًا فَنادى: مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، فاسْتَقْبَلَ عُمَرُ الرَّسُولَ فَرَدَّهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَشِيتُ أنْ يَتَّكِلَ النّاسُ فَلا يَعْمَلُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَوْ يَعْلَمُ النّاسُ قَدْرَ رَحْمَةِ رَبِّي لاتَّكَلُوا، ولَوْ يَعْلَمُونَ قَدْرَ سُخْطِ رَبِّي وعِقابِهِ لاسْتَصْغَرُوا أعْمالَهم» وهَذا الحَدِيثُ أصْلُهُ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.

الزمر 39:18

قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ: بِتَرْكِ إخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ وتَوْحِيدِهِ والدُّعاءِ إلى تَرْكِ الشِّرْكِ وتَضْلِيلِ أهْلِهِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي بِإجابَةِ المُشْرِكِينَ إلى ما دَعَوْنِي إلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. قالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ وابْنُ المُسَيَّبِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ [الزمر: ١١] فالمُرادُ عِصْيانُ هَذا الأمْرِ. ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ التَّقْدِيمُ مُشْعِرٌ بِالِاخْتِصاصِ أيْ: لا أعْبُدُ غَيْرَهُ لا اسْتِقْلالًا ولا عَلى جِهَةِ الشَّرِكَةِ، ومَعْنى ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ أنَّهُ خالِصٌ لِلَّهِ غَيْرُ مَشُوبٍ بِشِرْكٍ ولا رِياءٍ ولا غَيْرِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ. قالَ الرّازِيُّ: فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ قُلْنا: لَيْسَ هَذا بِتَكْرِيرٍ؛ لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ بِالإيمانِ والعِبادَةِ، والثّانِي إخْبارٌ بِأنَّهُ أُمِرَ أنْ لا يَعْبُدَ أحَدًا غَيْرَ اللَّهِ. ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾ أنْ تَعْبُدُوهُ مِن دُونِهِ، هَذا الأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وقِيلَ: إنَّ الأمْرَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: إنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ هم هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ مَن دَخَلَ النّارَ فَقَدْ خَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يَعْنِي بِهِ الكُفّارَ فَإنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم بِالتَّخْلِيدِ في النّارِ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ، لِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا مَدْخَلَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم أهْلٌ في الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَها، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ هَذا الخُسْرانَ، ووَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن أفْرادِ الخُسْرانِ وأنَّهُ لا خُسْرانَ يُساوِيهِ ولا عُقُوبَةَ تُدانِيهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - هَذا الخُسْرانَ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ والبَلاءَ النّازِلَ فَوْقَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ﴾ الظُّلَلُ عِبارَةٌ عَنْ أطْباقِ النّارِ أيْ: لَهم مِن فَوْقِهِمْ أطْباقٌ مِنَ النّارِ تَلْتَهِبُ عَلَيْهِمْ ﴿ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أيْ: أطْباقٌ مِنَ النّارِ، وسُمِّيَ ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِأنَّها تُظِلُّ مَن تَحْتِها مِن أهْلِ النّارِ، لِأنَّ طَبَقاتِ النّارِ صارَ في كُلِّ طَبَقَةٍ مِنها طائِفَةٌ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ (p-١٢٧٩)[العنكبوت: ٥٥] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ عَذابِهِمْ في النّارِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ:﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أيْ: يُحَذِّرُهم بِما تَوَعَّدَ بِهِ الكُفّارَ مِنَ العَذابِ لِيَخافُوهُ فَيَتَّقُوهُ، وهو مَعْنى ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقُوا هَذِهِ المَعاصِيَ المُوجِبَةَ لِمِثْلِ هَذا العَذابِ عَلى الكُفّارِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ أنَّ الغالِبَ في القُرْآنِ إطْلاقُ لَفْظِ العِبادِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو لِلْكُفّارِ وأهْلِ المَعاصِي، وقِيلَ: هو عامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ والكُفّارِ. ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: لَهُمُ البُشْرى والطّاغُوتُ بِناءُ مُبالَغَةٍ في المَصْدَرِ كالرَّحَمُوتِ والعَظَمُوتِ، وهو الأوْثانُ والشَّيْطانُ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو الشَّيْطانُ. وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هو الأوْثانُ. وقِيلَ: إنَّهُ الكاهِنُ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مِثْلُ طالُوتَ وجالُوتَ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيانِ. قالَ الأخْفَشُ: الطّاغُوتُ جَمْعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُهُ مُؤَنَّثًا، ومَعْنى اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ: أعْرَضُوا عَنْ عِبادَتِهِ وخَصُّوا عِبادَتَهم بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وقَوْلُهُ: أنْ يَعْبُدُوها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الطّاغُوتِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، كَأنَّهُ قالَ: اجْتَنِبُوا عِبادَةَ الطّاغُوتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ الطّاغُوتِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اجْتَنِبُوا، والمَعْنى: رَجَعُوا إلَيْهِ وأقْبَلُوا عَلى عِبادَتِهِ مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ لَهُمُ البُشْرى بِالثَّوابِ الجَزِيلِ وهو الجَنَّةُ، وهَذِهِ البُشْرى إمّا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، أوْ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ أوْ عِنْدَ البَعْثِ. ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ المُرادُ بِالعِبادِ هُنا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ المَوْصُوفُونَ بِالِاجْتِنابِ والإنابَةِ إلَيْهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ الحَقَّ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أيْ: مُحْكَمَهُ، ويَعْمَلُونَ بِهِ. قالَ السُّدِّيُّ: يَتَّبِعُونَ أحْسَنَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ فَيَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، وقِيلَ: هو الرَّجُلُ يَسْمَعُ الحَسَنَ والقَبِيحَ فَيَتَحَدَّثُ بِالحَسَنِ ويُنْكُفُ عَنِ القَبِيحِ فَلا يَتَحَدَّثُ بِهِ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ وغَيْرَهُ فَيَتَّبِعُونَ القُرْآنَ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ الرُّخَصَ والعَزائِمَ فَيَتَّبِعُونَ العَزائِمَ ويَتْرُكُونَ الرُّخَصَ، وقِيلَ: يَأْخُذُونَ بِالعَفْوِ ويَتْرُكُونَ العُقُوبَةَ. ثُمَّ أثْنى - سُبْحانَهُ - عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ أوْصَلَهُمُ اللَّهُ إلى الحَقِّ وهم أصْحابُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِعُقُولِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعْ مَن عَداهم بِعُقُولِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَّقاوَةُ وحُرِمَ السَّعادَةَ فَقالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ " مَن " هَذِهِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ أيْ: كَمَن يَخافُ، أوْ فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ أوْ تَتَأسَّفُ عَلَيْهِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وجَوابُهُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ فالفاءُ فاءُ الجَوابِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ وأُعِيدَتِ الهَمْزَةُ الإنْكارِيَّةُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ إنَّهُ كَرَّرَ الِاسْتِفْهامَ لِطُولِ الكَلامِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، والمُرادُ بِكَلِمَةِ العَذابِ هُنا هي قَوْلُهُ - تَعالى - لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨] ومَعْنى الآيَةِ التَّسْلِيَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وحَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اللَّهِ لا يَقْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُنْقِذَهُ مِنَ النّارِ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُؤْمِنًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أبا لَهَبٍ ووَلَدَهُ ومَن تَخَلَّفَ مِن عَشِيرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإيمانِ، وفي الآيَةِ تَنْزِيلٌ لِمَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ بِمَن قَدْ صارَ فِيهِ، وتَنْزِيلُ دُعائِهِ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ الإخْراجِ لَهُ مِن عَذابِ النّارِ. ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فِيما سَبَقَ أنَّ لِأهْلِ الشَّقاوَةِ ظُلَلًا مِن فَوْقِهِمُ النّارُ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ اسْتَدْرَكَ عَنْهم مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَقالَ: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومَعْنى ( مَبْنِيَّةٌ ) أنَّها مَبْنِيَّةٌ بِناءَ المَنازِلِ في إحْكامِ أساسِها وقُوَّةِ بِنائِها وإنْ كانَتْ مَنازِلُ الدُّنْيا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ، وفي ذَلِكَ كَمالٌ لِبَهْجَتِها وزِيادَةٌ لِرَوْنَقِها، وانْتِصابُ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ لَهم غُرَفٌ في مَعْنى وعَدَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعْدِ أيْ: لا يُخْلِفُ اللَّهُ ما وعَدَ بِهِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ الآيَةَ. قالَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِلنّارِ زالَتْ عَنْهُمُ الدُّنْيا وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الجَنَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ قالَ: أهْلِيهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ كانُوا أُعِدُّوا لَهم لَوْ عَمِلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ، فَغُبِنُوهم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو ذَرٍّ وسَلْمانُ يَتَّبِعُونَ في الجاهِلِيَّةِ أحْسَنَ القَوْلِ والكَلامِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالُوا بِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﴿يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ: " قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُنادِيًا فَنادى: مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، فاسْتَقْبَلَ عُمَرُ الرَّسُولَ فَرَدَّهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَشِيتُ أنْ يَتَّكِلَ النّاسُ فَلا يَعْمَلُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَوْ يَعْلَمُ النّاسُ قَدْرَ رَحْمَةِ رَبِّي لاتَّكَلُوا، ولَوْ يَعْلَمُونَ قَدْرَ سُخْطِ رَبِّي وعِقابِهِ لاسْتَصْغَرُوا أعْمالَهم» وهَذا الحَدِيثُ أصْلُهُ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.

الزمر 39:19

قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ: بِتَرْكِ إخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ وتَوْحِيدِهِ والدُّعاءِ إلى تَرْكِ الشِّرْكِ وتَضْلِيلِ أهْلِهِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي بِإجابَةِ المُشْرِكِينَ إلى ما دَعَوْنِي إلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. قالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ وابْنُ المُسَيَّبِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ [الزمر: ١١] فالمُرادُ عِصْيانُ هَذا الأمْرِ. ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ التَّقْدِيمُ مُشْعِرٌ بِالِاخْتِصاصِ أيْ: لا أعْبُدُ غَيْرَهُ لا اسْتِقْلالًا ولا عَلى جِهَةِ الشَّرِكَةِ، ومَعْنى ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ أنَّهُ خالِصٌ لِلَّهِ غَيْرُ مَشُوبٍ بِشِرْكٍ ولا رِياءٍ ولا غَيْرِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ. قالَ الرّازِيُّ: فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ قُلْنا: لَيْسَ هَذا بِتَكْرِيرٍ؛ لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ بِالإيمانِ والعِبادَةِ، والثّانِي إخْبارٌ بِأنَّهُ أُمِرَ أنْ لا يَعْبُدَ أحَدًا غَيْرَ اللَّهِ. ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾ أنْ تَعْبُدُوهُ مِن دُونِهِ، هَذا الأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وقِيلَ: إنَّ الأمْرَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: إنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ هم هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ مَن دَخَلَ النّارَ فَقَدْ خَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يَعْنِي بِهِ الكُفّارَ فَإنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم بِالتَّخْلِيدِ في النّارِ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ، لِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا مَدْخَلَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم أهْلٌ في الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَها، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ هَذا الخُسْرانَ، ووَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن أفْرادِ الخُسْرانِ وأنَّهُ لا خُسْرانَ يُساوِيهِ ولا عُقُوبَةَ تُدانِيهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - هَذا الخُسْرانَ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ والبَلاءَ النّازِلَ فَوْقَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ﴾ الظُّلَلُ عِبارَةٌ عَنْ أطْباقِ النّارِ أيْ: لَهم مِن فَوْقِهِمْ أطْباقٌ مِنَ النّارِ تَلْتَهِبُ عَلَيْهِمْ ﴿ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أيْ: أطْباقٌ مِنَ النّارِ، وسُمِّيَ ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِأنَّها تُظِلُّ مَن تَحْتِها مِن أهْلِ النّارِ، لِأنَّ طَبَقاتِ النّارِ صارَ في كُلِّ طَبَقَةٍ مِنها طائِفَةٌ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ (p-١٢٧٩)[العنكبوت: ٥٥] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ عَذابِهِمْ في النّارِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ:﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أيْ: يُحَذِّرُهم بِما تَوَعَّدَ بِهِ الكُفّارَ مِنَ العَذابِ لِيَخافُوهُ فَيَتَّقُوهُ، وهو مَعْنى ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقُوا هَذِهِ المَعاصِيَ المُوجِبَةَ لِمِثْلِ هَذا العَذابِ عَلى الكُفّارِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ أنَّ الغالِبَ في القُرْآنِ إطْلاقُ لَفْظِ العِبادِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو لِلْكُفّارِ وأهْلِ المَعاصِي، وقِيلَ: هو عامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ والكُفّارِ. ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: لَهُمُ البُشْرى والطّاغُوتُ بِناءُ مُبالَغَةٍ في المَصْدَرِ كالرَّحَمُوتِ والعَظَمُوتِ، وهو الأوْثانُ والشَّيْطانُ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو الشَّيْطانُ. وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هو الأوْثانُ. وقِيلَ: إنَّهُ الكاهِنُ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مِثْلُ طالُوتَ وجالُوتَ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيانِ. قالَ الأخْفَشُ: الطّاغُوتُ جَمْعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُهُ مُؤَنَّثًا، ومَعْنى اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ: أعْرَضُوا عَنْ عِبادَتِهِ وخَصُّوا عِبادَتَهم بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وقَوْلُهُ: أنْ يَعْبُدُوها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الطّاغُوتِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، كَأنَّهُ قالَ: اجْتَنِبُوا عِبادَةَ الطّاغُوتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ الطّاغُوتِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اجْتَنِبُوا، والمَعْنى: رَجَعُوا إلَيْهِ وأقْبَلُوا عَلى عِبادَتِهِ مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ لَهُمُ البُشْرى بِالثَّوابِ الجَزِيلِ وهو الجَنَّةُ، وهَذِهِ البُشْرى إمّا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، أوْ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ أوْ عِنْدَ البَعْثِ. ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ المُرادُ بِالعِبادِ هُنا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ المَوْصُوفُونَ بِالِاجْتِنابِ والإنابَةِ إلَيْهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ الحَقَّ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أيْ: مُحْكَمَهُ، ويَعْمَلُونَ بِهِ. قالَ السُّدِّيُّ: يَتَّبِعُونَ أحْسَنَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ فَيَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، وقِيلَ: هو الرَّجُلُ يَسْمَعُ الحَسَنَ والقَبِيحَ فَيَتَحَدَّثُ بِالحَسَنِ ويُنْكُفُ عَنِ القَبِيحِ فَلا يَتَحَدَّثُ بِهِ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ وغَيْرَهُ فَيَتَّبِعُونَ القُرْآنَ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ الرُّخَصَ والعَزائِمَ فَيَتَّبِعُونَ العَزائِمَ ويَتْرُكُونَ الرُّخَصَ، وقِيلَ: يَأْخُذُونَ بِالعَفْوِ ويَتْرُكُونَ العُقُوبَةَ. ثُمَّ أثْنى - سُبْحانَهُ - عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ أوْصَلَهُمُ اللَّهُ إلى الحَقِّ وهم أصْحابُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِعُقُولِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعْ مَن عَداهم بِعُقُولِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَّقاوَةُ وحُرِمَ السَّعادَةَ فَقالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ " مَن " هَذِهِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ أيْ: كَمَن يَخافُ، أوْ فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ أوْ تَتَأسَّفُ عَلَيْهِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وجَوابُهُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ فالفاءُ فاءُ الجَوابِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ وأُعِيدَتِ الهَمْزَةُ الإنْكارِيَّةُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ إنَّهُ كَرَّرَ الِاسْتِفْهامَ لِطُولِ الكَلامِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، والمُرادُ بِكَلِمَةِ العَذابِ هُنا هي قَوْلُهُ - تَعالى - لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨] ومَعْنى الآيَةِ التَّسْلِيَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وحَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اللَّهِ لا يَقْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُنْقِذَهُ مِنَ النّارِ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُؤْمِنًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أبا لَهَبٍ ووَلَدَهُ ومَن تَخَلَّفَ مِن عَشِيرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإيمانِ، وفي الآيَةِ تَنْزِيلٌ لِمَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ بِمَن قَدْ صارَ فِيهِ، وتَنْزِيلُ دُعائِهِ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ الإخْراجِ لَهُ مِن عَذابِ النّارِ. ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فِيما سَبَقَ أنَّ لِأهْلِ الشَّقاوَةِ ظُلَلًا مِن فَوْقِهِمُ النّارُ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ اسْتَدْرَكَ عَنْهم مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَقالَ: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومَعْنى ( مَبْنِيَّةٌ ) أنَّها مَبْنِيَّةٌ بِناءَ المَنازِلِ في إحْكامِ أساسِها وقُوَّةِ بِنائِها وإنْ كانَتْ مَنازِلُ الدُّنْيا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ، وفي ذَلِكَ كَمالٌ لِبَهْجَتِها وزِيادَةٌ لِرَوْنَقِها، وانْتِصابُ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ لَهم غُرَفٌ في مَعْنى وعَدَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعْدِ أيْ: لا يُخْلِفُ اللَّهُ ما وعَدَ بِهِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ الآيَةَ. قالَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِلنّارِ زالَتْ عَنْهُمُ الدُّنْيا وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الجَنَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ قالَ: أهْلِيهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ كانُوا أُعِدُّوا لَهم لَوْ عَمِلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ، فَغُبِنُوهم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو ذَرٍّ وسَلْمانُ يَتَّبِعُونَ في الجاهِلِيَّةِ أحْسَنَ القَوْلِ والكَلامِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالُوا بِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﴿يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ: " قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُنادِيًا فَنادى: مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، فاسْتَقْبَلَ عُمَرُ الرَّسُولَ فَرَدَّهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَشِيتُ أنْ يَتَّكِلَ النّاسُ فَلا يَعْمَلُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَوْ يَعْلَمُ النّاسُ قَدْرَ رَحْمَةِ رَبِّي لاتَّكَلُوا، ولَوْ يَعْلَمُونَ قَدْرَ سُخْطِ رَبِّي وعِقابِهِ لاسْتَصْغَرُوا أعْمالَهم» وهَذا الحَدِيثُ أصْلُهُ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.

الزمر 39:20

قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ: بِتَرْكِ إخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ وتَوْحِيدِهِ والدُّعاءِ إلى تَرْكِ الشِّرْكِ وتَضْلِيلِ أهْلِهِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي بِإجابَةِ المُشْرِكِينَ إلى ما دَعَوْنِي إلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. قالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ وابْنُ المُسَيَّبِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ [الزمر: ١١] فالمُرادُ عِصْيانُ هَذا الأمْرِ. ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ التَّقْدِيمُ مُشْعِرٌ بِالِاخْتِصاصِ أيْ: لا أعْبُدُ غَيْرَهُ لا اسْتِقْلالًا ولا عَلى جِهَةِ الشَّرِكَةِ، ومَعْنى ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ أنَّهُ خالِصٌ لِلَّهِ غَيْرُ مَشُوبٍ بِشِرْكٍ ولا رِياءٍ ولا غَيْرِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ. قالَ الرّازِيُّ: فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ قُلْنا: لَيْسَ هَذا بِتَكْرِيرٍ؛ لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ بِالإيمانِ والعِبادَةِ، والثّانِي إخْبارٌ بِأنَّهُ أُمِرَ أنْ لا يَعْبُدَ أحَدًا غَيْرَ اللَّهِ. ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾ أنْ تَعْبُدُوهُ مِن دُونِهِ، هَذا الأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وقِيلَ: إنَّ الأمْرَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: إنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ هم هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ مَن دَخَلَ النّارَ فَقَدْ خَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يَعْنِي بِهِ الكُفّارَ فَإنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم بِالتَّخْلِيدِ في النّارِ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ، لِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا مَدْخَلَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم أهْلٌ في الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَها، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ هَذا الخُسْرانَ، ووَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن أفْرادِ الخُسْرانِ وأنَّهُ لا خُسْرانَ يُساوِيهِ ولا عُقُوبَةَ تُدانِيهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - هَذا الخُسْرانَ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ والبَلاءَ النّازِلَ فَوْقَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ﴾ الظُّلَلُ عِبارَةٌ عَنْ أطْباقِ النّارِ أيْ: لَهم مِن فَوْقِهِمْ أطْباقٌ مِنَ النّارِ تَلْتَهِبُ عَلَيْهِمْ ﴿ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أيْ: أطْباقٌ مِنَ النّارِ، وسُمِّيَ ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِأنَّها تُظِلُّ مَن تَحْتِها مِن أهْلِ النّارِ، لِأنَّ طَبَقاتِ النّارِ صارَ في كُلِّ طَبَقَةٍ مِنها طائِفَةٌ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ (p-١٢٧٩)[العنكبوت: ٥٥] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ عَذابِهِمْ في النّارِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ:﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ أيْ: يُحَذِّرُهم بِما تَوَعَّدَ بِهِ الكُفّارَ مِنَ العَذابِ لِيَخافُوهُ فَيَتَّقُوهُ، وهو مَعْنى ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقُوا هَذِهِ المَعاصِيَ المُوجِبَةَ لِمِثْلِ هَذا العَذابِ عَلى الكُفّارِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ أنَّ الغالِبَ في القُرْآنِ إطْلاقُ لَفْظِ العِبادِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو لِلْكُفّارِ وأهْلِ المَعاصِي، وقِيلَ: هو عامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ والكُفّارِ. ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: لَهُمُ البُشْرى والطّاغُوتُ بِناءُ مُبالَغَةٍ في المَصْدَرِ كالرَّحَمُوتِ والعَظَمُوتِ، وهو الأوْثانُ والشَّيْطانُ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو الشَّيْطانُ. وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هو الأوْثانُ. وقِيلَ: إنَّهُ الكاهِنُ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مِثْلُ طالُوتَ وجالُوتَ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيانِ. قالَ الأخْفَشُ: الطّاغُوتُ جَمْعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُهُ مُؤَنَّثًا، ومَعْنى اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ: أعْرَضُوا عَنْ عِبادَتِهِ وخَصُّوا عِبادَتَهم بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وقَوْلُهُ: أنْ يَعْبُدُوها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الطّاغُوتِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، كَأنَّهُ قالَ: اجْتَنِبُوا عِبادَةَ الطّاغُوتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ الطّاغُوتِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اجْتَنِبُوا، والمَعْنى: رَجَعُوا إلَيْهِ وأقْبَلُوا عَلى عِبادَتِهِ مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ لَهُمُ البُشْرى بِالثَّوابِ الجَزِيلِ وهو الجَنَّةُ، وهَذِهِ البُشْرى إمّا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، أوْ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ أوْ عِنْدَ البَعْثِ. ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ المُرادُ بِالعِبادِ هُنا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ المَوْصُوفُونَ بِالِاجْتِنابِ والإنابَةِ إلَيْهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ الحَقَّ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أيْ: مُحْكَمَهُ، ويَعْمَلُونَ بِهِ. قالَ السُّدِّيُّ: يَتَّبِعُونَ أحْسَنَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ فَيَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، وقِيلَ: هو الرَّجُلُ يَسْمَعُ الحَسَنَ والقَبِيحَ فَيَتَحَدَّثُ بِالحَسَنِ ويُنْكُفُ عَنِ القَبِيحِ فَلا يَتَحَدَّثُ بِهِ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ وغَيْرَهُ فَيَتَّبِعُونَ القُرْآنَ، وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ الرُّخَصَ والعَزائِمَ فَيَتَّبِعُونَ العَزائِمَ ويَتْرُكُونَ الرُّخَصَ، وقِيلَ: يَأْخُذُونَ بِالعَفْوِ ويَتْرُكُونَ العُقُوبَةَ. ثُمَّ أثْنى - سُبْحانَهُ - عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ أوْصَلَهُمُ اللَّهُ إلى الحَقِّ وهم أصْحابُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِعُقُولِهِمْ ولَمْ يَنْتَفِعْ مَن عَداهم بِعُقُولِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَّقاوَةُ وحُرِمَ السَّعادَةَ فَقالَ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ " مَن " هَذِهِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ أيْ: كَمَن يَخافُ، أوْ فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ أوْ تَتَأسَّفُ عَلَيْهِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وجَوابُهُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ فالفاءُ فاءُ الجَوابِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ وأُعِيدَتِ الهَمْزَةُ الإنْكارِيَّةُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ إنَّهُ كَرَّرَ الِاسْتِفْهامَ لِطُولِ الكَلامِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، والمُرادُ بِكَلِمَةِ العَذابِ هُنا هي قَوْلُهُ - تَعالى - لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨] ومَعْنى الآيَةِ التَّسْلِيَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وحَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اللَّهِ لا يَقْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُنْقِذَهُ مِنَ النّارِ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُؤْمِنًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أبا لَهَبٍ ووَلَدَهُ ومَن تَخَلَّفَ مِن عَشِيرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإيمانِ، وفي الآيَةِ تَنْزِيلٌ لِمَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ بِمَن قَدْ صارَ فِيهِ، وتَنْزِيلُ دُعائِهِ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ الإخْراجِ لَهُ مِن عَذابِ النّارِ. ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فِيما سَبَقَ أنَّ لِأهْلِ الشَّقاوَةِ ظُلَلًا مِن فَوْقِهِمُ النّارُ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ اسْتَدْرَكَ عَنْهم مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَقالَ: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومَعْنى ( مَبْنِيَّةٌ ) أنَّها مَبْنِيَّةٌ بِناءَ المَنازِلِ في إحْكامِ أساسِها وقُوَّةِ بِنائِها وإنْ كانَتْ مَنازِلُ الدُّنْيا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أيْ: مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ، وفي ذَلِكَ كَمالٌ لِبَهْجَتِها وزِيادَةٌ لِرَوْنَقِها، وانْتِصابُ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ لَهم غُرَفٌ في مَعْنى وعَدَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعْدِ أيْ: لا يُخْلِفُ اللَّهُ ما وعَدَ بِهِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ الآيَةَ. قالَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِلنّارِ زالَتْ عَنْهُمُ الدُّنْيا وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الجَنَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ قالَ: أهْلِيهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ كانُوا أُعِدُّوا لَهم لَوْ عَمِلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ، فَغُبِنُوهم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو ذَرٍّ وسَلْمانُ يَتَّبِعُونَ في الجاهِلِيَّةِ أحْسَنَ القَوْلِ والكَلامِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالُوا بِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﴿يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ: " قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُنادِيًا فَنادى: مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، فاسْتَقْبَلَ عُمَرُ الرَّسُولَ فَرَدَّهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَشِيتُ أنْ يَتَّكِلَ النّاسُ فَلا يَعْمَلُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَوْ يَعْلَمُ النّاسُ قَدْرَ رَحْمَةِ رَبِّي لاتَّكَلُوا، ولَوْ يَعْلَمُونَ قَدْرَ سُخْطِ رَبِّي وعِقابِهِ لاسْتَصْغَرُوا أعْمالَهم» وهَذا الحَدِيثُ أصْلُهُ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.

الزمر 39:21

(p-١٢٨٠)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الآخِرَةَ ووَصَفَها بِوَصْفٍ يُوجِبُ الرَّغْبَةَ فِيها والشَّوْقَ إلَيْها أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الدُّنْيا ووَصَفَها بِوَصْفٍ يُوجِبُ الرَّغْبَةَ عَنْها والنَّفْرَةَ مِنها، فَذَكَرَ تَمْثِيلًا لَها في سُرْعَةِ زَوالِها وقَرِيبِ اضْمِحْلالِها مَعَ ما في ذَلِكَ مِن ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ وصُنْعِهِ البَدِيعِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: مِنَ السَّحابِ مَطَرًا ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ أيْ: فَأدْخَلَهُ وأسْكَنَهُ فِيها، واليَنابِيعُ جَمْعُ يَنْبُوعٍ مِن نَبَعَ الماءُ يَنْبُعُ، واليَنْبُوعُ عَيْنُ الماءِ والأمْكِنَةُ الَّتِي يَنْبُعُ مِنها الماءُ، والمَعْنى أدْخَلَ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ في الأرْضِ وجَعَلَهُ فِيها عُيُونًا جارِيَةً، أوْ جَعَلَهُ في يَنابِيعَ أيْ: في أمْكِنَةٍ يَنْبُعُ مِنها الماءُ، فَهو عَلى الوَجْهِ الثّانِي مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَجَعَلَهُ عُيُونًا ورَكايا في الأرْضِ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ أيْ: يُخْرِجُ بِذَلِكَ الماءَ مِنَ الأرْضِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِن أصْفَرَ وأخْضَرَ وأبْيَضَ وأحْمَرَ، أوْ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وغَيْرِهِما إذا كانَ المُرادُ بِالألْوانِ الأصْنافُ ثُمَّ يَهِيجُ يُقالُ: هاجَ النَّبْتُ يَهِيجُ هَيْجًا إذا تَمَّ جَفافُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ: هاجَ النَّبْتُ هِياجًا: إذا يَبِسَ، وأرْضٌ هائِجَةٌ يَبِسَ بَقْلُها أوِ اصْفَرَّ، وأهاجَتِ الرِّيحُ النَّبْتَ أيْبَسَتْهُ. قالَ المُبَرِّدُ: قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: هاجَتِ الأرْضُ تَهِيجُ: إذا أدْبَرَ نَبْتُها ووَلّى. قالَ: وكَذَلِكَ هاجَ النَّبْتُ ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ أيْ: تَراهُ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ وحُسْنِ رَوْنَقِهِ مُصْفَرًّا قَدْ ذَهَبَتْ خُضْرَتُهُ ونَضارَتُهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا أيْ: مُتَفَتِّتًا مُنْكَسِرًا، مِن تَحَطَّمَ العُودُ إذا تَفَتَّتَ مِنَ اليُبْسِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ أيْ: فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تَذْكِيرٌ لِأهْلِ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَعَقَّلُونَ الأشْياءَ عَلى حَقِيقَتِها فَيَتَفَكَّرُونَ ويَعْتَبِرُونَ ويَعْلَمُونَ بِأنَّ الحَياةَ الدُّنْيا حالُها كَحالِ هَذا الزَّرْعِ في سُرْعَةِ التَّصَرُّمِ وقُرْبِ التَّقَضِّي، وذَهابِ بَهْجَتِها وزَوالِ رَوْنَقِها ونَضارَتِها، فَإذا أنْتَجَ لَهُمُ التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ العِلْمَ بِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُمُ الِاغْتِرارُ بِها والمَيْلُ إلَيْها وإيثارُها عَلى دارِ النَّعِيمِ الدّائِمِ والحَياةِ المُسْتَمِرَّةِ واللَّذَّةِ الخالِصَةِ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهم شَكٌّ في أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى البَعْثِ والحَشْرِ، لِأنَّ مِن قَدِرَ عَلى هَذا قَدِرَ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْقُرْآنِ ولِصُدُورِ مَن في الأرْضِ. والمَعْنى: أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ قُرْآنًا فَسَلَكَهُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ دِينًا بَعْضُهُ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَزْدادُ إيمانًا ويَقِينًا، وأمّا الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ فَإنَّهُ يَهِيجُ كَما يَهِيجُ الزَّرْعُ، وهَذا بِالتَّغْيِيرِ أشْبَهُ مِنهُ بِالتَّفْسِيرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ، وقَرَأ أبُو بِشْرٍ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ، ذَكَرَ شَرْحَ الصَّدْرِ لِلْإسْلامِ، لِأنَّ الِانْتِفاعَ الكامِلَ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِ فَقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ أيْ: وسَّعَهُ لِقَبُولِ الحَقِّ وفَتَحَهُ لِلِاهْتِداءِ إلى سَبِيلِ الخَيْرِ. قالَ السُّدِّيُّ: وسِعَ صَدْرُهُ لِلْإسْلامِ لِلْفَرَحِ بِهِ والطُّمَأْنِينَةِ إلَيْهِ، والكَلامُ في الهَمْزَةِ والفاءِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] و" مَن " مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلَبُهُ وحَرِجَ صَدْرُهُ، ودَلَّ عَلى هَذا الخَبَرِ المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ والمَعْنى: أفَمَن وسَّعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَقَبِلَهُ واهْتَدى بِهَدْيِهِ فَهو بِسَبَبِ ذَلِكَ الشَّرْحِ ﴿عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ يَفِيضُ عَلَيْهِ كَمَن قَسا قَلْبُهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ، فَصارَ في ظُلُماتِ الضَّلالَةِ وبَلِيّاتِ الجَهالَةِ. قالَ قَتادَةُ: النُّورُ كِتابُ اللَّهِ بِهِ يُؤْخَذُ وإلَيْهِ يُنْتَهى. قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَمَن طَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يَهْتَدِ لِقَسْوَتِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أيْ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ كَما تَقُولُ: أُتْخِمْتُ عَنْ طَعامٍ أكَلْتُهُ ومِن طَعامٍ أكَلْتُهُ، والمَعْنى: أنَّهُ غَلُظَ قَلْبُهُ وجَفا عَنْ قَبُولِ ذِكْرِ اللَّهِ، يُقالُ: قَسا القَلْبُ إذا صَلُبَ، وقَلْبٌ قاسٍ أيْ: صُلْبٌ لا يَرِقُّ ولا يَلِينُ، وقِيلَ: مَعْنى ( مِن ذِكْرِ اللَّهِ ) مِن أجْلِ ذِكْرِهِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ تَنْشَرِحَ لَهُ الصُّدُورُ وتَطْمَئِنُّ بِهِ القُلُوبُ. والمَعْنى: أنَّهُ إذا ذُكِرَ اللَّهُ اشْمَأزُّوا، والأوَّلُ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: " عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ "، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ أيْ: ظاهِرٍ واضِحٍ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ أوْصافِ كِتابِهِ العَزِيزِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ وسَمّاهُ حَدِيثًا لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُحَدِّثُ بِهِ قَوْمَهُ ويُخْبِرُهم بِما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنهُ. وفِيهِ بَيانٌ أنَّ أحْسَنَ القَوْلِ المَذْكُورِ سابِقًا هو القُرْآنُ، وانْتِصابُ ( كِتابًا ) عَلى البَدَلِ مِن ( أحْسَنَ الحَدِيثِ )، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ، ( مُتَشابِهًا ) صِفَةٌ لَ: ( كِتابًا ) أيْ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الحُسْنِ والإحْكامِ وصِحَّةِ المَعانِي وقُوَّةِ المَبانِي وبُلُوغِهِ إلى أعْلى دَرَجاتِ البَلاغَةِ، وقالَ قَتادَةُ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الآيِ والحُرُوفِ، وقِيلَ: يُشْبِهُ كُتُبَ اللَّهِ المُنَزَّلَةَ عَلى أنْبِيائِهِ، ومَثانِيَ صِفَةٌ أُخْرى لِ: ( كِتابًا ) أيْ: تُثَنّى فِيهِ القِصَصُ وتَتَكَرَّرُ فِيهِ المَواعِظُ والأحْكامُ. وقِيلَ: يُثَنّى مِنَ التِّلاوَةِ فَلا يَمَلُّ سامِعُهُ ولا يَسْأمُ قارِئُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَثانِيَ بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ هِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وبِشْرٌ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا واسْتِثْقالًا لِتَحْرِيكِها، أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو مَثانِي، وقالَ الرّازِيُّ في تَبْيِينِ مَثانِي أنَّ أكْثَرَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ مُتَكَرِّرَةٌ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ مِثْلُ الأمْرِ والنَّهْيِ، والعامِّ والخاصِّ، والمُجْمَلِ والمُفَصَّلِ، وأحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ، والجَنَّةِ والنّارِ، والنُّورِ والظُّلْمَةِ، واللَّوْحِ والقَلَمِ، والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ، والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، والوَعْدِ والوَعِيدِ، والرَّجاءِ والخَوْفِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ البَيانِ بِأنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ زَوْجٌ، وأنَّ الفَرْدَ الأحَدَ الحَقَّ هو اللَّهُ، ولا يَخْفى ما في كَلامِهِ (p-١٢٨١)هَذا مِنَ التَّكَلُّفِ والبُعْدِ عَنْ مَقْصُودِ التَّنْزِيلِ ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِكِتابًا، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما يَحْصُلُ عِنْدَ سَماعِهِ مِنَ التَّأثُّرِ لِسامِعِيهِ، والِاقْشِعْرارُ التَّقَبُّضُ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ: إذا تَقَبَّضَ وتَجَمَّعَ مِنَ الخَوْفِ والمَعْنى: أنَّها تَأْخُذُهم مِنهُ قُشَعْرِيرَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: إذا ذُكِرَتْ آياتُ العَذابِ اقْشَعَرَّتْ جُلُودُ الخائِفِينَ لِلَّهِ ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهُمْ﴾ إذا ذُكِرَتْ آياتُ الرَّحْمَةِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَبِتُّ أُكابِدُ لَيْلَ التَّمامِ والقَلْبُ مِن خَشْيَةٍ مُقْشَعِرُّ وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ في غايَةِ الجَزالَةِ والبَلاغَةِ، فَكانُوا إذا رَأوْا عَجْزَهم عَنْ مُعارَضَتِهِ اقْشَعَرَّتِ الجُلُودُ مِنهُ إعْظامًا لَهُ وتَعَجُّبًا مِن حُسْنِهِ وبَلاغَتِهِ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ عُدِّيَ تَلِينُ بِإلى لِتَضْمِينِهِ فِعْلًا يَتَعَدّى بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: سَكَنَتْ واطْمَأنَّتْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ، ومَفْعُولُ ذِكْرِ اللَّهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: إلى ذِكْرِ اللَّهِ رَحْمَتَهُ وثَوابَهُ وجَنَّتَهُ، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. قالَ قَتادَةُ: هَذا نَعْتُ أوْلِياءِ اللَّهِ نَعَتَهم بِأنَّها تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، ولَمْ يَنْعَتْهم بِذَهابِ عُقُولِهِمْ والغَشَيانِ عَلَيْهِمْ إنَّما ذَلِكَ في أهْلِ البِدَعِ وهو مِنَ الشَّيْطانِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وهُدى اللَّهِ خَبَرُهُ أيْ: ذَلِكَ الكِتابُ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ أنْ يَهْدِيَهُ مِن عِبادِهِ، وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما وهَبَهُ اللَّهُ لِهَؤُلاءِ مِن خَشْيَةِ عَذابِهِ ورَجاءِ ثَوابِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ أيْ: يَجْعَلْ قَلْبَهُ قاسِيًا مُظْلِمًا غَيْرَ قابِلٍ لِلْحَقِّ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يَهْدِيهِ الحَقَّ ويُخَلِّصُهُ مِنَ الضَّلالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ مِن هادٍ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالياءِ. ثُمَّ لَمّا حَكَمَ عَلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم بِحُكْمٍ في الدُّنْيا وهو الضَّلالُ، حَكَمَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِحُكْمٍ آخَرَ وهو العَذابُ فَقالَ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ وفي هَذِهِ الفاءِ الدّاخِلَةِ عَلى مَن في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] ومَن مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: أفَمَن شَأْنُهُ أنْ يَقِيَ نَفْسَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ أعْضائِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ لِكَوْنِ يَدِهِ قَدْ صارَتْ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِهِ كَمَن هو آمِنٌ لا يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا يَحْتاجُ إلى الِاتِّقاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ كَمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ. قالَ عَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ: يُرْمى بِهِ مَكْتُوفًا في النّارِ، فَأوَّلُ شَيْءٍ تَمَسُّ مِنهُ وجْهَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ في النّارِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ أفْضَلُ أمْ مَن سَعِدَ ؟ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠] ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا تَقُولُهُ الخَزَنَةُ لِلْكُفّارِ فَقالَ: ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى يَتَّقِي أيْ: ويُقالُ لَهم، وجاءَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ. قالَ عَطاءٌ أيْ: جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الذَّوْقِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ حالِ مَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى: أنَّهم كَذَّبُوا رُسُلَهم ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن جِهَةٍ لا يَحْتَسِبُونَ إتْيانَ العَذابِ مِنها، وذَلِكَ عِنْدَ أمْنِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ لَهم بِتَكْذِيبِهِمْ. ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ﴾ أيِ: الذُّلَّ والهَوانَ في الحَياةِ الدُّنْيا بِالمَسْخِ والخَسْفِ والقَتْلِ والأسْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ لِكَوْنِهِ في غايَةِ الشِّدَّةِ مَعَ دَوامِهِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أيْ: لَوْ كانُوا مِمَّنْ يَعْلَمُ الأشْياءَ ويَتَفَكَّرُ فِيها ويَعْمَلُ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: لِكُلِّ ما نالَ الجارِحَةَ مِن شَيْءٍ قَدْ ذاقَتْهُ أيْ: وصَلَ إلَيْها كَما تَصِلُ الحَلاوَةُ والمَرارَةُ إلى الذّائِقِ لَهُما. قالَ: والخِزْيُ: المَكْرُوهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ الآيَةَ قالَ: ما في الأرْضِ ماءٌ إلّا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، ولَكِنَّ عُرُوقًا في الأرْضِ تُغَيِّرُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ فَمَن سَرَّهُ أنْ يَعُودَ المِلْحُ عَذْبًا فَلْيُصْعِدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «تَلا النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَذِهِ الآيَةَ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ قُلْنا يا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ انْشِراحُ صَدْرِهِ ؟ قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ قُلْنا: فَما عَلامَةُ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا قالَ: «يا نَبِيَّ اللَّهِ أيُّ المُؤْمِنِينَ أكْيَسُ ؟ قالَ: أكْثَرُهم ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وأحْسَنُهم لَهُ اسْتِعْدادًا، وإذا دَخَلَ النُّورُ في القَلْبِ انْفَسَحَ واسْتَوْسَعَ، فَقالُوا: ما آيَةُ ذَلِكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» . وأخْرَجَهُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المِسْوَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِنَحْوِهِ، وزادَ فِيهِ " ثُمَّ قَرَأ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ " . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ شاهِينَ في التَّرْغِيبِ في الذِّكْرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تُكْثِرُوا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وإنَّ أبْعَدَ النّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلْبُ القاسِي» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ حَدَّثْتَنا، فَنَزَلَ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَثانِيَ قالَ: القُرْآنُ كُلُّهُ مَثانِي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ (p-١٢٨٢)أيْضًا في الآيَةِ قالَ: القُرْآنُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ويُرَدُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: كِتابُ اللَّهِ مَثانِي ثُنِّيَ فِيهِ الأمْرُ مِرارًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِجَدَّتِي أسْماءَ كَيْفَ كانَ يَصْنَعُ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قَرَءُوا القُرْآنَ ؟ قالَتْ: كانُوا كَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم، قُلْتُ: فَإنَّ ناسًا هاهُنا إذا سَمِعُوا ذَلِكَ تَأْخُذُهم عَلَيْهِ غَشْيَةٌ، قالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ﴾ قالَ: يُنْطَلَقُ بِهِ إلى النّارِ مَكْتُوفًا ثُمَّ يُرْمى بِهِ فِيها، ما تَمَسُّ وجْهَهُ النّارُ.

الزمر 39:22

(p-١٢٨٠)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الآخِرَةَ ووَصَفَها بِوَصْفٍ يُوجِبُ الرَّغْبَةَ فِيها والشَّوْقَ إلَيْها أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الدُّنْيا ووَصَفَها بِوَصْفٍ يُوجِبُ الرَّغْبَةَ عَنْها والنَّفْرَةَ مِنها، فَذَكَرَ تَمْثِيلًا لَها في سُرْعَةِ زَوالِها وقَرِيبِ اضْمِحْلالِها مَعَ ما في ذَلِكَ مِن ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ وصُنْعِهِ البَدِيعِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: مِنَ السَّحابِ مَطَرًا ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ أيْ: فَأدْخَلَهُ وأسْكَنَهُ فِيها، واليَنابِيعُ جَمْعُ يَنْبُوعٍ مِن نَبَعَ الماءُ يَنْبُعُ، واليَنْبُوعُ عَيْنُ الماءِ والأمْكِنَةُ الَّتِي يَنْبُعُ مِنها الماءُ، والمَعْنى أدْخَلَ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ في الأرْضِ وجَعَلَهُ فِيها عُيُونًا جارِيَةً، أوْ جَعَلَهُ في يَنابِيعَ أيْ: في أمْكِنَةٍ يَنْبُعُ مِنها الماءُ، فَهو عَلى الوَجْهِ الثّانِي مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَجَعَلَهُ عُيُونًا ورَكايا في الأرْضِ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ أيْ: يُخْرِجُ بِذَلِكَ الماءَ مِنَ الأرْضِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِن أصْفَرَ وأخْضَرَ وأبْيَضَ وأحْمَرَ، أوْ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وغَيْرِهِما إذا كانَ المُرادُ بِالألْوانِ الأصْنافُ ثُمَّ يَهِيجُ يُقالُ: هاجَ النَّبْتُ يَهِيجُ هَيْجًا إذا تَمَّ جَفافُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ: هاجَ النَّبْتُ هِياجًا: إذا يَبِسَ، وأرْضٌ هائِجَةٌ يَبِسَ بَقْلُها أوِ اصْفَرَّ، وأهاجَتِ الرِّيحُ النَّبْتَ أيْبَسَتْهُ. قالَ المُبَرِّدُ: قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: هاجَتِ الأرْضُ تَهِيجُ: إذا أدْبَرَ نَبْتُها ووَلّى. قالَ: وكَذَلِكَ هاجَ النَّبْتُ ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ أيْ: تَراهُ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ وحُسْنِ رَوْنَقِهِ مُصْفَرًّا قَدْ ذَهَبَتْ خُضْرَتُهُ ونَضارَتُهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا أيْ: مُتَفَتِّتًا مُنْكَسِرًا، مِن تَحَطَّمَ العُودُ إذا تَفَتَّتَ مِنَ اليُبْسِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ أيْ: فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تَذْكِيرٌ لِأهْلِ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَعَقَّلُونَ الأشْياءَ عَلى حَقِيقَتِها فَيَتَفَكَّرُونَ ويَعْتَبِرُونَ ويَعْلَمُونَ بِأنَّ الحَياةَ الدُّنْيا حالُها كَحالِ هَذا الزَّرْعِ في سُرْعَةِ التَّصَرُّمِ وقُرْبِ التَّقَضِّي، وذَهابِ بَهْجَتِها وزَوالِ رَوْنَقِها ونَضارَتِها، فَإذا أنْتَجَ لَهُمُ التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ العِلْمَ بِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُمُ الِاغْتِرارُ بِها والمَيْلُ إلَيْها وإيثارُها عَلى دارِ النَّعِيمِ الدّائِمِ والحَياةِ المُسْتَمِرَّةِ واللَّذَّةِ الخالِصَةِ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهم شَكٌّ في أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى البَعْثِ والحَشْرِ، لِأنَّ مِن قَدِرَ عَلى هَذا قَدِرَ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْقُرْآنِ ولِصُدُورِ مَن في الأرْضِ. والمَعْنى: أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ قُرْآنًا فَسَلَكَهُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ دِينًا بَعْضُهُ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَزْدادُ إيمانًا ويَقِينًا، وأمّا الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ فَإنَّهُ يَهِيجُ كَما يَهِيجُ الزَّرْعُ، وهَذا بِالتَّغْيِيرِ أشْبَهُ مِنهُ بِالتَّفْسِيرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ، وقَرَأ أبُو بِشْرٍ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ، ذَكَرَ شَرْحَ الصَّدْرِ لِلْإسْلامِ، لِأنَّ الِانْتِفاعَ الكامِلَ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِ فَقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ أيْ: وسَّعَهُ لِقَبُولِ الحَقِّ وفَتَحَهُ لِلِاهْتِداءِ إلى سَبِيلِ الخَيْرِ. قالَ السُّدِّيُّ: وسِعَ صَدْرُهُ لِلْإسْلامِ لِلْفَرَحِ بِهِ والطُّمَأْنِينَةِ إلَيْهِ، والكَلامُ في الهَمْزَةِ والفاءِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] و" مَن " مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلَبُهُ وحَرِجَ صَدْرُهُ، ودَلَّ عَلى هَذا الخَبَرِ المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ والمَعْنى: أفَمَن وسَّعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَقَبِلَهُ واهْتَدى بِهَدْيِهِ فَهو بِسَبَبِ ذَلِكَ الشَّرْحِ ﴿عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ يَفِيضُ عَلَيْهِ كَمَن قَسا قَلْبُهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ، فَصارَ في ظُلُماتِ الضَّلالَةِ وبَلِيّاتِ الجَهالَةِ. قالَ قَتادَةُ: النُّورُ كِتابُ اللَّهِ بِهِ يُؤْخَذُ وإلَيْهِ يُنْتَهى. قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَمَن طَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يَهْتَدِ لِقَسْوَتِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أيْ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ كَما تَقُولُ: أُتْخِمْتُ عَنْ طَعامٍ أكَلْتُهُ ومِن طَعامٍ أكَلْتُهُ، والمَعْنى: أنَّهُ غَلُظَ قَلْبُهُ وجَفا عَنْ قَبُولِ ذِكْرِ اللَّهِ، يُقالُ: قَسا القَلْبُ إذا صَلُبَ، وقَلْبٌ قاسٍ أيْ: صُلْبٌ لا يَرِقُّ ولا يَلِينُ، وقِيلَ: مَعْنى ( مِن ذِكْرِ اللَّهِ ) مِن أجْلِ ذِكْرِهِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ تَنْشَرِحَ لَهُ الصُّدُورُ وتَطْمَئِنُّ بِهِ القُلُوبُ. والمَعْنى: أنَّهُ إذا ذُكِرَ اللَّهُ اشْمَأزُّوا، والأوَّلُ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: " عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ "، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ أيْ: ظاهِرٍ واضِحٍ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ أوْصافِ كِتابِهِ العَزِيزِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ وسَمّاهُ حَدِيثًا لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُحَدِّثُ بِهِ قَوْمَهُ ويُخْبِرُهم بِما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنهُ. وفِيهِ بَيانٌ أنَّ أحْسَنَ القَوْلِ المَذْكُورِ سابِقًا هو القُرْآنُ، وانْتِصابُ ( كِتابًا ) عَلى البَدَلِ مِن ( أحْسَنَ الحَدِيثِ )، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ، ( مُتَشابِهًا ) صِفَةٌ لَ: ( كِتابًا ) أيْ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الحُسْنِ والإحْكامِ وصِحَّةِ المَعانِي وقُوَّةِ المَبانِي وبُلُوغِهِ إلى أعْلى دَرَجاتِ البَلاغَةِ، وقالَ قَتادَةُ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الآيِ والحُرُوفِ، وقِيلَ: يُشْبِهُ كُتُبَ اللَّهِ المُنَزَّلَةَ عَلى أنْبِيائِهِ، ومَثانِيَ صِفَةٌ أُخْرى لِ: ( كِتابًا ) أيْ: تُثَنّى فِيهِ القِصَصُ وتَتَكَرَّرُ فِيهِ المَواعِظُ والأحْكامُ. وقِيلَ: يُثَنّى مِنَ التِّلاوَةِ فَلا يَمَلُّ سامِعُهُ ولا يَسْأمُ قارِئُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَثانِيَ بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ هِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وبِشْرٌ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا واسْتِثْقالًا لِتَحْرِيكِها، أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو مَثانِي، وقالَ الرّازِيُّ في تَبْيِينِ مَثانِي أنَّ أكْثَرَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ مُتَكَرِّرَةٌ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ مِثْلُ الأمْرِ والنَّهْيِ، والعامِّ والخاصِّ، والمُجْمَلِ والمُفَصَّلِ، وأحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ، والجَنَّةِ والنّارِ، والنُّورِ والظُّلْمَةِ، واللَّوْحِ والقَلَمِ، والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ، والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، والوَعْدِ والوَعِيدِ، والرَّجاءِ والخَوْفِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ البَيانِ بِأنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ زَوْجٌ، وأنَّ الفَرْدَ الأحَدَ الحَقَّ هو اللَّهُ، ولا يَخْفى ما في كَلامِهِ (p-١٢٨١)هَذا مِنَ التَّكَلُّفِ والبُعْدِ عَنْ مَقْصُودِ التَّنْزِيلِ ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِكِتابًا، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما يَحْصُلُ عِنْدَ سَماعِهِ مِنَ التَّأثُّرِ لِسامِعِيهِ، والِاقْشِعْرارُ التَّقَبُّضُ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ: إذا تَقَبَّضَ وتَجَمَّعَ مِنَ الخَوْفِ والمَعْنى: أنَّها تَأْخُذُهم مِنهُ قُشَعْرِيرَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: إذا ذُكِرَتْ آياتُ العَذابِ اقْشَعَرَّتْ جُلُودُ الخائِفِينَ لِلَّهِ ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهُمْ﴾ إذا ذُكِرَتْ آياتُ الرَّحْمَةِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَبِتُّ أُكابِدُ لَيْلَ التَّمامِ والقَلْبُ مِن خَشْيَةٍ مُقْشَعِرُّ وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ في غايَةِ الجَزالَةِ والبَلاغَةِ، فَكانُوا إذا رَأوْا عَجْزَهم عَنْ مُعارَضَتِهِ اقْشَعَرَّتِ الجُلُودُ مِنهُ إعْظامًا لَهُ وتَعَجُّبًا مِن حُسْنِهِ وبَلاغَتِهِ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ عُدِّيَ تَلِينُ بِإلى لِتَضْمِينِهِ فِعْلًا يَتَعَدّى بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: سَكَنَتْ واطْمَأنَّتْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ، ومَفْعُولُ ذِكْرِ اللَّهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: إلى ذِكْرِ اللَّهِ رَحْمَتَهُ وثَوابَهُ وجَنَّتَهُ، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. قالَ قَتادَةُ: هَذا نَعْتُ أوْلِياءِ اللَّهِ نَعَتَهم بِأنَّها تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، ولَمْ يَنْعَتْهم بِذَهابِ عُقُولِهِمْ والغَشَيانِ عَلَيْهِمْ إنَّما ذَلِكَ في أهْلِ البِدَعِ وهو مِنَ الشَّيْطانِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وهُدى اللَّهِ خَبَرُهُ أيْ: ذَلِكَ الكِتابُ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ أنْ يَهْدِيَهُ مِن عِبادِهِ، وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما وهَبَهُ اللَّهُ لِهَؤُلاءِ مِن خَشْيَةِ عَذابِهِ ورَجاءِ ثَوابِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ أيْ: يَجْعَلْ قَلْبَهُ قاسِيًا مُظْلِمًا غَيْرَ قابِلٍ لِلْحَقِّ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يَهْدِيهِ الحَقَّ ويُخَلِّصُهُ مِنَ الضَّلالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ مِن هادٍ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالياءِ. ثُمَّ لَمّا حَكَمَ عَلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم بِحُكْمٍ في الدُّنْيا وهو الضَّلالُ، حَكَمَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِحُكْمٍ آخَرَ وهو العَذابُ فَقالَ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ وفي هَذِهِ الفاءِ الدّاخِلَةِ عَلى مَن في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] ومَن مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: أفَمَن شَأْنُهُ أنْ يَقِيَ نَفْسَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ أعْضائِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ لِكَوْنِ يَدِهِ قَدْ صارَتْ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِهِ كَمَن هو آمِنٌ لا يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا يَحْتاجُ إلى الِاتِّقاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ كَمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ. قالَ عَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ: يُرْمى بِهِ مَكْتُوفًا في النّارِ، فَأوَّلُ شَيْءٍ تَمَسُّ مِنهُ وجْهَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ في النّارِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ أفْضَلُ أمْ مَن سَعِدَ ؟ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠] ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا تَقُولُهُ الخَزَنَةُ لِلْكُفّارِ فَقالَ: ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى يَتَّقِي أيْ: ويُقالُ لَهم، وجاءَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ. قالَ عَطاءٌ أيْ: جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الذَّوْقِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ حالِ مَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى: أنَّهم كَذَّبُوا رُسُلَهم ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن جِهَةٍ لا يَحْتَسِبُونَ إتْيانَ العَذابِ مِنها، وذَلِكَ عِنْدَ أمْنِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ لَهم بِتَكْذِيبِهِمْ. ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ﴾ أيِ: الذُّلَّ والهَوانَ في الحَياةِ الدُّنْيا بِالمَسْخِ والخَسْفِ والقَتْلِ والأسْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ لِكَوْنِهِ في غايَةِ الشِّدَّةِ مَعَ دَوامِهِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أيْ: لَوْ كانُوا مِمَّنْ يَعْلَمُ الأشْياءَ ويَتَفَكَّرُ فِيها ويَعْمَلُ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: لِكُلِّ ما نالَ الجارِحَةَ مِن شَيْءٍ قَدْ ذاقَتْهُ أيْ: وصَلَ إلَيْها كَما تَصِلُ الحَلاوَةُ والمَرارَةُ إلى الذّائِقِ لَهُما. قالَ: والخِزْيُ: المَكْرُوهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ الآيَةَ قالَ: ما في الأرْضِ ماءٌ إلّا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، ولَكِنَّ عُرُوقًا في الأرْضِ تُغَيِّرُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ فَمَن سَرَّهُ أنْ يَعُودَ المِلْحُ عَذْبًا فَلْيُصْعِدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «تَلا النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَذِهِ الآيَةَ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ قُلْنا يا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ انْشِراحُ صَدْرِهِ ؟ قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ قُلْنا: فَما عَلامَةُ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا قالَ: «يا نَبِيَّ اللَّهِ أيُّ المُؤْمِنِينَ أكْيَسُ ؟ قالَ: أكْثَرُهم ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وأحْسَنُهم لَهُ اسْتِعْدادًا، وإذا دَخَلَ النُّورُ في القَلْبِ انْفَسَحَ واسْتَوْسَعَ، فَقالُوا: ما آيَةُ ذَلِكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» . وأخْرَجَهُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المِسْوَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِنَحْوِهِ، وزادَ فِيهِ " ثُمَّ قَرَأ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ " . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ شاهِينَ في التَّرْغِيبِ في الذِّكْرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تُكْثِرُوا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وإنَّ أبْعَدَ النّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلْبُ القاسِي» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ حَدَّثْتَنا، فَنَزَلَ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَثانِيَ قالَ: القُرْآنُ كُلُّهُ مَثانِي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ (p-١٢٨٢)أيْضًا في الآيَةِ قالَ: القُرْآنُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ويُرَدُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: كِتابُ اللَّهِ مَثانِي ثُنِّيَ فِيهِ الأمْرُ مِرارًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِجَدَّتِي أسْماءَ كَيْفَ كانَ يَصْنَعُ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قَرَءُوا القُرْآنَ ؟ قالَتْ: كانُوا كَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم، قُلْتُ: فَإنَّ ناسًا هاهُنا إذا سَمِعُوا ذَلِكَ تَأْخُذُهم عَلَيْهِ غَشْيَةٌ، قالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ﴾ قالَ: يُنْطَلَقُ بِهِ إلى النّارِ مَكْتُوفًا ثُمَّ يُرْمى بِهِ فِيها، ما تَمَسُّ وجْهَهُ النّارُ.

الزمر 39:23

(p-١٢٨٠)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الآخِرَةَ ووَصَفَها بِوَصْفٍ يُوجِبُ الرَّغْبَةَ فِيها والشَّوْقَ إلَيْها أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الدُّنْيا ووَصَفَها بِوَصْفٍ يُوجِبُ الرَّغْبَةَ عَنْها والنَّفْرَةَ مِنها، فَذَكَرَ تَمْثِيلًا لَها في سُرْعَةِ زَوالِها وقَرِيبِ اضْمِحْلالِها مَعَ ما في ذَلِكَ مِن ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ وصُنْعِهِ البَدِيعِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: مِنَ السَّحابِ مَطَرًا ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ أيْ: فَأدْخَلَهُ وأسْكَنَهُ فِيها، واليَنابِيعُ جَمْعُ يَنْبُوعٍ مِن نَبَعَ الماءُ يَنْبُعُ، واليَنْبُوعُ عَيْنُ الماءِ والأمْكِنَةُ الَّتِي يَنْبُعُ مِنها الماءُ، والمَعْنى أدْخَلَ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ في الأرْضِ وجَعَلَهُ فِيها عُيُونًا جارِيَةً، أوْ جَعَلَهُ في يَنابِيعَ أيْ: في أمْكِنَةٍ يَنْبُعُ مِنها الماءُ، فَهو عَلى الوَجْهِ الثّانِي مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَجَعَلَهُ عُيُونًا ورَكايا في الأرْضِ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ أيْ: يُخْرِجُ بِذَلِكَ الماءَ مِنَ الأرْضِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِن أصْفَرَ وأخْضَرَ وأبْيَضَ وأحْمَرَ، أوْ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وغَيْرِهِما إذا كانَ المُرادُ بِالألْوانِ الأصْنافُ ثُمَّ يَهِيجُ يُقالُ: هاجَ النَّبْتُ يَهِيجُ هَيْجًا إذا تَمَّ جَفافُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ: هاجَ النَّبْتُ هِياجًا: إذا يَبِسَ، وأرْضٌ هائِجَةٌ يَبِسَ بَقْلُها أوِ اصْفَرَّ، وأهاجَتِ الرِّيحُ النَّبْتَ أيْبَسَتْهُ. قالَ المُبَرِّدُ: قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: هاجَتِ الأرْضُ تَهِيجُ: إذا أدْبَرَ نَبْتُها ووَلّى. قالَ: وكَذَلِكَ هاجَ النَّبْتُ ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ أيْ: تَراهُ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ وحُسْنِ رَوْنَقِهِ مُصْفَرًّا قَدْ ذَهَبَتْ خُضْرَتُهُ ونَضارَتُهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا أيْ: مُتَفَتِّتًا مُنْكَسِرًا، مِن تَحَطَّمَ العُودُ إذا تَفَتَّتَ مِنَ اليُبْسِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ أيْ: فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تَذْكِيرٌ لِأهْلِ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَعَقَّلُونَ الأشْياءَ عَلى حَقِيقَتِها فَيَتَفَكَّرُونَ ويَعْتَبِرُونَ ويَعْلَمُونَ بِأنَّ الحَياةَ الدُّنْيا حالُها كَحالِ هَذا الزَّرْعِ في سُرْعَةِ التَّصَرُّمِ وقُرْبِ التَّقَضِّي، وذَهابِ بَهْجَتِها وزَوالِ رَوْنَقِها ونَضارَتِها، فَإذا أنْتَجَ لَهُمُ التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ العِلْمَ بِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُمُ الِاغْتِرارُ بِها والمَيْلُ إلَيْها وإيثارُها عَلى دارِ النَّعِيمِ الدّائِمِ والحَياةِ المُسْتَمِرَّةِ واللَّذَّةِ الخالِصَةِ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهم شَكٌّ في أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى البَعْثِ والحَشْرِ، لِأنَّ مِن قَدِرَ عَلى هَذا قَدِرَ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْقُرْآنِ ولِصُدُورِ مَن في الأرْضِ. والمَعْنى: أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ قُرْآنًا فَسَلَكَهُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ دِينًا بَعْضُهُ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَزْدادُ إيمانًا ويَقِينًا، وأمّا الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ فَإنَّهُ يَهِيجُ كَما يَهِيجُ الزَّرْعُ، وهَذا بِالتَّغْيِيرِ أشْبَهُ مِنهُ بِالتَّفْسِيرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ، وقَرَأ أبُو بِشْرٍ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ، ذَكَرَ شَرْحَ الصَّدْرِ لِلْإسْلامِ، لِأنَّ الِانْتِفاعَ الكامِلَ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِ فَقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ أيْ: وسَّعَهُ لِقَبُولِ الحَقِّ وفَتَحَهُ لِلِاهْتِداءِ إلى سَبِيلِ الخَيْرِ. قالَ السُّدِّيُّ: وسِعَ صَدْرُهُ لِلْإسْلامِ لِلْفَرَحِ بِهِ والطُّمَأْنِينَةِ إلَيْهِ، والكَلامُ في الهَمْزَةِ والفاءِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] و" مَن " مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلَبُهُ وحَرِجَ صَدْرُهُ، ودَلَّ عَلى هَذا الخَبَرِ المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ والمَعْنى: أفَمَن وسَّعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَقَبِلَهُ واهْتَدى بِهَدْيِهِ فَهو بِسَبَبِ ذَلِكَ الشَّرْحِ ﴿عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ يَفِيضُ عَلَيْهِ كَمَن قَسا قَلْبُهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ، فَصارَ في ظُلُماتِ الضَّلالَةِ وبَلِيّاتِ الجَهالَةِ. قالَ قَتادَةُ: النُّورُ كِتابُ اللَّهِ بِهِ يُؤْخَذُ وإلَيْهِ يُنْتَهى. قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَمَن طَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يَهْتَدِ لِقَسْوَتِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أيْ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ كَما تَقُولُ: أُتْخِمْتُ عَنْ طَعامٍ أكَلْتُهُ ومِن طَعامٍ أكَلْتُهُ، والمَعْنى: أنَّهُ غَلُظَ قَلْبُهُ وجَفا عَنْ قَبُولِ ذِكْرِ اللَّهِ، يُقالُ: قَسا القَلْبُ إذا صَلُبَ، وقَلْبٌ قاسٍ أيْ: صُلْبٌ لا يَرِقُّ ولا يَلِينُ، وقِيلَ: مَعْنى ( مِن ذِكْرِ اللَّهِ ) مِن أجْلِ ذِكْرِهِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ تَنْشَرِحَ لَهُ الصُّدُورُ وتَطْمَئِنُّ بِهِ القُلُوبُ. والمَعْنى: أنَّهُ إذا ذُكِرَ اللَّهُ اشْمَأزُّوا، والأوَّلُ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: " عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ "، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ أيْ: ظاهِرٍ واضِحٍ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ أوْصافِ كِتابِهِ العَزِيزِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ وسَمّاهُ حَدِيثًا لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُحَدِّثُ بِهِ قَوْمَهُ ويُخْبِرُهم بِما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنهُ. وفِيهِ بَيانٌ أنَّ أحْسَنَ القَوْلِ المَذْكُورِ سابِقًا هو القُرْآنُ، وانْتِصابُ ( كِتابًا ) عَلى البَدَلِ مِن ( أحْسَنَ الحَدِيثِ )، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ، ( مُتَشابِهًا ) صِفَةٌ لَ: ( كِتابًا ) أيْ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الحُسْنِ والإحْكامِ وصِحَّةِ المَعانِي وقُوَّةِ المَبانِي وبُلُوغِهِ إلى أعْلى دَرَجاتِ البَلاغَةِ، وقالَ قَتادَةُ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الآيِ والحُرُوفِ، وقِيلَ: يُشْبِهُ كُتُبَ اللَّهِ المُنَزَّلَةَ عَلى أنْبِيائِهِ، ومَثانِيَ صِفَةٌ أُخْرى لِ: ( كِتابًا ) أيْ: تُثَنّى فِيهِ القِصَصُ وتَتَكَرَّرُ فِيهِ المَواعِظُ والأحْكامُ. وقِيلَ: يُثَنّى مِنَ التِّلاوَةِ فَلا يَمَلُّ سامِعُهُ ولا يَسْأمُ قارِئُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَثانِيَ بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ هِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وبِشْرٌ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا واسْتِثْقالًا لِتَحْرِيكِها، أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو مَثانِي، وقالَ الرّازِيُّ في تَبْيِينِ مَثانِي أنَّ أكْثَرَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ مُتَكَرِّرَةٌ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ مِثْلُ الأمْرِ والنَّهْيِ، والعامِّ والخاصِّ، والمُجْمَلِ والمُفَصَّلِ، وأحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ، والجَنَّةِ والنّارِ، والنُّورِ والظُّلْمَةِ، واللَّوْحِ والقَلَمِ، والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ، والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، والوَعْدِ والوَعِيدِ، والرَّجاءِ والخَوْفِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ البَيانِ بِأنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ زَوْجٌ، وأنَّ الفَرْدَ الأحَدَ الحَقَّ هو اللَّهُ، ولا يَخْفى ما في كَلامِهِ (p-١٢٨١)هَذا مِنَ التَّكَلُّفِ والبُعْدِ عَنْ مَقْصُودِ التَّنْزِيلِ ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِكِتابًا، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما يَحْصُلُ عِنْدَ سَماعِهِ مِنَ التَّأثُّرِ لِسامِعِيهِ، والِاقْشِعْرارُ التَّقَبُّضُ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ: إذا تَقَبَّضَ وتَجَمَّعَ مِنَ الخَوْفِ والمَعْنى: أنَّها تَأْخُذُهم مِنهُ قُشَعْرِيرَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: إذا ذُكِرَتْ آياتُ العَذابِ اقْشَعَرَّتْ جُلُودُ الخائِفِينَ لِلَّهِ ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهُمْ﴾ إذا ذُكِرَتْ آياتُ الرَّحْمَةِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَبِتُّ أُكابِدُ لَيْلَ التَّمامِ والقَلْبُ مِن خَشْيَةٍ مُقْشَعِرُّ وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ في غايَةِ الجَزالَةِ والبَلاغَةِ، فَكانُوا إذا رَأوْا عَجْزَهم عَنْ مُعارَضَتِهِ اقْشَعَرَّتِ الجُلُودُ مِنهُ إعْظامًا لَهُ وتَعَجُّبًا مِن حُسْنِهِ وبَلاغَتِهِ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ عُدِّيَ تَلِينُ بِإلى لِتَضْمِينِهِ فِعْلًا يَتَعَدّى بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: سَكَنَتْ واطْمَأنَّتْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ، ومَفْعُولُ ذِكْرِ اللَّهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: إلى ذِكْرِ اللَّهِ رَحْمَتَهُ وثَوابَهُ وجَنَّتَهُ، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. قالَ قَتادَةُ: هَذا نَعْتُ أوْلِياءِ اللَّهِ نَعَتَهم بِأنَّها تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، ولَمْ يَنْعَتْهم بِذَهابِ عُقُولِهِمْ والغَشَيانِ عَلَيْهِمْ إنَّما ذَلِكَ في أهْلِ البِدَعِ وهو مِنَ الشَّيْطانِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وهُدى اللَّهِ خَبَرُهُ أيْ: ذَلِكَ الكِتابُ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ أنْ يَهْدِيَهُ مِن عِبادِهِ، وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما وهَبَهُ اللَّهُ لِهَؤُلاءِ مِن خَشْيَةِ عَذابِهِ ورَجاءِ ثَوابِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ أيْ: يَجْعَلْ قَلْبَهُ قاسِيًا مُظْلِمًا غَيْرَ قابِلٍ لِلْحَقِّ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يَهْدِيهِ الحَقَّ ويُخَلِّصُهُ مِنَ الضَّلالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ مِن هادٍ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالياءِ. ثُمَّ لَمّا حَكَمَ عَلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم بِحُكْمٍ في الدُّنْيا وهو الضَّلالُ، حَكَمَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِحُكْمٍ آخَرَ وهو العَذابُ فَقالَ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ وفي هَذِهِ الفاءِ الدّاخِلَةِ عَلى مَن في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] ومَن مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: أفَمَن شَأْنُهُ أنْ يَقِيَ نَفْسَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ أعْضائِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ لِكَوْنِ يَدِهِ قَدْ صارَتْ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِهِ كَمَن هو آمِنٌ لا يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا يَحْتاجُ إلى الِاتِّقاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ كَمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ. قالَ عَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ: يُرْمى بِهِ مَكْتُوفًا في النّارِ، فَأوَّلُ شَيْءٍ تَمَسُّ مِنهُ وجْهَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ في النّارِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ أفْضَلُ أمْ مَن سَعِدَ ؟ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠] ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا تَقُولُهُ الخَزَنَةُ لِلْكُفّارِ فَقالَ: ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى يَتَّقِي أيْ: ويُقالُ لَهم، وجاءَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ. قالَ عَطاءٌ أيْ: جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الذَّوْقِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ حالِ مَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى: أنَّهم كَذَّبُوا رُسُلَهم ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن جِهَةٍ لا يَحْتَسِبُونَ إتْيانَ العَذابِ مِنها، وذَلِكَ عِنْدَ أمْنِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ لَهم بِتَكْذِيبِهِمْ. ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ﴾ أيِ: الذُّلَّ والهَوانَ في الحَياةِ الدُّنْيا بِالمَسْخِ والخَسْفِ والقَتْلِ والأسْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ لِكَوْنِهِ في غايَةِ الشِّدَّةِ مَعَ دَوامِهِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أيْ: لَوْ كانُوا مِمَّنْ يَعْلَمُ الأشْياءَ ويَتَفَكَّرُ فِيها ويَعْمَلُ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: لِكُلِّ ما نالَ الجارِحَةَ مِن شَيْءٍ قَدْ ذاقَتْهُ أيْ: وصَلَ إلَيْها كَما تَصِلُ الحَلاوَةُ والمَرارَةُ إلى الذّائِقِ لَهُما. قالَ: والخِزْيُ: المَكْرُوهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ الآيَةَ قالَ: ما في الأرْضِ ماءٌ إلّا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، ولَكِنَّ عُرُوقًا في الأرْضِ تُغَيِّرُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ فَمَن سَرَّهُ أنْ يَعُودَ المِلْحُ عَذْبًا فَلْيُصْعِدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «تَلا النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَذِهِ الآيَةَ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ قُلْنا يا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ انْشِراحُ صَدْرِهِ ؟ قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ قُلْنا: فَما عَلامَةُ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا قالَ: «يا نَبِيَّ اللَّهِ أيُّ المُؤْمِنِينَ أكْيَسُ ؟ قالَ: أكْثَرُهم ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وأحْسَنُهم لَهُ اسْتِعْدادًا، وإذا دَخَلَ النُّورُ في القَلْبِ انْفَسَحَ واسْتَوْسَعَ، فَقالُوا: ما آيَةُ ذَلِكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» . وأخْرَجَهُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المِسْوَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِنَحْوِهِ، وزادَ فِيهِ " ثُمَّ قَرَأ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ " . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ شاهِينَ في التَّرْغِيبِ في الذِّكْرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تُكْثِرُوا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وإنَّ أبْعَدَ النّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلْبُ القاسِي» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ حَدَّثْتَنا، فَنَزَلَ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَثانِيَ قالَ: القُرْآنُ كُلُّهُ مَثانِي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ (p-١٢٨٢)أيْضًا في الآيَةِ قالَ: القُرْآنُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ويُرَدُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: كِتابُ اللَّهِ مَثانِي ثُنِّيَ فِيهِ الأمْرُ مِرارًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِجَدَّتِي أسْماءَ كَيْفَ كانَ يَصْنَعُ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قَرَءُوا القُرْآنَ ؟ قالَتْ: كانُوا كَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم، قُلْتُ: فَإنَّ ناسًا هاهُنا إذا سَمِعُوا ذَلِكَ تَأْخُذُهم عَلَيْهِ غَشْيَةٌ، قالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ﴾ قالَ: يُنْطَلَقُ بِهِ إلى النّارِ مَكْتُوفًا ثُمَّ يُرْمى بِهِ فِيها، ما تَمَسُّ وجْهَهُ النّارُ.

الزمر 39:24

(p-١٢٨٠)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الآخِرَةَ ووَصَفَها بِوَصْفٍ يُوجِبُ الرَّغْبَةَ فِيها والشَّوْقَ إلَيْها أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الدُّنْيا ووَصَفَها بِوَصْفٍ يُوجِبُ الرَّغْبَةَ عَنْها والنَّفْرَةَ مِنها، فَذَكَرَ تَمْثِيلًا لَها في سُرْعَةِ زَوالِها وقَرِيبِ اضْمِحْلالِها مَعَ ما في ذَلِكَ مِن ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ وصُنْعِهِ البَدِيعِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: مِنَ السَّحابِ مَطَرًا ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ أيْ: فَأدْخَلَهُ وأسْكَنَهُ فِيها، واليَنابِيعُ جَمْعُ يَنْبُوعٍ مِن نَبَعَ الماءُ يَنْبُعُ، واليَنْبُوعُ عَيْنُ الماءِ والأمْكِنَةُ الَّتِي يَنْبُعُ مِنها الماءُ، والمَعْنى أدْخَلَ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ في الأرْضِ وجَعَلَهُ فِيها عُيُونًا جارِيَةً، أوْ جَعَلَهُ في يَنابِيعَ أيْ: في أمْكِنَةٍ يَنْبُعُ مِنها الماءُ، فَهو عَلى الوَجْهِ الثّانِي مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَجَعَلَهُ عُيُونًا ورَكايا في الأرْضِ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ أيْ: يُخْرِجُ بِذَلِكَ الماءَ مِنَ الأرْضِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِن أصْفَرَ وأخْضَرَ وأبْيَضَ وأحْمَرَ، أوْ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وغَيْرِهِما إذا كانَ المُرادُ بِالألْوانِ الأصْنافُ ثُمَّ يَهِيجُ يُقالُ: هاجَ النَّبْتُ يَهِيجُ هَيْجًا إذا تَمَّ جَفافُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ: هاجَ النَّبْتُ هِياجًا: إذا يَبِسَ، وأرْضٌ هائِجَةٌ يَبِسَ بَقْلُها أوِ اصْفَرَّ، وأهاجَتِ الرِّيحُ النَّبْتَ أيْبَسَتْهُ. قالَ المُبَرِّدُ: قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: هاجَتِ الأرْضُ تَهِيجُ: إذا أدْبَرَ نَبْتُها ووَلّى. قالَ: وكَذَلِكَ هاجَ النَّبْتُ ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ أيْ: تَراهُ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ وحُسْنِ رَوْنَقِهِ مُصْفَرًّا قَدْ ذَهَبَتْ خُضْرَتُهُ ونَضارَتُهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا أيْ: مُتَفَتِّتًا مُنْكَسِرًا، مِن تَحَطَّمَ العُودُ إذا تَفَتَّتَ مِنَ اليُبْسِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ أيْ: فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تَذْكِيرٌ لِأهْلِ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَعَقَّلُونَ الأشْياءَ عَلى حَقِيقَتِها فَيَتَفَكَّرُونَ ويَعْتَبِرُونَ ويَعْلَمُونَ بِأنَّ الحَياةَ الدُّنْيا حالُها كَحالِ هَذا الزَّرْعِ في سُرْعَةِ التَّصَرُّمِ وقُرْبِ التَّقَضِّي، وذَهابِ بَهْجَتِها وزَوالِ رَوْنَقِها ونَضارَتِها، فَإذا أنْتَجَ لَهُمُ التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ العِلْمَ بِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُمُ الِاغْتِرارُ بِها والمَيْلُ إلَيْها وإيثارُها عَلى دارِ النَّعِيمِ الدّائِمِ والحَياةِ المُسْتَمِرَّةِ واللَّذَّةِ الخالِصَةِ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهم شَكٌّ في أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى البَعْثِ والحَشْرِ، لِأنَّ مِن قَدِرَ عَلى هَذا قَدِرَ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْقُرْآنِ ولِصُدُورِ مَن في الأرْضِ. والمَعْنى: أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ قُرْآنًا فَسَلَكَهُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ دِينًا بَعْضُهُ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَزْدادُ إيمانًا ويَقِينًا، وأمّا الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ فَإنَّهُ يَهِيجُ كَما يَهِيجُ الزَّرْعُ، وهَذا بِالتَّغْيِيرِ أشْبَهُ مِنهُ بِالتَّفْسِيرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ، وقَرَأ أبُو بِشْرٍ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ، ذَكَرَ شَرْحَ الصَّدْرِ لِلْإسْلامِ، لِأنَّ الِانْتِفاعَ الكامِلَ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِ فَقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ أيْ: وسَّعَهُ لِقَبُولِ الحَقِّ وفَتَحَهُ لِلِاهْتِداءِ إلى سَبِيلِ الخَيْرِ. قالَ السُّدِّيُّ: وسِعَ صَدْرُهُ لِلْإسْلامِ لِلْفَرَحِ بِهِ والطُّمَأْنِينَةِ إلَيْهِ، والكَلامُ في الهَمْزَةِ والفاءِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] و" مَن " مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلَبُهُ وحَرِجَ صَدْرُهُ، ودَلَّ عَلى هَذا الخَبَرِ المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ والمَعْنى: أفَمَن وسَّعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَقَبِلَهُ واهْتَدى بِهَدْيِهِ فَهو بِسَبَبِ ذَلِكَ الشَّرْحِ ﴿عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ يَفِيضُ عَلَيْهِ كَمَن قَسا قَلْبُهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ، فَصارَ في ظُلُماتِ الضَّلالَةِ وبَلِيّاتِ الجَهالَةِ. قالَ قَتادَةُ: النُّورُ كِتابُ اللَّهِ بِهِ يُؤْخَذُ وإلَيْهِ يُنْتَهى. قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَمَن طَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يَهْتَدِ لِقَسْوَتِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أيْ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ كَما تَقُولُ: أُتْخِمْتُ عَنْ طَعامٍ أكَلْتُهُ ومِن طَعامٍ أكَلْتُهُ، والمَعْنى: أنَّهُ غَلُظَ قَلْبُهُ وجَفا عَنْ قَبُولِ ذِكْرِ اللَّهِ، يُقالُ: قَسا القَلْبُ إذا صَلُبَ، وقَلْبٌ قاسٍ أيْ: صُلْبٌ لا يَرِقُّ ولا يَلِينُ، وقِيلَ: مَعْنى ( مِن ذِكْرِ اللَّهِ ) مِن أجْلِ ذِكْرِهِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ تَنْشَرِحَ لَهُ الصُّدُورُ وتَطْمَئِنُّ بِهِ القُلُوبُ. والمَعْنى: أنَّهُ إذا ذُكِرَ اللَّهُ اشْمَأزُّوا، والأوَّلُ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: " عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ "، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ أيْ: ظاهِرٍ واضِحٍ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ أوْصافِ كِتابِهِ العَزِيزِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ وسَمّاهُ حَدِيثًا لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُحَدِّثُ بِهِ قَوْمَهُ ويُخْبِرُهم بِما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنهُ. وفِيهِ بَيانٌ أنَّ أحْسَنَ القَوْلِ المَذْكُورِ سابِقًا هو القُرْآنُ، وانْتِصابُ ( كِتابًا ) عَلى البَدَلِ مِن ( أحْسَنَ الحَدِيثِ )، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ، ( مُتَشابِهًا ) صِفَةٌ لَ: ( كِتابًا ) أيْ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الحُسْنِ والإحْكامِ وصِحَّةِ المَعانِي وقُوَّةِ المَبانِي وبُلُوغِهِ إلى أعْلى دَرَجاتِ البَلاغَةِ، وقالَ قَتادَةُ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الآيِ والحُرُوفِ، وقِيلَ: يُشْبِهُ كُتُبَ اللَّهِ المُنَزَّلَةَ عَلى أنْبِيائِهِ، ومَثانِيَ صِفَةٌ أُخْرى لِ: ( كِتابًا ) أيْ: تُثَنّى فِيهِ القِصَصُ وتَتَكَرَّرُ فِيهِ المَواعِظُ والأحْكامُ. وقِيلَ: يُثَنّى مِنَ التِّلاوَةِ فَلا يَمَلُّ سامِعُهُ ولا يَسْأمُ قارِئُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَثانِيَ بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ هِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وبِشْرٌ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا واسْتِثْقالًا لِتَحْرِيكِها، أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو مَثانِي، وقالَ الرّازِيُّ في تَبْيِينِ مَثانِي أنَّ أكْثَرَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ مُتَكَرِّرَةٌ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ مِثْلُ الأمْرِ والنَّهْيِ، والعامِّ والخاصِّ، والمُجْمَلِ والمُفَصَّلِ، وأحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ، والجَنَّةِ والنّارِ، والنُّورِ والظُّلْمَةِ، واللَّوْحِ والقَلَمِ، والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ، والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، والوَعْدِ والوَعِيدِ، والرَّجاءِ والخَوْفِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ البَيانِ بِأنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ زَوْجٌ، وأنَّ الفَرْدَ الأحَدَ الحَقَّ هو اللَّهُ، ولا يَخْفى ما في كَلامِهِ (p-١٢٨١)هَذا مِنَ التَّكَلُّفِ والبُعْدِ عَنْ مَقْصُودِ التَّنْزِيلِ ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِكِتابًا، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما يَحْصُلُ عِنْدَ سَماعِهِ مِنَ التَّأثُّرِ لِسامِعِيهِ، والِاقْشِعْرارُ التَّقَبُّضُ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ: إذا تَقَبَّضَ وتَجَمَّعَ مِنَ الخَوْفِ والمَعْنى: أنَّها تَأْخُذُهم مِنهُ قُشَعْرِيرَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: إذا ذُكِرَتْ آياتُ العَذابِ اقْشَعَرَّتْ جُلُودُ الخائِفِينَ لِلَّهِ ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهُمْ﴾ إذا ذُكِرَتْ آياتُ الرَّحْمَةِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَبِتُّ أُكابِدُ لَيْلَ التَّمامِ والقَلْبُ مِن خَشْيَةٍ مُقْشَعِرُّ وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ في غايَةِ الجَزالَةِ والبَلاغَةِ، فَكانُوا إذا رَأوْا عَجْزَهم عَنْ مُعارَضَتِهِ اقْشَعَرَّتِ الجُلُودُ مِنهُ إعْظامًا لَهُ وتَعَجُّبًا مِن حُسْنِهِ وبَلاغَتِهِ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ عُدِّيَ تَلِينُ بِإلى لِتَضْمِينِهِ فِعْلًا يَتَعَدّى بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: سَكَنَتْ واطْمَأنَّتْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ، ومَفْعُولُ ذِكْرِ اللَّهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: إلى ذِكْرِ اللَّهِ رَحْمَتَهُ وثَوابَهُ وجَنَّتَهُ، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. قالَ قَتادَةُ: هَذا نَعْتُ أوْلِياءِ اللَّهِ نَعَتَهم بِأنَّها تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، ولَمْ يَنْعَتْهم بِذَهابِ عُقُولِهِمْ والغَشَيانِ عَلَيْهِمْ إنَّما ذَلِكَ في أهْلِ البِدَعِ وهو مِنَ الشَّيْطانِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وهُدى اللَّهِ خَبَرُهُ أيْ: ذَلِكَ الكِتابُ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ أنْ يَهْدِيَهُ مِن عِبادِهِ، وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما وهَبَهُ اللَّهُ لِهَؤُلاءِ مِن خَشْيَةِ عَذابِهِ ورَجاءِ ثَوابِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ أيْ: يَجْعَلْ قَلْبَهُ قاسِيًا مُظْلِمًا غَيْرَ قابِلٍ لِلْحَقِّ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يَهْدِيهِ الحَقَّ ويُخَلِّصُهُ مِنَ الضَّلالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ مِن هادٍ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالياءِ. ثُمَّ لَمّا حَكَمَ عَلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم بِحُكْمٍ في الدُّنْيا وهو الضَّلالُ، حَكَمَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِحُكْمٍ آخَرَ وهو العَذابُ فَقالَ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ وفي هَذِهِ الفاءِ الدّاخِلَةِ عَلى مَن في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] ومَن مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: أفَمَن شَأْنُهُ أنْ يَقِيَ نَفْسَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ أعْضائِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ لِكَوْنِ يَدِهِ قَدْ صارَتْ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِهِ كَمَن هو آمِنٌ لا يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا يَحْتاجُ إلى الِاتِّقاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ كَمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ. قالَ عَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ: يُرْمى بِهِ مَكْتُوفًا في النّارِ، فَأوَّلُ شَيْءٍ تَمَسُّ مِنهُ وجْهَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ في النّارِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ أفْضَلُ أمْ مَن سَعِدَ ؟ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠] ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا تَقُولُهُ الخَزَنَةُ لِلْكُفّارِ فَقالَ: ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى يَتَّقِي أيْ: ويُقالُ لَهم، وجاءَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ. قالَ عَطاءٌ أيْ: جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الذَّوْقِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ حالِ مَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى: أنَّهم كَذَّبُوا رُسُلَهم ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن جِهَةٍ لا يَحْتَسِبُونَ إتْيانَ العَذابِ مِنها، وذَلِكَ عِنْدَ أمْنِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ لَهم بِتَكْذِيبِهِمْ. ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ﴾ أيِ: الذُّلَّ والهَوانَ في الحَياةِ الدُّنْيا بِالمَسْخِ والخَسْفِ والقَتْلِ والأسْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ لِكَوْنِهِ في غايَةِ الشِّدَّةِ مَعَ دَوامِهِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أيْ: لَوْ كانُوا مِمَّنْ يَعْلَمُ الأشْياءَ ويَتَفَكَّرُ فِيها ويَعْمَلُ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: لِكُلِّ ما نالَ الجارِحَةَ مِن شَيْءٍ قَدْ ذاقَتْهُ أيْ: وصَلَ إلَيْها كَما تَصِلُ الحَلاوَةُ والمَرارَةُ إلى الذّائِقِ لَهُما. قالَ: والخِزْيُ: المَكْرُوهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ الآيَةَ قالَ: ما في الأرْضِ ماءٌ إلّا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، ولَكِنَّ عُرُوقًا في الأرْضِ تُغَيِّرُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ فَمَن سَرَّهُ أنْ يَعُودَ المِلْحُ عَذْبًا فَلْيُصْعِدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «تَلا النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَذِهِ الآيَةَ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ قُلْنا يا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ انْشِراحُ صَدْرِهِ ؟ قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ قُلْنا: فَما عَلامَةُ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا قالَ: «يا نَبِيَّ اللَّهِ أيُّ المُؤْمِنِينَ أكْيَسُ ؟ قالَ: أكْثَرُهم ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وأحْسَنُهم لَهُ اسْتِعْدادًا، وإذا دَخَلَ النُّورُ في القَلْبِ انْفَسَحَ واسْتَوْسَعَ، فَقالُوا: ما آيَةُ ذَلِكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» . وأخْرَجَهُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المِسْوَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِنَحْوِهِ، وزادَ فِيهِ " ثُمَّ قَرَأ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ " . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ شاهِينَ في التَّرْغِيبِ في الذِّكْرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تُكْثِرُوا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وإنَّ أبْعَدَ النّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلْبُ القاسِي» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ حَدَّثْتَنا، فَنَزَلَ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَثانِيَ قالَ: القُرْآنُ كُلُّهُ مَثانِي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ (p-١٢٨٢)أيْضًا في الآيَةِ قالَ: القُرْآنُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ويُرَدُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: كِتابُ اللَّهِ مَثانِي ثُنِّيَ فِيهِ الأمْرُ مِرارًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِجَدَّتِي أسْماءَ كَيْفَ كانَ يَصْنَعُ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قَرَءُوا القُرْآنَ ؟ قالَتْ: كانُوا كَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم، قُلْتُ: فَإنَّ ناسًا هاهُنا إذا سَمِعُوا ذَلِكَ تَأْخُذُهم عَلَيْهِ غَشْيَةٌ، قالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ﴾ قالَ: يُنْطَلَقُ بِهِ إلى النّارِ مَكْتُوفًا ثُمَّ يُرْمى بِهِ فِيها، ما تَمَسُّ وجْهَهُ النّارُ.

الزمر 39:25

(p-١٢٨٠)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الآخِرَةَ ووَصَفَها بِوَصْفٍ يُوجِبُ الرَّغْبَةَ فِيها والشَّوْقَ إلَيْها أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الدُّنْيا ووَصَفَها بِوَصْفٍ يُوجِبُ الرَّغْبَةَ عَنْها والنَّفْرَةَ مِنها، فَذَكَرَ تَمْثِيلًا لَها في سُرْعَةِ زَوالِها وقَرِيبِ اضْمِحْلالِها مَعَ ما في ذَلِكَ مِن ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ وصُنْعِهِ البَدِيعِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: مِنَ السَّحابِ مَطَرًا ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ أيْ: فَأدْخَلَهُ وأسْكَنَهُ فِيها، واليَنابِيعُ جَمْعُ يَنْبُوعٍ مِن نَبَعَ الماءُ يَنْبُعُ، واليَنْبُوعُ عَيْنُ الماءِ والأمْكِنَةُ الَّتِي يَنْبُعُ مِنها الماءُ، والمَعْنى أدْخَلَ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ في الأرْضِ وجَعَلَهُ فِيها عُيُونًا جارِيَةً، أوْ جَعَلَهُ في يَنابِيعَ أيْ: في أمْكِنَةٍ يَنْبُعُ مِنها الماءُ، فَهو عَلى الوَجْهِ الثّانِي مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَجَعَلَهُ عُيُونًا ورَكايا في الأرْضِ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ أيْ: يُخْرِجُ بِذَلِكَ الماءَ مِنَ الأرْضِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِن أصْفَرَ وأخْضَرَ وأبْيَضَ وأحْمَرَ، أوْ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وغَيْرِهِما إذا كانَ المُرادُ بِالألْوانِ الأصْنافُ ثُمَّ يَهِيجُ يُقالُ: هاجَ النَّبْتُ يَهِيجُ هَيْجًا إذا تَمَّ جَفافُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ: هاجَ النَّبْتُ هِياجًا: إذا يَبِسَ، وأرْضٌ هائِجَةٌ يَبِسَ بَقْلُها أوِ اصْفَرَّ، وأهاجَتِ الرِّيحُ النَّبْتَ أيْبَسَتْهُ. قالَ المُبَرِّدُ: قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: هاجَتِ الأرْضُ تَهِيجُ: إذا أدْبَرَ نَبْتُها ووَلّى. قالَ: وكَذَلِكَ هاجَ النَّبْتُ ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ أيْ: تَراهُ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ وحُسْنِ رَوْنَقِهِ مُصْفَرًّا قَدْ ذَهَبَتْ خُضْرَتُهُ ونَضارَتُهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا أيْ: مُتَفَتِّتًا مُنْكَسِرًا، مِن تَحَطَّمَ العُودُ إذا تَفَتَّتَ مِنَ اليُبْسِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ أيْ: فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تَذْكِيرٌ لِأهْلِ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَعَقَّلُونَ الأشْياءَ عَلى حَقِيقَتِها فَيَتَفَكَّرُونَ ويَعْتَبِرُونَ ويَعْلَمُونَ بِأنَّ الحَياةَ الدُّنْيا حالُها كَحالِ هَذا الزَّرْعِ في سُرْعَةِ التَّصَرُّمِ وقُرْبِ التَّقَضِّي، وذَهابِ بَهْجَتِها وزَوالِ رَوْنَقِها ونَضارَتِها، فَإذا أنْتَجَ لَهُمُ التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ العِلْمَ بِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُمُ الِاغْتِرارُ بِها والمَيْلُ إلَيْها وإيثارُها عَلى دارِ النَّعِيمِ الدّائِمِ والحَياةِ المُسْتَمِرَّةِ واللَّذَّةِ الخالِصَةِ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهم شَكٌّ في أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى البَعْثِ والحَشْرِ، لِأنَّ مِن قَدِرَ عَلى هَذا قَدِرَ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْقُرْآنِ ولِصُدُورِ مَن في الأرْضِ. والمَعْنى: أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ قُرْآنًا فَسَلَكَهُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ دِينًا بَعْضُهُ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَزْدادُ إيمانًا ويَقِينًا، وأمّا الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ فَإنَّهُ يَهِيجُ كَما يَهِيجُ الزَّرْعُ، وهَذا بِالتَّغْيِيرِ أشْبَهُ مِنهُ بِالتَّفْسِيرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ، وقَرَأ أبُو بِشْرٍ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ، ذَكَرَ شَرْحَ الصَّدْرِ لِلْإسْلامِ، لِأنَّ الِانْتِفاعَ الكامِلَ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِ فَقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ أيْ: وسَّعَهُ لِقَبُولِ الحَقِّ وفَتَحَهُ لِلِاهْتِداءِ إلى سَبِيلِ الخَيْرِ. قالَ السُّدِّيُّ: وسِعَ صَدْرُهُ لِلْإسْلامِ لِلْفَرَحِ بِهِ والطُّمَأْنِينَةِ إلَيْهِ، والكَلامُ في الهَمْزَةِ والفاءِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] و" مَن " مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلَبُهُ وحَرِجَ صَدْرُهُ، ودَلَّ عَلى هَذا الخَبَرِ المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ والمَعْنى: أفَمَن وسَّعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَقَبِلَهُ واهْتَدى بِهَدْيِهِ فَهو بِسَبَبِ ذَلِكَ الشَّرْحِ ﴿عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ يَفِيضُ عَلَيْهِ كَمَن قَسا قَلْبُهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ، فَصارَ في ظُلُماتِ الضَّلالَةِ وبَلِيّاتِ الجَهالَةِ. قالَ قَتادَةُ: النُّورُ كِتابُ اللَّهِ بِهِ يُؤْخَذُ وإلَيْهِ يُنْتَهى. قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَمَن طَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يَهْتَدِ لِقَسْوَتِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أيْ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ كَما تَقُولُ: أُتْخِمْتُ عَنْ طَعامٍ أكَلْتُهُ ومِن طَعامٍ أكَلْتُهُ، والمَعْنى: أنَّهُ غَلُظَ قَلْبُهُ وجَفا عَنْ قَبُولِ ذِكْرِ اللَّهِ، يُقالُ: قَسا القَلْبُ إذا صَلُبَ، وقَلْبٌ قاسٍ أيْ: صُلْبٌ لا يَرِقُّ ولا يَلِينُ، وقِيلَ: مَعْنى ( مِن ذِكْرِ اللَّهِ ) مِن أجْلِ ذِكْرِهِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ تَنْشَرِحَ لَهُ الصُّدُورُ وتَطْمَئِنُّ بِهِ القُلُوبُ. والمَعْنى: أنَّهُ إذا ذُكِرَ اللَّهُ اشْمَأزُّوا، والأوَّلُ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: " عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ "، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ أيْ: ظاهِرٍ واضِحٍ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ أوْصافِ كِتابِهِ العَزِيزِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ وسَمّاهُ حَدِيثًا لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُحَدِّثُ بِهِ قَوْمَهُ ويُخْبِرُهم بِما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنهُ. وفِيهِ بَيانٌ أنَّ أحْسَنَ القَوْلِ المَذْكُورِ سابِقًا هو القُرْآنُ، وانْتِصابُ ( كِتابًا ) عَلى البَدَلِ مِن ( أحْسَنَ الحَدِيثِ )، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ، ( مُتَشابِهًا ) صِفَةٌ لَ: ( كِتابًا ) أيْ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الحُسْنِ والإحْكامِ وصِحَّةِ المَعانِي وقُوَّةِ المَبانِي وبُلُوغِهِ إلى أعْلى دَرَجاتِ البَلاغَةِ، وقالَ قَتادَةُ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الآيِ والحُرُوفِ، وقِيلَ: يُشْبِهُ كُتُبَ اللَّهِ المُنَزَّلَةَ عَلى أنْبِيائِهِ، ومَثانِيَ صِفَةٌ أُخْرى لِ: ( كِتابًا ) أيْ: تُثَنّى فِيهِ القِصَصُ وتَتَكَرَّرُ فِيهِ المَواعِظُ والأحْكامُ. وقِيلَ: يُثَنّى مِنَ التِّلاوَةِ فَلا يَمَلُّ سامِعُهُ ولا يَسْأمُ قارِئُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَثانِيَ بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ هِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وبِشْرٌ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا واسْتِثْقالًا لِتَحْرِيكِها، أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو مَثانِي، وقالَ الرّازِيُّ في تَبْيِينِ مَثانِي أنَّ أكْثَرَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ مُتَكَرِّرَةٌ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ مِثْلُ الأمْرِ والنَّهْيِ، والعامِّ والخاصِّ، والمُجْمَلِ والمُفَصَّلِ، وأحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ، والجَنَّةِ والنّارِ، والنُّورِ والظُّلْمَةِ، واللَّوْحِ والقَلَمِ، والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ، والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، والوَعْدِ والوَعِيدِ، والرَّجاءِ والخَوْفِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ البَيانِ بِأنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ زَوْجٌ، وأنَّ الفَرْدَ الأحَدَ الحَقَّ هو اللَّهُ، ولا يَخْفى ما في كَلامِهِ (p-١٢٨١)هَذا مِنَ التَّكَلُّفِ والبُعْدِ عَنْ مَقْصُودِ التَّنْزِيلِ ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِكِتابًا، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما يَحْصُلُ عِنْدَ سَماعِهِ مِنَ التَّأثُّرِ لِسامِعِيهِ، والِاقْشِعْرارُ التَّقَبُّضُ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ: إذا تَقَبَّضَ وتَجَمَّعَ مِنَ الخَوْفِ والمَعْنى: أنَّها تَأْخُذُهم مِنهُ قُشَعْرِيرَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: إذا ذُكِرَتْ آياتُ العَذابِ اقْشَعَرَّتْ جُلُودُ الخائِفِينَ لِلَّهِ ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهُمْ﴾ إذا ذُكِرَتْ آياتُ الرَّحْمَةِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَبِتُّ أُكابِدُ لَيْلَ التَّمامِ والقَلْبُ مِن خَشْيَةٍ مُقْشَعِرُّ وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ في غايَةِ الجَزالَةِ والبَلاغَةِ، فَكانُوا إذا رَأوْا عَجْزَهم عَنْ مُعارَضَتِهِ اقْشَعَرَّتِ الجُلُودُ مِنهُ إعْظامًا لَهُ وتَعَجُّبًا مِن حُسْنِهِ وبَلاغَتِهِ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ عُدِّيَ تَلِينُ بِإلى لِتَضْمِينِهِ فِعْلًا يَتَعَدّى بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: سَكَنَتْ واطْمَأنَّتْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ، ومَفْعُولُ ذِكْرِ اللَّهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: إلى ذِكْرِ اللَّهِ رَحْمَتَهُ وثَوابَهُ وجَنَّتَهُ، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. قالَ قَتادَةُ: هَذا نَعْتُ أوْلِياءِ اللَّهِ نَعَتَهم بِأنَّها تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، ولَمْ يَنْعَتْهم بِذَهابِ عُقُولِهِمْ والغَشَيانِ عَلَيْهِمْ إنَّما ذَلِكَ في أهْلِ البِدَعِ وهو مِنَ الشَّيْطانِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وهُدى اللَّهِ خَبَرُهُ أيْ: ذَلِكَ الكِتابُ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ أنْ يَهْدِيَهُ مِن عِبادِهِ، وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما وهَبَهُ اللَّهُ لِهَؤُلاءِ مِن خَشْيَةِ عَذابِهِ ورَجاءِ ثَوابِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ أيْ: يَجْعَلْ قَلْبَهُ قاسِيًا مُظْلِمًا غَيْرَ قابِلٍ لِلْحَقِّ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يَهْدِيهِ الحَقَّ ويُخَلِّصُهُ مِنَ الضَّلالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ مِن هادٍ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالياءِ. ثُمَّ لَمّا حَكَمَ عَلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم بِحُكْمٍ في الدُّنْيا وهو الضَّلالُ، حَكَمَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِحُكْمٍ آخَرَ وهو العَذابُ فَقالَ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ وفي هَذِهِ الفاءِ الدّاخِلَةِ عَلى مَن في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] ومَن مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: أفَمَن شَأْنُهُ أنْ يَقِيَ نَفْسَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ أعْضائِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ لِكَوْنِ يَدِهِ قَدْ صارَتْ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِهِ كَمَن هو آمِنٌ لا يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا يَحْتاجُ إلى الِاتِّقاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ كَمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ. قالَ عَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ: يُرْمى بِهِ مَكْتُوفًا في النّارِ، فَأوَّلُ شَيْءٍ تَمَسُّ مِنهُ وجْهَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ في النّارِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ أفْضَلُ أمْ مَن سَعِدَ ؟ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠] ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا تَقُولُهُ الخَزَنَةُ لِلْكُفّارِ فَقالَ: ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى يَتَّقِي أيْ: ويُقالُ لَهم، وجاءَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ. قالَ عَطاءٌ أيْ: جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الذَّوْقِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ حالِ مَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى: أنَّهم كَذَّبُوا رُسُلَهم ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن جِهَةٍ لا يَحْتَسِبُونَ إتْيانَ العَذابِ مِنها، وذَلِكَ عِنْدَ أمْنِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ لَهم بِتَكْذِيبِهِمْ. ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ﴾ أيِ: الذُّلَّ والهَوانَ في الحَياةِ الدُّنْيا بِالمَسْخِ والخَسْفِ والقَتْلِ والأسْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ لِكَوْنِهِ في غايَةِ الشِّدَّةِ مَعَ دَوامِهِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أيْ: لَوْ كانُوا مِمَّنْ يَعْلَمُ الأشْياءَ ويَتَفَكَّرُ فِيها ويَعْمَلُ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: لِكُلِّ ما نالَ الجارِحَةَ مِن شَيْءٍ قَدْ ذاقَتْهُ أيْ: وصَلَ إلَيْها كَما تَصِلُ الحَلاوَةُ والمَرارَةُ إلى الذّائِقِ لَهُما. قالَ: والخِزْيُ: المَكْرُوهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ الآيَةَ قالَ: ما في الأرْضِ ماءٌ إلّا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، ولَكِنَّ عُرُوقًا في الأرْضِ تُغَيِّرُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ فَمَن سَرَّهُ أنْ يَعُودَ المِلْحُ عَذْبًا فَلْيُصْعِدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «تَلا النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَذِهِ الآيَةَ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ قُلْنا يا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ انْشِراحُ صَدْرِهِ ؟ قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ قُلْنا: فَما عَلامَةُ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا قالَ: «يا نَبِيَّ اللَّهِ أيُّ المُؤْمِنِينَ أكْيَسُ ؟ قالَ: أكْثَرُهم ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وأحْسَنُهم لَهُ اسْتِعْدادًا، وإذا دَخَلَ النُّورُ في القَلْبِ انْفَسَحَ واسْتَوْسَعَ، فَقالُوا: ما آيَةُ ذَلِكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» . وأخْرَجَهُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المِسْوَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِنَحْوِهِ، وزادَ فِيهِ " ثُمَّ قَرَأ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ " . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ شاهِينَ في التَّرْغِيبِ في الذِّكْرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تُكْثِرُوا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وإنَّ أبْعَدَ النّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلْبُ القاسِي» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ حَدَّثْتَنا، فَنَزَلَ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَثانِيَ قالَ: القُرْآنُ كُلُّهُ مَثانِي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ (p-١٢٨٢)أيْضًا في الآيَةِ قالَ: القُرْآنُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ويُرَدُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: كِتابُ اللَّهِ مَثانِي ثُنِّيَ فِيهِ الأمْرُ مِرارًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِجَدَّتِي أسْماءَ كَيْفَ كانَ يَصْنَعُ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قَرَءُوا القُرْآنَ ؟ قالَتْ: كانُوا كَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم، قُلْتُ: فَإنَّ ناسًا هاهُنا إذا سَمِعُوا ذَلِكَ تَأْخُذُهم عَلَيْهِ غَشْيَةٌ، قالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ﴾ قالَ: يُنْطَلَقُ بِهِ إلى النّارِ مَكْتُوفًا ثُمَّ يُرْمى بِهِ فِيها، ما تَمَسُّ وجْهَهُ النّارُ.

الزمر 39:26

(p-١٢٨٠)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الآخِرَةَ ووَصَفَها بِوَصْفٍ يُوجِبُ الرَّغْبَةَ فِيها والشَّوْقَ إلَيْها أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الدُّنْيا ووَصَفَها بِوَصْفٍ يُوجِبُ الرَّغْبَةَ عَنْها والنَّفْرَةَ مِنها، فَذَكَرَ تَمْثِيلًا لَها في سُرْعَةِ زَوالِها وقَرِيبِ اضْمِحْلالِها مَعَ ما في ذَلِكَ مِن ذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ وصُنْعِهِ البَدِيعِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: مِنَ السَّحابِ مَطَرًا ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ أيْ: فَأدْخَلَهُ وأسْكَنَهُ فِيها، واليَنابِيعُ جَمْعُ يَنْبُوعٍ مِن نَبَعَ الماءُ يَنْبُعُ، واليَنْبُوعُ عَيْنُ الماءِ والأمْكِنَةُ الَّتِي يَنْبُعُ مِنها الماءُ، والمَعْنى أدْخَلَ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ في الأرْضِ وجَعَلَهُ فِيها عُيُونًا جارِيَةً، أوْ جَعَلَهُ في يَنابِيعَ أيْ: في أمْكِنَةٍ يَنْبُعُ مِنها الماءُ، فَهو عَلى الوَجْهِ الثّانِي مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَجَعَلَهُ عُيُونًا ورَكايا في الأرْضِ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ أيْ: يُخْرِجُ بِذَلِكَ الماءَ مِنَ الأرْضِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِن أصْفَرَ وأخْضَرَ وأبْيَضَ وأحْمَرَ، أوْ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وغَيْرِهِما إذا كانَ المُرادُ بِالألْوانِ الأصْنافُ ثُمَّ يَهِيجُ يُقالُ: هاجَ النَّبْتُ يَهِيجُ هَيْجًا إذا تَمَّ جَفافُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ: هاجَ النَّبْتُ هِياجًا: إذا يَبِسَ، وأرْضٌ هائِجَةٌ يَبِسَ بَقْلُها أوِ اصْفَرَّ، وأهاجَتِ الرِّيحُ النَّبْتَ أيْبَسَتْهُ. قالَ المُبَرِّدُ: قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: هاجَتِ الأرْضُ تَهِيجُ: إذا أدْبَرَ نَبْتُها ووَلّى. قالَ: وكَذَلِكَ هاجَ النَّبْتُ ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ أيْ: تَراهُ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ وحُسْنِ رَوْنَقِهِ مُصْفَرًّا قَدْ ذَهَبَتْ خُضْرَتُهُ ونَضارَتُهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا أيْ: مُتَفَتِّتًا مُنْكَسِرًا، مِن تَحَطَّمَ العُودُ إذا تَفَتَّتَ مِنَ اليُبْسِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ أيْ: فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تَذْكِيرٌ لِأهْلِ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَعَقَّلُونَ الأشْياءَ عَلى حَقِيقَتِها فَيَتَفَكَّرُونَ ويَعْتَبِرُونَ ويَعْلَمُونَ بِأنَّ الحَياةَ الدُّنْيا حالُها كَحالِ هَذا الزَّرْعِ في سُرْعَةِ التَّصَرُّمِ وقُرْبِ التَّقَضِّي، وذَهابِ بَهْجَتِها وزَوالِ رَوْنَقِها ونَضارَتِها، فَإذا أنْتَجَ لَهُمُ التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ العِلْمَ بِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُمُ الِاغْتِرارُ بِها والمَيْلُ إلَيْها وإيثارُها عَلى دارِ النَّعِيمِ الدّائِمِ والحَياةِ المُسْتَمِرَّةِ واللَّذَّةِ الخالِصَةِ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهم شَكٌّ في أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى البَعْثِ والحَشْرِ، لِأنَّ مِن قَدِرَ عَلى هَذا قَدِرَ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْقُرْآنِ ولِصُدُورِ مَن في الأرْضِ. والمَعْنى: أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ قُرْآنًا فَسَلَكَهُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ دِينًا بَعْضُهُ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَزْدادُ إيمانًا ويَقِينًا، وأمّا الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ فَإنَّهُ يَهِيجُ كَما يَهِيجُ الزَّرْعُ، وهَذا بِالتَّغْيِيرِ أشْبَهُ مِنهُ بِالتَّفْسِيرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ، وقَرَأ أبُو بِشْرٍ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ، ذَكَرَ شَرْحَ الصَّدْرِ لِلْإسْلامِ، لِأنَّ الِانْتِفاعَ الكامِلَ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِ فَقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ أيْ: وسَّعَهُ لِقَبُولِ الحَقِّ وفَتَحَهُ لِلِاهْتِداءِ إلى سَبِيلِ الخَيْرِ. قالَ السُّدِّيُّ: وسِعَ صَدْرُهُ لِلْإسْلامِ لِلْفَرَحِ بِهِ والطُّمَأْنِينَةِ إلَيْهِ، والكَلامُ في الهَمْزَةِ والفاءِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] و" مَن " مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلَبُهُ وحَرِجَ صَدْرُهُ، ودَلَّ عَلى هَذا الخَبَرِ المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ والمَعْنى: أفَمَن وسَّعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَقَبِلَهُ واهْتَدى بِهَدْيِهِ فَهو بِسَبَبِ ذَلِكَ الشَّرْحِ ﴿عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ يَفِيضُ عَلَيْهِ كَمَن قَسا قَلْبُهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ، فَصارَ في ظُلُماتِ الضَّلالَةِ وبَلِيّاتِ الجَهالَةِ. قالَ قَتادَةُ: النُّورُ كِتابُ اللَّهِ بِهِ يُؤْخَذُ وإلَيْهِ يُنْتَهى. قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَمَن طَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يَهْتَدِ لِقَسْوَتِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أيْ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ كَما تَقُولُ: أُتْخِمْتُ عَنْ طَعامٍ أكَلْتُهُ ومِن طَعامٍ أكَلْتُهُ، والمَعْنى: أنَّهُ غَلُظَ قَلْبُهُ وجَفا عَنْ قَبُولِ ذِكْرِ اللَّهِ، يُقالُ: قَسا القَلْبُ إذا صَلُبَ، وقَلْبٌ قاسٍ أيْ: صُلْبٌ لا يَرِقُّ ولا يَلِينُ، وقِيلَ: مَعْنى ( مِن ذِكْرِ اللَّهِ ) مِن أجْلِ ذِكْرِهِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ تَنْشَرِحَ لَهُ الصُّدُورُ وتَطْمَئِنُّ بِهِ القُلُوبُ. والمَعْنى: أنَّهُ إذا ذُكِرَ اللَّهُ اشْمَأزُّوا، والأوَّلُ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: " عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ "، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ أيْ: ظاهِرٍ واضِحٍ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ أوْصافِ كِتابِهِ العَزِيزِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ وسَمّاهُ حَدِيثًا لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُحَدِّثُ بِهِ قَوْمَهُ ويُخْبِرُهم بِما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنهُ. وفِيهِ بَيانٌ أنَّ أحْسَنَ القَوْلِ المَذْكُورِ سابِقًا هو القُرْآنُ، وانْتِصابُ ( كِتابًا ) عَلى البَدَلِ مِن ( أحْسَنَ الحَدِيثِ )، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ، ( مُتَشابِهًا ) صِفَةٌ لَ: ( كِتابًا ) أيْ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الحُسْنِ والإحْكامِ وصِحَّةِ المَعانِي وقُوَّةِ المَبانِي وبُلُوغِهِ إلى أعْلى دَرَجاتِ البَلاغَةِ، وقالَ قَتادَةُ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الآيِ والحُرُوفِ، وقِيلَ: يُشْبِهُ كُتُبَ اللَّهِ المُنَزَّلَةَ عَلى أنْبِيائِهِ، ومَثانِيَ صِفَةٌ أُخْرى لِ: ( كِتابًا ) أيْ: تُثَنّى فِيهِ القِصَصُ وتَتَكَرَّرُ فِيهِ المَواعِظُ والأحْكامُ. وقِيلَ: يُثَنّى مِنَ التِّلاوَةِ فَلا يَمَلُّ سامِعُهُ ولا يَسْأمُ قارِئُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَثانِيَ بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ هِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وبِشْرٌ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا واسْتِثْقالًا لِتَحْرِيكِها، أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو مَثانِي، وقالَ الرّازِيُّ في تَبْيِينِ مَثانِي أنَّ أكْثَرَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ مُتَكَرِّرَةٌ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ مِثْلُ الأمْرِ والنَّهْيِ، والعامِّ والخاصِّ، والمُجْمَلِ والمُفَصَّلِ، وأحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ، والجَنَّةِ والنّارِ، والنُّورِ والظُّلْمَةِ، واللَّوْحِ والقَلَمِ، والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ، والعَرْشِ والكُرْسِيِّ، والوَعْدِ والوَعِيدِ، والرَّجاءِ والخَوْفِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ البَيانِ بِأنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ زَوْجٌ، وأنَّ الفَرْدَ الأحَدَ الحَقَّ هو اللَّهُ، ولا يَخْفى ما في كَلامِهِ (p-١٢٨١)هَذا مِنَ التَّكَلُّفِ والبُعْدِ عَنْ مَقْصُودِ التَّنْزِيلِ ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِكِتابًا، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما يَحْصُلُ عِنْدَ سَماعِهِ مِنَ التَّأثُّرِ لِسامِعِيهِ، والِاقْشِعْرارُ التَّقَبُّضُ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ: إذا تَقَبَّضَ وتَجَمَّعَ مِنَ الخَوْفِ والمَعْنى: أنَّها تَأْخُذُهم مِنهُ قُشَعْرِيرَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: إذا ذُكِرَتْ آياتُ العَذابِ اقْشَعَرَّتْ جُلُودُ الخائِفِينَ لِلَّهِ ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهُمْ﴾ إذا ذُكِرَتْ آياتُ الرَّحْمَةِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَبِتُّ أُكابِدُ لَيْلَ التَّمامِ والقَلْبُ مِن خَشْيَةٍ مُقْشَعِرُّ وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ في غايَةِ الجَزالَةِ والبَلاغَةِ، فَكانُوا إذا رَأوْا عَجْزَهم عَنْ مُعارَضَتِهِ اقْشَعَرَّتِ الجُلُودُ مِنهُ إعْظامًا لَهُ وتَعَجُّبًا مِن حُسْنِهِ وبَلاغَتِهِ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ عُدِّيَ تَلِينُ بِإلى لِتَضْمِينِهِ فِعْلًا يَتَعَدّى بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: سَكَنَتْ واطْمَأنَّتْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ، ومَفْعُولُ ذِكْرِ اللَّهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: إلى ذِكْرِ اللَّهِ رَحْمَتَهُ وثَوابَهُ وجَنَّتَهُ، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. قالَ قَتادَةُ: هَذا نَعْتُ أوْلِياءِ اللَّهِ نَعَتَهم بِأنَّها تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، ولَمْ يَنْعَتْهم بِذَهابِ عُقُولِهِمْ والغَشَيانِ عَلَيْهِمْ إنَّما ذَلِكَ في أهْلِ البِدَعِ وهو مِنَ الشَّيْطانِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وهُدى اللَّهِ خَبَرُهُ أيْ: ذَلِكَ الكِتابُ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ أنْ يَهْدِيَهُ مِن عِبادِهِ، وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما وهَبَهُ اللَّهُ لِهَؤُلاءِ مِن خَشْيَةِ عَذابِهِ ورَجاءِ ثَوابِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ أيْ: يَجْعَلْ قَلْبَهُ قاسِيًا مُظْلِمًا غَيْرَ قابِلٍ لِلْحَقِّ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يَهْدِيهِ الحَقَّ ويُخَلِّصُهُ مِنَ الضَّلالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ مِن هادٍ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالياءِ. ثُمَّ لَمّا حَكَمَ عَلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم بِحُكْمٍ في الدُّنْيا وهو الضَّلالُ، حَكَمَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِحُكْمٍ آخَرَ وهو العَذابُ فَقالَ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ وفي هَذِهِ الفاءِ الدّاخِلَةِ عَلى مَن في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] ومَن مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: أفَمَن شَأْنُهُ أنْ يَقِيَ نَفْسَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ أعْضائِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ لِكَوْنِ يَدِهِ قَدْ صارَتْ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِهِ كَمَن هو آمِنٌ لا يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا يَحْتاجُ إلى الِاتِّقاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ كَمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ. قالَ عَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ: يُرْمى بِهِ مَكْتُوفًا في النّارِ، فَأوَّلُ شَيْءٍ تَمَسُّ مِنهُ وجْهَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ في النّارِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ أفْضَلُ أمْ مَن سَعِدَ ؟ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠] ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا تَقُولُهُ الخَزَنَةُ لِلْكُفّارِ فَقالَ: ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى يَتَّقِي أيْ: ويُقالُ لَهم، وجاءَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ. قالَ عَطاءٌ أيْ: جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الذَّوْقِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ حالِ مَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى: أنَّهم كَذَّبُوا رُسُلَهم ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن جِهَةٍ لا يَحْتَسِبُونَ إتْيانَ العَذابِ مِنها، وذَلِكَ عِنْدَ أمْنِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ لَهم بِتَكْذِيبِهِمْ. ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ﴾ أيِ: الذُّلَّ والهَوانَ في الحَياةِ الدُّنْيا بِالمَسْخِ والخَسْفِ والقَتْلِ والأسْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ لِكَوْنِهِ في غايَةِ الشِّدَّةِ مَعَ دَوامِهِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أيْ: لَوْ كانُوا مِمَّنْ يَعْلَمُ الأشْياءَ ويَتَفَكَّرُ فِيها ويَعْمَلُ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: لِكُلِّ ما نالَ الجارِحَةَ مِن شَيْءٍ قَدْ ذاقَتْهُ أيْ: وصَلَ إلَيْها كَما تَصِلُ الحَلاوَةُ والمَرارَةُ إلى الذّائِقِ لَهُما. قالَ: والخِزْيُ: المَكْرُوهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ الآيَةَ قالَ: ما في الأرْضِ ماءٌ إلّا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، ولَكِنَّ عُرُوقًا في الأرْضِ تُغَيِّرُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ فَمَن سَرَّهُ أنْ يَعُودَ المِلْحُ عَذْبًا فَلْيُصْعِدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «تَلا النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَذِهِ الآيَةَ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ قُلْنا يا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ انْشِراحُ صَدْرِهِ ؟ قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ قُلْنا: فَما عَلامَةُ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا قالَ: «يا نَبِيَّ اللَّهِ أيُّ المُؤْمِنِينَ أكْيَسُ ؟ قالَ: أكْثَرُهم ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وأحْسَنُهم لَهُ اسْتِعْدادًا، وإذا دَخَلَ النُّورُ في القَلْبِ انْفَسَحَ واسْتَوْسَعَ، فَقالُوا: ما آيَةُ ذَلِكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» . وأخْرَجَهُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المِسْوَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِنَحْوِهِ، وزادَ فِيهِ " ثُمَّ قَرَأ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ " . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ شاهِينَ في التَّرْغِيبِ في الذِّكْرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تُكْثِرُوا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وإنَّ أبْعَدَ النّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلْبُ القاسِي» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ حَدَّثْتَنا، فَنَزَلَ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَثانِيَ قالَ: القُرْآنُ كُلُّهُ مَثانِي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ (p-١٢٨٢)أيْضًا في الآيَةِ قالَ: القُرْآنُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ويُرَدُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: كِتابُ اللَّهِ مَثانِي ثُنِّيَ فِيهِ الأمْرُ مِرارًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِجَدَّتِي أسْماءَ كَيْفَ كانَ يَصْنَعُ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قَرَءُوا القُرْآنَ ؟ قالَتْ: كانُوا كَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم، قُلْتُ: فَإنَّ ناسًا هاهُنا إذا سَمِعُوا ذَلِكَ تَأْخُذُهم عَلَيْهِ غَشْيَةٌ، قالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ﴾ قالَ: يُنْطَلَقُ بِهِ إلى النّارِ مَكْتُوفًا ثُمَّ يُرْمى بِهِ فِيها، ما تَمَسُّ وجْهَهُ النّارُ.

الزمر 39:27

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ قَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ المَثَلِ وكَيْفِيَّةَ ضَرْبِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَهو هُنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أيْ: مِن شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: ما ذَكَرْنا مِن إهْلاكِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَثَلٌ لِهَؤُلاءِ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ فَيَعْتَبِرُونَ. وانْتِصابُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا عَلى الحالِ مِن هَذا وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وتُسَمّى هَذِهِ حالًا مُوطِئَةً؛ لِأنَّ الحالَ في الحَقِيقَةِ هو عَرَبِيًّا، وقُرْآنًا تَوْطِئَةً لَهُ، نَحْوَ جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا: كَذا قالَ الأخْفَشُ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ. قالَ الزَّجّاجُ: عَرَبِيًّا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، وقُرْآنًا تَوْكِيدٌ، ومَعْنى ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ لا اخْتِلافَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. قالَ الضَّحّاكُ أيْ: غَيْرَ مُخْتَلِفٍ. قالَ النَّحّاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ قَوْلُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: غَيْرَ مُتَضادٍّ. وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَبْسٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَحْنٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي شَكٍّ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وقَدْ أتاكَ يَمِينٌ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ عِلَّةٌ أُخْرى بَعْدَ العِلَّةِ الأُولى. وهِيَ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ يَتَّقُوا الكُفْرَ والكَذِبَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَثَلًا مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ لِلتَّذْكِيرِ والإيقاظِ، فَقالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أيْ: تَمْثِيلُ حالَةٍ عَجِيبَةٍ بِأُخْرى مِثْلِها. ثُمَّ بَيَّنَ المَثَلَ فَقالَ: ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَ رَجُلًا لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا بِرَجُلٍ، وقِيلَ: إنَّ رَجُلًا هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، ومَثَلًا هو المَفْعُولُ الثّانِي، وأُخِّرَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِيَتَّصِلَ بِما هو مِن تَمامِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ يس، وجُمْلَةُ ﴿فِيهِ شُرَكاءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِرَجُلٍ، والتَّشاكُسُ التَّخالُفُ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: مُخْتَلِفُونَ. وقالَ المُبَرِّدُ أيْ: مُتَعاسِرُونَ مِن شَكِسَ يَشْكَسُ شَكَسًا فَهو شَكِسٌ مِثْلَ عَسِرَ يَعْسَرُ عَسَرًا فَهو عَسِرٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّشاكُسُ الِاخْتِلافُ. قالَ: ويُقالُ: رَجُلٌ شَكْسٌ بِالتَّسْكِينِ أيْ: صَعْبُ الخُلُقِ، وهَذا مِثْلُ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وعَبَدَ آلِهَةً كَثِيرَةً. ثُمَّ قالَ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أيْ: خالِصًا لَهُ، وهَذا مِثْلُ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ سَلَمًا بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ " سالِمًا " بِالألِفِ وكَسْرِ اللّامِ اسْمُ فاعِلٍ مِن سَلِمَ لَهُ فَهو سالِمٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ قالَ: لِأنَّ السّالِمَ الخالِصَ ضِدُّ المُشْتَرَكِ، والسِّلْمَ ضِدُّ الحَرْبِ ولا مَوْضِعَ لِلْحَرْبِ هاهُنا. وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الحَرْفَ إذا كانَ لَهُ مَعْنَيانِ لَمْ يُحْمَلْ إلّا عَلى أوْلاهُما فالسِّلْمُ وإنْ كانَ ضِدَّ الحَرْبِ فَلَهُ مَعْنًى آخَرُ بِمَعْنى سالِمٍ، مِن سَلِمَ لَهُ كَذا: إذا خَلَصَ لَهُ. وأيْضًا يَلْزَمُهُ في سالِمٍ ما أُلْزِمَ بِهِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: شَيْءٌ سالِمٌ أيْ: لا عاهَةَ بِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى. والحاصِلُ أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي عَلى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذا سِلْمٍ، ومِثْلُها قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَن مَعَهُ. ثُمَّ جاءَ - سُبْحانَهُ - بِما يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَقالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِي هَذا الَّذِي يَخْدِمُ جَماعَةً شُرَكاءَ أخْلاقُهم مُخْتَلِفَةٌ ونِيّاتُهم مُتَبايِنَةٌ يَسْتَخْدِمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَيَتْعَبُ ويَنْصَبُ مَعَ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم غَيْرَ راضٍ بِخِدْمَتِهِ، وهَذا الَّذِي يَخْدِمُ واحِدًا لا يُنازِعُهُ غَيْرُهُ إذا أطاعَهُ رَضِيَ عَنْهُ، وإذا عَصاهُ عَفا عَنْهُ. فَإنَّ بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الِاخْتِلافِ الظّاهِرِ الواضِحِ ما لا يَقْدِرُ عاقِلٌ أنْ يَتَفَوَّهَ بِاسْتِوائِهِما؛ لِأنَّ أحَدَهُما في أعْلى المَنازِلِ، والآخَرَ في أدْناها، وانْتِصابُ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ لِأنَّ الأصْلَ هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما، وأفْرَدَ التَّمْيِيزَ ولَمْ يُثَنِّهِ لِأنَّ الأصْلَ في التَّمْيِيزِ الإفْرادُ لِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلْجِنْسِ وجُمْلَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ، ولِلْإيذانِ لِلْمُوَحِّدِينَ بِما في تَوْحِيدِهِمْ لِلَّهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المُسْتَحَقَّةِ لِتَخْصِيصِ الحَمْدِ بِهِ. ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْيِ الِاسْتِواءِ المَفْهُومِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إلى بَيانِ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ ووُضُوحِهِ. قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ: والمُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ والظّاهِرُ خِلافُ ما قالاهُ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ يَعْلَمُونَ ما في التَّوْحِيدِ مِن رِفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ، وإنَّ الشِّرْكَ لا يُماثِلُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يُساوِيهِ (p-١٢٨٣)فِي وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ، ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وأنَّ الحَمْدَ مُخْتَصٌّ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ المَوْتَ يُدْرِكُهُ ويُدْرِكُهم لا مَحالَةَ فَقالَ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ مَيِّتٌ، ومَيِّتُونَ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ واليَمانِيُّ " مائِتٌ ومائِتُونَ " وبِها قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. وقَدِ اسْتَحْسَنَ هَذِهِ القِراءَةَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لِكَوْنِ مَوْتِهِ ومَوْتِهِمْ مُسْتَقْبَلًا، ولا وجْهَ لِلِاسْتِحْسانِ، فَإنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ تُفِيدُ هَذا المَعْنى. قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: المَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ مَن لَمْ يَمُتْ وسَيَمُوتُ، والمَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ مَن قَدْ ماتَ وفارَقَتْهُ الرُّوحُ. قالَ قَتادَةُ: نُعِيَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَفْسُهُ ونُعِيَتْ إلَيْهِمْ أنْفُسُهم. ووَجْهُ هَذا الِاخْتِيارِ الإعْلامُ لِلصَّحابَةِ بِأنَّهُ يَمُوتُ. فَقَدْ كانَ بَعْضُهم يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يَمُوتُ مَعَ كَوْنِهِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: تُخاصِمُهم يا مُحَمَّدُ وتَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَهم وأنْذَرْتَهم وهم يُخاصِمُونَكَ، أوْ يُخاصِمُ المُؤْمِنُ الكافِرَ، والظّالِمُ المَظْلُومَ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ المُخْتَصِمِينَ فَقالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، فَزَعَمَ أنَّ لَهُ ولَدًا أوْ شَرِيكًا أوْ صاحِبَةً ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن دُعاءِ النّاسِ إلى التَّوْحِيدِ، وأمْرِهِمْ بِالقِيامِ بِفَرائِضِ الشَّرْعِ ونَهْيِهِمْ عَنْ مُحَرَّماتِهِ وإخْبارِهِمْ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِ والعاصِي. ثُمَّ اسْتَفْهَمَ - سُبْحانَهُ - اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: ألَيْسَ لِهَؤُلاءِ المُفْتَرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالصِّدْقِ، والمَثْوى: المُقامُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن ثَوى بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ يَثْوِي ثَواءً وثُوِيًّا، مِثْلُ مَضى مَضاءً ومُضِيًّا. وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّهُ يُقالُ: أثْوى وأنْشَدَ قَوْلَ الأعْشى: ؎أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَةً لِيُزَوَّدا ∗∗∗ ومَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا وأنْكَرَ ذَلِكَ الأصْمَعِيُّ وقالَ لا نَعْرِفُ أثْوى. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرِيقَ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ فَقالَ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن تابَعَهُ وخَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ أبُو بَكْرٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ. وقالَ النَّخَعِيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالقُرْآنِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في كُلِّ مَن دَعا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وأرْشَدَ إلى ما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وهو الَّذِي اخْتارَهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ " والَّذِينَ جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ " . ولَفْظُ الَّذِي كَما وقَعَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَمَعْناهُ الجَمْعُ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ أيِ: المُتَّصِفُونَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي عُنْوانُ النَّجاةِ. وقَرَأ أبُو صالِحٍ " وصَدَقَ " بِهِ مُخَفَّفًا أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسُ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما لِهَؤُلاءِ الصّادِقِينَ المُصَدِّقِينَ في الآخِرَةِ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: لَهم كُلُّ ما يَشاءُونَهُ مِن رَفْعِ الدَّرَجاتِ ودَفْعِ المَضَرّاتِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، وفي هَذا تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ وتَشْوِيقٌ بالِغٌ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن جَزائِهِمْ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا في أعْمالِهِمْ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أنَّ الإحْسانَ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما هو الغايَةُ مِمّا لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ فَقالَ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ هو أعْظَمُ ما يَرْجُونَهُ مِن دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إذا غَفَرَ لَهم ما هو الأسْوَأُ مِن أعْمالِهِمْ غَفَرَ لَهم ما دُونَهُ بِطَرِيقَةِ الأوْلى، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يَشاءُونَ أوْ بِـ المُحْسِنِينَ أوْ بِمَحْذُوفٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ أسْوَأ عَلى أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. وقِيلَ: لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ بَلْ بِمَعْنى: سَيِّءَ الَّذِي عَمِلُوا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ " أسْواءَ " بِألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ بِزِنَةِ أجْمالٍ، جَمْعُ سُوءٍ. ﴿ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهم ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى جَلْبِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ وإضافَةِ الأحْسَنِ إلى ما بَعْدَهُ لَيْسَتْ مِن إضافَةِ المُفَضَّلِ إلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، بَلْ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى بَعْضِهِ قَصْدًا إلى التَّوْضِيحِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَفْضِيلٍ. قالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ ولا يَجْزِيهِمُ المَساوِئَ. وقَدْ أخْرَجَ الآجُرِّيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قالَ: غَيْرَ مَخْلُوقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ الآيَةَ قالَ: الرَّجُلُ يَعْبُدُ آلِهَةً شَتّى، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأهْلِ الأوْثانِ ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ يَعْبُدُ إلَهًا واحِدًا ضَرَبَ لِنَفْسِهِ مَثَلًا. وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ قالَ: لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ شَيْءٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ لَبِثْنا بُرْهَةً مِن دَهْرِنا، ونَحْنُ نَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِينا وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِنا. ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ الآيَةَ، حَتّى رَأيْتُ بَعْضَنا يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، فَعَرَفْتُ أنَّها نَزَلَتْ فِينا. وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَزَلَتْ عَلَيْنا الآيَةُ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ وما نَدْرِي ما تَفْسِيرُها حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ، فَقُلْنا هَذا الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا أنْ نَخْتَصِمَ فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ (p-١٢٨٤)وصَحَّحَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُكَرَّرُ عَلَيْنا ما يَكُونُ بَيْنَنا في الدُّنْيا مَعَ خَواصِّ الذُّنُوبِ ؟ قالَ: نَعَمْ لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكم ذَلِكَ حَتّى يُؤَدّى إلى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. قالَ الزُّبَيْرُ: فَواللَّهِ إنَّ الأمْرَ لَشَدِيدٌ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ كُنّا نَقُولُ: رَبُّنا واحِدٌ ودِينُنا واحِدٌ ونَبِيُّنا واحِدٌ فَما هَذِهِ الخُصُومَةُ ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ صِفِّينَ وشَدَّ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، قُلْنا نَعَمْ هو هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يَعْنِي بِـ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ يَعْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ يَعْنِي: اتَّقَوُا الشِّرْكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والماوَرْدِيُّ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوانَ، ولَهُ صُحْبَةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وصَدَّقَ بِهِ أبُو بَكْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ.

الزمر 39:28

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ قَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ المَثَلِ وكَيْفِيَّةَ ضَرْبِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَهو هُنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أيْ: مِن شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: ما ذَكَرْنا مِن إهْلاكِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَثَلٌ لِهَؤُلاءِ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ فَيَعْتَبِرُونَ. وانْتِصابُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا عَلى الحالِ مِن هَذا وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وتُسَمّى هَذِهِ حالًا مُوطِئَةً؛ لِأنَّ الحالَ في الحَقِيقَةِ هو عَرَبِيًّا، وقُرْآنًا تَوْطِئَةً لَهُ، نَحْوَ جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا: كَذا قالَ الأخْفَشُ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ. قالَ الزَّجّاجُ: عَرَبِيًّا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، وقُرْآنًا تَوْكِيدٌ، ومَعْنى ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ لا اخْتِلافَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. قالَ الضَّحّاكُ أيْ: غَيْرَ مُخْتَلِفٍ. قالَ النَّحّاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ قَوْلُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: غَيْرَ مُتَضادٍّ. وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَبْسٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَحْنٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي شَكٍّ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وقَدْ أتاكَ يَمِينٌ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ عِلَّةٌ أُخْرى بَعْدَ العِلَّةِ الأُولى. وهِيَ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ يَتَّقُوا الكُفْرَ والكَذِبَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَثَلًا مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ لِلتَّذْكِيرِ والإيقاظِ، فَقالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أيْ: تَمْثِيلُ حالَةٍ عَجِيبَةٍ بِأُخْرى مِثْلِها. ثُمَّ بَيَّنَ المَثَلَ فَقالَ: ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَ رَجُلًا لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا بِرَجُلٍ، وقِيلَ: إنَّ رَجُلًا هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، ومَثَلًا هو المَفْعُولُ الثّانِي، وأُخِّرَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِيَتَّصِلَ بِما هو مِن تَمامِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ يس، وجُمْلَةُ ﴿فِيهِ شُرَكاءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِرَجُلٍ، والتَّشاكُسُ التَّخالُفُ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: مُخْتَلِفُونَ. وقالَ المُبَرِّدُ أيْ: مُتَعاسِرُونَ مِن شَكِسَ يَشْكَسُ شَكَسًا فَهو شَكِسٌ مِثْلَ عَسِرَ يَعْسَرُ عَسَرًا فَهو عَسِرٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّشاكُسُ الِاخْتِلافُ. قالَ: ويُقالُ: رَجُلٌ شَكْسٌ بِالتَّسْكِينِ أيْ: صَعْبُ الخُلُقِ، وهَذا مِثْلُ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وعَبَدَ آلِهَةً كَثِيرَةً. ثُمَّ قالَ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أيْ: خالِصًا لَهُ، وهَذا مِثْلُ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ سَلَمًا بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ " سالِمًا " بِالألِفِ وكَسْرِ اللّامِ اسْمُ فاعِلٍ مِن سَلِمَ لَهُ فَهو سالِمٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ قالَ: لِأنَّ السّالِمَ الخالِصَ ضِدُّ المُشْتَرَكِ، والسِّلْمَ ضِدُّ الحَرْبِ ولا مَوْضِعَ لِلْحَرْبِ هاهُنا. وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الحَرْفَ إذا كانَ لَهُ مَعْنَيانِ لَمْ يُحْمَلْ إلّا عَلى أوْلاهُما فالسِّلْمُ وإنْ كانَ ضِدَّ الحَرْبِ فَلَهُ مَعْنًى آخَرُ بِمَعْنى سالِمٍ، مِن سَلِمَ لَهُ كَذا: إذا خَلَصَ لَهُ. وأيْضًا يَلْزَمُهُ في سالِمٍ ما أُلْزِمَ بِهِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: شَيْءٌ سالِمٌ أيْ: لا عاهَةَ بِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى. والحاصِلُ أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي عَلى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذا سِلْمٍ، ومِثْلُها قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَن مَعَهُ. ثُمَّ جاءَ - سُبْحانَهُ - بِما يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَقالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِي هَذا الَّذِي يَخْدِمُ جَماعَةً شُرَكاءَ أخْلاقُهم مُخْتَلِفَةٌ ونِيّاتُهم مُتَبايِنَةٌ يَسْتَخْدِمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَيَتْعَبُ ويَنْصَبُ مَعَ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم غَيْرَ راضٍ بِخِدْمَتِهِ، وهَذا الَّذِي يَخْدِمُ واحِدًا لا يُنازِعُهُ غَيْرُهُ إذا أطاعَهُ رَضِيَ عَنْهُ، وإذا عَصاهُ عَفا عَنْهُ. فَإنَّ بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الِاخْتِلافِ الظّاهِرِ الواضِحِ ما لا يَقْدِرُ عاقِلٌ أنْ يَتَفَوَّهَ بِاسْتِوائِهِما؛ لِأنَّ أحَدَهُما في أعْلى المَنازِلِ، والآخَرَ في أدْناها، وانْتِصابُ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ لِأنَّ الأصْلَ هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما، وأفْرَدَ التَّمْيِيزَ ولَمْ يُثَنِّهِ لِأنَّ الأصْلَ في التَّمْيِيزِ الإفْرادُ لِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلْجِنْسِ وجُمْلَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ، ولِلْإيذانِ لِلْمُوَحِّدِينَ بِما في تَوْحِيدِهِمْ لِلَّهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المُسْتَحَقَّةِ لِتَخْصِيصِ الحَمْدِ بِهِ. ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْيِ الِاسْتِواءِ المَفْهُومِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إلى بَيانِ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ ووُضُوحِهِ. قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ: والمُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ والظّاهِرُ خِلافُ ما قالاهُ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ يَعْلَمُونَ ما في التَّوْحِيدِ مِن رِفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ، وإنَّ الشِّرْكَ لا يُماثِلُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يُساوِيهِ (p-١٢٨٣)فِي وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ، ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وأنَّ الحَمْدَ مُخْتَصٌّ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ المَوْتَ يُدْرِكُهُ ويُدْرِكُهم لا مَحالَةَ فَقالَ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ مَيِّتٌ، ومَيِّتُونَ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ واليَمانِيُّ " مائِتٌ ومائِتُونَ " وبِها قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. وقَدِ اسْتَحْسَنَ هَذِهِ القِراءَةَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لِكَوْنِ مَوْتِهِ ومَوْتِهِمْ مُسْتَقْبَلًا، ولا وجْهَ لِلِاسْتِحْسانِ، فَإنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ تُفِيدُ هَذا المَعْنى. قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: المَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ مَن لَمْ يَمُتْ وسَيَمُوتُ، والمَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ مَن قَدْ ماتَ وفارَقَتْهُ الرُّوحُ. قالَ قَتادَةُ: نُعِيَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَفْسُهُ ونُعِيَتْ إلَيْهِمْ أنْفُسُهم. ووَجْهُ هَذا الِاخْتِيارِ الإعْلامُ لِلصَّحابَةِ بِأنَّهُ يَمُوتُ. فَقَدْ كانَ بَعْضُهم يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يَمُوتُ مَعَ كَوْنِهِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: تُخاصِمُهم يا مُحَمَّدُ وتَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَهم وأنْذَرْتَهم وهم يُخاصِمُونَكَ، أوْ يُخاصِمُ المُؤْمِنُ الكافِرَ، والظّالِمُ المَظْلُومَ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ المُخْتَصِمِينَ فَقالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، فَزَعَمَ أنَّ لَهُ ولَدًا أوْ شَرِيكًا أوْ صاحِبَةً ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن دُعاءِ النّاسِ إلى التَّوْحِيدِ، وأمْرِهِمْ بِالقِيامِ بِفَرائِضِ الشَّرْعِ ونَهْيِهِمْ عَنْ مُحَرَّماتِهِ وإخْبارِهِمْ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِ والعاصِي. ثُمَّ اسْتَفْهَمَ - سُبْحانَهُ - اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: ألَيْسَ لِهَؤُلاءِ المُفْتَرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالصِّدْقِ، والمَثْوى: المُقامُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن ثَوى بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ يَثْوِي ثَواءً وثُوِيًّا، مِثْلُ مَضى مَضاءً ومُضِيًّا. وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّهُ يُقالُ: أثْوى وأنْشَدَ قَوْلَ الأعْشى: ؎أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَةً لِيُزَوَّدا ∗∗∗ ومَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا وأنْكَرَ ذَلِكَ الأصْمَعِيُّ وقالَ لا نَعْرِفُ أثْوى. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرِيقَ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ فَقالَ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن تابَعَهُ وخَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ أبُو بَكْرٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ. وقالَ النَّخَعِيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالقُرْآنِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في كُلِّ مَن دَعا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وأرْشَدَ إلى ما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وهو الَّذِي اخْتارَهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ " والَّذِينَ جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ " . ولَفْظُ الَّذِي كَما وقَعَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَمَعْناهُ الجَمْعُ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ أيِ: المُتَّصِفُونَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي عُنْوانُ النَّجاةِ. وقَرَأ أبُو صالِحٍ " وصَدَقَ " بِهِ مُخَفَّفًا أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسُ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما لِهَؤُلاءِ الصّادِقِينَ المُصَدِّقِينَ في الآخِرَةِ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: لَهم كُلُّ ما يَشاءُونَهُ مِن رَفْعِ الدَّرَجاتِ ودَفْعِ المَضَرّاتِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، وفي هَذا تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ وتَشْوِيقٌ بالِغٌ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن جَزائِهِمْ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا في أعْمالِهِمْ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أنَّ الإحْسانَ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما هو الغايَةُ مِمّا لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ فَقالَ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ هو أعْظَمُ ما يَرْجُونَهُ مِن دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إذا غَفَرَ لَهم ما هو الأسْوَأُ مِن أعْمالِهِمْ غَفَرَ لَهم ما دُونَهُ بِطَرِيقَةِ الأوْلى، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يَشاءُونَ أوْ بِـ المُحْسِنِينَ أوْ بِمَحْذُوفٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ أسْوَأ عَلى أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. وقِيلَ: لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ بَلْ بِمَعْنى: سَيِّءَ الَّذِي عَمِلُوا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ " أسْواءَ " بِألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ بِزِنَةِ أجْمالٍ، جَمْعُ سُوءٍ. ﴿ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهم ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى جَلْبِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ وإضافَةِ الأحْسَنِ إلى ما بَعْدَهُ لَيْسَتْ مِن إضافَةِ المُفَضَّلِ إلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، بَلْ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى بَعْضِهِ قَصْدًا إلى التَّوْضِيحِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَفْضِيلٍ. قالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ ولا يَجْزِيهِمُ المَساوِئَ. وقَدْ أخْرَجَ الآجُرِّيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قالَ: غَيْرَ مَخْلُوقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ الآيَةَ قالَ: الرَّجُلُ يَعْبُدُ آلِهَةً شَتّى، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأهْلِ الأوْثانِ ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ يَعْبُدُ إلَهًا واحِدًا ضَرَبَ لِنَفْسِهِ مَثَلًا. وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ قالَ: لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ شَيْءٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ لَبِثْنا بُرْهَةً مِن دَهْرِنا، ونَحْنُ نَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِينا وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِنا. ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ الآيَةَ، حَتّى رَأيْتُ بَعْضَنا يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، فَعَرَفْتُ أنَّها نَزَلَتْ فِينا. وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَزَلَتْ عَلَيْنا الآيَةُ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ وما نَدْرِي ما تَفْسِيرُها حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ، فَقُلْنا هَذا الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا أنْ نَخْتَصِمَ فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ (p-١٢٨٤)وصَحَّحَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُكَرَّرُ عَلَيْنا ما يَكُونُ بَيْنَنا في الدُّنْيا مَعَ خَواصِّ الذُّنُوبِ ؟ قالَ: نَعَمْ لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكم ذَلِكَ حَتّى يُؤَدّى إلى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. قالَ الزُّبَيْرُ: فَواللَّهِ إنَّ الأمْرَ لَشَدِيدٌ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ كُنّا نَقُولُ: رَبُّنا واحِدٌ ودِينُنا واحِدٌ ونَبِيُّنا واحِدٌ فَما هَذِهِ الخُصُومَةُ ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ صِفِّينَ وشَدَّ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، قُلْنا نَعَمْ هو هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يَعْنِي بِـ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ يَعْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ يَعْنِي: اتَّقَوُا الشِّرْكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والماوَرْدِيُّ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوانَ، ولَهُ صُحْبَةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وصَدَّقَ بِهِ أبُو بَكْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ.