Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الشورى 42:41 – الزخرف 43:8

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الشورى 42:41
  2. الشورى 42:42
  3. الشورى 42:43
  4. الشورى 42:44
  5. الشورى 42:45
  6. الشورى 42:46
  7. الشورى 42:47
  8. الشورى 42:48
  9. الشورى 42:49
  10. الشورى 42:50
  11. الشورى 42:51
  12. الشورى 42:52
  13. الشورى 42:53
  14. الزخرف 43:1
  15. الزخرف 43:2
  16. الزخرف 43:3
  17. الزخرف 43:4
  18. الزخرف 43:5
  19. الزخرف 43:6
  20. الزخرف 43:7
  21. الزخرف 43:8

الشورى 42:41

ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِتَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقُهُما عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ العَجِيبَةِ والصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى خَلْقِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى السَّماواتِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ ما بَثَّ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ وما بَثَّ في أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَدْخُلُ في هَذا المَلائِكَةُ والنّاسُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٨]، ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمْعِهِمْ لا بِقَدِيرٍ قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي، وهو عَلى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إذا يَشاءُ فَتَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِالمَشِيئَةِ وهو مُحالٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ مُحالًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنْ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِما لَمْ (p-١٣٣٠)يَشَأِ اللَّهُ مَشى كَلامُهُ، ولَكِنَّهُ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ. ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم﴾ أيْ: ما أصابَكم مِنَ المَصائِبِ كائِنَةً ما كانَتْ فَبِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم مِنَ المَعاصِي. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " بِما كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفاءِ، و" ما " في ﴿وما أصابَكُمْ﴾ هي الشَّرْطِيَّةُ، ولِهَذا دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ الحَذْفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ فَيَكُونُ الحَذْفُ والإثْباتُ جائِزَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الفاءِ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن حَذَفَ الفاءَ فَعَلى أنَّ ما في مَعْنى الَّذِي، والمَعْنى: الَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم. قالَ الحَسَنُ: المُصِيبَةُ هُنا الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ودُخُولُ مِنَ الِاسْتِغْرِاقِيَّةِ عَلَيْها ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُها العِبادُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنِ العَبْدِ بِما يُصِيبُهُ مِنَ المَصائِبِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وقَدْ ثَبَتَتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ جَمِيعَ ما يُصابُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِينَ عَلى مَعْنى: أنَّ ما يُصابُونَ بِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا عَنْهم لِذَنْبٍ ولا مُحَصِّلًا لِصَوابٍ، وبِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعاجِلُهم في الدُّنْيا بَلْ يُمْهِلُهم إلى الدّارِ الآخِرَةِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والعَفْوُ يَصْدُقُ عَلى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما يَصْدُقُ عَلى مَحْوِ الذَّنْبِ ورَفْعِ الخِطابِ بِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لا يُعَجَّلُ لَهُ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلَيْهِ هَرَبًا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ لَوْ كانُوا فِيها بَلْ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَصائِبِ واقِعٌ عَلَيْهِمْ نازِلٌ بِهِمْ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيكم فَيَمْنَعُ عَنْكم ما قَضاهُ اللَّهُ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - آيَةً أُخْرى مِن آياتِهِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو " الجَوارِي " بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وأمّا في الوَقْفِ فَإثْباتُها عَلى الأصْلِ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ، وهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ أيْ: سائِرَةٌ ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ فَقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عَلَمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأعْلامُ القُصُورُ واحِدُها عَلَمٌ. ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ يَشَأْ وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ " الرِّياحَ " عَلى الجَمْعِ أيْ: يُسْكِنِ الرِّيحَ الَّتِي بِها السُّفُنُ فَيَظْلَلْنَ أيِ: السُّفُنُ رَواكِدَ أيْ: سَواكِنَ ثَوابِتَ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ البَحْرِ. يُقالُ: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا: سَكَنَ، وكَذَلِكَ رَكَدَتِ الرِّيحُ ورَكَدَتِ السَّفِينَةُ وكُلُّ ثابِتٍ في مَكانٍ فَهو راكِدٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَظْلَلْنَ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى، وقَرَأ قَتادَةُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ السُّفُنِ لَآياتٍ دَلالاتٍ عَظِيمَةٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن كانَ كَثِيرَ الصَّبْرِ عَلى البَلْوى كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلى النَّعْماءِ. قالَ قُطْرُبٌ: الصَّبّارُ: الشَّكُورُ الَّذِي إذا أُعْطِيَ شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ؎فَكَمْ مِن مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكِرٍ ∗∗∗ وكَمْ مِن مُبْتَلًى غَيْرِ صابِرٍ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُسْكِنِ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ، والمُرادُ أهْلَكَهُنَّ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بِما أشْرَكُوا. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ يُهْلِكُ في البَحْرِ المُشْرِكَ وغَيْرَ المُشْرِكِ، يُقالُ: أوْبَقَهُ أيْ: أهْلَكَهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن أهْلِها بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الغَرَقِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْفُ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ إشْكالٌ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَتَبْقى تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدَ أوْ يُهْلِكُها بِذُنُوبِ أهْلِها فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ يَعْفُ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَعْفُ ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ العَفْوِ مِن غَيْرِ شَرْطِ المَشِيئَةِ فَهو إذَنْ عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لا مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. قالَ أبُو حَيّانَ: وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ يُفْهَمْ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ، والمَعْنى: إلّا أنَّهُ - تَعالى - أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وقَرَأ الأعْمَشُ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ ∗∗∗ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ بِنَصْبِ ونَأْخُذَ. ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ يَعْلَمَ قالَ الزَّجّاجُ: عَلى الصَّرْفِ، قالَ: ومَعْنى الصَّرْفِ صَرْفُ العَطْفِ عَلى اللَّفْظِ إلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُ ويَعْلَمَ مَجْزُومًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ يَكُونُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ بِعِلْمٍ عَدَلَ إلى العَطْفِ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإضْمارِ أنْ لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ اسْمٍ، ومِن هَذا بَيْتا النّابِغَةِ المَذْكُورانِ قَرِيبًا، وكَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واعْتُرِضَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى العَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ لِيَنْتَقِمَ (p-١٣٣١)مِنهم. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ " يَعْلَمَ " عَلى الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى واضِحَةُ اللَّفْظِ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ عَلى مَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإهْلاكِ والنَّجاةِ والتَّحْذِيرِ، ومَعْنى ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ما لَهم مِن فِرارٍ ولا مَهْرَبٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَهم مِن مَلْجَأٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاصَ بِهِ البَعِيرُ حَيْصَةً: إذا رَمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ يَحِيصُ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَمِيلُ عَنْهُ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ذَكَرَ التَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ في الرِّزْقِ فَإنَّما هو مَتاعٌ قَلِيلٌ في أيّامٍ قَلِيلَةٍ يَنْقَضِي ويَذْهَبُ. ثُمَّ رَغَّبَهم في ثَوابِ الآخِرَةِ وما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فَقالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ والجَزاءِ عَلَيْها بِالجَنّاتِ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وأبْقى لِأنَّهُ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، ومَتاعُ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الإيمانُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ شُؤُونِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ: أعْنِي والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾: الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَها في سُورَةِ النِّساءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَبِيرَ " بِالإفْرادِ وهو يُفِيدُ مُفادَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِلْجِنْسِ كاللّامِ. والفَواحِشُ: هي مِنَ الكَبائِرِ ولَكِنَّها مَعَ وصْفِ كَوْنِها فاحِشَةً كَأنَّها فَوْقَها، وذَلِكَ كالقَتْلِ والزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَواحِشُ مُوجِباتُ الحُدُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي أغْضَبَهم ويَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْمِلُونَ عَلى مَن ظَلَمَهم، وخُصَّ الغَضَبُ بِالغُفْرانِ لِأنَّ اسْتِيلاءَهُ عَلى طَبْعِ الإنْسانِ وغَلَبَتَهُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ، فَلا يَغْفِرُ عِنْدَ سَوْرَةِ الغَضَبِ إلّا مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وخَصَّهُ بِمَزِيَّةِ الحِلْمِ، ولِهَذا أثْنى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفًا يَعْفُونَ عَنْ ظالِمِهِمْ فَبَدَأ بِذِكْرِهِمْ، وصِنْفًا يَنْتَصِرُونَ مِن ظالِمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ سَيَأْتِي ذِكْرُهم. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ وأقامُوا ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن فَرِيضَةِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْصارُ بِالمَدِينَةِ اسْتَجابُوا إلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أنْفَذَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنهم قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا الصَّلاةَ لِمَواقِيتِها بِشُرُوطِها وهَيْئاتِها ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم ولا يَعْجَلُونَ ولا يَنْفَرِدُونَ بِالرَّأْيِ، والشُّورى مَصْدَرُ شاوَرْتُهُ مِثْلَ البُشْرى والذِّكْرى. قالَ الضَّحّاكُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حِينَ اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ تَشاوُرُهم في كُلِّ أمْرٍ يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِرَأْيٍ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ: ؎إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فِاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ؎ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ فَرِيشُ الحَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشاوِرُ أصْحابَهُ في أُمُورِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ فَقالَ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَدْ قَدَّمْنا في آلِ عِمْرانَ كَلامًا في الشُّورى ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ ويَتَصَدَّقُونَ بِهِ عَلى المَحاوِيجِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ. ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها حَقٌّ جائِزٌ بَيَّنَ فَضِيلَةَ العَفْوِ فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وأصْلَحَ بِالعَفْوِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ أيْ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ، وأُبْهِمَ الأجْرُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ العَفْوُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خُرُوجَ الظَّلَمَةِ عَنْ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هي سَبَبُ الفَوْزِ والنَّجاةِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُبْتَدِئِينَ بِالظُّلْمِ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَن يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: لا يُحِبُّ مَن يَتَعَدّى في الِاقْتِصاصِ ويُجاوِزُ الحَدَّ فِيهِ لِأنَّ المُجاوَزَةَ ظُلْمٌ. ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ: بَعْدَ أنْ ظَلَمَهُ الظّالِمُ لَهُ، واللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ القَسَمِ، والأوَّلُ أوْلى. ومَن هي الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِمُؤاخَذَةٍ وعُقُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن هي المَوْصُولَةُ ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولَةِ بِالشَّرْطِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى. ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - السَّبِيلَ عَلى مَنِ (p-١٣٣٢)انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَيَّنَ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ فَقالَ: ٤٢ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً. كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في النُّفُوسِ والأمْوالِ بِغَيْرِ الحَقِّ كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَغْيُهم: عَمَلُهم بِالمَعاصِي، وقِيلَ: يَتَكَبَّرُونَ ويَتَجَبَّرُونَ. وقالَ أبُو مالِكٍ: هو ما يَرْجُوهُ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: لَهم بِهَذا السَّبَبِ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ. ثُمَّ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ - في الصَّبْرِ والعَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ أيْ: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ، والكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ ومَن كالكَلامِ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، إنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ والمَغْفِرَةَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: " السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ " . قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، وقالُ الزَّجّاجُ: الصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فالرَّغْبَةُ في الثَّوابِ أتَمُّ عَزْمًا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مَنسُوخٌ بِالجِهادِ وأنَّهُ خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ عامٌّ، وهو ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَما لَهُ مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ ويَنْصُرُهُ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِمَن أعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعْمَلْ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ: ما أصابَكم مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في الدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، واللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا، فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِهِ، وكانَ قَدِ ابْتُلِيَ في جَسَدِهِ، فَقالَ: إنّا لَنَبْتَئِسُ لَكَ لِما نَرى فِيكَ، قالَ: فَلا تَبْتَئِسْ لِما تَرى، فَإنَّ ما تَرى بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ إلى آخِرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئاتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ولا خَدْشُ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قالَ: يَتَحَرَّكْنَ ولا يَجْرِينَ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَواكِدَ﴾ قالَ: وُقُوفًا أوْ يُوبِقْهُنَّ قالَ: يُهْلِكْهُنَّ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ. قالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ وعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ لِي: سُبِّيها، فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها، ووَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ سُرُورًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «المُسْتَبّانِ ما قالا مِن شَيْءٍ فَعَلى البادِئِ حَتّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهِ مُنادِيًا يُنادِي ألا لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا في الدُّنْيا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُنادِي مُنادٍ مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُومُ مَن عَفا عَنْ أخِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» .

الشورى 42:42

ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِتَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقُهُما عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ العَجِيبَةِ والصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى خَلْقِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى السَّماواتِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ ما بَثَّ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ وما بَثَّ في أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَدْخُلُ في هَذا المَلائِكَةُ والنّاسُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٨]، ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمْعِهِمْ لا بِقَدِيرٍ قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي، وهو عَلى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إذا يَشاءُ فَتَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِالمَشِيئَةِ وهو مُحالٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ مُحالًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنْ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِما لَمْ (p-١٣٣٠)يَشَأِ اللَّهُ مَشى كَلامُهُ، ولَكِنَّهُ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ. ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم﴾ أيْ: ما أصابَكم مِنَ المَصائِبِ كائِنَةً ما كانَتْ فَبِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم مِنَ المَعاصِي. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " بِما كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفاءِ، و" ما " في ﴿وما أصابَكُمْ﴾ هي الشَّرْطِيَّةُ، ولِهَذا دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ الحَذْفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ فَيَكُونُ الحَذْفُ والإثْباتُ جائِزَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الفاءِ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن حَذَفَ الفاءَ فَعَلى أنَّ ما في مَعْنى الَّذِي، والمَعْنى: الَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم. قالَ الحَسَنُ: المُصِيبَةُ هُنا الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ودُخُولُ مِنَ الِاسْتِغْرِاقِيَّةِ عَلَيْها ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُها العِبادُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنِ العَبْدِ بِما يُصِيبُهُ مِنَ المَصائِبِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وقَدْ ثَبَتَتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ جَمِيعَ ما يُصابُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِينَ عَلى مَعْنى: أنَّ ما يُصابُونَ بِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا عَنْهم لِذَنْبٍ ولا مُحَصِّلًا لِصَوابٍ، وبِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعاجِلُهم في الدُّنْيا بَلْ يُمْهِلُهم إلى الدّارِ الآخِرَةِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والعَفْوُ يَصْدُقُ عَلى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما يَصْدُقُ عَلى مَحْوِ الذَّنْبِ ورَفْعِ الخِطابِ بِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لا يُعَجَّلُ لَهُ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلَيْهِ هَرَبًا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ لَوْ كانُوا فِيها بَلْ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَصائِبِ واقِعٌ عَلَيْهِمْ نازِلٌ بِهِمْ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيكم فَيَمْنَعُ عَنْكم ما قَضاهُ اللَّهُ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - آيَةً أُخْرى مِن آياتِهِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو " الجَوارِي " بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وأمّا في الوَقْفِ فَإثْباتُها عَلى الأصْلِ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ، وهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ أيْ: سائِرَةٌ ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ فَقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عَلَمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأعْلامُ القُصُورُ واحِدُها عَلَمٌ. ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ يَشَأْ وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ " الرِّياحَ " عَلى الجَمْعِ أيْ: يُسْكِنِ الرِّيحَ الَّتِي بِها السُّفُنُ فَيَظْلَلْنَ أيِ: السُّفُنُ رَواكِدَ أيْ: سَواكِنَ ثَوابِتَ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ البَحْرِ. يُقالُ: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا: سَكَنَ، وكَذَلِكَ رَكَدَتِ الرِّيحُ ورَكَدَتِ السَّفِينَةُ وكُلُّ ثابِتٍ في مَكانٍ فَهو راكِدٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَظْلَلْنَ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى، وقَرَأ قَتادَةُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ السُّفُنِ لَآياتٍ دَلالاتٍ عَظِيمَةٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن كانَ كَثِيرَ الصَّبْرِ عَلى البَلْوى كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلى النَّعْماءِ. قالَ قُطْرُبٌ: الصَّبّارُ: الشَّكُورُ الَّذِي إذا أُعْطِيَ شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ؎فَكَمْ مِن مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكِرٍ ∗∗∗ وكَمْ مِن مُبْتَلًى غَيْرِ صابِرٍ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُسْكِنِ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ، والمُرادُ أهْلَكَهُنَّ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بِما أشْرَكُوا. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ يُهْلِكُ في البَحْرِ المُشْرِكَ وغَيْرَ المُشْرِكِ، يُقالُ: أوْبَقَهُ أيْ: أهْلَكَهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن أهْلِها بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الغَرَقِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْفُ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ إشْكالٌ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَتَبْقى تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدَ أوْ يُهْلِكُها بِذُنُوبِ أهْلِها فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ يَعْفُ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَعْفُ ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ العَفْوِ مِن غَيْرِ شَرْطِ المَشِيئَةِ فَهو إذَنْ عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لا مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. قالَ أبُو حَيّانَ: وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ يُفْهَمْ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ، والمَعْنى: إلّا أنَّهُ - تَعالى - أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وقَرَأ الأعْمَشُ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ ∗∗∗ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ بِنَصْبِ ونَأْخُذَ. ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ يَعْلَمَ قالَ الزَّجّاجُ: عَلى الصَّرْفِ، قالَ: ومَعْنى الصَّرْفِ صَرْفُ العَطْفِ عَلى اللَّفْظِ إلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُ ويَعْلَمَ مَجْزُومًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ يَكُونُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ بِعِلْمٍ عَدَلَ إلى العَطْفِ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإضْمارِ أنْ لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ اسْمٍ، ومِن هَذا بَيْتا النّابِغَةِ المَذْكُورانِ قَرِيبًا، وكَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واعْتُرِضَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى العَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ لِيَنْتَقِمَ (p-١٣٣١)مِنهم. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ " يَعْلَمَ " عَلى الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى واضِحَةُ اللَّفْظِ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ عَلى مَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإهْلاكِ والنَّجاةِ والتَّحْذِيرِ، ومَعْنى ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ما لَهم مِن فِرارٍ ولا مَهْرَبٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَهم مِن مَلْجَأٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاصَ بِهِ البَعِيرُ حَيْصَةً: إذا رَمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ يَحِيصُ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَمِيلُ عَنْهُ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ذَكَرَ التَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ في الرِّزْقِ فَإنَّما هو مَتاعٌ قَلِيلٌ في أيّامٍ قَلِيلَةٍ يَنْقَضِي ويَذْهَبُ. ثُمَّ رَغَّبَهم في ثَوابِ الآخِرَةِ وما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فَقالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ والجَزاءِ عَلَيْها بِالجَنّاتِ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وأبْقى لِأنَّهُ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، ومَتاعُ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الإيمانُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ شُؤُونِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ: أعْنِي والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾: الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَها في سُورَةِ النِّساءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَبِيرَ " بِالإفْرادِ وهو يُفِيدُ مُفادَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِلْجِنْسِ كاللّامِ. والفَواحِشُ: هي مِنَ الكَبائِرِ ولَكِنَّها مَعَ وصْفِ كَوْنِها فاحِشَةً كَأنَّها فَوْقَها، وذَلِكَ كالقَتْلِ والزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَواحِشُ مُوجِباتُ الحُدُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي أغْضَبَهم ويَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْمِلُونَ عَلى مَن ظَلَمَهم، وخُصَّ الغَضَبُ بِالغُفْرانِ لِأنَّ اسْتِيلاءَهُ عَلى طَبْعِ الإنْسانِ وغَلَبَتَهُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ، فَلا يَغْفِرُ عِنْدَ سَوْرَةِ الغَضَبِ إلّا مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وخَصَّهُ بِمَزِيَّةِ الحِلْمِ، ولِهَذا أثْنى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفًا يَعْفُونَ عَنْ ظالِمِهِمْ فَبَدَأ بِذِكْرِهِمْ، وصِنْفًا يَنْتَصِرُونَ مِن ظالِمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ سَيَأْتِي ذِكْرُهم. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ وأقامُوا ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن فَرِيضَةِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْصارُ بِالمَدِينَةِ اسْتَجابُوا إلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أنْفَذَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنهم قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا الصَّلاةَ لِمَواقِيتِها بِشُرُوطِها وهَيْئاتِها ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم ولا يَعْجَلُونَ ولا يَنْفَرِدُونَ بِالرَّأْيِ، والشُّورى مَصْدَرُ شاوَرْتُهُ مِثْلَ البُشْرى والذِّكْرى. قالَ الضَّحّاكُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حِينَ اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ تَشاوُرُهم في كُلِّ أمْرٍ يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِرَأْيٍ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ: ؎إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فِاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ؎ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ فَرِيشُ الحَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشاوِرُ أصْحابَهُ في أُمُورِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ فَقالَ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَدْ قَدَّمْنا في آلِ عِمْرانَ كَلامًا في الشُّورى ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ ويَتَصَدَّقُونَ بِهِ عَلى المَحاوِيجِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ. ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها حَقٌّ جائِزٌ بَيَّنَ فَضِيلَةَ العَفْوِ فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وأصْلَحَ بِالعَفْوِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ أيْ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ، وأُبْهِمَ الأجْرُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ العَفْوُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خُرُوجَ الظَّلَمَةِ عَنْ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هي سَبَبُ الفَوْزِ والنَّجاةِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُبْتَدِئِينَ بِالظُّلْمِ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَن يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: لا يُحِبُّ مَن يَتَعَدّى في الِاقْتِصاصِ ويُجاوِزُ الحَدَّ فِيهِ لِأنَّ المُجاوَزَةَ ظُلْمٌ. ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ: بَعْدَ أنْ ظَلَمَهُ الظّالِمُ لَهُ، واللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ القَسَمِ، والأوَّلُ أوْلى. ومَن هي الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِمُؤاخَذَةٍ وعُقُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن هي المَوْصُولَةُ ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولَةِ بِالشَّرْطِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى. ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - السَّبِيلَ عَلى مَنِ (p-١٣٣٢)انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَيَّنَ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ فَقالَ: ٤٢ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً. كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في النُّفُوسِ والأمْوالِ بِغَيْرِ الحَقِّ كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَغْيُهم: عَمَلُهم بِالمَعاصِي، وقِيلَ: يَتَكَبَّرُونَ ويَتَجَبَّرُونَ. وقالَ أبُو مالِكٍ: هو ما يَرْجُوهُ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: لَهم بِهَذا السَّبَبِ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ. ثُمَّ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ - في الصَّبْرِ والعَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ أيْ: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ، والكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ ومَن كالكَلامِ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، إنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ والمَغْفِرَةَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: " السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ " . قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، وقالُ الزَّجّاجُ: الصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فالرَّغْبَةُ في الثَّوابِ أتَمُّ عَزْمًا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مَنسُوخٌ بِالجِهادِ وأنَّهُ خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ عامٌّ، وهو ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَما لَهُ مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ ويَنْصُرُهُ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِمَن أعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعْمَلْ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ: ما أصابَكم مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في الدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، واللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا، فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِهِ، وكانَ قَدِ ابْتُلِيَ في جَسَدِهِ، فَقالَ: إنّا لَنَبْتَئِسُ لَكَ لِما نَرى فِيكَ، قالَ: فَلا تَبْتَئِسْ لِما تَرى، فَإنَّ ما تَرى بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ إلى آخِرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئاتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ولا خَدْشُ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قالَ: يَتَحَرَّكْنَ ولا يَجْرِينَ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَواكِدَ﴾ قالَ: وُقُوفًا أوْ يُوبِقْهُنَّ قالَ: يُهْلِكْهُنَّ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ. قالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ وعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ لِي: سُبِّيها، فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها، ووَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ سُرُورًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «المُسْتَبّانِ ما قالا مِن شَيْءٍ فَعَلى البادِئِ حَتّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهِ مُنادِيًا يُنادِي ألا لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا في الدُّنْيا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُنادِي مُنادٍ مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُومُ مَن عَفا عَنْ أخِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» .

الشورى 42:43

ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِتَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقُهُما عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ العَجِيبَةِ والصَّنْعَةِ الغَرِيبَةِ ﴿وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى خَلْقِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى السَّماواتِ، والدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ. قالَ الفَرّاءُ: أرادَ ما بَثَّ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ وما بَثَّ في أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَدْخُلُ في هَذا المَلائِكَةُ والنّاسُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٨]، ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمْعِهِمْ لا بِقَدِيرٍ قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي، وهو عَلى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إذا يَشاءُ فَتَتَعَلَّقُ القُدْرَةُ بِالمَشِيئَةِ وهو مُحالٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ مُحالًا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنْ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّ القُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِما لَمْ (p-١٣٣٠)يَشَأِ اللَّهُ مَشى كَلامُهُ، ولَكِنَّهُ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ لا يَجُوزُ اعْتِقادُهُ. ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم﴾ أيْ: ما أصابَكم مِنَ المَصائِبِ كائِنَةً ما كانَتْ فَبِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم مِنَ المَعاصِي. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " بِما كَسَبَتْ " بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفاءِ، و" ما " في ﴿وما أصابَكُمْ﴾ هي الشَّرْطِيَّةُ، ولِهَذا دَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ الحَذْفَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ فَيَكُونُ الحَذْفُ والإثْباتُ جائِزَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الفاءِ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن حَذَفَ الفاءَ فَعَلى أنَّ ما في مَعْنى الَّذِي، والمَعْنى: الَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم. قالَ الحَسَنُ: المُصِيبَةُ هُنا الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ودُخُولُ مِنَ الِاسْتِغْرِاقِيَّةِ عَلَيْها ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُها العِبادُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنِ العَبْدِ بِما يُصِيبُهُ مِنَ المَصائِبِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وقَدْ ثَبَتَتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ جَمِيعَ ما يُصابُ بِهِ الإنْسانُ في الدُّنْيا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِينَ عَلى مَعْنى: أنَّ ما يُصابُونَ بِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُكَفِّرًا عَنْهم لِذَنْبٍ ولا مُحَصِّلًا لِصَوابٍ، وبِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعاجِلُهم في الدُّنْيا بَلْ يُمْهِلُهم إلى الدّارِ الآخِرَةِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والعَفْوُ يَصْدُقُ عَلى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما يَصْدُقُ عَلى مَحْوِ الذَّنْبِ ورَفْعِ الخِطابِ بِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ لا يُعَجَّلُ لَهُ عُقُوبَةُ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ عَلَيْهِ هَرَبًا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ لَوْ كانُوا فِيها بَلْ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَصائِبِ واقِعٌ عَلَيْهِمْ نازِلٌ بِهِمْ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيكم فَيَمْنَعُ عَنْكم ما قَضاهُ اللَّهُ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - آيَةً أُخْرى مِن آياتِهِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ ما وعَدَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو " الجَوارِي " بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وأمّا في الوَقْفِ فَإثْباتُها عَلى الأصْلِ وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ، وهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ أيْ: سائِرَةٌ ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ أيِ: الجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ فَقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو عَلَمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأعْلامُ القُصُورُ واحِدُها عَلَمٌ. ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزِ يَشَأْ وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ " الرِّياحَ " عَلى الجَمْعِ أيْ: يُسْكِنِ الرِّيحَ الَّتِي بِها السُّفُنُ فَيَظْلَلْنَ أيِ: السُّفُنُ رَواكِدَ أيْ: سَواكِنَ ثَوابِتَ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ البَحْرِ. يُقالُ: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا: سَكَنَ، وكَذَلِكَ رَكَدَتِ الرِّيحُ ورَكَدَتِ السَّفِينَةُ وكُلُّ ثابِتٍ في مَكانٍ فَهو راكِدٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَظْلَلْنَ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى، وقَرَأ قَتادَةُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ السُّفُنِ لَآياتٍ دَلالاتٍ عَظِيمَةٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن كانَ كَثِيرَ الصَّبْرِ عَلى البَلْوى كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلى النَّعْماءِ. قالَ قُطْرُبٌ: الصَّبّارُ: الشَّكُورُ الَّذِي إذا أُعْطِيَ شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ؎فَكَمْ مِن مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكِرٍ ∗∗∗ وكَمْ مِن مُبْتَلًى غَيْرِ صابِرٍ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُسْكِنِ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ بِالغَرَقِ، والمُرادُ أهْلَكَهُنَّ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بِما أشْرَكُوا. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ يُهْلِكُ في البَحْرِ المُشْرِكَ وغَيْرَ المُشْرِكِ، يُقالُ: أوْبَقَهُ أيْ: أهْلَكَهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِن أهْلِها بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الغَرَقِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْفُ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ إشْكالٌ لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَتَبْقى تِلْكَ السُّفُنُ رَواكِدَ أوْ يُهْلِكُها بِذُنُوبِ أهْلِها فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ يَعْفُ عَلى هَذا؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَعْفُ ولَيْسَ المَعْنى ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى الإخْبارُ عَنِ العَفْوِ مِن غَيْرِ شَرْطِ المَشِيئَةِ فَهو إذَنْ عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لا مِن حَيْثُ المَعْنى، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ وهي جَيِّدَةٌ في المَعْنى. قالَ أبُو حَيّانَ: وما قالَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ يُفْهَمْ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ، والمَعْنى: إلّا أنَّهُ - تَعالى - أهْلَكَ ناسًا وأنْجى ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وقَرَأ الأعْمَشُ " ويَعْفُو " بِالرَّفْعِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ ∗∗∗ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ بِنَصْبِ ونَأْخُذَ. ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ يَعْلَمَ قالَ الزَّجّاجُ: عَلى الصَّرْفِ، قالَ: ومَعْنى الصَّرْفِ صَرْفُ العَطْفِ عَلى اللَّفْظِ إلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُ ويَعْلَمَ مَجْزُومًا عَلى ما قَبْلَهُ إذْ يَكُونُ المَعْنى: إنْ يَشَأْ بِعِلْمٍ عَدَلَ إلى العَطْفِ عَلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِإضْمارِ أنْ لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ اسْمٍ، ومِن هَذا بَيْتا النّابِغَةِ المَذْكُورانِ قَرِيبًا، وكَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واعْتُرِضَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى العَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ لِيَنْتَقِمَ (p-١٣٣١)مِنهم. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ " يَعْلَمَ " عَلى الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى واضِحَةُ اللَّفْظِ. وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ عَلى مَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإهْلاكِ والنَّجاةِ والتَّحْذِيرِ، ومَعْنى ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ما لَهم مِن فِرارٍ ولا مَهْرَبٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما لَهم مِن مَلْجَأٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاصَ بِهِ البَعِيرُ حَيْصَةً: إذا رَمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ يَحِيصُ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَمِيلُ عَنْهُ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ذَكَرَ التَّنْفِيرَ عَنِ الدُّنْيا أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ في الرِّزْقِ فَإنَّما هو مَتاعٌ قَلِيلٌ في أيّامٍ قَلِيلَةٍ يَنْقَضِي ويَذْهَبُ. ثُمَّ رَغَّبَهم في ثَوابِ الآخِرَةِ وما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فَقالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ أيْ: ما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِ الطّاعاتِ والجَزاءِ عَلَيْها بِالجَنّاتِ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وأبْقى لِأنَّهُ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، ومَتاعُ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَقُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الإيمانُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَهم ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ شُؤُونِهِمْ لا عَلى غَيْرِهِ. ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ: أعْنِي والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ يَجْتَنِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾: الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَها في سُورَةِ النِّساءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَبِيرَ " بِالإفْرادِ وهو يُفِيدُ مُفادَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِلْجِنْسِ كاللّامِ. والفَواحِشُ: هي مِنَ الكَبائِرِ ولَكِنَّها مَعَ وصْفِ كَوْنِها فاحِشَةً كَأنَّها فَوْقَها، وذَلِكَ كالقَتْلِ والزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفَواحِشُ مُوجِباتُ الحُدُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الزِّنا ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي أغْضَبَهم ويَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَحْمِلُونَ عَلى مَن ظَلَمَهم، وخُصَّ الغَضَبُ بِالغُفْرانِ لِأنَّ اسْتِيلاءَهُ عَلى طَبْعِ الإنْسانِ وغَلَبَتَهُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ، فَلا يَغْفِرُ عِنْدَ سَوْرَةِ الغَضَبِ إلّا مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وخَصَّهُ بِمَزِيَّةِ الحِلْمِ، ولِهَذا أثْنى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفًا يَعْفُونَ عَنْ ظالِمِهِمْ فَبَدَأ بِذِكْرِهِمْ، وصِنْفًا يَنْتَصِرُونَ مِن ظالِمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ سَيَأْتِي ذِكْرُهم. ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: أجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ وأقامُوا ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن فَرِيضَةِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الأنْصارُ بِالمَدِينَةِ اسْتَجابُوا إلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أنْفَذَ إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنهم قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا الصَّلاةَ لِمَواقِيتِها بِشُرُوطِها وهَيْئاتِها ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم ولا يَعْجَلُونَ ولا يَنْفَرِدُونَ بِالرَّأْيِ، والشُّورى مَصْدَرُ شاوَرْتُهُ مِثْلَ البُشْرى والذِّكْرى. قالَ الضَّحّاكُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حِينَ اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ تَشاوُرُهم في كُلِّ أمْرٍ يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِرَأْيٍ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ: ؎إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فِاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِرَأْيِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ؎ولا تَجْعَلِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ فَرِيشُ الحَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُشاوِرُ أصْحابَهُ في أُمُورِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ فَقالَ ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَدْ قَدَّمْنا في آلِ عِمْرانَ كَلامًا في الشُّورى ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ ويَتَصَدَّقُونَ بِهِ عَلى المَحاوِيجِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ. قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ. ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها حَقٌّ جائِزٌ بَيَّنَ فَضِيلَةَ العَفْوِ فَقالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن عَفا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وأصْلَحَ بِالعَفْوِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ أيْ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ، وأُبْهِمَ الأجْرُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ العَفْوُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خُرُوجَ الظَّلَمَةِ عَنْ مَحَبَّتِهِ الَّتِي هي سَبَبُ الفَوْزِ والنَّجاةِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُبْتَدِئِينَ بِالظُّلْمِ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَن يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: لا يُحِبُّ مَن يَتَعَدّى في الِاقْتِصاصِ ويُجاوِزُ الحَدَّ فِيهِ لِأنَّ المُجاوَزَةَ ظُلْمٌ. ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ: بَعْدَ أنْ ظَلَمَهُ الظّالِمُ لَهُ، واللّامُ هي لامُ الِابْتِداءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لامُ القَسَمِ، والأوَّلُ أوْلى. ومَن هي الشَّرْطِيَّةُ وجَوابُهُ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِمُؤاخَذَةٍ وعُقُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن هي المَوْصُولَةُ ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولَةِ بِالشَّرْطِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى. ولَمّا نَفى - سُبْحانَهُ - السَّبِيلَ عَلى مَنِ (p-١٣٣٢)انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَيَّنَ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ فَقالَ: ٤٢ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ: يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً. كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ في النُّفُوسِ والأمْوالِ بِغَيْرِ الحَقِّ كَذا قالَ الأكْثَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَغْيُهم: عَمَلُهم بِالمَعاصِي، وقِيلَ: يَتَكَبَّرُونَ ويَتَجَبَّرُونَ. وقالَ أبُو مالِكٍ: هو ما يَرْجُوهُ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: لَهم بِهَذا السَّبَبِ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ. ثُمَّ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ - في الصَّبْرِ والعَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ﴾ أيْ: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ، والكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ ومَن كالكَلامِ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾، إنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ والمَغْفِرَةَ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: " السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ " . قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، وقالُ الزَّجّاجُ: الصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فالرَّغْبَةُ في الثَّوابِ أتَمُّ عَزْمًا. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مَنسُوخٌ بِالجِهادِ وأنَّهُ خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ عامٌّ، وهو ظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَما لَهُ مِن أحَدٍ يَلِي هِدايَتَهُ ويَنْصُرُهُ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقِيلَ: هي خاصَّةٌ بِمَن أعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعْمَلْ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ: ما أصابَكم مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في الدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، واللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمُ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا، فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أصْحابِهِ، وكانَ قَدِ ابْتُلِيَ في جَسَدِهِ، فَقالَ: إنّا لَنَبْتَئِسُ لَكَ لِما نَرى فِيكَ، قالَ: فَلا تَبْتَئِسْ لِما تَرى، فَإنَّ ما تَرى بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ إلى آخِرِها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئاتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ ولا خَدْشُ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قالَ: يَتَحَرَّكْنَ ولا يَجْرِينَ في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَواكِدَ﴾ قالَ: وُقُوفًا أوْ يُوبِقْهُنَّ قالَ: يُهْلِكْهُنَّ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ. قالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ وعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ فَسَبَّتْنِي، فَرَدَعَها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ لِي: سُبِّيها، فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها، ووَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَهَلَّلُ سُرُورًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «المُسْتَبّانِ ما قالا مِن شَيْءٍ فَعَلى البادِئِ حَتّى يَعْتَدِيَ المَظْلُومُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهِ مُنادِيًا يُنادِي ألا لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا في الدُّنْيا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يُنادِي مُنادٍ مَن كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُومُ مَن عَفا عَنْ أخِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾» .

الشورى 42:44

قَوْلُهُ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: حِينَ نَظَرُوا النّارَ، وقِيلَ: نَظَرُوا ما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم عِنْدَ المَوْتِ ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا مِن طَرِيقٍ. ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ: (p-١٣٣٣)ساكِنِينَ مُتَواضِعِينَ عِنْدَ أنْ يُعْرَضُوا عَلى النّارِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ، والضَّمِيرُ في عَلَيْها راجِعٌ إلى العَذابِ وأنَّثَهُ؛ لِأنَّ العَذابَ هو النّارُ وقَوْلُهُ يُعْرَضُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وكَذَلِكَ خاشِعِينَ، ومِنَ الذُّلِّ يَتَعَلَّقُ بِخاشِعِينَ أيْ: مِن أجْلِهِ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ مِن هي الَّتِي لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم إلى النّارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً، والطَّرْفُ الخَفِيُّ الَّذِي يُخْفى نَظَرُهُ كالمَصْبُورِ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ والوَجَلِ. قالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: ذَلِيلٍ قالَ: وإنَّما يَنْظُرُونَ بِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، وعَيْنُ القَلْبِ طَرْفٌ خِفِّيٌ. وقالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والقُرَظِيُّ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ يُونُسُ: إنَّ مِن في ﴿مِن طَرْفٍ﴾ بِمَعْنى الباءِ أيْ: يَنْظُرُونَ بِطَرْفٍ ضَعِيفٍ مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ وبِهِ قالَ الأخْفَشُ ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ: هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ خُسْرانِ الأنْفُسِ والأهْلِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ. وأمّا خُسْرانُهم لِأنْفُسِهِمْ فَلِكَوْنِهِمْ صارُوا في النّارِ مُعَذَّبِينَ بِها، وأمّا خُسْرانُهم لِأهْلِيهِمْ فَلِأنَّهم إنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ، وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ فَقَدْ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهم، وقِيلَ: خُسْرانُ الأهْلِ: أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَكانَ لَهم في الجَنَّةِ أهْلٌ مِنَ الحُورِ العِينِ ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ المُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: هم في عَذابٍ دائِمٍ لا يَنْقَطِعُ. ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم أعْوانٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُمُ العَذابَ، وأنْصارٌ يَنْصُرُونَهم في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ هو المُتَصَرِّفُ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ يَسْلُكُها إلى النَّجاةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ بِالِاسْتِجابَةِ لَهُ وحَذَّرَهم فَقالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: اسْتَجِيبُوا دَعْوَتَهُ لَكم إلى الإيمانِ بِهِ وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ، عَلى مَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ، أوْ لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ حَكَمَ بِهِ عَلى عِبادِهِ ووَعَدَهم بِهِ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ المَوْتِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ تَلْجَئُونَ إلَيْهِ، ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: إنْكارٍ، والمَعْنى: ما لَكم مِن إنْكارٍ يَوْمَئِذٍ، بَلْ تَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِكم. وقالَ مُجاهِدٌ ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: ناصِرٍ يَنْصُرُكم، وقِيلَ: النَّكِيرُ بِمَعْنى المُنْكِرِ، كالألِيمِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ أيْ: لا تَجِدُونَ يَوْمَئِذٍ مُنْكِرًا لِما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُنْكِرُوا الذُّنُوبَ الَّتِي يُوقَفُونَ عَلَيْها. ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: حافِظًا تَحْفَظُ أعْمالَهم حَتّى تُحاسِبَهم عَلَيْها، ولا مُوَكَّلًا بِهِمْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ لِما أُمِرْتَ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ أيْ: إذا أعْطَيْناهُ رَخاءً وصِحَّةً وغِنًى فَرِحَ بِها بَطَرًا، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ وشِدَّةٌ ومَرَضٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ الكُفْرِ لِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ، غَيْرُ شَكُورٍ لَهُ عَلَيْها، وهَذا بِاعْتِبارِ غالِبِ جِنْسِ الإنْسانِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - سَعَةَ مُلْكِهِ ونَفاذَ تَصَرُّفِهِ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِما بِما يُرِيدُ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ وأبُو مالِكٍ وأبُو عُبَيْدَةَ: يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا لا ذُكُورَ مَعَهُنَّ، ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ ذُكُورًا لا إناثَ مَعَهم. قِيلَ: وتَعْرِيفُ الذُّكُورِ بِالألِفِ واللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى شَرَفِهِمْ عَلى الإناثِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلْإناثِ قَدْ عارَضَ ذَلِكَ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى المُفاضَلَةِ بَلْ هي مَسُوقَةٌ لِمَعْنًى آخَرَ. وقَدْ دَلَّ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وقِيلَ: تَقْدِيمُ الإناثِ لِكَثْرَتِهِنَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الذُّكُورِ، وقِيلَ: لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ، وقِيلَ: لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ أيْ: يَقْرِنُ بَيْنَ الإناثِ والذُّكُورِ ويَجْعَلُهم أزْواجًا فَيَهَبُهُما جَمِيعًا لِبَعْضِ خَلْقِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً ثُمَّ تَلِدُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: هو أنْ تَلِدَ تَوْأمًا غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ القُتَيْبِيُّ: التَّزْوِيجُ هُنا هو الجَمْعُ بَيْنَ البَنِينَ والبَناتِ تَقُولُ العَرَبُ: زَوَّجْتُ إبِلِي: إذا جَمَعْتَ بَيْنَ الصِّغارِ والكِبارِ، ومَعْنى الآيَةِ أوْضَحُ مِن أنْ يُخْتَلَفَ في مِثْلِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضِ خَلْقِهِ إناثًا، ويَهَبُ لِبَعْضٍ ذُكُورًا، ويَجْمَعُ لِبَعْضٍ بَيْنَ الذُّكُورِ والإناثِ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ لَهُ ذَكَرٌ ولا أُنْثى، والعَقِيمُ الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ وامْرَأةٌ عَقِيمٌ، وعَقَمَتِ المَرْأةُ تَعْقُمُ عُقْمًا، وأصْلُهُ القَطْعُ، ويُقالُ: نِساءٌ عُقْمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عُقِمَ النِّساءُ فَما يَلِدْنَ شَبِيهَهُ إنَّ النِّساءَ بِمِثْلِهِ عُقْمُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ العِلْمِ عَظِيمُ القُدْرَةِ. ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ أيْ: ما صَحَّ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِأنْ يُوحِيَ إلَيْهِ فَيُلْهِمَهُ ويَقْذِفَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ قالَ مُجاهِدٌ: نَفَثَ يَنْفُثُ في قَلْبِهِ. فَيَكُونُ إلْهامًا مِنهُ كَما أوْحى إلى أمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ في ذَبْحِ ولَدِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ كَما كَلَّمَ مُوسى، يُرِيدُ أنَّ كَلامَهُ يُسْمَعُ مِن حَيْثُ لا يُرى، وهو تَمْثِيلٌ بِحالِ المَلِكِ المُحْتَجِبِ الَّذِي يُكَلِّمُ خَواصَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُرْسِلَ مَلَكًا، فَيُوحِيَ ذَلِكَ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ مِنَ البَشَرِ بِأمْرِ اللَّهِ وتَيْسِيرِهِ ما يَشاءُ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ (p-١٣٣٤)كَلامَ اللَّهِ لِلْبَشَرِ: إمّا أنْ يَكُونَ بِإلْهامٍ يُلْهِمُهم، أوْ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ كَما كَلَّمَ مُوسى، أوْ بِرِسالَةِ مَلَكٍ إلَيْهِمْ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا أنْ يُوحِيَ وحْيًا، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. ومَن قَرَأ " يُرْسِلُ " رَفْعًا أرادَ وهو يُرْسِلُ، فَهو ابْتِداءٌ واسْتِئْنافٌ اهـ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ أوْ يُرْسِلَ وبِنَصْبِ فَيُوحِيَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ، وتَكُونُ أنْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَعْطُوفَيْنِ عَلى وحْيًا، ووَحْيًا في مَحَلِّ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُرْسِلًا، ولا يَصِحُّ عَطْفُ أوْ يُرْسِلَ عَلى أنْ يُكَلِّمَهُ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ رَسُولًا، وهو فاسِدٌ لَفْظًا ومَعْنًى. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوْ يُرْسِلُ " بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ " فَيُوحِي " بِإسْكانِ الياءِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أوْ هو يُرْسِلُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: مُتَعالٍ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ، حَكِيمٌ في كُلِّ أحْكامِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما كَلَّمَهُ مُوسى، فَنَزَلَتْ. ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ أيْ: وكالوَحْيِ الَّذِي أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا، المُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الوَحْيَ بِأمْرِنا، ومَعْناهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ، فَفِيهِ حَياةٌ مِن مَوْتِ الكُفْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفَةَ رَسُولِهِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هو؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ وذَلِكَ أُدْخِلَ في الإعْجازِ وأدَلَّ عَلى صِحَّةِ نَبُّوتِهِ، ومَعْنى ﴿ولا الإيمانُ﴾ أنَّهُ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَعْرِفُ تَفاصِيلَ الشَّرائِعِ ولا يَهْتَدِي إلى مَعالِمِها، وخُصُّ الإيمانُ؛ لِأنَّهُ رَأْسُها وأساسُها، وقِيلَ: أرادَ بِالإيمانِ هُنا الصَّلاةَ. قالَ بِهَذا جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مِنهم إمامُ الأئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي الصَّلاةَ، فَسَمّاها إيمانًا. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَ مُؤْمِنًا بِهِ، وقالُوا مَعْنى الآيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ كَيْفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ البُلُوغِ حِينَ كانَ طِفْلًا وفي المَهْدِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإيمانِ دِينُ الإسْلامِ، وقِيلَ: الإيمانُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِكُلِّ ما كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ العِبادَ ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ أيْ: ولَكِنْ جَعَلْنا الرُّوحَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ هِدايَتَهُ مِن عِبادِنا ونُرْشِدُهُ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: وإنَّكَ لَتَدْعُوَ إلى الإسْلامِ، فَهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَهْدِي عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأ ابْنُ حَوْشِبٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مِن أهْدى، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ " وإنَّكَ لَتَدْعُو " . ثُمَّ بَيَّنَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وفي هَذِهِ الإضافَةِ لِلصِّراطِ إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، ومَعْنى لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ أنَّهُ المالِكُ لِذَلِكَ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ أيْ: تَصِيرُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا إلى غَيْرِهِ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلائِقِ، وفِيهِ وعِيدٌ بِالبَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِلْمُجازاةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قالَ: ذَلِيلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ إلى النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مِن بَرَكَةِ المَرْأةِ ابْتِكارُها بِالأُنْثى؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ قالَ: الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ قالَ: إلّا أنْ يَبْعَثَ مَلَكًا يُوحِي إلَيْهِ مِن عِنْدِهِ، أوْ يُلْهِمَهُ فَيَقْذِفُ في قَلْبِهِ، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ قالَ: القُرْآنُ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قِيلَ: لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَلْ عَبَدْتَ وثَنًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، قالُوا: فَهَلْ شَرِبْتَ خَمْرًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، وما زِلْتُ أعْرِفُ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ كُفْرٌ، وما كُنْتُ أدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ، وبِذَلِكَ نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾» .

الشورى 42:45

قَوْلُهُ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: حِينَ نَظَرُوا النّارَ، وقِيلَ: نَظَرُوا ما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم عِنْدَ المَوْتِ ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا مِن طَرِيقٍ. ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ: (p-١٣٣٣)ساكِنِينَ مُتَواضِعِينَ عِنْدَ أنْ يُعْرَضُوا عَلى النّارِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ، والضَّمِيرُ في عَلَيْها راجِعٌ إلى العَذابِ وأنَّثَهُ؛ لِأنَّ العَذابَ هو النّارُ وقَوْلُهُ يُعْرَضُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وكَذَلِكَ خاشِعِينَ، ومِنَ الذُّلِّ يَتَعَلَّقُ بِخاشِعِينَ أيْ: مِن أجْلِهِ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ مِن هي الَّتِي لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم إلى النّارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً، والطَّرْفُ الخَفِيُّ الَّذِي يُخْفى نَظَرُهُ كالمَصْبُورِ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ والوَجَلِ. قالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: ذَلِيلٍ قالَ: وإنَّما يَنْظُرُونَ بِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، وعَيْنُ القَلْبِ طَرْفٌ خِفِّيٌ. وقالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والقُرَظِيُّ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ يُونُسُ: إنَّ مِن في ﴿مِن طَرْفٍ﴾ بِمَعْنى الباءِ أيْ: يَنْظُرُونَ بِطَرْفٍ ضَعِيفٍ مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ وبِهِ قالَ الأخْفَشُ ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ: هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ خُسْرانِ الأنْفُسِ والأهْلِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ. وأمّا خُسْرانُهم لِأنْفُسِهِمْ فَلِكَوْنِهِمْ صارُوا في النّارِ مُعَذَّبِينَ بِها، وأمّا خُسْرانُهم لِأهْلِيهِمْ فَلِأنَّهم إنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ، وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ فَقَدْ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهم، وقِيلَ: خُسْرانُ الأهْلِ: أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَكانَ لَهم في الجَنَّةِ أهْلٌ مِنَ الحُورِ العِينِ ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ المُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: هم في عَذابٍ دائِمٍ لا يَنْقَطِعُ. ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم أعْوانٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُمُ العَذابَ، وأنْصارٌ يَنْصُرُونَهم في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ هو المُتَصَرِّفُ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ يَسْلُكُها إلى النَّجاةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ بِالِاسْتِجابَةِ لَهُ وحَذَّرَهم فَقالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: اسْتَجِيبُوا دَعْوَتَهُ لَكم إلى الإيمانِ بِهِ وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ، عَلى مَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ، أوْ لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ حَكَمَ بِهِ عَلى عِبادِهِ ووَعَدَهم بِهِ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ المَوْتِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ تَلْجَئُونَ إلَيْهِ، ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: إنْكارٍ، والمَعْنى: ما لَكم مِن إنْكارٍ يَوْمَئِذٍ، بَلْ تَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِكم. وقالَ مُجاهِدٌ ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: ناصِرٍ يَنْصُرُكم، وقِيلَ: النَّكِيرُ بِمَعْنى المُنْكِرِ، كالألِيمِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ أيْ: لا تَجِدُونَ يَوْمَئِذٍ مُنْكِرًا لِما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُنْكِرُوا الذُّنُوبَ الَّتِي يُوقَفُونَ عَلَيْها. ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: حافِظًا تَحْفَظُ أعْمالَهم حَتّى تُحاسِبَهم عَلَيْها، ولا مُوَكَّلًا بِهِمْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ لِما أُمِرْتَ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ أيْ: إذا أعْطَيْناهُ رَخاءً وصِحَّةً وغِنًى فَرِحَ بِها بَطَرًا، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ وشِدَّةٌ ومَرَضٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ الكُفْرِ لِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ، غَيْرُ شَكُورٍ لَهُ عَلَيْها، وهَذا بِاعْتِبارِ غالِبِ جِنْسِ الإنْسانِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - سَعَةَ مُلْكِهِ ونَفاذَ تَصَرُّفِهِ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِما بِما يُرِيدُ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ وأبُو مالِكٍ وأبُو عُبَيْدَةَ: يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا لا ذُكُورَ مَعَهُنَّ، ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ ذُكُورًا لا إناثَ مَعَهم. قِيلَ: وتَعْرِيفُ الذُّكُورِ بِالألِفِ واللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى شَرَفِهِمْ عَلى الإناثِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلْإناثِ قَدْ عارَضَ ذَلِكَ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى المُفاضَلَةِ بَلْ هي مَسُوقَةٌ لِمَعْنًى آخَرَ. وقَدْ دَلَّ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وقِيلَ: تَقْدِيمُ الإناثِ لِكَثْرَتِهِنَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الذُّكُورِ، وقِيلَ: لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ، وقِيلَ: لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ أيْ: يَقْرِنُ بَيْنَ الإناثِ والذُّكُورِ ويَجْعَلُهم أزْواجًا فَيَهَبُهُما جَمِيعًا لِبَعْضِ خَلْقِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً ثُمَّ تَلِدُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: هو أنْ تَلِدَ تَوْأمًا غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ القُتَيْبِيُّ: التَّزْوِيجُ هُنا هو الجَمْعُ بَيْنَ البَنِينَ والبَناتِ تَقُولُ العَرَبُ: زَوَّجْتُ إبِلِي: إذا جَمَعْتَ بَيْنَ الصِّغارِ والكِبارِ، ومَعْنى الآيَةِ أوْضَحُ مِن أنْ يُخْتَلَفَ في مِثْلِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضِ خَلْقِهِ إناثًا، ويَهَبُ لِبَعْضٍ ذُكُورًا، ويَجْمَعُ لِبَعْضٍ بَيْنَ الذُّكُورِ والإناثِ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ لَهُ ذَكَرٌ ولا أُنْثى، والعَقِيمُ الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ وامْرَأةٌ عَقِيمٌ، وعَقَمَتِ المَرْأةُ تَعْقُمُ عُقْمًا، وأصْلُهُ القَطْعُ، ويُقالُ: نِساءٌ عُقْمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عُقِمَ النِّساءُ فَما يَلِدْنَ شَبِيهَهُ إنَّ النِّساءَ بِمِثْلِهِ عُقْمُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ العِلْمِ عَظِيمُ القُدْرَةِ. ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ أيْ: ما صَحَّ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِأنْ يُوحِيَ إلَيْهِ فَيُلْهِمَهُ ويَقْذِفَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ قالَ مُجاهِدٌ: نَفَثَ يَنْفُثُ في قَلْبِهِ. فَيَكُونُ إلْهامًا مِنهُ كَما أوْحى إلى أمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ في ذَبْحِ ولَدِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ كَما كَلَّمَ مُوسى، يُرِيدُ أنَّ كَلامَهُ يُسْمَعُ مِن حَيْثُ لا يُرى، وهو تَمْثِيلٌ بِحالِ المَلِكِ المُحْتَجِبِ الَّذِي يُكَلِّمُ خَواصَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُرْسِلَ مَلَكًا، فَيُوحِيَ ذَلِكَ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ مِنَ البَشَرِ بِأمْرِ اللَّهِ وتَيْسِيرِهِ ما يَشاءُ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ (p-١٣٣٤)كَلامَ اللَّهِ لِلْبَشَرِ: إمّا أنْ يَكُونَ بِإلْهامٍ يُلْهِمُهم، أوْ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ كَما كَلَّمَ مُوسى، أوْ بِرِسالَةِ مَلَكٍ إلَيْهِمْ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا أنْ يُوحِيَ وحْيًا، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. ومَن قَرَأ " يُرْسِلُ " رَفْعًا أرادَ وهو يُرْسِلُ، فَهو ابْتِداءٌ واسْتِئْنافٌ اهـ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ أوْ يُرْسِلَ وبِنَصْبِ فَيُوحِيَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ، وتَكُونُ أنْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَعْطُوفَيْنِ عَلى وحْيًا، ووَحْيًا في مَحَلِّ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُرْسِلًا، ولا يَصِحُّ عَطْفُ أوْ يُرْسِلَ عَلى أنْ يُكَلِّمَهُ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ رَسُولًا، وهو فاسِدٌ لَفْظًا ومَعْنًى. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوْ يُرْسِلُ " بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ " فَيُوحِي " بِإسْكانِ الياءِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أوْ هو يُرْسِلُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: مُتَعالٍ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ، حَكِيمٌ في كُلِّ أحْكامِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما كَلَّمَهُ مُوسى، فَنَزَلَتْ. ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ أيْ: وكالوَحْيِ الَّذِي أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا، المُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الوَحْيَ بِأمْرِنا، ومَعْناهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ، فَفِيهِ حَياةٌ مِن مَوْتِ الكُفْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفَةَ رَسُولِهِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هو؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ وذَلِكَ أُدْخِلَ في الإعْجازِ وأدَلَّ عَلى صِحَّةِ نَبُّوتِهِ، ومَعْنى ﴿ولا الإيمانُ﴾ أنَّهُ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَعْرِفُ تَفاصِيلَ الشَّرائِعِ ولا يَهْتَدِي إلى مَعالِمِها، وخُصُّ الإيمانُ؛ لِأنَّهُ رَأْسُها وأساسُها، وقِيلَ: أرادَ بِالإيمانِ هُنا الصَّلاةَ. قالَ بِهَذا جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مِنهم إمامُ الأئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي الصَّلاةَ، فَسَمّاها إيمانًا. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَ مُؤْمِنًا بِهِ، وقالُوا مَعْنى الآيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ كَيْفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ البُلُوغِ حِينَ كانَ طِفْلًا وفي المَهْدِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإيمانِ دِينُ الإسْلامِ، وقِيلَ: الإيمانُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِكُلِّ ما كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ العِبادَ ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ أيْ: ولَكِنْ جَعَلْنا الرُّوحَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ هِدايَتَهُ مِن عِبادِنا ونُرْشِدُهُ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: وإنَّكَ لَتَدْعُوَ إلى الإسْلامِ، فَهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَهْدِي عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأ ابْنُ حَوْشِبٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مِن أهْدى، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ " وإنَّكَ لَتَدْعُو " . ثُمَّ بَيَّنَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وفي هَذِهِ الإضافَةِ لِلصِّراطِ إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، ومَعْنى لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ أنَّهُ المالِكُ لِذَلِكَ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ أيْ: تَصِيرُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا إلى غَيْرِهِ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلائِقِ، وفِيهِ وعِيدٌ بِالبَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِلْمُجازاةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قالَ: ذَلِيلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ إلى النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مِن بَرَكَةِ المَرْأةِ ابْتِكارُها بِالأُنْثى؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ قالَ: الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ قالَ: إلّا أنْ يَبْعَثَ مَلَكًا يُوحِي إلَيْهِ مِن عِنْدِهِ، أوْ يُلْهِمَهُ فَيَقْذِفُ في قَلْبِهِ، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ قالَ: القُرْآنُ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قِيلَ: لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَلْ عَبَدْتَ وثَنًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، قالُوا: فَهَلْ شَرِبْتَ خَمْرًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، وما زِلْتُ أعْرِفُ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ كُفْرٌ، وما كُنْتُ أدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ، وبِذَلِكَ نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾» .

الشورى 42:46

قَوْلُهُ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: حِينَ نَظَرُوا النّارَ، وقِيلَ: نَظَرُوا ما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم عِنْدَ المَوْتِ ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا مِن طَرِيقٍ. ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ: (p-١٣٣٣)ساكِنِينَ مُتَواضِعِينَ عِنْدَ أنْ يُعْرَضُوا عَلى النّارِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ، والضَّمِيرُ في عَلَيْها راجِعٌ إلى العَذابِ وأنَّثَهُ؛ لِأنَّ العَذابَ هو النّارُ وقَوْلُهُ يُعْرَضُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وكَذَلِكَ خاشِعِينَ، ومِنَ الذُّلِّ يَتَعَلَّقُ بِخاشِعِينَ أيْ: مِن أجْلِهِ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ مِن هي الَّتِي لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم إلى النّارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً، والطَّرْفُ الخَفِيُّ الَّذِي يُخْفى نَظَرُهُ كالمَصْبُورِ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ والوَجَلِ. قالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: ذَلِيلٍ قالَ: وإنَّما يَنْظُرُونَ بِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، وعَيْنُ القَلْبِ طَرْفٌ خِفِّيٌ. وقالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والقُرَظِيُّ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ يُونُسُ: إنَّ مِن في ﴿مِن طَرْفٍ﴾ بِمَعْنى الباءِ أيْ: يَنْظُرُونَ بِطَرْفٍ ضَعِيفٍ مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ وبِهِ قالَ الأخْفَشُ ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ: هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ خُسْرانِ الأنْفُسِ والأهْلِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ. وأمّا خُسْرانُهم لِأنْفُسِهِمْ فَلِكَوْنِهِمْ صارُوا في النّارِ مُعَذَّبِينَ بِها، وأمّا خُسْرانُهم لِأهْلِيهِمْ فَلِأنَّهم إنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ، وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ فَقَدْ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهم، وقِيلَ: خُسْرانُ الأهْلِ: أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَكانَ لَهم في الجَنَّةِ أهْلٌ مِنَ الحُورِ العِينِ ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ المُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: هم في عَذابٍ دائِمٍ لا يَنْقَطِعُ. ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم أعْوانٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُمُ العَذابَ، وأنْصارٌ يَنْصُرُونَهم في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ هو المُتَصَرِّفُ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ يَسْلُكُها إلى النَّجاةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ بِالِاسْتِجابَةِ لَهُ وحَذَّرَهم فَقالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: اسْتَجِيبُوا دَعْوَتَهُ لَكم إلى الإيمانِ بِهِ وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ، عَلى مَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ، أوْ لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ حَكَمَ بِهِ عَلى عِبادِهِ ووَعَدَهم بِهِ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ المَوْتِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ تَلْجَئُونَ إلَيْهِ، ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: إنْكارٍ، والمَعْنى: ما لَكم مِن إنْكارٍ يَوْمَئِذٍ، بَلْ تَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِكم. وقالَ مُجاهِدٌ ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: ناصِرٍ يَنْصُرُكم، وقِيلَ: النَّكِيرُ بِمَعْنى المُنْكِرِ، كالألِيمِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ أيْ: لا تَجِدُونَ يَوْمَئِذٍ مُنْكِرًا لِما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُنْكِرُوا الذُّنُوبَ الَّتِي يُوقَفُونَ عَلَيْها. ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: حافِظًا تَحْفَظُ أعْمالَهم حَتّى تُحاسِبَهم عَلَيْها، ولا مُوَكَّلًا بِهِمْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ لِما أُمِرْتَ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ أيْ: إذا أعْطَيْناهُ رَخاءً وصِحَّةً وغِنًى فَرِحَ بِها بَطَرًا، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ وشِدَّةٌ ومَرَضٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ الكُفْرِ لِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ، غَيْرُ شَكُورٍ لَهُ عَلَيْها، وهَذا بِاعْتِبارِ غالِبِ جِنْسِ الإنْسانِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - سَعَةَ مُلْكِهِ ونَفاذَ تَصَرُّفِهِ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِما بِما يُرِيدُ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ وأبُو مالِكٍ وأبُو عُبَيْدَةَ: يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا لا ذُكُورَ مَعَهُنَّ، ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ ذُكُورًا لا إناثَ مَعَهم. قِيلَ: وتَعْرِيفُ الذُّكُورِ بِالألِفِ واللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى شَرَفِهِمْ عَلى الإناثِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلْإناثِ قَدْ عارَضَ ذَلِكَ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى المُفاضَلَةِ بَلْ هي مَسُوقَةٌ لِمَعْنًى آخَرَ. وقَدْ دَلَّ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وقِيلَ: تَقْدِيمُ الإناثِ لِكَثْرَتِهِنَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الذُّكُورِ، وقِيلَ: لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ، وقِيلَ: لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ أيْ: يَقْرِنُ بَيْنَ الإناثِ والذُّكُورِ ويَجْعَلُهم أزْواجًا فَيَهَبُهُما جَمِيعًا لِبَعْضِ خَلْقِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً ثُمَّ تَلِدُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: هو أنْ تَلِدَ تَوْأمًا غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ القُتَيْبِيُّ: التَّزْوِيجُ هُنا هو الجَمْعُ بَيْنَ البَنِينَ والبَناتِ تَقُولُ العَرَبُ: زَوَّجْتُ إبِلِي: إذا جَمَعْتَ بَيْنَ الصِّغارِ والكِبارِ، ومَعْنى الآيَةِ أوْضَحُ مِن أنْ يُخْتَلَفَ في مِثْلِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضِ خَلْقِهِ إناثًا، ويَهَبُ لِبَعْضٍ ذُكُورًا، ويَجْمَعُ لِبَعْضٍ بَيْنَ الذُّكُورِ والإناثِ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ لَهُ ذَكَرٌ ولا أُنْثى، والعَقِيمُ الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ وامْرَأةٌ عَقِيمٌ، وعَقَمَتِ المَرْأةُ تَعْقُمُ عُقْمًا، وأصْلُهُ القَطْعُ، ويُقالُ: نِساءٌ عُقْمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عُقِمَ النِّساءُ فَما يَلِدْنَ شَبِيهَهُ إنَّ النِّساءَ بِمِثْلِهِ عُقْمُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ العِلْمِ عَظِيمُ القُدْرَةِ. ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ أيْ: ما صَحَّ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِأنْ يُوحِيَ إلَيْهِ فَيُلْهِمَهُ ويَقْذِفَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ قالَ مُجاهِدٌ: نَفَثَ يَنْفُثُ في قَلْبِهِ. فَيَكُونُ إلْهامًا مِنهُ كَما أوْحى إلى أمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ في ذَبْحِ ولَدِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ كَما كَلَّمَ مُوسى، يُرِيدُ أنَّ كَلامَهُ يُسْمَعُ مِن حَيْثُ لا يُرى، وهو تَمْثِيلٌ بِحالِ المَلِكِ المُحْتَجِبِ الَّذِي يُكَلِّمُ خَواصَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُرْسِلَ مَلَكًا، فَيُوحِيَ ذَلِكَ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ مِنَ البَشَرِ بِأمْرِ اللَّهِ وتَيْسِيرِهِ ما يَشاءُ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ (p-١٣٣٤)كَلامَ اللَّهِ لِلْبَشَرِ: إمّا أنْ يَكُونَ بِإلْهامٍ يُلْهِمُهم، أوْ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ كَما كَلَّمَ مُوسى، أوْ بِرِسالَةِ مَلَكٍ إلَيْهِمْ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا أنْ يُوحِيَ وحْيًا، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. ومَن قَرَأ " يُرْسِلُ " رَفْعًا أرادَ وهو يُرْسِلُ، فَهو ابْتِداءٌ واسْتِئْنافٌ اهـ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ أوْ يُرْسِلَ وبِنَصْبِ فَيُوحِيَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ، وتَكُونُ أنْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَعْطُوفَيْنِ عَلى وحْيًا، ووَحْيًا في مَحَلِّ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُرْسِلًا، ولا يَصِحُّ عَطْفُ أوْ يُرْسِلَ عَلى أنْ يُكَلِّمَهُ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ رَسُولًا، وهو فاسِدٌ لَفْظًا ومَعْنًى. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوْ يُرْسِلُ " بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ " فَيُوحِي " بِإسْكانِ الياءِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أوْ هو يُرْسِلُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: مُتَعالٍ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ، حَكِيمٌ في كُلِّ أحْكامِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما كَلَّمَهُ مُوسى، فَنَزَلَتْ. ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ أيْ: وكالوَحْيِ الَّذِي أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا، المُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الوَحْيَ بِأمْرِنا، ومَعْناهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ، فَفِيهِ حَياةٌ مِن مَوْتِ الكُفْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفَةَ رَسُولِهِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هو؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ وذَلِكَ أُدْخِلَ في الإعْجازِ وأدَلَّ عَلى صِحَّةِ نَبُّوتِهِ، ومَعْنى ﴿ولا الإيمانُ﴾ أنَّهُ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَعْرِفُ تَفاصِيلَ الشَّرائِعِ ولا يَهْتَدِي إلى مَعالِمِها، وخُصُّ الإيمانُ؛ لِأنَّهُ رَأْسُها وأساسُها، وقِيلَ: أرادَ بِالإيمانِ هُنا الصَّلاةَ. قالَ بِهَذا جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مِنهم إمامُ الأئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي الصَّلاةَ، فَسَمّاها إيمانًا. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَ مُؤْمِنًا بِهِ، وقالُوا مَعْنى الآيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ كَيْفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ البُلُوغِ حِينَ كانَ طِفْلًا وفي المَهْدِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإيمانِ دِينُ الإسْلامِ، وقِيلَ: الإيمانُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِكُلِّ ما كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ العِبادَ ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ أيْ: ولَكِنْ جَعَلْنا الرُّوحَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ هِدايَتَهُ مِن عِبادِنا ونُرْشِدُهُ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: وإنَّكَ لَتَدْعُوَ إلى الإسْلامِ، فَهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَهْدِي عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأ ابْنُ حَوْشِبٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مِن أهْدى، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ " وإنَّكَ لَتَدْعُو " . ثُمَّ بَيَّنَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وفي هَذِهِ الإضافَةِ لِلصِّراطِ إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، ومَعْنى لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ أنَّهُ المالِكُ لِذَلِكَ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ أيْ: تَصِيرُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا إلى غَيْرِهِ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلائِقِ، وفِيهِ وعِيدٌ بِالبَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِلْمُجازاةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قالَ: ذَلِيلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ إلى النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مِن بَرَكَةِ المَرْأةِ ابْتِكارُها بِالأُنْثى؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ قالَ: الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ قالَ: إلّا أنْ يَبْعَثَ مَلَكًا يُوحِي إلَيْهِ مِن عِنْدِهِ، أوْ يُلْهِمَهُ فَيَقْذِفُ في قَلْبِهِ، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ قالَ: القُرْآنُ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قِيلَ: لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَلْ عَبَدْتَ وثَنًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، قالُوا: فَهَلْ شَرِبْتَ خَمْرًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، وما زِلْتُ أعْرِفُ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ كُفْرٌ، وما كُنْتُ أدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ، وبِذَلِكَ نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾» .

الشورى 42:47

قَوْلُهُ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: حِينَ نَظَرُوا النّارَ، وقِيلَ: نَظَرُوا ما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم عِنْدَ المَوْتِ ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا مِن طَرِيقٍ. ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ: (p-١٣٣٣)ساكِنِينَ مُتَواضِعِينَ عِنْدَ أنْ يُعْرَضُوا عَلى النّارِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ، والضَّمِيرُ في عَلَيْها راجِعٌ إلى العَذابِ وأنَّثَهُ؛ لِأنَّ العَذابَ هو النّارُ وقَوْلُهُ يُعْرَضُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وكَذَلِكَ خاشِعِينَ، ومِنَ الذُّلِّ يَتَعَلَّقُ بِخاشِعِينَ أيْ: مِن أجْلِهِ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ مِن هي الَّتِي لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم إلى النّارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً، والطَّرْفُ الخَفِيُّ الَّذِي يُخْفى نَظَرُهُ كالمَصْبُورِ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ والوَجَلِ. قالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: ذَلِيلٍ قالَ: وإنَّما يَنْظُرُونَ بِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، وعَيْنُ القَلْبِ طَرْفٌ خِفِّيٌ. وقالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والقُرَظِيُّ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ يُونُسُ: إنَّ مِن في ﴿مِن طَرْفٍ﴾ بِمَعْنى الباءِ أيْ: يَنْظُرُونَ بِطَرْفٍ ضَعِيفٍ مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ وبِهِ قالَ الأخْفَشُ ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ: هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ خُسْرانِ الأنْفُسِ والأهْلِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ. وأمّا خُسْرانُهم لِأنْفُسِهِمْ فَلِكَوْنِهِمْ صارُوا في النّارِ مُعَذَّبِينَ بِها، وأمّا خُسْرانُهم لِأهْلِيهِمْ فَلِأنَّهم إنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ، وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ فَقَدْ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهم، وقِيلَ: خُسْرانُ الأهْلِ: أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَكانَ لَهم في الجَنَّةِ أهْلٌ مِنَ الحُورِ العِينِ ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ المُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: هم في عَذابٍ دائِمٍ لا يَنْقَطِعُ. ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم أعْوانٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُمُ العَذابَ، وأنْصارٌ يَنْصُرُونَهم في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ هو المُتَصَرِّفُ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ يَسْلُكُها إلى النَّجاةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ بِالِاسْتِجابَةِ لَهُ وحَذَّرَهم فَقالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: اسْتَجِيبُوا دَعْوَتَهُ لَكم إلى الإيمانِ بِهِ وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ، عَلى مَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ، أوْ لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ حَكَمَ بِهِ عَلى عِبادِهِ ووَعَدَهم بِهِ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ المَوْتِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ تَلْجَئُونَ إلَيْهِ، ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: إنْكارٍ، والمَعْنى: ما لَكم مِن إنْكارٍ يَوْمَئِذٍ، بَلْ تَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِكم. وقالَ مُجاهِدٌ ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: ناصِرٍ يَنْصُرُكم، وقِيلَ: النَّكِيرُ بِمَعْنى المُنْكِرِ، كالألِيمِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ أيْ: لا تَجِدُونَ يَوْمَئِذٍ مُنْكِرًا لِما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُنْكِرُوا الذُّنُوبَ الَّتِي يُوقَفُونَ عَلَيْها. ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: حافِظًا تَحْفَظُ أعْمالَهم حَتّى تُحاسِبَهم عَلَيْها، ولا مُوَكَّلًا بِهِمْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ لِما أُمِرْتَ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ أيْ: إذا أعْطَيْناهُ رَخاءً وصِحَّةً وغِنًى فَرِحَ بِها بَطَرًا، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ وشِدَّةٌ ومَرَضٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ الكُفْرِ لِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ، غَيْرُ شَكُورٍ لَهُ عَلَيْها، وهَذا بِاعْتِبارِ غالِبِ جِنْسِ الإنْسانِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - سَعَةَ مُلْكِهِ ونَفاذَ تَصَرُّفِهِ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِما بِما يُرِيدُ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ وأبُو مالِكٍ وأبُو عُبَيْدَةَ: يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا لا ذُكُورَ مَعَهُنَّ، ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ ذُكُورًا لا إناثَ مَعَهم. قِيلَ: وتَعْرِيفُ الذُّكُورِ بِالألِفِ واللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى شَرَفِهِمْ عَلى الإناثِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلْإناثِ قَدْ عارَضَ ذَلِكَ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى المُفاضَلَةِ بَلْ هي مَسُوقَةٌ لِمَعْنًى آخَرَ. وقَدْ دَلَّ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وقِيلَ: تَقْدِيمُ الإناثِ لِكَثْرَتِهِنَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الذُّكُورِ، وقِيلَ: لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ، وقِيلَ: لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ أيْ: يَقْرِنُ بَيْنَ الإناثِ والذُّكُورِ ويَجْعَلُهم أزْواجًا فَيَهَبُهُما جَمِيعًا لِبَعْضِ خَلْقِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً ثُمَّ تَلِدُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: هو أنْ تَلِدَ تَوْأمًا غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ القُتَيْبِيُّ: التَّزْوِيجُ هُنا هو الجَمْعُ بَيْنَ البَنِينَ والبَناتِ تَقُولُ العَرَبُ: زَوَّجْتُ إبِلِي: إذا جَمَعْتَ بَيْنَ الصِّغارِ والكِبارِ، ومَعْنى الآيَةِ أوْضَحُ مِن أنْ يُخْتَلَفَ في مِثْلِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضِ خَلْقِهِ إناثًا، ويَهَبُ لِبَعْضٍ ذُكُورًا، ويَجْمَعُ لِبَعْضٍ بَيْنَ الذُّكُورِ والإناثِ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ لَهُ ذَكَرٌ ولا أُنْثى، والعَقِيمُ الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ وامْرَأةٌ عَقِيمٌ، وعَقَمَتِ المَرْأةُ تَعْقُمُ عُقْمًا، وأصْلُهُ القَطْعُ، ويُقالُ: نِساءٌ عُقْمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عُقِمَ النِّساءُ فَما يَلِدْنَ شَبِيهَهُ إنَّ النِّساءَ بِمِثْلِهِ عُقْمُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ العِلْمِ عَظِيمُ القُدْرَةِ. ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ أيْ: ما صَحَّ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِأنْ يُوحِيَ إلَيْهِ فَيُلْهِمَهُ ويَقْذِفَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ قالَ مُجاهِدٌ: نَفَثَ يَنْفُثُ في قَلْبِهِ. فَيَكُونُ إلْهامًا مِنهُ كَما أوْحى إلى أمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ في ذَبْحِ ولَدِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ كَما كَلَّمَ مُوسى، يُرِيدُ أنَّ كَلامَهُ يُسْمَعُ مِن حَيْثُ لا يُرى، وهو تَمْثِيلٌ بِحالِ المَلِكِ المُحْتَجِبِ الَّذِي يُكَلِّمُ خَواصَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُرْسِلَ مَلَكًا، فَيُوحِيَ ذَلِكَ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ مِنَ البَشَرِ بِأمْرِ اللَّهِ وتَيْسِيرِهِ ما يَشاءُ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ (p-١٣٣٤)كَلامَ اللَّهِ لِلْبَشَرِ: إمّا أنْ يَكُونَ بِإلْهامٍ يُلْهِمُهم، أوْ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ كَما كَلَّمَ مُوسى، أوْ بِرِسالَةِ مَلَكٍ إلَيْهِمْ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا أنْ يُوحِيَ وحْيًا، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. ومَن قَرَأ " يُرْسِلُ " رَفْعًا أرادَ وهو يُرْسِلُ، فَهو ابْتِداءٌ واسْتِئْنافٌ اهـ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ أوْ يُرْسِلَ وبِنَصْبِ فَيُوحِيَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ، وتَكُونُ أنْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَعْطُوفَيْنِ عَلى وحْيًا، ووَحْيًا في مَحَلِّ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُرْسِلًا، ولا يَصِحُّ عَطْفُ أوْ يُرْسِلَ عَلى أنْ يُكَلِّمَهُ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ رَسُولًا، وهو فاسِدٌ لَفْظًا ومَعْنًى. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوْ يُرْسِلُ " بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ " فَيُوحِي " بِإسْكانِ الياءِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أوْ هو يُرْسِلُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: مُتَعالٍ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ، حَكِيمٌ في كُلِّ أحْكامِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما كَلَّمَهُ مُوسى، فَنَزَلَتْ. ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ أيْ: وكالوَحْيِ الَّذِي أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا، المُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الوَحْيَ بِأمْرِنا، ومَعْناهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ، فَفِيهِ حَياةٌ مِن مَوْتِ الكُفْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفَةَ رَسُولِهِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هو؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ وذَلِكَ أُدْخِلَ في الإعْجازِ وأدَلَّ عَلى صِحَّةِ نَبُّوتِهِ، ومَعْنى ﴿ولا الإيمانُ﴾ أنَّهُ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَعْرِفُ تَفاصِيلَ الشَّرائِعِ ولا يَهْتَدِي إلى مَعالِمِها، وخُصُّ الإيمانُ؛ لِأنَّهُ رَأْسُها وأساسُها، وقِيلَ: أرادَ بِالإيمانِ هُنا الصَّلاةَ. قالَ بِهَذا جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مِنهم إمامُ الأئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي الصَّلاةَ، فَسَمّاها إيمانًا. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَ مُؤْمِنًا بِهِ، وقالُوا مَعْنى الآيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ كَيْفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ البُلُوغِ حِينَ كانَ طِفْلًا وفي المَهْدِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإيمانِ دِينُ الإسْلامِ، وقِيلَ: الإيمانُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِكُلِّ ما كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ العِبادَ ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ أيْ: ولَكِنْ جَعَلْنا الرُّوحَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ هِدايَتَهُ مِن عِبادِنا ونُرْشِدُهُ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: وإنَّكَ لَتَدْعُوَ إلى الإسْلامِ، فَهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَهْدِي عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأ ابْنُ حَوْشِبٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مِن أهْدى، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ " وإنَّكَ لَتَدْعُو " . ثُمَّ بَيَّنَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وفي هَذِهِ الإضافَةِ لِلصِّراطِ إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، ومَعْنى لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ أنَّهُ المالِكُ لِذَلِكَ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ أيْ: تَصِيرُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا إلى غَيْرِهِ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلائِقِ، وفِيهِ وعِيدٌ بِالبَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِلْمُجازاةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قالَ: ذَلِيلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ إلى النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مِن بَرَكَةِ المَرْأةِ ابْتِكارُها بِالأُنْثى؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ قالَ: الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ قالَ: إلّا أنْ يَبْعَثَ مَلَكًا يُوحِي إلَيْهِ مِن عِنْدِهِ، أوْ يُلْهِمَهُ فَيَقْذِفُ في قَلْبِهِ، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ قالَ: القُرْآنُ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قِيلَ: لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَلْ عَبَدْتَ وثَنًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، قالُوا: فَهَلْ شَرِبْتَ خَمْرًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، وما زِلْتُ أعْرِفُ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ كُفْرٌ، وما كُنْتُ أدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ، وبِذَلِكَ نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾» .

الشورى 42:48

قَوْلُهُ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: حِينَ نَظَرُوا النّارَ، وقِيلَ: نَظَرُوا ما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم عِنْدَ المَوْتِ ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا مِن طَرِيقٍ. ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ: (p-١٣٣٣)ساكِنِينَ مُتَواضِعِينَ عِنْدَ أنْ يُعْرَضُوا عَلى النّارِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ، والضَّمِيرُ في عَلَيْها راجِعٌ إلى العَذابِ وأنَّثَهُ؛ لِأنَّ العَذابَ هو النّارُ وقَوْلُهُ يُعْرَضُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وكَذَلِكَ خاشِعِينَ، ومِنَ الذُّلِّ يَتَعَلَّقُ بِخاشِعِينَ أيْ: مِن أجْلِهِ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ مِن هي الَّتِي لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم إلى النّارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً، والطَّرْفُ الخَفِيُّ الَّذِي يُخْفى نَظَرُهُ كالمَصْبُورِ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ والوَجَلِ. قالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: ذَلِيلٍ قالَ: وإنَّما يَنْظُرُونَ بِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، وعَيْنُ القَلْبِ طَرْفٌ خِفِّيٌ. وقالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والقُرَظِيُّ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ يُونُسُ: إنَّ مِن في ﴿مِن طَرْفٍ﴾ بِمَعْنى الباءِ أيْ: يَنْظُرُونَ بِطَرْفٍ ضَعِيفٍ مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ وبِهِ قالَ الأخْفَشُ ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ: هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ خُسْرانِ الأنْفُسِ والأهْلِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ. وأمّا خُسْرانُهم لِأنْفُسِهِمْ فَلِكَوْنِهِمْ صارُوا في النّارِ مُعَذَّبِينَ بِها، وأمّا خُسْرانُهم لِأهْلِيهِمْ فَلِأنَّهم إنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ، وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ فَقَدْ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهم، وقِيلَ: خُسْرانُ الأهْلِ: أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَكانَ لَهم في الجَنَّةِ أهْلٌ مِنَ الحُورِ العِينِ ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ المُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: هم في عَذابٍ دائِمٍ لا يَنْقَطِعُ. ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم أعْوانٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُمُ العَذابَ، وأنْصارٌ يَنْصُرُونَهم في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ هو المُتَصَرِّفُ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ يَسْلُكُها إلى النَّجاةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ بِالِاسْتِجابَةِ لَهُ وحَذَّرَهم فَقالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: اسْتَجِيبُوا دَعْوَتَهُ لَكم إلى الإيمانِ بِهِ وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ، عَلى مَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ، أوْ لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ حَكَمَ بِهِ عَلى عِبادِهِ ووَعَدَهم بِهِ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ المَوْتِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ تَلْجَئُونَ إلَيْهِ، ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: إنْكارٍ، والمَعْنى: ما لَكم مِن إنْكارٍ يَوْمَئِذٍ، بَلْ تَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِكم. وقالَ مُجاهِدٌ ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: ناصِرٍ يَنْصُرُكم، وقِيلَ: النَّكِيرُ بِمَعْنى المُنْكِرِ، كالألِيمِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ أيْ: لا تَجِدُونَ يَوْمَئِذٍ مُنْكِرًا لِما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُنْكِرُوا الذُّنُوبَ الَّتِي يُوقَفُونَ عَلَيْها. ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: حافِظًا تَحْفَظُ أعْمالَهم حَتّى تُحاسِبَهم عَلَيْها، ولا مُوَكَّلًا بِهِمْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ لِما أُمِرْتَ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ أيْ: إذا أعْطَيْناهُ رَخاءً وصِحَّةً وغِنًى فَرِحَ بِها بَطَرًا، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ وشِدَّةٌ ومَرَضٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ الكُفْرِ لِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ، غَيْرُ شَكُورٍ لَهُ عَلَيْها، وهَذا بِاعْتِبارِ غالِبِ جِنْسِ الإنْسانِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - سَعَةَ مُلْكِهِ ونَفاذَ تَصَرُّفِهِ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِما بِما يُرِيدُ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ وأبُو مالِكٍ وأبُو عُبَيْدَةَ: يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا لا ذُكُورَ مَعَهُنَّ، ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ ذُكُورًا لا إناثَ مَعَهم. قِيلَ: وتَعْرِيفُ الذُّكُورِ بِالألِفِ واللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى شَرَفِهِمْ عَلى الإناثِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلْإناثِ قَدْ عارَضَ ذَلِكَ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى المُفاضَلَةِ بَلْ هي مَسُوقَةٌ لِمَعْنًى آخَرَ. وقَدْ دَلَّ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وقِيلَ: تَقْدِيمُ الإناثِ لِكَثْرَتِهِنَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الذُّكُورِ، وقِيلَ: لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ، وقِيلَ: لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ أيْ: يَقْرِنُ بَيْنَ الإناثِ والذُّكُورِ ويَجْعَلُهم أزْواجًا فَيَهَبُهُما جَمِيعًا لِبَعْضِ خَلْقِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً ثُمَّ تَلِدُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: هو أنْ تَلِدَ تَوْأمًا غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ القُتَيْبِيُّ: التَّزْوِيجُ هُنا هو الجَمْعُ بَيْنَ البَنِينَ والبَناتِ تَقُولُ العَرَبُ: زَوَّجْتُ إبِلِي: إذا جَمَعْتَ بَيْنَ الصِّغارِ والكِبارِ، ومَعْنى الآيَةِ أوْضَحُ مِن أنْ يُخْتَلَفَ في مِثْلِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضِ خَلْقِهِ إناثًا، ويَهَبُ لِبَعْضٍ ذُكُورًا، ويَجْمَعُ لِبَعْضٍ بَيْنَ الذُّكُورِ والإناثِ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ لَهُ ذَكَرٌ ولا أُنْثى، والعَقِيمُ الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ وامْرَأةٌ عَقِيمٌ، وعَقَمَتِ المَرْأةُ تَعْقُمُ عُقْمًا، وأصْلُهُ القَطْعُ، ويُقالُ: نِساءٌ عُقْمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عُقِمَ النِّساءُ فَما يَلِدْنَ شَبِيهَهُ إنَّ النِّساءَ بِمِثْلِهِ عُقْمُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ العِلْمِ عَظِيمُ القُدْرَةِ. ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ أيْ: ما صَحَّ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِأنْ يُوحِيَ إلَيْهِ فَيُلْهِمَهُ ويَقْذِفَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ قالَ مُجاهِدٌ: نَفَثَ يَنْفُثُ في قَلْبِهِ. فَيَكُونُ إلْهامًا مِنهُ كَما أوْحى إلى أمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ في ذَبْحِ ولَدِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ كَما كَلَّمَ مُوسى، يُرِيدُ أنَّ كَلامَهُ يُسْمَعُ مِن حَيْثُ لا يُرى، وهو تَمْثِيلٌ بِحالِ المَلِكِ المُحْتَجِبِ الَّذِي يُكَلِّمُ خَواصَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُرْسِلَ مَلَكًا، فَيُوحِيَ ذَلِكَ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ مِنَ البَشَرِ بِأمْرِ اللَّهِ وتَيْسِيرِهِ ما يَشاءُ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ (p-١٣٣٤)كَلامَ اللَّهِ لِلْبَشَرِ: إمّا أنْ يَكُونَ بِإلْهامٍ يُلْهِمُهم، أوْ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ كَما كَلَّمَ مُوسى، أوْ بِرِسالَةِ مَلَكٍ إلَيْهِمْ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا أنْ يُوحِيَ وحْيًا، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. ومَن قَرَأ " يُرْسِلُ " رَفْعًا أرادَ وهو يُرْسِلُ، فَهو ابْتِداءٌ واسْتِئْنافٌ اهـ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ أوْ يُرْسِلَ وبِنَصْبِ فَيُوحِيَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ، وتَكُونُ أنْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَعْطُوفَيْنِ عَلى وحْيًا، ووَحْيًا في مَحَلِّ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُرْسِلًا، ولا يَصِحُّ عَطْفُ أوْ يُرْسِلَ عَلى أنْ يُكَلِّمَهُ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ رَسُولًا، وهو فاسِدٌ لَفْظًا ومَعْنًى. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوْ يُرْسِلُ " بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ " فَيُوحِي " بِإسْكانِ الياءِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أوْ هو يُرْسِلُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: مُتَعالٍ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ، حَكِيمٌ في كُلِّ أحْكامِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما كَلَّمَهُ مُوسى، فَنَزَلَتْ. ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ أيْ: وكالوَحْيِ الَّذِي أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا، المُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الوَحْيَ بِأمْرِنا، ومَعْناهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ، فَفِيهِ حَياةٌ مِن مَوْتِ الكُفْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفَةَ رَسُولِهِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هو؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ وذَلِكَ أُدْخِلَ في الإعْجازِ وأدَلَّ عَلى صِحَّةِ نَبُّوتِهِ، ومَعْنى ﴿ولا الإيمانُ﴾ أنَّهُ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَعْرِفُ تَفاصِيلَ الشَّرائِعِ ولا يَهْتَدِي إلى مَعالِمِها، وخُصُّ الإيمانُ؛ لِأنَّهُ رَأْسُها وأساسُها، وقِيلَ: أرادَ بِالإيمانِ هُنا الصَّلاةَ. قالَ بِهَذا جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مِنهم إمامُ الأئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي الصَّلاةَ، فَسَمّاها إيمانًا. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَ مُؤْمِنًا بِهِ، وقالُوا مَعْنى الآيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ كَيْفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ البُلُوغِ حِينَ كانَ طِفْلًا وفي المَهْدِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإيمانِ دِينُ الإسْلامِ، وقِيلَ: الإيمانُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِكُلِّ ما كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ العِبادَ ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ أيْ: ولَكِنْ جَعَلْنا الرُّوحَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ هِدايَتَهُ مِن عِبادِنا ونُرْشِدُهُ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: وإنَّكَ لَتَدْعُوَ إلى الإسْلامِ، فَهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَهْدِي عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأ ابْنُ حَوْشِبٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مِن أهْدى، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ " وإنَّكَ لَتَدْعُو " . ثُمَّ بَيَّنَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وفي هَذِهِ الإضافَةِ لِلصِّراطِ إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، ومَعْنى لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ أنَّهُ المالِكُ لِذَلِكَ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ أيْ: تَصِيرُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا إلى غَيْرِهِ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلائِقِ، وفِيهِ وعِيدٌ بِالبَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِلْمُجازاةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قالَ: ذَلِيلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ إلى النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مِن بَرَكَةِ المَرْأةِ ابْتِكارُها بِالأُنْثى؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ قالَ: الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ قالَ: إلّا أنْ يَبْعَثَ مَلَكًا يُوحِي إلَيْهِ مِن عِنْدِهِ، أوْ يُلْهِمَهُ فَيَقْذِفُ في قَلْبِهِ، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ قالَ: القُرْآنُ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قِيلَ: لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَلْ عَبَدْتَ وثَنًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، قالُوا: فَهَلْ شَرِبْتَ خَمْرًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، وما زِلْتُ أعْرِفُ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ كُفْرٌ، وما كُنْتُ أدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ، وبِذَلِكَ نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾» .

الشورى 42:49

قَوْلُهُ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: حِينَ نَظَرُوا النّارَ، وقِيلَ: نَظَرُوا ما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم عِنْدَ المَوْتِ ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا مِن طَرِيقٍ. ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ: (p-١٣٣٣)ساكِنِينَ مُتَواضِعِينَ عِنْدَ أنْ يُعْرَضُوا عَلى النّارِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ، والضَّمِيرُ في عَلَيْها راجِعٌ إلى العَذابِ وأنَّثَهُ؛ لِأنَّ العَذابَ هو النّارُ وقَوْلُهُ يُعْرَضُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وكَذَلِكَ خاشِعِينَ، ومِنَ الذُّلِّ يَتَعَلَّقُ بِخاشِعِينَ أيْ: مِن أجْلِهِ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ مِن هي الَّتِي لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم إلى النّارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً، والطَّرْفُ الخَفِيُّ الَّذِي يُخْفى نَظَرُهُ كالمَصْبُورِ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ والوَجَلِ. قالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: ذَلِيلٍ قالَ: وإنَّما يَنْظُرُونَ بِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، وعَيْنُ القَلْبِ طَرْفٌ خِفِّيٌ. وقالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والقُرَظِيُّ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ يُونُسُ: إنَّ مِن في ﴿مِن طَرْفٍ﴾ بِمَعْنى الباءِ أيْ: يَنْظُرُونَ بِطَرْفٍ ضَعِيفٍ مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ وبِهِ قالَ الأخْفَشُ ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ: هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ خُسْرانِ الأنْفُسِ والأهْلِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ. وأمّا خُسْرانُهم لِأنْفُسِهِمْ فَلِكَوْنِهِمْ صارُوا في النّارِ مُعَذَّبِينَ بِها، وأمّا خُسْرانُهم لِأهْلِيهِمْ فَلِأنَّهم إنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ، وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ فَقَدْ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهم، وقِيلَ: خُسْرانُ الأهْلِ: أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَكانَ لَهم في الجَنَّةِ أهْلٌ مِنَ الحُورِ العِينِ ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ المُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: هم في عَذابٍ دائِمٍ لا يَنْقَطِعُ. ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم أعْوانٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُمُ العَذابَ، وأنْصارٌ يَنْصُرُونَهم في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ هو المُتَصَرِّفُ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ يَسْلُكُها إلى النَّجاةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ بِالِاسْتِجابَةِ لَهُ وحَذَّرَهم فَقالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: اسْتَجِيبُوا دَعْوَتَهُ لَكم إلى الإيمانِ بِهِ وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ، عَلى مَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ، أوْ لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ حَكَمَ بِهِ عَلى عِبادِهِ ووَعَدَهم بِهِ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ المَوْتِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ تَلْجَئُونَ إلَيْهِ، ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: إنْكارٍ، والمَعْنى: ما لَكم مِن إنْكارٍ يَوْمَئِذٍ، بَلْ تَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِكم. وقالَ مُجاهِدٌ ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: ناصِرٍ يَنْصُرُكم، وقِيلَ: النَّكِيرُ بِمَعْنى المُنْكِرِ، كالألِيمِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ أيْ: لا تَجِدُونَ يَوْمَئِذٍ مُنْكِرًا لِما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُنْكِرُوا الذُّنُوبَ الَّتِي يُوقَفُونَ عَلَيْها. ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: حافِظًا تَحْفَظُ أعْمالَهم حَتّى تُحاسِبَهم عَلَيْها، ولا مُوَكَّلًا بِهِمْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ لِما أُمِرْتَ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ أيْ: إذا أعْطَيْناهُ رَخاءً وصِحَّةً وغِنًى فَرِحَ بِها بَطَرًا، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ وشِدَّةٌ ومَرَضٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ الكُفْرِ لِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ، غَيْرُ شَكُورٍ لَهُ عَلَيْها، وهَذا بِاعْتِبارِ غالِبِ جِنْسِ الإنْسانِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - سَعَةَ مُلْكِهِ ونَفاذَ تَصَرُّفِهِ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِما بِما يُرِيدُ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ وأبُو مالِكٍ وأبُو عُبَيْدَةَ: يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا لا ذُكُورَ مَعَهُنَّ، ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ ذُكُورًا لا إناثَ مَعَهم. قِيلَ: وتَعْرِيفُ الذُّكُورِ بِالألِفِ واللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى شَرَفِهِمْ عَلى الإناثِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلْإناثِ قَدْ عارَضَ ذَلِكَ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى المُفاضَلَةِ بَلْ هي مَسُوقَةٌ لِمَعْنًى آخَرَ. وقَدْ دَلَّ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وقِيلَ: تَقْدِيمُ الإناثِ لِكَثْرَتِهِنَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الذُّكُورِ، وقِيلَ: لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ، وقِيلَ: لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ أيْ: يَقْرِنُ بَيْنَ الإناثِ والذُّكُورِ ويَجْعَلُهم أزْواجًا فَيَهَبُهُما جَمِيعًا لِبَعْضِ خَلْقِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً ثُمَّ تَلِدُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: هو أنْ تَلِدَ تَوْأمًا غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ القُتَيْبِيُّ: التَّزْوِيجُ هُنا هو الجَمْعُ بَيْنَ البَنِينَ والبَناتِ تَقُولُ العَرَبُ: زَوَّجْتُ إبِلِي: إذا جَمَعْتَ بَيْنَ الصِّغارِ والكِبارِ، ومَعْنى الآيَةِ أوْضَحُ مِن أنْ يُخْتَلَفَ في مِثْلِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضِ خَلْقِهِ إناثًا، ويَهَبُ لِبَعْضٍ ذُكُورًا، ويَجْمَعُ لِبَعْضٍ بَيْنَ الذُّكُورِ والإناثِ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ لَهُ ذَكَرٌ ولا أُنْثى، والعَقِيمُ الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ وامْرَأةٌ عَقِيمٌ، وعَقَمَتِ المَرْأةُ تَعْقُمُ عُقْمًا، وأصْلُهُ القَطْعُ، ويُقالُ: نِساءٌ عُقْمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عُقِمَ النِّساءُ فَما يَلِدْنَ شَبِيهَهُ إنَّ النِّساءَ بِمِثْلِهِ عُقْمُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ العِلْمِ عَظِيمُ القُدْرَةِ. ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ أيْ: ما صَحَّ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِأنْ يُوحِيَ إلَيْهِ فَيُلْهِمَهُ ويَقْذِفَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ قالَ مُجاهِدٌ: نَفَثَ يَنْفُثُ في قَلْبِهِ. فَيَكُونُ إلْهامًا مِنهُ كَما أوْحى إلى أمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ في ذَبْحِ ولَدِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ كَما كَلَّمَ مُوسى، يُرِيدُ أنَّ كَلامَهُ يُسْمَعُ مِن حَيْثُ لا يُرى، وهو تَمْثِيلٌ بِحالِ المَلِكِ المُحْتَجِبِ الَّذِي يُكَلِّمُ خَواصَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُرْسِلَ مَلَكًا، فَيُوحِيَ ذَلِكَ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ مِنَ البَشَرِ بِأمْرِ اللَّهِ وتَيْسِيرِهِ ما يَشاءُ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ (p-١٣٣٤)كَلامَ اللَّهِ لِلْبَشَرِ: إمّا أنْ يَكُونَ بِإلْهامٍ يُلْهِمُهم، أوْ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ كَما كَلَّمَ مُوسى، أوْ بِرِسالَةِ مَلَكٍ إلَيْهِمْ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا أنْ يُوحِيَ وحْيًا، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. ومَن قَرَأ " يُرْسِلُ " رَفْعًا أرادَ وهو يُرْسِلُ، فَهو ابْتِداءٌ واسْتِئْنافٌ اهـ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ أوْ يُرْسِلَ وبِنَصْبِ فَيُوحِيَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ، وتَكُونُ أنْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَعْطُوفَيْنِ عَلى وحْيًا، ووَحْيًا في مَحَلِّ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُرْسِلًا، ولا يَصِحُّ عَطْفُ أوْ يُرْسِلَ عَلى أنْ يُكَلِّمَهُ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ رَسُولًا، وهو فاسِدٌ لَفْظًا ومَعْنًى. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوْ يُرْسِلُ " بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ " فَيُوحِي " بِإسْكانِ الياءِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أوْ هو يُرْسِلُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: مُتَعالٍ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ، حَكِيمٌ في كُلِّ أحْكامِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما كَلَّمَهُ مُوسى، فَنَزَلَتْ. ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ أيْ: وكالوَحْيِ الَّذِي أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا، المُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الوَحْيَ بِأمْرِنا، ومَعْناهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ، فَفِيهِ حَياةٌ مِن مَوْتِ الكُفْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفَةَ رَسُولِهِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هو؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ وذَلِكَ أُدْخِلَ في الإعْجازِ وأدَلَّ عَلى صِحَّةِ نَبُّوتِهِ، ومَعْنى ﴿ولا الإيمانُ﴾ أنَّهُ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَعْرِفُ تَفاصِيلَ الشَّرائِعِ ولا يَهْتَدِي إلى مَعالِمِها، وخُصُّ الإيمانُ؛ لِأنَّهُ رَأْسُها وأساسُها، وقِيلَ: أرادَ بِالإيمانِ هُنا الصَّلاةَ. قالَ بِهَذا جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مِنهم إمامُ الأئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي الصَّلاةَ، فَسَمّاها إيمانًا. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَ مُؤْمِنًا بِهِ، وقالُوا مَعْنى الآيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ كَيْفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ البُلُوغِ حِينَ كانَ طِفْلًا وفي المَهْدِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإيمانِ دِينُ الإسْلامِ، وقِيلَ: الإيمانُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِكُلِّ ما كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ العِبادَ ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ أيْ: ولَكِنْ جَعَلْنا الرُّوحَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ هِدايَتَهُ مِن عِبادِنا ونُرْشِدُهُ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: وإنَّكَ لَتَدْعُوَ إلى الإسْلامِ، فَهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَهْدِي عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأ ابْنُ حَوْشِبٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مِن أهْدى، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ " وإنَّكَ لَتَدْعُو " . ثُمَّ بَيَّنَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وفي هَذِهِ الإضافَةِ لِلصِّراطِ إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، ومَعْنى لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ أنَّهُ المالِكُ لِذَلِكَ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ أيْ: تَصِيرُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا إلى غَيْرِهِ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلائِقِ، وفِيهِ وعِيدٌ بِالبَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِلْمُجازاةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قالَ: ذَلِيلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ إلى النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مِن بَرَكَةِ المَرْأةِ ابْتِكارُها بِالأُنْثى؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ قالَ: الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ قالَ: إلّا أنْ يَبْعَثَ مَلَكًا يُوحِي إلَيْهِ مِن عِنْدِهِ، أوْ يُلْهِمَهُ فَيَقْذِفُ في قَلْبِهِ، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ قالَ: القُرْآنُ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قِيلَ: لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَلْ عَبَدْتَ وثَنًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، قالُوا: فَهَلْ شَرِبْتَ خَمْرًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، وما زِلْتُ أعْرِفُ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ كُفْرٌ، وما كُنْتُ أدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ، وبِذَلِكَ نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾» .

الشورى 42:50

قَوْلُهُ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: حِينَ نَظَرُوا النّارَ، وقِيلَ: نَظَرُوا ما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم عِنْدَ المَوْتِ ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا مِن طَرِيقٍ. ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ: (p-١٣٣٣)ساكِنِينَ مُتَواضِعِينَ عِنْدَ أنْ يُعْرَضُوا عَلى النّارِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ، والضَّمِيرُ في عَلَيْها راجِعٌ إلى العَذابِ وأنَّثَهُ؛ لِأنَّ العَذابَ هو النّارُ وقَوْلُهُ يُعْرَضُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وكَذَلِكَ خاشِعِينَ، ومِنَ الذُّلِّ يَتَعَلَّقُ بِخاشِعِينَ أيْ: مِن أجْلِهِ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ مِن هي الَّتِي لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم إلى النّارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً، والطَّرْفُ الخَفِيُّ الَّذِي يُخْفى نَظَرُهُ كالمَصْبُورِ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ والوَجَلِ. قالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: ذَلِيلٍ قالَ: وإنَّما يَنْظُرُونَ بِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، وعَيْنُ القَلْبِ طَرْفٌ خِفِّيٌ. وقالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والقُرَظِيُّ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ يُونُسُ: إنَّ مِن في ﴿مِن طَرْفٍ﴾ بِمَعْنى الباءِ أيْ: يَنْظُرُونَ بِطَرْفٍ ضَعِيفٍ مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ وبِهِ قالَ الأخْفَشُ ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ: هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ خُسْرانِ الأنْفُسِ والأهْلِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ. وأمّا خُسْرانُهم لِأنْفُسِهِمْ فَلِكَوْنِهِمْ صارُوا في النّارِ مُعَذَّبِينَ بِها، وأمّا خُسْرانُهم لِأهْلِيهِمْ فَلِأنَّهم إنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ، وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ فَقَدْ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهم، وقِيلَ: خُسْرانُ الأهْلِ: أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَكانَ لَهم في الجَنَّةِ أهْلٌ مِنَ الحُورِ العِينِ ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ المُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: هم في عَذابٍ دائِمٍ لا يَنْقَطِعُ. ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم أعْوانٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُمُ العَذابَ، وأنْصارٌ يَنْصُرُونَهم في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ هو المُتَصَرِّفُ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ يَسْلُكُها إلى النَّجاةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ بِالِاسْتِجابَةِ لَهُ وحَذَّرَهم فَقالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: اسْتَجِيبُوا دَعْوَتَهُ لَكم إلى الإيمانِ بِهِ وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ، عَلى مَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ، أوْ لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ حَكَمَ بِهِ عَلى عِبادِهِ ووَعَدَهم بِهِ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ المَوْتِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ تَلْجَئُونَ إلَيْهِ، ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: إنْكارٍ، والمَعْنى: ما لَكم مِن إنْكارٍ يَوْمَئِذٍ، بَلْ تَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِكم. وقالَ مُجاهِدٌ ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: ناصِرٍ يَنْصُرُكم، وقِيلَ: النَّكِيرُ بِمَعْنى المُنْكِرِ، كالألِيمِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ أيْ: لا تَجِدُونَ يَوْمَئِذٍ مُنْكِرًا لِما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُنْكِرُوا الذُّنُوبَ الَّتِي يُوقَفُونَ عَلَيْها. ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: حافِظًا تَحْفَظُ أعْمالَهم حَتّى تُحاسِبَهم عَلَيْها، ولا مُوَكَّلًا بِهِمْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ لِما أُمِرْتَ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ أيْ: إذا أعْطَيْناهُ رَخاءً وصِحَّةً وغِنًى فَرِحَ بِها بَطَرًا، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ وشِدَّةٌ ومَرَضٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ الكُفْرِ لِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ، غَيْرُ شَكُورٍ لَهُ عَلَيْها، وهَذا بِاعْتِبارِ غالِبِ جِنْسِ الإنْسانِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - سَعَةَ مُلْكِهِ ونَفاذَ تَصَرُّفِهِ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِما بِما يُرِيدُ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ وأبُو مالِكٍ وأبُو عُبَيْدَةَ: يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا لا ذُكُورَ مَعَهُنَّ، ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ ذُكُورًا لا إناثَ مَعَهم. قِيلَ: وتَعْرِيفُ الذُّكُورِ بِالألِفِ واللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى شَرَفِهِمْ عَلى الإناثِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلْإناثِ قَدْ عارَضَ ذَلِكَ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى المُفاضَلَةِ بَلْ هي مَسُوقَةٌ لِمَعْنًى آخَرَ. وقَدْ دَلَّ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وقِيلَ: تَقْدِيمُ الإناثِ لِكَثْرَتِهِنَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الذُّكُورِ، وقِيلَ: لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ، وقِيلَ: لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ أيْ: يَقْرِنُ بَيْنَ الإناثِ والذُّكُورِ ويَجْعَلُهم أزْواجًا فَيَهَبُهُما جَمِيعًا لِبَعْضِ خَلْقِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً ثُمَّ تَلِدُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: هو أنْ تَلِدَ تَوْأمًا غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ القُتَيْبِيُّ: التَّزْوِيجُ هُنا هو الجَمْعُ بَيْنَ البَنِينَ والبَناتِ تَقُولُ العَرَبُ: زَوَّجْتُ إبِلِي: إذا جَمَعْتَ بَيْنَ الصِّغارِ والكِبارِ، ومَعْنى الآيَةِ أوْضَحُ مِن أنْ يُخْتَلَفَ في مِثْلِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضِ خَلْقِهِ إناثًا، ويَهَبُ لِبَعْضٍ ذُكُورًا، ويَجْمَعُ لِبَعْضٍ بَيْنَ الذُّكُورِ والإناثِ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ لَهُ ذَكَرٌ ولا أُنْثى، والعَقِيمُ الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ وامْرَأةٌ عَقِيمٌ، وعَقَمَتِ المَرْأةُ تَعْقُمُ عُقْمًا، وأصْلُهُ القَطْعُ، ويُقالُ: نِساءٌ عُقْمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عُقِمَ النِّساءُ فَما يَلِدْنَ شَبِيهَهُ إنَّ النِّساءَ بِمِثْلِهِ عُقْمُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ العِلْمِ عَظِيمُ القُدْرَةِ. ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ أيْ: ما صَحَّ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِأنْ يُوحِيَ إلَيْهِ فَيُلْهِمَهُ ويَقْذِفَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ قالَ مُجاهِدٌ: نَفَثَ يَنْفُثُ في قَلْبِهِ. فَيَكُونُ إلْهامًا مِنهُ كَما أوْحى إلى أمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ في ذَبْحِ ولَدِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ كَما كَلَّمَ مُوسى، يُرِيدُ أنَّ كَلامَهُ يُسْمَعُ مِن حَيْثُ لا يُرى، وهو تَمْثِيلٌ بِحالِ المَلِكِ المُحْتَجِبِ الَّذِي يُكَلِّمُ خَواصَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُرْسِلَ مَلَكًا، فَيُوحِيَ ذَلِكَ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ مِنَ البَشَرِ بِأمْرِ اللَّهِ وتَيْسِيرِهِ ما يَشاءُ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ (p-١٣٣٤)كَلامَ اللَّهِ لِلْبَشَرِ: إمّا أنْ يَكُونَ بِإلْهامٍ يُلْهِمُهم، أوْ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ كَما كَلَّمَ مُوسى، أوْ بِرِسالَةِ مَلَكٍ إلَيْهِمْ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا أنْ يُوحِيَ وحْيًا، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. ومَن قَرَأ " يُرْسِلُ " رَفْعًا أرادَ وهو يُرْسِلُ، فَهو ابْتِداءٌ واسْتِئْنافٌ اهـ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ أوْ يُرْسِلَ وبِنَصْبِ فَيُوحِيَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ، وتَكُونُ أنْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَعْطُوفَيْنِ عَلى وحْيًا، ووَحْيًا في مَحَلِّ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُرْسِلًا، ولا يَصِحُّ عَطْفُ أوْ يُرْسِلَ عَلى أنْ يُكَلِّمَهُ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ رَسُولًا، وهو فاسِدٌ لَفْظًا ومَعْنًى. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوْ يُرْسِلُ " بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ " فَيُوحِي " بِإسْكانِ الياءِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أوْ هو يُرْسِلُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: مُتَعالٍ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ، حَكِيمٌ في كُلِّ أحْكامِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما كَلَّمَهُ مُوسى، فَنَزَلَتْ. ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ أيْ: وكالوَحْيِ الَّذِي أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا، المُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الوَحْيَ بِأمْرِنا، ومَعْناهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ، فَفِيهِ حَياةٌ مِن مَوْتِ الكُفْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفَةَ رَسُولِهِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هو؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ وذَلِكَ أُدْخِلَ في الإعْجازِ وأدَلَّ عَلى صِحَّةِ نَبُّوتِهِ، ومَعْنى ﴿ولا الإيمانُ﴾ أنَّهُ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَعْرِفُ تَفاصِيلَ الشَّرائِعِ ولا يَهْتَدِي إلى مَعالِمِها، وخُصُّ الإيمانُ؛ لِأنَّهُ رَأْسُها وأساسُها، وقِيلَ: أرادَ بِالإيمانِ هُنا الصَّلاةَ. قالَ بِهَذا جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مِنهم إمامُ الأئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي الصَّلاةَ، فَسَمّاها إيمانًا. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَ مُؤْمِنًا بِهِ، وقالُوا مَعْنى الآيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ كَيْفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ البُلُوغِ حِينَ كانَ طِفْلًا وفي المَهْدِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإيمانِ دِينُ الإسْلامِ، وقِيلَ: الإيمانُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِكُلِّ ما كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ العِبادَ ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ أيْ: ولَكِنْ جَعَلْنا الرُّوحَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ هِدايَتَهُ مِن عِبادِنا ونُرْشِدُهُ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: وإنَّكَ لَتَدْعُوَ إلى الإسْلامِ، فَهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَهْدِي عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأ ابْنُ حَوْشِبٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مِن أهْدى، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ " وإنَّكَ لَتَدْعُو " . ثُمَّ بَيَّنَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وفي هَذِهِ الإضافَةِ لِلصِّراطِ إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، ومَعْنى لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ أنَّهُ المالِكُ لِذَلِكَ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ أيْ: تَصِيرُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا إلى غَيْرِهِ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلائِقِ، وفِيهِ وعِيدٌ بِالبَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِلْمُجازاةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قالَ: ذَلِيلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ إلى النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مِن بَرَكَةِ المَرْأةِ ابْتِكارُها بِالأُنْثى؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ قالَ: الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ قالَ: إلّا أنْ يَبْعَثَ مَلَكًا يُوحِي إلَيْهِ مِن عِنْدِهِ، أوْ يُلْهِمَهُ فَيَقْذِفُ في قَلْبِهِ، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ قالَ: القُرْآنُ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قِيلَ: لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَلْ عَبَدْتَ وثَنًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، قالُوا: فَهَلْ شَرِبْتَ خَمْرًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، وما زِلْتُ أعْرِفُ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ كُفْرٌ، وما كُنْتُ أدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ، وبِذَلِكَ نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾» .

الشورى 42:51

قَوْلُهُ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: حِينَ نَظَرُوا النّارَ، وقِيلَ: نَظَرُوا ما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم عِنْدَ المَوْتِ ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا مِن طَرِيقٍ. ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ: (p-١٣٣٣)ساكِنِينَ مُتَواضِعِينَ عِنْدَ أنْ يُعْرَضُوا عَلى النّارِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ، والضَّمِيرُ في عَلَيْها راجِعٌ إلى العَذابِ وأنَّثَهُ؛ لِأنَّ العَذابَ هو النّارُ وقَوْلُهُ يُعْرَضُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وكَذَلِكَ خاشِعِينَ، ومِنَ الذُّلِّ يَتَعَلَّقُ بِخاشِعِينَ أيْ: مِن أجْلِهِ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ مِن هي الَّتِي لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم إلى النّارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً، والطَّرْفُ الخَفِيُّ الَّذِي يُخْفى نَظَرُهُ كالمَصْبُورِ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ والوَجَلِ. قالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: ذَلِيلٍ قالَ: وإنَّما يَنْظُرُونَ بِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، وعَيْنُ القَلْبِ طَرْفٌ خِفِّيٌ. وقالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والقُرَظِيُّ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ يُونُسُ: إنَّ مِن في ﴿مِن طَرْفٍ﴾ بِمَعْنى الباءِ أيْ: يَنْظُرُونَ بِطَرْفٍ ضَعِيفٍ مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ وبِهِ قالَ الأخْفَشُ ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ: هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ خُسْرانِ الأنْفُسِ والأهْلِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ. وأمّا خُسْرانُهم لِأنْفُسِهِمْ فَلِكَوْنِهِمْ صارُوا في النّارِ مُعَذَّبِينَ بِها، وأمّا خُسْرانُهم لِأهْلِيهِمْ فَلِأنَّهم إنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ، وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ فَقَدْ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهم، وقِيلَ: خُسْرانُ الأهْلِ: أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَكانَ لَهم في الجَنَّةِ أهْلٌ مِنَ الحُورِ العِينِ ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ المُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: هم في عَذابٍ دائِمٍ لا يَنْقَطِعُ. ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم أعْوانٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُمُ العَذابَ، وأنْصارٌ يَنْصُرُونَهم في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ هو المُتَصَرِّفُ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ يَسْلُكُها إلى النَّجاةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ بِالِاسْتِجابَةِ لَهُ وحَذَّرَهم فَقالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: اسْتَجِيبُوا دَعْوَتَهُ لَكم إلى الإيمانِ بِهِ وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ، عَلى مَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ، أوْ لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ حَكَمَ بِهِ عَلى عِبادِهِ ووَعَدَهم بِهِ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ المَوْتِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ تَلْجَئُونَ إلَيْهِ، ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: إنْكارٍ، والمَعْنى: ما لَكم مِن إنْكارٍ يَوْمَئِذٍ، بَلْ تَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِكم. وقالَ مُجاهِدٌ ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: ناصِرٍ يَنْصُرُكم، وقِيلَ: النَّكِيرُ بِمَعْنى المُنْكِرِ، كالألِيمِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ أيْ: لا تَجِدُونَ يَوْمَئِذٍ مُنْكِرًا لِما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُنْكِرُوا الذُّنُوبَ الَّتِي يُوقَفُونَ عَلَيْها. ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: حافِظًا تَحْفَظُ أعْمالَهم حَتّى تُحاسِبَهم عَلَيْها، ولا مُوَكَّلًا بِهِمْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ لِما أُمِرْتَ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ أيْ: إذا أعْطَيْناهُ رَخاءً وصِحَّةً وغِنًى فَرِحَ بِها بَطَرًا، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ وشِدَّةٌ ومَرَضٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ الكُفْرِ لِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ، غَيْرُ شَكُورٍ لَهُ عَلَيْها، وهَذا بِاعْتِبارِ غالِبِ جِنْسِ الإنْسانِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - سَعَةَ مُلْكِهِ ونَفاذَ تَصَرُّفِهِ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِما بِما يُرِيدُ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ وأبُو مالِكٍ وأبُو عُبَيْدَةَ: يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا لا ذُكُورَ مَعَهُنَّ، ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ ذُكُورًا لا إناثَ مَعَهم. قِيلَ: وتَعْرِيفُ الذُّكُورِ بِالألِفِ واللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى شَرَفِهِمْ عَلى الإناثِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلْإناثِ قَدْ عارَضَ ذَلِكَ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى المُفاضَلَةِ بَلْ هي مَسُوقَةٌ لِمَعْنًى آخَرَ. وقَدْ دَلَّ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وقِيلَ: تَقْدِيمُ الإناثِ لِكَثْرَتِهِنَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الذُّكُورِ، وقِيلَ: لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ، وقِيلَ: لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ أيْ: يَقْرِنُ بَيْنَ الإناثِ والذُّكُورِ ويَجْعَلُهم أزْواجًا فَيَهَبُهُما جَمِيعًا لِبَعْضِ خَلْقِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً ثُمَّ تَلِدُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: هو أنْ تَلِدَ تَوْأمًا غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ القُتَيْبِيُّ: التَّزْوِيجُ هُنا هو الجَمْعُ بَيْنَ البَنِينَ والبَناتِ تَقُولُ العَرَبُ: زَوَّجْتُ إبِلِي: إذا جَمَعْتَ بَيْنَ الصِّغارِ والكِبارِ، ومَعْنى الآيَةِ أوْضَحُ مِن أنْ يُخْتَلَفَ في مِثْلِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضِ خَلْقِهِ إناثًا، ويَهَبُ لِبَعْضٍ ذُكُورًا، ويَجْمَعُ لِبَعْضٍ بَيْنَ الذُّكُورِ والإناثِ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ لَهُ ذَكَرٌ ولا أُنْثى، والعَقِيمُ الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ وامْرَأةٌ عَقِيمٌ، وعَقَمَتِ المَرْأةُ تَعْقُمُ عُقْمًا، وأصْلُهُ القَطْعُ، ويُقالُ: نِساءٌ عُقْمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عُقِمَ النِّساءُ فَما يَلِدْنَ شَبِيهَهُ إنَّ النِّساءَ بِمِثْلِهِ عُقْمُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ العِلْمِ عَظِيمُ القُدْرَةِ. ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ أيْ: ما صَحَّ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِأنْ يُوحِيَ إلَيْهِ فَيُلْهِمَهُ ويَقْذِفَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ قالَ مُجاهِدٌ: نَفَثَ يَنْفُثُ في قَلْبِهِ. فَيَكُونُ إلْهامًا مِنهُ كَما أوْحى إلى أمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ في ذَبْحِ ولَدِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ كَما كَلَّمَ مُوسى، يُرِيدُ أنَّ كَلامَهُ يُسْمَعُ مِن حَيْثُ لا يُرى، وهو تَمْثِيلٌ بِحالِ المَلِكِ المُحْتَجِبِ الَّذِي يُكَلِّمُ خَواصَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُرْسِلَ مَلَكًا، فَيُوحِيَ ذَلِكَ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ مِنَ البَشَرِ بِأمْرِ اللَّهِ وتَيْسِيرِهِ ما يَشاءُ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ (p-١٣٣٤)كَلامَ اللَّهِ لِلْبَشَرِ: إمّا أنْ يَكُونَ بِإلْهامٍ يُلْهِمُهم، أوْ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ كَما كَلَّمَ مُوسى، أوْ بِرِسالَةِ مَلَكٍ إلَيْهِمْ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا أنْ يُوحِيَ وحْيًا، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. ومَن قَرَأ " يُرْسِلُ " رَفْعًا أرادَ وهو يُرْسِلُ، فَهو ابْتِداءٌ واسْتِئْنافٌ اهـ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ أوْ يُرْسِلَ وبِنَصْبِ فَيُوحِيَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ، وتَكُونُ أنْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَعْطُوفَيْنِ عَلى وحْيًا، ووَحْيًا في مَحَلِّ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُرْسِلًا، ولا يَصِحُّ عَطْفُ أوْ يُرْسِلَ عَلى أنْ يُكَلِّمَهُ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ رَسُولًا، وهو فاسِدٌ لَفْظًا ومَعْنًى. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوْ يُرْسِلُ " بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ " فَيُوحِي " بِإسْكانِ الياءِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أوْ هو يُرْسِلُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: مُتَعالٍ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ، حَكِيمٌ في كُلِّ أحْكامِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما كَلَّمَهُ مُوسى، فَنَزَلَتْ. ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ أيْ: وكالوَحْيِ الَّذِي أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا، المُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الوَحْيَ بِأمْرِنا، ومَعْناهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ، فَفِيهِ حَياةٌ مِن مَوْتِ الكُفْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفَةَ رَسُولِهِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هو؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ وذَلِكَ أُدْخِلَ في الإعْجازِ وأدَلَّ عَلى صِحَّةِ نَبُّوتِهِ، ومَعْنى ﴿ولا الإيمانُ﴾ أنَّهُ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَعْرِفُ تَفاصِيلَ الشَّرائِعِ ولا يَهْتَدِي إلى مَعالِمِها، وخُصُّ الإيمانُ؛ لِأنَّهُ رَأْسُها وأساسُها، وقِيلَ: أرادَ بِالإيمانِ هُنا الصَّلاةَ. قالَ بِهَذا جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مِنهم إمامُ الأئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي الصَّلاةَ، فَسَمّاها إيمانًا. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَ مُؤْمِنًا بِهِ، وقالُوا مَعْنى الآيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ كَيْفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ البُلُوغِ حِينَ كانَ طِفْلًا وفي المَهْدِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإيمانِ دِينُ الإسْلامِ، وقِيلَ: الإيمانُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِكُلِّ ما كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ العِبادَ ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ أيْ: ولَكِنْ جَعَلْنا الرُّوحَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ هِدايَتَهُ مِن عِبادِنا ونُرْشِدُهُ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: وإنَّكَ لَتَدْعُوَ إلى الإسْلامِ، فَهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَهْدِي عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأ ابْنُ حَوْشِبٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مِن أهْدى، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ " وإنَّكَ لَتَدْعُو " . ثُمَّ بَيَّنَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وفي هَذِهِ الإضافَةِ لِلصِّراطِ إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، ومَعْنى لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ أنَّهُ المالِكُ لِذَلِكَ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ أيْ: تَصِيرُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا إلى غَيْرِهِ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلائِقِ، وفِيهِ وعِيدٌ بِالبَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِلْمُجازاةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قالَ: ذَلِيلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ إلى النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مِن بَرَكَةِ المَرْأةِ ابْتِكارُها بِالأُنْثى؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ قالَ: الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ قالَ: إلّا أنْ يَبْعَثَ مَلَكًا يُوحِي إلَيْهِ مِن عِنْدِهِ، أوْ يُلْهِمَهُ فَيَقْذِفُ في قَلْبِهِ، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ قالَ: القُرْآنُ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قِيلَ: لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَلْ عَبَدْتَ وثَنًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، قالُوا: فَهَلْ شَرِبْتَ خَمْرًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، وما زِلْتُ أعْرِفُ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ كُفْرٌ، وما كُنْتُ أدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ، وبِذَلِكَ نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾» .

الشورى 42:52

قَوْلُهُ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: حِينَ نَظَرُوا النّارَ، وقِيلَ: نَظَرُوا ما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم عِنْدَ المَوْتِ ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا مِن طَرِيقٍ. ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ: (p-١٣٣٣)ساكِنِينَ مُتَواضِعِينَ عِنْدَ أنْ يُعْرَضُوا عَلى النّارِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ، والضَّمِيرُ في عَلَيْها راجِعٌ إلى العَذابِ وأنَّثَهُ؛ لِأنَّ العَذابَ هو النّارُ وقَوْلُهُ يُعْرَضُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وكَذَلِكَ خاشِعِينَ، ومِنَ الذُّلِّ يَتَعَلَّقُ بِخاشِعِينَ أيْ: مِن أجْلِهِ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ مِن هي الَّتِي لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم إلى النّارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً، والطَّرْفُ الخَفِيُّ الَّذِي يُخْفى نَظَرُهُ كالمَصْبُورِ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ والوَجَلِ. قالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: ذَلِيلٍ قالَ: وإنَّما يَنْظُرُونَ بِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، وعَيْنُ القَلْبِ طَرْفٌ خِفِّيٌ. وقالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والقُرَظِيُّ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ يُونُسُ: إنَّ مِن في ﴿مِن طَرْفٍ﴾ بِمَعْنى الباءِ أيْ: يَنْظُرُونَ بِطَرْفٍ ضَعِيفٍ مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ وبِهِ قالَ الأخْفَشُ ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ: هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ خُسْرانِ الأنْفُسِ والأهْلِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ. وأمّا خُسْرانُهم لِأنْفُسِهِمْ فَلِكَوْنِهِمْ صارُوا في النّارِ مُعَذَّبِينَ بِها، وأمّا خُسْرانُهم لِأهْلِيهِمْ فَلِأنَّهم إنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ، وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ فَقَدْ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهم، وقِيلَ: خُسْرانُ الأهْلِ: أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَكانَ لَهم في الجَنَّةِ أهْلٌ مِنَ الحُورِ العِينِ ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ المُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: هم في عَذابٍ دائِمٍ لا يَنْقَطِعُ. ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم أعْوانٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُمُ العَذابَ، وأنْصارٌ يَنْصُرُونَهم في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ هو المُتَصَرِّفُ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ يَسْلُكُها إلى النَّجاةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ بِالِاسْتِجابَةِ لَهُ وحَذَّرَهم فَقالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: اسْتَجِيبُوا دَعْوَتَهُ لَكم إلى الإيمانِ بِهِ وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ، عَلى مَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ، أوْ لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ حَكَمَ بِهِ عَلى عِبادِهِ ووَعَدَهم بِهِ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ المَوْتِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ تَلْجَئُونَ إلَيْهِ، ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: إنْكارٍ، والمَعْنى: ما لَكم مِن إنْكارٍ يَوْمَئِذٍ، بَلْ تَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِكم. وقالَ مُجاهِدٌ ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: ناصِرٍ يَنْصُرُكم، وقِيلَ: النَّكِيرُ بِمَعْنى المُنْكِرِ، كالألِيمِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ أيْ: لا تَجِدُونَ يَوْمَئِذٍ مُنْكِرًا لِما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُنْكِرُوا الذُّنُوبَ الَّتِي يُوقَفُونَ عَلَيْها. ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: حافِظًا تَحْفَظُ أعْمالَهم حَتّى تُحاسِبَهم عَلَيْها، ولا مُوَكَّلًا بِهِمْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ لِما أُمِرْتَ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ أيْ: إذا أعْطَيْناهُ رَخاءً وصِحَّةً وغِنًى فَرِحَ بِها بَطَرًا، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ وشِدَّةٌ ومَرَضٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ الكُفْرِ لِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ، غَيْرُ شَكُورٍ لَهُ عَلَيْها، وهَذا بِاعْتِبارِ غالِبِ جِنْسِ الإنْسانِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - سَعَةَ مُلْكِهِ ونَفاذَ تَصَرُّفِهِ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِما بِما يُرِيدُ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ وأبُو مالِكٍ وأبُو عُبَيْدَةَ: يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا لا ذُكُورَ مَعَهُنَّ، ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ ذُكُورًا لا إناثَ مَعَهم. قِيلَ: وتَعْرِيفُ الذُّكُورِ بِالألِفِ واللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى شَرَفِهِمْ عَلى الإناثِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلْإناثِ قَدْ عارَضَ ذَلِكَ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى المُفاضَلَةِ بَلْ هي مَسُوقَةٌ لِمَعْنًى آخَرَ. وقَدْ دَلَّ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وقِيلَ: تَقْدِيمُ الإناثِ لِكَثْرَتِهِنَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الذُّكُورِ، وقِيلَ: لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ، وقِيلَ: لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ أيْ: يَقْرِنُ بَيْنَ الإناثِ والذُّكُورِ ويَجْعَلُهم أزْواجًا فَيَهَبُهُما جَمِيعًا لِبَعْضِ خَلْقِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً ثُمَّ تَلِدُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: هو أنْ تَلِدَ تَوْأمًا غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ القُتَيْبِيُّ: التَّزْوِيجُ هُنا هو الجَمْعُ بَيْنَ البَنِينَ والبَناتِ تَقُولُ العَرَبُ: زَوَّجْتُ إبِلِي: إذا جَمَعْتَ بَيْنَ الصِّغارِ والكِبارِ، ومَعْنى الآيَةِ أوْضَحُ مِن أنْ يُخْتَلَفَ في مِثْلِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضِ خَلْقِهِ إناثًا، ويَهَبُ لِبَعْضٍ ذُكُورًا، ويَجْمَعُ لِبَعْضٍ بَيْنَ الذُّكُورِ والإناثِ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ لَهُ ذَكَرٌ ولا أُنْثى، والعَقِيمُ الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ وامْرَأةٌ عَقِيمٌ، وعَقَمَتِ المَرْأةُ تَعْقُمُ عُقْمًا، وأصْلُهُ القَطْعُ، ويُقالُ: نِساءٌ عُقْمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عُقِمَ النِّساءُ فَما يَلِدْنَ شَبِيهَهُ إنَّ النِّساءَ بِمِثْلِهِ عُقْمُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ العِلْمِ عَظِيمُ القُدْرَةِ. ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ أيْ: ما صَحَّ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِأنْ يُوحِيَ إلَيْهِ فَيُلْهِمَهُ ويَقْذِفَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ قالَ مُجاهِدٌ: نَفَثَ يَنْفُثُ في قَلْبِهِ. فَيَكُونُ إلْهامًا مِنهُ كَما أوْحى إلى أمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ في ذَبْحِ ولَدِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ كَما كَلَّمَ مُوسى، يُرِيدُ أنَّ كَلامَهُ يُسْمَعُ مِن حَيْثُ لا يُرى، وهو تَمْثِيلٌ بِحالِ المَلِكِ المُحْتَجِبِ الَّذِي يُكَلِّمُ خَواصَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُرْسِلَ مَلَكًا، فَيُوحِيَ ذَلِكَ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ مِنَ البَشَرِ بِأمْرِ اللَّهِ وتَيْسِيرِهِ ما يَشاءُ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ (p-١٣٣٤)كَلامَ اللَّهِ لِلْبَشَرِ: إمّا أنْ يَكُونَ بِإلْهامٍ يُلْهِمُهم، أوْ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ كَما كَلَّمَ مُوسى، أوْ بِرِسالَةِ مَلَكٍ إلَيْهِمْ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا أنْ يُوحِيَ وحْيًا، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. ومَن قَرَأ " يُرْسِلُ " رَفْعًا أرادَ وهو يُرْسِلُ، فَهو ابْتِداءٌ واسْتِئْنافٌ اهـ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ أوْ يُرْسِلَ وبِنَصْبِ فَيُوحِيَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ، وتَكُونُ أنْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَعْطُوفَيْنِ عَلى وحْيًا، ووَحْيًا في مَحَلِّ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُرْسِلًا، ولا يَصِحُّ عَطْفُ أوْ يُرْسِلَ عَلى أنْ يُكَلِّمَهُ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ رَسُولًا، وهو فاسِدٌ لَفْظًا ومَعْنًى. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوْ يُرْسِلُ " بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ " فَيُوحِي " بِإسْكانِ الياءِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أوْ هو يُرْسِلُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: مُتَعالٍ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ، حَكِيمٌ في كُلِّ أحْكامِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما كَلَّمَهُ مُوسى، فَنَزَلَتْ. ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ أيْ: وكالوَحْيِ الَّذِي أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا، المُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الوَحْيَ بِأمْرِنا، ومَعْناهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ، فَفِيهِ حَياةٌ مِن مَوْتِ الكُفْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفَةَ رَسُولِهِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هو؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ وذَلِكَ أُدْخِلَ في الإعْجازِ وأدَلَّ عَلى صِحَّةِ نَبُّوتِهِ، ومَعْنى ﴿ولا الإيمانُ﴾ أنَّهُ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَعْرِفُ تَفاصِيلَ الشَّرائِعِ ولا يَهْتَدِي إلى مَعالِمِها، وخُصُّ الإيمانُ؛ لِأنَّهُ رَأْسُها وأساسُها، وقِيلَ: أرادَ بِالإيمانِ هُنا الصَّلاةَ. قالَ بِهَذا جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مِنهم إمامُ الأئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي الصَّلاةَ، فَسَمّاها إيمانًا. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَ مُؤْمِنًا بِهِ، وقالُوا مَعْنى الآيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ كَيْفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ البُلُوغِ حِينَ كانَ طِفْلًا وفي المَهْدِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإيمانِ دِينُ الإسْلامِ، وقِيلَ: الإيمانُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِكُلِّ ما كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ العِبادَ ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ أيْ: ولَكِنْ جَعَلْنا الرُّوحَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ هِدايَتَهُ مِن عِبادِنا ونُرْشِدُهُ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: وإنَّكَ لَتَدْعُوَ إلى الإسْلامِ، فَهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَهْدِي عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأ ابْنُ حَوْشِبٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مِن أهْدى، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ " وإنَّكَ لَتَدْعُو " . ثُمَّ بَيَّنَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وفي هَذِهِ الإضافَةِ لِلصِّراطِ إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، ومَعْنى لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ أنَّهُ المالِكُ لِذَلِكَ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ أيْ: تَصِيرُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا إلى غَيْرِهِ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلائِقِ، وفِيهِ وعِيدٌ بِالبَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِلْمُجازاةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قالَ: ذَلِيلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ إلى النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مِن بَرَكَةِ المَرْأةِ ابْتِكارُها بِالأُنْثى؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ قالَ: الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ قالَ: إلّا أنْ يَبْعَثَ مَلَكًا يُوحِي إلَيْهِ مِن عِنْدِهِ، أوْ يُلْهِمَهُ فَيَقْذِفُ في قَلْبِهِ، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ قالَ: القُرْآنُ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قِيلَ: لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَلْ عَبَدْتَ وثَنًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، قالُوا: فَهَلْ شَرِبْتَ خَمْرًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، وما زِلْتُ أعْرِفُ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ كُفْرٌ، وما كُنْتُ أدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ، وبِذَلِكَ نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾» .

الشورى 42:53

قَوْلُهُ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: حِينَ نَظَرُوا النّارَ، وقِيلَ: نَظَرُوا ما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم عِنْدَ المَوْتِ ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا مِن طَرِيقٍ. ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ: (p-١٣٣٣)ساكِنِينَ مُتَواضِعِينَ عِنْدَ أنْ يُعْرَضُوا عَلى النّارِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ، والضَّمِيرُ في عَلَيْها راجِعٌ إلى العَذابِ وأنَّثَهُ؛ لِأنَّ العَذابَ هو النّارُ وقَوْلُهُ يُعْرَضُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وكَذَلِكَ خاشِعِينَ، ومِنَ الذُّلِّ يَتَعَلَّقُ بِخاشِعِينَ أيْ: مِن أجْلِهِ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ مِن هي الَّتِي لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم إلى النّارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً، والطَّرْفُ الخَفِيُّ الَّذِي يُخْفى نَظَرُهُ كالمَصْبُورِ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ لِما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ والوَجَلِ. قالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: ذَلِيلٍ قالَ: وإنَّما يَنْظُرُونَ بِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، وعَيْنُ القَلْبِ طَرْفٌ خِفِّيٌ. وقالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ والقُرَظِيُّ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. وقالَ يُونُسُ: إنَّ مِن في ﴿مِن طَرْفٍ﴾ بِمَعْنى الباءِ أيْ: يَنْظُرُونَ بِطَرْفٍ ضَعِيفٍ مِنَ الذُّلِّ والخَوْفِ وبِهِ قالَ الأخْفَشُ ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أنَّ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ: هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ خُسْرانِ الأنْفُسِ والأهْلِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ. وأمّا خُسْرانُهم لِأنْفُسِهِمْ فَلِكَوْنِهِمْ صارُوا في النّارِ مُعَذَّبِينَ بِها، وأمّا خُسْرانُهم لِأهْلِيهِمْ فَلِأنَّهم إنْ كانُوا مَعَهم في النّارِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ، وإنْ كانُوا في الجَنَّةِ فَقَدْ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهم، وقِيلَ: خُسْرانُ الأهْلِ: أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَكانَ لَهم في الجَنَّةِ أهْلٌ مِنَ الحُورِ العِينِ ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ المُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: هم في عَذابٍ دائِمٍ لا يَنْقَطِعُ. ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم أعْوانٌ يَدْفَعُونَ عَنْهُمُ العَذابَ، وأنْصارٌ يَنْصُرُونَهم في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ هو المُتَصَرِّفُ - سُبْحانَهُ - ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ يَسْلُكُها إلى النَّجاةِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ بِالِاسْتِجابَةِ لَهُ وحَذَّرَهم فَقالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: اسْتَجِيبُوا دَعْوَتَهُ لَكم إلى الإيمانِ بِهِ وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ، عَلى مَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ، أوْ لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ حَكَمَ بِهِ عَلى عِبادِهِ ووَعَدَهم بِهِ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ المَوْتِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ تَلْجَئُونَ إلَيْهِ، ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: إنْكارٍ، والمَعْنى: ما لَكم مِن إنْكارٍ يَوْمَئِذٍ، بَلْ تَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِكم. وقالَ مُجاهِدٌ ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: ناصِرٍ يَنْصُرُكم، وقِيلَ: النَّكِيرُ بِمَعْنى المُنْكِرِ، كالألِيمِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ أيْ: لا تَجِدُونَ يَوْمَئِذٍ مُنْكِرًا لِما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُنْكِرُوا الذُّنُوبَ الَّتِي يُوقَفُونَ عَلَيْها. ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: حافِظًا تَحْفَظُ أعْمالَهم حَتّى تُحاسِبَهم عَلَيْها، ولا مُوَكَّلًا بِهِمْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ لِما أُمِرْتَ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ أيْ: إذا أعْطَيْناهُ رَخاءً وصِحَّةً وغِنًى فَرِحَ بِها بَطَرًا، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ وشِدَّةٌ ومَرَضٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ الكُفْرِ لِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ، غَيْرُ شَكُورٍ لَهُ عَلَيْها، وهَذا بِاعْتِبارِ غالِبِ جِنْسِ الإنْسانِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - سَعَةَ مُلْكِهِ ونَفاذَ تَصَرُّفِهِ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِما بِما يُرِيدُ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ وأبُو مالِكٍ وأبُو عُبَيْدَةَ: يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا لا ذُكُورَ مَعَهُنَّ، ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ ذُكُورًا لا إناثَ مَعَهم. قِيلَ: وتَعْرِيفُ الذُّكُورِ بِالألِفِ واللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى شَرَفِهِمْ عَلى الإناثِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلْإناثِ قَدْ عارَضَ ذَلِكَ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى المُفاضَلَةِ بَلْ هي مَسُوقَةٌ لِمَعْنًى آخَرَ. وقَدْ دَلَّ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وقِيلَ: تَقْدِيمُ الإناثِ لِكَثْرَتِهِنَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الذُّكُورِ، وقِيلَ: لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ، وقِيلَ: لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ أيْ: يَقْرِنُ بَيْنَ الإناثِ والذُّكُورِ ويَجْعَلُهم أزْواجًا فَيَهَبُهُما جَمِيعًا لِبَعْضِ خَلْقِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ تَلِدَ المَرْأةُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً ثُمَّ تَلِدُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: هو أنْ تَلِدَ تَوْأمًا غُلامًا وجارِيَةً. وقالَ القُتَيْبِيُّ: التَّزْوِيجُ هُنا هو الجَمْعُ بَيْنَ البَنِينَ والبَناتِ تَقُولُ العَرَبُ: زَوَّجْتُ إبِلِي: إذا جَمَعْتَ بَيْنَ الصِّغارِ والكِبارِ، ومَعْنى الآيَةِ أوْضَحُ مِن أنْ يُخْتَلَفَ في مِثْلِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ أنَّهُ يَهَبُ لِبَعْضِ خَلْقِهِ إناثًا، ويَهَبُ لِبَعْضٍ ذُكُورًا، ويَجْمَعُ لِبَعْضٍ بَيْنَ الذُّكُورِ والإناثِ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ لَهُ ذَكَرٌ ولا أُنْثى، والعَقِيمُ الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ وامْرَأةٌ عَقِيمٌ، وعَقَمَتِ المَرْأةُ تَعْقُمُ عُقْمًا، وأصْلُهُ القَطْعُ، ويُقالُ: نِساءٌ عُقْمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عُقِمَ النِّساءُ فَما يَلِدْنَ شَبِيهَهُ إنَّ النِّساءَ بِمِثْلِهِ عُقْمُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ العِلْمِ عَظِيمُ القُدْرَةِ. ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ أيْ: ما صَحَّ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِأنْ يُوحِيَ إلَيْهِ فَيُلْهِمَهُ ويَقْذِفَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ قالَ مُجاهِدٌ: نَفَثَ يَنْفُثُ في قَلْبِهِ. فَيَكُونُ إلْهامًا مِنهُ كَما أوْحى إلى أمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ في ذَبْحِ ولَدِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ كَما كَلَّمَ مُوسى، يُرِيدُ أنَّ كَلامَهُ يُسْمَعُ مِن حَيْثُ لا يُرى، وهو تَمْثِيلٌ بِحالِ المَلِكِ المُحْتَجِبِ الَّذِي يُكَلِّمُ خَواصَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُرْسِلَ مَلَكًا، فَيُوحِيَ ذَلِكَ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ مِنَ البَشَرِ بِأمْرِ اللَّهِ وتَيْسِيرِهِ ما يَشاءُ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ (p-١٣٣٤)كَلامَ اللَّهِ لِلْبَشَرِ: إمّا أنْ يَكُونَ بِإلْهامٍ يُلْهِمُهم، أوْ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ كَما كَلَّمَ مُوسى، أوْ بِرِسالَةِ مَلَكٍ إلَيْهِمْ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا أنْ يُوحِيَ وحْيًا، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. ومَن قَرَأ " يُرْسِلُ " رَفْعًا أرادَ وهو يُرْسِلُ، فَهو ابْتِداءٌ واسْتِئْنافٌ اهـ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ أوْ يُرْسِلَ وبِنَصْبِ فَيُوحِيَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ، وتَكُونُ أنْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَعْطُوفَيْنِ عَلى وحْيًا، ووَحْيًا في مَحَلِّ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مُوحِيًا أوْ مُرْسِلًا، ولا يَصِحُّ عَطْفُ أوْ يُرْسِلَ عَلى أنْ يُكَلِّمَهُ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ رَسُولًا، وهو فاسِدٌ لَفْظًا ومَعْنًى. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوْ يُرْسِلُ " بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ " فَيُوحِي " بِإسْكانِ الياءِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أوْ هو يُرْسِلُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها أيْ: مُتَعالٍ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ، حَكِيمٌ في كُلِّ أحْكامِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما كَلَّمَهُ مُوسى، فَنَزَلَتْ. ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ أيْ: وكالوَحْيِ الَّذِي أوْحَيْنا إلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا، المُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الوَحْيَ بِأمْرِنا، ومَعْناهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ، فَفِيهِ حَياةٌ مِن مَوْتِ الكُفْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفَةَ رَسُولِهِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هو؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ وذَلِكَ أُدْخِلَ في الإعْجازِ وأدَلَّ عَلى صِحَّةِ نَبُّوتِهِ، ومَعْنى ﴿ولا الإيمانُ﴾ أنَّهُ كانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَعْرِفُ تَفاصِيلَ الشَّرائِعِ ولا يَهْتَدِي إلى مَعالِمِها، وخُصُّ الإيمانُ؛ لِأنَّهُ رَأْسُها وأساسُها، وقِيلَ: أرادَ بِالإيمانِ هُنا الصَّلاةَ. قالَ بِهَذا جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مِنهم إمامُ الأئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي الصَّلاةَ، فَسَمّاها إيمانًا. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَ مُؤْمِنًا بِهِ، وقالُوا مَعْنى الآيَةِ: ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الوَحْيِ كَيْفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ولا كَيْفَ تَدْعُو الخَلْقَ إلى الإيمانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ البُلُوغِ حِينَ كانَ طِفْلًا وفي المَهْدِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ولا أهْلُ الإيمانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإيمانِ دِينُ الإسْلامِ، وقِيلَ: الإيمانُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِكُلِّ ما كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ العِبادَ ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ أيْ: ولَكِنْ جَعَلْنا الرُّوحَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ هِدايَتَهُ مِن عِبادِنا ونُرْشِدُهُ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: وإنَّكَ لَتَدْعُوَ إلى الإسْلامِ، فَهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَهْدِي عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأ ابْنُ حَوْشِبٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مِن أهْدى، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ " وإنَّكَ لَتَدْعُو " . ثُمَّ بَيَّنَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وفي هَذِهِ الإضافَةِ لِلصِّراطِ إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، ومَعْنى لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ أنَّهُ المالِكُ لِذَلِكَ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ أيْ: تَصِيرُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا إلى غَيْرِهِ جَمِيعُ أُمُورِ الخَلائِقِ، وفِيهِ وعِيدٌ بِالبَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِلْمُجازاةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قالَ: ذَلِيلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: يُسارِقُونَ النَّظَرَ إلى النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مِن بَرَكَةِ المَرْأةِ ابْتِكارُها بِالأُنْثى؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ قالَ: الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ قالَ: إلّا أنْ يَبْعَثَ مَلَكًا يُوحِي إلَيْهِ مِن عِنْدِهِ، أوْ يُلْهِمَهُ فَيَقْذِفُ في قَلْبِهِ، أوْ يُكَلِّمَهُ مِن وراءِ حِجابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ قالَ: القُرْآنُ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قِيلَ: لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هَلْ عَبَدْتَ وثَنًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، قالُوا: فَهَلْ شَرِبْتَ خَمْرًا قَطُّ ؟ قالَ: لا، وما زِلْتُ أعْرِفُ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ كُفْرٌ، وما كُنْتُ أدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ، وبِذَلِكَ نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾» .

الزخرف 43:1

قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ بِمَكَّةَ قالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] يَعْنِي فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. (p-١٣٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ الكَلامُ هاهُنا في الإعْرابِ كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ فَإنْ جُعِلَتْ حم قَسَمًا كانَتِ الواوُ عاطِفَةً، وإنْ لَمْ تُجْعَلْ قَسَمًا فالواوُ لِلْقَسَمِ. وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن جَعَلَ جَوابَ والكِتابِ حم كَما تَقُولُ: نَزَلَ واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ وقَفَ عَلى الكِتابِ المُبِينِ، ومَعْنى جَعَلْناهُ أيْ: سَمَّيْناهُ ووَصَفْناهُ، ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا وقالَ مُجاهِدٌ: قُلْناهُ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: بَيَّنّاهُ عَرَبِيًّا وكَذا قالَ الزَّجّاجُ أيْ: أُنْزِلَ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ كِتابُهُ بِلِسانِ قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِأنَّ لِسانَ أهْلِ الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وتَتَعَقَّلُوا مَعانِيَهُ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ. ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لَدَيْنا أيْ: عِنْدَنا ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ رَفِيعُ القَدْرِ مُحْكَمُ النَّظْمِ لا يُوجَدُ فِيهِ اخْتِلافٌ ولا تَناقُصٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُقْسَمِ بِها داخِلَةٌ تَحْتَ مَعْنى القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ: أُمُّ الكِتابِ: أصْلُ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ وإنَّهُ أعْمالُ الخَلْقِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ. قالَ قَتادَةُ أخْبَرَ عَنْ مَنزِلَتِهِ وشَرَفِهِ وفَضْلِهِ أيْ: إنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ فَإنَّهُ عِنْدَنا شَرِيفٌ رَفِيعٌ مُحْكَمٌ مِنَ الباطِلِ. ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ يُقالُ: ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ: إذا تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى مَعْنى: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صافِحِينَ، والصَّفْحُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: صَفَحْتُ عَنْهُ إذا أعْرَضْتُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّكَ تُوَلِّيهِ صَفْحَةَ وجْهِكَ وعُنُقِكَ، المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا القُرْآنُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ طَيًّا فَلا تُوعَظُونَ ولا تُؤْمَرُونَ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ العَذابَ ولا نُعاقِبُكم عَلى إسْرافِكم وكُفْرِكم. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى أنُهْلِكُكم ولا نَأْمُرُكم ولا نَنْهاكم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَعْنى أفَنُمْسِكُ عَنْ إنْزالِ القُرْآنِ مِن قِبَلِ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ. وقِيلَ: الذِّكْرُ التَّذْكِيرُ، كَأنَّهُ قالَ: أنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنْ كُنْتُمْ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى أنَّها الشَّرْطِيَّةُ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى التَّعْلِيلِ أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُنْهَمِكِينَ في الإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ. ثُمَّ سَلّى - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ الَّتِي مَعْناها التَّكْثِيرُ، والمَعْنى: ما أكْثَرَ ما أرْسَلْنا مِنَ الأنْبِياءِ في الأُمَمِ السّابِقَةِ. ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كاسْتِهْزاءِ قَوْمِكَ بِكَ. ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: أهْلَكْنا قَوْمًا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ، وانْتِصابُ بَطْشًا عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أيْ: باطِشِينَ ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ ذِكْرُهم غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ قَتادَةُ: عُقُوبَتُهم، وقِيلَ: صِفَتُهم، والمَثَلُ الوَصْفُ والخَبَرُ. وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّ الأوَّلِينَ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وهَؤُلاءِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ والكُفْرِ بِما جِئْتَ بِهِ هَلَكُوا مِثْلَهم. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لَئِنْ سَألْتَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن قَوْمِكَ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ أقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُنَّ ولَمْ يُنْكِرُوا، وذَلِكَ أسْوَأُ لِحالِهِمْ وأشَدُّ لِعُقُوبَتِهِمْ، لِأنَّهم عَبَدُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ وجَعَلُوهُ شَرِيكًا لَهُ، بَلْ عَمَدُوا إلى ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهي الأصْنامُ فَجَعَلُوها شُرَكاءَ اللَّهِ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ: " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا " وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الكُفّارِ لَقالُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مِهادًا، والمِهادُ الفِراشُ والبِساطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِهادًا " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ مَهْدًا ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ أيْ: طُرُقًا تَسْلُكُونَها إلى حَيْثُ تُرِيدُونَ، وقِيلَ: مَعايِشَ تَعِيشُونَ بِها ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم ومَنافِعِكم. ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِقَدْرِ الحاجَةِ وحَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ولَمْ يُنْزِلْ عَلَيْكم مِنهُ فَوْقَ حاجَتِكم حَتّى يُهْلِكَ زَرائِعَكم ويَهْدِمَ مَنازِلَكم ويُهْلِكَكم بِالغَرَقِ، ولا دُونَها حَتّى تَحْتاجُوا إلى الزِّيادَةِ، وعَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ في أرْزاقِ عِبادِهِ بِالتَّوْسِيعِ تارَةً والتَّقْتِيرِ أُخْرى ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ: أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُقْفِرَةً مِنَ النَّباتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ عِيسى وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإحْياءِ لِلْأرْضِ بِإخْراجِ نَباتِها بَعْدَ أنْ كانَتْ لا نَباتَ بِها تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في آلِ عِمْرانَ والأعْرافِ. قَرَأ الجُمْهُورُ تُخْرَجُونَ مَبْنِيًّا (p-١٣٣٦)لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ المُرادُ بِالأزْواجِ هُنا الأصْنافُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الأصْنافُ كُلُّها. وقالَ الحَسَنُ: الشِّتاءُ والصَّيْفُ واللَّيْلُ والنَّهارُ والسَّماواتُ والأرْضُ والجَنَّةُ والنّارُ، وقِيلَ: أزْواجُ الحَيَوانِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، وقِيلَ: أزْواجُ النَّباتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] و﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [ الشُّعَراءِ: ٧، لُقْمانَ: ١٠ ] وقِيلَ: ما يَتَقَلَّبُ فِيهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ في البَحْرِ والبَرِّ أيْ: ما تَرْكَبُونَهُ. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، فَصارَ الواحِدُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ، وجُمِعَ الظَّهْرُ لِأنَّ المُرادَ ظُهُورُ هَذا الجِنْسِ، والِاسْتِواءُ الِاسْتِعْلاءُ أيْ: لِتَسْتَعْلُوا عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِن تَسْخِيرِ ذَلِكَ المَرْكَبِ في البَحْرِ والبَرِّ. وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هو أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي هَذا وحَمَلَنِي عَلَيْهِ ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ أيْ: ذَلَّلَ لَنا هَذا المَرْكَبَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " سُبْحانَ مَن سَخَّرَ لَنا هَذا " . قالَ قَتادَةُ: قَدْ عَلَّمَكم كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، ومَعْنى ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ما كُنّا لَهُ مُطِيقِينَ، يُقالُ: أقْرَنَ هَذا البَعِيرَ: إذا أطاقَهُ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: مُقْرِنِينَ ضابِطِينَ، وقِيلَ: مُماثِلِينَ لَهُ في القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: هو قِرْنُ فُلانٍ إذا كانَ مِثْلَهُ في القُوَّةِ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: ؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عُقَيْلٌ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا قالَ آخَرُ: ؎رَكِبْتُمْ صَعْبَتَيْ أشَرٍ وجُبْنٍ ∗∗∗ ولَسْتُمْ لِلصِّعابِ بِمُقْرِنِينا والمُرادُ بِالأنْعامِ هُنا: الإبِلُ خاصَّةً، وقِيلَ: الإبِلُ والبَقَرُ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: راجِعُونَ إلَيْهِ، وهَذا تَمامُ ما يُقالُ عِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ أوِ السَّفِينَةِ. ثُمَّ رَجَعَ - سُبْحانَهُ - إلى ذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قالَ قَتادَةُ أيْ: عِدْلًا، يَعْنِي ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ: الجُزْءُ هُنا البَناتُ، والجُزْءُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ البَناتُ، يُقالُ: قَدْ أجَزَأتِ المَرْأةُ: إذا ولَدَتِ البَناتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا وقَدْ جَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ مِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلى العَرَبِ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ رَواهُ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ، وهُما إماما اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وحافِظاها ومَن إلَيْهِما المُنْتَهى في مَعْرِفَتِها، ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالجُزْءِ هُنا المَلائِكَةُ فَإنَّهم جَعَلُوهم أوْلادَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ نَصِيبًا عَلى مَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ مِنَ الوِلْدانِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ الكُفْرانِ مُبالِغٌ فِيهِ، قِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الكافِرُ، فَإنَّهُ الَّذِي يَجْحَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ جُحُودًا بَيِّنًا. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ. وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أتَّخَذَ رَبُّكم لِنَفْسِهِ البَناتِ ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ؟ فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ المَفْضُولَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ولَكُمُ الفاضِلُ مِنهُما، يُقالُ: أصْفَيْتُهُ بِكَذا أيْ: آثَرْتُهُ بِهِ، وأصْفَيْتُهُ الوُدَّ: أخْلَصْتُهُ لَهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] وجُمْلَةُ وأصْفاكم مَعْطُوفَةٌ عَلى اتَّخَذَ داخِلَةٌ مَعَها تَحْتَ الإنْكارِ. ثُمَّ زادَ في تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أيْ: بِما جَعَلَهُ لِلرَّحْمَنِ - سُبْحانَهُ - مِن كَوْنِهِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ البَناتِ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا بُشِّرَ أحَدُهم بِأنَّها وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ اغْتَمَّ لِذَلِكَ وظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ: صارَ وجْهُهُ مُسْوَدًّا بِسَبَبِ حُدُوثِ الأُنْثى لَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الحادِثُ لَهُ ذَكَرًا مَكانَها ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الحُزْنِ كَثِيرُ الكَرْبِ مَمْلُوءٌ مِنهُ. قالَ قَتادَةُ: حَزِينٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَكْرُوبٌ، وقِيلَ: ساكِتٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ مَعْنى يُنَشَّؤُ يُرَبّى، والنُّشُوءُ التَّرْبِيَةُ، والحِلْيَةُ الزِّينَةُ، ومَن في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَعَلُوا، والمَعْنى: أوَجَعَلُوا لَهُ - سُبْحانَهُ - مَن شَأْنُهُ أنْ يُرَبّى في الزِّينَةِ وهو عاجِزٌ عَنْ أنْ يَقُومَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ، وإذا خُوصِمَ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ حُجَّتِهِ ودَفْعِ ما يُجادِلُهُ بِهِ خَصْمُهُ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أوَيَجْعَلُونَ لَهُ مَن يَنْشَأُ في الحِلْيَةِ أيْ: يَنْبُتُ في الزِّينَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَنْشَأُ " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ وثّابٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ. واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الهَرَوِيُّ: الفِعْلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى لازِمٌ، وعَلى الثّانِيَةِ مُتَعَدٍّ. والمَعْنى: يُرَبّى ويَكْبُرُ في الحِلْيَةِ. قالَ قَتادَةُ: قَلَّما تَتَكَلَّمُ امْرَأةٌ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِالحُجَّةِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ: الَّذِي يُنَشَّؤُ في الحِلْيَةِ أصْنامُهُمُ الَّتِي صاغُوها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ. " ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ " الجَعْلُ هُنا: بِمَعْنى القَوْلِ والحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أفْضَلَ النّاسِ أيْ: قُلْتَ بِذَلِكَ وحَكَمْتَ لَهُ بِهِ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ عِبادُ بِالجَمْعِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ: " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " بِنُونٍ ساكِنَةٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّ الإسْنادَ فِيها أعْلى، ولِأنَّ اللَّهَ إنَّما كَذَّبَهم في قَوْلِهِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، (p-١٣٣٧)فَأخْبَرَهم أنَّهم عِبادُهُ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: وتَصْدِيقُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] . ثُمَّ وبَّخَهم وقَرَّعَهم فَقالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ: أحَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ إيّاهم فَهو مِنَ الشَّهادَةِ الَّتِي هي الحُضُورُ، وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَجْهِيلٌ لَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَهِدُوا عَلى الِاسْتِفْهامِ بِدُونِ واوٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوَشَهِدُوا " . وقَرَأ الجُمْهُورُ " سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم " بِضَمِّ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِالنُّونِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ " شَهاداتُهم " بِالجَمْعِ، والمَعْنى: سَنَكْتُبُ هَذِهِ الشَّهادَةَ الَّتِي شَهِدُوا بِها في دِيوانِ أعْمالِهِمْ لِنُجازِيَهم عَلى ذَلِكَ ويُسْألُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم﴾ هَذا فَنٌّ آخَرُ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ جاءُوا بِهِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، ومَعْناهُ: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ في زَعْمِكم ما عَبَدْنا هَذِهِ المَلائِكَةَ، وهَذا كَلامٌ حَقٌّ يُرادُ بِهِ باطِلٌ، وقَدْ مَضى بَيانُهُ في الأنْعامِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - جَهْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِما قالُوهُ مِن أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ عَدَمَ عِبادَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ ما عَبَدُوهم مِن عِلْمٍ، بَلْ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ جَهْلًا، وأرادُوا بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحَقِّ باطِلًا، وزَعَمُوا أنَّهُ إذا شاءَ فَقَدْ رَضِيَ. ثُمَّ بَيَّنَ انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا يَكْذِبُونَ فِيما قالُوا ويَتَمَحَّلُونَ تَمَحُّلًا باطِلًا. وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: ما لَهم بِعِبادَةِ الأوْثانِ مِن عِلْمٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ القَلَمُ وأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والكِتابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ قالَ: أحْبَبْتُمْ أنْ يُصْفَحَ عَنْكم ولَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا سافَرَ رَكِبَ راحِلَتَهُ ثُمَّ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ: مُطِيقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ قالَ: هو النِّساءُ فَرَّقَ بَيْنَ زِيِّهِنَّ وزِيِّ الرِّجالِ، ونَقَصَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وبِالشَّهادَةِ، وأمَرَهُنَّ بِالقَعْدَةِ، وسَمّاهُنَّ الخَوالِفَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنْتُ أقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: ﴿الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾، فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: عِبادُ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْتُ: فَإنَّها في مُصْحَفِي " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " قالَ: فامْحُها واكْتُبْها عِبادَ الرَّحْمَنِ. * * (p-١٣٦١)وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ ( حم الأحْقافِ ) بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةَ الأحْقافِ وأقْرَأها آخَرَ فَخالَفَ قِراءَتَهُ، فَقُلْتُ مَن أقْرَأكَها ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَيْرَ ذا، فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، وقالَ الآخَرُ: ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، فَتَمَعَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: لِيَقْرَأْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ما سَمِعَ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالِاخْتِلافِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ١ - ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها مُسْتَوْفًى، وذَكَرْنا وجْهَ الإعْرابِ وبَيانَ ما هو الحَقُّ مِن أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُوكَلَ عِلْمُهُ إلى مَن أنْزَلَهُ. ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها إلّا بِالحَقِّ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ إلّا بِالحَقِّ، وبِأجَلٍ مُسَمًّى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، وهَذا الأجَلُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّها تَنْتَهِي فِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ. وقِيلَ المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى هو انْتِهاءُ أجَلِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَخْلُوقاتِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذا إشارَةٌ إلى قِيامِ السّاعَةِ وانْقِضاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ باطِلًا وعَبَثًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، بَلْ خَلَقَهُ لِلثَّوابِ والعِقابِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: عَمّا أُنْذِرُوا وخُوِّفُوا بِهِ في القُرْآنِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ مُعْرِضُونَ مُوَلُّونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْهُ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِهِ، و" ما " في قَوْلِهِ: ما أُنْذِرُوا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوْصُولَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِنها، وقَوْلُهُ: أرُونِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ " أرَأيْتُمْ ": أيْ أخْبِرُونِي أرُونِي والمَفْعُولُ الثّانِي لِ أرَأيْتُمْ ماذا خَلَقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ تَأْكِيدًا، بَلْ يَكُونُ هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ " أرَأيْتُمْ " يَطْلُبُ مَفْعُولًا ثانِيًا، و( أرُونِي ) كَذَلِكَ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ " أمْ " هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ فِيها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وإظْهارٌ لِعَجْزِهِمْ وقُصُورِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِبُطْلانِ الشِّرْكِ، وأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ السّاعَةَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيها، فَهَلْ لِلْمُشْرِكِينَ مِن كِتابٍ يُخالِفُ هَذا الكِتابَ، أوْ حُجَّةٌ تُنافِي هَذِهِ الحُجَّةَ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: " أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمِ " بَقِيَّةٍ مِنهُ، وكَذا الأثَرَةُ بِالتَّحْرِيكِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَقِيَّةٍ مِن عِلْمِ الأوَّلِينَ. وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ: يَعْنِي ما يُؤْثَرُ عَنْ كُتُبِ الأوَّلِينَ. قالَ الواحِدِيُّ: وهو مَعْنى قَوْلِ المُفَسِّرِينَ. قالَ عَطاءٌ: أوْ شَيْءٌ تَأْثُرُونَهُ عَنْ نَبِيٍّ كانَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . قالَ مُقاتِلٌ: أوْ رِوايَةٍ مِن عِلْمٍ عَنِ الأنْبِياءِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ أثارَةٍ: أيْ: عَلامَةٍ، والأثارَةُ: مَصْدَرٌ كالسَّماحَةِ والشَّجاعَةِ. وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الأثَرِ وهي الرِّوايَةُ. يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثُرُهُ أثْرَةً وأثارَةً وأثْرًا: إذا ذَكَرْتَهُ عَنْ غَيْرِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أثارَةٍ ) عَلى المَصْدَرِ كالسَّماحَةِ والغَوايَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ الكِسائِيُّ " أُثْرَةٍ " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها، وهي قَوْلُكم: إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ولَمْ تَأْتُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ لِقِيامِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ والنَّقْلِيِّ عَلى خِلافِهِ. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أيْ لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ ولا أجْهَلُ، فَإنَّهُ دَعا مَن لا يَسْمَعُ، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في الإجابَةِ فَضْلًا عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ؟ فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّهُ (p-١٣٦٢)أجْهَلُ الجاهِلِينَ وأضَلُّ الضّالِّينَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْأصْنامِ، والثّانِي لِعابِدِيها، والمَعْنى: والأصْنامُ الَّتِي يَدْعُونَها عَنْ دُعائِهِمْ إيّاها غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، لا يَسْمَعُونَ ولا يَعْقِلُونَ لِكَوْنِهِمْ جَماداتٍ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، وأجْرى عَلى الأصْنامِ ما هو لِلْعُقَلاءِ لِاعْتِقادِ المُشْرِكِينَ فِيها أنَّها تَعْقِلُ. ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ أيْ: إذا حَشَرَ النّاسَ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ كانَ الأصْنامُ لَهم أعْداءً يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الحَياةَ في الأصْنامِ، فَتُكَذِّبُهم. وقِيلَ المُرادُ أنَّها تُكَذِّبُهم وتُعادِيهِمْ بِلِسانِ الحالِ لا بِلِسانِ المَقالِ. وأمّا المَلائِكَةُ، والمَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والشَّياطِينُ، فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِمَّنْ عَبَدَهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ كانَ المَعْبُودُونَ بِعِبادَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم كافِرِينَ: أيْ جاحِدِينَ مُكَذِّبِينَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ( كانُوا ) لِلْعابِدِينَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيْ: آياتُ القُرْآنِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتِ المَعانِي ظاهِراتِ الدَّلالاتِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ لِأجْلِهِ، وفي شَأْنِهِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ وقْتَ أنْ جاءَهم ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ السِّحْرِيَّةِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن صَنِيعِهِمْ، وبَلْ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ سِحْرًا إلى قَوْلِهِمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ افْتَرى ما جاءَ بِهِ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يَخْفى. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ - كَما تَدَّعُونَ - فَلا تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَرُدُّوا عَنِّي عِقابَ اللَّهِ، فَكَيْفَ أفْتَرِي عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عِقابِهِ عَنِّي ﴿هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ تَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، والإفاضَةُ في الشَّيْءِ الخَوْضُ فِيهِ والِانْدِفاعُ فِيهِ، يُقالُ أفاضُوا في الحَدِيثِ: أيِ انْدَفَعُوا فِيهِ، وأفاضَ البَعِيرُ: إذا دَفَعَ جَرَّتَهُ مِن كَرِشِهِ. والمَعْنى: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَقُولُونَ في القُرْآنِ وتَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ لَهُ والقَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ وكِهانَةٌ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَشْهَدُ لِي بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ، وأنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ والجُحُودِ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ وصَدَّقَ بِالقُرْآنِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ: أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، والرَّحْمَةِ بَلِيغُهُما. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ المَبْدَأُ: أيْ: ما أنا بِأوَّلِ رَسُولٍ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلِي كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ. قِيلَ: البِدْعُ بِمَعْنى البَدِيعِ، كالخُفِّ والخَفِيفِ، والبَدِيعُ ما لَمْ يُرَ لَهُ مِثْلٌ، مِنَ الِابْتِداعِ وهو الِاخْتِراعُ، وشَيْءٌ بِدْعٌ بِالكَسْرِ: أيْ: مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ: بَدِيعٌ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي رِجالًا غَدَتْ مِن بَعْدِ مُوسى وأسْعَدا وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " بِدَعًا " بِفَتْحِ الدّالِّ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ: أيْ: ما كُنْتُ ذا بِدَعٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ عَلى الوَصْفِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ بِي فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ هَلْ أبْقى في مَكَّةَ أوْ أُخْرَجُ مِنها ؟ وهَلْ أمُوتُ أوْ أُقْتَلُ ؟ وهَلْ تُعَجَّلُ لَكُمُ العُقُوبَةُ أمْ تُمْهَلُونَ ؟ وهَذا إنَّما هو في الدُّنْيا. وأمّا في الآخِرَةِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ وأُمَّتَهُ في الجَنَّةِ وأنَّ الكافِرِينَ في النّارِ. وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّها لَمّا نَزَلَتْ فَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِنا، وأنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والأوَّلُ أوْلى ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُوحى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ: ما أتَّبِعُ إلّا القُرْآنَ ولا أبْتَدِعُ مِن عِنْدِي شَيْئًا، والمَعْنى: قَصْرُ أفْعالِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى الوَحْيِ لا قَصْرُ اتِّباعِهِ عَلى الوَحْيِ ﴿وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ وأُخَوِّفُكم عَذابَهُ عَلى وجْهِ الإيضاحِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: الخَطُّ. قالَ سُفْيانُ: لا أعْلَمُ إلّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يَعْنِي أنَّ الحَدِيثَ مَرْفُوعٌ لا مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّ، فَمَن صادَفَ مِثْلَ خَطِّهِ عَلِمَ» ومَعْنى هَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ ولِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ تَفاسِيرُ مُخْتَلِفَةٌ. ومِن أيْنَ لَنا أنَّ هَذِهِ الخُطُوطَ الرَّمْلِيَّةَ مُوافِقَةٌ لِذَلِكَ الخَطِّ، وأيْنَ السَّنَدُ الصَّحِيحُ إلى ذَلِكَ النَّبِيِّ، أوْ إلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أنَّ هَذا الخَطَّ هو عَلى صُورَةِ كَذا، فَلَيْسَ ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرَّمْلِ إلّا جَهالاتٌ وضَلالاتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: حُسْنُ الخَطِّ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: خَطٌّ كانَ يَخُطُّهُ العَرَبُ في الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: بَيِّنَةٌ مِنَ الأمْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ يَقُولُ: لَسْتُ بِأوَّلِ الرُّسُلِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ما يُفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أُمِّ العَلاءِ قالَتْ: «لَمّا ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أبا (p-١٣٦٣)السّائِبِ» شَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ ؟ أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: فَواللَّهِ لا أُزَكِّي بَعْدَهُ أحَدًا.

الزخرف 43:2

قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ بِمَكَّةَ قالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] يَعْنِي فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. (p-١٣٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ الكَلامُ هاهُنا في الإعْرابِ كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ فَإنْ جُعِلَتْ حم قَسَمًا كانَتِ الواوُ عاطِفَةً، وإنْ لَمْ تُجْعَلْ قَسَمًا فالواوُ لِلْقَسَمِ. وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن جَعَلَ جَوابَ والكِتابِ حم كَما تَقُولُ: نَزَلَ واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ وقَفَ عَلى الكِتابِ المُبِينِ، ومَعْنى جَعَلْناهُ أيْ: سَمَّيْناهُ ووَصَفْناهُ، ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا وقالَ مُجاهِدٌ: قُلْناهُ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: بَيَّنّاهُ عَرَبِيًّا وكَذا قالَ الزَّجّاجُ أيْ: أُنْزِلَ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ كِتابُهُ بِلِسانِ قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِأنَّ لِسانَ أهْلِ الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وتَتَعَقَّلُوا مَعانِيَهُ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ. ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لَدَيْنا أيْ: عِنْدَنا ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ رَفِيعُ القَدْرِ مُحْكَمُ النَّظْمِ لا يُوجَدُ فِيهِ اخْتِلافٌ ولا تَناقُصٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُقْسَمِ بِها داخِلَةٌ تَحْتَ مَعْنى القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ: أُمُّ الكِتابِ: أصْلُ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ وإنَّهُ أعْمالُ الخَلْقِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ. قالَ قَتادَةُ أخْبَرَ عَنْ مَنزِلَتِهِ وشَرَفِهِ وفَضْلِهِ أيْ: إنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ فَإنَّهُ عِنْدَنا شَرِيفٌ رَفِيعٌ مُحْكَمٌ مِنَ الباطِلِ. ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ يُقالُ: ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ: إذا تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى مَعْنى: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صافِحِينَ، والصَّفْحُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: صَفَحْتُ عَنْهُ إذا أعْرَضْتُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّكَ تُوَلِّيهِ صَفْحَةَ وجْهِكَ وعُنُقِكَ، المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا القُرْآنُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ طَيًّا فَلا تُوعَظُونَ ولا تُؤْمَرُونَ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ العَذابَ ولا نُعاقِبُكم عَلى إسْرافِكم وكُفْرِكم. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى أنُهْلِكُكم ولا نَأْمُرُكم ولا نَنْهاكم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَعْنى أفَنُمْسِكُ عَنْ إنْزالِ القُرْآنِ مِن قِبَلِ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ. وقِيلَ: الذِّكْرُ التَّذْكِيرُ، كَأنَّهُ قالَ: أنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنْ كُنْتُمْ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى أنَّها الشَّرْطِيَّةُ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى التَّعْلِيلِ أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُنْهَمِكِينَ في الإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ. ثُمَّ سَلّى - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ الَّتِي مَعْناها التَّكْثِيرُ، والمَعْنى: ما أكْثَرَ ما أرْسَلْنا مِنَ الأنْبِياءِ في الأُمَمِ السّابِقَةِ. ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كاسْتِهْزاءِ قَوْمِكَ بِكَ. ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: أهْلَكْنا قَوْمًا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ، وانْتِصابُ بَطْشًا عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أيْ: باطِشِينَ ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ ذِكْرُهم غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ قَتادَةُ: عُقُوبَتُهم، وقِيلَ: صِفَتُهم، والمَثَلُ الوَصْفُ والخَبَرُ. وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّ الأوَّلِينَ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وهَؤُلاءِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ والكُفْرِ بِما جِئْتَ بِهِ هَلَكُوا مِثْلَهم. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لَئِنْ سَألْتَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن قَوْمِكَ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ أقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُنَّ ولَمْ يُنْكِرُوا، وذَلِكَ أسْوَأُ لِحالِهِمْ وأشَدُّ لِعُقُوبَتِهِمْ، لِأنَّهم عَبَدُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ وجَعَلُوهُ شَرِيكًا لَهُ، بَلْ عَمَدُوا إلى ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهي الأصْنامُ فَجَعَلُوها شُرَكاءَ اللَّهِ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ: " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا " وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الكُفّارِ لَقالُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مِهادًا، والمِهادُ الفِراشُ والبِساطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِهادًا " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ مَهْدًا ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ أيْ: طُرُقًا تَسْلُكُونَها إلى حَيْثُ تُرِيدُونَ، وقِيلَ: مَعايِشَ تَعِيشُونَ بِها ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم ومَنافِعِكم. ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِقَدْرِ الحاجَةِ وحَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ولَمْ يُنْزِلْ عَلَيْكم مِنهُ فَوْقَ حاجَتِكم حَتّى يُهْلِكَ زَرائِعَكم ويَهْدِمَ مَنازِلَكم ويُهْلِكَكم بِالغَرَقِ، ولا دُونَها حَتّى تَحْتاجُوا إلى الزِّيادَةِ، وعَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ في أرْزاقِ عِبادِهِ بِالتَّوْسِيعِ تارَةً والتَّقْتِيرِ أُخْرى ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ: أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُقْفِرَةً مِنَ النَّباتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ عِيسى وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإحْياءِ لِلْأرْضِ بِإخْراجِ نَباتِها بَعْدَ أنْ كانَتْ لا نَباتَ بِها تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في آلِ عِمْرانَ والأعْرافِ. قَرَأ الجُمْهُورُ تُخْرَجُونَ مَبْنِيًّا (p-١٣٣٦)لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ المُرادُ بِالأزْواجِ هُنا الأصْنافُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الأصْنافُ كُلُّها. وقالَ الحَسَنُ: الشِّتاءُ والصَّيْفُ واللَّيْلُ والنَّهارُ والسَّماواتُ والأرْضُ والجَنَّةُ والنّارُ، وقِيلَ: أزْواجُ الحَيَوانِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، وقِيلَ: أزْواجُ النَّباتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] و﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [ الشُّعَراءِ: ٧، لُقْمانَ: ١٠ ] وقِيلَ: ما يَتَقَلَّبُ فِيهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ في البَحْرِ والبَرِّ أيْ: ما تَرْكَبُونَهُ. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، فَصارَ الواحِدُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ، وجُمِعَ الظَّهْرُ لِأنَّ المُرادَ ظُهُورُ هَذا الجِنْسِ، والِاسْتِواءُ الِاسْتِعْلاءُ أيْ: لِتَسْتَعْلُوا عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِن تَسْخِيرِ ذَلِكَ المَرْكَبِ في البَحْرِ والبَرِّ. وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هو أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي هَذا وحَمَلَنِي عَلَيْهِ ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ أيْ: ذَلَّلَ لَنا هَذا المَرْكَبَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " سُبْحانَ مَن سَخَّرَ لَنا هَذا " . قالَ قَتادَةُ: قَدْ عَلَّمَكم كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، ومَعْنى ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ما كُنّا لَهُ مُطِيقِينَ، يُقالُ: أقْرَنَ هَذا البَعِيرَ: إذا أطاقَهُ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: مُقْرِنِينَ ضابِطِينَ، وقِيلَ: مُماثِلِينَ لَهُ في القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: هو قِرْنُ فُلانٍ إذا كانَ مِثْلَهُ في القُوَّةِ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: ؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عُقَيْلٌ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا قالَ آخَرُ: ؎رَكِبْتُمْ صَعْبَتَيْ أشَرٍ وجُبْنٍ ∗∗∗ ولَسْتُمْ لِلصِّعابِ بِمُقْرِنِينا والمُرادُ بِالأنْعامِ هُنا: الإبِلُ خاصَّةً، وقِيلَ: الإبِلُ والبَقَرُ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: راجِعُونَ إلَيْهِ، وهَذا تَمامُ ما يُقالُ عِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ أوِ السَّفِينَةِ. ثُمَّ رَجَعَ - سُبْحانَهُ - إلى ذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قالَ قَتادَةُ أيْ: عِدْلًا، يَعْنِي ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ: الجُزْءُ هُنا البَناتُ، والجُزْءُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ البَناتُ، يُقالُ: قَدْ أجَزَأتِ المَرْأةُ: إذا ولَدَتِ البَناتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا وقَدْ جَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ مِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلى العَرَبِ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ رَواهُ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ، وهُما إماما اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وحافِظاها ومَن إلَيْهِما المُنْتَهى في مَعْرِفَتِها، ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالجُزْءِ هُنا المَلائِكَةُ فَإنَّهم جَعَلُوهم أوْلادَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ نَصِيبًا عَلى مَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ مِنَ الوِلْدانِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ الكُفْرانِ مُبالِغٌ فِيهِ، قِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الكافِرُ، فَإنَّهُ الَّذِي يَجْحَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ جُحُودًا بَيِّنًا. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ. وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أتَّخَذَ رَبُّكم لِنَفْسِهِ البَناتِ ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ؟ فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ المَفْضُولَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ولَكُمُ الفاضِلُ مِنهُما، يُقالُ: أصْفَيْتُهُ بِكَذا أيْ: آثَرْتُهُ بِهِ، وأصْفَيْتُهُ الوُدَّ: أخْلَصْتُهُ لَهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] وجُمْلَةُ وأصْفاكم مَعْطُوفَةٌ عَلى اتَّخَذَ داخِلَةٌ مَعَها تَحْتَ الإنْكارِ. ثُمَّ زادَ في تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أيْ: بِما جَعَلَهُ لِلرَّحْمَنِ - سُبْحانَهُ - مِن كَوْنِهِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ البَناتِ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا بُشِّرَ أحَدُهم بِأنَّها وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ اغْتَمَّ لِذَلِكَ وظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ: صارَ وجْهُهُ مُسْوَدًّا بِسَبَبِ حُدُوثِ الأُنْثى لَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الحادِثُ لَهُ ذَكَرًا مَكانَها ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الحُزْنِ كَثِيرُ الكَرْبِ مَمْلُوءٌ مِنهُ. قالَ قَتادَةُ: حَزِينٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَكْرُوبٌ، وقِيلَ: ساكِتٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ مَعْنى يُنَشَّؤُ يُرَبّى، والنُّشُوءُ التَّرْبِيَةُ، والحِلْيَةُ الزِّينَةُ، ومَن في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَعَلُوا، والمَعْنى: أوَجَعَلُوا لَهُ - سُبْحانَهُ - مَن شَأْنُهُ أنْ يُرَبّى في الزِّينَةِ وهو عاجِزٌ عَنْ أنْ يَقُومَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ، وإذا خُوصِمَ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ حُجَّتِهِ ودَفْعِ ما يُجادِلُهُ بِهِ خَصْمُهُ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أوَيَجْعَلُونَ لَهُ مَن يَنْشَأُ في الحِلْيَةِ أيْ: يَنْبُتُ في الزِّينَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَنْشَأُ " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ وثّابٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ. واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الهَرَوِيُّ: الفِعْلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى لازِمٌ، وعَلى الثّانِيَةِ مُتَعَدٍّ. والمَعْنى: يُرَبّى ويَكْبُرُ في الحِلْيَةِ. قالَ قَتادَةُ: قَلَّما تَتَكَلَّمُ امْرَأةٌ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِالحُجَّةِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ: الَّذِي يُنَشَّؤُ في الحِلْيَةِ أصْنامُهُمُ الَّتِي صاغُوها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ. " ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ " الجَعْلُ هُنا: بِمَعْنى القَوْلِ والحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أفْضَلَ النّاسِ أيْ: قُلْتَ بِذَلِكَ وحَكَمْتَ لَهُ بِهِ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ عِبادُ بِالجَمْعِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ: " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " بِنُونٍ ساكِنَةٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّ الإسْنادَ فِيها أعْلى، ولِأنَّ اللَّهَ إنَّما كَذَّبَهم في قَوْلِهِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، (p-١٣٣٧)فَأخْبَرَهم أنَّهم عِبادُهُ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: وتَصْدِيقُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] . ثُمَّ وبَّخَهم وقَرَّعَهم فَقالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ: أحَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ إيّاهم فَهو مِنَ الشَّهادَةِ الَّتِي هي الحُضُورُ، وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَجْهِيلٌ لَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَهِدُوا عَلى الِاسْتِفْهامِ بِدُونِ واوٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوَشَهِدُوا " . وقَرَأ الجُمْهُورُ " سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم " بِضَمِّ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِالنُّونِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ " شَهاداتُهم " بِالجَمْعِ، والمَعْنى: سَنَكْتُبُ هَذِهِ الشَّهادَةَ الَّتِي شَهِدُوا بِها في دِيوانِ أعْمالِهِمْ لِنُجازِيَهم عَلى ذَلِكَ ويُسْألُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم﴾ هَذا فَنٌّ آخَرُ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ جاءُوا بِهِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، ومَعْناهُ: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ في زَعْمِكم ما عَبَدْنا هَذِهِ المَلائِكَةَ، وهَذا كَلامٌ حَقٌّ يُرادُ بِهِ باطِلٌ، وقَدْ مَضى بَيانُهُ في الأنْعامِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - جَهْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِما قالُوهُ مِن أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ عَدَمَ عِبادَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ ما عَبَدُوهم مِن عِلْمٍ، بَلْ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ جَهْلًا، وأرادُوا بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحَقِّ باطِلًا، وزَعَمُوا أنَّهُ إذا شاءَ فَقَدْ رَضِيَ. ثُمَّ بَيَّنَ انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا يَكْذِبُونَ فِيما قالُوا ويَتَمَحَّلُونَ تَمَحُّلًا باطِلًا. وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: ما لَهم بِعِبادَةِ الأوْثانِ مِن عِلْمٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ القَلَمُ وأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والكِتابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ قالَ: أحْبَبْتُمْ أنْ يُصْفَحَ عَنْكم ولَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا سافَرَ رَكِبَ راحِلَتَهُ ثُمَّ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ: مُطِيقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ قالَ: هو النِّساءُ فَرَّقَ بَيْنَ زِيِّهِنَّ وزِيِّ الرِّجالِ، ونَقَصَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وبِالشَّهادَةِ، وأمَرَهُنَّ بِالقَعْدَةِ، وسَمّاهُنَّ الخَوالِفَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنْتُ أقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: ﴿الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾، فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: عِبادُ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْتُ: فَإنَّها في مُصْحَفِي " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " قالَ: فامْحُها واكْتُبْها عِبادَ الرَّحْمَنِ. * * (p-١٣٦١)وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ ( حم الأحْقافِ ) بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةَ الأحْقافِ وأقْرَأها آخَرَ فَخالَفَ قِراءَتَهُ، فَقُلْتُ مَن أقْرَأكَها ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَيْرَ ذا، فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، وقالَ الآخَرُ: ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، فَتَمَعَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: لِيَقْرَأْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ما سَمِعَ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالِاخْتِلافِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ١ - ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها مُسْتَوْفًى، وذَكَرْنا وجْهَ الإعْرابِ وبَيانَ ما هو الحَقُّ مِن أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُوكَلَ عِلْمُهُ إلى مَن أنْزَلَهُ. ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها إلّا بِالحَقِّ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ إلّا بِالحَقِّ، وبِأجَلٍ مُسَمًّى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، وهَذا الأجَلُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّها تَنْتَهِي فِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ. وقِيلَ المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى هو انْتِهاءُ أجَلِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَخْلُوقاتِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذا إشارَةٌ إلى قِيامِ السّاعَةِ وانْقِضاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ باطِلًا وعَبَثًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، بَلْ خَلَقَهُ لِلثَّوابِ والعِقابِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: عَمّا أُنْذِرُوا وخُوِّفُوا بِهِ في القُرْآنِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ مُعْرِضُونَ مُوَلُّونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْهُ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِهِ، و" ما " في قَوْلِهِ: ما أُنْذِرُوا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوْصُولَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِنها، وقَوْلُهُ: أرُونِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ " أرَأيْتُمْ ": أيْ أخْبِرُونِي أرُونِي والمَفْعُولُ الثّانِي لِ أرَأيْتُمْ ماذا خَلَقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ تَأْكِيدًا، بَلْ يَكُونُ هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ " أرَأيْتُمْ " يَطْلُبُ مَفْعُولًا ثانِيًا، و( أرُونِي ) كَذَلِكَ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ " أمْ " هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ فِيها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وإظْهارٌ لِعَجْزِهِمْ وقُصُورِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِبُطْلانِ الشِّرْكِ، وأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ السّاعَةَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيها، فَهَلْ لِلْمُشْرِكِينَ مِن كِتابٍ يُخالِفُ هَذا الكِتابَ، أوْ حُجَّةٌ تُنافِي هَذِهِ الحُجَّةَ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: " أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمِ " بَقِيَّةٍ مِنهُ، وكَذا الأثَرَةُ بِالتَّحْرِيكِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَقِيَّةٍ مِن عِلْمِ الأوَّلِينَ. وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ: يَعْنِي ما يُؤْثَرُ عَنْ كُتُبِ الأوَّلِينَ. قالَ الواحِدِيُّ: وهو مَعْنى قَوْلِ المُفَسِّرِينَ. قالَ عَطاءٌ: أوْ شَيْءٌ تَأْثُرُونَهُ عَنْ نَبِيٍّ كانَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . قالَ مُقاتِلٌ: أوْ رِوايَةٍ مِن عِلْمٍ عَنِ الأنْبِياءِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ أثارَةٍ: أيْ: عَلامَةٍ، والأثارَةُ: مَصْدَرٌ كالسَّماحَةِ والشَّجاعَةِ. وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الأثَرِ وهي الرِّوايَةُ. يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثُرُهُ أثْرَةً وأثارَةً وأثْرًا: إذا ذَكَرْتَهُ عَنْ غَيْرِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أثارَةٍ ) عَلى المَصْدَرِ كالسَّماحَةِ والغَوايَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ الكِسائِيُّ " أُثْرَةٍ " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها، وهي قَوْلُكم: إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ولَمْ تَأْتُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ لِقِيامِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ والنَّقْلِيِّ عَلى خِلافِهِ. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أيْ لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ ولا أجْهَلُ، فَإنَّهُ دَعا مَن لا يَسْمَعُ، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في الإجابَةِ فَضْلًا عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ؟ فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّهُ (p-١٣٦٢)أجْهَلُ الجاهِلِينَ وأضَلُّ الضّالِّينَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْأصْنامِ، والثّانِي لِعابِدِيها، والمَعْنى: والأصْنامُ الَّتِي يَدْعُونَها عَنْ دُعائِهِمْ إيّاها غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، لا يَسْمَعُونَ ولا يَعْقِلُونَ لِكَوْنِهِمْ جَماداتٍ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، وأجْرى عَلى الأصْنامِ ما هو لِلْعُقَلاءِ لِاعْتِقادِ المُشْرِكِينَ فِيها أنَّها تَعْقِلُ. ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ أيْ: إذا حَشَرَ النّاسَ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ كانَ الأصْنامُ لَهم أعْداءً يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الحَياةَ في الأصْنامِ، فَتُكَذِّبُهم. وقِيلَ المُرادُ أنَّها تُكَذِّبُهم وتُعادِيهِمْ بِلِسانِ الحالِ لا بِلِسانِ المَقالِ. وأمّا المَلائِكَةُ، والمَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والشَّياطِينُ، فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِمَّنْ عَبَدَهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ كانَ المَعْبُودُونَ بِعِبادَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم كافِرِينَ: أيْ جاحِدِينَ مُكَذِّبِينَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ( كانُوا ) لِلْعابِدِينَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيْ: آياتُ القُرْآنِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتِ المَعانِي ظاهِراتِ الدَّلالاتِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ لِأجْلِهِ، وفي شَأْنِهِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ وقْتَ أنْ جاءَهم ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ السِّحْرِيَّةِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن صَنِيعِهِمْ، وبَلْ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ سِحْرًا إلى قَوْلِهِمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ افْتَرى ما جاءَ بِهِ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يَخْفى. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ - كَما تَدَّعُونَ - فَلا تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَرُدُّوا عَنِّي عِقابَ اللَّهِ، فَكَيْفَ أفْتَرِي عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عِقابِهِ عَنِّي ﴿هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ تَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، والإفاضَةُ في الشَّيْءِ الخَوْضُ فِيهِ والِانْدِفاعُ فِيهِ، يُقالُ أفاضُوا في الحَدِيثِ: أيِ انْدَفَعُوا فِيهِ، وأفاضَ البَعِيرُ: إذا دَفَعَ جَرَّتَهُ مِن كَرِشِهِ. والمَعْنى: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَقُولُونَ في القُرْآنِ وتَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ لَهُ والقَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ وكِهانَةٌ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَشْهَدُ لِي بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ، وأنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ والجُحُودِ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ وصَدَّقَ بِالقُرْآنِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ: أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، والرَّحْمَةِ بَلِيغُهُما. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ المَبْدَأُ: أيْ: ما أنا بِأوَّلِ رَسُولٍ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلِي كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ. قِيلَ: البِدْعُ بِمَعْنى البَدِيعِ، كالخُفِّ والخَفِيفِ، والبَدِيعُ ما لَمْ يُرَ لَهُ مِثْلٌ، مِنَ الِابْتِداعِ وهو الِاخْتِراعُ، وشَيْءٌ بِدْعٌ بِالكَسْرِ: أيْ: مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ: بَدِيعٌ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي رِجالًا غَدَتْ مِن بَعْدِ مُوسى وأسْعَدا وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " بِدَعًا " بِفَتْحِ الدّالِّ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ: أيْ: ما كُنْتُ ذا بِدَعٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ عَلى الوَصْفِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ بِي فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ هَلْ أبْقى في مَكَّةَ أوْ أُخْرَجُ مِنها ؟ وهَلْ أمُوتُ أوْ أُقْتَلُ ؟ وهَلْ تُعَجَّلُ لَكُمُ العُقُوبَةُ أمْ تُمْهَلُونَ ؟ وهَذا إنَّما هو في الدُّنْيا. وأمّا في الآخِرَةِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ وأُمَّتَهُ في الجَنَّةِ وأنَّ الكافِرِينَ في النّارِ. وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّها لَمّا نَزَلَتْ فَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِنا، وأنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والأوَّلُ أوْلى ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُوحى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ: ما أتَّبِعُ إلّا القُرْآنَ ولا أبْتَدِعُ مِن عِنْدِي شَيْئًا، والمَعْنى: قَصْرُ أفْعالِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى الوَحْيِ لا قَصْرُ اتِّباعِهِ عَلى الوَحْيِ ﴿وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ وأُخَوِّفُكم عَذابَهُ عَلى وجْهِ الإيضاحِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: الخَطُّ. قالَ سُفْيانُ: لا أعْلَمُ إلّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يَعْنِي أنَّ الحَدِيثَ مَرْفُوعٌ لا مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّ، فَمَن صادَفَ مِثْلَ خَطِّهِ عَلِمَ» ومَعْنى هَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ ولِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ تَفاسِيرُ مُخْتَلِفَةٌ. ومِن أيْنَ لَنا أنَّ هَذِهِ الخُطُوطَ الرَّمْلِيَّةَ مُوافِقَةٌ لِذَلِكَ الخَطِّ، وأيْنَ السَّنَدُ الصَّحِيحُ إلى ذَلِكَ النَّبِيِّ، أوْ إلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أنَّ هَذا الخَطَّ هو عَلى صُورَةِ كَذا، فَلَيْسَ ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرَّمْلِ إلّا جَهالاتٌ وضَلالاتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: حُسْنُ الخَطِّ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: خَطٌّ كانَ يَخُطُّهُ العَرَبُ في الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: بَيِّنَةٌ مِنَ الأمْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ يَقُولُ: لَسْتُ بِأوَّلِ الرُّسُلِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ما يُفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أُمِّ العَلاءِ قالَتْ: «لَمّا ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أبا (p-١٣٦٣)السّائِبِ» شَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ ؟ أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: فَواللَّهِ لا أُزَكِّي بَعْدَهُ أحَدًا.

الزخرف 43:3

قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ بِمَكَّةَ قالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] يَعْنِي فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. (p-١٣٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ الكَلامُ هاهُنا في الإعْرابِ كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ فَإنْ جُعِلَتْ حم قَسَمًا كانَتِ الواوُ عاطِفَةً، وإنْ لَمْ تُجْعَلْ قَسَمًا فالواوُ لِلْقَسَمِ. وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن جَعَلَ جَوابَ والكِتابِ حم كَما تَقُولُ: نَزَلَ واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ وقَفَ عَلى الكِتابِ المُبِينِ، ومَعْنى جَعَلْناهُ أيْ: سَمَّيْناهُ ووَصَفْناهُ، ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا وقالَ مُجاهِدٌ: قُلْناهُ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: بَيَّنّاهُ عَرَبِيًّا وكَذا قالَ الزَّجّاجُ أيْ: أُنْزِلَ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ كِتابُهُ بِلِسانِ قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِأنَّ لِسانَ أهْلِ الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وتَتَعَقَّلُوا مَعانِيَهُ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ. ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لَدَيْنا أيْ: عِنْدَنا ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ رَفِيعُ القَدْرِ مُحْكَمُ النَّظْمِ لا يُوجَدُ فِيهِ اخْتِلافٌ ولا تَناقُصٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُقْسَمِ بِها داخِلَةٌ تَحْتَ مَعْنى القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ: أُمُّ الكِتابِ: أصْلُ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ وإنَّهُ أعْمالُ الخَلْقِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ. قالَ قَتادَةُ أخْبَرَ عَنْ مَنزِلَتِهِ وشَرَفِهِ وفَضْلِهِ أيْ: إنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ فَإنَّهُ عِنْدَنا شَرِيفٌ رَفِيعٌ مُحْكَمٌ مِنَ الباطِلِ. ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ يُقالُ: ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ: إذا تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى مَعْنى: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صافِحِينَ، والصَّفْحُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: صَفَحْتُ عَنْهُ إذا أعْرَضْتُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّكَ تُوَلِّيهِ صَفْحَةَ وجْهِكَ وعُنُقِكَ، المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا القُرْآنُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ طَيًّا فَلا تُوعَظُونَ ولا تُؤْمَرُونَ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ العَذابَ ولا نُعاقِبُكم عَلى إسْرافِكم وكُفْرِكم. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى أنُهْلِكُكم ولا نَأْمُرُكم ولا نَنْهاكم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَعْنى أفَنُمْسِكُ عَنْ إنْزالِ القُرْآنِ مِن قِبَلِ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ. وقِيلَ: الذِّكْرُ التَّذْكِيرُ، كَأنَّهُ قالَ: أنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنْ كُنْتُمْ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى أنَّها الشَّرْطِيَّةُ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى التَّعْلِيلِ أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُنْهَمِكِينَ في الإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ. ثُمَّ سَلّى - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ الَّتِي مَعْناها التَّكْثِيرُ، والمَعْنى: ما أكْثَرَ ما أرْسَلْنا مِنَ الأنْبِياءِ في الأُمَمِ السّابِقَةِ. ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كاسْتِهْزاءِ قَوْمِكَ بِكَ. ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: أهْلَكْنا قَوْمًا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ، وانْتِصابُ بَطْشًا عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أيْ: باطِشِينَ ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ ذِكْرُهم غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ قَتادَةُ: عُقُوبَتُهم، وقِيلَ: صِفَتُهم، والمَثَلُ الوَصْفُ والخَبَرُ. وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّ الأوَّلِينَ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وهَؤُلاءِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ والكُفْرِ بِما جِئْتَ بِهِ هَلَكُوا مِثْلَهم. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لَئِنْ سَألْتَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن قَوْمِكَ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ أقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُنَّ ولَمْ يُنْكِرُوا، وذَلِكَ أسْوَأُ لِحالِهِمْ وأشَدُّ لِعُقُوبَتِهِمْ، لِأنَّهم عَبَدُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ وجَعَلُوهُ شَرِيكًا لَهُ، بَلْ عَمَدُوا إلى ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهي الأصْنامُ فَجَعَلُوها شُرَكاءَ اللَّهِ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ: " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا " وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الكُفّارِ لَقالُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مِهادًا، والمِهادُ الفِراشُ والبِساطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِهادًا " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ مَهْدًا ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ أيْ: طُرُقًا تَسْلُكُونَها إلى حَيْثُ تُرِيدُونَ، وقِيلَ: مَعايِشَ تَعِيشُونَ بِها ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم ومَنافِعِكم. ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِقَدْرِ الحاجَةِ وحَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ولَمْ يُنْزِلْ عَلَيْكم مِنهُ فَوْقَ حاجَتِكم حَتّى يُهْلِكَ زَرائِعَكم ويَهْدِمَ مَنازِلَكم ويُهْلِكَكم بِالغَرَقِ، ولا دُونَها حَتّى تَحْتاجُوا إلى الزِّيادَةِ، وعَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ في أرْزاقِ عِبادِهِ بِالتَّوْسِيعِ تارَةً والتَّقْتِيرِ أُخْرى ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ: أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُقْفِرَةً مِنَ النَّباتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ عِيسى وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإحْياءِ لِلْأرْضِ بِإخْراجِ نَباتِها بَعْدَ أنْ كانَتْ لا نَباتَ بِها تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في آلِ عِمْرانَ والأعْرافِ. قَرَأ الجُمْهُورُ تُخْرَجُونَ مَبْنِيًّا (p-١٣٣٦)لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ المُرادُ بِالأزْواجِ هُنا الأصْنافُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الأصْنافُ كُلُّها. وقالَ الحَسَنُ: الشِّتاءُ والصَّيْفُ واللَّيْلُ والنَّهارُ والسَّماواتُ والأرْضُ والجَنَّةُ والنّارُ، وقِيلَ: أزْواجُ الحَيَوانِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، وقِيلَ: أزْواجُ النَّباتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] و﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [ الشُّعَراءِ: ٧، لُقْمانَ: ١٠ ] وقِيلَ: ما يَتَقَلَّبُ فِيهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ في البَحْرِ والبَرِّ أيْ: ما تَرْكَبُونَهُ. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، فَصارَ الواحِدُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ، وجُمِعَ الظَّهْرُ لِأنَّ المُرادَ ظُهُورُ هَذا الجِنْسِ، والِاسْتِواءُ الِاسْتِعْلاءُ أيْ: لِتَسْتَعْلُوا عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِن تَسْخِيرِ ذَلِكَ المَرْكَبِ في البَحْرِ والبَرِّ. وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هو أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي هَذا وحَمَلَنِي عَلَيْهِ ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ أيْ: ذَلَّلَ لَنا هَذا المَرْكَبَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " سُبْحانَ مَن سَخَّرَ لَنا هَذا " . قالَ قَتادَةُ: قَدْ عَلَّمَكم كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، ومَعْنى ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ما كُنّا لَهُ مُطِيقِينَ، يُقالُ: أقْرَنَ هَذا البَعِيرَ: إذا أطاقَهُ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: مُقْرِنِينَ ضابِطِينَ، وقِيلَ: مُماثِلِينَ لَهُ في القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: هو قِرْنُ فُلانٍ إذا كانَ مِثْلَهُ في القُوَّةِ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: ؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عُقَيْلٌ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا قالَ آخَرُ: ؎رَكِبْتُمْ صَعْبَتَيْ أشَرٍ وجُبْنٍ ∗∗∗ ولَسْتُمْ لِلصِّعابِ بِمُقْرِنِينا والمُرادُ بِالأنْعامِ هُنا: الإبِلُ خاصَّةً، وقِيلَ: الإبِلُ والبَقَرُ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: راجِعُونَ إلَيْهِ، وهَذا تَمامُ ما يُقالُ عِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ أوِ السَّفِينَةِ. ثُمَّ رَجَعَ - سُبْحانَهُ - إلى ذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قالَ قَتادَةُ أيْ: عِدْلًا، يَعْنِي ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ: الجُزْءُ هُنا البَناتُ، والجُزْءُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ البَناتُ، يُقالُ: قَدْ أجَزَأتِ المَرْأةُ: إذا ولَدَتِ البَناتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا وقَدْ جَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ مِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلى العَرَبِ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ رَواهُ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ، وهُما إماما اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وحافِظاها ومَن إلَيْهِما المُنْتَهى في مَعْرِفَتِها، ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالجُزْءِ هُنا المَلائِكَةُ فَإنَّهم جَعَلُوهم أوْلادَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ نَصِيبًا عَلى مَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ مِنَ الوِلْدانِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ الكُفْرانِ مُبالِغٌ فِيهِ، قِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الكافِرُ، فَإنَّهُ الَّذِي يَجْحَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ جُحُودًا بَيِّنًا. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ. وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أتَّخَذَ رَبُّكم لِنَفْسِهِ البَناتِ ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ؟ فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ المَفْضُولَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ولَكُمُ الفاضِلُ مِنهُما، يُقالُ: أصْفَيْتُهُ بِكَذا أيْ: آثَرْتُهُ بِهِ، وأصْفَيْتُهُ الوُدَّ: أخْلَصْتُهُ لَهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] وجُمْلَةُ وأصْفاكم مَعْطُوفَةٌ عَلى اتَّخَذَ داخِلَةٌ مَعَها تَحْتَ الإنْكارِ. ثُمَّ زادَ في تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أيْ: بِما جَعَلَهُ لِلرَّحْمَنِ - سُبْحانَهُ - مِن كَوْنِهِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ البَناتِ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا بُشِّرَ أحَدُهم بِأنَّها وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ اغْتَمَّ لِذَلِكَ وظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ: صارَ وجْهُهُ مُسْوَدًّا بِسَبَبِ حُدُوثِ الأُنْثى لَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الحادِثُ لَهُ ذَكَرًا مَكانَها ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الحُزْنِ كَثِيرُ الكَرْبِ مَمْلُوءٌ مِنهُ. قالَ قَتادَةُ: حَزِينٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَكْرُوبٌ، وقِيلَ: ساكِتٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ مَعْنى يُنَشَّؤُ يُرَبّى، والنُّشُوءُ التَّرْبِيَةُ، والحِلْيَةُ الزِّينَةُ، ومَن في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَعَلُوا، والمَعْنى: أوَجَعَلُوا لَهُ - سُبْحانَهُ - مَن شَأْنُهُ أنْ يُرَبّى في الزِّينَةِ وهو عاجِزٌ عَنْ أنْ يَقُومَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ، وإذا خُوصِمَ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ حُجَّتِهِ ودَفْعِ ما يُجادِلُهُ بِهِ خَصْمُهُ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أوَيَجْعَلُونَ لَهُ مَن يَنْشَأُ في الحِلْيَةِ أيْ: يَنْبُتُ في الزِّينَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَنْشَأُ " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ وثّابٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ. واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الهَرَوِيُّ: الفِعْلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى لازِمٌ، وعَلى الثّانِيَةِ مُتَعَدٍّ. والمَعْنى: يُرَبّى ويَكْبُرُ في الحِلْيَةِ. قالَ قَتادَةُ: قَلَّما تَتَكَلَّمُ امْرَأةٌ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِالحُجَّةِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ: الَّذِي يُنَشَّؤُ في الحِلْيَةِ أصْنامُهُمُ الَّتِي صاغُوها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ. " ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ " الجَعْلُ هُنا: بِمَعْنى القَوْلِ والحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أفْضَلَ النّاسِ أيْ: قُلْتَ بِذَلِكَ وحَكَمْتَ لَهُ بِهِ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ عِبادُ بِالجَمْعِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ: " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " بِنُونٍ ساكِنَةٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّ الإسْنادَ فِيها أعْلى، ولِأنَّ اللَّهَ إنَّما كَذَّبَهم في قَوْلِهِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، (p-١٣٣٧)فَأخْبَرَهم أنَّهم عِبادُهُ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: وتَصْدِيقُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] . ثُمَّ وبَّخَهم وقَرَّعَهم فَقالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ: أحَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ إيّاهم فَهو مِنَ الشَّهادَةِ الَّتِي هي الحُضُورُ، وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَجْهِيلٌ لَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَهِدُوا عَلى الِاسْتِفْهامِ بِدُونِ واوٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوَشَهِدُوا " . وقَرَأ الجُمْهُورُ " سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم " بِضَمِّ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِالنُّونِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ " شَهاداتُهم " بِالجَمْعِ، والمَعْنى: سَنَكْتُبُ هَذِهِ الشَّهادَةَ الَّتِي شَهِدُوا بِها في دِيوانِ أعْمالِهِمْ لِنُجازِيَهم عَلى ذَلِكَ ويُسْألُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم﴾ هَذا فَنٌّ آخَرُ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ جاءُوا بِهِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، ومَعْناهُ: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ في زَعْمِكم ما عَبَدْنا هَذِهِ المَلائِكَةَ، وهَذا كَلامٌ حَقٌّ يُرادُ بِهِ باطِلٌ، وقَدْ مَضى بَيانُهُ في الأنْعامِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - جَهْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِما قالُوهُ مِن أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ عَدَمَ عِبادَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ ما عَبَدُوهم مِن عِلْمٍ، بَلْ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ جَهْلًا، وأرادُوا بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحَقِّ باطِلًا، وزَعَمُوا أنَّهُ إذا شاءَ فَقَدْ رَضِيَ. ثُمَّ بَيَّنَ انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا يَكْذِبُونَ فِيما قالُوا ويَتَمَحَّلُونَ تَمَحُّلًا باطِلًا. وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: ما لَهم بِعِبادَةِ الأوْثانِ مِن عِلْمٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ القَلَمُ وأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والكِتابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ قالَ: أحْبَبْتُمْ أنْ يُصْفَحَ عَنْكم ولَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا سافَرَ رَكِبَ راحِلَتَهُ ثُمَّ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ: مُطِيقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ قالَ: هو النِّساءُ فَرَّقَ بَيْنَ زِيِّهِنَّ وزِيِّ الرِّجالِ، ونَقَصَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وبِالشَّهادَةِ، وأمَرَهُنَّ بِالقَعْدَةِ، وسَمّاهُنَّ الخَوالِفَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنْتُ أقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: ﴿الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾، فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: عِبادُ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْتُ: فَإنَّها في مُصْحَفِي " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " قالَ: فامْحُها واكْتُبْها عِبادَ الرَّحْمَنِ. * * (p-١٣٦١)وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ ( حم الأحْقافِ ) بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةَ الأحْقافِ وأقْرَأها آخَرَ فَخالَفَ قِراءَتَهُ، فَقُلْتُ مَن أقْرَأكَها ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَيْرَ ذا، فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، وقالَ الآخَرُ: ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، فَتَمَعَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: لِيَقْرَأْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ما سَمِعَ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالِاخْتِلافِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ١ - ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها مُسْتَوْفًى، وذَكَرْنا وجْهَ الإعْرابِ وبَيانَ ما هو الحَقُّ مِن أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُوكَلَ عِلْمُهُ إلى مَن أنْزَلَهُ. ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها إلّا بِالحَقِّ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ إلّا بِالحَقِّ، وبِأجَلٍ مُسَمًّى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، وهَذا الأجَلُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّها تَنْتَهِي فِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ. وقِيلَ المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى هو انْتِهاءُ أجَلِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَخْلُوقاتِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذا إشارَةٌ إلى قِيامِ السّاعَةِ وانْقِضاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ باطِلًا وعَبَثًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، بَلْ خَلَقَهُ لِلثَّوابِ والعِقابِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: عَمّا أُنْذِرُوا وخُوِّفُوا بِهِ في القُرْآنِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ مُعْرِضُونَ مُوَلُّونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْهُ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِهِ، و" ما " في قَوْلِهِ: ما أُنْذِرُوا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوْصُولَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِنها، وقَوْلُهُ: أرُونِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ " أرَأيْتُمْ ": أيْ أخْبِرُونِي أرُونِي والمَفْعُولُ الثّانِي لِ أرَأيْتُمْ ماذا خَلَقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ تَأْكِيدًا، بَلْ يَكُونُ هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ " أرَأيْتُمْ " يَطْلُبُ مَفْعُولًا ثانِيًا، و( أرُونِي ) كَذَلِكَ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ " أمْ " هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ فِيها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وإظْهارٌ لِعَجْزِهِمْ وقُصُورِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِبُطْلانِ الشِّرْكِ، وأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ السّاعَةَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيها، فَهَلْ لِلْمُشْرِكِينَ مِن كِتابٍ يُخالِفُ هَذا الكِتابَ، أوْ حُجَّةٌ تُنافِي هَذِهِ الحُجَّةَ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: " أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمِ " بَقِيَّةٍ مِنهُ، وكَذا الأثَرَةُ بِالتَّحْرِيكِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَقِيَّةٍ مِن عِلْمِ الأوَّلِينَ. وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ: يَعْنِي ما يُؤْثَرُ عَنْ كُتُبِ الأوَّلِينَ. قالَ الواحِدِيُّ: وهو مَعْنى قَوْلِ المُفَسِّرِينَ. قالَ عَطاءٌ: أوْ شَيْءٌ تَأْثُرُونَهُ عَنْ نَبِيٍّ كانَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . قالَ مُقاتِلٌ: أوْ رِوايَةٍ مِن عِلْمٍ عَنِ الأنْبِياءِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ أثارَةٍ: أيْ: عَلامَةٍ، والأثارَةُ: مَصْدَرٌ كالسَّماحَةِ والشَّجاعَةِ. وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الأثَرِ وهي الرِّوايَةُ. يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثُرُهُ أثْرَةً وأثارَةً وأثْرًا: إذا ذَكَرْتَهُ عَنْ غَيْرِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أثارَةٍ ) عَلى المَصْدَرِ كالسَّماحَةِ والغَوايَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ الكِسائِيُّ " أُثْرَةٍ " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها، وهي قَوْلُكم: إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ولَمْ تَأْتُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ لِقِيامِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ والنَّقْلِيِّ عَلى خِلافِهِ. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أيْ لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ ولا أجْهَلُ، فَإنَّهُ دَعا مَن لا يَسْمَعُ، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في الإجابَةِ فَضْلًا عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ؟ فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّهُ (p-١٣٦٢)أجْهَلُ الجاهِلِينَ وأضَلُّ الضّالِّينَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْأصْنامِ، والثّانِي لِعابِدِيها، والمَعْنى: والأصْنامُ الَّتِي يَدْعُونَها عَنْ دُعائِهِمْ إيّاها غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، لا يَسْمَعُونَ ولا يَعْقِلُونَ لِكَوْنِهِمْ جَماداتٍ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، وأجْرى عَلى الأصْنامِ ما هو لِلْعُقَلاءِ لِاعْتِقادِ المُشْرِكِينَ فِيها أنَّها تَعْقِلُ. ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ أيْ: إذا حَشَرَ النّاسَ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ كانَ الأصْنامُ لَهم أعْداءً يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الحَياةَ في الأصْنامِ، فَتُكَذِّبُهم. وقِيلَ المُرادُ أنَّها تُكَذِّبُهم وتُعادِيهِمْ بِلِسانِ الحالِ لا بِلِسانِ المَقالِ. وأمّا المَلائِكَةُ، والمَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والشَّياطِينُ، فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِمَّنْ عَبَدَهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ كانَ المَعْبُودُونَ بِعِبادَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم كافِرِينَ: أيْ جاحِدِينَ مُكَذِّبِينَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ( كانُوا ) لِلْعابِدِينَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيْ: آياتُ القُرْآنِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتِ المَعانِي ظاهِراتِ الدَّلالاتِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ لِأجْلِهِ، وفي شَأْنِهِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ وقْتَ أنْ جاءَهم ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ السِّحْرِيَّةِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن صَنِيعِهِمْ، وبَلْ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ سِحْرًا إلى قَوْلِهِمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ افْتَرى ما جاءَ بِهِ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يَخْفى. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ - كَما تَدَّعُونَ - فَلا تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَرُدُّوا عَنِّي عِقابَ اللَّهِ، فَكَيْفَ أفْتَرِي عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عِقابِهِ عَنِّي ﴿هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ تَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، والإفاضَةُ في الشَّيْءِ الخَوْضُ فِيهِ والِانْدِفاعُ فِيهِ، يُقالُ أفاضُوا في الحَدِيثِ: أيِ انْدَفَعُوا فِيهِ، وأفاضَ البَعِيرُ: إذا دَفَعَ جَرَّتَهُ مِن كَرِشِهِ. والمَعْنى: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَقُولُونَ في القُرْآنِ وتَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ لَهُ والقَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ وكِهانَةٌ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَشْهَدُ لِي بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ، وأنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ والجُحُودِ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ وصَدَّقَ بِالقُرْآنِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ: أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، والرَّحْمَةِ بَلِيغُهُما. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ المَبْدَأُ: أيْ: ما أنا بِأوَّلِ رَسُولٍ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلِي كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ. قِيلَ: البِدْعُ بِمَعْنى البَدِيعِ، كالخُفِّ والخَفِيفِ، والبَدِيعُ ما لَمْ يُرَ لَهُ مِثْلٌ، مِنَ الِابْتِداعِ وهو الِاخْتِراعُ، وشَيْءٌ بِدْعٌ بِالكَسْرِ: أيْ: مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ: بَدِيعٌ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي رِجالًا غَدَتْ مِن بَعْدِ مُوسى وأسْعَدا وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " بِدَعًا " بِفَتْحِ الدّالِّ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ: أيْ: ما كُنْتُ ذا بِدَعٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ عَلى الوَصْفِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ بِي فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ هَلْ أبْقى في مَكَّةَ أوْ أُخْرَجُ مِنها ؟ وهَلْ أمُوتُ أوْ أُقْتَلُ ؟ وهَلْ تُعَجَّلُ لَكُمُ العُقُوبَةُ أمْ تُمْهَلُونَ ؟ وهَذا إنَّما هو في الدُّنْيا. وأمّا في الآخِرَةِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ وأُمَّتَهُ في الجَنَّةِ وأنَّ الكافِرِينَ في النّارِ. وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّها لَمّا نَزَلَتْ فَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِنا، وأنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والأوَّلُ أوْلى ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُوحى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ: ما أتَّبِعُ إلّا القُرْآنَ ولا أبْتَدِعُ مِن عِنْدِي شَيْئًا، والمَعْنى: قَصْرُ أفْعالِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى الوَحْيِ لا قَصْرُ اتِّباعِهِ عَلى الوَحْيِ ﴿وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ وأُخَوِّفُكم عَذابَهُ عَلى وجْهِ الإيضاحِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: الخَطُّ. قالَ سُفْيانُ: لا أعْلَمُ إلّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يَعْنِي أنَّ الحَدِيثَ مَرْفُوعٌ لا مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّ، فَمَن صادَفَ مِثْلَ خَطِّهِ عَلِمَ» ومَعْنى هَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ ولِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ تَفاسِيرُ مُخْتَلِفَةٌ. ومِن أيْنَ لَنا أنَّ هَذِهِ الخُطُوطَ الرَّمْلِيَّةَ مُوافِقَةٌ لِذَلِكَ الخَطِّ، وأيْنَ السَّنَدُ الصَّحِيحُ إلى ذَلِكَ النَّبِيِّ، أوْ إلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أنَّ هَذا الخَطَّ هو عَلى صُورَةِ كَذا، فَلَيْسَ ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرَّمْلِ إلّا جَهالاتٌ وضَلالاتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: حُسْنُ الخَطِّ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: خَطٌّ كانَ يَخُطُّهُ العَرَبُ في الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: بَيِّنَةٌ مِنَ الأمْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ يَقُولُ: لَسْتُ بِأوَّلِ الرُّسُلِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ما يُفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أُمِّ العَلاءِ قالَتْ: «لَمّا ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أبا (p-١٣٦٣)السّائِبِ» شَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ ؟ أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: فَواللَّهِ لا أُزَكِّي بَعْدَهُ أحَدًا.

الزخرف 43:4

قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ بِمَكَّةَ قالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] يَعْنِي فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. (p-١٣٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ الكَلامُ هاهُنا في الإعْرابِ كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ فَإنْ جُعِلَتْ حم قَسَمًا كانَتِ الواوُ عاطِفَةً، وإنْ لَمْ تُجْعَلْ قَسَمًا فالواوُ لِلْقَسَمِ. وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن جَعَلَ جَوابَ والكِتابِ حم كَما تَقُولُ: نَزَلَ واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ وقَفَ عَلى الكِتابِ المُبِينِ، ومَعْنى جَعَلْناهُ أيْ: سَمَّيْناهُ ووَصَفْناهُ، ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا وقالَ مُجاهِدٌ: قُلْناهُ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: بَيَّنّاهُ عَرَبِيًّا وكَذا قالَ الزَّجّاجُ أيْ: أُنْزِلَ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ كِتابُهُ بِلِسانِ قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِأنَّ لِسانَ أهْلِ الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وتَتَعَقَّلُوا مَعانِيَهُ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ. ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لَدَيْنا أيْ: عِنْدَنا ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ رَفِيعُ القَدْرِ مُحْكَمُ النَّظْمِ لا يُوجَدُ فِيهِ اخْتِلافٌ ولا تَناقُصٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُقْسَمِ بِها داخِلَةٌ تَحْتَ مَعْنى القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ: أُمُّ الكِتابِ: أصْلُ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ وإنَّهُ أعْمالُ الخَلْقِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ. قالَ قَتادَةُ أخْبَرَ عَنْ مَنزِلَتِهِ وشَرَفِهِ وفَضْلِهِ أيْ: إنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ فَإنَّهُ عِنْدَنا شَرِيفٌ رَفِيعٌ مُحْكَمٌ مِنَ الباطِلِ. ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ يُقالُ: ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ: إذا تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى مَعْنى: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صافِحِينَ، والصَّفْحُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: صَفَحْتُ عَنْهُ إذا أعْرَضْتُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّكَ تُوَلِّيهِ صَفْحَةَ وجْهِكَ وعُنُقِكَ، المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا القُرْآنُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ طَيًّا فَلا تُوعَظُونَ ولا تُؤْمَرُونَ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ العَذابَ ولا نُعاقِبُكم عَلى إسْرافِكم وكُفْرِكم. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى أنُهْلِكُكم ولا نَأْمُرُكم ولا نَنْهاكم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَعْنى أفَنُمْسِكُ عَنْ إنْزالِ القُرْآنِ مِن قِبَلِ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ. وقِيلَ: الذِّكْرُ التَّذْكِيرُ، كَأنَّهُ قالَ: أنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنْ كُنْتُمْ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى أنَّها الشَّرْطِيَّةُ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى التَّعْلِيلِ أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُنْهَمِكِينَ في الإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ. ثُمَّ سَلّى - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ الَّتِي مَعْناها التَّكْثِيرُ، والمَعْنى: ما أكْثَرَ ما أرْسَلْنا مِنَ الأنْبِياءِ في الأُمَمِ السّابِقَةِ. ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كاسْتِهْزاءِ قَوْمِكَ بِكَ. ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: أهْلَكْنا قَوْمًا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ، وانْتِصابُ بَطْشًا عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أيْ: باطِشِينَ ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ ذِكْرُهم غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ قَتادَةُ: عُقُوبَتُهم، وقِيلَ: صِفَتُهم، والمَثَلُ الوَصْفُ والخَبَرُ. وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّ الأوَّلِينَ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وهَؤُلاءِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ والكُفْرِ بِما جِئْتَ بِهِ هَلَكُوا مِثْلَهم. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لَئِنْ سَألْتَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن قَوْمِكَ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ أقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُنَّ ولَمْ يُنْكِرُوا، وذَلِكَ أسْوَأُ لِحالِهِمْ وأشَدُّ لِعُقُوبَتِهِمْ، لِأنَّهم عَبَدُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ وجَعَلُوهُ شَرِيكًا لَهُ، بَلْ عَمَدُوا إلى ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهي الأصْنامُ فَجَعَلُوها شُرَكاءَ اللَّهِ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ: " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا " وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الكُفّارِ لَقالُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مِهادًا، والمِهادُ الفِراشُ والبِساطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِهادًا " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ مَهْدًا ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ أيْ: طُرُقًا تَسْلُكُونَها إلى حَيْثُ تُرِيدُونَ، وقِيلَ: مَعايِشَ تَعِيشُونَ بِها ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم ومَنافِعِكم. ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِقَدْرِ الحاجَةِ وحَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ولَمْ يُنْزِلْ عَلَيْكم مِنهُ فَوْقَ حاجَتِكم حَتّى يُهْلِكَ زَرائِعَكم ويَهْدِمَ مَنازِلَكم ويُهْلِكَكم بِالغَرَقِ، ولا دُونَها حَتّى تَحْتاجُوا إلى الزِّيادَةِ، وعَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ في أرْزاقِ عِبادِهِ بِالتَّوْسِيعِ تارَةً والتَّقْتِيرِ أُخْرى ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ: أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُقْفِرَةً مِنَ النَّباتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ عِيسى وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإحْياءِ لِلْأرْضِ بِإخْراجِ نَباتِها بَعْدَ أنْ كانَتْ لا نَباتَ بِها تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في آلِ عِمْرانَ والأعْرافِ. قَرَأ الجُمْهُورُ تُخْرَجُونَ مَبْنِيًّا (p-١٣٣٦)لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ المُرادُ بِالأزْواجِ هُنا الأصْنافُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الأصْنافُ كُلُّها. وقالَ الحَسَنُ: الشِّتاءُ والصَّيْفُ واللَّيْلُ والنَّهارُ والسَّماواتُ والأرْضُ والجَنَّةُ والنّارُ، وقِيلَ: أزْواجُ الحَيَوانِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، وقِيلَ: أزْواجُ النَّباتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] و﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [ الشُّعَراءِ: ٧، لُقْمانَ: ١٠ ] وقِيلَ: ما يَتَقَلَّبُ فِيهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ في البَحْرِ والبَرِّ أيْ: ما تَرْكَبُونَهُ. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، فَصارَ الواحِدُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ، وجُمِعَ الظَّهْرُ لِأنَّ المُرادَ ظُهُورُ هَذا الجِنْسِ، والِاسْتِواءُ الِاسْتِعْلاءُ أيْ: لِتَسْتَعْلُوا عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِن تَسْخِيرِ ذَلِكَ المَرْكَبِ في البَحْرِ والبَرِّ. وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هو أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي هَذا وحَمَلَنِي عَلَيْهِ ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ أيْ: ذَلَّلَ لَنا هَذا المَرْكَبَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " سُبْحانَ مَن سَخَّرَ لَنا هَذا " . قالَ قَتادَةُ: قَدْ عَلَّمَكم كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، ومَعْنى ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ما كُنّا لَهُ مُطِيقِينَ، يُقالُ: أقْرَنَ هَذا البَعِيرَ: إذا أطاقَهُ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: مُقْرِنِينَ ضابِطِينَ، وقِيلَ: مُماثِلِينَ لَهُ في القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: هو قِرْنُ فُلانٍ إذا كانَ مِثْلَهُ في القُوَّةِ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: ؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عُقَيْلٌ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا قالَ آخَرُ: ؎رَكِبْتُمْ صَعْبَتَيْ أشَرٍ وجُبْنٍ ∗∗∗ ولَسْتُمْ لِلصِّعابِ بِمُقْرِنِينا والمُرادُ بِالأنْعامِ هُنا: الإبِلُ خاصَّةً، وقِيلَ: الإبِلُ والبَقَرُ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: راجِعُونَ إلَيْهِ، وهَذا تَمامُ ما يُقالُ عِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ أوِ السَّفِينَةِ. ثُمَّ رَجَعَ - سُبْحانَهُ - إلى ذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قالَ قَتادَةُ أيْ: عِدْلًا، يَعْنِي ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ: الجُزْءُ هُنا البَناتُ، والجُزْءُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ البَناتُ، يُقالُ: قَدْ أجَزَأتِ المَرْأةُ: إذا ولَدَتِ البَناتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا وقَدْ جَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ مِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلى العَرَبِ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ رَواهُ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ، وهُما إماما اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وحافِظاها ومَن إلَيْهِما المُنْتَهى في مَعْرِفَتِها، ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالجُزْءِ هُنا المَلائِكَةُ فَإنَّهم جَعَلُوهم أوْلادَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ نَصِيبًا عَلى مَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ مِنَ الوِلْدانِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ الكُفْرانِ مُبالِغٌ فِيهِ، قِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الكافِرُ، فَإنَّهُ الَّذِي يَجْحَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ جُحُودًا بَيِّنًا. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ. وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أتَّخَذَ رَبُّكم لِنَفْسِهِ البَناتِ ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ؟ فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ المَفْضُولَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ولَكُمُ الفاضِلُ مِنهُما، يُقالُ: أصْفَيْتُهُ بِكَذا أيْ: آثَرْتُهُ بِهِ، وأصْفَيْتُهُ الوُدَّ: أخْلَصْتُهُ لَهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] وجُمْلَةُ وأصْفاكم مَعْطُوفَةٌ عَلى اتَّخَذَ داخِلَةٌ مَعَها تَحْتَ الإنْكارِ. ثُمَّ زادَ في تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أيْ: بِما جَعَلَهُ لِلرَّحْمَنِ - سُبْحانَهُ - مِن كَوْنِهِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ البَناتِ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا بُشِّرَ أحَدُهم بِأنَّها وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ اغْتَمَّ لِذَلِكَ وظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ: صارَ وجْهُهُ مُسْوَدًّا بِسَبَبِ حُدُوثِ الأُنْثى لَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الحادِثُ لَهُ ذَكَرًا مَكانَها ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الحُزْنِ كَثِيرُ الكَرْبِ مَمْلُوءٌ مِنهُ. قالَ قَتادَةُ: حَزِينٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَكْرُوبٌ، وقِيلَ: ساكِتٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ مَعْنى يُنَشَّؤُ يُرَبّى، والنُّشُوءُ التَّرْبِيَةُ، والحِلْيَةُ الزِّينَةُ، ومَن في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَعَلُوا، والمَعْنى: أوَجَعَلُوا لَهُ - سُبْحانَهُ - مَن شَأْنُهُ أنْ يُرَبّى في الزِّينَةِ وهو عاجِزٌ عَنْ أنْ يَقُومَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ، وإذا خُوصِمَ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ حُجَّتِهِ ودَفْعِ ما يُجادِلُهُ بِهِ خَصْمُهُ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أوَيَجْعَلُونَ لَهُ مَن يَنْشَأُ في الحِلْيَةِ أيْ: يَنْبُتُ في الزِّينَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَنْشَأُ " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ وثّابٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ. واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الهَرَوِيُّ: الفِعْلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى لازِمٌ، وعَلى الثّانِيَةِ مُتَعَدٍّ. والمَعْنى: يُرَبّى ويَكْبُرُ في الحِلْيَةِ. قالَ قَتادَةُ: قَلَّما تَتَكَلَّمُ امْرَأةٌ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِالحُجَّةِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ: الَّذِي يُنَشَّؤُ في الحِلْيَةِ أصْنامُهُمُ الَّتِي صاغُوها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ. " ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ " الجَعْلُ هُنا: بِمَعْنى القَوْلِ والحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أفْضَلَ النّاسِ أيْ: قُلْتَ بِذَلِكَ وحَكَمْتَ لَهُ بِهِ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ عِبادُ بِالجَمْعِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ: " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " بِنُونٍ ساكِنَةٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّ الإسْنادَ فِيها أعْلى، ولِأنَّ اللَّهَ إنَّما كَذَّبَهم في قَوْلِهِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، (p-١٣٣٧)فَأخْبَرَهم أنَّهم عِبادُهُ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: وتَصْدِيقُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] . ثُمَّ وبَّخَهم وقَرَّعَهم فَقالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ: أحَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ إيّاهم فَهو مِنَ الشَّهادَةِ الَّتِي هي الحُضُورُ، وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَجْهِيلٌ لَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَهِدُوا عَلى الِاسْتِفْهامِ بِدُونِ واوٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوَشَهِدُوا " . وقَرَأ الجُمْهُورُ " سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم " بِضَمِّ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِالنُّونِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ " شَهاداتُهم " بِالجَمْعِ، والمَعْنى: سَنَكْتُبُ هَذِهِ الشَّهادَةَ الَّتِي شَهِدُوا بِها في دِيوانِ أعْمالِهِمْ لِنُجازِيَهم عَلى ذَلِكَ ويُسْألُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم﴾ هَذا فَنٌّ آخَرُ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ جاءُوا بِهِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، ومَعْناهُ: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ في زَعْمِكم ما عَبَدْنا هَذِهِ المَلائِكَةَ، وهَذا كَلامٌ حَقٌّ يُرادُ بِهِ باطِلٌ، وقَدْ مَضى بَيانُهُ في الأنْعامِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - جَهْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِما قالُوهُ مِن أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ عَدَمَ عِبادَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ ما عَبَدُوهم مِن عِلْمٍ، بَلْ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ جَهْلًا، وأرادُوا بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحَقِّ باطِلًا، وزَعَمُوا أنَّهُ إذا شاءَ فَقَدْ رَضِيَ. ثُمَّ بَيَّنَ انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا يَكْذِبُونَ فِيما قالُوا ويَتَمَحَّلُونَ تَمَحُّلًا باطِلًا. وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: ما لَهم بِعِبادَةِ الأوْثانِ مِن عِلْمٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ القَلَمُ وأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والكِتابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ قالَ: أحْبَبْتُمْ أنْ يُصْفَحَ عَنْكم ولَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا سافَرَ رَكِبَ راحِلَتَهُ ثُمَّ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ: مُطِيقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ قالَ: هو النِّساءُ فَرَّقَ بَيْنَ زِيِّهِنَّ وزِيِّ الرِّجالِ، ونَقَصَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وبِالشَّهادَةِ، وأمَرَهُنَّ بِالقَعْدَةِ، وسَمّاهُنَّ الخَوالِفَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنْتُ أقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: ﴿الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾، فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: عِبادُ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْتُ: فَإنَّها في مُصْحَفِي " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " قالَ: فامْحُها واكْتُبْها عِبادَ الرَّحْمَنِ. * * (p-١٣٦١)وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ ( حم الأحْقافِ ) بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةَ الأحْقافِ وأقْرَأها آخَرَ فَخالَفَ قِراءَتَهُ، فَقُلْتُ مَن أقْرَأكَها ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَيْرَ ذا، فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، وقالَ الآخَرُ: ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، فَتَمَعَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: لِيَقْرَأْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ما سَمِعَ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالِاخْتِلافِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ١ - ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها مُسْتَوْفًى، وذَكَرْنا وجْهَ الإعْرابِ وبَيانَ ما هو الحَقُّ مِن أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُوكَلَ عِلْمُهُ إلى مَن أنْزَلَهُ. ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها إلّا بِالحَقِّ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ إلّا بِالحَقِّ، وبِأجَلٍ مُسَمًّى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، وهَذا الأجَلُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّها تَنْتَهِي فِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ. وقِيلَ المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى هو انْتِهاءُ أجَلِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَخْلُوقاتِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذا إشارَةٌ إلى قِيامِ السّاعَةِ وانْقِضاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ باطِلًا وعَبَثًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، بَلْ خَلَقَهُ لِلثَّوابِ والعِقابِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: عَمّا أُنْذِرُوا وخُوِّفُوا بِهِ في القُرْآنِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ مُعْرِضُونَ مُوَلُّونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْهُ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِهِ، و" ما " في قَوْلِهِ: ما أُنْذِرُوا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوْصُولَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِنها، وقَوْلُهُ: أرُونِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ " أرَأيْتُمْ ": أيْ أخْبِرُونِي أرُونِي والمَفْعُولُ الثّانِي لِ أرَأيْتُمْ ماذا خَلَقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ تَأْكِيدًا، بَلْ يَكُونُ هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ " أرَأيْتُمْ " يَطْلُبُ مَفْعُولًا ثانِيًا، و( أرُونِي ) كَذَلِكَ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ " أمْ " هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ فِيها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وإظْهارٌ لِعَجْزِهِمْ وقُصُورِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِبُطْلانِ الشِّرْكِ، وأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ السّاعَةَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيها، فَهَلْ لِلْمُشْرِكِينَ مِن كِتابٍ يُخالِفُ هَذا الكِتابَ، أوْ حُجَّةٌ تُنافِي هَذِهِ الحُجَّةَ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: " أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمِ " بَقِيَّةٍ مِنهُ، وكَذا الأثَرَةُ بِالتَّحْرِيكِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَقِيَّةٍ مِن عِلْمِ الأوَّلِينَ. وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ: يَعْنِي ما يُؤْثَرُ عَنْ كُتُبِ الأوَّلِينَ. قالَ الواحِدِيُّ: وهو مَعْنى قَوْلِ المُفَسِّرِينَ. قالَ عَطاءٌ: أوْ شَيْءٌ تَأْثُرُونَهُ عَنْ نَبِيٍّ كانَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . قالَ مُقاتِلٌ: أوْ رِوايَةٍ مِن عِلْمٍ عَنِ الأنْبِياءِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ أثارَةٍ: أيْ: عَلامَةٍ، والأثارَةُ: مَصْدَرٌ كالسَّماحَةِ والشَّجاعَةِ. وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الأثَرِ وهي الرِّوايَةُ. يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثُرُهُ أثْرَةً وأثارَةً وأثْرًا: إذا ذَكَرْتَهُ عَنْ غَيْرِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أثارَةٍ ) عَلى المَصْدَرِ كالسَّماحَةِ والغَوايَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ الكِسائِيُّ " أُثْرَةٍ " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها، وهي قَوْلُكم: إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ولَمْ تَأْتُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ لِقِيامِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ والنَّقْلِيِّ عَلى خِلافِهِ. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أيْ لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ ولا أجْهَلُ، فَإنَّهُ دَعا مَن لا يَسْمَعُ، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في الإجابَةِ فَضْلًا عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ؟ فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّهُ (p-١٣٦٢)أجْهَلُ الجاهِلِينَ وأضَلُّ الضّالِّينَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْأصْنامِ، والثّانِي لِعابِدِيها، والمَعْنى: والأصْنامُ الَّتِي يَدْعُونَها عَنْ دُعائِهِمْ إيّاها غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، لا يَسْمَعُونَ ولا يَعْقِلُونَ لِكَوْنِهِمْ جَماداتٍ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، وأجْرى عَلى الأصْنامِ ما هو لِلْعُقَلاءِ لِاعْتِقادِ المُشْرِكِينَ فِيها أنَّها تَعْقِلُ. ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ أيْ: إذا حَشَرَ النّاسَ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ كانَ الأصْنامُ لَهم أعْداءً يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الحَياةَ في الأصْنامِ، فَتُكَذِّبُهم. وقِيلَ المُرادُ أنَّها تُكَذِّبُهم وتُعادِيهِمْ بِلِسانِ الحالِ لا بِلِسانِ المَقالِ. وأمّا المَلائِكَةُ، والمَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والشَّياطِينُ، فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِمَّنْ عَبَدَهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ كانَ المَعْبُودُونَ بِعِبادَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم كافِرِينَ: أيْ جاحِدِينَ مُكَذِّبِينَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ( كانُوا ) لِلْعابِدِينَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيْ: آياتُ القُرْآنِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتِ المَعانِي ظاهِراتِ الدَّلالاتِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ لِأجْلِهِ، وفي شَأْنِهِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ وقْتَ أنْ جاءَهم ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ السِّحْرِيَّةِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن صَنِيعِهِمْ، وبَلْ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ سِحْرًا إلى قَوْلِهِمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ افْتَرى ما جاءَ بِهِ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يَخْفى. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ - كَما تَدَّعُونَ - فَلا تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَرُدُّوا عَنِّي عِقابَ اللَّهِ، فَكَيْفَ أفْتَرِي عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عِقابِهِ عَنِّي ﴿هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ تَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، والإفاضَةُ في الشَّيْءِ الخَوْضُ فِيهِ والِانْدِفاعُ فِيهِ، يُقالُ أفاضُوا في الحَدِيثِ: أيِ انْدَفَعُوا فِيهِ، وأفاضَ البَعِيرُ: إذا دَفَعَ جَرَّتَهُ مِن كَرِشِهِ. والمَعْنى: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَقُولُونَ في القُرْآنِ وتَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ لَهُ والقَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ وكِهانَةٌ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَشْهَدُ لِي بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ، وأنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ والجُحُودِ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ وصَدَّقَ بِالقُرْآنِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ: أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، والرَّحْمَةِ بَلِيغُهُما. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ المَبْدَأُ: أيْ: ما أنا بِأوَّلِ رَسُولٍ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلِي كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ. قِيلَ: البِدْعُ بِمَعْنى البَدِيعِ، كالخُفِّ والخَفِيفِ، والبَدِيعُ ما لَمْ يُرَ لَهُ مِثْلٌ، مِنَ الِابْتِداعِ وهو الِاخْتِراعُ، وشَيْءٌ بِدْعٌ بِالكَسْرِ: أيْ: مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ: بَدِيعٌ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي رِجالًا غَدَتْ مِن بَعْدِ مُوسى وأسْعَدا وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " بِدَعًا " بِفَتْحِ الدّالِّ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ: أيْ: ما كُنْتُ ذا بِدَعٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ عَلى الوَصْفِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ بِي فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ هَلْ أبْقى في مَكَّةَ أوْ أُخْرَجُ مِنها ؟ وهَلْ أمُوتُ أوْ أُقْتَلُ ؟ وهَلْ تُعَجَّلُ لَكُمُ العُقُوبَةُ أمْ تُمْهَلُونَ ؟ وهَذا إنَّما هو في الدُّنْيا. وأمّا في الآخِرَةِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ وأُمَّتَهُ في الجَنَّةِ وأنَّ الكافِرِينَ في النّارِ. وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّها لَمّا نَزَلَتْ فَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِنا، وأنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والأوَّلُ أوْلى ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُوحى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ: ما أتَّبِعُ إلّا القُرْآنَ ولا أبْتَدِعُ مِن عِنْدِي شَيْئًا، والمَعْنى: قَصْرُ أفْعالِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى الوَحْيِ لا قَصْرُ اتِّباعِهِ عَلى الوَحْيِ ﴿وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ وأُخَوِّفُكم عَذابَهُ عَلى وجْهِ الإيضاحِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: الخَطُّ. قالَ سُفْيانُ: لا أعْلَمُ إلّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يَعْنِي أنَّ الحَدِيثَ مَرْفُوعٌ لا مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّ، فَمَن صادَفَ مِثْلَ خَطِّهِ عَلِمَ» ومَعْنى هَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ ولِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ تَفاسِيرُ مُخْتَلِفَةٌ. ومِن أيْنَ لَنا أنَّ هَذِهِ الخُطُوطَ الرَّمْلِيَّةَ مُوافِقَةٌ لِذَلِكَ الخَطِّ، وأيْنَ السَّنَدُ الصَّحِيحُ إلى ذَلِكَ النَّبِيِّ، أوْ إلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أنَّ هَذا الخَطَّ هو عَلى صُورَةِ كَذا، فَلَيْسَ ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرَّمْلِ إلّا جَهالاتٌ وضَلالاتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: حُسْنُ الخَطِّ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: خَطٌّ كانَ يَخُطُّهُ العَرَبُ في الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: بَيِّنَةٌ مِنَ الأمْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ يَقُولُ: لَسْتُ بِأوَّلِ الرُّسُلِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ما يُفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أُمِّ العَلاءِ قالَتْ: «لَمّا ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أبا (p-١٣٦٣)السّائِبِ» شَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ ؟ أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: فَواللَّهِ لا أُزَكِّي بَعْدَهُ أحَدًا.

الزخرف 43:5

قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ بِمَكَّةَ قالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] يَعْنِي فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. (p-١٣٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ الكَلامُ هاهُنا في الإعْرابِ كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ فَإنْ جُعِلَتْ حم قَسَمًا كانَتِ الواوُ عاطِفَةً، وإنْ لَمْ تُجْعَلْ قَسَمًا فالواوُ لِلْقَسَمِ. وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن جَعَلَ جَوابَ والكِتابِ حم كَما تَقُولُ: نَزَلَ واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ وقَفَ عَلى الكِتابِ المُبِينِ، ومَعْنى جَعَلْناهُ أيْ: سَمَّيْناهُ ووَصَفْناهُ، ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا وقالَ مُجاهِدٌ: قُلْناهُ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: بَيَّنّاهُ عَرَبِيًّا وكَذا قالَ الزَّجّاجُ أيْ: أُنْزِلَ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ كِتابُهُ بِلِسانِ قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِأنَّ لِسانَ أهْلِ الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وتَتَعَقَّلُوا مَعانِيَهُ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ. ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لَدَيْنا أيْ: عِنْدَنا ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ رَفِيعُ القَدْرِ مُحْكَمُ النَّظْمِ لا يُوجَدُ فِيهِ اخْتِلافٌ ولا تَناقُصٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُقْسَمِ بِها داخِلَةٌ تَحْتَ مَعْنى القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ: أُمُّ الكِتابِ: أصْلُ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ وإنَّهُ أعْمالُ الخَلْقِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ. قالَ قَتادَةُ أخْبَرَ عَنْ مَنزِلَتِهِ وشَرَفِهِ وفَضْلِهِ أيْ: إنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ فَإنَّهُ عِنْدَنا شَرِيفٌ رَفِيعٌ مُحْكَمٌ مِنَ الباطِلِ. ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ يُقالُ: ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ: إذا تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى مَعْنى: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صافِحِينَ، والصَّفْحُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: صَفَحْتُ عَنْهُ إذا أعْرَضْتُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّكَ تُوَلِّيهِ صَفْحَةَ وجْهِكَ وعُنُقِكَ، المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا القُرْآنُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ طَيًّا فَلا تُوعَظُونَ ولا تُؤْمَرُونَ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ العَذابَ ولا نُعاقِبُكم عَلى إسْرافِكم وكُفْرِكم. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى أنُهْلِكُكم ولا نَأْمُرُكم ولا نَنْهاكم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَعْنى أفَنُمْسِكُ عَنْ إنْزالِ القُرْآنِ مِن قِبَلِ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ. وقِيلَ: الذِّكْرُ التَّذْكِيرُ، كَأنَّهُ قالَ: أنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنْ كُنْتُمْ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى أنَّها الشَّرْطِيَّةُ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى التَّعْلِيلِ أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُنْهَمِكِينَ في الإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ. ثُمَّ سَلّى - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ الَّتِي مَعْناها التَّكْثِيرُ، والمَعْنى: ما أكْثَرَ ما أرْسَلْنا مِنَ الأنْبِياءِ في الأُمَمِ السّابِقَةِ. ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كاسْتِهْزاءِ قَوْمِكَ بِكَ. ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: أهْلَكْنا قَوْمًا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ، وانْتِصابُ بَطْشًا عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أيْ: باطِشِينَ ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ ذِكْرُهم غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ قَتادَةُ: عُقُوبَتُهم، وقِيلَ: صِفَتُهم، والمَثَلُ الوَصْفُ والخَبَرُ. وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّ الأوَّلِينَ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وهَؤُلاءِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ والكُفْرِ بِما جِئْتَ بِهِ هَلَكُوا مِثْلَهم. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لَئِنْ سَألْتَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن قَوْمِكَ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ أقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُنَّ ولَمْ يُنْكِرُوا، وذَلِكَ أسْوَأُ لِحالِهِمْ وأشَدُّ لِعُقُوبَتِهِمْ، لِأنَّهم عَبَدُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ وجَعَلُوهُ شَرِيكًا لَهُ، بَلْ عَمَدُوا إلى ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهي الأصْنامُ فَجَعَلُوها شُرَكاءَ اللَّهِ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ: " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا " وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الكُفّارِ لَقالُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مِهادًا، والمِهادُ الفِراشُ والبِساطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِهادًا " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ مَهْدًا ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ أيْ: طُرُقًا تَسْلُكُونَها إلى حَيْثُ تُرِيدُونَ، وقِيلَ: مَعايِشَ تَعِيشُونَ بِها ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم ومَنافِعِكم. ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِقَدْرِ الحاجَةِ وحَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ولَمْ يُنْزِلْ عَلَيْكم مِنهُ فَوْقَ حاجَتِكم حَتّى يُهْلِكَ زَرائِعَكم ويَهْدِمَ مَنازِلَكم ويُهْلِكَكم بِالغَرَقِ، ولا دُونَها حَتّى تَحْتاجُوا إلى الزِّيادَةِ، وعَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ في أرْزاقِ عِبادِهِ بِالتَّوْسِيعِ تارَةً والتَّقْتِيرِ أُخْرى ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ: أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُقْفِرَةً مِنَ النَّباتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ عِيسى وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإحْياءِ لِلْأرْضِ بِإخْراجِ نَباتِها بَعْدَ أنْ كانَتْ لا نَباتَ بِها تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في آلِ عِمْرانَ والأعْرافِ. قَرَأ الجُمْهُورُ تُخْرَجُونَ مَبْنِيًّا (p-١٣٣٦)لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ المُرادُ بِالأزْواجِ هُنا الأصْنافُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الأصْنافُ كُلُّها. وقالَ الحَسَنُ: الشِّتاءُ والصَّيْفُ واللَّيْلُ والنَّهارُ والسَّماواتُ والأرْضُ والجَنَّةُ والنّارُ، وقِيلَ: أزْواجُ الحَيَوانِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، وقِيلَ: أزْواجُ النَّباتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] و﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [ الشُّعَراءِ: ٧، لُقْمانَ: ١٠ ] وقِيلَ: ما يَتَقَلَّبُ فِيهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ في البَحْرِ والبَرِّ أيْ: ما تَرْكَبُونَهُ. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، فَصارَ الواحِدُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ، وجُمِعَ الظَّهْرُ لِأنَّ المُرادَ ظُهُورُ هَذا الجِنْسِ، والِاسْتِواءُ الِاسْتِعْلاءُ أيْ: لِتَسْتَعْلُوا عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِن تَسْخِيرِ ذَلِكَ المَرْكَبِ في البَحْرِ والبَرِّ. وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هو أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي هَذا وحَمَلَنِي عَلَيْهِ ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ أيْ: ذَلَّلَ لَنا هَذا المَرْكَبَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " سُبْحانَ مَن سَخَّرَ لَنا هَذا " . قالَ قَتادَةُ: قَدْ عَلَّمَكم كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، ومَعْنى ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ما كُنّا لَهُ مُطِيقِينَ، يُقالُ: أقْرَنَ هَذا البَعِيرَ: إذا أطاقَهُ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: مُقْرِنِينَ ضابِطِينَ، وقِيلَ: مُماثِلِينَ لَهُ في القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: هو قِرْنُ فُلانٍ إذا كانَ مِثْلَهُ في القُوَّةِ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: ؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عُقَيْلٌ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا قالَ آخَرُ: ؎رَكِبْتُمْ صَعْبَتَيْ أشَرٍ وجُبْنٍ ∗∗∗ ولَسْتُمْ لِلصِّعابِ بِمُقْرِنِينا والمُرادُ بِالأنْعامِ هُنا: الإبِلُ خاصَّةً، وقِيلَ: الإبِلُ والبَقَرُ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: راجِعُونَ إلَيْهِ، وهَذا تَمامُ ما يُقالُ عِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ أوِ السَّفِينَةِ. ثُمَّ رَجَعَ - سُبْحانَهُ - إلى ذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قالَ قَتادَةُ أيْ: عِدْلًا، يَعْنِي ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ: الجُزْءُ هُنا البَناتُ، والجُزْءُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ البَناتُ، يُقالُ: قَدْ أجَزَأتِ المَرْأةُ: إذا ولَدَتِ البَناتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا وقَدْ جَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ مِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلى العَرَبِ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ رَواهُ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ، وهُما إماما اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وحافِظاها ومَن إلَيْهِما المُنْتَهى في مَعْرِفَتِها، ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالجُزْءِ هُنا المَلائِكَةُ فَإنَّهم جَعَلُوهم أوْلادَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ نَصِيبًا عَلى مَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ مِنَ الوِلْدانِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ الكُفْرانِ مُبالِغٌ فِيهِ، قِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الكافِرُ، فَإنَّهُ الَّذِي يَجْحَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ جُحُودًا بَيِّنًا. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ. وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أتَّخَذَ رَبُّكم لِنَفْسِهِ البَناتِ ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ؟ فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ المَفْضُولَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ولَكُمُ الفاضِلُ مِنهُما، يُقالُ: أصْفَيْتُهُ بِكَذا أيْ: آثَرْتُهُ بِهِ، وأصْفَيْتُهُ الوُدَّ: أخْلَصْتُهُ لَهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] وجُمْلَةُ وأصْفاكم مَعْطُوفَةٌ عَلى اتَّخَذَ داخِلَةٌ مَعَها تَحْتَ الإنْكارِ. ثُمَّ زادَ في تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أيْ: بِما جَعَلَهُ لِلرَّحْمَنِ - سُبْحانَهُ - مِن كَوْنِهِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ البَناتِ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا بُشِّرَ أحَدُهم بِأنَّها وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ اغْتَمَّ لِذَلِكَ وظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ: صارَ وجْهُهُ مُسْوَدًّا بِسَبَبِ حُدُوثِ الأُنْثى لَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الحادِثُ لَهُ ذَكَرًا مَكانَها ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الحُزْنِ كَثِيرُ الكَرْبِ مَمْلُوءٌ مِنهُ. قالَ قَتادَةُ: حَزِينٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَكْرُوبٌ، وقِيلَ: ساكِتٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ مَعْنى يُنَشَّؤُ يُرَبّى، والنُّشُوءُ التَّرْبِيَةُ، والحِلْيَةُ الزِّينَةُ، ومَن في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَعَلُوا، والمَعْنى: أوَجَعَلُوا لَهُ - سُبْحانَهُ - مَن شَأْنُهُ أنْ يُرَبّى في الزِّينَةِ وهو عاجِزٌ عَنْ أنْ يَقُومَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ، وإذا خُوصِمَ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ حُجَّتِهِ ودَفْعِ ما يُجادِلُهُ بِهِ خَصْمُهُ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أوَيَجْعَلُونَ لَهُ مَن يَنْشَأُ في الحِلْيَةِ أيْ: يَنْبُتُ في الزِّينَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَنْشَأُ " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ وثّابٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ. واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الهَرَوِيُّ: الفِعْلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى لازِمٌ، وعَلى الثّانِيَةِ مُتَعَدٍّ. والمَعْنى: يُرَبّى ويَكْبُرُ في الحِلْيَةِ. قالَ قَتادَةُ: قَلَّما تَتَكَلَّمُ امْرَأةٌ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِالحُجَّةِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ: الَّذِي يُنَشَّؤُ في الحِلْيَةِ أصْنامُهُمُ الَّتِي صاغُوها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ. " ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ " الجَعْلُ هُنا: بِمَعْنى القَوْلِ والحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أفْضَلَ النّاسِ أيْ: قُلْتَ بِذَلِكَ وحَكَمْتَ لَهُ بِهِ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ عِبادُ بِالجَمْعِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ: " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " بِنُونٍ ساكِنَةٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّ الإسْنادَ فِيها أعْلى، ولِأنَّ اللَّهَ إنَّما كَذَّبَهم في قَوْلِهِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، (p-١٣٣٧)فَأخْبَرَهم أنَّهم عِبادُهُ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: وتَصْدِيقُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] . ثُمَّ وبَّخَهم وقَرَّعَهم فَقالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ: أحَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ إيّاهم فَهو مِنَ الشَّهادَةِ الَّتِي هي الحُضُورُ، وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَجْهِيلٌ لَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَهِدُوا عَلى الِاسْتِفْهامِ بِدُونِ واوٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوَشَهِدُوا " . وقَرَأ الجُمْهُورُ " سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم " بِضَمِّ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِالنُّونِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ " شَهاداتُهم " بِالجَمْعِ، والمَعْنى: سَنَكْتُبُ هَذِهِ الشَّهادَةَ الَّتِي شَهِدُوا بِها في دِيوانِ أعْمالِهِمْ لِنُجازِيَهم عَلى ذَلِكَ ويُسْألُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم﴾ هَذا فَنٌّ آخَرُ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ جاءُوا بِهِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، ومَعْناهُ: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ في زَعْمِكم ما عَبَدْنا هَذِهِ المَلائِكَةَ، وهَذا كَلامٌ حَقٌّ يُرادُ بِهِ باطِلٌ، وقَدْ مَضى بَيانُهُ في الأنْعامِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - جَهْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِما قالُوهُ مِن أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ عَدَمَ عِبادَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ ما عَبَدُوهم مِن عِلْمٍ، بَلْ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ جَهْلًا، وأرادُوا بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحَقِّ باطِلًا، وزَعَمُوا أنَّهُ إذا شاءَ فَقَدْ رَضِيَ. ثُمَّ بَيَّنَ انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا يَكْذِبُونَ فِيما قالُوا ويَتَمَحَّلُونَ تَمَحُّلًا باطِلًا. وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: ما لَهم بِعِبادَةِ الأوْثانِ مِن عِلْمٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ القَلَمُ وأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والكِتابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ قالَ: أحْبَبْتُمْ أنْ يُصْفَحَ عَنْكم ولَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا سافَرَ رَكِبَ راحِلَتَهُ ثُمَّ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ: مُطِيقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ قالَ: هو النِّساءُ فَرَّقَ بَيْنَ زِيِّهِنَّ وزِيِّ الرِّجالِ، ونَقَصَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وبِالشَّهادَةِ، وأمَرَهُنَّ بِالقَعْدَةِ، وسَمّاهُنَّ الخَوالِفَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنْتُ أقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: ﴿الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾، فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: عِبادُ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْتُ: فَإنَّها في مُصْحَفِي " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " قالَ: فامْحُها واكْتُبْها عِبادَ الرَّحْمَنِ. * * (p-١٣٦١)وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ ( حم الأحْقافِ ) بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةَ الأحْقافِ وأقْرَأها آخَرَ فَخالَفَ قِراءَتَهُ، فَقُلْتُ مَن أقْرَأكَها ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَيْرَ ذا، فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، وقالَ الآخَرُ: ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، فَتَمَعَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: لِيَقْرَأْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ما سَمِعَ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالِاخْتِلافِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ١ - ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها مُسْتَوْفًى، وذَكَرْنا وجْهَ الإعْرابِ وبَيانَ ما هو الحَقُّ مِن أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُوكَلَ عِلْمُهُ إلى مَن أنْزَلَهُ. ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها إلّا بِالحَقِّ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ إلّا بِالحَقِّ، وبِأجَلٍ مُسَمًّى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، وهَذا الأجَلُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّها تَنْتَهِي فِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ. وقِيلَ المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى هو انْتِهاءُ أجَلِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَخْلُوقاتِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذا إشارَةٌ إلى قِيامِ السّاعَةِ وانْقِضاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ باطِلًا وعَبَثًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، بَلْ خَلَقَهُ لِلثَّوابِ والعِقابِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: عَمّا أُنْذِرُوا وخُوِّفُوا بِهِ في القُرْآنِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ مُعْرِضُونَ مُوَلُّونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْهُ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِهِ، و" ما " في قَوْلِهِ: ما أُنْذِرُوا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوْصُولَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِنها، وقَوْلُهُ: أرُونِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ " أرَأيْتُمْ ": أيْ أخْبِرُونِي أرُونِي والمَفْعُولُ الثّانِي لِ أرَأيْتُمْ ماذا خَلَقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ تَأْكِيدًا، بَلْ يَكُونُ هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ " أرَأيْتُمْ " يَطْلُبُ مَفْعُولًا ثانِيًا، و( أرُونِي ) كَذَلِكَ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ " أمْ " هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ فِيها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وإظْهارٌ لِعَجْزِهِمْ وقُصُورِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِبُطْلانِ الشِّرْكِ، وأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ السّاعَةَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيها، فَهَلْ لِلْمُشْرِكِينَ مِن كِتابٍ يُخالِفُ هَذا الكِتابَ، أوْ حُجَّةٌ تُنافِي هَذِهِ الحُجَّةَ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: " أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمِ " بَقِيَّةٍ مِنهُ، وكَذا الأثَرَةُ بِالتَّحْرِيكِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَقِيَّةٍ مِن عِلْمِ الأوَّلِينَ. وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ: يَعْنِي ما يُؤْثَرُ عَنْ كُتُبِ الأوَّلِينَ. قالَ الواحِدِيُّ: وهو مَعْنى قَوْلِ المُفَسِّرِينَ. قالَ عَطاءٌ: أوْ شَيْءٌ تَأْثُرُونَهُ عَنْ نَبِيٍّ كانَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . قالَ مُقاتِلٌ: أوْ رِوايَةٍ مِن عِلْمٍ عَنِ الأنْبِياءِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ أثارَةٍ: أيْ: عَلامَةٍ، والأثارَةُ: مَصْدَرٌ كالسَّماحَةِ والشَّجاعَةِ. وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الأثَرِ وهي الرِّوايَةُ. يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثُرُهُ أثْرَةً وأثارَةً وأثْرًا: إذا ذَكَرْتَهُ عَنْ غَيْرِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أثارَةٍ ) عَلى المَصْدَرِ كالسَّماحَةِ والغَوايَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ الكِسائِيُّ " أُثْرَةٍ " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها، وهي قَوْلُكم: إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ولَمْ تَأْتُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ لِقِيامِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ والنَّقْلِيِّ عَلى خِلافِهِ. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أيْ لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ ولا أجْهَلُ، فَإنَّهُ دَعا مَن لا يَسْمَعُ، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في الإجابَةِ فَضْلًا عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ؟ فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّهُ (p-١٣٦٢)أجْهَلُ الجاهِلِينَ وأضَلُّ الضّالِّينَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْأصْنامِ، والثّانِي لِعابِدِيها، والمَعْنى: والأصْنامُ الَّتِي يَدْعُونَها عَنْ دُعائِهِمْ إيّاها غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، لا يَسْمَعُونَ ولا يَعْقِلُونَ لِكَوْنِهِمْ جَماداتٍ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، وأجْرى عَلى الأصْنامِ ما هو لِلْعُقَلاءِ لِاعْتِقادِ المُشْرِكِينَ فِيها أنَّها تَعْقِلُ. ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ أيْ: إذا حَشَرَ النّاسَ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ كانَ الأصْنامُ لَهم أعْداءً يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الحَياةَ في الأصْنامِ، فَتُكَذِّبُهم. وقِيلَ المُرادُ أنَّها تُكَذِّبُهم وتُعادِيهِمْ بِلِسانِ الحالِ لا بِلِسانِ المَقالِ. وأمّا المَلائِكَةُ، والمَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والشَّياطِينُ، فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِمَّنْ عَبَدَهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ كانَ المَعْبُودُونَ بِعِبادَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم كافِرِينَ: أيْ جاحِدِينَ مُكَذِّبِينَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ( كانُوا ) لِلْعابِدِينَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيْ: آياتُ القُرْآنِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتِ المَعانِي ظاهِراتِ الدَّلالاتِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ لِأجْلِهِ، وفي شَأْنِهِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ وقْتَ أنْ جاءَهم ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ السِّحْرِيَّةِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن صَنِيعِهِمْ، وبَلْ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ سِحْرًا إلى قَوْلِهِمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ افْتَرى ما جاءَ بِهِ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يَخْفى. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ - كَما تَدَّعُونَ - فَلا تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَرُدُّوا عَنِّي عِقابَ اللَّهِ، فَكَيْفَ أفْتَرِي عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عِقابِهِ عَنِّي ﴿هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ تَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، والإفاضَةُ في الشَّيْءِ الخَوْضُ فِيهِ والِانْدِفاعُ فِيهِ، يُقالُ أفاضُوا في الحَدِيثِ: أيِ انْدَفَعُوا فِيهِ، وأفاضَ البَعِيرُ: إذا دَفَعَ جَرَّتَهُ مِن كَرِشِهِ. والمَعْنى: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَقُولُونَ في القُرْآنِ وتَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ لَهُ والقَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ وكِهانَةٌ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَشْهَدُ لِي بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ، وأنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ والجُحُودِ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ وصَدَّقَ بِالقُرْآنِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ: أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، والرَّحْمَةِ بَلِيغُهُما. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ المَبْدَأُ: أيْ: ما أنا بِأوَّلِ رَسُولٍ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلِي كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ. قِيلَ: البِدْعُ بِمَعْنى البَدِيعِ، كالخُفِّ والخَفِيفِ، والبَدِيعُ ما لَمْ يُرَ لَهُ مِثْلٌ، مِنَ الِابْتِداعِ وهو الِاخْتِراعُ، وشَيْءٌ بِدْعٌ بِالكَسْرِ: أيْ: مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ: بَدِيعٌ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي رِجالًا غَدَتْ مِن بَعْدِ مُوسى وأسْعَدا وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " بِدَعًا " بِفَتْحِ الدّالِّ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ: أيْ: ما كُنْتُ ذا بِدَعٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ عَلى الوَصْفِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ بِي فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ هَلْ أبْقى في مَكَّةَ أوْ أُخْرَجُ مِنها ؟ وهَلْ أمُوتُ أوْ أُقْتَلُ ؟ وهَلْ تُعَجَّلُ لَكُمُ العُقُوبَةُ أمْ تُمْهَلُونَ ؟ وهَذا إنَّما هو في الدُّنْيا. وأمّا في الآخِرَةِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ وأُمَّتَهُ في الجَنَّةِ وأنَّ الكافِرِينَ في النّارِ. وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّها لَمّا نَزَلَتْ فَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِنا، وأنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والأوَّلُ أوْلى ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُوحى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ: ما أتَّبِعُ إلّا القُرْآنَ ولا أبْتَدِعُ مِن عِنْدِي شَيْئًا، والمَعْنى: قَصْرُ أفْعالِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى الوَحْيِ لا قَصْرُ اتِّباعِهِ عَلى الوَحْيِ ﴿وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ وأُخَوِّفُكم عَذابَهُ عَلى وجْهِ الإيضاحِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: الخَطُّ. قالَ سُفْيانُ: لا أعْلَمُ إلّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يَعْنِي أنَّ الحَدِيثَ مَرْفُوعٌ لا مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّ، فَمَن صادَفَ مِثْلَ خَطِّهِ عَلِمَ» ومَعْنى هَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ ولِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ تَفاسِيرُ مُخْتَلِفَةٌ. ومِن أيْنَ لَنا أنَّ هَذِهِ الخُطُوطَ الرَّمْلِيَّةَ مُوافِقَةٌ لِذَلِكَ الخَطِّ، وأيْنَ السَّنَدُ الصَّحِيحُ إلى ذَلِكَ النَّبِيِّ، أوْ إلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أنَّ هَذا الخَطَّ هو عَلى صُورَةِ كَذا، فَلَيْسَ ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرَّمْلِ إلّا جَهالاتٌ وضَلالاتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: حُسْنُ الخَطِّ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: خَطٌّ كانَ يَخُطُّهُ العَرَبُ في الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: بَيِّنَةٌ مِنَ الأمْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ يَقُولُ: لَسْتُ بِأوَّلِ الرُّسُلِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ما يُفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أُمِّ العَلاءِ قالَتْ: «لَمّا ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أبا (p-١٣٦٣)السّائِبِ» شَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ ؟ أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: فَواللَّهِ لا أُزَكِّي بَعْدَهُ أحَدًا.

الزخرف 43:6

قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ بِمَكَّةَ قالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] يَعْنِي فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. (p-١٣٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ الكَلامُ هاهُنا في الإعْرابِ كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ فَإنْ جُعِلَتْ حم قَسَمًا كانَتِ الواوُ عاطِفَةً، وإنْ لَمْ تُجْعَلْ قَسَمًا فالواوُ لِلْقَسَمِ. وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن جَعَلَ جَوابَ والكِتابِ حم كَما تَقُولُ: نَزَلَ واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ وقَفَ عَلى الكِتابِ المُبِينِ، ومَعْنى جَعَلْناهُ أيْ: سَمَّيْناهُ ووَصَفْناهُ، ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا وقالَ مُجاهِدٌ: قُلْناهُ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: بَيَّنّاهُ عَرَبِيًّا وكَذا قالَ الزَّجّاجُ أيْ: أُنْزِلَ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ كِتابُهُ بِلِسانِ قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِأنَّ لِسانَ أهْلِ الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وتَتَعَقَّلُوا مَعانِيَهُ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ. ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لَدَيْنا أيْ: عِنْدَنا ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ رَفِيعُ القَدْرِ مُحْكَمُ النَّظْمِ لا يُوجَدُ فِيهِ اخْتِلافٌ ولا تَناقُصٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُقْسَمِ بِها داخِلَةٌ تَحْتَ مَعْنى القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ: أُمُّ الكِتابِ: أصْلُ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ وإنَّهُ أعْمالُ الخَلْقِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ. قالَ قَتادَةُ أخْبَرَ عَنْ مَنزِلَتِهِ وشَرَفِهِ وفَضْلِهِ أيْ: إنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ فَإنَّهُ عِنْدَنا شَرِيفٌ رَفِيعٌ مُحْكَمٌ مِنَ الباطِلِ. ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ يُقالُ: ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ: إذا تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى مَعْنى: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صافِحِينَ، والصَّفْحُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: صَفَحْتُ عَنْهُ إذا أعْرَضْتُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّكَ تُوَلِّيهِ صَفْحَةَ وجْهِكَ وعُنُقِكَ، المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا القُرْآنُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ طَيًّا فَلا تُوعَظُونَ ولا تُؤْمَرُونَ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ العَذابَ ولا نُعاقِبُكم عَلى إسْرافِكم وكُفْرِكم. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى أنُهْلِكُكم ولا نَأْمُرُكم ولا نَنْهاكم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَعْنى أفَنُمْسِكُ عَنْ إنْزالِ القُرْآنِ مِن قِبَلِ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ. وقِيلَ: الذِّكْرُ التَّذْكِيرُ، كَأنَّهُ قالَ: أنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنْ كُنْتُمْ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى أنَّها الشَّرْطِيَّةُ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى التَّعْلِيلِ أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُنْهَمِكِينَ في الإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ. ثُمَّ سَلّى - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ الَّتِي مَعْناها التَّكْثِيرُ، والمَعْنى: ما أكْثَرَ ما أرْسَلْنا مِنَ الأنْبِياءِ في الأُمَمِ السّابِقَةِ. ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كاسْتِهْزاءِ قَوْمِكَ بِكَ. ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: أهْلَكْنا قَوْمًا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ، وانْتِصابُ بَطْشًا عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أيْ: باطِشِينَ ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ ذِكْرُهم غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ قَتادَةُ: عُقُوبَتُهم، وقِيلَ: صِفَتُهم، والمَثَلُ الوَصْفُ والخَبَرُ. وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّ الأوَّلِينَ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وهَؤُلاءِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ والكُفْرِ بِما جِئْتَ بِهِ هَلَكُوا مِثْلَهم. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لَئِنْ سَألْتَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن قَوْمِكَ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ أقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُنَّ ولَمْ يُنْكِرُوا، وذَلِكَ أسْوَأُ لِحالِهِمْ وأشَدُّ لِعُقُوبَتِهِمْ، لِأنَّهم عَبَدُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ وجَعَلُوهُ شَرِيكًا لَهُ، بَلْ عَمَدُوا إلى ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهي الأصْنامُ فَجَعَلُوها شُرَكاءَ اللَّهِ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ: " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا " وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الكُفّارِ لَقالُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مِهادًا، والمِهادُ الفِراشُ والبِساطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِهادًا " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ مَهْدًا ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ أيْ: طُرُقًا تَسْلُكُونَها إلى حَيْثُ تُرِيدُونَ، وقِيلَ: مَعايِشَ تَعِيشُونَ بِها ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم ومَنافِعِكم. ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِقَدْرِ الحاجَةِ وحَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ولَمْ يُنْزِلْ عَلَيْكم مِنهُ فَوْقَ حاجَتِكم حَتّى يُهْلِكَ زَرائِعَكم ويَهْدِمَ مَنازِلَكم ويُهْلِكَكم بِالغَرَقِ، ولا دُونَها حَتّى تَحْتاجُوا إلى الزِّيادَةِ، وعَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ في أرْزاقِ عِبادِهِ بِالتَّوْسِيعِ تارَةً والتَّقْتِيرِ أُخْرى ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ: أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُقْفِرَةً مِنَ النَّباتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ عِيسى وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإحْياءِ لِلْأرْضِ بِإخْراجِ نَباتِها بَعْدَ أنْ كانَتْ لا نَباتَ بِها تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في آلِ عِمْرانَ والأعْرافِ. قَرَأ الجُمْهُورُ تُخْرَجُونَ مَبْنِيًّا (p-١٣٣٦)لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ المُرادُ بِالأزْواجِ هُنا الأصْنافُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الأصْنافُ كُلُّها. وقالَ الحَسَنُ: الشِّتاءُ والصَّيْفُ واللَّيْلُ والنَّهارُ والسَّماواتُ والأرْضُ والجَنَّةُ والنّارُ، وقِيلَ: أزْواجُ الحَيَوانِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، وقِيلَ: أزْواجُ النَّباتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] و﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [ الشُّعَراءِ: ٧، لُقْمانَ: ١٠ ] وقِيلَ: ما يَتَقَلَّبُ فِيهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ في البَحْرِ والبَرِّ أيْ: ما تَرْكَبُونَهُ. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، فَصارَ الواحِدُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ، وجُمِعَ الظَّهْرُ لِأنَّ المُرادَ ظُهُورُ هَذا الجِنْسِ، والِاسْتِواءُ الِاسْتِعْلاءُ أيْ: لِتَسْتَعْلُوا عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِن تَسْخِيرِ ذَلِكَ المَرْكَبِ في البَحْرِ والبَرِّ. وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هو أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي هَذا وحَمَلَنِي عَلَيْهِ ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ أيْ: ذَلَّلَ لَنا هَذا المَرْكَبَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " سُبْحانَ مَن سَخَّرَ لَنا هَذا " . قالَ قَتادَةُ: قَدْ عَلَّمَكم كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، ومَعْنى ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ما كُنّا لَهُ مُطِيقِينَ، يُقالُ: أقْرَنَ هَذا البَعِيرَ: إذا أطاقَهُ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: مُقْرِنِينَ ضابِطِينَ، وقِيلَ: مُماثِلِينَ لَهُ في القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: هو قِرْنُ فُلانٍ إذا كانَ مِثْلَهُ في القُوَّةِ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: ؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عُقَيْلٌ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا قالَ آخَرُ: ؎رَكِبْتُمْ صَعْبَتَيْ أشَرٍ وجُبْنٍ ∗∗∗ ولَسْتُمْ لِلصِّعابِ بِمُقْرِنِينا والمُرادُ بِالأنْعامِ هُنا: الإبِلُ خاصَّةً، وقِيلَ: الإبِلُ والبَقَرُ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: راجِعُونَ إلَيْهِ، وهَذا تَمامُ ما يُقالُ عِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ أوِ السَّفِينَةِ. ثُمَّ رَجَعَ - سُبْحانَهُ - إلى ذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قالَ قَتادَةُ أيْ: عِدْلًا، يَعْنِي ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ: الجُزْءُ هُنا البَناتُ، والجُزْءُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ البَناتُ، يُقالُ: قَدْ أجَزَأتِ المَرْأةُ: إذا ولَدَتِ البَناتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا وقَدْ جَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ مِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلى العَرَبِ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ رَواهُ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ، وهُما إماما اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وحافِظاها ومَن إلَيْهِما المُنْتَهى في مَعْرِفَتِها، ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالجُزْءِ هُنا المَلائِكَةُ فَإنَّهم جَعَلُوهم أوْلادَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ نَصِيبًا عَلى مَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ مِنَ الوِلْدانِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ الكُفْرانِ مُبالِغٌ فِيهِ، قِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الكافِرُ، فَإنَّهُ الَّذِي يَجْحَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ جُحُودًا بَيِّنًا. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ. وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أتَّخَذَ رَبُّكم لِنَفْسِهِ البَناتِ ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ؟ فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ المَفْضُولَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ولَكُمُ الفاضِلُ مِنهُما، يُقالُ: أصْفَيْتُهُ بِكَذا أيْ: آثَرْتُهُ بِهِ، وأصْفَيْتُهُ الوُدَّ: أخْلَصْتُهُ لَهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] وجُمْلَةُ وأصْفاكم مَعْطُوفَةٌ عَلى اتَّخَذَ داخِلَةٌ مَعَها تَحْتَ الإنْكارِ. ثُمَّ زادَ في تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أيْ: بِما جَعَلَهُ لِلرَّحْمَنِ - سُبْحانَهُ - مِن كَوْنِهِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ البَناتِ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا بُشِّرَ أحَدُهم بِأنَّها وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ اغْتَمَّ لِذَلِكَ وظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ: صارَ وجْهُهُ مُسْوَدًّا بِسَبَبِ حُدُوثِ الأُنْثى لَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الحادِثُ لَهُ ذَكَرًا مَكانَها ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الحُزْنِ كَثِيرُ الكَرْبِ مَمْلُوءٌ مِنهُ. قالَ قَتادَةُ: حَزِينٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَكْرُوبٌ، وقِيلَ: ساكِتٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ مَعْنى يُنَشَّؤُ يُرَبّى، والنُّشُوءُ التَّرْبِيَةُ، والحِلْيَةُ الزِّينَةُ، ومَن في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَعَلُوا، والمَعْنى: أوَجَعَلُوا لَهُ - سُبْحانَهُ - مَن شَأْنُهُ أنْ يُرَبّى في الزِّينَةِ وهو عاجِزٌ عَنْ أنْ يَقُومَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ، وإذا خُوصِمَ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ حُجَّتِهِ ودَفْعِ ما يُجادِلُهُ بِهِ خَصْمُهُ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أوَيَجْعَلُونَ لَهُ مَن يَنْشَأُ في الحِلْيَةِ أيْ: يَنْبُتُ في الزِّينَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَنْشَأُ " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ وثّابٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ. واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الهَرَوِيُّ: الفِعْلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى لازِمٌ، وعَلى الثّانِيَةِ مُتَعَدٍّ. والمَعْنى: يُرَبّى ويَكْبُرُ في الحِلْيَةِ. قالَ قَتادَةُ: قَلَّما تَتَكَلَّمُ امْرَأةٌ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِالحُجَّةِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ: الَّذِي يُنَشَّؤُ في الحِلْيَةِ أصْنامُهُمُ الَّتِي صاغُوها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ. " ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ " الجَعْلُ هُنا: بِمَعْنى القَوْلِ والحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أفْضَلَ النّاسِ أيْ: قُلْتَ بِذَلِكَ وحَكَمْتَ لَهُ بِهِ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ عِبادُ بِالجَمْعِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ: " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " بِنُونٍ ساكِنَةٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّ الإسْنادَ فِيها أعْلى، ولِأنَّ اللَّهَ إنَّما كَذَّبَهم في قَوْلِهِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، (p-١٣٣٧)فَأخْبَرَهم أنَّهم عِبادُهُ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: وتَصْدِيقُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] . ثُمَّ وبَّخَهم وقَرَّعَهم فَقالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ: أحَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ إيّاهم فَهو مِنَ الشَّهادَةِ الَّتِي هي الحُضُورُ، وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَجْهِيلٌ لَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَهِدُوا عَلى الِاسْتِفْهامِ بِدُونِ واوٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوَشَهِدُوا " . وقَرَأ الجُمْهُورُ " سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم " بِضَمِّ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِالنُّونِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ " شَهاداتُهم " بِالجَمْعِ، والمَعْنى: سَنَكْتُبُ هَذِهِ الشَّهادَةَ الَّتِي شَهِدُوا بِها في دِيوانِ أعْمالِهِمْ لِنُجازِيَهم عَلى ذَلِكَ ويُسْألُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم﴾ هَذا فَنٌّ آخَرُ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ جاءُوا بِهِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، ومَعْناهُ: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ في زَعْمِكم ما عَبَدْنا هَذِهِ المَلائِكَةَ، وهَذا كَلامٌ حَقٌّ يُرادُ بِهِ باطِلٌ، وقَدْ مَضى بَيانُهُ في الأنْعامِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - جَهْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِما قالُوهُ مِن أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ عَدَمَ عِبادَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ ما عَبَدُوهم مِن عِلْمٍ، بَلْ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ جَهْلًا، وأرادُوا بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحَقِّ باطِلًا، وزَعَمُوا أنَّهُ إذا شاءَ فَقَدْ رَضِيَ. ثُمَّ بَيَّنَ انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا يَكْذِبُونَ فِيما قالُوا ويَتَمَحَّلُونَ تَمَحُّلًا باطِلًا. وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: ما لَهم بِعِبادَةِ الأوْثانِ مِن عِلْمٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ القَلَمُ وأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والكِتابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ قالَ: أحْبَبْتُمْ أنْ يُصْفَحَ عَنْكم ولَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا سافَرَ رَكِبَ راحِلَتَهُ ثُمَّ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ: مُطِيقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ قالَ: هو النِّساءُ فَرَّقَ بَيْنَ زِيِّهِنَّ وزِيِّ الرِّجالِ، ونَقَصَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وبِالشَّهادَةِ، وأمَرَهُنَّ بِالقَعْدَةِ، وسَمّاهُنَّ الخَوالِفَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنْتُ أقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: ﴿الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾، فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: عِبادُ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْتُ: فَإنَّها في مُصْحَفِي " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " قالَ: فامْحُها واكْتُبْها عِبادَ الرَّحْمَنِ. * * (p-١٣٦١)وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ ( حم الأحْقافِ ) بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةَ الأحْقافِ وأقْرَأها آخَرَ فَخالَفَ قِراءَتَهُ، فَقُلْتُ مَن أقْرَأكَها ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَيْرَ ذا، فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، وقالَ الآخَرُ: ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، فَتَمَعَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: لِيَقْرَأْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ما سَمِعَ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالِاخْتِلافِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ١ - ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها مُسْتَوْفًى، وذَكَرْنا وجْهَ الإعْرابِ وبَيانَ ما هو الحَقُّ مِن أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُوكَلَ عِلْمُهُ إلى مَن أنْزَلَهُ. ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها إلّا بِالحَقِّ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ إلّا بِالحَقِّ، وبِأجَلٍ مُسَمًّى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، وهَذا الأجَلُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّها تَنْتَهِي فِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ. وقِيلَ المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى هو انْتِهاءُ أجَلِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَخْلُوقاتِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذا إشارَةٌ إلى قِيامِ السّاعَةِ وانْقِضاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ باطِلًا وعَبَثًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، بَلْ خَلَقَهُ لِلثَّوابِ والعِقابِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: عَمّا أُنْذِرُوا وخُوِّفُوا بِهِ في القُرْآنِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ مُعْرِضُونَ مُوَلُّونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْهُ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِهِ، و" ما " في قَوْلِهِ: ما أُنْذِرُوا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوْصُولَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِنها، وقَوْلُهُ: أرُونِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ " أرَأيْتُمْ ": أيْ أخْبِرُونِي أرُونِي والمَفْعُولُ الثّانِي لِ أرَأيْتُمْ ماذا خَلَقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ تَأْكِيدًا، بَلْ يَكُونُ هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ " أرَأيْتُمْ " يَطْلُبُ مَفْعُولًا ثانِيًا، و( أرُونِي ) كَذَلِكَ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ " أمْ " هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ فِيها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وإظْهارٌ لِعَجْزِهِمْ وقُصُورِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِبُطْلانِ الشِّرْكِ، وأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ السّاعَةَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيها، فَهَلْ لِلْمُشْرِكِينَ مِن كِتابٍ يُخالِفُ هَذا الكِتابَ، أوْ حُجَّةٌ تُنافِي هَذِهِ الحُجَّةَ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: " أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمِ " بَقِيَّةٍ مِنهُ، وكَذا الأثَرَةُ بِالتَّحْرِيكِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَقِيَّةٍ مِن عِلْمِ الأوَّلِينَ. وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ: يَعْنِي ما يُؤْثَرُ عَنْ كُتُبِ الأوَّلِينَ. قالَ الواحِدِيُّ: وهو مَعْنى قَوْلِ المُفَسِّرِينَ. قالَ عَطاءٌ: أوْ شَيْءٌ تَأْثُرُونَهُ عَنْ نَبِيٍّ كانَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . قالَ مُقاتِلٌ: أوْ رِوايَةٍ مِن عِلْمٍ عَنِ الأنْبِياءِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ أثارَةٍ: أيْ: عَلامَةٍ، والأثارَةُ: مَصْدَرٌ كالسَّماحَةِ والشَّجاعَةِ. وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الأثَرِ وهي الرِّوايَةُ. يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثُرُهُ أثْرَةً وأثارَةً وأثْرًا: إذا ذَكَرْتَهُ عَنْ غَيْرِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أثارَةٍ ) عَلى المَصْدَرِ كالسَّماحَةِ والغَوايَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ الكِسائِيُّ " أُثْرَةٍ " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها، وهي قَوْلُكم: إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ولَمْ تَأْتُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ لِقِيامِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ والنَّقْلِيِّ عَلى خِلافِهِ. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أيْ لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ ولا أجْهَلُ، فَإنَّهُ دَعا مَن لا يَسْمَعُ، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في الإجابَةِ فَضْلًا عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ؟ فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّهُ (p-١٣٦٢)أجْهَلُ الجاهِلِينَ وأضَلُّ الضّالِّينَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْأصْنامِ، والثّانِي لِعابِدِيها، والمَعْنى: والأصْنامُ الَّتِي يَدْعُونَها عَنْ دُعائِهِمْ إيّاها غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، لا يَسْمَعُونَ ولا يَعْقِلُونَ لِكَوْنِهِمْ جَماداتٍ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، وأجْرى عَلى الأصْنامِ ما هو لِلْعُقَلاءِ لِاعْتِقادِ المُشْرِكِينَ فِيها أنَّها تَعْقِلُ. ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ أيْ: إذا حَشَرَ النّاسَ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ كانَ الأصْنامُ لَهم أعْداءً يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الحَياةَ في الأصْنامِ، فَتُكَذِّبُهم. وقِيلَ المُرادُ أنَّها تُكَذِّبُهم وتُعادِيهِمْ بِلِسانِ الحالِ لا بِلِسانِ المَقالِ. وأمّا المَلائِكَةُ، والمَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والشَّياطِينُ، فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِمَّنْ عَبَدَهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ كانَ المَعْبُودُونَ بِعِبادَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم كافِرِينَ: أيْ جاحِدِينَ مُكَذِّبِينَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ( كانُوا ) لِلْعابِدِينَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيْ: آياتُ القُرْآنِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتِ المَعانِي ظاهِراتِ الدَّلالاتِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ لِأجْلِهِ، وفي شَأْنِهِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ وقْتَ أنْ جاءَهم ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ السِّحْرِيَّةِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن صَنِيعِهِمْ، وبَلْ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ سِحْرًا إلى قَوْلِهِمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ افْتَرى ما جاءَ بِهِ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يَخْفى. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ - كَما تَدَّعُونَ - فَلا تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَرُدُّوا عَنِّي عِقابَ اللَّهِ، فَكَيْفَ أفْتَرِي عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عِقابِهِ عَنِّي ﴿هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ تَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، والإفاضَةُ في الشَّيْءِ الخَوْضُ فِيهِ والِانْدِفاعُ فِيهِ، يُقالُ أفاضُوا في الحَدِيثِ: أيِ انْدَفَعُوا فِيهِ، وأفاضَ البَعِيرُ: إذا دَفَعَ جَرَّتَهُ مِن كَرِشِهِ. والمَعْنى: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَقُولُونَ في القُرْآنِ وتَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ لَهُ والقَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ وكِهانَةٌ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَشْهَدُ لِي بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ، وأنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ والجُحُودِ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ وصَدَّقَ بِالقُرْآنِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ: أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، والرَّحْمَةِ بَلِيغُهُما. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ المَبْدَأُ: أيْ: ما أنا بِأوَّلِ رَسُولٍ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلِي كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ. قِيلَ: البِدْعُ بِمَعْنى البَدِيعِ، كالخُفِّ والخَفِيفِ، والبَدِيعُ ما لَمْ يُرَ لَهُ مِثْلٌ، مِنَ الِابْتِداعِ وهو الِاخْتِراعُ، وشَيْءٌ بِدْعٌ بِالكَسْرِ: أيْ: مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ: بَدِيعٌ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي رِجالًا غَدَتْ مِن بَعْدِ مُوسى وأسْعَدا وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " بِدَعًا " بِفَتْحِ الدّالِّ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ: أيْ: ما كُنْتُ ذا بِدَعٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ عَلى الوَصْفِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ بِي فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ هَلْ أبْقى في مَكَّةَ أوْ أُخْرَجُ مِنها ؟ وهَلْ أمُوتُ أوْ أُقْتَلُ ؟ وهَلْ تُعَجَّلُ لَكُمُ العُقُوبَةُ أمْ تُمْهَلُونَ ؟ وهَذا إنَّما هو في الدُّنْيا. وأمّا في الآخِرَةِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ وأُمَّتَهُ في الجَنَّةِ وأنَّ الكافِرِينَ في النّارِ. وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّها لَمّا نَزَلَتْ فَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِنا، وأنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والأوَّلُ أوْلى ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُوحى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ: ما أتَّبِعُ إلّا القُرْآنَ ولا أبْتَدِعُ مِن عِنْدِي شَيْئًا، والمَعْنى: قَصْرُ أفْعالِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى الوَحْيِ لا قَصْرُ اتِّباعِهِ عَلى الوَحْيِ ﴿وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ وأُخَوِّفُكم عَذابَهُ عَلى وجْهِ الإيضاحِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: الخَطُّ. قالَ سُفْيانُ: لا أعْلَمُ إلّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يَعْنِي أنَّ الحَدِيثَ مَرْفُوعٌ لا مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّ، فَمَن صادَفَ مِثْلَ خَطِّهِ عَلِمَ» ومَعْنى هَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ ولِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ تَفاسِيرُ مُخْتَلِفَةٌ. ومِن أيْنَ لَنا أنَّ هَذِهِ الخُطُوطَ الرَّمْلِيَّةَ مُوافِقَةٌ لِذَلِكَ الخَطِّ، وأيْنَ السَّنَدُ الصَّحِيحُ إلى ذَلِكَ النَّبِيِّ، أوْ إلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أنَّ هَذا الخَطَّ هو عَلى صُورَةِ كَذا، فَلَيْسَ ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرَّمْلِ إلّا جَهالاتٌ وضَلالاتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: حُسْنُ الخَطِّ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: خَطٌّ كانَ يَخُطُّهُ العَرَبُ في الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: بَيِّنَةٌ مِنَ الأمْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ يَقُولُ: لَسْتُ بِأوَّلِ الرُّسُلِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ما يُفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أُمِّ العَلاءِ قالَتْ: «لَمّا ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أبا (p-١٣٦٣)السّائِبِ» شَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ ؟ أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: فَواللَّهِ لا أُزَكِّي بَعْدَهُ أحَدًا.

الزخرف 43:7

قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ بِمَكَّةَ قالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] يَعْنِي فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. (p-١٣٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ الكَلامُ هاهُنا في الإعْرابِ كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ فَإنْ جُعِلَتْ حم قَسَمًا كانَتِ الواوُ عاطِفَةً، وإنْ لَمْ تُجْعَلْ قَسَمًا فالواوُ لِلْقَسَمِ. وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن جَعَلَ جَوابَ والكِتابِ حم كَما تَقُولُ: نَزَلَ واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ وقَفَ عَلى الكِتابِ المُبِينِ، ومَعْنى جَعَلْناهُ أيْ: سَمَّيْناهُ ووَصَفْناهُ، ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا وقالَ مُجاهِدٌ: قُلْناهُ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: بَيَّنّاهُ عَرَبِيًّا وكَذا قالَ الزَّجّاجُ أيْ: أُنْزِلَ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ كِتابُهُ بِلِسانِ قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِأنَّ لِسانَ أهْلِ الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وتَتَعَقَّلُوا مَعانِيَهُ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ. ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لَدَيْنا أيْ: عِنْدَنا ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ رَفِيعُ القَدْرِ مُحْكَمُ النَّظْمِ لا يُوجَدُ فِيهِ اخْتِلافٌ ولا تَناقُصٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُقْسَمِ بِها داخِلَةٌ تَحْتَ مَعْنى القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ: أُمُّ الكِتابِ: أصْلُ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ وإنَّهُ أعْمالُ الخَلْقِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ. قالَ قَتادَةُ أخْبَرَ عَنْ مَنزِلَتِهِ وشَرَفِهِ وفَضْلِهِ أيْ: إنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ فَإنَّهُ عِنْدَنا شَرِيفٌ رَفِيعٌ مُحْكَمٌ مِنَ الباطِلِ. ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ يُقالُ: ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ: إذا تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى مَعْنى: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صافِحِينَ، والصَّفْحُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: صَفَحْتُ عَنْهُ إذا أعْرَضْتُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّكَ تُوَلِّيهِ صَفْحَةَ وجْهِكَ وعُنُقِكَ، المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا القُرْآنُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ طَيًّا فَلا تُوعَظُونَ ولا تُؤْمَرُونَ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ العَذابَ ولا نُعاقِبُكم عَلى إسْرافِكم وكُفْرِكم. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى أنُهْلِكُكم ولا نَأْمُرُكم ولا نَنْهاكم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَعْنى أفَنُمْسِكُ عَنْ إنْزالِ القُرْآنِ مِن قِبَلِ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ. وقِيلَ: الذِّكْرُ التَّذْكِيرُ، كَأنَّهُ قالَ: أنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنْ كُنْتُمْ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى أنَّها الشَّرْطِيَّةُ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى التَّعْلِيلِ أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُنْهَمِكِينَ في الإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ. ثُمَّ سَلّى - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ الَّتِي مَعْناها التَّكْثِيرُ، والمَعْنى: ما أكْثَرَ ما أرْسَلْنا مِنَ الأنْبِياءِ في الأُمَمِ السّابِقَةِ. ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كاسْتِهْزاءِ قَوْمِكَ بِكَ. ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: أهْلَكْنا قَوْمًا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ، وانْتِصابُ بَطْشًا عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أيْ: باطِشِينَ ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ ذِكْرُهم غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ قَتادَةُ: عُقُوبَتُهم، وقِيلَ: صِفَتُهم، والمَثَلُ الوَصْفُ والخَبَرُ. وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّ الأوَّلِينَ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وهَؤُلاءِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ والكُفْرِ بِما جِئْتَ بِهِ هَلَكُوا مِثْلَهم. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لَئِنْ سَألْتَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن قَوْمِكَ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ أقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُنَّ ولَمْ يُنْكِرُوا، وذَلِكَ أسْوَأُ لِحالِهِمْ وأشَدُّ لِعُقُوبَتِهِمْ، لِأنَّهم عَبَدُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ وجَعَلُوهُ شَرِيكًا لَهُ، بَلْ عَمَدُوا إلى ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهي الأصْنامُ فَجَعَلُوها شُرَكاءَ اللَّهِ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ: " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا " وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الكُفّارِ لَقالُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مِهادًا، والمِهادُ الفِراشُ والبِساطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِهادًا " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ مَهْدًا ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ أيْ: طُرُقًا تَسْلُكُونَها إلى حَيْثُ تُرِيدُونَ، وقِيلَ: مَعايِشَ تَعِيشُونَ بِها ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم ومَنافِعِكم. ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِقَدْرِ الحاجَةِ وحَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ولَمْ يُنْزِلْ عَلَيْكم مِنهُ فَوْقَ حاجَتِكم حَتّى يُهْلِكَ زَرائِعَكم ويَهْدِمَ مَنازِلَكم ويُهْلِكَكم بِالغَرَقِ، ولا دُونَها حَتّى تَحْتاجُوا إلى الزِّيادَةِ، وعَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ في أرْزاقِ عِبادِهِ بِالتَّوْسِيعِ تارَةً والتَّقْتِيرِ أُخْرى ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ: أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُقْفِرَةً مِنَ النَّباتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ عِيسى وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإحْياءِ لِلْأرْضِ بِإخْراجِ نَباتِها بَعْدَ أنْ كانَتْ لا نَباتَ بِها تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في آلِ عِمْرانَ والأعْرافِ. قَرَأ الجُمْهُورُ تُخْرَجُونَ مَبْنِيًّا (p-١٣٣٦)لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ المُرادُ بِالأزْواجِ هُنا الأصْنافُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الأصْنافُ كُلُّها. وقالَ الحَسَنُ: الشِّتاءُ والصَّيْفُ واللَّيْلُ والنَّهارُ والسَّماواتُ والأرْضُ والجَنَّةُ والنّارُ، وقِيلَ: أزْواجُ الحَيَوانِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، وقِيلَ: أزْواجُ النَّباتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] و﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [ الشُّعَراءِ: ٧، لُقْمانَ: ١٠ ] وقِيلَ: ما يَتَقَلَّبُ فِيهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ في البَحْرِ والبَرِّ أيْ: ما تَرْكَبُونَهُ. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، فَصارَ الواحِدُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ، وجُمِعَ الظَّهْرُ لِأنَّ المُرادَ ظُهُورُ هَذا الجِنْسِ، والِاسْتِواءُ الِاسْتِعْلاءُ أيْ: لِتَسْتَعْلُوا عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِن تَسْخِيرِ ذَلِكَ المَرْكَبِ في البَحْرِ والبَرِّ. وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هو أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي هَذا وحَمَلَنِي عَلَيْهِ ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ أيْ: ذَلَّلَ لَنا هَذا المَرْكَبَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " سُبْحانَ مَن سَخَّرَ لَنا هَذا " . قالَ قَتادَةُ: قَدْ عَلَّمَكم كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، ومَعْنى ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ما كُنّا لَهُ مُطِيقِينَ، يُقالُ: أقْرَنَ هَذا البَعِيرَ: إذا أطاقَهُ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: مُقْرِنِينَ ضابِطِينَ، وقِيلَ: مُماثِلِينَ لَهُ في القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: هو قِرْنُ فُلانٍ إذا كانَ مِثْلَهُ في القُوَّةِ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: ؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عُقَيْلٌ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا قالَ آخَرُ: ؎رَكِبْتُمْ صَعْبَتَيْ أشَرٍ وجُبْنٍ ∗∗∗ ولَسْتُمْ لِلصِّعابِ بِمُقْرِنِينا والمُرادُ بِالأنْعامِ هُنا: الإبِلُ خاصَّةً، وقِيلَ: الإبِلُ والبَقَرُ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: راجِعُونَ إلَيْهِ، وهَذا تَمامُ ما يُقالُ عِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ أوِ السَّفِينَةِ. ثُمَّ رَجَعَ - سُبْحانَهُ - إلى ذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قالَ قَتادَةُ أيْ: عِدْلًا، يَعْنِي ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ: الجُزْءُ هُنا البَناتُ، والجُزْءُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ البَناتُ، يُقالُ: قَدْ أجَزَأتِ المَرْأةُ: إذا ولَدَتِ البَناتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا وقَدْ جَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ مِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلى العَرَبِ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ رَواهُ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ، وهُما إماما اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وحافِظاها ومَن إلَيْهِما المُنْتَهى في مَعْرِفَتِها، ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالجُزْءِ هُنا المَلائِكَةُ فَإنَّهم جَعَلُوهم أوْلادَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ نَصِيبًا عَلى مَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ مِنَ الوِلْدانِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ الكُفْرانِ مُبالِغٌ فِيهِ، قِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الكافِرُ، فَإنَّهُ الَّذِي يَجْحَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ جُحُودًا بَيِّنًا. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ. وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أتَّخَذَ رَبُّكم لِنَفْسِهِ البَناتِ ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ؟ فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ المَفْضُولَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ولَكُمُ الفاضِلُ مِنهُما، يُقالُ: أصْفَيْتُهُ بِكَذا أيْ: آثَرْتُهُ بِهِ، وأصْفَيْتُهُ الوُدَّ: أخْلَصْتُهُ لَهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] وجُمْلَةُ وأصْفاكم مَعْطُوفَةٌ عَلى اتَّخَذَ داخِلَةٌ مَعَها تَحْتَ الإنْكارِ. ثُمَّ زادَ في تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أيْ: بِما جَعَلَهُ لِلرَّحْمَنِ - سُبْحانَهُ - مِن كَوْنِهِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ البَناتِ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا بُشِّرَ أحَدُهم بِأنَّها وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ اغْتَمَّ لِذَلِكَ وظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ: صارَ وجْهُهُ مُسْوَدًّا بِسَبَبِ حُدُوثِ الأُنْثى لَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الحادِثُ لَهُ ذَكَرًا مَكانَها ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الحُزْنِ كَثِيرُ الكَرْبِ مَمْلُوءٌ مِنهُ. قالَ قَتادَةُ: حَزِينٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَكْرُوبٌ، وقِيلَ: ساكِتٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ مَعْنى يُنَشَّؤُ يُرَبّى، والنُّشُوءُ التَّرْبِيَةُ، والحِلْيَةُ الزِّينَةُ، ومَن في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَعَلُوا، والمَعْنى: أوَجَعَلُوا لَهُ - سُبْحانَهُ - مَن شَأْنُهُ أنْ يُرَبّى في الزِّينَةِ وهو عاجِزٌ عَنْ أنْ يَقُومَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ، وإذا خُوصِمَ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ حُجَّتِهِ ودَفْعِ ما يُجادِلُهُ بِهِ خَصْمُهُ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أوَيَجْعَلُونَ لَهُ مَن يَنْشَأُ في الحِلْيَةِ أيْ: يَنْبُتُ في الزِّينَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَنْشَأُ " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ وثّابٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ. واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الهَرَوِيُّ: الفِعْلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى لازِمٌ، وعَلى الثّانِيَةِ مُتَعَدٍّ. والمَعْنى: يُرَبّى ويَكْبُرُ في الحِلْيَةِ. قالَ قَتادَةُ: قَلَّما تَتَكَلَّمُ امْرَأةٌ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِالحُجَّةِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ: الَّذِي يُنَشَّؤُ في الحِلْيَةِ أصْنامُهُمُ الَّتِي صاغُوها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ. " ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ " الجَعْلُ هُنا: بِمَعْنى القَوْلِ والحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أفْضَلَ النّاسِ أيْ: قُلْتَ بِذَلِكَ وحَكَمْتَ لَهُ بِهِ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ عِبادُ بِالجَمْعِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ: " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " بِنُونٍ ساكِنَةٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّ الإسْنادَ فِيها أعْلى، ولِأنَّ اللَّهَ إنَّما كَذَّبَهم في قَوْلِهِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، (p-١٣٣٧)فَأخْبَرَهم أنَّهم عِبادُهُ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: وتَصْدِيقُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] . ثُمَّ وبَّخَهم وقَرَّعَهم فَقالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ: أحَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ إيّاهم فَهو مِنَ الشَّهادَةِ الَّتِي هي الحُضُورُ، وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَجْهِيلٌ لَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَهِدُوا عَلى الِاسْتِفْهامِ بِدُونِ واوٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوَشَهِدُوا " . وقَرَأ الجُمْهُورُ " سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم " بِضَمِّ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِالنُّونِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ " شَهاداتُهم " بِالجَمْعِ، والمَعْنى: سَنَكْتُبُ هَذِهِ الشَّهادَةَ الَّتِي شَهِدُوا بِها في دِيوانِ أعْمالِهِمْ لِنُجازِيَهم عَلى ذَلِكَ ويُسْألُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم﴾ هَذا فَنٌّ آخَرُ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ جاءُوا بِهِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، ومَعْناهُ: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ في زَعْمِكم ما عَبَدْنا هَذِهِ المَلائِكَةَ، وهَذا كَلامٌ حَقٌّ يُرادُ بِهِ باطِلٌ، وقَدْ مَضى بَيانُهُ في الأنْعامِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - جَهْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِما قالُوهُ مِن أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ عَدَمَ عِبادَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ ما عَبَدُوهم مِن عِلْمٍ، بَلْ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ جَهْلًا، وأرادُوا بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحَقِّ باطِلًا، وزَعَمُوا أنَّهُ إذا شاءَ فَقَدْ رَضِيَ. ثُمَّ بَيَّنَ انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا يَكْذِبُونَ فِيما قالُوا ويَتَمَحَّلُونَ تَمَحُّلًا باطِلًا. وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: ما لَهم بِعِبادَةِ الأوْثانِ مِن عِلْمٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ القَلَمُ وأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والكِتابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ قالَ: أحْبَبْتُمْ أنْ يُصْفَحَ عَنْكم ولَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا سافَرَ رَكِبَ راحِلَتَهُ ثُمَّ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ: مُطِيقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ قالَ: هو النِّساءُ فَرَّقَ بَيْنَ زِيِّهِنَّ وزِيِّ الرِّجالِ، ونَقَصَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وبِالشَّهادَةِ، وأمَرَهُنَّ بِالقَعْدَةِ، وسَمّاهُنَّ الخَوالِفَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنْتُ أقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: ﴿الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾، فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: عِبادُ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْتُ: فَإنَّها في مُصْحَفِي " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " قالَ: فامْحُها واكْتُبْها عِبادَ الرَّحْمَنِ. * * (p-١٣٦١)وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ ( حم الأحْقافِ ) بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةَ الأحْقافِ وأقْرَأها آخَرَ فَخالَفَ قِراءَتَهُ، فَقُلْتُ مَن أقْرَأكَها ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَيْرَ ذا، فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، وقالَ الآخَرُ: ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، فَتَمَعَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: لِيَقْرَأْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ما سَمِعَ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالِاخْتِلافِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ١ - ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها مُسْتَوْفًى، وذَكَرْنا وجْهَ الإعْرابِ وبَيانَ ما هو الحَقُّ مِن أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُوكَلَ عِلْمُهُ إلى مَن أنْزَلَهُ. ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها إلّا بِالحَقِّ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ إلّا بِالحَقِّ، وبِأجَلٍ مُسَمًّى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، وهَذا الأجَلُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّها تَنْتَهِي فِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ. وقِيلَ المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى هو انْتِهاءُ أجَلِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَخْلُوقاتِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذا إشارَةٌ إلى قِيامِ السّاعَةِ وانْقِضاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ باطِلًا وعَبَثًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، بَلْ خَلَقَهُ لِلثَّوابِ والعِقابِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: عَمّا أُنْذِرُوا وخُوِّفُوا بِهِ في القُرْآنِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ مُعْرِضُونَ مُوَلُّونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْهُ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِهِ، و" ما " في قَوْلِهِ: ما أُنْذِرُوا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوْصُولَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِنها، وقَوْلُهُ: أرُونِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ " أرَأيْتُمْ ": أيْ أخْبِرُونِي أرُونِي والمَفْعُولُ الثّانِي لِ أرَأيْتُمْ ماذا خَلَقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ تَأْكِيدًا، بَلْ يَكُونُ هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ " أرَأيْتُمْ " يَطْلُبُ مَفْعُولًا ثانِيًا، و( أرُونِي ) كَذَلِكَ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ " أمْ " هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ فِيها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وإظْهارٌ لِعَجْزِهِمْ وقُصُورِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِبُطْلانِ الشِّرْكِ، وأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ السّاعَةَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيها، فَهَلْ لِلْمُشْرِكِينَ مِن كِتابٍ يُخالِفُ هَذا الكِتابَ، أوْ حُجَّةٌ تُنافِي هَذِهِ الحُجَّةَ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: " أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمِ " بَقِيَّةٍ مِنهُ، وكَذا الأثَرَةُ بِالتَّحْرِيكِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَقِيَّةٍ مِن عِلْمِ الأوَّلِينَ. وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ: يَعْنِي ما يُؤْثَرُ عَنْ كُتُبِ الأوَّلِينَ. قالَ الواحِدِيُّ: وهو مَعْنى قَوْلِ المُفَسِّرِينَ. قالَ عَطاءٌ: أوْ شَيْءٌ تَأْثُرُونَهُ عَنْ نَبِيٍّ كانَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . قالَ مُقاتِلٌ: أوْ رِوايَةٍ مِن عِلْمٍ عَنِ الأنْبِياءِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ أثارَةٍ: أيْ: عَلامَةٍ، والأثارَةُ: مَصْدَرٌ كالسَّماحَةِ والشَّجاعَةِ. وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الأثَرِ وهي الرِّوايَةُ. يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثُرُهُ أثْرَةً وأثارَةً وأثْرًا: إذا ذَكَرْتَهُ عَنْ غَيْرِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أثارَةٍ ) عَلى المَصْدَرِ كالسَّماحَةِ والغَوايَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ الكِسائِيُّ " أُثْرَةٍ " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها، وهي قَوْلُكم: إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ولَمْ تَأْتُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ لِقِيامِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ والنَّقْلِيِّ عَلى خِلافِهِ. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أيْ لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ ولا أجْهَلُ، فَإنَّهُ دَعا مَن لا يَسْمَعُ، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في الإجابَةِ فَضْلًا عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ؟ فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّهُ (p-١٣٦٢)أجْهَلُ الجاهِلِينَ وأضَلُّ الضّالِّينَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْأصْنامِ، والثّانِي لِعابِدِيها، والمَعْنى: والأصْنامُ الَّتِي يَدْعُونَها عَنْ دُعائِهِمْ إيّاها غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، لا يَسْمَعُونَ ولا يَعْقِلُونَ لِكَوْنِهِمْ جَماداتٍ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، وأجْرى عَلى الأصْنامِ ما هو لِلْعُقَلاءِ لِاعْتِقادِ المُشْرِكِينَ فِيها أنَّها تَعْقِلُ. ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ أيْ: إذا حَشَرَ النّاسَ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ كانَ الأصْنامُ لَهم أعْداءً يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الحَياةَ في الأصْنامِ، فَتُكَذِّبُهم. وقِيلَ المُرادُ أنَّها تُكَذِّبُهم وتُعادِيهِمْ بِلِسانِ الحالِ لا بِلِسانِ المَقالِ. وأمّا المَلائِكَةُ، والمَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والشَّياطِينُ، فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِمَّنْ عَبَدَهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ كانَ المَعْبُودُونَ بِعِبادَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم كافِرِينَ: أيْ جاحِدِينَ مُكَذِّبِينَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ( كانُوا ) لِلْعابِدِينَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيْ: آياتُ القُرْآنِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتِ المَعانِي ظاهِراتِ الدَّلالاتِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ لِأجْلِهِ، وفي شَأْنِهِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ وقْتَ أنْ جاءَهم ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ السِّحْرِيَّةِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن صَنِيعِهِمْ، وبَلْ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ سِحْرًا إلى قَوْلِهِمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ افْتَرى ما جاءَ بِهِ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يَخْفى. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ - كَما تَدَّعُونَ - فَلا تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَرُدُّوا عَنِّي عِقابَ اللَّهِ، فَكَيْفَ أفْتَرِي عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عِقابِهِ عَنِّي ﴿هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ تَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، والإفاضَةُ في الشَّيْءِ الخَوْضُ فِيهِ والِانْدِفاعُ فِيهِ، يُقالُ أفاضُوا في الحَدِيثِ: أيِ انْدَفَعُوا فِيهِ، وأفاضَ البَعِيرُ: إذا دَفَعَ جَرَّتَهُ مِن كَرِشِهِ. والمَعْنى: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَقُولُونَ في القُرْآنِ وتَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ لَهُ والقَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ وكِهانَةٌ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَشْهَدُ لِي بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ، وأنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ والجُحُودِ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ وصَدَّقَ بِالقُرْآنِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ: أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، والرَّحْمَةِ بَلِيغُهُما. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ المَبْدَأُ: أيْ: ما أنا بِأوَّلِ رَسُولٍ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلِي كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ. قِيلَ: البِدْعُ بِمَعْنى البَدِيعِ، كالخُفِّ والخَفِيفِ، والبَدِيعُ ما لَمْ يُرَ لَهُ مِثْلٌ، مِنَ الِابْتِداعِ وهو الِاخْتِراعُ، وشَيْءٌ بِدْعٌ بِالكَسْرِ: أيْ: مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ: بَدِيعٌ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي رِجالًا غَدَتْ مِن بَعْدِ مُوسى وأسْعَدا وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " بِدَعًا " بِفَتْحِ الدّالِّ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ: أيْ: ما كُنْتُ ذا بِدَعٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ عَلى الوَصْفِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ بِي فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ هَلْ أبْقى في مَكَّةَ أوْ أُخْرَجُ مِنها ؟ وهَلْ أمُوتُ أوْ أُقْتَلُ ؟ وهَلْ تُعَجَّلُ لَكُمُ العُقُوبَةُ أمْ تُمْهَلُونَ ؟ وهَذا إنَّما هو في الدُّنْيا. وأمّا في الآخِرَةِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ وأُمَّتَهُ في الجَنَّةِ وأنَّ الكافِرِينَ في النّارِ. وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّها لَمّا نَزَلَتْ فَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِنا، وأنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والأوَّلُ أوْلى ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُوحى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ: ما أتَّبِعُ إلّا القُرْآنَ ولا أبْتَدِعُ مِن عِنْدِي شَيْئًا، والمَعْنى: قَصْرُ أفْعالِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى الوَحْيِ لا قَصْرُ اتِّباعِهِ عَلى الوَحْيِ ﴿وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ وأُخَوِّفُكم عَذابَهُ عَلى وجْهِ الإيضاحِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: الخَطُّ. قالَ سُفْيانُ: لا أعْلَمُ إلّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يَعْنِي أنَّ الحَدِيثَ مَرْفُوعٌ لا مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّ، فَمَن صادَفَ مِثْلَ خَطِّهِ عَلِمَ» ومَعْنى هَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ ولِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ تَفاسِيرُ مُخْتَلِفَةٌ. ومِن أيْنَ لَنا أنَّ هَذِهِ الخُطُوطَ الرَّمْلِيَّةَ مُوافِقَةٌ لِذَلِكَ الخَطِّ، وأيْنَ السَّنَدُ الصَّحِيحُ إلى ذَلِكَ النَّبِيِّ، أوْ إلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أنَّ هَذا الخَطَّ هو عَلى صُورَةِ كَذا، فَلَيْسَ ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرَّمْلِ إلّا جَهالاتٌ وضَلالاتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: حُسْنُ الخَطِّ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: خَطٌّ كانَ يَخُطُّهُ العَرَبُ في الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: بَيِّنَةٌ مِنَ الأمْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ يَقُولُ: لَسْتُ بِأوَّلِ الرُّسُلِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ما يُفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أُمِّ العَلاءِ قالَتْ: «لَمّا ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أبا (p-١٣٦٣)السّائِبِ» شَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ ؟ أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: فَواللَّهِ لا أُزَكِّي بَعْدَهُ أحَدًا.

الزخرف 43:8

قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ بِمَكَّةَ قالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] يَعْنِي فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. (p-١٣٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ الكَلامُ هاهُنا في الإعْرابِ كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ فَإنْ جُعِلَتْ حم قَسَمًا كانَتِ الواوُ عاطِفَةً، وإنْ لَمْ تُجْعَلْ قَسَمًا فالواوُ لِلْقَسَمِ. وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن جَعَلَ جَوابَ والكِتابِ حم كَما تَقُولُ: نَزَلَ واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ وقَفَ عَلى الكِتابِ المُبِينِ، ومَعْنى جَعَلْناهُ أيْ: سَمَّيْناهُ ووَصَفْناهُ، ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا وقالَ مُجاهِدٌ: قُلْناهُ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: بَيَّنّاهُ عَرَبِيًّا وكَذا قالَ الزَّجّاجُ أيْ: أُنْزِلَ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ كِتابُهُ بِلِسانِ قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِأنَّ لِسانَ أهْلِ الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وتَتَعَقَّلُوا مَعانِيَهُ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ. ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لَدَيْنا أيْ: عِنْدَنا ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ رَفِيعُ القَدْرِ مُحْكَمُ النَّظْمِ لا يُوجَدُ فِيهِ اخْتِلافٌ ولا تَناقُصٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُقْسَمِ بِها داخِلَةٌ تَحْتَ مَعْنى القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ: أُمُّ الكِتابِ: أصْلُ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ وإنَّهُ أعْمالُ الخَلْقِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ. قالَ قَتادَةُ أخْبَرَ عَنْ مَنزِلَتِهِ وشَرَفِهِ وفَضْلِهِ أيْ: إنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ فَإنَّهُ عِنْدَنا شَرِيفٌ رَفِيعٌ مُحْكَمٌ مِنَ الباطِلِ. ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ يُقالُ: ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ: إذا تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى مَعْنى: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صافِحِينَ، والصَّفْحُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: صَفَحْتُ عَنْهُ إذا أعْرَضْتُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّكَ تُوَلِّيهِ صَفْحَةَ وجْهِكَ وعُنُقِكَ، المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا القُرْآنُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ طَيًّا فَلا تُوعَظُونَ ولا تُؤْمَرُونَ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ العَذابَ ولا نُعاقِبُكم عَلى إسْرافِكم وكُفْرِكم. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى أنُهْلِكُكم ولا نَأْمُرُكم ولا نَنْهاكم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَعْنى أفَنُمْسِكُ عَنْ إنْزالِ القُرْآنِ مِن قِبَلِ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ. وقِيلَ: الذِّكْرُ التَّذْكِيرُ، كَأنَّهُ قالَ: أنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنْ كُنْتُمْ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى أنَّها الشَّرْطِيَّةُ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى التَّعْلِيلِ أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُنْهَمِكِينَ في الإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ. ثُمَّ سَلّى - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ الَّتِي مَعْناها التَّكْثِيرُ، والمَعْنى: ما أكْثَرَ ما أرْسَلْنا مِنَ الأنْبِياءِ في الأُمَمِ السّابِقَةِ. ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كاسْتِهْزاءِ قَوْمِكَ بِكَ. ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: أهْلَكْنا قَوْمًا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ، وانْتِصابُ بَطْشًا عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أيْ: باطِشِينَ ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ ذِكْرُهم غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ قَتادَةُ: عُقُوبَتُهم، وقِيلَ: صِفَتُهم، والمَثَلُ الوَصْفُ والخَبَرُ. وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّ الأوَّلِينَ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وهَؤُلاءِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ والكُفْرِ بِما جِئْتَ بِهِ هَلَكُوا مِثْلَهم. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لَئِنْ سَألْتَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن قَوْمِكَ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ أقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُنَّ ولَمْ يُنْكِرُوا، وذَلِكَ أسْوَأُ لِحالِهِمْ وأشَدُّ لِعُقُوبَتِهِمْ، لِأنَّهم عَبَدُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ وجَعَلُوهُ شَرِيكًا لَهُ، بَلْ عَمَدُوا إلى ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهي الأصْنامُ فَجَعَلُوها شُرَكاءَ اللَّهِ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ: " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا " وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الكُفّارِ لَقالُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مِهادًا، والمِهادُ الفِراشُ والبِساطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِهادًا " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ مَهْدًا ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ أيْ: طُرُقًا تَسْلُكُونَها إلى حَيْثُ تُرِيدُونَ، وقِيلَ: مَعايِشَ تَعِيشُونَ بِها ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم ومَنافِعِكم. ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِقَدْرِ الحاجَةِ وحَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ولَمْ يُنْزِلْ عَلَيْكم مِنهُ فَوْقَ حاجَتِكم حَتّى يُهْلِكَ زَرائِعَكم ويَهْدِمَ مَنازِلَكم ويُهْلِكَكم بِالغَرَقِ، ولا دُونَها حَتّى تَحْتاجُوا إلى الزِّيادَةِ، وعَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ في أرْزاقِ عِبادِهِ بِالتَّوْسِيعِ تارَةً والتَّقْتِيرِ أُخْرى ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ: أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُقْفِرَةً مِنَ النَّباتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ عِيسى وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإحْياءِ لِلْأرْضِ بِإخْراجِ نَباتِها بَعْدَ أنْ كانَتْ لا نَباتَ بِها تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في آلِ عِمْرانَ والأعْرافِ. قَرَأ الجُمْهُورُ تُخْرَجُونَ مَبْنِيًّا (p-١٣٣٦)لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ المُرادُ بِالأزْواجِ هُنا الأصْنافُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الأصْنافُ كُلُّها. وقالَ الحَسَنُ: الشِّتاءُ والصَّيْفُ واللَّيْلُ والنَّهارُ والسَّماواتُ والأرْضُ والجَنَّةُ والنّارُ، وقِيلَ: أزْواجُ الحَيَوانِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، وقِيلَ: أزْواجُ النَّباتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] و﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [ الشُّعَراءِ: ٧، لُقْمانَ: ١٠ ] وقِيلَ: ما يَتَقَلَّبُ فِيهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ في البَحْرِ والبَرِّ أيْ: ما تَرْكَبُونَهُ. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، فَصارَ الواحِدُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ، وجُمِعَ الظَّهْرُ لِأنَّ المُرادَ ظُهُورُ هَذا الجِنْسِ، والِاسْتِواءُ الِاسْتِعْلاءُ أيْ: لِتَسْتَعْلُوا عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِن تَسْخِيرِ ذَلِكَ المَرْكَبِ في البَحْرِ والبَرِّ. وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هو أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي هَذا وحَمَلَنِي عَلَيْهِ ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ أيْ: ذَلَّلَ لَنا هَذا المَرْكَبَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " سُبْحانَ مَن سَخَّرَ لَنا هَذا " . قالَ قَتادَةُ: قَدْ عَلَّمَكم كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، ومَعْنى ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ما كُنّا لَهُ مُطِيقِينَ، يُقالُ: أقْرَنَ هَذا البَعِيرَ: إذا أطاقَهُ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: مُقْرِنِينَ ضابِطِينَ، وقِيلَ: مُماثِلِينَ لَهُ في القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: هو قِرْنُ فُلانٍ إذا كانَ مِثْلَهُ في القُوَّةِ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: ؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عُقَيْلٌ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا قالَ آخَرُ: ؎رَكِبْتُمْ صَعْبَتَيْ أشَرٍ وجُبْنٍ ∗∗∗ ولَسْتُمْ لِلصِّعابِ بِمُقْرِنِينا والمُرادُ بِالأنْعامِ هُنا: الإبِلُ خاصَّةً، وقِيلَ: الإبِلُ والبَقَرُ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: راجِعُونَ إلَيْهِ، وهَذا تَمامُ ما يُقالُ عِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ أوِ السَّفِينَةِ. ثُمَّ رَجَعَ - سُبْحانَهُ - إلى ذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قالَ قَتادَةُ أيْ: عِدْلًا، يَعْنِي ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ: الجُزْءُ هُنا البَناتُ، والجُزْءُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ البَناتُ، يُقالُ: قَدْ أجَزَأتِ المَرْأةُ: إذا ولَدَتِ البَناتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا وقَدْ جَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ مِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلى العَرَبِ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ رَواهُ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ، وهُما إماما اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وحافِظاها ومَن إلَيْهِما المُنْتَهى في مَعْرِفَتِها، ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالجُزْءِ هُنا المَلائِكَةُ فَإنَّهم جَعَلُوهم أوْلادَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ نَصِيبًا عَلى مَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ مِنَ الوِلْدانِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ الكُفْرانِ مُبالِغٌ فِيهِ، قِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الكافِرُ، فَإنَّهُ الَّذِي يَجْحَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ جُحُودًا بَيِّنًا. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ. وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أتَّخَذَ رَبُّكم لِنَفْسِهِ البَناتِ ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ؟ فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ المَفْضُولَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ولَكُمُ الفاضِلُ مِنهُما، يُقالُ: أصْفَيْتُهُ بِكَذا أيْ: آثَرْتُهُ بِهِ، وأصْفَيْتُهُ الوُدَّ: أخْلَصْتُهُ لَهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] وجُمْلَةُ وأصْفاكم مَعْطُوفَةٌ عَلى اتَّخَذَ داخِلَةٌ مَعَها تَحْتَ الإنْكارِ. ثُمَّ زادَ في تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أيْ: بِما جَعَلَهُ لِلرَّحْمَنِ - سُبْحانَهُ - مِن كَوْنِهِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ البَناتِ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا بُشِّرَ أحَدُهم بِأنَّها وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ اغْتَمَّ لِذَلِكَ وظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ: صارَ وجْهُهُ مُسْوَدًّا بِسَبَبِ حُدُوثِ الأُنْثى لَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الحادِثُ لَهُ ذَكَرًا مَكانَها ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الحُزْنِ كَثِيرُ الكَرْبِ مَمْلُوءٌ مِنهُ. قالَ قَتادَةُ: حَزِينٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَكْرُوبٌ، وقِيلَ: ساكِتٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ مَعْنى يُنَشَّؤُ يُرَبّى، والنُّشُوءُ التَّرْبِيَةُ، والحِلْيَةُ الزِّينَةُ، ومَن في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَعَلُوا، والمَعْنى: أوَجَعَلُوا لَهُ - سُبْحانَهُ - مَن شَأْنُهُ أنْ يُرَبّى في الزِّينَةِ وهو عاجِزٌ عَنْ أنْ يَقُومَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ، وإذا خُوصِمَ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ حُجَّتِهِ ودَفْعِ ما يُجادِلُهُ بِهِ خَصْمُهُ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أوَيَجْعَلُونَ لَهُ مَن يَنْشَأُ في الحِلْيَةِ أيْ: يَنْبُتُ في الزِّينَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَنْشَأُ " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ وثّابٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ. واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الهَرَوِيُّ: الفِعْلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى لازِمٌ، وعَلى الثّانِيَةِ مُتَعَدٍّ. والمَعْنى: يُرَبّى ويَكْبُرُ في الحِلْيَةِ. قالَ قَتادَةُ: قَلَّما تَتَكَلَّمُ امْرَأةٌ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِالحُجَّةِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ: الَّذِي يُنَشَّؤُ في الحِلْيَةِ أصْنامُهُمُ الَّتِي صاغُوها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ. " ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ " الجَعْلُ هُنا: بِمَعْنى القَوْلِ والحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أفْضَلَ النّاسِ أيْ: قُلْتَ بِذَلِكَ وحَكَمْتَ لَهُ بِهِ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ عِبادُ بِالجَمْعِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ: " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " بِنُونٍ ساكِنَةٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّ الإسْنادَ فِيها أعْلى، ولِأنَّ اللَّهَ إنَّما كَذَّبَهم في قَوْلِهِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، (p-١٣٣٧)فَأخْبَرَهم أنَّهم عِبادُهُ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: وتَصْدِيقُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] . ثُمَّ وبَّخَهم وقَرَّعَهم فَقالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ: أحَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ إيّاهم فَهو مِنَ الشَّهادَةِ الَّتِي هي الحُضُورُ، وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَجْهِيلٌ لَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَهِدُوا عَلى الِاسْتِفْهامِ بِدُونِ واوٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوَشَهِدُوا " . وقَرَأ الجُمْهُورُ " سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم " بِضَمِّ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِالنُّونِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ " شَهاداتُهم " بِالجَمْعِ، والمَعْنى: سَنَكْتُبُ هَذِهِ الشَّهادَةَ الَّتِي شَهِدُوا بِها في دِيوانِ أعْمالِهِمْ لِنُجازِيَهم عَلى ذَلِكَ ويُسْألُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم﴾ هَذا فَنٌّ آخَرُ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ جاءُوا بِهِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، ومَعْناهُ: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ في زَعْمِكم ما عَبَدْنا هَذِهِ المَلائِكَةَ، وهَذا كَلامٌ حَقٌّ يُرادُ بِهِ باطِلٌ، وقَدْ مَضى بَيانُهُ في الأنْعامِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - جَهْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِما قالُوهُ مِن أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ عَدَمَ عِبادَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ ما عَبَدُوهم مِن عِلْمٍ، بَلْ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ جَهْلًا، وأرادُوا بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحَقِّ باطِلًا، وزَعَمُوا أنَّهُ إذا شاءَ فَقَدْ رَضِيَ. ثُمَّ بَيَّنَ انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا يَكْذِبُونَ فِيما قالُوا ويَتَمَحَّلُونَ تَمَحُّلًا باطِلًا. وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ . قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: ما لَهم بِعِبادَةِ الأوْثانِ مِن عِلْمٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ القَلَمُ وأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والكِتابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ قالَ: أحْبَبْتُمْ أنْ يُصْفَحَ عَنْكم ولَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا سافَرَ رَكِبَ راحِلَتَهُ ثُمَّ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ: مُطِيقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ قالَ: هو النِّساءُ فَرَّقَ بَيْنَ زِيِّهِنَّ وزِيِّ الرِّجالِ، ونَقَصَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وبِالشَّهادَةِ، وأمَرَهُنَّ بِالقَعْدَةِ، وسَمّاهُنَّ الخَوالِفَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنْتُ أقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: ﴿الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾، فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: عِبادُ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْتُ: فَإنَّها في مُصْحَفِي " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " قالَ: فامْحُها واكْتُبْها عِبادَ الرَّحْمَنِ. * * (p-١٣٦١)وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ ( حم الأحْقافِ ) بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةَ الأحْقافِ وأقْرَأها آخَرَ فَخالَفَ قِراءَتَهُ، فَقُلْتُ مَن أقْرَأكَها ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَيْرَ ذا، فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، وقالَ الآخَرُ: ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، فَتَمَعَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: لِيَقْرَأْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ما سَمِعَ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالِاخْتِلافِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ١ - ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها مُسْتَوْفًى، وذَكَرْنا وجْهَ الإعْرابِ وبَيانَ ما هو الحَقُّ مِن أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُوكَلَ عِلْمُهُ إلى مَن أنْزَلَهُ. ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها إلّا بِالحَقِّ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ إلّا بِالحَقِّ، وبِأجَلٍ مُسَمًّى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، وهَذا الأجَلُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّها تَنْتَهِي فِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ. وقِيلَ المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى هو انْتِهاءُ أجَلِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَخْلُوقاتِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذا إشارَةٌ إلى قِيامِ السّاعَةِ وانْقِضاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ باطِلًا وعَبَثًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، بَلْ خَلَقَهُ لِلثَّوابِ والعِقابِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: عَمّا أُنْذِرُوا وخُوِّفُوا بِهِ في القُرْآنِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ مُعْرِضُونَ مُوَلُّونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْهُ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِهِ، و" ما " في قَوْلِهِ: ما أُنْذِرُوا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوْصُولَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِنها، وقَوْلُهُ: أرُونِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ " أرَأيْتُمْ ": أيْ أخْبِرُونِي أرُونِي والمَفْعُولُ الثّانِي لِ أرَأيْتُمْ ماذا خَلَقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ تَأْكِيدًا، بَلْ يَكُونُ هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ " أرَأيْتُمْ " يَطْلُبُ مَفْعُولًا ثانِيًا، و( أرُونِي ) كَذَلِكَ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ " أمْ " هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ فِيها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وإظْهارٌ لِعَجْزِهِمْ وقُصُورِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِبُطْلانِ الشِّرْكِ، وأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ السّاعَةَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيها، فَهَلْ لِلْمُشْرِكِينَ مِن كِتابٍ يُخالِفُ هَذا الكِتابَ، أوْ حُجَّةٌ تُنافِي هَذِهِ الحُجَّةَ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: " أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمِ " بَقِيَّةٍ مِنهُ، وكَذا الأثَرَةُ بِالتَّحْرِيكِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَقِيَّةٍ مِن عِلْمِ الأوَّلِينَ. وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ: يَعْنِي ما يُؤْثَرُ عَنْ كُتُبِ الأوَّلِينَ. قالَ الواحِدِيُّ: وهو مَعْنى قَوْلِ المُفَسِّرِينَ. قالَ عَطاءٌ: أوْ شَيْءٌ تَأْثُرُونَهُ عَنْ نَبِيٍّ كانَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . قالَ مُقاتِلٌ: أوْ رِوايَةٍ مِن عِلْمٍ عَنِ الأنْبِياءِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ أثارَةٍ: أيْ: عَلامَةٍ، والأثارَةُ: مَصْدَرٌ كالسَّماحَةِ والشَّجاعَةِ. وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الأثَرِ وهي الرِّوايَةُ. يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثُرُهُ أثْرَةً وأثارَةً وأثْرًا: إذا ذَكَرْتَهُ عَنْ غَيْرِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أثارَةٍ ) عَلى المَصْدَرِ كالسَّماحَةِ والغَوايَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ الكِسائِيُّ " أُثْرَةٍ " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها، وهي قَوْلُكم: إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ولَمْ تَأْتُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ لِقِيامِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ والنَّقْلِيِّ عَلى خِلافِهِ. ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أيْ لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ ولا أجْهَلُ، فَإنَّهُ دَعا مَن لا يَسْمَعُ، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في الإجابَةِ فَضْلًا عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ؟ فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّهُ (p-١٣٦٢)أجْهَلُ الجاهِلِينَ وأضَلُّ الضّالِّينَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْأصْنامِ، والثّانِي لِعابِدِيها، والمَعْنى: والأصْنامُ الَّتِي يَدْعُونَها عَنْ دُعائِهِمْ إيّاها غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، لا يَسْمَعُونَ ولا يَعْقِلُونَ لِكَوْنِهِمْ جَماداتٍ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، وأجْرى عَلى الأصْنامِ ما هو لِلْعُقَلاءِ لِاعْتِقادِ المُشْرِكِينَ فِيها أنَّها تَعْقِلُ. ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ أيْ: إذا حَشَرَ النّاسَ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ كانَ الأصْنامُ لَهم أعْداءً يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الحَياةَ في الأصْنامِ، فَتُكَذِّبُهم. وقِيلَ المُرادُ أنَّها تُكَذِّبُهم وتُعادِيهِمْ بِلِسانِ الحالِ لا بِلِسانِ المَقالِ. وأمّا المَلائِكَةُ، والمَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والشَّياطِينُ، فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِمَّنْ عَبَدَهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ كانَ المَعْبُودُونَ بِعِبادَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم كافِرِينَ: أيْ جاحِدِينَ مُكَذِّبِينَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ( كانُوا ) لِلْعابِدِينَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] والأوَّلُ أوْلى. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيْ: آياتُ القُرْآنِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتِ المَعانِي ظاهِراتِ الدَّلالاتِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ لِأجْلِهِ، وفي شَأْنِهِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ وقْتَ أنْ جاءَهم ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ السِّحْرِيَّةِ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن صَنِيعِهِمْ، وبَلْ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ سِحْرًا إلى قَوْلِهِمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ افْتَرى ما جاءَ بِهِ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يَخْفى. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ - كَما تَدَّعُونَ - فَلا تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَرُدُّوا عَنِّي عِقابَ اللَّهِ، فَكَيْفَ أفْتَرِي عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عِقابِهِ عَنِّي ﴿هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ تَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، والإفاضَةُ في الشَّيْءِ الخَوْضُ فِيهِ والِانْدِفاعُ فِيهِ، يُقالُ أفاضُوا في الحَدِيثِ: أيِ انْدَفَعُوا فِيهِ، وأفاضَ البَعِيرُ: إذا دَفَعَ جَرَّتَهُ مِن كَرِشِهِ. والمَعْنى: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَقُولُونَ في القُرْآنِ وتَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ لَهُ والقَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ وكِهانَةٌ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَشْهَدُ لِي بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ، وأنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ والجُحُودِ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ وصَدَّقَ بِالقُرْآنِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ: أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، والرَّحْمَةِ بَلِيغُهُما. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ المَبْدَأُ: أيْ: ما أنا بِأوَّلِ رَسُولٍ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلِي كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ. قِيلَ: البِدْعُ بِمَعْنى البَدِيعِ، كالخُفِّ والخَفِيفِ، والبَدِيعُ ما لَمْ يُرَ لَهُ مِثْلٌ، مِنَ الِابْتِداعِ وهو الِاخْتِراعُ، وشَيْءٌ بِدْعٌ بِالكَسْرِ: أيْ: مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ: بَدِيعٌ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ: ؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي رِجالًا غَدَتْ مِن بَعْدِ مُوسى وأسْعَدا وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " بِدَعًا " بِفَتْحِ الدّالِّ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ: أيْ: ما كُنْتُ ذا بِدَعٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ عَلى الوَصْفِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ بِي فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ هَلْ أبْقى في مَكَّةَ أوْ أُخْرَجُ مِنها ؟ وهَلْ أمُوتُ أوْ أُقْتَلُ ؟ وهَلْ تُعَجَّلُ لَكُمُ العُقُوبَةُ أمْ تُمْهَلُونَ ؟ وهَذا إنَّما هو في الدُّنْيا. وأمّا في الآخِرَةِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ وأُمَّتَهُ في الجَنَّةِ وأنَّ الكافِرِينَ في النّارِ. وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّها لَمّا نَزَلَتْ فَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِنا، وأنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والأوَّلُ أوْلى ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُوحى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ: ما أتَّبِعُ إلّا القُرْآنَ ولا أبْتَدِعُ مِن عِنْدِي شَيْئًا، والمَعْنى: قَصْرُ أفْعالِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى الوَحْيِ لا قَصْرُ اتِّباعِهِ عَلى الوَحْيِ ﴿وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ وأُخَوِّفُكم عَذابَهُ عَلى وجْهِ الإيضاحِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: الخَطُّ. قالَ سُفْيانُ: لا أعْلَمُ إلّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يَعْنِي أنَّ الحَدِيثَ مَرْفُوعٌ لا مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّ، فَمَن صادَفَ مِثْلَ خَطِّهِ عَلِمَ» ومَعْنى هَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ ولِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ تَفاسِيرُ مُخْتَلِفَةٌ. ومِن أيْنَ لَنا أنَّ هَذِهِ الخُطُوطَ الرَّمْلِيَّةَ مُوافِقَةٌ لِذَلِكَ الخَطِّ، وأيْنَ السَّنَدُ الصَّحِيحُ إلى ذَلِكَ النَّبِيِّ، أوْ إلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أنَّ هَذا الخَطَّ هو عَلى صُورَةِ كَذا، فَلَيْسَ ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرَّمْلِ إلّا جَهالاتٌ وضَلالاتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: حُسْنُ الخَطِّ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: خَطٌّ كانَ يَخُطُّهُ العَرَبُ في الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: بَيِّنَةٌ مِنَ الأمْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ يَقُولُ: لَسْتُ بِأوَّلِ الرُّسُلِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ما يُفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أُمِّ العَلاءِ قالَتْ: «لَمّا ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أبا (p-١٣٦٣)السّائِبِ» شَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ ؟ أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: فَواللَّهِ لا أُزَكِّي بَعْدَهُ أحَدًا.