Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الزمر 39:29 – الزمر 39:60
المحتويات
- الزمر 39:29
- الزمر 39:30
- الزمر 39:31
- الزمر 39:32
- الزمر 39:33
- الزمر 39:34
- الزمر 39:35
- الزمر 39:36
- الزمر 39:37
- الزمر 39:38
- الزمر 39:39
- الزمر 39:40
- الزمر 39:41
- الزمر 39:42
- الزمر 39:43
- الزمر 39:44
- الزمر 39:45
- الزمر 39:46
- الزمر 39:47
- الزمر 39:48
- الزمر 39:49
- الزمر 39:50
- الزمر 39:51
- الزمر 39:52
- الزمر 39:53
- الزمر 39:54
- الزمر 39:55
- الزمر 39:56
- الزمر 39:57
- الزمر 39:58
- الزمر 39:59
- الزمر 39:60
الزمر 39:29
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ قَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ المَثَلِ وكَيْفِيَّةَ ضَرْبِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَهو هُنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أيْ: مِن شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: ما ذَكَرْنا مِن إهْلاكِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَثَلٌ لِهَؤُلاءِ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ فَيَعْتَبِرُونَ.
وانْتِصابُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا عَلى الحالِ مِن هَذا وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وتُسَمّى هَذِهِ حالًا مُوطِئَةً؛ لِأنَّ الحالَ في الحَقِيقَةِ هو عَرَبِيًّا، وقُرْآنًا تَوْطِئَةً لَهُ، نَحْوَ جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا: كَذا قالَ الأخْفَشُ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ.
قالَ الزَّجّاجُ: عَرَبِيًّا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، وقُرْآنًا تَوْكِيدٌ، ومَعْنى ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ لا اخْتِلافَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. قالَ الضَّحّاكُ أيْ: غَيْرَ مُخْتَلِفٍ.
قالَ النَّحّاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ قَوْلُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: غَيْرَ مُتَضادٍّ.
وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَبْسٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَحْنٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي شَكٍّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ أتاكَ يَمِينٌ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ
﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ عِلَّةٌ أُخْرى بَعْدَ العِلَّةِ الأُولى.
وهِيَ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ يَتَّقُوا الكُفْرَ والكَذِبَ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَثَلًا مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ لِلتَّذْكِيرِ والإيقاظِ، فَقالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أيْ: تَمْثِيلُ حالَةٍ عَجِيبَةٍ بِأُخْرى مِثْلِها.
ثُمَّ بَيَّنَ المَثَلَ فَقالَ: ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَ رَجُلًا لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا بِرَجُلٍ، وقِيلَ: إنَّ رَجُلًا هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، ومَثَلًا هو المَفْعُولُ الثّانِي، وأُخِّرَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِيَتَّصِلَ بِما هو مِن تَمامِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ يس، وجُمْلَةُ ﴿فِيهِ شُرَكاءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِرَجُلٍ، والتَّشاكُسُ التَّخالُفُ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: مُخْتَلِفُونَ. وقالَ المُبَرِّدُ أيْ: مُتَعاسِرُونَ مِن شَكِسَ يَشْكَسُ شَكَسًا فَهو شَكِسٌ مِثْلَ عَسِرَ يَعْسَرُ عَسَرًا فَهو عَسِرٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّشاكُسُ الِاخْتِلافُ.
قالَ: ويُقالُ: رَجُلٌ شَكْسٌ بِالتَّسْكِينِ أيْ: صَعْبُ الخُلُقِ، وهَذا مِثْلُ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وعَبَدَ آلِهَةً كَثِيرَةً.
ثُمَّ قالَ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أيْ: خالِصًا لَهُ، وهَذا مِثْلُ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سَلَمًا بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ " سالِمًا " بِالألِفِ وكَسْرِ اللّامِ اسْمُ فاعِلٍ مِن سَلِمَ لَهُ فَهو سالِمٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ قالَ: لِأنَّ السّالِمَ الخالِصَ ضِدُّ المُشْتَرَكِ، والسِّلْمَ ضِدُّ الحَرْبِ ولا مَوْضِعَ لِلْحَرْبِ هاهُنا.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الحَرْفَ إذا كانَ لَهُ مَعْنَيانِ لَمْ يُحْمَلْ إلّا عَلى أوْلاهُما فالسِّلْمُ وإنْ كانَ ضِدَّ الحَرْبِ فَلَهُ مَعْنًى آخَرُ بِمَعْنى سالِمٍ، مِن سَلِمَ لَهُ كَذا: إذا خَلَصَ لَهُ.
وأيْضًا يَلْزَمُهُ في سالِمٍ ما أُلْزِمَ بِهِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: شَيْءٌ سالِمٌ أيْ: لا عاهَةَ بِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى.
والحاصِلُ أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي عَلى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذا سِلْمٍ، ومِثْلُها قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَن مَعَهُ.
ثُمَّ جاءَ - سُبْحانَهُ - بِما يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَقالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِي هَذا الَّذِي يَخْدِمُ جَماعَةً شُرَكاءَ أخْلاقُهم مُخْتَلِفَةٌ ونِيّاتُهم مُتَبايِنَةٌ يَسْتَخْدِمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَيَتْعَبُ ويَنْصَبُ مَعَ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم غَيْرَ راضٍ بِخِدْمَتِهِ، وهَذا الَّذِي يَخْدِمُ واحِدًا لا يُنازِعُهُ غَيْرُهُ إذا أطاعَهُ رَضِيَ عَنْهُ، وإذا عَصاهُ عَفا عَنْهُ.
فَإنَّ بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الِاخْتِلافِ الظّاهِرِ الواضِحِ ما لا يَقْدِرُ عاقِلٌ أنْ يَتَفَوَّهَ بِاسْتِوائِهِما؛ لِأنَّ أحَدَهُما في أعْلى المَنازِلِ، والآخَرَ في أدْناها، وانْتِصابُ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ لِأنَّ الأصْلَ هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما، وأفْرَدَ التَّمْيِيزَ ولَمْ يُثَنِّهِ لِأنَّ الأصْلَ في التَّمْيِيزِ الإفْرادُ لِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلْجِنْسِ وجُمْلَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ، ولِلْإيذانِ لِلْمُوَحِّدِينَ بِما في تَوْحِيدِهِمْ لِلَّهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المُسْتَحَقَّةِ لِتَخْصِيصِ الحَمْدِ بِهِ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْيِ الِاسْتِواءِ المَفْهُومِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إلى بَيانِ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ ووُضُوحِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ: والمُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ والظّاهِرُ خِلافُ ما قالاهُ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ يَعْلَمُونَ ما في التَّوْحِيدِ مِن رِفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ، وإنَّ الشِّرْكَ لا يُماثِلُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يُساوِيهِ (p-١٢٨٣)فِي وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ، ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وأنَّ الحَمْدَ مُخْتَصٌّ بِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ المَوْتَ يُدْرِكُهُ ويُدْرِكُهم لا مَحالَةَ فَقالَ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ مَيِّتٌ، ومَيِّتُونَ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ واليَمانِيُّ " مائِتٌ ومائِتُونَ " وبِها قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وقَدِ اسْتَحْسَنَ هَذِهِ القِراءَةَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لِكَوْنِ مَوْتِهِ ومَوْتِهِمْ مُسْتَقْبَلًا، ولا وجْهَ لِلِاسْتِحْسانِ، فَإنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ تُفِيدُ هَذا المَعْنى.
قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: المَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ مَن لَمْ يَمُتْ وسَيَمُوتُ، والمَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ مَن قَدْ ماتَ وفارَقَتْهُ الرُّوحُ.
قالَ قَتادَةُ: نُعِيَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَفْسُهُ ونُعِيَتْ إلَيْهِمْ أنْفُسُهم. ووَجْهُ هَذا الِاخْتِيارِ الإعْلامُ لِلصَّحابَةِ بِأنَّهُ يَمُوتُ. فَقَدْ كانَ بَعْضُهم يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يَمُوتُ مَعَ كَوْنِهِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: تُخاصِمُهم يا مُحَمَّدُ وتَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَهم وأنْذَرْتَهم وهم يُخاصِمُونَكَ، أوْ يُخاصِمُ المُؤْمِنُ الكافِرَ، والظّالِمُ المَظْلُومَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ المُخْتَصِمِينَ فَقالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، فَزَعَمَ أنَّ لَهُ ولَدًا أوْ شَرِيكًا أوْ صاحِبَةً ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن دُعاءِ النّاسِ إلى التَّوْحِيدِ، وأمْرِهِمْ بِالقِيامِ بِفَرائِضِ الشَّرْعِ ونَهْيِهِمْ عَنْ مُحَرَّماتِهِ وإخْبارِهِمْ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِ والعاصِي.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ - سُبْحانَهُ - اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: ألَيْسَ لِهَؤُلاءِ المُفْتَرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالصِّدْقِ، والمَثْوى: المُقامُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن ثَوى بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ يَثْوِي ثَواءً وثُوِيًّا، مِثْلُ مَضى مَضاءً ومُضِيًّا.
وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّهُ يُقالُ: أثْوى وأنْشَدَ قَوْلَ الأعْشى:
؎أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَةً لِيُزَوَّدا ∗∗∗ ومَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا
وأنْكَرَ ذَلِكَ الأصْمَعِيُّ وقالَ لا نَعْرِفُ أثْوى.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرِيقَ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ فَقالَ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن تابَعَهُ وخَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ أبُو بَكْرٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ.
وقالَ النَّخَعِيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالقُرْآنِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في كُلِّ مَن دَعا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وأرْشَدَ إلى ما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وهو الَّذِي اخْتارَهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ " والَّذِينَ جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ " .
ولَفْظُ الَّذِي كَما وقَعَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَمَعْناهُ الجَمْعُ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ أيِ: المُتَّصِفُونَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي عُنْوانُ النَّجاةِ.
وقَرَأ أبُو صالِحٍ " وصَدَقَ " بِهِ مُخَفَّفًا أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما لِهَؤُلاءِ الصّادِقِينَ المُصَدِّقِينَ في الآخِرَةِ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: لَهم كُلُّ ما يَشاءُونَهُ مِن رَفْعِ الدَّرَجاتِ ودَفْعِ المَضَرّاتِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، وفي هَذا تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ وتَشْوِيقٌ بالِغٌ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن جَزائِهِمْ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا في أعْمالِهِمْ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أنَّ الإحْسانَ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما هو الغايَةُ مِمّا لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ فَقالَ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ هو أعْظَمُ ما يَرْجُونَهُ مِن دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إذا غَفَرَ لَهم ما هو الأسْوَأُ مِن أعْمالِهِمْ غَفَرَ لَهم ما دُونَهُ بِطَرِيقَةِ الأوْلى، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يَشاءُونَ أوْ بِـ المُحْسِنِينَ أوْ بِمَحْذُوفٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أسْوَأ عَلى أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. وقِيلَ: لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ بَلْ بِمَعْنى: سَيِّءَ الَّذِي عَمِلُوا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ " أسْواءَ " بِألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ بِزِنَةِ أجْمالٍ، جَمْعُ سُوءٍ.
﴿ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهم ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى جَلْبِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ وإضافَةِ الأحْسَنِ إلى ما بَعْدَهُ لَيْسَتْ مِن إضافَةِ المُفَضَّلِ إلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، بَلْ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى بَعْضِهِ قَصْدًا إلى التَّوْضِيحِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَفْضِيلٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ ولا يَجْزِيهِمُ المَساوِئَ.
وقَدْ أخْرَجَ الآجُرِّيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قالَ: غَيْرَ مَخْلُوقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ الآيَةَ قالَ: الرَّجُلُ يَعْبُدُ آلِهَةً شَتّى، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأهْلِ الأوْثانِ ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ يَعْبُدُ إلَهًا واحِدًا ضَرَبَ لِنَفْسِهِ مَثَلًا.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ قالَ: لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ لَبِثْنا بُرْهَةً مِن دَهْرِنا، ونَحْنُ نَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِينا وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِنا. ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ الآيَةَ، حَتّى رَأيْتُ بَعْضَنا يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، فَعَرَفْتُ أنَّها نَزَلَتْ فِينا.
وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَزَلَتْ عَلَيْنا الآيَةُ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ وما نَدْرِي ما تَفْسِيرُها حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ، فَقُلْنا هَذا الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا أنْ نَخْتَصِمَ فِيهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ (p-١٢٨٤)وصَحَّحَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُكَرَّرُ عَلَيْنا ما يَكُونُ بَيْنَنا في الدُّنْيا مَعَ خَواصِّ الذُّنُوبِ ؟ قالَ: نَعَمْ لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكم ذَلِكَ حَتّى يُؤَدّى إلى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. قالَ الزُّبَيْرُ: فَواللَّهِ إنَّ الأمْرَ لَشَدِيدٌ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ كُنّا نَقُولُ: رَبُّنا واحِدٌ ودِينُنا واحِدٌ ونَبِيُّنا واحِدٌ فَما هَذِهِ الخُصُومَةُ ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ صِفِّينَ وشَدَّ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، قُلْنا نَعَمْ هو هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يَعْنِي بِـ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ يَعْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ يَعْنِي: اتَّقَوُا الشِّرْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والماوَرْدِيُّ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوانَ، ولَهُ صُحْبَةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وصَدَّقَ بِهِ أبُو بَكْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ.
الزمر 39:30
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ قَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ المَثَلِ وكَيْفِيَّةَ ضَرْبِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَهو هُنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أيْ: مِن شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: ما ذَكَرْنا مِن إهْلاكِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَثَلٌ لِهَؤُلاءِ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ فَيَعْتَبِرُونَ.
وانْتِصابُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا عَلى الحالِ مِن هَذا وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وتُسَمّى هَذِهِ حالًا مُوطِئَةً؛ لِأنَّ الحالَ في الحَقِيقَةِ هو عَرَبِيًّا، وقُرْآنًا تَوْطِئَةً لَهُ، نَحْوَ جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا: كَذا قالَ الأخْفَشُ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ.
قالَ الزَّجّاجُ: عَرَبِيًّا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، وقُرْآنًا تَوْكِيدٌ، ومَعْنى ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ لا اخْتِلافَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. قالَ الضَّحّاكُ أيْ: غَيْرَ مُخْتَلِفٍ.
قالَ النَّحّاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ قَوْلُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: غَيْرَ مُتَضادٍّ.
وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَبْسٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَحْنٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي شَكٍّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ أتاكَ يَمِينٌ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ
﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ عِلَّةٌ أُخْرى بَعْدَ العِلَّةِ الأُولى.
وهِيَ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ يَتَّقُوا الكُفْرَ والكَذِبَ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَثَلًا مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ لِلتَّذْكِيرِ والإيقاظِ، فَقالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أيْ: تَمْثِيلُ حالَةٍ عَجِيبَةٍ بِأُخْرى مِثْلِها.
ثُمَّ بَيَّنَ المَثَلَ فَقالَ: ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَ رَجُلًا لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا بِرَجُلٍ، وقِيلَ: إنَّ رَجُلًا هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، ومَثَلًا هو المَفْعُولُ الثّانِي، وأُخِّرَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِيَتَّصِلَ بِما هو مِن تَمامِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ يس، وجُمْلَةُ ﴿فِيهِ شُرَكاءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِرَجُلٍ، والتَّشاكُسُ التَّخالُفُ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: مُخْتَلِفُونَ. وقالَ المُبَرِّدُ أيْ: مُتَعاسِرُونَ مِن شَكِسَ يَشْكَسُ شَكَسًا فَهو شَكِسٌ مِثْلَ عَسِرَ يَعْسَرُ عَسَرًا فَهو عَسِرٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّشاكُسُ الِاخْتِلافُ.
قالَ: ويُقالُ: رَجُلٌ شَكْسٌ بِالتَّسْكِينِ أيْ: صَعْبُ الخُلُقِ، وهَذا مِثْلُ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وعَبَدَ آلِهَةً كَثِيرَةً.
ثُمَّ قالَ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أيْ: خالِصًا لَهُ، وهَذا مِثْلُ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سَلَمًا بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ " سالِمًا " بِالألِفِ وكَسْرِ اللّامِ اسْمُ فاعِلٍ مِن سَلِمَ لَهُ فَهو سالِمٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ قالَ: لِأنَّ السّالِمَ الخالِصَ ضِدُّ المُشْتَرَكِ، والسِّلْمَ ضِدُّ الحَرْبِ ولا مَوْضِعَ لِلْحَرْبِ هاهُنا.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الحَرْفَ إذا كانَ لَهُ مَعْنَيانِ لَمْ يُحْمَلْ إلّا عَلى أوْلاهُما فالسِّلْمُ وإنْ كانَ ضِدَّ الحَرْبِ فَلَهُ مَعْنًى آخَرُ بِمَعْنى سالِمٍ، مِن سَلِمَ لَهُ كَذا: إذا خَلَصَ لَهُ.
وأيْضًا يَلْزَمُهُ في سالِمٍ ما أُلْزِمَ بِهِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: شَيْءٌ سالِمٌ أيْ: لا عاهَةَ بِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى.
والحاصِلُ أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي عَلى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذا سِلْمٍ، ومِثْلُها قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَن مَعَهُ.
ثُمَّ جاءَ - سُبْحانَهُ - بِما يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَقالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِي هَذا الَّذِي يَخْدِمُ جَماعَةً شُرَكاءَ أخْلاقُهم مُخْتَلِفَةٌ ونِيّاتُهم مُتَبايِنَةٌ يَسْتَخْدِمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَيَتْعَبُ ويَنْصَبُ مَعَ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم غَيْرَ راضٍ بِخِدْمَتِهِ، وهَذا الَّذِي يَخْدِمُ واحِدًا لا يُنازِعُهُ غَيْرُهُ إذا أطاعَهُ رَضِيَ عَنْهُ، وإذا عَصاهُ عَفا عَنْهُ.
فَإنَّ بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الِاخْتِلافِ الظّاهِرِ الواضِحِ ما لا يَقْدِرُ عاقِلٌ أنْ يَتَفَوَّهَ بِاسْتِوائِهِما؛ لِأنَّ أحَدَهُما في أعْلى المَنازِلِ، والآخَرَ في أدْناها، وانْتِصابُ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ لِأنَّ الأصْلَ هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما، وأفْرَدَ التَّمْيِيزَ ولَمْ يُثَنِّهِ لِأنَّ الأصْلَ في التَّمْيِيزِ الإفْرادُ لِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلْجِنْسِ وجُمْلَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ، ولِلْإيذانِ لِلْمُوَحِّدِينَ بِما في تَوْحِيدِهِمْ لِلَّهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المُسْتَحَقَّةِ لِتَخْصِيصِ الحَمْدِ بِهِ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْيِ الِاسْتِواءِ المَفْهُومِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إلى بَيانِ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ ووُضُوحِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ: والمُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ والظّاهِرُ خِلافُ ما قالاهُ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ يَعْلَمُونَ ما في التَّوْحِيدِ مِن رِفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ، وإنَّ الشِّرْكَ لا يُماثِلُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يُساوِيهِ (p-١٢٨٣)فِي وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ، ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وأنَّ الحَمْدَ مُخْتَصٌّ بِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ المَوْتَ يُدْرِكُهُ ويُدْرِكُهم لا مَحالَةَ فَقالَ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ مَيِّتٌ، ومَيِّتُونَ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ واليَمانِيُّ " مائِتٌ ومائِتُونَ " وبِها قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وقَدِ اسْتَحْسَنَ هَذِهِ القِراءَةَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لِكَوْنِ مَوْتِهِ ومَوْتِهِمْ مُسْتَقْبَلًا، ولا وجْهَ لِلِاسْتِحْسانِ، فَإنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ تُفِيدُ هَذا المَعْنى.
قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: المَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ مَن لَمْ يَمُتْ وسَيَمُوتُ، والمَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ مَن قَدْ ماتَ وفارَقَتْهُ الرُّوحُ.
قالَ قَتادَةُ: نُعِيَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَفْسُهُ ونُعِيَتْ إلَيْهِمْ أنْفُسُهم. ووَجْهُ هَذا الِاخْتِيارِ الإعْلامُ لِلصَّحابَةِ بِأنَّهُ يَمُوتُ. فَقَدْ كانَ بَعْضُهم يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يَمُوتُ مَعَ كَوْنِهِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: تُخاصِمُهم يا مُحَمَّدُ وتَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَهم وأنْذَرْتَهم وهم يُخاصِمُونَكَ، أوْ يُخاصِمُ المُؤْمِنُ الكافِرَ، والظّالِمُ المَظْلُومَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ المُخْتَصِمِينَ فَقالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، فَزَعَمَ أنَّ لَهُ ولَدًا أوْ شَرِيكًا أوْ صاحِبَةً ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن دُعاءِ النّاسِ إلى التَّوْحِيدِ، وأمْرِهِمْ بِالقِيامِ بِفَرائِضِ الشَّرْعِ ونَهْيِهِمْ عَنْ مُحَرَّماتِهِ وإخْبارِهِمْ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِ والعاصِي.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ - سُبْحانَهُ - اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: ألَيْسَ لِهَؤُلاءِ المُفْتَرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالصِّدْقِ، والمَثْوى: المُقامُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن ثَوى بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ يَثْوِي ثَواءً وثُوِيًّا، مِثْلُ مَضى مَضاءً ومُضِيًّا.
وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّهُ يُقالُ: أثْوى وأنْشَدَ قَوْلَ الأعْشى:
؎أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَةً لِيُزَوَّدا ∗∗∗ ومَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا
وأنْكَرَ ذَلِكَ الأصْمَعِيُّ وقالَ لا نَعْرِفُ أثْوى.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرِيقَ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ فَقالَ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن تابَعَهُ وخَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ أبُو بَكْرٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ.
وقالَ النَّخَعِيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالقُرْآنِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في كُلِّ مَن دَعا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وأرْشَدَ إلى ما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وهو الَّذِي اخْتارَهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ " والَّذِينَ جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ " .
ولَفْظُ الَّذِي كَما وقَعَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَمَعْناهُ الجَمْعُ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ أيِ: المُتَّصِفُونَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي عُنْوانُ النَّجاةِ.
وقَرَأ أبُو صالِحٍ " وصَدَقَ " بِهِ مُخَفَّفًا أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما لِهَؤُلاءِ الصّادِقِينَ المُصَدِّقِينَ في الآخِرَةِ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: لَهم كُلُّ ما يَشاءُونَهُ مِن رَفْعِ الدَّرَجاتِ ودَفْعِ المَضَرّاتِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، وفي هَذا تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ وتَشْوِيقٌ بالِغٌ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن جَزائِهِمْ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا في أعْمالِهِمْ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أنَّ الإحْسانَ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما هو الغايَةُ مِمّا لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ فَقالَ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ هو أعْظَمُ ما يَرْجُونَهُ مِن دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إذا غَفَرَ لَهم ما هو الأسْوَأُ مِن أعْمالِهِمْ غَفَرَ لَهم ما دُونَهُ بِطَرِيقَةِ الأوْلى، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يَشاءُونَ أوْ بِـ المُحْسِنِينَ أوْ بِمَحْذُوفٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أسْوَأ عَلى أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. وقِيلَ: لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ بَلْ بِمَعْنى: سَيِّءَ الَّذِي عَمِلُوا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ " أسْواءَ " بِألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ بِزِنَةِ أجْمالٍ، جَمْعُ سُوءٍ.
﴿ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهم ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى جَلْبِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ وإضافَةِ الأحْسَنِ إلى ما بَعْدَهُ لَيْسَتْ مِن إضافَةِ المُفَضَّلِ إلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، بَلْ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى بَعْضِهِ قَصْدًا إلى التَّوْضِيحِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَفْضِيلٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ ولا يَجْزِيهِمُ المَساوِئَ.
وقَدْ أخْرَجَ الآجُرِّيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قالَ: غَيْرَ مَخْلُوقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ الآيَةَ قالَ: الرَّجُلُ يَعْبُدُ آلِهَةً شَتّى، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأهْلِ الأوْثانِ ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ يَعْبُدُ إلَهًا واحِدًا ضَرَبَ لِنَفْسِهِ مَثَلًا.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ قالَ: لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ لَبِثْنا بُرْهَةً مِن دَهْرِنا، ونَحْنُ نَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِينا وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِنا. ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ الآيَةَ، حَتّى رَأيْتُ بَعْضَنا يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، فَعَرَفْتُ أنَّها نَزَلَتْ فِينا.
وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَزَلَتْ عَلَيْنا الآيَةُ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ وما نَدْرِي ما تَفْسِيرُها حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ، فَقُلْنا هَذا الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا أنْ نَخْتَصِمَ فِيهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ (p-١٢٨٤)وصَحَّحَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُكَرَّرُ عَلَيْنا ما يَكُونُ بَيْنَنا في الدُّنْيا مَعَ خَواصِّ الذُّنُوبِ ؟ قالَ: نَعَمْ لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكم ذَلِكَ حَتّى يُؤَدّى إلى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. قالَ الزُّبَيْرُ: فَواللَّهِ إنَّ الأمْرَ لَشَدِيدٌ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ كُنّا نَقُولُ: رَبُّنا واحِدٌ ودِينُنا واحِدٌ ونَبِيُّنا واحِدٌ فَما هَذِهِ الخُصُومَةُ ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ صِفِّينَ وشَدَّ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، قُلْنا نَعَمْ هو هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يَعْنِي بِـ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ يَعْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ يَعْنِي: اتَّقَوُا الشِّرْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والماوَرْدِيُّ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوانَ، ولَهُ صُحْبَةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وصَدَّقَ بِهِ أبُو بَكْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ.
الزمر 39:31
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ قَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ المَثَلِ وكَيْفِيَّةَ ضَرْبِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَهو هُنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أيْ: مِن شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: ما ذَكَرْنا مِن إهْلاكِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَثَلٌ لِهَؤُلاءِ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ فَيَعْتَبِرُونَ.
وانْتِصابُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا عَلى الحالِ مِن هَذا وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وتُسَمّى هَذِهِ حالًا مُوطِئَةً؛ لِأنَّ الحالَ في الحَقِيقَةِ هو عَرَبِيًّا، وقُرْآنًا تَوْطِئَةً لَهُ، نَحْوَ جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا: كَذا قالَ الأخْفَشُ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ.
قالَ الزَّجّاجُ: عَرَبِيًّا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، وقُرْآنًا تَوْكِيدٌ، ومَعْنى ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ لا اخْتِلافَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. قالَ الضَّحّاكُ أيْ: غَيْرَ مُخْتَلِفٍ.
قالَ النَّحّاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ قَوْلُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: غَيْرَ مُتَضادٍّ.
وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَبْسٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَحْنٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي شَكٍّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ أتاكَ يَمِينٌ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ
﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ عِلَّةٌ أُخْرى بَعْدَ العِلَّةِ الأُولى.
وهِيَ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ يَتَّقُوا الكُفْرَ والكَذِبَ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَثَلًا مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ لِلتَّذْكِيرِ والإيقاظِ، فَقالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أيْ: تَمْثِيلُ حالَةٍ عَجِيبَةٍ بِأُخْرى مِثْلِها.
ثُمَّ بَيَّنَ المَثَلَ فَقالَ: ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَ رَجُلًا لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا بِرَجُلٍ، وقِيلَ: إنَّ رَجُلًا هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، ومَثَلًا هو المَفْعُولُ الثّانِي، وأُخِّرَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِيَتَّصِلَ بِما هو مِن تَمامِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ يس، وجُمْلَةُ ﴿فِيهِ شُرَكاءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِرَجُلٍ، والتَّشاكُسُ التَّخالُفُ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: مُخْتَلِفُونَ. وقالَ المُبَرِّدُ أيْ: مُتَعاسِرُونَ مِن شَكِسَ يَشْكَسُ شَكَسًا فَهو شَكِسٌ مِثْلَ عَسِرَ يَعْسَرُ عَسَرًا فَهو عَسِرٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّشاكُسُ الِاخْتِلافُ.
قالَ: ويُقالُ: رَجُلٌ شَكْسٌ بِالتَّسْكِينِ أيْ: صَعْبُ الخُلُقِ، وهَذا مِثْلُ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وعَبَدَ آلِهَةً كَثِيرَةً.
ثُمَّ قالَ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أيْ: خالِصًا لَهُ، وهَذا مِثْلُ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سَلَمًا بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ " سالِمًا " بِالألِفِ وكَسْرِ اللّامِ اسْمُ فاعِلٍ مِن سَلِمَ لَهُ فَهو سالِمٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ قالَ: لِأنَّ السّالِمَ الخالِصَ ضِدُّ المُشْتَرَكِ، والسِّلْمَ ضِدُّ الحَرْبِ ولا مَوْضِعَ لِلْحَرْبِ هاهُنا.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الحَرْفَ إذا كانَ لَهُ مَعْنَيانِ لَمْ يُحْمَلْ إلّا عَلى أوْلاهُما فالسِّلْمُ وإنْ كانَ ضِدَّ الحَرْبِ فَلَهُ مَعْنًى آخَرُ بِمَعْنى سالِمٍ، مِن سَلِمَ لَهُ كَذا: إذا خَلَصَ لَهُ.
وأيْضًا يَلْزَمُهُ في سالِمٍ ما أُلْزِمَ بِهِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: شَيْءٌ سالِمٌ أيْ: لا عاهَةَ بِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى.
والحاصِلُ أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي عَلى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذا سِلْمٍ، ومِثْلُها قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَن مَعَهُ.
ثُمَّ جاءَ - سُبْحانَهُ - بِما يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَقالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِي هَذا الَّذِي يَخْدِمُ جَماعَةً شُرَكاءَ أخْلاقُهم مُخْتَلِفَةٌ ونِيّاتُهم مُتَبايِنَةٌ يَسْتَخْدِمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَيَتْعَبُ ويَنْصَبُ مَعَ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم غَيْرَ راضٍ بِخِدْمَتِهِ، وهَذا الَّذِي يَخْدِمُ واحِدًا لا يُنازِعُهُ غَيْرُهُ إذا أطاعَهُ رَضِيَ عَنْهُ، وإذا عَصاهُ عَفا عَنْهُ.
فَإنَّ بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الِاخْتِلافِ الظّاهِرِ الواضِحِ ما لا يَقْدِرُ عاقِلٌ أنْ يَتَفَوَّهَ بِاسْتِوائِهِما؛ لِأنَّ أحَدَهُما في أعْلى المَنازِلِ، والآخَرَ في أدْناها، وانْتِصابُ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ لِأنَّ الأصْلَ هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما، وأفْرَدَ التَّمْيِيزَ ولَمْ يُثَنِّهِ لِأنَّ الأصْلَ في التَّمْيِيزِ الإفْرادُ لِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلْجِنْسِ وجُمْلَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ، ولِلْإيذانِ لِلْمُوَحِّدِينَ بِما في تَوْحِيدِهِمْ لِلَّهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المُسْتَحَقَّةِ لِتَخْصِيصِ الحَمْدِ بِهِ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْيِ الِاسْتِواءِ المَفْهُومِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إلى بَيانِ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ ووُضُوحِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ: والمُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ والظّاهِرُ خِلافُ ما قالاهُ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ يَعْلَمُونَ ما في التَّوْحِيدِ مِن رِفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ، وإنَّ الشِّرْكَ لا يُماثِلُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يُساوِيهِ (p-١٢٨٣)فِي وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ، ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وأنَّ الحَمْدَ مُخْتَصٌّ بِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ المَوْتَ يُدْرِكُهُ ويُدْرِكُهم لا مَحالَةَ فَقالَ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ مَيِّتٌ، ومَيِّتُونَ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ واليَمانِيُّ " مائِتٌ ومائِتُونَ " وبِها قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وقَدِ اسْتَحْسَنَ هَذِهِ القِراءَةَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لِكَوْنِ مَوْتِهِ ومَوْتِهِمْ مُسْتَقْبَلًا، ولا وجْهَ لِلِاسْتِحْسانِ، فَإنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ تُفِيدُ هَذا المَعْنى.
قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: المَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ مَن لَمْ يَمُتْ وسَيَمُوتُ، والمَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ مَن قَدْ ماتَ وفارَقَتْهُ الرُّوحُ.
قالَ قَتادَةُ: نُعِيَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَفْسُهُ ونُعِيَتْ إلَيْهِمْ أنْفُسُهم. ووَجْهُ هَذا الِاخْتِيارِ الإعْلامُ لِلصَّحابَةِ بِأنَّهُ يَمُوتُ. فَقَدْ كانَ بَعْضُهم يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يَمُوتُ مَعَ كَوْنِهِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: تُخاصِمُهم يا مُحَمَّدُ وتَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَهم وأنْذَرْتَهم وهم يُخاصِمُونَكَ، أوْ يُخاصِمُ المُؤْمِنُ الكافِرَ، والظّالِمُ المَظْلُومَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ المُخْتَصِمِينَ فَقالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، فَزَعَمَ أنَّ لَهُ ولَدًا أوْ شَرِيكًا أوْ صاحِبَةً ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن دُعاءِ النّاسِ إلى التَّوْحِيدِ، وأمْرِهِمْ بِالقِيامِ بِفَرائِضِ الشَّرْعِ ونَهْيِهِمْ عَنْ مُحَرَّماتِهِ وإخْبارِهِمْ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِ والعاصِي.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ - سُبْحانَهُ - اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: ألَيْسَ لِهَؤُلاءِ المُفْتَرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالصِّدْقِ، والمَثْوى: المُقامُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن ثَوى بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ يَثْوِي ثَواءً وثُوِيًّا، مِثْلُ مَضى مَضاءً ومُضِيًّا.
وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّهُ يُقالُ: أثْوى وأنْشَدَ قَوْلَ الأعْشى:
؎أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَةً لِيُزَوَّدا ∗∗∗ ومَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا
وأنْكَرَ ذَلِكَ الأصْمَعِيُّ وقالَ لا نَعْرِفُ أثْوى.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرِيقَ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ فَقالَ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن تابَعَهُ وخَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ أبُو بَكْرٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ.
وقالَ النَّخَعِيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالقُرْآنِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في كُلِّ مَن دَعا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وأرْشَدَ إلى ما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وهو الَّذِي اخْتارَهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ " والَّذِينَ جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ " .
ولَفْظُ الَّذِي كَما وقَعَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَمَعْناهُ الجَمْعُ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ أيِ: المُتَّصِفُونَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي عُنْوانُ النَّجاةِ.
وقَرَأ أبُو صالِحٍ " وصَدَقَ " بِهِ مُخَفَّفًا أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما لِهَؤُلاءِ الصّادِقِينَ المُصَدِّقِينَ في الآخِرَةِ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: لَهم كُلُّ ما يَشاءُونَهُ مِن رَفْعِ الدَّرَجاتِ ودَفْعِ المَضَرّاتِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، وفي هَذا تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ وتَشْوِيقٌ بالِغٌ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن جَزائِهِمْ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا في أعْمالِهِمْ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أنَّ الإحْسانَ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما هو الغايَةُ مِمّا لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ فَقالَ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ هو أعْظَمُ ما يَرْجُونَهُ مِن دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إذا غَفَرَ لَهم ما هو الأسْوَأُ مِن أعْمالِهِمْ غَفَرَ لَهم ما دُونَهُ بِطَرِيقَةِ الأوْلى، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يَشاءُونَ أوْ بِـ المُحْسِنِينَ أوْ بِمَحْذُوفٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أسْوَأ عَلى أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. وقِيلَ: لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ بَلْ بِمَعْنى: سَيِّءَ الَّذِي عَمِلُوا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ " أسْواءَ " بِألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ بِزِنَةِ أجْمالٍ، جَمْعُ سُوءٍ.
﴿ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهم ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى جَلْبِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ وإضافَةِ الأحْسَنِ إلى ما بَعْدَهُ لَيْسَتْ مِن إضافَةِ المُفَضَّلِ إلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، بَلْ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى بَعْضِهِ قَصْدًا إلى التَّوْضِيحِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَفْضِيلٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ ولا يَجْزِيهِمُ المَساوِئَ.
وقَدْ أخْرَجَ الآجُرِّيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قالَ: غَيْرَ مَخْلُوقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ الآيَةَ قالَ: الرَّجُلُ يَعْبُدُ آلِهَةً شَتّى، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأهْلِ الأوْثانِ ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ يَعْبُدُ إلَهًا واحِدًا ضَرَبَ لِنَفْسِهِ مَثَلًا.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ قالَ: لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ لَبِثْنا بُرْهَةً مِن دَهْرِنا، ونَحْنُ نَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِينا وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِنا. ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ الآيَةَ، حَتّى رَأيْتُ بَعْضَنا يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، فَعَرَفْتُ أنَّها نَزَلَتْ فِينا.
وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَزَلَتْ عَلَيْنا الآيَةُ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ وما نَدْرِي ما تَفْسِيرُها حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ، فَقُلْنا هَذا الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا أنْ نَخْتَصِمَ فِيهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ (p-١٢٨٤)وصَحَّحَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُكَرَّرُ عَلَيْنا ما يَكُونُ بَيْنَنا في الدُّنْيا مَعَ خَواصِّ الذُّنُوبِ ؟ قالَ: نَعَمْ لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكم ذَلِكَ حَتّى يُؤَدّى إلى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. قالَ الزُّبَيْرُ: فَواللَّهِ إنَّ الأمْرَ لَشَدِيدٌ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ كُنّا نَقُولُ: رَبُّنا واحِدٌ ودِينُنا واحِدٌ ونَبِيُّنا واحِدٌ فَما هَذِهِ الخُصُومَةُ ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ صِفِّينَ وشَدَّ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، قُلْنا نَعَمْ هو هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يَعْنِي بِـ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ يَعْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ يَعْنِي: اتَّقَوُا الشِّرْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والماوَرْدِيُّ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوانَ، ولَهُ صُحْبَةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وصَدَّقَ بِهِ أبُو بَكْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ.
الزمر 39:32
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ قَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ المَثَلِ وكَيْفِيَّةَ ضَرْبِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَهو هُنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أيْ: مِن شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: ما ذَكَرْنا مِن إهْلاكِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَثَلٌ لِهَؤُلاءِ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ فَيَعْتَبِرُونَ.
وانْتِصابُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا عَلى الحالِ مِن هَذا وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وتُسَمّى هَذِهِ حالًا مُوطِئَةً؛ لِأنَّ الحالَ في الحَقِيقَةِ هو عَرَبِيًّا، وقُرْآنًا تَوْطِئَةً لَهُ، نَحْوَ جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا: كَذا قالَ الأخْفَشُ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ.
قالَ الزَّجّاجُ: عَرَبِيًّا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، وقُرْآنًا تَوْكِيدٌ، ومَعْنى ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ لا اخْتِلافَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. قالَ الضَّحّاكُ أيْ: غَيْرَ مُخْتَلِفٍ.
قالَ النَّحّاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ قَوْلُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: غَيْرَ مُتَضادٍّ.
وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَبْسٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَحْنٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي شَكٍّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ أتاكَ يَمِينٌ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ
﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ عِلَّةٌ أُخْرى بَعْدَ العِلَّةِ الأُولى.
وهِيَ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ يَتَّقُوا الكُفْرَ والكَذِبَ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَثَلًا مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ لِلتَّذْكِيرِ والإيقاظِ، فَقالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أيْ: تَمْثِيلُ حالَةٍ عَجِيبَةٍ بِأُخْرى مِثْلِها.
ثُمَّ بَيَّنَ المَثَلَ فَقالَ: ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَ رَجُلًا لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا بِرَجُلٍ، وقِيلَ: إنَّ رَجُلًا هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، ومَثَلًا هو المَفْعُولُ الثّانِي، وأُخِّرَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِيَتَّصِلَ بِما هو مِن تَمامِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ يس، وجُمْلَةُ ﴿فِيهِ شُرَكاءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِرَجُلٍ، والتَّشاكُسُ التَّخالُفُ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: مُخْتَلِفُونَ. وقالَ المُبَرِّدُ أيْ: مُتَعاسِرُونَ مِن شَكِسَ يَشْكَسُ شَكَسًا فَهو شَكِسٌ مِثْلَ عَسِرَ يَعْسَرُ عَسَرًا فَهو عَسِرٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّشاكُسُ الِاخْتِلافُ.
قالَ: ويُقالُ: رَجُلٌ شَكْسٌ بِالتَّسْكِينِ أيْ: صَعْبُ الخُلُقِ، وهَذا مِثْلُ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وعَبَدَ آلِهَةً كَثِيرَةً.
ثُمَّ قالَ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أيْ: خالِصًا لَهُ، وهَذا مِثْلُ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سَلَمًا بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ " سالِمًا " بِالألِفِ وكَسْرِ اللّامِ اسْمُ فاعِلٍ مِن سَلِمَ لَهُ فَهو سالِمٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ قالَ: لِأنَّ السّالِمَ الخالِصَ ضِدُّ المُشْتَرَكِ، والسِّلْمَ ضِدُّ الحَرْبِ ولا مَوْضِعَ لِلْحَرْبِ هاهُنا.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الحَرْفَ إذا كانَ لَهُ مَعْنَيانِ لَمْ يُحْمَلْ إلّا عَلى أوْلاهُما فالسِّلْمُ وإنْ كانَ ضِدَّ الحَرْبِ فَلَهُ مَعْنًى آخَرُ بِمَعْنى سالِمٍ، مِن سَلِمَ لَهُ كَذا: إذا خَلَصَ لَهُ.
وأيْضًا يَلْزَمُهُ في سالِمٍ ما أُلْزِمَ بِهِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: شَيْءٌ سالِمٌ أيْ: لا عاهَةَ بِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى.
والحاصِلُ أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي عَلى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذا سِلْمٍ، ومِثْلُها قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَن مَعَهُ.
ثُمَّ جاءَ - سُبْحانَهُ - بِما يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَقالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِي هَذا الَّذِي يَخْدِمُ جَماعَةً شُرَكاءَ أخْلاقُهم مُخْتَلِفَةٌ ونِيّاتُهم مُتَبايِنَةٌ يَسْتَخْدِمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَيَتْعَبُ ويَنْصَبُ مَعَ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم غَيْرَ راضٍ بِخِدْمَتِهِ، وهَذا الَّذِي يَخْدِمُ واحِدًا لا يُنازِعُهُ غَيْرُهُ إذا أطاعَهُ رَضِيَ عَنْهُ، وإذا عَصاهُ عَفا عَنْهُ.
فَإنَّ بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الِاخْتِلافِ الظّاهِرِ الواضِحِ ما لا يَقْدِرُ عاقِلٌ أنْ يَتَفَوَّهَ بِاسْتِوائِهِما؛ لِأنَّ أحَدَهُما في أعْلى المَنازِلِ، والآخَرَ في أدْناها، وانْتِصابُ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ لِأنَّ الأصْلَ هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما، وأفْرَدَ التَّمْيِيزَ ولَمْ يُثَنِّهِ لِأنَّ الأصْلَ في التَّمْيِيزِ الإفْرادُ لِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلْجِنْسِ وجُمْلَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ، ولِلْإيذانِ لِلْمُوَحِّدِينَ بِما في تَوْحِيدِهِمْ لِلَّهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المُسْتَحَقَّةِ لِتَخْصِيصِ الحَمْدِ بِهِ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْيِ الِاسْتِواءِ المَفْهُومِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إلى بَيانِ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ ووُضُوحِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ: والمُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ والظّاهِرُ خِلافُ ما قالاهُ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ يَعْلَمُونَ ما في التَّوْحِيدِ مِن رِفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ، وإنَّ الشِّرْكَ لا يُماثِلُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يُساوِيهِ (p-١٢٨٣)فِي وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ، ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وأنَّ الحَمْدَ مُخْتَصٌّ بِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ المَوْتَ يُدْرِكُهُ ويُدْرِكُهم لا مَحالَةَ فَقالَ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ مَيِّتٌ، ومَيِّتُونَ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ واليَمانِيُّ " مائِتٌ ومائِتُونَ " وبِها قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وقَدِ اسْتَحْسَنَ هَذِهِ القِراءَةَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لِكَوْنِ مَوْتِهِ ومَوْتِهِمْ مُسْتَقْبَلًا، ولا وجْهَ لِلِاسْتِحْسانِ، فَإنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ تُفِيدُ هَذا المَعْنى.
قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: المَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ مَن لَمْ يَمُتْ وسَيَمُوتُ، والمَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ مَن قَدْ ماتَ وفارَقَتْهُ الرُّوحُ.
قالَ قَتادَةُ: نُعِيَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَفْسُهُ ونُعِيَتْ إلَيْهِمْ أنْفُسُهم. ووَجْهُ هَذا الِاخْتِيارِ الإعْلامُ لِلصَّحابَةِ بِأنَّهُ يَمُوتُ. فَقَدْ كانَ بَعْضُهم يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يَمُوتُ مَعَ كَوْنِهِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: تُخاصِمُهم يا مُحَمَّدُ وتَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَهم وأنْذَرْتَهم وهم يُخاصِمُونَكَ، أوْ يُخاصِمُ المُؤْمِنُ الكافِرَ، والظّالِمُ المَظْلُومَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ المُخْتَصِمِينَ فَقالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، فَزَعَمَ أنَّ لَهُ ولَدًا أوْ شَرِيكًا أوْ صاحِبَةً ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن دُعاءِ النّاسِ إلى التَّوْحِيدِ، وأمْرِهِمْ بِالقِيامِ بِفَرائِضِ الشَّرْعِ ونَهْيِهِمْ عَنْ مُحَرَّماتِهِ وإخْبارِهِمْ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِ والعاصِي.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ - سُبْحانَهُ - اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: ألَيْسَ لِهَؤُلاءِ المُفْتَرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالصِّدْقِ، والمَثْوى: المُقامُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن ثَوى بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ يَثْوِي ثَواءً وثُوِيًّا، مِثْلُ مَضى مَضاءً ومُضِيًّا.
وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّهُ يُقالُ: أثْوى وأنْشَدَ قَوْلَ الأعْشى:
؎أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَةً لِيُزَوَّدا ∗∗∗ ومَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا
وأنْكَرَ ذَلِكَ الأصْمَعِيُّ وقالَ لا نَعْرِفُ أثْوى.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرِيقَ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ فَقالَ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن تابَعَهُ وخَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ أبُو بَكْرٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ.
وقالَ النَّخَعِيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالقُرْآنِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في كُلِّ مَن دَعا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وأرْشَدَ إلى ما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وهو الَّذِي اخْتارَهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ " والَّذِينَ جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ " .
ولَفْظُ الَّذِي كَما وقَعَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَمَعْناهُ الجَمْعُ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ أيِ: المُتَّصِفُونَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي عُنْوانُ النَّجاةِ.
وقَرَأ أبُو صالِحٍ " وصَدَقَ " بِهِ مُخَفَّفًا أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما لِهَؤُلاءِ الصّادِقِينَ المُصَدِّقِينَ في الآخِرَةِ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: لَهم كُلُّ ما يَشاءُونَهُ مِن رَفْعِ الدَّرَجاتِ ودَفْعِ المَضَرّاتِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، وفي هَذا تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ وتَشْوِيقٌ بالِغٌ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن جَزائِهِمْ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا في أعْمالِهِمْ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أنَّ الإحْسانَ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما هو الغايَةُ مِمّا لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ فَقالَ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ هو أعْظَمُ ما يَرْجُونَهُ مِن دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إذا غَفَرَ لَهم ما هو الأسْوَأُ مِن أعْمالِهِمْ غَفَرَ لَهم ما دُونَهُ بِطَرِيقَةِ الأوْلى، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يَشاءُونَ أوْ بِـ المُحْسِنِينَ أوْ بِمَحْذُوفٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أسْوَأ عَلى أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. وقِيلَ: لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ بَلْ بِمَعْنى: سَيِّءَ الَّذِي عَمِلُوا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ " أسْواءَ " بِألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ بِزِنَةِ أجْمالٍ، جَمْعُ سُوءٍ.
﴿ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهم ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى جَلْبِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ وإضافَةِ الأحْسَنِ إلى ما بَعْدَهُ لَيْسَتْ مِن إضافَةِ المُفَضَّلِ إلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، بَلْ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى بَعْضِهِ قَصْدًا إلى التَّوْضِيحِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَفْضِيلٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ ولا يَجْزِيهِمُ المَساوِئَ.
وقَدْ أخْرَجَ الآجُرِّيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قالَ: غَيْرَ مَخْلُوقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ الآيَةَ قالَ: الرَّجُلُ يَعْبُدُ آلِهَةً شَتّى، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأهْلِ الأوْثانِ ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ يَعْبُدُ إلَهًا واحِدًا ضَرَبَ لِنَفْسِهِ مَثَلًا.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ قالَ: لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ لَبِثْنا بُرْهَةً مِن دَهْرِنا، ونَحْنُ نَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِينا وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِنا. ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ الآيَةَ، حَتّى رَأيْتُ بَعْضَنا يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، فَعَرَفْتُ أنَّها نَزَلَتْ فِينا.
وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَزَلَتْ عَلَيْنا الآيَةُ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ وما نَدْرِي ما تَفْسِيرُها حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ، فَقُلْنا هَذا الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا أنْ نَخْتَصِمَ فِيهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ (p-١٢٨٤)وصَحَّحَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُكَرَّرُ عَلَيْنا ما يَكُونُ بَيْنَنا في الدُّنْيا مَعَ خَواصِّ الذُّنُوبِ ؟ قالَ: نَعَمْ لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكم ذَلِكَ حَتّى يُؤَدّى إلى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. قالَ الزُّبَيْرُ: فَواللَّهِ إنَّ الأمْرَ لَشَدِيدٌ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ كُنّا نَقُولُ: رَبُّنا واحِدٌ ودِينُنا واحِدٌ ونَبِيُّنا واحِدٌ فَما هَذِهِ الخُصُومَةُ ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ صِفِّينَ وشَدَّ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، قُلْنا نَعَمْ هو هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يَعْنِي بِـ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ يَعْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ يَعْنِي: اتَّقَوُا الشِّرْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والماوَرْدِيُّ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوانَ، ولَهُ صُحْبَةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وصَدَّقَ بِهِ أبُو بَكْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ.
الزمر 39:33
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ قَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ المَثَلِ وكَيْفِيَّةَ ضَرْبِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَهو هُنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أيْ: مِن شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: ما ذَكَرْنا مِن إهْلاكِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَثَلٌ لِهَؤُلاءِ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ فَيَعْتَبِرُونَ.
وانْتِصابُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا عَلى الحالِ مِن هَذا وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وتُسَمّى هَذِهِ حالًا مُوطِئَةً؛ لِأنَّ الحالَ في الحَقِيقَةِ هو عَرَبِيًّا، وقُرْآنًا تَوْطِئَةً لَهُ، نَحْوَ جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا: كَذا قالَ الأخْفَشُ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ.
قالَ الزَّجّاجُ: عَرَبِيًّا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، وقُرْآنًا تَوْكِيدٌ، ومَعْنى ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ لا اخْتِلافَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. قالَ الضَّحّاكُ أيْ: غَيْرَ مُخْتَلِفٍ.
قالَ النَّحّاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ قَوْلُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: غَيْرَ مُتَضادٍّ.
وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَبْسٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَحْنٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي شَكٍّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ أتاكَ يَمِينٌ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ
﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ عِلَّةٌ أُخْرى بَعْدَ العِلَّةِ الأُولى.
وهِيَ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ يَتَّقُوا الكُفْرَ والكَذِبَ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَثَلًا مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ لِلتَّذْكِيرِ والإيقاظِ، فَقالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أيْ: تَمْثِيلُ حالَةٍ عَجِيبَةٍ بِأُخْرى مِثْلِها.
ثُمَّ بَيَّنَ المَثَلَ فَقالَ: ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَ رَجُلًا لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا بِرَجُلٍ، وقِيلَ: إنَّ رَجُلًا هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، ومَثَلًا هو المَفْعُولُ الثّانِي، وأُخِّرَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِيَتَّصِلَ بِما هو مِن تَمامِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ يس، وجُمْلَةُ ﴿فِيهِ شُرَكاءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِرَجُلٍ، والتَّشاكُسُ التَّخالُفُ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: مُخْتَلِفُونَ. وقالَ المُبَرِّدُ أيْ: مُتَعاسِرُونَ مِن شَكِسَ يَشْكَسُ شَكَسًا فَهو شَكِسٌ مِثْلَ عَسِرَ يَعْسَرُ عَسَرًا فَهو عَسِرٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّشاكُسُ الِاخْتِلافُ.
قالَ: ويُقالُ: رَجُلٌ شَكْسٌ بِالتَّسْكِينِ أيْ: صَعْبُ الخُلُقِ، وهَذا مِثْلُ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وعَبَدَ آلِهَةً كَثِيرَةً.
ثُمَّ قالَ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أيْ: خالِصًا لَهُ، وهَذا مِثْلُ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سَلَمًا بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ " سالِمًا " بِالألِفِ وكَسْرِ اللّامِ اسْمُ فاعِلٍ مِن سَلِمَ لَهُ فَهو سالِمٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ قالَ: لِأنَّ السّالِمَ الخالِصَ ضِدُّ المُشْتَرَكِ، والسِّلْمَ ضِدُّ الحَرْبِ ولا مَوْضِعَ لِلْحَرْبِ هاهُنا.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الحَرْفَ إذا كانَ لَهُ مَعْنَيانِ لَمْ يُحْمَلْ إلّا عَلى أوْلاهُما فالسِّلْمُ وإنْ كانَ ضِدَّ الحَرْبِ فَلَهُ مَعْنًى آخَرُ بِمَعْنى سالِمٍ، مِن سَلِمَ لَهُ كَذا: إذا خَلَصَ لَهُ.
وأيْضًا يَلْزَمُهُ في سالِمٍ ما أُلْزِمَ بِهِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: شَيْءٌ سالِمٌ أيْ: لا عاهَةَ بِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى.
والحاصِلُ أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي عَلى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذا سِلْمٍ، ومِثْلُها قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَن مَعَهُ.
ثُمَّ جاءَ - سُبْحانَهُ - بِما يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَقالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِي هَذا الَّذِي يَخْدِمُ جَماعَةً شُرَكاءَ أخْلاقُهم مُخْتَلِفَةٌ ونِيّاتُهم مُتَبايِنَةٌ يَسْتَخْدِمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَيَتْعَبُ ويَنْصَبُ مَعَ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم غَيْرَ راضٍ بِخِدْمَتِهِ، وهَذا الَّذِي يَخْدِمُ واحِدًا لا يُنازِعُهُ غَيْرُهُ إذا أطاعَهُ رَضِيَ عَنْهُ، وإذا عَصاهُ عَفا عَنْهُ.
فَإنَّ بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الِاخْتِلافِ الظّاهِرِ الواضِحِ ما لا يَقْدِرُ عاقِلٌ أنْ يَتَفَوَّهَ بِاسْتِوائِهِما؛ لِأنَّ أحَدَهُما في أعْلى المَنازِلِ، والآخَرَ في أدْناها، وانْتِصابُ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ لِأنَّ الأصْلَ هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما، وأفْرَدَ التَّمْيِيزَ ولَمْ يُثَنِّهِ لِأنَّ الأصْلَ في التَّمْيِيزِ الإفْرادُ لِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلْجِنْسِ وجُمْلَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ، ولِلْإيذانِ لِلْمُوَحِّدِينَ بِما في تَوْحِيدِهِمْ لِلَّهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المُسْتَحَقَّةِ لِتَخْصِيصِ الحَمْدِ بِهِ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْيِ الِاسْتِواءِ المَفْهُومِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إلى بَيانِ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ ووُضُوحِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ: والمُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ والظّاهِرُ خِلافُ ما قالاهُ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ يَعْلَمُونَ ما في التَّوْحِيدِ مِن رِفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ، وإنَّ الشِّرْكَ لا يُماثِلُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يُساوِيهِ (p-١٢٨٣)فِي وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ، ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وأنَّ الحَمْدَ مُخْتَصٌّ بِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ المَوْتَ يُدْرِكُهُ ويُدْرِكُهم لا مَحالَةَ فَقالَ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ مَيِّتٌ، ومَيِّتُونَ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ واليَمانِيُّ " مائِتٌ ومائِتُونَ " وبِها قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وقَدِ اسْتَحْسَنَ هَذِهِ القِراءَةَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لِكَوْنِ مَوْتِهِ ومَوْتِهِمْ مُسْتَقْبَلًا، ولا وجْهَ لِلِاسْتِحْسانِ، فَإنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ تُفِيدُ هَذا المَعْنى.
قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: المَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ مَن لَمْ يَمُتْ وسَيَمُوتُ، والمَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ مَن قَدْ ماتَ وفارَقَتْهُ الرُّوحُ.
قالَ قَتادَةُ: نُعِيَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَفْسُهُ ونُعِيَتْ إلَيْهِمْ أنْفُسُهم. ووَجْهُ هَذا الِاخْتِيارِ الإعْلامُ لِلصَّحابَةِ بِأنَّهُ يَمُوتُ. فَقَدْ كانَ بَعْضُهم يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يَمُوتُ مَعَ كَوْنِهِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: تُخاصِمُهم يا مُحَمَّدُ وتَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَهم وأنْذَرْتَهم وهم يُخاصِمُونَكَ، أوْ يُخاصِمُ المُؤْمِنُ الكافِرَ، والظّالِمُ المَظْلُومَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ المُخْتَصِمِينَ فَقالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، فَزَعَمَ أنَّ لَهُ ولَدًا أوْ شَرِيكًا أوْ صاحِبَةً ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن دُعاءِ النّاسِ إلى التَّوْحِيدِ، وأمْرِهِمْ بِالقِيامِ بِفَرائِضِ الشَّرْعِ ونَهْيِهِمْ عَنْ مُحَرَّماتِهِ وإخْبارِهِمْ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِ والعاصِي.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ - سُبْحانَهُ - اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: ألَيْسَ لِهَؤُلاءِ المُفْتَرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالصِّدْقِ، والمَثْوى: المُقامُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن ثَوى بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ يَثْوِي ثَواءً وثُوِيًّا، مِثْلُ مَضى مَضاءً ومُضِيًّا.
وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّهُ يُقالُ: أثْوى وأنْشَدَ قَوْلَ الأعْشى:
؎أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَةً لِيُزَوَّدا ∗∗∗ ومَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا
وأنْكَرَ ذَلِكَ الأصْمَعِيُّ وقالَ لا نَعْرِفُ أثْوى.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرِيقَ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ فَقالَ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن تابَعَهُ وخَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ أبُو بَكْرٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ.
وقالَ النَّخَعِيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالقُرْآنِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في كُلِّ مَن دَعا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وأرْشَدَ إلى ما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وهو الَّذِي اخْتارَهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ " والَّذِينَ جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ " .
ولَفْظُ الَّذِي كَما وقَعَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَمَعْناهُ الجَمْعُ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ أيِ: المُتَّصِفُونَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي عُنْوانُ النَّجاةِ.
وقَرَأ أبُو صالِحٍ " وصَدَقَ " بِهِ مُخَفَّفًا أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما لِهَؤُلاءِ الصّادِقِينَ المُصَدِّقِينَ في الآخِرَةِ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: لَهم كُلُّ ما يَشاءُونَهُ مِن رَفْعِ الدَّرَجاتِ ودَفْعِ المَضَرّاتِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، وفي هَذا تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ وتَشْوِيقٌ بالِغٌ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن جَزائِهِمْ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا في أعْمالِهِمْ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أنَّ الإحْسانَ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما هو الغايَةُ مِمّا لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ فَقالَ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ هو أعْظَمُ ما يَرْجُونَهُ مِن دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إذا غَفَرَ لَهم ما هو الأسْوَأُ مِن أعْمالِهِمْ غَفَرَ لَهم ما دُونَهُ بِطَرِيقَةِ الأوْلى، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يَشاءُونَ أوْ بِـ المُحْسِنِينَ أوْ بِمَحْذُوفٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أسْوَأ عَلى أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. وقِيلَ: لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ بَلْ بِمَعْنى: سَيِّءَ الَّذِي عَمِلُوا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ " أسْواءَ " بِألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ بِزِنَةِ أجْمالٍ، جَمْعُ سُوءٍ.
﴿ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهم ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى جَلْبِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ وإضافَةِ الأحْسَنِ إلى ما بَعْدَهُ لَيْسَتْ مِن إضافَةِ المُفَضَّلِ إلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، بَلْ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى بَعْضِهِ قَصْدًا إلى التَّوْضِيحِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَفْضِيلٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ ولا يَجْزِيهِمُ المَساوِئَ.
وقَدْ أخْرَجَ الآجُرِّيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قالَ: غَيْرَ مَخْلُوقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ الآيَةَ قالَ: الرَّجُلُ يَعْبُدُ آلِهَةً شَتّى، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأهْلِ الأوْثانِ ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ يَعْبُدُ إلَهًا واحِدًا ضَرَبَ لِنَفْسِهِ مَثَلًا.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ قالَ: لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ لَبِثْنا بُرْهَةً مِن دَهْرِنا، ونَحْنُ نَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِينا وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِنا. ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ الآيَةَ، حَتّى رَأيْتُ بَعْضَنا يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، فَعَرَفْتُ أنَّها نَزَلَتْ فِينا.
وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَزَلَتْ عَلَيْنا الآيَةُ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ وما نَدْرِي ما تَفْسِيرُها حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ، فَقُلْنا هَذا الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا أنْ نَخْتَصِمَ فِيهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ (p-١٢٨٤)وصَحَّحَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُكَرَّرُ عَلَيْنا ما يَكُونُ بَيْنَنا في الدُّنْيا مَعَ خَواصِّ الذُّنُوبِ ؟ قالَ: نَعَمْ لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكم ذَلِكَ حَتّى يُؤَدّى إلى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. قالَ الزُّبَيْرُ: فَواللَّهِ إنَّ الأمْرَ لَشَدِيدٌ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ كُنّا نَقُولُ: رَبُّنا واحِدٌ ودِينُنا واحِدٌ ونَبِيُّنا واحِدٌ فَما هَذِهِ الخُصُومَةُ ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ صِفِّينَ وشَدَّ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، قُلْنا نَعَمْ هو هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يَعْنِي بِـ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ يَعْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ يَعْنِي: اتَّقَوُا الشِّرْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والماوَرْدِيُّ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوانَ، ولَهُ صُحْبَةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وصَدَّقَ بِهِ أبُو بَكْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ.
الزمر 39:34
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ قَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ المَثَلِ وكَيْفِيَّةَ ضَرْبِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَهو هُنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أيْ: مِن شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: ما ذَكَرْنا مِن إهْلاكِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَثَلٌ لِهَؤُلاءِ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ فَيَعْتَبِرُونَ.
وانْتِصابُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا عَلى الحالِ مِن هَذا وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وتُسَمّى هَذِهِ حالًا مُوطِئَةً؛ لِأنَّ الحالَ في الحَقِيقَةِ هو عَرَبِيًّا، وقُرْآنًا تَوْطِئَةً لَهُ، نَحْوَ جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا: كَذا قالَ الأخْفَشُ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ.
قالَ الزَّجّاجُ: عَرَبِيًّا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، وقُرْآنًا تَوْكِيدٌ، ومَعْنى ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ لا اخْتِلافَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. قالَ الضَّحّاكُ أيْ: غَيْرَ مُخْتَلِفٍ.
قالَ النَّحّاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ قَوْلُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: غَيْرَ مُتَضادٍّ.
وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَبْسٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَحْنٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي شَكٍّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ أتاكَ يَمِينٌ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ
﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ عِلَّةٌ أُخْرى بَعْدَ العِلَّةِ الأُولى.
وهِيَ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ يَتَّقُوا الكُفْرَ والكَذِبَ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَثَلًا مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ لِلتَّذْكِيرِ والإيقاظِ، فَقالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أيْ: تَمْثِيلُ حالَةٍ عَجِيبَةٍ بِأُخْرى مِثْلِها.
ثُمَّ بَيَّنَ المَثَلَ فَقالَ: ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَ رَجُلًا لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا بِرَجُلٍ، وقِيلَ: إنَّ رَجُلًا هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، ومَثَلًا هو المَفْعُولُ الثّانِي، وأُخِّرَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِيَتَّصِلَ بِما هو مِن تَمامِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ يس، وجُمْلَةُ ﴿فِيهِ شُرَكاءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِرَجُلٍ، والتَّشاكُسُ التَّخالُفُ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: مُخْتَلِفُونَ. وقالَ المُبَرِّدُ أيْ: مُتَعاسِرُونَ مِن شَكِسَ يَشْكَسُ شَكَسًا فَهو شَكِسٌ مِثْلَ عَسِرَ يَعْسَرُ عَسَرًا فَهو عَسِرٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّشاكُسُ الِاخْتِلافُ.
قالَ: ويُقالُ: رَجُلٌ شَكْسٌ بِالتَّسْكِينِ أيْ: صَعْبُ الخُلُقِ، وهَذا مِثْلُ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وعَبَدَ آلِهَةً كَثِيرَةً.
ثُمَّ قالَ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أيْ: خالِصًا لَهُ، وهَذا مِثْلُ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سَلَمًا بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ " سالِمًا " بِالألِفِ وكَسْرِ اللّامِ اسْمُ فاعِلٍ مِن سَلِمَ لَهُ فَهو سالِمٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ قالَ: لِأنَّ السّالِمَ الخالِصَ ضِدُّ المُشْتَرَكِ، والسِّلْمَ ضِدُّ الحَرْبِ ولا مَوْضِعَ لِلْحَرْبِ هاهُنا.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الحَرْفَ إذا كانَ لَهُ مَعْنَيانِ لَمْ يُحْمَلْ إلّا عَلى أوْلاهُما فالسِّلْمُ وإنْ كانَ ضِدَّ الحَرْبِ فَلَهُ مَعْنًى آخَرُ بِمَعْنى سالِمٍ، مِن سَلِمَ لَهُ كَذا: إذا خَلَصَ لَهُ.
وأيْضًا يَلْزَمُهُ في سالِمٍ ما أُلْزِمَ بِهِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: شَيْءٌ سالِمٌ أيْ: لا عاهَةَ بِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى.
والحاصِلُ أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي عَلى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذا سِلْمٍ، ومِثْلُها قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَن مَعَهُ.
ثُمَّ جاءَ - سُبْحانَهُ - بِما يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَقالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِي هَذا الَّذِي يَخْدِمُ جَماعَةً شُرَكاءَ أخْلاقُهم مُخْتَلِفَةٌ ونِيّاتُهم مُتَبايِنَةٌ يَسْتَخْدِمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَيَتْعَبُ ويَنْصَبُ مَعَ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم غَيْرَ راضٍ بِخِدْمَتِهِ، وهَذا الَّذِي يَخْدِمُ واحِدًا لا يُنازِعُهُ غَيْرُهُ إذا أطاعَهُ رَضِيَ عَنْهُ، وإذا عَصاهُ عَفا عَنْهُ.
فَإنَّ بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الِاخْتِلافِ الظّاهِرِ الواضِحِ ما لا يَقْدِرُ عاقِلٌ أنْ يَتَفَوَّهَ بِاسْتِوائِهِما؛ لِأنَّ أحَدَهُما في أعْلى المَنازِلِ، والآخَرَ في أدْناها، وانْتِصابُ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ لِأنَّ الأصْلَ هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما، وأفْرَدَ التَّمْيِيزَ ولَمْ يُثَنِّهِ لِأنَّ الأصْلَ في التَّمْيِيزِ الإفْرادُ لِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلْجِنْسِ وجُمْلَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ، ولِلْإيذانِ لِلْمُوَحِّدِينَ بِما في تَوْحِيدِهِمْ لِلَّهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المُسْتَحَقَّةِ لِتَخْصِيصِ الحَمْدِ بِهِ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْيِ الِاسْتِواءِ المَفْهُومِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إلى بَيانِ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ ووُضُوحِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ: والمُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ والظّاهِرُ خِلافُ ما قالاهُ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ يَعْلَمُونَ ما في التَّوْحِيدِ مِن رِفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ، وإنَّ الشِّرْكَ لا يُماثِلُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يُساوِيهِ (p-١٢٨٣)فِي وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ، ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وأنَّ الحَمْدَ مُخْتَصٌّ بِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ المَوْتَ يُدْرِكُهُ ويُدْرِكُهم لا مَحالَةَ فَقالَ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ مَيِّتٌ، ومَيِّتُونَ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ واليَمانِيُّ " مائِتٌ ومائِتُونَ " وبِها قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وقَدِ اسْتَحْسَنَ هَذِهِ القِراءَةَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لِكَوْنِ مَوْتِهِ ومَوْتِهِمْ مُسْتَقْبَلًا، ولا وجْهَ لِلِاسْتِحْسانِ، فَإنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ تُفِيدُ هَذا المَعْنى.
قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: المَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ مَن لَمْ يَمُتْ وسَيَمُوتُ، والمَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ مَن قَدْ ماتَ وفارَقَتْهُ الرُّوحُ.
قالَ قَتادَةُ: نُعِيَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَفْسُهُ ونُعِيَتْ إلَيْهِمْ أنْفُسُهم. ووَجْهُ هَذا الِاخْتِيارِ الإعْلامُ لِلصَّحابَةِ بِأنَّهُ يَمُوتُ. فَقَدْ كانَ بَعْضُهم يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يَمُوتُ مَعَ كَوْنِهِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: تُخاصِمُهم يا مُحَمَّدُ وتَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَهم وأنْذَرْتَهم وهم يُخاصِمُونَكَ، أوْ يُخاصِمُ المُؤْمِنُ الكافِرَ، والظّالِمُ المَظْلُومَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ المُخْتَصِمِينَ فَقالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، فَزَعَمَ أنَّ لَهُ ولَدًا أوْ شَرِيكًا أوْ صاحِبَةً ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن دُعاءِ النّاسِ إلى التَّوْحِيدِ، وأمْرِهِمْ بِالقِيامِ بِفَرائِضِ الشَّرْعِ ونَهْيِهِمْ عَنْ مُحَرَّماتِهِ وإخْبارِهِمْ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِ والعاصِي.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ - سُبْحانَهُ - اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: ألَيْسَ لِهَؤُلاءِ المُفْتَرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالصِّدْقِ، والمَثْوى: المُقامُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن ثَوى بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ يَثْوِي ثَواءً وثُوِيًّا، مِثْلُ مَضى مَضاءً ومُضِيًّا.
وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّهُ يُقالُ: أثْوى وأنْشَدَ قَوْلَ الأعْشى:
؎أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَةً لِيُزَوَّدا ∗∗∗ ومَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا
وأنْكَرَ ذَلِكَ الأصْمَعِيُّ وقالَ لا نَعْرِفُ أثْوى.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرِيقَ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ فَقالَ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن تابَعَهُ وخَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ أبُو بَكْرٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ.
وقالَ النَّخَعِيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالقُرْآنِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في كُلِّ مَن دَعا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وأرْشَدَ إلى ما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وهو الَّذِي اخْتارَهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ " والَّذِينَ جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ " .
ولَفْظُ الَّذِي كَما وقَعَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَمَعْناهُ الجَمْعُ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ أيِ: المُتَّصِفُونَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي عُنْوانُ النَّجاةِ.
وقَرَأ أبُو صالِحٍ " وصَدَقَ " بِهِ مُخَفَّفًا أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما لِهَؤُلاءِ الصّادِقِينَ المُصَدِّقِينَ في الآخِرَةِ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: لَهم كُلُّ ما يَشاءُونَهُ مِن رَفْعِ الدَّرَجاتِ ودَفْعِ المَضَرّاتِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، وفي هَذا تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ وتَشْوِيقٌ بالِغٌ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن جَزائِهِمْ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا في أعْمالِهِمْ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أنَّ الإحْسانَ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما هو الغايَةُ مِمّا لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ فَقالَ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ هو أعْظَمُ ما يَرْجُونَهُ مِن دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إذا غَفَرَ لَهم ما هو الأسْوَأُ مِن أعْمالِهِمْ غَفَرَ لَهم ما دُونَهُ بِطَرِيقَةِ الأوْلى، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يَشاءُونَ أوْ بِـ المُحْسِنِينَ أوْ بِمَحْذُوفٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أسْوَأ عَلى أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. وقِيلَ: لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ بَلْ بِمَعْنى: سَيِّءَ الَّذِي عَمِلُوا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ " أسْواءَ " بِألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ بِزِنَةِ أجْمالٍ، جَمْعُ سُوءٍ.
﴿ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهم ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى جَلْبِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ وإضافَةِ الأحْسَنِ إلى ما بَعْدَهُ لَيْسَتْ مِن إضافَةِ المُفَضَّلِ إلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، بَلْ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى بَعْضِهِ قَصْدًا إلى التَّوْضِيحِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَفْضِيلٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ ولا يَجْزِيهِمُ المَساوِئَ.
وقَدْ أخْرَجَ الآجُرِّيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قالَ: غَيْرَ مَخْلُوقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ الآيَةَ قالَ: الرَّجُلُ يَعْبُدُ آلِهَةً شَتّى، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأهْلِ الأوْثانِ ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ يَعْبُدُ إلَهًا واحِدًا ضَرَبَ لِنَفْسِهِ مَثَلًا.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ قالَ: لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ لَبِثْنا بُرْهَةً مِن دَهْرِنا، ونَحْنُ نَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِينا وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِنا. ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ الآيَةَ، حَتّى رَأيْتُ بَعْضَنا يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، فَعَرَفْتُ أنَّها نَزَلَتْ فِينا.
وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَزَلَتْ عَلَيْنا الآيَةُ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ وما نَدْرِي ما تَفْسِيرُها حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ، فَقُلْنا هَذا الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا أنْ نَخْتَصِمَ فِيهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ (p-١٢٨٤)وصَحَّحَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُكَرَّرُ عَلَيْنا ما يَكُونُ بَيْنَنا في الدُّنْيا مَعَ خَواصِّ الذُّنُوبِ ؟ قالَ: نَعَمْ لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكم ذَلِكَ حَتّى يُؤَدّى إلى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. قالَ الزُّبَيْرُ: فَواللَّهِ إنَّ الأمْرَ لَشَدِيدٌ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ كُنّا نَقُولُ: رَبُّنا واحِدٌ ودِينُنا واحِدٌ ونَبِيُّنا واحِدٌ فَما هَذِهِ الخُصُومَةُ ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ صِفِّينَ وشَدَّ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، قُلْنا نَعَمْ هو هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يَعْنِي بِـ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ يَعْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ يَعْنِي: اتَّقَوُا الشِّرْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والماوَرْدِيُّ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوانَ، ولَهُ صُحْبَةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وصَدَّقَ بِهِ أبُو بَكْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ.
الزمر 39:35
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ قَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ المَثَلِ وكَيْفِيَّةَ ضَرْبِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَهو هُنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أيْ: مِن شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: ما ذَكَرْنا مِن إهْلاكِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَثَلٌ لِهَؤُلاءِ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ فَيَعْتَبِرُونَ.
وانْتِصابُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا عَلى الحالِ مِن هَذا وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وتُسَمّى هَذِهِ حالًا مُوطِئَةً؛ لِأنَّ الحالَ في الحَقِيقَةِ هو عَرَبِيًّا، وقُرْآنًا تَوْطِئَةً لَهُ، نَحْوَ جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا: كَذا قالَ الأخْفَشُ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ.
قالَ الزَّجّاجُ: عَرَبِيًّا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، وقُرْآنًا تَوْكِيدٌ، ومَعْنى ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ لا اخْتِلافَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. قالَ الضَّحّاكُ أيْ: غَيْرَ مُخْتَلِفٍ.
قالَ النَّحّاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ قَوْلُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: غَيْرَ مُتَضادٍّ.
وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَبْسٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي لَحْنٍ، وقِيلَ: غَيْرَ ذِي شَكٍّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ أتاكَ يَمِينٌ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ
﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ عِلَّةٌ أُخْرى بَعْدَ العِلَّةِ الأُولى.
وهِيَ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ يَتَّقُوا الكُفْرَ والكَذِبَ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَثَلًا مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ لِلتَّذْكِيرِ والإيقاظِ، فَقالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أيْ: تَمْثِيلُ حالَةٍ عَجِيبَةٍ بِأُخْرى مِثْلِها.
ثُمَّ بَيَّنَ المَثَلَ فَقالَ: ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَ رَجُلًا لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا بِرَجُلٍ، وقِيلَ: إنَّ رَجُلًا هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، ومَثَلًا هو المَفْعُولُ الثّانِي، وأُخِّرَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِيَتَّصِلَ بِما هو مِن تَمامِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ يس، وجُمْلَةُ ﴿فِيهِ شُرَكاءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِرَجُلٍ، والتَّشاكُسُ التَّخالُفُ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: مُخْتَلِفُونَ. وقالَ المُبَرِّدُ أيْ: مُتَعاسِرُونَ مِن شَكِسَ يَشْكَسُ شَكَسًا فَهو شَكِسٌ مِثْلَ عَسِرَ يَعْسَرُ عَسَرًا فَهو عَسِرٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّشاكُسُ الِاخْتِلافُ.
قالَ: ويُقالُ: رَجُلٌ شَكْسٌ بِالتَّسْكِينِ أيْ: صَعْبُ الخُلُقِ، وهَذا مِثْلُ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وعَبَدَ آلِهَةً كَثِيرَةً.
ثُمَّ قالَ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أيْ: خالِصًا لَهُ، وهَذا مِثْلُ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سَلَمًا بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ " سالِمًا " بِالألِفِ وكَسْرِ اللّامِ اسْمُ فاعِلٍ مِن سَلِمَ لَهُ فَهو سالِمٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ قالَ: لِأنَّ السّالِمَ الخالِصَ ضِدُّ المُشْتَرَكِ، والسِّلْمَ ضِدُّ الحَرْبِ ولا مَوْضِعَ لِلْحَرْبِ هاهُنا.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الحَرْفَ إذا كانَ لَهُ مَعْنَيانِ لَمْ يُحْمَلْ إلّا عَلى أوْلاهُما فالسِّلْمُ وإنْ كانَ ضِدَّ الحَرْبِ فَلَهُ مَعْنًى آخَرُ بِمَعْنى سالِمٍ، مِن سَلِمَ لَهُ كَذا: إذا خَلَصَ لَهُ.
وأيْضًا يَلْزَمُهُ في سالِمٍ ما أُلْزِمَ بِهِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: شَيْءٌ سالِمٌ أيْ: لا عاهَةَ بِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى.
والحاصِلُ أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي عَلى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذا سِلْمٍ، ومِثْلُها قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَن مَعَهُ.
ثُمَّ جاءَ - سُبْحانَهُ - بِما يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَقالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، والمَعْنى: هَلْ يَسْتَوِي هَذا الَّذِي يَخْدِمُ جَماعَةً شُرَكاءَ أخْلاقُهم مُخْتَلِفَةٌ ونِيّاتُهم مُتَبايِنَةٌ يَسْتَخْدِمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَيَتْعَبُ ويَنْصَبُ مَعَ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم غَيْرَ راضٍ بِخِدْمَتِهِ، وهَذا الَّذِي يَخْدِمُ واحِدًا لا يُنازِعُهُ غَيْرُهُ إذا أطاعَهُ رَضِيَ عَنْهُ، وإذا عَصاهُ عَفا عَنْهُ.
فَإنَّ بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الِاخْتِلافِ الظّاهِرِ الواضِحِ ما لا يَقْدِرُ عاقِلٌ أنْ يَتَفَوَّهَ بِاسْتِوائِهِما؛ لِأنَّ أحَدَهُما في أعْلى المَنازِلِ، والآخَرَ في أدْناها، وانْتِصابُ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ لِأنَّ الأصْلَ هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما، وأفْرَدَ التَّمْيِيزَ ولَمْ يُثَنِّهِ لِأنَّ الأصْلَ في التَّمْيِيزِ الإفْرادُ لِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلْجِنْسِ وجُمْلَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ، ولِلْإيذانِ لِلْمُوَحِّدِينَ بِما في تَوْحِيدِهِمْ لِلَّهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المُسْتَحَقَّةِ لِتَخْصِيصِ الحَمْدِ بِهِ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْيِ الِاسْتِواءِ المَفْهُومِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إلى بَيانِ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ ووُضُوحِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ: والمُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ والظّاهِرُ خِلافُ ما قالاهُ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ يَعْلَمُونَ ما في التَّوْحِيدِ مِن رِفْعَةِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ، وإنَّ الشِّرْكَ لا يُماثِلُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يُساوِيهِ (p-١٢٨٣)فِي وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ، ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وأنَّ الحَمْدَ مُخْتَصٌّ بِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ المَوْتَ يُدْرِكُهُ ويُدْرِكُهم لا مَحالَةَ فَقالَ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ مَيِّتٌ، ومَيِّتُونَ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ واليَمانِيُّ " مائِتٌ ومائِتُونَ " وبِها قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وقَدِ اسْتَحْسَنَ هَذِهِ القِراءَةَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لِكَوْنِ مَوْتِهِ ومَوْتِهِمْ مُسْتَقْبَلًا، ولا وجْهَ لِلِاسْتِحْسانِ، فَإنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ تُفِيدُ هَذا المَعْنى.
قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: المَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ مَن لَمْ يَمُتْ وسَيَمُوتُ، والمَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ مَن قَدْ ماتَ وفارَقَتْهُ الرُّوحُ.
قالَ قَتادَةُ: نُعِيَتْ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَفْسُهُ ونُعِيَتْ إلَيْهِمْ أنْفُسُهم. ووَجْهُ هَذا الِاخْتِيارِ الإعْلامُ لِلصَّحابَةِ بِأنَّهُ يَمُوتُ. فَقَدْ كانَ بَعْضُهم يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يَمُوتُ مَعَ كَوْنِهِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: تُخاصِمُهم يا مُحَمَّدُ وتَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَهم وأنْذَرْتَهم وهم يُخاصِمُونَكَ، أوْ يُخاصِمُ المُؤْمِنُ الكافِرَ، والظّالِمُ المَظْلُومَ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ المُخْتَصِمِينَ فَقالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، فَزَعَمَ أنَّ لَهُ ولَدًا أوْ شَرِيكًا أوْ صاحِبَةً ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ وهو ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن دُعاءِ النّاسِ إلى التَّوْحِيدِ، وأمْرِهِمْ بِالقِيامِ بِفَرائِضِ الشَّرْعِ ونَهْيِهِمْ عَنْ مُحَرَّماتِهِ وإخْبارِهِمْ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِ والعاصِي.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ - سُبْحانَهُ - اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: ألَيْسَ لِهَؤُلاءِ المُفْتَرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالصِّدْقِ، والمَثْوى: المُقامُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن ثَوى بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ يَثْوِي ثَواءً وثُوِيًّا، مِثْلُ مَضى مَضاءً ومُضِيًّا.
وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّهُ يُقالُ: أثْوى وأنْشَدَ قَوْلَ الأعْشى:
؎أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَةً لِيُزَوَّدا ∗∗∗ ومَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا
وأنْكَرَ ذَلِكَ الأصْمَعِيُّ وقالَ لا نَعْرِفُ أثْوى.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَرِيقَ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ فَقالَ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن تابَعَهُ وخَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ وقِيلَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ أبُو بَكْرٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والَّذِي صَدَّقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ.
وقالَ النَّخَعِيُّ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالقُرْآنِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عامٌّ في كُلِّ مَن دَعا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وأرْشَدَ إلى ما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وهو الَّذِي اخْتارَهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ " والَّذِينَ جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ " .
ولَفْظُ الَّذِي كَما وقَعَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وإنْ كانَ مُفْرَدًا فَمَعْناهُ الجَمْعُ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ أيِ: المُتَّصِفُونَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي عُنْوانُ النَّجاةِ.
وقَرَأ أبُو صالِحٍ " وصَدَقَ " بِهِ مُخَفَّفًا أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما لِهَؤُلاءِ الصّادِقِينَ المُصَدِّقِينَ في الآخِرَةِ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: لَهم كُلُّ ما يَشاءُونَهُ مِن رَفْعِ الدَّرَجاتِ ودَفْعِ المَضَرّاتِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، وفي هَذا تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ وتَشْوِيقٌ بالِغٌ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن جَزائِهِمْ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا في أعْمالِهِمْ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أنَّ الإحْسانَ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما هو الغايَةُ مِمّا لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ فَقالَ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ هو أعْظَمُ ما يَرْجُونَهُ مِن دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إذا غَفَرَ لَهم ما هو الأسْوَأُ مِن أعْمالِهِمْ غَفَرَ لَهم ما دُونَهُ بِطَرِيقَةِ الأوْلى، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يَشاءُونَ أوْ بِـ المُحْسِنِينَ أوْ بِمَحْذُوفٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أسْوَأ عَلى أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. وقِيلَ: لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ بَلْ بِمَعْنى: سَيِّءَ الَّذِي عَمِلُوا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ " أسْواءَ " بِألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ بِزِنَةِ أجْمالٍ، جَمْعُ سُوءٍ.
﴿ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهم ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى جَلْبِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ وإضافَةِ الأحْسَنِ إلى ما بَعْدَهُ لَيْسَتْ مِن إضافَةِ المُفَضَّلِ إلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، بَلْ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى بَعْضِهِ قَصْدًا إلى التَّوْضِيحِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَفْضِيلٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ ولا يَجْزِيهِمُ المَساوِئَ.
وقَدْ أخْرَجَ الآجُرِّيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قالَ: غَيْرَ مَخْلُوقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ الآيَةَ قالَ: الرَّجُلُ يَعْبُدُ آلِهَةً شَتّى، فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأهْلِ الأوْثانِ ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ يَعْبُدُ إلَهًا واحِدًا ضَرَبَ لِنَفْسِهِ مَثَلًا.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ورَجُلًا سَلَمًا﴾ قالَ: لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ لَبِثْنا بُرْهَةً مِن دَهْرِنا، ونَحْنُ نَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِينا وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِنا. ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ الآيَةَ، حَتّى رَأيْتُ بَعْضَنا يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، فَعَرَفْتُ أنَّها نَزَلَتْ فِينا.
وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَزَلَتْ عَلَيْنا الآيَةُ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ وما نَدْرِي ما تَفْسِيرُها حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ، فَقُلْنا هَذا الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا أنْ نَخْتَصِمَ فِيهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ (p-١٢٨٤)وصَحَّحَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُكَرَّرُ عَلَيْنا ما يَكُونُ بَيْنَنا في الدُّنْيا مَعَ خَواصِّ الذُّنُوبِ ؟ قالَ: نَعَمْ لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكم ذَلِكَ حَتّى يُؤَدّى إلى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. قالَ الزُّبَيْرُ: فَواللَّهِ إنَّ الأمْرَ لَشَدِيدٌ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ كُنّا نَقُولُ: رَبُّنا واحِدٌ ودِينُنا واحِدٌ ونَبِيُّنا واحِدٌ فَما هَذِهِ الخُصُومَةُ ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ صِفِّينَ وشَدَّ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، قُلْنا نَعَمْ هو هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يَعْنِي بِـ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ يَعْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ يَعْنِي: اتَّقَوُا الشِّرْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والماوَرْدِيُّ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوانَ، ولَهُ صُحْبَةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وصَدَّقَ بِهِ أبُو بَكْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ.
الزمر 39:36
قَوْلُهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ عَبْدَهُ بِالإفْرادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عِبادَهُ " بِالجَمْعِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى المُرادُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوِ الجِنْسُ، ويَدْخُلُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى المُرادُ الأنْبِياءُ أوِ المُؤْمِنُونَ أوِ الجَمِيعُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ عَقِبَهُ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ لِعَدَمِ كِفايَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّهُ بِمَكانٍ مِنَ الظُّهُورِ لا يَتَيَسَّرُ لِأحَدٍ أنْ يُنْكِرَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالعَبْدِ والعِبادِ ما يَعُمُّ المُسْلِمَ والكافِرَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّ اللَّهَ كافٍ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ وعَبْدَهُ الكافِرَ هَذا بِالثَّوابِ، وهَذا بِالعِقابِ.
وقُرِئَ " بِكافِي عِبادِهِ " بِالإضافَةِ، وقُرِئَ " يُكافِي " بِصِيغَةِ المُضارِعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، إذِ المَعْنى ألَيْسَ كافِيكَ حالَ تَخْوِيفِهِمْ إيّاكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والَّذِينَ مِن دُونِهِ عِبارَةٌ عَنِ المَعْبُوداتِ الَّتِي يَعْبُدُونَها ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ أيْ: مَن حَقَّ عَلَيْهِ القَضاءُ بِضَلالِهِ فَما لَهُ مِن هادٍ يَهْدِيهِ إلى الرُّشْدِ ويُخْرِجُهُ مِنَ الضَّلالَةِ.
﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ يُخْرِجُهُ مِنَ الهِدايَةِ ويُوقِعُهُ في الضَّلالَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ لِكُلِّ شَيْءٍ قاهِرٍ لَهُ ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن عُصاتِهِ بِما يَصُبُّهُ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ وما يُنْزِلُهُ بِهِمْ مِن سَوْطِ عِقابِهِ.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم إذا سُئِلُوا عَنِ الخالِقِ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - مَنَعَ عِبادَتَهم لِلْأوْثانِ، واتِّخاذَهُمُ الآلِهَةَ مِن دُونِ اللَّهِ، وفي هَذا أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ شَدِيدَةٍ وجَهالَةٍ عَظِيمَةٍ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ الخالِقَ لَهم ولِما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فَكَيْفَ اسْتَحْسَنَتْ عُقُولُهم عِبادَةَ غَيْرِ خالِقِ الكُلِّ وتَشْرِيكَ مَخْلُوقٍ مَعَ خالِقِهِ في العِبادَةِ ؟ وقَدْ كانُوا يُذْكَرُونَ بِحُسْنِ العُقُولِ وكَمالِ الإدْراكِ والفِطْنَةِ التّامَّةِ، ولَكِنَّهم لَمّا قَلَّدُوا أسْلافَهم وأحْسَنُوا الظَّنَّ بِهِمْ هَجَرُوا ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وعَمِلُوا بِما هو مَحْضُ الجَهْلِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ أنْ يُبَكِّتَهم بَعْدَ هَذا الِاعْتِرافِ ويُوَبِّخَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي عَنْ آلِهَتِكم هَذِهِ هَلْ تَقْدِرُ عَلى كَشْفِ ما أرادَهُ اللَّهُ بِي مِنَ الضُّرِّ، والضُّرُّ هو الشِّدَّةُ أوْ أعْلى. ﴿أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ عَنِّي بِحَيْثُ لا تَصِلُ إلَيَّ، والرَّحْمَةُ النِّعْمَةُ والرَّخاءُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُمْسِكاتُ وكاشِفاتُ في المَوْضِعَيْنِ بِالإضافَةِ وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو بِالتَّنْوِينِ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ سَألَهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَكَتُوا، وقالَ غَيْرُهُ: قالُوا لا تَدْفَعُ شَيْئًا مِن قَدَرِ اللَّهِ ولَكِنَّها تُشَفَّعُ، فَنَزَلَ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِي في جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أيْ: عَلَيْهِ، لا عَلى غَيْرِهِ يَعْتَمِدُ المُعْتَمِدُونَ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو.
لِأنَّ كاشِفاتٍ اسْمُ فاعِلٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَتَنْوِينُهُ أجْوَدُ، وبِها قَرَأ الحَسَنُ وعاصِمٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُهَدِّدَهم ويَتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها وتَمَكَّنْتُمْ مِنها ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى حالَتِي الَّتِي أنا عَلَيْها وتَمَكَّنْتُ مِنها، وحُذِفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا قَبْلَهُ.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: يُهِينُهُ ويُذِلُّهُ في الدُّنْيا، فَيَظْهَرُ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُبْطِلُ وخَصْمَهُ المُحِقُّ، والمُرادُ بِهَذا العَذابِ عَذابُ الدُّنْيا وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والذِّلَّةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ في الدّارِ الآخِرَةِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ لَمّا كانَ يَعْظُمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إصْرارُهم عَلى (p-١٢٨٥)الكُفْرِ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ إلّا بِالبَيانِ، لا بِأنْ يَهْدِيَ مَن ضَلَّ، فَقالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ ولِبَيانِ ما كُلِّفُوا بِهِ، وبِالحَقِّ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ: مُحِقِّينَ أوْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ طَرِيقَ الحَقِّ وسَلَكَها ﴿فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ﴾ عَنْها ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى نَفْسِهِ، فَضَرَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لا يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُكَلَّفٍ بِهِدايَتِهِمْ مُخاطَبٍ بِها، بَلْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وقَدْ فَعَلْتَ.
وهَذِهِ الآياتُ هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بَعْدَ هَذا أنْ يُقاتِلَهم حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويَعْمَلُوا بِأحْكامِ الإسْلامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا مِن أنْواعِ قُدْرَتِهِ البالِغَةِ وصَنْعَتِهِ العَجِيبَةِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ أيْ: يَقْبِضُها عِنْدَ حُضُورِ أجَلِها ويُخْرِجُها مِنَ الأبْدانِ ﴿والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ أيْ: ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ أيْ: لَمْ يَحْضُرْ أجَلُها في مَنامِها.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا، فَقِيلَ: يَقْبِضُها عَنِ التَّصَرُّفِ مَعَ بَقاءِ الرُّوحِ في الجَسَدِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ويَقْبِضُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ عِنْدَ انْقِضاءِ أجَلِها قالَ: وقَدْ يَكُونُ تَوَفِّيها نَوْمَها، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى هَذا: والَّتِي لَمْ تَمُتْ وفاتُها نَوْمُها.
قالَ الزَّجّاجُ: لِكُلِّ إنْسانٍ نَفْسانِ: أحَدُهُما نَفْسُ التَّمْيِيزِ وهي الَّتِي تُفارِقُهُ إذا نامَ فَلا يَعْقِلُ، والأُخْرى نَفْسُ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: في هَذا بُعْدٌ إذِ المَفْهُومُ مِنَ الآيَةِ أنَّ النَّفْسَ المَقْبُوضَةَ في الحالَيْنِ شَيْءٌ واحِدٌ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ أيِ: النّائِمَةَ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِمَوْتِهِ، وقَدْ قالَ بِمِثْلِ قَوْلِ الزَّجّاجِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ أرْواحَ الأمْواتِ إذا ماتُوا وأرْواحَ الأحْياءِ إذا نامُوا فَتَتَعارَفُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتَعارَفَ ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ فَيُعِيدُها، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ تَوَفِّي الأنْفُسِ حالَ النَّوْمِ بِإزالَةِ الإحْساسِ وحُصُولِ الآفَةِ بِهِ في مَحَلِّ الحِسِّ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ولا يَرُدُّها إلى الجَسَدِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ ويُرْسِلُ الأُخْرى بِأنْ يُعِيدَ عَلَيْها إحْساسَها.
قِيلَ: ومَعْنى ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: عِنْدَ مَوْتِ أجْسادِها.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في النَّفْسِ والرُّوحِ هَلْ هُما شَيْءٌ واحِدٌ أوْ شَيْئانِ ؟ والكَلامُ في ذَلِكَ يَطُولُ جِدًّا وهو مَعْرُوفٌ في الكُتُبِ المَوْضُوعَةِ لِهَذا الشَّأْنِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قَضى " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: قَضى اللَّهُ عَلَيْها المَوْتَ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى لِمُوافَقَتِها لِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ لِلنُّفُوسِ لَآياتٍ أيْ: لَآياتٍ عَجِيبَةٍ بَدِيعَةٍ دالَّةٍ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولَكِنْ لَيْسَ كَوْنُ ذَلِكَ آياتٍ يَفْهَمُهُ كُلُّ أحَدٍ بَلْ ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذَلِكَ ويَتَدَبَّرُونَهُ ويَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنَّ في هَذا التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّعِظِينَ وتَذْكِرَةً لِلْمُتَذَكِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ الآيَةَ قالَ: نَفْسٌ ورُوحٌ بَيْنَهُما مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ، فَيَتَوَفّى اللَّهُ النَّفْسَ في مَنامِها ويَدَعُ الرُّوحَ في جَوْفِهِ تَتَقَلَّبُ وتَعِيشُ، فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يَقْبِضَهُ قَبَضَ الرُّوحَ فَماتَ، وإنْ أخَّرَ أجَلَهُ رَدَّ النَّفْسَ إلى مَكانِها مِن جَوْفِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: تَلْتَقِي أرْواحُ الأحْياءِ وأرْواحُ الأمْواتِ في المَنامِ فَيَتَساءَلُونَ بَيْنَهم ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُمْسِكُ اللَّهُ أرْواحَ الأمْواتِ ويُرْسِلُ أرْواحَ الأحْياءِ في أجْسادِهِمْ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لا يَغْلَطُ بِشَيْءٍ مِنها فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: كُلُّ نَفْسٍ لَها سَبَبٌ تَجْرِي فِيهِ، فَإذا قُضِيَ عَلَيْها المَوْتُ نامَتْ حَتّى يَنْقَطِعَ السَّبَبُ، والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها تُتْرَكُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا أوى أحَدُكم إلى فِراشِهِ لِيَنْفُضْهُ بِداخِلَةِ إزارِهِ فَإنَّهُ لا يَدْرِي ما خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي وبِاسْمِكَ أرْفَعُهُ، إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها، وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصّالِحِينَ» .
الزمر 39:37
قَوْلُهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ عَبْدَهُ بِالإفْرادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عِبادَهُ " بِالجَمْعِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى المُرادُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوِ الجِنْسُ، ويَدْخُلُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى المُرادُ الأنْبِياءُ أوِ المُؤْمِنُونَ أوِ الجَمِيعُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ عَقِبَهُ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ لِعَدَمِ كِفايَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّهُ بِمَكانٍ مِنَ الظُّهُورِ لا يَتَيَسَّرُ لِأحَدٍ أنْ يُنْكِرَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالعَبْدِ والعِبادِ ما يَعُمُّ المُسْلِمَ والكافِرَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّ اللَّهَ كافٍ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ وعَبْدَهُ الكافِرَ هَذا بِالثَّوابِ، وهَذا بِالعِقابِ.
وقُرِئَ " بِكافِي عِبادِهِ " بِالإضافَةِ، وقُرِئَ " يُكافِي " بِصِيغَةِ المُضارِعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، إذِ المَعْنى ألَيْسَ كافِيكَ حالَ تَخْوِيفِهِمْ إيّاكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والَّذِينَ مِن دُونِهِ عِبارَةٌ عَنِ المَعْبُوداتِ الَّتِي يَعْبُدُونَها ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ أيْ: مَن حَقَّ عَلَيْهِ القَضاءُ بِضَلالِهِ فَما لَهُ مِن هادٍ يَهْدِيهِ إلى الرُّشْدِ ويُخْرِجُهُ مِنَ الضَّلالَةِ.
﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ يُخْرِجُهُ مِنَ الهِدايَةِ ويُوقِعُهُ في الضَّلالَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ لِكُلِّ شَيْءٍ قاهِرٍ لَهُ ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن عُصاتِهِ بِما يَصُبُّهُ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ وما يُنْزِلُهُ بِهِمْ مِن سَوْطِ عِقابِهِ.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم إذا سُئِلُوا عَنِ الخالِقِ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - مَنَعَ عِبادَتَهم لِلْأوْثانِ، واتِّخاذَهُمُ الآلِهَةَ مِن دُونِ اللَّهِ، وفي هَذا أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ شَدِيدَةٍ وجَهالَةٍ عَظِيمَةٍ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ الخالِقَ لَهم ولِما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فَكَيْفَ اسْتَحْسَنَتْ عُقُولُهم عِبادَةَ غَيْرِ خالِقِ الكُلِّ وتَشْرِيكَ مَخْلُوقٍ مَعَ خالِقِهِ في العِبادَةِ ؟ وقَدْ كانُوا يُذْكَرُونَ بِحُسْنِ العُقُولِ وكَمالِ الإدْراكِ والفِطْنَةِ التّامَّةِ، ولَكِنَّهم لَمّا قَلَّدُوا أسْلافَهم وأحْسَنُوا الظَّنَّ بِهِمْ هَجَرُوا ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وعَمِلُوا بِما هو مَحْضُ الجَهْلِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ أنْ يُبَكِّتَهم بَعْدَ هَذا الِاعْتِرافِ ويُوَبِّخَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي عَنْ آلِهَتِكم هَذِهِ هَلْ تَقْدِرُ عَلى كَشْفِ ما أرادَهُ اللَّهُ بِي مِنَ الضُّرِّ، والضُّرُّ هو الشِّدَّةُ أوْ أعْلى. ﴿أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ عَنِّي بِحَيْثُ لا تَصِلُ إلَيَّ، والرَّحْمَةُ النِّعْمَةُ والرَّخاءُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُمْسِكاتُ وكاشِفاتُ في المَوْضِعَيْنِ بِالإضافَةِ وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو بِالتَّنْوِينِ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ سَألَهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَكَتُوا، وقالَ غَيْرُهُ: قالُوا لا تَدْفَعُ شَيْئًا مِن قَدَرِ اللَّهِ ولَكِنَّها تُشَفَّعُ، فَنَزَلَ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِي في جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أيْ: عَلَيْهِ، لا عَلى غَيْرِهِ يَعْتَمِدُ المُعْتَمِدُونَ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو.
لِأنَّ كاشِفاتٍ اسْمُ فاعِلٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَتَنْوِينُهُ أجْوَدُ، وبِها قَرَأ الحَسَنُ وعاصِمٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُهَدِّدَهم ويَتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها وتَمَكَّنْتُمْ مِنها ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى حالَتِي الَّتِي أنا عَلَيْها وتَمَكَّنْتُ مِنها، وحُذِفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا قَبْلَهُ.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: يُهِينُهُ ويُذِلُّهُ في الدُّنْيا، فَيَظْهَرُ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُبْطِلُ وخَصْمَهُ المُحِقُّ، والمُرادُ بِهَذا العَذابِ عَذابُ الدُّنْيا وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والذِّلَّةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ في الدّارِ الآخِرَةِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ لَمّا كانَ يَعْظُمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إصْرارُهم عَلى (p-١٢٨٥)الكُفْرِ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ إلّا بِالبَيانِ، لا بِأنْ يَهْدِيَ مَن ضَلَّ، فَقالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ ولِبَيانِ ما كُلِّفُوا بِهِ، وبِالحَقِّ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ: مُحِقِّينَ أوْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ طَرِيقَ الحَقِّ وسَلَكَها ﴿فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ﴾ عَنْها ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى نَفْسِهِ، فَضَرَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لا يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُكَلَّفٍ بِهِدايَتِهِمْ مُخاطَبٍ بِها، بَلْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وقَدْ فَعَلْتَ.
وهَذِهِ الآياتُ هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بَعْدَ هَذا أنْ يُقاتِلَهم حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويَعْمَلُوا بِأحْكامِ الإسْلامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا مِن أنْواعِ قُدْرَتِهِ البالِغَةِ وصَنْعَتِهِ العَجِيبَةِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ أيْ: يَقْبِضُها عِنْدَ حُضُورِ أجَلِها ويُخْرِجُها مِنَ الأبْدانِ ﴿والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ أيْ: ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ أيْ: لَمْ يَحْضُرْ أجَلُها في مَنامِها.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا، فَقِيلَ: يَقْبِضُها عَنِ التَّصَرُّفِ مَعَ بَقاءِ الرُّوحِ في الجَسَدِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ويَقْبِضُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ عِنْدَ انْقِضاءِ أجَلِها قالَ: وقَدْ يَكُونُ تَوَفِّيها نَوْمَها، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى هَذا: والَّتِي لَمْ تَمُتْ وفاتُها نَوْمُها.
قالَ الزَّجّاجُ: لِكُلِّ إنْسانٍ نَفْسانِ: أحَدُهُما نَفْسُ التَّمْيِيزِ وهي الَّتِي تُفارِقُهُ إذا نامَ فَلا يَعْقِلُ، والأُخْرى نَفْسُ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: في هَذا بُعْدٌ إذِ المَفْهُومُ مِنَ الآيَةِ أنَّ النَّفْسَ المَقْبُوضَةَ في الحالَيْنِ شَيْءٌ واحِدٌ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ أيِ: النّائِمَةَ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِمَوْتِهِ، وقَدْ قالَ بِمِثْلِ قَوْلِ الزَّجّاجِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ أرْواحَ الأمْواتِ إذا ماتُوا وأرْواحَ الأحْياءِ إذا نامُوا فَتَتَعارَفُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتَعارَفَ ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ فَيُعِيدُها، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ تَوَفِّي الأنْفُسِ حالَ النَّوْمِ بِإزالَةِ الإحْساسِ وحُصُولِ الآفَةِ بِهِ في مَحَلِّ الحِسِّ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ولا يَرُدُّها إلى الجَسَدِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ ويُرْسِلُ الأُخْرى بِأنْ يُعِيدَ عَلَيْها إحْساسَها.
قِيلَ: ومَعْنى ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: عِنْدَ مَوْتِ أجْسادِها.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في النَّفْسِ والرُّوحِ هَلْ هُما شَيْءٌ واحِدٌ أوْ شَيْئانِ ؟ والكَلامُ في ذَلِكَ يَطُولُ جِدًّا وهو مَعْرُوفٌ في الكُتُبِ المَوْضُوعَةِ لِهَذا الشَّأْنِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قَضى " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: قَضى اللَّهُ عَلَيْها المَوْتَ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى لِمُوافَقَتِها لِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ لِلنُّفُوسِ لَآياتٍ أيْ: لَآياتٍ عَجِيبَةٍ بَدِيعَةٍ دالَّةٍ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولَكِنْ لَيْسَ كَوْنُ ذَلِكَ آياتٍ يَفْهَمُهُ كُلُّ أحَدٍ بَلْ ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذَلِكَ ويَتَدَبَّرُونَهُ ويَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنَّ في هَذا التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّعِظِينَ وتَذْكِرَةً لِلْمُتَذَكِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ الآيَةَ قالَ: نَفْسٌ ورُوحٌ بَيْنَهُما مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ، فَيَتَوَفّى اللَّهُ النَّفْسَ في مَنامِها ويَدَعُ الرُّوحَ في جَوْفِهِ تَتَقَلَّبُ وتَعِيشُ، فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يَقْبِضَهُ قَبَضَ الرُّوحَ فَماتَ، وإنْ أخَّرَ أجَلَهُ رَدَّ النَّفْسَ إلى مَكانِها مِن جَوْفِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: تَلْتَقِي أرْواحُ الأحْياءِ وأرْواحُ الأمْواتِ في المَنامِ فَيَتَساءَلُونَ بَيْنَهم ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُمْسِكُ اللَّهُ أرْواحَ الأمْواتِ ويُرْسِلُ أرْواحَ الأحْياءِ في أجْسادِهِمْ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لا يَغْلَطُ بِشَيْءٍ مِنها فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: كُلُّ نَفْسٍ لَها سَبَبٌ تَجْرِي فِيهِ، فَإذا قُضِيَ عَلَيْها المَوْتُ نامَتْ حَتّى يَنْقَطِعَ السَّبَبُ، والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها تُتْرَكُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا أوى أحَدُكم إلى فِراشِهِ لِيَنْفُضْهُ بِداخِلَةِ إزارِهِ فَإنَّهُ لا يَدْرِي ما خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي وبِاسْمِكَ أرْفَعُهُ، إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها، وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصّالِحِينَ» .
الزمر 39:38
قَوْلُهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ عَبْدَهُ بِالإفْرادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عِبادَهُ " بِالجَمْعِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى المُرادُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوِ الجِنْسُ، ويَدْخُلُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى المُرادُ الأنْبِياءُ أوِ المُؤْمِنُونَ أوِ الجَمِيعُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ عَقِبَهُ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ لِعَدَمِ كِفايَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّهُ بِمَكانٍ مِنَ الظُّهُورِ لا يَتَيَسَّرُ لِأحَدٍ أنْ يُنْكِرَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالعَبْدِ والعِبادِ ما يَعُمُّ المُسْلِمَ والكافِرَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّ اللَّهَ كافٍ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ وعَبْدَهُ الكافِرَ هَذا بِالثَّوابِ، وهَذا بِالعِقابِ.
وقُرِئَ " بِكافِي عِبادِهِ " بِالإضافَةِ، وقُرِئَ " يُكافِي " بِصِيغَةِ المُضارِعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، إذِ المَعْنى ألَيْسَ كافِيكَ حالَ تَخْوِيفِهِمْ إيّاكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والَّذِينَ مِن دُونِهِ عِبارَةٌ عَنِ المَعْبُوداتِ الَّتِي يَعْبُدُونَها ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ أيْ: مَن حَقَّ عَلَيْهِ القَضاءُ بِضَلالِهِ فَما لَهُ مِن هادٍ يَهْدِيهِ إلى الرُّشْدِ ويُخْرِجُهُ مِنَ الضَّلالَةِ.
﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ يُخْرِجُهُ مِنَ الهِدايَةِ ويُوقِعُهُ في الضَّلالَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ لِكُلِّ شَيْءٍ قاهِرٍ لَهُ ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن عُصاتِهِ بِما يَصُبُّهُ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ وما يُنْزِلُهُ بِهِمْ مِن سَوْطِ عِقابِهِ.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم إذا سُئِلُوا عَنِ الخالِقِ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - مَنَعَ عِبادَتَهم لِلْأوْثانِ، واتِّخاذَهُمُ الآلِهَةَ مِن دُونِ اللَّهِ، وفي هَذا أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ شَدِيدَةٍ وجَهالَةٍ عَظِيمَةٍ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ الخالِقَ لَهم ولِما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فَكَيْفَ اسْتَحْسَنَتْ عُقُولُهم عِبادَةَ غَيْرِ خالِقِ الكُلِّ وتَشْرِيكَ مَخْلُوقٍ مَعَ خالِقِهِ في العِبادَةِ ؟ وقَدْ كانُوا يُذْكَرُونَ بِحُسْنِ العُقُولِ وكَمالِ الإدْراكِ والفِطْنَةِ التّامَّةِ، ولَكِنَّهم لَمّا قَلَّدُوا أسْلافَهم وأحْسَنُوا الظَّنَّ بِهِمْ هَجَرُوا ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وعَمِلُوا بِما هو مَحْضُ الجَهْلِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ أنْ يُبَكِّتَهم بَعْدَ هَذا الِاعْتِرافِ ويُوَبِّخَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي عَنْ آلِهَتِكم هَذِهِ هَلْ تَقْدِرُ عَلى كَشْفِ ما أرادَهُ اللَّهُ بِي مِنَ الضُّرِّ، والضُّرُّ هو الشِّدَّةُ أوْ أعْلى. ﴿أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ عَنِّي بِحَيْثُ لا تَصِلُ إلَيَّ، والرَّحْمَةُ النِّعْمَةُ والرَّخاءُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُمْسِكاتُ وكاشِفاتُ في المَوْضِعَيْنِ بِالإضافَةِ وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو بِالتَّنْوِينِ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ سَألَهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَكَتُوا، وقالَ غَيْرُهُ: قالُوا لا تَدْفَعُ شَيْئًا مِن قَدَرِ اللَّهِ ولَكِنَّها تُشَفَّعُ، فَنَزَلَ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِي في جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أيْ: عَلَيْهِ، لا عَلى غَيْرِهِ يَعْتَمِدُ المُعْتَمِدُونَ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو.
لِأنَّ كاشِفاتٍ اسْمُ فاعِلٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَتَنْوِينُهُ أجْوَدُ، وبِها قَرَأ الحَسَنُ وعاصِمٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُهَدِّدَهم ويَتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها وتَمَكَّنْتُمْ مِنها ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى حالَتِي الَّتِي أنا عَلَيْها وتَمَكَّنْتُ مِنها، وحُذِفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا قَبْلَهُ.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: يُهِينُهُ ويُذِلُّهُ في الدُّنْيا، فَيَظْهَرُ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُبْطِلُ وخَصْمَهُ المُحِقُّ، والمُرادُ بِهَذا العَذابِ عَذابُ الدُّنْيا وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والذِّلَّةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ في الدّارِ الآخِرَةِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ لَمّا كانَ يَعْظُمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إصْرارُهم عَلى (p-١٢٨٥)الكُفْرِ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ إلّا بِالبَيانِ، لا بِأنْ يَهْدِيَ مَن ضَلَّ، فَقالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ ولِبَيانِ ما كُلِّفُوا بِهِ، وبِالحَقِّ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ: مُحِقِّينَ أوْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ طَرِيقَ الحَقِّ وسَلَكَها ﴿فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ﴾ عَنْها ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى نَفْسِهِ، فَضَرَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لا يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُكَلَّفٍ بِهِدايَتِهِمْ مُخاطَبٍ بِها، بَلْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وقَدْ فَعَلْتَ.
وهَذِهِ الآياتُ هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بَعْدَ هَذا أنْ يُقاتِلَهم حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويَعْمَلُوا بِأحْكامِ الإسْلامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا مِن أنْواعِ قُدْرَتِهِ البالِغَةِ وصَنْعَتِهِ العَجِيبَةِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ أيْ: يَقْبِضُها عِنْدَ حُضُورِ أجَلِها ويُخْرِجُها مِنَ الأبْدانِ ﴿والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ أيْ: ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ أيْ: لَمْ يَحْضُرْ أجَلُها في مَنامِها.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا، فَقِيلَ: يَقْبِضُها عَنِ التَّصَرُّفِ مَعَ بَقاءِ الرُّوحِ في الجَسَدِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ويَقْبِضُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ عِنْدَ انْقِضاءِ أجَلِها قالَ: وقَدْ يَكُونُ تَوَفِّيها نَوْمَها، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى هَذا: والَّتِي لَمْ تَمُتْ وفاتُها نَوْمُها.
قالَ الزَّجّاجُ: لِكُلِّ إنْسانٍ نَفْسانِ: أحَدُهُما نَفْسُ التَّمْيِيزِ وهي الَّتِي تُفارِقُهُ إذا نامَ فَلا يَعْقِلُ، والأُخْرى نَفْسُ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: في هَذا بُعْدٌ إذِ المَفْهُومُ مِنَ الآيَةِ أنَّ النَّفْسَ المَقْبُوضَةَ في الحالَيْنِ شَيْءٌ واحِدٌ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ أيِ: النّائِمَةَ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِمَوْتِهِ، وقَدْ قالَ بِمِثْلِ قَوْلِ الزَّجّاجِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ أرْواحَ الأمْواتِ إذا ماتُوا وأرْواحَ الأحْياءِ إذا نامُوا فَتَتَعارَفُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتَعارَفَ ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ فَيُعِيدُها، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ تَوَفِّي الأنْفُسِ حالَ النَّوْمِ بِإزالَةِ الإحْساسِ وحُصُولِ الآفَةِ بِهِ في مَحَلِّ الحِسِّ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ولا يَرُدُّها إلى الجَسَدِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ ويُرْسِلُ الأُخْرى بِأنْ يُعِيدَ عَلَيْها إحْساسَها.
قِيلَ: ومَعْنى ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: عِنْدَ مَوْتِ أجْسادِها.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في النَّفْسِ والرُّوحِ هَلْ هُما شَيْءٌ واحِدٌ أوْ شَيْئانِ ؟ والكَلامُ في ذَلِكَ يَطُولُ جِدًّا وهو مَعْرُوفٌ في الكُتُبِ المَوْضُوعَةِ لِهَذا الشَّأْنِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قَضى " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: قَضى اللَّهُ عَلَيْها المَوْتَ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى لِمُوافَقَتِها لِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ لِلنُّفُوسِ لَآياتٍ أيْ: لَآياتٍ عَجِيبَةٍ بَدِيعَةٍ دالَّةٍ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولَكِنْ لَيْسَ كَوْنُ ذَلِكَ آياتٍ يَفْهَمُهُ كُلُّ أحَدٍ بَلْ ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذَلِكَ ويَتَدَبَّرُونَهُ ويَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنَّ في هَذا التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّعِظِينَ وتَذْكِرَةً لِلْمُتَذَكِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ الآيَةَ قالَ: نَفْسٌ ورُوحٌ بَيْنَهُما مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ، فَيَتَوَفّى اللَّهُ النَّفْسَ في مَنامِها ويَدَعُ الرُّوحَ في جَوْفِهِ تَتَقَلَّبُ وتَعِيشُ، فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يَقْبِضَهُ قَبَضَ الرُّوحَ فَماتَ، وإنْ أخَّرَ أجَلَهُ رَدَّ النَّفْسَ إلى مَكانِها مِن جَوْفِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: تَلْتَقِي أرْواحُ الأحْياءِ وأرْواحُ الأمْواتِ في المَنامِ فَيَتَساءَلُونَ بَيْنَهم ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُمْسِكُ اللَّهُ أرْواحَ الأمْواتِ ويُرْسِلُ أرْواحَ الأحْياءِ في أجْسادِهِمْ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لا يَغْلَطُ بِشَيْءٍ مِنها فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: كُلُّ نَفْسٍ لَها سَبَبٌ تَجْرِي فِيهِ، فَإذا قُضِيَ عَلَيْها المَوْتُ نامَتْ حَتّى يَنْقَطِعَ السَّبَبُ، والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها تُتْرَكُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا أوى أحَدُكم إلى فِراشِهِ لِيَنْفُضْهُ بِداخِلَةِ إزارِهِ فَإنَّهُ لا يَدْرِي ما خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي وبِاسْمِكَ أرْفَعُهُ، إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها، وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصّالِحِينَ» .
الزمر 39:39
قَوْلُهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ عَبْدَهُ بِالإفْرادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عِبادَهُ " بِالجَمْعِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى المُرادُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوِ الجِنْسُ، ويَدْخُلُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى المُرادُ الأنْبِياءُ أوِ المُؤْمِنُونَ أوِ الجَمِيعُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ عَقِبَهُ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ لِعَدَمِ كِفايَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّهُ بِمَكانٍ مِنَ الظُّهُورِ لا يَتَيَسَّرُ لِأحَدٍ أنْ يُنْكِرَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالعَبْدِ والعِبادِ ما يَعُمُّ المُسْلِمَ والكافِرَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّ اللَّهَ كافٍ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ وعَبْدَهُ الكافِرَ هَذا بِالثَّوابِ، وهَذا بِالعِقابِ.
وقُرِئَ " بِكافِي عِبادِهِ " بِالإضافَةِ، وقُرِئَ " يُكافِي " بِصِيغَةِ المُضارِعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، إذِ المَعْنى ألَيْسَ كافِيكَ حالَ تَخْوِيفِهِمْ إيّاكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والَّذِينَ مِن دُونِهِ عِبارَةٌ عَنِ المَعْبُوداتِ الَّتِي يَعْبُدُونَها ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ أيْ: مَن حَقَّ عَلَيْهِ القَضاءُ بِضَلالِهِ فَما لَهُ مِن هادٍ يَهْدِيهِ إلى الرُّشْدِ ويُخْرِجُهُ مِنَ الضَّلالَةِ.
﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ يُخْرِجُهُ مِنَ الهِدايَةِ ويُوقِعُهُ في الضَّلالَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ لِكُلِّ شَيْءٍ قاهِرٍ لَهُ ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن عُصاتِهِ بِما يَصُبُّهُ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ وما يُنْزِلُهُ بِهِمْ مِن سَوْطِ عِقابِهِ.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم إذا سُئِلُوا عَنِ الخالِقِ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - مَنَعَ عِبادَتَهم لِلْأوْثانِ، واتِّخاذَهُمُ الآلِهَةَ مِن دُونِ اللَّهِ، وفي هَذا أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ شَدِيدَةٍ وجَهالَةٍ عَظِيمَةٍ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ الخالِقَ لَهم ولِما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فَكَيْفَ اسْتَحْسَنَتْ عُقُولُهم عِبادَةَ غَيْرِ خالِقِ الكُلِّ وتَشْرِيكَ مَخْلُوقٍ مَعَ خالِقِهِ في العِبادَةِ ؟ وقَدْ كانُوا يُذْكَرُونَ بِحُسْنِ العُقُولِ وكَمالِ الإدْراكِ والفِطْنَةِ التّامَّةِ، ولَكِنَّهم لَمّا قَلَّدُوا أسْلافَهم وأحْسَنُوا الظَّنَّ بِهِمْ هَجَرُوا ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وعَمِلُوا بِما هو مَحْضُ الجَهْلِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ أنْ يُبَكِّتَهم بَعْدَ هَذا الِاعْتِرافِ ويُوَبِّخَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي عَنْ آلِهَتِكم هَذِهِ هَلْ تَقْدِرُ عَلى كَشْفِ ما أرادَهُ اللَّهُ بِي مِنَ الضُّرِّ، والضُّرُّ هو الشِّدَّةُ أوْ أعْلى. ﴿أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ عَنِّي بِحَيْثُ لا تَصِلُ إلَيَّ، والرَّحْمَةُ النِّعْمَةُ والرَّخاءُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُمْسِكاتُ وكاشِفاتُ في المَوْضِعَيْنِ بِالإضافَةِ وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو بِالتَّنْوِينِ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ سَألَهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَكَتُوا، وقالَ غَيْرُهُ: قالُوا لا تَدْفَعُ شَيْئًا مِن قَدَرِ اللَّهِ ولَكِنَّها تُشَفَّعُ، فَنَزَلَ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِي في جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أيْ: عَلَيْهِ، لا عَلى غَيْرِهِ يَعْتَمِدُ المُعْتَمِدُونَ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو.
لِأنَّ كاشِفاتٍ اسْمُ فاعِلٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَتَنْوِينُهُ أجْوَدُ، وبِها قَرَأ الحَسَنُ وعاصِمٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُهَدِّدَهم ويَتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها وتَمَكَّنْتُمْ مِنها ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى حالَتِي الَّتِي أنا عَلَيْها وتَمَكَّنْتُ مِنها، وحُذِفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا قَبْلَهُ.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: يُهِينُهُ ويُذِلُّهُ في الدُّنْيا، فَيَظْهَرُ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُبْطِلُ وخَصْمَهُ المُحِقُّ، والمُرادُ بِهَذا العَذابِ عَذابُ الدُّنْيا وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والذِّلَّةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ في الدّارِ الآخِرَةِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ لَمّا كانَ يَعْظُمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إصْرارُهم عَلى (p-١٢٨٥)الكُفْرِ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ إلّا بِالبَيانِ، لا بِأنْ يَهْدِيَ مَن ضَلَّ، فَقالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ ولِبَيانِ ما كُلِّفُوا بِهِ، وبِالحَقِّ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ: مُحِقِّينَ أوْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ طَرِيقَ الحَقِّ وسَلَكَها ﴿فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ﴾ عَنْها ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى نَفْسِهِ، فَضَرَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لا يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُكَلَّفٍ بِهِدايَتِهِمْ مُخاطَبٍ بِها، بَلْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وقَدْ فَعَلْتَ.
وهَذِهِ الآياتُ هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بَعْدَ هَذا أنْ يُقاتِلَهم حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويَعْمَلُوا بِأحْكامِ الإسْلامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا مِن أنْواعِ قُدْرَتِهِ البالِغَةِ وصَنْعَتِهِ العَجِيبَةِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ أيْ: يَقْبِضُها عِنْدَ حُضُورِ أجَلِها ويُخْرِجُها مِنَ الأبْدانِ ﴿والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ أيْ: ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ أيْ: لَمْ يَحْضُرْ أجَلُها في مَنامِها.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا، فَقِيلَ: يَقْبِضُها عَنِ التَّصَرُّفِ مَعَ بَقاءِ الرُّوحِ في الجَسَدِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ويَقْبِضُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ عِنْدَ انْقِضاءِ أجَلِها قالَ: وقَدْ يَكُونُ تَوَفِّيها نَوْمَها، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى هَذا: والَّتِي لَمْ تَمُتْ وفاتُها نَوْمُها.
قالَ الزَّجّاجُ: لِكُلِّ إنْسانٍ نَفْسانِ: أحَدُهُما نَفْسُ التَّمْيِيزِ وهي الَّتِي تُفارِقُهُ إذا نامَ فَلا يَعْقِلُ، والأُخْرى نَفْسُ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: في هَذا بُعْدٌ إذِ المَفْهُومُ مِنَ الآيَةِ أنَّ النَّفْسَ المَقْبُوضَةَ في الحالَيْنِ شَيْءٌ واحِدٌ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ أيِ: النّائِمَةَ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِمَوْتِهِ، وقَدْ قالَ بِمِثْلِ قَوْلِ الزَّجّاجِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ أرْواحَ الأمْواتِ إذا ماتُوا وأرْواحَ الأحْياءِ إذا نامُوا فَتَتَعارَفُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتَعارَفَ ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ فَيُعِيدُها، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ تَوَفِّي الأنْفُسِ حالَ النَّوْمِ بِإزالَةِ الإحْساسِ وحُصُولِ الآفَةِ بِهِ في مَحَلِّ الحِسِّ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ولا يَرُدُّها إلى الجَسَدِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ ويُرْسِلُ الأُخْرى بِأنْ يُعِيدَ عَلَيْها إحْساسَها.
قِيلَ: ومَعْنى ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: عِنْدَ مَوْتِ أجْسادِها.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في النَّفْسِ والرُّوحِ هَلْ هُما شَيْءٌ واحِدٌ أوْ شَيْئانِ ؟ والكَلامُ في ذَلِكَ يَطُولُ جِدًّا وهو مَعْرُوفٌ في الكُتُبِ المَوْضُوعَةِ لِهَذا الشَّأْنِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قَضى " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: قَضى اللَّهُ عَلَيْها المَوْتَ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى لِمُوافَقَتِها لِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ لِلنُّفُوسِ لَآياتٍ أيْ: لَآياتٍ عَجِيبَةٍ بَدِيعَةٍ دالَّةٍ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولَكِنْ لَيْسَ كَوْنُ ذَلِكَ آياتٍ يَفْهَمُهُ كُلُّ أحَدٍ بَلْ ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذَلِكَ ويَتَدَبَّرُونَهُ ويَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنَّ في هَذا التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّعِظِينَ وتَذْكِرَةً لِلْمُتَذَكِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ الآيَةَ قالَ: نَفْسٌ ورُوحٌ بَيْنَهُما مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ، فَيَتَوَفّى اللَّهُ النَّفْسَ في مَنامِها ويَدَعُ الرُّوحَ في جَوْفِهِ تَتَقَلَّبُ وتَعِيشُ، فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يَقْبِضَهُ قَبَضَ الرُّوحَ فَماتَ، وإنْ أخَّرَ أجَلَهُ رَدَّ النَّفْسَ إلى مَكانِها مِن جَوْفِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: تَلْتَقِي أرْواحُ الأحْياءِ وأرْواحُ الأمْواتِ في المَنامِ فَيَتَساءَلُونَ بَيْنَهم ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُمْسِكُ اللَّهُ أرْواحَ الأمْواتِ ويُرْسِلُ أرْواحَ الأحْياءِ في أجْسادِهِمْ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لا يَغْلَطُ بِشَيْءٍ مِنها فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: كُلُّ نَفْسٍ لَها سَبَبٌ تَجْرِي فِيهِ، فَإذا قُضِيَ عَلَيْها المَوْتُ نامَتْ حَتّى يَنْقَطِعَ السَّبَبُ، والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها تُتْرَكُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا أوى أحَدُكم إلى فِراشِهِ لِيَنْفُضْهُ بِداخِلَةِ إزارِهِ فَإنَّهُ لا يَدْرِي ما خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي وبِاسْمِكَ أرْفَعُهُ، إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها، وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصّالِحِينَ» .
الزمر 39:40
قَوْلُهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ عَبْدَهُ بِالإفْرادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عِبادَهُ " بِالجَمْعِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى المُرادُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوِ الجِنْسُ، ويَدْخُلُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى المُرادُ الأنْبِياءُ أوِ المُؤْمِنُونَ أوِ الجَمِيعُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ عَقِبَهُ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ لِعَدَمِ كِفايَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّهُ بِمَكانٍ مِنَ الظُّهُورِ لا يَتَيَسَّرُ لِأحَدٍ أنْ يُنْكِرَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالعَبْدِ والعِبادِ ما يَعُمُّ المُسْلِمَ والكافِرَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّ اللَّهَ كافٍ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ وعَبْدَهُ الكافِرَ هَذا بِالثَّوابِ، وهَذا بِالعِقابِ.
وقُرِئَ " بِكافِي عِبادِهِ " بِالإضافَةِ، وقُرِئَ " يُكافِي " بِصِيغَةِ المُضارِعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، إذِ المَعْنى ألَيْسَ كافِيكَ حالَ تَخْوِيفِهِمْ إيّاكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والَّذِينَ مِن دُونِهِ عِبارَةٌ عَنِ المَعْبُوداتِ الَّتِي يَعْبُدُونَها ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ أيْ: مَن حَقَّ عَلَيْهِ القَضاءُ بِضَلالِهِ فَما لَهُ مِن هادٍ يَهْدِيهِ إلى الرُّشْدِ ويُخْرِجُهُ مِنَ الضَّلالَةِ.
﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ يُخْرِجُهُ مِنَ الهِدايَةِ ويُوقِعُهُ في الضَّلالَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ لِكُلِّ شَيْءٍ قاهِرٍ لَهُ ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن عُصاتِهِ بِما يَصُبُّهُ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ وما يُنْزِلُهُ بِهِمْ مِن سَوْطِ عِقابِهِ.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم إذا سُئِلُوا عَنِ الخالِقِ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - مَنَعَ عِبادَتَهم لِلْأوْثانِ، واتِّخاذَهُمُ الآلِهَةَ مِن دُونِ اللَّهِ، وفي هَذا أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ شَدِيدَةٍ وجَهالَةٍ عَظِيمَةٍ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ الخالِقَ لَهم ولِما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فَكَيْفَ اسْتَحْسَنَتْ عُقُولُهم عِبادَةَ غَيْرِ خالِقِ الكُلِّ وتَشْرِيكَ مَخْلُوقٍ مَعَ خالِقِهِ في العِبادَةِ ؟ وقَدْ كانُوا يُذْكَرُونَ بِحُسْنِ العُقُولِ وكَمالِ الإدْراكِ والفِطْنَةِ التّامَّةِ، ولَكِنَّهم لَمّا قَلَّدُوا أسْلافَهم وأحْسَنُوا الظَّنَّ بِهِمْ هَجَرُوا ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وعَمِلُوا بِما هو مَحْضُ الجَهْلِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ أنْ يُبَكِّتَهم بَعْدَ هَذا الِاعْتِرافِ ويُوَبِّخَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي عَنْ آلِهَتِكم هَذِهِ هَلْ تَقْدِرُ عَلى كَشْفِ ما أرادَهُ اللَّهُ بِي مِنَ الضُّرِّ، والضُّرُّ هو الشِّدَّةُ أوْ أعْلى. ﴿أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ عَنِّي بِحَيْثُ لا تَصِلُ إلَيَّ، والرَّحْمَةُ النِّعْمَةُ والرَّخاءُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُمْسِكاتُ وكاشِفاتُ في المَوْضِعَيْنِ بِالإضافَةِ وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو بِالتَّنْوِينِ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ سَألَهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَكَتُوا، وقالَ غَيْرُهُ: قالُوا لا تَدْفَعُ شَيْئًا مِن قَدَرِ اللَّهِ ولَكِنَّها تُشَفَّعُ، فَنَزَلَ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِي في جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أيْ: عَلَيْهِ، لا عَلى غَيْرِهِ يَعْتَمِدُ المُعْتَمِدُونَ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو.
لِأنَّ كاشِفاتٍ اسْمُ فاعِلٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَتَنْوِينُهُ أجْوَدُ، وبِها قَرَأ الحَسَنُ وعاصِمٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُهَدِّدَهم ويَتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها وتَمَكَّنْتُمْ مِنها ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى حالَتِي الَّتِي أنا عَلَيْها وتَمَكَّنْتُ مِنها، وحُذِفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا قَبْلَهُ.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: يُهِينُهُ ويُذِلُّهُ في الدُّنْيا، فَيَظْهَرُ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُبْطِلُ وخَصْمَهُ المُحِقُّ، والمُرادُ بِهَذا العَذابِ عَذابُ الدُّنْيا وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والذِّلَّةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ في الدّارِ الآخِرَةِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ لَمّا كانَ يَعْظُمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إصْرارُهم عَلى (p-١٢٨٥)الكُفْرِ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ إلّا بِالبَيانِ، لا بِأنْ يَهْدِيَ مَن ضَلَّ، فَقالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ ولِبَيانِ ما كُلِّفُوا بِهِ، وبِالحَقِّ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ: مُحِقِّينَ أوْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ طَرِيقَ الحَقِّ وسَلَكَها ﴿فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ﴾ عَنْها ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى نَفْسِهِ، فَضَرَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لا يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُكَلَّفٍ بِهِدايَتِهِمْ مُخاطَبٍ بِها، بَلْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وقَدْ فَعَلْتَ.
وهَذِهِ الآياتُ هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بَعْدَ هَذا أنْ يُقاتِلَهم حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويَعْمَلُوا بِأحْكامِ الإسْلامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا مِن أنْواعِ قُدْرَتِهِ البالِغَةِ وصَنْعَتِهِ العَجِيبَةِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ أيْ: يَقْبِضُها عِنْدَ حُضُورِ أجَلِها ويُخْرِجُها مِنَ الأبْدانِ ﴿والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ أيْ: ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ أيْ: لَمْ يَحْضُرْ أجَلُها في مَنامِها.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا، فَقِيلَ: يَقْبِضُها عَنِ التَّصَرُّفِ مَعَ بَقاءِ الرُّوحِ في الجَسَدِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ويَقْبِضُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ عِنْدَ انْقِضاءِ أجَلِها قالَ: وقَدْ يَكُونُ تَوَفِّيها نَوْمَها، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى هَذا: والَّتِي لَمْ تَمُتْ وفاتُها نَوْمُها.
قالَ الزَّجّاجُ: لِكُلِّ إنْسانٍ نَفْسانِ: أحَدُهُما نَفْسُ التَّمْيِيزِ وهي الَّتِي تُفارِقُهُ إذا نامَ فَلا يَعْقِلُ، والأُخْرى نَفْسُ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: في هَذا بُعْدٌ إذِ المَفْهُومُ مِنَ الآيَةِ أنَّ النَّفْسَ المَقْبُوضَةَ في الحالَيْنِ شَيْءٌ واحِدٌ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ أيِ: النّائِمَةَ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِمَوْتِهِ، وقَدْ قالَ بِمِثْلِ قَوْلِ الزَّجّاجِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ أرْواحَ الأمْواتِ إذا ماتُوا وأرْواحَ الأحْياءِ إذا نامُوا فَتَتَعارَفُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتَعارَفَ ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ فَيُعِيدُها، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ تَوَفِّي الأنْفُسِ حالَ النَّوْمِ بِإزالَةِ الإحْساسِ وحُصُولِ الآفَةِ بِهِ في مَحَلِّ الحِسِّ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ولا يَرُدُّها إلى الجَسَدِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ ويُرْسِلُ الأُخْرى بِأنْ يُعِيدَ عَلَيْها إحْساسَها.
قِيلَ: ومَعْنى ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: عِنْدَ مَوْتِ أجْسادِها.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في النَّفْسِ والرُّوحِ هَلْ هُما شَيْءٌ واحِدٌ أوْ شَيْئانِ ؟ والكَلامُ في ذَلِكَ يَطُولُ جِدًّا وهو مَعْرُوفٌ في الكُتُبِ المَوْضُوعَةِ لِهَذا الشَّأْنِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قَضى " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: قَضى اللَّهُ عَلَيْها المَوْتَ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى لِمُوافَقَتِها لِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ لِلنُّفُوسِ لَآياتٍ أيْ: لَآياتٍ عَجِيبَةٍ بَدِيعَةٍ دالَّةٍ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولَكِنْ لَيْسَ كَوْنُ ذَلِكَ آياتٍ يَفْهَمُهُ كُلُّ أحَدٍ بَلْ ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذَلِكَ ويَتَدَبَّرُونَهُ ويَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنَّ في هَذا التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّعِظِينَ وتَذْكِرَةً لِلْمُتَذَكِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ الآيَةَ قالَ: نَفْسٌ ورُوحٌ بَيْنَهُما مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ، فَيَتَوَفّى اللَّهُ النَّفْسَ في مَنامِها ويَدَعُ الرُّوحَ في جَوْفِهِ تَتَقَلَّبُ وتَعِيشُ، فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يَقْبِضَهُ قَبَضَ الرُّوحَ فَماتَ، وإنْ أخَّرَ أجَلَهُ رَدَّ النَّفْسَ إلى مَكانِها مِن جَوْفِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: تَلْتَقِي أرْواحُ الأحْياءِ وأرْواحُ الأمْواتِ في المَنامِ فَيَتَساءَلُونَ بَيْنَهم ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُمْسِكُ اللَّهُ أرْواحَ الأمْواتِ ويُرْسِلُ أرْواحَ الأحْياءِ في أجْسادِهِمْ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لا يَغْلَطُ بِشَيْءٍ مِنها فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: كُلُّ نَفْسٍ لَها سَبَبٌ تَجْرِي فِيهِ، فَإذا قُضِيَ عَلَيْها المَوْتُ نامَتْ حَتّى يَنْقَطِعَ السَّبَبُ، والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها تُتْرَكُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا أوى أحَدُكم إلى فِراشِهِ لِيَنْفُضْهُ بِداخِلَةِ إزارِهِ فَإنَّهُ لا يَدْرِي ما خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي وبِاسْمِكَ أرْفَعُهُ، إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها، وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصّالِحِينَ» .
الزمر 39:41
قَوْلُهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ عَبْدَهُ بِالإفْرادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عِبادَهُ " بِالجَمْعِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى المُرادُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوِ الجِنْسُ، ويَدْخُلُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى المُرادُ الأنْبِياءُ أوِ المُؤْمِنُونَ أوِ الجَمِيعُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ عَقِبَهُ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ لِعَدَمِ كِفايَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّهُ بِمَكانٍ مِنَ الظُّهُورِ لا يَتَيَسَّرُ لِأحَدٍ أنْ يُنْكِرَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالعَبْدِ والعِبادِ ما يَعُمُّ المُسْلِمَ والكافِرَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّ اللَّهَ كافٍ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ وعَبْدَهُ الكافِرَ هَذا بِالثَّوابِ، وهَذا بِالعِقابِ.
وقُرِئَ " بِكافِي عِبادِهِ " بِالإضافَةِ، وقُرِئَ " يُكافِي " بِصِيغَةِ المُضارِعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، إذِ المَعْنى ألَيْسَ كافِيكَ حالَ تَخْوِيفِهِمْ إيّاكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والَّذِينَ مِن دُونِهِ عِبارَةٌ عَنِ المَعْبُوداتِ الَّتِي يَعْبُدُونَها ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ أيْ: مَن حَقَّ عَلَيْهِ القَضاءُ بِضَلالِهِ فَما لَهُ مِن هادٍ يَهْدِيهِ إلى الرُّشْدِ ويُخْرِجُهُ مِنَ الضَّلالَةِ.
﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ يُخْرِجُهُ مِنَ الهِدايَةِ ويُوقِعُهُ في الضَّلالَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ لِكُلِّ شَيْءٍ قاهِرٍ لَهُ ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن عُصاتِهِ بِما يَصُبُّهُ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ وما يُنْزِلُهُ بِهِمْ مِن سَوْطِ عِقابِهِ.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم إذا سُئِلُوا عَنِ الخالِقِ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - مَنَعَ عِبادَتَهم لِلْأوْثانِ، واتِّخاذَهُمُ الآلِهَةَ مِن دُونِ اللَّهِ، وفي هَذا أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ شَدِيدَةٍ وجَهالَةٍ عَظِيمَةٍ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ الخالِقَ لَهم ولِما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فَكَيْفَ اسْتَحْسَنَتْ عُقُولُهم عِبادَةَ غَيْرِ خالِقِ الكُلِّ وتَشْرِيكَ مَخْلُوقٍ مَعَ خالِقِهِ في العِبادَةِ ؟ وقَدْ كانُوا يُذْكَرُونَ بِحُسْنِ العُقُولِ وكَمالِ الإدْراكِ والفِطْنَةِ التّامَّةِ، ولَكِنَّهم لَمّا قَلَّدُوا أسْلافَهم وأحْسَنُوا الظَّنَّ بِهِمْ هَجَرُوا ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وعَمِلُوا بِما هو مَحْضُ الجَهْلِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ أنْ يُبَكِّتَهم بَعْدَ هَذا الِاعْتِرافِ ويُوَبِّخَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي عَنْ آلِهَتِكم هَذِهِ هَلْ تَقْدِرُ عَلى كَشْفِ ما أرادَهُ اللَّهُ بِي مِنَ الضُّرِّ، والضُّرُّ هو الشِّدَّةُ أوْ أعْلى. ﴿أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ عَنِّي بِحَيْثُ لا تَصِلُ إلَيَّ، والرَّحْمَةُ النِّعْمَةُ والرَّخاءُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُمْسِكاتُ وكاشِفاتُ في المَوْضِعَيْنِ بِالإضافَةِ وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو بِالتَّنْوِينِ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ سَألَهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَكَتُوا، وقالَ غَيْرُهُ: قالُوا لا تَدْفَعُ شَيْئًا مِن قَدَرِ اللَّهِ ولَكِنَّها تُشَفَّعُ، فَنَزَلَ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِي في جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أيْ: عَلَيْهِ، لا عَلى غَيْرِهِ يَعْتَمِدُ المُعْتَمِدُونَ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو.
لِأنَّ كاشِفاتٍ اسْمُ فاعِلٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَتَنْوِينُهُ أجْوَدُ، وبِها قَرَأ الحَسَنُ وعاصِمٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُهَدِّدَهم ويَتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها وتَمَكَّنْتُمْ مِنها ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى حالَتِي الَّتِي أنا عَلَيْها وتَمَكَّنْتُ مِنها، وحُذِفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا قَبْلَهُ.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: يُهِينُهُ ويُذِلُّهُ في الدُّنْيا، فَيَظْهَرُ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُبْطِلُ وخَصْمَهُ المُحِقُّ، والمُرادُ بِهَذا العَذابِ عَذابُ الدُّنْيا وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والذِّلَّةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ في الدّارِ الآخِرَةِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ لَمّا كانَ يَعْظُمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إصْرارُهم عَلى (p-١٢٨٥)الكُفْرِ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ إلّا بِالبَيانِ، لا بِأنْ يَهْدِيَ مَن ضَلَّ، فَقالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ ولِبَيانِ ما كُلِّفُوا بِهِ، وبِالحَقِّ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ: مُحِقِّينَ أوْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ طَرِيقَ الحَقِّ وسَلَكَها ﴿فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ﴾ عَنْها ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى نَفْسِهِ، فَضَرَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لا يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُكَلَّفٍ بِهِدايَتِهِمْ مُخاطَبٍ بِها، بَلْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وقَدْ فَعَلْتَ.
وهَذِهِ الآياتُ هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بَعْدَ هَذا أنْ يُقاتِلَهم حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويَعْمَلُوا بِأحْكامِ الإسْلامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا مِن أنْواعِ قُدْرَتِهِ البالِغَةِ وصَنْعَتِهِ العَجِيبَةِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ أيْ: يَقْبِضُها عِنْدَ حُضُورِ أجَلِها ويُخْرِجُها مِنَ الأبْدانِ ﴿والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ أيْ: ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ أيْ: لَمْ يَحْضُرْ أجَلُها في مَنامِها.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا، فَقِيلَ: يَقْبِضُها عَنِ التَّصَرُّفِ مَعَ بَقاءِ الرُّوحِ في الجَسَدِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ويَقْبِضُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ عِنْدَ انْقِضاءِ أجَلِها قالَ: وقَدْ يَكُونُ تَوَفِّيها نَوْمَها، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى هَذا: والَّتِي لَمْ تَمُتْ وفاتُها نَوْمُها.
قالَ الزَّجّاجُ: لِكُلِّ إنْسانٍ نَفْسانِ: أحَدُهُما نَفْسُ التَّمْيِيزِ وهي الَّتِي تُفارِقُهُ إذا نامَ فَلا يَعْقِلُ، والأُخْرى نَفْسُ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: في هَذا بُعْدٌ إذِ المَفْهُومُ مِنَ الآيَةِ أنَّ النَّفْسَ المَقْبُوضَةَ في الحالَيْنِ شَيْءٌ واحِدٌ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ أيِ: النّائِمَةَ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِمَوْتِهِ، وقَدْ قالَ بِمِثْلِ قَوْلِ الزَّجّاجِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ أرْواحَ الأمْواتِ إذا ماتُوا وأرْواحَ الأحْياءِ إذا نامُوا فَتَتَعارَفُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتَعارَفَ ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ فَيُعِيدُها، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ تَوَفِّي الأنْفُسِ حالَ النَّوْمِ بِإزالَةِ الإحْساسِ وحُصُولِ الآفَةِ بِهِ في مَحَلِّ الحِسِّ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ولا يَرُدُّها إلى الجَسَدِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ ويُرْسِلُ الأُخْرى بِأنْ يُعِيدَ عَلَيْها إحْساسَها.
قِيلَ: ومَعْنى ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: عِنْدَ مَوْتِ أجْسادِها.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في النَّفْسِ والرُّوحِ هَلْ هُما شَيْءٌ واحِدٌ أوْ شَيْئانِ ؟ والكَلامُ في ذَلِكَ يَطُولُ جِدًّا وهو مَعْرُوفٌ في الكُتُبِ المَوْضُوعَةِ لِهَذا الشَّأْنِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قَضى " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: قَضى اللَّهُ عَلَيْها المَوْتَ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى لِمُوافَقَتِها لِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ لِلنُّفُوسِ لَآياتٍ أيْ: لَآياتٍ عَجِيبَةٍ بَدِيعَةٍ دالَّةٍ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولَكِنْ لَيْسَ كَوْنُ ذَلِكَ آياتٍ يَفْهَمُهُ كُلُّ أحَدٍ بَلْ ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذَلِكَ ويَتَدَبَّرُونَهُ ويَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنَّ في هَذا التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّعِظِينَ وتَذْكِرَةً لِلْمُتَذَكِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ الآيَةَ قالَ: نَفْسٌ ورُوحٌ بَيْنَهُما مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ، فَيَتَوَفّى اللَّهُ النَّفْسَ في مَنامِها ويَدَعُ الرُّوحَ في جَوْفِهِ تَتَقَلَّبُ وتَعِيشُ، فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يَقْبِضَهُ قَبَضَ الرُّوحَ فَماتَ، وإنْ أخَّرَ أجَلَهُ رَدَّ النَّفْسَ إلى مَكانِها مِن جَوْفِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: تَلْتَقِي أرْواحُ الأحْياءِ وأرْواحُ الأمْواتِ في المَنامِ فَيَتَساءَلُونَ بَيْنَهم ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُمْسِكُ اللَّهُ أرْواحَ الأمْواتِ ويُرْسِلُ أرْواحَ الأحْياءِ في أجْسادِهِمْ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لا يَغْلَطُ بِشَيْءٍ مِنها فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: كُلُّ نَفْسٍ لَها سَبَبٌ تَجْرِي فِيهِ، فَإذا قُضِيَ عَلَيْها المَوْتُ نامَتْ حَتّى يَنْقَطِعَ السَّبَبُ، والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها تُتْرَكُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا أوى أحَدُكم إلى فِراشِهِ لِيَنْفُضْهُ بِداخِلَةِ إزارِهِ فَإنَّهُ لا يَدْرِي ما خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي وبِاسْمِكَ أرْفَعُهُ، إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها، وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصّالِحِينَ» .
الزمر 39:42
قَوْلُهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ عَبْدَهُ بِالإفْرادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عِبادَهُ " بِالجَمْعِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى المُرادُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوِ الجِنْسُ، ويَدْخُلُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى المُرادُ الأنْبِياءُ أوِ المُؤْمِنُونَ أوِ الجَمِيعُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ عَقِبَهُ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ لِعَدَمِ كِفايَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّهُ بِمَكانٍ مِنَ الظُّهُورِ لا يَتَيَسَّرُ لِأحَدٍ أنْ يُنْكِرَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالعَبْدِ والعِبادِ ما يَعُمُّ المُسْلِمَ والكافِرَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّ اللَّهَ كافٍ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ وعَبْدَهُ الكافِرَ هَذا بِالثَّوابِ، وهَذا بِالعِقابِ.
وقُرِئَ " بِكافِي عِبادِهِ " بِالإضافَةِ، وقُرِئَ " يُكافِي " بِصِيغَةِ المُضارِعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، إذِ المَعْنى ألَيْسَ كافِيكَ حالَ تَخْوِيفِهِمْ إيّاكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والَّذِينَ مِن دُونِهِ عِبارَةٌ عَنِ المَعْبُوداتِ الَّتِي يَعْبُدُونَها ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ أيْ: مَن حَقَّ عَلَيْهِ القَضاءُ بِضَلالِهِ فَما لَهُ مِن هادٍ يَهْدِيهِ إلى الرُّشْدِ ويُخْرِجُهُ مِنَ الضَّلالَةِ.
﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ يُخْرِجُهُ مِنَ الهِدايَةِ ويُوقِعُهُ في الضَّلالَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: غالِبٍ لِكُلِّ شَيْءٍ قاهِرٍ لَهُ ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن عُصاتِهِ بِما يَصُبُّهُ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ وما يُنْزِلُهُ بِهِمْ مِن سَوْطِ عِقابِهِ.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم إذا سُئِلُوا عَنِ الخالِقِ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - مَنَعَ عِبادَتَهم لِلْأوْثانِ، واتِّخاذَهُمُ الآلِهَةَ مِن دُونِ اللَّهِ، وفي هَذا أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ شَدِيدَةٍ وجَهالَةٍ عَظِيمَةٍ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ الخالِقَ لَهم ولِما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فَكَيْفَ اسْتَحْسَنَتْ عُقُولُهم عِبادَةَ غَيْرِ خالِقِ الكُلِّ وتَشْرِيكَ مَخْلُوقٍ مَعَ خالِقِهِ في العِبادَةِ ؟ وقَدْ كانُوا يُذْكَرُونَ بِحُسْنِ العُقُولِ وكَمالِ الإدْراكِ والفِطْنَةِ التّامَّةِ، ولَكِنَّهم لَمّا قَلَّدُوا أسْلافَهم وأحْسَنُوا الظَّنَّ بِهِمْ هَجَرُوا ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وعَمِلُوا بِما هو مَحْضُ الجَهْلِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ أنْ يُبَكِّتَهم بَعْدَ هَذا الِاعْتِرافِ ويُوَبِّخَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي عَنْ آلِهَتِكم هَذِهِ هَلْ تَقْدِرُ عَلى كَشْفِ ما أرادَهُ اللَّهُ بِي مِنَ الضُّرِّ، والضُّرُّ هو الشِّدَّةُ أوْ أعْلى. ﴿أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ عَنِّي بِحَيْثُ لا تَصِلُ إلَيَّ، والرَّحْمَةُ النِّعْمَةُ والرَّخاءُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُمْسِكاتُ وكاشِفاتُ في المَوْضِعَيْنِ بِالإضافَةِ وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو بِالتَّنْوِينِ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ سَألَهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَكَتُوا، وقالَ غَيْرُهُ: قالُوا لا تَدْفَعُ شَيْئًا مِن قَدَرِ اللَّهِ ولَكِنَّها تُشَفَّعُ، فَنَزَلَ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِي في جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أيْ: عَلَيْهِ، لا عَلى غَيْرِهِ يَعْتَمِدُ المُعْتَمِدُونَ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو.
لِأنَّ كاشِفاتٍ اسْمُ فاعِلٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَتَنْوِينُهُ أجْوَدُ، وبِها قَرَأ الحَسَنُ وعاصِمٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُهَدِّدَهم ويَتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها وتَمَكَّنْتُمْ مِنها ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى حالَتِي الَّتِي أنا عَلَيْها وتَمَكَّنْتُ مِنها، وحُذِفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا قَبْلَهُ.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: يُهِينُهُ ويُذِلُّهُ في الدُّنْيا، فَيَظْهَرُ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ المُبْطِلُ وخَصْمَهُ المُحِقُّ، والمُرادُ بِهَذا العَذابِ عَذابُ الدُّنْيا وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والذِّلَّةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَذابَ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ في الدّارِ الآخِرَةِ، وهو عَذابُ النّارِ.
ثُمَّ لَمّا كانَ يَعْظُمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إصْرارُهم عَلى (p-١٢٨٥)الكُفْرِ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ إلّا بِالبَيانِ، لا بِأنْ يَهْدِيَ مَن ضَلَّ، فَقالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ ولِبَيانِ ما كُلِّفُوا بِهِ، وبِالحَقِّ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ: مُحِقِّينَ أوْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ طَرِيقَ الحَقِّ وسَلَكَها ﴿فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ﴾ عَنْها ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى نَفْسِهِ، فَضَرَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لا يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُكَلَّفٍ بِهِدايَتِهِمْ مُخاطَبٍ بِها، بَلْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وقَدْ فَعَلْتَ.
وهَذِهِ الآياتُ هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بَعْدَ هَذا أنْ يُقاتِلَهم حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويَعْمَلُوا بِأحْكامِ الإسْلامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا مِن أنْواعِ قُدْرَتِهِ البالِغَةِ وصَنْعَتِهِ العَجِيبَةِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ أيْ: يَقْبِضُها عِنْدَ حُضُورِ أجَلِها ويُخْرِجُها مِنَ الأبْدانِ ﴿والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ أيْ: ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ أيْ: لَمْ يَحْضُرْ أجَلُها في مَنامِها.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا، فَقِيلَ: يَقْبِضُها عَنِ التَّصَرُّفِ مَعَ بَقاءِ الرُّوحِ في الجَسَدِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ويَقْبِضُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ عِنْدَ انْقِضاءِ أجَلِها قالَ: وقَدْ يَكُونُ تَوَفِّيها نَوْمَها، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى هَذا: والَّتِي لَمْ تَمُتْ وفاتُها نَوْمُها.
قالَ الزَّجّاجُ: لِكُلِّ إنْسانٍ نَفْسانِ: أحَدُهُما نَفْسُ التَّمْيِيزِ وهي الَّتِي تُفارِقُهُ إذا نامَ فَلا يَعْقِلُ، والأُخْرى نَفْسُ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: في هَذا بُعْدٌ إذِ المَفْهُومُ مِنَ الآيَةِ أنَّ النَّفْسَ المَقْبُوضَةَ في الحالَيْنِ شَيْءٌ واحِدٌ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ أيِ: النّائِمَةَ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِمَوْتِهِ، وقَدْ قالَ بِمِثْلِ قَوْلِ الزَّجّاجِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ أرْواحَ الأمْواتِ إذا ماتُوا وأرْواحَ الأحْياءِ إذا نامُوا فَتَتَعارَفُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتَعارَفَ ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ فَيُعِيدُها، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ تَوَفِّي الأنْفُسِ حالَ النَّوْمِ بِإزالَةِ الإحْساسِ وحُصُولِ الآفَةِ بِهِ في مَحَلِّ الحِسِّ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ولا يَرُدُّها إلى الجَسَدِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ ويُرْسِلُ الأُخْرى بِأنْ يُعِيدَ عَلَيْها إحْساسَها.
قِيلَ: ومَعْنى ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: عِنْدَ مَوْتِ أجْسادِها.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في النَّفْسِ والرُّوحِ هَلْ هُما شَيْءٌ واحِدٌ أوْ شَيْئانِ ؟ والكَلامُ في ذَلِكَ يَطُولُ جِدًّا وهو مَعْرُوفٌ في الكُتُبِ المَوْضُوعَةِ لِهَذا الشَّأْنِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قَضى " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: قَضى اللَّهُ عَلَيْها المَوْتَ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى لِمُوافَقَتِها لِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ لِلنُّفُوسِ لَآياتٍ أيْ: لَآياتٍ عَجِيبَةٍ بَدِيعَةٍ دالَّةٍ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، ولَكِنْ لَيْسَ كَوْنُ ذَلِكَ آياتٍ يَفْهَمُهُ كُلُّ أحَدٍ بَلْ ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذَلِكَ ويَتَدَبَّرُونَهُ ويَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنَّ في هَذا التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّعِظِينَ وتَذْكِرَةً لِلْمُتَذَكِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ الآيَةَ قالَ: نَفْسٌ ورُوحٌ بَيْنَهُما مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ، فَيَتَوَفّى اللَّهُ النَّفْسَ في مَنامِها ويَدَعُ الرُّوحَ في جَوْفِهِ تَتَقَلَّبُ وتَعِيشُ، فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يَقْبِضَهُ قَبَضَ الرُّوحَ فَماتَ، وإنْ أخَّرَ أجَلَهُ رَدَّ النَّفْسَ إلى مَكانِها مِن جَوْفِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: تَلْتَقِي أرْواحُ الأحْياءِ وأرْواحُ الأمْواتِ في المَنامِ فَيَتَساءَلُونَ بَيْنَهم ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُمْسِكُ اللَّهُ أرْواحَ الأمْواتِ ويُرْسِلُ أرْواحَ الأحْياءِ في أجْسادِهِمْ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لا يَغْلَطُ بِشَيْءٍ مِنها فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: كُلُّ نَفْسٍ لَها سَبَبٌ تَجْرِي فِيهِ، فَإذا قُضِيَ عَلَيْها المَوْتُ نامَتْ حَتّى يَنْقَطِعَ السَّبَبُ، والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها تُتْرَكُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا أوى أحَدُكم إلى فِراشِهِ لِيَنْفُضْهُ بِداخِلَةِ إزارِهِ فَإنَّهُ لا يَدْرِي ما خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي وبِاسْمِكَ أرْفَعُهُ، إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها، وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصّالِحِينَ» .
الزمر 39:43
قَوْلُهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ أيْ: بَلِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً شُفَعاءَ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ﴿قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ أيْ: أيَشْفَعُونَ ولَوْ كانُوا إلَخْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تَتَّخِذُونَهم أيْ: وإنْ كانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَتَّخِذُونَهم، ومَعْنى لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا أنَّهم غَيْرُ مالِكِينَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وتَدْخُلُ الشَّفاعَةُ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ لِأنَّها جَماداتٌ لا عَقْلَ لَها، وجَمَعَهم بِالواوِ والنُّونِ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ فِيهِمْ أنَّهم يَعْقِلُونَ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ الشَّفاعَةَ لِلَّهِ وحْدَهُ فَقالَ: (p-١٢٨٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ فَلَيْسَ لِأحَدٍ مِنها شَيْءٌ إلّا أنْ يَكُونَ بِإذْنِهِ لِمَنِ ارْتَضى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ، وإنَّما أكَّدَ الشَّفاعَةَ بِما يُؤَكَّدُ بِهِ الِاثْنانِ فَصاعِدًا لِأنَّها مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ ثُمَّ وصَفَهُ بِسَعَةِ المُلْكِ فَقالَ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَمْلِكُهُما ويَمْلِكُ ما فِيهِما ويَتَصَرَّفُ في ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ بَعْدَ البَعْثِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ انْتِصابُ وحْدَهُ عَلى الحالِ عِنْدَ يُونُسَ، وعَلى المَصْدَرِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، والِاشْمِئْزازُ في اللُّغَةِ النُّفُورُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ نَفَرَتْ، وقالَ المُبَرِّدُ: انْقَبَضَتْ. وبِالأوَّلِ قالَ قَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقالَ المُؤَرِّجُ: أنْكَرَتْ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: اشْمَأزَّ الرَّجُلُ ذُعِرَ مِنَ الفَزَعِ، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ تَفْسِيرُ ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ بِـ انْقَبَضَتْ، وهو في الأصْلِ الِازْوِرارُ، وكانَ المُشْرِكُونَ إذا قِيلَ لَهم: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ انْقَبَضُوا، كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِبْشارَهم بِذِكْرِ أصْنامِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ: يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ يَبْتَهِجُونَ بِهِ، والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها وهو اشْمَأزَّتْ والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ الفِعْلُ العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ وقْتَ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ.
ولَمّا لَمْ يَقْبَلِ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكُفّارِ ما جاءَهم بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ وصَمَّمُوا عَلى كُفْرِهِمْ، أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَرُدَّ الأمْرَ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فاطِرَ السَّماواتِ﴾، وتَفْسِيرُ ﴿عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾، وهُما مَنصُوبانِ عَلى النِّداءِ ومَعْنى ﴿تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾ تُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ وتُعاقِبُ المُسِيءَ بِإساءَتِهِ، فَإنَّهُ بِذَلِكَ يُظْهِرُ مَن هو المُحِقُّ ومَن هو المُبْطِلُ، ويَرْتَفِعُ عِنْدَهُ خِلافُ المُخْتَلِفِينَ وتَخاصُمُ المُتَخاصِمِينَ.
ثُمَّ لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ ما حَكاهُ مِنَ الِاشْمِئْزازِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ والِاسْتِبْشارِ عِنْدَ ذِكْرِ الأصْنامِ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ عَذابِهِمْ وعَظِيمِ عُقُوبَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: جَمِيعَ ما في الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ ﴿ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أيْ: مُنْضَمًّا إلَيْهِ ﴿لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: مِن سُوءِ عَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ. ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم مِن عُقُوباتِ اللَّهِ وسُخْطِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ عَظِيمٌ وتَهْدِيدٌ بالِغٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: عَمِلُوا أعْمالًا تَوَهَّمُوا أنَّها حَسَناتٌ فَإذا هي سَيِّئاتٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ هَذِهِ آيَتُهم وقِصَّتُهم.
وقالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ: جَزِعَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا الجَزَعُ ؟ قالَ: أخافُ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ فَأنا أخْشى أنْ يَبْدُوَ لِي ما لَمْ أكُنْ أحْتَسِبُ.
﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: مَساوِئُ أعْمالِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وظُلْمِ أوْلِياءِ اللَّهِ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ: سَيِّئاتُ الَّذِي كَسَبُوهُ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ ما كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ مِنَ الإنْذارِ الَّذِي كانَ يُنْذِرُهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَسَتْ ونَفَرَتْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وصَفْوانُ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ اللّاتُ والعُزّى: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .
الزمر 39:44
قَوْلُهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ أيْ: بَلِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً شُفَعاءَ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ﴿قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ أيْ: أيَشْفَعُونَ ولَوْ كانُوا إلَخْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تَتَّخِذُونَهم أيْ: وإنْ كانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَتَّخِذُونَهم، ومَعْنى لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا أنَّهم غَيْرُ مالِكِينَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وتَدْخُلُ الشَّفاعَةُ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ لِأنَّها جَماداتٌ لا عَقْلَ لَها، وجَمَعَهم بِالواوِ والنُّونِ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ فِيهِمْ أنَّهم يَعْقِلُونَ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ الشَّفاعَةَ لِلَّهِ وحْدَهُ فَقالَ: (p-١٢٨٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ فَلَيْسَ لِأحَدٍ مِنها شَيْءٌ إلّا أنْ يَكُونَ بِإذْنِهِ لِمَنِ ارْتَضى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ، وإنَّما أكَّدَ الشَّفاعَةَ بِما يُؤَكَّدُ بِهِ الِاثْنانِ فَصاعِدًا لِأنَّها مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ ثُمَّ وصَفَهُ بِسَعَةِ المُلْكِ فَقالَ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَمْلِكُهُما ويَمْلِكُ ما فِيهِما ويَتَصَرَّفُ في ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ بَعْدَ البَعْثِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ انْتِصابُ وحْدَهُ عَلى الحالِ عِنْدَ يُونُسَ، وعَلى المَصْدَرِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، والِاشْمِئْزازُ في اللُّغَةِ النُّفُورُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ نَفَرَتْ، وقالَ المُبَرِّدُ: انْقَبَضَتْ. وبِالأوَّلِ قالَ قَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقالَ المُؤَرِّجُ: أنْكَرَتْ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: اشْمَأزَّ الرَّجُلُ ذُعِرَ مِنَ الفَزَعِ، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ تَفْسِيرُ ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ بِـ انْقَبَضَتْ، وهو في الأصْلِ الِازْوِرارُ، وكانَ المُشْرِكُونَ إذا قِيلَ لَهم: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ انْقَبَضُوا، كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِبْشارَهم بِذِكْرِ أصْنامِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ: يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ يَبْتَهِجُونَ بِهِ، والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها وهو اشْمَأزَّتْ والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ الفِعْلُ العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ وقْتَ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ.
ولَمّا لَمْ يَقْبَلِ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكُفّارِ ما جاءَهم بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ وصَمَّمُوا عَلى كُفْرِهِمْ، أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَرُدَّ الأمْرَ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فاطِرَ السَّماواتِ﴾، وتَفْسِيرُ ﴿عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾، وهُما مَنصُوبانِ عَلى النِّداءِ ومَعْنى ﴿تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾ تُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ وتُعاقِبُ المُسِيءَ بِإساءَتِهِ، فَإنَّهُ بِذَلِكَ يُظْهِرُ مَن هو المُحِقُّ ومَن هو المُبْطِلُ، ويَرْتَفِعُ عِنْدَهُ خِلافُ المُخْتَلِفِينَ وتَخاصُمُ المُتَخاصِمِينَ.
ثُمَّ لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ ما حَكاهُ مِنَ الِاشْمِئْزازِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ والِاسْتِبْشارِ عِنْدَ ذِكْرِ الأصْنامِ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ عَذابِهِمْ وعَظِيمِ عُقُوبَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: جَمِيعَ ما في الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ ﴿ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أيْ: مُنْضَمًّا إلَيْهِ ﴿لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: مِن سُوءِ عَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ. ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم مِن عُقُوباتِ اللَّهِ وسُخْطِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ عَظِيمٌ وتَهْدِيدٌ بالِغٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: عَمِلُوا أعْمالًا تَوَهَّمُوا أنَّها حَسَناتٌ فَإذا هي سَيِّئاتٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ هَذِهِ آيَتُهم وقِصَّتُهم.
وقالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ: جَزِعَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا الجَزَعُ ؟ قالَ: أخافُ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ فَأنا أخْشى أنْ يَبْدُوَ لِي ما لَمْ أكُنْ أحْتَسِبُ.
﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: مَساوِئُ أعْمالِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وظُلْمِ أوْلِياءِ اللَّهِ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ: سَيِّئاتُ الَّذِي كَسَبُوهُ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ ما كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ مِنَ الإنْذارِ الَّذِي كانَ يُنْذِرُهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَسَتْ ونَفَرَتْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وصَفْوانُ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ اللّاتُ والعُزّى: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .
الزمر 39:45
قَوْلُهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ أيْ: بَلِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً شُفَعاءَ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ﴿قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ أيْ: أيَشْفَعُونَ ولَوْ كانُوا إلَخْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تَتَّخِذُونَهم أيْ: وإنْ كانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَتَّخِذُونَهم، ومَعْنى لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا أنَّهم غَيْرُ مالِكِينَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وتَدْخُلُ الشَّفاعَةُ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ لِأنَّها جَماداتٌ لا عَقْلَ لَها، وجَمَعَهم بِالواوِ والنُّونِ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ فِيهِمْ أنَّهم يَعْقِلُونَ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ الشَّفاعَةَ لِلَّهِ وحْدَهُ فَقالَ: (p-١٢٨٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ فَلَيْسَ لِأحَدٍ مِنها شَيْءٌ إلّا أنْ يَكُونَ بِإذْنِهِ لِمَنِ ارْتَضى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ، وإنَّما أكَّدَ الشَّفاعَةَ بِما يُؤَكَّدُ بِهِ الِاثْنانِ فَصاعِدًا لِأنَّها مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ ثُمَّ وصَفَهُ بِسَعَةِ المُلْكِ فَقالَ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَمْلِكُهُما ويَمْلِكُ ما فِيهِما ويَتَصَرَّفُ في ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ بَعْدَ البَعْثِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ انْتِصابُ وحْدَهُ عَلى الحالِ عِنْدَ يُونُسَ، وعَلى المَصْدَرِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، والِاشْمِئْزازُ في اللُّغَةِ النُّفُورُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ نَفَرَتْ، وقالَ المُبَرِّدُ: انْقَبَضَتْ. وبِالأوَّلِ قالَ قَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقالَ المُؤَرِّجُ: أنْكَرَتْ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: اشْمَأزَّ الرَّجُلُ ذُعِرَ مِنَ الفَزَعِ، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ تَفْسِيرُ ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ بِـ انْقَبَضَتْ، وهو في الأصْلِ الِازْوِرارُ، وكانَ المُشْرِكُونَ إذا قِيلَ لَهم: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ انْقَبَضُوا، كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِبْشارَهم بِذِكْرِ أصْنامِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ: يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ يَبْتَهِجُونَ بِهِ، والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها وهو اشْمَأزَّتْ والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ الفِعْلُ العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ وقْتَ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ.
ولَمّا لَمْ يَقْبَلِ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكُفّارِ ما جاءَهم بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ وصَمَّمُوا عَلى كُفْرِهِمْ، أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَرُدَّ الأمْرَ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فاطِرَ السَّماواتِ﴾، وتَفْسِيرُ ﴿عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾، وهُما مَنصُوبانِ عَلى النِّداءِ ومَعْنى ﴿تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾ تُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ وتُعاقِبُ المُسِيءَ بِإساءَتِهِ، فَإنَّهُ بِذَلِكَ يُظْهِرُ مَن هو المُحِقُّ ومَن هو المُبْطِلُ، ويَرْتَفِعُ عِنْدَهُ خِلافُ المُخْتَلِفِينَ وتَخاصُمُ المُتَخاصِمِينَ.
ثُمَّ لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ ما حَكاهُ مِنَ الِاشْمِئْزازِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ والِاسْتِبْشارِ عِنْدَ ذِكْرِ الأصْنامِ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ عَذابِهِمْ وعَظِيمِ عُقُوبَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: جَمِيعَ ما في الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ ﴿ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أيْ: مُنْضَمًّا إلَيْهِ ﴿لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: مِن سُوءِ عَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ. ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم مِن عُقُوباتِ اللَّهِ وسُخْطِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ عَظِيمٌ وتَهْدِيدٌ بالِغٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: عَمِلُوا أعْمالًا تَوَهَّمُوا أنَّها حَسَناتٌ فَإذا هي سَيِّئاتٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ هَذِهِ آيَتُهم وقِصَّتُهم.
وقالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ: جَزِعَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا الجَزَعُ ؟ قالَ: أخافُ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ فَأنا أخْشى أنْ يَبْدُوَ لِي ما لَمْ أكُنْ أحْتَسِبُ.
﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: مَساوِئُ أعْمالِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وظُلْمِ أوْلِياءِ اللَّهِ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ: سَيِّئاتُ الَّذِي كَسَبُوهُ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ ما كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ مِنَ الإنْذارِ الَّذِي كانَ يُنْذِرُهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَسَتْ ونَفَرَتْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وصَفْوانُ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ اللّاتُ والعُزّى: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .
الزمر 39:46
قَوْلُهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ أيْ: بَلِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً شُفَعاءَ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ﴿قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ أيْ: أيَشْفَعُونَ ولَوْ كانُوا إلَخْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تَتَّخِذُونَهم أيْ: وإنْ كانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَتَّخِذُونَهم، ومَعْنى لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا أنَّهم غَيْرُ مالِكِينَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وتَدْخُلُ الشَّفاعَةُ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ لِأنَّها جَماداتٌ لا عَقْلَ لَها، وجَمَعَهم بِالواوِ والنُّونِ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ فِيهِمْ أنَّهم يَعْقِلُونَ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ الشَّفاعَةَ لِلَّهِ وحْدَهُ فَقالَ: (p-١٢٨٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ فَلَيْسَ لِأحَدٍ مِنها شَيْءٌ إلّا أنْ يَكُونَ بِإذْنِهِ لِمَنِ ارْتَضى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ، وإنَّما أكَّدَ الشَّفاعَةَ بِما يُؤَكَّدُ بِهِ الِاثْنانِ فَصاعِدًا لِأنَّها مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ ثُمَّ وصَفَهُ بِسَعَةِ المُلْكِ فَقالَ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَمْلِكُهُما ويَمْلِكُ ما فِيهِما ويَتَصَرَّفُ في ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ بَعْدَ البَعْثِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ انْتِصابُ وحْدَهُ عَلى الحالِ عِنْدَ يُونُسَ، وعَلى المَصْدَرِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، والِاشْمِئْزازُ في اللُّغَةِ النُّفُورُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ نَفَرَتْ، وقالَ المُبَرِّدُ: انْقَبَضَتْ. وبِالأوَّلِ قالَ قَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقالَ المُؤَرِّجُ: أنْكَرَتْ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: اشْمَأزَّ الرَّجُلُ ذُعِرَ مِنَ الفَزَعِ، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ تَفْسِيرُ ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ بِـ انْقَبَضَتْ، وهو في الأصْلِ الِازْوِرارُ، وكانَ المُشْرِكُونَ إذا قِيلَ لَهم: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ انْقَبَضُوا، كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِبْشارَهم بِذِكْرِ أصْنامِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ: يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ يَبْتَهِجُونَ بِهِ، والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها وهو اشْمَأزَّتْ والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ الفِعْلُ العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ وقْتَ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ.
ولَمّا لَمْ يَقْبَلِ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكُفّارِ ما جاءَهم بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ وصَمَّمُوا عَلى كُفْرِهِمْ، أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَرُدَّ الأمْرَ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فاطِرَ السَّماواتِ﴾، وتَفْسِيرُ ﴿عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾، وهُما مَنصُوبانِ عَلى النِّداءِ ومَعْنى ﴿تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾ تُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ وتُعاقِبُ المُسِيءَ بِإساءَتِهِ، فَإنَّهُ بِذَلِكَ يُظْهِرُ مَن هو المُحِقُّ ومَن هو المُبْطِلُ، ويَرْتَفِعُ عِنْدَهُ خِلافُ المُخْتَلِفِينَ وتَخاصُمُ المُتَخاصِمِينَ.
ثُمَّ لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ ما حَكاهُ مِنَ الِاشْمِئْزازِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ والِاسْتِبْشارِ عِنْدَ ذِكْرِ الأصْنامِ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ عَذابِهِمْ وعَظِيمِ عُقُوبَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: جَمِيعَ ما في الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ ﴿ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أيْ: مُنْضَمًّا إلَيْهِ ﴿لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: مِن سُوءِ عَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ. ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم مِن عُقُوباتِ اللَّهِ وسُخْطِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ عَظِيمٌ وتَهْدِيدٌ بالِغٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: عَمِلُوا أعْمالًا تَوَهَّمُوا أنَّها حَسَناتٌ فَإذا هي سَيِّئاتٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ هَذِهِ آيَتُهم وقِصَّتُهم.
وقالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ: جَزِعَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا الجَزَعُ ؟ قالَ: أخافُ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ فَأنا أخْشى أنْ يَبْدُوَ لِي ما لَمْ أكُنْ أحْتَسِبُ.
﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: مَساوِئُ أعْمالِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وظُلْمِ أوْلِياءِ اللَّهِ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ: سَيِّئاتُ الَّذِي كَسَبُوهُ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ ما كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ مِنَ الإنْذارِ الَّذِي كانَ يُنْذِرُهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَسَتْ ونَفَرَتْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وصَفْوانُ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ اللّاتُ والعُزّى: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .
الزمر 39:47
قَوْلُهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ أيْ: بَلِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً شُفَعاءَ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ﴿قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ أيْ: أيَشْفَعُونَ ولَوْ كانُوا إلَخْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تَتَّخِذُونَهم أيْ: وإنْ كانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَتَّخِذُونَهم، ومَعْنى لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا أنَّهم غَيْرُ مالِكِينَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وتَدْخُلُ الشَّفاعَةُ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ لِأنَّها جَماداتٌ لا عَقْلَ لَها، وجَمَعَهم بِالواوِ والنُّونِ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ فِيهِمْ أنَّهم يَعْقِلُونَ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ الشَّفاعَةَ لِلَّهِ وحْدَهُ فَقالَ: (p-١٢٨٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ فَلَيْسَ لِأحَدٍ مِنها شَيْءٌ إلّا أنْ يَكُونَ بِإذْنِهِ لِمَنِ ارْتَضى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ، وإنَّما أكَّدَ الشَّفاعَةَ بِما يُؤَكَّدُ بِهِ الِاثْنانِ فَصاعِدًا لِأنَّها مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ ثُمَّ وصَفَهُ بِسَعَةِ المُلْكِ فَقالَ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَمْلِكُهُما ويَمْلِكُ ما فِيهِما ويَتَصَرَّفُ في ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ بَعْدَ البَعْثِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ انْتِصابُ وحْدَهُ عَلى الحالِ عِنْدَ يُونُسَ، وعَلى المَصْدَرِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، والِاشْمِئْزازُ في اللُّغَةِ النُّفُورُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ نَفَرَتْ، وقالَ المُبَرِّدُ: انْقَبَضَتْ. وبِالأوَّلِ قالَ قَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقالَ المُؤَرِّجُ: أنْكَرَتْ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: اشْمَأزَّ الرَّجُلُ ذُعِرَ مِنَ الفَزَعِ، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ تَفْسِيرُ ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ بِـ انْقَبَضَتْ، وهو في الأصْلِ الِازْوِرارُ، وكانَ المُشْرِكُونَ إذا قِيلَ لَهم: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ انْقَبَضُوا، كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِبْشارَهم بِذِكْرِ أصْنامِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ: يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ يَبْتَهِجُونَ بِهِ، والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها وهو اشْمَأزَّتْ والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ الفِعْلُ العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ وقْتَ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ.
ولَمّا لَمْ يَقْبَلِ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكُفّارِ ما جاءَهم بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ وصَمَّمُوا عَلى كُفْرِهِمْ، أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَرُدَّ الأمْرَ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فاطِرَ السَّماواتِ﴾، وتَفْسِيرُ ﴿عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾، وهُما مَنصُوبانِ عَلى النِّداءِ ومَعْنى ﴿تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾ تُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ وتُعاقِبُ المُسِيءَ بِإساءَتِهِ، فَإنَّهُ بِذَلِكَ يُظْهِرُ مَن هو المُحِقُّ ومَن هو المُبْطِلُ، ويَرْتَفِعُ عِنْدَهُ خِلافُ المُخْتَلِفِينَ وتَخاصُمُ المُتَخاصِمِينَ.
ثُمَّ لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ ما حَكاهُ مِنَ الِاشْمِئْزازِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ والِاسْتِبْشارِ عِنْدَ ذِكْرِ الأصْنامِ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ عَذابِهِمْ وعَظِيمِ عُقُوبَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: جَمِيعَ ما في الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ ﴿ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أيْ: مُنْضَمًّا إلَيْهِ ﴿لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: مِن سُوءِ عَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ. ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم مِن عُقُوباتِ اللَّهِ وسُخْطِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ عَظِيمٌ وتَهْدِيدٌ بالِغٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: عَمِلُوا أعْمالًا تَوَهَّمُوا أنَّها حَسَناتٌ فَإذا هي سَيِّئاتٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ هَذِهِ آيَتُهم وقِصَّتُهم.
وقالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ: جَزِعَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا الجَزَعُ ؟ قالَ: أخافُ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ فَأنا أخْشى أنْ يَبْدُوَ لِي ما لَمْ أكُنْ أحْتَسِبُ.
﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: مَساوِئُ أعْمالِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وظُلْمِ أوْلِياءِ اللَّهِ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ: سَيِّئاتُ الَّذِي كَسَبُوهُ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ ما كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ مِنَ الإنْذارِ الَّذِي كانَ يُنْذِرُهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَسَتْ ونَفَرَتْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وصَفْوانُ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ اللّاتُ والعُزّى: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .
الزمر 39:48
قَوْلُهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ أيْ: بَلِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً شُفَعاءَ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ﴿قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ أيْ: أيَشْفَعُونَ ولَوْ كانُوا إلَخْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تَتَّخِذُونَهم أيْ: وإنْ كانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَتَّخِذُونَهم، ومَعْنى لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا أنَّهم غَيْرُ مالِكِينَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وتَدْخُلُ الشَّفاعَةُ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ لِأنَّها جَماداتٌ لا عَقْلَ لَها، وجَمَعَهم بِالواوِ والنُّونِ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ فِيهِمْ أنَّهم يَعْقِلُونَ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ الشَّفاعَةَ لِلَّهِ وحْدَهُ فَقالَ: (p-١٢٨٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ فَلَيْسَ لِأحَدٍ مِنها شَيْءٌ إلّا أنْ يَكُونَ بِإذْنِهِ لِمَنِ ارْتَضى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ، وإنَّما أكَّدَ الشَّفاعَةَ بِما يُؤَكَّدُ بِهِ الِاثْنانِ فَصاعِدًا لِأنَّها مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ ثُمَّ وصَفَهُ بِسَعَةِ المُلْكِ فَقالَ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَمْلِكُهُما ويَمْلِكُ ما فِيهِما ويَتَصَرَّفُ في ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ بَعْدَ البَعْثِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ انْتِصابُ وحْدَهُ عَلى الحالِ عِنْدَ يُونُسَ، وعَلى المَصْدَرِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، والِاشْمِئْزازُ في اللُّغَةِ النُّفُورُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ نَفَرَتْ، وقالَ المُبَرِّدُ: انْقَبَضَتْ. وبِالأوَّلِ قالَ قَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقالَ المُؤَرِّجُ: أنْكَرَتْ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: اشْمَأزَّ الرَّجُلُ ذُعِرَ مِنَ الفَزَعِ، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ تَفْسِيرُ ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ بِـ انْقَبَضَتْ، وهو في الأصْلِ الِازْوِرارُ، وكانَ المُشْرِكُونَ إذا قِيلَ لَهم: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ انْقَبَضُوا، كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِبْشارَهم بِذِكْرِ أصْنامِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ: يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ يَبْتَهِجُونَ بِهِ، والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها وهو اشْمَأزَّتْ والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ الفِعْلُ العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ وقْتَ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ.
ولَمّا لَمْ يَقْبَلِ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكُفّارِ ما جاءَهم بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ وصَمَّمُوا عَلى كُفْرِهِمْ، أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَرُدَّ الأمْرَ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فاطِرَ السَّماواتِ﴾، وتَفْسِيرُ ﴿عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾، وهُما مَنصُوبانِ عَلى النِّداءِ ومَعْنى ﴿تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾ تُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ وتُعاقِبُ المُسِيءَ بِإساءَتِهِ، فَإنَّهُ بِذَلِكَ يُظْهِرُ مَن هو المُحِقُّ ومَن هو المُبْطِلُ، ويَرْتَفِعُ عِنْدَهُ خِلافُ المُخْتَلِفِينَ وتَخاصُمُ المُتَخاصِمِينَ.
ثُمَّ لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ ما حَكاهُ مِنَ الِاشْمِئْزازِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ والِاسْتِبْشارِ عِنْدَ ذِكْرِ الأصْنامِ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ عَذابِهِمْ وعَظِيمِ عُقُوبَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: جَمِيعَ ما في الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ ﴿ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أيْ: مُنْضَمًّا إلَيْهِ ﴿لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: مِن سُوءِ عَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ. ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم مِن عُقُوباتِ اللَّهِ وسُخْطِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ عَظِيمٌ وتَهْدِيدٌ بالِغٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: عَمِلُوا أعْمالًا تَوَهَّمُوا أنَّها حَسَناتٌ فَإذا هي سَيِّئاتٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ هَذِهِ آيَتُهم وقِصَّتُهم.
وقالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ: جَزِعَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا الجَزَعُ ؟ قالَ: أخافُ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ فَأنا أخْشى أنْ يَبْدُوَ لِي ما لَمْ أكُنْ أحْتَسِبُ.
﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: مَساوِئُ أعْمالِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وظُلْمِ أوْلِياءِ اللَّهِ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ: سَيِّئاتُ الَّذِي كَسَبُوهُ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ ما كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ مِنَ الإنْذارِ الَّذِي كانَ يُنْذِرُهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَسَتْ ونَفَرَتْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وصَفْوانُ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ اللّاتُ والعُزّى: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .
الزمر 39:49
قَوْلُهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ أيْ: بَلِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً شُفَعاءَ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ﴿قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ أيْ: أيَشْفَعُونَ ولَوْ كانُوا إلَخْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تَتَّخِذُونَهم أيْ: وإنْ كانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَتَّخِذُونَهم، ومَعْنى لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا أنَّهم غَيْرُ مالِكِينَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وتَدْخُلُ الشَّفاعَةُ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ لِأنَّها جَماداتٌ لا عَقْلَ لَها، وجَمَعَهم بِالواوِ والنُّونِ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ فِيهِمْ أنَّهم يَعْقِلُونَ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ الشَّفاعَةَ لِلَّهِ وحْدَهُ فَقالَ: (p-١٢٨٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ فَلَيْسَ لِأحَدٍ مِنها شَيْءٌ إلّا أنْ يَكُونَ بِإذْنِهِ لِمَنِ ارْتَضى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ، وإنَّما أكَّدَ الشَّفاعَةَ بِما يُؤَكَّدُ بِهِ الِاثْنانِ فَصاعِدًا لِأنَّها مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ ثُمَّ وصَفَهُ بِسَعَةِ المُلْكِ فَقالَ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَمْلِكُهُما ويَمْلِكُ ما فِيهِما ويَتَصَرَّفُ في ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ بَعْدَ البَعْثِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ انْتِصابُ وحْدَهُ عَلى الحالِ عِنْدَ يُونُسَ، وعَلى المَصْدَرِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، والِاشْمِئْزازُ في اللُّغَةِ النُّفُورُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ نَفَرَتْ، وقالَ المُبَرِّدُ: انْقَبَضَتْ. وبِالأوَّلِ قالَ قَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقالَ المُؤَرِّجُ: أنْكَرَتْ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: اشْمَأزَّ الرَّجُلُ ذُعِرَ مِنَ الفَزَعِ، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ تَفْسِيرُ ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ بِـ انْقَبَضَتْ، وهو في الأصْلِ الِازْوِرارُ، وكانَ المُشْرِكُونَ إذا قِيلَ لَهم: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ انْقَبَضُوا، كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِبْشارَهم بِذِكْرِ أصْنامِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ: يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ يَبْتَهِجُونَ بِهِ، والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها وهو اشْمَأزَّتْ والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ الفِعْلُ العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ وقْتَ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ.
ولَمّا لَمْ يَقْبَلِ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكُفّارِ ما جاءَهم بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ وصَمَّمُوا عَلى كُفْرِهِمْ، أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَرُدَّ الأمْرَ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فاطِرَ السَّماواتِ﴾، وتَفْسِيرُ ﴿عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾، وهُما مَنصُوبانِ عَلى النِّداءِ ومَعْنى ﴿تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾ تُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ وتُعاقِبُ المُسِيءَ بِإساءَتِهِ، فَإنَّهُ بِذَلِكَ يُظْهِرُ مَن هو المُحِقُّ ومَن هو المُبْطِلُ، ويَرْتَفِعُ عِنْدَهُ خِلافُ المُخْتَلِفِينَ وتَخاصُمُ المُتَخاصِمِينَ.
ثُمَّ لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ ما حَكاهُ مِنَ الِاشْمِئْزازِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ والِاسْتِبْشارِ عِنْدَ ذِكْرِ الأصْنامِ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ عَذابِهِمْ وعَظِيمِ عُقُوبَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: جَمِيعَ ما في الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ ﴿ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أيْ: مُنْضَمًّا إلَيْهِ ﴿لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: مِن سُوءِ عَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ. ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم مِن عُقُوباتِ اللَّهِ وسُخْطِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ عَظِيمٌ وتَهْدِيدٌ بالِغٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: عَمِلُوا أعْمالًا تَوَهَّمُوا أنَّها حَسَناتٌ فَإذا هي سَيِّئاتٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ هَذِهِ آيَتُهم وقِصَّتُهم.
وقالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ: جَزِعَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا الجَزَعُ ؟ قالَ: أخافُ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ فَأنا أخْشى أنْ يَبْدُوَ لِي ما لَمْ أكُنْ أحْتَسِبُ.
﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: مَساوِئُ أعْمالِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وظُلْمِ أوْلِياءِ اللَّهِ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ: سَيِّئاتُ الَّذِي كَسَبُوهُ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ ما كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ مِنَ الإنْذارِ الَّذِي كانَ يُنْذِرُهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَسَتْ ونَفَرَتْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وصَفْوانُ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ اللّاتُ والعُزّى: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .
الزمر 39:50
قَوْلُهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ أيْ: بَلِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً شُفَعاءَ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ﴿قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ أيْ: أيَشْفَعُونَ ولَوْ كانُوا إلَخْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تَتَّخِذُونَهم أيْ: وإنْ كانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَتَّخِذُونَهم، ومَعْنى لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا أنَّهم غَيْرُ مالِكِينَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وتَدْخُلُ الشَّفاعَةُ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ لِأنَّها جَماداتٌ لا عَقْلَ لَها، وجَمَعَهم بِالواوِ والنُّونِ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ فِيهِمْ أنَّهم يَعْقِلُونَ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ الشَّفاعَةَ لِلَّهِ وحْدَهُ فَقالَ: (p-١٢٨٦)﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ فَلَيْسَ لِأحَدٍ مِنها شَيْءٌ إلّا أنْ يَكُونَ بِإذْنِهِ لِمَنِ ارْتَضى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ، وإنَّما أكَّدَ الشَّفاعَةَ بِما يُؤَكَّدُ بِهِ الِاثْنانِ فَصاعِدًا لِأنَّها مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ ثُمَّ وصَفَهُ بِسَعَةِ المُلْكِ فَقالَ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَمْلِكُهُما ويَمْلِكُ ما فِيهِما ويَتَصَرَّفُ في ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ بَعْدَ البَعْثِ.
﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ انْتِصابُ وحْدَهُ عَلى الحالِ عِنْدَ يُونُسَ، وعَلى المَصْدَرِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، والِاشْمِئْزازُ في اللُّغَةِ النُّفُورُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ نَفَرَتْ، وقالَ المُبَرِّدُ: انْقَبَضَتْ. وبِالأوَّلِ قالَ قَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقالَ المُؤَرِّجُ: أنْكَرَتْ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: اشْمَأزَّ الرَّجُلُ ذُعِرَ مِنَ الفَزَعِ، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ تَفْسِيرُ ﴿اشْمَأزَّتْ﴾ بِـ انْقَبَضَتْ، وهو في الأصْلِ الِازْوِرارُ، وكانَ المُشْرِكُونَ إذا قِيلَ لَهم: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ انْقَبَضُوا، كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اسْتِبْشارَهم بِذِكْرِ أصْنامِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ: يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ يَبْتَهِجُونَ بِهِ، والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها وهو اشْمَأزَّتْ والعامِلُ في إذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ الفِعْلُ العامِلُ في إذا الفُجائِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: فاجَئُوا الِاسْتِبْشارَ وقْتَ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ.
ولَمّا لَمْ يَقْبَلِ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكُفّارِ ما جاءَهم بِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ وصَمَّمُوا عَلى كُفْرِهِمْ، أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَرُدَّ الأمْرَ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فاطِرَ السَّماواتِ﴾، وتَفْسِيرُ ﴿عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾، وهُما مَنصُوبانِ عَلى النِّداءِ ومَعْنى ﴿تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾ تُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ وتُعاقِبُ المُسِيءَ بِإساءَتِهِ، فَإنَّهُ بِذَلِكَ يُظْهِرُ مَن هو المُحِقُّ ومَن هو المُبْطِلُ، ويَرْتَفِعُ عِنْدَهُ خِلافُ المُخْتَلِفِينَ وتَخاصُمُ المُتَخاصِمِينَ.
ثُمَّ لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ ما حَكاهُ مِنَ الِاشْمِئْزازِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ والِاسْتِبْشارِ عِنْدَ ذِكْرِ الأصْنامِ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ عَذابِهِمْ وعَظِيمِ عُقُوبَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: جَمِيعَ ما في الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ ﴿ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أيْ: مُنْضَمًّا إلَيْهِ ﴿لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: مِن سُوءِ عَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ. ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم مِن عُقُوباتِ اللَّهِ وسُخْطِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ عَظِيمٌ وتَهْدِيدٌ بالِغٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: عَمِلُوا أعْمالًا تَوَهَّمُوا أنَّها حَسَناتٌ فَإذا هي سَيِّئاتٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِّياءِ هَذِهِ آيَتُهم وقِصَّتُهم.
وقالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ: جَزِعَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا الجَزَعُ ؟ قالَ: أخافُ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ فَأنا أخْشى أنْ يَبْدُوَ لِي ما لَمْ أكُنْ أحْتَسِبُ.
﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: مَساوِئُ أعْمالِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وظُلْمِ أوْلِياءِ اللَّهِ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ: سَيِّئاتُ الَّذِي كَسَبُوهُ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ ما كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ مِنَ الإنْذارِ الَّذِي كانَ يُنْذِرُهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَسَتْ ونَفَرَتْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وصَفْوانُ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ اللّاتُ والعُزّى: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .
الزمر 39:51
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الجِنْسُ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أفْرادِهِ أوْ غالِبِها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكُفّارُ فَقَطْ والأوَّلُ أوْلى، ولا يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى الجِنْسِ خُصُوصُ (p-١٢٨٧)سَبَبِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومُ اللَّفْظِ وفاءٌ بِحَقِّ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ووَفاءٌ بِمَدْلُولِهِ، والمَعْنى: أنَّ شَأْنَ غالِبِ نَوْعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا مَسَّهُ ضُرٌّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما دَعا اللَّهَ وتَضَرَّعَ إلَيْهِ في رَفْعِهِ ودَفْعِهِ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا﴾ أيْ: أعْطَيْناهُ نِعْمَةً كائِنَةً مِن عِنْدِنا ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكاسِبِ، أوْ عَلى خَيْرٍ عِنْدِي، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِفَضْلِي.
وقالَ الحَسَنُ: عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إيّاهُ، وقِيلَ: قَدْ عَلِمْتُ أنِّي إذا أُوتِيتُ هَذا في الدُّنْيا أنَّ لِي عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَةً وجاءَ بِالضَّمِيرِ في أُوتِيتُهُ مُذَكَّرًا مَعَ كَوْنِهِ راجِعًا إلى النِّعْمَةِ لِأنَّها بِمَعْنى الإنْعامِ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما، وهي مَوْصُولَةٌ، والأوَّلُ أوْلى ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ هَذا رَدٌّ لِما قالَهُ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أعْطَيْناكَ لِما ذَكَرْتَ، بَلْ هو مِحْنَةٌ لَكَ واخْتِبارٌ لِحالِكَ أتَشْكُرُ أمْ تَكْفُرُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ هي لِتَأْنِيثِ الفِتْنَةِ، ولَوْ قالَ بَلْ هو فِتْنَةٌ لَجازَ. وقالَ النَّحّاسُ: بَلْ عَطِيَّتُهُ فِتْنَةٌ. وقِيلَ: تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الفِتْنَةِ، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ في قَوْلِهِ أُوتِيتُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم مِنَ اللَّهِ وامْتِحانٌ لِما عِنْدَهم مِنَ الشُّكْرِ أوِ الكُفْرِ.
﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي قالُوها وهي قَوْلُهم: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَقارُونَ وغَيْرِهِ، فَإنَّ قارُونَ قالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما هَذِهِ نافِيَةً أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم ما كَسَبُوا مِن مَتاعِ الدُّنْيا شَيْئًا، وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم ذَلِكَ.
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءُ سَيِّئاتِ كَسْبِهِمْ، أوْ أصابَهم سَيِّئاتٌ هي جَزاءُ كَسْبِهِمْ، وسُمِّيَ الجَزاءُ سَيِّئاتٍ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ سَيِّئاتِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، ثُمَّ أوْعَدَ - سُبْحانَهُ - الكُفّارَ في عَصْرِهِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾ المَوْجُودِينَ مِنَ الكُفّارِ ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ كَما أصابَ مَن قَبْلَهم، وقَدْ أصابَهم في الدُّنْيا ما أصابَهم مِنَ القَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ ﴿وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلى اللَّهِ بَلْ مَرْجِعُهم إلَيْهِ يَصْنَعُ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العُقُوبَةِ.
﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ أنْ يُوَسِّعَهُ لَهُ ويَقْدِرُ أيْ: يَقْبِضُهُ لِمَن يَشاءُ أنْ يَقْبِضَهُ ويُضَيِّقَهُ عَلَيْهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وعَظَهُمُ اللَّهُ لِيَعْتَبِرُوا في تَوْحِيدِهِ، وذَلِكَ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويُقَتِّرُ عَلى مَن يَشاءُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَدَلالاتٍ عَظِيمَةً وعَلاماتٍ جَلِيلَةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالآياتِ المُتَفَكِّرُونَ فِيها ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وعَظِيمِ مَغْفِرَتِهِ.
وأمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَشِّرَهم بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ المُرادُ بِالإسْرافِ الإفْراطُ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارُ مِنها.
ومَعْنى ﴿لا تَقْنَطُوا﴾: لا تَيْأسُوا ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ مِن مَغْفِرَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا نَهاهم عَنِ القُنُوطِ أخْبَرَهم بِما يَدْفَعُ ذَلِكَ ويَرْفَعُهُ ويَجْعَلُ الرَّجاءَ مَكانَ القُنُوطِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِاشْتِمالِها عَلى أعْظَمِ بِشارَةٍ، فَإنَّهُ أوَّلًا أضافَ العِبادَ إلى نَفْسِهِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِهِمْ ومَزِيدِ تَبْشِيرِهِمْ، ثُمَّ وصَفَهم بِالإسْرافِ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ القُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلاءِ المُسْتَكْثِرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، فالنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ لِلْمُذْنِبِينَ غَيْرِ المُسْرِفِينَ مِن بابِ الأوْلى وبِفَحْوى الخِطابِ، ثُمَّ جاءَ بِما لا يُبْقِي بَعْدَهُ شَكٌّ ولا يَتَخالَجُ القَلْبَ عِنْدَ سَماعِهِ ظَنٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ فالألِفُ واللّامُ قَدْ صَيَّرَتِ الجَمْعَ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ لِلْجِنْسِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ اسْتِغْراقَ أفْرادِهِ، فَهو في قُوَّةِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ، إلّا ما أخْرَجَهُ النَّصُّ القُرْآنِيُّ وهو الشِّرْكُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِما أخْبَرَ عِبادَهُ بِهِ مِن مَغْفِرَةِ كُلِّ ذَنْبٍ، بَلْ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: جَمِيعًا فَيا لَها مِن بِشارَةٍ تَرْتاحُ لَها قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ المُحْسِنِينَ ظَنَّهم بِرَبِّهِمُ الصّادِقِينَ في رَجائِهِ. الخالِعِينَ لِثِيابِ القُنُوطِ الرّافِضِينَ لِسُوءِ الظَّنِّ بِمَن لا يَتَعاظَمُهُ ذَنْبٌ، ولا يَبْخَلُ بِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ في طَلَبِ العَفْوِ المُلْتَجِئِينَ بِهِ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ وما أحْسَنَ ما عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - بِهِ هَذا الكَلامَ قائِلًا ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَظِيمُهُما بَلِيغُهُما واسِعُهُما، فَمَن أبى هَذا التَّفَضُّلَ العَظِيمَ والعَطاءَ الجَسِيمَ، وظَنَّ أنَّ تَقْنِيطَ عِبادِ اللَّهِ وتَأْيِيسَهم مِن رَحْمَتِهِ أوْلى بِهِمْ مِمّا بَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَقَدْ رَكِبَ أعْظَمَ الشَّطَطِ وغَلِطَ أقْبَحَ الغَلَطِ، فَإنَّ التَّبْشِيرَ وعَدَمَ التَّقْنِيطِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ مَواعِيدُ اللَّهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ، والمَسْلَكَ الَّذِي سَلَكَهُ رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما صَحَّ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» .
وإذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] وهو أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ ما عَدا الشِّرْكَ بِاللَّهِ مَغْفُورٌ لِمَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ إخْبارَهُ لَنا بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَشاءُ غُفْرانَها جَمِيعًا، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يَشاءُ المَغْفِرَةَ لِكُلِّ المُذْنِبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَعارُضٌ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ.
وأمّا ما يَزْعُمُهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن تَقْيِيدِ هَذِهِ الآيَةِ بِالتَّوْبَةِ وأنَّها لا تَغْفِرُ إلّا ذُنُوبَ التّائِبِينَ، وزَعَمُوا أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ.
فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، وبَيْنَ المَلّاحِ والحادِي، وعَلى نَفْسِها بَراقِشُ تَجْنِي، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ العَظِيمَةُ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ لَمْ يَكُنْ لَها كَثِيرُ مَوْقِعٍ، فَإنَّ التَّوْبَةَ مِنَ المُشْرِكِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ بِها ما فَعَلَهُ مِنَ الشِّرْكِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ قالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] (p-١٢٨٨)فَلَوْ كانَتِ التَّوْبَةُ قَيْدًا في المَغْفِرَةِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الشِّرْكِ فائِدَةٌ، وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ كُلُّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في قَوْمٍ خافُوا إنْ أسْلَمُوا أنْ لا يَغْفِرَ لَهم ما جَنَوْا مِنَ الذُّنُوبِ العِظامِ، كالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ ومُعاداةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قُلْتُ: هَبْ أنَّها في هَؤُلاءِ القَوْمِ، فَكانَ ماذا ؟ فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُمُومِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ والأحادِيثُ النَّبَوِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِأسْبابِها غَيْرَ مُتَجاوِزَةٍ لَها لارْتَفَعَتْ أكْثَرُ التَّكالِيفِ عَنِ الأُمَّةِ إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ كُلُّها، واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
وفِي السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ مِنَ الأحادِيثِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في هَذا البابِ ما إنْ عَرَفَهُ المُطَّلِعُ عَلَيْهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وقَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ عَلِمَ صِحَّةَ ما ذَكَرْناهُ وعَرَفَ حَقِيَقَةَ ما حَرَّرْناهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يا عِبادِي " بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا، ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: أنَّهُ يَقِفُ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَقْنَطُوا بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِكَسْرِها.
﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيِ: ارْجِعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. لَمّا بَشَّرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، أمَرَهم بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ بِفِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي، ولَيْسَ في هَذا ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الآيَةِ الأُولى بِالتَّوْبَةِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ، بَلْ غايَةُ ما فِيها أنَّهُ بَشَّرَهم بِتِلْكَ البِشارَةِ العُظْمى، ثُمَّ دَعاهم إلى الخَيْرِ وخَوَّفَهم مِنَ الشَّرِّ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ خِطابًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ جاءَ بِها لِتَحْذِيرِ الكُفّارِ وإنْذارِهِمْ بَعْدَ تَرْغِيبِ المُسْلِمِينَ بِالآيَةِ الأُولى وتَبْشِيرِهِمْ، وهَذا وإنْ كانَ بَعِيدًا ولَكِنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِهِ، والمَعْنى عَلى ما هو الظّاهِرُ: أنَّ اللَّهَ جَمَعَ لِعِبادِهِ بَيْنَ التَّبْشِيرِ العَظِيمِ، والأمْرِ بِالإنابَةِ إلَيْهِ والإخْلاصِ لَهُ والِاسْتِسْلامِ لِأمْرِهِ والخُضُوعِ لِحُكْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الدُّنْيا كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمَهُ الزّاعِمُونَ وتَمَسَّكَ بِهِ القانِطُونَ المُقَنِّطُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُ: أحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ، والقُرْآنُ كُلُّهُ حَسَنٌ. قالَ الحَسَنُ: التَزِمُوا طاعَتَهُ واجْتَنِبُوا مَعاصِيَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الأحْسَنُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي المُحْكَماتِ وكِلُوا عِلْمَ المُتَشابِهِ إلى عالِمِهِ.
وقِيلَ: النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ. وقِيلَ: العَفْوُ دُونَ الِانْتِقامِ بِما يَحِقُّ فِيهِ الِانْتِقامُ، وقِيلَ: أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُفاجِئَكُمُ العَذابُ وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْهُ لا تَشْعُرُونَ بِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنَّهم يَمُوتُونَ بَغْتَةً فَيَقَعُونَ في العَذابِ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الَّذِي يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً هو العَذابُ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والخَوْفِ والجَدْبِ، لا عَذابُ الآخِرَةِ ولا المَوْتُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُسْنِدِ الإتْيانَ إلَيْهِ.
﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ قالَ البَصْرِيُّونَ: أيْ: حَذَرًا أنْ تَقُولَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولَ. قالَ المُبَرِّدُ: بادِرُوا خَوْفَ أنْ تَقُولَ، أوْ حَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها: يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالنَّفْسِ هُنا النَّفْسُ الكافِرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] .
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ياحَسْرَتا﴾ بِالألِفِ بَدَلًا مِنَ الياءِ المُضافِ إلَيْها، والأصْلُ: يا حَسْرَتِي، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " يا حَسْرَتاهُ " بِهاءِ السَّكْتِ وقْفًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يا حَسْرَتِي " بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
والحَسْرَةُ: النَّدامَةُ، ومَعْنى ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ عَلى ما فَرَّطْتُ في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى ما فَرَّطْتُ في ذِكْرِ اللَّهِ، ويَعْنِي بِهِ: القُرْآنَ والعَمَلَ بِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أيْ: في ثَوابِ اللَّهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الجَنْبُ: القُرْبُ والجِوارُ أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ، عَلى ما فَرَّطْتُ في طَلَبِ جَنْبِ اللَّهِ أيْ: في طَلَبِ جِوارِهِ وقُرْبِهِ وهو الجَنَّةُ، وبِهِ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وقالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَرَّطْتُ في الطَّرِيقِ الَّذِي هو طَرِيقُ اللَّهِ مِن تَوْحِيدِهِ والإقْرارِ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى هَذا فالجَنْبُ بِمَعْنى الجانِبِ أيْ: قَصَّرْتُ في الجانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إلى رِضا اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِلنّاسِ جَنْبٌ والأمِيرُ جَنْبُ
أيِ: النّاسُ مِن جانِبٍ والأمِيرُ مِن جانِبٍ ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ: وما كُنْتُ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ في الدُّنْيا، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكْفِهِ أنْ ضَيَّعَ طاعَةَ اللَّهِ حَتّى سَخِرَ مِن أهْلِها.
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ اللَّهَ أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ لَكُنْتُ مِمَّنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يَحْتَجُّ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الحُجَجِ الزّائِفَةِ، ويَتَعَلَّلُونَ بِهِ مِنَ العِلَلِ الباطِلَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَهي كَلِمَةُ حَقٍّ يُرِيدُونَ بِها باطِلًا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُقالَةً أُخْرى مِمّا قالُوا فَقالَ: ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، وانْتِصابُ أكُونَ إمّا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى كَرَّةٍ فَإنَّها مَصْدَرٌ، وأكُونُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ: كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي ∗∗∗ أحَبُّ إلَيَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ
وأنْشَدَ الفَرّاءُ عَلى هَذا:
؎فَما لَكَ مِنها غَيْرُ ذِكْرى وخَشْيَةٍ ∗∗∗ وتَسْألُ عَنْ رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا
وإمّا لِكَوْنِهِ جَوابَ التَّمَنِّي المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - جَوابَهُ عَلى هَذِهِ النُّفُوسِ المُتَمَنِّيَةِ (p-١٢٨٩)المُتَعَلِّلَةِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ فَقالَ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
المُرادُ بِالآياتِ هي الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ وهو القُرْآنُ.
ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِها قَوْلُهُ: إنَّها لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وتَكَبُّرٌ عَنِ الإيمانِ بِها، وكانَ مَعَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ.
وجاءَ - سُبْحانَهُ - بِخِطابِ المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ: جاءَتْكَ وكَذَّبْتَ واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ تُطْلَقُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
قالَ المُبَرِّدُ: تَقُولُ العَرَبُ: نَفْسٌ واحِدٌ أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ، وبِفَتْحِ التّاءِ في هَذِهِ المَواضِعِ قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ بِكَسْرِها في جَمِيعِها، وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ وابْنَتِهِ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ أيْ: تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شُرَكاءَ وصاحِبَةً ووَلَدًا وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وشاهَدُوهُ مِن غَضَبِ اللَّهِ ونِقْمَتِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قالَ الأخْفَشُ: تَرى غَيْرَ عامِلٍ في ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾، إنَّما هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والأوْلى أنْ تَرى إنْ كانَتْ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، فَجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً فَهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِتَرى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: لَيْسَ فِيها مَقامٌ لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، والكِبْرُ هو بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ: اتَّقَوُا الشِّرْكَ ومَعاصِيَ اللَّهِ، والباءُ في بِمَفازَتِهِمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِمَفازَتِهِمْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ بِالإفْرادِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالخَيْرِ والنَّجاةُ مِنَ الشَّرِّ.
قالَ المُبَرِّدُ: المَفازَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ وهو السَّعادَةُ، وإنْ جُمِعَ فَحَسُنٌ: كَقَوْلِكَ السَّعادَةُ والسَّعاداتُ.
والمَعْنى: يُنْجِيهِمُ اللَّهُ بِفَوْزِهِمْ أيْ: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ وفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ " بِمَفازاتِهِمْ " جَمْعُ مَفازَةٍ، وجَمْعُها مَعَ كَوْنِها مَصْدَرًا لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَنْفِي السُّوءَ والحُزْنَ عَنْهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في " بِمَفازَتِهِمْ " لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ فَوْزِهِمْ مَعَ انْتِفاءِ مَساسِ السُّوءِ لَهم وعَدَمِ وُصُولِ الحُزْنِ إلى قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم رَضُوا بِثَوابِ اللَّهِ وأمِنُوا مِن عِقابِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ في مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنّا نَقُولُ لَيْسَ لِمُفْتَتِنٍ تَوْبَةٌ وما اللَّهُ بِقابِلٍ مِنهُ شَيْئًا، عَرَفُوا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوا رَسُولَهُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ لِبَلاءٍ أصابَهم، وكانُوا يَقُولُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآياتِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَكَتَبْتُها بِيَدِي، ثُمَّ بَعَثْتُ بِها إلى هِشامِ بْنِ العاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا أسْلَمَ وحْشِيٌّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] قالَ وحْشِيٌّ وأصْحابُهُ: قَدِ ارْتَكَبْنا هَذا كُلَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَهْطٍ مِن أصْحابِهِ وهم يَضْحَكُونَ ويَتَحَدَّثُونَ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وأبْكى القَوْمَ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي فَرَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أبْشِرُوا وسَدِّدُوا وقارِبُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أُفْتِنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ لَمّا قالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهم ما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وقَتْلِ الأنْفُسِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ ثَوْبانَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما أُحِبُّ أنَّ لِيَ الدُّنْيا وما فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ رَجُلٌ ومَن أشْرَكَ ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ألا، ومَن أشْرَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ مَرَّ عَلى قاضٍ يُذَكِّرُ النّاسَ فَقالَ: يا مُذَكِّرَ النّاسِ لا تُقَنِّطِ النّاسَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: أيُّ آيَةٍ أوْسَعُ ؟ فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١] الآيَةَ ونَحْوَها، فَقالَ عَلِيٌّ: ما في القُرْآنِ أوْسَعُ مِن يا عِبادِيَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَدْ دَعا اللَّهُ إلى مَغْفِرَتِهِ مَن زَعَمَ أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ يَقُولُ لِهَؤُلاءِ ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] ثُمَّ دَعا إلى تَوْبَتِهِ مَن هو أعْظَمُ قَوْلًا مِن هَؤُلاءِ مَن ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَن آيَسَ العِبادَ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدَ هَذا فَقَدْ جَحَدَ كِتابَ اللَّهِ، ولَكِنْ لا يَقْدِرُ العَبْدُ أنْ (p-١٢٩٠)يَتُوبَ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ ما العِبادُ قائِلُونَ قَبْلَ أنْ يَقُولُوا، وعَلَّمَهم قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا.
الزمر 39:52
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الجِنْسُ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أفْرادِهِ أوْ غالِبِها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكُفّارُ فَقَطْ والأوَّلُ أوْلى، ولا يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى الجِنْسِ خُصُوصُ (p-١٢٨٧)سَبَبِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومُ اللَّفْظِ وفاءٌ بِحَقِّ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ووَفاءٌ بِمَدْلُولِهِ، والمَعْنى: أنَّ شَأْنَ غالِبِ نَوْعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا مَسَّهُ ضُرٌّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما دَعا اللَّهَ وتَضَرَّعَ إلَيْهِ في رَفْعِهِ ودَفْعِهِ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا﴾ أيْ: أعْطَيْناهُ نِعْمَةً كائِنَةً مِن عِنْدِنا ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكاسِبِ، أوْ عَلى خَيْرٍ عِنْدِي، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِفَضْلِي.
وقالَ الحَسَنُ: عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إيّاهُ، وقِيلَ: قَدْ عَلِمْتُ أنِّي إذا أُوتِيتُ هَذا في الدُّنْيا أنَّ لِي عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَةً وجاءَ بِالضَّمِيرِ في أُوتِيتُهُ مُذَكَّرًا مَعَ كَوْنِهِ راجِعًا إلى النِّعْمَةِ لِأنَّها بِمَعْنى الإنْعامِ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما، وهي مَوْصُولَةٌ، والأوَّلُ أوْلى ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ هَذا رَدٌّ لِما قالَهُ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أعْطَيْناكَ لِما ذَكَرْتَ، بَلْ هو مِحْنَةٌ لَكَ واخْتِبارٌ لِحالِكَ أتَشْكُرُ أمْ تَكْفُرُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ هي لِتَأْنِيثِ الفِتْنَةِ، ولَوْ قالَ بَلْ هو فِتْنَةٌ لَجازَ. وقالَ النَّحّاسُ: بَلْ عَطِيَّتُهُ فِتْنَةٌ. وقِيلَ: تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الفِتْنَةِ، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ في قَوْلِهِ أُوتِيتُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم مِنَ اللَّهِ وامْتِحانٌ لِما عِنْدَهم مِنَ الشُّكْرِ أوِ الكُفْرِ.
﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي قالُوها وهي قَوْلُهم: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَقارُونَ وغَيْرِهِ، فَإنَّ قارُونَ قالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما هَذِهِ نافِيَةً أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم ما كَسَبُوا مِن مَتاعِ الدُّنْيا شَيْئًا، وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم ذَلِكَ.
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءُ سَيِّئاتِ كَسْبِهِمْ، أوْ أصابَهم سَيِّئاتٌ هي جَزاءُ كَسْبِهِمْ، وسُمِّيَ الجَزاءُ سَيِّئاتٍ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ سَيِّئاتِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، ثُمَّ أوْعَدَ - سُبْحانَهُ - الكُفّارَ في عَصْرِهِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾ المَوْجُودِينَ مِنَ الكُفّارِ ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ كَما أصابَ مَن قَبْلَهم، وقَدْ أصابَهم في الدُّنْيا ما أصابَهم مِنَ القَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ ﴿وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلى اللَّهِ بَلْ مَرْجِعُهم إلَيْهِ يَصْنَعُ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العُقُوبَةِ.
﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ أنْ يُوَسِّعَهُ لَهُ ويَقْدِرُ أيْ: يَقْبِضُهُ لِمَن يَشاءُ أنْ يَقْبِضَهُ ويُضَيِّقَهُ عَلَيْهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وعَظَهُمُ اللَّهُ لِيَعْتَبِرُوا في تَوْحِيدِهِ، وذَلِكَ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويُقَتِّرُ عَلى مَن يَشاءُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَدَلالاتٍ عَظِيمَةً وعَلاماتٍ جَلِيلَةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالآياتِ المُتَفَكِّرُونَ فِيها ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وعَظِيمِ مَغْفِرَتِهِ.
وأمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَشِّرَهم بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ المُرادُ بِالإسْرافِ الإفْراطُ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارُ مِنها.
ومَعْنى ﴿لا تَقْنَطُوا﴾: لا تَيْأسُوا ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ مِن مَغْفِرَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا نَهاهم عَنِ القُنُوطِ أخْبَرَهم بِما يَدْفَعُ ذَلِكَ ويَرْفَعُهُ ويَجْعَلُ الرَّجاءَ مَكانَ القُنُوطِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِاشْتِمالِها عَلى أعْظَمِ بِشارَةٍ، فَإنَّهُ أوَّلًا أضافَ العِبادَ إلى نَفْسِهِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِهِمْ ومَزِيدِ تَبْشِيرِهِمْ، ثُمَّ وصَفَهم بِالإسْرافِ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ القُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلاءِ المُسْتَكْثِرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، فالنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ لِلْمُذْنِبِينَ غَيْرِ المُسْرِفِينَ مِن بابِ الأوْلى وبِفَحْوى الخِطابِ، ثُمَّ جاءَ بِما لا يُبْقِي بَعْدَهُ شَكٌّ ولا يَتَخالَجُ القَلْبَ عِنْدَ سَماعِهِ ظَنٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ فالألِفُ واللّامُ قَدْ صَيَّرَتِ الجَمْعَ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ لِلْجِنْسِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ اسْتِغْراقَ أفْرادِهِ، فَهو في قُوَّةِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ، إلّا ما أخْرَجَهُ النَّصُّ القُرْآنِيُّ وهو الشِّرْكُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِما أخْبَرَ عِبادَهُ بِهِ مِن مَغْفِرَةِ كُلِّ ذَنْبٍ، بَلْ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: جَمِيعًا فَيا لَها مِن بِشارَةٍ تَرْتاحُ لَها قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ المُحْسِنِينَ ظَنَّهم بِرَبِّهِمُ الصّادِقِينَ في رَجائِهِ. الخالِعِينَ لِثِيابِ القُنُوطِ الرّافِضِينَ لِسُوءِ الظَّنِّ بِمَن لا يَتَعاظَمُهُ ذَنْبٌ، ولا يَبْخَلُ بِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ في طَلَبِ العَفْوِ المُلْتَجِئِينَ بِهِ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ وما أحْسَنَ ما عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - بِهِ هَذا الكَلامَ قائِلًا ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَظِيمُهُما بَلِيغُهُما واسِعُهُما، فَمَن أبى هَذا التَّفَضُّلَ العَظِيمَ والعَطاءَ الجَسِيمَ، وظَنَّ أنَّ تَقْنِيطَ عِبادِ اللَّهِ وتَأْيِيسَهم مِن رَحْمَتِهِ أوْلى بِهِمْ مِمّا بَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَقَدْ رَكِبَ أعْظَمَ الشَّطَطِ وغَلِطَ أقْبَحَ الغَلَطِ، فَإنَّ التَّبْشِيرَ وعَدَمَ التَّقْنِيطِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ مَواعِيدُ اللَّهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ، والمَسْلَكَ الَّذِي سَلَكَهُ رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما صَحَّ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» .
وإذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] وهو أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ ما عَدا الشِّرْكَ بِاللَّهِ مَغْفُورٌ لِمَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ إخْبارَهُ لَنا بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَشاءُ غُفْرانَها جَمِيعًا، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يَشاءُ المَغْفِرَةَ لِكُلِّ المُذْنِبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَعارُضٌ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ.
وأمّا ما يَزْعُمُهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن تَقْيِيدِ هَذِهِ الآيَةِ بِالتَّوْبَةِ وأنَّها لا تَغْفِرُ إلّا ذُنُوبَ التّائِبِينَ، وزَعَمُوا أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ.
فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، وبَيْنَ المَلّاحِ والحادِي، وعَلى نَفْسِها بَراقِشُ تَجْنِي، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ العَظِيمَةُ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ لَمْ يَكُنْ لَها كَثِيرُ مَوْقِعٍ، فَإنَّ التَّوْبَةَ مِنَ المُشْرِكِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ بِها ما فَعَلَهُ مِنَ الشِّرْكِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ قالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] (p-١٢٨٨)فَلَوْ كانَتِ التَّوْبَةُ قَيْدًا في المَغْفِرَةِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الشِّرْكِ فائِدَةٌ، وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ كُلُّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في قَوْمٍ خافُوا إنْ أسْلَمُوا أنْ لا يَغْفِرَ لَهم ما جَنَوْا مِنَ الذُّنُوبِ العِظامِ، كالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ ومُعاداةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قُلْتُ: هَبْ أنَّها في هَؤُلاءِ القَوْمِ، فَكانَ ماذا ؟ فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُمُومِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ والأحادِيثُ النَّبَوِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِأسْبابِها غَيْرَ مُتَجاوِزَةٍ لَها لارْتَفَعَتْ أكْثَرُ التَّكالِيفِ عَنِ الأُمَّةِ إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ كُلُّها، واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
وفِي السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ مِنَ الأحادِيثِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في هَذا البابِ ما إنْ عَرَفَهُ المُطَّلِعُ عَلَيْهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وقَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ عَلِمَ صِحَّةَ ما ذَكَرْناهُ وعَرَفَ حَقِيَقَةَ ما حَرَّرْناهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يا عِبادِي " بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا، ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: أنَّهُ يَقِفُ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَقْنَطُوا بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِكَسْرِها.
﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيِ: ارْجِعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. لَمّا بَشَّرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، أمَرَهم بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ بِفِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي، ولَيْسَ في هَذا ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الآيَةِ الأُولى بِالتَّوْبَةِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ، بَلْ غايَةُ ما فِيها أنَّهُ بَشَّرَهم بِتِلْكَ البِشارَةِ العُظْمى، ثُمَّ دَعاهم إلى الخَيْرِ وخَوَّفَهم مِنَ الشَّرِّ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ خِطابًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ جاءَ بِها لِتَحْذِيرِ الكُفّارِ وإنْذارِهِمْ بَعْدَ تَرْغِيبِ المُسْلِمِينَ بِالآيَةِ الأُولى وتَبْشِيرِهِمْ، وهَذا وإنْ كانَ بَعِيدًا ولَكِنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِهِ، والمَعْنى عَلى ما هو الظّاهِرُ: أنَّ اللَّهَ جَمَعَ لِعِبادِهِ بَيْنَ التَّبْشِيرِ العَظِيمِ، والأمْرِ بِالإنابَةِ إلَيْهِ والإخْلاصِ لَهُ والِاسْتِسْلامِ لِأمْرِهِ والخُضُوعِ لِحُكْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الدُّنْيا كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمَهُ الزّاعِمُونَ وتَمَسَّكَ بِهِ القانِطُونَ المُقَنِّطُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُ: أحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ، والقُرْآنُ كُلُّهُ حَسَنٌ. قالَ الحَسَنُ: التَزِمُوا طاعَتَهُ واجْتَنِبُوا مَعاصِيَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الأحْسَنُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي المُحْكَماتِ وكِلُوا عِلْمَ المُتَشابِهِ إلى عالِمِهِ.
وقِيلَ: النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ. وقِيلَ: العَفْوُ دُونَ الِانْتِقامِ بِما يَحِقُّ فِيهِ الِانْتِقامُ، وقِيلَ: أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُفاجِئَكُمُ العَذابُ وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْهُ لا تَشْعُرُونَ بِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنَّهم يَمُوتُونَ بَغْتَةً فَيَقَعُونَ في العَذابِ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الَّذِي يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً هو العَذابُ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والخَوْفِ والجَدْبِ، لا عَذابُ الآخِرَةِ ولا المَوْتُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُسْنِدِ الإتْيانَ إلَيْهِ.
﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ قالَ البَصْرِيُّونَ: أيْ: حَذَرًا أنْ تَقُولَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولَ. قالَ المُبَرِّدُ: بادِرُوا خَوْفَ أنْ تَقُولَ، أوْ حَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها: يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالنَّفْسِ هُنا النَّفْسُ الكافِرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] .
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ياحَسْرَتا﴾ بِالألِفِ بَدَلًا مِنَ الياءِ المُضافِ إلَيْها، والأصْلُ: يا حَسْرَتِي، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " يا حَسْرَتاهُ " بِهاءِ السَّكْتِ وقْفًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يا حَسْرَتِي " بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
والحَسْرَةُ: النَّدامَةُ، ومَعْنى ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ عَلى ما فَرَّطْتُ في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى ما فَرَّطْتُ في ذِكْرِ اللَّهِ، ويَعْنِي بِهِ: القُرْآنَ والعَمَلَ بِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أيْ: في ثَوابِ اللَّهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الجَنْبُ: القُرْبُ والجِوارُ أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ، عَلى ما فَرَّطْتُ في طَلَبِ جَنْبِ اللَّهِ أيْ: في طَلَبِ جِوارِهِ وقُرْبِهِ وهو الجَنَّةُ، وبِهِ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وقالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَرَّطْتُ في الطَّرِيقِ الَّذِي هو طَرِيقُ اللَّهِ مِن تَوْحِيدِهِ والإقْرارِ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى هَذا فالجَنْبُ بِمَعْنى الجانِبِ أيْ: قَصَّرْتُ في الجانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إلى رِضا اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِلنّاسِ جَنْبٌ والأمِيرُ جَنْبُ
أيِ: النّاسُ مِن جانِبٍ والأمِيرُ مِن جانِبٍ ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ: وما كُنْتُ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ في الدُّنْيا، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكْفِهِ أنْ ضَيَّعَ طاعَةَ اللَّهِ حَتّى سَخِرَ مِن أهْلِها.
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ اللَّهَ أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ لَكُنْتُ مِمَّنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يَحْتَجُّ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الحُجَجِ الزّائِفَةِ، ويَتَعَلَّلُونَ بِهِ مِنَ العِلَلِ الباطِلَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَهي كَلِمَةُ حَقٍّ يُرِيدُونَ بِها باطِلًا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُقالَةً أُخْرى مِمّا قالُوا فَقالَ: ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، وانْتِصابُ أكُونَ إمّا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى كَرَّةٍ فَإنَّها مَصْدَرٌ، وأكُونُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ: كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي ∗∗∗ أحَبُّ إلَيَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ
وأنْشَدَ الفَرّاءُ عَلى هَذا:
؎فَما لَكَ مِنها غَيْرُ ذِكْرى وخَشْيَةٍ ∗∗∗ وتَسْألُ عَنْ رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا
وإمّا لِكَوْنِهِ جَوابَ التَّمَنِّي المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - جَوابَهُ عَلى هَذِهِ النُّفُوسِ المُتَمَنِّيَةِ (p-١٢٨٩)المُتَعَلِّلَةِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ فَقالَ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
المُرادُ بِالآياتِ هي الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ وهو القُرْآنُ.
ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِها قَوْلُهُ: إنَّها لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وتَكَبُّرٌ عَنِ الإيمانِ بِها، وكانَ مَعَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ.
وجاءَ - سُبْحانَهُ - بِخِطابِ المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ: جاءَتْكَ وكَذَّبْتَ واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ تُطْلَقُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
قالَ المُبَرِّدُ: تَقُولُ العَرَبُ: نَفْسٌ واحِدٌ أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ، وبِفَتْحِ التّاءِ في هَذِهِ المَواضِعِ قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ بِكَسْرِها في جَمِيعِها، وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ وابْنَتِهِ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ أيْ: تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شُرَكاءَ وصاحِبَةً ووَلَدًا وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وشاهَدُوهُ مِن غَضَبِ اللَّهِ ونِقْمَتِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قالَ الأخْفَشُ: تَرى غَيْرَ عامِلٍ في ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾، إنَّما هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والأوْلى أنْ تَرى إنْ كانَتْ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، فَجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً فَهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِتَرى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: لَيْسَ فِيها مَقامٌ لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، والكِبْرُ هو بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ: اتَّقَوُا الشِّرْكَ ومَعاصِيَ اللَّهِ، والباءُ في بِمَفازَتِهِمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِمَفازَتِهِمْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ بِالإفْرادِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالخَيْرِ والنَّجاةُ مِنَ الشَّرِّ.
قالَ المُبَرِّدُ: المَفازَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ وهو السَّعادَةُ، وإنْ جُمِعَ فَحَسُنٌ: كَقَوْلِكَ السَّعادَةُ والسَّعاداتُ.
والمَعْنى: يُنْجِيهِمُ اللَّهُ بِفَوْزِهِمْ أيْ: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ وفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ " بِمَفازاتِهِمْ " جَمْعُ مَفازَةٍ، وجَمْعُها مَعَ كَوْنِها مَصْدَرًا لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَنْفِي السُّوءَ والحُزْنَ عَنْهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في " بِمَفازَتِهِمْ " لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ فَوْزِهِمْ مَعَ انْتِفاءِ مَساسِ السُّوءِ لَهم وعَدَمِ وُصُولِ الحُزْنِ إلى قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم رَضُوا بِثَوابِ اللَّهِ وأمِنُوا مِن عِقابِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ في مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنّا نَقُولُ لَيْسَ لِمُفْتَتِنٍ تَوْبَةٌ وما اللَّهُ بِقابِلٍ مِنهُ شَيْئًا، عَرَفُوا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوا رَسُولَهُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ لِبَلاءٍ أصابَهم، وكانُوا يَقُولُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآياتِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَكَتَبْتُها بِيَدِي، ثُمَّ بَعَثْتُ بِها إلى هِشامِ بْنِ العاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا أسْلَمَ وحْشِيٌّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] قالَ وحْشِيٌّ وأصْحابُهُ: قَدِ ارْتَكَبْنا هَذا كُلَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَهْطٍ مِن أصْحابِهِ وهم يَضْحَكُونَ ويَتَحَدَّثُونَ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وأبْكى القَوْمَ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي فَرَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أبْشِرُوا وسَدِّدُوا وقارِبُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أُفْتِنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ لَمّا قالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهم ما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وقَتْلِ الأنْفُسِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ ثَوْبانَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما أُحِبُّ أنَّ لِيَ الدُّنْيا وما فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ رَجُلٌ ومَن أشْرَكَ ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ألا، ومَن أشْرَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ مَرَّ عَلى قاضٍ يُذَكِّرُ النّاسَ فَقالَ: يا مُذَكِّرَ النّاسِ لا تُقَنِّطِ النّاسَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: أيُّ آيَةٍ أوْسَعُ ؟ فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١] الآيَةَ ونَحْوَها، فَقالَ عَلِيٌّ: ما في القُرْآنِ أوْسَعُ مِن يا عِبادِيَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَدْ دَعا اللَّهُ إلى مَغْفِرَتِهِ مَن زَعَمَ أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ يَقُولُ لِهَؤُلاءِ ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] ثُمَّ دَعا إلى تَوْبَتِهِ مَن هو أعْظَمُ قَوْلًا مِن هَؤُلاءِ مَن ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَن آيَسَ العِبادَ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدَ هَذا فَقَدْ جَحَدَ كِتابَ اللَّهِ، ولَكِنْ لا يَقْدِرُ العَبْدُ أنْ (p-١٢٩٠)يَتُوبَ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ ما العِبادُ قائِلُونَ قَبْلَ أنْ يَقُولُوا، وعَلَّمَهم قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا.
الزمر 39:53
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الجِنْسُ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أفْرادِهِ أوْ غالِبِها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكُفّارُ فَقَطْ والأوَّلُ أوْلى، ولا يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى الجِنْسِ خُصُوصُ (p-١٢٨٧)سَبَبِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومُ اللَّفْظِ وفاءٌ بِحَقِّ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ووَفاءٌ بِمَدْلُولِهِ، والمَعْنى: أنَّ شَأْنَ غالِبِ نَوْعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا مَسَّهُ ضُرٌّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما دَعا اللَّهَ وتَضَرَّعَ إلَيْهِ في رَفْعِهِ ودَفْعِهِ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا﴾ أيْ: أعْطَيْناهُ نِعْمَةً كائِنَةً مِن عِنْدِنا ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكاسِبِ، أوْ عَلى خَيْرٍ عِنْدِي، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِفَضْلِي.
وقالَ الحَسَنُ: عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إيّاهُ، وقِيلَ: قَدْ عَلِمْتُ أنِّي إذا أُوتِيتُ هَذا في الدُّنْيا أنَّ لِي عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَةً وجاءَ بِالضَّمِيرِ في أُوتِيتُهُ مُذَكَّرًا مَعَ كَوْنِهِ راجِعًا إلى النِّعْمَةِ لِأنَّها بِمَعْنى الإنْعامِ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما، وهي مَوْصُولَةٌ، والأوَّلُ أوْلى ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ هَذا رَدٌّ لِما قالَهُ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أعْطَيْناكَ لِما ذَكَرْتَ، بَلْ هو مِحْنَةٌ لَكَ واخْتِبارٌ لِحالِكَ أتَشْكُرُ أمْ تَكْفُرُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ هي لِتَأْنِيثِ الفِتْنَةِ، ولَوْ قالَ بَلْ هو فِتْنَةٌ لَجازَ. وقالَ النَّحّاسُ: بَلْ عَطِيَّتُهُ فِتْنَةٌ. وقِيلَ: تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الفِتْنَةِ، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ في قَوْلِهِ أُوتِيتُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم مِنَ اللَّهِ وامْتِحانٌ لِما عِنْدَهم مِنَ الشُّكْرِ أوِ الكُفْرِ.
﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي قالُوها وهي قَوْلُهم: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَقارُونَ وغَيْرِهِ، فَإنَّ قارُونَ قالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما هَذِهِ نافِيَةً أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم ما كَسَبُوا مِن مَتاعِ الدُّنْيا شَيْئًا، وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم ذَلِكَ.
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءُ سَيِّئاتِ كَسْبِهِمْ، أوْ أصابَهم سَيِّئاتٌ هي جَزاءُ كَسْبِهِمْ، وسُمِّيَ الجَزاءُ سَيِّئاتٍ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ سَيِّئاتِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، ثُمَّ أوْعَدَ - سُبْحانَهُ - الكُفّارَ في عَصْرِهِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾ المَوْجُودِينَ مِنَ الكُفّارِ ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ كَما أصابَ مَن قَبْلَهم، وقَدْ أصابَهم في الدُّنْيا ما أصابَهم مِنَ القَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ ﴿وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلى اللَّهِ بَلْ مَرْجِعُهم إلَيْهِ يَصْنَعُ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العُقُوبَةِ.
﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ أنْ يُوَسِّعَهُ لَهُ ويَقْدِرُ أيْ: يَقْبِضُهُ لِمَن يَشاءُ أنْ يَقْبِضَهُ ويُضَيِّقَهُ عَلَيْهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وعَظَهُمُ اللَّهُ لِيَعْتَبِرُوا في تَوْحِيدِهِ، وذَلِكَ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويُقَتِّرُ عَلى مَن يَشاءُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَدَلالاتٍ عَظِيمَةً وعَلاماتٍ جَلِيلَةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالآياتِ المُتَفَكِّرُونَ فِيها ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وعَظِيمِ مَغْفِرَتِهِ.
وأمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَشِّرَهم بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ المُرادُ بِالإسْرافِ الإفْراطُ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارُ مِنها.
ومَعْنى ﴿لا تَقْنَطُوا﴾: لا تَيْأسُوا ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ مِن مَغْفِرَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا نَهاهم عَنِ القُنُوطِ أخْبَرَهم بِما يَدْفَعُ ذَلِكَ ويَرْفَعُهُ ويَجْعَلُ الرَّجاءَ مَكانَ القُنُوطِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِاشْتِمالِها عَلى أعْظَمِ بِشارَةٍ، فَإنَّهُ أوَّلًا أضافَ العِبادَ إلى نَفْسِهِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِهِمْ ومَزِيدِ تَبْشِيرِهِمْ، ثُمَّ وصَفَهم بِالإسْرافِ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ القُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلاءِ المُسْتَكْثِرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، فالنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ لِلْمُذْنِبِينَ غَيْرِ المُسْرِفِينَ مِن بابِ الأوْلى وبِفَحْوى الخِطابِ، ثُمَّ جاءَ بِما لا يُبْقِي بَعْدَهُ شَكٌّ ولا يَتَخالَجُ القَلْبَ عِنْدَ سَماعِهِ ظَنٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ فالألِفُ واللّامُ قَدْ صَيَّرَتِ الجَمْعَ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ لِلْجِنْسِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ اسْتِغْراقَ أفْرادِهِ، فَهو في قُوَّةِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ، إلّا ما أخْرَجَهُ النَّصُّ القُرْآنِيُّ وهو الشِّرْكُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِما أخْبَرَ عِبادَهُ بِهِ مِن مَغْفِرَةِ كُلِّ ذَنْبٍ، بَلْ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: جَمِيعًا فَيا لَها مِن بِشارَةٍ تَرْتاحُ لَها قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ المُحْسِنِينَ ظَنَّهم بِرَبِّهِمُ الصّادِقِينَ في رَجائِهِ. الخالِعِينَ لِثِيابِ القُنُوطِ الرّافِضِينَ لِسُوءِ الظَّنِّ بِمَن لا يَتَعاظَمُهُ ذَنْبٌ، ولا يَبْخَلُ بِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ في طَلَبِ العَفْوِ المُلْتَجِئِينَ بِهِ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ وما أحْسَنَ ما عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - بِهِ هَذا الكَلامَ قائِلًا ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَظِيمُهُما بَلِيغُهُما واسِعُهُما، فَمَن أبى هَذا التَّفَضُّلَ العَظِيمَ والعَطاءَ الجَسِيمَ، وظَنَّ أنَّ تَقْنِيطَ عِبادِ اللَّهِ وتَأْيِيسَهم مِن رَحْمَتِهِ أوْلى بِهِمْ مِمّا بَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَقَدْ رَكِبَ أعْظَمَ الشَّطَطِ وغَلِطَ أقْبَحَ الغَلَطِ، فَإنَّ التَّبْشِيرَ وعَدَمَ التَّقْنِيطِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ مَواعِيدُ اللَّهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ، والمَسْلَكَ الَّذِي سَلَكَهُ رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما صَحَّ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» .
وإذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] وهو أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ ما عَدا الشِّرْكَ بِاللَّهِ مَغْفُورٌ لِمَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ إخْبارَهُ لَنا بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَشاءُ غُفْرانَها جَمِيعًا، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يَشاءُ المَغْفِرَةَ لِكُلِّ المُذْنِبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَعارُضٌ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ.
وأمّا ما يَزْعُمُهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن تَقْيِيدِ هَذِهِ الآيَةِ بِالتَّوْبَةِ وأنَّها لا تَغْفِرُ إلّا ذُنُوبَ التّائِبِينَ، وزَعَمُوا أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ.
فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، وبَيْنَ المَلّاحِ والحادِي، وعَلى نَفْسِها بَراقِشُ تَجْنِي، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ العَظِيمَةُ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ لَمْ يَكُنْ لَها كَثِيرُ مَوْقِعٍ، فَإنَّ التَّوْبَةَ مِنَ المُشْرِكِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ بِها ما فَعَلَهُ مِنَ الشِّرْكِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ قالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] (p-١٢٨٨)فَلَوْ كانَتِ التَّوْبَةُ قَيْدًا في المَغْفِرَةِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الشِّرْكِ فائِدَةٌ، وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ كُلُّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في قَوْمٍ خافُوا إنْ أسْلَمُوا أنْ لا يَغْفِرَ لَهم ما جَنَوْا مِنَ الذُّنُوبِ العِظامِ، كالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ ومُعاداةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قُلْتُ: هَبْ أنَّها في هَؤُلاءِ القَوْمِ، فَكانَ ماذا ؟ فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُمُومِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ والأحادِيثُ النَّبَوِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِأسْبابِها غَيْرَ مُتَجاوِزَةٍ لَها لارْتَفَعَتْ أكْثَرُ التَّكالِيفِ عَنِ الأُمَّةِ إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ كُلُّها، واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
وفِي السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ مِنَ الأحادِيثِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في هَذا البابِ ما إنْ عَرَفَهُ المُطَّلِعُ عَلَيْهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وقَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ عَلِمَ صِحَّةَ ما ذَكَرْناهُ وعَرَفَ حَقِيَقَةَ ما حَرَّرْناهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يا عِبادِي " بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا، ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: أنَّهُ يَقِفُ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَقْنَطُوا بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِكَسْرِها.
﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيِ: ارْجِعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. لَمّا بَشَّرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، أمَرَهم بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ بِفِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي، ولَيْسَ في هَذا ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الآيَةِ الأُولى بِالتَّوْبَةِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ، بَلْ غايَةُ ما فِيها أنَّهُ بَشَّرَهم بِتِلْكَ البِشارَةِ العُظْمى، ثُمَّ دَعاهم إلى الخَيْرِ وخَوَّفَهم مِنَ الشَّرِّ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ خِطابًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ جاءَ بِها لِتَحْذِيرِ الكُفّارِ وإنْذارِهِمْ بَعْدَ تَرْغِيبِ المُسْلِمِينَ بِالآيَةِ الأُولى وتَبْشِيرِهِمْ، وهَذا وإنْ كانَ بَعِيدًا ولَكِنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِهِ، والمَعْنى عَلى ما هو الظّاهِرُ: أنَّ اللَّهَ جَمَعَ لِعِبادِهِ بَيْنَ التَّبْشِيرِ العَظِيمِ، والأمْرِ بِالإنابَةِ إلَيْهِ والإخْلاصِ لَهُ والِاسْتِسْلامِ لِأمْرِهِ والخُضُوعِ لِحُكْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الدُّنْيا كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمَهُ الزّاعِمُونَ وتَمَسَّكَ بِهِ القانِطُونَ المُقَنِّطُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُ: أحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ، والقُرْآنُ كُلُّهُ حَسَنٌ. قالَ الحَسَنُ: التَزِمُوا طاعَتَهُ واجْتَنِبُوا مَعاصِيَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الأحْسَنُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي المُحْكَماتِ وكِلُوا عِلْمَ المُتَشابِهِ إلى عالِمِهِ.
وقِيلَ: النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ. وقِيلَ: العَفْوُ دُونَ الِانْتِقامِ بِما يَحِقُّ فِيهِ الِانْتِقامُ، وقِيلَ: أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُفاجِئَكُمُ العَذابُ وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْهُ لا تَشْعُرُونَ بِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنَّهم يَمُوتُونَ بَغْتَةً فَيَقَعُونَ في العَذابِ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الَّذِي يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً هو العَذابُ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والخَوْفِ والجَدْبِ، لا عَذابُ الآخِرَةِ ولا المَوْتُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُسْنِدِ الإتْيانَ إلَيْهِ.
﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ قالَ البَصْرِيُّونَ: أيْ: حَذَرًا أنْ تَقُولَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولَ. قالَ المُبَرِّدُ: بادِرُوا خَوْفَ أنْ تَقُولَ، أوْ حَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها: يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالنَّفْسِ هُنا النَّفْسُ الكافِرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] .
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ياحَسْرَتا﴾ بِالألِفِ بَدَلًا مِنَ الياءِ المُضافِ إلَيْها، والأصْلُ: يا حَسْرَتِي، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " يا حَسْرَتاهُ " بِهاءِ السَّكْتِ وقْفًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يا حَسْرَتِي " بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
والحَسْرَةُ: النَّدامَةُ، ومَعْنى ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ عَلى ما فَرَّطْتُ في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى ما فَرَّطْتُ في ذِكْرِ اللَّهِ، ويَعْنِي بِهِ: القُرْآنَ والعَمَلَ بِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أيْ: في ثَوابِ اللَّهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الجَنْبُ: القُرْبُ والجِوارُ أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ، عَلى ما فَرَّطْتُ في طَلَبِ جَنْبِ اللَّهِ أيْ: في طَلَبِ جِوارِهِ وقُرْبِهِ وهو الجَنَّةُ، وبِهِ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وقالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَرَّطْتُ في الطَّرِيقِ الَّذِي هو طَرِيقُ اللَّهِ مِن تَوْحِيدِهِ والإقْرارِ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى هَذا فالجَنْبُ بِمَعْنى الجانِبِ أيْ: قَصَّرْتُ في الجانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إلى رِضا اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِلنّاسِ جَنْبٌ والأمِيرُ جَنْبُ
أيِ: النّاسُ مِن جانِبٍ والأمِيرُ مِن جانِبٍ ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ: وما كُنْتُ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ في الدُّنْيا، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكْفِهِ أنْ ضَيَّعَ طاعَةَ اللَّهِ حَتّى سَخِرَ مِن أهْلِها.
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ اللَّهَ أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ لَكُنْتُ مِمَّنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يَحْتَجُّ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الحُجَجِ الزّائِفَةِ، ويَتَعَلَّلُونَ بِهِ مِنَ العِلَلِ الباطِلَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَهي كَلِمَةُ حَقٍّ يُرِيدُونَ بِها باطِلًا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُقالَةً أُخْرى مِمّا قالُوا فَقالَ: ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، وانْتِصابُ أكُونَ إمّا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى كَرَّةٍ فَإنَّها مَصْدَرٌ، وأكُونُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ: كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي ∗∗∗ أحَبُّ إلَيَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ
وأنْشَدَ الفَرّاءُ عَلى هَذا:
؎فَما لَكَ مِنها غَيْرُ ذِكْرى وخَشْيَةٍ ∗∗∗ وتَسْألُ عَنْ رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا
وإمّا لِكَوْنِهِ جَوابَ التَّمَنِّي المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - جَوابَهُ عَلى هَذِهِ النُّفُوسِ المُتَمَنِّيَةِ (p-١٢٨٩)المُتَعَلِّلَةِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ فَقالَ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
المُرادُ بِالآياتِ هي الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ وهو القُرْآنُ.
ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِها قَوْلُهُ: إنَّها لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وتَكَبُّرٌ عَنِ الإيمانِ بِها، وكانَ مَعَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ.
وجاءَ - سُبْحانَهُ - بِخِطابِ المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ: جاءَتْكَ وكَذَّبْتَ واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ تُطْلَقُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
قالَ المُبَرِّدُ: تَقُولُ العَرَبُ: نَفْسٌ واحِدٌ أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ، وبِفَتْحِ التّاءِ في هَذِهِ المَواضِعِ قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ بِكَسْرِها في جَمِيعِها، وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ وابْنَتِهِ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ أيْ: تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شُرَكاءَ وصاحِبَةً ووَلَدًا وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وشاهَدُوهُ مِن غَضَبِ اللَّهِ ونِقْمَتِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قالَ الأخْفَشُ: تَرى غَيْرَ عامِلٍ في ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾، إنَّما هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والأوْلى أنْ تَرى إنْ كانَتْ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، فَجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً فَهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِتَرى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: لَيْسَ فِيها مَقامٌ لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، والكِبْرُ هو بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ: اتَّقَوُا الشِّرْكَ ومَعاصِيَ اللَّهِ، والباءُ في بِمَفازَتِهِمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِمَفازَتِهِمْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ بِالإفْرادِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالخَيْرِ والنَّجاةُ مِنَ الشَّرِّ.
قالَ المُبَرِّدُ: المَفازَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ وهو السَّعادَةُ، وإنْ جُمِعَ فَحَسُنٌ: كَقَوْلِكَ السَّعادَةُ والسَّعاداتُ.
والمَعْنى: يُنْجِيهِمُ اللَّهُ بِفَوْزِهِمْ أيْ: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ وفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ " بِمَفازاتِهِمْ " جَمْعُ مَفازَةٍ، وجَمْعُها مَعَ كَوْنِها مَصْدَرًا لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَنْفِي السُّوءَ والحُزْنَ عَنْهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في " بِمَفازَتِهِمْ " لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ فَوْزِهِمْ مَعَ انْتِفاءِ مَساسِ السُّوءِ لَهم وعَدَمِ وُصُولِ الحُزْنِ إلى قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم رَضُوا بِثَوابِ اللَّهِ وأمِنُوا مِن عِقابِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ في مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنّا نَقُولُ لَيْسَ لِمُفْتَتِنٍ تَوْبَةٌ وما اللَّهُ بِقابِلٍ مِنهُ شَيْئًا، عَرَفُوا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوا رَسُولَهُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ لِبَلاءٍ أصابَهم، وكانُوا يَقُولُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآياتِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَكَتَبْتُها بِيَدِي، ثُمَّ بَعَثْتُ بِها إلى هِشامِ بْنِ العاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا أسْلَمَ وحْشِيٌّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] قالَ وحْشِيٌّ وأصْحابُهُ: قَدِ ارْتَكَبْنا هَذا كُلَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَهْطٍ مِن أصْحابِهِ وهم يَضْحَكُونَ ويَتَحَدَّثُونَ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وأبْكى القَوْمَ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي فَرَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أبْشِرُوا وسَدِّدُوا وقارِبُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أُفْتِنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ لَمّا قالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهم ما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وقَتْلِ الأنْفُسِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ ثَوْبانَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما أُحِبُّ أنَّ لِيَ الدُّنْيا وما فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ رَجُلٌ ومَن أشْرَكَ ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ألا، ومَن أشْرَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ مَرَّ عَلى قاضٍ يُذَكِّرُ النّاسَ فَقالَ: يا مُذَكِّرَ النّاسِ لا تُقَنِّطِ النّاسَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: أيُّ آيَةٍ أوْسَعُ ؟ فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١] الآيَةَ ونَحْوَها، فَقالَ عَلِيٌّ: ما في القُرْآنِ أوْسَعُ مِن يا عِبادِيَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَدْ دَعا اللَّهُ إلى مَغْفِرَتِهِ مَن زَعَمَ أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ يَقُولُ لِهَؤُلاءِ ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] ثُمَّ دَعا إلى تَوْبَتِهِ مَن هو أعْظَمُ قَوْلًا مِن هَؤُلاءِ مَن ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَن آيَسَ العِبادَ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدَ هَذا فَقَدْ جَحَدَ كِتابَ اللَّهِ، ولَكِنْ لا يَقْدِرُ العَبْدُ أنْ (p-١٢٩٠)يَتُوبَ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ ما العِبادُ قائِلُونَ قَبْلَ أنْ يَقُولُوا، وعَلَّمَهم قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا.
الزمر 39:54
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الجِنْسُ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أفْرادِهِ أوْ غالِبِها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكُفّارُ فَقَطْ والأوَّلُ أوْلى، ولا يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى الجِنْسِ خُصُوصُ (p-١٢٨٧)سَبَبِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومُ اللَّفْظِ وفاءٌ بِحَقِّ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ووَفاءٌ بِمَدْلُولِهِ، والمَعْنى: أنَّ شَأْنَ غالِبِ نَوْعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا مَسَّهُ ضُرٌّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما دَعا اللَّهَ وتَضَرَّعَ إلَيْهِ في رَفْعِهِ ودَفْعِهِ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا﴾ أيْ: أعْطَيْناهُ نِعْمَةً كائِنَةً مِن عِنْدِنا ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكاسِبِ، أوْ عَلى خَيْرٍ عِنْدِي، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِفَضْلِي.
وقالَ الحَسَنُ: عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إيّاهُ، وقِيلَ: قَدْ عَلِمْتُ أنِّي إذا أُوتِيتُ هَذا في الدُّنْيا أنَّ لِي عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَةً وجاءَ بِالضَّمِيرِ في أُوتِيتُهُ مُذَكَّرًا مَعَ كَوْنِهِ راجِعًا إلى النِّعْمَةِ لِأنَّها بِمَعْنى الإنْعامِ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما، وهي مَوْصُولَةٌ، والأوَّلُ أوْلى ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ هَذا رَدٌّ لِما قالَهُ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أعْطَيْناكَ لِما ذَكَرْتَ، بَلْ هو مِحْنَةٌ لَكَ واخْتِبارٌ لِحالِكَ أتَشْكُرُ أمْ تَكْفُرُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ هي لِتَأْنِيثِ الفِتْنَةِ، ولَوْ قالَ بَلْ هو فِتْنَةٌ لَجازَ. وقالَ النَّحّاسُ: بَلْ عَطِيَّتُهُ فِتْنَةٌ. وقِيلَ: تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الفِتْنَةِ، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ في قَوْلِهِ أُوتِيتُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم مِنَ اللَّهِ وامْتِحانٌ لِما عِنْدَهم مِنَ الشُّكْرِ أوِ الكُفْرِ.
﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي قالُوها وهي قَوْلُهم: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَقارُونَ وغَيْرِهِ، فَإنَّ قارُونَ قالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما هَذِهِ نافِيَةً أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم ما كَسَبُوا مِن مَتاعِ الدُّنْيا شَيْئًا، وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم ذَلِكَ.
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءُ سَيِّئاتِ كَسْبِهِمْ، أوْ أصابَهم سَيِّئاتٌ هي جَزاءُ كَسْبِهِمْ، وسُمِّيَ الجَزاءُ سَيِّئاتٍ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ سَيِّئاتِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، ثُمَّ أوْعَدَ - سُبْحانَهُ - الكُفّارَ في عَصْرِهِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾ المَوْجُودِينَ مِنَ الكُفّارِ ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ كَما أصابَ مَن قَبْلَهم، وقَدْ أصابَهم في الدُّنْيا ما أصابَهم مِنَ القَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ ﴿وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلى اللَّهِ بَلْ مَرْجِعُهم إلَيْهِ يَصْنَعُ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العُقُوبَةِ.
﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ أنْ يُوَسِّعَهُ لَهُ ويَقْدِرُ أيْ: يَقْبِضُهُ لِمَن يَشاءُ أنْ يَقْبِضَهُ ويُضَيِّقَهُ عَلَيْهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وعَظَهُمُ اللَّهُ لِيَعْتَبِرُوا في تَوْحِيدِهِ، وذَلِكَ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويُقَتِّرُ عَلى مَن يَشاءُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَدَلالاتٍ عَظِيمَةً وعَلاماتٍ جَلِيلَةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالآياتِ المُتَفَكِّرُونَ فِيها ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وعَظِيمِ مَغْفِرَتِهِ.
وأمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَشِّرَهم بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ المُرادُ بِالإسْرافِ الإفْراطُ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارُ مِنها.
ومَعْنى ﴿لا تَقْنَطُوا﴾: لا تَيْأسُوا ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ مِن مَغْفِرَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا نَهاهم عَنِ القُنُوطِ أخْبَرَهم بِما يَدْفَعُ ذَلِكَ ويَرْفَعُهُ ويَجْعَلُ الرَّجاءَ مَكانَ القُنُوطِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِاشْتِمالِها عَلى أعْظَمِ بِشارَةٍ، فَإنَّهُ أوَّلًا أضافَ العِبادَ إلى نَفْسِهِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِهِمْ ومَزِيدِ تَبْشِيرِهِمْ، ثُمَّ وصَفَهم بِالإسْرافِ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ القُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلاءِ المُسْتَكْثِرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، فالنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ لِلْمُذْنِبِينَ غَيْرِ المُسْرِفِينَ مِن بابِ الأوْلى وبِفَحْوى الخِطابِ، ثُمَّ جاءَ بِما لا يُبْقِي بَعْدَهُ شَكٌّ ولا يَتَخالَجُ القَلْبَ عِنْدَ سَماعِهِ ظَنٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ فالألِفُ واللّامُ قَدْ صَيَّرَتِ الجَمْعَ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ لِلْجِنْسِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ اسْتِغْراقَ أفْرادِهِ، فَهو في قُوَّةِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ، إلّا ما أخْرَجَهُ النَّصُّ القُرْآنِيُّ وهو الشِّرْكُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِما أخْبَرَ عِبادَهُ بِهِ مِن مَغْفِرَةِ كُلِّ ذَنْبٍ، بَلْ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: جَمِيعًا فَيا لَها مِن بِشارَةٍ تَرْتاحُ لَها قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ المُحْسِنِينَ ظَنَّهم بِرَبِّهِمُ الصّادِقِينَ في رَجائِهِ. الخالِعِينَ لِثِيابِ القُنُوطِ الرّافِضِينَ لِسُوءِ الظَّنِّ بِمَن لا يَتَعاظَمُهُ ذَنْبٌ، ولا يَبْخَلُ بِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ في طَلَبِ العَفْوِ المُلْتَجِئِينَ بِهِ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ وما أحْسَنَ ما عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - بِهِ هَذا الكَلامَ قائِلًا ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَظِيمُهُما بَلِيغُهُما واسِعُهُما، فَمَن أبى هَذا التَّفَضُّلَ العَظِيمَ والعَطاءَ الجَسِيمَ، وظَنَّ أنَّ تَقْنِيطَ عِبادِ اللَّهِ وتَأْيِيسَهم مِن رَحْمَتِهِ أوْلى بِهِمْ مِمّا بَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَقَدْ رَكِبَ أعْظَمَ الشَّطَطِ وغَلِطَ أقْبَحَ الغَلَطِ، فَإنَّ التَّبْشِيرَ وعَدَمَ التَّقْنِيطِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ مَواعِيدُ اللَّهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ، والمَسْلَكَ الَّذِي سَلَكَهُ رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما صَحَّ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» .
وإذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] وهو أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ ما عَدا الشِّرْكَ بِاللَّهِ مَغْفُورٌ لِمَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ إخْبارَهُ لَنا بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَشاءُ غُفْرانَها جَمِيعًا، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يَشاءُ المَغْفِرَةَ لِكُلِّ المُذْنِبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَعارُضٌ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ.
وأمّا ما يَزْعُمُهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن تَقْيِيدِ هَذِهِ الآيَةِ بِالتَّوْبَةِ وأنَّها لا تَغْفِرُ إلّا ذُنُوبَ التّائِبِينَ، وزَعَمُوا أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ.
فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، وبَيْنَ المَلّاحِ والحادِي، وعَلى نَفْسِها بَراقِشُ تَجْنِي، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ العَظِيمَةُ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ لَمْ يَكُنْ لَها كَثِيرُ مَوْقِعٍ، فَإنَّ التَّوْبَةَ مِنَ المُشْرِكِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ بِها ما فَعَلَهُ مِنَ الشِّرْكِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ قالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] (p-١٢٨٨)فَلَوْ كانَتِ التَّوْبَةُ قَيْدًا في المَغْفِرَةِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الشِّرْكِ فائِدَةٌ، وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ كُلُّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في قَوْمٍ خافُوا إنْ أسْلَمُوا أنْ لا يَغْفِرَ لَهم ما جَنَوْا مِنَ الذُّنُوبِ العِظامِ، كالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ ومُعاداةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قُلْتُ: هَبْ أنَّها في هَؤُلاءِ القَوْمِ، فَكانَ ماذا ؟ فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُمُومِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ والأحادِيثُ النَّبَوِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِأسْبابِها غَيْرَ مُتَجاوِزَةٍ لَها لارْتَفَعَتْ أكْثَرُ التَّكالِيفِ عَنِ الأُمَّةِ إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ كُلُّها، واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
وفِي السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ مِنَ الأحادِيثِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في هَذا البابِ ما إنْ عَرَفَهُ المُطَّلِعُ عَلَيْهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وقَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ عَلِمَ صِحَّةَ ما ذَكَرْناهُ وعَرَفَ حَقِيَقَةَ ما حَرَّرْناهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يا عِبادِي " بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا، ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: أنَّهُ يَقِفُ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَقْنَطُوا بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِكَسْرِها.
﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيِ: ارْجِعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. لَمّا بَشَّرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، أمَرَهم بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ بِفِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي، ولَيْسَ في هَذا ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الآيَةِ الأُولى بِالتَّوْبَةِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ، بَلْ غايَةُ ما فِيها أنَّهُ بَشَّرَهم بِتِلْكَ البِشارَةِ العُظْمى، ثُمَّ دَعاهم إلى الخَيْرِ وخَوَّفَهم مِنَ الشَّرِّ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ خِطابًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ جاءَ بِها لِتَحْذِيرِ الكُفّارِ وإنْذارِهِمْ بَعْدَ تَرْغِيبِ المُسْلِمِينَ بِالآيَةِ الأُولى وتَبْشِيرِهِمْ، وهَذا وإنْ كانَ بَعِيدًا ولَكِنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِهِ، والمَعْنى عَلى ما هو الظّاهِرُ: أنَّ اللَّهَ جَمَعَ لِعِبادِهِ بَيْنَ التَّبْشِيرِ العَظِيمِ، والأمْرِ بِالإنابَةِ إلَيْهِ والإخْلاصِ لَهُ والِاسْتِسْلامِ لِأمْرِهِ والخُضُوعِ لِحُكْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الدُّنْيا كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمَهُ الزّاعِمُونَ وتَمَسَّكَ بِهِ القانِطُونَ المُقَنِّطُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُ: أحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ، والقُرْآنُ كُلُّهُ حَسَنٌ. قالَ الحَسَنُ: التَزِمُوا طاعَتَهُ واجْتَنِبُوا مَعاصِيَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الأحْسَنُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي المُحْكَماتِ وكِلُوا عِلْمَ المُتَشابِهِ إلى عالِمِهِ.
وقِيلَ: النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ. وقِيلَ: العَفْوُ دُونَ الِانْتِقامِ بِما يَحِقُّ فِيهِ الِانْتِقامُ، وقِيلَ: أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُفاجِئَكُمُ العَذابُ وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْهُ لا تَشْعُرُونَ بِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنَّهم يَمُوتُونَ بَغْتَةً فَيَقَعُونَ في العَذابِ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الَّذِي يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً هو العَذابُ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والخَوْفِ والجَدْبِ، لا عَذابُ الآخِرَةِ ولا المَوْتُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُسْنِدِ الإتْيانَ إلَيْهِ.
﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ قالَ البَصْرِيُّونَ: أيْ: حَذَرًا أنْ تَقُولَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولَ. قالَ المُبَرِّدُ: بادِرُوا خَوْفَ أنْ تَقُولَ، أوْ حَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها: يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالنَّفْسِ هُنا النَّفْسُ الكافِرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] .
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ياحَسْرَتا﴾ بِالألِفِ بَدَلًا مِنَ الياءِ المُضافِ إلَيْها، والأصْلُ: يا حَسْرَتِي، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " يا حَسْرَتاهُ " بِهاءِ السَّكْتِ وقْفًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يا حَسْرَتِي " بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
والحَسْرَةُ: النَّدامَةُ، ومَعْنى ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ عَلى ما فَرَّطْتُ في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى ما فَرَّطْتُ في ذِكْرِ اللَّهِ، ويَعْنِي بِهِ: القُرْآنَ والعَمَلَ بِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أيْ: في ثَوابِ اللَّهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الجَنْبُ: القُرْبُ والجِوارُ أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ، عَلى ما فَرَّطْتُ في طَلَبِ جَنْبِ اللَّهِ أيْ: في طَلَبِ جِوارِهِ وقُرْبِهِ وهو الجَنَّةُ، وبِهِ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وقالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَرَّطْتُ في الطَّرِيقِ الَّذِي هو طَرِيقُ اللَّهِ مِن تَوْحِيدِهِ والإقْرارِ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى هَذا فالجَنْبُ بِمَعْنى الجانِبِ أيْ: قَصَّرْتُ في الجانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إلى رِضا اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِلنّاسِ جَنْبٌ والأمِيرُ جَنْبُ
أيِ: النّاسُ مِن جانِبٍ والأمِيرُ مِن جانِبٍ ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ: وما كُنْتُ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ في الدُّنْيا، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكْفِهِ أنْ ضَيَّعَ طاعَةَ اللَّهِ حَتّى سَخِرَ مِن أهْلِها.
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ اللَّهَ أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ لَكُنْتُ مِمَّنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يَحْتَجُّ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الحُجَجِ الزّائِفَةِ، ويَتَعَلَّلُونَ بِهِ مِنَ العِلَلِ الباطِلَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَهي كَلِمَةُ حَقٍّ يُرِيدُونَ بِها باطِلًا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُقالَةً أُخْرى مِمّا قالُوا فَقالَ: ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، وانْتِصابُ أكُونَ إمّا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى كَرَّةٍ فَإنَّها مَصْدَرٌ، وأكُونُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ: كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي ∗∗∗ أحَبُّ إلَيَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ
وأنْشَدَ الفَرّاءُ عَلى هَذا:
؎فَما لَكَ مِنها غَيْرُ ذِكْرى وخَشْيَةٍ ∗∗∗ وتَسْألُ عَنْ رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا
وإمّا لِكَوْنِهِ جَوابَ التَّمَنِّي المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - جَوابَهُ عَلى هَذِهِ النُّفُوسِ المُتَمَنِّيَةِ (p-١٢٨٩)المُتَعَلِّلَةِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ فَقالَ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
المُرادُ بِالآياتِ هي الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ وهو القُرْآنُ.
ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِها قَوْلُهُ: إنَّها لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وتَكَبُّرٌ عَنِ الإيمانِ بِها، وكانَ مَعَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ.
وجاءَ - سُبْحانَهُ - بِخِطابِ المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ: جاءَتْكَ وكَذَّبْتَ واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ تُطْلَقُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
قالَ المُبَرِّدُ: تَقُولُ العَرَبُ: نَفْسٌ واحِدٌ أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ، وبِفَتْحِ التّاءِ في هَذِهِ المَواضِعِ قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ بِكَسْرِها في جَمِيعِها، وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ وابْنَتِهِ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ أيْ: تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شُرَكاءَ وصاحِبَةً ووَلَدًا وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وشاهَدُوهُ مِن غَضَبِ اللَّهِ ونِقْمَتِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قالَ الأخْفَشُ: تَرى غَيْرَ عامِلٍ في ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾، إنَّما هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والأوْلى أنْ تَرى إنْ كانَتْ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، فَجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً فَهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِتَرى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: لَيْسَ فِيها مَقامٌ لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، والكِبْرُ هو بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ: اتَّقَوُا الشِّرْكَ ومَعاصِيَ اللَّهِ، والباءُ في بِمَفازَتِهِمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِمَفازَتِهِمْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ بِالإفْرادِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالخَيْرِ والنَّجاةُ مِنَ الشَّرِّ.
قالَ المُبَرِّدُ: المَفازَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ وهو السَّعادَةُ، وإنْ جُمِعَ فَحَسُنٌ: كَقَوْلِكَ السَّعادَةُ والسَّعاداتُ.
والمَعْنى: يُنْجِيهِمُ اللَّهُ بِفَوْزِهِمْ أيْ: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ وفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ " بِمَفازاتِهِمْ " جَمْعُ مَفازَةٍ، وجَمْعُها مَعَ كَوْنِها مَصْدَرًا لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَنْفِي السُّوءَ والحُزْنَ عَنْهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في " بِمَفازَتِهِمْ " لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ فَوْزِهِمْ مَعَ انْتِفاءِ مَساسِ السُّوءِ لَهم وعَدَمِ وُصُولِ الحُزْنِ إلى قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم رَضُوا بِثَوابِ اللَّهِ وأمِنُوا مِن عِقابِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ في مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنّا نَقُولُ لَيْسَ لِمُفْتَتِنٍ تَوْبَةٌ وما اللَّهُ بِقابِلٍ مِنهُ شَيْئًا، عَرَفُوا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوا رَسُولَهُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ لِبَلاءٍ أصابَهم، وكانُوا يَقُولُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآياتِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَكَتَبْتُها بِيَدِي، ثُمَّ بَعَثْتُ بِها إلى هِشامِ بْنِ العاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا أسْلَمَ وحْشِيٌّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] قالَ وحْشِيٌّ وأصْحابُهُ: قَدِ ارْتَكَبْنا هَذا كُلَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَهْطٍ مِن أصْحابِهِ وهم يَضْحَكُونَ ويَتَحَدَّثُونَ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وأبْكى القَوْمَ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي فَرَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أبْشِرُوا وسَدِّدُوا وقارِبُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أُفْتِنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ لَمّا قالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهم ما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وقَتْلِ الأنْفُسِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ ثَوْبانَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما أُحِبُّ أنَّ لِيَ الدُّنْيا وما فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ رَجُلٌ ومَن أشْرَكَ ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ألا، ومَن أشْرَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ مَرَّ عَلى قاضٍ يُذَكِّرُ النّاسَ فَقالَ: يا مُذَكِّرَ النّاسِ لا تُقَنِّطِ النّاسَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: أيُّ آيَةٍ أوْسَعُ ؟ فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١] الآيَةَ ونَحْوَها، فَقالَ عَلِيٌّ: ما في القُرْآنِ أوْسَعُ مِن يا عِبادِيَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَدْ دَعا اللَّهُ إلى مَغْفِرَتِهِ مَن زَعَمَ أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ يَقُولُ لِهَؤُلاءِ ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] ثُمَّ دَعا إلى تَوْبَتِهِ مَن هو أعْظَمُ قَوْلًا مِن هَؤُلاءِ مَن ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَن آيَسَ العِبادَ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدَ هَذا فَقَدْ جَحَدَ كِتابَ اللَّهِ، ولَكِنْ لا يَقْدِرُ العَبْدُ أنْ (p-١٢٩٠)يَتُوبَ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ ما العِبادُ قائِلُونَ قَبْلَ أنْ يَقُولُوا، وعَلَّمَهم قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا.
الزمر 39:55
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الجِنْسُ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أفْرادِهِ أوْ غالِبِها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكُفّارُ فَقَطْ والأوَّلُ أوْلى، ولا يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى الجِنْسِ خُصُوصُ (p-١٢٨٧)سَبَبِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومُ اللَّفْظِ وفاءٌ بِحَقِّ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ووَفاءٌ بِمَدْلُولِهِ، والمَعْنى: أنَّ شَأْنَ غالِبِ نَوْعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا مَسَّهُ ضُرٌّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما دَعا اللَّهَ وتَضَرَّعَ إلَيْهِ في رَفْعِهِ ودَفْعِهِ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا﴾ أيْ: أعْطَيْناهُ نِعْمَةً كائِنَةً مِن عِنْدِنا ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكاسِبِ، أوْ عَلى خَيْرٍ عِنْدِي، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِفَضْلِي.
وقالَ الحَسَنُ: عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إيّاهُ، وقِيلَ: قَدْ عَلِمْتُ أنِّي إذا أُوتِيتُ هَذا في الدُّنْيا أنَّ لِي عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَةً وجاءَ بِالضَّمِيرِ في أُوتِيتُهُ مُذَكَّرًا مَعَ كَوْنِهِ راجِعًا إلى النِّعْمَةِ لِأنَّها بِمَعْنى الإنْعامِ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما، وهي مَوْصُولَةٌ، والأوَّلُ أوْلى ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ هَذا رَدٌّ لِما قالَهُ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أعْطَيْناكَ لِما ذَكَرْتَ، بَلْ هو مِحْنَةٌ لَكَ واخْتِبارٌ لِحالِكَ أتَشْكُرُ أمْ تَكْفُرُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ هي لِتَأْنِيثِ الفِتْنَةِ، ولَوْ قالَ بَلْ هو فِتْنَةٌ لَجازَ. وقالَ النَّحّاسُ: بَلْ عَطِيَّتُهُ فِتْنَةٌ. وقِيلَ: تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الفِتْنَةِ، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ في قَوْلِهِ أُوتِيتُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم مِنَ اللَّهِ وامْتِحانٌ لِما عِنْدَهم مِنَ الشُّكْرِ أوِ الكُفْرِ.
﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي قالُوها وهي قَوْلُهم: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَقارُونَ وغَيْرِهِ، فَإنَّ قارُونَ قالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما هَذِهِ نافِيَةً أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم ما كَسَبُوا مِن مَتاعِ الدُّنْيا شَيْئًا، وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم ذَلِكَ.
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءُ سَيِّئاتِ كَسْبِهِمْ، أوْ أصابَهم سَيِّئاتٌ هي جَزاءُ كَسْبِهِمْ، وسُمِّيَ الجَزاءُ سَيِّئاتٍ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ سَيِّئاتِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، ثُمَّ أوْعَدَ - سُبْحانَهُ - الكُفّارَ في عَصْرِهِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾ المَوْجُودِينَ مِنَ الكُفّارِ ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ كَما أصابَ مَن قَبْلَهم، وقَدْ أصابَهم في الدُّنْيا ما أصابَهم مِنَ القَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ ﴿وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلى اللَّهِ بَلْ مَرْجِعُهم إلَيْهِ يَصْنَعُ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العُقُوبَةِ.
﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ أنْ يُوَسِّعَهُ لَهُ ويَقْدِرُ أيْ: يَقْبِضُهُ لِمَن يَشاءُ أنْ يَقْبِضَهُ ويُضَيِّقَهُ عَلَيْهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وعَظَهُمُ اللَّهُ لِيَعْتَبِرُوا في تَوْحِيدِهِ، وذَلِكَ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويُقَتِّرُ عَلى مَن يَشاءُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَدَلالاتٍ عَظِيمَةً وعَلاماتٍ جَلِيلَةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالآياتِ المُتَفَكِّرُونَ فِيها ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وعَظِيمِ مَغْفِرَتِهِ.
وأمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَشِّرَهم بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ المُرادُ بِالإسْرافِ الإفْراطُ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارُ مِنها.
ومَعْنى ﴿لا تَقْنَطُوا﴾: لا تَيْأسُوا ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ مِن مَغْفِرَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا نَهاهم عَنِ القُنُوطِ أخْبَرَهم بِما يَدْفَعُ ذَلِكَ ويَرْفَعُهُ ويَجْعَلُ الرَّجاءَ مَكانَ القُنُوطِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِاشْتِمالِها عَلى أعْظَمِ بِشارَةٍ، فَإنَّهُ أوَّلًا أضافَ العِبادَ إلى نَفْسِهِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِهِمْ ومَزِيدِ تَبْشِيرِهِمْ، ثُمَّ وصَفَهم بِالإسْرافِ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ القُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلاءِ المُسْتَكْثِرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، فالنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ لِلْمُذْنِبِينَ غَيْرِ المُسْرِفِينَ مِن بابِ الأوْلى وبِفَحْوى الخِطابِ، ثُمَّ جاءَ بِما لا يُبْقِي بَعْدَهُ شَكٌّ ولا يَتَخالَجُ القَلْبَ عِنْدَ سَماعِهِ ظَنٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ فالألِفُ واللّامُ قَدْ صَيَّرَتِ الجَمْعَ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ لِلْجِنْسِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ اسْتِغْراقَ أفْرادِهِ، فَهو في قُوَّةِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ، إلّا ما أخْرَجَهُ النَّصُّ القُرْآنِيُّ وهو الشِّرْكُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِما أخْبَرَ عِبادَهُ بِهِ مِن مَغْفِرَةِ كُلِّ ذَنْبٍ، بَلْ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: جَمِيعًا فَيا لَها مِن بِشارَةٍ تَرْتاحُ لَها قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ المُحْسِنِينَ ظَنَّهم بِرَبِّهِمُ الصّادِقِينَ في رَجائِهِ. الخالِعِينَ لِثِيابِ القُنُوطِ الرّافِضِينَ لِسُوءِ الظَّنِّ بِمَن لا يَتَعاظَمُهُ ذَنْبٌ، ولا يَبْخَلُ بِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ في طَلَبِ العَفْوِ المُلْتَجِئِينَ بِهِ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ وما أحْسَنَ ما عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - بِهِ هَذا الكَلامَ قائِلًا ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَظِيمُهُما بَلِيغُهُما واسِعُهُما، فَمَن أبى هَذا التَّفَضُّلَ العَظِيمَ والعَطاءَ الجَسِيمَ، وظَنَّ أنَّ تَقْنِيطَ عِبادِ اللَّهِ وتَأْيِيسَهم مِن رَحْمَتِهِ أوْلى بِهِمْ مِمّا بَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَقَدْ رَكِبَ أعْظَمَ الشَّطَطِ وغَلِطَ أقْبَحَ الغَلَطِ، فَإنَّ التَّبْشِيرَ وعَدَمَ التَّقْنِيطِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ مَواعِيدُ اللَّهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ، والمَسْلَكَ الَّذِي سَلَكَهُ رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما صَحَّ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» .
وإذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] وهو أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ ما عَدا الشِّرْكَ بِاللَّهِ مَغْفُورٌ لِمَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ إخْبارَهُ لَنا بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَشاءُ غُفْرانَها جَمِيعًا، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يَشاءُ المَغْفِرَةَ لِكُلِّ المُذْنِبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَعارُضٌ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ.
وأمّا ما يَزْعُمُهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن تَقْيِيدِ هَذِهِ الآيَةِ بِالتَّوْبَةِ وأنَّها لا تَغْفِرُ إلّا ذُنُوبَ التّائِبِينَ، وزَعَمُوا أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ.
فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، وبَيْنَ المَلّاحِ والحادِي، وعَلى نَفْسِها بَراقِشُ تَجْنِي، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ العَظِيمَةُ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ لَمْ يَكُنْ لَها كَثِيرُ مَوْقِعٍ، فَإنَّ التَّوْبَةَ مِنَ المُشْرِكِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ بِها ما فَعَلَهُ مِنَ الشِّرْكِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ قالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] (p-١٢٨٨)فَلَوْ كانَتِ التَّوْبَةُ قَيْدًا في المَغْفِرَةِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الشِّرْكِ فائِدَةٌ، وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ كُلُّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في قَوْمٍ خافُوا إنْ أسْلَمُوا أنْ لا يَغْفِرَ لَهم ما جَنَوْا مِنَ الذُّنُوبِ العِظامِ، كالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ ومُعاداةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قُلْتُ: هَبْ أنَّها في هَؤُلاءِ القَوْمِ، فَكانَ ماذا ؟ فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُمُومِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ والأحادِيثُ النَّبَوِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِأسْبابِها غَيْرَ مُتَجاوِزَةٍ لَها لارْتَفَعَتْ أكْثَرُ التَّكالِيفِ عَنِ الأُمَّةِ إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ كُلُّها، واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
وفِي السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ مِنَ الأحادِيثِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في هَذا البابِ ما إنْ عَرَفَهُ المُطَّلِعُ عَلَيْهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وقَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ عَلِمَ صِحَّةَ ما ذَكَرْناهُ وعَرَفَ حَقِيَقَةَ ما حَرَّرْناهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يا عِبادِي " بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا، ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: أنَّهُ يَقِفُ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَقْنَطُوا بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِكَسْرِها.
﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيِ: ارْجِعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. لَمّا بَشَّرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، أمَرَهم بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ بِفِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي، ولَيْسَ في هَذا ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الآيَةِ الأُولى بِالتَّوْبَةِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ، بَلْ غايَةُ ما فِيها أنَّهُ بَشَّرَهم بِتِلْكَ البِشارَةِ العُظْمى، ثُمَّ دَعاهم إلى الخَيْرِ وخَوَّفَهم مِنَ الشَّرِّ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ خِطابًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ جاءَ بِها لِتَحْذِيرِ الكُفّارِ وإنْذارِهِمْ بَعْدَ تَرْغِيبِ المُسْلِمِينَ بِالآيَةِ الأُولى وتَبْشِيرِهِمْ، وهَذا وإنْ كانَ بَعِيدًا ولَكِنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِهِ، والمَعْنى عَلى ما هو الظّاهِرُ: أنَّ اللَّهَ جَمَعَ لِعِبادِهِ بَيْنَ التَّبْشِيرِ العَظِيمِ، والأمْرِ بِالإنابَةِ إلَيْهِ والإخْلاصِ لَهُ والِاسْتِسْلامِ لِأمْرِهِ والخُضُوعِ لِحُكْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الدُّنْيا كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمَهُ الزّاعِمُونَ وتَمَسَّكَ بِهِ القانِطُونَ المُقَنِّطُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُ: أحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ، والقُرْآنُ كُلُّهُ حَسَنٌ. قالَ الحَسَنُ: التَزِمُوا طاعَتَهُ واجْتَنِبُوا مَعاصِيَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الأحْسَنُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي المُحْكَماتِ وكِلُوا عِلْمَ المُتَشابِهِ إلى عالِمِهِ.
وقِيلَ: النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ. وقِيلَ: العَفْوُ دُونَ الِانْتِقامِ بِما يَحِقُّ فِيهِ الِانْتِقامُ، وقِيلَ: أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُفاجِئَكُمُ العَذابُ وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْهُ لا تَشْعُرُونَ بِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنَّهم يَمُوتُونَ بَغْتَةً فَيَقَعُونَ في العَذابِ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الَّذِي يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً هو العَذابُ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والخَوْفِ والجَدْبِ، لا عَذابُ الآخِرَةِ ولا المَوْتُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُسْنِدِ الإتْيانَ إلَيْهِ.
﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ قالَ البَصْرِيُّونَ: أيْ: حَذَرًا أنْ تَقُولَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولَ. قالَ المُبَرِّدُ: بادِرُوا خَوْفَ أنْ تَقُولَ، أوْ حَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها: يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالنَّفْسِ هُنا النَّفْسُ الكافِرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] .
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ياحَسْرَتا﴾ بِالألِفِ بَدَلًا مِنَ الياءِ المُضافِ إلَيْها، والأصْلُ: يا حَسْرَتِي، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " يا حَسْرَتاهُ " بِهاءِ السَّكْتِ وقْفًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يا حَسْرَتِي " بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
والحَسْرَةُ: النَّدامَةُ، ومَعْنى ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ عَلى ما فَرَّطْتُ في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى ما فَرَّطْتُ في ذِكْرِ اللَّهِ، ويَعْنِي بِهِ: القُرْآنَ والعَمَلَ بِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أيْ: في ثَوابِ اللَّهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الجَنْبُ: القُرْبُ والجِوارُ أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ، عَلى ما فَرَّطْتُ في طَلَبِ جَنْبِ اللَّهِ أيْ: في طَلَبِ جِوارِهِ وقُرْبِهِ وهو الجَنَّةُ، وبِهِ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وقالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَرَّطْتُ في الطَّرِيقِ الَّذِي هو طَرِيقُ اللَّهِ مِن تَوْحِيدِهِ والإقْرارِ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى هَذا فالجَنْبُ بِمَعْنى الجانِبِ أيْ: قَصَّرْتُ في الجانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إلى رِضا اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِلنّاسِ جَنْبٌ والأمِيرُ جَنْبُ
أيِ: النّاسُ مِن جانِبٍ والأمِيرُ مِن جانِبٍ ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ: وما كُنْتُ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ في الدُّنْيا، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكْفِهِ أنْ ضَيَّعَ طاعَةَ اللَّهِ حَتّى سَخِرَ مِن أهْلِها.
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ اللَّهَ أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ لَكُنْتُ مِمَّنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يَحْتَجُّ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الحُجَجِ الزّائِفَةِ، ويَتَعَلَّلُونَ بِهِ مِنَ العِلَلِ الباطِلَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَهي كَلِمَةُ حَقٍّ يُرِيدُونَ بِها باطِلًا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُقالَةً أُخْرى مِمّا قالُوا فَقالَ: ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، وانْتِصابُ أكُونَ إمّا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى كَرَّةٍ فَإنَّها مَصْدَرٌ، وأكُونُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ: كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي ∗∗∗ أحَبُّ إلَيَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ
وأنْشَدَ الفَرّاءُ عَلى هَذا:
؎فَما لَكَ مِنها غَيْرُ ذِكْرى وخَشْيَةٍ ∗∗∗ وتَسْألُ عَنْ رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا
وإمّا لِكَوْنِهِ جَوابَ التَّمَنِّي المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - جَوابَهُ عَلى هَذِهِ النُّفُوسِ المُتَمَنِّيَةِ (p-١٢٨٩)المُتَعَلِّلَةِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ فَقالَ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
المُرادُ بِالآياتِ هي الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ وهو القُرْآنُ.
ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِها قَوْلُهُ: إنَّها لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وتَكَبُّرٌ عَنِ الإيمانِ بِها، وكانَ مَعَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ.
وجاءَ - سُبْحانَهُ - بِخِطابِ المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ: جاءَتْكَ وكَذَّبْتَ واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ تُطْلَقُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
قالَ المُبَرِّدُ: تَقُولُ العَرَبُ: نَفْسٌ واحِدٌ أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ، وبِفَتْحِ التّاءِ في هَذِهِ المَواضِعِ قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ بِكَسْرِها في جَمِيعِها، وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ وابْنَتِهِ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ أيْ: تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شُرَكاءَ وصاحِبَةً ووَلَدًا وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وشاهَدُوهُ مِن غَضَبِ اللَّهِ ونِقْمَتِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قالَ الأخْفَشُ: تَرى غَيْرَ عامِلٍ في ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾، إنَّما هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والأوْلى أنْ تَرى إنْ كانَتْ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، فَجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً فَهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِتَرى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: لَيْسَ فِيها مَقامٌ لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، والكِبْرُ هو بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ: اتَّقَوُا الشِّرْكَ ومَعاصِيَ اللَّهِ، والباءُ في بِمَفازَتِهِمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِمَفازَتِهِمْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ بِالإفْرادِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالخَيْرِ والنَّجاةُ مِنَ الشَّرِّ.
قالَ المُبَرِّدُ: المَفازَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ وهو السَّعادَةُ، وإنْ جُمِعَ فَحَسُنٌ: كَقَوْلِكَ السَّعادَةُ والسَّعاداتُ.
والمَعْنى: يُنْجِيهِمُ اللَّهُ بِفَوْزِهِمْ أيْ: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ وفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ " بِمَفازاتِهِمْ " جَمْعُ مَفازَةٍ، وجَمْعُها مَعَ كَوْنِها مَصْدَرًا لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَنْفِي السُّوءَ والحُزْنَ عَنْهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في " بِمَفازَتِهِمْ " لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ فَوْزِهِمْ مَعَ انْتِفاءِ مَساسِ السُّوءِ لَهم وعَدَمِ وُصُولِ الحُزْنِ إلى قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم رَضُوا بِثَوابِ اللَّهِ وأمِنُوا مِن عِقابِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ في مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنّا نَقُولُ لَيْسَ لِمُفْتَتِنٍ تَوْبَةٌ وما اللَّهُ بِقابِلٍ مِنهُ شَيْئًا، عَرَفُوا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوا رَسُولَهُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ لِبَلاءٍ أصابَهم، وكانُوا يَقُولُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآياتِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَكَتَبْتُها بِيَدِي، ثُمَّ بَعَثْتُ بِها إلى هِشامِ بْنِ العاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا أسْلَمَ وحْشِيٌّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] قالَ وحْشِيٌّ وأصْحابُهُ: قَدِ ارْتَكَبْنا هَذا كُلَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَهْطٍ مِن أصْحابِهِ وهم يَضْحَكُونَ ويَتَحَدَّثُونَ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وأبْكى القَوْمَ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي فَرَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أبْشِرُوا وسَدِّدُوا وقارِبُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أُفْتِنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ لَمّا قالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهم ما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وقَتْلِ الأنْفُسِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ ثَوْبانَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما أُحِبُّ أنَّ لِيَ الدُّنْيا وما فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ رَجُلٌ ومَن أشْرَكَ ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ألا، ومَن أشْرَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ مَرَّ عَلى قاضٍ يُذَكِّرُ النّاسَ فَقالَ: يا مُذَكِّرَ النّاسِ لا تُقَنِّطِ النّاسَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: أيُّ آيَةٍ أوْسَعُ ؟ فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١] الآيَةَ ونَحْوَها، فَقالَ عَلِيٌّ: ما في القُرْآنِ أوْسَعُ مِن يا عِبادِيَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَدْ دَعا اللَّهُ إلى مَغْفِرَتِهِ مَن زَعَمَ أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ يَقُولُ لِهَؤُلاءِ ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] ثُمَّ دَعا إلى تَوْبَتِهِ مَن هو أعْظَمُ قَوْلًا مِن هَؤُلاءِ مَن ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَن آيَسَ العِبادَ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدَ هَذا فَقَدْ جَحَدَ كِتابَ اللَّهِ، ولَكِنْ لا يَقْدِرُ العَبْدُ أنْ (p-١٢٩٠)يَتُوبَ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ ما العِبادُ قائِلُونَ قَبْلَ أنْ يَقُولُوا، وعَلَّمَهم قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا.
الزمر 39:56
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الجِنْسُ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أفْرادِهِ أوْ غالِبِها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكُفّارُ فَقَطْ والأوَّلُ أوْلى، ولا يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى الجِنْسِ خُصُوصُ (p-١٢٨٧)سَبَبِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومُ اللَّفْظِ وفاءٌ بِحَقِّ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ووَفاءٌ بِمَدْلُولِهِ، والمَعْنى: أنَّ شَأْنَ غالِبِ نَوْعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا مَسَّهُ ضُرٌّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما دَعا اللَّهَ وتَضَرَّعَ إلَيْهِ في رَفْعِهِ ودَفْعِهِ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا﴾ أيْ: أعْطَيْناهُ نِعْمَةً كائِنَةً مِن عِنْدِنا ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكاسِبِ، أوْ عَلى خَيْرٍ عِنْدِي، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِفَضْلِي.
وقالَ الحَسَنُ: عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إيّاهُ، وقِيلَ: قَدْ عَلِمْتُ أنِّي إذا أُوتِيتُ هَذا في الدُّنْيا أنَّ لِي عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَةً وجاءَ بِالضَّمِيرِ في أُوتِيتُهُ مُذَكَّرًا مَعَ كَوْنِهِ راجِعًا إلى النِّعْمَةِ لِأنَّها بِمَعْنى الإنْعامِ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما، وهي مَوْصُولَةٌ، والأوَّلُ أوْلى ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ هَذا رَدٌّ لِما قالَهُ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أعْطَيْناكَ لِما ذَكَرْتَ، بَلْ هو مِحْنَةٌ لَكَ واخْتِبارٌ لِحالِكَ أتَشْكُرُ أمْ تَكْفُرُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ هي لِتَأْنِيثِ الفِتْنَةِ، ولَوْ قالَ بَلْ هو فِتْنَةٌ لَجازَ. وقالَ النَّحّاسُ: بَلْ عَطِيَّتُهُ فِتْنَةٌ. وقِيلَ: تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الفِتْنَةِ، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ في قَوْلِهِ أُوتِيتُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم مِنَ اللَّهِ وامْتِحانٌ لِما عِنْدَهم مِنَ الشُّكْرِ أوِ الكُفْرِ.
﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي قالُوها وهي قَوْلُهم: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَقارُونَ وغَيْرِهِ، فَإنَّ قارُونَ قالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما هَذِهِ نافِيَةً أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم ما كَسَبُوا مِن مَتاعِ الدُّنْيا شَيْئًا، وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم ذَلِكَ.
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءُ سَيِّئاتِ كَسْبِهِمْ، أوْ أصابَهم سَيِّئاتٌ هي جَزاءُ كَسْبِهِمْ، وسُمِّيَ الجَزاءُ سَيِّئاتٍ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ سَيِّئاتِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، ثُمَّ أوْعَدَ - سُبْحانَهُ - الكُفّارَ في عَصْرِهِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾ المَوْجُودِينَ مِنَ الكُفّارِ ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ كَما أصابَ مَن قَبْلَهم، وقَدْ أصابَهم في الدُّنْيا ما أصابَهم مِنَ القَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ ﴿وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلى اللَّهِ بَلْ مَرْجِعُهم إلَيْهِ يَصْنَعُ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العُقُوبَةِ.
﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ أنْ يُوَسِّعَهُ لَهُ ويَقْدِرُ أيْ: يَقْبِضُهُ لِمَن يَشاءُ أنْ يَقْبِضَهُ ويُضَيِّقَهُ عَلَيْهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وعَظَهُمُ اللَّهُ لِيَعْتَبِرُوا في تَوْحِيدِهِ، وذَلِكَ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويُقَتِّرُ عَلى مَن يَشاءُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَدَلالاتٍ عَظِيمَةً وعَلاماتٍ جَلِيلَةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالآياتِ المُتَفَكِّرُونَ فِيها ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وعَظِيمِ مَغْفِرَتِهِ.
وأمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَشِّرَهم بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ المُرادُ بِالإسْرافِ الإفْراطُ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارُ مِنها.
ومَعْنى ﴿لا تَقْنَطُوا﴾: لا تَيْأسُوا ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ مِن مَغْفِرَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا نَهاهم عَنِ القُنُوطِ أخْبَرَهم بِما يَدْفَعُ ذَلِكَ ويَرْفَعُهُ ويَجْعَلُ الرَّجاءَ مَكانَ القُنُوطِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِاشْتِمالِها عَلى أعْظَمِ بِشارَةٍ، فَإنَّهُ أوَّلًا أضافَ العِبادَ إلى نَفْسِهِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِهِمْ ومَزِيدِ تَبْشِيرِهِمْ، ثُمَّ وصَفَهم بِالإسْرافِ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ القُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلاءِ المُسْتَكْثِرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، فالنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ لِلْمُذْنِبِينَ غَيْرِ المُسْرِفِينَ مِن بابِ الأوْلى وبِفَحْوى الخِطابِ، ثُمَّ جاءَ بِما لا يُبْقِي بَعْدَهُ شَكٌّ ولا يَتَخالَجُ القَلْبَ عِنْدَ سَماعِهِ ظَنٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ فالألِفُ واللّامُ قَدْ صَيَّرَتِ الجَمْعَ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ لِلْجِنْسِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ اسْتِغْراقَ أفْرادِهِ، فَهو في قُوَّةِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ، إلّا ما أخْرَجَهُ النَّصُّ القُرْآنِيُّ وهو الشِّرْكُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِما أخْبَرَ عِبادَهُ بِهِ مِن مَغْفِرَةِ كُلِّ ذَنْبٍ، بَلْ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: جَمِيعًا فَيا لَها مِن بِشارَةٍ تَرْتاحُ لَها قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ المُحْسِنِينَ ظَنَّهم بِرَبِّهِمُ الصّادِقِينَ في رَجائِهِ. الخالِعِينَ لِثِيابِ القُنُوطِ الرّافِضِينَ لِسُوءِ الظَّنِّ بِمَن لا يَتَعاظَمُهُ ذَنْبٌ، ولا يَبْخَلُ بِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ في طَلَبِ العَفْوِ المُلْتَجِئِينَ بِهِ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ وما أحْسَنَ ما عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - بِهِ هَذا الكَلامَ قائِلًا ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَظِيمُهُما بَلِيغُهُما واسِعُهُما، فَمَن أبى هَذا التَّفَضُّلَ العَظِيمَ والعَطاءَ الجَسِيمَ، وظَنَّ أنَّ تَقْنِيطَ عِبادِ اللَّهِ وتَأْيِيسَهم مِن رَحْمَتِهِ أوْلى بِهِمْ مِمّا بَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَقَدْ رَكِبَ أعْظَمَ الشَّطَطِ وغَلِطَ أقْبَحَ الغَلَطِ، فَإنَّ التَّبْشِيرَ وعَدَمَ التَّقْنِيطِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ مَواعِيدُ اللَّهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ، والمَسْلَكَ الَّذِي سَلَكَهُ رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما صَحَّ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» .
وإذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] وهو أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ ما عَدا الشِّرْكَ بِاللَّهِ مَغْفُورٌ لِمَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ إخْبارَهُ لَنا بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَشاءُ غُفْرانَها جَمِيعًا، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يَشاءُ المَغْفِرَةَ لِكُلِّ المُذْنِبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَعارُضٌ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ.
وأمّا ما يَزْعُمُهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن تَقْيِيدِ هَذِهِ الآيَةِ بِالتَّوْبَةِ وأنَّها لا تَغْفِرُ إلّا ذُنُوبَ التّائِبِينَ، وزَعَمُوا أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ.
فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، وبَيْنَ المَلّاحِ والحادِي، وعَلى نَفْسِها بَراقِشُ تَجْنِي، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ العَظِيمَةُ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ لَمْ يَكُنْ لَها كَثِيرُ مَوْقِعٍ، فَإنَّ التَّوْبَةَ مِنَ المُشْرِكِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ بِها ما فَعَلَهُ مِنَ الشِّرْكِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ قالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] (p-١٢٨٨)فَلَوْ كانَتِ التَّوْبَةُ قَيْدًا في المَغْفِرَةِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الشِّرْكِ فائِدَةٌ، وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ كُلُّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في قَوْمٍ خافُوا إنْ أسْلَمُوا أنْ لا يَغْفِرَ لَهم ما جَنَوْا مِنَ الذُّنُوبِ العِظامِ، كالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ ومُعاداةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قُلْتُ: هَبْ أنَّها في هَؤُلاءِ القَوْمِ، فَكانَ ماذا ؟ فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُمُومِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ والأحادِيثُ النَّبَوِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِأسْبابِها غَيْرَ مُتَجاوِزَةٍ لَها لارْتَفَعَتْ أكْثَرُ التَّكالِيفِ عَنِ الأُمَّةِ إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ كُلُّها، واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
وفِي السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ مِنَ الأحادِيثِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في هَذا البابِ ما إنْ عَرَفَهُ المُطَّلِعُ عَلَيْهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وقَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ عَلِمَ صِحَّةَ ما ذَكَرْناهُ وعَرَفَ حَقِيَقَةَ ما حَرَّرْناهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يا عِبادِي " بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا، ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: أنَّهُ يَقِفُ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَقْنَطُوا بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِكَسْرِها.
﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيِ: ارْجِعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. لَمّا بَشَّرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، أمَرَهم بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ بِفِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي، ولَيْسَ في هَذا ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الآيَةِ الأُولى بِالتَّوْبَةِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ، بَلْ غايَةُ ما فِيها أنَّهُ بَشَّرَهم بِتِلْكَ البِشارَةِ العُظْمى، ثُمَّ دَعاهم إلى الخَيْرِ وخَوَّفَهم مِنَ الشَّرِّ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ خِطابًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ جاءَ بِها لِتَحْذِيرِ الكُفّارِ وإنْذارِهِمْ بَعْدَ تَرْغِيبِ المُسْلِمِينَ بِالآيَةِ الأُولى وتَبْشِيرِهِمْ، وهَذا وإنْ كانَ بَعِيدًا ولَكِنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِهِ، والمَعْنى عَلى ما هو الظّاهِرُ: أنَّ اللَّهَ جَمَعَ لِعِبادِهِ بَيْنَ التَّبْشِيرِ العَظِيمِ، والأمْرِ بِالإنابَةِ إلَيْهِ والإخْلاصِ لَهُ والِاسْتِسْلامِ لِأمْرِهِ والخُضُوعِ لِحُكْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الدُّنْيا كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمَهُ الزّاعِمُونَ وتَمَسَّكَ بِهِ القانِطُونَ المُقَنِّطُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُ: أحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ، والقُرْآنُ كُلُّهُ حَسَنٌ. قالَ الحَسَنُ: التَزِمُوا طاعَتَهُ واجْتَنِبُوا مَعاصِيَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الأحْسَنُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي المُحْكَماتِ وكِلُوا عِلْمَ المُتَشابِهِ إلى عالِمِهِ.
وقِيلَ: النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ. وقِيلَ: العَفْوُ دُونَ الِانْتِقامِ بِما يَحِقُّ فِيهِ الِانْتِقامُ، وقِيلَ: أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُفاجِئَكُمُ العَذابُ وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْهُ لا تَشْعُرُونَ بِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنَّهم يَمُوتُونَ بَغْتَةً فَيَقَعُونَ في العَذابِ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الَّذِي يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً هو العَذابُ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والخَوْفِ والجَدْبِ، لا عَذابُ الآخِرَةِ ولا المَوْتُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُسْنِدِ الإتْيانَ إلَيْهِ.
﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ قالَ البَصْرِيُّونَ: أيْ: حَذَرًا أنْ تَقُولَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولَ. قالَ المُبَرِّدُ: بادِرُوا خَوْفَ أنْ تَقُولَ، أوْ حَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها: يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالنَّفْسِ هُنا النَّفْسُ الكافِرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] .
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ياحَسْرَتا﴾ بِالألِفِ بَدَلًا مِنَ الياءِ المُضافِ إلَيْها، والأصْلُ: يا حَسْرَتِي، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " يا حَسْرَتاهُ " بِهاءِ السَّكْتِ وقْفًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يا حَسْرَتِي " بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
والحَسْرَةُ: النَّدامَةُ، ومَعْنى ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ عَلى ما فَرَّطْتُ في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى ما فَرَّطْتُ في ذِكْرِ اللَّهِ، ويَعْنِي بِهِ: القُرْآنَ والعَمَلَ بِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أيْ: في ثَوابِ اللَّهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الجَنْبُ: القُرْبُ والجِوارُ أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ، عَلى ما فَرَّطْتُ في طَلَبِ جَنْبِ اللَّهِ أيْ: في طَلَبِ جِوارِهِ وقُرْبِهِ وهو الجَنَّةُ، وبِهِ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وقالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَرَّطْتُ في الطَّرِيقِ الَّذِي هو طَرِيقُ اللَّهِ مِن تَوْحِيدِهِ والإقْرارِ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى هَذا فالجَنْبُ بِمَعْنى الجانِبِ أيْ: قَصَّرْتُ في الجانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إلى رِضا اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِلنّاسِ جَنْبٌ والأمِيرُ جَنْبُ
أيِ: النّاسُ مِن جانِبٍ والأمِيرُ مِن جانِبٍ ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ: وما كُنْتُ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ في الدُّنْيا، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكْفِهِ أنْ ضَيَّعَ طاعَةَ اللَّهِ حَتّى سَخِرَ مِن أهْلِها.
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ اللَّهَ أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ لَكُنْتُ مِمَّنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يَحْتَجُّ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الحُجَجِ الزّائِفَةِ، ويَتَعَلَّلُونَ بِهِ مِنَ العِلَلِ الباطِلَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَهي كَلِمَةُ حَقٍّ يُرِيدُونَ بِها باطِلًا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُقالَةً أُخْرى مِمّا قالُوا فَقالَ: ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، وانْتِصابُ أكُونَ إمّا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى كَرَّةٍ فَإنَّها مَصْدَرٌ، وأكُونُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ: كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي ∗∗∗ أحَبُّ إلَيَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ
وأنْشَدَ الفَرّاءُ عَلى هَذا:
؎فَما لَكَ مِنها غَيْرُ ذِكْرى وخَشْيَةٍ ∗∗∗ وتَسْألُ عَنْ رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا
وإمّا لِكَوْنِهِ جَوابَ التَّمَنِّي المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - جَوابَهُ عَلى هَذِهِ النُّفُوسِ المُتَمَنِّيَةِ (p-١٢٨٩)المُتَعَلِّلَةِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ فَقالَ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
المُرادُ بِالآياتِ هي الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ وهو القُرْآنُ.
ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِها قَوْلُهُ: إنَّها لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وتَكَبُّرٌ عَنِ الإيمانِ بِها، وكانَ مَعَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ.
وجاءَ - سُبْحانَهُ - بِخِطابِ المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ: جاءَتْكَ وكَذَّبْتَ واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ تُطْلَقُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
قالَ المُبَرِّدُ: تَقُولُ العَرَبُ: نَفْسٌ واحِدٌ أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ، وبِفَتْحِ التّاءِ في هَذِهِ المَواضِعِ قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ بِكَسْرِها في جَمِيعِها، وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ وابْنَتِهِ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ أيْ: تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شُرَكاءَ وصاحِبَةً ووَلَدًا وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وشاهَدُوهُ مِن غَضَبِ اللَّهِ ونِقْمَتِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قالَ الأخْفَشُ: تَرى غَيْرَ عامِلٍ في ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾، إنَّما هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والأوْلى أنْ تَرى إنْ كانَتْ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، فَجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً فَهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِتَرى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: لَيْسَ فِيها مَقامٌ لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، والكِبْرُ هو بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ: اتَّقَوُا الشِّرْكَ ومَعاصِيَ اللَّهِ، والباءُ في بِمَفازَتِهِمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِمَفازَتِهِمْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ بِالإفْرادِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالخَيْرِ والنَّجاةُ مِنَ الشَّرِّ.
قالَ المُبَرِّدُ: المَفازَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ وهو السَّعادَةُ، وإنْ جُمِعَ فَحَسُنٌ: كَقَوْلِكَ السَّعادَةُ والسَّعاداتُ.
والمَعْنى: يُنْجِيهِمُ اللَّهُ بِفَوْزِهِمْ أيْ: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ وفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ " بِمَفازاتِهِمْ " جَمْعُ مَفازَةٍ، وجَمْعُها مَعَ كَوْنِها مَصْدَرًا لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَنْفِي السُّوءَ والحُزْنَ عَنْهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في " بِمَفازَتِهِمْ " لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ فَوْزِهِمْ مَعَ انْتِفاءِ مَساسِ السُّوءِ لَهم وعَدَمِ وُصُولِ الحُزْنِ إلى قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم رَضُوا بِثَوابِ اللَّهِ وأمِنُوا مِن عِقابِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ في مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنّا نَقُولُ لَيْسَ لِمُفْتَتِنٍ تَوْبَةٌ وما اللَّهُ بِقابِلٍ مِنهُ شَيْئًا، عَرَفُوا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوا رَسُولَهُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ لِبَلاءٍ أصابَهم، وكانُوا يَقُولُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآياتِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَكَتَبْتُها بِيَدِي، ثُمَّ بَعَثْتُ بِها إلى هِشامِ بْنِ العاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا أسْلَمَ وحْشِيٌّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] قالَ وحْشِيٌّ وأصْحابُهُ: قَدِ ارْتَكَبْنا هَذا كُلَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَهْطٍ مِن أصْحابِهِ وهم يَضْحَكُونَ ويَتَحَدَّثُونَ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وأبْكى القَوْمَ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي فَرَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أبْشِرُوا وسَدِّدُوا وقارِبُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أُفْتِنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ لَمّا قالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهم ما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وقَتْلِ الأنْفُسِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ ثَوْبانَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما أُحِبُّ أنَّ لِيَ الدُّنْيا وما فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ رَجُلٌ ومَن أشْرَكَ ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ألا، ومَن أشْرَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ مَرَّ عَلى قاضٍ يُذَكِّرُ النّاسَ فَقالَ: يا مُذَكِّرَ النّاسِ لا تُقَنِّطِ النّاسَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: أيُّ آيَةٍ أوْسَعُ ؟ فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١] الآيَةَ ونَحْوَها، فَقالَ عَلِيٌّ: ما في القُرْآنِ أوْسَعُ مِن يا عِبادِيَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَدْ دَعا اللَّهُ إلى مَغْفِرَتِهِ مَن زَعَمَ أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ يَقُولُ لِهَؤُلاءِ ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] ثُمَّ دَعا إلى تَوْبَتِهِ مَن هو أعْظَمُ قَوْلًا مِن هَؤُلاءِ مَن ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَن آيَسَ العِبادَ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدَ هَذا فَقَدْ جَحَدَ كِتابَ اللَّهِ، ولَكِنْ لا يَقْدِرُ العَبْدُ أنْ (p-١٢٩٠)يَتُوبَ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ ما العِبادُ قائِلُونَ قَبْلَ أنْ يَقُولُوا، وعَلَّمَهم قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا.
الزمر 39:57
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الجِنْسُ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أفْرادِهِ أوْ غالِبِها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكُفّارُ فَقَطْ والأوَّلُ أوْلى، ولا يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى الجِنْسِ خُصُوصُ (p-١٢٨٧)سَبَبِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومُ اللَّفْظِ وفاءٌ بِحَقِّ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ووَفاءٌ بِمَدْلُولِهِ، والمَعْنى: أنَّ شَأْنَ غالِبِ نَوْعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا مَسَّهُ ضُرٌّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما دَعا اللَّهَ وتَضَرَّعَ إلَيْهِ في رَفْعِهِ ودَفْعِهِ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا﴾ أيْ: أعْطَيْناهُ نِعْمَةً كائِنَةً مِن عِنْدِنا ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكاسِبِ، أوْ عَلى خَيْرٍ عِنْدِي، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِفَضْلِي.
وقالَ الحَسَنُ: عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إيّاهُ، وقِيلَ: قَدْ عَلِمْتُ أنِّي إذا أُوتِيتُ هَذا في الدُّنْيا أنَّ لِي عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَةً وجاءَ بِالضَّمِيرِ في أُوتِيتُهُ مُذَكَّرًا مَعَ كَوْنِهِ راجِعًا إلى النِّعْمَةِ لِأنَّها بِمَعْنى الإنْعامِ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما، وهي مَوْصُولَةٌ، والأوَّلُ أوْلى ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ هَذا رَدٌّ لِما قالَهُ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أعْطَيْناكَ لِما ذَكَرْتَ، بَلْ هو مِحْنَةٌ لَكَ واخْتِبارٌ لِحالِكَ أتَشْكُرُ أمْ تَكْفُرُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ هي لِتَأْنِيثِ الفِتْنَةِ، ولَوْ قالَ بَلْ هو فِتْنَةٌ لَجازَ. وقالَ النَّحّاسُ: بَلْ عَطِيَّتُهُ فِتْنَةٌ. وقِيلَ: تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الفِتْنَةِ، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ في قَوْلِهِ أُوتِيتُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم مِنَ اللَّهِ وامْتِحانٌ لِما عِنْدَهم مِنَ الشُّكْرِ أوِ الكُفْرِ.
﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي قالُوها وهي قَوْلُهم: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَقارُونَ وغَيْرِهِ، فَإنَّ قارُونَ قالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما هَذِهِ نافِيَةً أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم ما كَسَبُوا مِن مَتاعِ الدُّنْيا شَيْئًا، وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم ذَلِكَ.
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءُ سَيِّئاتِ كَسْبِهِمْ، أوْ أصابَهم سَيِّئاتٌ هي جَزاءُ كَسْبِهِمْ، وسُمِّيَ الجَزاءُ سَيِّئاتٍ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ سَيِّئاتِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، ثُمَّ أوْعَدَ - سُبْحانَهُ - الكُفّارَ في عَصْرِهِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾ المَوْجُودِينَ مِنَ الكُفّارِ ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ كَما أصابَ مَن قَبْلَهم، وقَدْ أصابَهم في الدُّنْيا ما أصابَهم مِنَ القَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ ﴿وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلى اللَّهِ بَلْ مَرْجِعُهم إلَيْهِ يَصْنَعُ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العُقُوبَةِ.
﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ أنْ يُوَسِّعَهُ لَهُ ويَقْدِرُ أيْ: يَقْبِضُهُ لِمَن يَشاءُ أنْ يَقْبِضَهُ ويُضَيِّقَهُ عَلَيْهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وعَظَهُمُ اللَّهُ لِيَعْتَبِرُوا في تَوْحِيدِهِ، وذَلِكَ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويُقَتِّرُ عَلى مَن يَشاءُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَدَلالاتٍ عَظِيمَةً وعَلاماتٍ جَلِيلَةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالآياتِ المُتَفَكِّرُونَ فِيها ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وعَظِيمِ مَغْفِرَتِهِ.
وأمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَشِّرَهم بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ المُرادُ بِالإسْرافِ الإفْراطُ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارُ مِنها.
ومَعْنى ﴿لا تَقْنَطُوا﴾: لا تَيْأسُوا ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ مِن مَغْفِرَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا نَهاهم عَنِ القُنُوطِ أخْبَرَهم بِما يَدْفَعُ ذَلِكَ ويَرْفَعُهُ ويَجْعَلُ الرَّجاءَ مَكانَ القُنُوطِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِاشْتِمالِها عَلى أعْظَمِ بِشارَةٍ، فَإنَّهُ أوَّلًا أضافَ العِبادَ إلى نَفْسِهِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِهِمْ ومَزِيدِ تَبْشِيرِهِمْ، ثُمَّ وصَفَهم بِالإسْرافِ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ القُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلاءِ المُسْتَكْثِرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، فالنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ لِلْمُذْنِبِينَ غَيْرِ المُسْرِفِينَ مِن بابِ الأوْلى وبِفَحْوى الخِطابِ، ثُمَّ جاءَ بِما لا يُبْقِي بَعْدَهُ شَكٌّ ولا يَتَخالَجُ القَلْبَ عِنْدَ سَماعِهِ ظَنٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ فالألِفُ واللّامُ قَدْ صَيَّرَتِ الجَمْعَ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ لِلْجِنْسِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ اسْتِغْراقَ أفْرادِهِ، فَهو في قُوَّةِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ، إلّا ما أخْرَجَهُ النَّصُّ القُرْآنِيُّ وهو الشِّرْكُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِما أخْبَرَ عِبادَهُ بِهِ مِن مَغْفِرَةِ كُلِّ ذَنْبٍ، بَلْ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: جَمِيعًا فَيا لَها مِن بِشارَةٍ تَرْتاحُ لَها قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ المُحْسِنِينَ ظَنَّهم بِرَبِّهِمُ الصّادِقِينَ في رَجائِهِ. الخالِعِينَ لِثِيابِ القُنُوطِ الرّافِضِينَ لِسُوءِ الظَّنِّ بِمَن لا يَتَعاظَمُهُ ذَنْبٌ، ولا يَبْخَلُ بِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ في طَلَبِ العَفْوِ المُلْتَجِئِينَ بِهِ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ وما أحْسَنَ ما عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - بِهِ هَذا الكَلامَ قائِلًا ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَظِيمُهُما بَلِيغُهُما واسِعُهُما، فَمَن أبى هَذا التَّفَضُّلَ العَظِيمَ والعَطاءَ الجَسِيمَ، وظَنَّ أنَّ تَقْنِيطَ عِبادِ اللَّهِ وتَأْيِيسَهم مِن رَحْمَتِهِ أوْلى بِهِمْ مِمّا بَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَقَدْ رَكِبَ أعْظَمَ الشَّطَطِ وغَلِطَ أقْبَحَ الغَلَطِ، فَإنَّ التَّبْشِيرَ وعَدَمَ التَّقْنِيطِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ مَواعِيدُ اللَّهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ، والمَسْلَكَ الَّذِي سَلَكَهُ رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما صَحَّ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» .
وإذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] وهو أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ ما عَدا الشِّرْكَ بِاللَّهِ مَغْفُورٌ لِمَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ إخْبارَهُ لَنا بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَشاءُ غُفْرانَها جَمِيعًا، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يَشاءُ المَغْفِرَةَ لِكُلِّ المُذْنِبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَعارُضٌ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ.
وأمّا ما يَزْعُمُهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن تَقْيِيدِ هَذِهِ الآيَةِ بِالتَّوْبَةِ وأنَّها لا تَغْفِرُ إلّا ذُنُوبَ التّائِبِينَ، وزَعَمُوا أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ.
فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، وبَيْنَ المَلّاحِ والحادِي، وعَلى نَفْسِها بَراقِشُ تَجْنِي، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ العَظِيمَةُ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ لَمْ يَكُنْ لَها كَثِيرُ مَوْقِعٍ، فَإنَّ التَّوْبَةَ مِنَ المُشْرِكِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ بِها ما فَعَلَهُ مِنَ الشِّرْكِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ قالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] (p-١٢٨٨)فَلَوْ كانَتِ التَّوْبَةُ قَيْدًا في المَغْفِرَةِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الشِّرْكِ فائِدَةٌ، وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ كُلُّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في قَوْمٍ خافُوا إنْ أسْلَمُوا أنْ لا يَغْفِرَ لَهم ما جَنَوْا مِنَ الذُّنُوبِ العِظامِ، كالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ ومُعاداةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قُلْتُ: هَبْ أنَّها في هَؤُلاءِ القَوْمِ، فَكانَ ماذا ؟ فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُمُومِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ والأحادِيثُ النَّبَوِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِأسْبابِها غَيْرَ مُتَجاوِزَةٍ لَها لارْتَفَعَتْ أكْثَرُ التَّكالِيفِ عَنِ الأُمَّةِ إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ كُلُّها، واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
وفِي السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ مِنَ الأحادِيثِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في هَذا البابِ ما إنْ عَرَفَهُ المُطَّلِعُ عَلَيْهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وقَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ عَلِمَ صِحَّةَ ما ذَكَرْناهُ وعَرَفَ حَقِيَقَةَ ما حَرَّرْناهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يا عِبادِي " بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا، ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: أنَّهُ يَقِفُ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَقْنَطُوا بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِكَسْرِها.
﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيِ: ارْجِعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. لَمّا بَشَّرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، أمَرَهم بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ بِفِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي، ولَيْسَ في هَذا ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الآيَةِ الأُولى بِالتَّوْبَةِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ، بَلْ غايَةُ ما فِيها أنَّهُ بَشَّرَهم بِتِلْكَ البِشارَةِ العُظْمى، ثُمَّ دَعاهم إلى الخَيْرِ وخَوَّفَهم مِنَ الشَّرِّ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ خِطابًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ جاءَ بِها لِتَحْذِيرِ الكُفّارِ وإنْذارِهِمْ بَعْدَ تَرْغِيبِ المُسْلِمِينَ بِالآيَةِ الأُولى وتَبْشِيرِهِمْ، وهَذا وإنْ كانَ بَعِيدًا ولَكِنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِهِ، والمَعْنى عَلى ما هو الظّاهِرُ: أنَّ اللَّهَ جَمَعَ لِعِبادِهِ بَيْنَ التَّبْشِيرِ العَظِيمِ، والأمْرِ بِالإنابَةِ إلَيْهِ والإخْلاصِ لَهُ والِاسْتِسْلامِ لِأمْرِهِ والخُضُوعِ لِحُكْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الدُّنْيا كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمَهُ الزّاعِمُونَ وتَمَسَّكَ بِهِ القانِطُونَ المُقَنِّطُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُ: أحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ، والقُرْآنُ كُلُّهُ حَسَنٌ. قالَ الحَسَنُ: التَزِمُوا طاعَتَهُ واجْتَنِبُوا مَعاصِيَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الأحْسَنُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي المُحْكَماتِ وكِلُوا عِلْمَ المُتَشابِهِ إلى عالِمِهِ.
وقِيلَ: النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ. وقِيلَ: العَفْوُ دُونَ الِانْتِقامِ بِما يَحِقُّ فِيهِ الِانْتِقامُ، وقِيلَ: أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُفاجِئَكُمُ العَذابُ وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْهُ لا تَشْعُرُونَ بِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنَّهم يَمُوتُونَ بَغْتَةً فَيَقَعُونَ في العَذابِ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الَّذِي يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً هو العَذابُ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والخَوْفِ والجَدْبِ، لا عَذابُ الآخِرَةِ ولا المَوْتُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُسْنِدِ الإتْيانَ إلَيْهِ.
﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ قالَ البَصْرِيُّونَ: أيْ: حَذَرًا أنْ تَقُولَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولَ. قالَ المُبَرِّدُ: بادِرُوا خَوْفَ أنْ تَقُولَ، أوْ حَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها: يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالنَّفْسِ هُنا النَّفْسُ الكافِرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] .
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ياحَسْرَتا﴾ بِالألِفِ بَدَلًا مِنَ الياءِ المُضافِ إلَيْها، والأصْلُ: يا حَسْرَتِي، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " يا حَسْرَتاهُ " بِهاءِ السَّكْتِ وقْفًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يا حَسْرَتِي " بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
والحَسْرَةُ: النَّدامَةُ، ومَعْنى ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ عَلى ما فَرَّطْتُ في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى ما فَرَّطْتُ في ذِكْرِ اللَّهِ، ويَعْنِي بِهِ: القُرْآنَ والعَمَلَ بِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أيْ: في ثَوابِ اللَّهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الجَنْبُ: القُرْبُ والجِوارُ أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ، عَلى ما فَرَّطْتُ في طَلَبِ جَنْبِ اللَّهِ أيْ: في طَلَبِ جِوارِهِ وقُرْبِهِ وهو الجَنَّةُ، وبِهِ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وقالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَرَّطْتُ في الطَّرِيقِ الَّذِي هو طَرِيقُ اللَّهِ مِن تَوْحِيدِهِ والإقْرارِ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى هَذا فالجَنْبُ بِمَعْنى الجانِبِ أيْ: قَصَّرْتُ في الجانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إلى رِضا اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِلنّاسِ جَنْبٌ والأمِيرُ جَنْبُ
أيِ: النّاسُ مِن جانِبٍ والأمِيرُ مِن جانِبٍ ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ: وما كُنْتُ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ في الدُّنْيا، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكْفِهِ أنْ ضَيَّعَ طاعَةَ اللَّهِ حَتّى سَخِرَ مِن أهْلِها.
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ اللَّهَ أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ لَكُنْتُ مِمَّنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يَحْتَجُّ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الحُجَجِ الزّائِفَةِ، ويَتَعَلَّلُونَ بِهِ مِنَ العِلَلِ الباطِلَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَهي كَلِمَةُ حَقٍّ يُرِيدُونَ بِها باطِلًا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُقالَةً أُخْرى مِمّا قالُوا فَقالَ: ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، وانْتِصابُ أكُونَ إمّا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى كَرَّةٍ فَإنَّها مَصْدَرٌ، وأكُونُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ: كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي ∗∗∗ أحَبُّ إلَيَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ
وأنْشَدَ الفَرّاءُ عَلى هَذا:
؎فَما لَكَ مِنها غَيْرُ ذِكْرى وخَشْيَةٍ ∗∗∗ وتَسْألُ عَنْ رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا
وإمّا لِكَوْنِهِ جَوابَ التَّمَنِّي المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - جَوابَهُ عَلى هَذِهِ النُّفُوسِ المُتَمَنِّيَةِ (p-١٢٨٩)المُتَعَلِّلَةِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ فَقالَ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
المُرادُ بِالآياتِ هي الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ وهو القُرْآنُ.
ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِها قَوْلُهُ: إنَّها لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وتَكَبُّرٌ عَنِ الإيمانِ بِها، وكانَ مَعَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ.
وجاءَ - سُبْحانَهُ - بِخِطابِ المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ: جاءَتْكَ وكَذَّبْتَ واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ تُطْلَقُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
قالَ المُبَرِّدُ: تَقُولُ العَرَبُ: نَفْسٌ واحِدٌ أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ، وبِفَتْحِ التّاءِ في هَذِهِ المَواضِعِ قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ بِكَسْرِها في جَمِيعِها، وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ وابْنَتِهِ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ أيْ: تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شُرَكاءَ وصاحِبَةً ووَلَدًا وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وشاهَدُوهُ مِن غَضَبِ اللَّهِ ونِقْمَتِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قالَ الأخْفَشُ: تَرى غَيْرَ عامِلٍ في ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾، إنَّما هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والأوْلى أنْ تَرى إنْ كانَتْ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، فَجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً فَهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِتَرى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: لَيْسَ فِيها مَقامٌ لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، والكِبْرُ هو بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ: اتَّقَوُا الشِّرْكَ ومَعاصِيَ اللَّهِ، والباءُ في بِمَفازَتِهِمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِمَفازَتِهِمْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ بِالإفْرادِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالخَيْرِ والنَّجاةُ مِنَ الشَّرِّ.
قالَ المُبَرِّدُ: المَفازَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ وهو السَّعادَةُ، وإنْ جُمِعَ فَحَسُنٌ: كَقَوْلِكَ السَّعادَةُ والسَّعاداتُ.
والمَعْنى: يُنْجِيهِمُ اللَّهُ بِفَوْزِهِمْ أيْ: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ وفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ " بِمَفازاتِهِمْ " جَمْعُ مَفازَةٍ، وجَمْعُها مَعَ كَوْنِها مَصْدَرًا لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَنْفِي السُّوءَ والحُزْنَ عَنْهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في " بِمَفازَتِهِمْ " لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ فَوْزِهِمْ مَعَ انْتِفاءِ مَساسِ السُّوءِ لَهم وعَدَمِ وُصُولِ الحُزْنِ إلى قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم رَضُوا بِثَوابِ اللَّهِ وأمِنُوا مِن عِقابِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ في مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنّا نَقُولُ لَيْسَ لِمُفْتَتِنٍ تَوْبَةٌ وما اللَّهُ بِقابِلٍ مِنهُ شَيْئًا، عَرَفُوا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوا رَسُولَهُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ لِبَلاءٍ أصابَهم، وكانُوا يَقُولُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآياتِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَكَتَبْتُها بِيَدِي، ثُمَّ بَعَثْتُ بِها إلى هِشامِ بْنِ العاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا أسْلَمَ وحْشِيٌّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] قالَ وحْشِيٌّ وأصْحابُهُ: قَدِ ارْتَكَبْنا هَذا كُلَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَهْطٍ مِن أصْحابِهِ وهم يَضْحَكُونَ ويَتَحَدَّثُونَ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وأبْكى القَوْمَ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي فَرَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أبْشِرُوا وسَدِّدُوا وقارِبُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أُفْتِنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ لَمّا قالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهم ما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وقَتْلِ الأنْفُسِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ ثَوْبانَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما أُحِبُّ أنَّ لِيَ الدُّنْيا وما فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ رَجُلٌ ومَن أشْرَكَ ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ألا، ومَن أشْرَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ مَرَّ عَلى قاضٍ يُذَكِّرُ النّاسَ فَقالَ: يا مُذَكِّرَ النّاسِ لا تُقَنِّطِ النّاسَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: أيُّ آيَةٍ أوْسَعُ ؟ فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١] الآيَةَ ونَحْوَها، فَقالَ عَلِيٌّ: ما في القُرْآنِ أوْسَعُ مِن يا عِبادِيَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَدْ دَعا اللَّهُ إلى مَغْفِرَتِهِ مَن زَعَمَ أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ يَقُولُ لِهَؤُلاءِ ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] ثُمَّ دَعا إلى تَوْبَتِهِ مَن هو أعْظَمُ قَوْلًا مِن هَؤُلاءِ مَن ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَن آيَسَ العِبادَ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدَ هَذا فَقَدْ جَحَدَ كِتابَ اللَّهِ، ولَكِنْ لا يَقْدِرُ العَبْدُ أنْ (p-١٢٩٠)يَتُوبَ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ ما العِبادُ قائِلُونَ قَبْلَ أنْ يَقُولُوا، وعَلَّمَهم قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا.
الزمر 39:58
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الجِنْسُ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أفْرادِهِ أوْ غالِبِها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكُفّارُ فَقَطْ والأوَّلُ أوْلى، ولا يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى الجِنْسِ خُصُوصُ (p-١٢٨٧)سَبَبِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومُ اللَّفْظِ وفاءٌ بِحَقِّ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ووَفاءٌ بِمَدْلُولِهِ، والمَعْنى: أنَّ شَأْنَ غالِبِ نَوْعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا مَسَّهُ ضُرٌّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما دَعا اللَّهَ وتَضَرَّعَ إلَيْهِ في رَفْعِهِ ودَفْعِهِ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا﴾ أيْ: أعْطَيْناهُ نِعْمَةً كائِنَةً مِن عِنْدِنا ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكاسِبِ، أوْ عَلى خَيْرٍ عِنْدِي، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِفَضْلِي.
وقالَ الحَسَنُ: عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إيّاهُ، وقِيلَ: قَدْ عَلِمْتُ أنِّي إذا أُوتِيتُ هَذا في الدُّنْيا أنَّ لِي عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَةً وجاءَ بِالضَّمِيرِ في أُوتِيتُهُ مُذَكَّرًا مَعَ كَوْنِهِ راجِعًا إلى النِّعْمَةِ لِأنَّها بِمَعْنى الإنْعامِ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما، وهي مَوْصُولَةٌ، والأوَّلُ أوْلى ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ هَذا رَدٌّ لِما قالَهُ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أعْطَيْناكَ لِما ذَكَرْتَ، بَلْ هو مِحْنَةٌ لَكَ واخْتِبارٌ لِحالِكَ أتَشْكُرُ أمْ تَكْفُرُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ هي لِتَأْنِيثِ الفِتْنَةِ، ولَوْ قالَ بَلْ هو فِتْنَةٌ لَجازَ. وقالَ النَّحّاسُ: بَلْ عَطِيَّتُهُ فِتْنَةٌ. وقِيلَ: تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الفِتْنَةِ، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ في قَوْلِهِ أُوتِيتُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم مِنَ اللَّهِ وامْتِحانٌ لِما عِنْدَهم مِنَ الشُّكْرِ أوِ الكُفْرِ.
﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي قالُوها وهي قَوْلُهم: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَقارُونَ وغَيْرِهِ، فَإنَّ قارُونَ قالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما هَذِهِ نافِيَةً أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم ما كَسَبُوا مِن مَتاعِ الدُّنْيا شَيْئًا، وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم ذَلِكَ.
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءُ سَيِّئاتِ كَسْبِهِمْ، أوْ أصابَهم سَيِّئاتٌ هي جَزاءُ كَسْبِهِمْ، وسُمِّيَ الجَزاءُ سَيِّئاتٍ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ سَيِّئاتِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، ثُمَّ أوْعَدَ - سُبْحانَهُ - الكُفّارَ في عَصْرِهِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾ المَوْجُودِينَ مِنَ الكُفّارِ ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ كَما أصابَ مَن قَبْلَهم، وقَدْ أصابَهم في الدُّنْيا ما أصابَهم مِنَ القَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ ﴿وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلى اللَّهِ بَلْ مَرْجِعُهم إلَيْهِ يَصْنَعُ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العُقُوبَةِ.
﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ أنْ يُوَسِّعَهُ لَهُ ويَقْدِرُ أيْ: يَقْبِضُهُ لِمَن يَشاءُ أنْ يَقْبِضَهُ ويُضَيِّقَهُ عَلَيْهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وعَظَهُمُ اللَّهُ لِيَعْتَبِرُوا في تَوْحِيدِهِ، وذَلِكَ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويُقَتِّرُ عَلى مَن يَشاءُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَدَلالاتٍ عَظِيمَةً وعَلاماتٍ جَلِيلَةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالآياتِ المُتَفَكِّرُونَ فِيها ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وعَظِيمِ مَغْفِرَتِهِ.
وأمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَشِّرَهم بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ المُرادُ بِالإسْرافِ الإفْراطُ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارُ مِنها.
ومَعْنى ﴿لا تَقْنَطُوا﴾: لا تَيْأسُوا ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ مِن مَغْفِرَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا نَهاهم عَنِ القُنُوطِ أخْبَرَهم بِما يَدْفَعُ ذَلِكَ ويَرْفَعُهُ ويَجْعَلُ الرَّجاءَ مَكانَ القُنُوطِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِاشْتِمالِها عَلى أعْظَمِ بِشارَةٍ، فَإنَّهُ أوَّلًا أضافَ العِبادَ إلى نَفْسِهِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِهِمْ ومَزِيدِ تَبْشِيرِهِمْ، ثُمَّ وصَفَهم بِالإسْرافِ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ القُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلاءِ المُسْتَكْثِرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، فالنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ لِلْمُذْنِبِينَ غَيْرِ المُسْرِفِينَ مِن بابِ الأوْلى وبِفَحْوى الخِطابِ، ثُمَّ جاءَ بِما لا يُبْقِي بَعْدَهُ شَكٌّ ولا يَتَخالَجُ القَلْبَ عِنْدَ سَماعِهِ ظَنٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ فالألِفُ واللّامُ قَدْ صَيَّرَتِ الجَمْعَ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ لِلْجِنْسِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ اسْتِغْراقَ أفْرادِهِ، فَهو في قُوَّةِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ، إلّا ما أخْرَجَهُ النَّصُّ القُرْآنِيُّ وهو الشِّرْكُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِما أخْبَرَ عِبادَهُ بِهِ مِن مَغْفِرَةِ كُلِّ ذَنْبٍ، بَلْ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: جَمِيعًا فَيا لَها مِن بِشارَةٍ تَرْتاحُ لَها قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ المُحْسِنِينَ ظَنَّهم بِرَبِّهِمُ الصّادِقِينَ في رَجائِهِ. الخالِعِينَ لِثِيابِ القُنُوطِ الرّافِضِينَ لِسُوءِ الظَّنِّ بِمَن لا يَتَعاظَمُهُ ذَنْبٌ، ولا يَبْخَلُ بِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ في طَلَبِ العَفْوِ المُلْتَجِئِينَ بِهِ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ وما أحْسَنَ ما عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - بِهِ هَذا الكَلامَ قائِلًا ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَظِيمُهُما بَلِيغُهُما واسِعُهُما، فَمَن أبى هَذا التَّفَضُّلَ العَظِيمَ والعَطاءَ الجَسِيمَ، وظَنَّ أنَّ تَقْنِيطَ عِبادِ اللَّهِ وتَأْيِيسَهم مِن رَحْمَتِهِ أوْلى بِهِمْ مِمّا بَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَقَدْ رَكِبَ أعْظَمَ الشَّطَطِ وغَلِطَ أقْبَحَ الغَلَطِ، فَإنَّ التَّبْشِيرَ وعَدَمَ التَّقْنِيطِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ مَواعِيدُ اللَّهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ، والمَسْلَكَ الَّذِي سَلَكَهُ رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما صَحَّ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» .
وإذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] وهو أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ ما عَدا الشِّرْكَ بِاللَّهِ مَغْفُورٌ لِمَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ إخْبارَهُ لَنا بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَشاءُ غُفْرانَها جَمِيعًا، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يَشاءُ المَغْفِرَةَ لِكُلِّ المُذْنِبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَعارُضٌ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ.
وأمّا ما يَزْعُمُهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن تَقْيِيدِ هَذِهِ الآيَةِ بِالتَّوْبَةِ وأنَّها لا تَغْفِرُ إلّا ذُنُوبَ التّائِبِينَ، وزَعَمُوا أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ.
فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، وبَيْنَ المَلّاحِ والحادِي، وعَلى نَفْسِها بَراقِشُ تَجْنِي، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ العَظِيمَةُ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ لَمْ يَكُنْ لَها كَثِيرُ مَوْقِعٍ، فَإنَّ التَّوْبَةَ مِنَ المُشْرِكِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ بِها ما فَعَلَهُ مِنَ الشِّرْكِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ قالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] (p-١٢٨٨)فَلَوْ كانَتِ التَّوْبَةُ قَيْدًا في المَغْفِرَةِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الشِّرْكِ فائِدَةٌ، وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ كُلُّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في قَوْمٍ خافُوا إنْ أسْلَمُوا أنْ لا يَغْفِرَ لَهم ما جَنَوْا مِنَ الذُّنُوبِ العِظامِ، كالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ ومُعاداةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قُلْتُ: هَبْ أنَّها في هَؤُلاءِ القَوْمِ، فَكانَ ماذا ؟ فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُمُومِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ والأحادِيثُ النَّبَوِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِأسْبابِها غَيْرَ مُتَجاوِزَةٍ لَها لارْتَفَعَتْ أكْثَرُ التَّكالِيفِ عَنِ الأُمَّةِ إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ كُلُّها، واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
وفِي السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ مِنَ الأحادِيثِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في هَذا البابِ ما إنْ عَرَفَهُ المُطَّلِعُ عَلَيْهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وقَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ عَلِمَ صِحَّةَ ما ذَكَرْناهُ وعَرَفَ حَقِيَقَةَ ما حَرَّرْناهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يا عِبادِي " بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا، ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: أنَّهُ يَقِفُ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَقْنَطُوا بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِكَسْرِها.
﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيِ: ارْجِعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. لَمّا بَشَّرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، أمَرَهم بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ بِفِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي، ولَيْسَ في هَذا ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الآيَةِ الأُولى بِالتَّوْبَةِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ، بَلْ غايَةُ ما فِيها أنَّهُ بَشَّرَهم بِتِلْكَ البِشارَةِ العُظْمى، ثُمَّ دَعاهم إلى الخَيْرِ وخَوَّفَهم مِنَ الشَّرِّ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ خِطابًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ جاءَ بِها لِتَحْذِيرِ الكُفّارِ وإنْذارِهِمْ بَعْدَ تَرْغِيبِ المُسْلِمِينَ بِالآيَةِ الأُولى وتَبْشِيرِهِمْ، وهَذا وإنْ كانَ بَعِيدًا ولَكِنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِهِ، والمَعْنى عَلى ما هو الظّاهِرُ: أنَّ اللَّهَ جَمَعَ لِعِبادِهِ بَيْنَ التَّبْشِيرِ العَظِيمِ، والأمْرِ بِالإنابَةِ إلَيْهِ والإخْلاصِ لَهُ والِاسْتِسْلامِ لِأمْرِهِ والخُضُوعِ لِحُكْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الدُّنْيا كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمَهُ الزّاعِمُونَ وتَمَسَّكَ بِهِ القانِطُونَ المُقَنِّطُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُ: أحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ، والقُرْآنُ كُلُّهُ حَسَنٌ. قالَ الحَسَنُ: التَزِمُوا طاعَتَهُ واجْتَنِبُوا مَعاصِيَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الأحْسَنُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي المُحْكَماتِ وكِلُوا عِلْمَ المُتَشابِهِ إلى عالِمِهِ.
وقِيلَ: النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ. وقِيلَ: العَفْوُ دُونَ الِانْتِقامِ بِما يَحِقُّ فِيهِ الِانْتِقامُ، وقِيلَ: أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُفاجِئَكُمُ العَذابُ وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْهُ لا تَشْعُرُونَ بِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنَّهم يَمُوتُونَ بَغْتَةً فَيَقَعُونَ في العَذابِ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الَّذِي يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً هو العَذابُ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والخَوْفِ والجَدْبِ، لا عَذابُ الآخِرَةِ ولا المَوْتُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُسْنِدِ الإتْيانَ إلَيْهِ.
﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ قالَ البَصْرِيُّونَ: أيْ: حَذَرًا أنْ تَقُولَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولَ. قالَ المُبَرِّدُ: بادِرُوا خَوْفَ أنْ تَقُولَ، أوْ حَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها: يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالنَّفْسِ هُنا النَّفْسُ الكافِرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] .
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ياحَسْرَتا﴾ بِالألِفِ بَدَلًا مِنَ الياءِ المُضافِ إلَيْها، والأصْلُ: يا حَسْرَتِي، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " يا حَسْرَتاهُ " بِهاءِ السَّكْتِ وقْفًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يا حَسْرَتِي " بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
والحَسْرَةُ: النَّدامَةُ، ومَعْنى ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ عَلى ما فَرَّطْتُ في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى ما فَرَّطْتُ في ذِكْرِ اللَّهِ، ويَعْنِي بِهِ: القُرْآنَ والعَمَلَ بِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أيْ: في ثَوابِ اللَّهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الجَنْبُ: القُرْبُ والجِوارُ أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ، عَلى ما فَرَّطْتُ في طَلَبِ جَنْبِ اللَّهِ أيْ: في طَلَبِ جِوارِهِ وقُرْبِهِ وهو الجَنَّةُ، وبِهِ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وقالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَرَّطْتُ في الطَّرِيقِ الَّذِي هو طَرِيقُ اللَّهِ مِن تَوْحِيدِهِ والإقْرارِ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى هَذا فالجَنْبُ بِمَعْنى الجانِبِ أيْ: قَصَّرْتُ في الجانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إلى رِضا اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِلنّاسِ جَنْبٌ والأمِيرُ جَنْبُ
أيِ: النّاسُ مِن جانِبٍ والأمِيرُ مِن جانِبٍ ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ: وما كُنْتُ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ في الدُّنْيا، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكْفِهِ أنْ ضَيَّعَ طاعَةَ اللَّهِ حَتّى سَخِرَ مِن أهْلِها.
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ اللَّهَ أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ لَكُنْتُ مِمَّنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يَحْتَجُّ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الحُجَجِ الزّائِفَةِ، ويَتَعَلَّلُونَ بِهِ مِنَ العِلَلِ الباطِلَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَهي كَلِمَةُ حَقٍّ يُرِيدُونَ بِها باطِلًا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُقالَةً أُخْرى مِمّا قالُوا فَقالَ: ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، وانْتِصابُ أكُونَ إمّا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى كَرَّةٍ فَإنَّها مَصْدَرٌ، وأكُونُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ: كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي ∗∗∗ أحَبُّ إلَيَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ
وأنْشَدَ الفَرّاءُ عَلى هَذا:
؎فَما لَكَ مِنها غَيْرُ ذِكْرى وخَشْيَةٍ ∗∗∗ وتَسْألُ عَنْ رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا
وإمّا لِكَوْنِهِ جَوابَ التَّمَنِّي المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - جَوابَهُ عَلى هَذِهِ النُّفُوسِ المُتَمَنِّيَةِ (p-١٢٨٩)المُتَعَلِّلَةِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ فَقالَ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
المُرادُ بِالآياتِ هي الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ وهو القُرْآنُ.
ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِها قَوْلُهُ: إنَّها لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وتَكَبُّرٌ عَنِ الإيمانِ بِها، وكانَ مَعَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ.
وجاءَ - سُبْحانَهُ - بِخِطابِ المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ: جاءَتْكَ وكَذَّبْتَ واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ تُطْلَقُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
قالَ المُبَرِّدُ: تَقُولُ العَرَبُ: نَفْسٌ واحِدٌ أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ، وبِفَتْحِ التّاءِ في هَذِهِ المَواضِعِ قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ بِكَسْرِها في جَمِيعِها، وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ وابْنَتِهِ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ أيْ: تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شُرَكاءَ وصاحِبَةً ووَلَدًا وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وشاهَدُوهُ مِن غَضَبِ اللَّهِ ونِقْمَتِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قالَ الأخْفَشُ: تَرى غَيْرَ عامِلٍ في ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾، إنَّما هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والأوْلى أنْ تَرى إنْ كانَتْ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، فَجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً فَهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِتَرى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: لَيْسَ فِيها مَقامٌ لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، والكِبْرُ هو بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ: اتَّقَوُا الشِّرْكَ ومَعاصِيَ اللَّهِ، والباءُ في بِمَفازَتِهِمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِمَفازَتِهِمْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ بِالإفْرادِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالخَيْرِ والنَّجاةُ مِنَ الشَّرِّ.
قالَ المُبَرِّدُ: المَفازَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ وهو السَّعادَةُ، وإنْ جُمِعَ فَحَسُنٌ: كَقَوْلِكَ السَّعادَةُ والسَّعاداتُ.
والمَعْنى: يُنْجِيهِمُ اللَّهُ بِفَوْزِهِمْ أيْ: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ وفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ " بِمَفازاتِهِمْ " جَمْعُ مَفازَةٍ، وجَمْعُها مَعَ كَوْنِها مَصْدَرًا لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَنْفِي السُّوءَ والحُزْنَ عَنْهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في " بِمَفازَتِهِمْ " لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ فَوْزِهِمْ مَعَ انْتِفاءِ مَساسِ السُّوءِ لَهم وعَدَمِ وُصُولِ الحُزْنِ إلى قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم رَضُوا بِثَوابِ اللَّهِ وأمِنُوا مِن عِقابِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ في مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنّا نَقُولُ لَيْسَ لِمُفْتَتِنٍ تَوْبَةٌ وما اللَّهُ بِقابِلٍ مِنهُ شَيْئًا، عَرَفُوا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوا رَسُولَهُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ لِبَلاءٍ أصابَهم، وكانُوا يَقُولُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآياتِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَكَتَبْتُها بِيَدِي، ثُمَّ بَعَثْتُ بِها إلى هِشامِ بْنِ العاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا أسْلَمَ وحْشِيٌّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] قالَ وحْشِيٌّ وأصْحابُهُ: قَدِ ارْتَكَبْنا هَذا كُلَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَهْطٍ مِن أصْحابِهِ وهم يَضْحَكُونَ ويَتَحَدَّثُونَ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وأبْكى القَوْمَ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي فَرَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أبْشِرُوا وسَدِّدُوا وقارِبُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أُفْتِنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ لَمّا قالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهم ما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وقَتْلِ الأنْفُسِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ ثَوْبانَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما أُحِبُّ أنَّ لِيَ الدُّنْيا وما فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ رَجُلٌ ومَن أشْرَكَ ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ألا، ومَن أشْرَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ مَرَّ عَلى قاضٍ يُذَكِّرُ النّاسَ فَقالَ: يا مُذَكِّرَ النّاسِ لا تُقَنِّطِ النّاسَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: أيُّ آيَةٍ أوْسَعُ ؟ فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١] الآيَةَ ونَحْوَها، فَقالَ عَلِيٌّ: ما في القُرْآنِ أوْسَعُ مِن يا عِبادِيَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَدْ دَعا اللَّهُ إلى مَغْفِرَتِهِ مَن زَعَمَ أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ يَقُولُ لِهَؤُلاءِ ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] ثُمَّ دَعا إلى تَوْبَتِهِ مَن هو أعْظَمُ قَوْلًا مِن هَؤُلاءِ مَن ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَن آيَسَ العِبادَ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدَ هَذا فَقَدْ جَحَدَ كِتابَ اللَّهِ، ولَكِنْ لا يَقْدِرُ العَبْدُ أنْ (p-١٢٩٠)يَتُوبَ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ ما العِبادُ قائِلُونَ قَبْلَ أنْ يَقُولُوا، وعَلَّمَهم قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا.
الزمر 39:59
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الجِنْسُ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أفْرادِهِ أوْ غالِبِها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكُفّارُ فَقَطْ والأوَّلُ أوْلى، ولا يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى الجِنْسِ خُصُوصُ (p-١٢٨٧)سَبَبِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومُ اللَّفْظِ وفاءٌ بِحَقِّ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ووَفاءٌ بِمَدْلُولِهِ، والمَعْنى: أنَّ شَأْنَ غالِبِ نَوْعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا مَسَّهُ ضُرٌّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما دَعا اللَّهَ وتَضَرَّعَ إلَيْهِ في رَفْعِهِ ودَفْعِهِ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا﴾ أيْ: أعْطَيْناهُ نِعْمَةً كائِنَةً مِن عِنْدِنا ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكاسِبِ، أوْ عَلى خَيْرٍ عِنْدِي، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِفَضْلِي.
وقالَ الحَسَنُ: عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إيّاهُ، وقِيلَ: قَدْ عَلِمْتُ أنِّي إذا أُوتِيتُ هَذا في الدُّنْيا أنَّ لِي عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَةً وجاءَ بِالضَّمِيرِ في أُوتِيتُهُ مُذَكَّرًا مَعَ كَوْنِهِ راجِعًا إلى النِّعْمَةِ لِأنَّها بِمَعْنى الإنْعامِ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما، وهي مَوْصُولَةٌ، والأوَّلُ أوْلى ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ هَذا رَدٌّ لِما قالَهُ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أعْطَيْناكَ لِما ذَكَرْتَ، بَلْ هو مِحْنَةٌ لَكَ واخْتِبارٌ لِحالِكَ أتَشْكُرُ أمْ تَكْفُرُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ هي لِتَأْنِيثِ الفِتْنَةِ، ولَوْ قالَ بَلْ هو فِتْنَةٌ لَجازَ. وقالَ النَّحّاسُ: بَلْ عَطِيَّتُهُ فِتْنَةٌ. وقِيلَ: تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الفِتْنَةِ، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ في قَوْلِهِ أُوتِيتُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم مِنَ اللَّهِ وامْتِحانٌ لِما عِنْدَهم مِنَ الشُّكْرِ أوِ الكُفْرِ.
﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي قالُوها وهي قَوْلُهم: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَقارُونَ وغَيْرِهِ، فَإنَّ قارُونَ قالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما هَذِهِ نافِيَةً أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم ما كَسَبُوا مِن مَتاعِ الدُّنْيا شَيْئًا، وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم ذَلِكَ.
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءُ سَيِّئاتِ كَسْبِهِمْ، أوْ أصابَهم سَيِّئاتٌ هي جَزاءُ كَسْبِهِمْ، وسُمِّيَ الجَزاءُ سَيِّئاتٍ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ سَيِّئاتِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، ثُمَّ أوْعَدَ - سُبْحانَهُ - الكُفّارَ في عَصْرِهِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾ المَوْجُودِينَ مِنَ الكُفّارِ ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ كَما أصابَ مَن قَبْلَهم، وقَدْ أصابَهم في الدُّنْيا ما أصابَهم مِنَ القَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ ﴿وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلى اللَّهِ بَلْ مَرْجِعُهم إلَيْهِ يَصْنَعُ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العُقُوبَةِ.
﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ أنْ يُوَسِّعَهُ لَهُ ويَقْدِرُ أيْ: يَقْبِضُهُ لِمَن يَشاءُ أنْ يَقْبِضَهُ ويُضَيِّقَهُ عَلَيْهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وعَظَهُمُ اللَّهُ لِيَعْتَبِرُوا في تَوْحِيدِهِ، وذَلِكَ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويُقَتِّرُ عَلى مَن يَشاءُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَدَلالاتٍ عَظِيمَةً وعَلاماتٍ جَلِيلَةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالآياتِ المُتَفَكِّرُونَ فِيها ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وعَظِيمِ مَغْفِرَتِهِ.
وأمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَشِّرَهم بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ المُرادُ بِالإسْرافِ الإفْراطُ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارُ مِنها.
ومَعْنى ﴿لا تَقْنَطُوا﴾: لا تَيْأسُوا ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ مِن مَغْفِرَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا نَهاهم عَنِ القُنُوطِ أخْبَرَهم بِما يَدْفَعُ ذَلِكَ ويَرْفَعُهُ ويَجْعَلُ الرَّجاءَ مَكانَ القُنُوطِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِاشْتِمالِها عَلى أعْظَمِ بِشارَةٍ، فَإنَّهُ أوَّلًا أضافَ العِبادَ إلى نَفْسِهِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِهِمْ ومَزِيدِ تَبْشِيرِهِمْ، ثُمَّ وصَفَهم بِالإسْرافِ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ القُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلاءِ المُسْتَكْثِرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، فالنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ لِلْمُذْنِبِينَ غَيْرِ المُسْرِفِينَ مِن بابِ الأوْلى وبِفَحْوى الخِطابِ، ثُمَّ جاءَ بِما لا يُبْقِي بَعْدَهُ شَكٌّ ولا يَتَخالَجُ القَلْبَ عِنْدَ سَماعِهِ ظَنٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ فالألِفُ واللّامُ قَدْ صَيَّرَتِ الجَمْعَ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ لِلْجِنْسِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ اسْتِغْراقَ أفْرادِهِ، فَهو في قُوَّةِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ، إلّا ما أخْرَجَهُ النَّصُّ القُرْآنِيُّ وهو الشِّرْكُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِما أخْبَرَ عِبادَهُ بِهِ مِن مَغْفِرَةِ كُلِّ ذَنْبٍ، بَلْ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: جَمِيعًا فَيا لَها مِن بِشارَةٍ تَرْتاحُ لَها قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ المُحْسِنِينَ ظَنَّهم بِرَبِّهِمُ الصّادِقِينَ في رَجائِهِ. الخالِعِينَ لِثِيابِ القُنُوطِ الرّافِضِينَ لِسُوءِ الظَّنِّ بِمَن لا يَتَعاظَمُهُ ذَنْبٌ، ولا يَبْخَلُ بِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ في طَلَبِ العَفْوِ المُلْتَجِئِينَ بِهِ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ وما أحْسَنَ ما عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - بِهِ هَذا الكَلامَ قائِلًا ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَظِيمُهُما بَلِيغُهُما واسِعُهُما، فَمَن أبى هَذا التَّفَضُّلَ العَظِيمَ والعَطاءَ الجَسِيمَ، وظَنَّ أنَّ تَقْنِيطَ عِبادِ اللَّهِ وتَأْيِيسَهم مِن رَحْمَتِهِ أوْلى بِهِمْ مِمّا بَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَقَدْ رَكِبَ أعْظَمَ الشَّطَطِ وغَلِطَ أقْبَحَ الغَلَطِ، فَإنَّ التَّبْشِيرَ وعَدَمَ التَّقْنِيطِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ مَواعِيدُ اللَّهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ، والمَسْلَكَ الَّذِي سَلَكَهُ رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما صَحَّ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» .
وإذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] وهو أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ ما عَدا الشِّرْكَ بِاللَّهِ مَغْفُورٌ لِمَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ إخْبارَهُ لَنا بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَشاءُ غُفْرانَها جَمِيعًا، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يَشاءُ المَغْفِرَةَ لِكُلِّ المُذْنِبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَعارُضٌ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ.
وأمّا ما يَزْعُمُهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن تَقْيِيدِ هَذِهِ الآيَةِ بِالتَّوْبَةِ وأنَّها لا تَغْفِرُ إلّا ذُنُوبَ التّائِبِينَ، وزَعَمُوا أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ.
فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، وبَيْنَ المَلّاحِ والحادِي، وعَلى نَفْسِها بَراقِشُ تَجْنِي، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ العَظِيمَةُ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ لَمْ يَكُنْ لَها كَثِيرُ مَوْقِعٍ، فَإنَّ التَّوْبَةَ مِنَ المُشْرِكِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ بِها ما فَعَلَهُ مِنَ الشِّرْكِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ قالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] (p-١٢٨٨)فَلَوْ كانَتِ التَّوْبَةُ قَيْدًا في المَغْفِرَةِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الشِّرْكِ فائِدَةٌ، وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ كُلُّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في قَوْمٍ خافُوا إنْ أسْلَمُوا أنْ لا يَغْفِرَ لَهم ما جَنَوْا مِنَ الذُّنُوبِ العِظامِ، كالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ ومُعاداةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قُلْتُ: هَبْ أنَّها في هَؤُلاءِ القَوْمِ، فَكانَ ماذا ؟ فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُمُومِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ والأحادِيثُ النَّبَوِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِأسْبابِها غَيْرَ مُتَجاوِزَةٍ لَها لارْتَفَعَتْ أكْثَرُ التَّكالِيفِ عَنِ الأُمَّةِ إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ كُلُّها، واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
وفِي السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ مِنَ الأحادِيثِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في هَذا البابِ ما إنْ عَرَفَهُ المُطَّلِعُ عَلَيْهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وقَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ عَلِمَ صِحَّةَ ما ذَكَرْناهُ وعَرَفَ حَقِيَقَةَ ما حَرَّرْناهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يا عِبادِي " بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا، ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: أنَّهُ يَقِفُ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَقْنَطُوا بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِكَسْرِها.
﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيِ: ارْجِعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. لَمّا بَشَّرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، أمَرَهم بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ بِفِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي، ولَيْسَ في هَذا ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الآيَةِ الأُولى بِالتَّوْبَةِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ، بَلْ غايَةُ ما فِيها أنَّهُ بَشَّرَهم بِتِلْكَ البِشارَةِ العُظْمى، ثُمَّ دَعاهم إلى الخَيْرِ وخَوَّفَهم مِنَ الشَّرِّ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ خِطابًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ جاءَ بِها لِتَحْذِيرِ الكُفّارِ وإنْذارِهِمْ بَعْدَ تَرْغِيبِ المُسْلِمِينَ بِالآيَةِ الأُولى وتَبْشِيرِهِمْ، وهَذا وإنْ كانَ بَعِيدًا ولَكِنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِهِ، والمَعْنى عَلى ما هو الظّاهِرُ: أنَّ اللَّهَ جَمَعَ لِعِبادِهِ بَيْنَ التَّبْشِيرِ العَظِيمِ، والأمْرِ بِالإنابَةِ إلَيْهِ والإخْلاصِ لَهُ والِاسْتِسْلامِ لِأمْرِهِ والخُضُوعِ لِحُكْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الدُّنْيا كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمَهُ الزّاعِمُونَ وتَمَسَّكَ بِهِ القانِطُونَ المُقَنِّطُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُ: أحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ، والقُرْآنُ كُلُّهُ حَسَنٌ. قالَ الحَسَنُ: التَزِمُوا طاعَتَهُ واجْتَنِبُوا مَعاصِيَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الأحْسَنُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي المُحْكَماتِ وكِلُوا عِلْمَ المُتَشابِهِ إلى عالِمِهِ.
وقِيلَ: النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ. وقِيلَ: العَفْوُ دُونَ الِانْتِقامِ بِما يَحِقُّ فِيهِ الِانْتِقامُ، وقِيلَ: أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُفاجِئَكُمُ العَذابُ وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْهُ لا تَشْعُرُونَ بِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنَّهم يَمُوتُونَ بَغْتَةً فَيَقَعُونَ في العَذابِ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الَّذِي يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً هو العَذابُ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والخَوْفِ والجَدْبِ، لا عَذابُ الآخِرَةِ ولا المَوْتُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُسْنِدِ الإتْيانَ إلَيْهِ.
﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ قالَ البَصْرِيُّونَ: أيْ: حَذَرًا أنْ تَقُولَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولَ. قالَ المُبَرِّدُ: بادِرُوا خَوْفَ أنْ تَقُولَ، أوْ حَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها: يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالنَّفْسِ هُنا النَّفْسُ الكافِرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] .
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ياحَسْرَتا﴾ بِالألِفِ بَدَلًا مِنَ الياءِ المُضافِ إلَيْها، والأصْلُ: يا حَسْرَتِي، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " يا حَسْرَتاهُ " بِهاءِ السَّكْتِ وقْفًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يا حَسْرَتِي " بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
والحَسْرَةُ: النَّدامَةُ، ومَعْنى ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ عَلى ما فَرَّطْتُ في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى ما فَرَّطْتُ في ذِكْرِ اللَّهِ، ويَعْنِي بِهِ: القُرْآنَ والعَمَلَ بِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أيْ: في ثَوابِ اللَّهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الجَنْبُ: القُرْبُ والجِوارُ أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ، عَلى ما فَرَّطْتُ في طَلَبِ جَنْبِ اللَّهِ أيْ: في طَلَبِ جِوارِهِ وقُرْبِهِ وهو الجَنَّةُ، وبِهِ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وقالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَرَّطْتُ في الطَّرِيقِ الَّذِي هو طَرِيقُ اللَّهِ مِن تَوْحِيدِهِ والإقْرارِ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى هَذا فالجَنْبُ بِمَعْنى الجانِبِ أيْ: قَصَّرْتُ في الجانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إلى رِضا اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِلنّاسِ جَنْبٌ والأمِيرُ جَنْبُ
أيِ: النّاسُ مِن جانِبٍ والأمِيرُ مِن جانِبٍ ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ: وما كُنْتُ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ في الدُّنْيا، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكْفِهِ أنْ ضَيَّعَ طاعَةَ اللَّهِ حَتّى سَخِرَ مِن أهْلِها.
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ اللَّهَ أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ لَكُنْتُ مِمَّنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يَحْتَجُّ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الحُجَجِ الزّائِفَةِ، ويَتَعَلَّلُونَ بِهِ مِنَ العِلَلِ الباطِلَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَهي كَلِمَةُ حَقٍّ يُرِيدُونَ بِها باطِلًا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُقالَةً أُخْرى مِمّا قالُوا فَقالَ: ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، وانْتِصابُ أكُونَ إمّا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى كَرَّةٍ فَإنَّها مَصْدَرٌ، وأكُونُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ: كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي ∗∗∗ أحَبُّ إلَيَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ
وأنْشَدَ الفَرّاءُ عَلى هَذا:
؎فَما لَكَ مِنها غَيْرُ ذِكْرى وخَشْيَةٍ ∗∗∗ وتَسْألُ عَنْ رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا
وإمّا لِكَوْنِهِ جَوابَ التَّمَنِّي المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - جَوابَهُ عَلى هَذِهِ النُّفُوسِ المُتَمَنِّيَةِ (p-١٢٨٩)المُتَعَلِّلَةِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ فَقالَ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
المُرادُ بِالآياتِ هي الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ وهو القُرْآنُ.
ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِها قَوْلُهُ: إنَّها لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وتَكَبُّرٌ عَنِ الإيمانِ بِها، وكانَ مَعَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ.
وجاءَ - سُبْحانَهُ - بِخِطابِ المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ: جاءَتْكَ وكَذَّبْتَ واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ تُطْلَقُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
قالَ المُبَرِّدُ: تَقُولُ العَرَبُ: نَفْسٌ واحِدٌ أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ، وبِفَتْحِ التّاءِ في هَذِهِ المَواضِعِ قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ بِكَسْرِها في جَمِيعِها، وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ وابْنَتِهِ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ أيْ: تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شُرَكاءَ وصاحِبَةً ووَلَدًا وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وشاهَدُوهُ مِن غَضَبِ اللَّهِ ونِقْمَتِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قالَ الأخْفَشُ: تَرى غَيْرَ عامِلٍ في ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾، إنَّما هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والأوْلى أنْ تَرى إنْ كانَتْ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، فَجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً فَهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِتَرى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: لَيْسَ فِيها مَقامٌ لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، والكِبْرُ هو بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ: اتَّقَوُا الشِّرْكَ ومَعاصِيَ اللَّهِ، والباءُ في بِمَفازَتِهِمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِمَفازَتِهِمْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ بِالإفْرادِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالخَيْرِ والنَّجاةُ مِنَ الشَّرِّ.
قالَ المُبَرِّدُ: المَفازَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ وهو السَّعادَةُ، وإنْ جُمِعَ فَحَسُنٌ: كَقَوْلِكَ السَّعادَةُ والسَّعاداتُ.
والمَعْنى: يُنْجِيهِمُ اللَّهُ بِفَوْزِهِمْ أيْ: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ وفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ " بِمَفازاتِهِمْ " جَمْعُ مَفازَةٍ، وجَمْعُها مَعَ كَوْنِها مَصْدَرًا لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَنْفِي السُّوءَ والحُزْنَ عَنْهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في " بِمَفازَتِهِمْ " لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ فَوْزِهِمْ مَعَ انْتِفاءِ مَساسِ السُّوءِ لَهم وعَدَمِ وُصُولِ الحُزْنِ إلى قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم رَضُوا بِثَوابِ اللَّهِ وأمِنُوا مِن عِقابِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ في مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنّا نَقُولُ لَيْسَ لِمُفْتَتِنٍ تَوْبَةٌ وما اللَّهُ بِقابِلٍ مِنهُ شَيْئًا، عَرَفُوا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوا رَسُولَهُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ لِبَلاءٍ أصابَهم، وكانُوا يَقُولُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآياتِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَكَتَبْتُها بِيَدِي، ثُمَّ بَعَثْتُ بِها إلى هِشامِ بْنِ العاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا أسْلَمَ وحْشِيٌّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] قالَ وحْشِيٌّ وأصْحابُهُ: قَدِ ارْتَكَبْنا هَذا كُلَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَهْطٍ مِن أصْحابِهِ وهم يَضْحَكُونَ ويَتَحَدَّثُونَ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وأبْكى القَوْمَ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي فَرَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أبْشِرُوا وسَدِّدُوا وقارِبُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أُفْتِنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ لَمّا قالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهم ما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وقَتْلِ الأنْفُسِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ ثَوْبانَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما أُحِبُّ أنَّ لِيَ الدُّنْيا وما فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ رَجُلٌ ومَن أشْرَكَ ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ألا، ومَن أشْرَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ مَرَّ عَلى قاضٍ يُذَكِّرُ النّاسَ فَقالَ: يا مُذَكِّرَ النّاسِ لا تُقَنِّطِ النّاسَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: أيُّ آيَةٍ أوْسَعُ ؟ فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١] الآيَةَ ونَحْوَها، فَقالَ عَلِيٌّ: ما في القُرْآنِ أوْسَعُ مِن يا عِبادِيَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَدْ دَعا اللَّهُ إلى مَغْفِرَتِهِ مَن زَعَمَ أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ يَقُولُ لِهَؤُلاءِ ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] ثُمَّ دَعا إلى تَوْبَتِهِ مَن هو أعْظَمُ قَوْلًا مِن هَؤُلاءِ مَن ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَن آيَسَ العِبادَ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدَ هَذا فَقَدْ جَحَدَ كِتابَ اللَّهِ، ولَكِنْ لا يَقْدِرُ العَبْدُ أنْ (p-١٢٩٠)يَتُوبَ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ ما العِبادُ قائِلُونَ قَبْلَ أنْ يَقُولُوا، وعَلَّمَهم قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا.
الزمر 39:60
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الجِنْسُ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أفْرادِهِ أوْ غالِبِها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكُفّارُ فَقَطْ والأوَّلُ أوْلى، ولا يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى الجِنْسِ خُصُوصُ (p-١٢٨٧)سَبَبِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومُ اللَّفْظِ وفاءٌ بِحَقِّ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ووَفاءٌ بِمَدْلُولِهِ، والمَعْنى: أنَّ شَأْنَ غالِبِ نَوْعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا مَسَّهُ ضُرٌّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ غَيْرِهِما دَعا اللَّهَ وتَضَرَّعَ إلَيْهِ في رَفْعِهِ ودَفْعِهِ ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا﴾ أيْ: أعْطَيْناهُ نِعْمَةً كائِنَةً مِن عِنْدِنا ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكاسِبِ، أوْ عَلى خَيْرٍ عِنْدِي، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِفَضْلِي.
وقالَ الحَسَنُ: عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إيّاهُ، وقِيلَ: قَدْ عَلِمْتُ أنِّي إذا أُوتِيتُ هَذا في الدُّنْيا أنَّ لِي عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَةً وجاءَ بِالضَّمِيرِ في أُوتِيتُهُ مُذَكَّرًا مَعَ كَوْنِهِ راجِعًا إلى النِّعْمَةِ لِأنَّها بِمَعْنى الإنْعامِ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما، وهي مَوْصُولَةٌ، والأوَّلُ أوْلى ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ هَذا رَدٌّ لِما قالَهُ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أعْطَيْناكَ لِما ذَكَرْتَ، بَلْ هو مِحْنَةٌ لَكَ واخْتِبارٌ لِحالِكَ أتَشْكُرُ أمْ تَكْفُرُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: أنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ هي لِتَأْنِيثِ الفِتْنَةِ، ولَوْ قالَ بَلْ هو فِتْنَةٌ لَجازَ. وقالَ النَّحّاسُ: بَلْ عَطِيَّتُهُ فِتْنَةٌ. وقِيلَ: تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الفِتْنَةِ، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ في قَوْلِهِ أُوتِيتُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم مِنَ اللَّهِ وامْتِحانٌ لِما عِنْدَهم مِنَ الشُّكْرِ أوِ الكُفْرِ.
﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي قالُوها وهي قَوْلُهم: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَقارُونَ وغَيْرِهِ، فَإنَّ قارُونَ قالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما هَذِهِ نافِيَةً أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم ما كَسَبُوا مِن مَتاعِ الدُّنْيا شَيْئًا، وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم ذَلِكَ.
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءُ سَيِّئاتِ كَسْبِهِمْ، أوْ أصابَهم سَيِّئاتٌ هي جَزاءُ كَسْبِهِمْ، وسُمِّيَ الجَزاءُ سَيِّئاتٍ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ سَيِّئاتِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، ثُمَّ أوْعَدَ - سُبْحانَهُ - الكُفّارَ في عَصْرِهِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾ المَوْجُودِينَ مِنَ الكُفّارِ ﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ كَما أصابَ مَن قَبْلَهم، وقَدْ أصابَهم في الدُّنْيا ما أصابَهم مِنَ القَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ ﴿وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلى اللَّهِ بَلْ مَرْجِعُهم إلَيْهِ يَصْنَعُ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العُقُوبَةِ.
﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ أنْ يُوَسِّعَهُ لَهُ ويَقْدِرُ أيْ: يَقْبِضُهُ لِمَن يَشاءُ أنْ يَقْبِضَهُ ويُضَيِّقَهُ عَلَيْهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وعَظَهُمُ اللَّهُ لِيَعْتَبِرُوا في تَوْحِيدِهِ، وذَلِكَ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويُقَتِّرُ عَلى مَن يَشاءُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَذْكُورِ لَدَلالاتٍ عَظِيمَةً وعَلاماتٍ جَلِيلَةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالآياتِ المُتَفَكِّرُونَ فِيها ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وعَظِيمِ مَغْفِرَتِهِ.
وأمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبَشِّرَهم بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ المُرادُ بِالإسْرافِ الإفْراطُ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارُ مِنها.
ومَعْنى ﴿لا تَقْنَطُوا﴾: لا تَيْأسُوا ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ مِن مَغْفِرَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا نَهاهم عَنِ القُنُوطِ أخْبَرَهم بِما يَدْفَعُ ذَلِكَ ويَرْفَعُهُ ويَجْعَلُ الرَّجاءَ مَكانَ القُنُوطِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِاشْتِمالِها عَلى أعْظَمِ بِشارَةٍ، فَإنَّهُ أوَّلًا أضافَ العِبادَ إلى نَفْسِهِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِهِمْ ومَزِيدِ تَبْشِيرِهِمْ، ثُمَّ وصَفَهم بِالإسْرافِ في المَعاصِي والِاسْتِكْثارِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ القُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلاءِ المُسْتَكْثِرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، فالنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ لِلْمُذْنِبِينَ غَيْرِ المُسْرِفِينَ مِن بابِ الأوْلى وبِفَحْوى الخِطابِ، ثُمَّ جاءَ بِما لا يُبْقِي بَعْدَهُ شَكٌّ ولا يَتَخالَجُ القَلْبَ عِنْدَ سَماعِهِ ظَنٌّ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ فالألِفُ واللّامُ قَدْ صَيَّرَتِ الجَمْعَ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ لِلْجِنْسِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ اسْتِغْراقَ أفْرادِهِ، فَهو في قُوَّةِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ، إلّا ما أخْرَجَهُ النَّصُّ القُرْآنِيُّ وهو الشِّرْكُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِما أخْبَرَ عِبادَهُ بِهِ مِن مَغْفِرَةِ كُلِّ ذَنْبٍ، بَلْ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: جَمِيعًا فَيا لَها مِن بِشارَةٍ تَرْتاحُ لَها قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ المُحْسِنِينَ ظَنَّهم بِرَبِّهِمُ الصّادِقِينَ في رَجائِهِ. الخالِعِينَ لِثِيابِ القُنُوطِ الرّافِضِينَ لِسُوءِ الظَّنِّ بِمَن لا يَتَعاظَمُهُ ذَنْبٌ، ولا يَبْخَلُ بِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ في طَلَبِ العَفْوِ المُلْتَجِئِينَ بِهِ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ وما أحْسَنَ ما عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - بِهِ هَذا الكَلامَ قائِلًا ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَظِيمُهُما بَلِيغُهُما واسِعُهُما، فَمَن أبى هَذا التَّفَضُّلَ العَظِيمَ والعَطاءَ الجَسِيمَ، وظَنَّ أنَّ تَقْنِيطَ عِبادِ اللَّهِ وتَأْيِيسَهم مِن رَحْمَتِهِ أوْلى بِهِمْ مِمّا بَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَقَدْ رَكِبَ أعْظَمَ الشَّطَطِ وغَلِطَ أقْبَحَ الغَلَطِ، فَإنَّ التَّبْشِيرَ وعَدَمَ التَّقْنِيطِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ مَواعِيدُ اللَّهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ، والمَسْلَكَ الَّذِي سَلَكَهُ رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما صَحَّ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» .
وإذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] وهو أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ كائِنًا ما كانَ ما عَدا الشِّرْكَ بِاللَّهِ مَغْفُورٌ لِمَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ إخْبارَهُ لَنا بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَشاءُ غُفْرانَها جَمِيعًا، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يَشاءُ المَغْفِرَةَ لِكُلِّ المُذْنِبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَعارُضٌ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ.
وأمّا ما يَزْعُمُهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن تَقْيِيدِ هَذِهِ الآيَةِ بِالتَّوْبَةِ وأنَّها لا تَغْفِرُ إلّا ذُنُوبَ التّائِبِينَ، وزَعَمُوا أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ.
فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، وبَيْنَ المَلّاحِ والحادِي، وعَلى نَفْسِها بَراقِشُ تَجْنِي، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ العَظِيمَةُ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ لَمْ يَكُنْ لَها كَثِيرُ مَوْقِعٍ، فَإنَّ التَّوْبَةَ مِنَ المُشْرِكِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ بِها ما فَعَلَهُ مِنَ الشِّرْكِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ قالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦، ٤٨] (p-١٢٨٨)فَلَوْ كانَتِ التَّوْبَةُ قَيْدًا في المَغْفِرَةِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الشِّرْكِ فائِدَةٌ، وقَدْ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ كُلُّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في قَوْمٍ خافُوا إنْ أسْلَمُوا أنْ لا يَغْفِرَ لَهم ما جَنَوْا مِنَ الذُّنُوبِ العِظامِ، كالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ ومُعاداةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قُلْتُ: هَبْ أنَّها في هَؤُلاءِ القَوْمِ، فَكانَ ماذا ؟ فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُمُومِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ والأحادِيثُ النَّبَوِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِأسْبابِها غَيْرَ مُتَجاوِزَةٍ لَها لارْتَفَعَتْ أكْثَرُ التَّكالِيفِ عَنِ الأُمَّةِ إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ كُلُّها، واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
وفِي السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ مِنَ الأحادِيثِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في هَذا البابِ ما إنْ عَرَفَهُ المُطَّلِعُ عَلَيْهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وقَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ عَلِمَ صِحَّةَ ما ذَكَرْناهُ وعَرَفَ حَقِيَقَةَ ما حَرَّرْناهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يا عِبادِي " بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا، ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: أنَّهُ يَقِفُ بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَقْنَطُوا بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِكَسْرِها.
﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيِ: ارْجِعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. لَمّا بَشَّرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، أمَرَهم بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ بِفِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي، ولَيْسَ في هَذا ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الآيَةِ الأُولى بِالتَّوْبَةِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ، بَلْ غايَةُ ما فِيها أنَّهُ بَشَّرَهم بِتِلْكَ البِشارَةِ العُظْمى، ثُمَّ دَعاهم إلى الخَيْرِ وخَوَّفَهم مِنَ الشَّرِّ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ خِطابًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ جاءَ بِها لِتَحْذِيرِ الكُفّارِ وإنْذارِهِمْ بَعْدَ تَرْغِيبِ المُسْلِمِينَ بِالآيَةِ الأُولى وتَبْشِيرِهِمْ، وهَذا وإنْ كانَ بَعِيدًا ولَكِنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِهِ، والمَعْنى عَلى ما هو الظّاهِرُ: أنَّ اللَّهَ جَمَعَ لِعِبادِهِ بَيْنَ التَّبْشِيرِ العَظِيمِ، والأمْرِ بِالإنابَةِ إلَيْهِ والإخْلاصِ لَهُ والِاسْتِسْلامِ لِأمْرِهِ والخُضُوعِ لِحُكْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الدُّنْيا كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمَهُ الزّاعِمُونَ وتَمَسَّكَ بِهِ القانِطُونَ المُقَنِّطُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُ: أحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ، والقُرْآنُ كُلُّهُ حَسَنٌ. قالَ الحَسَنُ: التَزِمُوا طاعَتَهُ واجْتَنِبُوا مَعاصِيَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الأحْسَنُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي المُحْكَماتِ وكِلُوا عِلْمَ المُتَشابِهِ إلى عالِمِهِ.
وقِيلَ: النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ. وقِيلَ: العَفْوُ دُونَ الِانْتِقامِ بِما يَحِقُّ فِيهِ الِانْتِقامُ، وقِيلَ: أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُفاجِئَكُمُ العَذابُ وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْهُ لا تَشْعُرُونَ بِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنَّهم يَمُوتُونَ بَغْتَةً فَيَقَعُونَ في العَذابِ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الَّذِي يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً هو العَذابُ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ والخَوْفِ والجَدْبِ، لا عَذابُ الآخِرَةِ ولا المَوْتُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُسْنِدِ الإتْيانَ إلَيْهِ.
﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ قالَ البَصْرِيُّونَ: أيْ: حَذَرًا أنْ تَقُولَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولَ. قالَ المُبَرِّدُ: بادِرُوا خَوْفَ أنْ تَقُولَ، أوْ حَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها: يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالنَّفْسِ هُنا النَّفْسُ الكافِرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] .
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ياحَسْرَتا﴾ بِالألِفِ بَدَلًا مِنَ الياءِ المُضافِ إلَيْها، والأصْلُ: يا حَسْرَتِي، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " يا حَسْرَتاهُ " بِهاءِ السَّكْتِ وقْفًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يا حَسْرَتِي " بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
والحَسْرَةُ: النَّدامَةُ، ومَعْنى ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ عَلى ما فَرَّطْتُ في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: عَلى ما فَرَّطْتُ في ذِكْرِ اللَّهِ، ويَعْنِي بِهِ: القُرْآنَ والعَمَلَ بِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أيْ: في ثَوابِ اللَّهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الجَنْبُ: القُرْبُ والجِوارُ أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ، عَلى ما فَرَّطْتُ في طَلَبِ جَنْبِ اللَّهِ أيْ: في طَلَبِ جِوارِهِ وقُرْبِهِ وهو الجَنَّةُ، وبِهِ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وقالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَرَّطْتُ في الطَّرِيقِ الَّذِي هو طَرِيقُ اللَّهِ مِن تَوْحِيدِهِ والإقْرارِ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى هَذا فالجَنْبُ بِمَعْنى الجانِبِ أيْ: قَصَّرْتُ في الجانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إلى رِضا اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِلنّاسِ جَنْبٌ والأمِيرُ جَنْبُ
أيِ: النّاسُ مِن جانِبٍ والأمِيرُ مِن جانِبٍ ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ: وما كُنْتُ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ في الدُّنْيا، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكْفِهِ أنْ ضَيَّعَ طاعَةَ اللَّهِ حَتّى سَخِرَ مِن أهْلِها.
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ اللَّهَ أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ لَكُنْتُ مِمَّنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يَحْتَجُّ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الحُجَجِ الزّائِفَةِ، ويَتَعَلَّلُونَ بِهِ مِنَ العِلَلِ الباطِلَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَهي كَلِمَةُ حَقٍّ يُرِيدُونَ بِها باطِلًا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُقالَةً أُخْرى مِمّا قالُوا فَقالَ: ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، وانْتِصابُ أكُونَ إمّا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى كَرَّةٍ فَإنَّها مَصْدَرٌ، وأكُونُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ: كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي ∗∗∗ أحَبُّ إلَيَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ
وأنْشَدَ الفَرّاءُ عَلى هَذا:
؎فَما لَكَ مِنها غَيْرُ ذِكْرى وخَشْيَةٍ ∗∗∗ وتَسْألُ عَنْ رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا
وإمّا لِكَوْنِهِ جَوابَ التَّمَنِّي المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - جَوابَهُ عَلى هَذِهِ النُّفُوسِ المُتَمَنِّيَةِ (p-١٢٨٩)المُتَعَلِّلَةِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ فَقالَ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ .
المُرادُ بِالآياتِ هي الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ وهو القُرْآنُ.
ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِها قَوْلُهُ: إنَّها لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وتَكَبُّرٌ عَنِ الإيمانِ بِها، وكانَ مَعَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ.
وجاءَ - سُبْحانَهُ - بِخِطابِ المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ: جاءَتْكَ وكَذَّبْتَ واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ تُطْلَقُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
قالَ المُبَرِّدُ: تَقُولُ العَرَبُ: نَفْسٌ واحِدٌ أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ، وبِفَتْحِ التّاءِ في هَذِهِ المَواضِعِ قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ بِكَسْرِها في جَمِيعِها، وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ وابْنَتِهِ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ أيْ: تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شُرَكاءَ وصاحِبَةً ووَلَدًا وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وشاهَدُوهُ مِن غَضَبِ اللَّهِ ونِقْمَتِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قالَ الأخْفَشُ: تَرى غَيْرَ عامِلٍ في ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾، إنَّما هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والأوْلى أنْ تَرى إنْ كانَتْ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، فَجُمْلَةُ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً فَهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِتَرى، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: لَيْسَ فِيها مَقامٌ لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، والكِبْرُ هو بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ: اتَّقَوُا الشِّرْكَ ومَعاصِيَ اللَّهِ، والباءُ في بِمَفازَتِهِمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِمَفازَتِهِمْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ بِالإفْرادِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالخَيْرِ والنَّجاةُ مِنَ الشَّرِّ.
قالَ المُبَرِّدُ: المَفازَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ وهو السَّعادَةُ، وإنْ جُمِعَ فَحَسُنٌ: كَقَوْلِكَ السَّعادَةُ والسَّعاداتُ.
والمَعْنى: يُنْجِيهِمُ اللَّهُ بِفَوْزِهِمْ أيْ: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ وفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ " بِمَفازاتِهِمْ " جَمْعُ مَفازَةٍ، وجَمْعُها مَعَ كَوْنِها مَصْدَرًا لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: يَنْفِي السُّوءَ والحُزْنَ عَنْهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في " بِمَفازَتِهِمْ " لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ فَوْزِهِمْ مَعَ انْتِفاءِ مَساسِ السُّوءِ لَهم وعَدَمِ وُصُولِ الحُزْنِ إلى قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم رَضُوا بِثَوابِ اللَّهِ وأمِنُوا مِن عِقابِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ في مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنّا نَقُولُ لَيْسَ لِمُفْتَتِنٍ تَوْبَةٌ وما اللَّهُ بِقابِلٍ مِنهُ شَيْئًا، عَرَفُوا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوا رَسُولَهُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ لِبَلاءٍ أصابَهم، وكانُوا يَقُولُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآياتِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَكَتَبْتُها بِيَدِي، ثُمَّ بَعَثْتُ بِها إلى هِشامِ بْنِ العاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا أسْلَمَ وحْشِيٌّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] قالَ وحْشِيٌّ وأصْحابُهُ: قَدِ ارْتَكَبْنا هَذا كُلَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى رَهْطٍ مِن أصْحابِهِ وهم يَضْحَكُونَ ويَتَحَدَّثُونَ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وأبْكى القَوْمَ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي فَرَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أبْشِرُوا وسَدِّدُوا وقارِبُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أُفْتِنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ لَمّا قالُوا: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهم ما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وقَتْلِ الأنْفُسِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ ثَوْبانَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما أُحِبُّ أنَّ لِيَ الدُّنْيا وما فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ رَجُلٌ ومَن أشْرَكَ ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ألا، ومَن أشْرَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ مَرَّ عَلى قاضٍ يُذَكِّرُ النّاسَ فَقالَ: يا مُذَكِّرَ النّاسِ لا تُقَنِّطِ النّاسَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: أيُّ آيَةٍ أوْسَعُ ؟ فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١] الآيَةَ ونَحْوَها، فَقالَ عَلِيٌّ: ما في القُرْآنِ أوْسَعُ مِن يا عِبادِيَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ قالَ: قَدْ دَعا اللَّهُ إلى مَغْفِرَتِهِ مَن زَعَمَ أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ يَقُولُ لِهَؤُلاءِ ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] ثُمَّ دَعا إلى تَوْبَتِهِ مَن هو أعْظَمُ قَوْلًا مِن هَؤُلاءِ مَن ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَن آيَسَ العِبادَ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدَ هَذا فَقَدْ جَحَدَ كِتابَ اللَّهِ، ولَكِنْ لا يَقْدِرُ العَبْدُ أنْ (p-١٢٩٠)يَتُوبَ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ ما العِبادُ قائِلُونَ قَبْلَ أنْ يَقُولُوا، وعَلَّمَهم قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا.