Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الشورى 42:21 – الشورى 42:40

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الشورى 42:21
  2. الشورى 42:22
  3. الشورى 42:23
  4. الشورى 42:24
  5. الشورى 42:25
  6. الشورى 42:26
  7. الشورى 42:27
  8. الشورى 42:28
  9. الشورى 42:29
  10. الشورى 42:30
  11. الشورى 42:31
  12. الشورى 42:32
  13. الشورى 42:33
  14. الشورى 42:34
  15. الشورى 42:35
  16. الشورى 42:36
  17. الشورى 42:37
  18. الشورى 42:38
  19. الشورى 42:39
  20. الشورى 42:40

الشورى 42:21

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: كَثِيرُ اللُّطْفِ بِهِمْ بالِغُ الرَّأْفَةِ لَهم. قالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبارِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا بِمَعاصِيهِمْ. قالَ عِكْرِمَةُ: بارٌّ بِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: رَفِيقٌ بِهِمْ، وقِيلَ: حَفِيٌّ بِهِمْ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَطِيفٌ بِهِمْ في العَرْضِ والمُحاسَبَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. والمَعْنى: أنَّهُ يُجْرِي لُطْفَهُ عَلى عِبادِهِ في كُلِّ أُمُورِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الرِّزْقُ الَّذِي يَعِيشُونَ بِهِ في الدُّنْيا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ مِنهم كَيْفَ يَشاءُ، فَيُوَسِّعُ عَلى هَذا ويُضَيِّقُ عَلى هَذا ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ العَظِيمُ القُوَّةِ الباهِرَةِ القادِرَةِ العَزِيزُ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ الحَرْثُ في اللُّغَةِ: الكَسْبُ، يُقالُ: هو يَحْرُثُ لِعِيالِهِ ويَحْتَرِثُ أيْ: يَكْتَسِبُ. ومِنهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ حارِثًا، وأصْلُ مَعْنى الحَرْثِ: إلْقاءُ البَذْرِ في الأرْضِ، فَأُطْلِقَ عَلى ثَمَراتِ الأعْمالِ وفَوائِدِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ: والمَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الآخِرَةِ يُضاعِفِ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، الحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ يَزِيدُ في تَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ وتَسْهِيلِ سُبُلِ الخَيْرِ لَهُ ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الدُّنْيا وهو مَتاعُها، وما يَرْزُقُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ مِنها نُعْطِهِ مِنها ما قَضَتْ بِهِ مَشِيئَتُنا وقُسِمَ لَهُ في قَضائِنا. قالَ قَتادَةُ: مَعْنى نُؤْتِهِ مِنها: نُقَدِّرْ لَهُ ما قُسِمَ لَهُ كَما قالَ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: إنَّ اللَّهَ يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الآخِرَةِ ما شاءَ مِن أمْرِ الدُّنْيا، ولا يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الدُّنْيا إلّا الدُّنْيا قالَ القُشَيْرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في الكافِرِ، وهو تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذا الَّذِي يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا لا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ لِلْآخِرَةِ فَلا نَصِيبَ لَهُ فِيها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الإسْراءِ. ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - القانُونَ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ ما هو الذَّنْبُ العَظِيمُ المُوجِبُ لِلنّارِ، والهَمْزَةُ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ، وضَمِيرُ شَرَعُوا عائِدٌ إلى الشُّرَكاءِ، وضَمِيرُ لَهم إلى الكُفّارِ، وقِيلَ: العَكْسُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ﴿ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ وهي تَأْخِيرُ عَذابِهِمْ حَيْثُ قالَ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم﴾ [القمر: ٤٦]، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا فَعُوجِلُوا بِالعُقُوبَةِ، والضَّمِيرُ في بَيْنَهم راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، أوْ إلى المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ والمُكَذِّبِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ وإنَّ الظّالِمِينَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ (p-١٣٢٧)مُسْلِمٌ والأعْرَجُ وابْنُ هُرْمُزَ بِفَتْحِها عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ. ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، وذَلِكَ الخَوْفُ والوَجَلُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما كَسَبُوا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ أيْ: وجَزاءُ ما كَسَبُوا واقِعٌ مِنهم نازِلٌ عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الظّالِمِينَ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ رَوْضاتٌ: جَمْعُ رَوْضَةٍ. قالَ أبُو حَيّانَ: اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ، ولُغَةُ هُذَيْلٍ فَتْحُها، والرَّوْضَةُ: المَوْضِعُ النَّزِهُ الكَثِيرُ الخُضْرَةِ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في سُورَةِ الرُّومِ، ورَوْضَةُ الجَنَّةِ: أطْيَبُ مَساكِنِها كَما أنَّها في الدُّنْيا لَأحْسَنُ أمْكِنَتِها ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مِن صُنُوفِ النِّعَمِ وأنْواعِ المُسْتَلَذّاتِ، والعامِلُ في عِنْدَ رَبِّهِمْ يَشاءُونَ، أوِ العامِلُ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ وهو الِاسْتِقْرارُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ قَبْلَهُ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ وهي ﴿هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يُوَصَفُ ولا تَهْتَدِي العُقُولُ إلى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ إلى الفَضْلِ الكَبِيرِ أيْ: يُبَشِّرُهم بِهِ. ثُمَّ وصَفَ العِبادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَهَؤُلاءِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وتَرْكِ ما نَهى عَنْهُ هُمُ المُبَشَّرُونَ بِتِلْكَ البِشارَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَشِّرُ مُشَدَّدًا مِن بَشَّرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ. وقَرَأ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الشِّينِ بَعْضُ السَّبْعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ القِراءاتِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أخْبَرَ بِهِ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن هَذِهِ الأحْكامِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْها كِتابُهُ أمَرَهُ بِأنَّهُ يُخْبِرُهم بِأنَّهُ لا يَطْلُبُ مِنهم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ ثَوابًا مِنهم فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: لا أطْلُبُ مِنكم عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ جُعْلًا ولا نَفْعًا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي بَيْنَكم أوْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا. قالَ الزَّجّاجُ: إلّا المَوَدَّةَ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي فَتَحْفَظُونِي، والخِطابُ لِقُرَيْشٍ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ وأبِي مالِكٍ والشَّعْبِيِّ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الِانْقِطاعِ: لا أسْألُكم أجْرًا قَطُّ، ولَكِنْ أسْألُكُمُ المَوَدَّةَ في القُرْبى الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم، ارْقُبُونِي فِيها ولا تُعَجِّلُوا إلَيَّ ودَعَوْنِي والنّاسَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم، وهو الثّابِتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما سَيَأْتِي. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ: هم آلُ مُحَمَّدٍ، وسَيَأْتِي ما اسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُونَ بِهَذا. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ: إلّا التَّوَدُّدَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّقَرُّبَ بِطاعَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، وإنَّما نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِمَوَدَّتِهِ، فَلَمّا هاجَرَ أوَتْهُ الأنْصارُ ونَصَرُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] . وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يَتَّضِحُ بِهِ الثَّوابُ ويَظْهَرُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أصْلُ القَرْفِ الكَسْبُ، يُقالُ: فُلانٌ يَقْرِفُ لِعِيالِهِ أيْ: يَكْتَسِبُ، والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ قِرْفَةٌ: إذا كانَ مُحْتالًا. والمَعْنى: مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ هَذِهِ الحَسَنَةَ حُسْنًا بِمُضاعَفَةِ ثَوابِها. قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً واحِدَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا نُضاعِفْها بِالواحِدَةِ عَشْرًا فَصاعِدًا. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ هي المَوَدَّةُ في القُرْبى، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ المَوَدَّةُ في القُرْبى دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِلْمُذْنِبِينَ كَثِيرُ الشُّكْرِ لِلْمُطِيعِينَ. قالَ قَتادَةُ: غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ شَكُورٌ لِلْحَسَناتِ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى مُحَمَّدٌ عَلى اللَّهِ كَذِبًا بِدَعْوى النُّبُوَّةِ، والإنْكارُ لِلتَّوْبِيخِ. ومَعْنى افْتِراءِ الكَذِبِ: اخْتِلاقُهُ. ثُمَّ أجابَ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ أيْ: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَشاءَ عَدَمَ صُدُورِهِ مِنهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ مِمّا كَذَبَ فِيهِ كَما تَزْعُمُونَ. قالَ قَتادَةُ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ القُرْآنَ. فَأخْبَرَهم أنَّهُ لَوِ افْتَرى عَلَيْهِ لَفَعَلَ بِهِ ما أخْبَرَهم بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنْ يَشَأْ يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَدْخُلَ قَلْبَكَ مَشَقَّةٌ مِن قَوْلِهِمْ. وقِيلَ: الخِطِابُ لَهُ، والمُرادُ الكُفّارُ أيْ: إنْ يَشَأْ يَخْتِمْ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ ويُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ. وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ أنْ تَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى الكَذِبِ إلّا مَن كانَ مَطْبُوعًا عَلى قَلْبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الِافْتِراءِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ تامٌّ، يَعْنِي وما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ تامٌّ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ احْتِجاجٌ عَلى مَن أنْكَرَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: لَوْ كانَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - باطِلًا لَمَحاهُ كَما جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ في المُفْتَرِينَ ﴿ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ أيِ: الإسْلامَ فَيُبَيِّنُهُ بِكَلِماتِهِ أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ عالِمٌ بِما في قُلُوبِ العِبادِ، وقَدْ سَقَطَتِ الواوُ مِن ويَمْحُو في بَعْضِ المَصاحِفِ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ أيْ: يَقْبَلُ مِنَ المُذْنِبِينَ مِن عِبادِهِ تَوْبَتَهم إلَيْهِ مِمّا عَمِلُوا مِنَ المَعاصِي واقْتَرَفُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، والتَّوْبَةُ النَّدَمُ عَلى المَعْصِيَةِ والعَزْمُ عَلى عَدَمِ المُعاوَدَةِ لَها. وقِيلَ: يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ أوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ مِن جَمِيعِ العِبادِ مُسْلِمِهِمْ (p-١٣٢٨)وكافِرِهِمْ إذا كانَتْ صَحِيحَةً صادِرَةً عَنْ خُلُوصِ نِيَّةٍ وعَزِيمَةٍ صَحِيحَةٍ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَلى العُمُومِ لِمَن تابَ عَنْ سَيِّئَتِهِ ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ تَفْعَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ وقَعَ بَيْنَ خَبَرَيْنِ. ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ: يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِلَّذِينِ آمَنُوا ويُعْطِيهِمْ ما طَلَبُوهُ مِنهُ، يُقالُ: أجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنًى. وقِيلَ: المَعْنى يَقْبَلُ عِبادَةَ المُخْلِصِينَ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ويَسْتَجِيبُ لَهم، فَحُذِفَ اللّامُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أيْ: كالُوا لَهم، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: يُجِيبُونَ رَبَّهم إذا دَعاهم كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] قالَ المُبَرِّدُ: مَعْنى ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ، هَكَذا حَقِيقَةُ مَعْنى اسْتَفْعَلَ، فالَّذِينَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ مِنهُ، أوْ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ تَفَضُّلًا مِنهُ، وقِيلَ: يُشَفِّعُهم في إخْوانِهِمْ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ هَذا لِلْكافِرِينَ مُقابِلًا ما ذَكَرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما قَبْلَهُ. ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: لَوْ وسَّعَ اللَّهُ لَهم رِزْقَهم لَبَغَوْا في الأرْضِ، لَعَصَوْا فِيها وبَطَرُوا النِّعْمَةَ وتَكَبَّرُوا وطَلَبُوا ما لَيْسَ لَهم طَلَبُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ جَعَلَهم سَواءً في الرِّزْقِ لَما انْقادَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ولَتَعَطَّلَتِ الصَّنائِعُ، والأوَّلُ أوْلى. والظّاهِرُ عُمُومُ أنْواعِ الرِّزْقِ، وقِيلَ: هو المَطَرُ خاصَّةً ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُنَزِّلُ مِنَ الرِّزْقِ لِعِبادِهِ بِتَقْدِيرٍ عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ وما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ بَصِيرٌ بِما يُصْلِحُهم مِن تَوْسِيعِ الرِّزْقِ وتَضْيِيقِهِ، فَيُقَدِّرُ لِكُلِّ أحَدٍ مِنهم ما يُصْلِحُهُ ويَكُفُّهُ عَنِ الفَسادِ بِالبَغْيِ في الأرْضِ. ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ أيِ: المَطَرَ الَّذِي هو أنْفَعُ أنْواعِ الرِّزْقِ وأعَمُّها فائِدَةً وأكْثَرُها مَصْلَحَةً ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما أيِسُوا عَنْ ذَلِكَ فَيَعْرِفُونَ بِهَذا الإنْزالِ لِلْمَطَرِ بَعْدَ القُنُوطِ مِقْدارَ رَحْمَتِهِ لَهم، ويَشْكُرُونَ لَهُ ما يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْهِ ﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ وجَلْبِ المَنافِعِ لَهم، ودَفْعِ الشُّرُورِ عَنْهُمُ الحَمِيدُ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ مِنهم عَلى إنْعامِهِ خُصُوصًا وعُمُومًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ قالَ: عَيْشَ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ الآيَةَ. قالَ: مَن يُؤْثِرُ دُنْياهُ عَلى آخِرَتِهِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نَصِيبًا في الآخِرَةِ إلّا النّارَ، ولَمْ يَزْدَدْ بِذَلِكَ مِنَ الدُّنْيا شَيْئًا إلّا رِزْقًا فُرِغَ مِنهُ وقُسِمَ لَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ حِبّانَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّناءِ والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ ما لَمْ يَطْلُبُوا الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، فَمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: قالَ «تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: " يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبادَتِي أمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وأسُدَّ فَقْرَكَ، وإنْ لا تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا ولَمْ أسُدَّ فَقْرَكَ "» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الحَرْثُ حَرْثِانِ، فَحَرْثُ الدُّنْيا المالُ والبَنُونَ، وحَرْثُ الآخِرَةِ الباقِياتُ الصّالِحاتُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبى آلِ مُحَمَّدٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَجِلْتُ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا كانَ لَهُ فِيهِمْ قَرابَةٌ، فَقالَ: إلّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ القَرابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ قالَ: قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في نَفْسِي لِقَرابَتِي وتَحْفَظُوا القَرابَةَ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ واسِطَ النَّسَبِ في قُرَيْشٍ لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا ولَهُ فِيهِ قَرابَةٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم وتَحْفَظُونِي بِها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرابَةٌ مِن جَمِيعِ قُرَيْشٍ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وأبَوْا أنْ يُبايِعُوهُ قالَ: يا قَوْمِ إذا أبَيْتُمْ أنْ تُبايِعُونِي فاحْفَظُوا قَرابَتِي مِنكم، ولا يَكُونُ غَيْرُكم مِنَ العَرَبِ أوْلى بِحِفْظِي ونُصْرَتِي مِنكم»، وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَتِ الأنْصارُ فَعَلْنا وفَعَلْنا وكَأنَّهم فَخَرُوا، فَقالَ العَبّاسُ: لَنا الفَضْلُ عَلَيْكم، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأتاهم في مَجالِسِهِمْ فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ ألَمْ تَكُونُوا أذِلَّةً فَأعَزَّكُمُ اللَّهُ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: أفَلا تُجِيبُونَ ؟ قالُوا: ما نَقُولُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ألا تَقُولُونَ ألَمْ يُخْرِجْكَ قَوْمُكَ فَآوَيْناكَ ؟ ألَمْ يُكَذِّبُوكَ فَصَدَّقْناكَ ؟ ألَمْ يَخْذُلُوكَ فَنَصَرْناكَ ؟ فَما زالَ يَقُولُ حَتّى جَثَوْا عَلى الرُّكَبِ وقالُوا: أمْوالُنا وما في أيْدِينا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾» وفي (p-١٣٢٩)إسْنادِهِ يَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ، وهو ضَعِيفٌ، والأوْلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ لا مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ أشَرْنا في أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما بَعْدَها مَدَنِيَّةٌ، وهَذا مُتَمَسَّكُهم. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: تَحْفَظُونِي في أهْلِ بَيْتِي وتَوَدُّونَهم بِي» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ قالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَداهُما» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَوَدُّونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ أجْرًا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ إلّا الحِفْظَ لِي في قَرابَتِي فِيكم، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أحَبَّ أنْ يُلْحِقَهُ بِإخْوَتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] يَعْنِي: ثَوابَهُ وكَرامَتَهُ في الآخِرَةِ كَما قالَ نُوحٌ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وكَما قالَ هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ لَمْ يَسْتَثْنُوا أجْرًا كَما اسْتَثْنى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وهي مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ: قُلْ لا أسْألُكم عَلى ما أتَيْتُكم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ تَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ. هَذا حاصِلُ ما رُوِيَ عَنْ حَبْرِ الأُمَّةِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. والمَعْنى الأوَّلُ هو الَّذِي صَحَّ عَنْهُ، ورَواهُ عَنْهُ الجَمْعُ الجَمُّ مِن تَلامِذَتِهِ فَمَن بَعْدَهم، ولا يُنافِيهِ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ النَّسْخِ، فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ نَزَلَ القُرْآنُ في مَكَّةَ بِأنْ يَوَدَّهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِما بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ القُرْبى ويَحْفَظُوهُ بِها، ثُمَّ يُنْسَخُ ذَلِكَ ويَذْهَبُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِن أصْلِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَلى التَّبْلِيغِ أجْرًا عَلى الإطْلاقِ، ولا يَقْوى ما رُوِيَ مِن حَمْلِها عَلى آلِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مُعارَضَةِ ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تِلْكَ الطُّرُقِ الكَثِيرَةِ، وقَدْ أغْنى اللَّهُ آلَ مُحَمَّدٍ عَنْ هَذا بِما لَهم مِنَ الفَضائِلِ الجَلِيلَةِ والمَزايا الجَمِيلَةِ، وقَدْ بَيَّنّا بَعْضَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وكَما لا يَقْوى هَذا عَلى المُعارَضَةِ، فَكَذَلِكَ لا يَقْوى ما رُوِيَ عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِالمَوَدَّةِ في القُرْبى أنْ يَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ يَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ، ولَكِنَّهُ يَشُدُّ مِن عَضُدِ هَذا أنَّهُ تَفْسِيرٌ مَرْفُوعٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ في المُسْنَدِ هَكَذا: حَدَّثَنا حَسَنُ بْنُ مُوسى، حَدَّثَنا قَزَعَةُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ قَزَعَةَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هانِئٍ الخَوْلانِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ حُرَيْثٍ وغَيْرَهُ يَقُولُونَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ الصُّفَّةِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لَوْ أنَّ لَنا، فَتَمَنَّوُا الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.

الشورى 42:22

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: كَثِيرُ اللُّطْفِ بِهِمْ بالِغُ الرَّأْفَةِ لَهم. قالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبارِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا بِمَعاصِيهِمْ. قالَ عِكْرِمَةُ: بارٌّ بِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: رَفِيقٌ بِهِمْ، وقِيلَ: حَفِيٌّ بِهِمْ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَطِيفٌ بِهِمْ في العَرْضِ والمُحاسَبَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. والمَعْنى: أنَّهُ يُجْرِي لُطْفَهُ عَلى عِبادِهِ في كُلِّ أُمُورِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الرِّزْقُ الَّذِي يَعِيشُونَ بِهِ في الدُّنْيا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ مِنهم كَيْفَ يَشاءُ، فَيُوَسِّعُ عَلى هَذا ويُضَيِّقُ عَلى هَذا ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ العَظِيمُ القُوَّةِ الباهِرَةِ القادِرَةِ العَزِيزُ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ الحَرْثُ في اللُّغَةِ: الكَسْبُ، يُقالُ: هو يَحْرُثُ لِعِيالِهِ ويَحْتَرِثُ أيْ: يَكْتَسِبُ. ومِنهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ حارِثًا، وأصْلُ مَعْنى الحَرْثِ: إلْقاءُ البَذْرِ في الأرْضِ، فَأُطْلِقَ عَلى ثَمَراتِ الأعْمالِ وفَوائِدِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ: والمَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الآخِرَةِ يُضاعِفِ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، الحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ يَزِيدُ في تَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ وتَسْهِيلِ سُبُلِ الخَيْرِ لَهُ ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الدُّنْيا وهو مَتاعُها، وما يَرْزُقُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ مِنها نُعْطِهِ مِنها ما قَضَتْ بِهِ مَشِيئَتُنا وقُسِمَ لَهُ في قَضائِنا. قالَ قَتادَةُ: مَعْنى نُؤْتِهِ مِنها: نُقَدِّرْ لَهُ ما قُسِمَ لَهُ كَما قالَ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: إنَّ اللَّهَ يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الآخِرَةِ ما شاءَ مِن أمْرِ الدُّنْيا، ولا يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الدُّنْيا إلّا الدُّنْيا قالَ القُشَيْرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في الكافِرِ، وهو تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذا الَّذِي يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا لا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ لِلْآخِرَةِ فَلا نَصِيبَ لَهُ فِيها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الإسْراءِ. ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - القانُونَ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ ما هو الذَّنْبُ العَظِيمُ المُوجِبُ لِلنّارِ، والهَمْزَةُ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ، وضَمِيرُ شَرَعُوا عائِدٌ إلى الشُّرَكاءِ، وضَمِيرُ لَهم إلى الكُفّارِ، وقِيلَ: العَكْسُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ﴿ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ وهي تَأْخِيرُ عَذابِهِمْ حَيْثُ قالَ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم﴾ [القمر: ٤٦]، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا فَعُوجِلُوا بِالعُقُوبَةِ، والضَّمِيرُ في بَيْنَهم راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، أوْ إلى المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ والمُكَذِّبِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ وإنَّ الظّالِمِينَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ (p-١٣٢٧)مُسْلِمٌ والأعْرَجُ وابْنُ هُرْمُزَ بِفَتْحِها عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ. ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، وذَلِكَ الخَوْفُ والوَجَلُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما كَسَبُوا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ أيْ: وجَزاءُ ما كَسَبُوا واقِعٌ مِنهم نازِلٌ عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الظّالِمِينَ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ رَوْضاتٌ: جَمْعُ رَوْضَةٍ. قالَ أبُو حَيّانَ: اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ، ولُغَةُ هُذَيْلٍ فَتْحُها، والرَّوْضَةُ: المَوْضِعُ النَّزِهُ الكَثِيرُ الخُضْرَةِ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في سُورَةِ الرُّومِ، ورَوْضَةُ الجَنَّةِ: أطْيَبُ مَساكِنِها كَما أنَّها في الدُّنْيا لَأحْسَنُ أمْكِنَتِها ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مِن صُنُوفِ النِّعَمِ وأنْواعِ المُسْتَلَذّاتِ، والعامِلُ في عِنْدَ رَبِّهِمْ يَشاءُونَ، أوِ العامِلُ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ وهو الِاسْتِقْرارُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ قَبْلَهُ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ وهي ﴿هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يُوَصَفُ ولا تَهْتَدِي العُقُولُ إلى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ إلى الفَضْلِ الكَبِيرِ أيْ: يُبَشِّرُهم بِهِ. ثُمَّ وصَفَ العِبادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَهَؤُلاءِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وتَرْكِ ما نَهى عَنْهُ هُمُ المُبَشَّرُونَ بِتِلْكَ البِشارَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَشِّرُ مُشَدَّدًا مِن بَشَّرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ. وقَرَأ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الشِّينِ بَعْضُ السَّبْعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ القِراءاتِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أخْبَرَ بِهِ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن هَذِهِ الأحْكامِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْها كِتابُهُ أمَرَهُ بِأنَّهُ يُخْبِرُهم بِأنَّهُ لا يَطْلُبُ مِنهم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ ثَوابًا مِنهم فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: لا أطْلُبُ مِنكم عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ جُعْلًا ولا نَفْعًا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي بَيْنَكم أوْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا. قالَ الزَّجّاجُ: إلّا المَوَدَّةَ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي فَتَحْفَظُونِي، والخِطابُ لِقُرَيْشٍ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ وأبِي مالِكٍ والشَّعْبِيِّ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الِانْقِطاعِ: لا أسْألُكم أجْرًا قَطُّ، ولَكِنْ أسْألُكُمُ المَوَدَّةَ في القُرْبى الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم، ارْقُبُونِي فِيها ولا تُعَجِّلُوا إلَيَّ ودَعَوْنِي والنّاسَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم، وهو الثّابِتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما سَيَأْتِي. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ: هم آلُ مُحَمَّدٍ، وسَيَأْتِي ما اسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُونَ بِهَذا. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ: إلّا التَّوَدُّدَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّقَرُّبَ بِطاعَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، وإنَّما نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِمَوَدَّتِهِ، فَلَمّا هاجَرَ أوَتْهُ الأنْصارُ ونَصَرُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] . وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يَتَّضِحُ بِهِ الثَّوابُ ويَظْهَرُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أصْلُ القَرْفِ الكَسْبُ، يُقالُ: فُلانٌ يَقْرِفُ لِعِيالِهِ أيْ: يَكْتَسِبُ، والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ قِرْفَةٌ: إذا كانَ مُحْتالًا. والمَعْنى: مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ هَذِهِ الحَسَنَةَ حُسْنًا بِمُضاعَفَةِ ثَوابِها. قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً واحِدَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا نُضاعِفْها بِالواحِدَةِ عَشْرًا فَصاعِدًا. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ هي المَوَدَّةُ في القُرْبى، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ المَوَدَّةُ في القُرْبى دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِلْمُذْنِبِينَ كَثِيرُ الشُّكْرِ لِلْمُطِيعِينَ. قالَ قَتادَةُ: غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ شَكُورٌ لِلْحَسَناتِ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى مُحَمَّدٌ عَلى اللَّهِ كَذِبًا بِدَعْوى النُّبُوَّةِ، والإنْكارُ لِلتَّوْبِيخِ. ومَعْنى افْتِراءِ الكَذِبِ: اخْتِلاقُهُ. ثُمَّ أجابَ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ أيْ: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَشاءَ عَدَمَ صُدُورِهِ مِنهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ مِمّا كَذَبَ فِيهِ كَما تَزْعُمُونَ. قالَ قَتادَةُ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ القُرْآنَ. فَأخْبَرَهم أنَّهُ لَوِ افْتَرى عَلَيْهِ لَفَعَلَ بِهِ ما أخْبَرَهم بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنْ يَشَأْ يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَدْخُلَ قَلْبَكَ مَشَقَّةٌ مِن قَوْلِهِمْ. وقِيلَ: الخِطِابُ لَهُ، والمُرادُ الكُفّارُ أيْ: إنْ يَشَأْ يَخْتِمْ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ ويُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ. وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ أنْ تَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى الكَذِبِ إلّا مَن كانَ مَطْبُوعًا عَلى قَلْبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الِافْتِراءِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ تامٌّ، يَعْنِي وما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ تامٌّ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ احْتِجاجٌ عَلى مَن أنْكَرَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: لَوْ كانَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - باطِلًا لَمَحاهُ كَما جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ في المُفْتَرِينَ ﴿ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ أيِ: الإسْلامَ فَيُبَيِّنُهُ بِكَلِماتِهِ أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ عالِمٌ بِما في قُلُوبِ العِبادِ، وقَدْ سَقَطَتِ الواوُ مِن ويَمْحُو في بَعْضِ المَصاحِفِ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ أيْ: يَقْبَلُ مِنَ المُذْنِبِينَ مِن عِبادِهِ تَوْبَتَهم إلَيْهِ مِمّا عَمِلُوا مِنَ المَعاصِي واقْتَرَفُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، والتَّوْبَةُ النَّدَمُ عَلى المَعْصِيَةِ والعَزْمُ عَلى عَدَمِ المُعاوَدَةِ لَها. وقِيلَ: يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ أوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ مِن جَمِيعِ العِبادِ مُسْلِمِهِمْ (p-١٣٢٨)وكافِرِهِمْ إذا كانَتْ صَحِيحَةً صادِرَةً عَنْ خُلُوصِ نِيَّةٍ وعَزِيمَةٍ صَحِيحَةٍ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَلى العُمُومِ لِمَن تابَ عَنْ سَيِّئَتِهِ ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ تَفْعَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ وقَعَ بَيْنَ خَبَرَيْنِ. ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ: يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِلَّذِينِ آمَنُوا ويُعْطِيهِمْ ما طَلَبُوهُ مِنهُ، يُقالُ: أجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنًى. وقِيلَ: المَعْنى يَقْبَلُ عِبادَةَ المُخْلِصِينَ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ويَسْتَجِيبُ لَهم، فَحُذِفَ اللّامُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أيْ: كالُوا لَهم، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: يُجِيبُونَ رَبَّهم إذا دَعاهم كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] قالَ المُبَرِّدُ: مَعْنى ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ، هَكَذا حَقِيقَةُ مَعْنى اسْتَفْعَلَ، فالَّذِينَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ مِنهُ، أوْ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ تَفَضُّلًا مِنهُ، وقِيلَ: يُشَفِّعُهم في إخْوانِهِمْ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ هَذا لِلْكافِرِينَ مُقابِلًا ما ذَكَرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما قَبْلَهُ. ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: لَوْ وسَّعَ اللَّهُ لَهم رِزْقَهم لَبَغَوْا في الأرْضِ، لَعَصَوْا فِيها وبَطَرُوا النِّعْمَةَ وتَكَبَّرُوا وطَلَبُوا ما لَيْسَ لَهم طَلَبُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ جَعَلَهم سَواءً في الرِّزْقِ لَما انْقادَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ولَتَعَطَّلَتِ الصَّنائِعُ، والأوَّلُ أوْلى. والظّاهِرُ عُمُومُ أنْواعِ الرِّزْقِ، وقِيلَ: هو المَطَرُ خاصَّةً ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُنَزِّلُ مِنَ الرِّزْقِ لِعِبادِهِ بِتَقْدِيرٍ عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ وما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ بَصِيرٌ بِما يُصْلِحُهم مِن تَوْسِيعِ الرِّزْقِ وتَضْيِيقِهِ، فَيُقَدِّرُ لِكُلِّ أحَدٍ مِنهم ما يُصْلِحُهُ ويَكُفُّهُ عَنِ الفَسادِ بِالبَغْيِ في الأرْضِ. ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ أيِ: المَطَرَ الَّذِي هو أنْفَعُ أنْواعِ الرِّزْقِ وأعَمُّها فائِدَةً وأكْثَرُها مَصْلَحَةً ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما أيِسُوا عَنْ ذَلِكَ فَيَعْرِفُونَ بِهَذا الإنْزالِ لِلْمَطَرِ بَعْدَ القُنُوطِ مِقْدارَ رَحْمَتِهِ لَهم، ويَشْكُرُونَ لَهُ ما يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْهِ ﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ وجَلْبِ المَنافِعِ لَهم، ودَفْعِ الشُّرُورِ عَنْهُمُ الحَمِيدُ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ مِنهم عَلى إنْعامِهِ خُصُوصًا وعُمُومًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ قالَ: عَيْشَ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ الآيَةَ. قالَ: مَن يُؤْثِرُ دُنْياهُ عَلى آخِرَتِهِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نَصِيبًا في الآخِرَةِ إلّا النّارَ، ولَمْ يَزْدَدْ بِذَلِكَ مِنَ الدُّنْيا شَيْئًا إلّا رِزْقًا فُرِغَ مِنهُ وقُسِمَ لَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ حِبّانَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّناءِ والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ ما لَمْ يَطْلُبُوا الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، فَمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: قالَ «تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: " يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبادَتِي أمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وأسُدَّ فَقْرَكَ، وإنْ لا تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا ولَمْ أسُدَّ فَقْرَكَ "» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الحَرْثُ حَرْثِانِ، فَحَرْثُ الدُّنْيا المالُ والبَنُونَ، وحَرْثُ الآخِرَةِ الباقِياتُ الصّالِحاتُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبى آلِ مُحَمَّدٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَجِلْتُ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا كانَ لَهُ فِيهِمْ قَرابَةٌ، فَقالَ: إلّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ القَرابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ قالَ: قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في نَفْسِي لِقَرابَتِي وتَحْفَظُوا القَرابَةَ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ واسِطَ النَّسَبِ في قُرَيْشٍ لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا ولَهُ فِيهِ قَرابَةٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم وتَحْفَظُونِي بِها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرابَةٌ مِن جَمِيعِ قُرَيْشٍ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وأبَوْا أنْ يُبايِعُوهُ قالَ: يا قَوْمِ إذا أبَيْتُمْ أنْ تُبايِعُونِي فاحْفَظُوا قَرابَتِي مِنكم، ولا يَكُونُ غَيْرُكم مِنَ العَرَبِ أوْلى بِحِفْظِي ونُصْرَتِي مِنكم»، وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَتِ الأنْصارُ فَعَلْنا وفَعَلْنا وكَأنَّهم فَخَرُوا، فَقالَ العَبّاسُ: لَنا الفَضْلُ عَلَيْكم، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأتاهم في مَجالِسِهِمْ فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ ألَمْ تَكُونُوا أذِلَّةً فَأعَزَّكُمُ اللَّهُ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: أفَلا تُجِيبُونَ ؟ قالُوا: ما نَقُولُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ألا تَقُولُونَ ألَمْ يُخْرِجْكَ قَوْمُكَ فَآوَيْناكَ ؟ ألَمْ يُكَذِّبُوكَ فَصَدَّقْناكَ ؟ ألَمْ يَخْذُلُوكَ فَنَصَرْناكَ ؟ فَما زالَ يَقُولُ حَتّى جَثَوْا عَلى الرُّكَبِ وقالُوا: أمْوالُنا وما في أيْدِينا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾» وفي (p-١٣٢٩)إسْنادِهِ يَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ، وهو ضَعِيفٌ، والأوْلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ لا مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ أشَرْنا في أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما بَعْدَها مَدَنِيَّةٌ، وهَذا مُتَمَسَّكُهم. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: تَحْفَظُونِي في أهْلِ بَيْتِي وتَوَدُّونَهم بِي» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ قالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَداهُما» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَوَدُّونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ أجْرًا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ إلّا الحِفْظَ لِي في قَرابَتِي فِيكم، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أحَبَّ أنْ يُلْحِقَهُ بِإخْوَتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] يَعْنِي: ثَوابَهُ وكَرامَتَهُ في الآخِرَةِ كَما قالَ نُوحٌ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وكَما قالَ هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ لَمْ يَسْتَثْنُوا أجْرًا كَما اسْتَثْنى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وهي مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ: قُلْ لا أسْألُكم عَلى ما أتَيْتُكم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ تَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ. هَذا حاصِلُ ما رُوِيَ عَنْ حَبْرِ الأُمَّةِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. والمَعْنى الأوَّلُ هو الَّذِي صَحَّ عَنْهُ، ورَواهُ عَنْهُ الجَمْعُ الجَمُّ مِن تَلامِذَتِهِ فَمَن بَعْدَهم، ولا يُنافِيهِ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ النَّسْخِ، فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ نَزَلَ القُرْآنُ في مَكَّةَ بِأنْ يَوَدَّهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِما بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ القُرْبى ويَحْفَظُوهُ بِها، ثُمَّ يُنْسَخُ ذَلِكَ ويَذْهَبُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِن أصْلِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَلى التَّبْلِيغِ أجْرًا عَلى الإطْلاقِ، ولا يَقْوى ما رُوِيَ مِن حَمْلِها عَلى آلِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مُعارَضَةِ ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تِلْكَ الطُّرُقِ الكَثِيرَةِ، وقَدْ أغْنى اللَّهُ آلَ مُحَمَّدٍ عَنْ هَذا بِما لَهم مِنَ الفَضائِلِ الجَلِيلَةِ والمَزايا الجَمِيلَةِ، وقَدْ بَيَّنّا بَعْضَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وكَما لا يَقْوى هَذا عَلى المُعارَضَةِ، فَكَذَلِكَ لا يَقْوى ما رُوِيَ عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِالمَوَدَّةِ في القُرْبى أنْ يَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ يَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ، ولَكِنَّهُ يَشُدُّ مِن عَضُدِ هَذا أنَّهُ تَفْسِيرٌ مَرْفُوعٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ في المُسْنَدِ هَكَذا: حَدَّثَنا حَسَنُ بْنُ مُوسى، حَدَّثَنا قَزَعَةُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ قَزَعَةَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هانِئٍ الخَوْلانِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ حُرَيْثٍ وغَيْرَهُ يَقُولُونَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ الصُّفَّةِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لَوْ أنَّ لَنا، فَتَمَنَّوُا الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.

الشورى 42:23

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: كَثِيرُ اللُّطْفِ بِهِمْ بالِغُ الرَّأْفَةِ لَهم. قالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبارِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا بِمَعاصِيهِمْ. قالَ عِكْرِمَةُ: بارٌّ بِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: رَفِيقٌ بِهِمْ، وقِيلَ: حَفِيٌّ بِهِمْ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَطِيفٌ بِهِمْ في العَرْضِ والمُحاسَبَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. والمَعْنى: أنَّهُ يُجْرِي لُطْفَهُ عَلى عِبادِهِ في كُلِّ أُمُورِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الرِّزْقُ الَّذِي يَعِيشُونَ بِهِ في الدُّنْيا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ مِنهم كَيْفَ يَشاءُ، فَيُوَسِّعُ عَلى هَذا ويُضَيِّقُ عَلى هَذا ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ العَظِيمُ القُوَّةِ الباهِرَةِ القادِرَةِ العَزِيزُ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ الحَرْثُ في اللُّغَةِ: الكَسْبُ، يُقالُ: هو يَحْرُثُ لِعِيالِهِ ويَحْتَرِثُ أيْ: يَكْتَسِبُ. ومِنهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ حارِثًا، وأصْلُ مَعْنى الحَرْثِ: إلْقاءُ البَذْرِ في الأرْضِ، فَأُطْلِقَ عَلى ثَمَراتِ الأعْمالِ وفَوائِدِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ: والمَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الآخِرَةِ يُضاعِفِ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، الحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ يَزِيدُ في تَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ وتَسْهِيلِ سُبُلِ الخَيْرِ لَهُ ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الدُّنْيا وهو مَتاعُها، وما يَرْزُقُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ مِنها نُعْطِهِ مِنها ما قَضَتْ بِهِ مَشِيئَتُنا وقُسِمَ لَهُ في قَضائِنا. قالَ قَتادَةُ: مَعْنى نُؤْتِهِ مِنها: نُقَدِّرْ لَهُ ما قُسِمَ لَهُ كَما قالَ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: إنَّ اللَّهَ يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الآخِرَةِ ما شاءَ مِن أمْرِ الدُّنْيا، ولا يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الدُّنْيا إلّا الدُّنْيا قالَ القُشَيْرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في الكافِرِ، وهو تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذا الَّذِي يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا لا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ لِلْآخِرَةِ فَلا نَصِيبَ لَهُ فِيها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الإسْراءِ. ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - القانُونَ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ ما هو الذَّنْبُ العَظِيمُ المُوجِبُ لِلنّارِ، والهَمْزَةُ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ، وضَمِيرُ شَرَعُوا عائِدٌ إلى الشُّرَكاءِ، وضَمِيرُ لَهم إلى الكُفّارِ، وقِيلَ: العَكْسُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ﴿ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ وهي تَأْخِيرُ عَذابِهِمْ حَيْثُ قالَ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم﴾ [القمر: ٤٦]، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا فَعُوجِلُوا بِالعُقُوبَةِ، والضَّمِيرُ في بَيْنَهم راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، أوْ إلى المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ والمُكَذِّبِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ وإنَّ الظّالِمِينَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ (p-١٣٢٧)مُسْلِمٌ والأعْرَجُ وابْنُ هُرْمُزَ بِفَتْحِها عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ. ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، وذَلِكَ الخَوْفُ والوَجَلُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما كَسَبُوا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ أيْ: وجَزاءُ ما كَسَبُوا واقِعٌ مِنهم نازِلٌ عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الظّالِمِينَ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ رَوْضاتٌ: جَمْعُ رَوْضَةٍ. قالَ أبُو حَيّانَ: اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ، ولُغَةُ هُذَيْلٍ فَتْحُها، والرَّوْضَةُ: المَوْضِعُ النَّزِهُ الكَثِيرُ الخُضْرَةِ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في سُورَةِ الرُّومِ، ورَوْضَةُ الجَنَّةِ: أطْيَبُ مَساكِنِها كَما أنَّها في الدُّنْيا لَأحْسَنُ أمْكِنَتِها ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مِن صُنُوفِ النِّعَمِ وأنْواعِ المُسْتَلَذّاتِ، والعامِلُ في عِنْدَ رَبِّهِمْ يَشاءُونَ، أوِ العامِلُ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ وهو الِاسْتِقْرارُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ قَبْلَهُ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ وهي ﴿هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يُوَصَفُ ولا تَهْتَدِي العُقُولُ إلى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ إلى الفَضْلِ الكَبِيرِ أيْ: يُبَشِّرُهم بِهِ. ثُمَّ وصَفَ العِبادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَهَؤُلاءِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وتَرْكِ ما نَهى عَنْهُ هُمُ المُبَشَّرُونَ بِتِلْكَ البِشارَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَشِّرُ مُشَدَّدًا مِن بَشَّرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ. وقَرَأ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الشِّينِ بَعْضُ السَّبْعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ القِراءاتِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أخْبَرَ بِهِ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن هَذِهِ الأحْكامِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْها كِتابُهُ أمَرَهُ بِأنَّهُ يُخْبِرُهم بِأنَّهُ لا يَطْلُبُ مِنهم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ ثَوابًا مِنهم فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: لا أطْلُبُ مِنكم عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ جُعْلًا ولا نَفْعًا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي بَيْنَكم أوْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا. قالَ الزَّجّاجُ: إلّا المَوَدَّةَ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي فَتَحْفَظُونِي، والخِطابُ لِقُرَيْشٍ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ وأبِي مالِكٍ والشَّعْبِيِّ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الِانْقِطاعِ: لا أسْألُكم أجْرًا قَطُّ، ولَكِنْ أسْألُكُمُ المَوَدَّةَ في القُرْبى الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم، ارْقُبُونِي فِيها ولا تُعَجِّلُوا إلَيَّ ودَعَوْنِي والنّاسَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم، وهو الثّابِتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما سَيَأْتِي. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ: هم آلُ مُحَمَّدٍ، وسَيَأْتِي ما اسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُونَ بِهَذا. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ: إلّا التَّوَدُّدَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّقَرُّبَ بِطاعَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، وإنَّما نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِمَوَدَّتِهِ، فَلَمّا هاجَرَ أوَتْهُ الأنْصارُ ونَصَرُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] . وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يَتَّضِحُ بِهِ الثَّوابُ ويَظْهَرُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أصْلُ القَرْفِ الكَسْبُ، يُقالُ: فُلانٌ يَقْرِفُ لِعِيالِهِ أيْ: يَكْتَسِبُ، والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ قِرْفَةٌ: إذا كانَ مُحْتالًا. والمَعْنى: مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ هَذِهِ الحَسَنَةَ حُسْنًا بِمُضاعَفَةِ ثَوابِها. قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً واحِدَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا نُضاعِفْها بِالواحِدَةِ عَشْرًا فَصاعِدًا. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ هي المَوَدَّةُ في القُرْبى، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ المَوَدَّةُ في القُرْبى دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِلْمُذْنِبِينَ كَثِيرُ الشُّكْرِ لِلْمُطِيعِينَ. قالَ قَتادَةُ: غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ شَكُورٌ لِلْحَسَناتِ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى مُحَمَّدٌ عَلى اللَّهِ كَذِبًا بِدَعْوى النُّبُوَّةِ، والإنْكارُ لِلتَّوْبِيخِ. ومَعْنى افْتِراءِ الكَذِبِ: اخْتِلاقُهُ. ثُمَّ أجابَ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ أيْ: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَشاءَ عَدَمَ صُدُورِهِ مِنهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ مِمّا كَذَبَ فِيهِ كَما تَزْعُمُونَ. قالَ قَتادَةُ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ القُرْآنَ. فَأخْبَرَهم أنَّهُ لَوِ افْتَرى عَلَيْهِ لَفَعَلَ بِهِ ما أخْبَرَهم بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنْ يَشَأْ يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَدْخُلَ قَلْبَكَ مَشَقَّةٌ مِن قَوْلِهِمْ. وقِيلَ: الخِطِابُ لَهُ، والمُرادُ الكُفّارُ أيْ: إنْ يَشَأْ يَخْتِمْ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ ويُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ. وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ أنْ تَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى الكَذِبِ إلّا مَن كانَ مَطْبُوعًا عَلى قَلْبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الِافْتِراءِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ تامٌّ، يَعْنِي وما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ تامٌّ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ احْتِجاجٌ عَلى مَن أنْكَرَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: لَوْ كانَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - باطِلًا لَمَحاهُ كَما جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ في المُفْتَرِينَ ﴿ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ أيِ: الإسْلامَ فَيُبَيِّنُهُ بِكَلِماتِهِ أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ عالِمٌ بِما في قُلُوبِ العِبادِ، وقَدْ سَقَطَتِ الواوُ مِن ويَمْحُو في بَعْضِ المَصاحِفِ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ أيْ: يَقْبَلُ مِنَ المُذْنِبِينَ مِن عِبادِهِ تَوْبَتَهم إلَيْهِ مِمّا عَمِلُوا مِنَ المَعاصِي واقْتَرَفُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، والتَّوْبَةُ النَّدَمُ عَلى المَعْصِيَةِ والعَزْمُ عَلى عَدَمِ المُعاوَدَةِ لَها. وقِيلَ: يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ أوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ مِن جَمِيعِ العِبادِ مُسْلِمِهِمْ (p-١٣٢٨)وكافِرِهِمْ إذا كانَتْ صَحِيحَةً صادِرَةً عَنْ خُلُوصِ نِيَّةٍ وعَزِيمَةٍ صَحِيحَةٍ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَلى العُمُومِ لِمَن تابَ عَنْ سَيِّئَتِهِ ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ تَفْعَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ وقَعَ بَيْنَ خَبَرَيْنِ. ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ: يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِلَّذِينِ آمَنُوا ويُعْطِيهِمْ ما طَلَبُوهُ مِنهُ، يُقالُ: أجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنًى. وقِيلَ: المَعْنى يَقْبَلُ عِبادَةَ المُخْلِصِينَ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ويَسْتَجِيبُ لَهم، فَحُذِفَ اللّامُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أيْ: كالُوا لَهم، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: يُجِيبُونَ رَبَّهم إذا دَعاهم كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] قالَ المُبَرِّدُ: مَعْنى ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ، هَكَذا حَقِيقَةُ مَعْنى اسْتَفْعَلَ، فالَّذِينَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ مِنهُ، أوْ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ تَفَضُّلًا مِنهُ، وقِيلَ: يُشَفِّعُهم في إخْوانِهِمْ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ هَذا لِلْكافِرِينَ مُقابِلًا ما ذَكَرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما قَبْلَهُ. ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: لَوْ وسَّعَ اللَّهُ لَهم رِزْقَهم لَبَغَوْا في الأرْضِ، لَعَصَوْا فِيها وبَطَرُوا النِّعْمَةَ وتَكَبَّرُوا وطَلَبُوا ما لَيْسَ لَهم طَلَبُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ جَعَلَهم سَواءً في الرِّزْقِ لَما انْقادَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ولَتَعَطَّلَتِ الصَّنائِعُ، والأوَّلُ أوْلى. والظّاهِرُ عُمُومُ أنْواعِ الرِّزْقِ، وقِيلَ: هو المَطَرُ خاصَّةً ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُنَزِّلُ مِنَ الرِّزْقِ لِعِبادِهِ بِتَقْدِيرٍ عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ وما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ بَصِيرٌ بِما يُصْلِحُهم مِن تَوْسِيعِ الرِّزْقِ وتَضْيِيقِهِ، فَيُقَدِّرُ لِكُلِّ أحَدٍ مِنهم ما يُصْلِحُهُ ويَكُفُّهُ عَنِ الفَسادِ بِالبَغْيِ في الأرْضِ. ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ أيِ: المَطَرَ الَّذِي هو أنْفَعُ أنْواعِ الرِّزْقِ وأعَمُّها فائِدَةً وأكْثَرُها مَصْلَحَةً ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما أيِسُوا عَنْ ذَلِكَ فَيَعْرِفُونَ بِهَذا الإنْزالِ لِلْمَطَرِ بَعْدَ القُنُوطِ مِقْدارَ رَحْمَتِهِ لَهم، ويَشْكُرُونَ لَهُ ما يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْهِ ﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ وجَلْبِ المَنافِعِ لَهم، ودَفْعِ الشُّرُورِ عَنْهُمُ الحَمِيدُ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ مِنهم عَلى إنْعامِهِ خُصُوصًا وعُمُومًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ قالَ: عَيْشَ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ الآيَةَ. قالَ: مَن يُؤْثِرُ دُنْياهُ عَلى آخِرَتِهِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نَصِيبًا في الآخِرَةِ إلّا النّارَ، ولَمْ يَزْدَدْ بِذَلِكَ مِنَ الدُّنْيا شَيْئًا إلّا رِزْقًا فُرِغَ مِنهُ وقُسِمَ لَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ حِبّانَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّناءِ والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ ما لَمْ يَطْلُبُوا الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، فَمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: قالَ «تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: " يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبادَتِي أمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وأسُدَّ فَقْرَكَ، وإنْ لا تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا ولَمْ أسُدَّ فَقْرَكَ "» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الحَرْثُ حَرْثِانِ، فَحَرْثُ الدُّنْيا المالُ والبَنُونَ، وحَرْثُ الآخِرَةِ الباقِياتُ الصّالِحاتُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبى آلِ مُحَمَّدٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَجِلْتُ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا كانَ لَهُ فِيهِمْ قَرابَةٌ، فَقالَ: إلّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ القَرابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ قالَ: قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في نَفْسِي لِقَرابَتِي وتَحْفَظُوا القَرابَةَ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ واسِطَ النَّسَبِ في قُرَيْشٍ لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا ولَهُ فِيهِ قَرابَةٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم وتَحْفَظُونِي بِها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرابَةٌ مِن جَمِيعِ قُرَيْشٍ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وأبَوْا أنْ يُبايِعُوهُ قالَ: يا قَوْمِ إذا أبَيْتُمْ أنْ تُبايِعُونِي فاحْفَظُوا قَرابَتِي مِنكم، ولا يَكُونُ غَيْرُكم مِنَ العَرَبِ أوْلى بِحِفْظِي ونُصْرَتِي مِنكم»، وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَتِ الأنْصارُ فَعَلْنا وفَعَلْنا وكَأنَّهم فَخَرُوا، فَقالَ العَبّاسُ: لَنا الفَضْلُ عَلَيْكم، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأتاهم في مَجالِسِهِمْ فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ ألَمْ تَكُونُوا أذِلَّةً فَأعَزَّكُمُ اللَّهُ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: أفَلا تُجِيبُونَ ؟ قالُوا: ما نَقُولُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ألا تَقُولُونَ ألَمْ يُخْرِجْكَ قَوْمُكَ فَآوَيْناكَ ؟ ألَمْ يُكَذِّبُوكَ فَصَدَّقْناكَ ؟ ألَمْ يَخْذُلُوكَ فَنَصَرْناكَ ؟ فَما زالَ يَقُولُ حَتّى جَثَوْا عَلى الرُّكَبِ وقالُوا: أمْوالُنا وما في أيْدِينا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾» وفي (p-١٣٢٩)إسْنادِهِ يَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ، وهو ضَعِيفٌ، والأوْلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ لا مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ أشَرْنا في أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما بَعْدَها مَدَنِيَّةٌ، وهَذا مُتَمَسَّكُهم. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: تَحْفَظُونِي في أهْلِ بَيْتِي وتَوَدُّونَهم بِي» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ قالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَداهُما» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَوَدُّونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ أجْرًا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ إلّا الحِفْظَ لِي في قَرابَتِي فِيكم، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أحَبَّ أنْ يُلْحِقَهُ بِإخْوَتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] يَعْنِي: ثَوابَهُ وكَرامَتَهُ في الآخِرَةِ كَما قالَ نُوحٌ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وكَما قالَ هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ لَمْ يَسْتَثْنُوا أجْرًا كَما اسْتَثْنى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وهي مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ: قُلْ لا أسْألُكم عَلى ما أتَيْتُكم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ تَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ. هَذا حاصِلُ ما رُوِيَ عَنْ حَبْرِ الأُمَّةِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. والمَعْنى الأوَّلُ هو الَّذِي صَحَّ عَنْهُ، ورَواهُ عَنْهُ الجَمْعُ الجَمُّ مِن تَلامِذَتِهِ فَمَن بَعْدَهم، ولا يُنافِيهِ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ النَّسْخِ، فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ نَزَلَ القُرْآنُ في مَكَّةَ بِأنْ يَوَدَّهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِما بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ القُرْبى ويَحْفَظُوهُ بِها، ثُمَّ يُنْسَخُ ذَلِكَ ويَذْهَبُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِن أصْلِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَلى التَّبْلِيغِ أجْرًا عَلى الإطْلاقِ، ولا يَقْوى ما رُوِيَ مِن حَمْلِها عَلى آلِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مُعارَضَةِ ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تِلْكَ الطُّرُقِ الكَثِيرَةِ، وقَدْ أغْنى اللَّهُ آلَ مُحَمَّدٍ عَنْ هَذا بِما لَهم مِنَ الفَضائِلِ الجَلِيلَةِ والمَزايا الجَمِيلَةِ، وقَدْ بَيَّنّا بَعْضَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وكَما لا يَقْوى هَذا عَلى المُعارَضَةِ، فَكَذَلِكَ لا يَقْوى ما رُوِيَ عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِالمَوَدَّةِ في القُرْبى أنْ يَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ يَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ، ولَكِنَّهُ يَشُدُّ مِن عَضُدِ هَذا أنَّهُ تَفْسِيرٌ مَرْفُوعٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ في المُسْنَدِ هَكَذا: حَدَّثَنا حَسَنُ بْنُ مُوسى، حَدَّثَنا قَزَعَةُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ قَزَعَةَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هانِئٍ الخَوْلانِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ حُرَيْثٍ وغَيْرَهُ يَقُولُونَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ الصُّفَّةِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لَوْ أنَّ لَنا، فَتَمَنَّوُا الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.

الشورى 42:24

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: كَثِيرُ اللُّطْفِ بِهِمْ بالِغُ الرَّأْفَةِ لَهم. قالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبارِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا بِمَعاصِيهِمْ. قالَ عِكْرِمَةُ: بارٌّ بِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: رَفِيقٌ بِهِمْ، وقِيلَ: حَفِيٌّ بِهِمْ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَطِيفٌ بِهِمْ في العَرْضِ والمُحاسَبَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. والمَعْنى: أنَّهُ يُجْرِي لُطْفَهُ عَلى عِبادِهِ في كُلِّ أُمُورِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الرِّزْقُ الَّذِي يَعِيشُونَ بِهِ في الدُّنْيا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ مِنهم كَيْفَ يَشاءُ، فَيُوَسِّعُ عَلى هَذا ويُضَيِّقُ عَلى هَذا ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ العَظِيمُ القُوَّةِ الباهِرَةِ القادِرَةِ العَزِيزُ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ الحَرْثُ في اللُّغَةِ: الكَسْبُ، يُقالُ: هو يَحْرُثُ لِعِيالِهِ ويَحْتَرِثُ أيْ: يَكْتَسِبُ. ومِنهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ حارِثًا، وأصْلُ مَعْنى الحَرْثِ: إلْقاءُ البَذْرِ في الأرْضِ، فَأُطْلِقَ عَلى ثَمَراتِ الأعْمالِ وفَوائِدِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ: والمَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الآخِرَةِ يُضاعِفِ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، الحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ يَزِيدُ في تَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ وتَسْهِيلِ سُبُلِ الخَيْرِ لَهُ ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الدُّنْيا وهو مَتاعُها، وما يَرْزُقُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ مِنها نُعْطِهِ مِنها ما قَضَتْ بِهِ مَشِيئَتُنا وقُسِمَ لَهُ في قَضائِنا. قالَ قَتادَةُ: مَعْنى نُؤْتِهِ مِنها: نُقَدِّرْ لَهُ ما قُسِمَ لَهُ كَما قالَ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: إنَّ اللَّهَ يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الآخِرَةِ ما شاءَ مِن أمْرِ الدُّنْيا، ولا يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الدُّنْيا إلّا الدُّنْيا قالَ القُشَيْرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في الكافِرِ، وهو تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذا الَّذِي يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا لا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ لِلْآخِرَةِ فَلا نَصِيبَ لَهُ فِيها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الإسْراءِ. ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - القانُونَ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ ما هو الذَّنْبُ العَظِيمُ المُوجِبُ لِلنّارِ، والهَمْزَةُ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ، وضَمِيرُ شَرَعُوا عائِدٌ إلى الشُّرَكاءِ، وضَمِيرُ لَهم إلى الكُفّارِ، وقِيلَ: العَكْسُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ﴿ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ وهي تَأْخِيرُ عَذابِهِمْ حَيْثُ قالَ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم﴾ [القمر: ٤٦]، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا فَعُوجِلُوا بِالعُقُوبَةِ، والضَّمِيرُ في بَيْنَهم راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، أوْ إلى المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ والمُكَذِّبِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ وإنَّ الظّالِمِينَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ (p-١٣٢٧)مُسْلِمٌ والأعْرَجُ وابْنُ هُرْمُزَ بِفَتْحِها عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ. ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، وذَلِكَ الخَوْفُ والوَجَلُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما كَسَبُوا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ أيْ: وجَزاءُ ما كَسَبُوا واقِعٌ مِنهم نازِلٌ عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الظّالِمِينَ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ رَوْضاتٌ: جَمْعُ رَوْضَةٍ. قالَ أبُو حَيّانَ: اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ، ولُغَةُ هُذَيْلٍ فَتْحُها، والرَّوْضَةُ: المَوْضِعُ النَّزِهُ الكَثِيرُ الخُضْرَةِ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في سُورَةِ الرُّومِ، ورَوْضَةُ الجَنَّةِ: أطْيَبُ مَساكِنِها كَما أنَّها في الدُّنْيا لَأحْسَنُ أمْكِنَتِها ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مِن صُنُوفِ النِّعَمِ وأنْواعِ المُسْتَلَذّاتِ، والعامِلُ في عِنْدَ رَبِّهِمْ يَشاءُونَ، أوِ العامِلُ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ وهو الِاسْتِقْرارُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ قَبْلَهُ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ وهي ﴿هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يُوَصَفُ ولا تَهْتَدِي العُقُولُ إلى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ إلى الفَضْلِ الكَبِيرِ أيْ: يُبَشِّرُهم بِهِ. ثُمَّ وصَفَ العِبادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَهَؤُلاءِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وتَرْكِ ما نَهى عَنْهُ هُمُ المُبَشَّرُونَ بِتِلْكَ البِشارَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَشِّرُ مُشَدَّدًا مِن بَشَّرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ. وقَرَأ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الشِّينِ بَعْضُ السَّبْعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ القِراءاتِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أخْبَرَ بِهِ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن هَذِهِ الأحْكامِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْها كِتابُهُ أمَرَهُ بِأنَّهُ يُخْبِرُهم بِأنَّهُ لا يَطْلُبُ مِنهم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ ثَوابًا مِنهم فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: لا أطْلُبُ مِنكم عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ جُعْلًا ولا نَفْعًا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي بَيْنَكم أوْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا. قالَ الزَّجّاجُ: إلّا المَوَدَّةَ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي فَتَحْفَظُونِي، والخِطابُ لِقُرَيْشٍ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ وأبِي مالِكٍ والشَّعْبِيِّ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الِانْقِطاعِ: لا أسْألُكم أجْرًا قَطُّ، ولَكِنْ أسْألُكُمُ المَوَدَّةَ في القُرْبى الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم، ارْقُبُونِي فِيها ولا تُعَجِّلُوا إلَيَّ ودَعَوْنِي والنّاسَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم، وهو الثّابِتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما سَيَأْتِي. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ: هم آلُ مُحَمَّدٍ، وسَيَأْتِي ما اسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُونَ بِهَذا. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ: إلّا التَّوَدُّدَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّقَرُّبَ بِطاعَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، وإنَّما نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِمَوَدَّتِهِ، فَلَمّا هاجَرَ أوَتْهُ الأنْصارُ ونَصَرُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] . وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يَتَّضِحُ بِهِ الثَّوابُ ويَظْهَرُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أصْلُ القَرْفِ الكَسْبُ، يُقالُ: فُلانٌ يَقْرِفُ لِعِيالِهِ أيْ: يَكْتَسِبُ، والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ قِرْفَةٌ: إذا كانَ مُحْتالًا. والمَعْنى: مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ هَذِهِ الحَسَنَةَ حُسْنًا بِمُضاعَفَةِ ثَوابِها. قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً واحِدَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا نُضاعِفْها بِالواحِدَةِ عَشْرًا فَصاعِدًا. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ هي المَوَدَّةُ في القُرْبى، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ المَوَدَّةُ في القُرْبى دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِلْمُذْنِبِينَ كَثِيرُ الشُّكْرِ لِلْمُطِيعِينَ. قالَ قَتادَةُ: غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ شَكُورٌ لِلْحَسَناتِ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى مُحَمَّدٌ عَلى اللَّهِ كَذِبًا بِدَعْوى النُّبُوَّةِ، والإنْكارُ لِلتَّوْبِيخِ. ومَعْنى افْتِراءِ الكَذِبِ: اخْتِلاقُهُ. ثُمَّ أجابَ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ أيْ: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَشاءَ عَدَمَ صُدُورِهِ مِنهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ مِمّا كَذَبَ فِيهِ كَما تَزْعُمُونَ. قالَ قَتادَةُ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ القُرْآنَ. فَأخْبَرَهم أنَّهُ لَوِ افْتَرى عَلَيْهِ لَفَعَلَ بِهِ ما أخْبَرَهم بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنْ يَشَأْ يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَدْخُلَ قَلْبَكَ مَشَقَّةٌ مِن قَوْلِهِمْ. وقِيلَ: الخِطِابُ لَهُ، والمُرادُ الكُفّارُ أيْ: إنْ يَشَأْ يَخْتِمْ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ ويُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ. وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ أنْ تَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى الكَذِبِ إلّا مَن كانَ مَطْبُوعًا عَلى قَلْبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الِافْتِراءِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ تامٌّ، يَعْنِي وما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ تامٌّ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ احْتِجاجٌ عَلى مَن أنْكَرَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: لَوْ كانَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - باطِلًا لَمَحاهُ كَما جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ في المُفْتَرِينَ ﴿ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ أيِ: الإسْلامَ فَيُبَيِّنُهُ بِكَلِماتِهِ أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ عالِمٌ بِما في قُلُوبِ العِبادِ، وقَدْ سَقَطَتِ الواوُ مِن ويَمْحُو في بَعْضِ المَصاحِفِ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ أيْ: يَقْبَلُ مِنَ المُذْنِبِينَ مِن عِبادِهِ تَوْبَتَهم إلَيْهِ مِمّا عَمِلُوا مِنَ المَعاصِي واقْتَرَفُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، والتَّوْبَةُ النَّدَمُ عَلى المَعْصِيَةِ والعَزْمُ عَلى عَدَمِ المُعاوَدَةِ لَها. وقِيلَ: يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ أوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ مِن جَمِيعِ العِبادِ مُسْلِمِهِمْ (p-١٣٢٨)وكافِرِهِمْ إذا كانَتْ صَحِيحَةً صادِرَةً عَنْ خُلُوصِ نِيَّةٍ وعَزِيمَةٍ صَحِيحَةٍ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَلى العُمُومِ لِمَن تابَ عَنْ سَيِّئَتِهِ ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ تَفْعَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ وقَعَ بَيْنَ خَبَرَيْنِ. ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ: يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِلَّذِينِ آمَنُوا ويُعْطِيهِمْ ما طَلَبُوهُ مِنهُ، يُقالُ: أجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنًى. وقِيلَ: المَعْنى يَقْبَلُ عِبادَةَ المُخْلِصِينَ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ويَسْتَجِيبُ لَهم، فَحُذِفَ اللّامُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أيْ: كالُوا لَهم، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: يُجِيبُونَ رَبَّهم إذا دَعاهم كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] قالَ المُبَرِّدُ: مَعْنى ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ، هَكَذا حَقِيقَةُ مَعْنى اسْتَفْعَلَ، فالَّذِينَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ مِنهُ، أوْ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ تَفَضُّلًا مِنهُ، وقِيلَ: يُشَفِّعُهم في إخْوانِهِمْ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ هَذا لِلْكافِرِينَ مُقابِلًا ما ذَكَرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما قَبْلَهُ. ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: لَوْ وسَّعَ اللَّهُ لَهم رِزْقَهم لَبَغَوْا في الأرْضِ، لَعَصَوْا فِيها وبَطَرُوا النِّعْمَةَ وتَكَبَّرُوا وطَلَبُوا ما لَيْسَ لَهم طَلَبُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ جَعَلَهم سَواءً في الرِّزْقِ لَما انْقادَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ولَتَعَطَّلَتِ الصَّنائِعُ، والأوَّلُ أوْلى. والظّاهِرُ عُمُومُ أنْواعِ الرِّزْقِ، وقِيلَ: هو المَطَرُ خاصَّةً ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُنَزِّلُ مِنَ الرِّزْقِ لِعِبادِهِ بِتَقْدِيرٍ عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ وما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ بَصِيرٌ بِما يُصْلِحُهم مِن تَوْسِيعِ الرِّزْقِ وتَضْيِيقِهِ، فَيُقَدِّرُ لِكُلِّ أحَدٍ مِنهم ما يُصْلِحُهُ ويَكُفُّهُ عَنِ الفَسادِ بِالبَغْيِ في الأرْضِ. ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ أيِ: المَطَرَ الَّذِي هو أنْفَعُ أنْواعِ الرِّزْقِ وأعَمُّها فائِدَةً وأكْثَرُها مَصْلَحَةً ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما أيِسُوا عَنْ ذَلِكَ فَيَعْرِفُونَ بِهَذا الإنْزالِ لِلْمَطَرِ بَعْدَ القُنُوطِ مِقْدارَ رَحْمَتِهِ لَهم، ويَشْكُرُونَ لَهُ ما يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْهِ ﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ وجَلْبِ المَنافِعِ لَهم، ودَفْعِ الشُّرُورِ عَنْهُمُ الحَمِيدُ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ مِنهم عَلى إنْعامِهِ خُصُوصًا وعُمُومًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ قالَ: عَيْشَ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ الآيَةَ. قالَ: مَن يُؤْثِرُ دُنْياهُ عَلى آخِرَتِهِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نَصِيبًا في الآخِرَةِ إلّا النّارَ، ولَمْ يَزْدَدْ بِذَلِكَ مِنَ الدُّنْيا شَيْئًا إلّا رِزْقًا فُرِغَ مِنهُ وقُسِمَ لَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ حِبّانَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّناءِ والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ ما لَمْ يَطْلُبُوا الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، فَمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: قالَ «تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: " يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبادَتِي أمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وأسُدَّ فَقْرَكَ، وإنْ لا تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا ولَمْ أسُدَّ فَقْرَكَ "» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الحَرْثُ حَرْثِانِ، فَحَرْثُ الدُّنْيا المالُ والبَنُونَ، وحَرْثُ الآخِرَةِ الباقِياتُ الصّالِحاتُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبى آلِ مُحَمَّدٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَجِلْتُ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا كانَ لَهُ فِيهِمْ قَرابَةٌ، فَقالَ: إلّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ القَرابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ قالَ: قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في نَفْسِي لِقَرابَتِي وتَحْفَظُوا القَرابَةَ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ واسِطَ النَّسَبِ في قُرَيْشٍ لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا ولَهُ فِيهِ قَرابَةٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم وتَحْفَظُونِي بِها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرابَةٌ مِن جَمِيعِ قُرَيْشٍ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وأبَوْا أنْ يُبايِعُوهُ قالَ: يا قَوْمِ إذا أبَيْتُمْ أنْ تُبايِعُونِي فاحْفَظُوا قَرابَتِي مِنكم، ولا يَكُونُ غَيْرُكم مِنَ العَرَبِ أوْلى بِحِفْظِي ونُصْرَتِي مِنكم»، وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَتِ الأنْصارُ فَعَلْنا وفَعَلْنا وكَأنَّهم فَخَرُوا، فَقالَ العَبّاسُ: لَنا الفَضْلُ عَلَيْكم، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأتاهم في مَجالِسِهِمْ فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ ألَمْ تَكُونُوا أذِلَّةً فَأعَزَّكُمُ اللَّهُ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: أفَلا تُجِيبُونَ ؟ قالُوا: ما نَقُولُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ألا تَقُولُونَ ألَمْ يُخْرِجْكَ قَوْمُكَ فَآوَيْناكَ ؟ ألَمْ يُكَذِّبُوكَ فَصَدَّقْناكَ ؟ ألَمْ يَخْذُلُوكَ فَنَصَرْناكَ ؟ فَما زالَ يَقُولُ حَتّى جَثَوْا عَلى الرُّكَبِ وقالُوا: أمْوالُنا وما في أيْدِينا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾» وفي (p-١٣٢٩)إسْنادِهِ يَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ، وهو ضَعِيفٌ، والأوْلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ لا مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ أشَرْنا في أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما بَعْدَها مَدَنِيَّةٌ، وهَذا مُتَمَسَّكُهم. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: تَحْفَظُونِي في أهْلِ بَيْتِي وتَوَدُّونَهم بِي» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ قالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَداهُما» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَوَدُّونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ أجْرًا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ إلّا الحِفْظَ لِي في قَرابَتِي فِيكم، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أحَبَّ أنْ يُلْحِقَهُ بِإخْوَتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] يَعْنِي: ثَوابَهُ وكَرامَتَهُ في الآخِرَةِ كَما قالَ نُوحٌ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وكَما قالَ هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ لَمْ يَسْتَثْنُوا أجْرًا كَما اسْتَثْنى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وهي مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ: قُلْ لا أسْألُكم عَلى ما أتَيْتُكم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ تَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ. هَذا حاصِلُ ما رُوِيَ عَنْ حَبْرِ الأُمَّةِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. والمَعْنى الأوَّلُ هو الَّذِي صَحَّ عَنْهُ، ورَواهُ عَنْهُ الجَمْعُ الجَمُّ مِن تَلامِذَتِهِ فَمَن بَعْدَهم، ولا يُنافِيهِ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ النَّسْخِ، فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ نَزَلَ القُرْآنُ في مَكَّةَ بِأنْ يَوَدَّهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِما بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ القُرْبى ويَحْفَظُوهُ بِها، ثُمَّ يُنْسَخُ ذَلِكَ ويَذْهَبُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِن أصْلِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَلى التَّبْلِيغِ أجْرًا عَلى الإطْلاقِ، ولا يَقْوى ما رُوِيَ مِن حَمْلِها عَلى آلِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مُعارَضَةِ ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تِلْكَ الطُّرُقِ الكَثِيرَةِ، وقَدْ أغْنى اللَّهُ آلَ مُحَمَّدٍ عَنْ هَذا بِما لَهم مِنَ الفَضائِلِ الجَلِيلَةِ والمَزايا الجَمِيلَةِ، وقَدْ بَيَّنّا بَعْضَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وكَما لا يَقْوى هَذا عَلى المُعارَضَةِ، فَكَذَلِكَ لا يَقْوى ما رُوِيَ عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِالمَوَدَّةِ في القُرْبى أنْ يَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ يَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ، ولَكِنَّهُ يَشُدُّ مِن عَضُدِ هَذا أنَّهُ تَفْسِيرٌ مَرْفُوعٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ في المُسْنَدِ هَكَذا: حَدَّثَنا حَسَنُ بْنُ مُوسى، حَدَّثَنا قَزَعَةُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ قَزَعَةَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هانِئٍ الخَوْلانِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ حُرَيْثٍ وغَيْرَهُ يَقُولُونَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ الصُّفَّةِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لَوْ أنَّ لَنا، فَتَمَنَّوُا الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.

الشورى 42:25

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: كَثِيرُ اللُّطْفِ بِهِمْ بالِغُ الرَّأْفَةِ لَهم. قالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبارِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا بِمَعاصِيهِمْ. قالَ عِكْرِمَةُ: بارٌّ بِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: رَفِيقٌ بِهِمْ، وقِيلَ: حَفِيٌّ بِهِمْ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَطِيفٌ بِهِمْ في العَرْضِ والمُحاسَبَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. والمَعْنى: أنَّهُ يُجْرِي لُطْفَهُ عَلى عِبادِهِ في كُلِّ أُمُورِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الرِّزْقُ الَّذِي يَعِيشُونَ بِهِ في الدُّنْيا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ مِنهم كَيْفَ يَشاءُ، فَيُوَسِّعُ عَلى هَذا ويُضَيِّقُ عَلى هَذا ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ العَظِيمُ القُوَّةِ الباهِرَةِ القادِرَةِ العَزِيزُ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ الحَرْثُ في اللُّغَةِ: الكَسْبُ، يُقالُ: هو يَحْرُثُ لِعِيالِهِ ويَحْتَرِثُ أيْ: يَكْتَسِبُ. ومِنهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ حارِثًا، وأصْلُ مَعْنى الحَرْثِ: إلْقاءُ البَذْرِ في الأرْضِ، فَأُطْلِقَ عَلى ثَمَراتِ الأعْمالِ وفَوائِدِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ: والمَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الآخِرَةِ يُضاعِفِ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، الحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ يَزِيدُ في تَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ وتَسْهِيلِ سُبُلِ الخَيْرِ لَهُ ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الدُّنْيا وهو مَتاعُها، وما يَرْزُقُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ مِنها نُعْطِهِ مِنها ما قَضَتْ بِهِ مَشِيئَتُنا وقُسِمَ لَهُ في قَضائِنا. قالَ قَتادَةُ: مَعْنى نُؤْتِهِ مِنها: نُقَدِّرْ لَهُ ما قُسِمَ لَهُ كَما قالَ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: إنَّ اللَّهَ يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الآخِرَةِ ما شاءَ مِن أمْرِ الدُّنْيا، ولا يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الدُّنْيا إلّا الدُّنْيا قالَ القُشَيْرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في الكافِرِ، وهو تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذا الَّذِي يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا لا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ لِلْآخِرَةِ فَلا نَصِيبَ لَهُ فِيها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الإسْراءِ. ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - القانُونَ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ ما هو الذَّنْبُ العَظِيمُ المُوجِبُ لِلنّارِ، والهَمْزَةُ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ، وضَمِيرُ شَرَعُوا عائِدٌ إلى الشُّرَكاءِ، وضَمِيرُ لَهم إلى الكُفّارِ، وقِيلَ: العَكْسُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ﴿ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ وهي تَأْخِيرُ عَذابِهِمْ حَيْثُ قالَ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم﴾ [القمر: ٤٦]، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا فَعُوجِلُوا بِالعُقُوبَةِ، والضَّمِيرُ في بَيْنَهم راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، أوْ إلى المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ والمُكَذِّبِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ وإنَّ الظّالِمِينَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ (p-١٣٢٧)مُسْلِمٌ والأعْرَجُ وابْنُ هُرْمُزَ بِفَتْحِها عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ. ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، وذَلِكَ الخَوْفُ والوَجَلُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما كَسَبُوا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ أيْ: وجَزاءُ ما كَسَبُوا واقِعٌ مِنهم نازِلٌ عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الظّالِمِينَ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ رَوْضاتٌ: جَمْعُ رَوْضَةٍ. قالَ أبُو حَيّانَ: اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ، ولُغَةُ هُذَيْلٍ فَتْحُها، والرَّوْضَةُ: المَوْضِعُ النَّزِهُ الكَثِيرُ الخُضْرَةِ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في سُورَةِ الرُّومِ، ورَوْضَةُ الجَنَّةِ: أطْيَبُ مَساكِنِها كَما أنَّها في الدُّنْيا لَأحْسَنُ أمْكِنَتِها ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مِن صُنُوفِ النِّعَمِ وأنْواعِ المُسْتَلَذّاتِ، والعامِلُ في عِنْدَ رَبِّهِمْ يَشاءُونَ، أوِ العامِلُ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ وهو الِاسْتِقْرارُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ قَبْلَهُ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ وهي ﴿هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يُوَصَفُ ولا تَهْتَدِي العُقُولُ إلى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ إلى الفَضْلِ الكَبِيرِ أيْ: يُبَشِّرُهم بِهِ. ثُمَّ وصَفَ العِبادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَهَؤُلاءِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وتَرْكِ ما نَهى عَنْهُ هُمُ المُبَشَّرُونَ بِتِلْكَ البِشارَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَشِّرُ مُشَدَّدًا مِن بَشَّرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ. وقَرَأ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الشِّينِ بَعْضُ السَّبْعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ القِراءاتِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أخْبَرَ بِهِ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن هَذِهِ الأحْكامِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْها كِتابُهُ أمَرَهُ بِأنَّهُ يُخْبِرُهم بِأنَّهُ لا يَطْلُبُ مِنهم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ ثَوابًا مِنهم فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: لا أطْلُبُ مِنكم عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ جُعْلًا ولا نَفْعًا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي بَيْنَكم أوْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا. قالَ الزَّجّاجُ: إلّا المَوَدَّةَ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي فَتَحْفَظُونِي، والخِطابُ لِقُرَيْشٍ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ وأبِي مالِكٍ والشَّعْبِيِّ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الِانْقِطاعِ: لا أسْألُكم أجْرًا قَطُّ، ولَكِنْ أسْألُكُمُ المَوَدَّةَ في القُرْبى الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم، ارْقُبُونِي فِيها ولا تُعَجِّلُوا إلَيَّ ودَعَوْنِي والنّاسَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم، وهو الثّابِتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما سَيَأْتِي. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ: هم آلُ مُحَمَّدٍ، وسَيَأْتِي ما اسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُونَ بِهَذا. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ: إلّا التَّوَدُّدَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّقَرُّبَ بِطاعَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، وإنَّما نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِمَوَدَّتِهِ، فَلَمّا هاجَرَ أوَتْهُ الأنْصارُ ونَصَرُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] . وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يَتَّضِحُ بِهِ الثَّوابُ ويَظْهَرُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أصْلُ القَرْفِ الكَسْبُ، يُقالُ: فُلانٌ يَقْرِفُ لِعِيالِهِ أيْ: يَكْتَسِبُ، والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ قِرْفَةٌ: إذا كانَ مُحْتالًا. والمَعْنى: مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ هَذِهِ الحَسَنَةَ حُسْنًا بِمُضاعَفَةِ ثَوابِها. قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً واحِدَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا نُضاعِفْها بِالواحِدَةِ عَشْرًا فَصاعِدًا. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ هي المَوَدَّةُ في القُرْبى، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ المَوَدَّةُ في القُرْبى دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِلْمُذْنِبِينَ كَثِيرُ الشُّكْرِ لِلْمُطِيعِينَ. قالَ قَتادَةُ: غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ شَكُورٌ لِلْحَسَناتِ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى مُحَمَّدٌ عَلى اللَّهِ كَذِبًا بِدَعْوى النُّبُوَّةِ، والإنْكارُ لِلتَّوْبِيخِ. ومَعْنى افْتِراءِ الكَذِبِ: اخْتِلاقُهُ. ثُمَّ أجابَ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ أيْ: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَشاءَ عَدَمَ صُدُورِهِ مِنهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ مِمّا كَذَبَ فِيهِ كَما تَزْعُمُونَ. قالَ قَتادَةُ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ القُرْآنَ. فَأخْبَرَهم أنَّهُ لَوِ افْتَرى عَلَيْهِ لَفَعَلَ بِهِ ما أخْبَرَهم بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنْ يَشَأْ يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَدْخُلَ قَلْبَكَ مَشَقَّةٌ مِن قَوْلِهِمْ. وقِيلَ: الخِطِابُ لَهُ، والمُرادُ الكُفّارُ أيْ: إنْ يَشَأْ يَخْتِمْ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ ويُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ. وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ أنْ تَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى الكَذِبِ إلّا مَن كانَ مَطْبُوعًا عَلى قَلْبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الِافْتِراءِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ تامٌّ، يَعْنِي وما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ تامٌّ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ احْتِجاجٌ عَلى مَن أنْكَرَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: لَوْ كانَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - باطِلًا لَمَحاهُ كَما جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ في المُفْتَرِينَ ﴿ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ أيِ: الإسْلامَ فَيُبَيِّنُهُ بِكَلِماتِهِ أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ عالِمٌ بِما في قُلُوبِ العِبادِ، وقَدْ سَقَطَتِ الواوُ مِن ويَمْحُو في بَعْضِ المَصاحِفِ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ أيْ: يَقْبَلُ مِنَ المُذْنِبِينَ مِن عِبادِهِ تَوْبَتَهم إلَيْهِ مِمّا عَمِلُوا مِنَ المَعاصِي واقْتَرَفُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، والتَّوْبَةُ النَّدَمُ عَلى المَعْصِيَةِ والعَزْمُ عَلى عَدَمِ المُعاوَدَةِ لَها. وقِيلَ: يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ أوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ مِن جَمِيعِ العِبادِ مُسْلِمِهِمْ (p-١٣٢٨)وكافِرِهِمْ إذا كانَتْ صَحِيحَةً صادِرَةً عَنْ خُلُوصِ نِيَّةٍ وعَزِيمَةٍ صَحِيحَةٍ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَلى العُمُومِ لِمَن تابَ عَنْ سَيِّئَتِهِ ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ تَفْعَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ وقَعَ بَيْنَ خَبَرَيْنِ. ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ: يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِلَّذِينِ آمَنُوا ويُعْطِيهِمْ ما طَلَبُوهُ مِنهُ، يُقالُ: أجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنًى. وقِيلَ: المَعْنى يَقْبَلُ عِبادَةَ المُخْلِصِينَ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ويَسْتَجِيبُ لَهم، فَحُذِفَ اللّامُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أيْ: كالُوا لَهم، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: يُجِيبُونَ رَبَّهم إذا دَعاهم كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] قالَ المُبَرِّدُ: مَعْنى ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ، هَكَذا حَقِيقَةُ مَعْنى اسْتَفْعَلَ، فالَّذِينَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ مِنهُ، أوْ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ تَفَضُّلًا مِنهُ، وقِيلَ: يُشَفِّعُهم في إخْوانِهِمْ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ هَذا لِلْكافِرِينَ مُقابِلًا ما ذَكَرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما قَبْلَهُ. ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: لَوْ وسَّعَ اللَّهُ لَهم رِزْقَهم لَبَغَوْا في الأرْضِ، لَعَصَوْا فِيها وبَطَرُوا النِّعْمَةَ وتَكَبَّرُوا وطَلَبُوا ما لَيْسَ لَهم طَلَبُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ جَعَلَهم سَواءً في الرِّزْقِ لَما انْقادَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ولَتَعَطَّلَتِ الصَّنائِعُ، والأوَّلُ أوْلى. والظّاهِرُ عُمُومُ أنْواعِ الرِّزْقِ، وقِيلَ: هو المَطَرُ خاصَّةً ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُنَزِّلُ مِنَ الرِّزْقِ لِعِبادِهِ بِتَقْدِيرٍ عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ وما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ بَصِيرٌ بِما يُصْلِحُهم مِن تَوْسِيعِ الرِّزْقِ وتَضْيِيقِهِ، فَيُقَدِّرُ لِكُلِّ أحَدٍ مِنهم ما يُصْلِحُهُ ويَكُفُّهُ عَنِ الفَسادِ بِالبَغْيِ في الأرْضِ. ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ أيِ: المَطَرَ الَّذِي هو أنْفَعُ أنْواعِ الرِّزْقِ وأعَمُّها فائِدَةً وأكْثَرُها مَصْلَحَةً ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما أيِسُوا عَنْ ذَلِكَ فَيَعْرِفُونَ بِهَذا الإنْزالِ لِلْمَطَرِ بَعْدَ القُنُوطِ مِقْدارَ رَحْمَتِهِ لَهم، ويَشْكُرُونَ لَهُ ما يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْهِ ﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ وجَلْبِ المَنافِعِ لَهم، ودَفْعِ الشُّرُورِ عَنْهُمُ الحَمِيدُ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ مِنهم عَلى إنْعامِهِ خُصُوصًا وعُمُومًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ قالَ: عَيْشَ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ الآيَةَ. قالَ: مَن يُؤْثِرُ دُنْياهُ عَلى آخِرَتِهِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نَصِيبًا في الآخِرَةِ إلّا النّارَ، ولَمْ يَزْدَدْ بِذَلِكَ مِنَ الدُّنْيا شَيْئًا إلّا رِزْقًا فُرِغَ مِنهُ وقُسِمَ لَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ حِبّانَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّناءِ والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ ما لَمْ يَطْلُبُوا الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، فَمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: قالَ «تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: " يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبادَتِي أمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وأسُدَّ فَقْرَكَ، وإنْ لا تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا ولَمْ أسُدَّ فَقْرَكَ "» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الحَرْثُ حَرْثِانِ، فَحَرْثُ الدُّنْيا المالُ والبَنُونَ، وحَرْثُ الآخِرَةِ الباقِياتُ الصّالِحاتُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبى آلِ مُحَمَّدٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَجِلْتُ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا كانَ لَهُ فِيهِمْ قَرابَةٌ، فَقالَ: إلّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ القَرابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ قالَ: قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في نَفْسِي لِقَرابَتِي وتَحْفَظُوا القَرابَةَ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ واسِطَ النَّسَبِ في قُرَيْشٍ لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا ولَهُ فِيهِ قَرابَةٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم وتَحْفَظُونِي بِها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرابَةٌ مِن جَمِيعِ قُرَيْشٍ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وأبَوْا أنْ يُبايِعُوهُ قالَ: يا قَوْمِ إذا أبَيْتُمْ أنْ تُبايِعُونِي فاحْفَظُوا قَرابَتِي مِنكم، ولا يَكُونُ غَيْرُكم مِنَ العَرَبِ أوْلى بِحِفْظِي ونُصْرَتِي مِنكم»، وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَتِ الأنْصارُ فَعَلْنا وفَعَلْنا وكَأنَّهم فَخَرُوا، فَقالَ العَبّاسُ: لَنا الفَضْلُ عَلَيْكم، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأتاهم في مَجالِسِهِمْ فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ ألَمْ تَكُونُوا أذِلَّةً فَأعَزَّكُمُ اللَّهُ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: أفَلا تُجِيبُونَ ؟ قالُوا: ما نَقُولُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ألا تَقُولُونَ ألَمْ يُخْرِجْكَ قَوْمُكَ فَآوَيْناكَ ؟ ألَمْ يُكَذِّبُوكَ فَصَدَّقْناكَ ؟ ألَمْ يَخْذُلُوكَ فَنَصَرْناكَ ؟ فَما زالَ يَقُولُ حَتّى جَثَوْا عَلى الرُّكَبِ وقالُوا: أمْوالُنا وما في أيْدِينا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾» وفي (p-١٣٢٩)إسْنادِهِ يَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ، وهو ضَعِيفٌ، والأوْلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ لا مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ أشَرْنا في أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما بَعْدَها مَدَنِيَّةٌ، وهَذا مُتَمَسَّكُهم. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: تَحْفَظُونِي في أهْلِ بَيْتِي وتَوَدُّونَهم بِي» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ قالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَداهُما» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَوَدُّونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ أجْرًا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ إلّا الحِفْظَ لِي في قَرابَتِي فِيكم، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أحَبَّ أنْ يُلْحِقَهُ بِإخْوَتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] يَعْنِي: ثَوابَهُ وكَرامَتَهُ في الآخِرَةِ كَما قالَ نُوحٌ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وكَما قالَ هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ لَمْ يَسْتَثْنُوا أجْرًا كَما اسْتَثْنى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وهي مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ: قُلْ لا أسْألُكم عَلى ما أتَيْتُكم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ تَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ. هَذا حاصِلُ ما رُوِيَ عَنْ حَبْرِ الأُمَّةِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. والمَعْنى الأوَّلُ هو الَّذِي صَحَّ عَنْهُ، ورَواهُ عَنْهُ الجَمْعُ الجَمُّ مِن تَلامِذَتِهِ فَمَن بَعْدَهم، ولا يُنافِيهِ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ النَّسْخِ، فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ نَزَلَ القُرْآنُ في مَكَّةَ بِأنْ يَوَدَّهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِما بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ القُرْبى ويَحْفَظُوهُ بِها، ثُمَّ يُنْسَخُ ذَلِكَ ويَذْهَبُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِن أصْلِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَلى التَّبْلِيغِ أجْرًا عَلى الإطْلاقِ، ولا يَقْوى ما رُوِيَ مِن حَمْلِها عَلى آلِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مُعارَضَةِ ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تِلْكَ الطُّرُقِ الكَثِيرَةِ، وقَدْ أغْنى اللَّهُ آلَ مُحَمَّدٍ عَنْ هَذا بِما لَهم مِنَ الفَضائِلِ الجَلِيلَةِ والمَزايا الجَمِيلَةِ، وقَدْ بَيَّنّا بَعْضَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وكَما لا يَقْوى هَذا عَلى المُعارَضَةِ، فَكَذَلِكَ لا يَقْوى ما رُوِيَ عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِالمَوَدَّةِ في القُرْبى أنْ يَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ يَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ، ولَكِنَّهُ يَشُدُّ مِن عَضُدِ هَذا أنَّهُ تَفْسِيرٌ مَرْفُوعٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ في المُسْنَدِ هَكَذا: حَدَّثَنا حَسَنُ بْنُ مُوسى، حَدَّثَنا قَزَعَةُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ قَزَعَةَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هانِئٍ الخَوْلانِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ حُرَيْثٍ وغَيْرَهُ يَقُولُونَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ الصُّفَّةِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لَوْ أنَّ لَنا، فَتَمَنَّوُا الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.

الشورى 42:26

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: كَثِيرُ اللُّطْفِ بِهِمْ بالِغُ الرَّأْفَةِ لَهم. قالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبارِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا بِمَعاصِيهِمْ. قالَ عِكْرِمَةُ: بارٌّ بِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: رَفِيقٌ بِهِمْ، وقِيلَ: حَفِيٌّ بِهِمْ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَطِيفٌ بِهِمْ في العَرْضِ والمُحاسَبَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. والمَعْنى: أنَّهُ يُجْرِي لُطْفَهُ عَلى عِبادِهِ في كُلِّ أُمُورِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الرِّزْقُ الَّذِي يَعِيشُونَ بِهِ في الدُّنْيا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ مِنهم كَيْفَ يَشاءُ، فَيُوَسِّعُ عَلى هَذا ويُضَيِّقُ عَلى هَذا ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ العَظِيمُ القُوَّةِ الباهِرَةِ القادِرَةِ العَزِيزُ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ الحَرْثُ في اللُّغَةِ: الكَسْبُ، يُقالُ: هو يَحْرُثُ لِعِيالِهِ ويَحْتَرِثُ أيْ: يَكْتَسِبُ. ومِنهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ حارِثًا، وأصْلُ مَعْنى الحَرْثِ: إلْقاءُ البَذْرِ في الأرْضِ، فَأُطْلِقَ عَلى ثَمَراتِ الأعْمالِ وفَوائِدِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ: والمَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الآخِرَةِ يُضاعِفِ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، الحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ يَزِيدُ في تَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ وتَسْهِيلِ سُبُلِ الخَيْرِ لَهُ ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الدُّنْيا وهو مَتاعُها، وما يَرْزُقُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ مِنها نُعْطِهِ مِنها ما قَضَتْ بِهِ مَشِيئَتُنا وقُسِمَ لَهُ في قَضائِنا. قالَ قَتادَةُ: مَعْنى نُؤْتِهِ مِنها: نُقَدِّرْ لَهُ ما قُسِمَ لَهُ كَما قالَ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: إنَّ اللَّهَ يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الآخِرَةِ ما شاءَ مِن أمْرِ الدُّنْيا، ولا يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الدُّنْيا إلّا الدُّنْيا قالَ القُشَيْرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في الكافِرِ، وهو تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذا الَّذِي يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا لا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ لِلْآخِرَةِ فَلا نَصِيبَ لَهُ فِيها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الإسْراءِ. ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - القانُونَ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ ما هو الذَّنْبُ العَظِيمُ المُوجِبُ لِلنّارِ، والهَمْزَةُ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ، وضَمِيرُ شَرَعُوا عائِدٌ إلى الشُّرَكاءِ، وضَمِيرُ لَهم إلى الكُفّارِ، وقِيلَ: العَكْسُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ﴿ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ وهي تَأْخِيرُ عَذابِهِمْ حَيْثُ قالَ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم﴾ [القمر: ٤٦]، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا فَعُوجِلُوا بِالعُقُوبَةِ، والضَّمِيرُ في بَيْنَهم راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، أوْ إلى المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ والمُكَذِّبِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ وإنَّ الظّالِمِينَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ (p-١٣٢٧)مُسْلِمٌ والأعْرَجُ وابْنُ هُرْمُزَ بِفَتْحِها عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ. ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، وذَلِكَ الخَوْفُ والوَجَلُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما كَسَبُوا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ أيْ: وجَزاءُ ما كَسَبُوا واقِعٌ مِنهم نازِلٌ عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الظّالِمِينَ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ رَوْضاتٌ: جَمْعُ رَوْضَةٍ. قالَ أبُو حَيّانَ: اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ، ولُغَةُ هُذَيْلٍ فَتْحُها، والرَّوْضَةُ: المَوْضِعُ النَّزِهُ الكَثِيرُ الخُضْرَةِ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في سُورَةِ الرُّومِ، ورَوْضَةُ الجَنَّةِ: أطْيَبُ مَساكِنِها كَما أنَّها في الدُّنْيا لَأحْسَنُ أمْكِنَتِها ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مِن صُنُوفِ النِّعَمِ وأنْواعِ المُسْتَلَذّاتِ، والعامِلُ في عِنْدَ رَبِّهِمْ يَشاءُونَ، أوِ العامِلُ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ وهو الِاسْتِقْرارُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ قَبْلَهُ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ وهي ﴿هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يُوَصَفُ ولا تَهْتَدِي العُقُولُ إلى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ إلى الفَضْلِ الكَبِيرِ أيْ: يُبَشِّرُهم بِهِ. ثُمَّ وصَفَ العِبادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَهَؤُلاءِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وتَرْكِ ما نَهى عَنْهُ هُمُ المُبَشَّرُونَ بِتِلْكَ البِشارَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَشِّرُ مُشَدَّدًا مِن بَشَّرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ. وقَرَأ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الشِّينِ بَعْضُ السَّبْعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ القِراءاتِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أخْبَرَ بِهِ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن هَذِهِ الأحْكامِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْها كِتابُهُ أمَرَهُ بِأنَّهُ يُخْبِرُهم بِأنَّهُ لا يَطْلُبُ مِنهم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ ثَوابًا مِنهم فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: لا أطْلُبُ مِنكم عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ جُعْلًا ولا نَفْعًا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي بَيْنَكم أوْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا. قالَ الزَّجّاجُ: إلّا المَوَدَّةَ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي فَتَحْفَظُونِي، والخِطابُ لِقُرَيْشٍ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ وأبِي مالِكٍ والشَّعْبِيِّ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الِانْقِطاعِ: لا أسْألُكم أجْرًا قَطُّ، ولَكِنْ أسْألُكُمُ المَوَدَّةَ في القُرْبى الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم، ارْقُبُونِي فِيها ولا تُعَجِّلُوا إلَيَّ ودَعَوْنِي والنّاسَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم، وهو الثّابِتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما سَيَأْتِي. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ: هم آلُ مُحَمَّدٍ، وسَيَأْتِي ما اسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُونَ بِهَذا. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ: إلّا التَّوَدُّدَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّقَرُّبَ بِطاعَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، وإنَّما نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِمَوَدَّتِهِ، فَلَمّا هاجَرَ أوَتْهُ الأنْصارُ ونَصَرُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] . وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يَتَّضِحُ بِهِ الثَّوابُ ويَظْهَرُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أصْلُ القَرْفِ الكَسْبُ، يُقالُ: فُلانٌ يَقْرِفُ لِعِيالِهِ أيْ: يَكْتَسِبُ، والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ قِرْفَةٌ: إذا كانَ مُحْتالًا. والمَعْنى: مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ هَذِهِ الحَسَنَةَ حُسْنًا بِمُضاعَفَةِ ثَوابِها. قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً واحِدَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا نُضاعِفْها بِالواحِدَةِ عَشْرًا فَصاعِدًا. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ هي المَوَدَّةُ في القُرْبى، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ المَوَدَّةُ في القُرْبى دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِلْمُذْنِبِينَ كَثِيرُ الشُّكْرِ لِلْمُطِيعِينَ. قالَ قَتادَةُ: غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ شَكُورٌ لِلْحَسَناتِ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى مُحَمَّدٌ عَلى اللَّهِ كَذِبًا بِدَعْوى النُّبُوَّةِ، والإنْكارُ لِلتَّوْبِيخِ. ومَعْنى افْتِراءِ الكَذِبِ: اخْتِلاقُهُ. ثُمَّ أجابَ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ أيْ: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَشاءَ عَدَمَ صُدُورِهِ مِنهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ مِمّا كَذَبَ فِيهِ كَما تَزْعُمُونَ. قالَ قَتادَةُ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ القُرْآنَ. فَأخْبَرَهم أنَّهُ لَوِ افْتَرى عَلَيْهِ لَفَعَلَ بِهِ ما أخْبَرَهم بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنْ يَشَأْ يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَدْخُلَ قَلْبَكَ مَشَقَّةٌ مِن قَوْلِهِمْ. وقِيلَ: الخِطِابُ لَهُ، والمُرادُ الكُفّارُ أيْ: إنْ يَشَأْ يَخْتِمْ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ ويُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ. وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ أنْ تَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى الكَذِبِ إلّا مَن كانَ مَطْبُوعًا عَلى قَلْبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الِافْتِراءِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ تامٌّ، يَعْنِي وما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ تامٌّ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ احْتِجاجٌ عَلى مَن أنْكَرَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: لَوْ كانَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - باطِلًا لَمَحاهُ كَما جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ في المُفْتَرِينَ ﴿ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ أيِ: الإسْلامَ فَيُبَيِّنُهُ بِكَلِماتِهِ أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ عالِمٌ بِما في قُلُوبِ العِبادِ، وقَدْ سَقَطَتِ الواوُ مِن ويَمْحُو في بَعْضِ المَصاحِفِ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ أيْ: يَقْبَلُ مِنَ المُذْنِبِينَ مِن عِبادِهِ تَوْبَتَهم إلَيْهِ مِمّا عَمِلُوا مِنَ المَعاصِي واقْتَرَفُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، والتَّوْبَةُ النَّدَمُ عَلى المَعْصِيَةِ والعَزْمُ عَلى عَدَمِ المُعاوَدَةِ لَها. وقِيلَ: يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ أوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ مِن جَمِيعِ العِبادِ مُسْلِمِهِمْ (p-١٣٢٨)وكافِرِهِمْ إذا كانَتْ صَحِيحَةً صادِرَةً عَنْ خُلُوصِ نِيَّةٍ وعَزِيمَةٍ صَحِيحَةٍ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَلى العُمُومِ لِمَن تابَ عَنْ سَيِّئَتِهِ ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ تَفْعَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ وقَعَ بَيْنَ خَبَرَيْنِ. ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ: يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِلَّذِينِ آمَنُوا ويُعْطِيهِمْ ما طَلَبُوهُ مِنهُ، يُقالُ: أجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنًى. وقِيلَ: المَعْنى يَقْبَلُ عِبادَةَ المُخْلِصِينَ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ويَسْتَجِيبُ لَهم، فَحُذِفَ اللّامُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أيْ: كالُوا لَهم، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: يُجِيبُونَ رَبَّهم إذا دَعاهم كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] قالَ المُبَرِّدُ: مَعْنى ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ، هَكَذا حَقِيقَةُ مَعْنى اسْتَفْعَلَ، فالَّذِينَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ مِنهُ، أوْ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ تَفَضُّلًا مِنهُ، وقِيلَ: يُشَفِّعُهم في إخْوانِهِمْ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ هَذا لِلْكافِرِينَ مُقابِلًا ما ذَكَرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما قَبْلَهُ. ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: لَوْ وسَّعَ اللَّهُ لَهم رِزْقَهم لَبَغَوْا في الأرْضِ، لَعَصَوْا فِيها وبَطَرُوا النِّعْمَةَ وتَكَبَّرُوا وطَلَبُوا ما لَيْسَ لَهم طَلَبُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ جَعَلَهم سَواءً في الرِّزْقِ لَما انْقادَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ولَتَعَطَّلَتِ الصَّنائِعُ، والأوَّلُ أوْلى. والظّاهِرُ عُمُومُ أنْواعِ الرِّزْقِ، وقِيلَ: هو المَطَرُ خاصَّةً ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُنَزِّلُ مِنَ الرِّزْقِ لِعِبادِهِ بِتَقْدِيرٍ عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ وما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ بَصِيرٌ بِما يُصْلِحُهم مِن تَوْسِيعِ الرِّزْقِ وتَضْيِيقِهِ، فَيُقَدِّرُ لِكُلِّ أحَدٍ مِنهم ما يُصْلِحُهُ ويَكُفُّهُ عَنِ الفَسادِ بِالبَغْيِ في الأرْضِ. ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ أيِ: المَطَرَ الَّذِي هو أنْفَعُ أنْواعِ الرِّزْقِ وأعَمُّها فائِدَةً وأكْثَرُها مَصْلَحَةً ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما أيِسُوا عَنْ ذَلِكَ فَيَعْرِفُونَ بِهَذا الإنْزالِ لِلْمَطَرِ بَعْدَ القُنُوطِ مِقْدارَ رَحْمَتِهِ لَهم، ويَشْكُرُونَ لَهُ ما يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْهِ ﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ وجَلْبِ المَنافِعِ لَهم، ودَفْعِ الشُّرُورِ عَنْهُمُ الحَمِيدُ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ مِنهم عَلى إنْعامِهِ خُصُوصًا وعُمُومًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ قالَ: عَيْشَ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ الآيَةَ. قالَ: مَن يُؤْثِرُ دُنْياهُ عَلى آخِرَتِهِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نَصِيبًا في الآخِرَةِ إلّا النّارَ، ولَمْ يَزْدَدْ بِذَلِكَ مِنَ الدُّنْيا شَيْئًا إلّا رِزْقًا فُرِغَ مِنهُ وقُسِمَ لَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ حِبّانَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّناءِ والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ ما لَمْ يَطْلُبُوا الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، فَمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: قالَ «تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: " يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبادَتِي أمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وأسُدَّ فَقْرَكَ، وإنْ لا تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا ولَمْ أسُدَّ فَقْرَكَ "» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الحَرْثُ حَرْثِانِ، فَحَرْثُ الدُّنْيا المالُ والبَنُونَ، وحَرْثُ الآخِرَةِ الباقِياتُ الصّالِحاتُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبى آلِ مُحَمَّدٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَجِلْتُ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا كانَ لَهُ فِيهِمْ قَرابَةٌ، فَقالَ: إلّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ القَرابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ قالَ: قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في نَفْسِي لِقَرابَتِي وتَحْفَظُوا القَرابَةَ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ واسِطَ النَّسَبِ في قُرَيْشٍ لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا ولَهُ فِيهِ قَرابَةٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم وتَحْفَظُونِي بِها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرابَةٌ مِن جَمِيعِ قُرَيْشٍ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وأبَوْا أنْ يُبايِعُوهُ قالَ: يا قَوْمِ إذا أبَيْتُمْ أنْ تُبايِعُونِي فاحْفَظُوا قَرابَتِي مِنكم، ولا يَكُونُ غَيْرُكم مِنَ العَرَبِ أوْلى بِحِفْظِي ونُصْرَتِي مِنكم»، وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَتِ الأنْصارُ فَعَلْنا وفَعَلْنا وكَأنَّهم فَخَرُوا، فَقالَ العَبّاسُ: لَنا الفَضْلُ عَلَيْكم، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأتاهم في مَجالِسِهِمْ فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ ألَمْ تَكُونُوا أذِلَّةً فَأعَزَّكُمُ اللَّهُ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: أفَلا تُجِيبُونَ ؟ قالُوا: ما نَقُولُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ألا تَقُولُونَ ألَمْ يُخْرِجْكَ قَوْمُكَ فَآوَيْناكَ ؟ ألَمْ يُكَذِّبُوكَ فَصَدَّقْناكَ ؟ ألَمْ يَخْذُلُوكَ فَنَصَرْناكَ ؟ فَما زالَ يَقُولُ حَتّى جَثَوْا عَلى الرُّكَبِ وقالُوا: أمْوالُنا وما في أيْدِينا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾» وفي (p-١٣٢٩)إسْنادِهِ يَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ، وهو ضَعِيفٌ، والأوْلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ لا مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ أشَرْنا في أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما بَعْدَها مَدَنِيَّةٌ، وهَذا مُتَمَسَّكُهم. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: تَحْفَظُونِي في أهْلِ بَيْتِي وتَوَدُّونَهم بِي» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ قالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَداهُما» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَوَدُّونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ أجْرًا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ إلّا الحِفْظَ لِي في قَرابَتِي فِيكم، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أحَبَّ أنْ يُلْحِقَهُ بِإخْوَتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] يَعْنِي: ثَوابَهُ وكَرامَتَهُ في الآخِرَةِ كَما قالَ نُوحٌ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وكَما قالَ هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ لَمْ يَسْتَثْنُوا أجْرًا كَما اسْتَثْنى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وهي مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ: قُلْ لا أسْألُكم عَلى ما أتَيْتُكم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ تَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ. هَذا حاصِلُ ما رُوِيَ عَنْ حَبْرِ الأُمَّةِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. والمَعْنى الأوَّلُ هو الَّذِي صَحَّ عَنْهُ، ورَواهُ عَنْهُ الجَمْعُ الجَمُّ مِن تَلامِذَتِهِ فَمَن بَعْدَهم، ولا يُنافِيهِ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ النَّسْخِ، فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ نَزَلَ القُرْآنُ في مَكَّةَ بِأنْ يَوَدَّهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِما بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ القُرْبى ويَحْفَظُوهُ بِها، ثُمَّ يُنْسَخُ ذَلِكَ ويَذْهَبُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِن أصْلِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَلى التَّبْلِيغِ أجْرًا عَلى الإطْلاقِ، ولا يَقْوى ما رُوِيَ مِن حَمْلِها عَلى آلِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مُعارَضَةِ ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تِلْكَ الطُّرُقِ الكَثِيرَةِ، وقَدْ أغْنى اللَّهُ آلَ مُحَمَّدٍ عَنْ هَذا بِما لَهم مِنَ الفَضائِلِ الجَلِيلَةِ والمَزايا الجَمِيلَةِ، وقَدْ بَيَّنّا بَعْضَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وكَما لا يَقْوى هَذا عَلى المُعارَضَةِ، فَكَذَلِكَ لا يَقْوى ما رُوِيَ عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِالمَوَدَّةِ في القُرْبى أنْ يَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ يَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ، ولَكِنَّهُ يَشُدُّ مِن عَضُدِ هَذا أنَّهُ تَفْسِيرٌ مَرْفُوعٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ في المُسْنَدِ هَكَذا: حَدَّثَنا حَسَنُ بْنُ مُوسى، حَدَّثَنا قَزَعَةُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ قَزَعَةَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هانِئٍ الخَوْلانِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ حُرَيْثٍ وغَيْرَهُ يَقُولُونَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ الصُّفَّةِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لَوْ أنَّ لَنا، فَتَمَنَّوُا الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.

الشورى 42:27

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: كَثِيرُ اللُّطْفِ بِهِمْ بالِغُ الرَّأْفَةِ لَهم. قالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبارِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا بِمَعاصِيهِمْ. قالَ عِكْرِمَةُ: بارٌّ بِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: رَفِيقٌ بِهِمْ، وقِيلَ: حَفِيٌّ بِهِمْ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَطِيفٌ بِهِمْ في العَرْضِ والمُحاسَبَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. والمَعْنى: أنَّهُ يُجْرِي لُطْفَهُ عَلى عِبادِهِ في كُلِّ أُمُورِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الرِّزْقُ الَّذِي يَعِيشُونَ بِهِ في الدُّنْيا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ مِنهم كَيْفَ يَشاءُ، فَيُوَسِّعُ عَلى هَذا ويُضَيِّقُ عَلى هَذا ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ العَظِيمُ القُوَّةِ الباهِرَةِ القادِرَةِ العَزِيزُ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ الحَرْثُ في اللُّغَةِ: الكَسْبُ، يُقالُ: هو يَحْرُثُ لِعِيالِهِ ويَحْتَرِثُ أيْ: يَكْتَسِبُ. ومِنهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ حارِثًا، وأصْلُ مَعْنى الحَرْثِ: إلْقاءُ البَذْرِ في الأرْضِ، فَأُطْلِقَ عَلى ثَمَراتِ الأعْمالِ وفَوائِدِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ: والمَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الآخِرَةِ يُضاعِفِ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، الحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ يَزِيدُ في تَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ وتَسْهِيلِ سُبُلِ الخَيْرِ لَهُ ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الدُّنْيا وهو مَتاعُها، وما يَرْزُقُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ مِنها نُعْطِهِ مِنها ما قَضَتْ بِهِ مَشِيئَتُنا وقُسِمَ لَهُ في قَضائِنا. قالَ قَتادَةُ: مَعْنى نُؤْتِهِ مِنها: نُقَدِّرْ لَهُ ما قُسِمَ لَهُ كَما قالَ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: إنَّ اللَّهَ يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الآخِرَةِ ما شاءَ مِن أمْرِ الدُّنْيا، ولا يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الدُّنْيا إلّا الدُّنْيا قالَ القُشَيْرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في الكافِرِ، وهو تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذا الَّذِي يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا لا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ لِلْآخِرَةِ فَلا نَصِيبَ لَهُ فِيها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الإسْراءِ. ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - القانُونَ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ ما هو الذَّنْبُ العَظِيمُ المُوجِبُ لِلنّارِ، والهَمْزَةُ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ، وضَمِيرُ شَرَعُوا عائِدٌ إلى الشُّرَكاءِ، وضَمِيرُ لَهم إلى الكُفّارِ، وقِيلَ: العَكْسُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ﴿ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ وهي تَأْخِيرُ عَذابِهِمْ حَيْثُ قالَ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم﴾ [القمر: ٤٦]، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا فَعُوجِلُوا بِالعُقُوبَةِ، والضَّمِيرُ في بَيْنَهم راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، أوْ إلى المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ والمُكَذِّبِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ وإنَّ الظّالِمِينَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ (p-١٣٢٧)مُسْلِمٌ والأعْرَجُ وابْنُ هُرْمُزَ بِفَتْحِها عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ. ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، وذَلِكَ الخَوْفُ والوَجَلُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما كَسَبُوا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ أيْ: وجَزاءُ ما كَسَبُوا واقِعٌ مِنهم نازِلٌ عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الظّالِمِينَ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ رَوْضاتٌ: جَمْعُ رَوْضَةٍ. قالَ أبُو حَيّانَ: اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ، ولُغَةُ هُذَيْلٍ فَتْحُها، والرَّوْضَةُ: المَوْضِعُ النَّزِهُ الكَثِيرُ الخُضْرَةِ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في سُورَةِ الرُّومِ، ورَوْضَةُ الجَنَّةِ: أطْيَبُ مَساكِنِها كَما أنَّها في الدُّنْيا لَأحْسَنُ أمْكِنَتِها ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مِن صُنُوفِ النِّعَمِ وأنْواعِ المُسْتَلَذّاتِ، والعامِلُ في عِنْدَ رَبِّهِمْ يَشاءُونَ، أوِ العامِلُ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ وهو الِاسْتِقْرارُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ قَبْلَهُ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ وهي ﴿هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يُوَصَفُ ولا تَهْتَدِي العُقُولُ إلى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ إلى الفَضْلِ الكَبِيرِ أيْ: يُبَشِّرُهم بِهِ. ثُمَّ وصَفَ العِبادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَهَؤُلاءِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وتَرْكِ ما نَهى عَنْهُ هُمُ المُبَشَّرُونَ بِتِلْكَ البِشارَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَشِّرُ مُشَدَّدًا مِن بَشَّرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ. وقَرَأ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الشِّينِ بَعْضُ السَّبْعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ القِراءاتِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أخْبَرَ بِهِ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن هَذِهِ الأحْكامِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْها كِتابُهُ أمَرَهُ بِأنَّهُ يُخْبِرُهم بِأنَّهُ لا يَطْلُبُ مِنهم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ ثَوابًا مِنهم فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: لا أطْلُبُ مِنكم عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ جُعْلًا ولا نَفْعًا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي بَيْنَكم أوْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا. قالَ الزَّجّاجُ: إلّا المَوَدَّةَ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي فَتَحْفَظُونِي، والخِطابُ لِقُرَيْشٍ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ وأبِي مالِكٍ والشَّعْبِيِّ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الِانْقِطاعِ: لا أسْألُكم أجْرًا قَطُّ، ولَكِنْ أسْألُكُمُ المَوَدَّةَ في القُرْبى الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم، ارْقُبُونِي فِيها ولا تُعَجِّلُوا إلَيَّ ودَعَوْنِي والنّاسَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم، وهو الثّابِتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما سَيَأْتِي. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ: هم آلُ مُحَمَّدٍ، وسَيَأْتِي ما اسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُونَ بِهَذا. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ: إلّا التَّوَدُّدَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّقَرُّبَ بِطاعَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، وإنَّما نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِمَوَدَّتِهِ، فَلَمّا هاجَرَ أوَتْهُ الأنْصارُ ونَصَرُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] . وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يَتَّضِحُ بِهِ الثَّوابُ ويَظْهَرُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أصْلُ القَرْفِ الكَسْبُ، يُقالُ: فُلانٌ يَقْرِفُ لِعِيالِهِ أيْ: يَكْتَسِبُ، والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ قِرْفَةٌ: إذا كانَ مُحْتالًا. والمَعْنى: مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ هَذِهِ الحَسَنَةَ حُسْنًا بِمُضاعَفَةِ ثَوابِها. قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً واحِدَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا نُضاعِفْها بِالواحِدَةِ عَشْرًا فَصاعِدًا. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ هي المَوَدَّةُ في القُرْبى، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ المَوَدَّةُ في القُرْبى دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِلْمُذْنِبِينَ كَثِيرُ الشُّكْرِ لِلْمُطِيعِينَ. قالَ قَتادَةُ: غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ شَكُورٌ لِلْحَسَناتِ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى مُحَمَّدٌ عَلى اللَّهِ كَذِبًا بِدَعْوى النُّبُوَّةِ، والإنْكارُ لِلتَّوْبِيخِ. ومَعْنى افْتِراءِ الكَذِبِ: اخْتِلاقُهُ. ثُمَّ أجابَ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ أيْ: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَشاءَ عَدَمَ صُدُورِهِ مِنهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ مِمّا كَذَبَ فِيهِ كَما تَزْعُمُونَ. قالَ قَتادَةُ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ القُرْآنَ. فَأخْبَرَهم أنَّهُ لَوِ افْتَرى عَلَيْهِ لَفَعَلَ بِهِ ما أخْبَرَهم بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنْ يَشَأْ يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَدْخُلَ قَلْبَكَ مَشَقَّةٌ مِن قَوْلِهِمْ. وقِيلَ: الخِطِابُ لَهُ، والمُرادُ الكُفّارُ أيْ: إنْ يَشَأْ يَخْتِمْ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ ويُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ. وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ أنْ تَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى الكَذِبِ إلّا مَن كانَ مَطْبُوعًا عَلى قَلْبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الِافْتِراءِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ تامٌّ، يَعْنِي وما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ تامٌّ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ احْتِجاجٌ عَلى مَن أنْكَرَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: لَوْ كانَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - باطِلًا لَمَحاهُ كَما جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ في المُفْتَرِينَ ﴿ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ أيِ: الإسْلامَ فَيُبَيِّنُهُ بِكَلِماتِهِ أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ عالِمٌ بِما في قُلُوبِ العِبادِ، وقَدْ سَقَطَتِ الواوُ مِن ويَمْحُو في بَعْضِ المَصاحِفِ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ أيْ: يَقْبَلُ مِنَ المُذْنِبِينَ مِن عِبادِهِ تَوْبَتَهم إلَيْهِ مِمّا عَمِلُوا مِنَ المَعاصِي واقْتَرَفُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، والتَّوْبَةُ النَّدَمُ عَلى المَعْصِيَةِ والعَزْمُ عَلى عَدَمِ المُعاوَدَةِ لَها. وقِيلَ: يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ أوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ مِن جَمِيعِ العِبادِ مُسْلِمِهِمْ (p-١٣٢٨)وكافِرِهِمْ إذا كانَتْ صَحِيحَةً صادِرَةً عَنْ خُلُوصِ نِيَّةٍ وعَزِيمَةٍ صَحِيحَةٍ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَلى العُمُومِ لِمَن تابَ عَنْ سَيِّئَتِهِ ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ تَفْعَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ وقَعَ بَيْنَ خَبَرَيْنِ. ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ: يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِلَّذِينِ آمَنُوا ويُعْطِيهِمْ ما طَلَبُوهُ مِنهُ، يُقالُ: أجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنًى. وقِيلَ: المَعْنى يَقْبَلُ عِبادَةَ المُخْلِصِينَ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ويَسْتَجِيبُ لَهم، فَحُذِفَ اللّامُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أيْ: كالُوا لَهم، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: يُجِيبُونَ رَبَّهم إذا دَعاهم كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] قالَ المُبَرِّدُ: مَعْنى ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ، هَكَذا حَقِيقَةُ مَعْنى اسْتَفْعَلَ، فالَّذِينَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ مِنهُ، أوْ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ تَفَضُّلًا مِنهُ، وقِيلَ: يُشَفِّعُهم في إخْوانِهِمْ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ هَذا لِلْكافِرِينَ مُقابِلًا ما ذَكَرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما قَبْلَهُ. ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: لَوْ وسَّعَ اللَّهُ لَهم رِزْقَهم لَبَغَوْا في الأرْضِ، لَعَصَوْا فِيها وبَطَرُوا النِّعْمَةَ وتَكَبَّرُوا وطَلَبُوا ما لَيْسَ لَهم طَلَبُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ جَعَلَهم سَواءً في الرِّزْقِ لَما انْقادَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ولَتَعَطَّلَتِ الصَّنائِعُ، والأوَّلُ أوْلى. والظّاهِرُ عُمُومُ أنْواعِ الرِّزْقِ، وقِيلَ: هو المَطَرُ خاصَّةً ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُنَزِّلُ مِنَ الرِّزْقِ لِعِبادِهِ بِتَقْدِيرٍ عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ وما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ بَصِيرٌ بِما يُصْلِحُهم مِن تَوْسِيعِ الرِّزْقِ وتَضْيِيقِهِ، فَيُقَدِّرُ لِكُلِّ أحَدٍ مِنهم ما يُصْلِحُهُ ويَكُفُّهُ عَنِ الفَسادِ بِالبَغْيِ في الأرْضِ. ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ أيِ: المَطَرَ الَّذِي هو أنْفَعُ أنْواعِ الرِّزْقِ وأعَمُّها فائِدَةً وأكْثَرُها مَصْلَحَةً ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما أيِسُوا عَنْ ذَلِكَ فَيَعْرِفُونَ بِهَذا الإنْزالِ لِلْمَطَرِ بَعْدَ القُنُوطِ مِقْدارَ رَحْمَتِهِ لَهم، ويَشْكُرُونَ لَهُ ما يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْهِ ﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ وجَلْبِ المَنافِعِ لَهم، ودَفْعِ الشُّرُورِ عَنْهُمُ الحَمِيدُ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ مِنهم عَلى إنْعامِهِ خُصُوصًا وعُمُومًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ قالَ: عَيْشَ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ الآيَةَ. قالَ: مَن يُؤْثِرُ دُنْياهُ عَلى آخِرَتِهِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نَصِيبًا في الآخِرَةِ إلّا النّارَ، ولَمْ يَزْدَدْ بِذَلِكَ مِنَ الدُّنْيا شَيْئًا إلّا رِزْقًا فُرِغَ مِنهُ وقُسِمَ لَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ حِبّانَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّناءِ والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ ما لَمْ يَطْلُبُوا الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، فَمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: قالَ «تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: " يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبادَتِي أمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وأسُدَّ فَقْرَكَ، وإنْ لا تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا ولَمْ أسُدَّ فَقْرَكَ "» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الحَرْثُ حَرْثِانِ، فَحَرْثُ الدُّنْيا المالُ والبَنُونَ، وحَرْثُ الآخِرَةِ الباقِياتُ الصّالِحاتُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبى آلِ مُحَمَّدٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَجِلْتُ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا كانَ لَهُ فِيهِمْ قَرابَةٌ، فَقالَ: إلّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ القَرابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ قالَ: قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في نَفْسِي لِقَرابَتِي وتَحْفَظُوا القَرابَةَ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ واسِطَ النَّسَبِ في قُرَيْشٍ لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا ولَهُ فِيهِ قَرابَةٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم وتَحْفَظُونِي بِها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرابَةٌ مِن جَمِيعِ قُرَيْشٍ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وأبَوْا أنْ يُبايِعُوهُ قالَ: يا قَوْمِ إذا أبَيْتُمْ أنْ تُبايِعُونِي فاحْفَظُوا قَرابَتِي مِنكم، ولا يَكُونُ غَيْرُكم مِنَ العَرَبِ أوْلى بِحِفْظِي ونُصْرَتِي مِنكم»، وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَتِ الأنْصارُ فَعَلْنا وفَعَلْنا وكَأنَّهم فَخَرُوا، فَقالَ العَبّاسُ: لَنا الفَضْلُ عَلَيْكم، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأتاهم في مَجالِسِهِمْ فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ ألَمْ تَكُونُوا أذِلَّةً فَأعَزَّكُمُ اللَّهُ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: أفَلا تُجِيبُونَ ؟ قالُوا: ما نَقُولُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ألا تَقُولُونَ ألَمْ يُخْرِجْكَ قَوْمُكَ فَآوَيْناكَ ؟ ألَمْ يُكَذِّبُوكَ فَصَدَّقْناكَ ؟ ألَمْ يَخْذُلُوكَ فَنَصَرْناكَ ؟ فَما زالَ يَقُولُ حَتّى جَثَوْا عَلى الرُّكَبِ وقالُوا: أمْوالُنا وما في أيْدِينا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾» وفي (p-١٣٢٩)إسْنادِهِ يَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ، وهو ضَعِيفٌ، والأوْلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ لا مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ أشَرْنا في أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما بَعْدَها مَدَنِيَّةٌ، وهَذا مُتَمَسَّكُهم. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: تَحْفَظُونِي في أهْلِ بَيْتِي وتَوَدُّونَهم بِي» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ قالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَداهُما» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَوَدُّونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ أجْرًا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ إلّا الحِفْظَ لِي في قَرابَتِي فِيكم، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أحَبَّ أنْ يُلْحِقَهُ بِإخْوَتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] يَعْنِي: ثَوابَهُ وكَرامَتَهُ في الآخِرَةِ كَما قالَ نُوحٌ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وكَما قالَ هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ لَمْ يَسْتَثْنُوا أجْرًا كَما اسْتَثْنى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وهي مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ: قُلْ لا أسْألُكم عَلى ما أتَيْتُكم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ تَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ. هَذا حاصِلُ ما رُوِيَ عَنْ حَبْرِ الأُمَّةِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. والمَعْنى الأوَّلُ هو الَّذِي صَحَّ عَنْهُ، ورَواهُ عَنْهُ الجَمْعُ الجَمُّ مِن تَلامِذَتِهِ فَمَن بَعْدَهم، ولا يُنافِيهِ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ النَّسْخِ، فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ نَزَلَ القُرْآنُ في مَكَّةَ بِأنْ يَوَدَّهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِما بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ القُرْبى ويَحْفَظُوهُ بِها، ثُمَّ يُنْسَخُ ذَلِكَ ويَذْهَبُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِن أصْلِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَلى التَّبْلِيغِ أجْرًا عَلى الإطْلاقِ، ولا يَقْوى ما رُوِيَ مِن حَمْلِها عَلى آلِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مُعارَضَةِ ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تِلْكَ الطُّرُقِ الكَثِيرَةِ، وقَدْ أغْنى اللَّهُ آلَ مُحَمَّدٍ عَنْ هَذا بِما لَهم مِنَ الفَضائِلِ الجَلِيلَةِ والمَزايا الجَمِيلَةِ، وقَدْ بَيَّنّا بَعْضَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وكَما لا يَقْوى هَذا عَلى المُعارَضَةِ، فَكَذَلِكَ لا يَقْوى ما رُوِيَ عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِالمَوَدَّةِ في القُرْبى أنْ يَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ يَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ، ولَكِنَّهُ يَشُدُّ مِن عَضُدِ هَذا أنَّهُ تَفْسِيرٌ مَرْفُوعٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ في المُسْنَدِ هَكَذا: حَدَّثَنا حَسَنُ بْنُ مُوسى، حَدَّثَنا قَزَعَةُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ قَزَعَةَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هانِئٍ الخَوْلانِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ حُرَيْثٍ وغَيْرَهُ يَقُولُونَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ الصُّفَّةِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لَوْ أنَّ لَنا، فَتَمَنَّوُا الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.

الشورى 42:28

قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: كَثِيرُ اللُّطْفِ بِهِمْ بالِغُ الرَّأْفَةِ لَهم. قالَ مُقاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالبارِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا بِمَعاصِيهِمْ. قالَ عِكْرِمَةُ: بارٌّ بِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: رَفِيقٌ بِهِمْ، وقِيلَ: حَفِيٌّ بِهِمْ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَطِيفٌ بِهِمْ في العَرْضِ والمُحاسَبَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. والمَعْنى: أنَّهُ يُجْرِي لُطْفَهُ عَلى عِبادِهِ في كُلِّ أُمُورِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الرِّزْقُ الَّذِي يَعِيشُونَ بِهِ في الدُّنْيا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ مِنهم كَيْفَ يَشاءُ، فَيُوَسِّعُ عَلى هَذا ويُضَيِّقُ عَلى هَذا ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ العَظِيمُ القُوَّةِ الباهِرَةِ القادِرَةِ العَزِيزُ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ. ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ الحَرْثُ في اللُّغَةِ: الكَسْبُ، يُقالُ: هو يَحْرُثُ لِعِيالِهِ ويَحْتَرِثُ أيْ: يَكْتَسِبُ. ومِنهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ حارِثًا، وأصْلُ مَعْنى الحَرْثِ: إلْقاءُ البَذْرِ في الأرْضِ، فَأُطْلِقَ عَلى ثَمَراتِ الأعْمالِ وفَوائِدِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ: والمَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الآخِرَةِ يُضاعِفِ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، الحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ يَزِيدُ في تَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ وتَسْهِيلِ سُبُلِ الخَيْرِ لَهُ ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ وكَسْبِهِ ثَوابَ الدُّنْيا وهو مَتاعُها، وما يَرْزُقُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ مِنها نُعْطِهِ مِنها ما قَضَتْ بِهِ مَشِيئَتُنا وقُسِمَ لَهُ في قَضائِنا. قالَ قَتادَةُ: مَعْنى نُؤْتِهِ مِنها: نُقَدِّرْ لَهُ ما قُسِمَ لَهُ كَما قالَ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: إنَّ اللَّهَ يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الآخِرَةِ ما شاءَ مِن أمْرِ الدُّنْيا، ولا يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الدُّنْيا إلّا الدُّنْيا قالَ القُشَيْرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في الكافِرِ، وهو تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذا الَّذِي يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا لا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ لِلْآخِرَةِ فَلا نَصِيبَ لَهُ فِيها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الإسْراءِ. ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - القانُونَ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ ما هو الذَّنْبُ العَظِيمُ المُوجِبُ لِلنّارِ، والهَمْزَةُ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ، وضَمِيرُ شَرَعُوا عائِدٌ إلى الشُّرَكاءِ، وضَمِيرُ لَهم إلى الكُفّارِ، وقِيلَ: العَكْسُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ﴿ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ وهي تَأْخِيرُ عَذابِهِمْ حَيْثُ قالَ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم﴾ [القمر: ٤٦]، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا فَعُوجِلُوا بِالعُقُوبَةِ، والضَّمِيرُ في بَيْنَهم راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، أوْ إلى المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ والمُكَذِّبِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ وإنَّ الظّالِمِينَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ (p-١٣٢٧)مُسْلِمٌ والأعْرَجُ وابْنُ هُرْمُزَ بِفَتْحِها عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ. ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا كَسَبُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، وذَلِكَ الخَوْفُ والوَجَلُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما كَسَبُوا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ أيْ: وجَزاءُ ما كَسَبُوا واقِعٌ مِنهم نازِلٌ عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الظّالِمِينَ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ رَوْضاتٌ: جَمْعُ رَوْضَةٍ. قالَ أبُو حَيّانَ: اللُّغَةُ الكَثِيرَةُ تَسْكِينُ الواوِ، ولُغَةُ هُذَيْلٍ فَتْحُها، والرَّوْضَةُ: المَوْضِعُ النَّزِهُ الكَثِيرُ الخُضْرَةِ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في سُورَةِ الرُّومِ، ورَوْضَةُ الجَنَّةِ: أطْيَبُ مَساكِنِها كَما أنَّها في الدُّنْيا لَأحْسَنُ أمْكِنَتِها ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مِن صُنُوفِ النِّعَمِ وأنْواعِ المُسْتَلَذّاتِ، والعامِلُ في عِنْدَ رَبِّهِمْ يَشاءُونَ، أوِ العامِلُ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ وهو الِاسْتِقْرارُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ قَبْلَهُ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ وهي ﴿هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يُوَصَفُ ولا تَهْتَدِي العُقُولُ إلى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ إلى الفَضْلِ الكَبِيرِ أيْ: يُبَشِّرُهم بِهِ. ثُمَّ وصَفَ العِبادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَهَؤُلاءِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وتَرْكِ ما نَهى عَنْهُ هُمُ المُبَشَّرُونَ بِتِلْكَ البِشارَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَشِّرُ مُشَدَّدًا مِن بَشَّرَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أبْشَرَ. وقَرَأ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الشِّينِ بَعْضُ السَّبْعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ القِراءاتِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أخْبَرَ بِهِ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن هَذِهِ الأحْكامِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْها كِتابُهُ أمَرَهُ بِأنَّهُ يُخْبِرُهم بِأنَّهُ لا يَطْلُبُ مِنهم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ ثَوابًا مِنهم فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: لا أطْلُبُ مِنكم عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ جُعْلًا ولا نَفْعًا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي بَيْنَكم أوْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا. قالَ الزَّجّاجُ: إلّا المَوَدَّةَ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي فَتَحْفَظُونِي، والخِطابُ لِقُرَيْشٍ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ وأبِي مالِكٍ والشَّعْبِيِّ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الِانْقِطاعِ: لا أسْألُكم أجْرًا قَطُّ، ولَكِنْ أسْألُكُمُ المَوَدَّةَ في القُرْبى الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم، ارْقُبُونِي فِيها ولا تُعَجِّلُوا إلَيَّ ودَعَوْنِي والنّاسَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم، وهو الثّابِتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما سَيَأْتِي. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ: هم آلُ مُحَمَّدٍ، وسَيَأْتِي ما اسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُونَ بِهَذا. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ: إلّا التَّوَدُّدَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّقَرُّبَ بِطاعَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، وإنَّما نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِمَوَدَّتِهِ، فَلَمّا هاجَرَ أوَتْهُ الأنْصارُ ونَصَرُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] . وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يَتَّضِحُ بِهِ الثَّوابُ ويَظْهَرُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أصْلُ القَرْفِ الكَسْبُ، يُقالُ: فُلانٌ يَقْرِفُ لِعِيالِهِ أيْ: يَكْتَسِبُ، والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ قِرْفَةٌ: إذا كانَ مُحْتالًا. والمَعْنى: مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ هَذِهِ الحَسَنَةَ حُسْنًا بِمُضاعَفَةِ ثَوابِها. قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى مَن يَكْتَسِبْ حَسَنَةً واحِدَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا نُضاعِفْها بِالواحِدَةِ عَشْرًا فَصاعِدًا. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ هي المَوَدَّةُ في القُرْبى، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ المَوَدَّةُ في القُرْبى دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِلْمُذْنِبِينَ كَثِيرُ الشُّكْرِ لِلْمُطِيعِينَ. قالَ قَتادَةُ: غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ شَكُورٌ لِلْحَسَناتِ. وقالَ السُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى مُحَمَّدٌ عَلى اللَّهِ كَذِبًا بِدَعْوى النُّبُوَّةِ، والإنْكارُ لِلتَّوْبِيخِ. ومَعْنى افْتِراءِ الكَذِبِ: اخْتِلاقُهُ. ثُمَّ أجابَ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ أيْ: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَشاءَ عَدَمَ صُدُورِهِ مِنهُ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ مِمّا كَذَبَ فِيهِ كَما تَزْعُمُونَ. قالَ قَتادَةُ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ القُرْآنَ. فَأخْبَرَهم أنَّهُ لَوِ افْتَرى عَلَيْهِ لَفَعَلَ بِهِ ما أخْبَرَهم بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: إنْ يَشَأْ يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَدْخُلَ قَلْبَكَ مَشَقَّةٌ مِن قَوْلِهِمْ. وقِيلَ: الخِطِابُ لَهُ، والمُرادُ الكُفّارُ أيْ: إنْ يَشَأْ يَخْتِمْ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ ويُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ. وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ أنْ تَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا لَطَبَعَ عَلى قَلْبِكَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى الكَذِبِ إلّا مَن كانَ مَطْبُوعًا عَلى قَلْبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الِافْتِراءِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ تامٌّ، يَعْنِي وما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ تامٌّ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ احْتِجاجٌ عَلى مَن أنْكَرَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: لَوْ كانَ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - باطِلًا لَمَحاهُ كَما جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ في المُفْتَرِينَ ﴿ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ أيِ: الإسْلامَ فَيُبَيِّنُهُ بِكَلِماتِهِ أيْ: بِما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ عالِمٌ بِما في قُلُوبِ العِبادِ، وقَدْ سَقَطَتِ الواوُ مِن ويَمْحُو في بَعْضِ المَصاحِفِ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ. ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ أيْ: يَقْبَلُ مِنَ المُذْنِبِينَ مِن عِبادِهِ تَوْبَتَهم إلَيْهِ مِمّا عَمِلُوا مِنَ المَعاصِي واقْتَرَفُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، والتَّوْبَةُ النَّدَمُ عَلى المَعْصِيَةِ والعَزْمُ عَلى عَدَمِ المُعاوَدَةِ لَها. وقِيلَ: يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ أوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ مِن جَمِيعِ العِبادِ مُسْلِمِهِمْ (p-١٣٢٨)وكافِرِهِمْ إذا كانَتْ صَحِيحَةً صادِرَةً عَنْ خُلُوصِ نِيَّةٍ وعَزِيمَةٍ صَحِيحَةٍ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَلى العُمُومِ لِمَن تابَ عَنْ سَيِّئَتِهِ ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ تَفْعَلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ وقَعَ بَيْنَ خَبَرَيْنِ. ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ: يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِلَّذِينِ آمَنُوا ويُعْطِيهِمْ ما طَلَبُوهُ مِنهُ، يُقالُ: أجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنًى. وقِيلَ: المَعْنى يَقْبَلُ عِبادَةَ المُخْلِصِينَ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ويَسْتَجِيبُ لَهم، فَحُذِفَ اللّامُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أيْ: كالُوا لَهم، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: يُجِيبُونَ رَبَّهم إذا دَعاهم كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] قالَ المُبَرِّدُ: مَعْنى ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ، هَكَذا حَقِيقَةُ مَعْنى اسْتَفْعَلَ، فالَّذِينَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ مِنهُ، أوْ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ تَفَضُّلًا مِنهُ، وقِيلَ: يُشَفِّعُهم في إخْوانِهِمْ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ هَذا لِلْكافِرِينَ مُقابِلًا ما ذَكَرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما قَبْلَهُ. ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: لَوْ وسَّعَ اللَّهُ لَهم رِزْقَهم لَبَغَوْا في الأرْضِ، لَعَصَوْا فِيها وبَطَرُوا النِّعْمَةَ وتَكَبَّرُوا وطَلَبُوا ما لَيْسَ لَهم طَلَبُهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ جَعَلَهم سَواءً في الرِّزْقِ لَما انْقادَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ولَتَعَطَّلَتِ الصَّنائِعُ، والأوَّلُ أوْلى. والظّاهِرُ عُمُومُ أنْواعِ الرِّزْقِ، وقِيلَ: هو المَطَرُ خاصَّةً ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُنَزِّلُ مِنَ الرِّزْقِ لِعِبادِهِ بِتَقْدِيرٍ عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ وما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ بَصِيرٌ بِما يُصْلِحُهم مِن تَوْسِيعِ الرِّزْقِ وتَضْيِيقِهِ، فَيُقَدِّرُ لِكُلِّ أحَدٍ مِنهم ما يُصْلِحُهُ ويَكُفُّهُ عَنِ الفَسادِ بِالبَغْيِ في الأرْضِ. ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ أيِ: المَطَرَ الَّذِي هو أنْفَعُ أنْواعِ الرِّزْقِ وأعَمُّها فائِدَةً وأكْثَرُها مَصْلَحَةً ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما أيِسُوا عَنْ ذَلِكَ فَيَعْرِفُونَ بِهَذا الإنْزالِ لِلْمَطَرِ بَعْدَ القُنُوطِ مِقْدارَ رَحْمَتِهِ لَهم، ويَشْكُرُونَ لَهُ ما يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْهِ ﴿وهُوَ الوَلِيُّ﴾ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ وجَلْبِ المَنافِعِ لَهم، ودَفْعِ الشُّرُورِ عَنْهُمُ الحَمِيدُ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ مِنهم عَلى إنْعامِهِ خُصُوصًا وعُمُومًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ قالَ: عَيْشَ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ الآيَةَ. قالَ: مَن يُؤْثِرُ دُنْياهُ عَلى آخِرَتِهِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نَصِيبًا في الآخِرَةِ إلّا النّارَ، ولَمْ يَزْدَدْ بِذَلِكَ مِنَ الدُّنْيا شَيْئًا إلّا رِزْقًا فُرِغَ مِنهُ وقُسِمَ لَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ حِبّانَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّناءِ والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ ما لَمْ يَطْلُبُوا الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، فَمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: قالَ «تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: " يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبادَتِي أمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وأسُدَّ فَقْرَكَ، وإنْ لا تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا ولَمْ أسُدَّ فَقْرَكَ "» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الحَرْثُ حَرْثِانِ، فَحَرْثُ الدُّنْيا المالُ والبَنُونَ، وحَرْثُ الآخِرَةِ الباقِياتُ الصّالِحاتُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبى آلِ مُحَمَّدٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَجِلْتُ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا كانَ لَهُ فِيهِمْ قَرابَةٌ، فَقالَ: إلّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ القَرابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ قالَ: قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي في نَفْسِي لِقَرابَتِي وتَحْفَظُوا القَرابَةَ الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ واسِطَ النَّسَبِ في قُرَيْشٍ لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا ولَهُ فِيهِ قَرابَةٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم وتَحْفَظُونِي بِها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرابَةٌ مِن جَمِيعِ قُرَيْشٍ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وأبَوْا أنْ يُبايِعُوهُ قالَ: يا قَوْمِ إذا أبَيْتُمْ أنْ تُبايِعُونِي فاحْفَظُوا قَرابَتِي مِنكم، ولا يَكُونُ غَيْرُكم مِنَ العَرَبِ أوْلى بِحِفْظِي ونُصْرَتِي مِنكم»، وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَتِ الأنْصارُ فَعَلْنا وفَعَلْنا وكَأنَّهم فَخَرُوا، فَقالَ العَبّاسُ: لَنا الفَضْلُ عَلَيْكم، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأتاهم في مَجالِسِهِمْ فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ ألَمْ تَكُونُوا أذِلَّةً فَأعَزَّكُمُ اللَّهُ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: أفَلا تُجِيبُونَ ؟ قالُوا: ما نَقُولُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ألا تَقُولُونَ ألَمْ يُخْرِجْكَ قَوْمُكَ فَآوَيْناكَ ؟ ألَمْ يُكَذِّبُوكَ فَصَدَّقْناكَ ؟ ألَمْ يَخْذُلُوكَ فَنَصَرْناكَ ؟ فَما زالَ يَقُولُ حَتّى جَثَوْا عَلى الرُّكَبِ وقالُوا: أمْوالُنا وما في أيْدِينا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾» وفي (p-١٣٢٩)إسْنادِهِ يَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ، وهو ضَعِيفٌ، والأوْلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ لا مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ أشَرْنا في أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما بَعْدَها مَدَنِيَّةٌ، وهَذا مُتَمَسَّكُهم. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: تَحْفَظُونِي في أهْلِ بَيْتِي وتَوَدُّونَهم بِي» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ قالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَداهُما» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَكَّةَ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَوَدُّونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ أجْرًا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ إلّا الحِفْظَ لِي في قَرابَتِي فِيكم، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أحَبَّ أنْ يُلْحِقَهُ بِإخْوَتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] يَعْنِي: ثَوابَهُ وكَرامَتَهُ في الآخِرَةِ كَما قالَ نُوحٌ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] وكَما قالَ هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ لَمْ يَسْتَثْنُوا أجْرًا كَما اسْتَثْنى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وهي مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ: قُلْ لا أسْألُكم عَلى ما أتَيْتُكم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ تَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ. هَذا حاصِلُ ما رُوِيَ عَنْ حَبْرِ الأُمَّةِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. والمَعْنى الأوَّلُ هو الَّذِي صَحَّ عَنْهُ، ورَواهُ عَنْهُ الجَمْعُ الجَمُّ مِن تَلامِذَتِهِ فَمَن بَعْدَهم، ولا يُنافِيهِ ما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ النَّسْخِ، فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ نَزَلَ القُرْآنُ في مَكَّةَ بِأنْ يَوَدَّهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِما بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ القُرْبى ويَحْفَظُوهُ بِها، ثُمَّ يُنْسَخُ ذَلِكَ ويَذْهَبُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِن أصْلِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَلى التَّبْلِيغِ أجْرًا عَلى الإطْلاقِ، ولا يَقْوى ما رُوِيَ مِن حَمْلِها عَلى آلِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مُعارَضَةِ ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تِلْكَ الطُّرُقِ الكَثِيرَةِ، وقَدْ أغْنى اللَّهُ آلَ مُحَمَّدٍ عَنْ هَذا بِما لَهم مِنَ الفَضائِلِ الجَلِيلَةِ والمَزايا الجَمِيلَةِ، وقَدْ بَيَّنّا بَعْضَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وكَما لا يَقْوى هَذا عَلى المُعارَضَةِ، فَكَذَلِكَ لا يَقْوى ما رُوِيَ عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِالمَوَدَّةِ في القُرْبى أنْ يَوَدُّوا اللَّهَ وأنْ يَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ، ولَكِنَّهُ يَشُدُّ مِن عَضُدِ هَذا أنَّهُ تَفْسِيرٌ مَرْفُوعٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ في المُسْنَدِ هَكَذا: حَدَّثَنا حَسَنُ بْنُ مُوسى، حَدَّثَنا قَزَعَةُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ قَزَعَةَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ. قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هانِئٍ الخَوْلانِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ حُرَيْثٍ وغَيْرَهُ يَقُولُونَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ الصُّفَّةِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لَوْ أنَّ لَنا، فَتَمَنَّوُا الدُّنْيا. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.

الشورى 42:29

ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِتَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقُهُما عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ العَجِيبَةِ والصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى خَلْقِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى السَّماواتِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ ما بَثَّ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ وما بَثَّ في أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَدْخُلُ في هَذا المَلائِكَةُ والنّاسُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٨]، ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمْعِهِمْ لا بِقَدِيرٍ قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي، وهو عَلى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إذا يَشاءُ فَتَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِالمَشِيئَةِ وهو مُحالٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ مُحالًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنْ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِما لَمْ (p-١٣٣٠)يَشَأِ اللَّهُ مَشى كَلامُهُ، ولَكِنَّهُ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ. ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم﴾ أيْ: ما أصابَكم مِنَ المَصائِبِ كائِنَةً ما كانَتْ فَبِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم مِنَ المَعاصِي. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " بِما كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفاءِ، و" ما " في ﴿وما أصابَكُمْ﴾ هي الشَّرْطِيَّةُ، ولِهَذا دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ الحَذْفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ فَيَكُونُ الحَذْفُ والإثْباتُ جائِزَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الفاءِ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن حَذَفَ الفاءَ فَعَلى أنَّ ما في مَعْنى الَّذِي، والمَعْنى: الَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم. قالَ الحَسَنُ: المُصِيبَةُ هُنا الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ودُخُولُ مِنَ الِاسْتِغْرِاقِيَّةِ عَلَيْها ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُها العِبادُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنِ العَبْدِ بِما يُصِيبُهُ مِنَ المَصائِبِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وقَدْ ثَبَتَتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ جَمِيعَ ما يُصابُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِينَ عَلى مَعْنى: أنَّ ما يُصابُونَ بِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا عَنْهم لِذَنْبٍ ولا مُحَصِّلًا لِصَوابٍ، وبِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعاجِلُهم في الدُّنْيا بَلْ يُمْهِلُهم إلى الدّارِ الآخِرَةِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والعَفْوُ يَصْدُقُ عَلى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما يَصْدُقُ عَلى مَحْوِ الذَّنْبِ ورَفْعِ الخِطابِ بِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لا يُعَجَّلُ لَهُ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلَيْهِ هَرَبًا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ لَوْ كانُوا فِيها بَلْ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَصائِبِ واقِعٌ عَلَيْهِمْ نازِلٌ بِهِمْ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيكم فَيَمْنَعُ عَنْكم ما قَضاهُ اللَّهُ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - آيَةً أُخْرى مِن آياتِهِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو " الجَوارِي " بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وأمّا في الوَقْفِ فَإثْباتُها عَلى الأصْلِ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ، وهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ أيْ: سائِرَةٌ ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ فَقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عَلَمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأعْلامُ القُصُورُ واحِدُها عَلَمٌ. ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ يَشَأْ وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ " الرِّياحَ " عَلى الجَمْعِ أيْ: يُسْكِنِ الرِّيحَ الَّتِي بِها السُّفُنُ فَيَظْلَلْنَ أيِ: السُّفُنُ رَواكِدَ أيْ: سَواكِنَ ثَوابِتَ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ البَحْرِ. يُقالُ: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا: سَكَنَ، وكَذَلِكَ رَكَدَتِ الرِّيحُ ورَكَدَتِ السَّفِينَةُ وكُلُّ ثابِتٍ في مَكانٍ فَهو راكِدٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَظْلَلْنَ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى، وقَرَأ قَتادَةُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ السُّفُنِ لَآياتٍ دَلالاتٍ عَظِيمَةٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن كانَ كَثِيرَ الصَّبْرِ عَلى البَلْوى كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلى النَّعْماءِ. قالَ قُطْرُبٌ: الصَّبّارُ: الشَّكُورُ الَّذِي إذا أُعْطِيَ شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ؎فَكَمْ مِن مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكِرٍ ∗∗∗ وكَمْ مِن مُبْتَلًى غَيْرِ صابِرٍ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُسْكِنِ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ، والمُرادُ أهْلَكَهُنَّ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بِما أشْرَكُوا. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ يُهْلِكُ في البَحْرِ المُشْرِكَ وغَيْرَ المُشْرِكِ، يُقالُ: أوْبَقَهُ أيْ: أهْلَكَهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن أهْلِها بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الغَرَقِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْفُ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ إشْكالٌ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَتَبْقى تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدَ أوْ يُهْلِكُها بِذُنُوبِ أهْلِها فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ يَعْفُ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَعْفُ ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ العَفْوِ مِن غَيْرِ شَرْطِ المَشِيئَةِ فَهو إذَنْ عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لا مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. قالَ أبُو حَيّانَ: وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ يُفْهَمْ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ، والمَعْنى: إلّا أنَّهُ - تَعالى - أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وقَرَأ الأعْمَشُ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ ∗∗∗ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ بِنَصْبِ ونَأْخُذَ. ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ يَعْلَمَ قالَ الزَّجّاجُ: عَلى الصَّرْفِ، قالَ: ومَعْنى الصَّرْفِ صَرْفُ العَطْفِ عَلى اللَّفْظِ إلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُ ويَعْلَمَ مَجْزُومًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ يَكُونُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ بِعِلْمٍ عَدَلَ إلى العَطْفِ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإضْمارِ أنْ لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ اسْمٍ، ومِن هَذا بَيْتا النّابِغَةِ المَذْكُورانِ قَرِيبًا، وكَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واعْتُرِضَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى العَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ لِيَنْتَقِمَ (p-١٣٣١)مِنهم. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ " يَعْلَمَ " عَلى الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى واضِحَةُ اللَّفْظِ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ عَلى مَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإهْلاكِ والنَّجاةِ والتَّحْذِيرِ، ومَعْنى ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ما لَهم مِن فِرارٍ ولا مَهْرَبٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَهم مِن مَلْجَأٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاصَ بِهِ البَعِيرُ حَيْصَةً: إذا رَمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ يَحِيصُ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَمِيلُ عَنْهُ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ذَكَرَ التَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ في الرِّزْقِ فَإنَّما هو مَتاعٌ قَلِيلٌ في أيّامٍ قَلِيلَةٍ يَنْقَضِي ويَذْهَبُ. ثُمَّ رَغَّبَهم في ثَوابِ الآخِرَةِ وما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فَقالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ والجَزاءِ عَلَيْها بِالجَنّاتِ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وأبْقى لِأنَّهُ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، ومَتاعُ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الإيمانُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ شُؤُونِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ: أعْنِي والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾: الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَها في سُورَةِ النِّساءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَبِيرَ " بِالإفْرادِ وهو يُفِيدُ مُفادَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِلْجِنْسِ كاللّامِ. والفَواحِشُ: هي مِنَ الكَبائِرِ ولَكِنَّها مَعَ وصْفِ كَوْنِها فاحِشَةً كَأنَّها فَوْقَها، وذَلِكَ كالقَتْلِ والزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَواحِشُ مُوجِباتُ الحُدُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي أغْضَبَهم ويَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْمِلُونَ عَلى مَن ظَلَمَهم، وخُصَّ الغَضَبُ بِالغُفْرانِ لِأنَّ اسْتِيلاءَهُ عَلى طَبْعِ الإنْسانِ وغَلَبَتَهُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ، فَلا يَغْفِرُ عِنْدَ سَوْرَةِ الغَضَبِ إلّا مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وخَصَّهُ بِمَزِيَّةِ الحِلْمِ، ولِهَذا أثْنى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفًا يَعْفُونَ عَنْ ظالِمِهِمْ فَبَدَأ بِذِكْرِهِمْ، وصِنْفًا يَنْتَصِرُونَ مِن ظالِمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ سَيَأْتِي ذِكْرُهم. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ وأقامُوا ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن فَرِيضَةِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْصارُ بِالمَدِينَةِ اسْتَجابُوا إلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أنْفَذَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنهم قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا الصَّلاةَ لِمَواقِيتِها بِشُرُوطِها وهَيْئاتِها ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم ولا يَعْجَلُونَ ولا يَنْفَرِدُونَ بِالرَّأْيِ، والشُّورى مَصْدَرُ شاوَرْتُهُ مِثْلَ البُشْرى والذِّكْرى. قالَ الضَّحّاكُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حِينَ اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ تَشاوُرُهم في كُلِّ أمْرٍ يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِرَأْيٍ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ: ؎إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فِاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ؎ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ فَرِيشُ الحَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشاوِرُ أصْحابَهُ في أُمُورِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ فَقالَ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَدْ قَدَّمْنا في آلِ عِمْرانَ كَلامًا في الشُّورى ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ ويَتَصَدَّقُونَ بِهِ عَلى المَحاوِيجِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ. ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها حَقٌّ جائِزٌ بَيَّنَ فَضِيلَةَ العَفْوِ فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وأصْلَحَ بِالعَفْوِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ أيْ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ، وأُبْهِمَ الأجْرُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ العَفْوُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خُرُوجَ الظَّلَمَةِ عَنْ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هي سَبَبُ الفَوْزِ والنَّجاةِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُبْتَدِئِينَ بِالظُّلْمِ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَن يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: لا يُحِبُّ مَن يَتَعَدّى في الِاقْتِصاصِ ويُجاوِزُ الحَدَّ فِيهِ لِأنَّ المُجاوَزَةَ ظُلْمٌ. ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ: بَعْدَ أنْ ظَلَمَهُ الظّالِمُ لَهُ، واللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ القَسَمِ، والأوَّلُ أوْلى. ومَن هي الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِمُؤاخَذَةٍ وعُقُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن هي المَوْصُولَةُ ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولَةِ بِالشَّرْطِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى. ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - السَّبِيلَ عَلى مَنِ (p-١٣٣٢)انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَيَّنَ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ فَقالَ: ٤٢ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً. كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في النُّفُوسِ والأمْوالِ بِغَيْرِ الحَقِّ كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَغْيُهم: عَمَلُهم بِالمَعاصِي، وقِيلَ: يَتَكَبَّرُونَ ويَتَجَبَّرُونَ. وقالَ أبُو مالِكٍ: هو ما يَرْجُوهُ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: لَهم بِهَذا السَّبَبِ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ. ثُمَّ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ - في الصَّبْرِ والعَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ أيْ: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ، والكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ ومَن كالكَلامِ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، إنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ والمَغْفِرَةَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: " السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ " . قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، وقالُ الزَّجّاجُ: الصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فالرَّغْبَةُ في الثَّوابِ أتَمُّ عَزْمًا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مَنسُوخٌ بِالجِهادِ وأنَّهُ خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ عامٌّ، وهو ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَما لَهُ مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ ويَنْصُرُهُ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِمَن أعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعْمَلْ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ: ما أصابَكم مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في الدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، واللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا، فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِهِ، وكانَ قَدِ ابْتُلِيَ في جَسَدِهِ، فَقالَ: إنّا لَنَبْتَئِسُ لَكَ لِما نَرى فِيكَ، قالَ: فَلا تَبْتَئِسْ لِما تَرى، فَإنَّ ما تَرى بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ إلى آخِرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئاتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ولا خَدْشُ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قالَ: يَتَحَرَّكْنَ ولا يَجْرِينَ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَواكِدَ﴾ قالَ: وُقُوفًا أوْ يُوبِقْهُنَّ قالَ: يُهْلِكْهُنَّ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ. قالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ وعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ لِي: سُبِّيها، فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها، ووَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ سُرُورًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «المُسْتَبّانِ ما قالا مِن شَيْءٍ فَعَلى البادِئِ حَتّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهِ مُنادِيًا يُنادِي ألا لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا في الدُّنْيا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُنادِي مُنادٍ مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُومُ مَن عَفا عَنْ أخِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» .

الشورى 42:30

ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِتَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقُهُما عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ العَجِيبَةِ والصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى خَلْقِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى السَّماواتِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ ما بَثَّ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ وما بَثَّ في أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَدْخُلُ في هَذا المَلائِكَةُ والنّاسُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٨]، ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمْعِهِمْ لا بِقَدِيرٍ قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي، وهو عَلى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إذا يَشاءُ فَتَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِالمَشِيئَةِ وهو مُحالٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ مُحالًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنْ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِما لَمْ (p-١٣٣٠)يَشَأِ اللَّهُ مَشى كَلامُهُ، ولَكِنَّهُ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ. ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم﴾ أيْ: ما أصابَكم مِنَ المَصائِبِ كائِنَةً ما كانَتْ فَبِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم مِنَ المَعاصِي. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " بِما كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفاءِ، و" ما " في ﴿وما أصابَكُمْ﴾ هي الشَّرْطِيَّةُ، ولِهَذا دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ الحَذْفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ فَيَكُونُ الحَذْفُ والإثْباتُ جائِزَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الفاءِ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن حَذَفَ الفاءَ فَعَلى أنَّ ما في مَعْنى الَّذِي، والمَعْنى: الَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم. قالَ الحَسَنُ: المُصِيبَةُ هُنا الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ودُخُولُ مِنَ الِاسْتِغْرِاقِيَّةِ عَلَيْها ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُها العِبادُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنِ العَبْدِ بِما يُصِيبُهُ مِنَ المَصائِبِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وقَدْ ثَبَتَتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ جَمِيعَ ما يُصابُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِينَ عَلى مَعْنى: أنَّ ما يُصابُونَ بِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا عَنْهم لِذَنْبٍ ولا مُحَصِّلًا لِصَوابٍ، وبِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعاجِلُهم في الدُّنْيا بَلْ يُمْهِلُهم إلى الدّارِ الآخِرَةِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والعَفْوُ يَصْدُقُ عَلى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما يَصْدُقُ عَلى مَحْوِ الذَّنْبِ ورَفْعِ الخِطابِ بِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لا يُعَجَّلُ لَهُ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلَيْهِ هَرَبًا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ لَوْ كانُوا فِيها بَلْ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَصائِبِ واقِعٌ عَلَيْهِمْ نازِلٌ بِهِمْ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيكم فَيَمْنَعُ عَنْكم ما قَضاهُ اللَّهُ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - آيَةً أُخْرى مِن آياتِهِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو " الجَوارِي " بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وأمّا في الوَقْفِ فَإثْباتُها عَلى الأصْلِ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ، وهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ أيْ: سائِرَةٌ ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ فَقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عَلَمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأعْلامُ القُصُورُ واحِدُها عَلَمٌ. ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ يَشَأْ وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ " الرِّياحَ " عَلى الجَمْعِ أيْ: يُسْكِنِ الرِّيحَ الَّتِي بِها السُّفُنُ فَيَظْلَلْنَ أيِ: السُّفُنُ رَواكِدَ أيْ: سَواكِنَ ثَوابِتَ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ البَحْرِ. يُقالُ: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا: سَكَنَ، وكَذَلِكَ رَكَدَتِ الرِّيحُ ورَكَدَتِ السَّفِينَةُ وكُلُّ ثابِتٍ في مَكانٍ فَهو راكِدٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَظْلَلْنَ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى، وقَرَأ قَتادَةُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ السُّفُنِ لَآياتٍ دَلالاتٍ عَظِيمَةٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن كانَ كَثِيرَ الصَّبْرِ عَلى البَلْوى كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلى النَّعْماءِ. قالَ قُطْرُبٌ: الصَّبّارُ: الشَّكُورُ الَّذِي إذا أُعْطِيَ شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ؎فَكَمْ مِن مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكِرٍ ∗∗∗ وكَمْ مِن مُبْتَلًى غَيْرِ صابِرٍ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُسْكِنِ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ، والمُرادُ أهْلَكَهُنَّ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بِما أشْرَكُوا. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ يُهْلِكُ في البَحْرِ المُشْرِكَ وغَيْرَ المُشْرِكِ، يُقالُ: أوْبَقَهُ أيْ: أهْلَكَهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن أهْلِها بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الغَرَقِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْفُ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ إشْكالٌ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَتَبْقى تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدَ أوْ يُهْلِكُها بِذُنُوبِ أهْلِها فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ يَعْفُ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَعْفُ ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ العَفْوِ مِن غَيْرِ شَرْطِ المَشِيئَةِ فَهو إذَنْ عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لا مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. قالَ أبُو حَيّانَ: وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ يُفْهَمْ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ، والمَعْنى: إلّا أنَّهُ - تَعالى - أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وقَرَأ الأعْمَشُ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ ∗∗∗ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ بِنَصْبِ ونَأْخُذَ. ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ يَعْلَمَ قالَ الزَّجّاجُ: عَلى الصَّرْفِ، قالَ: ومَعْنى الصَّرْفِ صَرْفُ العَطْفِ عَلى اللَّفْظِ إلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُ ويَعْلَمَ مَجْزُومًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ يَكُونُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ بِعِلْمٍ عَدَلَ إلى العَطْفِ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإضْمارِ أنْ لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ اسْمٍ، ومِن هَذا بَيْتا النّابِغَةِ المَذْكُورانِ قَرِيبًا، وكَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واعْتُرِضَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى العَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ لِيَنْتَقِمَ (p-١٣٣١)مِنهم. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ " يَعْلَمَ " عَلى الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى واضِحَةُ اللَّفْظِ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ عَلى مَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإهْلاكِ والنَّجاةِ والتَّحْذِيرِ، ومَعْنى ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ما لَهم مِن فِرارٍ ولا مَهْرَبٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَهم مِن مَلْجَأٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاصَ بِهِ البَعِيرُ حَيْصَةً: إذا رَمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ يَحِيصُ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَمِيلُ عَنْهُ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ذَكَرَ التَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ في الرِّزْقِ فَإنَّما هو مَتاعٌ قَلِيلٌ في أيّامٍ قَلِيلَةٍ يَنْقَضِي ويَذْهَبُ. ثُمَّ رَغَّبَهم في ثَوابِ الآخِرَةِ وما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فَقالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ والجَزاءِ عَلَيْها بِالجَنّاتِ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وأبْقى لِأنَّهُ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، ومَتاعُ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الإيمانُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ شُؤُونِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ: أعْنِي والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾: الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَها في سُورَةِ النِّساءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَبِيرَ " بِالإفْرادِ وهو يُفِيدُ مُفادَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِلْجِنْسِ كاللّامِ. والفَواحِشُ: هي مِنَ الكَبائِرِ ولَكِنَّها مَعَ وصْفِ كَوْنِها فاحِشَةً كَأنَّها فَوْقَها، وذَلِكَ كالقَتْلِ والزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَواحِشُ مُوجِباتُ الحُدُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي أغْضَبَهم ويَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْمِلُونَ عَلى مَن ظَلَمَهم، وخُصَّ الغَضَبُ بِالغُفْرانِ لِأنَّ اسْتِيلاءَهُ عَلى طَبْعِ الإنْسانِ وغَلَبَتَهُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ، فَلا يَغْفِرُ عِنْدَ سَوْرَةِ الغَضَبِ إلّا مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وخَصَّهُ بِمَزِيَّةِ الحِلْمِ، ولِهَذا أثْنى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفًا يَعْفُونَ عَنْ ظالِمِهِمْ فَبَدَأ بِذِكْرِهِمْ، وصِنْفًا يَنْتَصِرُونَ مِن ظالِمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ سَيَأْتِي ذِكْرُهم. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ وأقامُوا ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن فَرِيضَةِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْصارُ بِالمَدِينَةِ اسْتَجابُوا إلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أنْفَذَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنهم قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا الصَّلاةَ لِمَواقِيتِها بِشُرُوطِها وهَيْئاتِها ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم ولا يَعْجَلُونَ ولا يَنْفَرِدُونَ بِالرَّأْيِ، والشُّورى مَصْدَرُ شاوَرْتُهُ مِثْلَ البُشْرى والذِّكْرى. قالَ الضَّحّاكُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حِينَ اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ تَشاوُرُهم في كُلِّ أمْرٍ يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِرَأْيٍ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ: ؎إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فِاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ؎ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ فَرِيشُ الحَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشاوِرُ أصْحابَهُ في أُمُورِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ فَقالَ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَدْ قَدَّمْنا في آلِ عِمْرانَ كَلامًا في الشُّورى ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ ويَتَصَدَّقُونَ بِهِ عَلى المَحاوِيجِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ. ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها حَقٌّ جائِزٌ بَيَّنَ فَضِيلَةَ العَفْوِ فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وأصْلَحَ بِالعَفْوِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ أيْ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ، وأُبْهِمَ الأجْرُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ العَفْوُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خُرُوجَ الظَّلَمَةِ عَنْ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هي سَبَبُ الفَوْزِ والنَّجاةِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُبْتَدِئِينَ بِالظُّلْمِ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَن يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: لا يُحِبُّ مَن يَتَعَدّى في الِاقْتِصاصِ ويُجاوِزُ الحَدَّ فِيهِ لِأنَّ المُجاوَزَةَ ظُلْمٌ. ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ: بَعْدَ أنْ ظَلَمَهُ الظّالِمُ لَهُ، واللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ القَسَمِ، والأوَّلُ أوْلى. ومَن هي الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِمُؤاخَذَةٍ وعُقُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن هي المَوْصُولَةُ ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولَةِ بِالشَّرْطِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى. ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - السَّبِيلَ عَلى مَنِ (p-١٣٣٢)انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَيَّنَ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ فَقالَ: ٤٢ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً. كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في النُّفُوسِ والأمْوالِ بِغَيْرِ الحَقِّ كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَغْيُهم: عَمَلُهم بِالمَعاصِي، وقِيلَ: يَتَكَبَّرُونَ ويَتَجَبَّرُونَ. وقالَ أبُو مالِكٍ: هو ما يَرْجُوهُ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: لَهم بِهَذا السَّبَبِ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ. ثُمَّ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ - في الصَّبْرِ والعَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ أيْ: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ، والكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ ومَن كالكَلامِ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، إنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ والمَغْفِرَةَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: " السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ " . قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، وقالُ الزَّجّاجُ: الصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فالرَّغْبَةُ في الثَّوابِ أتَمُّ عَزْمًا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مَنسُوخٌ بِالجِهادِ وأنَّهُ خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ عامٌّ، وهو ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَما لَهُ مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ ويَنْصُرُهُ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِمَن أعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعْمَلْ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ: ما أصابَكم مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في الدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، واللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا، فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِهِ، وكانَ قَدِ ابْتُلِيَ في جَسَدِهِ، فَقالَ: إنّا لَنَبْتَئِسُ لَكَ لِما نَرى فِيكَ، قالَ: فَلا تَبْتَئِسْ لِما تَرى، فَإنَّ ما تَرى بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ إلى آخِرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئاتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ولا خَدْشُ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قالَ: يَتَحَرَّكْنَ ولا يَجْرِينَ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَواكِدَ﴾ قالَ: وُقُوفًا أوْ يُوبِقْهُنَّ قالَ: يُهْلِكْهُنَّ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ. قالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ وعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ لِي: سُبِّيها، فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها، ووَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ سُرُورًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «المُسْتَبّانِ ما قالا مِن شَيْءٍ فَعَلى البادِئِ حَتّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهِ مُنادِيًا يُنادِي ألا لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا في الدُّنْيا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُنادِي مُنادٍ مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُومُ مَن عَفا عَنْ أخِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» .

الشورى 42:31

ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِتَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقُهُما عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ العَجِيبَةِ والصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى خَلْقِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى السَّماواتِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ ما بَثَّ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ وما بَثَّ في أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَدْخُلُ في هَذا المَلائِكَةُ والنّاسُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٨]، ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمْعِهِمْ لا بِقَدِيرٍ قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي، وهو عَلى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إذا يَشاءُ فَتَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِالمَشِيئَةِ وهو مُحالٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ مُحالًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنْ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِما لَمْ (p-١٣٣٠)يَشَأِ اللَّهُ مَشى كَلامُهُ، ولَكِنَّهُ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ. ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم﴾ أيْ: ما أصابَكم مِنَ المَصائِبِ كائِنَةً ما كانَتْ فَبِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم مِنَ المَعاصِي. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " بِما كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفاءِ، و" ما " في ﴿وما أصابَكُمْ﴾ هي الشَّرْطِيَّةُ، ولِهَذا دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ الحَذْفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ فَيَكُونُ الحَذْفُ والإثْباتُ جائِزَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الفاءِ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن حَذَفَ الفاءَ فَعَلى أنَّ ما في مَعْنى الَّذِي، والمَعْنى: الَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم. قالَ الحَسَنُ: المُصِيبَةُ هُنا الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ودُخُولُ مِنَ الِاسْتِغْرِاقِيَّةِ عَلَيْها ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُها العِبادُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنِ العَبْدِ بِما يُصِيبُهُ مِنَ المَصائِبِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وقَدْ ثَبَتَتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ جَمِيعَ ما يُصابُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِينَ عَلى مَعْنى: أنَّ ما يُصابُونَ بِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا عَنْهم لِذَنْبٍ ولا مُحَصِّلًا لِصَوابٍ، وبِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعاجِلُهم في الدُّنْيا بَلْ يُمْهِلُهم إلى الدّارِ الآخِرَةِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والعَفْوُ يَصْدُقُ عَلى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما يَصْدُقُ عَلى مَحْوِ الذَّنْبِ ورَفْعِ الخِطابِ بِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لا يُعَجَّلُ لَهُ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلَيْهِ هَرَبًا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ لَوْ كانُوا فِيها بَلْ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَصائِبِ واقِعٌ عَلَيْهِمْ نازِلٌ بِهِمْ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيكم فَيَمْنَعُ عَنْكم ما قَضاهُ اللَّهُ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - آيَةً أُخْرى مِن آياتِهِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو " الجَوارِي " بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وأمّا في الوَقْفِ فَإثْباتُها عَلى الأصْلِ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ، وهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ أيْ: سائِرَةٌ ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ فَقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عَلَمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأعْلامُ القُصُورُ واحِدُها عَلَمٌ. ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ يَشَأْ وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ " الرِّياحَ " عَلى الجَمْعِ أيْ: يُسْكِنِ الرِّيحَ الَّتِي بِها السُّفُنُ فَيَظْلَلْنَ أيِ: السُّفُنُ رَواكِدَ أيْ: سَواكِنَ ثَوابِتَ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ البَحْرِ. يُقالُ: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا: سَكَنَ، وكَذَلِكَ رَكَدَتِ الرِّيحُ ورَكَدَتِ السَّفِينَةُ وكُلُّ ثابِتٍ في مَكانٍ فَهو راكِدٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَظْلَلْنَ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى، وقَرَأ قَتادَةُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ السُّفُنِ لَآياتٍ دَلالاتٍ عَظِيمَةٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن كانَ كَثِيرَ الصَّبْرِ عَلى البَلْوى كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلى النَّعْماءِ. قالَ قُطْرُبٌ: الصَّبّارُ: الشَّكُورُ الَّذِي إذا أُعْطِيَ شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ؎فَكَمْ مِن مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكِرٍ ∗∗∗ وكَمْ مِن مُبْتَلًى غَيْرِ صابِرٍ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُسْكِنِ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ، والمُرادُ أهْلَكَهُنَّ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بِما أشْرَكُوا. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ يُهْلِكُ في البَحْرِ المُشْرِكَ وغَيْرَ المُشْرِكِ، يُقالُ: أوْبَقَهُ أيْ: أهْلَكَهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن أهْلِها بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الغَرَقِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْفُ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ إشْكالٌ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَتَبْقى تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدَ أوْ يُهْلِكُها بِذُنُوبِ أهْلِها فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ يَعْفُ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَعْفُ ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ العَفْوِ مِن غَيْرِ شَرْطِ المَشِيئَةِ فَهو إذَنْ عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لا مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. قالَ أبُو حَيّانَ: وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ يُفْهَمْ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ، والمَعْنى: إلّا أنَّهُ - تَعالى - أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وقَرَأ الأعْمَشُ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ ∗∗∗ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ بِنَصْبِ ونَأْخُذَ. ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ يَعْلَمَ قالَ الزَّجّاجُ: عَلى الصَّرْفِ، قالَ: ومَعْنى الصَّرْفِ صَرْفُ العَطْفِ عَلى اللَّفْظِ إلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُ ويَعْلَمَ مَجْزُومًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ يَكُونُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ بِعِلْمٍ عَدَلَ إلى العَطْفِ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإضْمارِ أنْ لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ اسْمٍ، ومِن هَذا بَيْتا النّابِغَةِ المَذْكُورانِ قَرِيبًا، وكَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واعْتُرِضَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى العَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ لِيَنْتَقِمَ (p-١٣٣١)مِنهم. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ " يَعْلَمَ " عَلى الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى واضِحَةُ اللَّفْظِ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ عَلى مَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإهْلاكِ والنَّجاةِ والتَّحْذِيرِ، ومَعْنى ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ما لَهم مِن فِرارٍ ولا مَهْرَبٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَهم مِن مَلْجَأٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاصَ بِهِ البَعِيرُ حَيْصَةً: إذا رَمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ يَحِيصُ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَمِيلُ عَنْهُ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ذَكَرَ التَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ في الرِّزْقِ فَإنَّما هو مَتاعٌ قَلِيلٌ في أيّامٍ قَلِيلَةٍ يَنْقَضِي ويَذْهَبُ. ثُمَّ رَغَّبَهم في ثَوابِ الآخِرَةِ وما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فَقالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ والجَزاءِ عَلَيْها بِالجَنّاتِ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وأبْقى لِأنَّهُ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، ومَتاعُ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الإيمانُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ شُؤُونِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ: أعْنِي والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾: الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَها في سُورَةِ النِّساءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَبِيرَ " بِالإفْرادِ وهو يُفِيدُ مُفادَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِلْجِنْسِ كاللّامِ. والفَواحِشُ: هي مِنَ الكَبائِرِ ولَكِنَّها مَعَ وصْفِ كَوْنِها فاحِشَةً كَأنَّها فَوْقَها، وذَلِكَ كالقَتْلِ والزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَواحِشُ مُوجِباتُ الحُدُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي أغْضَبَهم ويَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْمِلُونَ عَلى مَن ظَلَمَهم، وخُصَّ الغَضَبُ بِالغُفْرانِ لِأنَّ اسْتِيلاءَهُ عَلى طَبْعِ الإنْسانِ وغَلَبَتَهُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ، فَلا يَغْفِرُ عِنْدَ سَوْرَةِ الغَضَبِ إلّا مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وخَصَّهُ بِمَزِيَّةِ الحِلْمِ، ولِهَذا أثْنى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفًا يَعْفُونَ عَنْ ظالِمِهِمْ فَبَدَأ بِذِكْرِهِمْ، وصِنْفًا يَنْتَصِرُونَ مِن ظالِمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ سَيَأْتِي ذِكْرُهم. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ وأقامُوا ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن فَرِيضَةِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْصارُ بِالمَدِينَةِ اسْتَجابُوا إلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أنْفَذَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنهم قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا الصَّلاةَ لِمَواقِيتِها بِشُرُوطِها وهَيْئاتِها ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم ولا يَعْجَلُونَ ولا يَنْفَرِدُونَ بِالرَّأْيِ، والشُّورى مَصْدَرُ شاوَرْتُهُ مِثْلَ البُشْرى والذِّكْرى. قالَ الضَّحّاكُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حِينَ اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ تَشاوُرُهم في كُلِّ أمْرٍ يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِرَأْيٍ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ: ؎إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فِاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ؎ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ فَرِيشُ الحَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشاوِرُ أصْحابَهُ في أُمُورِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ فَقالَ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَدْ قَدَّمْنا في آلِ عِمْرانَ كَلامًا في الشُّورى ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ ويَتَصَدَّقُونَ بِهِ عَلى المَحاوِيجِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ. ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها حَقٌّ جائِزٌ بَيَّنَ فَضِيلَةَ العَفْوِ فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وأصْلَحَ بِالعَفْوِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ أيْ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ، وأُبْهِمَ الأجْرُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ العَفْوُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خُرُوجَ الظَّلَمَةِ عَنْ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هي سَبَبُ الفَوْزِ والنَّجاةِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُبْتَدِئِينَ بِالظُّلْمِ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَن يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: لا يُحِبُّ مَن يَتَعَدّى في الِاقْتِصاصِ ويُجاوِزُ الحَدَّ فِيهِ لِأنَّ المُجاوَزَةَ ظُلْمٌ. ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ: بَعْدَ أنْ ظَلَمَهُ الظّالِمُ لَهُ، واللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ القَسَمِ، والأوَّلُ أوْلى. ومَن هي الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِمُؤاخَذَةٍ وعُقُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن هي المَوْصُولَةُ ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولَةِ بِالشَّرْطِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى. ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - السَّبِيلَ عَلى مَنِ (p-١٣٣٢)انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَيَّنَ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ فَقالَ: ٤٢ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً. كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في النُّفُوسِ والأمْوالِ بِغَيْرِ الحَقِّ كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَغْيُهم: عَمَلُهم بِالمَعاصِي، وقِيلَ: يَتَكَبَّرُونَ ويَتَجَبَّرُونَ. وقالَ أبُو مالِكٍ: هو ما يَرْجُوهُ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: لَهم بِهَذا السَّبَبِ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ. ثُمَّ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ - في الصَّبْرِ والعَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ أيْ: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ، والكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ ومَن كالكَلامِ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، إنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ والمَغْفِرَةَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: " السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ " . قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، وقالُ الزَّجّاجُ: الصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فالرَّغْبَةُ في الثَّوابِ أتَمُّ عَزْمًا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مَنسُوخٌ بِالجِهادِ وأنَّهُ خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ عامٌّ، وهو ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَما لَهُ مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ ويَنْصُرُهُ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِمَن أعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعْمَلْ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ: ما أصابَكم مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في الدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، واللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا، فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِهِ، وكانَ قَدِ ابْتُلِيَ في جَسَدِهِ، فَقالَ: إنّا لَنَبْتَئِسُ لَكَ لِما نَرى فِيكَ، قالَ: فَلا تَبْتَئِسْ لِما تَرى، فَإنَّ ما تَرى بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ إلى آخِرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئاتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ولا خَدْشُ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قالَ: يَتَحَرَّكْنَ ولا يَجْرِينَ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَواكِدَ﴾ قالَ: وُقُوفًا أوْ يُوبِقْهُنَّ قالَ: يُهْلِكْهُنَّ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ. قالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ وعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ لِي: سُبِّيها، فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها، ووَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ سُرُورًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «المُسْتَبّانِ ما قالا مِن شَيْءٍ فَعَلى البادِئِ حَتّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهِ مُنادِيًا يُنادِي ألا لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا في الدُّنْيا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُنادِي مُنادٍ مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُومُ مَن عَفا عَنْ أخِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» .

الشورى 42:32

ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِتَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقُهُما عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ العَجِيبَةِ والصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى خَلْقِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى السَّماواتِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ ما بَثَّ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ وما بَثَّ في أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَدْخُلُ في هَذا المَلائِكَةُ والنّاسُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٨]، ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمْعِهِمْ لا بِقَدِيرٍ قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي، وهو عَلى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إذا يَشاءُ فَتَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِالمَشِيئَةِ وهو مُحالٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ مُحالًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنْ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِما لَمْ (p-١٣٣٠)يَشَأِ اللَّهُ مَشى كَلامُهُ، ولَكِنَّهُ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ. ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم﴾ أيْ: ما أصابَكم مِنَ المَصائِبِ كائِنَةً ما كانَتْ فَبِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم مِنَ المَعاصِي. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " بِما كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفاءِ، و" ما " في ﴿وما أصابَكُمْ﴾ هي الشَّرْطِيَّةُ، ولِهَذا دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ الحَذْفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ فَيَكُونُ الحَذْفُ والإثْباتُ جائِزَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الفاءِ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن حَذَفَ الفاءَ فَعَلى أنَّ ما في مَعْنى الَّذِي، والمَعْنى: الَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم. قالَ الحَسَنُ: المُصِيبَةُ هُنا الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ودُخُولُ مِنَ الِاسْتِغْرِاقِيَّةِ عَلَيْها ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُها العِبادُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنِ العَبْدِ بِما يُصِيبُهُ مِنَ المَصائِبِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وقَدْ ثَبَتَتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ جَمِيعَ ما يُصابُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِينَ عَلى مَعْنى: أنَّ ما يُصابُونَ بِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا عَنْهم لِذَنْبٍ ولا مُحَصِّلًا لِصَوابٍ، وبِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعاجِلُهم في الدُّنْيا بَلْ يُمْهِلُهم إلى الدّارِ الآخِرَةِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والعَفْوُ يَصْدُقُ عَلى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما يَصْدُقُ عَلى مَحْوِ الذَّنْبِ ورَفْعِ الخِطابِ بِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لا يُعَجَّلُ لَهُ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلَيْهِ هَرَبًا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ لَوْ كانُوا فِيها بَلْ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَصائِبِ واقِعٌ عَلَيْهِمْ نازِلٌ بِهِمْ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيكم فَيَمْنَعُ عَنْكم ما قَضاهُ اللَّهُ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - آيَةً أُخْرى مِن آياتِهِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو " الجَوارِي " بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وأمّا في الوَقْفِ فَإثْباتُها عَلى الأصْلِ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ، وهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ أيْ: سائِرَةٌ ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ فَقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عَلَمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأعْلامُ القُصُورُ واحِدُها عَلَمٌ. ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ يَشَأْ وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ " الرِّياحَ " عَلى الجَمْعِ أيْ: يُسْكِنِ الرِّيحَ الَّتِي بِها السُّفُنُ فَيَظْلَلْنَ أيِ: السُّفُنُ رَواكِدَ أيْ: سَواكِنَ ثَوابِتَ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ البَحْرِ. يُقالُ: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا: سَكَنَ، وكَذَلِكَ رَكَدَتِ الرِّيحُ ورَكَدَتِ السَّفِينَةُ وكُلُّ ثابِتٍ في مَكانٍ فَهو راكِدٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَظْلَلْنَ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى، وقَرَأ قَتادَةُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ السُّفُنِ لَآياتٍ دَلالاتٍ عَظِيمَةٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن كانَ كَثِيرَ الصَّبْرِ عَلى البَلْوى كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلى النَّعْماءِ. قالَ قُطْرُبٌ: الصَّبّارُ: الشَّكُورُ الَّذِي إذا أُعْطِيَ شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ؎فَكَمْ مِن مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكِرٍ ∗∗∗ وكَمْ مِن مُبْتَلًى غَيْرِ صابِرٍ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُسْكِنِ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ، والمُرادُ أهْلَكَهُنَّ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بِما أشْرَكُوا. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ يُهْلِكُ في البَحْرِ المُشْرِكَ وغَيْرَ المُشْرِكِ، يُقالُ: أوْبَقَهُ أيْ: أهْلَكَهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن أهْلِها بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الغَرَقِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْفُ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ إشْكالٌ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَتَبْقى تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدَ أوْ يُهْلِكُها بِذُنُوبِ أهْلِها فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ يَعْفُ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَعْفُ ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ العَفْوِ مِن غَيْرِ شَرْطِ المَشِيئَةِ فَهو إذَنْ عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لا مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. قالَ أبُو حَيّانَ: وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ يُفْهَمْ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ، والمَعْنى: إلّا أنَّهُ - تَعالى - أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وقَرَأ الأعْمَشُ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ ∗∗∗ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ بِنَصْبِ ونَأْخُذَ. ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ يَعْلَمَ قالَ الزَّجّاجُ: عَلى الصَّرْفِ، قالَ: ومَعْنى الصَّرْفِ صَرْفُ العَطْفِ عَلى اللَّفْظِ إلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُ ويَعْلَمَ مَجْزُومًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ يَكُونُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ بِعِلْمٍ عَدَلَ إلى العَطْفِ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإضْمارِ أنْ لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ اسْمٍ، ومِن هَذا بَيْتا النّابِغَةِ المَذْكُورانِ قَرِيبًا، وكَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واعْتُرِضَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى العَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ لِيَنْتَقِمَ (p-١٣٣١)مِنهم. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ " يَعْلَمَ " عَلى الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى واضِحَةُ اللَّفْظِ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ عَلى مَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإهْلاكِ والنَّجاةِ والتَّحْذِيرِ، ومَعْنى ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ما لَهم مِن فِرارٍ ولا مَهْرَبٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَهم مِن مَلْجَأٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاصَ بِهِ البَعِيرُ حَيْصَةً: إذا رَمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ يَحِيصُ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَمِيلُ عَنْهُ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ذَكَرَ التَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ في الرِّزْقِ فَإنَّما هو مَتاعٌ قَلِيلٌ في أيّامٍ قَلِيلَةٍ يَنْقَضِي ويَذْهَبُ. ثُمَّ رَغَّبَهم في ثَوابِ الآخِرَةِ وما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فَقالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ والجَزاءِ عَلَيْها بِالجَنّاتِ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وأبْقى لِأنَّهُ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، ومَتاعُ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الإيمانُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ شُؤُونِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ: أعْنِي والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾: الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَها في سُورَةِ النِّساءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَبِيرَ " بِالإفْرادِ وهو يُفِيدُ مُفادَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِلْجِنْسِ كاللّامِ. والفَواحِشُ: هي مِنَ الكَبائِرِ ولَكِنَّها مَعَ وصْفِ كَوْنِها فاحِشَةً كَأنَّها فَوْقَها، وذَلِكَ كالقَتْلِ والزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَواحِشُ مُوجِباتُ الحُدُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي أغْضَبَهم ويَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْمِلُونَ عَلى مَن ظَلَمَهم، وخُصَّ الغَضَبُ بِالغُفْرانِ لِأنَّ اسْتِيلاءَهُ عَلى طَبْعِ الإنْسانِ وغَلَبَتَهُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ، فَلا يَغْفِرُ عِنْدَ سَوْرَةِ الغَضَبِ إلّا مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وخَصَّهُ بِمَزِيَّةِ الحِلْمِ، ولِهَذا أثْنى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفًا يَعْفُونَ عَنْ ظالِمِهِمْ فَبَدَأ بِذِكْرِهِمْ، وصِنْفًا يَنْتَصِرُونَ مِن ظالِمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ سَيَأْتِي ذِكْرُهم. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ وأقامُوا ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن فَرِيضَةِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْصارُ بِالمَدِينَةِ اسْتَجابُوا إلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أنْفَذَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنهم قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا الصَّلاةَ لِمَواقِيتِها بِشُرُوطِها وهَيْئاتِها ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم ولا يَعْجَلُونَ ولا يَنْفَرِدُونَ بِالرَّأْيِ، والشُّورى مَصْدَرُ شاوَرْتُهُ مِثْلَ البُشْرى والذِّكْرى. قالَ الضَّحّاكُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حِينَ اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ تَشاوُرُهم في كُلِّ أمْرٍ يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِرَأْيٍ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ: ؎إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فِاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ؎ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ فَرِيشُ الحَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشاوِرُ أصْحابَهُ في أُمُورِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ فَقالَ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَدْ قَدَّمْنا في آلِ عِمْرانَ كَلامًا في الشُّورى ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ ويَتَصَدَّقُونَ بِهِ عَلى المَحاوِيجِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ. ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها حَقٌّ جائِزٌ بَيَّنَ فَضِيلَةَ العَفْوِ فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وأصْلَحَ بِالعَفْوِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ أيْ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ، وأُبْهِمَ الأجْرُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ العَفْوُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خُرُوجَ الظَّلَمَةِ عَنْ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هي سَبَبُ الفَوْزِ والنَّجاةِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُبْتَدِئِينَ بِالظُّلْمِ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَن يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: لا يُحِبُّ مَن يَتَعَدّى في الِاقْتِصاصِ ويُجاوِزُ الحَدَّ فِيهِ لِأنَّ المُجاوَزَةَ ظُلْمٌ. ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ: بَعْدَ أنْ ظَلَمَهُ الظّالِمُ لَهُ، واللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ القَسَمِ، والأوَّلُ أوْلى. ومَن هي الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِمُؤاخَذَةٍ وعُقُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن هي المَوْصُولَةُ ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولَةِ بِالشَّرْطِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى. ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - السَّبِيلَ عَلى مَنِ (p-١٣٣٢)انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَيَّنَ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ فَقالَ: ٤٢ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً. كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في النُّفُوسِ والأمْوالِ بِغَيْرِ الحَقِّ كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَغْيُهم: عَمَلُهم بِالمَعاصِي، وقِيلَ: يَتَكَبَّرُونَ ويَتَجَبَّرُونَ. وقالَ أبُو مالِكٍ: هو ما يَرْجُوهُ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: لَهم بِهَذا السَّبَبِ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ. ثُمَّ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ - في الصَّبْرِ والعَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ أيْ: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ، والكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ ومَن كالكَلامِ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، إنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ والمَغْفِرَةَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: " السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ " . قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، وقالُ الزَّجّاجُ: الصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فالرَّغْبَةُ في الثَّوابِ أتَمُّ عَزْمًا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مَنسُوخٌ بِالجِهادِ وأنَّهُ خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ عامٌّ، وهو ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَما لَهُ مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ ويَنْصُرُهُ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِمَن أعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعْمَلْ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ: ما أصابَكم مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في الدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، واللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا، فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِهِ، وكانَ قَدِ ابْتُلِيَ في جَسَدِهِ، فَقالَ: إنّا لَنَبْتَئِسُ لَكَ لِما نَرى فِيكَ، قالَ: فَلا تَبْتَئِسْ لِما تَرى، فَإنَّ ما تَرى بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ إلى آخِرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئاتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ولا خَدْشُ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قالَ: يَتَحَرَّكْنَ ولا يَجْرِينَ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَواكِدَ﴾ قالَ: وُقُوفًا أوْ يُوبِقْهُنَّ قالَ: يُهْلِكْهُنَّ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ. قالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ وعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ لِي: سُبِّيها، فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها، ووَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ سُرُورًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «المُسْتَبّانِ ما قالا مِن شَيْءٍ فَعَلى البادِئِ حَتّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهِ مُنادِيًا يُنادِي ألا لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا في الدُّنْيا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُنادِي مُنادٍ مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُومُ مَن عَفا عَنْ أخِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» .

الشورى 42:33

ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِتَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقُهُما عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ العَجِيبَةِ والصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى خَلْقِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى السَّماواتِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ ما بَثَّ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ وما بَثَّ في أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَدْخُلُ في هَذا المَلائِكَةُ والنّاسُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٨]، ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمْعِهِمْ لا بِقَدِيرٍ قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي، وهو عَلى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إذا يَشاءُ فَتَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِالمَشِيئَةِ وهو مُحالٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ مُحالًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنْ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِما لَمْ (p-١٣٣٠)يَشَأِ اللَّهُ مَشى كَلامُهُ، ولَكِنَّهُ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ. ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم﴾ أيْ: ما أصابَكم مِنَ المَصائِبِ كائِنَةً ما كانَتْ فَبِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم مِنَ المَعاصِي. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " بِما كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفاءِ، و" ما " في ﴿وما أصابَكُمْ﴾ هي الشَّرْطِيَّةُ، ولِهَذا دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ الحَذْفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ فَيَكُونُ الحَذْفُ والإثْباتُ جائِزَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الفاءِ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن حَذَفَ الفاءَ فَعَلى أنَّ ما في مَعْنى الَّذِي، والمَعْنى: الَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم. قالَ الحَسَنُ: المُصِيبَةُ هُنا الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ودُخُولُ مِنَ الِاسْتِغْرِاقِيَّةِ عَلَيْها ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُها العِبادُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنِ العَبْدِ بِما يُصِيبُهُ مِنَ المَصائِبِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وقَدْ ثَبَتَتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ جَمِيعَ ما يُصابُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِينَ عَلى مَعْنى: أنَّ ما يُصابُونَ بِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا عَنْهم لِذَنْبٍ ولا مُحَصِّلًا لِصَوابٍ، وبِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعاجِلُهم في الدُّنْيا بَلْ يُمْهِلُهم إلى الدّارِ الآخِرَةِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والعَفْوُ يَصْدُقُ عَلى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما يَصْدُقُ عَلى مَحْوِ الذَّنْبِ ورَفْعِ الخِطابِ بِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لا يُعَجَّلُ لَهُ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلَيْهِ هَرَبًا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ لَوْ كانُوا فِيها بَلْ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَصائِبِ واقِعٌ عَلَيْهِمْ نازِلٌ بِهِمْ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيكم فَيَمْنَعُ عَنْكم ما قَضاهُ اللَّهُ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - آيَةً أُخْرى مِن آياتِهِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو " الجَوارِي " بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وأمّا في الوَقْفِ فَإثْباتُها عَلى الأصْلِ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ، وهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ أيْ: سائِرَةٌ ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ فَقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عَلَمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأعْلامُ القُصُورُ واحِدُها عَلَمٌ. ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ يَشَأْ وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ " الرِّياحَ " عَلى الجَمْعِ أيْ: يُسْكِنِ الرِّيحَ الَّتِي بِها السُّفُنُ فَيَظْلَلْنَ أيِ: السُّفُنُ رَواكِدَ أيْ: سَواكِنَ ثَوابِتَ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ البَحْرِ. يُقالُ: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا: سَكَنَ، وكَذَلِكَ رَكَدَتِ الرِّيحُ ورَكَدَتِ السَّفِينَةُ وكُلُّ ثابِتٍ في مَكانٍ فَهو راكِدٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَظْلَلْنَ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى، وقَرَأ قَتادَةُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ السُّفُنِ لَآياتٍ دَلالاتٍ عَظِيمَةٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن كانَ كَثِيرَ الصَّبْرِ عَلى البَلْوى كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلى النَّعْماءِ. قالَ قُطْرُبٌ: الصَّبّارُ: الشَّكُورُ الَّذِي إذا أُعْطِيَ شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ؎فَكَمْ مِن مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكِرٍ ∗∗∗ وكَمْ مِن مُبْتَلًى غَيْرِ صابِرٍ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُسْكِنِ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ، والمُرادُ أهْلَكَهُنَّ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بِما أشْرَكُوا. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ يُهْلِكُ في البَحْرِ المُشْرِكَ وغَيْرَ المُشْرِكِ، يُقالُ: أوْبَقَهُ أيْ: أهْلَكَهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن أهْلِها بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الغَرَقِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْفُ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ إشْكالٌ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَتَبْقى تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدَ أوْ يُهْلِكُها بِذُنُوبِ أهْلِها فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ يَعْفُ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَعْفُ ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ العَفْوِ مِن غَيْرِ شَرْطِ المَشِيئَةِ فَهو إذَنْ عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لا مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. قالَ أبُو حَيّانَ: وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ يُفْهَمْ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ، والمَعْنى: إلّا أنَّهُ - تَعالى - أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وقَرَأ الأعْمَشُ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ ∗∗∗ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ بِنَصْبِ ونَأْخُذَ. ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ يَعْلَمَ قالَ الزَّجّاجُ: عَلى الصَّرْفِ، قالَ: ومَعْنى الصَّرْفِ صَرْفُ العَطْفِ عَلى اللَّفْظِ إلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُ ويَعْلَمَ مَجْزُومًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ يَكُونُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ بِعِلْمٍ عَدَلَ إلى العَطْفِ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإضْمارِ أنْ لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ اسْمٍ، ومِن هَذا بَيْتا النّابِغَةِ المَذْكُورانِ قَرِيبًا، وكَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واعْتُرِضَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى العَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ لِيَنْتَقِمَ (p-١٣٣١)مِنهم. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ " يَعْلَمَ " عَلى الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى واضِحَةُ اللَّفْظِ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ عَلى مَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإهْلاكِ والنَّجاةِ والتَّحْذِيرِ، ومَعْنى ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ما لَهم مِن فِرارٍ ولا مَهْرَبٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَهم مِن مَلْجَأٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاصَ بِهِ البَعِيرُ حَيْصَةً: إذا رَمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ يَحِيصُ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَمِيلُ عَنْهُ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ذَكَرَ التَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ في الرِّزْقِ فَإنَّما هو مَتاعٌ قَلِيلٌ في أيّامٍ قَلِيلَةٍ يَنْقَضِي ويَذْهَبُ. ثُمَّ رَغَّبَهم في ثَوابِ الآخِرَةِ وما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فَقالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ والجَزاءِ عَلَيْها بِالجَنّاتِ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وأبْقى لِأنَّهُ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، ومَتاعُ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الإيمانُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ شُؤُونِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ: أعْنِي والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾: الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَها في سُورَةِ النِّساءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَبِيرَ " بِالإفْرادِ وهو يُفِيدُ مُفادَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِلْجِنْسِ كاللّامِ. والفَواحِشُ: هي مِنَ الكَبائِرِ ولَكِنَّها مَعَ وصْفِ كَوْنِها فاحِشَةً كَأنَّها فَوْقَها، وذَلِكَ كالقَتْلِ والزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَواحِشُ مُوجِباتُ الحُدُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي أغْضَبَهم ويَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْمِلُونَ عَلى مَن ظَلَمَهم، وخُصَّ الغَضَبُ بِالغُفْرانِ لِأنَّ اسْتِيلاءَهُ عَلى طَبْعِ الإنْسانِ وغَلَبَتَهُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ، فَلا يَغْفِرُ عِنْدَ سَوْرَةِ الغَضَبِ إلّا مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وخَصَّهُ بِمَزِيَّةِ الحِلْمِ، ولِهَذا أثْنى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفًا يَعْفُونَ عَنْ ظالِمِهِمْ فَبَدَأ بِذِكْرِهِمْ، وصِنْفًا يَنْتَصِرُونَ مِن ظالِمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ سَيَأْتِي ذِكْرُهم. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ وأقامُوا ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن فَرِيضَةِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْصارُ بِالمَدِينَةِ اسْتَجابُوا إلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أنْفَذَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنهم قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا الصَّلاةَ لِمَواقِيتِها بِشُرُوطِها وهَيْئاتِها ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم ولا يَعْجَلُونَ ولا يَنْفَرِدُونَ بِالرَّأْيِ، والشُّورى مَصْدَرُ شاوَرْتُهُ مِثْلَ البُشْرى والذِّكْرى. قالَ الضَّحّاكُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حِينَ اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ تَشاوُرُهم في كُلِّ أمْرٍ يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِرَأْيٍ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ: ؎إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فِاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ؎ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ فَرِيشُ الحَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشاوِرُ أصْحابَهُ في أُمُورِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ فَقالَ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَدْ قَدَّمْنا في آلِ عِمْرانَ كَلامًا في الشُّورى ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ ويَتَصَدَّقُونَ بِهِ عَلى المَحاوِيجِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ. ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها حَقٌّ جائِزٌ بَيَّنَ فَضِيلَةَ العَفْوِ فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وأصْلَحَ بِالعَفْوِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ أيْ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ، وأُبْهِمَ الأجْرُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ العَفْوُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خُرُوجَ الظَّلَمَةِ عَنْ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هي سَبَبُ الفَوْزِ والنَّجاةِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُبْتَدِئِينَ بِالظُّلْمِ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَن يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: لا يُحِبُّ مَن يَتَعَدّى في الِاقْتِصاصِ ويُجاوِزُ الحَدَّ فِيهِ لِأنَّ المُجاوَزَةَ ظُلْمٌ. ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ: بَعْدَ أنْ ظَلَمَهُ الظّالِمُ لَهُ، واللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ القَسَمِ، والأوَّلُ أوْلى. ومَن هي الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِمُؤاخَذَةٍ وعُقُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن هي المَوْصُولَةُ ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولَةِ بِالشَّرْطِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى. ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - السَّبِيلَ عَلى مَنِ (p-١٣٣٢)انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَيَّنَ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ فَقالَ: ٤٢ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً. كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في النُّفُوسِ والأمْوالِ بِغَيْرِ الحَقِّ كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَغْيُهم: عَمَلُهم بِالمَعاصِي، وقِيلَ: يَتَكَبَّرُونَ ويَتَجَبَّرُونَ. وقالَ أبُو مالِكٍ: هو ما يَرْجُوهُ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: لَهم بِهَذا السَّبَبِ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ. ثُمَّ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ - في الصَّبْرِ والعَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ أيْ: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ، والكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ ومَن كالكَلامِ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، إنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ والمَغْفِرَةَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: " السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ " . قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، وقالُ الزَّجّاجُ: الصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فالرَّغْبَةُ في الثَّوابِ أتَمُّ عَزْمًا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مَنسُوخٌ بِالجِهادِ وأنَّهُ خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ عامٌّ، وهو ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَما لَهُ مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ ويَنْصُرُهُ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِمَن أعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعْمَلْ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ: ما أصابَكم مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في الدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، واللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا، فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِهِ، وكانَ قَدِ ابْتُلِيَ في جَسَدِهِ، فَقالَ: إنّا لَنَبْتَئِسُ لَكَ لِما نَرى فِيكَ، قالَ: فَلا تَبْتَئِسْ لِما تَرى، فَإنَّ ما تَرى بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ إلى آخِرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئاتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ولا خَدْشُ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قالَ: يَتَحَرَّكْنَ ولا يَجْرِينَ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَواكِدَ﴾ قالَ: وُقُوفًا أوْ يُوبِقْهُنَّ قالَ: يُهْلِكْهُنَّ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ. قالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ وعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ لِي: سُبِّيها، فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها، ووَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ سُرُورًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «المُسْتَبّانِ ما قالا مِن شَيْءٍ فَعَلى البادِئِ حَتّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهِ مُنادِيًا يُنادِي ألا لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا في الدُّنْيا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُنادِي مُنادٍ مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُومُ مَن عَفا عَنْ أخِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» .

الشورى 42:34

ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِتَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقُهُما عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ العَجِيبَةِ والصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى خَلْقِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى السَّماواتِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ ما بَثَّ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ وما بَثَّ في أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَدْخُلُ في هَذا المَلائِكَةُ والنّاسُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٨]، ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمْعِهِمْ لا بِقَدِيرٍ قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي، وهو عَلى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إذا يَشاءُ فَتَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِالمَشِيئَةِ وهو مُحالٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ مُحالًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنْ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِما لَمْ (p-١٣٣٠)يَشَأِ اللَّهُ مَشى كَلامُهُ، ولَكِنَّهُ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ. ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم﴾ أيْ: ما أصابَكم مِنَ المَصائِبِ كائِنَةً ما كانَتْ فَبِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم مِنَ المَعاصِي. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " بِما كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفاءِ، و" ما " في ﴿وما أصابَكُمْ﴾ هي الشَّرْطِيَّةُ، ولِهَذا دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ الحَذْفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ فَيَكُونُ الحَذْفُ والإثْباتُ جائِزَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الفاءِ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن حَذَفَ الفاءَ فَعَلى أنَّ ما في مَعْنى الَّذِي، والمَعْنى: الَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم. قالَ الحَسَنُ: المُصِيبَةُ هُنا الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ودُخُولُ مِنَ الِاسْتِغْرِاقِيَّةِ عَلَيْها ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُها العِبادُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنِ العَبْدِ بِما يُصِيبُهُ مِنَ المَصائِبِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وقَدْ ثَبَتَتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ جَمِيعَ ما يُصابُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِينَ عَلى مَعْنى: أنَّ ما يُصابُونَ بِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا عَنْهم لِذَنْبٍ ولا مُحَصِّلًا لِصَوابٍ، وبِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعاجِلُهم في الدُّنْيا بَلْ يُمْهِلُهم إلى الدّارِ الآخِرَةِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والعَفْوُ يَصْدُقُ عَلى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما يَصْدُقُ عَلى مَحْوِ الذَّنْبِ ورَفْعِ الخِطابِ بِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لا يُعَجَّلُ لَهُ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلَيْهِ هَرَبًا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ لَوْ كانُوا فِيها بَلْ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَصائِبِ واقِعٌ عَلَيْهِمْ نازِلٌ بِهِمْ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيكم فَيَمْنَعُ عَنْكم ما قَضاهُ اللَّهُ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - آيَةً أُخْرى مِن آياتِهِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو " الجَوارِي " بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وأمّا في الوَقْفِ فَإثْباتُها عَلى الأصْلِ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ، وهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ أيْ: سائِرَةٌ ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ فَقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عَلَمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأعْلامُ القُصُورُ واحِدُها عَلَمٌ. ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ يَشَأْ وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ " الرِّياحَ " عَلى الجَمْعِ أيْ: يُسْكِنِ الرِّيحَ الَّتِي بِها السُّفُنُ فَيَظْلَلْنَ أيِ: السُّفُنُ رَواكِدَ أيْ: سَواكِنَ ثَوابِتَ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ البَحْرِ. يُقالُ: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا: سَكَنَ، وكَذَلِكَ رَكَدَتِ الرِّيحُ ورَكَدَتِ السَّفِينَةُ وكُلُّ ثابِتٍ في مَكانٍ فَهو راكِدٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَظْلَلْنَ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى، وقَرَأ قَتادَةُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ السُّفُنِ لَآياتٍ دَلالاتٍ عَظِيمَةٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن كانَ كَثِيرَ الصَّبْرِ عَلى البَلْوى كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلى النَّعْماءِ. قالَ قُطْرُبٌ: الصَّبّارُ: الشَّكُورُ الَّذِي إذا أُعْطِيَ شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ؎فَكَمْ مِن مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكِرٍ ∗∗∗ وكَمْ مِن مُبْتَلًى غَيْرِ صابِرٍ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُسْكِنِ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ، والمُرادُ أهْلَكَهُنَّ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بِما أشْرَكُوا. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ يُهْلِكُ في البَحْرِ المُشْرِكَ وغَيْرَ المُشْرِكِ، يُقالُ: أوْبَقَهُ أيْ: أهْلَكَهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن أهْلِها بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الغَرَقِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْفُ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ إشْكالٌ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَتَبْقى تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدَ أوْ يُهْلِكُها بِذُنُوبِ أهْلِها فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ يَعْفُ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَعْفُ ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ العَفْوِ مِن غَيْرِ شَرْطِ المَشِيئَةِ فَهو إذَنْ عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لا مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. قالَ أبُو حَيّانَ: وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ يُفْهَمْ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ، والمَعْنى: إلّا أنَّهُ - تَعالى - أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وقَرَأ الأعْمَشُ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ ∗∗∗ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ بِنَصْبِ ونَأْخُذَ. ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ يَعْلَمَ قالَ الزَّجّاجُ: عَلى الصَّرْفِ، قالَ: ومَعْنى الصَّرْفِ صَرْفُ العَطْفِ عَلى اللَّفْظِ إلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُ ويَعْلَمَ مَجْزُومًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ يَكُونُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ بِعِلْمٍ عَدَلَ إلى العَطْفِ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإضْمارِ أنْ لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ اسْمٍ، ومِن هَذا بَيْتا النّابِغَةِ المَذْكُورانِ قَرِيبًا، وكَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واعْتُرِضَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى العَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ لِيَنْتَقِمَ (p-١٣٣١)مِنهم. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ " يَعْلَمَ " عَلى الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى واضِحَةُ اللَّفْظِ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ عَلى مَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإهْلاكِ والنَّجاةِ والتَّحْذِيرِ، ومَعْنى ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ما لَهم مِن فِرارٍ ولا مَهْرَبٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَهم مِن مَلْجَأٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاصَ بِهِ البَعِيرُ حَيْصَةً: إذا رَمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ يَحِيصُ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَمِيلُ عَنْهُ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ذَكَرَ التَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ في الرِّزْقِ فَإنَّما هو مَتاعٌ قَلِيلٌ في أيّامٍ قَلِيلَةٍ يَنْقَضِي ويَذْهَبُ. ثُمَّ رَغَّبَهم في ثَوابِ الآخِرَةِ وما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فَقالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ والجَزاءِ عَلَيْها بِالجَنّاتِ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وأبْقى لِأنَّهُ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، ومَتاعُ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الإيمانُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ شُؤُونِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ: أعْنِي والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾: الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَها في سُورَةِ النِّساءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَبِيرَ " بِالإفْرادِ وهو يُفِيدُ مُفادَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِلْجِنْسِ كاللّامِ. والفَواحِشُ: هي مِنَ الكَبائِرِ ولَكِنَّها مَعَ وصْفِ كَوْنِها فاحِشَةً كَأنَّها فَوْقَها، وذَلِكَ كالقَتْلِ والزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَواحِشُ مُوجِباتُ الحُدُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي أغْضَبَهم ويَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْمِلُونَ عَلى مَن ظَلَمَهم، وخُصَّ الغَضَبُ بِالغُفْرانِ لِأنَّ اسْتِيلاءَهُ عَلى طَبْعِ الإنْسانِ وغَلَبَتَهُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ، فَلا يَغْفِرُ عِنْدَ سَوْرَةِ الغَضَبِ إلّا مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وخَصَّهُ بِمَزِيَّةِ الحِلْمِ، ولِهَذا أثْنى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفًا يَعْفُونَ عَنْ ظالِمِهِمْ فَبَدَأ بِذِكْرِهِمْ، وصِنْفًا يَنْتَصِرُونَ مِن ظالِمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ سَيَأْتِي ذِكْرُهم. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ وأقامُوا ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن فَرِيضَةِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْصارُ بِالمَدِينَةِ اسْتَجابُوا إلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أنْفَذَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنهم قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا الصَّلاةَ لِمَواقِيتِها بِشُرُوطِها وهَيْئاتِها ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم ولا يَعْجَلُونَ ولا يَنْفَرِدُونَ بِالرَّأْيِ، والشُّورى مَصْدَرُ شاوَرْتُهُ مِثْلَ البُشْرى والذِّكْرى. قالَ الضَّحّاكُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حِينَ اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ تَشاوُرُهم في كُلِّ أمْرٍ يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِرَأْيٍ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ: ؎إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فِاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ؎ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ فَرِيشُ الحَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشاوِرُ أصْحابَهُ في أُمُورِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ فَقالَ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَدْ قَدَّمْنا في آلِ عِمْرانَ كَلامًا في الشُّورى ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ ويَتَصَدَّقُونَ بِهِ عَلى المَحاوِيجِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ. ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها حَقٌّ جائِزٌ بَيَّنَ فَضِيلَةَ العَفْوِ فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وأصْلَحَ بِالعَفْوِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ أيْ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ، وأُبْهِمَ الأجْرُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ العَفْوُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خُرُوجَ الظَّلَمَةِ عَنْ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هي سَبَبُ الفَوْزِ والنَّجاةِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُبْتَدِئِينَ بِالظُّلْمِ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَن يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: لا يُحِبُّ مَن يَتَعَدّى في الِاقْتِصاصِ ويُجاوِزُ الحَدَّ فِيهِ لِأنَّ المُجاوَزَةَ ظُلْمٌ. ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ: بَعْدَ أنْ ظَلَمَهُ الظّالِمُ لَهُ، واللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ القَسَمِ، والأوَّلُ أوْلى. ومَن هي الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِمُؤاخَذَةٍ وعُقُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن هي المَوْصُولَةُ ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولَةِ بِالشَّرْطِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى. ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - السَّبِيلَ عَلى مَنِ (p-١٣٣٢)انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَيَّنَ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ فَقالَ: ٤٢ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً. كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في النُّفُوسِ والأمْوالِ بِغَيْرِ الحَقِّ كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَغْيُهم: عَمَلُهم بِالمَعاصِي، وقِيلَ: يَتَكَبَّرُونَ ويَتَجَبَّرُونَ. وقالَ أبُو مالِكٍ: هو ما يَرْجُوهُ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: لَهم بِهَذا السَّبَبِ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ. ثُمَّ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ - في الصَّبْرِ والعَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ أيْ: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ، والكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ ومَن كالكَلامِ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، إنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ والمَغْفِرَةَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: " السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ " . قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، وقالُ الزَّجّاجُ: الصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فالرَّغْبَةُ في الثَّوابِ أتَمُّ عَزْمًا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مَنسُوخٌ بِالجِهادِ وأنَّهُ خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ عامٌّ، وهو ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَما لَهُ مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ ويَنْصُرُهُ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِمَن أعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعْمَلْ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ: ما أصابَكم مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في الدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، واللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا، فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِهِ، وكانَ قَدِ ابْتُلِيَ في جَسَدِهِ، فَقالَ: إنّا لَنَبْتَئِسُ لَكَ لِما نَرى فِيكَ، قالَ: فَلا تَبْتَئِسْ لِما تَرى، فَإنَّ ما تَرى بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ إلى آخِرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئاتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ولا خَدْشُ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قالَ: يَتَحَرَّكْنَ ولا يَجْرِينَ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَواكِدَ﴾ قالَ: وُقُوفًا أوْ يُوبِقْهُنَّ قالَ: يُهْلِكْهُنَّ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ. قالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ وعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ لِي: سُبِّيها، فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها، ووَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ سُرُورًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «المُسْتَبّانِ ما قالا مِن شَيْءٍ فَعَلى البادِئِ حَتّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهِ مُنادِيًا يُنادِي ألا لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا في الدُّنْيا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُنادِي مُنادٍ مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُومُ مَن عَفا عَنْ أخِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» .

الشورى 42:35

ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِتَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقُهُما عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ العَجِيبَةِ والصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى خَلْقِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى السَّماواتِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ ما بَثَّ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ وما بَثَّ في أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَدْخُلُ في هَذا المَلائِكَةُ والنّاسُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٨]، ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمْعِهِمْ لا بِقَدِيرٍ قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي، وهو عَلى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إذا يَشاءُ فَتَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِالمَشِيئَةِ وهو مُحالٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ مُحالًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنْ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِما لَمْ (p-١٣٣٠)يَشَأِ اللَّهُ مَشى كَلامُهُ، ولَكِنَّهُ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ. ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم﴾ أيْ: ما أصابَكم مِنَ المَصائِبِ كائِنَةً ما كانَتْ فَبِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم مِنَ المَعاصِي. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " بِما كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفاءِ، و" ما " في ﴿وما أصابَكُمْ﴾ هي الشَّرْطِيَّةُ، ولِهَذا دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ الحَذْفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ فَيَكُونُ الحَذْفُ والإثْباتُ جائِزَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الفاءِ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن حَذَفَ الفاءَ فَعَلى أنَّ ما في مَعْنى الَّذِي، والمَعْنى: الَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم. قالَ الحَسَنُ: المُصِيبَةُ هُنا الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ودُخُولُ مِنَ الِاسْتِغْرِاقِيَّةِ عَلَيْها ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُها العِبادُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنِ العَبْدِ بِما يُصِيبُهُ مِنَ المَصائِبِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وقَدْ ثَبَتَتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ جَمِيعَ ما يُصابُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِينَ عَلى مَعْنى: أنَّ ما يُصابُونَ بِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا عَنْهم لِذَنْبٍ ولا مُحَصِّلًا لِصَوابٍ، وبِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعاجِلُهم في الدُّنْيا بَلْ يُمْهِلُهم إلى الدّارِ الآخِرَةِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والعَفْوُ يَصْدُقُ عَلى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما يَصْدُقُ عَلى مَحْوِ الذَّنْبِ ورَفْعِ الخِطابِ بِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لا يُعَجَّلُ لَهُ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلَيْهِ هَرَبًا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ لَوْ كانُوا فِيها بَلْ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَصائِبِ واقِعٌ عَلَيْهِمْ نازِلٌ بِهِمْ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيكم فَيَمْنَعُ عَنْكم ما قَضاهُ اللَّهُ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - آيَةً أُخْرى مِن آياتِهِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو " الجَوارِي " بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وأمّا في الوَقْفِ فَإثْباتُها عَلى الأصْلِ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ، وهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ أيْ: سائِرَةٌ ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ فَقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عَلَمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأعْلامُ القُصُورُ واحِدُها عَلَمٌ. ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ يَشَأْ وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ " الرِّياحَ " عَلى الجَمْعِ أيْ: يُسْكِنِ الرِّيحَ الَّتِي بِها السُّفُنُ فَيَظْلَلْنَ أيِ: السُّفُنُ رَواكِدَ أيْ: سَواكِنَ ثَوابِتَ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ البَحْرِ. يُقالُ: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا: سَكَنَ، وكَذَلِكَ رَكَدَتِ الرِّيحُ ورَكَدَتِ السَّفِينَةُ وكُلُّ ثابِتٍ في مَكانٍ فَهو راكِدٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَظْلَلْنَ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى، وقَرَأ قَتادَةُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ السُّفُنِ لَآياتٍ دَلالاتٍ عَظِيمَةٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن كانَ كَثِيرَ الصَّبْرِ عَلى البَلْوى كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلى النَّعْماءِ. قالَ قُطْرُبٌ: الصَّبّارُ: الشَّكُورُ الَّذِي إذا أُعْطِيَ شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ؎فَكَمْ مِن مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكِرٍ ∗∗∗ وكَمْ مِن مُبْتَلًى غَيْرِ صابِرٍ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُسْكِنِ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ، والمُرادُ أهْلَكَهُنَّ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بِما أشْرَكُوا. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ يُهْلِكُ في البَحْرِ المُشْرِكَ وغَيْرَ المُشْرِكِ، يُقالُ: أوْبَقَهُ أيْ: أهْلَكَهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن أهْلِها بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الغَرَقِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْفُ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ إشْكالٌ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَتَبْقى تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدَ أوْ يُهْلِكُها بِذُنُوبِ أهْلِها فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ يَعْفُ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَعْفُ ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ العَفْوِ مِن غَيْرِ شَرْطِ المَشِيئَةِ فَهو إذَنْ عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لا مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. قالَ أبُو حَيّانَ: وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ يُفْهَمْ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ، والمَعْنى: إلّا أنَّهُ - تَعالى - أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وقَرَأ الأعْمَشُ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ ∗∗∗ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ بِنَصْبِ ونَأْخُذَ. ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ يَعْلَمَ قالَ الزَّجّاجُ: عَلى الصَّرْفِ، قالَ: ومَعْنى الصَّرْفِ صَرْفُ العَطْفِ عَلى اللَّفْظِ إلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُ ويَعْلَمَ مَجْزُومًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ يَكُونُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ بِعِلْمٍ عَدَلَ إلى العَطْفِ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإضْمارِ أنْ لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ اسْمٍ، ومِن هَذا بَيْتا النّابِغَةِ المَذْكُورانِ قَرِيبًا، وكَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واعْتُرِضَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى العَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ لِيَنْتَقِمَ (p-١٣٣١)مِنهم. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ " يَعْلَمَ " عَلى الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى واضِحَةُ اللَّفْظِ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ عَلى مَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإهْلاكِ والنَّجاةِ والتَّحْذِيرِ، ومَعْنى ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ما لَهم مِن فِرارٍ ولا مَهْرَبٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَهم مِن مَلْجَأٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاصَ بِهِ البَعِيرُ حَيْصَةً: إذا رَمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ يَحِيصُ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَمِيلُ عَنْهُ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ذَكَرَ التَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ في الرِّزْقِ فَإنَّما هو مَتاعٌ قَلِيلٌ في أيّامٍ قَلِيلَةٍ يَنْقَضِي ويَذْهَبُ. ثُمَّ رَغَّبَهم في ثَوابِ الآخِرَةِ وما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فَقالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ والجَزاءِ عَلَيْها بِالجَنّاتِ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وأبْقى لِأنَّهُ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، ومَتاعُ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الإيمانُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ شُؤُونِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ: أعْنِي والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾: الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَها في سُورَةِ النِّساءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَبِيرَ " بِالإفْرادِ وهو يُفِيدُ مُفادَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِلْجِنْسِ كاللّامِ. والفَواحِشُ: هي مِنَ الكَبائِرِ ولَكِنَّها مَعَ وصْفِ كَوْنِها فاحِشَةً كَأنَّها فَوْقَها، وذَلِكَ كالقَتْلِ والزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَواحِشُ مُوجِباتُ الحُدُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي أغْضَبَهم ويَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْمِلُونَ عَلى مَن ظَلَمَهم، وخُصَّ الغَضَبُ بِالغُفْرانِ لِأنَّ اسْتِيلاءَهُ عَلى طَبْعِ الإنْسانِ وغَلَبَتَهُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ، فَلا يَغْفِرُ عِنْدَ سَوْرَةِ الغَضَبِ إلّا مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وخَصَّهُ بِمَزِيَّةِ الحِلْمِ، ولِهَذا أثْنى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفًا يَعْفُونَ عَنْ ظالِمِهِمْ فَبَدَأ بِذِكْرِهِمْ، وصِنْفًا يَنْتَصِرُونَ مِن ظالِمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ سَيَأْتِي ذِكْرُهم. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ وأقامُوا ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن فَرِيضَةِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْصارُ بِالمَدِينَةِ اسْتَجابُوا إلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أنْفَذَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنهم قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا الصَّلاةَ لِمَواقِيتِها بِشُرُوطِها وهَيْئاتِها ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم ولا يَعْجَلُونَ ولا يَنْفَرِدُونَ بِالرَّأْيِ، والشُّورى مَصْدَرُ شاوَرْتُهُ مِثْلَ البُشْرى والذِّكْرى. قالَ الضَّحّاكُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حِينَ اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ تَشاوُرُهم في كُلِّ أمْرٍ يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِرَأْيٍ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ: ؎إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فِاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ؎ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ فَرِيشُ الحَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشاوِرُ أصْحابَهُ في أُمُورِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ فَقالَ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَدْ قَدَّمْنا في آلِ عِمْرانَ كَلامًا في الشُّورى ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ ويَتَصَدَّقُونَ بِهِ عَلى المَحاوِيجِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ. ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها حَقٌّ جائِزٌ بَيَّنَ فَضِيلَةَ العَفْوِ فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وأصْلَحَ بِالعَفْوِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ أيْ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ، وأُبْهِمَ الأجْرُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ العَفْوُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خُرُوجَ الظَّلَمَةِ عَنْ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هي سَبَبُ الفَوْزِ والنَّجاةِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُبْتَدِئِينَ بِالظُّلْمِ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَن يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: لا يُحِبُّ مَن يَتَعَدّى في الِاقْتِصاصِ ويُجاوِزُ الحَدَّ فِيهِ لِأنَّ المُجاوَزَةَ ظُلْمٌ. ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ: بَعْدَ أنْ ظَلَمَهُ الظّالِمُ لَهُ، واللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ القَسَمِ، والأوَّلُ أوْلى. ومَن هي الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِمُؤاخَذَةٍ وعُقُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن هي المَوْصُولَةُ ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولَةِ بِالشَّرْطِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى. ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - السَّبِيلَ عَلى مَنِ (p-١٣٣٢)انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَيَّنَ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ فَقالَ: ٤٢ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً. كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في النُّفُوسِ والأمْوالِ بِغَيْرِ الحَقِّ كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَغْيُهم: عَمَلُهم بِالمَعاصِي، وقِيلَ: يَتَكَبَّرُونَ ويَتَجَبَّرُونَ. وقالَ أبُو مالِكٍ: هو ما يَرْجُوهُ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: لَهم بِهَذا السَّبَبِ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ. ثُمَّ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ - في الصَّبْرِ والعَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ أيْ: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ، والكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ ومَن كالكَلامِ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، إنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ والمَغْفِرَةَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: " السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ " . قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، وقالُ الزَّجّاجُ: الصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فالرَّغْبَةُ في الثَّوابِ أتَمُّ عَزْمًا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مَنسُوخٌ بِالجِهادِ وأنَّهُ خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ عامٌّ، وهو ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَما لَهُ مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ ويَنْصُرُهُ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِمَن أعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعْمَلْ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ: ما أصابَكم مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في الدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، واللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا، فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِهِ، وكانَ قَدِ ابْتُلِيَ في جَسَدِهِ، فَقالَ: إنّا لَنَبْتَئِسُ لَكَ لِما نَرى فِيكَ، قالَ: فَلا تَبْتَئِسْ لِما تَرى، فَإنَّ ما تَرى بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ إلى آخِرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئاتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ولا خَدْشُ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قالَ: يَتَحَرَّكْنَ ولا يَجْرِينَ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَواكِدَ﴾ قالَ: وُقُوفًا أوْ يُوبِقْهُنَّ قالَ: يُهْلِكْهُنَّ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ. قالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ وعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ لِي: سُبِّيها، فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها، ووَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ سُرُورًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «المُسْتَبّانِ ما قالا مِن شَيْءٍ فَعَلى البادِئِ حَتّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهِ مُنادِيًا يُنادِي ألا لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا في الدُّنْيا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُنادِي مُنادٍ مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُومُ مَن عَفا عَنْ أخِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» .

الشورى 42:36

ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِتَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقُهُما عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ العَجِيبَةِ والصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى خَلْقِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى السَّماواتِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ ما بَثَّ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ وما بَثَّ في أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَدْخُلُ في هَذا المَلائِكَةُ والنّاسُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٨]، ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمْعِهِمْ لا بِقَدِيرٍ قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي، وهو عَلى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إذا يَشاءُ فَتَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِالمَشِيئَةِ وهو مُحالٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ مُحالًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنْ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِما لَمْ (p-١٣٣٠)يَشَأِ اللَّهُ مَشى كَلامُهُ، ولَكِنَّهُ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ. ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم﴾ أيْ: ما أصابَكم مِنَ المَصائِبِ كائِنَةً ما كانَتْ فَبِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم مِنَ المَعاصِي. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " بِما كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفاءِ، و" ما " في ﴿وما أصابَكُمْ﴾ هي الشَّرْطِيَّةُ، ولِهَذا دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ الحَذْفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ فَيَكُونُ الحَذْفُ والإثْباتُ جائِزَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الفاءِ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن حَذَفَ الفاءَ فَعَلى أنَّ ما في مَعْنى الَّذِي، والمَعْنى: الَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم. قالَ الحَسَنُ: المُصِيبَةُ هُنا الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ودُخُولُ مِنَ الِاسْتِغْرِاقِيَّةِ عَلَيْها ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُها العِبادُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنِ العَبْدِ بِما يُصِيبُهُ مِنَ المَصائِبِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وقَدْ ثَبَتَتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ جَمِيعَ ما يُصابُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِينَ عَلى مَعْنى: أنَّ ما يُصابُونَ بِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا عَنْهم لِذَنْبٍ ولا مُحَصِّلًا لِصَوابٍ، وبِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعاجِلُهم في الدُّنْيا بَلْ يُمْهِلُهم إلى الدّارِ الآخِرَةِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والعَفْوُ يَصْدُقُ عَلى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما يَصْدُقُ عَلى مَحْوِ الذَّنْبِ ورَفْعِ الخِطابِ بِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لا يُعَجَّلُ لَهُ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلَيْهِ هَرَبًا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ لَوْ كانُوا فِيها بَلْ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَصائِبِ واقِعٌ عَلَيْهِمْ نازِلٌ بِهِمْ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيكم فَيَمْنَعُ عَنْكم ما قَضاهُ اللَّهُ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - آيَةً أُخْرى مِن آياتِهِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو " الجَوارِي " بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وأمّا في الوَقْفِ فَإثْباتُها عَلى الأصْلِ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ، وهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ أيْ: سائِرَةٌ ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ فَقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عَلَمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأعْلامُ القُصُورُ واحِدُها عَلَمٌ. ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ يَشَأْ وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ " الرِّياحَ " عَلى الجَمْعِ أيْ: يُسْكِنِ الرِّيحَ الَّتِي بِها السُّفُنُ فَيَظْلَلْنَ أيِ: السُّفُنُ رَواكِدَ أيْ: سَواكِنَ ثَوابِتَ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ البَحْرِ. يُقالُ: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا: سَكَنَ، وكَذَلِكَ رَكَدَتِ الرِّيحُ ورَكَدَتِ السَّفِينَةُ وكُلُّ ثابِتٍ في مَكانٍ فَهو راكِدٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَظْلَلْنَ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى، وقَرَأ قَتادَةُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ السُّفُنِ لَآياتٍ دَلالاتٍ عَظِيمَةٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن كانَ كَثِيرَ الصَّبْرِ عَلى البَلْوى كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلى النَّعْماءِ. قالَ قُطْرُبٌ: الصَّبّارُ: الشَّكُورُ الَّذِي إذا أُعْطِيَ شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ؎فَكَمْ مِن مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكِرٍ ∗∗∗ وكَمْ مِن مُبْتَلًى غَيْرِ صابِرٍ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُسْكِنِ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ، والمُرادُ أهْلَكَهُنَّ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بِما أشْرَكُوا. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ يُهْلِكُ في البَحْرِ المُشْرِكَ وغَيْرَ المُشْرِكِ، يُقالُ: أوْبَقَهُ أيْ: أهْلَكَهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن أهْلِها بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الغَرَقِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْفُ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ إشْكالٌ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَتَبْقى تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدَ أوْ يُهْلِكُها بِذُنُوبِ أهْلِها فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ يَعْفُ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَعْفُ ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ العَفْوِ مِن غَيْرِ شَرْطِ المَشِيئَةِ فَهو إذَنْ عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لا مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. قالَ أبُو حَيّانَ: وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ يُفْهَمْ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ، والمَعْنى: إلّا أنَّهُ - تَعالى - أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وقَرَأ الأعْمَشُ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ ∗∗∗ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ بِنَصْبِ ونَأْخُذَ. ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ يَعْلَمَ قالَ الزَّجّاجُ: عَلى الصَّرْفِ، قالَ: ومَعْنى الصَّرْفِ صَرْفُ العَطْفِ عَلى اللَّفْظِ إلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُ ويَعْلَمَ مَجْزُومًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ يَكُونُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ بِعِلْمٍ عَدَلَ إلى العَطْفِ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإضْمارِ أنْ لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ اسْمٍ، ومِن هَذا بَيْتا النّابِغَةِ المَذْكُورانِ قَرِيبًا، وكَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واعْتُرِضَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى العَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ لِيَنْتَقِمَ (p-١٣٣١)مِنهم. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ " يَعْلَمَ " عَلى الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى واضِحَةُ اللَّفْظِ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ عَلى مَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإهْلاكِ والنَّجاةِ والتَّحْذِيرِ، ومَعْنى ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ما لَهم مِن فِرارٍ ولا مَهْرَبٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَهم مِن مَلْجَأٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاصَ بِهِ البَعِيرُ حَيْصَةً: إذا رَمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ يَحِيصُ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَمِيلُ عَنْهُ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ذَكَرَ التَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ في الرِّزْقِ فَإنَّما هو مَتاعٌ قَلِيلٌ في أيّامٍ قَلِيلَةٍ يَنْقَضِي ويَذْهَبُ. ثُمَّ رَغَّبَهم في ثَوابِ الآخِرَةِ وما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فَقالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ والجَزاءِ عَلَيْها بِالجَنّاتِ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وأبْقى لِأنَّهُ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، ومَتاعُ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الإيمانُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ شُؤُونِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ: أعْنِي والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾: الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَها في سُورَةِ النِّساءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَبِيرَ " بِالإفْرادِ وهو يُفِيدُ مُفادَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِلْجِنْسِ كاللّامِ. والفَواحِشُ: هي مِنَ الكَبائِرِ ولَكِنَّها مَعَ وصْفِ كَوْنِها فاحِشَةً كَأنَّها فَوْقَها، وذَلِكَ كالقَتْلِ والزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَواحِشُ مُوجِباتُ الحُدُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي أغْضَبَهم ويَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْمِلُونَ عَلى مَن ظَلَمَهم، وخُصَّ الغَضَبُ بِالغُفْرانِ لِأنَّ اسْتِيلاءَهُ عَلى طَبْعِ الإنْسانِ وغَلَبَتَهُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ، فَلا يَغْفِرُ عِنْدَ سَوْرَةِ الغَضَبِ إلّا مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وخَصَّهُ بِمَزِيَّةِ الحِلْمِ، ولِهَذا أثْنى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفًا يَعْفُونَ عَنْ ظالِمِهِمْ فَبَدَأ بِذِكْرِهِمْ، وصِنْفًا يَنْتَصِرُونَ مِن ظالِمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ سَيَأْتِي ذِكْرُهم. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ وأقامُوا ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن فَرِيضَةِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْصارُ بِالمَدِينَةِ اسْتَجابُوا إلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أنْفَذَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنهم قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا الصَّلاةَ لِمَواقِيتِها بِشُرُوطِها وهَيْئاتِها ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم ولا يَعْجَلُونَ ولا يَنْفَرِدُونَ بِالرَّأْيِ، والشُّورى مَصْدَرُ شاوَرْتُهُ مِثْلَ البُشْرى والذِّكْرى. قالَ الضَّحّاكُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حِينَ اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ تَشاوُرُهم في كُلِّ أمْرٍ يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِرَأْيٍ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ: ؎إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فِاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ؎ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ فَرِيشُ الحَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشاوِرُ أصْحابَهُ في أُمُورِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ فَقالَ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَدْ قَدَّمْنا في آلِ عِمْرانَ كَلامًا في الشُّورى ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ ويَتَصَدَّقُونَ بِهِ عَلى المَحاوِيجِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ. ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها حَقٌّ جائِزٌ بَيَّنَ فَضِيلَةَ العَفْوِ فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وأصْلَحَ بِالعَفْوِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ أيْ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ، وأُبْهِمَ الأجْرُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ العَفْوُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خُرُوجَ الظَّلَمَةِ عَنْ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هي سَبَبُ الفَوْزِ والنَّجاةِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُبْتَدِئِينَ بِالظُّلْمِ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَن يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: لا يُحِبُّ مَن يَتَعَدّى في الِاقْتِصاصِ ويُجاوِزُ الحَدَّ فِيهِ لِأنَّ المُجاوَزَةَ ظُلْمٌ. ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ: بَعْدَ أنْ ظَلَمَهُ الظّالِمُ لَهُ، واللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ القَسَمِ، والأوَّلُ أوْلى. ومَن هي الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِمُؤاخَذَةٍ وعُقُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن هي المَوْصُولَةُ ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولَةِ بِالشَّرْطِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى. ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - السَّبِيلَ عَلى مَنِ (p-١٣٣٢)انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَيَّنَ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ فَقالَ: ٤٢ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً. كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في النُّفُوسِ والأمْوالِ بِغَيْرِ الحَقِّ كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَغْيُهم: عَمَلُهم بِالمَعاصِي، وقِيلَ: يَتَكَبَّرُونَ ويَتَجَبَّرُونَ. وقالَ أبُو مالِكٍ: هو ما يَرْجُوهُ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: لَهم بِهَذا السَّبَبِ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ. ثُمَّ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ - في الصَّبْرِ والعَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ أيْ: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ، والكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ ومَن كالكَلامِ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، إنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ والمَغْفِرَةَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: " السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ " . قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، وقالُ الزَّجّاجُ: الصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فالرَّغْبَةُ في الثَّوابِ أتَمُّ عَزْمًا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مَنسُوخٌ بِالجِهادِ وأنَّهُ خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ عامٌّ، وهو ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَما لَهُ مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ ويَنْصُرُهُ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِمَن أعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعْمَلْ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ: ما أصابَكم مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في الدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، واللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا، فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِهِ، وكانَ قَدِ ابْتُلِيَ في جَسَدِهِ، فَقالَ: إنّا لَنَبْتَئِسُ لَكَ لِما نَرى فِيكَ، قالَ: فَلا تَبْتَئِسْ لِما تَرى، فَإنَّ ما تَرى بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ إلى آخِرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئاتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ولا خَدْشُ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قالَ: يَتَحَرَّكْنَ ولا يَجْرِينَ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَواكِدَ﴾ قالَ: وُقُوفًا أوْ يُوبِقْهُنَّ قالَ: يُهْلِكْهُنَّ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ. قالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ وعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ لِي: سُبِّيها، فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها، ووَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ سُرُورًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «المُسْتَبّانِ ما قالا مِن شَيْءٍ فَعَلى البادِئِ حَتّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهِ مُنادِيًا يُنادِي ألا لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا في الدُّنْيا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُنادِي مُنادٍ مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُومُ مَن عَفا عَنْ أخِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» .

الشورى 42:37

ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِتَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقُهُما عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ العَجِيبَةِ والصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى خَلْقِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى السَّماواتِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ ما بَثَّ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ وما بَثَّ في أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَدْخُلُ في هَذا المَلائِكَةُ والنّاسُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٨]، ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمْعِهِمْ لا بِقَدِيرٍ قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي، وهو عَلى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إذا يَشاءُ فَتَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِالمَشِيئَةِ وهو مُحالٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ مُحالًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنْ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِما لَمْ (p-١٣٣٠)يَشَأِ اللَّهُ مَشى كَلامُهُ، ولَكِنَّهُ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ. ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم﴾ أيْ: ما أصابَكم مِنَ المَصائِبِ كائِنَةً ما كانَتْ فَبِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم مِنَ المَعاصِي. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " بِما كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفاءِ، و" ما " في ﴿وما أصابَكُمْ﴾ هي الشَّرْطِيَّةُ، ولِهَذا دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ الحَذْفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ فَيَكُونُ الحَذْفُ والإثْباتُ جائِزَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الفاءِ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن حَذَفَ الفاءَ فَعَلى أنَّ ما في مَعْنى الَّذِي، والمَعْنى: الَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم. قالَ الحَسَنُ: المُصِيبَةُ هُنا الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ودُخُولُ مِنَ الِاسْتِغْرِاقِيَّةِ عَلَيْها ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُها العِبادُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنِ العَبْدِ بِما يُصِيبُهُ مِنَ المَصائِبِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وقَدْ ثَبَتَتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ جَمِيعَ ما يُصابُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِينَ عَلى مَعْنى: أنَّ ما يُصابُونَ بِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا عَنْهم لِذَنْبٍ ولا مُحَصِّلًا لِصَوابٍ، وبِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعاجِلُهم في الدُّنْيا بَلْ يُمْهِلُهم إلى الدّارِ الآخِرَةِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والعَفْوُ يَصْدُقُ عَلى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما يَصْدُقُ عَلى مَحْوِ الذَّنْبِ ورَفْعِ الخِطابِ بِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لا يُعَجَّلُ لَهُ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلَيْهِ هَرَبًا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ لَوْ كانُوا فِيها بَلْ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَصائِبِ واقِعٌ عَلَيْهِمْ نازِلٌ بِهِمْ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيكم فَيَمْنَعُ عَنْكم ما قَضاهُ اللَّهُ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - آيَةً أُخْرى مِن آياتِهِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو " الجَوارِي " بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وأمّا في الوَقْفِ فَإثْباتُها عَلى الأصْلِ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ، وهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ أيْ: سائِرَةٌ ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ فَقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عَلَمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأعْلامُ القُصُورُ واحِدُها عَلَمٌ. ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ يَشَأْ وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ " الرِّياحَ " عَلى الجَمْعِ أيْ: يُسْكِنِ الرِّيحَ الَّتِي بِها السُّفُنُ فَيَظْلَلْنَ أيِ: السُّفُنُ رَواكِدَ أيْ: سَواكِنَ ثَوابِتَ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ البَحْرِ. يُقالُ: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا: سَكَنَ، وكَذَلِكَ رَكَدَتِ الرِّيحُ ورَكَدَتِ السَّفِينَةُ وكُلُّ ثابِتٍ في مَكانٍ فَهو راكِدٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَظْلَلْنَ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى، وقَرَأ قَتادَةُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ السُّفُنِ لَآياتٍ دَلالاتٍ عَظِيمَةٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن كانَ كَثِيرَ الصَّبْرِ عَلى البَلْوى كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلى النَّعْماءِ. قالَ قُطْرُبٌ: الصَّبّارُ: الشَّكُورُ الَّذِي إذا أُعْطِيَ شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ؎فَكَمْ مِن مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكِرٍ ∗∗∗ وكَمْ مِن مُبْتَلًى غَيْرِ صابِرٍ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُسْكِنِ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ، والمُرادُ أهْلَكَهُنَّ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بِما أشْرَكُوا. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ يُهْلِكُ في البَحْرِ المُشْرِكَ وغَيْرَ المُشْرِكِ، يُقالُ: أوْبَقَهُ أيْ: أهْلَكَهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن أهْلِها بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الغَرَقِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْفُ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ إشْكالٌ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَتَبْقى تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدَ أوْ يُهْلِكُها بِذُنُوبِ أهْلِها فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ يَعْفُ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَعْفُ ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ العَفْوِ مِن غَيْرِ شَرْطِ المَشِيئَةِ فَهو إذَنْ عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لا مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. قالَ أبُو حَيّانَ: وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ يُفْهَمْ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ، والمَعْنى: إلّا أنَّهُ - تَعالى - أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وقَرَأ الأعْمَشُ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ ∗∗∗ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ بِنَصْبِ ونَأْخُذَ. ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ يَعْلَمَ قالَ الزَّجّاجُ: عَلى الصَّرْفِ، قالَ: ومَعْنى الصَّرْفِ صَرْفُ العَطْفِ عَلى اللَّفْظِ إلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُ ويَعْلَمَ مَجْزُومًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ يَكُونُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ بِعِلْمٍ عَدَلَ إلى العَطْفِ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإضْمارِ أنْ لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ اسْمٍ، ومِن هَذا بَيْتا النّابِغَةِ المَذْكُورانِ قَرِيبًا، وكَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واعْتُرِضَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى العَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ لِيَنْتَقِمَ (p-١٣٣١)مِنهم. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ " يَعْلَمَ " عَلى الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى واضِحَةُ اللَّفْظِ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ عَلى مَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإهْلاكِ والنَّجاةِ والتَّحْذِيرِ، ومَعْنى ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ما لَهم مِن فِرارٍ ولا مَهْرَبٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَهم مِن مَلْجَأٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاصَ بِهِ البَعِيرُ حَيْصَةً: إذا رَمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ يَحِيصُ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَمِيلُ عَنْهُ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ذَكَرَ التَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ في الرِّزْقِ فَإنَّما هو مَتاعٌ قَلِيلٌ في أيّامٍ قَلِيلَةٍ يَنْقَضِي ويَذْهَبُ. ثُمَّ رَغَّبَهم في ثَوابِ الآخِرَةِ وما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فَقالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ والجَزاءِ عَلَيْها بِالجَنّاتِ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وأبْقى لِأنَّهُ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، ومَتاعُ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الإيمانُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ شُؤُونِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ: أعْنِي والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾: الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَها في سُورَةِ النِّساءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَبِيرَ " بِالإفْرادِ وهو يُفِيدُ مُفادَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِلْجِنْسِ كاللّامِ. والفَواحِشُ: هي مِنَ الكَبائِرِ ولَكِنَّها مَعَ وصْفِ كَوْنِها فاحِشَةً كَأنَّها فَوْقَها، وذَلِكَ كالقَتْلِ والزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَواحِشُ مُوجِباتُ الحُدُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي أغْضَبَهم ويَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْمِلُونَ عَلى مَن ظَلَمَهم، وخُصَّ الغَضَبُ بِالغُفْرانِ لِأنَّ اسْتِيلاءَهُ عَلى طَبْعِ الإنْسانِ وغَلَبَتَهُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ، فَلا يَغْفِرُ عِنْدَ سَوْرَةِ الغَضَبِ إلّا مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وخَصَّهُ بِمَزِيَّةِ الحِلْمِ، ولِهَذا أثْنى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفًا يَعْفُونَ عَنْ ظالِمِهِمْ فَبَدَأ بِذِكْرِهِمْ، وصِنْفًا يَنْتَصِرُونَ مِن ظالِمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ سَيَأْتِي ذِكْرُهم. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ وأقامُوا ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن فَرِيضَةِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْصارُ بِالمَدِينَةِ اسْتَجابُوا إلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أنْفَذَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنهم قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا الصَّلاةَ لِمَواقِيتِها بِشُرُوطِها وهَيْئاتِها ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم ولا يَعْجَلُونَ ولا يَنْفَرِدُونَ بِالرَّأْيِ، والشُّورى مَصْدَرُ شاوَرْتُهُ مِثْلَ البُشْرى والذِّكْرى. قالَ الضَّحّاكُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حِينَ اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ تَشاوُرُهم في كُلِّ أمْرٍ يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِرَأْيٍ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ: ؎إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فِاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ؎ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ فَرِيشُ الحَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشاوِرُ أصْحابَهُ في أُمُورِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ فَقالَ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَدْ قَدَّمْنا في آلِ عِمْرانَ كَلامًا في الشُّورى ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ ويَتَصَدَّقُونَ بِهِ عَلى المَحاوِيجِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ. ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها حَقٌّ جائِزٌ بَيَّنَ فَضِيلَةَ العَفْوِ فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وأصْلَحَ بِالعَفْوِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ أيْ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ، وأُبْهِمَ الأجْرُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ العَفْوُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خُرُوجَ الظَّلَمَةِ عَنْ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هي سَبَبُ الفَوْزِ والنَّجاةِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُبْتَدِئِينَ بِالظُّلْمِ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَن يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: لا يُحِبُّ مَن يَتَعَدّى في الِاقْتِصاصِ ويُجاوِزُ الحَدَّ فِيهِ لِأنَّ المُجاوَزَةَ ظُلْمٌ. ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ: بَعْدَ أنْ ظَلَمَهُ الظّالِمُ لَهُ، واللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ القَسَمِ، والأوَّلُ أوْلى. ومَن هي الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِمُؤاخَذَةٍ وعُقُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن هي المَوْصُولَةُ ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولَةِ بِالشَّرْطِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى. ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - السَّبِيلَ عَلى مَنِ (p-١٣٣٢)انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَيَّنَ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ فَقالَ: ٤٢ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً. كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في النُّفُوسِ والأمْوالِ بِغَيْرِ الحَقِّ كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَغْيُهم: عَمَلُهم بِالمَعاصِي، وقِيلَ: يَتَكَبَّرُونَ ويَتَجَبَّرُونَ. وقالَ أبُو مالِكٍ: هو ما يَرْجُوهُ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: لَهم بِهَذا السَّبَبِ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ. ثُمَّ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ - في الصَّبْرِ والعَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ أيْ: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ، والكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ ومَن كالكَلامِ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، إنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ والمَغْفِرَةَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: " السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ " . قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، وقالُ الزَّجّاجُ: الصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فالرَّغْبَةُ في الثَّوابِ أتَمُّ عَزْمًا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مَنسُوخٌ بِالجِهادِ وأنَّهُ خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ عامٌّ، وهو ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَما لَهُ مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ ويَنْصُرُهُ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِمَن أعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعْمَلْ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ: ما أصابَكم مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في الدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، واللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا، فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِهِ، وكانَ قَدِ ابْتُلِيَ في جَسَدِهِ، فَقالَ: إنّا لَنَبْتَئِسُ لَكَ لِما نَرى فِيكَ، قالَ: فَلا تَبْتَئِسْ لِما تَرى، فَإنَّ ما تَرى بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ إلى آخِرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئاتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ولا خَدْشُ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قالَ: يَتَحَرَّكْنَ ولا يَجْرِينَ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَواكِدَ﴾ قالَ: وُقُوفًا أوْ يُوبِقْهُنَّ قالَ: يُهْلِكْهُنَّ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ. قالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ وعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ لِي: سُبِّيها، فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها، ووَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ سُرُورًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «المُسْتَبّانِ ما قالا مِن شَيْءٍ فَعَلى البادِئِ حَتّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهِ مُنادِيًا يُنادِي ألا لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا في الدُّنْيا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُنادِي مُنادٍ مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُومُ مَن عَفا عَنْ أخِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» .

الشورى 42:38

ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِتَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقُهُما عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ العَجِيبَةِ والصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى خَلْقِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى السَّماواتِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ ما بَثَّ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ وما بَثَّ في أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَدْخُلُ في هَذا المَلائِكَةُ والنّاسُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٨]، ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمْعِهِمْ لا بِقَدِيرٍ قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي، وهو عَلى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إذا يَشاءُ فَتَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِالمَشِيئَةِ وهو مُحالٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ مُحالًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنْ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِما لَمْ (p-١٣٣٠)يَشَأِ اللَّهُ مَشى كَلامُهُ، ولَكِنَّهُ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ. ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم﴾ أيْ: ما أصابَكم مِنَ المَصائِبِ كائِنَةً ما كانَتْ فَبِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم مِنَ المَعاصِي. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " بِما كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفاءِ، و" ما " في ﴿وما أصابَكُمْ﴾ هي الشَّرْطِيَّةُ، ولِهَذا دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ الحَذْفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ فَيَكُونُ الحَذْفُ والإثْباتُ جائِزَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الفاءِ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن حَذَفَ الفاءَ فَعَلى أنَّ ما في مَعْنى الَّذِي، والمَعْنى: الَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم. قالَ الحَسَنُ: المُصِيبَةُ هُنا الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ودُخُولُ مِنَ الِاسْتِغْرِاقِيَّةِ عَلَيْها ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُها العِبادُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنِ العَبْدِ بِما يُصِيبُهُ مِنَ المَصائِبِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وقَدْ ثَبَتَتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ جَمِيعَ ما يُصابُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِينَ عَلى مَعْنى: أنَّ ما يُصابُونَ بِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا عَنْهم لِذَنْبٍ ولا مُحَصِّلًا لِصَوابٍ، وبِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعاجِلُهم في الدُّنْيا بَلْ يُمْهِلُهم إلى الدّارِ الآخِرَةِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والعَفْوُ يَصْدُقُ عَلى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما يَصْدُقُ عَلى مَحْوِ الذَّنْبِ ورَفْعِ الخِطابِ بِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لا يُعَجَّلُ لَهُ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلَيْهِ هَرَبًا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ لَوْ كانُوا فِيها بَلْ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَصائِبِ واقِعٌ عَلَيْهِمْ نازِلٌ بِهِمْ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيكم فَيَمْنَعُ عَنْكم ما قَضاهُ اللَّهُ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - آيَةً أُخْرى مِن آياتِهِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو " الجَوارِي " بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وأمّا في الوَقْفِ فَإثْباتُها عَلى الأصْلِ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ، وهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ أيْ: سائِرَةٌ ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ فَقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عَلَمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأعْلامُ القُصُورُ واحِدُها عَلَمٌ. ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ يَشَأْ وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ " الرِّياحَ " عَلى الجَمْعِ أيْ: يُسْكِنِ الرِّيحَ الَّتِي بِها السُّفُنُ فَيَظْلَلْنَ أيِ: السُّفُنُ رَواكِدَ أيْ: سَواكِنَ ثَوابِتَ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ البَحْرِ. يُقالُ: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا: سَكَنَ، وكَذَلِكَ رَكَدَتِ الرِّيحُ ورَكَدَتِ السَّفِينَةُ وكُلُّ ثابِتٍ في مَكانٍ فَهو راكِدٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَظْلَلْنَ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى، وقَرَأ قَتادَةُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ السُّفُنِ لَآياتٍ دَلالاتٍ عَظِيمَةٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن كانَ كَثِيرَ الصَّبْرِ عَلى البَلْوى كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلى النَّعْماءِ. قالَ قُطْرُبٌ: الصَّبّارُ: الشَّكُورُ الَّذِي إذا أُعْطِيَ شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ؎فَكَمْ مِن مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكِرٍ ∗∗∗ وكَمْ مِن مُبْتَلًى غَيْرِ صابِرٍ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُسْكِنِ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ، والمُرادُ أهْلَكَهُنَّ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بِما أشْرَكُوا. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ يُهْلِكُ في البَحْرِ المُشْرِكَ وغَيْرَ المُشْرِكِ، يُقالُ: أوْبَقَهُ أيْ: أهْلَكَهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن أهْلِها بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الغَرَقِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْفُ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ إشْكالٌ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَتَبْقى تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدَ أوْ يُهْلِكُها بِذُنُوبِ أهْلِها فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ يَعْفُ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَعْفُ ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ العَفْوِ مِن غَيْرِ شَرْطِ المَشِيئَةِ فَهو إذَنْ عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لا مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. قالَ أبُو حَيّانَ: وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ يُفْهَمْ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ، والمَعْنى: إلّا أنَّهُ - تَعالى - أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وقَرَأ الأعْمَشُ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ ∗∗∗ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ بِنَصْبِ ونَأْخُذَ. ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ يَعْلَمَ قالَ الزَّجّاجُ: عَلى الصَّرْفِ، قالَ: ومَعْنى الصَّرْفِ صَرْفُ العَطْفِ عَلى اللَّفْظِ إلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُ ويَعْلَمَ مَجْزُومًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ يَكُونُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ بِعِلْمٍ عَدَلَ إلى العَطْفِ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإضْمارِ أنْ لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ اسْمٍ، ومِن هَذا بَيْتا النّابِغَةِ المَذْكُورانِ قَرِيبًا، وكَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واعْتُرِضَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى العَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ لِيَنْتَقِمَ (p-١٣٣١)مِنهم. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ " يَعْلَمَ " عَلى الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى واضِحَةُ اللَّفْظِ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ عَلى مَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإهْلاكِ والنَّجاةِ والتَّحْذِيرِ، ومَعْنى ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ما لَهم مِن فِرارٍ ولا مَهْرَبٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَهم مِن مَلْجَأٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاصَ بِهِ البَعِيرُ حَيْصَةً: إذا رَمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ يَحِيصُ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَمِيلُ عَنْهُ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ذَكَرَ التَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ في الرِّزْقِ فَإنَّما هو مَتاعٌ قَلِيلٌ في أيّامٍ قَلِيلَةٍ يَنْقَضِي ويَذْهَبُ. ثُمَّ رَغَّبَهم في ثَوابِ الآخِرَةِ وما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فَقالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ والجَزاءِ عَلَيْها بِالجَنّاتِ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وأبْقى لِأنَّهُ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، ومَتاعُ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الإيمانُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ شُؤُونِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ: أعْنِي والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾: الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَها في سُورَةِ النِّساءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَبِيرَ " بِالإفْرادِ وهو يُفِيدُ مُفادَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِلْجِنْسِ كاللّامِ. والفَواحِشُ: هي مِنَ الكَبائِرِ ولَكِنَّها مَعَ وصْفِ كَوْنِها فاحِشَةً كَأنَّها فَوْقَها، وذَلِكَ كالقَتْلِ والزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَواحِشُ مُوجِباتُ الحُدُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي أغْضَبَهم ويَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْمِلُونَ عَلى مَن ظَلَمَهم، وخُصَّ الغَضَبُ بِالغُفْرانِ لِأنَّ اسْتِيلاءَهُ عَلى طَبْعِ الإنْسانِ وغَلَبَتَهُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ، فَلا يَغْفِرُ عِنْدَ سَوْرَةِ الغَضَبِ إلّا مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وخَصَّهُ بِمَزِيَّةِ الحِلْمِ، ولِهَذا أثْنى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفًا يَعْفُونَ عَنْ ظالِمِهِمْ فَبَدَأ بِذِكْرِهِمْ، وصِنْفًا يَنْتَصِرُونَ مِن ظالِمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ سَيَأْتِي ذِكْرُهم. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ وأقامُوا ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن فَرِيضَةِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْصارُ بِالمَدِينَةِ اسْتَجابُوا إلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أنْفَذَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنهم قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا الصَّلاةَ لِمَواقِيتِها بِشُرُوطِها وهَيْئاتِها ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم ولا يَعْجَلُونَ ولا يَنْفَرِدُونَ بِالرَّأْيِ، والشُّورى مَصْدَرُ شاوَرْتُهُ مِثْلَ البُشْرى والذِّكْرى. قالَ الضَّحّاكُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حِينَ اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ تَشاوُرُهم في كُلِّ أمْرٍ يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِرَأْيٍ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ: ؎إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فِاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ؎ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ فَرِيشُ الحَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشاوِرُ أصْحابَهُ في أُمُورِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ فَقالَ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَدْ قَدَّمْنا في آلِ عِمْرانَ كَلامًا في الشُّورى ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ ويَتَصَدَّقُونَ بِهِ عَلى المَحاوِيجِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ. ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها حَقٌّ جائِزٌ بَيَّنَ فَضِيلَةَ العَفْوِ فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وأصْلَحَ بِالعَفْوِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ أيْ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ، وأُبْهِمَ الأجْرُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ العَفْوُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خُرُوجَ الظَّلَمَةِ عَنْ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هي سَبَبُ الفَوْزِ والنَّجاةِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُبْتَدِئِينَ بِالظُّلْمِ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَن يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: لا يُحِبُّ مَن يَتَعَدّى في الِاقْتِصاصِ ويُجاوِزُ الحَدَّ فِيهِ لِأنَّ المُجاوَزَةَ ظُلْمٌ. ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ: بَعْدَ أنْ ظَلَمَهُ الظّالِمُ لَهُ، واللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ القَسَمِ، والأوَّلُ أوْلى. ومَن هي الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِمُؤاخَذَةٍ وعُقُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن هي المَوْصُولَةُ ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولَةِ بِالشَّرْطِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى. ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - السَّبِيلَ عَلى مَنِ (p-١٣٣٢)انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَيَّنَ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ فَقالَ: ٤٢ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً. كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في النُّفُوسِ والأمْوالِ بِغَيْرِ الحَقِّ كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَغْيُهم: عَمَلُهم بِالمَعاصِي، وقِيلَ: يَتَكَبَّرُونَ ويَتَجَبَّرُونَ. وقالَ أبُو مالِكٍ: هو ما يَرْجُوهُ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: لَهم بِهَذا السَّبَبِ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ. ثُمَّ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ - في الصَّبْرِ والعَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ أيْ: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ، والكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ ومَن كالكَلامِ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، إنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ والمَغْفِرَةَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: " السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ " . قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، وقالُ الزَّجّاجُ: الصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فالرَّغْبَةُ في الثَّوابِ أتَمُّ عَزْمًا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مَنسُوخٌ بِالجِهادِ وأنَّهُ خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ عامٌّ، وهو ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَما لَهُ مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ ويَنْصُرُهُ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِمَن أعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعْمَلْ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ: ما أصابَكم مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في الدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، واللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا، فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِهِ، وكانَ قَدِ ابْتُلِيَ في جَسَدِهِ، فَقالَ: إنّا لَنَبْتَئِسُ لَكَ لِما نَرى فِيكَ، قالَ: فَلا تَبْتَئِسْ لِما تَرى، فَإنَّ ما تَرى بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ إلى آخِرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئاتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ولا خَدْشُ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قالَ: يَتَحَرَّكْنَ ولا يَجْرِينَ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَواكِدَ﴾ قالَ: وُقُوفًا أوْ يُوبِقْهُنَّ قالَ: يُهْلِكْهُنَّ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ. قالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ وعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ لِي: سُبِّيها، فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها، ووَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ سُرُورًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «المُسْتَبّانِ ما قالا مِن شَيْءٍ فَعَلى البادِئِ حَتّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهِ مُنادِيًا يُنادِي ألا لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا في الدُّنْيا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُنادِي مُنادٍ مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُومُ مَن عَفا عَنْ أخِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» .

الشورى 42:39

ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِتَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقُهُما عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ العَجِيبَةِ والصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى خَلْقِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى السَّماواتِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ ما بَثَّ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ وما بَثَّ في أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَدْخُلُ في هَذا المَلائِكَةُ والنّاسُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٨]، ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمْعِهِمْ لا بِقَدِيرٍ قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي، وهو عَلى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إذا يَشاءُ فَتَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِالمَشِيئَةِ وهو مُحالٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ مُحالًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنْ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِما لَمْ (p-١٣٣٠)يَشَأِ اللَّهُ مَشى كَلامُهُ، ولَكِنَّهُ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ. ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم﴾ أيْ: ما أصابَكم مِنَ المَصائِبِ كائِنَةً ما كانَتْ فَبِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم مِنَ المَعاصِي. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " بِما كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفاءِ، و" ما " في ﴿وما أصابَكُمْ﴾ هي الشَّرْطِيَّةُ، ولِهَذا دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ الحَذْفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ فَيَكُونُ الحَذْفُ والإثْباتُ جائِزَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الفاءِ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن حَذَفَ الفاءَ فَعَلى أنَّ ما في مَعْنى الَّذِي، والمَعْنى: الَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم. قالَ الحَسَنُ: المُصِيبَةُ هُنا الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ودُخُولُ مِنَ الِاسْتِغْرِاقِيَّةِ عَلَيْها ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُها العِبادُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنِ العَبْدِ بِما يُصِيبُهُ مِنَ المَصائِبِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وقَدْ ثَبَتَتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ جَمِيعَ ما يُصابُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِينَ عَلى مَعْنى: أنَّ ما يُصابُونَ بِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا عَنْهم لِذَنْبٍ ولا مُحَصِّلًا لِصَوابٍ، وبِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعاجِلُهم في الدُّنْيا بَلْ يُمْهِلُهم إلى الدّارِ الآخِرَةِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والعَفْوُ يَصْدُقُ عَلى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما يَصْدُقُ عَلى مَحْوِ الذَّنْبِ ورَفْعِ الخِطابِ بِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لا يُعَجَّلُ لَهُ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلَيْهِ هَرَبًا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ لَوْ كانُوا فِيها بَلْ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَصائِبِ واقِعٌ عَلَيْهِمْ نازِلٌ بِهِمْ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيكم فَيَمْنَعُ عَنْكم ما قَضاهُ اللَّهُ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - آيَةً أُخْرى مِن آياتِهِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو " الجَوارِي " بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وأمّا في الوَقْفِ فَإثْباتُها عَلى الأصْلِ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ، وهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ أيْ: سائِرَةٌ ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ فَقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عَلَمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأعْلامُ القُصُورُ واحِدُها عَلَمٌ. ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ يَشَأْ وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ " الرِّياحَ " عَلى الجَمْعِ أيْ: يُسْكِنِ الرِّيحَ الَّتِي بِها السُّفُنُ فَيَظْلَلْنَ أيِ: السُّفُنُ رَواكِدَ أيْ: سَواكِنَ ثَوابِتَ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ البَحْرِ. يُقالُ: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا: سَكَنَ، وكَذَلِكَ رَكَدَتِ الرِّيحُ ورَكَدَتِ السَّفِينَةُ وكُلُّ ثابِتٍ في مَكانٍ فَهو راكِدٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَظْلَلْنَ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى، وقَرَأ قَتادَةُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ السُّفُنِ لَآياتٍ دَلالاتٍ عَظِيمَةٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن كانَ كَثِيرَ الصَّبْرِ عَلى البَلْوى كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلى النَّعْماءِ. قالَ قُطْرُبٌ: الصَّبّارُ: الشَّكُورُ الَّذِي إذا أُعْطِيَ شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ؎فَكَمْ مِن مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكِرٍ ∗∗∗ وكَمْ مِن مُبْتَلًى غَيْرِ صابِرٍ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُسْكِنِ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ، والمُرادُ أهْلَكَهُنَّ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بِما أشْرَكُوا. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ يُهْلِكُ في البَحْرِ المُشْرِكَ وغَيْرَ المُشْرِكِ، يُقالُ: أوْبَقَهُ أيْ: أهْلَكَهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن أهْلِها بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الغَرَقِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْفُ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ إشْكالٌ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَتَبْقى تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدَ أوْ يُهْلِكُها بِذُنُوبِ أهْلِها فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ يَعْفُ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَعْفُ ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ العَفْوِ مِن غَيْرِ شَرْطِ المَشِيئَةِ فَهو إذَنْ عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لا مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. قالَ أبُو حَيّانَ: وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ يُفْهَمْ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ، والمَعْنى: إلّا أنَّهُ - تَعالى - أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وقَرَأ الأعْمَشُ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ ∗∗∗ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ بِنَصْبِ ونَأْخُذَ. ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ يَعْلَمَ قالَ الزَّجّاجُ: عَلى الصَّرْفِ، قالَ: ومَعْنى الصَّرْفِ صَرْفُ العَطْفِ عَلى اللَّفْظِ إلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُ ويَعْلَمَ مَجْزُومًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ يَكُونُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ بِعِلْمٍ عَدَلَ إلى العَطْفِ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإضْمارِ أنْ لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ اسْمٍ، ومِن هَذا بَيْتا النّابِغَةِ المَذْكُورانِ قَرِيبًا، وكَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واعْتُرِضَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى العَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ لِيَنْتَقِمَ (p-١٣٣١)مِنهم. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ " يَعْلَمَ " عَلى الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى واضِحَةُ اللَّفْظِ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ عَلى مَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإهْلاكِ والنَّجاةِ والتَّحْذِيرِ، ومَعْنى ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ما لَهم مِن فِرارٍ ولا مَهْرَبٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَهم مِن مَلْجَأٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاصَ بِهِ البَعِيرُ حَيْصَةً: إذا رَمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ يَحِيصُ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَمِيلُ عَنْهُ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ذَكَرَ التَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ في الرِّزْقِ فَإنَّما هو مَتاعٌ قَلِيلٌ في أيّامٍ قَلِيلَةٍ يَنْقَضِي ويَذْهَبُ. ثُمَّ رَغَّبَهم في ثَوابِ الآخِرَةِ وما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فَقالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ والجَزاءِ عَلَيْها بِالجَنّاتِ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وأبْقى لِأنَّهُ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، ومَتاعُ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الإيمانُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ شُؤُونِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ: أعْنِي والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾: الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَها في سُورَةِ النِّساءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَبِيرَ " بِالإفْرادِ وهو يُفِيدُ مُفادَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِلْجِنْسِ كاللّامِ. والفَواحِشُ: هي مِنَ الكَبائِرِ ولَكِنَّها مَعَ وصْفِ كَوْنِها فاحِشَةً كَأنَّها فَوْقَها، وذَلِكَ كالقَتْلِ والزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَواحِشُ مُوجِباتُ الحُدُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي أغْضَبَهم ويَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْمِلُونَ عَلى مَن ظَلَمَهم، وخُصَّ الغَضَبُ بِالغُفْرانِ لِأنَّ اسْتِيلاءَهُ عَلى طَبْعِ الإنْسانِ وغَلَبَتَهُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ، فَلا يَغْفِرُ عِنْدَ سَوْرَةِ الغَضَبِ إلّا مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وخَصَّهُ بِمَزِيَّةِ الحِلْمِ، ولِهَذا أثْنى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفًا يَعْفُونَ عَنْ ظالِمِهِمْ فَبَدَأ بِذِكْرِهِمْ، وصِنْفًا يَنْتَصِرُونَ مِن ظالِمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ سَيَأْتِي ذِكْرُهم. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ وأقامُوا ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن فَرِيضَةِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْصارُ بِالمَدِينَةِ اسْتَجابُوا إلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أنْفَذَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنهم قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا الصَّلاةَ لِمَواقِيتِها بِشُرُوطِها وهَيْئاتِها ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم ولا يَعْجَلُونَ ولا يَنْفَرِدُونَ بِالرَّأْيِ، والشُّورى مَصْدَرُ شاوَرْتُهُ مِثْلَ البُشْرى والذِّكْرى. قالَ الضَّحّاكُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حِينَ اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ تَشاوُرُهم في كُلِّ أمْرٍ يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِرَأْيٍ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ: ؎إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فِاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ؎ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ فَرِيشُ الحَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشاوِرُ أصْحابَهُ في أُمُورِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ فَقالَ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَدْ قَدَّمْنا في آلِ عِمْرانَ كَلامًا في الشُّورى ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ ويَتَصَدَّقُونَ بِهِ عَلى المَحاوِيجِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ. ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها حَقٌّ جائِزٌ بَيَّنَ فَضِيلَةَ العَفْوِ فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وأصْلَحَ بِالعَفْوِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ أيْ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ، وأُبْهِمَ الأجْرُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ العَفْوُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خُرُوجَ الظَّلَمَةِ عَنْ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هي سَبَبُ الفَوْزِ والنَّجاةِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُبْتَدِئِينَ بِالظُّلْمِ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَن يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: لا يُحِبُّ مَن يَتَعَدّى في الِاقْتِصاصِ ويُجاوِزُ الحَدَّ فِيهِ لِأنَّ المُجاوَزَةَ ظُلْمٌ. ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ: بَعْدَ أنْ ظَلَمَهُ الظّالِمُ لَهُ، واللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ القَسَمِ، والأوَّلُ أوْلى. ومَن هي الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِمُؤاخَذَةٍ وعُقُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن هي المَوْصُولَةُ ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولَةِ بِالشَّرْطِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى. ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - السَّبِيلَ عَلى مَنِ (p-١٣٣٢)انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَيَّنَ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ فَقالَ: ٤٢ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً. كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في النُّفُوسِ والأمْوالِ بِغَيْرِ الحَقِّ كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَغْيُهم: عَمَلُهم بِالمَعاصِي، وقِيلَ: يَتَكَبَّرُونَ ويَتَجَبَّرُونَ. وقالَ أبُو مالِكٍ: هو ما يَرْجُوهُ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: لَهم بِهَذا السَّبَبِ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ. ثُمَّ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ - في الصَّبْرِ والعَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ أيْ: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ، والكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ ومَن كالكَلامِ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، إنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ والمَغْفِرَةَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: " السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ " . قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، وقالُ الزَّجّاجُ: الصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فالرَّغْبَةُ في الثَّوابِ أتَمُّ عَزْمًا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مَنسُوخٌ بِالجِهادِ وأنَّهُ خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ عامٌّ، وهو ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَما لَهُ مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ ويَنْصُرُهُ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِمَن أعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعْمَلْ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ: ما أصابَكم مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في الدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، واللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا، فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِهِ، وكانَ قَدِ ابْتُلِيَ في جَسَدِهِ، فَقالَ: إنّا لَنَبْتَئِسُ لَكَ لِما نَرى فِيكَ، قالَ: فَلا تَبْتَئِسْ لِما تَرى، فَإنَّ ما تَرى بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ إلى آخِرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئاتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ولا خَدْشُ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قالَ: يَتَحَرَّكْنَ ولا يَجْرِينَ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَواكِدَ﴾ قالَ: وُقُوفًا أوْ يُوبِقْهُنَّ قالَ: يُهْلِكْهُنَّ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ. قالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ وعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ لِي: سُبِّيها، فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها، ووَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ سُرُورًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «المُسْتَبّانِ ما قالا مِن شَيْءٍ فَعَلى البادِئِ حَتّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهِ مُنادِيًا يُنادِي ألا لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا في الدُّنْيا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُنادِي مُنادٍ مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُومُ مَن عَفا عَنْ أخِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» .

الشورى 42:40

ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِتَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقُهُما عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ العَجِيبَةِ والصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى خَلْقِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى السَّماواتِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ ما بَثَّ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ وما بَثَّ في أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَدْخُلُ في هَذا المَلائِكَةُ والنّاسُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٨]، ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمْعِهِمْ لا بِقَدِيرٍ قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي، وهو عَلى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إذا يَشاءُ فَتَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِالمَشِيئَةِ وهو مُحالٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ مُحالًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنْ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِما لَمْ (p-١٣٣٠)يَشَأِ اللَّهُ مَشى كَلامُهُ، ولَكِنَّهُ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ. ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم﴾ أيْ: ما أصابَكم مِنَ المَصائِبِ كائِنَةً ما كانَتْ فَبِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم مِنَ المَعاصِي. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " بِما كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفاءِ، و" ما " في ﴿وما أصابَكُمْ﴾ هي الشَّرْطِيَّةُ، ولِهَذا دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ الحَذْفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ فَيَكُونُ الحَذْفُ والإثْباتُ جائِزَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الفاءِ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن حَذَفَ الفاءَ فَعَلى أنَّ ما في مَعْنى الَّذِي، والمَعْنى: الَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم. قالَ الحَسَنُ: المُصِيبَةُ هُنا الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ودُخُولُ مِنَ الِاسْتِغْرِاقِيَّةِ عَلَيْها ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُها العِبادُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنِ العَبْدِ بِما يُصِيبُهُ مِنَ المَصائِبِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وقَدْ ثَبَتَتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ جَمِيعَ ما يُصابُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِينَ عَلى مَعْنى: أنَّ ما يُصابُونَ بِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا عَنْهم لِذَنْبٍ ولا مُحَصِّلًا لِصَوابٍ، وبِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعاجِلُهم في الدُّنْيا بَلْ يُمْهِلُهم إلى الدّارِ الآخِرَةِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والعَفْوُ يَصْدُقُ عَلى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما يَصْدُقُ عَلى مَحْوِ الذَّنْبِ ورَفْعِ الخِطابِ بِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لا يُعَجَّلُ لَهُ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلَيْهِ هَرَبًا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ لَوْ كانُوا فِيها بَلْ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَصائِبِ واقِعٌ عَلَيْهِمْ نازِلٌ بِهِمْ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيكم فَيَمْنَعُ عَنْكم ما قَضاهُ اللَّهُ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - آيَةً أُخْرى مِن آياتِهِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو " الجَوارِي " بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وأمّا في الوَقْفِ فَإثْباتُها عَلى الأصْلِ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ، وهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ أيْ: سائِرَةٌ ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ فَقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عَلَمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأعْلامُ القُصُورُ واحِدُها عَلَمٌ. ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ يَشَأْ وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ " الرِّياحَ " عَلى الجَمْعِ أيْ: يُسْكِنِ الرِّيحَ الَّتِي بِها السُّفُنُ فَيَظْلَلْنَ أيِ: السُّفُنُ رَواكِدَ أيْ: سَواكِنَ ثَوابِتَ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ البَحْرِ. يُقالُ: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا: سَكَنَ، وكَذَلِكَ رَكَدَتِ الرِّيحُ ورَكَدَتِ السَّفِينَةُ وكُلُّ ثابِتٍ في مَكانٍ فَهو راكِدٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَظْلَلْنَ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى، وقَرَأ قَتادَةُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ السُّفُنِ لَآياتٍ دَلالاتٍ عَظِيمَةٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن كانَ كَثِيرَ الصَّبْرِ عَلى البَلْوى كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلى النَّعْماءِ. قالَ قُطْرُبٌ: الصَّبّارُ: الشَّكُورُ الَّذِي إذا أُعْطِيَ شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ؎فَكَمْ مِن مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكِرٍ ∗∗∗ وكَمْ مِن مُبْتَلًى غَيْرِ صابِرٍ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُسْكِنِ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ، والمُرادُ أهْلَكَهُنَّ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بِما أشْرَكُوا. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ يُهْلِكُ في البَحْرِ المُشْرِكَ وغَيْرَ المُشْرِكِ، يُقالُ: أوْبَقَهُ أيْ: أهْلَكَهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن أهْلِها بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الغَرَقِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْفُ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ إشْكالٌ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَتَبْقى تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدَ أوْ يُهْلِكُها بِذُنُوبِ أهْلِها فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ يَعْفُ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَعْفُ ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ العَفْوِ مِن غَيْرِ شَرْطِ المَشِيئَةِ فَهو إذَنْ عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لا مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. قالَ أبُو حَيّانَ: وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ يُفْهَمْ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ، والمَعْنى: إلّا أنَّهُ - تَعالى - أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وقَرَأ الأعْمَشُ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ ∗∗∗ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ بِنَصْبِ ونَأْخُذَ. ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ يَعْلَمَ قالَ الزَّجّاجُ: عَلى الصَّرْفِ، قالَ: ومَعْنى الصَّرْفِ صَرْفُ العَطْفِ عَلى اللَّفْظِ إلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُ ويَعْلَمَ مَجْزُومًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ يَكُونُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ بِعِلْمٍ عَدَلَ إلى العَطْفِ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإضْمارِ أنْ لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ اسْمٍ، ومِن هَذا بَيْتا النّابِغَةِ المَذْكُورانِ قَرِيبًا، وكَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واعْتُرِضَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى العَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ لِيَنْتَقِمَ (p-١٣٣١)مِنهم. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ " يَعْلَمَ " عَلى الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى واضِحَةُ اللَّفْظِ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ عَلى مَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإهْلاكِ والنَّجاةِ والتَّحْذِيرِ، ومَعْنى ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ما لَهم مِن فِرارٍ ولا مَهْرَبٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَهم مِن مَلْجَأٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاصَ بِهِ البَعِيرُ حَيْصَةً: إذا رَمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ يَحِيصُ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَمِيلُ عَنْهُ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ذَكَرَ التَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ في الرِّزْقِ فَإنَّما هو مَتاعٌ قَلِيلٌ في أيّامٍ قَلِيلَةٍ يَنْقَضِي ويَذْهَبُ. ثُمَّ رَغَّبَهم في ثَوابِ الآخِرَةِ وما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فَقالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ والجَزاءِ عَلَيْها بِالجَنّاتِ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وأبْقى لِأنَّهُ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، ومَتاعُ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الإيمانُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ شُؤُونِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ: أعْنِي والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾: الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَها في سُورَةِ النِّساءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَبِيرَ " بِالإفْرادِ وهو يُفِيدُ مُفادَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِلْجِنْسِ كاللّامِ. والفَواحِشُ: هي مِنَ الكَبائِرِ ولَكِنَّها مَعَ وصْفِ كَوْنِها فاحِشَةً كَأنَّها فَوْقَها، وذَلِكَ كالقَتْلِ والزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَواحِشُ مُوجِباتُ الحُدُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي أغْضَبَهم ويَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْمِلُونَ عَلى مَن ظَلَمَهم، وخُصَّ الغَضَبُ بِالغُفْرانِ لِأنَّ اسْتِيلاءَهُ عَلى طَبْعِ الإنْسانِ وغَلَبَتَهُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ، فَلا يَغْفِرُ عِنْدَ سَوْرَةِ الغَضَبِ إلّا مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وخَصَّهُ بِمَزِيَّةِ الحِلْمِ، ولِهَذا أثْنى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفًا يَعْفُونَ عَنْ ظالِمِهِمْ فَبَدَأ بِذِكْرِهِمْ، وصِنْفًا يَنْتَصِرُونَ مِن ظالِمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ سَيَأْتِي ذِكْرُهم. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ وأقامُوا ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن فَرِيضَةِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْصارُ بِالمَدِينَةِ اسْتَجابُوا إلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أنْفَذَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنهم قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا الصَّلاةَ لِمَواقِيتِها بِشُرُوطِها وهَيْئاتِها ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم ولا يَعْجَلُونَ ولا يَنْفَرِدُونَ بِالرَّأْيِ، والشُّورى مَصْدَرُ شاوَرْتُهُ مِثْلَ البُشْرى والذِّكْرى. قالَ الضَّحّاكُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حِينَ اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ تَشاوُرُهم في كُلِّ أمْرٍ يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِرَأْيٍ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ: ؎إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فِاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ؎ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ فَرِيشُ الحَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشاوِرُ أصْحابَهُ في أُمُورِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ فَقالَ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَدْ قَدَّمْنا في آلِ عِمْرانَ كَلامًا في الشُّورى ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ ويَتَصَدَّقُونَ بِهِ عَلى المَحاوِيجِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ. ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها حَقٌّ جائِزٌ بَيَّنَ فَضِيلَةَ العَفْوِ فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وأصْلَحَ بِالعَفْوِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ أيْ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ، وأُبْهِمَ الأجْرُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ العَفْوُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خُرُوجَ الظَّلَمَةِ عَنْ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هي سَبَبُ الفَوْزِ والنَّجاةِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُبْتَدِئِينَ بِالظُّلْمِ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَن يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: لا يُحِبُّ مَن يَتَعَدّى في الِاقْتِصاصِ ويُجاوِزُ الحَدَّ فِيهِ لِأنَّ المُجاوَزَةَ ظُلْمٌ. ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ: بَعْدَ أنْ ظَلَمَهُ الظّالِمُ لَهُ، واللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ القَسَمِ، والأوَّلُ أوْلى. ومَن هي الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِمُؤاخَذَةٍ وعُقُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن هي المَوْصُولَةُ ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولَةِ بِالشَّرْطِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى. ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - السَّبِيلَ عَلى مَنِ (p-١٣٣٢)انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَيَّنَ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ فَقالَ: ٤٢ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً. كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في النُّفُوسِ والأمْوالِ بِغَيْرِ الحَقِّ كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَغْيُهم: عَمَلُهم بِالمَعاصِي، وقِيلَ: يَتَكَبَّرُونَ ويَتَجَبَّرُونَ. وقالَ أبُو مالِكٍ: هو ما يَرْجُوهُ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: لَهم بِهَذا السَّبَبِ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ. ثُمَّ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ - في الصَّبْرِ والعَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ أيْ: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ، والكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ ومَن كالكَلامِ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، إنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ والمَغْفِرَةَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: " السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ " . قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، وقالُ الزَّجّاجُ: الصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فالرَّغْبَةُ في الثَّوابِ أتَمُّ عَزْمًا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مَنسُوخٌ بِالجِهادِ وأنَّهُ خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ عامٌّ، وهو ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَما لَهُ مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ ويَنْصُرُهُ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِمَن أعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعْمَلْ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ: ما أصابَكم مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في الدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، واللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا، فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِهِ، وكانَ قَدِ ابْتُلِيَ في جَسَدِهِ، فَقالَ: إنّا لَنَبْتَئِسُ لَكَ لِما نَرى فِيكَ، قالَ: فَلا تَبْتَئِسْ لِما تَرى، فَإنَّ ما تَرى بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ إلى آخِرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئاتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ولا خَدْشُ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قالَ: يَتَحَرَّكْنَ ولا يَجْرِينَ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَواكِدَ﴾ قالَ: وُقُوفًا أوْ يُوبِقْهُنَّ قالَ: يُهْلِكْهُنَّ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ. قالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ وعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ لِي: سُبِّيها، فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها، ووَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ سُرُورًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «المُسْتَبّانِ ما قالا مِن شَيْءٍ فَعَلى البادِئِ حَتّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهِ مُنادِيًا يُنادِي ألا لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا في الدُّنْيا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُنادِي مُنادٍ مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُومُ مَن عَفا عَنْ أخِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» .