Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الزخرف 43:9 – الزخرف 43:30
المحتويات
الزخرف 43:9
قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ بِمَكَّةَ قالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] يَعْنِي فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ.
(p-١٣٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ الكَلامُ هاهُنا في الإعْرابِ كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ فَإنْ جُعِلَتْ حم قَسَمًا كانَتِ الواوُ عاطِفَةً، وإنْ لَمْ تُجْعَلْ قَسَمًا فالواوُ لِلْقَسَمِ.
وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن جَعَلَ جَوابَ والكِتابِ حم كَما تَقُولُ: نَزَلَ واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ وقَفَ عَلى الكِتابِ المُبِينِ، ومَعْنى جَعَلْناهُ أيْ: سَمَّيْناهُ ووَصَفْناهُ، ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا وقالَ مُجاهِدٌ: قُلْناهُ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: بَيَّنّاهُ عَرَبِيًّا وكَذا قالَ الزَّجّاجُ أيْ: أُنْزِلَ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ كِتابُهُ بِلِسانِ قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِأنَّ لِسانَ أهْلِ الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وتَتَعَقَّلُوا مَعانِيَهُ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ.
﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لَدَيْنا أيْ: عِنْدَنا ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ رَفِيعُ القَدْرِ مُحْكَمُ النَّظْمِ لا يُوجَدُ فِيهِ اخْتِلافٌ ولا تَناقُصٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُقْسَمِ بِها داخِلَةٌ تَحْتَ مَعْنى القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها.
قالَ الزَّجّاجُ: أُمُّ الكِتابِ: أصْلُ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ وإنَّهُ أعْمالُ الخَلْقِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ.
قالَ قَتادَةُ أخْبَرَ عَنْ مَنزِلَتِهِ وشَرَفِهِ وفَضْلِهِ أيْ: إنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ فَإنَّهُ عِنْدَنا شَرِيفٌ رَفِيعٌ مُحْكَمٌ مِنَ الباطِلِ.
﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ يُقالُ: ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ: إذا تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى مَعْنى: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صافِحِينَ، والصَّفْحُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: صَفَحْتُ عَنْهُ إذا أعْرَضْتُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّكَ تُوَلِّيهِ صَفْحَةَ وجْهِكَ وعُنُقِكَ، المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا القُرْآنُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ.
قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ طَيًّا فَلا تُوعَظُونَ ولا تُؤْمَرُونَ.
وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ العَذابَ ولا نُعاقِبُكم عَلى إسْرافِكم وكُفْرِكم. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى أنُهْلِكُكم ولا نَأْمُرُكم ولا نَنْهاكم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَعْنى أفَنُمْسِكُ عَنْ إنْزالِ القُرْآنِ مِن قِبَلِ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ.
وقِيلَ: الذِّكْرُ التَّذْكِيرُ، كَأنَّهُ قالَ: أنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنْ كُنْتُمْ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى أنَّها الشَّرْطِيَّةُ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى التَّعْلِيلِ أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُنْهَمِكِينَ في الإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ.
ثُمَّ سَلّى - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ الَّتِي مَعْناها التَّكْثِيرُ، والمَعْنى: ما أكْثَرَ ما أرْسَلْنا مِنَ الأنْبِياءِ في الأُمَمِ السّابِقَةِ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كاسْتِهْزاءِ قَوْمِكَ بِكَ.
﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: أهْلَكْنا قَوْمًا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ، وانْتِصابُ بَطْشًا عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أيْ: باطِشِينَ ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ ذِكْرُهم غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ قَتادَةُ: عُقُوبَتُهم، وقِيلَ: صِفَتُهم، والمَثَلُ الوَصْفُ والخَبَرُ.
وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّ الأوَّلِينَ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وهَؤُلاءِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ والكُفْرِ بِما جِئْتَ بِهِ هَلَكُوا مِثْلَهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لَئِنْ سَألْتَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن قَوْمِكَ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ أقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُنَّ ولَمْ يُنْكِرُوا، وذَلِكَ أسْوَأُ لِحالِهِمْ وأشَدُّ لِعُقُوبَتِهِمْ، لِأنَّهم عَبَدُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ وجَعَلُوهُ شَرِيكًا لَهُ، بَلْ عَمَدُوا إلى ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهي الأصْنامُ فَجَعَلُوها شُرَكاءَ اللَّهِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ: " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا " وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الكُفّارِ لَقالُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مِهادًا، والمِهادُ الفِراشُ والبِساطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِهادًا " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ مَهْدًا ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ أيْ: طُرُقًا تَسْلُكُونَها إلى حَيْثُ تُرِيدُونَ، وقِيلَ: مَعايِشَ تَعِيشُونَ بِها ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم ومَنافِعِكم.
﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِقَدْرِ الحاجَةِ وحَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ولَمْ يُنْزِلْ عَلَيْكم مِنهُ فَوْقَ حاجَتِكم حَتّى يُهْلِكَ زَرائِعَكم ويَهْدِمَ مَنازِلَكم ويُهْلِكَكم بِالغَرَقِ، ولا دُونَها حَتّى تَحْتاجُوا إلى الزِّيادَةِ، وعَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ في أرْزاقِ عِبادِهِ بِالتَّوْسِيعِ تارَةً والتَّقْتِيرِ أُخْرى ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ: أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُقْفِرَةً مِنَ النَّباتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ عِيسى وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإحْياءِ لِلْأرْضِ بِإخْراجِ نَباتِها بَعْدَ أنْ كانَتْ لا نَباتَ بِها تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في آلِ عِمْرانَ والأعْرافِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُخْرَجُونَ مَبْنِيًّا (p-١٣٣٦)لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ المُرادُ بِالأزْواجِ هُنا الأصْنافُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الأصْنافُ كُلُّها.
وقالَ الحَسَنُ: الشِّتاءُ والصَّيْفُ واللَّيْلُ والنَّهارُ والسَّماواتُ والأرْضُ والجَنَّةُ والنّارُ، وقِيلَ: أزْواجُ الحَيَوانِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، وقِيلَ: أزْواجُ النَّباتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] و﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [ الشُّعَراءِ: ٧، لُقْمانَ: ١٠ ] وقِيلَ: ما يَتَقَلَّبُ فِيهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ في البَحْرِ والبَرِّ أيْ: ما تَرْكَبُونَهُ.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، فَصارَ الواحِدُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ، وجُمِعَ الظَّهْرُ لِأنَّ المُرادَ ظُهُورُ هَذا الجِنْسِ، والِاسْتِواءُ الِاسْتِعْلاءُ أيْ: لِتَسْتَعْلُوا عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِن تَسْخِيرِ ذَلِكَ المَرْكَبِ في البَحْرِ والبَرِّ.
وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هو أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي هَذا وحَمَلَنِي عَلَيْهِ ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ أيْ: ذَلَّلَ لَنا هَذا المَرْكَبَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " سُبْحانَ مَن سَخَّرَ لَنا هَذا " .
قالَ قَتادَةُ: قَدْ عَلَّمَكم كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، ومَعْنى ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ما كُنّا لَهُ مُطِيقِينَ، يُقالُ: أقْرَنَ هَذا البَعِيرَ: إذا أطاقَهُ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: مُقْرِنِينَ ضابِطِينَ، وقِيلَ: مُماثِلِينَ لَهُ في القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: هو قِرْنُ فُلانٍ إذا كانَ مِثْلَهُ في القُوَّةِ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عُقَيْلٌ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
قالَ آخَرُ:
؎رَكِبْتُمْ صَعْبَتَيْ أشَرٍ وجُبْنٍ ∗∗∗ ولَسْتُمْ لِلصِّعابِ بِمُقْرِنِينا
والمُرادُ بِالأنْعامِ هُنا: الإبِلُ خاصَّةً، وقِيلَ: الإبِلُ والبَقَرُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: راجِعُونَ إلَيْهِ، وهَذا تَمامُ ما يُقالُ عِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ أوِ السَّفِينَةِ.
ثُمَّ رَجَعَ - سُبْحانَهُ - إلى ذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قالَ قَتادَةُ أيْ: عِدْلًا، يَعْنِي ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ: الجُزْءُ هُنا البَناتُ، والجُزْءُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ البَناتُ، يُقالُ: قَدْ أجَزَأتِ المَرْأةُ: إذا ولَدَتِ البَناتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا
وقَدْ جَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ مِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلى العَرَبِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ رَواهُ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ، وهُما إماما اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وحافِظاها ومَن إلَيْهِما المُنْتَهى في مَعْرِفَتِها، ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالجُزْءِ هُنا المَلائِكَةُ فَإنَّهم جَعَلُوهم أوْلادَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ نَصِيبًا عَلى مَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ مِنَ الوِلْدانِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ الكُفْرانِ مُبالِغٌ فِيهِ، قِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الكافِرُ، فَإنَّهُ الَّذِي يَجْحَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ جُحُودًا بَيِّنًا.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ.
وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أتَّخَذَ رَبُّكم لِنَفْسِهِ البَناتِ ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ؟ فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ المَفْضُولَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ولَكُمُ الفاضِلُ مِنهُما، يُقالُ: أصْفَيْتُهُ بِكَذا أيْ: آثَرْتُهُ بِهِ، وأصْفَيْتُهُ الوُدَّ: أخْلَصْتُهُ لَهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] وجُمْلَةُ وأصْفاكم مَعْطُوفَةٌ عَلى اتَّخَذَ داخِلَةٌ مَعَها تَحْتَ الإنْكارِ.
ثُمَّ زادَ في تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أيْ: بِما جَعَلَهُ لِلرَّحْمَنِ - سُبْحانَهُ - مِن كَوْنِهِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ البَناتِ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا بُشِّرَ أحَدُهم بِأنَّها وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ اغْتَمَّ لِذَلِكَ وظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ: صارَ وجْهُهُ مُسْوَدًّا بِسَبَبِ حُدُوثِ الأُنْثى لَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الحادِثُ لَهُ ذَكَرًا مَكانَها ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الحُزْنِ كَثِيرُ الكَرْبِ مَمْلُوءٌ مِنهُ.
قالَ قَتادَةُ: حَزِينٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَكْرُوبٌ، وقِيلَ: ساكِتٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ مَعْنى يُنَشَّؤُ يُرَبّى، والنُّشُوءُ التَّرْبِيَةُ، والحِلْيَةُ الزِّينَةُ، ومَن في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَعَلُوا، والمَعْنى: أوَجَعَلُوا لَهُ - سُبْحانَهُ - مَن شَأْنُهُ أنْ يُرَبّى في الزِّينَةِ وهو عاجِزٌ عَنْ أنْ يَقُومَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ، وإذا خُوصِمَ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ حُجَّتِهِ ودَفْعِ ما يُجادِلُهُ بِهِ خَصْمُهُ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ.
قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أوَيَجْعَلُونَ لَهُ مَن يَنْشَأُ في الحِلْيَةِ أيْ: يَنْبُتُ في الزِّينَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يَنْشَأُ " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ وثّابٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ.
واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ.
قالَ الهَرَوِيُّ: الفِعْلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى لازِمٌ، وعَلى الثّانِيَةِ مُتَعَدٍّ. والمَعْنى: يُرَبّى ويَكْبُرُ في الحِلْيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: قَلَّما تَتَكَلَّمُ امْرَأةٌ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِالحُجَّةِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ: الَّذِي يُنَشَّؤُ في الحِلْيَةِ أصْنامُهُمُ الَّتِي صاغُوها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ.
" ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ " الجَعْلُ هُنا: بِمَعْنى القَوْلِ والحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أفْضَلَ النّاسِ أيْ: قُلْتَ بِذَلِكَ وحَكَمْتَ لَهُ بِهِ.
قَرَأ الكُوفِيُّونَ عِبادُ بِالجَمْعِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ: " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " بِنُونٍ ساكِنَةٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّ الإسْنادَ فِيها أعْلى، ولِأنَّ اللَّهَ إنَّما كَذَّبَهم في قَوْلِهِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، (p-١٣٣٧)فَأخْبَرَهم أنَّهم عِبادُهُ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: وتَصْدِيقُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] .
ثُمَّ وبَّخَهم وقَرَّعَهم فَقالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ: أحَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ إيّاهم فَهو مِنَ الشَّهادَةِ الَّتِي هي الحُضُورُ، وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَجْهِيلٌ لَهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ أشَهِدُوا عَلى الِاسْتِفْهامِ بِدُونِ واوٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوَشَهِدُوا " .
وقَرَأ الجُمْهُورُ " سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم " بِضَمِّ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِالنُّونِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ " شَهاداتُهم " بِالجَمْعِ، والمَعْنى: سَنَكْتُبُ هَذِهِ الشَّهادَةَ الَّتِي شَهِدُوا بِها في دِيوانِ أعْمالِهِمْ لِنُجازِيَهم عَلى ذَلِكَ ويُسْألُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم﴾ هَذا فَنٌّ آخَرُ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ جاءُوا بِهِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، ومَعْناهُ: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ في زَعْمِكم ما عَبَدْنا هَذِهِ المَلائِكَةَ، وهَذا كَلامٌ حَقٌّ يُرادُ بِهِ باطِلٌ، وقَدْ مَضى بَيانُهُ في الأنْعامِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - جَهْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِما قالُوهُ مِن أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ عَدَمَ عِبادَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ ما عَبَدُوهم مِن عِلْمٍ، بَلْ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ جَهْلًا، وأرادُوا بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحَقِّ باطِلًا، وزَعَمُوا أنَّهُ إذا شاءَ فَقَدْ رَضِيَ.
ثُمَّ بَيَّنَ انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا يَكْذِبُونَ فِيما قالُوا ويَتَمَحَّلُونَ تَمَحُّلًا باطِلًا.
وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ .
قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: ما لَهم بِعِبادَةِ الأوْثانِ مِن عِلْمٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ القَلَمُ وأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والكِتابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ قالَ: أحْبَبْتُمْ أنْ يُصْفَحَ عَنْكم ولَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا سافَرَ رَكِبَ راحِلَتَهُ ثُمَّ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ: مُطِيقِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ قالَ: هو النِّساءُ فَرَّقَ بَيْنَ زِيِّهِنَّ وزِيِّ الرِّجالِ، ونَقَصَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وبِالشَّهادَةِ، وأمَرَهُنَّ بِالقَعْدَةِ، وسَمّاهُنَّ الخَوالِفَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنْتُ أقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: ﴿الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾، فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: عِبادُ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْتُ: فَإنَّها في مُصْحَفِي " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " قالَ: فامْحُها واكْتُبْها عِبادَ الرَّحْمَنِ.
* *
(p-١٣٦١)وهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ ( حم الأحْقافِ ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةَ الأحْقافِ وأقْرَأها آخَرَ فَخالَفَ قِراءَتَهُ، فَقُلْتُ مَن أقْرَأكَها ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَيْرَ ذا، فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، وقالَ الآخَرُ: ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، فَتَمَعَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: لِيَقْرَأْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ما سَمِعَ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالِاخْتِلافِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ - ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها مُسْتَوْفًى، وذَكَرْنا وجْهَ الإعْرابِ وبَيانَ ما هو الحَقُّ مِن أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُوكَلَ عِلْمُهُ إلى مَن أنْزَلَهُ.
﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها إلّا بِالحَقِّ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ إلّا بِالحَقِّ، وبِأجَلٍ مُسَمًّى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، وهَذا الأجَلُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّها تَنْتَهِي فِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ.
وقِيلَ المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى هو انْتِهاءُ أجَلِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَخْلُوقاتِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذا إشارَةٌ إلى قِيامِ السّاعَةِ وانْقِضاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ باطِلًا وعَبَثًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، بَلْ خَلَقَهُ لِلثَّوابِ والعِقابِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: عَمّا أُنْذِرُوا وخُوِّفُوا بِهِ في القُرْآنِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ مُعْرِضُونَ مُوَلُّونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْهُ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِهِ، و" ما " في قَوْلِهِ: ما أُنْذِرُوا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوْصُولَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ.
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِنها، وقَوْلُهُ: أرُونِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ " أرَأيْتُمْ ": أيْ أخْبِرُونِي أرُونِي والمَفْعُولُ الثّانِي لِ أرَأيْتُمْ ماذا خَلَقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ تَأْكِيدًا، بَلْ يَكُونُ هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ " أرَأيْتُمْ " يَطْلُبُ مَفْعُولًا ثانِيًا، و( أرُونِي ) كَذَلِكَ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ " أمْ " هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ فِيها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وإظْهارٌ لِعَجْزِهِمْ وقُصُورِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِبُطْلانِ الشِّرْكِ، وأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ السّاعَةَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيها، فَهَلْ لِلْمُشْرِكِينَ مِن كِتابٍ يُخالِفُ هَذا الكِتابَ، أوْ حُجَّةٌ تُنافِي هَذِهِ الحُجَّةَ
﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: " أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمِ " بَقِيَّةٍ مِنهُ، وكَذا الأثَرَةُ بِالتَّحْرِيكِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَقِيَّةٍ مِن عِلْمِ الأوَّلِينَ.
وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ: يَعْنِي ما يُؤْثَرُ عَنْ كُتُبِ الأوَّلِينَ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو مَعْنى قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ عَطاءٌ: أوْ شَيْءٌ تَأْثُرُونَهُ عَنْ نَبِيٍّ كانَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قالَ مُقاتِلٌ: أوْ رِوايَةٍ مِن عِلْمٍ عَنِ الأنْبِياءِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ أثارَةٍ: أيْ: عَلامَةٍ، والأثارَةُ: مَصْدَرٌ كالسَّماحَةِ والشَّجاعَةِ. وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الأثَرِ وهي الرِّوايَةُ. يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثُرُهُ أثْرَةً وأثارَةً وأثْرًا: إذا ذَكَرْتَهُ عَنْ غَيْرِكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( أثارَةٍ ) عَلى المَصْدَرِ كالسَّماحَةِ والغَوايَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ " أُثْرَةٍ " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها، وهي قَوْلُكم: إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ولَمْ تَأْتُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ لِقِيامِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ والنَّقْلِيِّ عَلى خِلافِهِ.
﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أيْ لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ ولا أجْهَلُ، فَإنَّهُ دَعا مَن لا يَسْمَعُ، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في الإجابَةِ فَضْلًا عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ؟ فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّهُ (p-١٣٦٢)أجْهَلُ الجاهِلِينَ وأضَلُّ الضّالِّينَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْأصْنامِ، والثّانِي لِعابِدِيها، والمَعْنى: والأصْنامُ الَّتِي يَدْعُونَها عَنْ دُعائِهِمْ إيّاها غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، لا يَسْمَعُونَ ولا يَعْقِلُونَ لِكَوْنِهِمْ جَماداتٍ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، وأجْرى عَلى الأصْنامِ ما هو لِلْعُقَلاءِ لِاعْتِقادِ المُشْرِكِينَ فِيها أنَّها تَعْقِلُ.
﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ أيْ: إذا حَشَرَ النّاسَ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ كانَ الأصْنامُ لَهم أعْداءً يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الحَياةَ في الأصْنامِ، فَتُكَذِّبُهم.
وقِيلَ المُرادُ أنَّها تُكَذِّبُهم وتُعادِيهِمْ بِلِسانِ الحالِ لا بِلِسانِ المَقالِ.
وأمّا المَلائِكَةُ، والمَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والشَّياطِينُ، فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِمَّنْ عَبَدَهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ كانَ المَعْبُودُونَ بِعِبادَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم كافِرِينَ: أيْ جاحِدِينَ مُكَذِّبِينَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ( كانُوا ) لِلْعابِدِينَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] والأوَّلُ أوْلى.
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيْ: آياتُ القُرْآنِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتِ المَعانِي ظاهِراتِ الدَّلالاتِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ لِأجْلِهِ، وفي شَأْنِهِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ وقْتَ أنْ جاءَهم ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ السِّحْرِيَّةِ.
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن صَنِيعِهِمْ، وبَلْ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ سِحْرًا إلى قَوْلِهِمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ افْتَرى ما جاءَ بِهِ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يَخْفى.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ - كَما تَدَّعُونَ - فَلا تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَرُدُّوا عَنِّي عِقابَ اللَّهِ، فَكَيْفَ أفْتَرِي عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عِقابِهِ عَنِّي ﴿هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ تَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، والإفاضَةُ في الشَّيْءِ الخَوْضُ فِيهِ والِانْدِفاعُ فِيهِ، يُقالُ أفاضُوا في الحَدِيثِ: أيِ انْدَفَعُوا فِيهِ، وأفاضَ البَعِيرُ: إذا دَفَعَ جَرَّتَهُ مِن كَرِشِهِ.
والمَعْنى: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَقُولُونَ في القُرْآنِ وتَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ لَهُ والقَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ وكِهانَةٌ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَشْهَدُ لِي بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ، وأنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ والجُحُودِ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ وصَدَّقَ بِالقُرْآنِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ: أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، والرَّحْمَةِ بَلِيغُهُما.
﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ المَبْدَأُ: أيْ: ما أنا بِأوَّلِ رَسُولٍ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلِي كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ.
قِيلَ: البِدْعُ بِمَعْنى البَدِيعِ، كالخُفِّ والخَفِيفِ، والبَدِيعُ ما لَمْ يُرَ لَهُ مِثْلٌ، مِنَ الِابْتِداعِ وهو الِاخْتِراعُ، وشَيْءٌ بِدْعٌ بِالكَسْرِ: أيْ: مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ: بَدِيعٌ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ:
؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي رِجالًا غَدَتْ مِن بَعْدِ مُوسى وأسْعَدا
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " بِدَعًا " بِفَتْحِ الدّالِّ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ: أيْ: ما كُنْتُ ذا بِدَعٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ عَلى الوَصْفِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ بِي فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ هَلْ أبْقى في مَكَّةَ أوْ أُخْرَجُ مِنها ؟ وهَلْ أمُوتُ أوْ أُقْتَلُ ؟ وهَلْ تُعَجَّلُ لَكُمُ العُقُوبَةُ أمْ تُمْهَلُونَ ؟ وهَذا إنَّما هو في الدُّنْيا.
وأمّا في الآخِرَةِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ وأُمَّتَهُ في الجَنَّةِ وأنَّ الكافِرِينَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّها لَمّا نَزَلَتْ فَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِنا، وأنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والأوَّلُ أوْلى ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُوحى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ: ما أتَّبِعُ إلّا القُرْآنَ ولا أبْتَدِعُ مِن عِنْدِي شَيْئًا، والمَعْنى: قَصْرُ أفْعالِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى الوَحْيِ لا قَصْرُ اتِّباعِهِ عَلى الوَحْيِ ﴿وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ وأُخَوِّفُكم عَذابَهُ عَلى وجْهِ الإيضاحِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: الخَطُّ.
قالَ سُفْيانُ: لا أعْلَمُ إلّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يَعْنِي أنَّ الحَدِيثَ مَرْفُوعٌ لا مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّ، فَمَن صادَفَ مِثْلَ خَطِّهِ عَلِمَ» ومَعْنى هَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ ولِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ تَفاسِيرُ مُخْتَلِفَةٌ.
ومِن أيْنَ لَنا أنَّ هَذِهِ الخُطُوطَ الرَّمْلِيَّةَ مُوافِقَةٌ لِذَلِكَ الخَطِّ، وأيْنَ السَّنَدُ الصَّحِيحُ إلى ذَلِكَ النَّبِيِّ، أوْ إلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أنَّ هَذا الخَطَّ هو عَلى صُورَةِ كَذا، فَلَيْسَ ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرَّمْلِ إلّا جَهالاتٌ وضَلالاتٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: حُسْنُ الخَطِّ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: خَطٌّ كانَ يَخُطُّهُ العَرَبُ في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: بَيِّنَةٌ مِنَ الأمْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ يَقُولُ: لَسْتُ بِأوَّلِ الرُّسُلِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ما يُفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أُمِّ العَلاءِ قالَتْ: «لَمّا ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أبا (p-١٣٦٣)السّائِبِ» شَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ ؟ أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: فَواللَّهِ لا أُزَكِّي بَعْدَهُ أحَدًا.
الزخرف 43:10
قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ بِمَكَّةَ قالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] يَعْنِي فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ.
(p-١٣٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ الكَلامُ هاهُنا في الإعْرابِ كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ فَإنْ جُعِلَتْ حم قَسَمًا كانَتِ الواوُ عاطِفَةً، وإنْ لَمْ تُجْعَلْ قَسَمًا فالواوُ لِلْقَسَمِ.
وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن جَعَلَ جَوابَ والكِتابِ حم كَما تَقُولُ: نَزَلَ واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ وقَفَ عَلى الكِتابِ المُبِينِ، ومَعْنى جَعَلْناهُ أيْ: سَمَّيْناهُ ووَصَفْناهُ، ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا وقالَ مُجاهِدٌ: قُلْناهُ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: بَيَّنّاهُ عَرَبِيًّا وكَذا قالَ الزَّجّاجُ أيْ: أُنْزِلَ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ كِتابُهُ بِلِسانِ قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِأنَّ لِسانَ أهْلِ الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وتَتَعَقَّلُوا مَعانِيَهُ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ.
﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لَدَيْنا أيْ: عِنْدَنا ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ رَفِيعُ القَدْرِ مُحْكَمُ النَّظْمِ لا يُوجَدُ فِيهِ اخْتِلافٌ ولا تَناقُصٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُقْسَمِ بِها داخِلَةٌ تَحْتَ مَعْنى القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها.
قالَ الزَّجّاجُ: أُمُّ الكِتابِ: أصْلُ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ وإنَّهُ أعْمالُ الخَلْقِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ.
قالَ قَتادَةُ أخْبَرَ عَنْ مَنزِلَتِهِ وشَرَفِهِ وفَضْلِهِ أيْ: إنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ فَإنَّهُ عِنْدَنا شَرِيفٌ رَفِيعٌ مُحْكَمٌ مِنَ الباطِلِ.
﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ يُقالُ: ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ: إذا تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى مَعْنى: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صافِحِينَ، والصَّفْحُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: صَفَحْتُ عَنْهُ إذا أعْرَضْتُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّكَ تُوَلِّيهِ صَفْحَةَ وجْهِكَ وعُنُقِكَ، المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا القُرْآنُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ.
قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ طَيًّا فَلا تُوعَظُونَ ولا تُؤْمَرُونَ.
وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ العَذابَ ولا نُعاقِبُكم عَلى إسْرافِكم وكُفْرِكم. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى أنُهْلِكُكم ولا نَأْمُرُكم ولا نَنْهاكم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَعْنى أفَنُمْسِكُ عَنْ إنْزالِ القُرْآنِ مِن قِبَلِ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ.
وقِيلَ: الذِّكْرُ التَّذْكِيرُ، كَأنَّهُ قالَ: أنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنْ كُنْتُمْ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى أنَّها الشَّرْطِيَّةُ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى التَّعْلِيلِ أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُنْهَمِكِينَ في الإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ.
ثُمَّ سَلّى - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ الَّتِي مَعْناها التَّكْثِيرُ، والمَعْنى: ما أكْثَرَ ما أرْسَلْنا مِنَ الأنْبِياءِ في الأُمَمِ السّابِقَةِ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كاسْتِهْزاءِ قَوْمِكَ بِكَ.
﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: أهْلَكْنا قَوْمًا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ، وانْتِصابُ بَطْشًا عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أيْ: باطِشِينَ ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ ذِكْرُهم غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ قَتادَةُ: عُقُوبَتُهم، وقِيلَ: صِفَتُهم، والمَثَلُ الوَصْفُ والخَبَرُ.
وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّ الأوَّلِينَ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وهَؤُلاءِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ والكُفْرِ بِما جِئْتَ بِهِ هَلَكُوا مِثْلَهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لَئِنْ سَألْتَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن قَوْمِكَ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ أقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُنَّ ولَمْ يُنْكِرُوا، وذَلِكَ أسْوَأُ لِحالِهِمْ وأشَدُّ لِعُقُوبَتِهِمْ، لِأنَّهم عَبَدُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ وجَعَلُوهُ شَرِيكًا لَهُ، بَلْ عَمَدُوا إلى ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهي الأصْنامُ فَجَعَلُوها شُرَكاءَ اللَّهِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ: " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا " وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الكُفّارِ لَقالُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مِهادًا، والمِهادُ الفِراشُ والبِساطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِهادًا " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ مَهْدًا ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ أيْ: طُرُقًا تَسْلُكُونَها إلى حَيْثُ تُرِيدُونَ، وقِيلَ: مَعايِشَ تَعِيشُونَ بِها ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم ومَنافِعِكم.
﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِقَدْرِ الحاجَةِ وحَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ولَمْ يُنْزِلْ عَلَيْكم مِنهُ فَوْقَ حاجَتِكم حَتّى يُهْلِكَ زَرائِعَكم ويَهْدِمَ مَنازِلَكم ويُهْلِكَكم بِالغَرَقِ، ولا دُونَها حَتّى تَحْتاجُوا إلى الزِّيادَةِ، وعَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ في أرْزاقِ عِبادِهِ بِالتَّوْسِيعِ تارَةً والتَّقْتِيرِ أُخْرى ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ: أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُقْفِرَةً مِنَ النَّباتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ عِيسى وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإحْياءِ لِلْأرْضِ بِإخْراجِ نَباتِها بَعْدَ أنْ كانَتْ لا نَباتَ بِها تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في آلِ عِمْرانَ والأعْرافِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُخْرَجُونَ مَبْنِيًّا (p-١٣٣٦)لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ المُرادُ بِالأزْواجِ هُنا الأصْنافُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الأصْنافُ كُلُّها.
وقالَ الحَسَنُ: الشِّتاءُ والصَّيْفُ واللَّيْلُ والنَّهارُ والسَّماواتُ والأرْضُ والجَنَّةُ والنّارُ، وقِيلَ: أزْواجُ الحَيَوانِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، وقِيلَ: أزْواجُ النَّباتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] و﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [ الشُّعَراءِ: ٧، لُقْمانَ: ١٠ ] وقِيلَ: ما يَتَقَلَّبُ فِيهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ في البَحْرِ والبَرِّ أيْ: ما تَرْكَبُونَهُ.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، فَصارَ الواحِدُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ، وجُمِعَ الظَّهْرُ لِأنَّ المُرادَ ظُهُورُ هَذا الجِنْسِ، والِاسْتِواءُ الِاسْتِعْلاءُ أيْ: لِتَسْتَعْلُوا عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِن تَسْخِيرِ ذَلِكَ المَرْكَبِ في البَحْرِ والبَرِّ.
وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هو أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي هَذا وحَمَلَنِي عَلَيْهِ ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ أيْ: ذَلَّلَ لَنا هَذا المَرْكَبَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " سُبْحانَ مَن سَخَّرَ لَنا هَذا " .
قالَ قَتادَةُ: قَدْ عَلَّمَكم كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، ومَعْنى ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ما كُنّا لَهُ مُطِيقِينَ، يُقالُ: أقْرَنَ هَذا البَعِيرَ: إذا أطاقَهُ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: مُقْرِنِينَ ضابِطِينَ، وقِيلَ: مُماثِلِينَ لَهُ في القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: هو قِرْنُ فُلانٍ إذا كانَ مِثْلَهُ في القُوَّةِ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عُقَيْلٌ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
قالَ آخَرُ:
؎رَكِبْتُمْ صَعْبَتَيْ أشَرٍ وجُبْنٍ ∗∗∗ ولَسْتُمْ لِلصِّعابِ بِمُقْرِنِينا
والمُرادُ بِالأنْعامِ هُنا: الإبِلُ خاصَّةً، وقِيلَ: الإبِلُ والبَقَرُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: راجِعُونَ إلَيْهِ، وهَذا تَمامُ ما يُقالُ عِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ أوِ السَّفِينَةِ.
ثُمَّ رَجَعَ - سُبْحانَهُ - إلى ذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قالَ قَتادَةُ أيْ: عِدْلًا، يَعْنِي ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ: الجُزْءُ هُنا البَناتُ، والجُزْءُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ البَناتُ، يُقالُ: قَدْ أجَزَأتِ المَرْأةُ: إذا ولَدَتِ البَناتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا
وقَدْ جَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ مِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلى العَرَبِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ رَواهُ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ، وهُما إماما اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وحافِظاها ومَن إلَيْهِما المُنْتَهى في مَعْرِفَتِها، ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالجُزْءِ هُنا المَلائِكَةُ فَإنَّهم جَعَلُوهم أوْلادَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ نَصِيبًا عَلى مَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ مِنَ الوِلْدانِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ الكُفْرانِ مُبالِغٌ فِيهِ، قِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الكافِرُ، فَإنَّهُ الَّذِي يَجْحَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ جُحُودًا بَيِّنًا.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ.
وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أتَّخَذَ رَبُّكم لِنَفْسِهِ البَناتِ ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ؟ فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ المَفْضُولَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ولَكُمُ الفاضِلُ مِنهُما، يُقالُ: أصْفَيْتُهُ بِكَذا أيْ: آثَرْتُهُ بِهِ، وأصْفَيْتُهُ الوُدَّ: أخْلَصْتُهُ لَهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] وجُمْلَةُ وأصْفاكم مَعْطُوفَةٌ عَلى اتَّخَذَ داخِلَةٌ مَعَها تَحْتَ الإنْكارِ.
ثُمَّ زادَ في تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أيْ: بِما جَعَلَهُ لِلرَّحْمَنِ - سُبْحانَهُ - مِن كَوْنِهِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ البَناتِ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا بُشِّرَ أحَدُهم بِأنَّها وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ اغْتَمَّ لِذَلِكَ وظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ: صارَ وجْهُهُ مُسْوَدًّا بِسَبَبِ حُدُوثِ الأُنْثى لَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الحادِثُ لَهُ ذَكَرًا مَكانَها ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الحُزْنِ كَثِيرُ الكَرْبِ مَمْلُوءٌ مِنهُ.
قالَ قَتادَةُ: حَزِينٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَكْرُوبٌ، وقِيلَ: ساكِتٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ مَعْنى يُنَشَّؤُ يُرَبّى، والنُّشُوءُ التَّرْبِيَةُ، والحِلْيَةُ الزِّينَةُ، ومَن في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَعَلُوا، والمَعْنى: أوَجَعَلُوا لَهُ - سُبْحانَهُ - مَن شَأْنُهُ أنْ يُرَبّى في الزِّينَةِ وهو عاجِزٌ عَنْ أنْ يَقُومَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ، وإذا خُوصِمَ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ حُجَّتِهِ ودَفْعِ ما يُجادِلُهُ بِهِ خَصْمُهُ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ.
قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أوَيَجْعَلُونَ لَهُ مَن يَنْشَأُ في الحِلْيَةِ أيْ: يَنْبُتُ في الزِّينَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يَنْشَأُ " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ وثّابٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ.
واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ.
قالَ الهَرَوِيُّ: الفِعْلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى لازِمٌ، وعَلى الثّانِيَةِ مُتَعَدٍّ. والمَعْنى: يُرَبّى ويَكْبُرُ في الحِلْيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: قَلَّما تَتَكَلَّمُ امْرَأةٌ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِالحُجَّةِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ: الَّذِي يُنَشَّؤُ في الحِلْيَةِ أصْنامُهُمُ الَّتِي صاغُوها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ.
" ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ " الجَعْلُ هُنا: بِمَعْنى القَوْلِ والحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أفْضَلَ النّاسِ أيْ: قُلْتَ بِذَلِكَ وحَكَمْتَ لَهُ بِهِ.
قَرَأ الكُوفِيُّونَ عِبادُ بِالجَمْعِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ: " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " بِنُونٍ ساكِنَةٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّ الإسْنادَ فِيها أعْلى، ولِأنَّ اللَّهَ إنَّما كَذَّبَهم في قَوْلِهِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، (p-١٣٣٧)فَأخْبَرَهم أنَّهم عِبادُهُ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: وتَصْدِيقُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] .
ثُمَّ وبَّخَهم وقَرَّعَهم فَقالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ: أحَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ إيّاهم فَهو مِنَ الشَّهادَةِ الَّتِي هي الحُضُورُ، وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَجْهِيلٌ لَهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ أشَهِدُوا عَلى الِاسْتِفْهامِ بِدُونِ واوٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوَشَهِدُوا " .
وقَرَأ الجُمْهُورُ " سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم " بِضَمِّ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِالنُّونِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ " شَهاداتُهم " بِالجَمْعِ، والمَعْنى: سَنَكْتُبُ هَذِهِ الشَّهادَةَ الَّتِي شَهِدُوا بِها في دِيوانِ أعْمالِهِمْ لِنُجازِيَهم عَلى ذَلِكَ ويُسْألُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم﴾ هَذا فَنٌّ آخَرُ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ جاءُوا بِهِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، ومَعْناهُ: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ في زَعْمِكم ما عَبَدْنا هَذِهِ المَلائِكَةَ، وهَذا كَلامٌ حَقٌّ يُرادُ بِهِ باطِلٌ، وقَدْ مَضى بَيانُهُ في الأنْعامِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - جَهْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِما قالُوهُ مِن أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ عَدَمَ عِبادَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ ما عَبَدُوهم مِن عِلْمٍ، بَلْ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ جَهْلًا، وأرادُوا بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحَقِّ باطِلًا، وزَعَمُوا أنَّهُ إذا شاءَ فَقَدْ رَضِيَ.
ثُمَّ بَيَّنَ انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا يَكْذِبُونَ فِيما قالُوا ويَتَمَحَّلُونَ تَمَحُّلًا باطِلًا.
وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ .
قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: ما لَهم بِعِبادَةِ الأوْثانِ مِن عِلْمٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ القَلَمُ وأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والكِتابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ قالَ: أحْبَبْتُمْ أنْ يُصْفَحَ عَنْكم ولَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا سافَرَ رَكِبَ راحِلَتَهُ ثُمَّ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ: مُطِيقِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ قالَ: هو النِّساءُ فَرَّقَ بَيْنَ زِيِّهِنَّ وزِيِّ الرِّجالِ، ونَقَصَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وبِالشَّهادَةِ، وأمَرَهُنَّ بِالقَعْدَةِ، وسَمّاهُنَّ الخَوالِفَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنْتُ أقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: ﴿الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾، فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: عِبادُ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْتُ: فَإنَّها في مُصْحَفِي " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " قالَ: فامْحُها واكْتُبْها عِبادَ الرَّحْمَنِ.
* *
(p-١٣٦١)وهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ ( حم الأحْقافِ ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةَ الأحْقافِ وأقْرَأها آخَرَ فَخالَفَ قِراءَتَهُ، فَقُلْتُ مَن أقْرَأكَها ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَيْرَ ذا، فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، وقالَ الآخَرُ: ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، فَتَمَعَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: لِيَقْرَأْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ما سَمِعَ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالِاخْتِلافِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ - ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها مُسْتَوْفًى، وذَكَرْنا وجْهَ الإعْرابِ وبَيانَ ما هو الحَقُّ مِن أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُوكَلَ عِلْمُهُ إلى مَن أنْزَلَهُ.
﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها إلّا بِالحَقِّ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ إلّا بِالحَقِّ، وبِأجَلٍ مُسَمًّى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، وهَذا الأجَلُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّها تَنْتَهِي فِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ.
وقِيلَ المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى هو انْتِهاءُ أجَلِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَخْلُوقاتِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذا إشارَةٌ إلى قِيامِ السّاعَةِ وانْقِضاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ باطِلًا وعَبَثًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، بَلْ خَلَقَهُ لِلثَّوابِ والعِقابِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: عَمّا أُنْذِرُوا وخُوِّفُوا بِهِ في القُرْآنِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ مُعْرِضُونَ مُوَلُّونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْهُ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِهِ، و" ما " في قَوْلِهِ: ما أُنْذِرُوا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوْصُولَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ.
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِنها، وقَوْلُهُ: أرُونِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ " أرَأيْتُمْ ": أيْ أخْبِرُونِي أرُونِي والمَفْعُولُ الثّانِي لِ أرَأيْتُمْ ماذا خَلَقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ تَأْكِيدًا، بَلْ يَكُونُ هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ " أرَأيْتُمْ " يَطْلُبُ مَفْعُولًا ثانِيًا، و( أرُونِي ) كَذَلِكَ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ " أمْ " هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ فِيها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وإظْهارٌ لِعَجْزِهِمْ وقُصُورِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِبُطْلانِ الشِّرْكِ، وأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ السّاعَةَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيها، فَهَلْ لِلْمُشْرِكِينَ مِن كِتابٍ يُخالِفُ هَذا الكِتابَ، أوْ حُجَّةٌ تُنافِي هَذِهِ الحُجَّةَ
﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: " أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمِ " بَقِيَّةٍ مِنهُ، وكَذا الأثَرَةُ بِالتَّحْرِيكِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَقِيَّةٍ مِن عِلْمِ الأوَّلِينَ.
وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ: يَعْنِي ما يُؤْثَرُ عَنْ كُتُبِ الأوَّلِينَ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو مَعْنى قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ عَطاءٌ: أوْ شَيْءٌ تَأْثُرُونَهُ عَنْ نَبِيٍّ كانَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قالَ مُقاتِلٌ: أوْ رِوايَةٍ مِن عِلْمٍ عَنِ الأنْبِياءِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ أثارَةٍ: أيْ: عَلامَةٍ، والأثارَةُ: مَصْدَرٌ كالسَّماحَةِ والشَّجاعَةِ. وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الأثَرِ وهي الرِّوايَةُ. يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثُرُهُ أثْرَةً وأثارَةً وأثْرًا: إذا ذَكَرْتَهُ عَنْ غَيْرِكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( أثارَةٍ ) عَلى المَصْدَرِ كالسَّماحَةِ والغَوايَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ " أُثْرَةٍ " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها، وهي قَوْلُكم: إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ولَمْ تَأْتُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ لِقِيامِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ والنَّقْلِيِّ عَلى خِلافِهِ.
﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أيْ لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ ولا أجْهَلُ، فَإنَّهُ دَعا مَن لا يَسْمَعُ، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في الإجابَةِ فَضْلًا عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ؟ فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّهُ (p-١٣٦٢)أجْهَلُ الجاهِلِينَ وأضَلُّ الضّالِّينَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْأصْنامِ، والثّانِي لِعابِدِيها، والمَعْنى: والأصْنامُ الَّتِي يَدْعُونَها عَنْ دُعائِهِمْ إيّاها غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، لا يَسْمَعُونَ ولا يَعْقِلُونَ لِكَوْنِهِمْ جَماداتٍ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، وأجْرى عَلى الأصْنامِ ما هو لِلْعُقَلاءِ لِاعْتِقادِ المُشْرِكِينَ فِيها أنَّها تَعْقِلُ.
﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ أيْ: إذا حَشَرَ النّاسَ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ كانَ الأصْنامُ لَهم أعْداءً يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الحَياةَ في الأصْنامِ، فَتُكَذِّبُهم.
وقِيلَ المُرادُ أنَّها تُكَذِّبُهم وتُعادِيهِمْ بِلِسانِ الحالِ لا بِلِسانِ المَقالِ.
وأمّا المَلائِكَةُ، والمَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والشَّياطِينُ، فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِمَّنْ عَبَدَهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ كانَ المَعْبُودُونَ بِعِبادَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم كافِرِينَ: أيْ جاحِدِينَ مُكَذِّبِينَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ( كانُوا ) لِلْعابِدِينَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] والأوَّلُ أوْلى.
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيْ: آياتُ القُرْآنِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتِ المَعانِي ظاهِراتِ الدَّلالاتِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ لِأجْلِهِ، وفي شَأْنِهِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ وقْتَ أنْ جاءَهم ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ السِّحْرِيَّةِ.
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن صَنِيعِهِمْ، وبَلْ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ سِحْرًا إلى قَوْلِهِمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ افْتَرى ما جاءَ بِهِ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يَخْفى.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ - كَما تَدَّعُونَ - فَلا تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَرُدُّوا عَنِّي عِقابَ اللَّهِ، فَكَيْفَ أفْتَرِي عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عِقابِهِ عَنِّي ﴿هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ تَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، والإفاضَةُ في الشَّيْءِ الخَوْضُ فِيهِ والِانْدِفاعُ فِيهِ، يُقالُ أفاضُوا في الحَدِيثِ: أيِ انْدَفَعُوا فِيهِ، وأفاضَ البَعِيرُ: إذا دَفَعَ جَرَّتَهُ مِن كَرِشِهِ.
والمَعْنى: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَقُولُونَ في القُرْآنِ وتَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ لَهُ والقَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ وكِهانَةٌ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَشْهَدُ لِي بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ، وأنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ والجُحُودِ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ وصَدَّقَ بِالقُرْآنِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ: أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، والرَّحْمَةِ بَلِيغُهُما.
﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ المَبْدَأُ: أيْ: ما أنا بِأوَّلِ رَسُولٍ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلِي كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ.
قِيلَ: البِدْعُ بِمَعْنى البَدِيعِ، كالخُفِّ والخَفِيفِ، والبَدِيعُ ما لَمْ يُرَ لَهُ مِثْلٌ، مِنَ الِابْتِداعِ وهو الِاخْتِراعُ، وشَيْءٌ بِدْعٌ بِالكَسْرِ: أيْ: مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ: بَدِيعٌ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ:
؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي رِجالًا غَدَتْ مِن بَعْدِ مُوسى وأسْعَدا
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " بِدَعًا " بِفَتْحِ الدّالِّ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ: أيْ: ما كُنْتُ ذا بِدَعٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ عَلى الوَصْفِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ بِي فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ هَلْ أبْقى في مَكَّةَ أوْ أُخْرَجُ مِنها ؟ وهَلْ أمُوتُ أوْ أُقْتَلُ ؟ وهَلْ تُعَجَّلُ لَكُمُ العُقُوبَةُ أمْ تُمْهَلُونَ ؟ وهَذا إنَّما هو في الدُّنْيا.
وأمّا في الآخِرَةِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ وأُمَّتَهُ في الجَنَّةِ وأنَّ الكافِرِينَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّها لَمّا نَزَلَتْ فَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِنا، وأنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والأوَّلُ أوْلى ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُوحى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ: ما أتَّبِعُ إلّا القُرْآنَ ولا أبْتَدِعُ مِن عِنْدِي شَيْئًا، والمَعْنى: قَصْرُ أفْعالِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى الوَحْيِ لا قَصْرُ اتِّباعِهِ عَلى الوَحْيِ ﴿وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ وأُخَوِّفُكم عَذابَهُ عَلى وجْهِ الإيضاحِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: الخَطُّ.
قالَ سُفْيانُ: لا أعْلَمُ إلّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يَعْنِي أنَّ الحَدِيثَ مَرْفُوعٌ لا مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّ، فَمَن صادَفَ مِثْلَ خَطِّهِ عَلِمَ» ومَعْنى هَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ ولِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ تَفاسِيرُ مُخْتَلِفَةٌ.
ومِن أيْنَ لَنا أنَّ هَذِهِ الخُطُوطَ الرَّمْلِيَّةَ مُوافِقَةٌ لِذَلِكَ الخَطِّ، وأيْنَ السَّنَدُ الصَّحِيحُ إلى ذَلِكَ النَّبِيِّ، أوْ إلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أنَّ هَذا الخَطَّ هو عَلى صُورَةِ كَذا، فَلَيْسَ ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرَّمْلِ إلّا جَهالاتٌ وضَلالاتٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: حُسْنُ الخَطِّ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: خَطٌّ كانَ يَخُطُّهُ العَرَبُ في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: بَيِّنَةٌ مِنَ الأمْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ يَقُولُ: لَسْتُ بِأوَّلِ الرُّسُلِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ما يُفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أُمِّ العَلاءِ قالَتْ: «لَمّا ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أبا (p-١٣٦٣)السّائِبِ» شَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ ؟ أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: فَواللَّهِ لا أُزَكِّي بَعْدَهُ أحَدًا.
الزخرف 43:11
قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ بِمَكَّةَ قالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] يَعْنِي فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ.
(p-١٣٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ الكَلامُ هاهُنا في الإعْرابِ كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ فَإنْ جُعِلَتْ حم قَسَمًا كانَتِ الواوُ عاطِفَةً، وإنْ لَمْ تُجْعَلْ قَسَمًا فالواوُ لِلْقَسَمِ.
وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن جَعَلَ جَوابَ والكِتابِ حم كَما تَقُولُ: نَزَلَ واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ وقَفَ عَلى الكِتابِ المُبِينِ، ومَعْنى جَعَلْناهُ أيْ: سَمَّيْناهُ ووَصَفْناهُ، ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا وقالَ مُجاهِدٌ: قُلْناهُ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: بَيَّنّاهُ عَرَبِيًّا وكَذا قالَ الزَّجّاجُ أيْ: أُنْزِلَ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ كِتابُهُ بِلِسانِ قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِأنَّ لِسانَ أهْلِ الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وتَتَعَقَّلُوا مَعانِيَهُ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ.
﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لَدَيْنا أيْ: عِنْدَنا ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ رَفِيعُ القَدْرِ مُحْكَمُ النَّظْمِ لا يُوجَدُ فِيهِ اخْتِلافٌ ولا تَناقُصٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُقْسَمِ بِها داخِلَةٌ تَحْتَ مَعْنى القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها.
قالَ الزَّجّاجُ: أُمُّ الكِتابِ: أصْلُ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ وإنَّهُ أعْمالُ الخَلْقِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ.
قالَ قَتادَةُ أخْبَرَ عَنْ مَنزِلَتِهِ وشَرَفِهِ وفَضْلِهِ أيْ: إنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ فَإنَّهُ عِنْدَنا شَرِيفٌ رَفِيعٌ مُحْكَمٌ مِنَ الباطِلِ.
﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ يُقالُ: ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ: إذا تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى مَعْنى: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صافِحِينَ، والصَّفْحُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: صَفَحْتُ عَنْهُ إذا أعْرَضْتُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّكَ تُوَلِّيهِ صَفْحَةَ وجْهِكَ وعُنُقِكَ، المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا القُرْآنُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ.
قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ طَيًّا فَلا تُوعَظُونَ ولا تُؤْمَرُونَ.
وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ العَذابَ ولا نُعاقِبُكم عَلى إسْرافِكم وكُفْرِكم. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى أنُهْلِكُكم ولا نَأْمُرُكم ولا نَنْهاكم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَعْنى أفَنُمْسِكُ عَنْ إنْزالِ القُرْآنِ مِن قِبَلِ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ.
وقِيلَ: الذِّكْرُ التَّذْكِيرُ، كَأنَّهُ قالَ: أنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنْ كُنْتُمْ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى أنَّها الشَّرْطِيَّةُ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى التَّعْلِيلِ أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُنْهَمِكِينَ في الإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ.
ثُمَّ سَلّى - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ الَّتِي مَعْناها التَّكْثِيرُ، والمَعْنى: ما أكْثَرَ ما أرْسَلْنا مِنَ الأنْبِياءِ في الأُمَمِ السّابِقَةِ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كاسْتِهْزاءِ قَوْمِكَ بِكَ.
﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: أهْلَكْنا قَوْمًا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ، وانْتِصابُ بَطْشًا عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أيْ: باطِشِينَ ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ ذِكْرُهم غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ قَتادَةُ: عُقُوبَتُهم، وقِيلَ: صِفَتُهم، والمَثَلُ الوَصْفُ والخَبَرُ.
وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّ الأوَّلِينَ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وهَؤُلاءِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ والكُفْرِ بِما جِئْتَ بِهِ هَلَكُوا مِثْلَهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لَئِنْ سَألْتَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن قَوْمِكَ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ أقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُنَّ ولَمْ يُنْكِرُوا، وذَلِكَ أسْوَأُ لِحالِهِمْ وأشَدُّ لِعُقُوبَتِهِمْ، لِأنَّهم عَبَدُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ وجَعَلُوهُ شَرِيكًا لَهُ، بَلْ عَمَدُوا إلى ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهي الأصْنامُ فَجَعَلُوها شُرَكاءَ اللَّهِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ: " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا " وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الكُفّارِ لَقالُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مِهادًا، والمِهادُ الفِراشُ والبِساطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِهادًا " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ مَهْدًا ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ أيْ: طُرُقًا تَسْلُكُونَها إلى حَيْثُ تُرِيدُونَ، وقِيلَ: مَعايِشَ تَعِيشُونَ بِها ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم ومَنافِعِكم.
﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِقَدْرِ الحاجَةِ وحَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ولَمْ يُنْزِلْ عَلَيْكم مِنهُ فَوْقَ حاجَتِكم حَتّى يُهْلِكَ زَرائِعَكم ويَهْدِمَ مَنازِلَكم ويُهْلِكَكم بِالغَرَقِ، ولا دُونَها حَتّى تَحْتاجُوا إلى الزِّيادَةِ، وعَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ في أرْزاقِ عِبادِهِ بِالتَّوْسِيعِ تارَةً والتَّقْتِيرِ أُخْرى ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ: أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُقْفِرَةً مِنَ النَّباتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ عِيسى وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإحْياءِ لِلْأرْضِ بِإخْراجِ نَباتِها بَعْدَ أنْ كانَتْ لا نَباتَ بِها تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في آلِ عِمْرانَ والأعْرافِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُخْرَجُونَ مَبْنِيًّا (p-١٣٣٦)لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ المُرادُ بِالأزْواجِ هُنا الأصْنافُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الأصْنافُ كُلُّها.
وقالَ الحَسَنُ: الشِّتاءُ والصَّيْفُ واللَّيْلُ والنَّهارُ والسَّماواتُ والأرْضُ والجَنَّةُ والنّارُ، وقِيلَ: أزْواجُ الحَيَوانِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، وقِيلَ: أزْواجُ النَّباتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] و﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [ الشُّعَراءِ: ٧، لُقْمانَ: ١٠ ] وقِيلَ: ما يَتَقَلَّبُ فِيهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ في البَحْرِ والبَرِّ أيْ: ما تَرْكَبُونَهُ.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، فَصارَ الواحِدُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ، وجُمِعَ الظَّهْرُ لِأنَّ المُرادَ ظُهُورُ هَذا الجِنْسِ، والِاسْتِواءُ الِاسْتِعْلاءُ أيْ: لِتَسْتَعْلُوا عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِن تَسْخِيرِ ذَلِكَ المَرْكَبِ في البَحْرِ والبَرِّ.
وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هو أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي هَذا وحَمَلَنِي عَلَيْهِ ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ أيْ: ذَلَّلَ لَنا هَذا المَرْكَبَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " سُبْحانَ مَن سَخَّرَ لَنا هَذا " .
قالَ قَتادَةُ: قَدْ عَلَّمَكم كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، ومَعْنى ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ما كُنّا لَهُ مُطِيقِينَ، يُقالُ: أقْرَنَ هَذا البَعِيرَ: إذا أطاقَهُ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: مُقْرِنِينَ ضابِطِينَ، وقِيلَ: مُماثِلِينَ لَهُ في القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: هو قِرْنُ فُلانٍ إذا كانَ مِثْلَهُ في القُوَّةِ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عُقَيْلٌ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
قالَ آخَرُ:
؎رَكِبْتُمْ صَعْبَتَيْ أشَرٍ وجُبْنٍ ∗∗∗ ولَسْتُمْ لِلصِّعابِ بِمُقْرِنِينا
والمُرادُ بِالأنْعامِ هُنا: الإبِلُ خاصَّةً، وقِيلَ: الإبِلُ والبَقَرُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: راجِعُونَ إلَيْهِ، وهَذا تَمامُ ما يُقالُ عِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ أوِ السَّفِينَةِ.
ثُمَّ رَجَعَ - سُبْحانَهُ - إلى ذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قالَ قَتادَةُ أيْ: عِدْلًا، يَعْنِي ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ: الجُزْءُ هُنا البَناتُ، والجُزْءُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ البَناتُ، يُقالُ: قَدْ أجَزَأتِ المَرْأةُ: إذا ولَدَتِ البَناتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا
وقَدْ جَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ مِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلى العَرَبِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ رَواهُ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ، وهُما إماما اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وحافِظاها ومَن إلَيْهِما المُنْتَهى في مَعْرِفَتِها، ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالجُزْءِ هُنا المَلائِكَةُ فَإنَّهم جَعَلُوهم أوْلادَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ نَصِيبًا عَلى مَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ مِنَ الوِلْدانِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ الكُفْرانِ مُبالِغٌ فِيهِ، قِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الكافِرُ، فَإنَّهُ الَّذِي يَجْحَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ جُحُودًا بَيِّنًا.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ.
وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أتَّخَذَ رَبُّكم لِنَفْسِهِ البَناتِ ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ؟ فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ المَفْضُولَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ولَكُمُ الفاضِلُ مِنهُما، يُقالُ: أصْفَيْتُهُ بِكَذا أيْ: آثَرْتُهُ بِهِ، وأصْفَيْتُهُ الوُدَّ: أخْلَصْتُهُ لَهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] وجُمْلَةُ وأصْفاكم مَعْطُوفَةٌ عَلى اتَّخَذَ داخِلَةٌ مَعَها تَحْتَ الإنْكارِ.
ثُمَّ زادَ في تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أيْ: بِما جَعَلَهُ لِلرَّحْمَنِ - سُبْحانَهُ - مِن كَوْنِهِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ البَناتِ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا بُشِّرَ أحَدُهم بِأنَّها وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ اغْتَمَّ لِذَلِكَ وظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ: صارَ وجْهُهُ مُسْوَدًّا بِسَبَبِ حُدُوثِ الأُنْثى لَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الحادِثُ لَهُ ذَكَرًا مَكانَها ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الحُزْنِ كَثِيرُ الكَرْبِ مَمْلُوءٌ مِنهُ.
قالَ قَتادَةُ: حَزِينٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَكْرُوبٌ، وقِيلَ: ساكِتٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ مَعْنى يُنَشَّؤُ يُرَبّى، والنُّشُوءُ التَّرْبِيَةُ، والحِلْيَةُ الزِّينَةُ، ومَن في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَعَلُوا، والمَعْنى: أوَجَعَلُوا لَهُ - سُبْحانَهُ - مَن شَأْنُهُ أنْ يُرَبّى في الزِّينَةِ وهو عاجِزٌ عَنْ أنْ يَقُومَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ، وإذا خُوصِمَ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ حُجَّتِهِ ودَفْعِ ما يُجادِلُهُ بِهِ خَصْمُهُ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ.
قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أوَيَجْعَلُونَ لَهُ مَن يَنْشَأُ في الحِلْيَةِ أيْ: يَنْبُتُ في الزِّينَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يَنْشَأُ " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ وثّابٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ.
واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ.
قالَ الهَرَوِيُّ: الفِعْلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى لازِمٌ، وعَلى الثّانِيَةِ مُتَعَدٍّ. والمَعْنى: يُرَبّى ويَكْبُرُ في الحِلْيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: قَلَّما تَتَكَلَّمُ امْرَأةٌ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِالحُجَّةِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ: الَّذِي يُنَشَّؤُ في الحِلْيَةِ أصْنامُهُمُ الَّتِي صاغُوها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ.
" ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ " الجَعْلُ هُنا: بِمَعْنى القَوْلِ والحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أفْضَلَ النّاسِ أيْ: قُلْتَ بِذَلِكَ وحَكَمْتَ لَهُ بِهِ.
قَرَأ الكُوفِيُّونَ عِبادُ بِالجَمْعِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ: " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " بِنُونٍ ساكِنَةٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّ الإسْنادَ فِيها أعْلى، ولِأنَّ اللَّهَ إنَّما كَذَّبَهم في قَوْلِهِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، (p-١٣٣٧)فَأخْبَرَهم أنَّهم عِبادُهُ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: وتَصْدِيقُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] .
ثُمَّ وبَّخَهم وقَرَّعَهم فَقالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ: أحَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ إيّاهم فَهو مِنَ الشَّهادَةِ الَّتِي هي الحُضُورُ، وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَجْهِيلٌ لَهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ أشَهِدُوا عَلى الِاسْتِفْهامِ بِدُونِ واوٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوَشَهِدُوا " .
وقَرَأ الجُمْهُورُ " سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم " بِضَمِّ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِالنُّونِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ " شَهاداتُهم " بِالجَمْعِ، والمَعْنى: سَنَكْتُبُ هَذِهِ الشَّهادَةَ الَّتِي شَهِدُوا بِها في دِيوانِ أعْمالِهِمْ لِنُجازِيَهم عَلى ذَلِكَ ويُسْألُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم﴾ هَذا فَنٌّ آخَرُ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ جاءُوا بِهِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، ومَعْناهُ: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ في زَعْمِكم ما عَبَدْنا هَذِهِ المَلائِكَةَ، وهَذا كَلامٌ حَقٌّ يُرادُ بِهِ باطِلٌ، وقَدْ مَضى بَيانُهُ في الأنْعامِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - جَهْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِما قالُوهُ مِن أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ عَدَمَ عِبادَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ ما عَبَدُوهم مِن عِلْمٍ، بَلْ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ جَهْلًا، وأرادُوا بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحَقِّ باطِلًا، وزَعَمُوا أنَّهُ إذا شاءَ فَقَدْ رَضِيَ.
ثُمَّ بَيَّنَ انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا يَكْذِبُونَ فِيما قالُوا ويَتَمَحَّلُونَ تَمَحُّلًا باطِلًا.
وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ .
قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: ما لَهم بِعِبادَةِ الأوْثانِ مِن عِلْمٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ القَلَمُ وأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والكِتابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ قالَ: أحْبَبْتُمْ أنْ يُصْفَحَ عَنْكم ولَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا سافَرَ رَكِبَ راحِلَتَهُ ثُمَّ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ: مُطِيقِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ قالَ: هو النِّساءُ فَرَّقَ بَيْنَ زِيِّهِنَّ وزِيِّ الرِّجالِ، ونَقَصَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وبِالشَّهادَةِ، وأمَرَهُنَّ بِالقَعْدَةِ، وسَمّاهُنَّ الخَوالِفَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنْتُ أقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: ﴿الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾، فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: عِبادُ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْتُ: فَإنَّها في مُصْحَفِي " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " قالَ: فامْحُها واكْتُبْها عِبادَ الرَّحْمَنِ.
* *
(p-١٣٦١)وهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ ( حم الأحْقافِ ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةَ الأحْقافِ وأقْرَأها آخَرَ فَخالَفَ قِراءَتَهُ، فَقُلْتُ مَن أقْرَأكَها ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَيْرَ ذا، فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، وقالَ الآخَرُ: ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، فَتَمَعَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: لِيَقْرَأْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ما سَمِعَ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالِاخْتِلافِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ - ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها مُسْتَوْفًى، وذَكَرْنا وجْهَ الإعْرابِ وبَيانَ ما هو الحَقُّ مِن أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُوكَلَ عِلْمُهُ إلى مَن أنْزَلَهُ.
﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها إلّا بِالحَقِّ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ إلّا بِالحَقِّ، وبِأجَلٍ مُسَمًّى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، وهَذا الأجَلُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّها تَنْتَهِي فِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ.
وقِيلَ المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى هو انْتِهاءُ أجَلِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَخْلُوقاتِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذا إشارَةٌ إلى قِيامِ السّاعَةِ وانْقِضاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ باطِلًا وعَبَثًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، بَلْ خَلَقَهُ لِلثَّوابِ والعِقابِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: عَمّا أُنْذِرُوا وخُوِّفُوا بِهِ في القُرْآنِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ مُعْرِضُونَ مُوَلُّونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْهُ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِهِ، و" ما " في قَوْلِهِ: ما أُنْذِرُوا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوْصُولَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ.
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِنها، وقَوْلُهُ: أرُونِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ " أرَأيْتُمْ ": أيْ أخْبِرُونِي أرُونِي والمَفْعُولُ الثّانِي لِ أرَأيْتُمْ ماذا خَلَقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ تَأْكِيدًا، بَلْ يَكُونُ هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ " أرَأيْتُمْ " يَطْلُبُ مَفْعُولًا ثانِيًا، و( أرُونِي ) كَذَلِكَ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ " أمْ " هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ فِيها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وإظْهارٌ لِعَجْزِهِمْ وقُصُورِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِبُطْلانِ الشِّرْكِ، وأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ السّاعَةَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيها، فَهَلْ لِلْمُشْرِكِينَ مِن كِتابٍ يُخالِفُ هَذا الكِتابَ، أوْ حُجَّةٌ تُنافِي هَذِهِ الحُجَّةَ
﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: " أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمِ " بَقِيَّةٍ مِنهُ، وكَذا الأثَرَةُ بِالتَّحْرِيكِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَقِيَّةٍ مِن عِلْمِ الأوَّلِينَ.
وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ: يَعْنِي ما يُؤْثَرُ عَنْ كُتُبِ الأوَّلِينَ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو مَعْنى قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ عَطاءٌ: أوْ شَيْءٌ تَأْثُرُونَهُ عَنْ نَبِيٍّ كانَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قالَ مُقاتِلٌ: أوْ رِوايَةٍ مِن عِلْمٍ عَنِ الأنْبِياءِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ أثارَةٍ: أيْ: عَلامَةٍ، والأثارَةُ: مَصْدَرٌ كالسَّماحَةِ والشَّجاعَةِ. وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الأثَرِ وهي الرِّوايَةُ. يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثُرُهُ أثْرَةً وأثارَةً وأثْرًا: إذا ذَكَرْتَهُ عَنْ غَيْرِكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( أثارَةٍ ) عَلى المَصْدَرِ كالسَّماحَةِ والغَوايَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ " أُثْرَةٍ " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها، وهي قَوْلُكم: إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ولَمْ تَأْتُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ لِقِيامِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ والنَّقْلِيِّ عَلى خِلافِهِ.
﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أيْ لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ ولا أجْهَلُ، فَإنَّهُ دَعا مَن لا يَسْمَعُ، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في الإجابَةِ فَضْلًا عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ؟ فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّهُ (p-١٣٦٢)أجْهَلُ الجاهِلِينَ وأضَلُّ الضّالِّينَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْأصْنامِ، والثّانِي لِعابِدِيها، والمَعْنى: والأصْنامُ الَّتِي يَدْعُونَها عَنْ دُعائِهِمْ إيّاها غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، لا يَسْمَعُونَ ولا يَعْقِلُونَ لِكَوْنِهِمْ جَماداتٍ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، وأجْرى عَلى الأصْنامِ ما هو لِلْعُقَلاءِ لِاعْتِقادِ المُشْرِكِينَ فِيها أنَّها تَعْقِلُ.
﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ أيْ: إذا حَشَرَ النّاسَ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ كانَ الأصْنامُ لَهم أعْداءً يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الحَياةَ في الأصْنامِ، فَتُكَذِّبُهم.
وقِيلَ المُرادُ أنَّها تُكَذِّبُهم وتُعادِيهِمْ بِلِسانِ الحالِ لا بِلِسانِ المَقالِ.
وأمّا المَلائِكَةُ، والمَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والشَّياطِينُ، فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِمَّنْ عَبَدَهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ كانَ المَعْبُودُونَ بِعِبادَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم كافِرِينَ: أيْ جاحِدِينَ مُكَذِّبِينَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ( كانُوا ) لِلْعابِدِينَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] والأوَّلُ أوْلى.
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيْ: آياتُ القُرْآنِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتِ المَعانِي ظاهِراتِ الدَّلالاتِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ لِأجْلِهِ، وفي شَأْنِهِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ وقْتَ أنْ جاءَهم ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ السِّحْرِيَّةِ.
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن صَنِيعِهِمْ، وبَلْ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ سِحْرًا إلى قَوْلِهِمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ افْتَرى ما جاءَ بِهِ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يَخْفى.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ - كَما تَدَّعُونَ - فَلا تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَرُدُّوا عَنِّي عِقابَ اللَّهِ، فَكَيْفَ أفْتَرِي عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عِقابِهِ عَنِّي ﴿هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ تَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، والإفاضَةُ في الشَّيْءِ الخَوْضُ فِيهِ والِانْدِفاعُ فِيهِ، يُقالُ أفاضُوا في الحَدِيثِ: أيِ انْدَفَعُوا فِيهِ، وأفاضَ البَعِيرُ: إذا دَفَعَ جَرَّتَهُ مِن كَرِشِهِ.
والمَعْنى: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَقُولُونَ في القُرْآنِ وتَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ لَهُ والقَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ وكِهانَةٌ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَشْهَدُ لِي بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ، وأنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ والجُحُودِ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ وصَدَّقَ بِالقُرْآنِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ: أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، والرَّحْمَةِ بَلِيغُهُما.
﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ المَبْدَأُ: أيْ: ما أنا بِأوَّلِ رَسُولٍ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلِي كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ.
قِيلَ: البِدْعُ بِمَعْنى البَدِيعِ، كالخُفِّ والخَفِيفِ، والبَدِيعُ ما لَمْ يُرَ لَهُ مِثْلٌ، مِنَ الِابْتِداعِ وهو الِاخْتِراعُ، وشَيْءٌ بِدْعٌ بِالكَسْرِ: أيْ: مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ: بَدِيعٌ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ:
؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي رِجالًا غَدَتْ مِن بَعْدِ مُوسى وأسْعَدا
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " بِدَعًا " بِفَتْحِ الدّالِّ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ: أيْ: ما كُنْتُ ذا بِدَعٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ عَلى الوَصْفِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ بِي فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ هَلْ أبْقى في مَكَّةَ أوْ أُخْرَجُ مِنها ؟ وهَلْ أمُوتُ أوْ أُقْتَلُ ؟ وهَلْ تُعَجَّلُ لَكُمُ العُقُوبَةُ أمْ تُمْهَلُونَ ؟ وهَذا إنَّما هو في الدُّنْيا.
وأمّا في الآخِرَةِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ وأُمَّتَهُ في الجَنَّةِ وأنَّ الكافِرِينَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّها لَمّا نَزَلَتْ فَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِنا، وأنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والأوَّلُ أوْلى ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُوحى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ: ما أتَّبِعُ إلّا القُرْآنَ ولا أبْتَدِعُ مِن عِنْدِي شَيْئًا، والمَعْنى: قَصْرُ أفْعالِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى الوَحْيِ لا قَصْرُ اتِّباعِهِ عَلى الوَحْيِ ﴿وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ وأُخَوِّفُكم عَذابَهُ عَلى وجْهِ الإيضاحِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: الخَطُّ.
قالَ سُفْيانُ: لا أعْلَمُ إلّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يَعْنِي أنَّ الحَدِيثَ مَرْفُوعٌ لا مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّ، فَمَن صادَفَ مِثْلَ خَطِّهِ عَلِمَ» ومَعْنى هَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ ولِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ تَفاسِيرُ مُخْتَلِفَةٌ.
ومِن أيْنَ لَنا أنَّ هَذِهِ الخُطُوطَ الرَّمْلِيَّةَ مُوافِقَةٌ لِذَلِكَ الخَطِّ، وأيْنَ السَّنَدُ الصَّحِيحُ إلى ذَلِكَ النَّبِيِّ، أوْ إلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أنَّ هَذا الخَطَّ هو عَلى صُورَةِ كَذا، فَلَيْسَ ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرَّمْلِ إلّا جَهالاتٌ وضَلالاتٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: حُسْنُ الخَطِّ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: خَطٌّ كانَ يَخُطُّهُ العَرَبُ في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: بَيِّنَةٌ مِنَ الأمْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ يَقُولُ: لَسْتُ بِأوَّلِ الرُّسُلِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ما يُفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أُمِّ العَلاءِ قالَتْ: «لَمّا ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أبا (p-١٣٦٣)السّائِبِ» شَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ ؟ أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: فَواللَّهِ لا أُزَكِّي بَعْدَهُ أحَدًا.
الزخرف 43:12
قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ بِمَكَّةَ قالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] يَعْنِي فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ.
(p-١٣٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ الكَلامُ هاهُنا في الإعْرابِ كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ فَإنْ جُعِلَتْ حم قَسَمًا كانَتِ الواوُ عاطِفَةً، وإنْ لَمْ تُجْعَلْ قَسَمًا فالواوُ لِلْقَسَمِ.
وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ﴾ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن جَعَلَ جَوابَ والكِتابِ حم كَما تَقُولُ: نَزَلَ واللَّهِ، وجَبَ واللَّهِ وقَفَ عَلى الكِتابِ المُبِينِ، ومَعْنى جَعَلْناهُ أيْ: سَمَّيْناهُ ووَصَفْناهُ، ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا وقالَ مُجاهِدٌ: قُلْناهُ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: بَيَّنّاهُ عَرَبِيًّا وكَذا قالَ الزَّجّاجُ أيْ: أُنْزِلَ بِلِسانِ العَرَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ كِتابُهُ بِلِسانِ قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِأنَّ لِسانَ أهْلِ الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وتَتَعَقَّلُوا مَعانِيَهُ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ.
﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لَدَيْنا أيْ: عِنْدَنا ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ رَفِيعُ القَدْرِ مُحْكَمُ النَّظْمِ لا يُوجَدُ فِيهِ اخْتِلافٌ ولا تَناقُصٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُقْسَمِ بِها داخِلَةٌ تَحْتَ مَعْنى القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها.
قالَ الزَّجّاجُ: أُمُّ الكِتابِ: أصْلُ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ بِقَوْلِهِ وإنَّهُ أعْمالُ الخَلْقِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ.
قالَ قَتادَةُ أخْبَرَ عَنْ مَنزِلَتِهِ وشَرَفِهِ وفَضْلِهِ أيْ: إنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ فَإنَّهُ عِنْدَنا شَرِيفٌ رَفِيعٌ مُحْكَمٌ مِنَ الباطِلِ.
﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ يُقالُ: ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ: إذا تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وانْتِصابُ صَفْحًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى مَعْنى: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صافِحِينَ، والصَّفْحُ مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: صَفَحْتُ عَنْهُ إذا أعْرَضْتُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّكَ تُوَلِّيهِ صَفْحَةَ وجْهِكَ وعُنُقِكَ، المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا القُرْآنُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ.
قالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ طَيًّا فَلا تُوعَظُونَ ولا تُؤْمَرُونَ.
وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ والسُّدِّيُّ: أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ العَذابَ ولا نُعاقِبُكم عَلى إسْرافِكم وكُفْرِكم. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى أنُهْلِكُكم ولا نَأْمُرُكم ولا نَنْهاكم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَعْنى أفَنُمْسِكُ عَنْ إنْزالِ القُرْآنِ مِن قِبَلِ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ.
وقِيلَ: الذِّكْرُ التَّذْكِيرُ، كَأنَّهُ قالَ: أنَتْرُكُ تَذْكِيرَكم ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنْ كُنْتُمْ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى أنَّها الشَّرْطِيَّةُ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى التَّعْلِيلِ أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُنْهَمِكِينَ في الإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ.
ثُمَّ سَلّى - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ الَّتِي مَعْناها التَّكْثِيرُ، والمَعْنى: ما أكْثَرَ ما أرْسَلْنا مِنَ الأنْبِياءِ في الأُمَمِ السّابِقَةِ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كاسْتِهْزاءِ قَوْمِكَ بِكَ.
﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: أهْلَكْنا قَوْمًا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ، وانْتِصابُ بَطْشًا عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أيْ: باطِشِينَ ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سَلَفَ في القُرْآنِ ذِكْرُهم غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ قَتادَةُ: عُقُوبَتُهم، وقِيلَ: صِفَتُهم، والمَثَلُ الوَصْفُ والخَبَرُ.
وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّ الأوَّلِينَ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وهَؤُلاءِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ والكُفْرِ بِما جِئْتَ بِهِ هَلَكُوا مِثْلَهم.
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لَئِنْ سَألْتَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ مِن قَوْمِكَ مَن خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ أقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُنَّ ولَمْ يُنْكِرُوا، وذَلِكَ أسْوَأُ لِحالِهِمْ وأشَدُّ لِعُقُوبَتِهِمْ، لِأنَّهم عَبَدُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ وجَعَلُوهُ شَرِيكًا لَهُ، بَلْ عَمَدُوا إلى ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهي الأصْنامُ فَجَعَلُوها شُرَكاءَ اللَّهِ.
ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ: " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا " وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الكُفّارِ لَقالُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مِهادًا، والمِهادُ الفِراشُ والبِساطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، قَرَأ الجُمْهُورُ " مِهادًا " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ مَهْدًا ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ أيْ: طُرُقًا تَسْلُكُونَها إلى حَيْثُ تُرِيدُونَ، وقِيلَ: مَعايِشَ تَعِيشُونَ بِها ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم ومَنافِعِكم.
﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِقَدْرِ الحاجَةِ وحَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ولَمْ يُنْزِلْ عَلَيْكم مِنهُ فَوْقَ حاجَتِكم حَتّى يُهْلِكَ زَرائِعَكم ويَهْدِمَ مَنازِلَكم ويُهْلِكَكم بِالغَرَقِ، ولا دُونَها حَتّى تَحْتاجُوا إلى الزِّيادَةِ، وعَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ في أرْزاقِ عِبادِهِ بِالتَّوْسِيعِ تارَةً والتَّقْتِيرِ أُخْرى ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ: أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُقْفِرَةً مِنَ النَّباتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ عِيسى وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإحْياءِ لِلْأرْضِ بِإخْراجِ نَباتِها بَعْدَ أنْ كانَتْ لا نَباتَ بِها تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في آلِ عِمْرانَ والأعْرافِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُخْرَجُونَ مَبْنِيًّا (p-١٣٣٦)لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ المُرادُ بِالأزْواجِ هُنا الأصْنافُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الأصْنافُ كُلُّها.
وقالَ الحَسَنُ: الشِّتاءُ والصَّيْفُ واللَّيْلُ والنَّهارُ والسَّماواتُ والأرْضُ والجَنَّةُ والنّارُ، وقِيلَ: أزْواجُ الحَيَوانِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، وقِيلَ: أزْواجُ النَّباتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] و﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [ الشُّعَراءِ: ٧، لُقْمانَ: ١٠ ] وقِيلَ: ما يَتَقَلَّبُ فِيهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ في البَحْرِ والبَرِّ أيْ: ما تَرْكَبُونَهُ.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، فَصارَ الواحِدُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ، وجُمِعَ الظَّهْرُ لِأنَّ المُرادَ ظُهُورُ هَذا الجِنْسِ، والِاسْتِواءُ الِاسْتِعْلاءُ أيْ: لِتَسْتَعْلُوا عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِن تَسْخِيرِ ذَلِكَ المَرْكَبِ في البَحْرِ والبَرِّ.
وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هو أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي هَذا وحَمَلَنِي عَلَيْهِ ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ أيْ: ذَلَّلَ لَنا هَذا المَرْكَبَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " سُبْحانَ مَن سَخَّرَ لَنا هَذا " .
قالَ قَتادَةُ: قَدْ عَلَّمَكم كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، ومَعْنى ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ما كُنّا لَهُ مُطِيقِينَ، يُقالُ: أقْرَنَ هَذا البَعِيرَ: إذا أطاقَهُ. وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: مُقْرِنِينَ ضابِطِينَ، وقِيلَ: مُماثِلِينَ لَهُ في القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: هو قِرْنُ فُلانٍ إذا كانَ مِثْلَهُ في القُوَّةِ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عُقَيْلٌ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
قالَ آخَرُ:
؎رَكِبْتُمْ صَعْبَتَيْ أشَرٍ وجُبْنٍ ∗∗∗ ولَسْتُمْ لِلصِّعابِ بِمُقْرِنِينا
والمُرادُ بِالأنْعامِ هُنا: الإبِلُ خاصَّةً، وقِيلَ: الإبِلُ والبَقَرُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: راجِعُونَ إلَيْهِ، وهَذا تَمامُ ما يُقالُ عِنْدَ رُكُوبِ الدّابَّةِ أوِ السَّفِينَةِ.
ثُمَّ رَجَعَ - سُبْحانَهُ - إلى ذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قالَ قَتادَةُ أيْ: عِدْلًا، يَعْنِي ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ: الجُزْءُ هُنا البَناتُ، والجُزْءُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ البَناتُ، يُقالُ: قَدْ أجَزَأتِ المَرْأةُ: إذا ولَدَتِ البَناتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا
وقَدْ جَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ مِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلى العَرَبِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ رَواهُ الزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ، وهُما إماما اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وحافِظاها ومَن إلَيْهِما المُنْتَهى في مَعْرِفَتِها، ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الجُزْءِ بِالبَناتِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالجُزْءِ هُنا المَلائِكَةُ فَإنَّهم جَعَلُوهم أوْلادَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ نَصِيبًا عَلى مَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ مِنَ الوِلْدانِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ الكُفْرانِ مُبالِغٌ فِيهِ، قِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا الكافِرُ، فَإنَّهُ الَّذِي يَجْحَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ جُحُودًا بَيِّنًا.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ.
وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: أتَّخَذَ رَبُّكم لِنَفْسِهِ البَناتِ ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ؟ فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ المَفْضُولَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ولَكُمُ الفاضِلُ مِنهُما، يُقالُ: أصْفَيْتُهُ بِكَذا أيْ: آثَرْتُهُ بِهِ، وأصْفَيْتُهُ الوُدَّ: أخْلَصْتُهُ لَهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١] وقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] وجُمْلَةُ وأصْفاكم مَعْطُوفَةٌ عَلى اتَّخَذَ داخِلَةٌ مَعَها تَحْتَ الإنْكارِ.
ثُمَّ زادَ في تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أيْ: بِما جَعَلَهُ لِلرَّحْمَنِ - سُبْحانَهُ - مِن كَوْنِهِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ البَناتِ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا بُشِّرَ أحَدُهم بِأنَّها وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ اغْتَمَّ لِذَلِكَ وظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ: صارَ وجْهُهُ مُسْوَدًّا بِسَبَبِ حُدُوثِ الأُنْثى لَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الحادِثُ لَهُ ذَكَرًا مَكانَها ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الحُزْنِ كَثِيرُ الكَرْبِ مَمْلُوءٌ مِنهُ.
قالَ قَتادَةُ: حَزِينٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَكْرُوبٌ، وقِيلَ: ساكِتٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ مَعْنى يُنَشَّؤُ يُرَبّى، والنُّشُوءُ التَّرْبِيَةُ، والحِلْيَةُ الزِّينَةُ، ومَن في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَعَلُوا، والمَعْنى: أوَجَعَلُوا لَهُ - سُبْحانَهُ - مَن شَأْنُهُ أنْ يُرَبّى في الزِّينَةِ وهو عاجِزٌ عَنْ أنْ يَقُومَ بِأُمُورِ نَفْسِهِ، وإذا خُوصِمَ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ حُجَّتِهِ ودَفْعِ ما يُجادِلُهُ بِهِ خَصْمُهُ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ.
قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أوَيَجْعَلُونَ لَهُ مَن يَنْشَأُ في الحِلْيَةِ أيْ: يَنْبُتُ في الزِّينَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يَنْشَأُ " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ وثّابٍ وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ.
واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ.
قالَ الهَرَوِيُّ: الفِعْلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى لازِمٌ، وعَلى الثّانِيَةِ مُتَعَدٍّ. والمَعْنى: يُرَبّى ويَكْبُرُ في الحِلْيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: قَلَّما تَتَكَلَّمُ امْرَأةٌ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِالحُجَّةِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ: الَّذِي يُنَشَّؤُ في الحِلْيَةِ أصْنامُهُمُ الَّتِي صاغُوها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ.
" ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ " الجَعْلُ هُنا: بِمَعْنى القَوْلِ والحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أفْضَلَ النّاسِ أيْ: قُلْتَ بِذَلِكَ وحَكَمْتَ لَهُ بِهِ.
قَرَأ الكُوفِيُّونَ عِبادُ بِالجَمْعِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ الباقُونَ: " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " بِنُونٍ ساكِنَةٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ؛ لِأنَّ الإسْنادَ فِيها أعْلى، ولِأنَّ اللَّهَ إنَّما كَذَّبَهم في قَوْلِهِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، (p-١٣٣٧)فَأخْبَرَهم أنَّهم عِبادُهُ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: وتَصْدِيقُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] .
ثُمَّ وبَّخَهم وقَرَّعَهم فَقالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ: أحَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ إيّاهم فَهو مِنَ الشَّهادَةِ الَّتِي هي الحُضُورُ، وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَجْهِيلٌ لَهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ أشَهِدُوا عَلى الِاسْتِفْهامِ بِدُونِ واوٍ. وقَرَأ نافِعٌ " أوَشَهِدُوا " .
وقَرَأ الجُمْهُورُ " سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم " بِضَمِّ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِالنُّونِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ شَهادَتِهِمْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ " شَهاداتُهم " بِالجَمْعِ، والمَعْنى: سَنَكْتُبُ هَذِهِ الشَّهادَةَ الَّتِي شَهِدُوا بِها في دِيوانِ أعْمالِهِمْ لِنُجازِيَهم عَلى ذَلِكَ ويُسْألُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم﴾ هَذا فَنٌّ آخَرُ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ جاءُوا بِهِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، ومَعْناهُ: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ في زَعْمِكم ما عَبَدْنا هَذِهِ المَلائِكَةَ، وهَذا كَلامٌ حَقٌّ يُرادُ بِهِ باطِلٌ، وقَدْ مَضى بَيانُهُ في الأنْعامِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - جَهْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِما قالُوهُ مِن أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ عَدَمَ عِبادَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ ما عَبَدُوهم مِن عِلْمٍ، بَلْ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ جَهْلًا، وأرادُوا بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحَقِّ باطِلًا، وزَعَمُوا أنَّهُ إذا شاءَ فَقَدْ رَضِيَ.
ثُمَّ بَيَّنَ انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا يَكْذِبُونَ فِيما قالُوا ويَتَمَحَّلُونَ تَمَحُّلًا باطِلًا.
وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ .
قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْ: ما لَهم بِعِبادَةِ الأوْثانِ مِن عِلْمٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ القَلَمُ وأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والكِتابُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ قالَ: أحْبَبْتُمْ أنْ يُصْفَحَ عَنْكم ولَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا سافَرَ رَكِبَ راحِلَتَهُ ثُمَّ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ: مُطِيقِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ قالَ: هو النِّساءُ فَرَّقَ بَيْنَ زِيِّهِنَّ وزِيِّ الرِّجالِ، ونَقَصَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وبِالشَّهادَةِ، وأمَرَهُنَّ بِالقَعْدَةِ، وسَمّاهُنَّ الخَوالِفَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنْتُ أقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: ﴿الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾، فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: عِبادُ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْتُ: فَإنَّها في مُصْحَفِي " عِنْدَ الرَّحْمَنِ " قالَ: فامْحُها واكْتُبْها عِبادَ الرَّحْمَنِ.
* *
(p-١٣٦١)وهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ ( حم الأحْقافِ ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةَ الأحْقافِ وأقْرَأها آخَرَ فَخالَفَ قِراءَتَهُ، فَقُلْتُ مَن أقْرَأكَها ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَيْرَ ذا، فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، وقالَ الآخَرُ: ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا ؟ قالَ: بَلى، فَتَمَعَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: لِيَقْرَأْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ما سَمِعَ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالِاخْتِلافِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ - ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها مُسْتَوْفًى، وذَكَرْنا وجْهَ الإعْرابِ وبَيانَ ما هو الحَقُّ مِن أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُوكَلَ عِلْمُهُ إلى مَن أنْزَلَهُ.
﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها إلّا بِالحَقِّ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ: أيْ إلّا بِالحَقِّ، وبِأجَلٍ مُسَمًّى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، وهَذا الأجَلُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّها تَنْتَهِي فِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ.
وقِيلَ المُرادُ بِالأجَلِ المُسَمّى هو انْتِهاءُ أجَلِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَخْلُوقاتِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذا إشارَةٌ إلى قِيامِ السّاعَةِ وانْقِضاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ باطِلًا وعَبَثًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، بَلْ خَلَقَهُ لِلثَّوابِ والعِقابِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: عَمّا أُنْذِرُوا وخُوِّفُوا بِهِ في القُرْآنِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ مُعْرِضُونَ مُوَلُّونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْهُ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِهِ، و" ما " في قَوْلِهِ: ما أُنْذِرُوا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَوْصُولَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ.
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِنها، وقَوْلُهُ: أرُونِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ " أرَأيْتُمْ ": أيْ أخْبِرُونِي أرُونِي والمَفْعُولُ الثّانِي لِ أرَأيْتُمْ ماذا خَلَقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ تَأْكِيدًا، بَلْ يَكُونُ هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ " أرَأيْتُمْ " يَطْلُبُ مَفْعُولًا ثانِيًا، و( أرُونِي ) كَذَلِكَ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ " أمْ " هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ فِيها، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وإظْهارٌ لِعَجْزِهِمْ وقُصُورِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِبُطْلانِ الشِّرْكِ، وأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ السّاعَةَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيها، فَهَلْ لِلْمُشْرِكِينَ مِن كِتابٍ يُخالِفُ هَذا الكِتابَ، أوْ حُجَّةٌ تُنافِي هَذِهِ الحُجَّةَ
﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: " أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمِ " بَقِيَّةٍ مِنهُ، وكَذا الأثَرَةُ بِالتَّحْرِيكِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَقِيَّةٍ مِن عِلْمِ الأوَّلِينَ.
وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ: يَعْنِي ما يُؤْثَرُ عَنْ كُتُبِ الأوَّلِينَ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهو مَعْنى قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ عَطاءٌ: أوْ شَيْءٌ تَأْثُرُونَهُ عَنْ نَبِيٍّ كانَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قالَ مُقاتِلٌ: أوْ رِوايَةٍ مِن عِلْمٍ عَنِ الأنْبِياءِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ أثارَةٍ: أيْ: عَلامَةٍ، والأثارَةُ: مَصْدَرٌ كالسَّماحَةِ والشَّجاعَةِ. وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الأثَرِ وهي الرِّوايَةُ. يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ آثُرُهُ أثْرَةً وأثارَةً وأثْرًا: إذا ذَكَرْتَهُ عَنْ غَيْرِكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( أثارَةٍ ) عَلى المَصْدَرِ كالسَّماحَةِ والغَوايَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ " أُثْرَةٍ " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها، وهي قَوْلُكم: إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ولَمْ تَأْتُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ لِقِيامِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ والنَّقْلِيِّ عَلى خِلافِهِ.
﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أيْ لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ ولا أجْهَلُ، فَإنَّهُ دَعا مَن لا يَسْمَعُ، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في الإجابَةِ فَضْلًا عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ؟ فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّهُ (p-١٣٦٢)أجْهَلُ الجاهِلِينَ وأضَلُّ الضّالِّينَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْأصْنامِ، والثّانِي لِعابِدِيها، والمَعْنى: والأصْنامُ الَّتِي يَدْعُونَها عَنْ دُعائِهِمْ إيّاها غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، لا يَسْمَعُونَ ولا يَعْقِلُونَ لِكَوْنِهِمْ جَماداتٍ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، وأجْرى عَلى الأصْنامِ ما هو لِلْعُقَلاءِ لِاعْتِقادِ المُشْرِكِينَ فِيها أنَّها تَعْقِلُ.
﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ أيْ: إذا حَشَرَ النّاسَ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ كانَ الأصْنامُ لَهم أعْداءً يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الحَياةَ في الأصْنامِ، فَتُكَذِّبُهم.
وقِيلَ المُرادُ أنَّها تُكَذِّبُهم وتُعادِيهِمْ بِلِسانِ الحالِ لا بِلِسانِ المَقالِ.
وأمّا المَلائِكَةُ، والمَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والشَّياطِينُ، فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِمَّنْ عَبَدَهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ كانَ المَعْبُودُونَ بِعِبادَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم كافِرِينَ: أيْ جاحِدِينَ مُكَذِّبِينَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ( كانُوا ) لِلْعابِدِينَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] والأوَّلُ أوْلى.
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيْ: آياتُ القُرْآنِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتِ المَعانِي ظاهِراتِ الدَّلالاتِ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ لِأجْلِهِ، وفي شَأْنِهِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ وقْتَ أنْ جاءَهم ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ السِّحْرِيَّةِ.
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن صَنِيعِهِمْ، وبَلْ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ سِحْرًا إلى قَوْلِهِمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ افْتَرى ما جاءَ بِهِ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يَخْفى.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ - كَما تَدَّعُونَ - فَلا تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَرُدُّوا عَنِّي عِقابَ اللَّهِ، فَكَيْفَ أفْتَرِي عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عِقابِهِ عَنِّي ﴿هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ تَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، والإفاضَةُ في الشَّيْءِ الخَوْضُ فِيهِ والِانْدِفاعُ فِيهِ، يُقالُ أفاضُوا في الحَدِيثِ: أيِ انْدَفَعُوا فِيهِ، وأفاضَ البَعِيرُ: إذا دَفَعَ جَرَّتَهُ مِن كَرِشِهِ.
والمَعْنى: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَقُولُونَ في القُرْآنِ وتَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ لَهُ والقَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ وكِهانَةٌ ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَشْهَدُ لِي بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ، وأنِّي قَدْ بَلَّغْتُكم، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ والجُحُودِ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ وصَدَّقَ بِالقُرْآنِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ: أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، والرَّحْمَةِ بَلِيغُهُما.
﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ المَبْدَأُ: أيْ: ما أنا بِأوَّلِ رَسُولٍ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلِي كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ.
قِيلَ: البِدْعُ بِمَعْنى البَدِيعِ، كالخُفِّ والخَفِيفِ، والبَدِيعُ ما لَمْ يُرَ لَهُ مِثْلٌ، مِنَ الِابْتِداعِ وهو الِاخْتِراعُ، وشَيْءٌ بِدْعٌ بِالكَسْرِ: أيْ: مُبْتَدَعٌ، وفُلانٌ بِدْعٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ: بَدِيعٌ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ:
؎فَما أنا بِدْعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي رِجالًا غَدَتْ مِن بَعْدِ مُوسى وأسْعَدا
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " بِدَعًا " بِفَتْحِ الدّالِّ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ: أيْ: ما كُنْتُ ذا بِدَعٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِ عَلى الوَصْفِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ بِي فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ هَلْ أبْقى في مَكَّةَ أوْ أُخْرَجُ مِنها ؟ وهَلْ أمُوتُ أوْ أُقْتَلُ ؟ وهَلْ تُعَجَّلُ لَكُمُ العُقُوبَةُ أمْ تُمْهَلُونَ ؟ وهَذا إنَّما هو في الدُّنْيا.
وأمّا في الآخِرَةِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ وأُمَّتَهُ في الجَنَّةِ وأنَّ الكافِرِينَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّها لَمّا نَزَلَتْ فَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِنا، وأنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والأوَّلُ أوْلى ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُوحى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ: ما أتَّبِعُ إلّا القُرْآنَ ولا أبْتَدِعُ مِن عِنْدِي شَيْئًا، والمَعْنى: قَصْرُ أفْعالِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى الوَحْيِ لا قَصْرُ اتِّباعِهِ عَلى الوَحْيِ ﴿وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ وأُخَوِّفُكم عَذابَهُ عَلى وجْهِ الإيضاحِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: الخَطُّ.
قالَ سُفْيانُ: لا أعْلَمُ إلّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، يَعْنِي أنَّ الحَدِيثَ مَرْفُوعٌ لا مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّ، فَمَن صادَفَ مِثْلَ خَطِّهِ عَلِمَ» ومَعْنى هَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ ولِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ تَفاسِيرُ مُخْتَلِفَةٌ.
ومِن أيْنَ لَنا أنَّ هَذِهِ الخُطُوطَ الرَّمْلِيَّةَ مُوافِقَةٌ لِذَلِكَ الخَطِّ، وأيْنَ السَّنَدُ الصَّحِيحُ إلى ذَلِكَ النَّبِيِّ، أوْ إلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، أنَّ هَذا الخَطَّ هو عَلى صُورَةِ كَذا، فَلَيْسَ ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرَّمْلِ إلّا جَهالاتٌ وضَلالاتٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: حُسْنُ الخَطِّ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ قالَ: خَطٌّ كانَ يَخُطُّهُ العَرَبُ في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: بَيِّنَةٌ مِنَ الأمْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ يَقُولُ: لَسْتُ بِأوَّلِ الرُّسُلِ ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ما يُفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أُمِّ العَلاءِ قالَتْ: «لَمّا ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أبا (p-١٣٦٣)السّائِبِ» شَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: وما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ ؟ أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: فَواللَّهِ لا أُزَكِّي بَعْدَهُ أحَدًا.
الزخرف 43:13
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الفُلْكَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نُوحٍ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن صَنَعَهُ، وذَكَرَ ما صَنَعَهُ قَوْمُ نُوحٍ مَعَهُ بِسَبَبِ إهْمالِهِمْ لِلتَّفَكُّرِ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والتَّذَكُّرِ لِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ وفي ذَلِكَ تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وتَسْلِيَةٌ لَهُ بِبَيانِ أنَّ قَوْمَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا يَصْنَعُونَ مَعَ أنْبِيائِهِمْ ما يَصْنَعُهُ قَوْمُهُ مَعَهُ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ وحْدَهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا كَما يُسْتَفادُ مِنَ الآياتِ الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها، وارْتِفاعُ غَيْرِهِ (p-٩٨٢)لِكَوْنِهِ وصْفًا لِإلَهٍ عَلى المَحَلِّ؛ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَكم أيْ: ما لَكم في الوُجُودِ إلَهٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، وقُرِئَ بِالجَرِّ اعْتِبارًا بِلَفْظِ إلَهٍ أفَلا تَتَّقُونَ أيْ أفَلا تَخافُونَ أنْ تَتْرُكُوا عِبادَةَ رَبِّكُمُ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ، ولَيْسَ لَكم إلَهٌ سِواهُ. وقِيلَ: المَعْنى: أفَلا تَقُونَ أنْفُسَكم عَذابَهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ذُنُوبُكم.
﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ أشْرافُ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم﴾ أيْ مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ، لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلَبُ الفَضْلَ عَلَيْكم بِأنْ يَسُودَكم حَتّى تَكُونُوا تابِعِينَ لَهُ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ، ثُمَّ صَرَّحُوا بِأنَّ البَشَرَ لا يَكُونُ رَسُولًا فَقالُوا: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ إرْسالَ رَسُولٍ لَأرْسَلَ مَلائِكَةً، وإنَّما عَبَّرَ بِالإنْزالِ عَنِ الإرْسالِ؛ لِأنَّ إرْسالَهم إلى العِبادِ يَسْتَلْزِمُ نُزُولَهم إلَيْهِمْ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ بِمِثْلِ دَعْوى هَذا المُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ مِنَ البَشَرِ، أوْ بِمِثْلِ كَلامِهِ، وهو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ أوْ ما سَمِعْنا بِبَشَرٍ يَدَّعِي هَذِهِ الدَّعْوى في آبائِنا الأوَّلِينَ أيْ: في الأُمَمِ الماضِيَةِ قَبْلَ هَذا.
وقِيلَ: الباءُ في بِهَذا زائِدَةٌ أيْ: ما سَمِعْنا هَذا كائِنًا في الماضِينَ، قالُوا هَذا اعْتِمادًا مِنهم عَلى التَّقْلِيدِ واعْتِصامًا بِحَبْلِهِ. ولَمْ يَقْنَعُوا بِذَلِكَ حَتّى ضَمُّوا إلَيْهِ الكَذِبَ البَحْتَ، والبَهْتَ الصُّراحَ فَقالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ جُنُونٌ لا يَدْرِي ما يَقُولُ: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ أيِ انْتَظِرُوا بِهِ حَتّى يَسْتَبِينَ أمْرُهُ، بِأنْ يَفِيقَ مِن جُنُونِهِ فَيَتْرُكَ هَذِهِ الدَّعْوى، أوْ حَتّى يَمُوتَ فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ.
قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ يُرِيدُ بِالحِينِ هُنا وقْتًا بِعَيْنِهِ إنَّما هو كَقَوْلِهِمْ: دَعْهُ إلى يَوْمٍ ما، فَلَمّا سَمِعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلامَهم وعَرِفَ تَمادِيَهِمْ عَلى الكُفْرِ وإصْرارَهم عَلَيْهِ. ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عَلَيْهِمْ فانْتَقِمْ مِنهم بِما تَشاءُ وكَيْفَ تُرِيدُ، والباءُ في ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ. ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ أيْ أرْسَلْنا إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ السَّماءِ ﴿أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ وأنْ هي مُفَسِّرَةٌ لِما في الوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ بِأعْيُنِنا أيْ مُتَلَبِّسًا بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في هُودٍ.
ومَعْنى ووَحْيِنا أمْرِنا لَكَ وتَعْلِيمِنا إيّاكَ لِكَيْفِيَّةِ صُنْعِها، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن صُنْعِ الفُلْكِ، والمُرادُ بِالأمْرِ العَذابُ ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ عَطْفَ النَّسَقِ، وقِيلَ: عَطْفَ البَيانِ أيْ: إنَّ مَجِيءَ الأمْرِ هو فَوْرُ التَّنُّورِ أيْ: تَنُّورِ آدَمَ الصّائِرُ إلى نُوحٍ أيْ: إذا وقَعَ ذَلِكَ ﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيِ ادْخُلْ فِيها، يُقالُ سَلَكَهُ في كَذا أدْخَلَهُ، وأسْلَكْتُهُ أدْخَلْتُهُ.
قَرَأ حَفْصٌ مِن كُلٍّ بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإضافَةِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى مِن كُلِّ أُمَّةِ زَوْجَيْنِ، ومَعْنى الثّانِيَةِ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ، وهُما أُمَّةُ الذَّكَرِ والأُنْثى اثْنَيْنِ، وانْتابَ أهْلَكَ بِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى فاسْلُكْ، لا بِالعَطْفِ عَلى زَوْجَيْنِ، أوْ عَلى اثْنَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأدائِهِ إلى اخْتِلافِ المَعْنى أيْ: واسْلُكْ أهْلَكَ ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيِ القَوْلِ بِإهْلاكِهِمْ مِنهم ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالدُّعاءِ لَهم بِإنْجائِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ المُخاطَبَةِ أيْ: إنَّهم مَقْضِيٌّ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ لِظُلْمِهِمْ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو لا يَسْتَحِقُّ الدُّعاءَ لَهُ.
﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ﴾ أيْ عَلَوْتَ ﴿أنْتَ ومَن مَعَكَ﴾ مِن أهْلِكَ وأتْباعِكَ ﴿عَلى الفُلْكِ﴾ راكِبِينَ عَلَيْهِ ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ حالَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، وخَلَّصَنا مِنهم، كَقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ عَلى التَّمامِ والكَمالِ، وإنَّما جَعَلَ اسْتِواءَهم عَلى السَّفِينَةِ نَجاةً مِنَ الغَرَقِ جَزْمًا؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نَجاتِهِمْ مِنَ الظَّلَمَةِ، وسَلامَتِهِمْ مِن أنْ يُصابُوا بِما أُصِيبُوا بِهِ مِنَ العَذابِ.
ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ ما هو أنْفَعُ لَهُ وأتَمُّ فائِدَةً فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ أيْ أنْزِلْنِي في السَّفِينَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُنْزَلًا بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ.
فَعَلى القِراءَةِ الأُولى: أنْزِلْنِي إنْزالًا مُبارَكًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنْزِلْنِي مَكانًا مُبارَكًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والمَنزَلُ بِفَتْحِ المِيمِ والزّايِ النُّزُولُ، وهو الحُلُولُ، تَقُولُ نَزَلْتُ نُزُولًا ومَنزَلًا.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أإنْ ذَكَّرَتْكَ الدّارُ مَنزِلَها جُمْلُ بِكَيْتَ فَدَمْعُ العَيْنِ مُنْحَدِرٌ سَجْلُ
بِنَصْبِ مَنزِلِها؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، قِيلَ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ عِنْدَ دُخُولِهِ السَّفِينَةَ، وقِيلَ: عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنها، والآيَةُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ إذا رَكِبُوا ثُمَّ نَزَلُوا أنْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ هَذا ثَناءٌ مِنهُ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إثْرَ دُعائِهِ لَهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ عِنْدَ اسْتِوائِهِ عَلى الفُلْكِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وعِنْدَ نُزُولِهِ مِنها: ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِن أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والآياتُ الدَّلالاتُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، والعَلاماتُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى عَظِيمِ شَأْنِهِ ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُخْتَبِرِينَ لَهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، لِيَظْهَرَ المُطِيعُ والعاصِي لِلنّاسِ أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهُ يُعامِلُهم سُبْحانَهُ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ لِأحْوالِهِمْ، تارَةً بِالإرْسالِ، وتارَةً بِالعَذابِ.
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أنْشَأهُمُ اللَّهُ بَعْدَهم هم عادٌ قَوْمُ هُودٍ، لِمَجِيءِ قِصَّتِهِمْ عَلى إثْرِ قِصَّةِ نُوحٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ولِقَوْلِهِ في الأعْرافِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقِيلَ: هم ثَمُودُ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ. وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [ الحِجْرِ: ٧٣ و ٨٣ ] وقِيلَ: هم أصْحابُ مَدْيَنَ قَوْمُ شُعَيْبٍ لِأنَّهم مِمَّنْ أُهْلِكَ بِالصَّيْحَةِ.
﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ عُدِّيَ فِعْلُ الإرْسالِ بِفي مَعَ أنَّهُ يَتَعَدّى بِإلى، لِلدَّلالَةِ (p-٩٨٣)عَلى أنَّ هَذا الرَّسُولَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ نَشَأ فِيهِمْ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، يَعْرِفُونَ مَكانَهُ ومَوْلِدَهُ؛ لِيَكُونَ سُكُونُهم إلى قَوْلِهِ أكْثَرَ مِن سُكُونِهِمْ إلى مَن يَأْتِيهِمْ مِن غَيْرِ مَكانِهِمْ.
وقِيلَ: وجْهُ التَّعْدِيَةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِفي أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ اعْبُدُوا اللَّهَ ولِهَذا جِيءَ بِأنْ المُفَسِّرَةِ. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ تَضْمِينَ أرْسَلْنا مَعْنى قُلْنا لا يَسْتَلْزِمُ تَعْدِيَتَهُ بِفي، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ أفَلا تَتَّقُونَ عَذابَهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ شِرْكِكم.
﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ أشْرافُهم وقادَتُهم. ثُمَّ وصَفَ المَلَأ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيْ كَذَّبُوا بِما في الآخِرَةِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وأتْرَفْناهم أيْ وسَّعْنا لَهم نِعَمَ الدُّنْيا فَبَطَرُوا بِسَبَبِ ما صارُوا فِيهِ في الحَياةِ الدُّنْيا مِن كَثْرَةِ الأمْوالِ ورَفاهَةِ العَيْشِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ قالَ المَلَأُ لِقَوْمِهِمْ هَذا القَوْلَ، وصَفُوهُ بِمُساواتِهِمْ في البَشَرِيَّةِ، وفي الأكْلِ ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ والشُّرْبِ مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عِنْدَهم أنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْهِمْ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ عَلى حَذْفِ مِنهُ أيْ: مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، فَلا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ.
﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ أيْ مَغْبُونُونَ بِتَرْكِكم آلِهَتَكم واتِّباعِكم إيّاهُ مِن غَيْرِ فَضِيلَةٍ لَهُ عَلَيْكم.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ لِلْإنْكارِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن تَقْبِيحِ اتِّباعِهِمْ لَهُ. قُرِئَ بِكَسْرِ المِيمِ مَن مِتُّمْ، مِن ماتَ يَماتُ كَخافَ يَخافُ. وقُرِئَ بِضَمِّها مِن ماتَ يَمُوتُ: كَقالَ يَقُولُ ﴿وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ كانَ بَعْضُ أجْزائِكم تُرابًا، وبَعْضُها عِظامًا نَخِرَةً لا لَحْمَ فِيها ولا أعْصابَ عَلَيْها، قِيلَ وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ في عُقُولِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى: كانَ مُتَقَدِّمُوكم تُرابًا، ومُتَأخِّرُوكم عِظامًا ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ أيْ مِن قُبُورِكم أحْياءً كَما كُنْتُمْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: أنَّ الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ أيَعِدُكم عَلَيْها، وأنَّ الثّانِيَةَ بَدَلٌ مِنها.
وقالَ الفَرّاءُ والجَرْمِيُّ والمُبَرِّدُ: إنَّ أنَّ الثّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ تَكْرِيرُها لِطُولِ الكَلامِ، وبِمِثْلِهِ قالَ الزَّجّاجُ.
وقالَ الأخْفَشُ: أنَّ الثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: يَحْدُثُ إخْراجُكم كَما تَقُولُ: اليَوْمَ القِتالُ، فالمَعْنى: اليَوْمَ يَحْدُثُ القِتالُ.
﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ أيْ بَعْدِ ما تُوعَدُونَ، أوْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وفي هَيْهاتَ عَشْرُ لُغاتٍ ثُمَّ سَرَدَها، وهي مُبَيَّنَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ قُرِئَ بِبَعْضِها، واللّامُ في لِما تُوعَدُونَ لِبَيانِ المُسْتَبْعَدِ كَما في قَوْلِهِ: هَيْتَ لَكَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا هَذا الِاسْتِبْعادُ ؟ فَقِيلَ: لِما تُوعَدُونَ.
والمَعْنى: بَعْدَ إخْراجِكم لِلْوَعْدِ الَّذِي تُوعَدُونَ، هَذا عَلى أنَّ هَيْهاتَ اسْمُ فِعْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ أيِ: البُعْدُ لِما تُوعَدُونَ، أوْ بُعْدٌ لِما تُوعَدُونَ عَلى قِراءَةِ مَن نَوَّنَ فَتَكُونُ عَلى هَذا مُبْتَدَأً خَبَرُهُ لِما تُوعَدُونَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ إتْرافَهم بِأنَّهم قالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ ما الحَياةُ إلّا حَياتَنا الدُّنْيا، لا الحَياةَ الآخِرَةَ الَّتِي تَعِدُنا بِها، وجُمْلَةُ ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما ادَّعُوهُ مِن قَصْرِهِمْ حَياتَهم عَلى حَياةِ الدُّنْيا. ثُمَّ صَرَّحُوا بِنَفْيِ البَعْثِ، وأنَّ الوَعْدَ بِهِ مِنهُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ فَقالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ ما هو فِيما يَدَّعِيهِ إلّا مُفْتَرٍ لِلْكَذِبِ عَلى اللَّهِ ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ لَهُ فِيما يَقُولُهُ.
﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أيْ قالَ نَبِيُّهم لَمّا عَلِمَ بِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَهُ ألْبَتَّةَ: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَيْهِمْ وانْتَقِمْ لِي مِنهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ.
﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ أيْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُجِيبًا لِدُعائِهِ واعِدًا لَهُ بِالقَبُولِ لِما دَعا بِهِ: عَمّا قَلِيلٍ مِنَ الزَّمانِ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ عَلى ما وقَعَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ والعِنادِ والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، وما في عَمّا قَلِيلٌ مَزِيدَةٌ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلتَّوْكِيدِ لِقِلَّةِ الزَّمانِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّها أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ وحاقَ بِهِمْ عَذابُهُ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ سَخَطُهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً واحِدَةً مَعَ الرِّيحِ الَّتِي أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِها فَماتُوا جَمِيعًا. وقِيلَ: الصَّيْحَةُ: هي نَفْسُ العَذابِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والباءُ في بِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِالأخْذِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَمّا صارُوا إلَيْهِ بَعْدَ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. فَقالَ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ أيْ كَغُثاءِ السَّيْلِ الَّذِي يَحْمِلُهُ: والغُثاءُ ما يَحْمِلُ السَّيْلُ مِن بالِي الشَّجَرِ والحَشِيشِ والقَصَبِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى ظاهِرِ الماءِ. والمَعْنى: صَيَّرَهم هَلْكى فَيَبِسُوا كَما يَبِسَ الغُثاءُ ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ انْتِصابُ بُعْدًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي لا يُذْكَرُ فِعْلُها مَعَها أيْ: بَعُدُوا بُعْدًا، واللّامُ لِبَيانِ مَن قِيلَ لَهُ ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ يَقُولُ: اجْعَلْ مَعَكَ في السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ قالَ لِنُوحٍ حِينَ أُنْزِلَ مِنَ السَّفِينَةِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يُعَلِّمُكم سُبْحانَهُ كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، وكَيْفَ تَقُولُونَ إذا نَزَلْتُمْ.
أمّا عِنْدَ الرُّكُوبِ فَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] و﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وعِنْدَ النُّزُولِ ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: قَرْنًا قالَ: أُمَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ قالَ: بِعِيدٌ بَعِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ قالَ: جُعِلُوا كالشَّيْءِ المَيِّتِ البالِي مِنَ الشَّجَرِ.
الزخرف 43:14
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الفُلْكَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نُوحٍ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن صَنَعَهُ، وذَكَرَ ما صَنَعَهُ قَوْمُ نُوحٍ مَعَهُ بِسَبَبِ إهْمالِهِمْ لِلتَّفَكُّرِ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والتَّذَكُّرِ لِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ وفي ذَلِكَ تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وتَسْلِيَةٌ لَهُ بِبَيانِ أنَّ قَوْمَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا يَصْنَعُونَ مَعَ أنْبِيائِهِمْ ما يَصْنَعُهُ قَوْمُهُ مَعَهُ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ وحْدَهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا كَما يُسْتَفادُ مِنَ الآياتِ الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها، وارْتِفاعُ غَيْرِهِ (p-٩٨٢)لِكَوْنِهِ وصْفًا لِإلَهٍ عَلى المَحَلِّ؛ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَكم أيْ: ما لَكم في الوُجُودِ إلَهٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، وقُرِئَ بِالجَرِّ اعْتِبارًا بِلَفْظِ إلَهٍ أفَلا تَتَّقُونَ أيْ أفَلا تَخافُونَ أنْ تَتْرُكُوا عِبادَةَ رَبِّكُمُ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ، ولَيْسَ لَكم إلَهٌ سِواهُ. وقِيلَ: المَعْنى: أفَلا تَقُونَ أنْفُسَكم عَذابَهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ذُنُوبُكم.
﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ أشْرافُ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم﴾ أيْ مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ، لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلَبُ الفَضْلَ عَلَيْكم بِأنْ يَسُودَكم حَتّى تَكُونُوا تابِعِينَ لَهُ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ، ثُمَّ صَرَّحُوا بِأنَّ البَشَرَ لا يَكُونُ رَسُولًا فَقالُوا: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ إرْسالَ رَسُولٍ لَأرْسَلَ مَلائِكَةً، وإنَّما عَبَّرَ بِالإنْزالِ عَنِ الإرْسالِ؛ لِأنَّ إرْسالَهم إلى العِبادِ يَسْتَلْزِمُ نُزُولَهم إلَيْهِمْ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ بِمِثْلِ دَعْوى هَذا المُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ مِنَ البَشَرِ، أوْ بِمِثْلِ كَلامِهِ، وهو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ أوْ ما سَمِعْنا بِبَشَرٍ يَدَّعِي هَذِهِ الدَّعْوى في آبائِنا الأوَّلِينَ أيْ: في الأُمَمِ الماضِيَةِ قَبْلَ هَذا.
وقِيلَ: الباءُ في بِهَذا زائِدَةٌ أيْ: ما سَمِعْنا هَذا كائِنًا في الماضِينَ، قالُوا هَذا اعْتِمادًا مِنهم عَلى التَّقْلِيدِ واعْتِصامًا بِحَبْلِهِ. ولَمْ يَقْنَعُوا بِذَلِكَ حَتّى ضَمُّوا إلَيْهِ الكَذِبَ البَحْتَ، والبَهْتَ الصُّراحَ فَقالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ جُنُونٌ لا يَدْرِي ما يَقُولُ: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ أيِ انْتَظِرُوا بِهِ حَتّى يَسْتَبِينَ أمْرُهُ، بِأنْ يَفِيقَ مِن جُنُونِهِ فَيَتْرُكَ هَذِهِ الدَّعْوى، أوْ حَتّى يَمُوتَ فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ.
قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ يُرِيدُ بِالحِينِ هُنا وقْتًا بِعَيْنِهِ إنَّما هو كَقَوْلِهِمْ: دَعْهُ إلى يَوْمٍ ما، فَلَمّا سَمِعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلامَهم وعَرِفَ تَمادِيَهِمْ عَلى الكُفْرِ وإصْرارَهم عَلَيْهِ. ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عَلَيْهِمْ فانْتَقِمْ مِنهم بِما تَشاءُ وكَيْفَ تُرِيدُ، والباءُ في ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ. ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ أيْ أرْسَلْنا إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ السَّماءِ ﴿أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ وأنْ هي مُفَسِّرَةٌ لِما في الوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ بِأعْيُنِنا أيْ مُتَلَبِّسًا بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في هُودٍ.
ومَعْنى ووَحْيِنا أمْرِنا لَكَ وتَعْلِيمِنا إيّاكَ لِكَيْفِيَّةِ صُنْعِها، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن صُنْعِ الفُلْكِ، والمُرادُ بِالأمْرِ العَذابُ ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ عَطْفَ النَّسَقِ، وقِيلَ: عَطْفَ البَيانِ أيْ: إنَّ مَجِيءَ الأمْرِ هو فَوْرُ التَّنُّورِ أيْ: تَنُّورِ آدَمَ الصّائِرُ إلى نُوحٍ أيْ: إذا وقَعَ ذَلِكَ ﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيِ ادْخُلْ فِيها، يُقالُ سَلَكَهُ في كَذا أدْخَلَهُ، وأسْلَكْتُهُ أدْخَلْتُهُ.
قَرَأ حَفْصٌ مِن كُلٍّ بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإضافَةِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى مِن كُلِّ أُمَّةِ زَوْجَيْنِ، ومَعْنى الثّانِيَةِ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ، وهُما أُمَّةُ الذَّكَرِ والأُنْثى اثْنَيْنِ، وانْتابَ أهْلَكَ بِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى فاسْلُكْ، لا بِالعَطْفِ عَلى زَوْجَيْنِ، أوْ عَلى اثْنَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأدائِهِ إلى اخْتِلافِ المَعْنى أيْ: واسْلُكْ أهْلَكَ ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيِ القَوْلِ بِإهْلاكِهِمْ مِنهم ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالدُّعاءِ لَهم بِإنْجائِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ المُخاطَبَةِ أيْ: إنَّهم مَقْضِيٌّ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ لِظُلْمِهِمْ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو لا يَسْتَحِقُّ الدُّعاءَ لَهُ.
﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ﴾ أيْ عَلَوْتَ ﴿أنْتَ ومَن مَعَكَ﴾ مِن أهْلِكَ وأتْباعِكَ ﴿عَلى الفُلْكِ﴾ راكِبِينَ عَلَيْهِ ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ حالَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، وخَلَّصَنا مِنهم، كَقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ عَلى التَّمامِ والكَمالِ، وإنَّما جَعَلَ اسْتِواءَهم عَلى السَّفِينَةِ نَجاةً مِنَ الغَرَقِ جَزْمًا؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نَجاتِهِمْ مِنَ الظَّلَمَةِ، وسَلامَتِهِمْ مِن أنْ يُصابُوا بِما أُصِيبُوا بِهِ مِنَ العَذابِ.
ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ ما هو أنْفَعُ لَهُ وأتَمُّ فائِدَةً فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ أيْ أنْزِلْنِي في السَّفِينَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُنْزَلًا بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ.
فَعَلى القِراءَةِ الأُولى: أنْزِلْنِي إنْزالًا مُبارَكًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنْزِلْنِي مَكانًا مُبارَكًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والمَنزَلُ بِفَتْحِ المِيمِ والزّايِ النُّزُولُ، وهو الحُلُولُ، تَقُولُ نَزَلْتُ نُزُولًا ومَنزَلًا.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أإنْ ذَكَّرَتْكَ الدّارُ مَنزِلَها جُمْلُ بِكَيْتَ فَدَمْعُ العَيْنِ مُنْحَدِرٌ سَجْلُ
بِنَصْبِ مَنزِلِها؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، قِيلَ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ عِنْدَ دُخُولِهِ السَّفِينَةَ، وقِيلَ: عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنها، والآيَةُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ إذا رَكِبُوا ثُمَّ نَزَلُوا أنْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ هَذا ثَناءٌ مِنهُ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إثْرَ دُعائِهِ لَهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ عِنْدَ اسْتِوائِهِ عَلى الفُلْكِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وعِنْدَ نُزُولِهِ مِنها: ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِن أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والآياتُ الدَّلالاتُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، والعَلاماتُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى عَظِيمِ شَأْنِهِ ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُخْتَبِرِينَ لَهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، لِيَظْهَرَ المُطِيعُ والعاصِي لِلنّاسِ أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهُ يُعامِلُهم سُبْحانَهُ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ لِأحْوالِهِمْ، تارَةً بِالإرْسالِ، وتارَةً بِالعَذابِ.
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أنْشَأهُمُ اللَّهُ بَعْدَهم هم عادٌ قَوْمُ هُودٍ، لِمَجِيءِ قِصَّتِهِمْ عَلى إثْرِ قِصَّةِ نُوحٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ولِقَوْلِهِ في الأعْرافِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقِيلَ: هم ثَمُودُ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ. وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [ الحِجْرِ: ٧٣ و ٨٣ ] وقِيلَ: هم أصْحابُ مَدْيَنَ قَوْمُ شُعَيْبٍ لِأنَّهم مِمَّنْ أُهْلِكَ بِالصَّيْحَةِ.
﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ عُدِّيَ فِعْلُ الإرْسالِ بِفي مَعَ أنَّهُ يَتَعَدّى بِإلى، لِلدَّلالَةِ (p-٩٨٣)عَلى أنَّ هَذا الرَّسُولَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ نَشَأ فِيهِمْ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، يَعْرِفُونَ مَكانَهُ ومَوْلِدَهُ؛ لِيَكُونَ سُكُونُهم إلى قَوْلِهِ أكْثَرَ مِن سُكُونِهِمْ إلى مَن يَأْتِيهِمْ مِن غَيْرِ مَكانِهِمْ.
وقِيلَ: وجْهُ التَّعْدِيَةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِفي أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ اعْبُدُوا اللَّهَ ولِهَذا جِيءَ بِأنْ المُفَسِّرَةِ. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ تَضْمِينَ أرْسَلْنا مَعْنى قُلْنا لا يَسْتَلْزِمُ تَعْدِيَتَهُ بِفي، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ أفَلا تَتَّقُونَ عَذابَهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ شِرْكِكم.
﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ أشْرافُهم وقادَتُهم. ثُمَّ وصَفَ المَلَأ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيْ كَذَّبُوا بِما في الآخِرَةِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وأتْرَفْناهم أيْ وسَّعْنا لَهم نِعَمَ الدُّنْيا فَبَطَرُوا بِسَبَبِ ما صارُوا فِيهِ في الحَياةِ الدُّنْيا مِن كَثْرَةِ الأمْوالِ ورَفاهَةِ العَيْشِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ قالَ المَلَأُ لِقَوْمِهِمْ هَذا القَوْلَ، وصَفُوهُ بِمُساواتِهِمْ في البَشَرِيَّةِ، وفي الأكْلِ ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ والشُّرْبِ مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عِنْدَهم أنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْهِمْ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ عَلى حَذْفِ مِنهُ أيْ: مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، فَلا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ.
﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ أيْ مَغْبُونُونَ بِتَرْكِكم آلِهَتَكم واتِّباعِكم إيّاهُ مِن غَيْرِ فَضِيلَةٍ لَهُ عَلَيْكم.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ لِلْإنْكارِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن تَقْبِيحِ اتِّباعِهِمْ لَهُ. قُرِئَ بِكَسْرِ المِيمِ مَن مِتُّمْ، مِن ماتَ يَماتُ كَخافَ يَخافُ. وقُرِئَ بِضَمِّها مِن ماتَ يَمُوتُ: كَقالَ يَقُولُ ﴿وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ كانَ بَعْضُ أجْزائِكم تُرابًا، وبَعْضُها عِظامًا نَخِرَةً لا لَحْمَ فِيها ولا أعْصابَ عَلَيْها، قِيلَ وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ في عُقُولِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى: كانَ مُتَقَدِّمُوكم تُرابًا، ومُتَأخِّرُوكم عِظامًا ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ أيْ مِن قُبُورِكم أحْياءً كَما كُنْتُمْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: أنَّ الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ أيَعِدُكم عَلَيْها، وأنَّ الثّانِيَةَ بَدَلٌ مِنها.
وقالَ الفَرّاءُ والجَرْمِيُّ والمُبَرِّدُ: إنَّ أنَّ الثّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ تَكْرِيرُها لِطُولِ الكَلامِ، وبِمِثْلِهِ قالَ الزَّجّاجُ.
وقالَ الأخْفَشُ: أنَّ الثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: يَحْدُثُ إخْراجُكم كَما تَقُولُ: اليَوْمَ القِتالُ، فالمَعْنى: اليَوْمَ يَحْدُثُ القِتالُ.
﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ أيْ بَعْدِ ما تُوعَدُونَ، أوْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وفي هَيْهاتَ عَشْرُ لُغاتٍ ثُمَّ سَرَدَها، وهي مُبَيَّنَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ قُرِئَ بِبَعْضِها، واللّامُ في لِما تُوعَدُونَ لِبَيانِ المُسْتَبْعَدِ كَما في قَوْلِهِ: هَيْتَ لَكَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا هَذا الِاسْتِبْعادُ ؟ فَقِيلَ: لِما تُوعَدُونَ.
والمَعْنى: بَعْدَ إخْراجِكم لِلْوَعْدِ الَّذِي تُوعَدُونَ، هَذا عَلى أنَّ هَيْهاتَ اسْمُ فِعْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ أيِ: البُعْدُ لِما تُوعَدُونَ، أوْ بُعْدٌ لِما تُوعَدُونَ عَلى قِراءَةِ مَن نَوَّنَ فَتَكُونُ عَلى هَذا مُبْتَدَأً خَبَرُهُ لِما تُوعَدُونَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ إتْرافَهم بِأنَّهم قالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ ما الحَياةُ إلّا حَياتَنا الدُّنْيا، لا الحَياةَ الآخِرَةَ الَّتِي تَعِدُنا بِها، وجُمْلَةُ ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما ادَّعُوهُ مِن قَصْرِهِمْ حَياتَهم عَلى حَياةِ الدُّنْيا. ثُمَّ صَرَّحُوا بِنَفْيِ البَعْثِ، وأنَّ الوَعْدَ بِهِ مِنهُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ فَقالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ ما هو فِيما يَدَّعِيهِ إلّا مُفْتَرٍ لِلْكَذِبِ عَلى اللَّهِ ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ لَهُ فِيما يَقُولُهُ.
﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أيْ قالَ نَبِيُّهم لَمّا عَلِمَ بِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَهُ ألْبَتَّةَ: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَيْهِمْ وانْتَقِمْ لِي مِنهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ.
﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ أيْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُجِيبًا لِدُعائِهِ واعِدًا لَهُ بِالقَبُولِ لِما دَعا بِهِ: عَمّا قَلِيلٍ مِنَ الزَّمانِ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ عَلى ما وقَعَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ والعِنادِ والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، وما في عَمّا قَلِيلٌ مَزِيدَةٌ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلتَّوْكِيدِ لِقِلَّةِ الزَّمانِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّها أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ وحاقَ بِهِمْ عَذابُهُ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ سَخَطُهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً واحِدَةً مَعَ الرِّيحِ الَّتِي أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِها فَماتُوا جَمِيعًا. وقِيلَ: الصَّيْحَةُ: هي نَفْسُ العَذابِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والباءُ في بِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِالأخْذِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَمّا صارُوا إلَيْهِ بَعْدَ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. فَقالَ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ أيْ كَغُثاءِ السَّيْلِ الَّذِي يَحْمِلُهُ: والغُثاءُ ما يَحْمِلُ السَّيْلُ مِن بالِي الشَّجَرِ والحَشِيشِ والقَصَبِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى ظاهِرِ الماءِ. والمَعْنى: صَيَّرَهم هَلْكى فَيَبِسُوا كَما يَبِسَ الغُثاءُ ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ انْتِصابُ بُعْدًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي لا يُذْكَرُ فِعْلُها مَعَها أيْ: بَعُدُوا بُعْدًا، واللّامُ لِبَيانِ مَن قِيلَ لَهُ ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ يَقُولُ: اجْعَلْ مَعَكَ في السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ قالَ لِنُوحٍ حِينَ أُنْزِلَ مِنَ السَّفِينَةِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يُعَلِّمُكم سُبْحانَهُ كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، وكَيْفَ تَقُولُونَ إذا نَزَلْتُمْ.
أمّا عِنْدَ الرُّكُوبِ فَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] و﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وعِنْدَ النُّزُولِ ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: قَرْنًا قالَ: أُمَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ قالَ: بِعِيدٌ بَعِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ قالَ: جُعِلُوا كالشَّيْءِ المَيِّتِ البالِي مِنَ الشَّجَرِ.
الزخرف 43:15
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الفُلْكَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نُوحٍ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن صَنَعَهُ، وذَكَرَ ما صَنَعَهُ قَوْمُ نُوحٍ مَعَهُ بِسَبَبِ إهْمالِهِمْ لِلتَّفَكُّرِ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والتَّذَكُّرِ لِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ وفي ذَلِكَ تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وتَسْلِيَةٌ لَهُ بِبَيانِ أنَّ قَوْمَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا يَصْنَعُونَ مَعَ أنْبِيائِهِمْ ما يَصْنَعُهُ قَوْمُهُ مَعَهُ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ وحْدَهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا كَما يُسْتَفادُ مِنَ الآياتِ الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها، وارْتِفاعُ غَيْرِهِ (p-٩٨٢)لِكَوْنِهِ وصْفًا لِإلَهٍ عَلى المَحَلِّ؛ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَكم أيْ: ما لَكم في الوُجُودِ إلَهٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، وقُرِئَ بِالجَرِّ اعْتِبارًا بِلَفْظِ إلَهٍ أفَلا تَتَّقُونَ أيْ أفَلا تَخافُونَ أنْ تَتْرُكُوا عِبادَةَ رَبِّكُمُ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ، ولَيْسَ لَكم إلَهٌ سِواهُ. وقِيلَ: المَعْنى: أفَلا تَقُونَ أنْفُسَكم عَذابَهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ذُنُوبُكم.
﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ أشْرافُ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم﴾ أيْ مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ، لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلَبُ الفَضْلَ عَلَيْكم بِأنْ يَسُودَكم حَتّى تَكُونُوا تابِعِينَ لَهُ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ، ثُمَّ صَرَّحُوا بِأنَّ البَشَرَ لا يَكُونُ رَسُولًا فَقالُوا: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ إرْسالَ رَسُولٍ لَأرْسَلَ مَلائِكَةً، وإنَّما عَبَّرَ بِالإنْزالِ عَنِ الإرْسالِ؛ لِأنَّ إرْسالَهم إلى العِبادِ يَسْتَلْزِمُ نُزُولَهم إلَيْهِمْ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ بِمِثْلِ دَعْوى هَذا المُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ مِنَ البَشَرِ، أوْ بِمِثْلِ كَلامِهِ، وهو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ أوْ ما سَمِعْنا بِبَشَرٍ يَدَّعِي هَذِهِ الدَّعْوى في آبائِنا الأوَّلِينَ أيْ: في الأُمَمِ الماضِيَةِ قَبْلَ هَذا.
وقِيلَ: الباءُ في بِهَذا زائِدَةٌ أيْ: ما سَمِعْنا هَذا كائِنًا في الماضِينَ، قالُوا هَذا اعْتِمادًا مِنهم عَلى التَّقْلِيدِ واعْتِصامًا بِحَبْلِهِ. ولَمْ يَقْنَعُوا بِذَلِكَ حَتّى ضَمُّوا إلَيْهِ الكَذِبَ البَحْتَ، والبَهْتَ الصُّراحَ فَقالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ جُنُونٌ لا يَدْرِي ما يَقُولُ: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ أيِ انْتَظِرُوا بِهِ حَتّى يَسْتَبِينَ أمْرُهُ، بِأنْ يَفِيقَ مِن جُنُونِهِ فَيَتْرُكَ هَذِهِ الدَّعْوى، أوْ حَتّى يَمُوتَ فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ.
قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ يُرِيدُ بِالحِينِ هُنا وقْتًا بِعَيْنِهِ إنَّما هو كَقَوْلِهِمْ: دَعْهُ إلى يَوْمٍ ما، فَلَمّا سَمِعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلامَهم وعَرِفَ تَمادِيَهِمْ عَلى الكُفْرِ وإصْرارَهم عَلَيْهِ. ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عَلَيْهِمْ فانْتَقِمْ مِنهم بِما تَشاءُ وكَيْفَ تُرِيدُ، والباءُ في ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ. ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ أيْ أرْسَلْنا إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ السَّماءِ ﴿أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ وأنْ هي مُفَسِّرَةٌ لِما في الوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ بِأعْيُنِنا أيْ مُتَلَبِّسًا بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في هُودٍ.
ومَعْنى ووَحْيِنا أمْرِنا لَكَ وتَعْلِيمِنا إيّاكَ لِكَيْفِيَّةِ صُنْعِها، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن صُنْعِ الفُلْكِ، والمُرادُ بِالأمْرِ العَذابُ ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ عَطْفَ النَّسَقِ، وقِيلَ: عَطْفَ البَيانِ أيْ: إنَّ مَجِيءَ الأمْرِ هو فَوْرُ التَّنُّورِ أيْ: تَنُّورِ آدَمَ الصّائِرُ إلى نُوحٍ أيْ: إذا وقَعَ ذَلِكَ ﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيِ ادْخُلْ فِيها، يُقالُ سَلَكَهُ في كَذا أدْخَلَهُ، وأسْلَكْتُهُ أدْخَلْتُهُ.
قَرَأ حَفْصٌ مِن كُلٍّ بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإضافَةِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى مِن كُلِّ أُمَّةِ زَوْجَيْنِ، ومَعْنى الثّانِيَةِ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ، وهُما أُمَّةُ الذَّكَرِ والأُنْثى اثْنَيْنِ، وانْتابَ أهْلَكَ بِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى فاسْلُكْ، لا بِالعَطْفِ عَلى زَوْجَيْنِ، أوْ عَلى اثْنَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأدائِهِ إلى اخْتِلافِ المَعْنى أيْ: واسْلُكْ أهْلَكَ ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيِ القَوْلِ بِإهْلاكِهِمْ مِنهم ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالدُّعاءِ لَهم بِإنْجائِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ المُخاطَبَةِ أيْ: إنَّهم مَقْضِيٌّ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ لِظُلْمِهِمْ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو لا يَسْتَحِقُّ الدُّعاءَ لَهُ.
﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ﴾ أيْ عَلَوْتَ ﴿أنْتَ ومَن مَعَكَ﴾ مِن أهْلِكَ وأتْباعِكَ ﴿عَلى الفُلْكِ﴾ راكِبِينَ عَلَيْهِ ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ حالَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، وخَلَّصَنا مِنهم، كَقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ عَلى التَّمامِ والكَمالِ، وإنَّما جَعَلَ اسْتِواءَهم عَلى السَّفِينَةِ نَجاةً مِنَ الغَرَقِ جَزْمًا؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نَجاتِهِمْ مِنَ الظَّلَمَةِ، وسَلامَتِهِمْ مِن أنْ يُصابُوا بِما أُصِيبُوا بِهِ مِنَ العَذابِ.
ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ ما هو أنْفَعُ لَهُ وأتَمُّ فائِدَةً فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ أيْ أنْزِلْنِي في السَّفِينَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُنْزَلًا بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ.
فَعَلى القِراءَةِ الأُولى: أنْزِلْنِي إنْزالًا مُبارَكًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنْزِلْنِي مَكانًا مُبارَكًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والمَنزَلُ بِفَتْحِ المِيمِ والزّايِ النُّزُولُ، وهو الحُلُولُ، تَقُولُ نَزَلْتُ نُزُولًا ومَنزَلًا.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أإنْ ذَكَّرَتْكَ الدّارُ مَنزِلَها جُمْلُ بِكَيْتَ فَدَمْعُ العَيْنِ مُنْحَدِرٌ سَجْلُ
بِنَصْبِ مَنزِلِها؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، قِيلَ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ عِنْدَ دُخُولِهِ السَّفِينَةَ، وقِيلَ: عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنها، والآيَةُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ إذا رَكِبُوا ثُمَّ نَزَلُوا أنْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ هَذا ثَناءٌ مِنهُ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إثْرَ دُعائِهِ لَهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ عِنْدَ اسْتِوائِهِ عَلى الفُلْكِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وعِنْدَ نُزُولِهِ مِنها: ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِن أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والآياتُ الدَّلالاتُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، والعَلاماتُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى عَظِيمِ شَأْنِهِ ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُخْتَبِرِينَ لَهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، لِيَظْهَرَ المُطِيعُ والعاصِي لِلنّاسِ أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهُ يُعامِلُهم سُبْحانَهُ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ لِأحْوالِهِمْ، تارَةً بِالإرْسالِ، وتارَةً بِالعَذابِ.
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أنْشَأهُمُ اللَّهُ بَعْدَهم هم عادٌ قَوْمُ هُودٍ، لِمَجِيءِ قِصَّتِهِمْ عَلى إثْرِ قِصَّةِ نُوحٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ولِقَوْلِهِ في الأعْرافِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقِيلَ: هم ثَمُودُ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ. وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [ الحِجْرِ: ٧٣ و ٨٣ ] وقِيلَ: هم أصْحابُ مَدْيَنَ قَوْمُ شُعَيْبٍ لِأنَّهم مِمَّنْ أُهْلِكَ بِالصَّيْحَةِ.
﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ عُدِّيَ فِعْلُ الإرْسالِ بِفي مَعَ أنَّهُ يَتَعَدّى بِإلى، لِلدَّلالَةِ (p-٩٨٣)عَلى أنَّ هَذا الرَّسُولَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ نَشَأ فِيهِمْ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، يَعْرِفُونَ مَكانَهُ ومَوْلِدَهُ؛ لِيَكُونَ سُكُونُهم إلى قَوْلِهِ أكْثَرَ مِن سُكُونِهِمْ إلى مَن يَأْتِيهِمْ مِن غَيْرِ مَكانِهِمْ.
وقِيلَ: وجْهُ التَّعْدِيَةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِفي أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ اعْبُدُوا اللَّهَ ولِهَذا جِيءَ بِأنْ المُفَسِّرَةِ. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ تَضْمِينَ أرْسَلْنا مَعْنى قُلْنا لا يَسْتَلْزِمُ تَعْدِيَتَهُ بِفي، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ أفَلا تَتَّقُونَ عَذابَهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ شِرْكِكم.
﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ أشْرافُهم وقادَتُهم. ثُمَّ وصَفَ المَلَأ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيْ كَذَّبُوا بِما في الآخِرَةِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وأتْرَفْناهم أيْ وسَّعْنا لَهم نِعَمَ الدُّنْيا فَبَطَرُوا بِسَبَبِ ما صارُوا فِيهِ في الحَياةِ الدُّنْيا مِن كَثْرَةِ الأمْوالِ ورَفاهَةِ العَيْشِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ قالَ المَلَأُ لِقَوْمِهِمْ هَذا القَوْلَ، وصَفُوهُ بِمُساواتِهِمْ في البَشَرِيَّةِ، وفي الأكْلِ ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ والشُّرْبِ مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عِنْدَهم أنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْهِمْ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ عَلى حَذْفِ مِنهُ أيْ: مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، فَلا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ.
﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ أيْ مَغْبُونُونَ بِتَرْكِكم آلِهَتَكم واتِّباعِكم إيّاهُ مِن غَيْرِ فَضِيلَةٍ لَهُ عَلَيْكم.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ لِلْإنْكارِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن تَقْبِيحِ اتِّباعِهِمْ لَهُ. قُرِئَ بِكَسْرِ المِيمِ مَن مِتُّمْ، مِن ماتَ يَماتُ كَخافَ يَخافُ. وقُرِئَ بِضَمِّها مِن ماتَ يَمُوتُ: كَقالَ يَقُولُ ﴿وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ كانَ بَعْضُ أجْزائِكم تُرابًا، وبَعْضُها عِظامًا نَخِرَةً لا لَحْمَ فِيها ولا أعْصابَ عَلَيْها، قِيلَ وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ في عُقُولِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى: كانَ مُتَقَدِّمُوكم تُرابًا، ومُتَأخِّرُوكم عِظامًا ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ أيْ مِن قُبُورِكم أحْياءً كَما كُنْتُمْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: أنَّ الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ أيَعِدُكم عَلَيْها، وأنَّ الثّانِيَةَ بَدَلٌ مِنها.
وقالَ الفَرّاءُ والجَرْمِيُّ والمُبَرِّدُ: إنَّ أنَّ الثّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ تَكْرِيرُها لِطُولِ الكَلامِ، وبِمِثْلِهِ قالَ الزَّجّاجُ.
وقالَ الأخْفَشُ: أنَّ الثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: يَحْدُثُ إخْراجُكم كَما تَقُولُ: اليَوْمَ القِتالُ، فالمَعْنى: اليَوْمَ يَحْدُثُ القِتالُ.
﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ أيْ بَعْدِ ما تُوعَدُونَ، أوْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وفي هَيْهاتَ عَشْرُ لُغاتٍ ثُمَّ سَرَدَها، وهي مُبَيَّنَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ قُرِئَ بِبَعْضِها، واللّامُ في لِما تُوعَدُونَ لِبَيانِ المُسْتَبْعَدِ كَما في قَوْلِهِ: هَيْتَ لَكَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا هَذا الِاسْتِبْعادُ ؟ فَقِيلَ: لِما تُوعَدُونَ.
والمَعْنى: بَعْدَ إخْراجِكم لِلْوَعْدِ الَّذِي تُوعَدُونَ، هَذا عَلى أنَّ هَيْهاتَ اسْمُ فِعْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ أيِ: البُعْدُ لِما تُوعَدُونَ، أوْ بُعْدٌ لِما تُوعَدُونَ عَلى قِراءَةِ مَن نَوَّنَ فَتَكُونُ عَلى هَذا مُبْتَدَأً خَبَرُهُ لِما تُوعَدُونَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ إتْرافَهم بِأنَّهم قالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ ما الحَياةُ إلّا حَياتَنا الدُّنْيا، لا الحَياةَ الآخِرَةَ الَّتِي تَعِدُنا بِها، وجُمْلَةُ ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما ادَّعُوهُ مِن قَصْرِهِمْ حَياتَهم عَلى حَياةِ الدُّنْيا. ثُمَّ صَرَّحُوا بِنَفْيِ البَعْثِ، وأنَّ الوَعْدَ بِهِ مِنهُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ فَقالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ ما هو فِيما يَدَّعِيهِ إلّا مُفْتَرٍ لِلْكَذِبِ عَلى اللَّهِ ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ لَهُ فِيما يَقُولُهُ.
﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أيْ قالَ نَبِيُّهم لَمّا عَلِمَ بِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَهُ ألْبَتَّةَ: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَيْهِمْ وانْتَقِمْ لِي مِنهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ.
﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ أيْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُجِيبًا لِدُعائِهِ واعِدًا لَهُ بِالقَبُولِ لِما دَعا بِهِ: عَمّا قَلِيلٍ مِنَ الزَّمانِ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ عَلى ما وقَعَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ والعِنادِ والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، وما في عَمّا قَلِيلٌ مَزِيدَةٌ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلتَّوْكِيدِ لِقِلَّةِ الزَّمانِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّها أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ وحاقَ بِهِمْ عَذابُهُ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ سَخَطُهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً واحِدَةً مَعَ الرِّيحِ الَّتِي أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِها فَماتُوا جَمِيعًا. وقِيلَ: الصَّيْحَةُ: هي نَفْسُ العَذابِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والباءُ في بِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِالأخْذِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَمّا صارُوا إلَيْهِ بَعْدَ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. فَقالَ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ أيْ كَغُثاءِ السَّيْلِ الَّذِي يَحْمِلُهُ: والغُثاءُ ما يَحْمِلُ السَّيْلُ مِن بالِي الشَّجَرِ والحَشِيشِ والقَصَبِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى ظاهِرِ الماءِ. والمَعْنى: صَيَّرَهم هَلْكى فَيَبِسُوا كَما يَبِسَ الغُثاءُ ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ انْتِصابُ بُعْدًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي لا يُذْكَرُ فِعْلُها مَعَها أيْ: بَعُدُوا بُعْدًا، واللّامُ لِبَيانِ مَن قِيلَ لَهُ ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ يَقُولُ: اجْعَلْ مَعَكَ في السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ قالَ لِنُوحٍ حِينَ أُنْزِلَ مِنَ السَّفِينَةِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يُعَلِّمُكم سُبْحانَهُ كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، وكَيْفَ تَقُولُونَ إذا نَزَلْتُمْ.
أمّا عِنْدَ الرُّكُوبِ فَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] و﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وعِنْدَ النُّزُولِ ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: قَرْنًا قالَ: أُمَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ قالَ: بِعِيدٌ بَعِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ قالَ: جُعِلُوا كالشَّيْءِ المَيِّتِ البالِي مِنَ الشَّجَرِ.
الزخرف 43:16
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الفُلْكَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نُوحٍ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن صَنَعَهُ، وذَكَرَ ما صَنَعَهُ قَوْمُ نُوحٍ مَعَهُ بِسَبَبِ إهْمالِهِمْ لِلتَّفَكُّرِ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والتَّذَكُّرِ لِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ وفي ذَلِكَ تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وتَسْلِيَةٌ لَهُ بِبَيانِ أنَّ قَوْمَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا يَصْنَعُونَ مَعَ أنْبِيائِهِمْ ما يَصْنَعُهُ قَوْمُهُ مَعَهُ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ وحْدَهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا كَما يُسْتَفادُ مِنَ الآياتِ الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها، وارْتِفاعُ غَيْرِهِ (p-٩٨٢)لِكَوْنِهِ وصْفًا لِإلَهٍ عَلى المَحَلِّ؛ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَكم أيْ: ما لَكم في الوُجُودِ إلَهٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، وقُرِئَ بِالجَرِّ اعْتِبارًا بِلَفْظِ إلَهٍ أفَلا تَتَّقُونَ أيْ أفَلا تَخافُونَ أنْ تَتْرُكُوا عِبادَةَ رَبِّكُمُ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ، ولَيْسَ لَكم إلَهٌ سِواهُ. وقِيلَ: المَعْنى: أفَلا تَقُونَ أنْفُسَكم عَذابَهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ذُنُوبُكم.
﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ أشْرافُ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم﴾ أيْ مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ، لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلَبُ الفَضْلَ عَلَيْكم بِأنْ يَسُودَكم حَتّى تَكُونُوا تابِعِينَ لَهُ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ، ثُمَّ صَرَّحُوا بِأنَّ البَشَرَ لا يَكُونُ رَسُولًا فَقالُوا: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ إرْسالَ رَسُولٍ لَأرْسَلَ مَلائِكَةً، وإنَّما عَبَّرَ بِالإنْزالِ عَنِ الإرْسالِ؛ لِأنَّ إرْسالَهم إلى العِبادِ يَسْتَلْزِمُ نُزُولَهم إلَيْهِمْ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ بِمِثْلِ دَعْوى هَذا المُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ مِنَ البَشَرِ، أوْ بِمِثْلِ كَلامِهِ، وهو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ أوْ ما سَمِعْنا بِبَشَرٍ يَدَّعِي هَذِهِ الدَّعْوى في آبائِنا الأوَّلِينَ أيْ: في الأُمَمِ الماضِيَةِ قَبْلَ هَذا.
وقِيلَ: الباءُ في بِهَذا زائِدَةٌ أيْ: ما سَمِعْنا هَذا كائِنًا في الماضِينَ، قالُوا هَذا اعْتِمادًا مِنهم عَلى التَّقْلِيدِ واعْتِصامًا بِحَبْلِهِ. ولَمْ يَقْنَعُوا بِذَلِكَ حَتّى ضَمُّوا إلَيْهِ الكَذِبَ البَحْتَ، والبَهْتَ الصُّراحَ فَقالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ جُنُونٌ لا يَدْرِي ما يَقُولُ: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ أيِ انْتَظِرُوا بِهِ حَتّى يَسْتَبِينَ أمْرُهُ، بِأنْ يَفِيقَ مِن جُنُونِهِ فَيَتْرُكَ هَذِهِ الدَّعْوى، أوْ حَتّى يَمُوتَ فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ.
قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ يُرِيدُ بِالحِينِ هُنا وقْتًا بِعَيْنِهِ إنَّما هو كَقَوْلِهِمْ: دَعْهُ إلى يَوْمٍ ما، فَلَمّا سَمِعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلامَهم وعَرِفَ تَمادِيَهِمْ عَلى الكُفْرِ وإصْرارَهم عَلَيْهِ. ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عَلَيْهِمْ فانْتَقِمْ مِنهم بِما تَشاءُ وكَيْفَ تُرِيدُ، والباءُ في ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ. ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ أيْ أرْسَلْنا إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ السَّماءِ ﴿أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ وأنْ هي مُفَسِّرَةٌ لِما في الوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ بِأعْيُنِنا أيْ مُتَلَبِّسًا بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في هُودٍ.
ومَعْنى ووَحْيِنا أمْرِنا لَكَ وتَعْلِيمِنا إيّاكَ لِكَيْفِيَّةِ صُنْعِها، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن صُنْعِ الفُلْكِ، والمُرادُ بِالأمْرِ العَذابُ ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ عَطْفَ النَّسَقِ، وقِيلَ: عَطْفَ البَيانِ أيْ: إنَّ مَجِيءَ الأمْرِ هو فَوْرُ التَّنُّورِ أيْ: تَنُّورِ آدَمَ الصّائِرُ إلى نُوحٍ أيْ: إذا وقَعَ ذَلِكَ ﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيِ ادْخُلْ فِيها، يُقالُ سَلَكَهُ في كَذا أدْخَلَهُ، وأسْلَكْتُهُ أدْخَلْتُهُ.
قَرَأ حَفْصٌ مِن كُلٍّ بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإضافَةِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى مِن كُلِّ أُمَّةِ زَوْجَيْنِ، ومَعْنى الثّانِيَةِ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ، وهُما أُمَّةُ الذَّكَرِ والأُنْثى اثْنَيْنِ، وانْتابَ أهْلَكَ بِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى فاسْلُكْ، لا بِالعَطْفِ عَلى زَوْجَيْنِ، أوْ عَلى اثْنَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأدائِهِ إلى اخْتِلافِ المَعْنى أيْ: واسْلُكْ أهْلَكَ ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيِ القَوْلِ بِإهْلاكِهِمْ مِنهم ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالدُّعاءِ لَهم بِإنْجائِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ المُخاطَبَةِ أيْ: إنَّهم مَقْضِيٌّ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ لِظُلْمِهِمْ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو لا يَسْتَحِقُّ الدُّعاءَ لَهُ.
﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ﴾ أيْ عَلَوْتَ ﴿أنْتَ ومَن مَعَكَ﴾ مِن أهْلِكَ وأتْباعِكَ ﴿عَلى الفُلْكِ﴾ راكِبِينَ عَلَيْهِ ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ حالَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، وخَلَّصَنا مِنهم، كَقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ عَلى التَّمامِ والكَمالِ، وإنَّما جَعَلَ اسْتِواءَهم عَلى السَّفِينَةِ نَجاةً مِنَ الغَرَقِ جَزْمًا؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نَجاتِهِمْ مِنَ الظَّلَمَةِ، وسَلامَتِهِمْ مِن أنْ يُصابُوا بِما أُصِيبُوا بِهِ مِنَ العَذابِ.
ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ ما هو أنْفَعُ لَهُ وأتَمُّ فائِدَةً فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ أيْ أنْزِلْنِي في السَّفِينَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُنْزَلًا بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ.
فَعَلى القِراءَةِ الأُولى: أنْزِلْنِي إنْزالًا مُبارَكًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنْزِلْنِي مَكانًا مُبارَكًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والمَنزَلُ بِفَتْحِ المِيمِ والزّايِ النُّزُولُ، وهو الحُلُولُ، تَقُولُ نَزَلْتُ نُزُولًا ومَنزَلًا.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أإنْ ذَكَّرَتْكَ الدّارُ مَنزِلَها جُمْلُ بِكَيْتَ فَدَمْعُ العَيْنِ مُنْحَدِرٌ سَجْلُ
بِنَصْبِ مَنزِلِها؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، قِيلَ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ عِنْدَ دُخُولِهِ السَّفِينَةَ، وقِيلَ: عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنها، والآيَةُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ إذا رَكِبُوا ثُمَّ نَزَلُوا أنْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ هَذا ثَناءٌ مِنهُ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إثْرَ دُعائِهِ لَهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ عِنْدَ اسْتِوائِهِ عَلى الفُلْكِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وعِنْدَ نُزُولِهِ مِنها: ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِن أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والآياتُ الدَّلالاتُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، والعَلاماتُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى عَظِيمِ شَأْنِهِ ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُخْتَبِرِينَ لَهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، لِيَظْهَرَ المُطِيعُ والعاصِي لِلنّاسِ أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهُ يُعامِلُهم سُبْحانَهُ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ لِأحْوالِهِمْ، تارَةً بِالإرْسالِ، وتارَةً بِالعَذابِ.
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أنْشَأهُمُ اللَّهُ بَعْدَهم هم عادٌ قَوْمُ هُودٍ، لِمَجِيءِ قِصَّتِهِمْ عَلى إثْرِ قِصَّةِ نُوحٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ولِقَوْلِهِ في الأعْرافِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقِيلَ: هم ثَمُودُ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ. وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [ الحِجْرِ: ٧٣ و ٨٣ ] وقِيلَ: هم أصْحابُ مَدْيَنَ قَوْمُ شُعَيْبٍ لِأنَّهم مِمَّنْ أُهْلِكَ بِالصَّيْحَةِ.
﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ عُدِّيَ فِعْلُ الإرْسالِ بِفي مَعَ أنَّهُ يَتَعَدّى بِإلى، لِلدَّلالَةِ (p-٩٨٣)عَلى أنَّ هَذا الرَّسُولَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ نَشَأ فِيهِمْ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، يَعْرِفُونَ مَكانَهُ ومَوْلِدَهُ؛ لِيَكُونَ سُكُونُهم إلى قَوْلِهِ أكْثَرَ مِن سُكُونِهِمْ إلى مَن يَأْتِيهِمْ مِن غَيْرِ مَكانِهِمْ.
وقِيلَ: وجْهُ التَّعْدِيَةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِفي أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ اعْبُدُوا اللَّهَ ولِهَذا جِيءَ بِأنْ المُفَسِّرَةِ. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ تَضْمِينَ أرْسَلْنا مَعْنى قُلْنا لا يَسْتَلْزِمُ تَعْدِيَتَهُ بِفي، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ أفَلا تَتَّقُونَ عَذابَهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ شِرْكِكم.
﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ أشْرافُهم وقادَتُهم. ثُمَّ وصَفَ المَلَأ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيْ كَذَّبُوا بِما في الآخِرَةِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وأتْرَفْناهم أيْ وسَّعْنا لَهم نِعَمَ الدُّنْيا فَبَطَرُوا بِسَبَبِ ما صارُوا فِيهِ في الحَياةِ الدُّنْيا مِن كَثْرَةِ الأمْوالِ ورَفاهَةِ العَيْشِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ قالَ المَلَأُ لِقَوْمِهِمْ هَذا القَوْلَ، وصَفُوهُ بِمُساواتِهِمْ في البَشَرِيَّةِ، وفي الأكْلِ ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ والشُّرْبِ مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عِنْدَهم أنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْهِمْ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ عَلى حَذْفِ مِنهُ أيْ: مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، فَلا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ.
﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ أيْ مَغْبُونُونَ بِتَرْكِكم آلِهَتَكم واتِّباعِكم إيّاهُ مِن غَيْرِ فَضِيلَةٍ لَهُ عَلَيْكم.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ لِلْإنْكارِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن تَقْبِيحِ اتِّباعِهِمْ لَهُ. قُرِئَ بِكَسْرِ المِيمِ مَن مِتُّمْ، مِن ماتَ يَماتُ كَخافَ يَخافُ. وقُرِئَ بِضَمِّها مِن ماتَ يَمُوتُ: كَقالَ يَقُولُ ﴿وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ كانَ بَعْضُ أجْزائِكم تُرابًا، وبَعْضُها عِظامًا نَخِرَةً لا لَحْمَ فِيها ولا أعْصابَ عَلَيْها، قِيلَ وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ في عُقُولِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى: كانَ مُتَقَدِّمُوكم تُرابًا، ومُتَأخِّرُوكم عِظامًا ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ أيْ مِن قُبُورِكم أحْياءً كَما كُنْتُمْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: أنَّ الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ أيَعِدُكم عَلَيْها، وأنَّ الثّانِيَةَ بَدَلٌ مِنها.
وقالَ الفَرّاءُ والجَرْمِيُّ والمُبَرِّدُ: إنَّ أنَّ الثّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ تَكْرِيرُها لِطُولِ الكَلامِ، وبِمِثْلِهِ قالَ الزَّجّاجُ.
وقالَ الأخْفَشُ: أنَّ الثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: يَحْدُثُ إخْراجُكم كَما تَقُولُ: اليَوْمَ القِتالُ، فالمَعْنى: اليَوْمَ يَحْدُثُ القِتالُ.
﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ أيْ بَعْدِ ما تُوعَدُونَ، أوْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وفي هَيْهاتَ عَشْرُ لُغاتٍ ثُمَّ سَرَدَها، وهي مُبَيَّنَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ قُرِئَ بِبَعْضِها، واللّامُ في لِما تُوعَدُونَ لِبَيانِ المُسْتَبْعَدِ كَما في قَوْلِهِ: هَيْتَ لَكَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا هَذا الِاسْتِبْعادُ ؟ فَقِيلَ: لِما تُوعَدُونَ.
والمَعْنى: بَعْدَ إخْراجِكم لِلْوَعْدِ الَّذِي تُوعَدُونَ، هَذا عَلى أنَّ هَيْهاتَ اسْمُ فِعْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ أيِ: البُعْدُ لِما تُوعَدُونَ، أوْ بُعْدٌ لِما تُوعَدُونَ عَلى قِراءَةِ مَن نَوَّنَ فَتَكُونُ عَلى هَذا مُبْتَدَأً خَبَرُهُ لِما تُوعَدُونَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ إتْرافَهم بِأنَّهم قالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ ما الحَياةُ إلّا حَياتَنا الدُّنْيا، لا الحَياةَ الآخِرَةَ الَّتِي تَعِدُنا بِها، وجُمْلَةُ ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما ادَّعُوهُ مِن قَصْرِهِمْ حَياتَهم عَلى حَياةِ الدُّنْيا. ثُمَّ صَرَّحُوا بِنَفْيِ البَعْثِ، وأنَّ الوَعْدَ بِهِ مِنهُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ فَقالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ ما هو فِيما يَدَّعِيهِ إلّا مُفْتَرٍ لِلْكَذِبِ عَلى اللَّهِ ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ لَهُ فِيما يَقُولُهُ.
﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أيْ قالَ نَبِيُّهم لَمّا عَلِمَ بِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَهُ ألْبَتَّةَ: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَيْهِمْ وانْتَقِمْ لِي مِنهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ.
﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ أيْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُجِيبًا لِدُعائِهِ واعِدًا لَهُ بِالقَبُولِ لِما دَعا بِهِ: عَمّا قَلِيلٍ مِنَ الزَّمانِ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ عَلى ما وقَعَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ والعِنادِ والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، وما في عَمّا قَلِيلٌ مَزِيدَةٌ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلتَّوْكِيدِ لِقِلَّةِ الزَّمانِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّها أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ وحاقَ بِهِمْ عَذابُهُ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ سَخَطُهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً واحِدَةً مَعَ الرِّيحِ الَّتِي أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِها فَماتُوا جَمِيعًا. وقِيلَ: الصَّيْحَةُ: هي نَفْسُ العَذابِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والباءُ في بِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِالأخْذِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَمّا صارُوا إلَيْهِ بَعْدَ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. فَقالَ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ أيْ كَغُثاءِ السَّيْلِ الَّذِي يَحْمِلُهُ: والغُثاءُ ما يَحْمِلُ السَّيْلُ مِن بالِي الشَّجَرِ والحَشِيشِ والقَصَبِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى ظاهِرِ الماءِ. والمَعْنى: صَيَّرَهم هَلْكى فَيَبِسُوا كَما يَبِسَ الغُثاءُ ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ انْتِصابُ بُعْدًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي لا يُذْكَرُ فِعْلُها مَعَها أيْ: بَعُدُوا بُعْدًا، واللّامُ لِبَيانِ مَن قِيلَ لَهُ ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ يَقُولُ: اجْعَلْ مَعَكَ في السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ قالَ لِنُوحٍ حِينَ أُنْزِلَ مِنَ السَّفِينَةِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يُعَلِّمُكم سُبْحانَهُ كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، وكَيْفَ تَقُولُونَ إذا نَزَلْتُمْ.
أمّا عِنْدَ الرُّكُوبِ فَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] و﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وعِنْدَ النُّزُولِ ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: قَرْنًا قالَ: أُمَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ قالَ: بِعِيدٌ بَعِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ قالَ: جُعِلُوا كالشَّيْءِ المَيِّتِ البالِي مِنَ الشَّجَرِ.
الزخرف 43:17
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الفُلْكَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نُوحٍ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن صَنَعَهُ، وذَكَرَ ما صَنَعَهُ قَوْمُ نُوحٍ مَعَهُ بِسَبَبِ إهْمالِهِمْ لِلتَّفَكُّرِ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والتَّذَكُّرِ لِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ وفي ذَلِكَ تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وتَسْلِيَةٌ لَهُ بِبَيانِ أنَّ قَوْمَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا يَصْنَعُونَ مَعَ أنْبِيائِهِمْ ما يَصْنَعُهُ قَوْمُهُ مَعَهُ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ وحْدَهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا كَما يُسْتَفادُ مِنَ الآياتِ الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها، وارْتِفاعُ غَيْرِهِ (p-٩٨٢)لِكَوْنِهِ وصْفًا لِإلَهٍ عَلى المَحَلِّ؛ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَكم أيْ: ما لَكم في الوُجُودِ إلَهٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، وقُرِئَ بِالجَرِّ اعْتِبارًا بِلَفْظِ إلَهٍ أفَلا تَتَّقُونَ أيْ أفَلا تَخافُونَ أنْ تَتْرُكُوا عِبادَةَ رَبِّكُمُ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ، ولَيْسَ لَكم إلَهٌ سِواهُ. وقِيلَ: المَعْنى: أفَلا تَقُونَ أنْفُسَكم عَذابَهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ذُنُوبُكم.
﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ أشْرافُ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم﴾ أيْ مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ، لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلَبُ الفَضْلَ عَلَيْكم بِأنْ يَسُودَكم حَتّى تَكُونُوا تابِعِينَ لَهُ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ، ثُمَّ صَرَّحُوا بِأنَّ البَشَرَ لا يَكُونُ رَسُولًا فَقالُوا: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ إرْسالَ رَسُولٍ لَأرْسَلَ مَلائِكَةً، وإنَّما عَبَّرَ بِالإنْزالِ عَنِ الإرْسالِ؛ لِأنَّ إرْسالَهم إلى العِبادِ يَسْتَلْزِمُ نُزُولَهم إلَيْهِمْ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ بِمِثْلِ دَعْوى هَذا المُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ مِنَ البَشَرِ، أوْ بِمِثْلِ كَلامِهِ، وهو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ أوْ ما سَمِعْنا بِبَشَرٍ يَدَّعِي هَذِهِ الدَّعْوى في آبائِنا الأوَّلِينَ أيْ: في الأُمَمِ الماضِيَةِ قَبْلَ هَذا.
وقِيلَ: الباءُ في بِهَذا زائِدَةٌ أيْ: ما سَمِعْنا هَذا كائِنًا في الماضِينَ، قالُوا هَذا اعْتِمادًا مِنهم عَلى التَّقْلِيدِ واعْتِصامًا بِحَبْلِهِ. ولَمْ يَقْنَعُوا بِذَلِكَ حَتّى ضَمُّوا إلَيْهِ الكَذِبَ البَحْتَ، والبَهْتَ الصُّراحَ فَقالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ جُنُونٌ لا يَدْرِي ما يَقُولُ: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ أيِ انْتَظِرُوا بِهِ حَتّى يَسْتَبِينَ أمْرُهُ، بِأنْ يَفِيقَ مِن جُنُونِهِ فَيَتْرُكَ هَذِهِ الدَّعْوى، أوْ حَتّى يَمُوتَ فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ.
قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ يُرِيدُ بِالحِينِ هُنا وقْتًا بِعَيْنِهِ إنَّما هو كَقَوْلِهِمْ: دَعْهُ إلى يَوْمٍ ما، فَلَمّا سَمِعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلامَهم وعَرِفَ تَمادِيَهِمْ عَلى الكُفْرِ وإصْرارَهم عَلَيْهِ. ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عَلَيْهِمْ فانْتَقِمْ مِنهم بِما تَشاءُ وكَيْفَ تُرِيدُ، والباءُ في ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ. ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ أيْ أرْسَلْنا إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ السَّماءِ ﴿أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ وأنْ هي مُفَسِّرَةٌ لِما في الوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ بِأعْيُنِنا أيْ مُتَلَبِّسًا بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في هُودٍ.
ومَعْنى ووَحْيِنا أمْرِنا لَكَ وتَعْلِيمِنا إيّاكَ لِكَيْفِيَّةِ صُنْعِها، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن صُنْعِ الفُلْكِ، والمُرادُ بِالأمْرِ العَذابُ ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ عَطْفَ النَّسَقِ، وقِيلَ: عَطْفَ البَيانِ أيْ: إنَّ مَجِيءَ الأمْرِ هو فَوْرُ التَّنُّورِ أيْ: تَنُّورِ آدَمَ الصّائِرُ إلى نُوحٍ أيْ: إذا وقَعَ ذَلِكَ ﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيِ ادْخُلْ فِيها، يُقالُ سَلَكَهُ في كَذا أدْخَلَهُ، وأسْلَكْتُهُ أدْخَلْتُهُ.
قَرَأ حَفْصٌ مِن كُلٍّ بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإضافَةِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى مِن كُلِّ أُمَّةِ زَوْجَيْنِ، ومَعْنى الثّانِيَةِ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ، وهُما أُمَّةُ الذَّكَرِ والأُنْثى اثْنَيْنِ، وانْتابَ أهْلَكَ بِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى فاسْلُكْ، لا بِالعَطْفِ عَلى زَوْجَيْنِ، أوْ عَلى اثْنَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأدائِهِ إلى اخْتِلافِ المَعْنى أيْ: واسْلُكْ أهْلَكَ ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيِ القَوْلِ بِإهْلاكِهِمْ مِنهم ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالدُّعاءِ لَهم بِإنْجائِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ المُخاطَبَةِ أيْ: إنَّهم مَقْضِيٌّ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ لِظُلْمِهِمْ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو لا يَسْتَحِقُّ الدُّعاءَ لَهُ.
﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ﴾ أيْ عَلَوْتَ ﴿أنْتَ ومَن مَعَكَ﴾ مِن أهْلِكَ وأتْباعِكَ ﴿عَلى الفُلْكِ﴾ راكِبِينَ عَلَيْهِ ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ حالَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، وخَلَّصَنا مِنهم، كَقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ عَلى التَّمامِ والكَمالِ، وإنَّما جَعَلَ اسْتِواءَهم عَلى السَّفِينَةِ نَجاةً مِنَ الغَرَقِ جَزْمًا؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نَجاتِهِمْ مِنَ الظَّلَمَةِ، وسَلامَتِهِمْ مِن أنْ يُصابُوا بِما أُصِيبُوا بِهِ مِنَ العَذابِ.
ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ ما هو أنْفَعُ لَهُ وأتَمُّ فائِدَةً فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ أيْ أنْزِلْنِي في السَّفِينَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُنْزَلًا بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ.
فَعَلى القِراءَةِ الأُولى: أنْزِلْنِي إنْزالًا مُبارَكًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنْزِلْنِي مَكانًا مُبارَكًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والمَنزَلُ بِفَتْحِ المِيمِ والزّايِ النُّزُولُ، وهو الحُلُولُ، تَقُولُ نَزَلْتُ نُزُولًا ومَنزَلًا.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أإنْ ذَكَّرَتْكَ الدّارُ مَنزِلَها جُمْلُ بِكَيْتَ فَدَمْعُ العَيْنِ مُنْحَدِرٌ سَجْلُ
بِنَصْبِ مَنزِلِها؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، قِيلَ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ عِنْدَ دُخُولِهِ السَّفِينَةَ، وقِيلَ: عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنها، والآيَةُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ إذا رَكِبُوا ثُمَّ نَزَلُوا أنْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ هَذا ثَناءٌ مِنهُ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إثْرَ دُعائِهِ لَهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ عِنْدَ اسْتِوائِهِ عَلى الفُلْكِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وعِنْدَ نُزُولِهِ مِنها: ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِن أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والآياتُ الدَّلالاتُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، والعَلاماتُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى عَظِيمِ شَأْنِهِ ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُخْتَبِرِينَ لَهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، لِيَظْهَرَ المُطِيعُ والعاصِي لِلنّاسِ أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهُ يُعامِلُهم سُبْحانَهُ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ لِأحْوالِهِمْ، تارَةً بِالإرْسالِ، وتارَةً بِالعَذابِ.
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أنْشَأهُمُ اللَّهُ بَعْدَهم هم عادٌ قَوْمُ هُودٍ، لِمَجِيءِ قِصَّتِهِمْ عَلى إثْرِ قِصَّةِ نُوحٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ولِقَوْلِهِ في الأعْرافِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقِيلَ: هم ثَمُودُ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ. وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [ الحِجْرِ: ٧٣ و ٨٣ ] وقِيلَ: هم أصْحابُ مَدْيَنَ قَوْمُ شُعَيْبٍ لِأنَّهم مِمَّنْ أُهْلِكَ بِالصَّيْحَةِ.
﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ عُدِّيَ فِعْلُ الإرْسالِ بِفي مَعَ أنَّهُ يَتَعَدّى بِإلى، لِلدَّلالَةِ (p-٩٨٣)عَلى أنَّ هَذا الرَّسُولَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ نَشَأ فِيهِمْ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، يَعْرِفُونَ مَكانَهُ ومَوْلِدَهُ؛ لِيَكُونَ سُكُونُهم إلى قَوْلِهِ أكْثَرَ مِن سُكُونِهِمْ إلى مَن يَأْتِيهِمْ مِن غَيْرِ مَكانِهِمْ.
وقِيلَ: وجْهُ التَّعْدِيَةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِفي أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ اعْبُدُوا اللَّهَ ولِهَذا جِيءَ بِأنْ المُفَسِّرَةِ. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ تَضْمِينَ أرْسَلْنا مَعْنى قُلْنا لا يَسْتَلْزِمُ تَعْدِيَتَهُ بِفي، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ أفَلا تَتَّقُونَ عَذابَهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ شِرْكِكم.
﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ أشْرافُهم وقادَتُهم. ثُمَّ وصَفَ المَلَأ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيْ كَذَّبُوا بِما في الآخِرَةِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وأتْرَفْناهم أيْ وسَّعْنا لَهم نِعَمَ الدُّنْيا فَبَطَرُوا بِسَبَبِ ما صارُوا فِيهِ في الحَياةِ الدُّنْيا مِن كَثْرَةِ الأمْوالِ ورَفاهَةِ العَيْشِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ قالَ المَلَأُ لِقَوْمِهِمْ هَذا القَوْلَ، وصَفُوهُ بِمُساواتِهِمْ في البَشَرِيَّةِ، وفي الأكْلِ ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ والشُّرْبِ مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عِنْدَهم أنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْهِمْ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ عَلى حَذْفِ مِنهُ أيْ: مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، فَلا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ.
﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ أيْ مَغْبُونُونَ بِتَرْكِكم آلِهَتَكم واتِّباعِكم إيّاهُ مِن غَيْرِ فَضِيلَةٍ لَهُ عَلَيْكم.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ لِلْإنْكارِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن تَقْبِيحِ اتِّباعِهِمْ لَهُ. قُرِئَ بِكَسْرِ المِيمِ مَن مِتُّمْ، مِن ماتَ يَماتُ كَخافَ يَخافُ. وقُرِئَ بِضَمِّها مِن ماتَ يَمُوتُ: كَقالَ يَقُولُ ﴿وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ كانَ بَعْضُ أجْزائِكم تُرابًا، وبَعْضُها عِظامًا نَخِرَةً لا لَحْمَ فِيها ولا أعْصابَ عَلَيْها، قِيلَ وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ في عُقُولِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى: كانَ مُتَقَدِّمُوكم تُرابًا، ومُتَأخِّرُوكم عِظامًا ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ أيْ مِن قُبُورِكم أحْياءً كَما كُنْتُمْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: أنَّ الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ أيَعِدُكم عَلَيْها، وأنَّ الثّانِيَةَ بَدَلٌ مِنها.
وقالَ الفَرّاءُ والجَرْمِيُّ والمُبَرِّدُ: إنَّ أنَّ الثّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ تَكْرِيرُها لِطُولِ الكَلامِ، وبِمِثْلِهِ قالَ الزَّجّاجُ.
وقالَ الأخْفَشُ: أنَّ الثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: يَحْدُثُ إخْراجُكم كَما تَقُولُ: اليَوْمَ القِتالُ، فالمَعْنى: اليَوْمَ يَحْدُثُ القِتالُ.
﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ أيْ بَعْدِ ما تُوعَدُونَ، أوْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وفي هَيْهاتَ عَشْرُ لُغاتٍ ثُمَّ سَرَدَها، وهي مُبَيَّنَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ قُرِئَ بِبَعْضِها، واللّامُ في لِما تُوعَدُونَ لِبَيانِ المُسْتَبْعَدِ كَما في قَوْلِهِ: هَيْتَ لَكَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا هَذا الِاسْتِبْعادُ ؟ فَقِيلَ: لِما تُوعَدُونَ.
والمَعْنى: بَعْدَ إخْراجِكم لِلْوَعْدِ الَّذِي تُوعَدُونَ، هَذا عَلى أنَّ هَيْهاتَ اسْمُ فِعْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ أيِ: البُعْدُ لِما تُوعَدُونَ، أوْ بُعْدٌ لِما تُوعَدُونَ عَلى قِراءَةِ مَن نَوَّنَ فَتَكُونُ عَلى هَذا مُبْتَدَأً خَبَرُهُ لِما تُوعَدُونَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ إتْرافَهم بِأنَّهم قالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ ما الحَياةُ إلّا حَياتَنا الدُّنْيا، لا الحَياةَ الآخِرَةَ الَّتِي تَعِدُنا بِها، وجُمْلَةُ ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما ادَّعُوهُ مِن قَصْرِهِمْ حَياتَهم عَلى حَياةِ الدُّنْيا. ثُمَّ صَرَّحُوا بِنَفْيِ البَعْثِ، وأنَّ الوَعْدَ بِهِ مِنهُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ فَقالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ ما هو فِيما يَدَّعِيهِ إلّا مُفْتَرٍ لِلْكَذِبِ عَلى اللَّهِ ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ لَهُ فِيما يَقُولُهُ.
﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أيْ قالَ نَبِيُّهم لَمّا عَلِمَ بِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَهُ ألْبَتَّةَ: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَيْهِمْ وانْتَقِمْ لِي مِنهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ.
﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ أيْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُجِيبًا لِدُعائِهِ واعِدًا لَهُ بِالقَبُولِ لِما دَعا بِهِ: عَمّا قَلِيلٍ مِنَ الزَّمانِ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ عَلى ما وقَعَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ والعِنادِ والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، وما في عَمّا قَلِيلٌ مَزِيدَةٌ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلتَّوْكِيدِ لِقِلَّةِ الزَّمانِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّها أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ وحاقَ بِهِمْ عَذابُهُ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ سَخَطُهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً واحِدَةً مَعَ الرِّيحِ الَّتِي أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِها فَماتُوا جَمِيعًا. وقِيلَ: الصَّيْحَةُ: هي نَفْسُ العَذابِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والباءُ في بِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِالأخْذِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَمّا صارُوا إلَيْهِ بَعْدَ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. فَقالَ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ أيْ كَغُثاءِ السَّيْلِ الَّذِي يَحْمِلُهُ: والغُثاءُ ما يَحْمِلُ السَّيْلُ مِن بالِي الشَّجَرِ والحَشِيشِ والقَصَبِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى ظاهِرِ الماءِ. والمَعْنى: صَيَّرَهم هَلْكى فَيَبِسُوا كَما يَبِسَ الغُثاءُ ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ انْتِصابُ بُعْدًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي لا يُذْكَرُ فِعْلُها مَعَها أيْ: بَعُدُوا بُعْدًا، واللّامُ لِبَيانِ مَن قِيلَ لَهُ ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ يَقُولُ: اجْعَلْ مَعَكَ في السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ قالَ لِنُوحٍ حِينَ أُنْزِلَ مِنَ السَّفِينَةِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يُعَلِّمُكم سُبْحانَهُ كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، وكَيْفَ تَقُولُونَ إذا نَزَلْتُمْ.
أمّا عِنْدَ الرُّكُوبِ فَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] و﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وعِنْدَ النُّزُولِ ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: قَرْنًا قالَ: أُمَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ قالَ: بِعِيدٌ بَعِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ قالَ: جُعِلُوا كالشَّيْءِ المَيِّتِ البالِي مِنَ الشَّجَرِ.
الزخرف 43:18
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الفُلْكَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نُوحٍ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن صَنَعَهُ، وذَكَرَ ما صَنَعَهُ قَوْمُ نُوحٍ مَعَهُ بِسَبَبِ إهْمالِهِمْ لِلتَّفَكُّرِ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والتَّذَكُّرِ لِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ وفي ذَلِكَ تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وتَسْلِيَةٌ لَهُ بِبَيانِ أنَّ قَوْمَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا يَصْنَعُونَ مَعَ أنْبِيائِهِمْ ما يَصْنَعُهُ قَوْمُهُ مَعَهُ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ وحْدَهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا كَما يُسْتَفادُ مِنَ الآياتِ الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها، وارْتِفاعُ غَيْرِهِ (p-٩٨٢)لِكَوْنِهِ وصْفًا لِإلَهٍ عَلى المَحَلِّ؛ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَكم أيْ: ما لَكم في الوُجُودِ إلَهٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، وقُرِئَ بِالجَرِّ اعْتِبارًا بِلَفْظِ إلَهٍ أفَلا تَتَّقُونَ أيْ أفَلا تَخافُونَ أنْ تَتْرُكُوا عِبادَةَ رَبِّكُمُ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ، ولَيْسَ لَكم إلَهٌ سِواهُ. وقِيلَ: المَعْنى: أفَلا تَقُونَ أنْفُسَكم عَذابَهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ذُنُوبُكم.
﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ أشْرافُ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم﴾ أيْ مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ، لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلَبُ الفَضْلَ عَلَيْكم بِأنْ يَسُودَكم حَتّى تَكُونُوا تابِعِينَ لَهُ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ، ثُمَّ صَرَّحُوا بِأنَّ البَشَرَ لا يَكُونُ رَسُولًا فَقالُوا: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ إرْسالَ رَسُولٍ لَأرْسَلَ مَلائِكَةً، وإنَّما عَبَّرَ بِالإنْزالِ عَنِ الإرْسالِ؛ لِأنَّ إرْسالَهم إلى العِبادِ يَسْتَلْزِمُ نُزُولَهم إلَيْهِمْ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ بِمِثْلِ دَعْوى هَذا المُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ مِنَ البَشَرِ، أوْ بِمِثْلِ كَلامِهِ، وهو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ أوْ ما سَمِعْنا بِبَشَرٍ يَدَّعِي هَذِهِ الدَّعْوى في آبائِنا الأوَّلِينَ أيْ: في الأُمَمِ الماضِيَةِ قَبْلَ هَذا.
وقِيلَ: الباءُ في بِهَذا زائِدَةٌ أيْ: ما سَمِعْنا هَذا كائِنًا في الماضِينَ، قالُوا هَذا اعْتِمادًا مِنهم عَلى التَّقْلِيدِ واعْتِصامًا بِحَبْلِهِ. ولَمْ يَقْنَعُوا بِذَلِكَ حَتّى ضَمُّوا إلَيْهِ الكَذِبَ البَحْتَ، والبَهْتَ الصُّراحَ فَقالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ جُنُونٌ لا يَدْرِي ما يَقُولُ: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ أيِ انْتَظِرُوا بِهِ حَتّى يَسْتَبِينَ أمْرُهُ، بِأنْ يَفِيقَ مِن جُنُونِهِ فَيَتْرُكَ هَذِهِ الدَّعْوى، أوْ حَتّى يَمُوتَ فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ.
قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ يُرِيدُ بِالحِينِ هُنا وقْتًا بِعَيْنِهِ إنَّما هو كَقَوْلِهِمْ: دَعْهُ إلى يَوْمٍ ما، فَلَمّا سَمِعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلامَهم وعَرِفَ تَمادِيَهِمْ عَلى الكُفْرِ وإصْرارَهم عَلَيْهِ. ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عَلَيْهِمْ فانْتَقِمْ مِنهم بِما تَشاءُ وكَيْفَ تُرِيدُ، والباءُ في ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ. ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ أيْ أرْسَلْنا إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ السَّماءِ ﴿أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ وأنْ هي مُفَسِّرَةٌ لِما في الوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ بِأعْيُنِنا أيْ مُتَلَبِّسًا بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في هُودٍ.
ومَعْنى ووَحْيِنا أمْرِنا لَكَ وتَعْلِيمِنا إيّاكَ لِكَيْفِيَّةِ صُنْعِها، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن صُنْعِ الفُلْكِ، والمُرادُ بِالأمْرِ العَذابُ ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ عَطْفَ النَّسَقِ، وقِيلَ: عَطْفَ البَيانِ أيْ: إنَّ مَجِيءَ الأمْرِ هو فَوْرُ التَّنُّورِ أيْ: تَنُّورِ آدَمَ الصّائِرُ إلى نُوحٍ أيْ: إذا وقَعَ ذَلِكَ ﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيِ ادْخُلْ فِيها، يُقالُ سَلَكَهُ في كَذا أدْخَلَهُ، وأسْلَكْتُهُ أدْخَلْتُهُ.
قَرَأ حَفْصٌ مِن كُلٍّ بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإضافَةِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى مِن كُلِّ أُمَّةِ زَوْجَيْنِ، ومَعْنى الثّانِيَةِ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ، وهُما أُمَّةُ الذَّكَرِ والأُنْثى اثْنَيْنِ، وانْتابَ أهْلَكَ بِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى فاسْلُكْ، لا بِالعَطْفِ عَلى زَوْجَيْنِ، أوْ عَلى اثْنَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأدائِهِ إلى اخْتِلافِ المَعْنى أيْ: واسْلُكْ أهْلَكَ ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيِ القَوْلِ بِإهْلاكِهِمْ مِنهم ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالدُّعاءِ لَهم بِإنْجائِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ المُخاطَبَةِ أيْ: إنَّهم مَقْضِيٌّ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ لِظُلْمِهِمْ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو لا يَسْتَحِقُّ الدُّعاءَ لَهُ.
﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ﴾ أيْ عَلَوْتَ ﴿أنْتَ ومَن مَعَكَ﴾ مِن أهْلِكَ وأتْباعِكَ ﴿عَلى الفُلْكِ﴾ راكِبِينَ عَلَيْهِ ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ حالَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، وخَلَّصَنا مِنهم، كَقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ عَلى التَّمامِ والكَمالِ، وإنَّما جَعَلَ اسْتِواءَهم عَلى السَّفِينَةِ نَجاةً مِنَ الغَرَقِ جَزْمًا؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نَجاتِهِمْ مِنَ الظَّلَمَةِ، وسَلامَتِهِمْ مِن أنْ يُصابُوا بِما أُصِيبُوا بِهِ مِنَ العَذابِ.
ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ ما هو أنْفَعُ لَهُ وأتَمُّ فائِدَةً فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ أيْ أنْزِلْنِي في السَّفِينَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُنْزَلًا بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ.
فَعَلى القِراءَةِ الأُولى: أنْزِلْنِي إنْزالًا مُبارَكًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنْزِلْنِي مَكانًا مُبارَكًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والمَنزَلُ بِفَتْحِ المِيمِ والزّايِ النُّزُولُ، وهو الحُلُولُ، تَقُولُ نَزَلْتُ نُزُولًا ومَنزَلًا.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أإنْ ذَكَّرَتْكَ الدّارُ مَنزِلَها جُمْلُ بِكَيْتَ فَدَمْعُ العَيْنِ مُنْحَدِرٌ سَجْلُ
بِنَصْبِ مَنزِلِها؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، قِيلَ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ عِنْدَ دُخُولِهِ السَّفِينَةَ، وقِيلَ: عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنها، والآيَةُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ إذا رَكِبُوا ثُمَّ نَزَلُوا أنْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ هَذا ثَناءٌ مِنهُ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إثْرَ دُعائِهِ لَهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ عِنْدَ اسْتِوائِهِ عَلى الفُلْكِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وعِنْدَ نُزُولِهِ مِنها: ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِن أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والآياتُ الدَّلالاتُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، والعَلاماتُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى عَظِيمِ شَأْنِهِ ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُخْتَبِرِينَ لَهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، لِيَظْهَرَ المُطِيعُ والعاصِي لِلنّاسِ أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهُ يُعامِلُهم سُبْحانَهُ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ لِأحْوالِهِمْ، تارَةً بِالإرْسالِ، وتارَةً بِالعَذابِ.
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أنْشَأهُمُ اللَّهُ بَعْدَهم هم عادٌ قَوْمُ هُودٍ، لِمَجِيءِ قِصَّتِهِمْ عَلى إثْرِ قِصَّةِ نُوحٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ولِقَوْلِهِ في الأعْرافِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقِيلَ: هم ثَمُودُ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ. وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [ الحِجْرِ: ٧٣ و ٨٣ ] وقِيلَ: هم أصْحابُ مَدْيَنَ قَوْمُ شُعَيْبٍ لِأنَّهم مِمَّنْ أُهْلِكَ بِالصَّيْحَةِ.
﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ عُدِّيَ فِعْلُ الإرْسالِ بِفي مَعَ أنَّهُ يَتَعَدّى بِإلى، لِلدَّلالَةِ (p-٩٨٣)عَلى أنَّ هَذا الرَّسُولَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ نَشَأ فِيهِمْ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، يَعْرِفُونَ مَكانَهُ ومَوْلِدَهُ؛ لِيَكُونَ سُكُونُهم إلى قَوْلِهِ أكْثَرَ مِن سُكُونِهِمْ إلى مَن يَأْتِيهِمْ مِن غَيْرِ مَكانِهِمْ.
وقِيلَ: وجْهُ التَّعْدِيَةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِفي أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ اعْبُدُوا اللَّهَ ولِهَذا جِيءَ بِأنْ المُفَسِّرَةِ. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ تَضْمِينَ أرْسَلْنا مَعْنى قُلْنا لا يَسْتَلْزِمُ تَعْدِيَتَهُ بِفي، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ أفَلا تَتَّقُونَ عَذابَهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ شِرْكِكم.
﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ أشْرافُهم وقادَتُهم. ثُمَّ وصَفَ المَلَأ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيْ كَذَّبُوا بِما في الآخِرَةِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وأتْرَفْناهم أيْ وسَّعْنا لَهم نِعَمَ الدُّنْيا فَبَطَرُوا بِسَبَبِ ما صارُوا فِيهِ في الحَياةِ الدُّنْيا مِن كَثْرَةِ الأمْوالِ ورَفاهَةِ العَيْشِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ قالَ المَلَأُ لِقَوْمِهِمْ هَذا القَوْلَ، وصَفُوهُ بِمُساواتِهِمْ في البَشَرِيَّةِ، وفي الأكْلِ ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ والشُّرْبِ مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عِنْدَهم أنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْهِمْ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ عَلى حَذْفِ مِنهُ أيْ: مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، فَلا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ.
﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ أيْ مَغْبُونُونَ بِتَرْكِكم آلِهَتَكم واتِّباعِكم إيّاهُ مِن غَيْرِ فَضِيلَةٍ لَهُ عَلَيْكم.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ لِلْإنْكارِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن تَقْبِيحِ اتِّباعِهِمْ لَهُ. قُرِئَ بِكَسْرِ المِيمِ مَن مِتُّمْ، مِن ماتَ يَماتُ كَخافَ يَخافُ. وقُرِئَ بِضَمِّها مِن ماتَ يَمُوتُ: كَقالَ يَقُولُ ﴿وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ كانَ بَعْضُ أجْزائِكم تُرابًا، وبَعْضُها عِظامًا نَخِرَةً لا لَحْمَ فِيها ولا أعْصابَ عَلَيْها، قِيلَ وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ في عُقُولِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى: كانَ مُتَقَدِّمُوكم تُرابًا، ومُتَأخِّرُوكم عِظامًا ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ أيْ مِن قُبُورِكم أحْياءً كَما كُنْتُمْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: أنَّ الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ أيَعِدُكم عَلَيْها، وأنَّ الثّانِيَةَ بَدَلٌ مِنها.
وقالَ الفَرّاءُ والجَرْمِيُّ والمُبَرِّدُ: إنَّ أنَّ الثّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ تَكْرِيرُها لِطُولِ الكَلامِ، وبِمِثْلِهِ قالَ الزَّجّاجُ.
وقالَ الأخْفَشُ: أنَّ الثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: يَحْدُثُ إخْراجُكم كَما تَقُولُ: اليَوْمَ القِتالُ، فالمَعْنى: اليَوْمَ يَحْدُثُ القِتالُ.
﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ أيْ بَعْدِ ما تُوعَدُونَ، أوْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وفي هَيْهاتَ عَشْرُ لُغاتٍ ثُمَّ سَرَدَها، وهي مُبَيَّنَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ قُرِئَ بِبَعْضِها، واللّامُ في لِما تُوعَدُونَ لِبَيانِ المُسْتَبْعَدِ كَما في قَوْلِهِ: هَيْتَ لَكَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا هَذا الِاسْتِبْعادُ ؟ فَقِيلَ: لِما تُوعَدُونَ.
والمَعْنى: بَعْدَ إخْراجِكم لِلْوَعْدِ الَّذِي تُوعَدُونَ، هَذا عَلى أنَّ هَيْهاتَ اسْمُ فِعْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ أيِ: البُعْدُ لِما تُوعَدُونَ، أوْ بُعْدٌ لِما تُوعَدُونَ عَلى قِراءَةِ مَن نَوَّنَ فَتَكُونُ عَلى هَذا مُبْتَدَأً خَبَرُهُ لِما تُوعَدُونَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ إتْرافَهم بِأنَّهم قالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ ما الحَياةُ إلّا حَياتَنا الدُّنْيا، لا الحَياةَ الآخِرَةَ الَّتِي تَعِدُنا بِها، وجُمْلَةُ ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما ادَّعُوهُ مِن قَصْرِهِمْ حَياتَهم عَلى حَياةِ الدُّنْيا. ثُمَّ صَرَّحُوا بِنَفْيِ البَعْثِ، وأنَّ الوَعْدَ بِهِ مِنهُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ فَقالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ ما هو فِيما يَدَّعِيهِ إلّا مُفْتَرٍ لِلْكَذِبِ عَلى اللَّهِ ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ لَهُ فِيما يَقُولُهُ.
﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أيْ قالَ نَبِيُّهم لَمّا عَلِمَ بِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَهُ ألْبَتَّةَ: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَيْهِمْ وانْتَقِمْ لِي مِنهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ.
﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ أيْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُجِيبًا لِدُعائِهِ واعِدًا لَهُ بِالقَبُولِ لِما دَعا بِهِ: عَمّا قَلِيلٍ مِنَ الزَّمانِ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ عَلى ما وقَعَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ والعِنادِ والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، وما في عَمّا قَلِيلٌ مَزِيدَةٌ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلتَّوْكِيدِ لِقِلَّةِ الزَّمانِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّها أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ وحاقَ بِهِمْ عَذابُهُ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ سَخَطُهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً واحِدَةً مَعَ الرِّيحِ الَّتِي أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِها فَماتُوا جَمِيعًا. وقِيلَ: الصَّيْحَةُ: هي نَفْسُ العَذابِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والباءُ في بِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِالأخْذِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَمّا صارُوا إلَيْهِ بَعْدَ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. فَقالَ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ أيْ كَغُثاءِ السَّيْلِ الَّذِي يَحْمِلُهُ: والغُثاءُ ما يَحْمِلُ السَّيْلُ مِن بالِي الشَّجَرِ والحَشِيشِ والقَصَبِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى ظاهِرِ الماءِ. والمَعْنى: صَيَّرَهم هَلْكى فَيَبِسُوا كَما يَبِسَ الغُثاءُ ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ انْتِصابُ بُعْدًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي لا يُذْكَرُ فِعْلُها مَعَها أيْ: بَعُدُوا بُعْدًا، واللّامُ لِبَيانِ مَن قِيلَ لَهُ ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ يَقُولُ: اجْعَلْ مَعَكَ في السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ قالَ لِنُوحٍ حِينَ أُنْزِلَ مِنَ السَّفِينَةِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يُعَلِّمُكم سُبْحانَهُ كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، وكَيْفَ تَقُولُونَ إذا نَزَلْتُمْ.
أمّا عِنْدَ الرُّكُوبِ فَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] و﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وعِنْدَ النُّزُولِ ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: قَرْنًا قالَ: أُمَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ قالَ: بِعِيدٌ بَعِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ قالَ: جُعِلُوا كالشَّيْءِ المَيِّتِ البالِي مِنَ الشَّجَرِ.
الزخرف 43:19
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الفُلْكَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نُوحٍ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن صَنَعَهُ، وذَكَرَ ما صَنَعَهُ قَوْمُ نُوحٍ مَعَهُ بِسَبَبِ إهْمالِهِمْ لِلتَّفَكُّرِ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والتَّذَكُّرِ لِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ وفي ذَلِكَ تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وتَسْلِيَةٌ لَهُ بِبَيانِ أنَّ قَوْمَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا يَصْنَعُونَ مَعَ أنْبِيائِهِمْ ما يَصْنَعُهُ قَوْمُهُ مَعَهُ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ وحْدَهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا كَما يُسْتَفادُ مِنَ الآياتِ الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها، وارْتِفاعُ غَيْرِهِ (p-٩٨٢)لِكَوْنِهِ وصْفًا لِإلَهٍ عَلى المَحَلِّ؛ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَكم أيْ: ما لَكم في الوُجُودِ إلَهٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، وقُرِئَ بِالجَرِّ اعْتِبارًا بِلَفْظِ إلَهٍ أفَلا تَتَّقُونَ أيْ أفَلا تَخافُونَ أنْ تَتْرُكُوا عِبادَةَ رَبِّكُمُ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ، ولَيْسَ لَكم إلَهٌ سِواهُ. وقِيلَ: المَعْنى: أفَلا تَقُونَ أنْفُسَكم عَذابَهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ذُنُوبُكم.
﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ أشْرافُ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم﴾ أيْ مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ، لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلَبُ الفَضْلَ عَلَيْكم بِأنْ يَسُودَكم حَتّى تَكُونُوا تابِعِينَ لَهُ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ، ثُمَّ صَرَّحُوا بِأنَّ البَشَرَ لا يَكُونُ رَسُولًا فَقالُوا: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ إرْسالَ رَسُولٍ لَأرْسَلَ مَلائِكَةً، وإنَّما عَبَّرَ بِالإنْزالِ عَنِ الإرْسالِ؛ لِأنَّ إرْسالَهم إلى العِبادِ يَسْتَلْزِمُ نُزُولَهم إلَيْهِمْ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ بِمِثْلِ دَعْوى هَذا المُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ مِنَ البَشَرِ، أوْ بِمِثْلِ كَلامِهِ، وهو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ أوْ ما سَمِعْنا بِبَشَرٍ يَدَّعِي هَذِهِ الدَّعْوى في آبائِنا الأوَّلِينَ أيْ: في الأُمَمِ الماضِيَةِ قَبْلَ هَذا.
وقِيلَ: الباءُ في بِهَذا زائِدَةٌ أيْ: ما سَمِعْنا هَذا كائِنًا في الماضِينَ، قالُوا هَذا اعْتِمادًا مِنهم عَلى التَّقْلِيدِ واعْتِصامًا بِحَبْلِهِ. ولَمْ يَقْنَعُوا بِذَلِكَ حَتّى ضَمُّوا إلَيْهِ الكَذِبَ البَحْتَ، والبَهْتَ الصُّراحَ فَقالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ جُنُونٌ لا يَدْرِي ما يَقُولُ: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ أيِ انْتَظِرُوا بِهِ حَتّى يَسْتَبِينَ أمْرُهُ، بِأنْ يَفِيقَ مِن جُنُونِهِ فَيَتْرُكَ هَذِهِ الدَّعْوى، أوْ حَتّى يَمُوتَ فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ.
قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ يُرِيدُ بِالحِينِ هُنا وقْتًا بِعَيْنِهِ إنَّما هو كَقَوْلِهِمْ: دَعْهُ إلى يَوْمٍ ما، فَلَمّا سَمِعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلامَهم وعَرِفَ تَمادِيَهِمْ عَلى الكُفْرِ وإصْرارَهم عَلَيْهِ. ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عَلَيْهِمْ فانْتَقِمْ مِنهم بِما تَشاءُ وكَيْفَ تُرِيدُ، والباءُ في ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ. ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ أيْ أرْسَلْنا إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ السَّماءِ ﴿أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ وأنْ هي مُفَسِّرَةٌ لِما في الوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ بِأعْيُنِنا أيْ مُتَلَبِّسًا بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في هُودٍ.
ومَعْنى ووَحْيِنا أمْرِنا لَكَ وتَعْلِيمِنا إيّاكَ لِكَيْفِيَّةِ صُنْعِها، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن صُنْعِ الفُلْكِ، والمُرادُ بِالأمْرِ العَذابُ ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ عَطْفَ النَّسَقِ، وقِيلَ: عَطْفَ البَيانِ أيْ: إنَّ مَجِيءَ الأمْرِ هو فَوْرُ التَّنُّورِ أيْ: تَنُّورِ آدَمَ الصّائِرُ إلى نُوحٍ أيْ: إذا وقَعَ ذَلِكَ ﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيِ ادْخُلْ فِيها، يُقالُ سَلَكَهُ في كَذا أدْخَلَهُ، وأسْلَكْتُهُ أدْخَلْتُهُ.
قَرَأ حَفْصٌ مِن كُلٍّ بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإضافَةِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى مِن كُلِّ أُمَّةِ زَوْجَيْنِ، ومَعْنى الثّانِيَةِ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ، وهُما أُمَّةُ الذَّكَرِ والأُنْثى اثْنَيْنِ، وانْتابَ أهْلَكَ بِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى فاسْلُكْ، لا بِالعَطْفِ عَلى زَوْجَيْنِ، أوْ عَلى اثْنَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأدائِهِ إلى اخْتِلافِ المَعْنى أيْ: واسْلُكْ أهْلَكَ ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيِ القَوْلِ بِإهْلاكِهِمْ مِنهم ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالدُّعاءِ لَهم بِإنْجائِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ المُخاطَبَةِ أيْ: إنَّهم مَقْضِيٌّ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ لِظُلْمِهِمْ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو لا يَسْتَحِقُّ الدُّعاءَ لَهُ.
﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ﴾ أيْ عَلَوْتَ ﴿أنْتَ ومَن مَعَكَ﴾ مِن أهْلِكَ وأتْباعِكَ ﴿عَلى الفُلْكِ﴾ راكِبِينَ عَلَيْهِ ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ حالَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، وخَلَّصَنا مِنهم، كَقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ عَلى التَّمامِ والكَمالِ، وإنَّما جَعَلَ اسْتِواءَهم عَلى السَّفِينَةِ نَجاةً مِنَ الغَرَقِ جَزْمًا؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نَجاتِهِمْ مِنَ الظَّلَمَةِ، وسَلامَتِهِمْ مِن أنْ يُصابُوا بِما أُصِيبُوا بِهِ مِنَ العَذابِ.
ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ ما هو أنْفَعُ لَهُ وأتَمُّ فائِدَةً فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ أيْ أنْزِلْنِي في السَّفِينَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُنْزَلًا بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ.
فَعَلى القِراءَةِ الأُولى: أنْزِلْنِي إنْزالًا مُبارَكًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنْزِلْنِي مَكانًا مُبارَكًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والمَنزَلُ بِفَتْحِ المِيمِ والزّايِ النُّزُولُ، وهو الحُلُولُ، تَقُولُ نَزَلْتُ نُزُولًا ومَنزَلًا.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أإنْ ذَكَّرَتْكَ الدّارُ مَنزِلَها جُمْلُ بِكَيْتَ فَدَمْعُ العَيْنِ مُنْحَدِرٌ سَجْلُ
بِنَصْبِ مَنزِلِها؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، قِيلَ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ عِنْدَ دُخُولِهِ السَّفِينَةَ، وقِيلَ: عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنها، والآيَةُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ إذا رَكِبُوا ثُمَّ نَزَلُوا أنْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ هَذا ثَناءٌ مِنهُ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إثْرَ دُعائِهِ لَهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ عِنْدَ اسْتِوائِهِ عَلى الفُلْكِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وعِنْدَ نُزُولِهِ مِنها: ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِن أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والآياتُ الدَّلالاتُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، والعَلاماتُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى عَظِيمِ شَأْنِهِ ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُخْتَبِرِينَ لَهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، لِيَظْهَرَ المُطِيعُ والعاصِي لِلنّاسِ أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهُ يُعامِلُهم سُبْحانَهُ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ لِأحْوالِهِمْ، تارَةً بِالإرْسالِ، وتارَةً بِالعَذابِ.
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أنْشَأهُمُ اللَّهُ بَعْدَهم هم عادٌ قَوْمُ هُودٍ، لِمَجِيءِ قِصَّتِهِمْ عَلى إثْرِ قِصَّةِ نُوحٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ولِقَوْلِهِ في الأعْرافِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقِيلَ: هم ثَمُودُ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ. وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [ الحِجْرِ: ٧٣ و ٨٣ ] وقِيلَ: هم أصْحابُ مَدْيَنَ قَوْمُ شُعَيْبٍ لِأنَّهم مِمَّنْ أُهْلِكَ بِالصَّيْحَةِ.
﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ عُدِّيَ فِعْلُ الإرْسالِ بِفي مَعَ أنَّهُ يَتَعَدّى بِإلى، لِلدَّلالَةِ (p-٩٨٣)عَلى أنَّ هَذا الرَّسُولَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ نَشَأ فِيهِمْ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، يَعْرِفُونَ مَكانَهُ ومَوْلِدَهُ؛ لِيَكُونَ سُكُونُهم إلى قَوْلِهِ أكْثَرَ مِن سُكُونِهِمْ إلى مَن يَأْتِيهِمْ مِن غَيْرِ مَكانِهِمْ.
وقِيلَ: وجْهُ التَّعْدِيَةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِفي أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ اعْبُدُوا اللَّهَ ولِهَذا جِيءَ بِأنْ المُفَسِّرَةِ. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ تَضْمِينَ أرْسَلْنا مَعْنى قُلْنا لا يَسْتَلْزِمُ تَعْدِيَتَهُ بِفي، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ أفَلا تَتَّقُونَ عَذابَهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ شِرْكِكم.
﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ أشْرافُهم وقادَتُهم. ثُمَّ وصَفَ المَلَأ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيْ كَذَّبُوا بِما في الآخِرَةِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وأتْرَفْناهم أيْ وسَّعْنا لَهم نِعَمَ الدُّنْيا فَبَطَرُوا بِسَبَبِ ما صارُوا فِيهِ في الحَياةِ الدُّنْيا مِن كَثْرَةِ الأمْوالِ ورَفاهَةِ العَيْشِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ قالَ المَلَأُ لِقَوْمِهِمْ هَذا القَوْلَ، وصَفُوهُ بِمُساواتِهِمْ في البَشَرِيَّةِ، وفي الأكْلِ ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ والشُّرْبِ مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عِنْدَهم أنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْهِمْ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ عَلى حَذْفِ مِنهُ أيْ: مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، فَلا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ.
﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ أيْ مَغْبُونُونَ بِتَرْكِكم آلِهَتَكم واتِّباعِكم إيّاهُ مِن غَيْرِ فَضِيلَةٍ لَهُ عَلَيْكم.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ لِلْإنْكارِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن تَقْبِيحِ اتِّباعِهِمْ لَهُ. قُرِئَ بِكَسْرِ المِيمِ مَن مِتُّمْ، مِن ماتَ يَماتُ كَخافَ يَخافُ. وقُرِئَ بِضَمِّها مِن ماتَ يَمُوتُ: كَقالَ يَقُولُ ﴿وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ كانَ بَعْضُ أجْزائِكم تُرابًا، وبَعْضُها عِظامًا نَخِرَةً لا لَحْمَ فِيها ولا أعْصابَ عَلَيْها، قِيلَ وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ في عُقُولِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى: كانَ مُتَقَدِّمُوكم تُرابًا، ومُتَأخِّرُوكم عِظامًا ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ أيْ مِن قُبُورِكم أحْياءً كَما كُنْتُمْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: أنَّ الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ أيَعِدُكم عَلَيْها، وأنَّ الثّانِيَةَ بَدَلٌ مِنها.
وقالَ الفَرّاءُ والجَرْمِيُّ والمُبَرِّدُ: إنَّ أنَّ الثّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ تَكْرِيرُها لِطُولِ الكَلامِ، وبِمِثْلِهِ قالَ الزَّجّاجُ.
وقالَ الأخْفَشُ: أنَّ الثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: يَحْدُثُ إخْراجُكم كَما تَقُولُ: اليَوْمَ القِتالُ، فالمَعْنى: اليَوْمَ يَحْدُثُ القِتالُ.
﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ أيْ بَعْدِ ما تُوعَدُونَ، أوْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وفي هَيْهاتَ عَشْرُ لُغاتٍ ثُمَّ سَرَدَها، وهي مُبَيَّنَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ قُرِئَ بِبَعْضِها، واللّامُ في لِما تُوعَدُونَ لِبَيانِ المُسْتَبْعَدِ كَما في قَوْلِهِ: هَيْتَ لَكَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا هَذا الِاسْتِبْعادُ ؟ فَقِيلَ: لِما تُوعَدُونَ.
والمَعْنى: بَعْدَ إخْراجِكم لِلْوَعْدِ الَّذِي تُوعَدُونَ، هَذا عَلى أنَّ هَيْهاتَ اسْمُ فِعْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ أيِ: البُعْدُ لِما تُوعَدُونَ، أوْ بُعْدٌ لِما تُوعَدُونَ عَلى قِراءَةِ مَن نَوَّنَ فَتَكُونُ عَلى هَذا مُبْتَدَأً خَبَرُهُ لِما تُوعَدُونَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ إتْرافَهم بِأنَّهم قالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ ما الحَياةُ إلّا حَياتَنا الدُّنْيا، لا الحَياةَ الآخِرَةَ الَّتِي تَعِدُنا بِها، وجُمْلَةُ ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما ادَّعُوهُ مِن قَصْرِهِمْ حَياتَهم عَلى حَياةِ الدُّنْيا. ثُمَّ صَرَّحُوا بِنَفْيِ البَعْثِ، وأنَّ الوَعْدَ بِهِ مِنهُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ فَقالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ ما هو فِيما يَدَّعِيهِ إلّا مُفْتَرٍ لِلْكَذِبِ عَلى اللَّهِ ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ لَهُ فِيما يَقُولُهُ.
﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أيْ قالَ نَبِيُّهم لَمّا عَلِمَ بِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَهُ ألْبَتَّةَ: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَيْهِمْ وانْتَقِمْ لِي مِنهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ.
﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ أيْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُجِيبًا لِدُعائِهِ واعِدًا لَهُ بِالقَبُولِ لِما دَعا بِهِ: عَمّا قَلِيلٍ مِنَ الزَّمانِ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ عَلى ما وقَعَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ والعِنادِ والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، وما في عَمّا قَلِيلٌ مَزِيدَةٌ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلتَّوْكِيدِ لِقِلَّةِ الزَّمانِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّها أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ وحاقَ بِهِمْ عَذابُهُ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ سَخَطُهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً واحِدَةً مَعَ الرِّيحِ الَّتِي أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِها فَماتُوا جَمِيعًا. وقِيلَ: الصَّيْحَةُ: هي نَفْسُ العَذابِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والباءُ في بِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِالأخْذِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَمّا صارُوا إلَيْهِ بَعْدَ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. فَقالَ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ أيْ كَغُثاءِ السَّيْلِ الَّذِي يَحْمِلُهُ: والغُثاءُ ما يَحْمِلُ السَّيْلُ مِن بالِي الشَّجَرِ والحَشِيشِ والقَصَبِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى ظاهِرِ الماءِ. والمَعْنى: صَيَّرَهم هَلْكى فَيَبِسُوا كَما يَبِسَ الغُثاءُ ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ انْتِصابُ بُعْدًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي لا يُذْكَرُ فِعْلُها مَعَها أيْ: بَعُدُوا بُعْدًا، واللّامُ لِبَيانِ مَن قِيلَ لَهُ ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ يَقُولُ: اجْعَلْ مَعَكَ في السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ قالَ لِنُوحٍ حِينَ أُنْزِلَ مِنَ السَّفِينَةِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يُعَلِّمُكم سُبْحانَهُ كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، وكَيْفَ تَقُولُونَ إذا نَزَلْتُمْ.
أمّا عِنْدَ الرُّكُوبِ فَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] و﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وعِنْدَ النُّزُولِ ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: قَرْنًا قالَ: أُمَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ قالَ: بِعِيدٌ بَعِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ قالَ: جُعِلُوا كالشَّيْءِ المَيِّتِ البالِي مِنَ الشَّجَرِ.
الزخرف 43:20
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الفُلْكَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نُوحٍ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن صَنَعَهُ، وذَكَرَ ما صَنَعَهُ قَوْمُ نُوحٍ مَعَهُ بِسَبَبِ إهْمالِهِمْ لِلتَّفَكُّرِ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والتَّذَكُّرِ لِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ وفي ذَلِكَ تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وتَسْلِيَةٌ لَهُ بِبَيانِ أنَّ قَوْمَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا يَصْنَعُونَ مَعَ أنْبِيائِهِمْ ما يَصْنَعُهُ قَوْمُهُ مَعَهُ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ وحْدَهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا كَما يُسْتَفادُ مِنَ الآياتِ الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها، وارْتِفاعُ غَيْرِهِ (p-٩٨٢)لِكَوْنِهِ وصْفًا لِإلَهٍ عَلى المَحَلِّ؛ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَكم أيْ: ما لَكم في الوُجُودِ إلَهٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، وقُرِئَ بِالجَرِّ اعْتِبارًا بِلَفْظِ إلَهٍ أفَلا تَتَّقُونَ أيْ أفَلا تَخافُونَ أنْ تَتْرُكُوا عِبادَةَ رَبِّكُمُ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ، ولَيْسَ لَكم إلَهٌ سِواهُ. وقِيلَ: المَعْنى: أفَلا تَقُونَ أنْفُسَكم عَذابَهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ذُنُوبُكم.
﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ أشْرافُ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم﴾ أيْ مِن جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ، لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلَبُ الفَضْلَ عَلَيْكم بِأنْ يَسُودَكم حَتّى تَكُونُوا تابِعِينَ لَهُ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ، ثُمَّ صَرَّحُوا بِأنَّ البَشَرَ لا يَكُونُ رَسُولًا فَقالُوا: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ إرْسالَ رَسُولٍ لَأرْسَلَ مَلائِكَةً، وإنَّما عَبَّرَ بِالإنْزالِ عَنِ الإرْسالِ؛ لِأنَّ إرْسالَهم إلى العِبادِ يَسْتَلْزِمُ نُزُولَهم إلَيْهِمْ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ بِمِثْلِ دَعْوى هَذا المُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ مِنَ البَشَرِ، أوْ بِمِثْلِ كَلامِهِ، وهو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ أوْ ما سَمِعْنا بِبَشَرٍ يَدَّعِي هَذِهِ الدَّعْوى في آبائِنا الأوَّلِينَ أيْ: في الأُمَمِ الماضِيَةِ قَبْلَ هَذا.
وقِيلَ: الباءُ في بِهَذا زائِدَةٌ أيْ: ما سَمِعْنا هَذا كائِنًا في الماضِينَ، قالُوا هَذا اعْتِمادًا مِنهم عَلى التَّقْلِيدِ واعْتِصامًا بِحَبْلِهِ. ولَمْ يَقْنَعُوا بِذَلِكَ حَتّى ضَمُّوا إلَيْهِ الكَذِبَ البَحْتَ، والبَهْتَ الصُّراحَ فَقالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ جُنُونٌ لا يَدْرِي ما يَقُولُ: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ أيِ انْتَظِرُوا بِهِ حَتّى يَسْتَبِينَ أمْرُهُ، بِأنْ يَفِيقَ مِن جُنُونِهِ فَيَتْرُكَ هَذِهِ الدَّعْوى، أوْ حَتّى يَمُوتَ فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ.
قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ يُرِيدُ بِالحِينِ هُنا وقْتًا بِعَيْنِهِ إنَّما هو كَقَوْلِهِمْ: دَعْهُ إلى يَوْمٍ ما، فَلَمّا سَمِعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلامَهم وعَرِفَ تَمادِيَهِمْ عَلى الكُفْرِ وإصْرارَهم عَلَيْهِ. ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عَلَيْهِمْ فانْتَقِمْ مِنهم بِما تَشاءُ وكَيْفَ تُرِيدُ، والباءُ في ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ. ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ أيْ أرْسَلْنا إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ السَّماءِ ﴿أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ وأنْ هي مُفَسِّرَةٌ لِما في الوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ بِأعْيُنِنا أيْ مُتَلَبِّسًا بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في هُودٍ.
ومَعْنى ووَحْيِنا أمْرِنا لَكَ وتَعْلِيمِنا إيّاكَ لِكَيْفِيَّةِ صُنْعِها، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن صُنْعِ الفُلْكِ، والمُرادُ بِالأمْرِ العَذابُ ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ عَطْفَ النَّسَقِ، وقِيلَ: عَطْفَ البَيانِ أيْ: إنَّ مَجِيءَ الأمْرِ هو فَوْرُ التَّنُّورِ أيْ: تَنُّورِ آدَمَ الصّائِرُ إلى نُوحٍ أيْ: إذا وقَعَ ذَلِكَ ﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيِ ادْخُلْ فِيها، يُقالُ سَلَكَهُ في كَذا أدْخَلَهُ، وأسْلَكْتُهُ أدْخَلْتُهُ.
قَرَأ حَفْصٌ مِن كُلٍّ بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإضافَةِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى مِن كُلِّ أُمَّةِ زَوْجَيْنِ، ومَعْنى الثّانِيَةِ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ، وهُما أُمَّةُ الذَّكَرِ والأُنْثى اثْنَيْنِ، وانْتابَ أهْلَكَ بِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى فاسْلُكْ، لا بِالعَطْفِ عَلى زَوْجَيْنِ، أوْ عَلى اثْنَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأدائِهِ إلى اخْتِلافِ المَعْنى أيْ: واسْلُكْ أهْلَكَ ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ أيِ القَوْلِ بِإهْلاكِهِمْ مِنهم ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالدُّعاءِ لَهم بِإنْجائِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ المُخاطَبَةِ أيْ: إنَّهم مَقْضِيٌّ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ لِظُلْمِهِمْ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو لا يَسْتَحِقُّ الدُّعاءَ لَهُ.
﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ﴾ أيْ عَلَوْتَ ﴿أنْتَ ومَن مَعَكَ﴾ مِن أهْلِكَ وأتْباعِكَ ﴿عَلى الفُلْكِ﴾ راكِبِينَ عَلَيْهِ ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ حالَ بَيْنَنا وبَيْنَهم، وخَلَّصَنا مِنهم، كَقَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ عَلى التَّمامِ والكَمالِ، وإنَّما جَعَلَ اسْتِواءَهم عَلى السَّفِينَةِ نَجاةً مِنَ الغَرَقِ جَزْمًا؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نَجاتِهِمْ مِنَ الظَّلَمَةِ، وسَلامَتِهِمْ مِن أنْ يُصابُوا بِما أُصِيبُوا بِهِ مِنَ العَذابِ.
ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ ما هو أنْفَعُ لَهُ وأتَمُّ فائِدَةً فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ أيْ أنْزِلْنِي في السَّفِينَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُنْزَلًا بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ.
فَعَلى القِراءَةِ الأُولى: أنْزِلْنِي إنْزالًا مُبارَكًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنْزِلْنِي مَكانًا مُبارَكًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والمَنزَلُ بِفَتْحِ المِيمِ والزّايِ النُّزُولُ، وهو الحُلُولُ، تَقُولُ نَزَلْتُ نُزُولًا ومَنزَلًا.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أإنْ ذَكَّرَتْكَ الدّارُ مَنزِلَها جُمْلُ بِكَيْتَ فَدَمْعُ العَيْنِ مُنْحَدِرٌ سَجْلُ
بِنَصْبِ مَنزِلِها؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، قِيلَ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ عِنْدَ دُخُولِهِ السَّفِينَةَ، وقِيلَ: عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنها، والآيَةُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ إذا رَكِبُوا ثُمَّ نَزَلُوا أنْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ هَذا ثَناءٌ مِنهُ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إثْرَ دُعائِهِ لَهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ عِنْدَ اسْتِوائِهِ عَلى الفُلْكِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وعِنْدَ نُزُولِهِ مِنها: ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِن أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والآياتُ الدَّلالاتُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، والعَلاماتُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى عَظِيمِ شَأْنِهِ ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُخْتَبِرِينَ لَهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، لِيَظْهَرَ المُطِيعُ والعاصِي لِلنّاسِ أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهُ يُعامِلُهم سُبْحانَهُ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ لِأحْوالِهِمْ، تارَةً بِالإرْسالِ، وتارَةً بِالعَذابِ.
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أنْشَأهُمُ اللَّهُ بَعْدَهم هم عادٌ قَوْمُ هُودٍ، لِمَجِيءِ قِصَّتِهِمْ عَلى إثْرِ قِصَّةِ نُوحٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ولِقَوْلِهِ في الأعْرافِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقِيلَ: هم ثَمُودُ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ. وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [ الحِجْرِ: ٧٣ و ٨٣ ] وقِيلَ: هم أصْحابُ مَدْيَنَ قَوْمُ شُعَيْبٍ لِأنَّهم مِمَّنْ أُهْلِكَ بِالصَّيْحَةِ.
﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ عُدِّيَ فِعْلُ الإرْسالِ بِفي مَعَ أنَّهُ يَتَعَدّى بِإلى، لِلدَّلالَةِ (p-٩٨٣)عَلى أنَّ هَذا الرَّسُولَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ نَشَأ فِيهِمْ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، يَعْرِفُونَ مَكانَهُ ومَوْلِدَهُ؛ لِيَكُونَ سُكُونُهم إلى قَوْلِهِ أكْثَرَ مِن سُكُونِهِمْ إلى مَن يَأْتِيهِمْ مِن غَيْرِ مَكانِهِمْ.
وقِيلَ: وجْهُ التَّعْدِيَةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِفي أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ اعْبُدُوا اللَّهَ ولِهَذا جِيءَ بِأنْ المُفَسِّرَةِ. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ تَضْمِينَ أرْسَلْنا مَعْنى قُلْنا لا يَسْتَلْزِمُ تَعْدِيَتَهُ بِفي، وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ أفَلا تَتَّقُونَ عَذابَهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ شِرْكِكم.
﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ أشْرافُهم وقادَتُهم. ثُمَّ وصَفَ المَلَأ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيْ كَذَّبُوا بِما في الآخِرَةِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وأتْرَفْناهم أيْ وسَّعْنا لَهم نِعَمَ الدُّنْيا فَبَطَرُوا بِسَبَبِ ما صارُوا فِيهِ في الحَياةِ الدُّنْيا مِن كَثْرَةِ الأمْوالِ ورَفاهَةِ العَيْشِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ قالَ المَلَأُ لِقَوْمِهِمْ هَذا القَوْلَ، وصَفُوهُ بِمُساواتِهِمْ في البَشَرِيَّةِ، وفي الأكْلِ ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ والشُّرْبِ مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عِنْدَهم أنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْهِمْ.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ عَلى حَذْفِ مِنهُ أيْ: مِمّا تَشْرَبُونَ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، فَلا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ.
﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ أيْ مَغْبُونُونَ بِتَرْكِكم آلِهَتَكم واتِّباعِكم إيّاهُ مِن غَيْرِ فَضِيلَةٍ لَهُ عَلَيْكم.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ لِلْإنْكارِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن تَقْبِيحِ اتِّباعِهِمْ لَهُ. قُرِئَ بِكَسْرِ المِيمِ مَن مِتُّمْ، مِن ماتَ يَماتُ كَخافَ يَخافُ. وقُرِئَ بِضَمِّها مِن ماتَ يَمُوتُ: كَقالَ يَقُولُ ﴿وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ كانَ بَعْضُ أجْزائِكم تُرابًا، وبَعْضُها عِظامًا نَخِرَةً لا لَحْمَ فِيها ولا أعْصابَ عَلَيْها، قِيلَ وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ في عُقُولِهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى: كانَ مُتَقَدِّمُوكم تُرابًا، ومُتَأخِّرُوكم عِظامًا ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ أيْ مِن قُبُورِكم أحْياءً كَما كُنْتُمْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: أنَّ الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ أيَعِدُكم عَلَيْها، وأنَّ الثّانِيَةَ بَدَلٌ مِنها.
وقالَ الفَرّاءُ والجَرْمِيُّ والمُبَرِّدُ: إنَّ أنَّ الثّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ تَكْرِيرُها لِطُولِ الكَلامِ، وبِمِثْلِهِ قالَ الزَّجّاجُ.
وقالَ الأخْفَشُ: أنَّ الثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: يَحْدُثُ إخْراجُكم كَما تَقُولُ: اليَوْمَ القِتالُ، فالمَعْنى: اليَوْمَ يَحْدُثُ القِتالُ.
﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ أيْ بَعْدِ ما تُوعَدُونَ، أوْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وفي هَيْهاتَ عَشْرُ لُغاتٍ ثُمَّ سَرَدَها، وهي مُبَيَّنَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقَدْ قُرِئَ بِبَعْضِها، واللّامُ في لِما تُوعَدُونَ لِبَيانِ المُسْتَبْعَدِ كَما في قَوْلِهِ: هَيْتَ لَكَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا هَذا الِاسْتِبْعادُ ؟ فَقِيلَ: لِما تُوعَدُونَ.
والمَعْنى: بَعْدَ إخْراجِكم لِلْوَعْدِ الَّذِي تُوعَدُونَ، هَذا عَلى أنَّ هَيْهاتَ اسْمُ فِعْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ أيِ: البُعْدُ لِما تُوعَدُونَ، أوْ بُعْدٌ لِما تُوعَدُونَ عَلى قِراءَةِ مَن نَوَّنَ فَتَكُونُ عَلى هَذا مُبْتَدَأً خَبَرُهُ لِما تُوعَدُونَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ إتْرافَهم بِأنَّهم قالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ ما الحَياةُ إلّا حَياتَنا الدُّنْيا، لا الحَياةَ الآخِرَةَ الَّتِي تَعِدُنا بِها، وجُمْلَةُ ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما ادَّعُوهُ مِن قَصْرِهِمْ حَياتَهم عَلى حَياةِ الدُّنْيا. ثُمَّ صَرَّحُوا بِنَفْيِ البَعْثِ، وأنَّ الوَعْدَ بِهِ مِنهُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ فَقالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ ما هو فِيما يَدَّعِيهِ إلّا مُفْتَرٍ لِلْكَذِبِ عَلى اللَّهِ ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ لَهُ فِيما يَقُولُهُ.
﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أيْ قالَ نَبِيُّهم لَمّا عَلِمَ بِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَهُ ألْبَتَّةَ: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَيْهِمْ وانْتَقِمْ لِي مِنهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ.
﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ أيْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُجِيبًا لِدُعائِهِ واعِدًا لَهُ بِالقَبُولِ لِما دَعا بِهِ: عَمّا قَلِيلٍ مِنَ الزَّمانِ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ عَلى ما وقَعَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ والعِنادِ والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، وما في عَمّا قَلِيلٌ مَزِيدَةٌ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلتَّوْكِيدِ لِقِلَّةِ الزَّمانِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّها أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ وحاقَ بِهِمْ عَذابُهُ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ سَخَطُهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً واحِدَةً مَعَ الرِّيحِ الَّتِي أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِها فَماتُوا جَمِيعًا. وقِيلَ: الصَّيْحَةُ: هي نَفْسُ العَذابِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والباءُ في بِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِالأخْذِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَمّا صارُوا إلَيْهِ بَعْدَ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. فَقالَ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ أيْ كَغُثاءِ السَّيْلِ الَّذِي يَحْمِلُهُ: والغُثاءُ ما يَحْمِلُ السَّيْلُ مِن بالِي الشَّجَرِ والحَشِيشِ والقَصَبِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى ظاهِرِ الماءِ. والمَعْنى: صَيَّرَهم هَلْكى فَيَبِسُوا كَما يَبِسَ الغُثاءُ ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ انْتِصابُ بُعْدًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي لا يُذْكَرُ فِعْلُها مَعَها أيْ: بَعُدُوا بُعْدًا، واللّامُ لِبَيانِ مَن قِيلَ لَهُ ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ يَقُولُ: اجْعَلْ مَعَكَ في السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ قالَ لِنُوحٍ حِينَ أُنْزِلَ مِنَ السَّفِينَةِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يُعَلِّمُكم سُبْحانَهُ كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ، وكَيْفَ تَقُولُونَ إذا نَزَلْتُمْ.
أمّا عِنْدَ الرُّكُوبِ فَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] و﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وعِنْدَ النُّزُولِ ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: قَرْنًا قالَ: أُمَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ قالَ: بِعِيدٌ بَعِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ قالَ: جُعِلُوا كالشَّيْءِ المَيِّتِ البالِي مِنَ الشَّجَرِ.
الزخرف 43:21
قَوْلُهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أأعْطَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ بِأنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَأْخُذُونَ بِما فِيهِ ويَحْتَجُّونَ بِهِ ويَجْعَلُونَهُ لَهم دَلِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أمْ مُعادَةً لِقَوْلِهِ أشَهِدُوا فَتَكُونُ مُتَّصِلَةً، والمَعْنى: أحَضَرُوا خَلْقَهم أمْ آتَيْناهم كِتابًا إلَخْ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في مِن قَبْلِهِ يَعُودُ إلى ادِّعائِهِمْ أيْ: أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ ادِّعائِهِمْ يَنْطِقُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا حُجَّةَ بِأيْدِيهِمْ ولا شُبْهَةَ، ولَكِنَّهُمُ اتَّبَعُوا آباءَهم في الضَّلالَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ فاعْتَرَفُوا بِأنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهم سِوى تَقْلِيدِ آبائِهِمْ، ومَعْنى عَلى أُمَّةٍ: عَلى طَرِيقَةٍ ومَذْهَبٍ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هي الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، يُقالُ: فُلانٌ لا أُمَّةَ لَهُ أيْ: لا دِينَ لَهُ ولا نِحْلَةَ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎كُنّا عَلى أُمَّةِ آبائِنا ونَقْتَدِي بِالأوَّلِ الأوَّلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وهَلْ يَسْتَوِي ذا أُمَّةٍ وكَفُورُ
وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: عَلى قِبْلَةٍ. وقالَ الأخْفَشُ: عَلى اسْتِقامَةٍ، وأنْشَدَ قَوْلَ النّابِغَةِ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ
قَرَأ الجُمْهُورُ أُمَّةٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِكَسْرِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والإمَّةُ (p-١٣٣٨)بِالكَسْرِ: النِّعْمَةُ، والإمَّةُ: أيْضًا لُغَةٌ في الأُمَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والأُمَّ ∗∗∗ ةِ وارَتْهم هُناكَ قُبُورُ
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ غَيْرَ هَؤُلاءِ مِنَ الكُفّارِ قَدْ سَبَقَهم إلى هَذِهِ المَقالَةِ وقالَ بِها فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ مُتْرَفُوها: أغْنِياؤُها ورُؤَساؤُها، قالَ قَتادَةُ: مُقْتَدُونَ مُتَّبِعُونَ، ومَعْنى الِاهْتِداءِ والِاقْتِداءِ مُتَقارِبٌ، وخَصَّصَ المُتْرَفِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّنَعُّمَ هو سَبَبُ إهْمالِ النَّظَرِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم﴾ أيْ: أتَتَّبِعُونَ آباءَكم ولَوْ جِئْتُكم بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قُلْ لَهم أتَتَّبِعُونَ ما وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم وإنْ جِئْتُكم بِأهْدى مِنهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قُلْ أوَلَوْ جِئْتُكم " وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ وهو حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ المُنْذِرِينَ وقَوْمِهِمْ أيْ: قالَ كُلُّ مُنْذِرٍ مِن أُولَئِكَ المُنْذِرِينَ لِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ: قُلْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ وقُبْحِهِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةِ في الإسْلامِ إنَّما يَعْمَلُونَ بِقَوْلِ أسْلافِهِمْ ويَتَّبِعُونَ آثارَهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَإذا رامَ الدّاعِي إلى الحَقِّ أنْ يُخْرِجَهم مِن ضَلالَةٍ أوْ يَدْفَعَهم عَنْ بِدْعَةٍ قَدْ تَمَسَّكُوا بِها ووَرِثُوها عَنْ أسْلافِهِمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ نَيِّرٍ ولا حُجَّةٍ واضِحَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ قالَ وقِيلَ: لِشُبْهَةٍ داحِضَةٍ وحُجَّةٍ زائِفَةٍ ومُقالَةٍ باطِلَةٍ، قالُوا بِما قالَهُ المُتْرَفُونَ مِن هَذِهِ المِلَلِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، أوْ بِما يُلاقِي مَعْناهُ مَعْنى ذَلِكَ، فَإنْ قالَ لَهُمُ الدّاعِي إلى الحَقِّ: قَدْ جَمَعَتْنا المِلَّةُ الإسْلامِيَّةُ وشَمِلَنا هَذا الدِّينُ المُحَمَّدِيُّ، ولَمْ يَتَعَبَّدْنا اللَّهُ ولا تَعَبَّدَكم وتَعَبَّدَ آباءَكم مِن قَبْلِكم إلّا بِكِتابِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ وبِما صَحَّ عَنْ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ المُبَيِّنُ لِكِتابِ اللَّهِ، المُوَضِّحُ لِمَعانِيهِ، الفارِقُ بَيْنَ مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، فَتَعالَوْا نَرُدُّ ما تَنازَعْنا فِيهِ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ كَما أمَرَنا اللَّهُ بِذَلِكَ في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فَإنَّ الرَّدَّ إلَيْهِما أهْدى لَنا ولَكم مِنَ الرَّدِّ إلى ما قالَهُ أسْلافُكم ودَرَجَ عَلَيْهِ آباؤُكم، نَفَرُوا نُفُورَ الوُحُوشِ، ورَمَوُا الدّاعِيَ لَهم إلى ذَلِكَ بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ، كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] ولا قَوْلَهُ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فَإنْ قالَ لَهُمُ القائِلُ: هَذا العالِمُ الَّذِي تَقْتَدُونَ بِهِ وتَتَّبِعُونَ أقْوالَهُ هو مِثْلُكم في كَوْنِهِ مُتَعَبِّدًا بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَطْلُوبًا مِنهُ ما هو مَطْلُوبٌ مِنكم، وإذا عَمِلَ بِرَأْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدانِهِ لِلدَّلِيلِ، فَذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُ لا يَحِلُّ أنْ يَتْبَعَهُ غَيْرُهُ عَلَيْها، ولا يَجُوزَ لَهُ العَمَلُ بِها، وقَدْ وجَدُوا الدَّلِيلَ الَّذِي لَمْ يَجِدْهُ، وها أنا أُوجِدْكُمُوهُ في كِتابِ اللَّهِ، أوْ فِيما صَحَّ مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ أهْدى لَكم مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا نَعْمَلُ بِهَذا ولا سَمْعَ لَكَ ولا طاعَةَ، ووَجَدُوا في صُدُورِهِمْ أعْظَمَ الحَرَجِ مِن حُكْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَمْ يُسَلِّمُوا لِذَلِكَ ولا أذْعَنُوا لَهُ، وقَدْ وهَبَ لَهُمُ الشَّيْطانُ عَصًا يَتَوَكَّئُونَ عَلَيْها عِنْدَ أنْ يَسْمَعُوا مَن يَدْعُوهم إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهي أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ إمامَنا الَّذِي قَلَّدْناهُ واقْتَدَيْنا بِهِ أعْلَمُ مِنكَ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ أذْهانَهم قَدْ تَصَوَّرَتْ مَن يَقْتَدُونَ بِهِ تَصَوُّرًا عَظِيمًا بِسَبَبِ تَقَدُّمِ العَصْرِ وكَثْرَةِ الأتْباعِ، وما عَلِمُوا أنَّ هَذا مَنقُوضٌ عَلَيْهِمْ مَدْفُوعٌ بِهِ في وُجُوهِهِمْ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهم: إنَّ في التّابِعِينَ مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا، وأقْدَمُ عَصْرًا مِن صاحِبِكم، فَإنْ كانَ لِتَقَدُّمِ العَصْرِ وجَلالَةِ القَدْرِ مَزِيَّةٌ حَتّى تُوجِبَ الِاقْتِداءَ، فَتَعالَوْا حَتّى أُرِيَكم مَن هو أقْدَمُ عَصْرًا وأجَلُّ قَدْرًا، فَإنْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فَها أنا أدُلُّكم عَلى مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا وأجَلُّ خَطَرًا وأكْثَرُ أتْباعًا وأقْدَمُ عَصْرًا، وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَبِيُّنا ونَبِيُّكم رَسُولُ اللَّهِ إلَيْنا وإلَيْكم فَتَعالَوْا فَهَذِهِ سُنَّتُهُ مَوْجُودَةٌ في دَفاتِرِ الإسْلامِ ودَواوِينِهِ الَّتِي تَلَقَّتْها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ، وهَذا كِتابُ رَبِّنا خالِقِ الكُلِّ ورازِقِ الكُلِّ ومُوجِدِ الكُلِّ بَيْنَ أظْهُرِنا، مَوْجُودٌ في كُلِّ بَيْتٍ، وبِيَدِ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يَلْحَقْهُ تَغْيِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا زِيادَةٌ ولا نَقْصٌ ولا تَحْرِيفٌ ولا تَصْحِيفٌ، ونَحْنُ وأنْتُمْ مِمَّنْ يَفْهَمُ ألْفاظَهُ ويَتَعَقَّلُ مَعانِيَهُ، فَتَعالَوْا لِنَأْخُذِ الحَقَّ مِن مَعْدِنِهِ ونَشْرَبَ صَفْوَ الماءِ مِن مَنبَعِهِ، فَهو أهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا سَمْعَ ولا طاعَةَ، إمّا بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، فَتَدَبَّرْ هَذا وتَأمَّلْهُ إنْ بَقِيَ فِيكَ بَقِيَّةٌ مِن إنْصافٍ وشُعْبَةٌ مِن خَيْرٍ ومِزْعَةٌ مِن حَياءٍ وحِصَّةٌ مِن دِينٍ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
وقَدْ أوْضَحْتُ هَذا غايَةَ الإيضاحِ في كِتابِي الَّذِي سَمَّيْتُهُ " أدَبَ الطَّلَبِ ومُنْتَهى الأرَبِ " فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ رُمْتَ أنْ تَنْجَلِيَ عَنْكَ ظُلُماتُ التَّعَصُّبِ وتَنْقَشِعَ لَكَ سَحائِبُ التَّقْلِيدِ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ الِانْتِقامُ ما أوْقَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ، فَإنَّ آثارَهم مَوْجُودَةٌ.
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ الَّذِينَ قَلَّدُوا آباءَهم وعَبَدُوا الأصْنامَ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ البَراءُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وهو يُسْتَعْمَلُ لِلْواحِدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وتَبَرَّأْتُ مِن كَذا وأنا مِنهُ بَراءٌ وخَلاءٌ، لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ: خَلَقَنِي ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُثَبِّتُنِي عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ إمّا مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي، أوْ مُتَّصِلٌ مِن عُمُومِ ما، لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ (p-١٣٣٩)والأصْنامَ، وإخْبارُهُ بِأنَّهُ سَيَهْدِيهِ جَزْمًا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقُوَّةِ يَقِينِهِ.
﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ الضَّمِيرُ في جَعَلَها عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهي بِمَعْنى التَّوْحِيدِ كَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ وهم ذُرِّيَّتُهُ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - وفاعِلُ جَعَلَها إبْراهِيمُ، وذَلِكَ حَيْثُ وصّاهم بِالتَّوْحِيدِ وأمَرَهم بِأنْ يَدِينُوا بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] الآيَةَ، وقِيلَ: الفاعِلُ هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أيْ: وجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ، والعَقِبُ: مَن بَعْدُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الكَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لا يَزالُ مِن عَقِبِهِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الإسْلامُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الكَلِمَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَعْلِ أيْ: جَعَلَها باقِيَةً رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ إلَيْها مَن يُشْرِكُ مِنهم بِدُعاءِ مَن يُوَحِّدُ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَعَلَّهم راجَعٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ أيْ: لَعَلَّ أهْلَ مَكَّةَ يَرْجِعُونَ إلى دِينِكَ الَّذِي هو دِينُ إبْراهِيمَ.
وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ وجَعَلَها إلَخْ. قالَ السُّدِّيُّ: لَعَلَّهم يَتُوبُونَ. فَيَرْجِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نِعْمَتَهُ عَلى قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِنَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَهم فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ذِكْرِ ما مَتَّعَهم بِهِ مِنَ الأنْفُسِ والأهْلِ والأمْوالِ وأنْواعِ النِّعَمِ وما مَتَّعَ بِهِ آباءَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ وأكَبُّوا عَلى الشَّهَواتِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ومَعْنى مُبِينٌ ظاهِرُ الرِّسالَةِ واضِحُها، أوْ مُبَيِّنٌ لَهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما صَنَعُوهُ عِنْدَ مَجِيءِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ، فَسَمَّوُا القُرْآنَ سِحْرًا وجَحَدُوهُ. واسْتَحْقَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ المُرادُ بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةُ والطّائِفُ، وبِالرَّجُلَيْنِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مِن مَكَّةَ، وعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ كَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مِن مَكَّةَ، وعُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ يالِيلَ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ المُرادَ رَجُلٌ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمُ الجاهِ واسِعُ المالِ مُسَوَّدٌ في قَوْمِهِ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا لَنَزَلَ عَلى رَجُلٍ عَظِيمٍ مِن عُظَماءِ القَرْيَتَيْنِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِنها، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم ما يَعِيشُونَ بِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولَمْ نُفَوِّضْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ أنْ يَتَحَكَّمَ في شَيْءٍ بَلِ الحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ، وإذا كانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم أرْزاقَهم ورَفَعَ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ فَكَيْفَ لا يَقْنَعُونَ بِقِسْمَتِهِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ وتَفْوِيضِها إلى مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ الرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا.
قَرَأ الجُمْهُورُ مَعِيشَتَهم بِالإفْرادِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " مَعايِشَهم " بِالجَمْعِ، ومَعْنى ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أنَّهُ فاضَلَ بَيْنَهم فَجَعَلَ بَعْضَهم أفْضَلَ مِن بَعْضٍ في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ والرِّياسَةِ والقُوَّةِ والحُرِّيَّةِ والعَقْلِ والعِلْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ لِرَفْعِ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، فَقالَ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أيْ: لِيَسْتَخْدِمَ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَسْتَخْدِمُ الغَنِيُّ الفَقِيرَ، والرَّئِيسُ المَرْءُوسَ، والقَوِيُّ الضَّعِيفَ، والحُرُّ العَبْدَ، والعاقِلُ مَن هو دُونَهُ مِنَ العَقْلِ، والعالِمُ الجاهِلَ، وهَذا في غالِبِ أحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا، وبِهِ تَتِمُّ مَصالِحُهم، ويَنْتَظِمُ مَعاشُهم ويَصِلُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم إلى مَطْلُوبِهِ، فَإنَّ كُلَّ صِناعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ يُحْسِنُها قَوْمٌ دُونَ آخَرِينَ، فَجُعِلَ البَعْضُ مُحْتاجًا إلى البَعْضِ لِتَحْصُلَ المُواساةُ بَيْنَهم في مَتاعِ الدُّنْيا، ويَحْتاجُ هَذا إلى هَذا، ويَصْنَعُ هَذا هَذا، ويُعْطِي هَذا لِهَذا.
قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: سَخَّرْنا خَوَّلْنا وخَدَمًا يُسَخِّرُ الأغْنِياءُ الفُقَراءَ فَيَكُونُ بَعْضُهم سَبَبًا لِمَعاشِ بَعْضٍ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ: لِيَمْلِكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: هو السُّخْرِيَةُ الَّتِي بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ، وهَذا وإنْ كانَ مُطابِقًا لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ولَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِن مَعْنى القُرْآنِ ومُنافٍ لِما هو مَقْصُودُ السِّياقِ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ يَعْنِي بِالرَّحْمَةِ ما أعَدَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ في الدّارِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: هي النُّبُوَّةُ لِأنَّها المُرادُ بِالرَّحْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ كُلُّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّحْمَةِ إمّا شُمُولًا أوْ بَدَلًا، ومَعْنى مِمّا يَجْمَعُونَ: ما يَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ وسائِرِ مَتاعِ الدُّنْيا.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حَقارَةَ الدُّنْيا عِنْدَهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: لَوْلا أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكُفْرِ مَيْلًا إلى الدُّنْيا وزُخْرُفِها ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ جَمَعَ الضَّمِيرَ في بُيُوتِهِمْ وأفْرَدَهُ في يَكْفُرُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن ولَفْظِها، ولِبُيُوتِهِمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْصُولِ، والسُّقُفُ جَمْعُ سَقْفٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ السِّينِ والقافِ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولا ثالِثَ لَهُما. وقالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ سَقِيفٍ نَحْوُ كَثِيبٍ وكُثُبٍ ورَغِيفٍ ورُغُفٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ سُقُوفٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ القافِ عَلى الإفْرادِ ومَعْناهُ الجَمْعُ لِكَوْنِهِ لِلْجِنْسِ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ: لَوْلا أنْ يَكْفُرَ النّاسُ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إلى الدُّنْيا وتَرْكِهِمُ الآخِرَةَ لَأعْطَيْناهم في الدُّنْيا ما وصَفْناهُ لِهَوانِ الدُّنْيا عِنْدَ اللَّهِ وقالَ بِهَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً في طَلَبِ الدُّنْيا واخْتِيارِهِمْ لَها عَلى الآخِرَةِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى لَوْلا أنْ يَكُونَ في الكُفّارِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، وفي المُسْلِمِينَ مِثْلُ ذَلِكَ لَأعْطَيْنا الكُفّارَ مِنَ الدُّنْيا هَذا لِهَوانِها ﴿ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (p-١٣٤٠)المَعارِجُ: الدَّرَجُ جَمْعُ مِعْراجٍ، والمِعْراجُ السُّلَّمُ.
قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواحِدَةَ مِعْرَجًا ومَعْرَجًا مِثْلَ مِرْقاةٍ ومَرْقاةٍ، والمَعْنى: فَجَعَلْنا لَهم مَعارِجَ مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ: عَلى المَعارِجِ يَرْتَقُونَ ويَصْعَدُونَ، يُقالُ: ظَهَرْتُ عَلى البَيْتِ أيْ: عَلَوْتُ سَطْحَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدًا وفَخْرًا وسُودُدا ∗∗∗ وإنّا لَنَرْجُوا فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا
أيْ: مَصْعَدًا.
﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ﴿عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ أيْ: عَلى السُّرُرِ وهو جَمْعُ سَرِيرٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أسِرَّةٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ، والِاتِّكاءُ والتَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨] واتَّكَأ عَلى الشَّيْءِ، فَهو مُتَّكِئٌ، والمَوْضِعُ مُتَّكَأٌ، والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. وقِيلَ: الزِّينَةُ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ ذَهَبًا أوْ غَيْرَهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو ما يَتَّخِذُهُ النّاسُ في مَنازِلِهِمْ مِنَ الأمْتِعَةِ والأثاثِ. وقالَ الحَسَنُ: النُّقُوشُ وأصْلُهُ الزِّينَةُ، يُقالُ: زَخْرَفْتُ الدّارَ أيْ: زَيَّنْتُها.
وانْتِصابُ زُخْرُفًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: وجَعَلْنا لَهم مَعَ ذَلِكَ زُخْرُفًا، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: أبْوابًا وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ، فَلَمّا حُذِفَ الخافِضُ انْتَصَبَ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إنَّما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لَما بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هي النّافِيَةُ ولَمّا بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كَلُّ ذَلِكَ إلّا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِكَسْرِ اللّامِ مِن " لَمّا " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعِلَّةِ وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ: أيْ: لِلَّذِي هو مَتاعٌ ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: لِمَنِ اتَّقى الشِّرْكَ والمَعاصِيَ وآمَنَ بِاللَّهِ وحْدَهُ وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، فَإنَّها الباقِيَةُ الَّتِي لا تَفْنى، ونَعِيمُها الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ قالَ: عَلى دِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في عَقِبِهِ قالَ: عَقِبُ إبْراهِيمَ ولَدُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ما القَرْيَتانِ ؟ قالَ: الطّائِفُ ومَكَّةُ، قِيلَ: فَمَنِ الرَّجُلانِ ؟ قالَ: عُمَيْرُ بْنُ مَسْعُودٍ، وخِيارُ قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَعْنِي بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ والطّائِفَ، والعَظِيمُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ القُرَشِيُّ وحَبِيبُ بْنُ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنُونَ أشْرَفَ مِن مُحَمَّدٍ لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ مِن أهْلِ الطّائِفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآيَةَ يَقُولُ: لَوْلا أنْ نَفْعَلَ النّاسَ كُلَّهم كُفّارًا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفّارِ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ، ومَعارِجَ مِن فِضَّةٍ، وهي دَرَجٌ عَلَيْها يَصْعَدُونَ إلى الغُرَفِ وسُرُرٌ فِضَّةٌ، وزُخْرُفًا وهو: الذَّهَبُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى مِنها كافِرًا شَرْبَةَ ماءٍ» .
الزخرف 43:22
قَوْلُهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أأعْطَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ بِأنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَأْخُذُونَ بِما فِيهِ ويَحْتَجُّونَ بِهِ ويَجْعَلُونَهُ لَهم دَلِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أمْ مُعادَةً لِقَوْلِهِ أشَهِدُوا فَتَكُونُ مُتَّصِلَةً، والمَعْنى: أحَضَرُوا خَلْقَهم أمْ آتَيْناهم كِتابًا إلَخْ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في مِن قَبْلِهِ يَعُودُ إلى ادِّعائِهِمْ أيْ: أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ ادِّعائِهِمْ يَنْطِقُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا حُجَّةَ بِأيْدِيهِمْ ولا شُبْهَةَ، ولَكِنَّهُمُ اتَّبَعُوا آباءَهم في الضَّلالَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ فاعْتَرَفُوا بِأنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهم سِوى تَقْلِيدِ آبائِهِمْ، ومَعْنى عَلى أُمَّةٍ: عَلى طَرِيقَةٍ ومَذْهَبٍ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هي الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، يُقالُ: فُلانٌ لا أُمَّةَ لَهُ أيْ: لا دِينَ لَهُ ولا نِحْلَةَ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎كُنّا عَلى أُمَّةِ آبائِنا ونَقْتَدِي بِالأوَّلِ الأوَّلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وهَلْ يَسْتَوِي ذا أُمَّةٍ وكَفُورُ
وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: عَلى قِبْلَةٍ. وقالَ الأخْفَشُ: عَلى اسْتِقامَةٍ، وأنْشَدَ قَوْلَ النّابِغَةِ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ
قَرَأ الجُمْهُورُ أُمَّةٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِكَسْرِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والإمَّةُ (p-١٣٣٨)بِالكَسْرِ: النِّعْمَةُ، والإمَّةُ: أيْضًا لُغَةٌ في الأُمَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والأُمَّ ∗∗∗ ةِ وارَتْهم هُناكَ قُبُورُ
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ غَيْرَ هَؤُلاءِ مِنَ الكُفّارِ قَدْ سَبَقَهم إلى هَذِهِ المَقالَةِ وقالَ بِها فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ مُتْرَفُوها: أغْنِياؤُها ورُؤَساؤُها، قالَ قَتادَةُ: مُقْتَدُونَ مُتَّبِعُونَ، ومَعْنى الِاهْتِداءِ والِاقْتِداءِ مُتَقارِبٌ، وخَصَّصَ المُتْرَفِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّنَعُّمَ هو سَبَبُ إهْمالِ النَّظَرِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم﴾ أيْ: أتَتَّبِعُونَ آباءَكم ولَوْ جِئْتُكم بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قُلْ لَهم أتَتَّبِعُونَ ما وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم وإنْ جِئْتُكم بِأهْدى مِنهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قُلْ أوَلَوْ جِئْتُكم " وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ وهو حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ المُنْذِرِينَ وقَوْمِهِمْ أيْ: قالَ كُلُّ مُنْذِرٍ مِن أُولَئِكَ المُنْذِرِينَ لِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ: قُلْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ وقُبْحِهِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةِ في الإسْلامِ إنَّما يَعْمَلُونَ بِقَوْلِ أسْلافِهِمْ ويَتَّبِعُونَ آثارَهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَإذا رامَ الدّاعِي إلى الحَقِّ أنْ يُخْرِجَهم مِن ضَلالَةٍ أوْ يَدْفَعَهم عَنْ بِدْعَةٍ قَدْ تَمَسَّكُوا بِها ووَرِثُوها عَنْ أسْلافِهِمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ نَيِّرٍ ولا حُجَّةٍ واضِحَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ قالَ وقِيلَ: لِشُبْهَةٍ داحِضَةٍ وحُجَّةٍ زائِفَةٍ ومُقالَةٍ باطِلَةٍ، قالُوا بِما قالَهُ المُتْرَفُونَ مِن هَذِهِ المِلَلِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، أوْ بِما يُلاقِي مَعْناهُ مَعْنى ذَلِكَ، فَإنْ قالَ لَهُمُ الدّاعِي إلى الحَقِّ: قَدْ جَمَعَتْنا المِلَّةُ الإسْلامِيَّةُ وشَمِلَنا هَذا الدِّينُ المُحَمَّدِيُّ، ولَمْ يَتَعَبَّدْنا اللَّهُ ولا تَعَبَّدَكم وتَعَبَّدَ آباءَكم مِن قَبْلِكم إلّا بِكِتابِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ وبِما صَحَّ عَنْ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ المُبَيِّنُ لِكِتابِ اللَّهِ، المُوَضِّحُ لِمَعانِيهِ، الفارِقُ بَيْنَ مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، فَتَعالَوْا نَرُدُّ ما تَنازَعْنا فِيهِ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ كَما أمَرَنا اللَّهُ بِذَلِكَ في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فَإنَّ الرَّدَّ إلَيْهِما أهْدى لَنا ولَكم مِنَ الرَّدِّ إلى ما قالَهُ أسْلافُكم ودَرَجَ عَلَيْهِ آباؤُكم، نَفَرُوا نُفُورَ الوُحُوشِ، ورَمَوُا الدّاعِيَ لَهم إلى ذَلِكَ بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ، كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] ولا قَوْلَهُ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فَإنْ قالَ لَهُمُ القائِلُ: هَذا العالِمُ الَّذِي تَقْتَدُونَ بِهِ وتَتَّبِعُونَ أقْوالَهُ هو مِثْلُكم في كَوْنِهِ مُتَعَبِّدًا بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَطْلُوبًا مِنهُ ما هو مَطْلُوبٌ مِنكم، وإذا عَمِلَ بِرَأْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدانِهِ لِلدَّلِيلِ، فَذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُ لا يَحِلُّ أنْ يَتْبَعَهُ غَيْرُهُ عَلَيْها، ولا يَجُوزَ لَهُ العَمَلُ بِها، وقَدْ وجَدُوا الدَّلِيلَ الَّذِي لَمْ يَجِدْهُ، وها أنا أُوجِدْكُمُوهُ في كِتابِ اللَّهِ، أوْ فِيما صَحَّ مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ أهْدى لَكم مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا نَعْمَلُ بِهَذا ولا سَمْعَ لَكَ ولا طاعَةَ، ووَجَدُوا في صُدُورِهِمْ أعْظَمَ الحَرَجِ مِن حُكْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَمْ يُسَلِّمُوا لِذَلِكَ ولا أذْعَنُوا لَهُ، وقَدْ وهَبَ لَهُمُ الشَّيْطانُ عَصًا يَتَوَكَّئُونَ عَلَيْها عِنْدَ أنْ يَسْمَعُوا مَن يَدْعُوهم إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهي أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ إمامَنا الَّذِي قَلَّدْناهُ واقْتَدَيْنا بِهِ أعْلَمُ مِنكَ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ أذْهانَهم قَدْ تَصَوَّرَتْ مَن يَقْتَدُونَ بِهِ تَصَوُّرًا عَظِيمًا بِسَبَبِ تَقَدُّمِ العَصْرِ وكَثْرَةِ الأتْباعِ، وما عَلِمُوا أنَّ هَذا مَنقُوضٌ عَلَيْهِمْ مَدْفُوعٌ بِهِ في وُجُوهِهِمْ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهم: إنَّ في التّابِعِينَ مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا، وأقْدَمُ عَصْرًا مِن صاحِبِكم، فَإنْ كانَ لِتَقَدُّمِ العَصْرِ وجَلالَةِ القَدْرِ مَزِيَّةٌ حَتّى تُوجِبَ الِاقْتِداءَ، فَتَعالَوْا حَتّى أُرِيَكم مَن هو أقْدَمُ عَصْرًا وأجَلُّ قَدْرًا، فَإنْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فَها أنا أدُلُّكم عَلى مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا وأجَلُّ خَطَرًا وأكْثَرُ أتْباعًا وأقْدَمُ عَصْرًا، وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَبِيُّنا ونَبِيُّكم رَسُولُ اللَّهِ إلَيْنا وإلَيْكم فَتَعالَوْا فَهَذِهِ سُنَّتُهُ مَوْجُودَةٌ في دَفاتِرِ الإسْلامِ ودَواوِينِهِ الَّتِي تَلَقَّتْها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ، وهَذا كِتابُ رَبِّنا خالِقِ الكُلِّ ورازِقِ الكُلِّ ومُوجِدِ الكُلِّ بَيْنَ أظْهُرِنا، مَوْجُودٌ في كُلِّ بَيْتٍ، وبِيَدِ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يَلْحَقْهُ تَغْيِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا زِيادَةٌ ولا نَقْصٌ ولا تَحْرِيفٌ ولا تَصْحِيفٌ، ونَحْنُ وأنْتُمْ مِمَّنْ يَفْهَمُ ألْفاظَهُ ويَتَعَقَّلُ مَعانِيَهُ، فَتَعالَوْا لِنَأْخُذِ الحَقَّ مِن مَعْدِنِهِ ونَشْرَبَ صَفْوَ الماءِ مِن مَنبَعِهِ، فَهو أهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا سَمْعَ ولا طاعَةَ، إمّا بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، فَتَدَبَّرْ هَذا وتَأمَّلْهُ إنْ بَقِيَ فِيكَ بَقِيَّةٌ مِن إنْصافٍ وشُعْبَةٌ مِن خَيْرٍ ومِزْعَةٌ مِن حَياءٍ وحِصَّةٌ مِن دِينٍ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
وقَدْ أوْضَحْتُ هَذا غايَةَ الإيضاحِ في كِتابِي الَّذِي سَمَّيْتُهُ " أدَبَ الطَّلَبِ ومُنْتَهى الأرَبِ " فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ رُمْتَ أنْ تَنْجَلِيَ عَنْكَ ظُلُماتُ التَّعَصُّبِ وتَنْقَشِعَ لَكَ سَحائِبُ التَّقْلِيدِ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ الِانْتِقامُ ما أوْقَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ، فَإنَّ آثارَهم مَوْجُودَةٌ.
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ الَّذِينَ قَلَّدُوا آباءَهم وعَبَدُوا الأصْنامَ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ البَراءُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وهو يُسْتَعْمَلُ لِلْواحِدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وتَبَرَّأْتُ مِن كَذا وأنا مِنهُ بَراءٌ وخَلاءٌ، لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ: خَلَقَنِي ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُثَبِّتُنِي عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ إمّا مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي، أوْ مُتَّصِلٌ مِن عُمُومِ ما، لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ (p-١٣٣٩)والأصْنامَ، وإخْبارُهُ بِأنَّهُ سَيَهْدِيهِ جَزْمًا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقُوَّةِ يَقِينِهِ.
﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ الضَّمِيرُ في جَعَلَها عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهي بِمَعْنى التَّوْحِيدِ كَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ وهم ذُرِّيَّتُهُ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - وفاعِلُ جَعَلَها إبْراهِيمُ، وذَلِكَ حَيْثُ وصّاهم بِالتَّوْحِيدِ وأمَرَهم بِأنْ يَدِينُوا بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] الآيَةَ، وقِيلَ: الفاعِلُ هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أيْ: وجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ، والعَقِبُ: مَن بَعْدُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الكَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لا يَزالُ مِن عَقِبِهِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الإسْلامُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الكَلِمَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَعْلِ أيْ: جَعَلَها باقِيَةً رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ إلَيْها مَن يُشْرِكُ مِنهم بِدُعاءِ مَن يُوَحِّدُ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَعَلَّهم راجَعٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ أيْ: لَعَلَّ أهْلَ مَكَّةَ يَرْجِعُونَ إلى دِينِكَ الَّذِي هو دِينُ إبْراهِيمَ.
وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ وجَعَلَها إلَخْ. قالَ السُّدِّيُّ: لَعَلَّهم يَتُوبُونَ. فَيَرْجِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نِعْمَتَهُ عَلى قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِنَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَهم فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ذِكْرِ ما مَتَّعَهم بِهِ مِنَ الأنْفُسِ والأهْلِ والأمْوالِ وأنْواعِ النِّعَمِ وما مَتَّعَ بِهِ آباءَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ وأكَبُّوا عَلى الشَّهَواتِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ومَعْنى مُبِينٌ ظاهِرُ الرِّسالَةِ واضِحُها، أوْ مُبَيِّنٌ لَهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما صَنَعُوهُ عِنْدَ مَجِيءِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ، فَسَمَّوُا القُرْآنَ سِحْرًا وجَحَدُوهُ. واسْتَحْقَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ المُرادُ بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةُ والطّائِفُ، وبِالرَّجُلَيْنِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مِن مَكَّةَ، وعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ كَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مِن مَكَّةَ، وعُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ يالِيلَ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ المُرادَ رَجُلٌ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمُ الجاهِ واسِعُ المالِ مُسَوَّدٌ في قَوْمِهِ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا لَنَزَلَ عَلى رَجُلٍ عَظِيمٍ مِن عُظَماءِ القَرْيَتَيْنِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِنها، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم ما يَعِيشُونَ بِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولَمْ نُفَوِّضْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ أنْ يَتَحَكَّمَ في شَيْءٍ بَلِ الحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ، وإذا كانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم أرْزاقَهم ورَفَعَ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ فَكَيْفَ لا يَقْنَعُونَ بِقِسْمَتِهِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ وتَفْوِيضِها إلى مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ الرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا.
قَرَأ الجُمْهُورُ مَعِيشَتَهم بِالإفْرادِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " مَعايِشَهم " بِالجَمْعِ، ومَعْنى ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أنَّهُ فاضَلَ بَيْنَهم فَجَعَلَ بَعْضَهم أفْضَلَ مِن بَعْضٍ في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ والرِّياسَةِ والقُوَّةِ والحُرِّيَّةِ والعَقْلِ والعِلْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ لِرَفْعِ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، فَقالَ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أيْ: لِيَسْتَخْدِمَ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَسْتَخْدِمُ الغَنِيُّ الفَقِيرَ، والرَّئِيسُ المَرْءُوسَ، والقَوِيُّ الضَّعِيفَ، والحُرُّ العَبْدَ، والعاقِلُ مَن هو دُونَهُ مِنَ العَقْلِ، والعالِمُ الجاهِلَ، وهَذا في غالِبِ أحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا، وبِهِ تَتِمُّ مَصالِحُهم، ويَنْتَظِمُ مَعاشُهم ويَصِلُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم إلى مَطْلُوبِهِ، فَإنَّ كُلَّ صِناعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ يُحْسِنُها قَوْمٌ دُونَ آخَرِينَ، فَجُعِلَ البَعْضُ مُحْتاجًا إلى البَعْضِ لِتَحْصُلَ المُواساةُ بَيْنَهم في مَتاعِ الدُّنْيا، ويَحْتاجُ هَذا إلى هَذا، ويَصْنَعُ هَذا هَذا، ويُعْطِي هَذا لِهَذا.
قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: سَخَّرْنا خَوَّلْنا وخَدَمًا يُسَخِّرُ الأغْنِياءُ الفُقَراءَ فَيَكُونُ بَعْضُهم سَبَبًا لِمَعاشِ بَعْضٍ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ: لِيَمْلِكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: هو السُّخْرِيَةُ الَّتِي بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ، وهَذا وإنْ كانَ مُطابِقًا لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ولَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِن مَعْنى القُرْآنِ ومُنافٍ لِما هو مَقْصُودُ السِّياقِ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ يَعْنِي بِالرَّحْمَةِ ما أعَدَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ في الدّارِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: هي النُّبُوَّةُ لِأنَّها المُرادُ بِالرَّحْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ كُلُّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّحْمَةِ إمّا شُمُولًا أوْ بَدَلًا، ومَعْنى مِمّا يَجْمَعُونَ: ما يَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ وسائِرِ مَتاعِ الدُّنْيا.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حَقارَةَ الدُّنْيا عِنْدَهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: لَوْلا أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكُفْرِ مَيْلًا إلى الدُّنْيا وزُخْرُفِها ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ جَمَعَ الضَّمِيرَ في بُيُوتِهِمْ وأفْرَدَهُ في يَكْفُرُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن ولَفْظِها، ولِبُيُوتِهِمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْصُولِ، والسُّقُفُ جَمْعُ سَقْفٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ السِّينِ والقافِ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولا ثالِثَ لَهُما. وقالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ سَقِيفٍ نَحْوُ كَثِيبٍ وكُثُبٍ ورَغِيفٍ ورُغُفٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ سُقُوفٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ القافِ عَلى الإفْرادِ ومَعْناهُ الجَمْعُ لِكَوْنِهِ لِلْجِنْسِ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ: لَوْلا أنْ يَكْفُرَ النّاسُ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إلى الدُّنْيا وتَرْكِهِمُ الآخِرَةَ لَأعْطَيْناهم في الدُّنْيا ما وصَفْناهُ لِهَوانِ الدُّنْيا عِنْدَ اللَّهِ وقالَ بِهَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً في طَلَبِ الدُّنْيا واخْتِيارِهِمْ لَها عَلى الآخِرَةِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى لَوْلا أنْ يَكُونَ في الكُفّارِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، وفي المُسْلِمِينَ مِثْلُ ذَلِكَ لَأعْطَيْنا الكُفّارَ مِنَ الدُّنْيا هَذا لِهَوانِها ﴿ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (p-١٣٤٠)المَعارِجُ: الدَّرَجُ جَمْعُ مِعْراجٍ، والمِعْراجُ السُّلَّمُ.
قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواحِدَةَ مِعْرَجًا ومَعْرَجًا مِثْلَ مِرْقاةٍ ومَرْقاةٍ، والمَعْنى: فَجَعَلْنا لَهم مَعارِجَ مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ: عَلى المَعارِجِ يَرْتَقُونَ ويَصْعَدُونَ، يُقالُ: ظَهَرْتُ عَلى البَيْتِ أيْ: عَلَوْتُ سَطْحَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدًا وفَخْرًا وسُودُدا ∗∗∗ وإنّا لَنَرْجُوا فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا
أيْ: مَصْعَدًا.
﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ﴿عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ أيْ: عَلى السُّرُرِ وهو جَمْعُ سَرِيرٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أسِرَّةٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ، والِاتِّكاءُ والتَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨] واتَّكَأ عَلى الشَّيْءِ، فَهو مُتَّكِئٌ، والمَوْضِعُ مُتَّكَأٌ، والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. وقِيلَ: الزِّينَةُ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ ذَهَبًا أوْ غَيْرَهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو ما يَتَّخِذُهُ النّاسُ في مَنازِلِهِمْ مِنَ الأمْتِعَةِ والأثاثِ. وقالَ الحَسَنُ: النُّقُوشُ وأصْلُهُ الزِّينَةُ، يُقالُ: زَخْرَفْتُ الدّارَ أيْ: زَيَّنْتُها.
وانْتِصابُ زُخْرُفًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: وجَعَلْنا لَهم مَعَ ذَلِكَ زُخْرُفًا، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: أبْوابًا وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ، فَلَمّا حُذِفَ الخافِضُ انْتَصَبَ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إنَّما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لَما بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هي النّافِيَةُ ولَمّا بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كَلُّ ذَلِكَ إلّا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِكَسْرِ اللّامِ مِن " لَمّا " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعِلَّةِ وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ: أيْ: لِلَّذِي هو مَتاعٌ ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: لِمَنِ اتَّقى الشِّرْكَ والمَعاصِيَ وآمَنَ بِاللَّهِ وحْدَهُ وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، فَإنَّها الباقِيَةُ الَّتِي لا تَفْنى، ونَعِيمُها الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ قالَ: عَلى دِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في عَقِبِهِ قالَ: عَقِبُ إبْراهِيمَ ولَدُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ما القَرْيَتانِ ؟ قالَ: الطّائِفُ ومَكَّةُ، قِيلَ: فَمَنِ الرَّجُلانِ ؟ قالَ: عُمَيْرُ بْنُ مَسْعُودٍ، وخِيارُ قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَعْنِي بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ والطّائِفَ، والعَظِيمُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ القُرَشِيُّ وحَبِيبُ بْنُ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنُونَ أشْرَفَ مِن مُحَمَّدٍ لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ مِن أهْلِ الطّائِفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآيَةَ يَقُولُ: لَوْلا أنْ نَفْعَلَ النّاسَ كُلَّهم كُفّارًا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفّارِ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ، ومَعارِجَ مِن فِضَّةٍ، وهي دَرَجٌ عَلَيْها يَصْعَدُونَ إلى الغُرَفِ وسُرُرٌ فِضَّةٌ، وزُخْرُفًا وهو: الذَّهَبُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى مِنها كافِرًا شَرْبَةَ ماءٍ» .
الزخرف 43:23
قَوْلُهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أأعْطَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ بِأنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَأْخُذُونَ بِما فِيهِ ويَحْتَجُّونَ بِهِ ويَجْعَلُونَهُ لَهم دَلِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أمْ مُعادَةً لِقَوْلِهِ أشَهِدُوا فَتَكُونُ مُتَّصِلَةً، والمَعْنى: أحَضَرُوا خَلْقَهم أمْ آتَيْناهم كِتابًا إلَخْ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في مِن قَبْلِهِ يَعُودُ إلى ادِّعائِهِمْ أيْ: أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ ادِّعائِهِمْ يَنْطِقُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا حُجَّةَ بِأيْدِيهِمْ ولا شُبْهَةَ، ولَكِنَّهُمُ اتَّبَعُوا آباءَهم في الضَّلالَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ فاعْتَرَفُوا بِأنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهم سِوى تَقْلِيدِ آبائِهِمْ، ومَعْنى عَلى أُمَّةٍ: عَلى طَرِيقَةٍ ومَذْهَبٍ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هي الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، يُقالُ: فُلانٌ لا أُمَّةَ لَهُ أيْ: لا دِينَ لَهُ ولا نِحْلَةَ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎كُنّا عَلى أُمَّةِ آبائِنا ونَقْتَدِي بِالأوَّلِ الأوَّلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وهَلْ يَسْتَوِي ذا أُمَّةٍ وكَفُورُ
وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: عَلى قِبْلَةٍ. وقالَ الأخْفَشُ: عَلى اسْتِقامَةٍ، وأنْشَدَ قَوْلَ النّابِغَةِ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ
قَرَأ الجُمْهُورُ أُمَّةٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِكَسْرِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والإمَّةُ (p-١٣٣٨)بِالكَسْرِ: النِّعْمَةُ، والإمَّةُ: أيْضًا لُغَةٌ في الأُمَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والأُمَّ ∗∗∗ ةِ وارَتْهم هُناكَ قُبُورُ
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ غَيْرَ هَؤُلاءِ مِنَ الكُفّارِ قَدْ سَبَقَهم إلى هَذِهِ المَقالَةِ وقالَ بِها فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ مُتْرَفُوها: أغْنِياؤُها ورُؤَساؤُها، قالَ قَتادَةُ: مُقْتَدُونَ مُتَّبِعُونَ، ومَعْنى الِاهْتِداءِ والِاقْتِداءِ مُتَقارِبٌ، وخَصَّصَ المُتْرَفِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّنَعُّمَ هو سَبَبُ إهْمالِ النَّظَرِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم﴾ أيْ: أتَتَّبِعُونَ آباءَكم ولَوْ جِئْتُكم بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قُلْ لَهم أتَتَّبِعُونَ ما وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم وإنْ جِئْتُكم بِأهْدى مِنهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قُلْ أوَلَوْ جِئْتُكم " وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ وهو حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ المُنْذِرِينَ وقَوْمِهِمْ أيْ: قالَ كُلُّ مُنْذِرٍ مِن أُولَئِكَ المُنْذِرِينَ لِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ: قُلْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ وقُبْحِهِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةِ في الإسْلامِ إنَّما يَعْمَلُونَ بِقَوْلِ أسْلافِهِمْ ويَتَّبِعُونَ آثارَهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَإذا رامَ الدّاعِي إلى الحَقِّ أنْ يُخْرِجَهم مِن ضَلالَةٍ أوْ يَدْفَعَهم عَنْ بِدْعَةٍ قَدْ تَمَسَّكُوا بِها ووَرِثُوها عَنْ أسْلافِهِمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ نَيِّرٍ ولا حُجَّةٍ واضِحَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ قالَ وقِيلَ: لِشُبْهَةٍ داحِضَةٍ وحُجَّةٍ زائِفَةٍ ومُقالَةٍ باطِلَةٍ، قالُوا بِما قالَهُ المُتْرَفُونَ مِن هَذِهِ المِلَلِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، أوْ بِما يُلاقِي مَعْناهُ مَعْنى ذَلِكَ، فَإنْ قالَ لَهُمُ الدّاعِي إلى الحَقِّ: قَدْ جَمَعَتْنا المِلَّةُ الإسْلامِيَّةُ وشَمِلَنا هَذا الدِّينُ المُحَمَّدِيُّ، ولَمْ يَتَعَبَّدْنا اللَّهُ ولا تَعَبَّدَكم وتَعَبَّدَ آباءَكم مِن قَبْلِكم إلّا بِكِتابِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ وبِما صَحَّ عَنْ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ المُبَيِّنُ لِكِتابِ اللَّهِ، المُوَضِّحُ لِمَعانِيهِ، الفارِقُ بَيْنَ مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، فَتَعالَوْا نَرُدُّ ما تَنازَعْنا فِيهِ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ كَما أمَرَنا اللَّهُ بِذَلِكَ في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فَإنَّ الرَّدَّ إلَيْهِما أهْدى لَنا ولَكم مِنَ الرَّدِّ إلى ما قالَهُ أسْلافُكم ودَرَجَ عَلَيْهِ آباؤُكم، نَفَرُوا نُفُورَ الوُحُوشِ، ورَمَوُا الدّاعِيَ لَهم إلى ذَلِكَ بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ، كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] ولا قَوْلَهُ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فَإنْ قالَ لَهُمُ القائِلُ: هَذا العالِمُ الَّذِي تَقْتَدُونَ بِهِ وتَتَّبِعُونَ أقْوالَهُ هو مِثْلُكم في كَوْنِهِ مُتَعَبِّدًا بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَطْلُوبًا مِنهُ ما هو مَطْلُوبٌ مِنكم، وإذا عَمِلَ بِرَأْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدانِهِ لِلدَّلِيلِ، فَذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُ لا يَحِلُّ أنْ يَتْبَعَهُ غَيْرُهُ عَلَيْها، ولا يَجُوزَ لَهُ العَمَلُ بِها، وقَدْ وجَدُوا الدَّلِيلَ الَّذِي لَمْ يَجِدْهُ، وها أنا أُوجِدْكُمُوهُ في كِتابِ اللَّهِ، أوْ فِيما صَحَّ مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ أهْدى لَكم مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا نَعْمَلُ بِهَذا ولا سَمْعَ لَكَ ولا طاعَةَ، ووَجَدُوا في صُدُورِهِمْ أعْظَمَ الحَرَجِ مِن حُكْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَمْ يُسَلِّمُوا لِذَلِكَ ولا أذْعَنُوا لَهُ، وقَدْ وهَبَ لَهُمُ الشَّيْطانُ عَصًا يَتَوَكَّئُونَ عَلَيْها عِنْدَ أنْ يَسْمَعُوا مَن يَدْعُوهم إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهي أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ إمامَنا الَّذِي قَلَّدْناهُ واقْتَدَيْنا بِهِ أعْلَمُ مِنكَ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ أذْهانَهم قَدْ تَصَوَّرَتْ مَن يَقْتَدُونَ بِهِ تَصَوُّرًا عَظِيمًا بِسَبَبِ تَقَدُّمِ العَصْرِ وكَثْرَةِ الأتْباعِ، وما عَلِمُوا أنَّ هَذا مَنقُوضٌ عَلَيْهِمْ مَدْفُوعٌ بِهِ في وُجُوهِهِمْ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهم: إنَّ في التّابِعِينَ مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا، وأقْدَمُ عَصْرًا مِن صاحِبِكم، فَإنْ كانَ لِتَقَدُّمِ العَصْرِ وجَلالَةِ القَدْرِ مَزِيَّةٌ حَتّى تُوجِبَ الِاقْتِداءَ، فَتَعالَوْا حَتّى أُرِيَكم مَن هو أقْدَمُ عَصْرًا وأجَلُّ قَدْرًا، فَإنْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فَها أنا أدُلُّكم عَلى مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا وأجَلُّ خَطَرًا وأكْثَرُ أتْباعًا وأقْدَمُ عَصْرًا، وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَبِيُّنا ونَبِيُّكم رَسُولُ اللَّهِ إلَيْنا وإلَيْكم فَتَعالَوْا فَهَذِهِ سُنَّتُهُ مَوْجُودَةٌ في دَفاتِرِ الإسْلامِ ودَواوِينِهِ الَّتِي تَلَقَّتْها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ، وهَذا كِتابُ رَبِّنا خالِقِ الكُلِّ ورازِقِ الكُلِّ ومُوجِدِ الكُلِّ بَيْنَ أظْهُرِنا، مَوْجُودٌ في كُلِّ بَيْتٍ، وبِيَدِ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يَلْحَقْهُ تَغْيِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا زِيادَةٌ ولا نَقْصٌ ولا تَحْرِيفٌ ولا تَصْحِيفٌ، ونَحْنُ وأنْتُمْ مِمَّنْ يَفْهَمُ ألْفاظَهُ ويَتَعَقَّلُ مَعانِيَهُ، فَتَعالَوْا لِنَأْخُذِ الحَقَّ مِن مَعْدِنِهِ ونَشْرَبَ صَفْوَ الماءِ مِن مَنبَعِهِ، فَهو أهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا سَمْعَ ولا طاعَةَ، إمّا بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، فَتَدَبَّرْ هَذا وتَأمَّلْهُ إنْ بَقِيَ فِيكَ بَقِيَّةٌ مِن إنْصافٍ وشُعْبَةٌ مِن خَيْرٍ ومِزْعَةٌ مِن حَياءٍ وحِصَّةٌ مِن دِينٍ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
وقَدْ أوْضَحْتُ هَذا غايَةَ الإيضاحِ في كِتابِي الَّذِي سَمَّيْتُهُ " أدَبَ الطَّلَبِ ومُنْتَهى الأرَبِ " فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ رُمْتَ أنْ تَنْجَلِيَ عَنْكَ ظُلُماتُ التَّعَصُّبِ وتَنْقَشِعَ لَكَ سَحائِبُ التَّقْلِيدِ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ الِانْتِقامُ ما أوْقَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ، فَإنَّ آثارَهم مَوْجُودَةٌ.
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ الَّذِينَ قَلَّدُوا آباءَهم وعَبَدُوا الأصْنامَ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ البَراءُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وهو يُسْتَعْمَلُ لِلْواحِدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وتَبَرَّأْتُ مِن كَذا وأنا مِنهُ بَراءٌ وخَلاءٌ، لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ: خَلَقَنِي ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُثَبِّتُنِي عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ إمّا مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي، أوْ مُتَّصِلٌ مِن عُمُومِ ما، لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ (p-١٣٣٩)والأصْنامَ، وإخْبارُهُ بِأنَّهُ سَيَهْدِيهِ جَزْمًا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقُوَّةِ يَقِينِهِ.
﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ الضَّمِيرُ في جَعَلَها عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهي بِمَعْنى التَّوْحِيدِ كَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ وهم ذُرِّيَّتُهُ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - وفاعِلُ جَعَلَها إبْراهِيمُ، وذَلِكَ حَيْثُ وصّاهم بِالتَّوْحِيدِ وأمَرَهم بِأنْ يَدِينُوا بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] الآيَةَ، وقِيلَ: الفاعِلُ هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أيْ: وجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ، والعَقِبُ: مَن بَعْدُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الكَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لا يَزالُ مِن عَقِبِهِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الإسْلامُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الكَلِمَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَعْلِ أيْ: جَعَلَها باقِيَةً رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ إلَيْها مَن يُشْرِكُ مِنهم بِدُعاءِ مَن يُوَحِّدُ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَعَلَّهم راجَعٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ أيْ: لَعَلَّ أهْلَ مَكَّةَ يَرْجِعُونَ إلى دِينِكَ الَّذِي هو دِينُ إبْراهِيمَ.
وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ وجَعَلَها إلَخْ. قالَ السُّدِّيُّ: لَعَلَّهم يَتُوبُونَ. فَيَرْجِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نِعْمَتَهُ عَلى قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِنَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَهم فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ذِكْرِ ما مَتَّعَهم بِهِ مِنَ الأنْفُسِ والأهْلِ والأمْوالِ وأنْواعِ النِّعَمِ وما مَتَّعَ بِهِ آباءَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ وأكَبُّوا عَلى الشَّهَواتِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ومَعْنى مُبِينٌ ظاهِرُ الرِّسالَةِ واضِحُها، أوْ مُبَيِّنٌ لَهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما صَنَعُوهُ عِنْدَ مَجِيءِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ، فَسَمَّوُا القُرْآنَ سِحْرًا وجَحَدُوهُ. واسْتَحْقَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ المُرادُ بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةُ والطّائِفُ، وبِالرَّجُلَيْنِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مِن مَكَّةَ، وعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ كَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مِن مَكَّةَ، وعُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ يالِيلَ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ المُرادَ رَجُلٌ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمُ الجاهِ واسِعُ المالِ مُسَوَّدٌ في قَوْمِهِ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا لَنَزَلَ عَلى رَجُلٍ عَظِيمٍ مِن عُظَماءِ القَرْيَتَيْنِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِنها، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم ما يَعِيشُونَ بِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولَمْ نُفَوِّضْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ أنْ يَتَحَكَّمَ في شَيْءٍ بَلِ الحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ، وإذا كانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم أرْزاقَهم ورَفَعَ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ فَكَيْفَ لا يَقْنَعُونَ بِقِسْمَتِهِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ وتَفْوِيضِها إلى مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ الرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا.
قَرَأ الجُمْهُورُ مَعِيشَتَهم بِالإفْرادِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " مَعايِشَهم " بِالجَمْعِ، ومَعْنى ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أنَّهُ فاضَلَ بَيْنَهم فَجَعَلَ بَعْضَهم أفْضَلَ مِن بَعْضٍ في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ والرِّياسَةِ والقُوَّةِ والحُرِّيَّةِ والعَقْلِ والعِلْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ لِرَفْعِ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، فَقالَ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أيْ: لِيَسْتَخْدِمَ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَسْتَخْدِمُ الغَنِيُّ الفَقِيرَ، والرَّئِيسُ المَرْءُوسَ، والقَوِيُّ الضَّعِيفَ، والحُرُّ العَبْدَ، والعاقِلُ مَن هو دُونَهُ مِنَ العَقْلِ، والعالِمُ الجاهِلَ، وهَذا في غالِبِ أحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا، وبِهِ تَتِمُّ مَصالِحُهم، ويَنْتَظِمُ مَعاشُهم ويَصِلُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم إلى مَطْلُوبِهِ، فَإنَّ كُلَّ صِناعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ يُحْسِنُها قَوْمٌ دُونَ آخَرِينَ، فَجُعِلَ البَعْضُ مُحْتاجًا إلى البَعْضِ لِتَحْصُلَ المُواساةُ بَيْنَهم في مَتاعِ الدُّنْيا، ويَحْتاجُ هَذا إلى هَذا، ويَصْنَعُ هَذا هَذا، ويُعْطِي هَذا لِهَذا.
قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: سَخَّرْنا خَوَّلْنا وخَدَمًا يُسَخِّرُ الأغْنِياءُ الفُقَراءَ فَيَكُونُ بَعْضُهم سَبَبًا لِمَعاشِ بَعْضٍ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ: لِيَمْلِكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: هو السُّخْرِيَةُ الَّتِي بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ، وهَذا وإنْ كانَ مُطابِقًا لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ولَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِن مَعْنى القُرْآنِ ومُنافٍ لِما هو مَقْصُودُ السِّياقِ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ يَعْنِي بِالرَّحْمَةِ ما أعَدَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ في الدّارِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: هي النُّبُوَّةُ لِأنَّها المُرادُ بِالرَّحْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ كُلُّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّحْمَةِ إمّا شُمُولًا أوْ بَدَلًا، ومَعْنى مِمّا يَجْمَعُونَ: ما يَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ وسائِرِ مَتاعِ الدُّنْيا.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حَقارَةَ الدُّنْيا عِنْدَهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: لَوْلا أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكُفْرِ مَيْلًا إلى الدُّنْيا وزُخْرُفِها ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ جَمَعَ الضَّمِيرَ في بُيُوتِهِمْ وأفْرَدَهُ في يَكْفُرُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن ولَفْظِها، ولِبُيُوتِهِمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْصُولِ، والسُّقُفُ جَمْعُ سَقْفٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ السِّينِ والقافِ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولا ثالِثَ لَهُما. وقالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ سَقِيفٍ نَحْوُ كَثِيبٍ وكُثُبٍ ورَغِيفٍ ورُغُفٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ سُقُوفٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ القافِ عَلى الإفْرادِ ومَعْناهُ الجَمْعُ لِكَوْنِهِ لِلْجِنْسِ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ: لَوْلا أنْ يَكْفُرَ النّاسُ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إلى الدُّنْيا وتَرْكِهِمُ الآخِرَةَ لَأعْطَيْناهم في الدُّنْيا ما وصَفْناهُ لِهَوانِ الدُّنْيا عِنْدَ اللَّهِ وقالَ بِهَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً في طَلَبِ الدُّنْيا واخْتِيارِهِمْ لَها عَلى الآخِرَةِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى لَوْلا أنْ يَكُونَ في الكُفّارِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، وفي المُسْلِمِينَ مِثْلُ ذَلِكَ لَأعْطَيْنا الكُفّارَ مِنَ الدُّنْيا هَذا لِهَوانِها ﴿ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (p-١٣٤٠)المَعارِجُ: الدَّرَجُ جَمْعُ مِعْراجٍ، والمِعْراجُ السُّلَّمُ.
قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواحِدَةَ مِعْرَجًا ومَعْرَجًا مِثْلَ مِرْقاةٍ ومَرْقاةٍ، والمَعْنى: فَجَعَلْنا لَهم مَعارِجَ مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ: عَلى المَعارِجِ يَرْتَقُونَ ويَصْعَدُونَ، يُقالُ: ظَهَرْتُ عَلى البَيْتِ أيْ: عَلَوْتُ سَطْحَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدًا وفَخْرًا وسُودُدا ∗∗∗ وإنّا لَنَرْجُوا فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا
أيْ: مَصْعَدًا.
﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ﴿عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ أيْ: عَلى السُّرُرِ وهو جَمْعُ سَرِيرٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أسِرَّةٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ، والِاتِّكاءُ والتَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨] واتَّكَأ عَلى الشَّيْءِ، فَهو مُتَّكِئٌ، والمَوْضِعُ مُتَّكَأٌ، والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. وقِيلَ: الزِّينَةُ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ ذَهَبًا أوْ غَيْرَهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو ما يَتَّخِذُهُ النّاسُ في مَنازِلِهِمْ مِنَ الأمْتِعَةِ والأثاثِ. وقالَ الحَسَنُ: النُّقُوشُ وأصْلُهُ الزِّينَةُ، يُقالُ: زَخْرَفْتُ الدّارَ أيْ: زَيَّنْتُها.
وانْتِصابُ زُخْرُفًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: وجَعَلْنا لَهم مَعَ ذَلِكَ زُخْرُفًا، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: أبْوابًا وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ، فَلَمّا حُذِفَ الخافِضُ انْتَصَبَ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إنَّما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لَما بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هي النّافِيَةُ ولَمّا بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كَلُّ ذَلِكَ إلّا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِكَسْرِ اللّامِ مِن " لَمّا " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعِلَّةِ وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ: أيْ: لِلَّذِي هو مَتاعٌ ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: لِمَنِ اتَّقى الشِّرْكَ والمَعاصِيَ وآمَنَ بِاللَّهِ وحْدَهُ وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، فَإنَّها الباقِيَةُ الَّتِي لا تَفْنى، ونَعِيمُها الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ قالَ: عَلى دِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في عَقِبِهِ قالَ: عَقِبُ إبْراهِيمَ ولَدُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ما القَرْيَتانِ ؟ قالَ: الطّائِفُ ومَكَّةُ، قِيلَ: فَمَنِ الرَّجُلانِ ؟ قالَ: عُمَيْرُ بْنُ مَسْعُودٍ، وخِيارُ قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَعْنِي بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ والطّائِفَ، والعَظِيمُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ القُرَشِيُّ وحَبِيبُ بْنُ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنُونَ أشْرَفَ مِن مُحَمَّدٍ لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ مِن أهْلِ الطّائِفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآيَةَ يَقُولُ: لَوْلا أنْ نَفْعَلَ النّاسَ كُلَّهم كُفّارًا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفّارِ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ، ومَعارِجَ مِن فِضَّةٍ، وهي دَرَجٌ عَلَيْها يَصْعَدُونَ إلى الغُرَفِ وسُرُرٌ فِضَّةٌ، وزُخْرُفًا وهو: الذَّهَبُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى مِنها كافِرًا شَرْبَةَ ماءٍ» .
الزخرف 43:24
قَوْلُهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أأعْطَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ بِأنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَأْخُذُونَ بِما فِيهِ ويَحْتَجُّونَ بِهِ ويَجْعَلُونَهُ لَهم دَلِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أمْ مُعادَةً لِقَوْلِهِ أشَهِدُوا فَتَكُونُ مُتَّصِلَةً، والمَعْنى: أحَضَرُوا خَلْقَهم أمْ آتَيْناهم كِتابًا إلَخْ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في مِن قَبْلِهِ يَعُودُ إلى ادِّعائِهِمْ أيْ: أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ ادِّعائِهِمْ يَنْطِقُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا حُجَّةَ بِأيْدِيهِمْ ولا شُبْهَةَ، ولَكِنَّهُمُ اتَّبَعُوا آباءَهم في الضَّلالَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ فاعْتَرَفُوا بِأنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهم سِوى تَقْلِيدِ آبائِهِمْ، ومَعْنى عَلى أُمَّةٍ: عَلى طَرِيقَةٍ ومَذْهَبٍ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هي الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، يُقالُ: فُلانٌ لا أُمَّةَ لَهُ أيْ: لا دِينَ لَهُ ولا نِحْلَةَ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎كُنّا عَلى أُمَّةِ آبائِنا ونَقْتَدِي بِالأوَّلِ الأوَّلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وهَلْ يَسْتَوِي ذا أُمَّةٍ وكَفُورُ
وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: عَلى قِبْلَةٍ. وقالَ الأخْفَشُ: عَلى اسْتِقامَةٍ، وأنْشَدَ قَوْلَ النّابِغَةِ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ
قَرَأ الجُمْهُورُ أُمَّةٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِكَسْرِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والإمَّةُ (p-١٣٣٨)بِالكَسْرِ: النِّعْمَةُ، والإمَّةُ: أيْضًا لُغَةٌ في الأُمَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والأُمَّ ∗∗∗ ةِ وارَتْهم هُناكَ قُبُورُ
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ غَيْرَ هَؤُلاءِ مِنَ الكُفّارِ قَدْ سَبَقَهم إلى هَذِهِ المَقالَةِ وقالَ بِها فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ مُتْرَفُوها: أغْنِياؤُها ورُؤَساؤُها، قالَ قَتادَةُ: مُقْتَدُونَ مُتَّبِعُونَ، ومَعْنى الِاهْتِداءِ والِاقْتِداءِ مُتَقارِبٌ، وخَصَّصَ المُتْرَفِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّنَعُّمَ هو سَبَبُ إهْمالِ النَّظَرِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم﴾ أيْ: أتَتَّبِعُونَ آباءَكم ولَوْ جِئْتُكم بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قُلْ لَهم أتَتَّبِعُونَ ما وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم وإنْ جِئْتُكم بِأهْدى مِنهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قُلْ أوَلَوْ جِئْتُكم " وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ وهو حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ المُنْذِرِينَ وقَوْمِهِمْ أيْ: قالَ كُلُّ مُنْذِرٍ مِن أُولَئِكَ المُنْذِرِينَ لِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ: قُلْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ وقُبْحِهِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةِ في الإسْلامِ إنَّما يَعْمَلُونَ بِقَوْلِ أسْلافِهِمْ ويَتَّبِعُونَ آثارَهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَإذا رامَ الدّاعِي إلى الحَقِّ أنْ يُخْرِجَهم مِن ضَلالَةٍ أوْ يَدْفَعَهم عَنْ بِدْعَةٍ قَدْ تَمَسَّكُوا بِها ووَرِثُوها عَنْ أسْلافِهِمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ نَيِّرٍ ولا حُجَّةٍ واضِحَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ قالَ وقِيلَ: لِشُبْهَةٍ داحِضَةٍ وحُجَّةٍ زائِفَةٍ ومُقالَةٍ باطِلَةٍ، قالُوا بِما قالَهُ المُتْرَفُونَ مِن هَذِهِ المِلَلِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، أوْ بِما يُلاقِي مَعْناهُ مَعْنى ذَلِكَ، فَإنْ قالَ لَهُمُ الدّاعِي إلى الحَقِّ: قَدْ جَمَعَتْنا المِلَّةُ الإسْلامِيَّةُ وشَمِلَنا هَذا الدِّينُ المُحَمَّدِيُّ، ولَمْ يَتَعَبَّدْنا اللَّهُ ولا تَعَبَّدَكم وتَعَبَّدَ آباءَكم مِن قَبْلِكم إلّا بِكِتابِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ وبِما صَحَّ عَنْ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ المُبَيِّنُ لِكِتابِ اللَّهِ، المُوَضِّحُ لِمَعانِيهِ، الفارِقُ بَيْنَ مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، فَتَعالَوْا نَرُدُّ ما تَنازَعْنا فِيهِ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ كَما أمَرَنا اللَّهُ بِذَلِكَ في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فَإنَّ الرَّدَّ إلَيْهِما أهْدى لَنا ولَكم مِنَ الرَّدِّ إلى ما قالَهُ أسْلافُكم ودَرَجَ عَلَيْهِ آباؤُكم، نَفَرُوا نُفُورَ الوُحُوشِ، ورَمَوُا الدّاعِيَ لَهم إلى ذَلِكَ بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ، كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] ولا قَوْلَهُ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فَإنْ قالَ لَهُمُ القائِلُ: هَذا العالِمُ الَّذِي تَقْتَدُونَ بِهِ وتَتَّبِعُونَ أقْوالَهُ هو مِثْلُكم في كَوْنِهِ مُتَعَبِّدًا بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَطْلُوبًا مِنهُ ما هو مَطْلُوبٌ مِنكم، وإذا عَمِلَ بِرَأْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدانِهِ لِلدَّلِيلِ، فَذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُ لا يَحِلُّ أنْ يَتْبَعَهُ غَيْرُهُ عَلَيْها، ولا يَجُوزَ لَهُ العَمَلُ بِها، وقَدْ وجَدُوا الدَّلِيلَ الَّذِي لَمْ يَجِدْهُ، وها أنا أُوجِدْكُمُوهُ في كِتابِ اللَّهِ، أوْ فِيما صَحَّ مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ أهْدى لَكم مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا نَعْمَلُ بِهَذا ولا سَمْعَ لَكَ ولا طاعَةَ، ووَجَدُوا في صُدُورِهِمْ أعْظَمَ الحَرَجِ مِن حُكْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَمْ يُسَلِّمُوا لِذَلِكَ ولا أذْعَنُوا لَهُ، وقَدْ وهَبَ لَهُمُ الشَّيْطانُ عَصًا يَتَوَكَّئُونَ عَلَيْها عِنْدَ أنْ يَسْمَعُوا مَن يَدْعُوهم إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهي أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ إمامَنا الَّذِي قَلَّدْناهُ واقْتَدَيْنا بِهِ أعْلَمُ مِنكَ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ أذْهانَهم قَدْ تَصَوَّرَتْ مَن يَقْتَدُونَ بِهِ تَصَوُّرًا عَظِيمًا بِسَبَبِ تَقَدُّمِ العَصْرِ وكَثْرَةِ الأتْباعِ، وما عَلِمُوا أنَّ هَذا مَنقُوضٌ عَلَيْهِمْ مَدْفُوعٌ بِهِ في وُجُوهِهِمْ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهم: إنَّ في التّابِعِينَ مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا، وأقْدَمُ عَصْرًا مِن صاحِبِكم، فَإنْ كانَ لِتَقَدُّمِ العَصْرِ وجَلالَةِ القَدْرِ مَزِيَّةٌ حَتّى تُوجِبَ الِاقْتِداءَ، فَتَعالَوْا حَتّى أُرِيَكم مَن هو أقْدَمُ عَصْرًا وأجَلُّ قَدْرًا، فَإنْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فَها أنا أدُلُّكم عَلى مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا وأجَلُّ خَطَرًا وأكْثَرُ أتْباعًا وأقْدَمُ عَصْرًا، وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَبِيُّنا ونَبِيُّكم رَسُولُ اللَّهِ إلَيْنا وإلَيْكم فَتَعالَوْا فَهَذِهِ سُنَّتُهُ مَوْجُودَةٌ في دَفاتِرِ الإسْلامِ ودَواوِينِهِ الَّتِي تَلَقَّتْها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ، وهَذا كِتابُ رَبِّنا خالِقِ الكُلِّ ورازِقِ الكُلِّ ومُوجِدِ الكُلِّ بَيْنَ أظْهُرِنا، مَوْجُودٌ في كُلِّ بَيْتٍ، وبِيَدِ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يَلْحَقْهُ تَغْيِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا زِيادَةٌ ولا نَقْصٌ ولا تَحْرِيفٌ ولا تَصْحِيفٌ، ونَحْنُ وأنْتُمْ مِمَّنْ يَفْهَمُ ألْفاظَهُ ويَتَعَقَّلُ مَعانِيَهُ، فَتَعالَوْا لِنَأْخُذِ الحَقَّ مِن مَعْدِنِهِ ونَشْرَبَ صَفْوَ الماءِ مِن مَنبَعِهِ، فَهو أهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا سَمْعَ ولا طاعَةَ، إمّا بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، فَتَدَبَّرْ هَذا وتَأمَّلْهُ إنْ بَقِيَ فِيكَ بَقِيَّةٌ مِن إنْصافٍ وشُعْبَةٌ مِن خَيْرٍ ومِزْعَةٌ مِن حَياءٍ وحِصَّةٌ مِن دِينٍ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
وقَدْ أوْضَحْتُ هَذا غايَةَ الإيضاحِ في كِتابِي الَّذِي سَمَّيْتُهُ " أدَبَ الطَّلَبِ ومُنْتَهى الأرَبِ " فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ رُمْتَ أنْ تَنْجَلِيَ عَنْكَ ظُلُماتُ التَّعَصُّبِ وتَنْقَشِعَ لَكَ سَحائِبُ التَّقْلِيدِ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ الِانْتِقامُ ما أوْقَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ، فَإنَّ آثارَهم مَوْجُودَةٌ.
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ الَّذِينَ قَلَّدُوا آباءَهم وعَبَدُوا الأصْنامَ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ البَراءُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وهو يُسْتَعْمَلُ لِلْواحِدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وتَبَرَّأْتُ مِن كَذا وأنا مِنهُ بَراءٌ وخَلاءٌ، لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ: خَلَقَنِي ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُثَبِّتُنِي عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ إمّا مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي، أوْ مُتَّصِلٌ مِن عُمُومِ ما، لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ (p-١٣٣٩)والأصْنامَ، وإخْبارُهُ بِأنَّهُ سَيَهْدِيهِ جَزْمًا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقُوَّةِ يَقِينِهِ.
﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ الضَّمِيرُ في جَعَلَها عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهي بِمَعْنى التَّوْحِيدِ كَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ وهم ذُرِّيَّتُهُ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - وفاعِلُ جَعَلَها إبْراهِيمُ، وذَلِكَ حَيْثُ وصّاهم بِالتَّوْحِيدِ وأمَرَهم بِأنْ يَدِينُوا بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] الآيَةَ، وقِيلَ: الفاعِلُ هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أيْ: وجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ، والعَقِبُ: مَن بَعْدُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الكَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لا يَزالُ مِن عَقِبِهِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الإسْلامُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الكَلِمَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَعْلِ أيْ: جَعَلَها باقِيَةً رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ إلَيْها مَن يُشْرِكُ مِنهم بِدُعاءِ مَن يُوَحِّدُ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَعَلَّهم راجَعٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ أيْ: لَعَلَّ أهْلَ مَكَّةَ يَرْجِعُونَ إلى دِينِكَ الَّذِي هو دِينُ إبْراهِيمَ.
وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ وجَعَلَها إلَخْ. قالَ السُّدِّيُّ: لَعَلَّهم يَتُوبُونَ. فَيَرْجِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نِعْمَتَهُ عَلى قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِنَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَهم فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ذِكْرِ ما مَتَّعَهم بِهِ مِنَ الأنْفُسِ والأهْلِ والأمْوالِ وأنْواعِ النِّعَمِ وما مَتَّعَ بِهِ آباءَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ وأكَبُّوا عَلى الشَّهَواتِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ومَعْنى مُبِينٌ ظاهِرُ الرِّسالَةِ واضِحُها، أوْ مُبَيِّنٌ لَهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما صَنَعُوهُ عِنْدَ مَجِيءِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ، فَسَمَّوُا القُرْآنَ سِحْرًا وجَحَدُوهُ. واسْتَحْقَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ المُرادُ بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةُ والطّائِفُ، وبِالرَّجُلَيْنِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مِن مَكَّةَ، وعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ كَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مِن مَكَّةَ، وعُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ يالِيلَ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ المُرادَ رَجُلٌ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمُ الجاهِ واسِعُ المالِ مُسَوَّدٌ في قَوْمِهِ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا لَنَزَلَ عَلى رَجُلٍ عَظِيمٍ مِن عُظَماءِ القَرْيَتَيْنِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِنها، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم ما يَعِيشُونَ بِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولَمْ نُفَوِّضْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ أنْ يَتَحَكَّمَ في شَيْءٍ بَلِ الحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ، وإذا كانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم أرْزاقَهم ورَفَعَ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ فَكَيْفَ لا يَقْنَعُونَ بِقِسْمَتِهِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ وتَفْوِيضِها إلى مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ الرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا.
قَرَأ الجُمْهُورُ مَعِيشَتَهم بِالإفْرادِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " مَعايِشَهم " بِالجَمْعِ، ومَعْنى ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أنَّهُ فاضَلَ بَيْنَهم فَجَعَلَ بَعْضَهم أفْضَلَ مِن بَعْضٍ في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ والرِّياسَةِ والقُوَّةِ والحُرِّيَّةِ والعَقْلِ والعِلْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ لِرَفْعِ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، فَقالَ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أيْ: لِيَسْتَخْدِمَ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَسْتَخْدِمُ الغَنِيُّ الفَقِيرَ، والرَّئِيسُ المَرْءُوسَ، والقَوِيُّ الضَّعِيفَ، والحُرُّ العَبْدَ، والعاقِلُ مَن هو دُونَهُ مِنَ العَقْلِ، والعالِمُ الجاهِلَ، وهَذا في غالِبِ أحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا، وبِهِ تَتِمُّ مَصالِحُهم، ويَنْتَظِمُ مَعاشُهم ويَصِلُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم إلى مَطْلُوبِهِ، فَإنَّ كُلَّ صِناعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ يُحْسِنُها قَوْمٌ دُونَ آخَرِينَ، فَجُعِلَ البَعْضُ مُحْتاجًا إلى البَعْضِ لِتَحْصُلَ المُواساةُ بَيْنَهم في مَتاعِ الدُّنْيا، ويَحْتاجُ هَذا إلى هَذا، ويَصْنَعُ هَذا هَذا، ويُعْطِي هَذا لِهَذا.
قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: سَخَّرْنا خَوَّلْنا وخَدَمًا يُسَخِّرُ الأغْنِياءُ الفُقَراءَ فَيَكُونُ بَعْضُهم سَبَبًا لِمَعاشِ بَعْضٍ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ: لِيَمْلِكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: هو السُّخْرِيَةُ الَّتِي بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ، وهَذا وإنْ كانَ مُطابِقًا لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ولَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِن مَعْنى القُرْآنِ ومُنافٍ لِما هو مَقْصُودُ السِّياقِ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ يَعْنِي بِالرَّحْمَةِ ما أعَدَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ في الدّارِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: هي النُّبُوَّةُ لِأنَّها المُرادُ بِالرَّحْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ كُلُّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّحْمَةِ إمّا شُمُولًا أوْ بَدَلًا، ومَعْنى مِمّا يَجْمَعُونَ: ما يَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ وسائِرِ مَتاعِ الدُّنْيا.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حَقارَةَ الدُّنْيا عِنْدَهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: لَوْلا أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكُفْرِ مَيْلًا إلى الدُّنْيا وزُخْرُفِها ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ جَمَعَ الضَّمِيرَ في بُيُوتِهِمْ وأفْرَدَهُ في يَكْفُرُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن ولَفْظِها، ولِبُيُوتِهِمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْصُولِ، والسُّقُفُ جَمْعُ سَقْفٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ السِّينِ والقافِ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولا ثالِثَ لَهُما. وقالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ سَقِيفٍ نَحْوُ كَثِيبٍ وكُثُبٍ ورَغِيفٍ ورُغُفٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ سُقُوفٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ القافِ عَلى الإفْرادِ ومَعْناهُ الجَمْعُ لِكَوْنِهِ لِلْجِنْسِ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ: لَوْلا أنْ يَكْفُرَ النّاسُ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إلى الدُّنْيا وتَرْكِهِمُ الآخِرَةَ لَأعْطَيْناهم في الدُّنْيا ما وصَفْناهُ لِهَوانِ الدُّنْيا عِنْدَ اللَّهِ وقالَ بِهَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً في طَلَبِ الدُّنْيا واخْتِيارِهِمْ لَها عَلى الآخِرَةِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى لَوْلا أنْ يَكُونَ في الكُفّارِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، وفي المُسْلِمِينَ مِثْلُ ذَلِكَ لَأعْطَيْنا الكُفّارَ مِنَ الدُّنْيا هَذا لِهَوانِها ﴿ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (p-١٣٤٠)المَعارِجُ: الدَّرَجُ جَمْعُ مِعْراجٍ، والمِعْراجُ السُّلَّمُ.
قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواحِدَةَ مِعْرَجًا ومَعْرَجًا مِثْلَ مِرْقاةٍ ومَرْقاةٍ، والمَعْنى: فَجَعَلْنا لَهم مَعارِجَ مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ: عَلى المَعارِجِ يَرْتَقُونَ ويَصْعَدُونَ، يُقالُ: ظَهَرْتُ عَلى البَيْتِ أيْ: عَلَوْتُ سَطْحَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدًا وفَخْرًا وسُودُدا ∗∗∗ وإنّا لَنَرْجُوا فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا
أيْ: مَصْعَدًا.
﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ﴿عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ أيْ: عَلى السُّرُرِ وهو جَمْعُ سَرِيرٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أسِرَّةٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ، والِاتِّكاءُ والتَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨] واتَّكَأ عَلى الشَّيْءِ، فَهو مُتَّكِئٌ، والمَوْضِعُ مُتَّكَأٌ، والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. وقِيلَ: الزِّينَةُ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ ذَهَبًا أوْ غَيْرَهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو ما يَتَّخِذُهُ النّاسُ في مَنازِلِهِمْ مِنَ الأمْتِعَةِ والأثاثِ. وقالَ الحَسَنُ: النُّقُوشُ وأصْلُهُ الزِّينَةُ، يُقالُ: زَخْرَفْتُ الدّارَ أيْ: زَيَّنْتُها.
وانْتِصابُ زُخْرُفًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: وجَعَلْنا لَهم مَعَ ذَلِكَ زُخْرُفًا، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: أبْوابًا وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ، فَلَمّا حُذِفَ الخافِضُ انْتَصَبَ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إنَّما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لَما بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هي النّافِيَةُ ولَمّا بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كَلُّ ذَلِكَ إلّا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِكَسْرِ اللّامِ مِن " لَمّا " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعِلَّةِ وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ: أيْ: لِلَّذِي هو مَتاعٌ ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: لِمَنِ اتَّقى الشِّرْكَ والمَعاصِيَ وآمَنَ بِاللَّهِ وحْدَهُ وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، فَإنَّها الباقِيَةُ الَّتِي لا تَفْنى، ونَعِيمُها الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ قالَ: عَلى دِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في عَقِبِهِ قالَ: عَقِبُ إبْراهِيمَ ولَدُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ما القَرْيَتانِ ؟ قالَ: الطّائِفُ ومَكَّةُ، قِيلَ: فَمَنِ الرَّجُلانِ ؟ قالَ: عُمَيْرُ بْنُ مَسْعُودٍ، وخِيارُ قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَعْنِي بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ والطّائِفَ، والعَظِيمُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ القُرَشِيُّ وحَبِيبُ بْنُ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنُونَ أشْرَفَ مِن مُحَمَّدٍ لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ مِن أهْلِ الطّائِفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآيَةَ يَقُولُ: لَوْلا أنْ نَفْعَلَ النّاسَ كُلَّهم كُفّارًا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفّارِ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ، ومَعارِجَ مِن فِضَّةٍ، وهي دَرَجٌ عَلَيْها يَصْعَدُونَ إلى الغُرَفِ وسُرُرٌ فِضَّةٌ، وزُخْرُفًا وهو: الذَّهَبُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى مِنها كافِرًا شَرْبَةَ ماءٍ» .
الزخرف 43:25
قَوْلُهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أأعْطَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ بِأنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَأْخُذُونَ بِما فِيهِ ويَحْتَجُّونَ بِهِ ويَجْعَلُونَهُ لَهم دَلِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أمْ مُعادَةً لِقَوْلِهِ أشَهِدُوا فَتَكُونُ مُتَّصِلَةً، والمَعْنى: أحَضَرُوا خَلْقَهم أمْ آتَيْناهم كِتابًا إلَخْ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في مِن قَبْلِهِ يَعُودُ إلى ادِّعائِهِمْ أيْ: أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ ادِّعائِهِمْ يَنْطِقُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا حُجَّةَ بِأيْدِيهِمْ ولا شُبْهَةَ، ولَكِنَّهُمُ اتَّبَعُوا آباءَهم في الضَّلالَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ فاعْتَرَفُوا بِأنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهم سِوى تَقْلِيدِ آبائِهِمْ، ومَعْنى عَلى أُمَّةٍ: عَلى طَرِيقَةٍ ومَذْهَبٍ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هي الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، يُقالُ: فُلانٌ لا أُمَّةَ لَهُ أيْ: لا دِينَ لَهُ ولا نِحْلَةَ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎كُنّا عَلى أُمَّةِ آبائِنا ونَقْتَدِي بِالأوَّلِ الأوَّلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وهَلْ يَسْتَوِي ذا أُمَّةٍ وكَفُورُ
وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: عَلى قِبْلَةٍ. وقالَ الأخْفَشُ: عَلى اسْتِقامَةٍ، وأنْشَدَ قَوْلَ النّابِغَةِ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ
قَرَأ الجُمْهُورُ أُمَّةٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِكَسْرِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والإمَّةُ (p-١٣٣٨)بِالكَسْرِ: النِّعْمَةُ، والإمَّةُ: أيْضًا لُغَةٌ في الأُمَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والأُمَّ ∗∗∗ ةِ وارَتْهم هُناكَ قُبُورُ
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ غَيْرَ هَؤُلاءِ مِنَ الكُفّارِ قَدْ سَبَقَهم إلى هَذِهِ المَقالَةِ وقالَ بِها فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ مُتْرَفُوها: أغْنِياؤُها ورُؤَساؤُها، قالَ قَتادَةُ: مُقْتَدُونَ مُتَّبِعُونَ، ومَعْنى الِاهْتِداءِ والِاقْتِداءِ مُتَقارِبٌ، وخَصَّصَ المُتْرَفِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّنَعُّمَ هو سَبَبُ إهْمالِ النَّظَرِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم﴾ أيْ: أتَتَّبِعُونَ آباءَكم ولَوْ جِئْتُكم بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قُلْ لَهم أتَتَّبِعُونَ ما وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم وإنْ جِئْتُكم بِأهْدى مِنهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قُلْ أوَلَوْ جِئْتُكم " وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ وهو حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ المُنْذِرِينَ وقَوْمِهِمْ أيْ: قالَ كُلُّ مُنْذِرٍ مِن أُولَئِكَ المُنْذِرِينَ لِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ: قُلْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ وقُبْحِهِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةِ في الإسْلامِ إنَّما يَعْمَلُونَ بِقَوْلِ أسْلافِهِمْ ويَتَّبِعُونَ آثارَهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَإذا رامَ الدّاعِي إلى الحَقِّ أنْ يُخْرِجَهم مِن ضَلالَةٍ أوْ يَدْفَعَهم عَنْ بِدْعَةٍ قَدْ تَمَسَّكُوا بِها ووَرِثُوها عَنْ أسْلافِهِمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ نَيِّرٍ ولا حُجَّةٍ واضِحَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ قالَ وقِيلَ: لِشُبْهَةٍ داحِضَةٍ وحُجَّةٍ زائِفَةٍ ومُقالَةٍ باطِلَةٍ، قالُوا بِما قالَهُ المُتْرَفُونَ مِن هَذِهِ المِلَلِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، أوْ بِما يُلاقِي مَعْناهُ مَعْنى ذَلِكَ، فَإنْ قالَ لَهُمُ الدّاعِي إلى الحَقِّ: قَدْ جَمَعَتْنا المِلَّةُ الإسْلامِيَّةُ وشَمِلَنا هَذا الدِّينُ المُحَمَّدِيُّ، ولَمْ يَتَعَبَّدْنا اللَّهُ ولا تَعَبَّدَكم وتَعَبَّدَ آباءَكم مِن قَبْلِكم إلّا بِكِتابِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ وبِما صَحَّ عَنْ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ المُبَيِّنُ لِكِتابِ اللَّهِ، المُوَضِّحُ لِمَعانِيهِ، الفارِقُ بَيْنَ مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، فَتَعالَوْا نَرُدُّ ما تَنازَعْنا فِيهِ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ كَما أمَرَنا اللَّهُ بِذَلِكَ في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فَإنَّ الرَّدَّ إلَيْهِما أهْدى لَنا ولَكم مِنَ الرَّدِّ إلى ما قالَهُ أسْلافُكم ودَرَجَ عَلَيْهِ آباؤُكم، نَفَرُوا نُفُورَ الوُحُوشِ، ورَمَوُا الدّاعِيَ لَهم إلى ذَلِكَ بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ، كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] ولا قَوْلَهُ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فَإنْ قالَ لَهُمُ القائِلُ: هَذا العالِمُ الَّذِي تَقْتَدُونَ بِهِ وتَتَّبِعُونَ أقْوالَهُ هو مِثْلُكم في كَوْنِهِ مُتَعَبِّدًا بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَطْلُوبًا مِنهُ ما هو مَطْلُوبٌ مِنكم، وإذا عَمِلَ بِرَأْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدانِهِ لِلدَّلِيلِ، فَذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُ لا يَحِلُّ أنْ يَتْبَعَهُ غَيْرُهُ عَلَيْها، ولا يَجُوزَ لَهُ العَمَلُ بِها، وقَدْ وجَدُوا الدَّلِيلَ الَّذِي لَمْ يَجِدْهُ، وها أنا أُوجِدْكُمُوهُ في كِتابِ اللَّهِ، أوْ فِيما صَحَّ مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ أهْدى لَكم مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا نَعْمَلُ بِهَذا ولا سَمْعَ لَكَ ولا طاعَةَ، ووَجَدُوا في صُدُورِهِمْ أعْظَمَ الحَرَجِ مِن حُكْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَمْ يُسَلِّمُوا لِذَلِكَ ولا أذْعَنُوا لَهُ، وقَدْ وهَبَ لَهُمُ الشَّيْطانُ عَصًا يَتَوَكَّئُونَ عَلَيْها عِنْدَ أنْ يَسْمَعُوا مَن يَدْعُوهم إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهي أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ إمامَنا الَّذِي قَلَّدْناهُ واقْتَدَيْنا بِهِ أعْلَمُ مِنكَ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ أذْهانَهم قَدْ تَصَوَّرَتْ مَن يَقْتَدُونَ بِهِ تَصَوُّرًا عَظِيمًا بِسَبَبِ تَقَدُّمِ العَصْرِ وكَثْرَةِ الأتْباعِ، وما عَلِمُوا أنَّ هَذا مَنقُوضٌ عَلَيْهِمْ مَدْفُوعٌ بِهِ في وُجُوهِهِمْ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهم: إنَّ في التّابِعِينَ مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا، وأقْدَمُ عَصْرًا مِن صاحِبِكم، فَإنْ كانَ لِتَقَدُّمِ العَصْرِ وجَلالَةِ القَدْرِ مَزِيَّةٌ حَتّى تُوجِبَ الِاقْتِداءَ، فَتَعالَوْا حَتّى أُرِيَكم مَن هو أقْدَمُ عَصْرًا وأجَلُّ قَدْرًا، فَإنْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فَها أنا أدُلُّكم عَلى مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا وأجَلُّ خَطَرًا وأكْثَرُ أتْباعًا وأقْدَمُ عَصْرًا، وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَبِيُّنا ونَبِيُّكم رَسُولُ اللَّهِ إلَيْنا وإلَيْكم فَتَعالَوْا فَهَذِهِ سُنَّتُهُ مَوْجُودَةٌ في دَفاتِرِ الإسْلامِ ودَواوِينِهِ الَّتِي تَلَقَّتْها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ، وهَذا كِتابُ رَبِّنا خالِقِ الكُلِّ ورازِقِ الكُلِّ ومُوجِدِ الكُلِّ بَيْنَ أظْهُرِنا، مَوْجُودٌ في كُلِّ بَيْتٍ، وبِيَدِ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يَلْحَقْهُ تَغْيِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا زِيادَةٌ ولا نَقْصٌ ولا تَحْرِيفٌ ولا تَصْحِيفٌ، ونَحْنُ وأنْتُمْ مِمَّنْ يَفْهَمُ ألْفاظَهُ ويَتَعَقَّلُ مَعانِيَهُ، فَتَعالَوْا لِنَأْخُذِ الحَقَّ مِن مَعْدِنِهِ ونَشْرَبَ صَفْوَ الماءِ مِن مَنبَعِهِ، فَهو أهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا سَمْعَ ولا طاعَةَ، إمّا بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، فَتَدَبَّرْ هَذا وتَأمَّلْهُ إنْ بَقِيَ فِيكَ بَقِيَّةٌ مِن إنْصافٍ وشُعْبَةٌ مِن خَيْرٍ ومِزْعَةٌ مِن حَياءٍ وحِصَّةٌ مِن دِينٍ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
وقَدْ أوْضَحْتُ هَذا غايَةَ الإيضاحِ في كِتابِي الَّذِي سَمَّيْتُهُ " أدَبَ الطَّلَبِ ومُنْتَهى الأرَبِ " فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ رُمْتَ أنْ تَنْجَلِيَ عَنْكَ ظُلُماتُ التَّعَصُّبِ وتَنْقَشِعَ لَكَ سَحائِبُ التَّقْلِيدِ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ الِانْتِقامُ ما أوْقَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ، فَإنَّ آثارَهم مَوْجُودَةٌ.
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ الَّذِينَ قَلَّدُوا آباءَهم وعَبَدُوا الأصْنامَ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ البَراءُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وهو يُسْتَعْمَلُ لِلْواحِدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وتَبَرَّأْتُ مِن كَذا وأنا مِنهُ بَراءٌ وخَلاءٌ، لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ: خَلَقَنِي ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُثَبِّتُنِي عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ إمّا مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي، أوْ مُتَّصِلٌ مِن عُمُومِ ما، لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ (p-١٣٣٩)والأصْنامَ، وإخْبارُهُ بِأنَّهُ سَيَهْدِيهِ جَزْمًا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقُوَّةِ يَقِينِهِ.
﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ الضَّمِيرُ في جَعَلَها عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهي بِمَعْنى التَّوْحِيدِ كَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ وهم ذُرِّيَّتُهُ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - وفاعِلُ جَعَلَها إبْراهِيمُ، وذَلِكَ حَيْثُ وصّاهم بِالتَّوْحِيدِ وأمَرَهم بِأنْ يَدِينُوا بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] الآيَةَ، وقِيلَ: الفاعِلُ هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أيْ: وجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ، والعَقِبُ: مَن بَعْدُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الكَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لا يَزالُ مِن عَقِبِهِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الإسْلامُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الكَلِمَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَعْلِ أيْ: جَعَلَها باقِيَةً رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ إلَيْها مَن يُشْرِكُ مِنهم بِدُعاءِ مَن يُوَحِّدُ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَعَلَّهم راجَعٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ أيْ: لَعَلَّ أهْلَ مَكَّةَ يَرْجِعُونَ إلى دِينِكَ الَّذِي هو دِينُ إبْراهِيمَ.
وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ وجَعَلَها إلَخْ. قالَ السُّدِّيُّ: لَعَلَّهم يَتُوبُونَ. فَيَرْجِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نِعْمَتَهُ عَلى قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِنَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَهم فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ذِكْرِ ما مَتَّعَهم بِهِ مِنَ الأنْفُسِ والأهْلِ والأمْوالِ وأنْواعِ النِّعَمِ وما مَتَّعَ بِهِ آباءَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ وأكَبُّوا عَلى الشَّهَواتِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ومَعْنى مُبِينٌ ظاهِرُ الرِّسالَةِ واضِحُها، أوْ مُبَيِّنٌ لَهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما صَنَعُوهُ عِنْدَ مَجِيءِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ، فَسَمَّوُا القُرْآنَ سِحْرًا وجَحَدُوهُ. واسْتَحْقَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ المُرادُ بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةُ والطّائِفُ، وبِالرَّجُلَيْنِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مِن مَكَّةَ، وعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ كَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مِن مَكَّةَ، وعُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ يالِيلَ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ المُرادَ رَجُلٌ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمُ الجاهِ واسِعُ المالِ مُسَوَّدٌ في قَوْمِهِ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا لَنَزَلَ عَلى رَجُلٍ عَظِيمٍ مِن عُظَماءِ القَرْيَتَيْنِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِنها، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم ما يَعِيشُونَ بِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولَمْ نُفَوِّضْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ أنْ يَتَحَكَّمَ في شَيْءٍ بَلِ الحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ، وإذا كانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم أرْزاقَهم ورَفَعَ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ فَكَيْفَ لا يَقْنَعُونَ بِقِسْمَتِهِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ وتَفْوِيضِها إلى مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ الرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا.
قَرَأ الجُمْهُورُ مَعِيشَتَهم بِالإفْرادِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " مَعايِشَهم " بِالجَمْعِ، ومَعْنى ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أنَّهُ فاضَلَ بَيْنَهم فَجَعَلَ بَعْضَهم أفْضَلَ مِن بَعْضٍ في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ والرِّياسَةِ والقُوَّةِ والحُرِّيَّةِ والعَقْلِ والعِلْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ لِرَفْعِ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، فَقالَ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أيْ: لِيَسْتَخْدِمَ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَسْتَخْدِمُ الغَنِيُّ الفَقِيرَ، والرَّئِيسُ المَرْءُوسَ، والقَوِيُّ الضَّعِيفَ، والحُرُّ العَبْدَ، والعاقِلُ مَن هو دُونَهُ مِنَ العَقْلِ، والعالِمُ الجاهِلَ، وهَذا في غالِبِ أحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا، وبِهِ تَتِمُّ مَصالِحُهم، ويَنْتَظِمُ مَعاشُهم ويَصِلُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم إلى مَطْلُوبِهِ، فَإنَّ كُلَّ صِناعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ يُحْسِنُها قَوْمٌ دُونَ آخَرِينَ، فَجُعِلَ البَعْضُ مُحْتاجًا إلى البَعْضِ لِتَحْصُلَ المُواساةُ بَيْنَهم في مَتاعِ الدُّنْيا، ويَحْتاجُ هَذا إلى هَذا، ويَصْنَعُ هَذا هَذا، ويُعْطِي هَذا لِهَذا.
قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: سَخَّرْنا خَوَّلْنا وخَدَمًا يُسَخِّرُ الأغْنِياءُ الفُقَراءَ فَيَكُونُ بَعْضُهم سَبَبًا لِمَعاشِ بَعْضٍ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ: لِيَمْلِكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: هو السُّخْرِيَةُ الَّتِي بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ، وهَذا وإنْ كانَ مُطابِقًا لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ولَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِن مَعْنى القُرْآنِ ومُنافٍ لِما هو مَقْصُودُ السِّياقِ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ يَعْنِي بِالرَّحْمَةِ ما أعَدَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ في الدّارِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: هي النُّبُوَّةُ لِأنَّها المُرادُ بِالرَّحْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ كُلُّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّحْمَةِ إمّا شُمُولًا أوْ بَدَلًا، ومَعْنى مِمّا يَجْمَعُونَ: ما يَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ وسائِرِ مَتاعِ الدُّنْيا.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حَقارَةَ الدُّنْيا عِنْدَهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: لَوْلا أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكُفْرِ مَيْلًا إلى الدُّنْيا وزُخْرُفِها ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ جَمَعَ الضَّمِيرَ في بُيُوتِهِمْ وأفْرَدَهُ في يَكْفُرُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن ولَفْظِها، ولِبُيُوتِهِمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْصُولِ، والسُّقُفُ جَمْعُ سَقْفٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ السِّينِ والقافِ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولا ثالِثَ لَهُما. وقالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ سَقِيفٍ نَحْوُ كَثِيبٍ وكُثُبٍ ورَغِيفٍ ورُغُفٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ سُقُوفٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ القافِ عَلى الإفْرادِ ومَعْناهُ الجَمْعُ لِكَوْنِهِ لِلْجِنْسِ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ: لَوْلا أنْ يَكْفُرَ النّاسُ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إلى الدُّنْيا وتَرْكِهِمُ الآخِرَةَ لَأعْطَيْناهم في الدُّنْيا ما وصَفْناهُ لِهَوانِ الدُّنْيا عِنْدَ اللَّهِ وقالَ بِهَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً في طَلَبِ الدُّنْيا واخْتِيارِهِمْ لَها عَلى الآخِرَةِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى لَوْلا أنْ يَكُونَ في الكُفّارِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، وفي المُسْلِمِينَ مِثْلُ ذَلِكَ لَأعْطَيْنا الكُفّارَ مِنَ الدُّنْيا هَذا لِهَوانِها ﴿ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (p-١٣٤٠)المَعارِجُ: الدَّرَجُ جَمْعُ مِعْراجٍ، والمِعْراجُ السُّلَّمُ.
قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواحِدَةَ مِعْرَجًا ومَعْرَجًا مِثْلَ مِرْقاةٍ ومَرْقاةٍ، والمَعْنى: فَجَعَلْنا لَهم مَعارِجَ مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ: عَلى المَعارِجِ يَرْتَقُونَ ويَصْعَدُونَ، يُقالُ: ظَهَرْتُ عَلى البَيْتِ أيْ: عَلَوْتُ سَطْحَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدًا وفَخْرًا وسُودُدا ∗∗∗ وإنّا لَنَرْجُوا فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا
أيْ: مَصْعَدًا.
﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ﴿عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ أيْ: عَلى السُّرُرِ وهو جَمْعُ سَرِيرٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أسِرَّةٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ، والِاتِّكاءُ والتَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨] واتَّكَأ عَلى الشَّيْءِ، فَهو مُتَّكِئٌ، والمَوْضِعُ مُتَّكَأٌ، والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. وقِيلَ: الزِّينَةُ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ ذَهَبًا أوْ غَيْرَهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو ما يَتَّخِذُهُ النّاسُ في مَنازِلِهِمْ مِنَ الأمْتِعَةِ والأثاثِ. وقالَ الحَسَنُ: النُّقُوشُ وأصْلُهُ الزِّينَةُ، يُقالُ: زَخْرَفْتُ الدّارَ أيْ: زَيَّنْتُها.
وانْتِصابُ زُخْرُفًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: وجَعَلْنا لَهم مَعَ ذَلِكَ زُخْرُفًا، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: أبْوابًا وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ، فَلَمّا حُذِفَ الخافِضُ انْتَصَبَ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إنَّما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لَما بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هي النّافِيَةُ ولَمّا بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كَلُّ ذَلِكَ إلّا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِكَسْرِ اللّامِ مِن " لَمّا " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعِلَّةِ وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ: أيْ: لِلَّذِي هو مَتاعٌ ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: لِمَنِ اتَّقى الشِّرْكَ والمَعاصِيَ وآمَنَ بِاللَّهِ وحْدَهُ وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، فَإنَّها الباقِيَةُ الَّتِي لا تَفْنى، ونَعِيمُها الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ قالَ: عَلى دِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في عَقِبِهِ قالَ: عَقِبُ إبْراهِيمَ ولَدُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ما القَرْيَتانِ ؟ قالَ: الطّائِفُ ومَكَّةُ، قِيلَ: فَمَنِ الرَّجُلانِ ؟ قالَ: عُمَيْرُ بْنُ مَسْعُودٍ، وخِيارُ قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَعْنِي بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ والطّائِفَ، والعَظِيمُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ القُرَشِيُّ وحَبِيبُ بْنُ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنُونَ أشْرَفَ مِن مُحَمَّدٍ لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ مِن أهْلِ الطّائِفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآيَةَ يَقُولُ: لَوْلا أنْ نَفْعَلَ النّاسَ كُلَّهم كُفّارًا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفّارِ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ، ومَعارِجَ مِن فِضَّةٍ، وهي دَرَجٌ عَلَيْها يَصْعَدُونَ إلى الغُرَفِ وسُرُرٌ فِضَّةٌ، وزُخْرُفًا وهو: الذَّهَبُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى مِنها كافِرًا شَرْبَةَ ماءٍ» .
الزخرف 43:26
قَوْلُهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أأعْطَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ بِأنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَأْخُذُونَ بِما فِيهِ ويَحْتَجُّونَ بِهِ ويَجْعَلُونَهُ لَهم دَلِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أمْ مُعادَةً لِقَوْلِهِ أشَهِدُوا فَتَكُونُ مُتَّصِلَةً، والمَعْنى: أحَضَرُوا خَلْقَهم أمْ آتَيْناهم كِتابًا إلَخْ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في مِن قَبْلِهِ يَعُودُ إلى ادِّعائِهِمْ أيْ: أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ ادِّعائِهِمْ يَنْطِقُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا حُجَّةَ بِأيْدِيهِمْ ولا شُبْهَةَ، ولَكِنَّهُمُ اتَّبَعُوا آباءَهم في الضَّلالَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ فاعْتَرَفُوا بِأنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهم سِوى تَقْلِيدِ آبائِهِمْ، ومَعْنى عَلى أُمَّةٍ: عَلى طَرِيقَةٍ ومَذْهَبٍ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هي الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، يُقالُ: فُلانٌ لا أُمَّةَ لَهُ أيْ: لا دِينَ لَهُ ولا نِحْلَةَ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎كُنّا عَلى أُمَّةِ آبائِنا ونَقْتَدِي بِالأوَّلِ الأوَّلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وهَلْ يَسْتَوِي ذا أُمَّةٍ وكَفُورُ
وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: عَلى قِبْلَةٍ. وقالَ الأخْفَشُ: عَلى اسْتِقامَةٍ، وأنْشَدَ قَوْلَ النّابِغَةِ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ
قَرَأ الجُمْهُورُ أُمَّةٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِكَسْرِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والإمَّةُ (p-١٣٣٨)بِالكَسْرِ: النِّعْمَةُ، والإمَّةُ: أيْضًا لُغَةٌ في الأُمَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والأُمَّ ∗∗∗ ةِ وارَتْهم هُناكَ قُبُورُ
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ غَيْرَ هَؤُلاءِ مِنَ الكُفّارِ قَدْ سَبَقَهم إلى هَذِهِ المَقالَةِ وقالَ بِها فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ مُتْرَفُوها: أغْنِياؤُها ورُؤَساؤُها، قالَ قَتادَةُ: مُقْتَدُونَ مُتَّبِعُونَ، ومَعْنى الِاهْتِداءِ والِاقْتِداءِ مُتَقارِبٌ، وخَصَّصَ المُتْرَفِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّنَعُّمَ هو سَبَبُ إهْمالِ النَّظَرِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم﴾ أيْ: أتَتَّبِعُونَ آباءَكم ولَوْ جِئْتُكم بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قُلْ لَهم أتَتَّبِعُونَ ما وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم وإنْ جِئْتُكم بِأهْدى مِنهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قُلْ أوَلَوْ جِئْتُكم " وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ وهو حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ المُنْذِرِينَ وقَوْمِهِمْ أيْ: قالَ كُلُّ مُنْذِرٍ مِن أُولَئِكَ المُنْذِرِينَ لِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ: قُلْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ وقُبْحِهِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةِ في الإسْلامِ إنَّما يَعْمَلُونَ بِقَوْلِ أسْلافِهِمْ ويَتَّبِعُونَ آثارَهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَإذا رامَ الدّاعِي إلى الحَقِّ أنْ يُخْرِجَهم مِن ضَلالَةٍ أوْ يَدْفَعَهم عَنْ بِدْعَةٍ قَدْ تَمَسَّكُوا بِها ووَرِثُوها عَنْ أسْلافِهِمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ نَيِّرٍ ولا حُجَّةٍ واضِحَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ قالَ وقِيلَ: لِشُبْهَةٍ داحِضَةٍ وحُجَّةٍ زائِفَةٍ ومُقالَةٍ باطِلَةٍ، قالُوا بِما قالَهُ المُتْرَفُونَ مِن هَذِهِ المِلَلِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، أوْ بِما يُلاقِي مَعْناهُ مَعْنى ذَلِكَ، فَإنْ قالَ لَهُمُ الدّاعِي إلى الحَقِّ: قَدْ جَمَعَتْنا المِلَّةُ الإسْلامِيَّةُ وشَمِلَنا هَذا الدِّينُ المُحَمَّدِيُّ، ولَمْ يَتَعَبَّدْنا اللَّهُ ولا تَعَبَّدَكم وتَعَبَّدَ آباءَكم مِن قَبْلِكم إلّا بِكِتابِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ وبِما صَحَّ عَنْ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ المُبَيِّنُ لِكِتابِ اللَّهِ، المُوَضِّحُ لِمَعانِيهِ، الفارِقُ بَيْنَ مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، فَتَعالَوْا نَرُدُّ ما تَنازَعْنا فِيهِ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ كَما أمَرَنا اللَّهُ بِذَلِكَ في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فَإنَّ الرَّدَّ إلَيْهِما أهْدى لَنا ولَكم مِنَ الرَّدِّ إلى ما قالَهُ أسْلافُكم ودَرَجَ عَلَيْهِ آباؤُكم، نَفَرُوا نُفُورَ الوُحُوشِ، ورَمَوُا الدّاعِيَ لَهم إلى ذَلِكَ بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ، كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] ولا قَوْلَهُ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فَإنْ قالَ لَهُمُ القائِلُ: هَذا العالِمُ الَّذِي تَقْتَدُونَ بِهِ وتَتَّبِعُونَ أقْوالَهُ هو مِثْلُكم في كَوْنِهِ مُتَعَبِّدًا بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَطْلُوبًا مِنهُ ما هو مَطْلُوبٌ مِنكم، وإذا عَمِلَ بِرَأْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدانِهِ لِلدَّلِيلِ، فَذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُ لا يَحِلُّ أنْ يَتْبَعَهُ غَيْرُهُ عَلَيْها، ولا يَجُوزَ لَهُ العَمَلُ بِها، وقَدْ وجَدُوا الدَّلِيلَ الَّذِي لَمْ يَجِدْهُ، وها أنا أُوجِدْكُمُوهُ في كِتابِ اللَّهِ، أوْ فِيما صَحَّ مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ أهْدى لَكم مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا نَعْمَلُ بِهَذا ولا سَمْعَ لَكَ ولا طاعَةَ، ووَجَدُوا في صُدُورِهِمْ أعْظَمَ الحَرَجِ مِن حُكْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَمْ يُسَلِّمُوا لِذَلِكَ ولا أذْعَنُوا لَهُ، وقَدْ وهَبَ لَهُمُ الشَّيْطانُ عَصًا يَتَوَكَّئُونَ عَلَيْها عِنْدَ أنْ يَسْمَعُوا مَن يَدْعُوهم إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهي أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ إمامَنا الَّذِي قَلَّدْناهُ واقْتَدَيْنا بِهِ أعْلَمُ مِنكَ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ أذْهانَهم قَدْ تَصَوَّرَتْ مَن يَقْتَدُونَ بِهِ تَصَوُّرًا عَظِيمًا بِسَبَبِ تَقَدُّمِ العَصْرِ وكَثْرَةِ الأتْباعِ، وما عَلِمُوا أنَّ هَذا مَنقُوضٌ عَلَيْهِمْ مَدْفُوعٌ بِهِ في وُجُوهِهِمْ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهم: إنَّ في التّابِعِينَ مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا، وأقْدَمُ عَصْرًا مِن صاحِبِكم، فَإنْ كانَ لِتَقَدُّمِ العَصْرِ وجَلالَةِ القَدْرِ مَزِيَّةٌ حَتّى تُوجِبَ الِاقْتِداءَ، فَتَعالَوْا حَتّى أُرِيَكم مَن هو أقْدَمُ عَصْرًا وأجَلُّ قَدْرًا، فَإنْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فَها أنا أدُلُّكم عَلى مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا وأجَلُّ خَطَرًا وأكْثَرُ أتْباعًا وأقْدَمُ عَصْرًا، وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَبِيُّنا ونَبِيُّكم رَسُولُ اللَّهِ إلَيْنا وإلَيْكم فَتَعالَوْا فَهَذِهِ سُنَّتُهُ مَوْجُودَةٌ في دَفاتِرِ الإسْلامِ ودَواوِينِهِ الَّتِي تَلَقَّتْها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ، وهَذا كِتابُ رَبِّنا خالِقِ الكُلِّ ورازِقِ الكُلِّ ومُوجِدِ الكُلِّ بَيْنَ أظْهُرِنا، مَوْجُودٌ في كُلِّ بَيْتٍ، وبِيَدِ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يَلْحَقْهُ تَغْيِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا زِيادَةٌ ولا نَقْصٌ ولا تَحْرِيفٌ ولا تَصْحِيفٌ، ونَحْنُ وأنْتُمْ مِمَّنْ يَفْهَمُ ألْفاظَهُ ويَتَعَقَّلُ مَعانِيَهُ، فَتَعالَوْا لِنَأْخُذِ الحَقَّ مِن مَعْدِنِهِ ونَشْرَبَ صَفْوَ الماءِ مِن مَنبَعِهِ، فَهو أهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا سَمْعَ ولا طاعَةَ، إمّا بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، فَتَدَبَّرْ هَذا وتَأمَّلْهُ إنْ بَقِيَ فِيكَ بَقِيَّةٌ مِن إنْصافٍ وشُعْبَةٌ مِن خَيْرٍ ومِزْعَةٌ مِن حَياءٍ وحِصَّةٌ مِن دِينٍ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
وقَدْ أوْضَحْتُ هَذا غايَةَ الإيضاحِ في كِتابِي الَّذِي سَمَّيْتُهُ " أدَبَ الطَّلَبِ ومُنْتَهى الأرَبِ " فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ رُمْتَ أنْ تَنْجَلِيَ عَنْكَ ظُلُماتُ التَّعَصُّبِ وتَنْقَشِعَ لَكَ سَحائِبُ التَّقْلِيدِ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ الِانْتِقامُ ما أوْقَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ، فَإنَّ آثارَهم مَوْجُودَةٌ.
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ الَّذِينَ قَلَّدُوا آباءَهم وعَبَدُوا الأصْنامَ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ البَراءُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وهو يُسْتَعْمَلُ لِلْواحِدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وتَبَرَّأْتُ مِن كَذا وأنا مِنهُ بَراءٌ وخَلاءٌ، لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ: خَلَقَنِي ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُثَبِّتُنِي عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ إمّا مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي، أوْ مُتَّصِلٌ مِن عُمُومِ ما، لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ (p-١٣٣٩)والأصْنامَ، وإخْبارُهُ بِأنَّهُ سَيَهْدِيهِ جَزْمًا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقُوَّةِ يَقِينِهِ.
﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ الضَّمِيرُ في جَعَلَها عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهي بِمَعْنى التَّوْحِيدِ كَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ وهم ذُرِّيَّتُهُ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - وفاعِلُ جَعَلَها إبْراهِيمُ، وذَلِكَ حَيْثُ وصّاهم بِالتَّوْحِيدِ وأمَرَهم بِأنْ يَدِينُوا بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] الآيَةَ، وقِيلَ: الفاعِلُ هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أيْ: وجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ، والعَقِبُ: مَن بَعْدُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الكَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لا يَزالُ مِن عَقِبِهِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الإسْلامُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الكَلِمَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَعْلِ أيْ: جَعَلَها باقِيَةً رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ إلَيْها مَن يُشْرِكُ مِنهم بِدُعاءِ مَن يُوَحِّدُ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَعَلَّهم راجَعٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ أيْ: لَعَلَّ أهْلَ مَكَّةَ يَرْجِعُونَ إلى دِينِكَ الَّذِي هو دِينُ إبْراهِيمَ.
وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ وجَعَلَها إلَخْ. قالَ السُّدِّيُّ: لَعَلَّهم يَتُوبُونَ. فَيَرْجِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نِعْمَتَهُ عَلى قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِنَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَهم فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ذِكْرِ ما مَتَّعَهم بِهِ مِنَ الأنْفُسِ والأهْلِ والأمْوالِ وأنْواعِ النِّعَمِ وما مَتَّعَ بِهِ آباءَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ وأكَبُّوا عَلى الشَّهَواتِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ومَعْنى مُبِينٌ ظاهِرُ الرِّسالَةِ واضِحُها، أوْ مُبَيِّنٌ لَهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما صَنَعُوهُ عِنْدَ مَجِيءِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ، فَسَمَّوُا القُرْآنَ سِحْرًا وجَحَدُوهُ. واسْتَحْقَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ المُرادُ بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةُ والطّائِفُ، وبِالرَّجُلَيْنِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مِن مَكَّةَ، وعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ كَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مِن مَكَّةَ، وعُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ يالِيلَ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ المُرادَ رَجُلٌ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمُ الجاهِ واسِعُ المالِ مُسَوَّدٌ في قَوْمِهِ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا لَنَزَلَ عَلى رَجُلٍ عَظِيمٍ مِن عُظَماءِ القَرْيَتَيْنِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِنها، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم ما يَعِيشُونَ بِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولَمْ نُفَوِّضْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ أنْ يَتَحَكَّمَ في شَيْءٍ بَلِ الحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ، وإذا كانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم أرْزاقَهم ورَفَعَ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ فَكَيْفَ لا يَقْنَعُونَ بِقِسْمَتِهِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ وتَفْوِيضِها إلى مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ الرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا.
قَرَأ الجُمْهُورُ مَعِيشَتَهم بِالإفْرادِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " مَعايِشَهم " بِالجَمْعِ، ومَعْنى ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أنَّهُ فاضَلَ بَيْنَهم فَجَعَلَ بَعْضَهم أفْضَلَ مِن بَعْضٍ في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ والرِّياسَةِ والقُوَّةِ والحُرِّيَّةِ والعَقْلِ والعِلْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ لِرَفْعِ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، فَقالَ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أيْ: لِيَسْتَخْدِمَ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَسْتَخْدِمُ الغَنِيُّ الفَقِيرَ، والرَّئِيسُ المَرْءُوسَ، والقَوِيُّ الضَّعِيفَ، والحُرُّ العَبْدَ، والعاقِلُ مَن هو دُونَهُ مِنَ العَقْلِ، والعالِمُ الجاهِلَ، وهَذا في غالِبِ أحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا، وبِهِ تَتِمُّ مَصالِحُهم، ويَنْتَظِمُ مَعاشُهم ويَصِلُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم إلى مَطْلُوبِهِ، فَإنَّ كُلَّ صِناعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ يُحْسِنُها قَوْمٌ دُونَ آخَرِينَ، فَجُعِلَ البَعْضُ مُحْتاجًا إلى البَعْضِ لِتَحْصُلَ المُواساةُ بَيْنَهم في مَتاعِ الدُّنْيا، ويَحْتاجُ هَذا إلى هَذا، ويَصْنَعُ هَذا هَذا، ويُعْطِي هَذا لِهَذا.
قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: سَخَّرْنا خَوَّلْنا وخَدَمًا يُسَخِّرُ الأغْنِياءُ الفُقَراءَ فَيَكُونُ بَعْضُهم سَبَبًا لِمَعاشِ بَعْضٍ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ: لِيَمْلِكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: هو السُّخْرِيَةُ الَّتِي بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ، وهَذا وإنْ كانَ مُطابِقًا لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ولَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِن مَعْنى القُرْآنِ ومُنافٍ لِما هو مَقْصُودُ السِّياقِ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ يَعْنِي بِالرَّحْمَةِ ما أعَدَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ في الدّارِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: هي النُّبُوَّةُ لِأنَّها المُرادُ بِالرَّحْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ كُلُّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّحْمَةِ إمّا شُمُولًا أوْ بَدَلًا، ومَعْنى مِمّا يَجْمَعُونَ: ما يَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ وسائِرِ مَتاعِ الدُّنْيا.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حَقارَةَ الدُّنْيا عِنْدَهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: لَوْلا أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكُفْرِ مَيْلًا إلى الدُّنْيا وزُخْرُفِها ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ جَمَعَ الضَّمِيرَ في بُيُوتِهِمْ وأفْرَدَهُ في يَكْفُرُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن ولَفْظِها، ولِبُيُوتِهِمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْصُولِ، والسُّقُفُ جَمْعُ سَقْفٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ السِّينِ والقافِ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولا ثالِثَ لَهُما. وقالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ سَقِيفٍ نَحْوُ كَثِيبٍ وكُثُبٍ ورَغِيفٍ ورُغُفٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ سُقُوفٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ القافِ عَلى الإفْرادِ ومَعْناهُ الجَمْعُ لِكَوْنِهِ لِلْجِنْسِ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ: لَوْلا أنْ يَكْفُرَ النّاسُ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إلى الدُّنْيا وتَرْكِهِمُ الآخِرَةَ لَأعْطَيْناهم في الدُّنْيا ما وصَفْناهُ لِهَوانِ الدُّنْيا عِنْدَ اللَّهِ وقالَ بِهَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً في طَلَبِ الدُّنْيا واخْتِيارِهِمْ لَها عَلى الآخِرَةِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى لَوْلا أنْ يَكُونَ في الكُفّارِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، وفي المُسْلِمِينَ مِثْلُ ذَلِكَ لَأعْطَيْنا الكُفّارَ مِنَ الدُّنْيا هَذا لِهَوانِها ﴿ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (p-١٣٤٠)المَعارِجُ: الدَّرَجُ جَمْعُ مِعْراجٍ، والمِعْراجُ السُّلَّمُ.
قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواحِدَةَ مِعْرَجًا ومَعْرَجًا مِثْلَ مِرْقاةٍ ومَرْقاةٍ، والمَعْنى: فَجَعَلْنا لَهم مَعارِجَ مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ: عَلى المَعارِجِ يَرْتَقُونَ ويَصْعَدُونَ، يُقالُ: ظَهَرْتُ عَلى البَيْتِ أيْ: عَلَوْتُ سَطْحَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدًا وفَخْرًا وسُودُدا ∗∗∗ وإنّا لَنَرْجُوا فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا
أيْ: مَصْعَدًا.
﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ﴿عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ أيْ: عَلى السُّرُرِ وهو جَمْعُ سَرِيرٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أسِرَّةٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ، والِاتِّكاءُ والتَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨] واتَّكَأ عَلى الشَّيْءِ، فَهو مُتَّكِئٌ، والمَوْضِعُ مُتَّكَأٌ، والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. وقِيلَ: الزِّينَةُ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ ذَهَبًا أوْ غَيْرَهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو ما يَتَّخِذُهُ النّاسُ في مَنازِلِهِمْ مِنَ الأمْتِعَةِ والأثاثِ. وقالَ الحَسَنُ: النُّقُوشُ وأصْلُهُ الزِّينَةُ، يُقالُ: زَخْرَفْتُ الدّارَ أيْ: زَيَّنْتُها.
وانْتِصابُ زُخْرُفًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: وجَعَلْنا لَهم مَعَ ذَلِكَ زُخْرُفًا، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: أبْوابًا وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ، فَلَمّا حُذِفَ الخافِضُ انْتَصَبَ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إنَّما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لَما بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هي النّافِيَةُ ولَمّا بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كَلُّ ذَلِكَ إلّا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِكَسْرِ اللّامِ مِن " لَمّا " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعِلَّةِ وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ: أيْ: لِلَّذِي هو مَتاعٌ ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: لِمَنِ اتَّقى الشِّرْكَ والمَعاصِيَ وآمَنَ بِاللَّهِ وحْدَهُ وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، فَإنَّها الباقِيَةُ الَّتِي لا تَفْنى، ونَعِيمُها الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ قالَ: عَلى دِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في عَقِبِهِ قالَ: عَقِبُ إبْراهِيمَ ولَدُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ما القَرْيَتانِ ؟ قالَ: الطّائِفُ ومَكَّةُ، قِيلَ: فَمَنِ الرَّجُلانِ ؟ قالَ: عُمَيْرُ بْنُ مَسْعُودٍ، وخِيارُ قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَعْنِي بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ والطّائِفَ، والعَظِيمُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ القُرَشِيُّ وحَبِيبُ بْنُ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنُونَ أشْرَفَ مِن مُحَمَّدٍ لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ مِن أهْلِ الطّائِفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآيَةَ يَقُولُ: لَوْلا أنْ نَفْعَلَ النّاسَ كُلَّهم كُفّارًا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفّارِ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ، ومَعارِجَ مِن فِضَّةٍ، وهي دَرَجٌ عَلَيْها يَصْعَدُونَ إلى الغُرَفِ وسُرُرٌ فِضَّةٌ، وزُخْرُفًا وهو: الذَّهَبُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى مِنها كافِرًا شَرْبَةَ ماءٍ» .
الزخرف 43:27
قَوْلُهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أأعْطَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ بِأنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَأْخُذُونَ بِما فِيهِ ويَحْتَجُّونَ بِهِ ويَجْعَلُونَهُ لَهم دَلِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أمْ مُعادَةً لِقَوْلِهِ أشَهِدُوا فَتَكُونُ مُتَّصِلَةً، والمَعْنى: أحَضَرُوا خَلْقَهم أمْ آتَيْناهم كِتابًا إلَخْ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في مِن قَبْلِهِ يَعُودُ إلى ادِّعائِهِمْ أيْ: أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ ادِّعائِهِمْ يَنْطِقُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا حُجَّةَ بِأيْدِيهِمْ ولا شُبْهَةَ، ولَكِنَّهُمُ اتَّبَعُوا آباءَهم في الضَّلالَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ فاعْتَرَفُوا بِأنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهم سِوى تَقْلِيدِ آبائِهِمْ، ومَعْنى عَلى أُمَّةٍ: عَلى طَرِيقَةٍ ومَذْهَبٍ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هي الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، يُقالُ: فُلانٌ لا أُمَّةَ لَهُ أيْ: لا دِينَ لَهُ ولا نِحْلَةَ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎كُنّا عَلى أُمَّةِ آبائِنا ونَقْتَدِي بِالأوَّلِ الأوَّلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وهَلْ يَسْتَوِي ذا أُمَّةٍ وكَفُورُ
وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: عَلى قِبْلَةٍ. وقالَ الأخْفَشُ: عَلى اسْتِقامَةٍ، وأنْشَدَ قَوْلَ النّابِغَةِ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ
قَرَأ الجُمْهُورُ أُمَّةٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِكَسْرِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والإمَّةُ (p-١٣٣٨)بِالكَسْرِ: النِّعْمَةُ، والإمَّةُ: أيْضًا لُغَةٌ في الأُمَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والأُمَّ ∗∗∗ ةِ وارَتْهم هُناكَ قُبُورُ
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ غَيْرَ هَؤُلاءِ مِنَ الكُفّارِ قَدْ سَبَقَهم إلى هَذِهِ المَقالَةِ وقالَ بِها فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ مُتْرَفُوها: أغْنِياؤُها ورُؤَساؤُها، قالَ قَتادَةُ: مُقْتَدُونَ مُتَّبِعُونَ، ومَعْنى الِاهْتِداءِ والِاقْتِداءِ مُتَقارِبٌ، وخَصَّصَ المُتْرَفِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّنَعُّمَ هو سَبَبُ إهْمالِ النَّظَرِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم﴾ أيْ: أتَتَّبِعُونَ آباءَكم ولَوْ جِئْتُكم بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قُلْ لَهم أتَتَّبِعُونَ ما وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم وإنْ جِئْتُكم بِأهْدى مِنهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قُلْ أوَلَوْ جِئْتُكم " وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ وهو حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ المُنْذِرِينَ وقَوْمِهِمْ أيْ: قالَ كُلُّ مُنْذِرٍ مِن أُولَئِكَ المُنْذِرِينَ لِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ: قُلْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ وقُبْحِهِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةِ في الإسْلامِ إنَّما يَعْمَلُونَ بِقَوْلِ أسْلافِهِمْ ويَتَّبِعُونَ آثارَهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَإذا رامَ الدّاعِي إلى الحَقِّ أنْ يُخْرِجَهم مِن ضَلالَةٍ أوْ يَدْفَعَهم عَنْ بِدْعَةٍ قَدْ تَمَسَّكُوا بِها ووَرِثُوها عَنْ أسْلافِهِمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ نَيِّرٍ ولا حُجَّةٍ واضِحَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ قالَ وقِيلَ: لِشُبْهَةٍ داحِضَةٍ وحُجَّةٍ زائِفَةٍ ومُقالَةٍ باطِلَةٍ، قالُوا بِما قالَهُ المُتْرَفُونَ مِن هَذِهِ المِلَلِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، أوْ بِما يُلاقِي مَعْناهُ مَعْنى ذَلِكَ، فَإنْ قالَ لَهُمُ الدّاعِي إلى الحَقِّ: قَدْ جَمَعَتْنا المِلَّةُ الإسْلامِيَّةُ وشَمِلَنا هَذا الدِّينُ المُحَمَّدِيُّ، ولَمْ يَتَعَبَّدْنا اللَّهُ ولا تَعَبَّدَكم وتَعَبَّدَ آباءَكم مِن قَبْلِكم إلّا بِكِتابِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ وبِما صَحَّ عَنْ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ المُبَيِّنُ لِكِتابِ اللَّهِ، المُوَضِّحُ لِمَعانِيهِ، الفارِقُ بَيْنَ مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، فَتَعالَوْا نَرُدُّ ما تَنازَعْنا فِيهِ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ كَما أمَرَنا اللَّهُ بِذَلِكَ في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فَإنَّ الرَّدَّ إلَيْهِما أهْدى لَنا ولَكم مِنَ الرَّدِّ إلى ما قالَهُ أسْلافُكم ودَرَجَ عَلَيْهِ آباؤُكم، نَفَرُوا نُفُورَ الوُحُوشِ، ورَمَوُا الدّاعِيَ لَهم إلى ذَلِكَ بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ، كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] ولا قَوْلَهُ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فَإنْ قالَ لَهُمُ القائِلُ: هَذا العالِمُ الَّذِي تَقْتَدُونَ بِهِ وتَتَّبِعُونَ أقْوالَهُ هو مِثْلُكم في كَوْنِهِ مُتَعَبِّدًا بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَطْلُوبًا مِنهُ ما هو مَطْلُوبٌ مِنكم، وإذا عَمِلَ بِرَأْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدانِهِ لِلدَّلِيلِ، فَذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُ لا يَحِلُّ أنْ يَتْبَعَهُ غَيْرُهُ عَلَيْها، ولا يَجُوزَ لَهُ العَمَلُ بِها، وقَدْ وجَدُوا الدَّلِيلَ الَّذِي لَمْ يَجِدْهُ، وها أنا أُوجِدْكُمُوهُ في كِتابِ اللَّهِ، أوْ فِيما صَحَّ مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ أهْدى لَكم مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا نَعْمَلُ بِهَذا ولا سَمْعَ لَكَ ولا طاعَةَ، ووَجَدُوا في صُدُورِهِمْ أعْظَمَ الحَرَجِ مِن حُكْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَمْ يُسَلِّمُوا لِذَلِكَ ولا أذْعَنُوا لَهُ، وقَدْ وهَبَ لَهُمُ الشَّيْطانُ عَصًا يَتَوَكَّئُونَ عَلَيْها عِنْدَ أنْ يَسْمَعُوا مَن يَدْعُوهم إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهي أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ إمامَنا الَّذِي قَلَّدْناهُ واقْتَدَيْنا بِهِ أعْلَمُ مِنكَ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ أذْهانَهم قَدْ تَصَوَّرَتْ مَن يَقْتَدُونَ بِهِ تَصَوُّرًا عَظِيمًا بِسَبَبِ تَقَدُّمِ العَصْرِ وكَثْرَةِ الأتْباعِ، وما عَلِمُوا أنَّ هَذا مَنقُوضٌ عَلَيْهِمْ مَدْفُوعٌ بِهِ في وُجُوهِهِمْ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهم: إنَّ في التّابِعِينَ مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا، وأقْدَمُ عَصْرًا مِن صاحِبِكم، فَإنْ كانَ لِتَقَدُّمِ العَصْرِ وجَلالَةِ القَدْرِ مَزِيَّةٌ حَتّى تُوجِبَ الِاقْتِداءَ، فَتَعالَوْا حَتّى أُرِيَكم مَن هو أقْدَمُ عَصْرًا وأجَلُّ قَدْرًا، فَإنْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فَها أنا أدُلُّكم عَلى مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا وأجَلُّ خَطَرًا وأكْثَرُ أتْباعًا وأقْدَمُ عَصْرًا، وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَبِيُّنا ونَبِيُّكم رَسُولُ اللَّهِ إلَيْنا وإلَيْكم فَتَعالَوْا فَهَذِهِ سُنَّتُهُ مَوْجُودَةٌ في دَفاتِرِ الإسْلامِ ودَواوِينِهِ الَّتِي تَلَقَّتْها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ، وهَذا كِتابُ رَبِّنا خالِقِ الكُلِّ ورازِقِ الكُلِّ ومُوجِدِ الكُلِّ بَيْنَ أظْهُرِنا، مَوْجُودٌ في كُلِّ بَيْتٍ، وبِيَدِ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يَلْحَقْهُ تَغْيِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا زِيادَةٌ ولا نَقْصٌ ولا تَحْرِيفٌ ولا تَصْحِيفٌ، ونَحْنُ وأنْتُمْ مِمَّنْ يَفْهَمُ ألْفاظَهُ ويَتَعَقَّلُ مَعانِيَهُ، فَتَعالَوْا لِنَأْخُذِ الحَقَّ مِن مَعْدِنِهِ ونَشْرَبَ صَفْوَ الماءِ مِن مَنبَعِهِ، فَهو أهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا سَمْعَ ولا طاعَةَ، إمّا بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، فَتَدَبَّرْ هَذا وتَأمَّلْهُ إنْ بَقِيَ فِيكَ بَقِيَّةٌ مِن إنْصافٍ وشُعْبَةٌ مِن خَيْرٍ ومِزْعَةٌ مِن حَياءٍ وحِصَّةٌ مِن دِينٍ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
وقَدْ أوْضَحْتُ هَذا غايَةَ الإيضاحِ في كِتابِي الَّذِي سَمَّيْتُهُ " أدَبَ الطَّلَبِ ومُنْتَهى الأرَبِ " فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ رُمْتَ أنْ تَنْجَلِيَ عَنْكَ ظُلُماتُ التَّعَصُّبِ وتَنْقَشِعَ لَكَ سَحائِبُ التَّقْلِيدِ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ الِانْتِقامُ ما أوْقَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ، فَإنَّ آثارَهم مَوْجُودَةٌ.
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ الَّذِينَ قَلَّدُوا آباءَهم وعَبَدُوا الأصْنامَ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ البَراءُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وهو يُسْتَعْمَلُ لِلْواحِدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وتَبَرَّأْتُ مِن كَذا وأنا مِنهُ بَراءٌ وخَلاءٌ، لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ: خَلَقَنِي ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُثَبِّتُنِي عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ إمّا مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي، أوْ مُتَّصِلٌ مِن عُمُومِ ما، لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ (p-١٣٣٩)والأصْنامَ، وإخْبارُهُ بِأنَّهُ سَيَهْدِيهِ جَزْمًا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقُوَّةِ يَقِينِهِ.
﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ الضَّمِيرُ في جَعَلَها عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهي بِمَعْنى التَّوْحِيدِ كَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ وهم ذُرِّيَّتُهُ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - وفاعِلُ جَعَلَها إبْراهِيمُ، وذَلِكَ حَيْثُ وصّاهم بِالتَّوْحِيدِ وأمَرَهم بِأنْ يَدِينُوا بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] الآيَةَ، وقِيلَ: الفاعِلُ هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أيْ: وجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ، والعَقِبُ: مَن بَعْدُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الكَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لا يَزالُ مِن عَقِبِهِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الإسْلامُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الكَلِمَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَعْلِ أيْ: جَعَلَها باقِيَةً رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ إلَيْها مَن يُشْرِكُ مِنهم بِدُعاءِ مَن يُوَحِّدُ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَعَلَّهم راجَعٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ أيْ: لَعَلَّ أهْلَ مَكَّةَ يَرْجِعُونَ إلى دِينِكَ الَّذِي هو دِينُ إبْراهِيمَ.
وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ وجَعَلَها إلَخْ. قالَ السُّدِّيُّ: لَعَلَّهم يَتُوبُونَ. فَيَرْجِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نِعْمَتَهُ عَلى قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِنَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَهم فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ذِكْرِ ما مَتَّعَهم بِهِ مِنَ الأنْفُسِ والأهْلِ والأمْوالِ وأنْواعِ النِّعَمِ وما مَتَّعَ بِهِ آباءَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ وأكَبُّوا عَلى الشَّهَواتِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ومَعْنى مُبِينٌ ظاهِرُ الرِّسالَةِ واضِحُها، أوْ مُبَيِّنٌ لَهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما صَنَعُوهُ عِنْدَ مَجِيءِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ، فَسَمَّوُا القُرْآنَ سِحْرًا وجَحَدُوهُ. واسْتَحْقَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ المُرادُ بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةُ والطّائِفُ، وبِالرَّجُلَيْنِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مِن مَكَّةَ، وعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ كَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مِن مَكَّةَ، وعُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ يالِيلَ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ المُرادَ رَجُلٌ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمُ الجاهِ واسِعُ المالِ مُسَوَّدٌ في قَوْمِهِ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا لَنَزَلَ عَلى رَجُلٍ عَظِيمٍ مِن عُظَماءِ القَرْيَتَيْنِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِنها، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم ما يَعِيشُونَ بِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولَمْ نُفَوِّضْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ أنْ يَتَحَكَّمَ في شَيْءٍ بَلِ الحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ، وإذا كانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم أرْزاقَهم ورَفَعَ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ فَكَيْفَ لا يَقْنَعُونَ بِقِسْمَتِهِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ وتَفْوِيضِها إلى مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ الرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا.
قَرَأ الجُمْهُورُ مَعِيشَتَهم بِالإفْرادِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " مَعايِشَهم " بِالجَمْعِ، ومَعْنى ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أنَّهُ فاضَلَ بَيْنَهم فَجَعَلَ بَعْضَهم أفْضَلَ مِن بَعْضٍ في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ والرِّياسَةِ والقُوَّةِ والحُرِّيَّةِ والعَقْلِ والعِلْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ لِرَفْعِ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، فَقالَ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أيْ: لِيَسْتَخْدِمَ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَسْتَخْدِمُ الغَنِيُّ الفَقِيرَ، والرَّئِيسُ المَرْءُوسَ، والقَوِيُّ الضَّعِيفَ، والحُرُّ العَبْدَ، والعاقِلُ مَن هو دُونَهُ مِنَ العَقْلِ، والعالِمُ الجاهِلَ، وهَذا في غالِبِ أحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا، وبِهِ تَتِمُّ مَصالِحُهم، ويَنْتَظِمُ مَعاشُهم ويَصِلُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم إلى مَطْلُوبِهِ، فَإنَّ كُلَّ صِناعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ يُحْسِنُها قَوْمٌ دُونَ آخَرِينَ، فَجُعِلَ البَعْضُ مُحْتاجًا إلى البَعْضِ لِتَحْصُلَ المُواساةُ بَيْنَهم في مَتاعِ الدُّنْيا، ويَحْتاجُ هَذا إلى هَذا، ويَصْنَعُ هَذا هَذا، ويُعْطِي هَذا لِهَذا.
قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: سَخَّرْنا خَوَّلْنا وخَدَمًا يُسَخِّرُ الأغْنِياءُ الفُقَراءَ فَيَكُونُ بَعْضُهم سَبَبًا لِمَعاشِ بَعْضٍ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ: لِيَمْلِكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: هو السُّخْرِيَةُ الَّتِي بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ، وهَذا وإنْ كانَ مُطابِقًا لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ولَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِن مَعْنى القُرْآنِ ومُنافٍ لِما هو مَقْصُودُ السِّياقِ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ يَعْنِي بِالرَّحْمَةِ ما أعَدَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ في الدّارِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: هي النُّبُوَّةُ لِأنَّها المُرادُ بِالرَّحْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ كُلُّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّحْمَةِ إمّا شُمُولًا أوْ بَدَلًا، ومَعْنى مِمّا يَجْمَعُونَ: ما يَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ وسائِرِ مَتاعِ الدُّنْيا.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حَقارَةَ الدُّنْيا عِنْدَهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: لَوْلا أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكُفْرِ مَيْلًا إلى الدُّنْيا وزُخْرُفِها ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ جَمَعَ الضَّمِيرَ في بُيُوتِهِمْ وأفْرَدَهُ في يَكْفُرُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن ولَفْظِها، ولِبُيُوتِهِمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْصُولِ، والسُّقُفُ جَمْعُ سَقْفٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ السِّينِ والقافِ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولا ثالِثَ لَهُما. وقالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ سَقِيفٍ نَحْوُ كَثِيبٍ وكُثُبٍ ورَغِيفٍ ورُغُفٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ سُقُوفٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ القافِ عَلى الإفْرادِ ومَعْناهُ الجَمْعُ لِكَوْنِهِ لِلْجِنْسِ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ: لَوْلا أنْ يَكْفُرَ النّاسُ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إلى الدُّنْيا وتَرْكِهِمُ الآخِرَةَ لَأعْطَيْناهم في الدُّنْيا ما وصَفْناهُ لِهَوانِ الدُّنْيا عِنْدَ اللَّهِ وقالَ بِهَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً في طَلَبِ الدُّنْيا واخْتِيارِهِمْ لَها عَلى الآخِرَةِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى لَوْلا أنْ يَكُونَ في الكُفّارِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، وفي المُسْلِمِينَ مِثْلُ ذَلِكَ لَأعْطَيْنا الكُفّارَ مِنَ الدُّنْيا هَذا لِهَوانِها ﴿ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (p-١٣٤٠)المَعارِجُ: الدَّرَجُ جَمْعُ مِعْراجٍ، والمِعْراجُ السُّلَّمُ.
قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواحِدَةَ مِعْرَجًا ومَعْرَجًا مِثْلَ مِرْقاةٍ ومَرْقاةٍ، والمَعْنى: فَجَعَلْنا لَهم مَعارِجَ مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ: عَلى المَعارِجِ يَرْتَقُونَ ويَصْعَدُونَ، يُقالُ: ظَهَرْتُ عَلى البَيْتِ أيْ: عَلَوْتُ سَطْحَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدًا وفَخْرًا وسُودُدا ∗∗∗ وإنّا لَنَرْجُوا فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا
أيْ: مَصْعَدًا.
﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ﴿عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ أيْ: عَلى السُّرُرِ وهو جَمْعُ سَرِيرٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أسِرَّةٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ، والِاتِّكاءُ والتَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨] واتَّكَأ عَلى الشَّيْءِ، فَهو مُتَّكِئٌ، والمَوْضِعُ مُتَّكَأٌ، والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. وقِيلَ: الزِّينَةُ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ ذَهَبًا أوْ غَيْرَهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو ما يَتَّخِذُهُ النّاسُ في مَنازِلِهِمْ مِنَ الأمْتِعَةِ والأثاثِ. وقالَ الحَسَنُ: النُّقُوشُ وأصْلُهُ الزِّينَةُ، يُقالُ: زَخْرَفْتُ الدّارَ أيْ: زَيَّنْتُها.
وانْتِصابُ زُخْرُفًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: وجَعَلْنا لَهم مَعَ ذَلِكَ زُخْرُفًا، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: أبْوابًا وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ، فَلَمّا حُذِفَ الخافِضُ انْتَصَبَ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إنَّما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لَما بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هي النّافِيَةُ ولَمّا بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كَلُّ ذَلِكَ إلّا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِكَسْرِ اللّامِ مِن " لَمّا " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعِلَّةِ وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ: أيْ: لِلَّذِي هو مَتاعٌ ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: لِمَنِ اتَّقى الشِّرْكَ والمَعاصِيَ وآمَنَ بِاللَّهِ وحْدَهُ وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، فَإنَّها الباقِيَةُ الَّتِي لا تَفْنى، ونَعِيمُها الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ قالَ: عَلى دِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في عَقِبِهِ قالَ: عَقِبُ إبْراهِيمَ ولَدُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ما القَرْيَتانِ ؟ قالَ: الطّائِفُ ومَكَّةُ، قِيلَ: فَمَنِ الرَّجُلانِ ؟ قالَ: عُمَيْرُ بْنُ مَسْعُودٍ، وخِيارُ قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَعْنِي بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ والطّائِفَ، والعَظِيمُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ القُرَشِيُّ وحَبِيبُ بْنُ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنُونَ أشْرَفَ مِن مُحَمَّدٍ لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ مِن أهْلِ الطّائِفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآيَةَ يَقُولُ: لَوْلا أنْ نَفْعَلَ النّاسَ كُلَّهم كُفّارًا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفّارِ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ، ومَعارِجَ مِن فِضَّةٍ، وهي دَرَجٌ عَلَيْها يَصْعَدُونَ إلى الغُرَفِ وسُرُرٌ فِضَّةٌ، وزُخْرُفًا وهو: الذَّهَبُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى مِنها كافِرًا شَرْبَةَ ماءٍ» .
الزخرف 43:28
قَوْلُهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أأعْطَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ بِأنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَأْخُذُونَ بِما فِيهِ ويَحْتَجُّونَ بِهِ ويَجْعَلُونَهُ لَهم دَلِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أمْ مُعادَةً لِقَوْلِهِ أشَهِدُوا فَتَكُونُ مُتَّصِلَةً، والمَعْنى: أحَضَرُوا خَلْقَهم أمْ آتَيْناهم كِتابًا إلَخْ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في مِن قَبْلِهِ يَعُودُ إلى ادِّعائِهِمْ أيْ: أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ ادِّعائِهِمْ يَنْطِقُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا حُجَّةَ بِأيْدِيهِمْ ولا شُبْهَةَ، ولَكِنَّهُمُ اتَّبَعُوا آباءَهم في الضَّلالَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ فاعْتَرَفُوا بِأنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهم سِوى تَقْلِيدِ آبائِهِمْ، ومَعْنى عَلى أُمَّةٍ: عَلى طَرِيقَةٍ ومَذْهَبٍ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هي الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، يُقالُ: فُلانٌ لا أُمَّةَ لَهُ أيْ: لا دِينَ لَهُ ولا نِحْلَةَ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎كُنّا عَلى أُمَّةِ آبائِنا ونَقْتَدِي بِالأوَّلِ الأوَّلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وهَلْ يَسْتَوِي ذا أُمَّةٍ وكَفُورُ
وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: عَلى قِبْلَةٍ. وقالَ الأخْفَشُ: عَلى اسْتِقامَةٍ، وأنْشَدَ قَوْلَ النّابِغَةِ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ
قَرَأ الجُمْهُورُ أُمَّةٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِكَسْرِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والإمَّةُ (p-١٣٣٨)بِالكَسْرِ: النِّعْمَةُ، والإمَّةُ: أيْضًا لُغَةٌ في الأُمَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والأُمَّ ∗∗∗ ةِ وارَتْهم هُناكَ قُبُورُ
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ غَيْرَ هَؤُلاءِ مِنَ الكُفّارِ قَدْ سَبَقَهم إلى هَذِهِ المَقالَةِ وقالَ بِها فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ مُتْرَفُوها: أغْنِياؤُها ورُؤَساؤُها، قالَ قَتادَةُ: مُقْتَدُونَ مُتَّبِعُونَ، ومَعْنى الِاهْتِداءِ والِاقْتِداءِ مُتَقارِبٌ، وخَصَّصَ المُتْرَفِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّنَعُّمَ هو سَبَبُ إهْمالِ النَّظَرِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم﴾ أيْ: أتَتَّبِعُونَ آباءَكم ولَوْ جِئْتُكم بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قُلْ لَهم أتَتَّبِعُونَ ما وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم وإنْ جِئْتُكم بِأهْدى مِنهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قُلْ أوَلَوْ جِئْتُكم " وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ وهو حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ المُنْذِرِينَ وقَوْمِهِمْ أيْ: قالَ كُلُّ مُنْذِرٍ مِن أُولَئِكَ المُنْذِرِينَ لِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ: قُلْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ وقُبْحِهِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةِ في الإسْلامِ إنَّما يَعْمَلُونَ بِقَوْلِ أسْلافِهِمْ ويَتَّبِعُونَ آثارَهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَإذا رامَ الدّاعِي إلى الحَقِّ أنْ يُخْرِجَهم مِن ضَلالَةٍ أوْ يَدْفَعَهم عَنْ بِدْعَةٍ قَدْ تَمَسَّكُوا بِها ووَرِثُوها عَنْ أسْلافِهِمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ نَيِّرٍ ولا حُجَّةٍ واضِحَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ قالَ وقِيلَ: لِشُبْهَةٍ داحِضَةٍ وحُجَّةٍ زائِفَةٍ ومُقالَةٍ باطِلَةٍ، قالُوا بِما قالَهُ المُتْرَفُونَ مِن هَذِهِ المِلَلِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، أوْ بِما يُلاقِي مَعْناهُ مَعْنى ذَلِكَ، فَإنْ قالَ لَهُمُ الدّاعِي إلى الحَقِّ: قَدْ جَمَعَتْنا المِلَّةُ الإسْلامِيَّةُ وشَمِلَنا هَذا الدِّينُ المُحَمَّدِيُّ، ولَمْ يَتَعَبَّدْنا اللَّهُ ولا تَعَبَّدَكم وتَعَبَّدَ آباءَكم مِن قَبْلِكم إلّا بِكِتابِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ وبِما صَحَّ عَنْ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ المُبَيِّنُ لِكِتابِ اللَّهِ، المُوَضِّحُ لِمَعانِيهِ، الفارِقُ بَيْنَ مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، فَتَعالَوْا نَرُدُّ ما تَنازَعْنا فِيهِ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ كَما أمَرَنا اللَّهُ بِذَلِكَ في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فَإنَّ الرَّدَّ إلَيْهِما أهْدى لَنا ولَكم مِنَ الرَّدِّ إلى ما قالَهُ أسْلافُكم ودَرَجَ عَلَيْهِ آباؤُكم، نَفَرُوا نُفُورَ الوُحُوشِ، ورَمَوُا الدّاعِيَ لَهم إلى ذَلِكَ بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ، كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] ولا قَوْلَهُ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فَإنْ قالَ لَهُمُ القائِلُ: هَذا العالِمُ الَّذِي تَقْتَدُونَ بِهِ وتَتَّبِعُونَ أقْوالَهُ هو مِثْلُكم في كَوْنِهِ مُتَعَبِّدًا بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَطْلُوبًا مِنهُ ما هو مَطْلُوبٌ مِنكم، وإذا عَمِلَ بِرَأْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدانِهِ لِلدَّلِيلِ، فَذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُ لا يَحِلُّ أنْ يَتْبَعَهُ غَيْرُهُ عَلَيْها، ولا يَجُوزَ لَهُ العَمَلُ بِها، وقَدْ وجَدُوا الدَّلِيلَ الَّذِي لَمْ يَجِدْهُ، وها أنا أُوجِدْكُمُوهُ في كِتابِ اللَّهِ، أوْ فِيما صَحَّ مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ أهْدى لَكم مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا نَعْمَلُ بِهَذا ولا سَمْعَ لَكَ ولا طاعَةَ، ووَجَدُوا في صُدُورِهِمْ أعْظَمَ الحَرَجِ مِن حُكْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَمْ يُسَلِّمُوا لِذَلِكَ ولا أذْعَنُوا لَهُ، وقَدْ وهَبَ لَهُمُ الشَّيْطانُ عَصًا يَتَوَكَّئُونَ عَلَيْها عِنْدَ أنْ يَسْمَعُوا مَن يَدْعُوهم إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهي أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ إمامَنا الَّذِي قَلَّدْناهُ واقْتَدَيْنا بِهِ أعْلَمُ مِنكَ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ أذْهانَهم قَدْ تَصَوَّرَتْ مَن يَقْتَدُونَ بِهِ تَصَوُّرًا عَظِيمًا بِسَبَبِ تَقَدُّمِ العَصْرِ وكَثْرَةِ الأتْباعِ، وما عَلِمُوا أنَّ هَذا مَنقُوضٌ عَلَيْهِمْ مَدْفُوعٌ بِهِ في وُجُوهِهِمْ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهم: إنَّ في التّابِعِينَ مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا، وأقْدَمُ عَصْرًا مِن صاحِبِكم، فَإنْ كانَ لِتَقَدُّمِ العَصْرِ وجَلالَةِ القَدْرِ مَزِيَّةٌ حَتّى تُوجِبَ الِاقْتِداءَ، فَتَعالَوْا حَتّى أُرِيَكم مَن هو أقْدَمُ عَصْرًا وأجَلُّ قَدْرًا، فَإنْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فَها أنا أدُلُّكم عَلى مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا وأجَلُّ خَطَرًا وأكْثَرُ أتْباعًا وأقْدَمُ عَصْرًا، وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَبِيُّنا ونَبِيُّكم رَسُولُ اللَّهِ إلَيْنا وإلَيْكم فَتَعالَوْا فَهَذِهِ سُنَّتُهُ مَوْجُودَةٌ في دَفاتِرِ الإسْلامِ ودَواوِينِهِ الَّتِي تَلَقَّتْها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ، وهَذا كِتابُ رَبِّنا خالِقِ الكُلِّ ورازِقِ الكُلِّ ومُوجِدِ الكُلِّ بَيْنَ أظْهُرِنا، مَوْجُودٌ في كُلِّ بَيْتٍ، وبِيَدِ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يَلْحَقْهُ تَغْيِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا زِيادَةٌ ولا نَقْصٌ ولا تَحْرِيفٌ ولا تَصْحِيفٌ، ونَحْنُ وأنْتُمْ مِمَّنْ يَفْهَمُ ألْفاظَهُ ويَتَعَقَّلُ مَعانِيَهُ، فَتَعالَوْا لِنَأْخُذِ الحَقَّ مِن مَعْدِنِهِ ونَشْرَبَ صَفْوَ الماءِ مِن مَنبَعِهِ، فَهو أهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا سَمْعَ ولا طاعَةَ، إمّا بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، فَتَدَبَّرْ هَذا وتَأمَّلْهُ إنْ بَقِيَ فِيكَ بَقِيَّةٌ مِن إنْصافٍ وشُعْبَةٌ مِن خَيْرٍ ومِزْعَةٌ مِن حَياءٍ وحِصَّةٌ مِن دِينٍ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
وقَدْ أوْضَحْتُ هَذا غايَةَ الإيضاحِ في كِتابِي الَّذِي سَمَّيْتُهُ " أدَبَ الطَّلَبِ ومُنْتَهى الأرَبِ " فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ رُمْتَ أنْ تَنْجَلِيَ عَنْكَ ظُلُماتُ التَّعَصُّبِ وتَنْقَشِعَ لَكَ سَحائِبُ التَّقْلِيدِ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ الِانْتِقامُ ما أوْقَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ، فَإنَّ آثارَهم مَوْجُودَةٌ.
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ الَّذِينَ قَلَّدُوا آباءَهم وعَبَدُوا الأصْنامَ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ البَراءُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وهو يُسْتَعْمَلُ لِلْواحِدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وتَبَرَّأْتُ مِن كَذا وأنا مِنهُ بَراءٌ وخَلاءٌ، لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ: خَلَقَنِي ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُثَبِّتُنِي عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ إمّا مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي، أوْ مُتَّصِلٌ مِن عُمُومِ ما، لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ (p-١٣٣٩)والأصْنامَ، وإخْبارُهُ بِأنَّهُ سَيَهْدِيهِ جَزْمًا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقُوَّةِ يَقِينِهِ.
﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ الضَّمِيرُ في جَعَلَها عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهي بِمَعْنى التَّوْحِيدِ كَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ وهم ذُرِّيَّتُهُ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - وفاعِلُ جَعَلَها إبْراهِيمُ، وذَلِكَ حَيْثُ وصّاهم بِالتَّوْحِيدِ وأمَرَهم بِأنْ يَدِينُوا بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] الآيَةَ، وقِيلَ: الفاعِلُ هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أيْ: وجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ، والعَقِبُ: مَن بَعْدُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الكَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لا يَزالُ مِن عَقِبِهِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الإسْلامُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الكَلِمَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَعْلِ أيْ: جَعَلَها باقِيَةً رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ إلَيْها مَن يُشْرِكُ مِنهم بِدُعاءِ مَن يُوَحِّدُ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَعَلَّهم راجَعٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ أيْ: لَعَلَّ أهْلَ مَكَّةَ يَرْجِعُونَ إلى دِينِكَ الَّذِي هو دِينُ إبْراهِيمَ.
وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ وجَعَلَها إلَخْ. قالَ السُّدِّيُّ: لَعَلَّهم يَتُوبُونَ. فَيَرْجِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نِعْمَتَهُ عَلى قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِنَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَهم فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ذِكْرِ ما مَتَّعَهم بِهِ مِنَ الأنْفُسِ والأهْلِ والأمْوالِ وأنْواعِ النِّعَمِ وما مَتَّعَ بِهِ آباءَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ وأكَبُّوا عَلى الشَّهَواتِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ومَعْنى مُبِينٌ ظاهِرُ الرِّسالَةِ واضِحُها، أوْ مُبَيِّنٌ لَهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما صَنَعُوهُ عِنْدَ مَجِيءِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ، فَسَمَّوُا القُرْآنَ سِحْرًا وجَحَدُوهُ. واسْتَحْقَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ المُرادُ بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةُ والطّائِفُ، وبِالرَّجُلَيْنِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مِن مَكَّةَ، وعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ كَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مِن مَكَّةَ، وعُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ يالِيلَ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ المُرادَ رَجُلٌ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمُ الجاهِ واسِعُ المالِ مُسَوَّدٌ في قَوْمِهِ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا لَنَزَلَ عَلى رَجُلٍ عَظِيمٍ مِن عُظَماءِ القَرْيَتَيْنِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِنها، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم ما يَعِيشُونَ بِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولَمْ نُفَوِّضْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ أنْ يَتَحَكَّمَ في شَيْءٍ بَلِ الحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ، وإذا كانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم أرْزاقَهم ورَفَعَ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ فَكَيْفَ لا يَقْنَعُونَ بِقِسْمَتِهِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ وتَفْوِيضِها إلى مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ الرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا.
قَرَأ الجُمْهُورُ مَعِيشَتَهم بِالإفْرادِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " مَعايِشَهم " بِالجَمْعِ، ومَعْنى ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أنَّهُ فاضَلَ بَيْنَهم فَجَعَلَ بَعْضَهم أفْضَلَ مِن بَعْضٍ في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ والرِّياسَةِ والقُوَّةِ والحُرِّيَّةِ والعَقْلِ والعِلْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ لِرَفْعِ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، فَقالَ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أيْ: لِيَسْتَخْدِمَ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَسْتَخْدِمُ الغَنِيُّ الفَقِيرَ، والرَّئِيسُ المَرْءُوسَ، والقَوِيُّ الضَّعِيفَ، والحُرُّ العَبْدَ، والعاقِلُ مَن هو دُونَهُ مِنَ العَقْلِ، والعالِمُ الجاهِلَ، وهَذا في غالِبِ أحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا، وبِهِ تَتِمُّ مَصالِحُهم، ويَنْتَظِمُ مَعاشُهم ويَصِلُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم إلى مَطْلُوبِهِ، فَإنَّ كُلَّ صِناعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ يُحْسِنُها قَوْمٌ دُونَ آخَرِينَ، فَجُعِلَ البَعْضُ مُحْتاجًا إلى البَعْضِ لِتَحْصُلَ المُواساةُ بَيْنَهم في مَتاعِ الدُّنْيا، ويَحْتاجُ هَذا إلى هَذا، ويَصْنَعُ هَذا هَذا، ويُعْطِي هَذا لِهَذا.
قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: سَخَّرْنا خَوَّلْنا وخَدَمًا يُسَخِّرُ الأغْنِياءُ الفُقَراءَ فَيَكُونُ بَعْضُهم سَبَبًا لِمَعاشِ بَعْضٍ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ: لِيَمْلِكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: هو السُّخْرِيَةُ الَّتِي بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ، وهَذا وإنْ كانَ مُطابِقًا لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ولَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِن مَعْنى القُرْآنِ ومُنافٍ لِما هو مَقْصُودُ السِّياقِ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ يَعْنِي بِالرَّحْمَةِ ما أعَدَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ في الدّارِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: هي النُّبُوَّةُ لِأنَّها المُرادُ بِالرَّحْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ كُلُّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّحْمَةِ إمّا شُمُولًا أوْ بَدَلًا، ومَعْنى مِمّا يَجْمَعُونَ: ما يَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ وسائِرِ مَتاعِ الدُّنْيا.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حَقارَةَ الدُّنْيا عِنْدَهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: لَوْلا أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكُفْرِ مَيْلًا إلى الدُّنْيا وزُخْرُفِها ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ جَمَعَ الضَّمِيرَ في بُيُوتِهِمْ وأفْرَدَهُ في يَكْفُرُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن ولَفْظِها، ولِبُيُوتِهِمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْصُولِ، والسُّقُفُ جَمْعُ سَقْفٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ السِّينِ والقافِ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولا ثالِثَ لَهُما. وقالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ سَقِيفٍ نَحْوُ كَثِيبٍ وكُثُبٍ ورَغِيفٍ ورُغُفٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ سُقُوفٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ القافِ عَلى الإفْرادِ ومَعْناهُ الجَمْعُ لِكَوْنِهِ لِلْجِنْسِ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ: لَوْلا أنْ يَكْفُرَ النّاسُ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إلى الدُّنْيا وتَرْكِهِمُ الآخِرَةَ لَأعْطَيْناهم في الدُّنْيا ما وصَفْناهُ لِهَوانِ الدُّنْيا عِنْدَ اللَّهِ وقالَ بِهَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً في طَلَبِ الدُّنْيا واخْتِيارِهِمْ لَها عَلى الآخِرَةِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى لَوْلا أنْ يَكُونَ في الكُفّارِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، وفي المُسْلِمِينَ مِثْلُ ذَلِكَ لَأعْطَيْنا الكُفّارَ مِنَ الدُّنْيا هَذا لِهَوانِها ﴿ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (p-١٣٤٠)المَعارِجُ: الدَّرَجُ جَمْعُ مِعْراجٍ، والمِعْراجُ السُّلَّمُ.
قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواحِدَةَ مِعْرَجًا ومَعْرَجًا مِثْلَ مِرْقاةٍ ومَرْقاةٍ، والمَعْنى: فَجَعَلْنا لَهم مَعارِجَ مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ: عَلى المَعارِجِ يَرْتَقُونَ ويَصْعَدُونَ، يُقالُ: ظَهَرْتُ عَلى البَيْتِ أيْ: عَلَوْتُ سَطْحَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدًا وفَخْرًا وسُودُدا ∗∗∗ وإنّا لَنَرْجُوا فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا
أيْ: مَصْعَدًا.
﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ﴿عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ أيْ: عَلى السُّرُرِ وهو جَمْعُ سَرِيرٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أسِرَّةٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ، والِاتِّكاءُ والتَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨] واتَّكَأ عَلى الشَّيْءِ، فَهو مُتَّكِئٌ، والمَوْضِعُ مُتَّكَأٌ، والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. وقِيلَ: الزِّينَةُ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ ذَهَبًا أوْ غَيْرَهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو ما يَتَّخِذُهُ النّاسُ في مَنازِلِهِمْ مِنَ الأمْتِعَةِ والأثاثِ. وقالَ الحَسَنُ: النُّقُوشُ وأصْلُهُ الزِّينَةُ، يُقالُ: زَخْرَفْتُ الدّارَ أيْ: زَيَّنْتُها.
وانْتِصابُ زُخْرُفًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: وجَعَلْنا لَهم مَعَ ذَلِكَ زُخْرُفًا، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: أبْوابًا وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ، فَلَمّا حُذِفَ الخافِضُ انْتَصَبَ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إنَّما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لَما بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هي النّافِيَةُ ولَمّا بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كَلُّ ذَلِكَ إلّا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِكَسْرِ اللّامِ مِن " لَمّا " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعِلَّةِ وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ: أيْ: لِلَّذِي هو مَتاعٌ ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: لِمَنِ اتَّقى الشِّرْكَ والمَعاصِيَ وآمَنَ بِاللَّهِ وحْدَهُ وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، فَإنَّها الباقِيَةُ الَّتِي لا تَفْنى، ونَعِيمُها الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ قالَ: عَلى دِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في عَقِبِهِ قالَ: عَقِبُ إبْراهِيمَ ولَدُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ما القَرْيَتانِ ؟ قالَ: الطّائِفُ ومَكَّةُ، قِيلَ: فَمَنِ الرَّجُلانِ ؟ قالَ: عُمَيْرُ بْنُ مَسْعُودٍ، وخِيارُ قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَعْنِي بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ والطّائِفَ، والعَظِيمُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ القُرَشِيُّ وحَبِيبُ بْنُ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنُونَ أشْرَفَ مِن مُحَمَّدٍ لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ مِن أهْلِ الطّائِفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآيَةَ يَقُولُ: لَوْلا أنْ نَفْعَلَ النّاسَ كُلَّهم كُفّارًا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفّارِ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ، ومَعارِجَ مِن فِضَّةٍ، وهي دَرَجٌ عَلَيْها يَصْعَدُونَ إلى الغُرَفِ وسُرُرٌ فِضَّةٌ، وزُخْرُفًا وهو: الذَّهَبُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى مِنها كافِرًا شَرْبَةَ ماءٍ» .
الزخرف 43:29
قَوْلُهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أأعْطَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ بِأنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَأْخُذُونَ بِما فِيهِ ويَحْتَجُّونَ بِهِ ويَجْعَلُونَهُ لَهم دَلِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أمْ مُعادَةً لِقَوْلِهِ أشَهِدُوا فَتَكُونُ مُتَّصِلَةً، والمَعْنى: أحَضَرُوا خَلْقَهم أمْ آتَيْناهم كِتابًا إلَخْ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في مِن قَبْلِهِ يَعُودُ إلى ادِّعائِهِمْ أيْ: أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ ادِّعائِهِمْ يَنْطِقُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا حُجَّةَ بِأيْدِيهِمْ ولا شُبْهَةَ، ولَكِنَّهُمُ اتَّبَعُوا آباءَهم في الضَّلالَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ فاعْتَرَفُوا بِأنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهم سِوى تَقْلِيدِ آبائِهِمْ، ومَعْنى عَلى أُمَّةٍ: عَلى طَرِيقَةٍ ومَذْهَبٍ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هي الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، يُقالُ: فُلانٌ لا أُمَّةَ لَهُ أيْ: لا دِينَ لَهُ ولا نِحْلَةَ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎كُنّا عَلى أُمَّةِ آبائِنا ونَقْتَدِي بِالأوَّلِ الأوَّلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وهَلْ يَسْتَوِي ذا أُمَّةٍ وكَفُورُ
وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: عَلى قِبْلَةٍ. وقالَ الأخْفَشُ: عَلى اسْتِقامَةٍ، وأنْشَدَ قَوْلَ النّابِغَةِ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ
قَرَأ الجُمْهُورُ أُمَّةٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِكَسْرِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والإمَّةُ (p-١٣٣٨)بِالكَسْرِ: النِّعْمَةُ، والإمَّةُ: أيْضًا لُغَةٌ في الأُمَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والأُمَّ ∗∗∗ ةِ وارَتْهم هُناكَ قُبُورُ
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ غَيْرَ هَؤُلاءِ مِنَ الكُفّارِ قَدْ سَبَقَهم إلى هَذِهِ المَقالَةِ وقالَ بِها فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ مُتْرَفُوها: أغْنِياؤُها ورُؤَساؤُها، قالَ قَتادَةُ: مُقْتَدُونَ مُتَّبِعُونَ، ومَعْنى الِاهْتِداءِ والِاقْتِداءِ مُتَقارِبٌ، وخَصَّصَ المُتْرَفِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّنَعُّمَ هو سَبَبُ إهْمالِ النَّظَرِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم﴾ أيْ: أتَتَّبِعُونَ آباءَكم ولَوْ جِئْتُكم بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قُلْ لَهم أتَتَّبِعُونَ ما وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم وإنْ جِئْتُكم بِأهْدى مِنهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قُلْ أوَلَوْ جِئْتُكم " وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ وهو حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ المُنْذِرِينَ وقَوْمِهِمْ أيْ: قالَ كُلُّ مُنْذِرٍ مِن أُولَئِكَ المُنْذِرِينَ لِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ: قُلْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ وقُبْحِهِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةِ في الإسْلامِ إنَّما يَعْمَلُونَ بِقَوْلِ أسْلافِهِمْ ويَتَّبِعُونَ آثارَهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَإذا رامَ الدّاعِي إلى الحَقِّ أنْ يُخْرِجَهم مِن ضَلالَةٍ أوْ يَدْفَعَهم عَنْ بِدْعَةٍ قَدْ تَمَسَّكُوا بِها ووَرِثُوها عَنْ أسْلافِهِمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ نَيِّرٍ ولا حُجَّةٍ واضِحَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ قالَ وقِيلَ: لِشُبْهَةٍ داحِضَةٍ وحُجَّةٍ زائِفَةٍ ومُقالَةٍ باطِلَةٍ، قالُوا بِما قالَهُ المُتْرَفُونَ مِن هَذِهِ المِلَلِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، أوْ بِما يُلاقِي مَعْناهُ مَعْنى ذَلِكَ، فَإنْ قالَ لَهُمُ الدّاعِي إلى الحَقِّ: قَدْ جَمَعَتْنا المِلَّةُ الإسْلامِيَّةُ وشَمِلَنا هَذا الدِّينُ المُحَمَّدِيُّ، ولَمْ يَتَعَبَّدْنا اللَّهُ ولا تَعَبَّدَكم وتَعَبَّدَ آباءَكم مِن قَبْلِكم إلّا بِكِتابِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ وبِما صَحَّ عَنْ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ المُبَيِّنُ لِكِتابِ اللَّهِ، المُوَضِّحُ لِمَعانِيهِ، الفارِقُ بَيْنَ مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، فَتَعالَوْا نَرُدُّ ما تَنازَعْنا فِيهِ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ كَما أمَرَنا اللَّهُ بِذَلِكَ في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فَإنَّ الرَّدَّ إلَيْهِما أهْدى لَنا ولَكم مِنَ الرَّدِّ إلى ما قالَهُ أسْلافُكم ودَرَجَ عَلَيْهِ آباؤُكم، نَفَرُوا نُفُورَ الوُحُوشِ، ورَمَوُا الدّاعِيَ لَهم إلى ذَلِكَ بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ، كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] ولا قَوْلَهُ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فَإنْ قالَ لَهُمُ القائِلُ: هَذا العالِمُ الَّذِي تَقْتَدُونَ بِهِ وتَتَّبِعُونَ أقْوالَهُ هو مِثْلُكم في كَوْنِهِ مُتَعَبِّدًا بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَطْلُوبًا مِنهُ ما هو مَطْلُوبٌ مِنكم، وإذا عَمِلَ بِرَأْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدانِهِ لِلدَّلِيلِ، فَذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُ لا يَحِلُّ أنْ يَتْبَعَهُ غَيْرُهُ عَلَيْها، ولا يَجُوزَ لَهُ العَمَلُ بِها، وقَدْ وجَدُوا الدَّلِيلَ الَّذِي لَمْ يَجِدْهُ، وها أنا أُوجِدْكُمُوهُ في كِتابِ اللَّهِ، أوْ فِيما صَحَّ مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ أهْدى لَكم مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا نَعْمَلُ بِهَذا ولا سَمْعَ لَكَ ولا طاعَةَ، ووَجَدُوا في صُدُورِهِمْ أعْظَمَ الحَرَجِ مِن حُكْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَمْ يُسَلِّمُوا لِذَلِكَ ولا أذْعَنُوا لَهُ، وقَدْ وهَبَ لَهُمُ الشَّيْطانُ عَصًا يَتَوَكَّئُونَ عَلَيْها عِنْدَ أنْ يَسْمَعُوا مَن يَدْعُوهم إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهي أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ إمامَنا الَّذِي قَلَّدْناهُ واقْتَدَيْنا بِهِ أعْلَمُ مِنكَ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ أذْهانَهم قَدْ تَصَوَّرَتْ مَن يَقْتَدُونَ بِهِ تَصَوُّرًا عَظِيمًا بِسَبَبِ تَقَدُّمِ العَصْرِ وكَثْرَةِ الأتْباعِ، وما عَلِمُوا أنَّ هَذا مَنقُوضٌ عَلَيْهِمْ مَدْفُوعٌ بِهِ في وُجُوهِهِمْ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهم: إنَّ في التّابِعِينَ مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا، وأقْدَمُ عَصْرًا مِن صاحِبِكم، فَإنْ كانَ لِتَقَدُّمِ العَصْرِ وجَلالَةِ القَدْرِ مَزِيَّةٌ حَتّى تُوجِبَ الِاقْتِداءَ، فَتَعالَوْا حَتّى أُرِيَكم مَن هو أقْدَمُ عَصْرًا وأجَلُّ قَدْرًا، فَإنْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فَها أنا أدُلُّكم عَلى مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا وأجَلُّ خَطَرًا وأكْثَرُ أتْباعًا وأقْدَمُ عَصْرًا، وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَبِيُّنا ونَبِيُّكم رَسُولُ اللَّهِ إلَيْنا وإلَيْكم فَتَعالَوْا فَهَذِهِ سُنَّتُهُ مَوْجُودَةٌ في دَفاتِرِ الإسْلامِ ودَواوِينِهِ الَّتِي تَلَقَّتْها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ، وهَذا كِتابُ رَبِّنا خالِقِ الكُلِّ ورازِقِ الكُلِّ ومُوجِدِ الكُلِّ بَيْنَ أظْهُرِنا، مَوْجُودٌ في كُلِّ بَيْتٍ، وبِيَدِ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يَلْحَقْهُ تَغْيِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا زِيادَةٌ ولا نَقْصٌ ولا تَحْرِيفٌ ولا تَصْحِيفٌ، ونَحْنُ وأنْتُمْ مِمَّنْ يَفْهَمُ ألْفاظَهُ ويَتَعَقَّلُ مَعانِيَهُ، فَتَعالَوْا لِنَأْخُذِ الحَقَّ مِن مَعْدِنِهِ ونَشْرَبَ صَفْوَ الماءِ مِن مَنبَعِهِ، فَهو أهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا سَمْعَ ولا طاعَةَ، إمّا بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، فَتَدَبَّرْ هَذا وتَأمَّلْهُ إنْ بَقِيَ فِيكَ بَقِيَّةٌ مِن إنْصافٍ وشُعْبَةٌ مِن خَيْرٍ ومِزْعَةٌ مِن حَياءٍ وحِصَّةٌ مِن دِينٍ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
وقَدْ أوْضَحْتُ هَذا غايَةَ الإيضاحِ في كِتابِي الَّذِي سَمَّيْتُهُ " أدَبَ الطَّلَبِ ومُنْتَهى الأرَبِ " فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ رُمْتَ أنْ تَنْجَلِيَ عَنْكَ ظُلُماتُ التَّعَصُّبِ وتَنْقَشِعَ لَكَ سَحائِبُ التَّقْلِيدِ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ الِانْتِقامُ ما أوْقَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ، فَإنَّ آثارَهم مَوْجُودَةٌ.
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ الَّذِينَ قَلَّدُوا آباءَهم وعَبَدُوا الأصْنامَ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ البَراءُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وهو يُسْتَعْمَلُ لِلْواحِدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وتَبَرَّأْتُ مِن كَذا وأنا مِنهُ بَراءٌ وخَلاءٌ، لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ: خَلَقَنِي ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُثَبِّتُنِي عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ إمّا مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي، أوْ مُتَّصِلٌ مِن عُمُومِ ما، لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ (p-١٣٣٩)والأصْنامَ، وإخْبارُهُ بِأنَّهُ سَيَهْدِيهِ جَزْمًا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقُوَّةِ يَقِينِهِ.
﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ الضَّمِيرُ في جَعَلَها عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهي بِمَعْنى التَّوْحِيدِ كَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ وهم ذُرِّيَّتُهُ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - وفاعِلُ جَعَلَها إبْراهِيمُ، وذَلِكَ حَيْثُ وصّاهم بِالتَّوْحِيدِ وأمَرَهم بِأنْ يَدِينُوا بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] الآيَةَ، وقِيلَ: الفاعِلُ هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أيْ: وجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ، والعَقِبُ: مَن بَعْدُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الكَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لا يَزالُ مِن عَقِبِهِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الإسْلامُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الكَلِمَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَعْلِ أيْ: جَعَلَها باقِيَةً رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ إلَيْها مَن يُشْرِكُ مِنهم بِدُعاءِ مَن يُوَحِّدُ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَعَلَّهم راجَعٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ أيْ: لَعَلَّ أهْلَ مَكَّةَ يَرْجِعُونَ إلى دِينِكَ الَّذِي هو دِينُ إبْراهِيمَ.
وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ وجَعَلَها إلَخْ. قالَ السُّدِّيُّ: لَعَلَّهم يَتُوبُونَ. فَيَرْجِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نِعْمَتَهُ عَلى قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِنَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَهم فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ذِكْرِ ما مَتَّعَهم بِهِ مِنَ الأنْفُسِ والأهْلِ والأمْوالِ وأنْواعِ النِّعَمِ وما مَتَّعَ بِهِ آباءَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ وأكَبُّوا عَلى الشَّهَواتِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ومَعْنى مُبِينٌ ظاهِرُ الرِّسالَةِ واضِحُها، أوْ مُبَيِّنٌ لَهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما صَنَعُوهُ عِنْدَ مَجِيءِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ، فَسَمَّوُا القُرْآنَ سِحْرًا وجَحَدُوهُ. واسْتَحْقَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ المُرادُ بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةُ والطّائِفُ، وبِالرَّجُلَيْنِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مِن مَكَّةَ، وعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ كَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مِن مَكَّةَ، وعُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ يالِيلَ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ المُرادَ رَجُلٌ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمُ الجاهِ واسِعُ المالِ مُسَوَّدٌ في قَوْمِهِ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا لَنَزَلَ عَلى رَجُلٍ عَظِيمٍ مِن عُظَماءِ القَرْيَتَيْنِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِنها، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم ما يَعِيشُونَ بِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولَمْ نُفَوِّضْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ أنْ يَتَحَكَّمَ في شَيْءٍ بَلِ الحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ، وإذا كانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم أرْزاقَهم ورَفَعَ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ فَكَيْفَ لا يَقْنَعُونَ بِقِسْمَتِهِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ وتَفْوِيضِها إلى مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ الرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا.
قَرَأ الجُمْهُورُ مَعِيشَتَهم بِالإفْرادِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " مَعايِشَهم " بِالجَمْعِ، ومَعْنى ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أنَّهُ فاضَلَ بَيْنَهم فَجَعَلَ بَعْضَهم أفْضَلَ مِن بَعْضٍ في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ والرِّياسَةِ والقُوَّةِ والحُرِّيَّةِ والعَقْلِ والعِلْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ لِرَفْعِ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، فَقالَ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أيْ: لِيَسْتَخْدِمَ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَسْتَخْدِمُ الغَنِيُّ الفَقِيرَ، والرَّئِيسُ المَرْءُوسَ، والقَوِيُّ الضَّعِيفَ، والحُرُّ العَبْدَ، والعاقِلُ مَن هو دُونَهُ مِنَ العَقْلِ، والعالِمُ الجاهِلَ، وهَذا في غالِبِ أحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا، وبِهِ تَتِمُّ مَصالِحُهم، ويَنْتَظِمُ مَعاشُهم ويَصِلُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم إلى مَطْلُوبِهِ، فَإنَّ كُلَّ صِناعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ يُحْسِنُها قَوْمٌ دُونَ آخَرِينَ، فَجُعِلَ البَعْضُ مُحْتاجًا إلى البَعْضِ لِتَحْصُلَ المُواساةُ بَيْنَهم في مَتاعِ الدُّنْيا، ويَحْتاجُ هَذا إلى هَذا، ويَصْنَعُ هَذا هَذا، ويُعْطِي هَذا لِهَذا.
قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: سَخَّرْنا خَوَّلْنا وخَدَمًا يُسَخِّرُ الأغْنِياءُ الفُقَراءَ فَيَكُونُ بَعْضُهم سَبَبًا لِمَعاشِ بَعْضٍ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ: لِيَمْلِكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: هو السُّخْرِيَةُ الَّتِي بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ، وهَذا وإنْ كانَ مُطابِقًا لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ولَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِن مَعْنى القُرْآنِ ومُنافٍ لِما هو مَقْصُودُ السِّياقِ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ يَعْنِي بِالرَّحْمَةِ ما أعَدَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ في الدّارِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: هي النُّبُوَّةُ لِأنَّها المُرادُ بِالرَّحْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ كُلُّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّحْمَةِ إمّا شُمُولًا أوْ بَدَلًا، ومَعْنى مِمّا يَجْمَعُونَ: ما يَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ وسائِرِ مَتاعِ الدُّنْيا.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حَقارَةَ الدُّنْيا عِنْدَهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: لَوْلا أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكُفْرِ مَيْلًا إلى الدُّنْيا وزُخْرُفِها ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ جَمَعَ الضَّمِيرَ في بُيُوتِهِمْ وأفْرَدَهُ في يَكْفُرُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن ولَفْظِها، ولِبُيُوتِهِمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْصُولِ، والسُّقُفُ جَمْعُ سَقْفٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ السِّينِ والقافِ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولا ثالِثَ لَهُما. وقالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ سَقِيفٍ نَحْوُ كَثِيبٍ وكُثُبٍ ورَغِيفٍ ورُغُفٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ سُقُوفٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ القافِ عَلى الإفْرادِ ومَعْناهُ الجَمْعُ لِكَوْنِهِ لِلْجِنْسِ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ: لَوْلا أنْ يَكْفُرَ النّاسُ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إلى الدُّنْيا وتَرْكِهِمُ الآخِرَةَ لَأعْطَيْناهم في الدُّنْيا ما وصَفْناهُ لِهَوانِ الدُّنْيا عِنْدَ اللَّهِ وقالَ بِهَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً في طَلَبِ الدُّنْيا واخْتِيارِهِمْ لَها عَلى الآخِرَةِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى لَوْلا أنْ يَكُونَ في الكُفّارِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، وفي المُسْلِمِينَ مِثْلُ ذَلِكَ لَأعْطَيْنا الكُفّارَ مِنَ الدُّنْيا هَذا لِهَوانِها ﴿ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (p-١٣٤٠)المَعارِجُ: الدَّرَجُ جَمْعُ مِعْراجٍ، والمِعْراجُ السُّلَّمُ.
قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواحِدَةَ مِعْرَجًا ومَعْرَجًا مِثْلَ مِرْقاةٍ ومَرْقاةٍ، والمَعْنى: فَجَعَلْنا لَهم مَعارِجَ مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ: عَلى المَعارِجِ يَرْتَقُونَ ويَصْعَدُونَ، يُقالُ: ظَهَرْتُ عَلى البَيْتِ أيْ: عَلَوْتُ سَطْحَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدًا وفَخْرًا وسُودُدا ∗∗∗ وإنّا لَنَرْجُوا فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا
أيْ: مَصْعَدًا.
﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ﴿عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ أيْ: عَلى السُّرُرِ وهو جَمْعُ سَرِيرٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أسِرَّةٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ، والِاتِّكاءُ والتَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨] واتَّكَأ عَلى الشَّيْءِ، فَهو مُتَّكِئٌ، والمَوْضِعُ مُتَّكَأٌ، والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. وقِيلَ: الزِّينَةُ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ ذَهَبًا أوْ غَيْرَهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو ما يَتَّخِذُهُ النّاسُ في مَنازِلِهِمْ مِنَ الأمْتِعَةِ والأثاثِ. وقالَ الحَسَنُ: النُّقُوشُ وأصْلُهُ الزِّينَةُ، يُقالُ: زَخْرَفْتُ الدّارَ أيْ: زَيَّنْتُها.
وانْتِصابُ زُخْرُفًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: وجَعَلْنا لَهم مَعَ ذَلِكَ زُخْرُفًا، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: أبْوابًا وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ، فَلَمّا حُذِفَ الخافِضُ انْتَصَبَ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إنَّما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لَما بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هي النّافِيَةُ ولَمّا بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كَلُّ ذَلِكَ إلّا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِكَسْرِ اللّامِ مِن " لَمّا " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعِلَّةِ وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ: أيْ: لِلَّذِي هو مَتاعٌ ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: لِمَنِ اتَّقى الشِّرْكَ والمَعاصِيَ وآمَنَ بِاللَّهِ وحْدَهُ وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، فَإنَّها الباقِيَةُ الَّتِي لا تَفْنى، ونَعِيمُها الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ قالَ: عَلى دِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في عَقِبِهِ قالَ: عَقِبُ إبْراهِيمَ ولَدُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ما القَرْيَتانِ ؟ قالَ: الطّائِفُ ومَكَّةُ، قِيلَ: فَمَنِ الرَّجُلانِ ؟ قالَ: عُمَيْرُ بْنُ مَسْعُودٍ، وخِيارُ قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَعْنِي بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ والطّائِفَ، والعَظِيمُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ القُرَشِيُّ وحَبِيبُ بْنُ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنُونَ أشْرَفَ مِن مُحَمَّدٍ لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ مِن أهْلِ الطّائِفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآيَةَ يَقُولُ: لَوْلا أنْ نَفْعَلَ النّاسَ كُلَّهم كُفّارًا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفّارِ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ، ومَعارِجَ مِن فِضَّةٍ، وهي دَرَجٌ عَلَيْها يَصْعَدُونَ إلى الغُرَفِ وسُرُرٌ فِضَّةٌ، وزُخْرُفًا وهو: الذَّهَبُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى مِنها كافِرًا شَرْبَةَ ماءٍ» .
الزخرف 43:30
قَوْلُهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ أيْ: بَلْ أأعْطَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ بِأنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَأْخُذُونَ بِما فِيهِ ويَحْتَجُّونَ بِهِ ويَجْعَلُونَهُ لَهم دَلِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أمْ مُعادَةً لِقَوْلِهِ أشَهِدُوا فَتَكُونُ مُتَّصِلَةً، والمَعْنى: أحَضَرُوا خَلْقَهم أمْ آتَيْناهم كِتابًا إلَخْ.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في مِن قَبْلِهِ يَعُودُ إلى ادِّعائِهِمْ أيْ: أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِ ادِّعائِهِمْ يَنْطِقُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا حُجَّةَ بِأيْدِيهِمْ ولا شُبْهَةَ، ولَكِنَّهُمُ اتَّبَعُوا آباءَهم في الضَّلالَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ فاعْتَرَفُوا بِأنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهم سِوى تَقْلِيدِ آبائِهِمْ، ومَعْنى عَلى أُمَّةٍ: عَلى طَرِيقَةٍ ومَذْهَبٍ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هي الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ والدِّينُ، يُقالُ: فُلانٌ لا أُمَّةَ لَهُ أيْ: لا دِينَ لَهُ ولا نِحْلَةَ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎كُنّا عَلى أُمَّةِ آبائِنا ونَقْتَدِي بِالأوَّلِ الأوَّلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وهَلْ يَسْتَوِي ذا أُمَّةٍ وكَفُورُ
وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: عَلى قِبْلَةٍ. وقالَ الأخْفَشُ: عَلى اسْتِقامَةٍ، وأنْشَدَ قَوْلَ النّابِغَةِ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ
قَرَأ الجُمْهُورُ أُمَّةٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِكَسْرِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والإمَّةُ (p-١٣٣٨)بِالكَسْرِ: النِّعْمَةُ، والإمَّةُ: أيْضًا لُغَةٌ في الأُمَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والأُمَّ ∗∗∗ ةِ وارَتْهم هُناكَ قُبُورُ
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ غَيْرَ هَؤُلاءِ مِنَ الكُفّارِ قَدْ سَبَقَهم إلى هَذِهِ المَقالَةِ وقالَ بِها فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ مُتْرَفُوها: أغْنِياؤُها ورُؤَساؤُها، قالَ قَتادَةُ: مُقْتَدُونَ مُتَّبِعُونَ، ومَعْنى الِاهْتِداءِ والِاقْتِداءِ مُتَقارِبٌ، وخَصَّصَ المُتْرَفِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّنَعُّمَ هو سَبَبُ إهْمالِ النَّظَرِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم﴾ أيْ: أتَتَّبِعُونَ آباءَكم ولَوْ جِئْتُكم بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى قُلْ لَهم أتَتَّبِعُونَ ما وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم وإنْ جِئْتُكم بِأهْدى مِنهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قُلْ أوَلَوْ جِئْتُكم " وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ وهو حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ المُنْذِرِينَ وقَوْمِهِمْ أيْ: قالَ كُلُّ مُنْذِرٍ مِن أُولَئِكَ المُنْذِرِينَ لِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ كِلا القِراءَتَيْنِ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ: قُلْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ وقُبْحِهِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةِ في الإسْلامِ إنَّما يَعْمَلُونَ بِقَوْلِ أسْلافِهِمْ ويَتَّبِعُونَ آثارَهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَإذا رامَ الدّاعِي إلى الحَقِّ أنْ يُخْرِجَهم مِن ضَلالَةٍ أوْ يَدْفَعَهم عَنْ بِدْعَةٍ قَدْ تَمَسَّكُوا بِها ووَرِثُوها عَنْ أسْلافِهِمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ نَيِّرٍ ولا حُجَّةٍ واضِحَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ قالَ وقِيلَ: لِشُبْهَةٍ داحِضَةٍ وحُجَّةٍ زائِفَةٍ ومُقالَةٍ باطِلَةٍ، قالُوا بِما قالَهُ المُتْرَفُونَ مِن هَذِهِ المِلَلِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، أوْ بِما يُلاقِي مَعْناهُ مَعْنى ذَلِكَ، فَإنْ قالَ لَهُمُ الدّاعِي إلى الحَقِّ: قَدْ جَمَعَتْنا المِلَّةُ الإسْلامِيَّةُ وشَمِلَنا هَذا الدِّينُ المُحَمَّدِيُّ، ولَمْ يَتَعَبَّدْنا اللَّهُ ولا تَعَبَّدَكم وتَعَبَّدَ آباءَكم مِن قَبْلِكم إلّا بِكِتابِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ وبِما صَحَّ عَنْ رَسُولِهِ، فَإنَّهُ المُبَيِّنُ لِكِتابِ اللَّهِ، المُوَضِّحُ لِمَعانِيهِ، الفارِقُ بَيْنَ مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، فَتَعالَوْا نَرُدُّ ما تَنازَعْنا فِيهِ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ كَما أمَرَنا اللَّهُ بِذَلِكَ في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فَإنَّ الرَّدَّ إلَيْهِما أهْدى لَنا ولَكم مِنَ الرَّدِّ إلى ما قالَهُ أسْلافُكم ودَرَجَ عَلَيْهِ آباؤُكم، نَفَرُوا نُفُورَ الوُحُوشِ، ورَمَوُا الدّاعِيَ لَهم إلى ذَلِكَ بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ، كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] ولا قَوْلَهُ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فَإنْ قالَ لَهُمُ القائِلُ: هَذا العالِمُ الَّذِي تَقْتَدُونَ بِهِ وتَتَّبِعُونَ أقْوالَهُ هو مِثْلُكم في كَوْنِهِ مُتَعَبِّدًا بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَطْلُوبًا مِنهُ ما هو مَطْلُوبٌ مِنكم، وإذا عَمِلَ بِرَأْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدانِهِ لِلدَّلِيلِ، فَذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُ لا يَحِلُّ أنْ يَتْبَعَهُ غَيْرُهُ عَلَيْها، ولا يَجُوزَ لَهُ العَمَلُ بِها، وقَدْ وجَدُوا الدَّلِيلَ الَّذِي لَمْ يَجِدْهُ، وها أنا أُوجِدْكُمُوهُ في كِتابِ اللَّهِ، أوْ فِيما صَحَّ مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ أهْدى لَكم مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا نَعْمَلُ بِهَذا ولا سَمْعَ لَكَ ولا طاعَةَ، ووَجَدُوا في صُدُورِهِمْ أعْظَمَ الحَرَجِ مِن حُكْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَمْ يُسَلِّمُوا لِذَلِكَ ولا أذْعَنُوا لَهُ، وقَدْ وهَبَ لَهُمُ الشَّيْطانُ عَصًا يَتَوَكَّئُونَ عَلَيْها عِنْدَ أنْ يَسْمَعُوا مَن يَدْعُوهم إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهي أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ إمامَنا الَّذِي قَلَّدْناهُ واقْتَدَيْنا بِهِ أعْلَمُ مِنكَ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ أذْهانَهم قَدْ تَصَوَّرَتْ مَن يَقْتَدُونَ بِهِ تَصَوُّرًا عَظِيمًا بِسَبَبِ تَقَدُّمِ العَصْرِ وكَثْرَةِ الأتْباعِ، وما عَلِمُوا أنَّ هَذا مَنقُوضٌ عَلَيْهِمْ مَدْفُوعٌ بِهِ في وُجُوهِهِمْ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهم: إنَّ في التّابِعِينَ مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا، وأقْدَمُ عَصْرًا مِن صاحِبِكم، فَإنْ كانَ لِتَقَدُّمِ العَصْرِ وجَلالَةِ القَدْرِ مَزِيَّةٌ حَتّى تُوجِبَ الِاقْتِداءَ، فَتَعالَوْا حَتّى أُرِيَكم مَن هو أقْدَمُ عَصْرًا وأجَلُّ قَدْرًا، فَإنْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فَها أنا أدُلُّكم عَلى مَن هو أعْظَمُ قَدْرًا وأجَلُّ خَطَرًا وأكْثَرُ أتْباعًا وأقْدَمُ عَصْرًا، وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَبِيُّنا ونَبِيُّكم رَسُولُ اللَّهِ إلَيْنا وإلَيْكم فَتَعالَوْا فَهَذِهِ سُنَّتُهُ مَوْجُودَةٌ في دَفاتِرِ الإسْلامِ ودَواوِينِهِ الَّتِي تَلَقَّتْها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ، وهَذا كِتابُ رَبِّنا خالِقِ الكُلِّ ورازِقِ الكُلِّ ومُوجِدِ الكُلِّ بَيْنَ أظْهُرِنا، مَوْجُودٌ في كُلِّ بَيْتٍ، وبِيَدِ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يَلْحَقْهُ تَغْيِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ ولا زِيادَةٌ ولا نَقْصٌ ولا تَحْرِيفٌ ولا تَصْحِيفٌ، ونَحْنُ وأنْتُمْ مِمَّنْ يَفْهَمُ ألْفاظَهُ ويَتَعَقَّلُ مَعانِيَهُ، فَتَعالَوْا لِنَأْخُذِ الحَقَّ مِن مَعْدِنِهِ ونَشْرَبَ صَفْوَ الماءِ مِن مَنبَعِهِ، فَهو أهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم، قالُوا: لا سَمْعَ ولا طاعَةَ، إمّا بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، فَتَدَبَّرْ هَذا وتَأمَّلْهُ إنْ بَقِيَ فِيكَ بَقِيَّةٌ مِن إنْصافٍ وشُعْبَةٌ مِن خَيْرٍ ومِزْعَةٌ مِن حَياءٍ وحِصَّةٌ مِن دِينٍ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
وقَدْ أوْضَحْتُ هَذا غايَةَ الإيضاحِ في كِتابِي الَّذِي سَمَّيْتُهُ " أدَبَ الطَّلَبِ ومُنْتَهى الأرَبِ " فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ رُمْتَ أنْ تَنْجَلِيَ عَنْكَ ظُلُماتُ التَّعَصُّبِ وتَنْقَشِعَ لَكَ سَحائِبُ التَّقْلِيدِ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ وذَلِكَ الِانْتِقامُ ما أوْقَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ، فَإنَّ آثارَهم مَوْجُودَةٌ.
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ الَّذِينَ قَلَّدُوا آباءَهم وعَبَدُوا الأصْنامَ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ البَراءُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وهو يُسْتَعْمَلُ لِلْواحِدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وتَبَرَّأْتُ مِن كَذا وأنا مِنهُ بَراءٌ وخَلاءٌ، لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ: خَلَقَنِي ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُثَبِّتُنِي عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ إمّا مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي، أوْ مُتَّصِلٌ مِن عُمُومِ ما، لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ (p-١٣٣٩)والأصْنامَ، وإخْبارُهُ بِأنَّهُ سَيَهْدِيهِ جَزْمًا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقُوَّةِ يَقِينِهِ.
﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ الضَّمِيرُ في جَعَلَها عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهي بِمَعْنى التَّوْحِيدِ كَأنَّهُ قالَ: وجَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ وهم ذُرِّيَّتُهُ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - وفاعِلُ جَعَلَها إبْراهِيمُ، وذَلِكَ حَيْثُ وصّاهم بِالتَّوْحِيدِ وأمَرَهم بِأنْ يَدِينُوا بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] الآيَةَ، وقِيلَ: الفاعِلُ هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أيْ: وجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ، والعَقِبُ: مَن بَعْدُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الكَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لا يَزالُ مِن عَقِبِهِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الإسْلامُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الكَلِمَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَعْلِ أيْ: جَعَلَها باقِيَةً رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ إلَيْها مَن يُشْرِكُ مِنهم بِدُعاءِ مَن يُوَحِّدُ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَعَلَّهم راجَعٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ أيْ: لَعَلَّ أهْلَ مَكَّةَ يَرْجِعُونَ إلى دِينِكَ الَّذِي هو دِينُ إبْراهِيمَ.
وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ وجَعَلَها إلَخْ. قالَ السُّدِّيُّ: لَعَلَّهم يَتُوبُونَ. فَيَرْجِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نِعْمَتَهُ عَلى قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِنَ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَهم فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ذِكْرِ ما مَتَّعَهم بِهِ مِنَ الأنْفُسِ والأهْلِ والأمْوالِ وأنْواعِ النِّعَمِ وما مَتَّعَ بِهِ آباءَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ وأكَبُّوا عَلى الشَّهَواتِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ومَعْنى مُبِينٌ ظاهِرُ الرِّسالَةِ واضِحُها، أوْ مُبَيِّنٌ لَهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما صَنَعُوهُ عِنْدَ مَجِيءِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: جاحِدُونَ، فَسَمَّوُا القُرْآنَ سِحْرًا وجَحَدُوهُ. واسْتَحْقَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ المُرادُ بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةُ والطّائِفُ، وبِالرَّجُلَيْنِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مِن مَكَّةَ، وعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ كَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مِن مَكَّةَ، وعُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ يالِيلَ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطّائِفِ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ المُرادَ رَجُلٌ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمُ الجاهِ واسِعُ المالِ مُسَوَّدٌ في قَوْمِهِ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا لَنَزَلَ عَلى رَجُلٍ عَظِيمٍ مِن عُظَماءِ القَرْيَتَيْنِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِنها، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم ما يَعِيشُونَ بِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولَمْ نُفَوِّضْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ أنْ يَتَحَكَّمَ في شَيْءٍ بَلِ الحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ، وإذا كانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم أرْزاقَهم ورَفَعَ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ فَكَيْفَ لا يَقْنَعُونَ بِقِسْمَتِهِ في أمْرِ النُّبُوَّةِ وتَفْوِيضِها إلى مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ الرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا.
قَرَأ الجُمْهُورُ مَعِيشَتَهم بِالإفْرادِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " مَعايِشَهم " بِالجَمْعِ، ومَعْنى ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أنَّهُ فاضَلَ بَيْنَهم فَجَعَلَ بَعْضَهم أفْضَلَ مِن بَعْضٍ في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ والرِّياسَةِ والقُوَّةِ والحُرِّيَّةِ والعَقْلِ والعِلْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ لِرَفْعِ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، فَقالَ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أيْ: لِيَسْتَخْدِمَ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَسْتَخْدِمُ الغَنِيُّ الفَقِيرَ، والرَّئِيسُ المَرْءُوسَ، والقَوِيُّ الضَّعِيفَ، والحُرُّ العَبْدَ، والعاقِلُ مَن هو دُونَهُ مِنَ العَقْلِ، والعالِمُ الجاهِلَ، وهَذا في غالِبِ أحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا، وبِهِ تَتِمُّ مَصالِحُهم، ويَنْتَظِمُ مَعاشُهم ويَصِلُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم إلى مَطْلُوبِهِ، فَإنَّ كُلَّ صِناعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ يُحْسِنُها قَوْمٌ دُونَ آخَرِينَ، فَجُعِلَ البَعْضُ مُحْتاجًا إلى البَعْضِ لِتَحْصُلَ المُواساةُ بَيْنَهم في مَتاعِ الدُّنْيا، ويَحْتاجُ هَذا إلى هَذا، ويَصْنَعُ هَذا هَذا، ويُعْطِي هَذا لِهَذا.
قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: سَخَّرْنا خَوَّلْنا وخَدَمًا يُسَخِّرُ الأغْنِياءُ الفُقَراءَ فَيَكُونُ بَعْضُهم سَبَبًا لِمَعاشِ بَعْضٍ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ: لِيَمْلِكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: هو السُّخْرِيَةُ الَّتِي بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ، وهَذا وإنْ كانَ مُطابِقًا لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ولَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِن مَعْنى القُرْآنِ ومُنافٍ لِما هو مَقْصُودُ السِّياقِ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ يَعْنِي بِالرَّحْمَةِ ما أعَدَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ في الدّارِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: هي النُّبُوَّةُ لِأنَّها المُرادُ بِالرَّحْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ كُلُّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّحْمَةِ إمّا شُمُولًا أوْ بَدَلًا، ومَعْنى مِمّا يَجْمَعُونَ: ما يَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ وسائِرِ مَتاعِ الدُّنْيا.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حَقارَةَ الدُّنْيا عِنْدَهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: لَوْلا أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكُفْرِ مَيْلًا إلى الدُّنْيا وزُخْرُفِها ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ جَمَعَ الضَّمِيرَ في بُيُوتِهِمْ وأفْرَدَهُ في يَكْفُرُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن ولَفْظِها، ولِبُيُوتِهِمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْصُولِ، والسُّقُفُ جَمْعُ سَقْفٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ السِّينِ والقافِ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولا ثالِثَ لَهُما. وقالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ سَقِيفٍ نَحْوُ كَثِيبٍ وكُثُبٍ ورَغِيفٍ ورُغُفٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ سُقُوفٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ القافِ عَلى الإفْرادِ ومَعْناهُ الجَمْعُ لِكَوْنِهِ لِلْجِنْسِ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ: لَوْلا أنْ يَكْفُرَ النّاسُ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إلى الدُّنْيا وتَرْكِهِمُ الآخِرَةَ لَأعْطَيْناهم في الدُّنْيا ما وصَفْناهُ لِهَوانِ الدُّنْيا عِنْدَ اللَّهِ وقالَ بِهَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً في طَلَبِ الدُّنْيا واخْتِيارِهِمْ لَها عَلى الآخِرَةِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى لَوْلا أنْ يَكُونَ في الكُفّارِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، وفي المُسْلِمِينَ مِثْلُ ذَلِكَ لَأعْطَيْنا الكُفّارَ مِنَ الدُّنْيا هَذا لِهَوانِها ﴿ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (p-١٣٤٠)المَعارِجُ: الدَّرَجُ جَمْعُ مِعْراجٍ، والمِعْراجُ السُّلَّمُ.
قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواحِدَةَ مِعْرَجًا ومَعْرَجًا مِثْلَ مِرْقاةٍ ومَرْقاةٍ، والمَعْنى: فَجَعَلْنا لَهم مَعارِجَ مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ: عَلى المَعارِجِ يَرْتَقُونَ ويَصْعَدُونَ، يُقالُ: ظَهَرْتُ عَلى البَيْتِ أيْ: عَلَوْتُ سَطْحَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدًا وفَخْرًا وسُودُدا ∗∗∗ وإنّا لَنَرْجُوا فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا
أيْ: مَصْعَدًا.
﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ﴿عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ أيْ: عَلى السُّرُرِ وهو جَمْعُ سَرِيرٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أسِرَّةٍ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْجَمْعِ، والِاتِّكاءُ والتَّوَكُّؤُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨] واتَّكَأ عَلى الشَّيْءِ، فَهو مُتَّكِئٌ، والمَوْضِعُ مُتَّكَأٌ، والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. وقِيلَ: الزِّينَةُ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ ذَهَبًا أوْ غَيْرَهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو ما يَتَّخِذُهُ النّاسُ في مَنازِلِهِمْ مِنَ الأمْتِعَةِ والأثاثِ. وقالَ الحَسَنُ: النُّقُوشُ وأصْلُهُ الزِّينَةُ، يُقالُ: زَخْرَفْتُ الدّارَ أيْ: زَيَّنْتُها.
وانْتِصابُ زُخْرُفًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: وجَعَلْنا لَهم مَعَ ذَلِكَ زُخْرُفًا، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: أبْوابًا وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ، فَلَمّا حُذِفَ الخافِضُ انْتَصَبَ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إنَّما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لَما بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هي النّافِيَةُ ولَمّا بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كَلُّ ذَلِكَ إلّا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِكَسْرِ اللّامِ مِن " لَمّا " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعِلَّةِ وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ: أيْ: لِلَّذِي هو مَتاعٌ ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: لِمَنِ اتَّقى الشِّرْكَ والمَعاصِيَ وآمَنَ بِاللَّهِ وحْدَهُ وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، فَإنَّها الباقِيَةُ الَّتِي لا تَفْنى، ونَعِيمُها الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ قالَ: عَلى دِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في عَقِبِهِ قالَ: عَقِبُ إبْراهِيمَ ولَدُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ما القَرْيَتانِ ؟ قالَ: الطّائِفُ ومَكَّةُ، قِيلَ: فَمَنِ الرَّجُلانِ ؟ قالَ: عُمَيْرُ بْنُ مَسْعُودٍ، وخِيارُ قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَعْنِي بِالقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ والطّائِفَ، والعَظِيمُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ القُرَشِيُّ وحَبِيبُ بْنُ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنُونَ أشْرَفَ مِن مُحَمَّدٍ لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ مِن أهْلِ الطّائِفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآيَةَ يَقُولُ: لَوْلا أنْ نَفْعَلَ النّاسَ كُلَّهم كُفّارًا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفّارِ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ، ومَعارِجَ مِن فِضَّةٍ، وهي دَرَجٌ عَلَيْها يَصْعَدُونَ إلى الغُرَفِ وسُرُرٌ فِضَّةٌ، وزُخْرُفًا وهو: الذَّهَبُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى مِنها كافِرًا شَرْبَةَ ماءٍ» .