Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأحقاف 46:1 – الأحقاف 46:33

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الأحقاف 46:1
  2. الأحقاف 46:2
  3. الأحقاف 46:3
  4. الأحقاف 46:4
  5. الأحقاف 46:5
  6. الأحقاف 46:6
  7. الأحقاف 46:7
  8. الأحقاف 46:8
  9. الأحقاف 46:9
  10. الأحقاف 46:10
  11. الأحقاف 46:11
  12. الأحقاف 46:12
  13. الأحقاف 46:13
  14. الأحقاف 46:14
  15. الأحقاف 46:15
  16. الأحقاف 46:16
  17. الأحقاف 46:17
  18. الأحقاف 46:18
  19. الأحقاف 46:19
  20. الأحقاف 46:20
  21. الأحقاف 46:21
  22. الأحقاف 46:22
  23. الأحقاف 46:23
  24. الأحقاف 46:24
  25. الأحقاف 46:25
  26. الأحقاف 46:26
  27. الأحقاف 46:27
  28. الأحقاف 46:28
  29. الأحقاف 46:29
  30. الأحقاف 46:30
  31. الأحقاف 46:31
  32. الأحقاف 46:32
  33. الأحقاف 46:33

الأحقاف 46:1

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما احْتَجَّ بِهِ المُشْرِكُونَ وما أجابَ بِهِ عَلَيْهِمْ ذَكَرَ اخْتِصاصَهُ بِالمُلْكِ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو المُتَصَرِّفُ فِيهِما وحْدَهُ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ مِن عِبادِهِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ أهْلَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ أيِ: المُكَذِّبُونَ الكافِرُونَ المُتَعَلِّقُونَ بِالأباطِيلِ يَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ خُسْرانُهم لِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى النّارِ، والعامِلُ في ( يَوْمَ ) هو يَخْسَرُ، و( يَوْمَئِذٍ ) بَدَلٌ مِنهُ، والتَّنْوِينُ لِلْعِوَضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ المُبْدَلُ مِنهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، فَيَكُونُ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، والأوْلى أنْ يَكُونَ العامِلُ في يَوْمٍ هو ( مُلْكُ ) أيْ: ولِلَّهِ مُلْكُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، ويَكُونُ ( يَوْمَئِذٍ ) مَعْمُولًا لِ يَخْسَرُ. ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أوْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأُمَّةُ المِلَّةُ، ومَعْنى ( جاثِيَةً ): مُسْتَوْفِزَةً، والمُسْتَوْفِزُ، الَّذِي لا يُصِيبُ الأرْضَ مِنهُ إلّا رُكْبَتاهُ وأطْرافُ أنامِلِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقِيلَ: مَعْنى جاثِيَةً: مُجْتَمِعَةً، قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى وتَرى أهْلَ كُلِّ ذِي دِينٍ مُجْتَمِعِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُتَمَيِّزَةً عَنْ غَيْرِها. وقالَ مُؤَرِّجٌ: مَعْناهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: خاضِعَةً. وقالَ الحَسَنُ: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ، والجَثْوُ الجُلُوسُ عَلى الرُّكَبِ، تَقُولُ جَثا يَجْثُو ويُجْثِي جَثْوًا وجِثِيًّا: إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ولا يُنافِيهِ وُرُودُ هَذا اللَّفْظِ لِمَعْنًى آخَرَ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ الجَثْوَةِ عَلى الجَماعَةِ مِن كُلِّ شَيْءٍ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ يَصِفُ قَبْرَيْنِ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ تَكُونُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ المُتَّبِعِينَ لِلرُّسُلِ وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الشِّرْكِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هو خاصٌّ بِالكُفّارِ، والأوَّلُ أوْلى. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ ولِقَوْلِهِ فِيما سَيَأْتِي: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ومَعْنى إلى كِتابِها: إلى الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْها، وقِيلَ: إلى صَحِيفَةِ أعْمالِها، وقِيلَ: إلى حِسابِها، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ كُلُّ أُمَّةٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: تُدْعى. وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُقالُ: لَهُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ (p-١٣٦٠)هَذا مِن تَمامِ ما يُقالُ: لَهم، والقائِلُ بِهَذا هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْكم، وهو اسْتِعارَةٌ، يُقالُ: نَطَقَ الكِتابُ بِكَذا أيْ: بَيَّنَ، وقِيلَ: إنَّهم يَقْرَءُونَهُ فَيَذْكُرُونَ ما عَمِلُوا، فَكَأنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نُقْصانَ، ومَحَلُّ ( يَنْطِقُ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِاسْمِ الإشارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنُّطْقِ بِالحَقِّ أيْ: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ أعْمالِكم أيْ: بِكَتْبِها وتَثْبِيتِها عَلَيْكم. قالَ الواحِدِيُّ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِنْساخَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ مِنهُ كُلَّ عامٍ ما يَكُونُ مِن أعْمالِ بَنِي آدَمَ فَيَجِدُونَ ذَلِكَ مُوافِقًا لِما يَعْمَلُونَهُ قالُوا: لِأنَّ الِاسْتِنْساخَ لا يَكُونُ إلّا مِن أصْلٍ. وقِيلَ: المَعْنى: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ كُلَّ يَوْمٍ ما يَعْمَلُهُ العَبْدُ، فَإذا رَجَعُوا إلى مَكانِهِمْ نَسَخُوا مِنهُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ وتَرَكُوا المُباحاتِ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ إذا رَفَعَتْ أعْمالَ العِبادِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أمَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُثْبَتَ عِنْدَهُ مِنها ما فِيهِ ثَوابٌ وعِقابٌ، ويُسْقَطَ مِنها ما لا ثَوابَ فِيهِ ولا عِقابَ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ﴾ أيِ: الإدْخالُ في رَحْمَتِهِ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ: الظّاهِرُ الواضِحُ. ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم﴾ أيْ: فَيُقالُ: لَهم ذَلِكَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ أتَتْهم وتَلَتْ عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، فَكَذَّبُوها ولَمْ يَعْمَلُوا بِها ﴿فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: تَكَبَّرْتُمْ عَنْ قَبُولِها وعَنِ الإيمانِ بِها، وكُنْتُمْ مِن أهْلِ الإجْرامِ، وهي الآثامُ، والِاجْتِرامُ الِاكْتِسابُ، يُقالُ: فُلانٌ جَرِيمَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ كاسِبَهم، فالمُجْرِمُ مَن كَسَبَ الآثامَ بِفِعْلِ المَعاصِي. ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: وعْدَهُ بِالبَعْثِ والحِسابِ، أوْ بِجَمِيعِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، والسّاعَةُ أيِ: القِيامَةُ لا رَيْبَ فِيها أيْ: في وُقُوعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( والسّاعَةُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي ؟ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ أيْ: نَحْدُسُ حَدْسًا ونَتَوَهَّمُ تَوَهُّمًا. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُهُ: إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، وقِيلَ: " إنْ نَظُنُّ " مُضَمَّنٌ مَعْنى نَعْتَقِدُ أيْ: ما نَعْتَقِدُ إلّا ظَنًّا لا عِلْمًا، وقِيلَ: إنَّ ظَنًّا لَهُ صِفَةٌ مُقَدَّرَةٌ: أيْ: إلّا ظَنًّا بَيِّنًا، وقِيلَ: إنَّ الظَّنَّ يَكُونُ بِمَعْنى العِلْمِ والشَّكِّ، فَكَأنَّهم قالُوا: ما لَنا اعْتِقادٌ إلّا الشَّكُّ ﴿وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَنا يَقِينٌ بِذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ مَعَنا إلّا مُجَرَّدُ الظَّنِّ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي هي عَلَيْها ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ جَزاءُ أعْمالِهِمْ بِدُخُولِهِمُ النّارَ. ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: نَتْرُكُكم في النّارِ كَما تَرَكْتُمُ العَمَلَ لِهَذا اليَوْمِ، وأضافَ اللِّقاءَ إلى اليَوْمِ تَوَسُّعًا؛ لِأنَّهُ أضافَ إلى الشَّيْءِ ما هو واقِعٌ فِيهِ ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ أيْ: مَسْكَنُكم ومُسْتَقَرُّكُمُ الَّذِينَ تَأْوُونَ إلَيْهِ ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ يَنْصُرُونَكم فَيَمْنَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ. ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ بِسَبَبِ أنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ القُرْآنَ هَزُوًا ولَعِبًا ﴿وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: خَدَعَتْكم بِزَخارِفِها وأباطِيلِها، فَظَنَنْتُمْ أنَّهُ لا دارَ غَيْرُها، ولا بَعْثَ، ولا نُشُورَ ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ أيْ: مِنَ النّارِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُخْرَجُونَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ إلى الغَيْبَةِ لِتَحْقِيرِهِمْ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ: لا يُسْتَرْضَوْنَ، ويُطْلَبُ مِنهُمُ الرُّجُوعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَوْمَ لا تُقْبَلُ فِيهِ تَوْبَةٌ ولا تَنْفَعُ فِيهِ مَعْذِرَةٌ. ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ سِواهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( رَبِّ ) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِالجَرِّ عَلى الصِّفَةِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ في الثَّلاثَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: هو رَبُّ السَّماواتِ إلَخْ. ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: الجَلالُ والعَظَمَةُ والسُّلْطانُ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضَ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيهِما ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ: العَزِيزُ في سُلْطانِهِ، فَلا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ، الحَكِيمُ في كُلِّ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وجَمِيعِ أقْضِيَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باباهْ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كَأنِّي أراكم بِالكَوْمِ دُونَ جَهَنَّمَ جاثِينَ» ثُمَّ قَرَأ سُفْيانُ ( وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ قالَ: كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها حَتّى يَجِيءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى كَوْمٍ قَدْ عَلا الخَلائِقَ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ قالَ: هو أُمُّ الكِتابِ فِيهِ أعْمالُ بَنِي آدَمَ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ يَسْتَنْسِخُونَ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ بِمَعْناهُ مُطَوَّلًا، فَقامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ، ما كُنّا نَرى هَذا تَكْتُبُهُ المَلائِكَةُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّكم لَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هَلْ يُسْتَنْسَخُ الشَّيْءُ إلّا مِن كِتابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَنْزِلُونَ في كُلِّ يَوْمٍ بِشَيْءٍ يَكْتُبُونَ فِيهِ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَسْتَنْسِخُ الحَفَظَةُ مِن أُمِّ الكِتابِ ما يَعْمَلُ بَنُو آدَمَ، فَإنَّما يَعْمَلُ الإنْسانُ ما اسْتَنْسَخَ المَلِكُ مِن أُمِّ الكِتابِ وأخْرَجَ نَحْوَهُ الحاكِمُ عَنْهُ، وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: إنَّ اللَّهَ وكَّلَ مَلائِكَتَهُ يَنْسَخُونَ مِن ذَلِكَ العامِ في (p-١٣٦١)رَمَضانَ لَيْلَةَ القَدْرِ ما يَكُونُ في الأرْضِ مِن حَدَثٍ إلى مِثْلِها مِنَ السَّنَةِ المُقْبِلَةِ، فَيَتَعارَضُونَ بِهِ حَفَظَةَ اللَّهِ عَلى العِبادِ عَشِيَّةَ كُلِّ خَمِيسٍ، فَيَجِدُونَ ما رَفَعَ الحَفَظَةُ مُوافِقًا لِما في كِتابِهِمْ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ قالَ: نَتْرُكُكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يَقُولُ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما ألْقَيْتُهُ في النّارِ» .

الأحقاف 46:2

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما احْتَجَّ بِهِ المُشْرِكُونَ وما أجابَ بِهِ عَلَيْهِمْ ذَكَرَ اخْتِصاصَهُ بِالمُلْكِ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو المُتَصَرِّفُ فِيهِما وحْدَهُ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ مِن عِبادِهِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ أهْلَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ أيِ: المُكَذِّبُونَ الكافِرُونَ المُتَعَلِّقُونَ بِالأباطِيلِ يَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ خُسْرانُهم لِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى النّارِ، والعامِلُ في ( يَوْمَ ) هو يَخْسَرُ، و( يَوْمَئِذٍ ) بَدَلٌ مِنهُ، والتَّنْوِينُ لِلْعِوَضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ المُبْدَلُ مِنهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، فَيَكُونُ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، والأوْلى أنْ يَكُونَ العامِلُ في يَوْمٍ هو ( مُلْكُ ) أيْ: ولِلَّهِ مُلْكُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، ويَكُونُ ( يَوْمَئِذٍ ) مَعْمُولًا لِ يَخْسَرُ. ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أوْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأُمَّةُ المِلَّةُ، ومَعْنى ( جاثِيَةً ): مُسْتَوْفِزَةً، والمُسْتَوْفِزُ، الَّذِي لا يُصِيبُ الأرْضَ مِنهُ إلّا رُكْبَتاهُ وأطْرافُ أنامِلِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقِيلَ: مَعْنى جاثِيَةً: مُجْتَمِعَةً، قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى وتَرى أهْلَ كُلِّ ذِي دِينٍ مُجْتَمِعِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُتَمَيِّزَةً عَنْ غَيْرِها. وقالَ مُؤَرِّجٌ: مَعْناهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: خاضِعَةً. وقالَ الحَسَنُ: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ، والجَثْوُ الجُلُوسُ عَلى الرُّكَبِ، تَقُولُ جَثا يَجْثُو ويُجْثِي جَثْوًا وجِثِيًّا: إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ولا يُنافِيهِ وُرُودُ هَذا اللَّفْظِ لِمَعْنًى آخَرَ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ الجَثْوَةِ عَلى الجَماعَةِ مِن كُلِّ شَيْءٍ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ يَصِفُ قَبْرَيْنِ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ تَكُونُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ المُتَّبِعِينَ لِلرُّسُلِ وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الشِّرْكِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هو خاصٌّ بِالكُفّارِ، والأوَّلُ أوْلى. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ ولِقَوْلِهِ فِيما سَيَأْتِي: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ومَعْنى إلى كِتابِها: إلى الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْها، وقِيلَ: إلى صَحِيفَةِ أعْمالِها، وقِيلَ: إلى حِسابِها، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ كُلُّ أُمَّةٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: تُدْعى. وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُقالُ: لَهُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ (p-١٣٦٠)هَذا مِن تَمامِ ما يُقالُ: لَهم، والقائِلُ بِهَذا هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْكم، وهو اسْتِعارَةٌ، يُقالُ: نَطَقَ الكِتابُ بِكَذا أيْ: بَيَّنَ، وقِيلَ: إنَّهم يَقْرَءُونَهُ فَيَذْكُرُونَ ما عَمِلُوا، فَكَأنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نُقْصانَ، ومَحَلُّ ( يَنْطِقُ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِاسْمِ الإشارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنُّطْقِ بِالحَقِّ أيْ: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ أعْمالِكم أيْ: بِكَتْبِها وتَثْبِيتِها عَلَيْكم. قالَ الواحِدِيُّ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِنْساخَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ مِنهُ كُلَّ عامٍ ما يَكُونُ مِن أعْمالِ بَنِي آدَمَ فَيَجِدُونَ ذَلِكَ مُوافِقًا لِما يَعْمَلُونَهُ قالُوا: لِأنَّ الِاسْتِنْساخَ لا يَكُونُ إلّا مِن أصْلٍ. وقِيلَ: المَعْنى: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ كُلَّ يَوْمٍ ما يَعْمَلُهُ العَبْدُ، فَإذا رَجَعُوا إلى مَكانِهِمْ نَسَخُوا مِنهُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ وتَرَكُوا المُباحاتِ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ إذا رَفَعَتْ أعْمالَ العِبادِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أمَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُثْبَتَ عِنْدَهُ مِنها ما فِيهِ ثَوابٌ وعِقابٌ، ويُسْقَطَ مِنها ما لا ثَوابَ فِيهِ ولا عِقابَ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ﴾ أيِ: الإدْخالُ في رَحْمَتِهِ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ: الظّاهِرُ الواضِحُ. ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم﴾ أيْ: فَيُقالُ: لَهم ذَلِكَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ أتَتْهم وتَلَتْ عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، فَكَذَّبُوها ولَمْ يَعْمَلُوا بِها ﴿فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: تَكَبَّرْتُمْ عَنْ قَبُولِها وعَنِ الإيمانِ بِها، وكُنْتُمْ مِن أهْلِ الإجْرامِ، وهي الآثامُ، والِاجْتِرامُ الِاكْتِسابُ، يُقالُ: فُلانٌ جَرِيمَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ كاسِبَهم، فالمُجْرِمُ مَن كَسَبَ الآثامَ بِفِعْلِ المَعاصِي. ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: وعْدَهُ بِالبَعْثِ والحِسابِ، أوْ بِجَمِيعِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، والسّاعَةُ أيِ: القِيامَةُ لا رَيْبَ فِيها أيْ: في وُقُوعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( والسّاعَةُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي ؟ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ أيْ: نَحْدُسُ حَدْسًا ونَتَوَهَّمُ تَوَهُّمًا. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُهُ: إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، وقِيلَ: " إنْ نَظُنُّ " مُضَمَّنٌ مَعْنى نَعْتَقِدُ أيْ: ما نَعْتَقِدُ إلّا ظَنًّا لا عِلْمًا، وقِيلَ: إنَّ ظَنًّا لَهُ صِفَةٌ مُقَدَّرَةٌ: أيْ: إلّا ظَنًّا بَيِّنًا، وقِيلَ: إنَّ الظَّنَّ يَكُونُ بِمَعْنى العِلْمِ والشَّكِّ، فَكَأنَّهم قالُوا: ما لَنا اعْتِقادٌ إلّا الشَّكُّ ﴿وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَنا يَقِينٌ بِذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ مَعَنا إلّا مُجَرَّدُ الظَّنِّ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي هي عَلَيْها ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ جَزاءُ أعْمالِهِمْ بِدُخُولِهِمُ النّارَ. ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: نَتْرُكُكم في النّارِ كَما تَرَكْتُمُ العَمَلَ لِهَذا اليَوْمِ، وأضافَ اللِّقاءَ إلى اليَوْمِ تَوَسُّعًا؛ لِأنَّهُ أضافَ إلى الشَّيْءِ ما هو واقِعٌ فِيهِ ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ أيْ: مَسْكَنُكم ومُسْتَقَرُّكُمُ الَّذِينَ تَأْوُونَ إلَيْهِ ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ يَنْصُرُونَكم فَيَمْنَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ. ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ بِسَبَبِ أنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ القُرْآنَ هَزُوًا ولَعِبًا ﴿وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: خَدَعَتْكم بِزَخارِفِها وأباطِيلِها، فَظَنَنْتُمْ أنَّهُ لا دارَ غَيْرُها، ولا بَعْثَ، ولا نُشُورَ ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ أيْ: مِنَ النّارِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُخْرَجُونَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ إلى الغَيْبَةِ لِتَحْقِيرِهِمْ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ: لا يُسْتَرْضَوْنَ، ويُطْلَبُ مِنهُمُ الرُّجُوعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَوْمَ لا تُقْبَلُ فِيهِ تَوْبَةٌ ولا تَنْفَعُ فِيهِ مَعْذِرَةٌ. ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ سِواهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( رَبِّ ) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِالجَرِّ عَلى الصِّفَةِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ في الثَّلاثَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: هو رَبُّ السَّماواتِ إلَخْ. ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: الجَلالُ والعَظَمَةُ والسُّلْطانُ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضَ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيهِما ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ: العَزِيزُ في سُلْطانِهِ، فَلا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ، الحَكِيمُ في كُلِّ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وجَمِيعِ أقْضِيَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باباهْ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كَأنِّي أراكم بِالكَوْمِ دُونَ جَهَنَّمَ جاثِينَ» ثُمَّ قَرَأ سُفْيانُ ( وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ قالَ: كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها حَتّى يَجِيءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى كَوْمٍ قَدْ عَلا الخَلائِقَ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ قالَ: هو أُمُّ الكِتابِ فِيهِ أعْمالُ بَنِي آدَمَ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ يَسْتَنْسِخُونَ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ بِمَعْناهُ مُطَوَّلًا، فَقامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ، ما كُنّا نَرى هَذا تَكْتُبُهُ المَلائِكَةُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّكم لَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هَلْ يُسْتَنْسَخُ الشَّيْءُ إلّا مِن كِتابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَنْزِلُونَ في كُلِّ يَوْمٍ بِشَيْءٍ يَكْتُبُونَ فِيهِ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَسْتَنْسِخُ الحَفَظَةُ مِن أُمِّ الكِتابِ ما يَعْمَلُ بَنُو آدَمَ، فَإنَّما يَعْمَلُ الإنْسانُ ما اسْتَنْسَخَ المَلِكُ مِن أُمِّ الكِتابِ وأخْرَجَ نَحْوَهُ الحاكِمُ عَنْهُ، وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: إنَّ اللَّهَ وكَّلَ مَلائِكَتَهُ يَنْسَخُونَ مِن ذَلِكَ العامِ في (p-١٣٦١)رَمَضانَ لَيْلَةَ القَدْرِ ما يَكُونُ في الأرْضِ مِن حَدَثٍ إلى مِثْلِها مِنَ السَّنَةِ المُقْبِلَةِ، فَيَتَعارَضُونَ بِهِ حَفَظَةَ اللَّهِ عَلى العِبادِ عَشِيَّةَ كُلِّ خَمِيسٍ، فَيَجِدُونَ ما رَفَعَ الحَفَظَةُ مُوافِقًا لِما في كِتابِهِمْ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ قالَ: نَتْرُكُكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يَقُولُ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما ألْقَيْتُهُ في النّارِ» .

الأحقاف 46:3

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما احْتَجَّ بِهِ المُشْرِكُونَ وما أجابَ بِهِ عَلَيْهِمْ ذَكَرَ اخْتِصاصَهُ بِالمُلْكِ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو المُتَصَرِّفُ فِيهِما وحْدَهُ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ مِن عِبادِهِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ أهْلَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ أيِ: المُكَذِّبُونَ الكافِرُونَ المُتَعَلِّقُونَ بِالأباطِيلِ يَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ خُسْرانُهم لِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى النّارِ، والعامِلُ في ( يَوْمَ ) هو يَخْسَرُ، و( يَوْمَئِذٍ ) بَدَلٌ مِنهُ، والتَّنْوِينُ لِلْعِوَضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ المُبْدَلُ مِنهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، فَيَكُونُ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، والأوْلى أنْ يَكُونَ العامِلُ في يَوْمٍ هو ( مُلْكُ ) أيْ: ولِلَّهِ مُلْكُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، ويَكُونُ ( يَوْمَئِذٍ ) مَعْمُولًا لِ يَخْسَرُ. ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أوْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأُمَّةُ المِلَّةُ، ومَعْنى ( جاثِيَةً ): مُسْتَوْفِزَةً، والمُسْتَوْفِزُ، الَّذِي لا يُصِيبُ الأرْضَ مِنهُ إلّا رُكْبَتاهُ وأطْرافُ أنامِلِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقِيلَ: مَعْنى جاثِيَةً: مُجْتَمِعَةً، قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى وتَرى أهْلَ كُلِّ ذِي دِينٍ مُجْتَمِعِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُتَمَيِّزَةً عَنْ غَيْرِها. وقالَ مُؤَرِّجٌ: مَعْناهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: خاضِعَةً. وقالَ الحَسَنُ: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ، والجَثْوُ الجُلُوسُ عَلى الرُّكَبِ، تَقُولُ جَثا يَجْثُو ويُجْثِي جَثْوًا وجِثِيًّا: إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ولا يُنافِيهِ وُرُودُ هَذا اللَّفْظِ لِمَعْنًى آخَرَ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ الجَثْوَةِ عَلى الجَماعَةِ مِن كُلِّ شَيْءٍ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ يَصِفُ قَبْرَيْنِ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ تَكُونُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ المُتَّبِعِينَ لِلرُّسُلِ وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الشِّرْكِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هو خاصٌّ بِالكُفّارِ، والأوَّلُ أوْلى. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ ولِقَوْلِهِ فِيما سَيَأْتِي: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ومَعْنى إلى كِتابِها: إلى الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْها، وقِيلَ: إلى صَحِيفَةِ أعْمالِها، وقِيلَ: إلى حِسابِها، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ كُلُّ أُمَّةٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: تُدْعى. وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُقالُ: لَهُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ (p-١٣٦٠)هَذا مِن تَمامِ ما يُقالُ: لَهم، والقائِلُ بِهَذا هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْكم، وهو اسْتِعارَةٌ، يُقالُ: نَطَقَ الكِتابُ بِكَذا أيْ: بَيَّنَ، وقِيلَ: إنَّهم يَقْرَءُونَهُ فَيَذْكُرُونَ ما عَمِلُوا، فَكَأنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نُقْصانَ، ومَحَلُّ ( يَنْطِقُ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِاسْمِ الإشارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنُّطْقِ بِالحَقِّ أيْ: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ أعْمالِكم أيْ: بِكَتْبِها وتَثْبِيتِها عَلَيْكم. قالَ الواحِدِيُّ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِنْساخَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ مِنهُ كُلَّ عامٍ ما يَكُونُ مِن أعْمالِ بَنِي آدَمَ فَيَجِدُونَ ذَلِكَ مُوافِقًا لِما يَعْمَلُونَهُ قالُوا: لِأنَّ الِاسْتِنْساخَ لا يَكُونُ إلّا مِن أصْلٍ. وقِيلَ: المَعْنى: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ كُلَّ يَوْمٍ ما يَعْمَلُهُ العَبْدُ، فَإذا رَجَعُوا إلى مَكانِهِمْ نَسَخُوا مِنهُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ وتَرَكُوا المُباحاتِ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ إذا رَفَعَتْ أعْمالَ العِبادِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أمَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُثْبَتَ عِنْدَهُ مِنها ما فِيهِ ثَوابٌ وعِقابٌ، ويُسْقَطَ مِنها ما لا ثَوابَ فِيهِ ولا عِقابَ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ﴾ أيِ: الإدْخالُ في رَحْمَتِهِ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ: الظّاهِرُ الواضِحُ. ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم﴾ أيْ: فَيُقالُ: لَهم ذَلِكَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ أتَتْهم وتَلَتْ عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، فَكَذَّبُوها ولَمْ يَعْمَلُوا بِها ﴿فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: تَكَبَّرْتُمْ عَنْ قَبُولِها وعَنِ الإيمانِ بِها، وكُنْتُمْ مِن أهْلِ الإجْرامِ، وهي الآثامُ، والِاجْتِرامُ الِاكْتِسابُ، يُقالُ: فُلانٌ جَرِيمَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ كاسِبَهم، فالمُجْرِمُ مَن كَسَبَ الآثامَ بِفِعْلِ المَعاصِي. ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: وعْدَهُ بِالبَعْثِ والحِسابِ، أوْ بِجَمِيعِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، والسّاعَةُ أيِ: القِيامَةُ لا رَيْبَ فِيها أيْ: في وُقُوعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( والسّاعَةُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي ؟ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ أيْ: نَحْدُسُ حَدْسًا ونَتَوَهَّمُ تَوَهُّمًا. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُهُ: إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، وقِيلَ: " إنْ نَظُنُّ " مُضَمَّنٌ مَعْنى نَعْتَقِدُ أيْ: ما نَعْتَقِدُ إلّا ظَنًّا لا عِلْمًا، وقِيلَ: إنَّ ظَنًّا لَهُ صِفَةٌ مُقَدَّرَةٌ: أيْ: إلّا ظَنًّا بَيِّنًا، وقِيلَ: إنَّ الظَّنَّ يَكُونُ بِمَعْنى العِلْمِ والشَّكِّ، فَكَأنَّهم قالُوا: ما لَنا اعْتِقادٌ إلّا الشَّكُّ ﴿وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَنا يَقِينٌ بِذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ مَعَنا إلّا مُجَرَّدُ الظَّنِّ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي هي عَلَيْها ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ جَزاءُ أعْمالِهِمْ بِدُخُولِهِمُ النّارَ. ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: نَتْرُكُكم في النّارِ كَما تَرَكْتُمُ العَمَلَ لِهَذا اليَوْمِ، وأضافَ اللِّقاءَ إلى اليَوْمِ تَوَسُّعًا؛ لِأنَّهُ أضافَ إلى الشَّيْءِ ما هو واقِعٌ فِيهِ ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ أيْ: مَسْكَنُكم ومُسْتَقَرُّكُمُ الَّذِينَ تَأْوُونَ إلَيْهِ ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ يَنْصُرُونَكم فَيَمْنَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ. ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ بِسَبَبِ أنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ القُرْآنَ هَزُوًا ولَعِبًا ﴿وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: خَدَعَتْكم بِزَخارِفِها وأباطِيلِها، فَظَنَنْتُمْ أنَّهُ لا دارَ غَيْرُها، ولا بَعْثَ، ولا نُشُورَ ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ أيْ: مِنَ النّارِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُخْرَجُونَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ إلى الغَيْبَةِ لِتَحْقِيرِهِمْ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ: لا يُسْتَرْضَوْنَ، ويُطْلَبُ مِنهُمُ الرُّجُوعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَوْمَ لا تُقْبَلُ فِيهِ تَوْبَةٌ ولا تَنْفَعُ فِيهِ مَعْذِرَةٌ. ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ سِواهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( رَبِّ ) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِالجَرِّ عَلى الصِّفَةِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ في الثَّلاثَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: هو رَبُّ السَّماواتِ إلَخْ. ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: الجَلالُ والعَظَمَةُ والسُّلْطانُ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضَ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيهِما ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ: العَزِيزُ في سُلْطانِهِ، فَلا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ، الحَكِيمُ في كُلِّ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وجَمِيعِ أقْضِيَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باباهْ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كَأنِّي أراكم بِالكَوْمِ دُونَ جَهَنَّمَ جاثِينَ» ثُمَّ قَرَأ سُفْيانُ ( وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ قالَ: كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها حَتّى يَجِيءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى كَوْمٍ قَدْ عَلا الخَلائِقَ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ قالَ: هو أُمُّ الكِتابِ فِيهِ أعْمالُ بَنِي آدَمَ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ يَسْتَنْسِخُونَ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ بِمَعْناهُ مُطَوَّلًا، فَقامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ، ما كُنّا نَرى هَذا تَكْتُبُهُ المَلائِكَةُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّكم لَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هَلْ يُسْتَنْسَخُ الشَّيْءُ إلّا مِن كِتابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَنْزِلُونَ في كُلِّ يَوْمٍ بِشَيْءٍ يَكْتُبُونَ فِيهِ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَسْتَنْسِخُ الحَفَظَةُ مِن أُمِّ الكِتابِ ما يَعْمَلُ بَنُو آدَمَ، فَإنَّما يَعْمَلُ الإنْسانُ ما اسْتَنْسَخَ المَلِكُ مِن أُمِّ الكِتابِ وأخْرَجَ نَحْوَهُ الحاكِمُ عَنْهُ، وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: إنَّ اللَّهَ وكَّلَ مَلائِكَتَهُ يَنْسَخُونَ مِن ذَلِكَ العامِ في (p-١٣٦١)رَمَضانَ لَيْلَةَ القَدْرِ ما يَكُونُ في الأرْضِ مِن حَدَثٍ إلى مِثْلِها مِنَ السَّنَةِ المُقْبِلَةِ، فَيَتَعارَضُونَ بِهِ حَفَظَةَ اللَّهِ عَلى العِبادِ عَشِيَّةَ كُلِّ خَمِيسٍ، فَيَجِدُونَ ما رَفَعَ الحَفَظَةُ مُوافِقًا لِما في كِتابِهِمْ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ قالَ: نَتْرُكُكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يَقُولُ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما ألْقَيْتُهُ في النّارِ» .

الأحقاف 46:4

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما احْتَجَّ بِهِ المُشْرِكُونَ وما أجابَ بِهِ عَلَيْهِمْ ذَكَرَ اخْتِصاصَهُ بِالمُلْكِ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو المُتَصَرِّفُ فِيهِما وحْدَهُ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ مِن عِبادِهِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ أهْلَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ أيِ: المُكَذِّبُونَ الكافِرُونَ المُتَعَلِّقُونَ بِالأباطِيلِ يَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ خُسْرانُهم لِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى النّارِ، والعامِلُ في ( يَوْمَ ) هو يَخْسَرُ، و( يَوْمَئِذٍ ) بَدَلٌ مِنهُ، والتَّنْوِينُ لِلْعِوَضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ المُبْدَلُ مِنهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، فَيَكُونُ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، والأوْلى أنْ يَكُونَ العامِلُ في يَوْمٍ هو ( مُلْكُ ) أيْ: ولِلَّهِ مُلْكُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، ويَكُونُ ( يَوْمَئِذٍ ) مَعْمُولًا لِ يَخْسَرُ. ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أوْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأُمَّةُ المِلَّةُ، ومَعْنى ( جاثِيَةً ): مُسْتَوْفِزَةً، والمُسْتَوْفِزُ، الَّذِي لا يُصِيبُ الأرْضَ مِنهُ إلّا رُكْبَتاهُ وأطْرافُ أنامِلِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقِيلَ: مَعْنى جاثِيَةً: مُجْتَمِعَةً، قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى وتَرى أهْلَ كُلِّ ذِي دِينٍ مُجْتَمِعِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُتَمَيِّزَةً عَنْ غَيْرِها. وقالَ مُؤَرِّجٌ: مَعْناهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: خاضِعَةً. وقالَ الحَسَنُ: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ، والجَثْوُ الجُلُوسُ عَلى الرُّكَبِ، تَقُولُ جَثا يَجْثُو ويُجْثِي جَثْوًا وجِثِيًّا: إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ولا يُنافِيهِ وُرُودُ هَذا اللَّفْظِ لِمَعْنًى آخَرَ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ الجَثْوَةِ عَلى الجَماعَةِ مِن كُلِّ شَيْءٍ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ يَصِفُ قَبْرَيْنِ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ تَكُونُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ المُتَّبِعِينَ لِلرُّسُلِ وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الشِّرْكِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هو خاصٌّ بِالكُفّارِ، والأوَّلُ أوْلى. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ ولِقَوْلِهِ فِيما سَيَأْتِي: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ومَعْنى إلى كِتابِها: إلى الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْها، وقِيلَ: إلى صَحِيفَةِ أعْمالِها، وقِيلَ: إلى حِسابِها، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ كُلُّ أُمَّةٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: تُدْعى. وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُقالُ: لَهُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ (p-١٣٦٠)هَذا مِن تَمامِ ما يُقالُ: لَهم، والقائِلُ بِهَذا هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْكم، وهو اسْتِعارَةٌ، يُقالُ: نَطَقَ الكِتابُ بِكَذا أيْ: بَيَّنَ، وقِيلَ: إنَّهم يَقْرَءُونَهُ فَيَذْكُرُونَ ما عَمِلُوا، فَكَأنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نُقْصانَ، ومَحَلُّ ( يَنْطِقُ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِاسْمِ الإشارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنُّطْقِ بِالحَقِّ أيْ: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ أعْمالِكم أيْ: بِكَتْبِها وتَثْبِيتِها عَلَيْكم. قالَ الواحِدِيُّ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِنْساخَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ مِنهُ كُلَّ عامٍ ما يَكُونُ مِن أعْمالِ بَنِي آدَمَ فَيَجِدُونَ ذَلِكَ مُوافِقًا لِما يَعْمَلُونَهُ قالُوا: لِأنَّ الِاسْتِنْساخَ لا يَكُونُ إلّا مِن أصْلٍ. وقِيلَ: المَعْنى: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ كُلَّ يَوْمٍ ما يَعْمَلُهُ العَبْدُ، فَإذا رَجَعُوا إلى مَكانِهِمْ نَسَخُوا مِنهُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ وتَرَكُوا المُباحاتِ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ إذا رَفَعَتْ أعْمالَ العِبادِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أمَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُثْبَتَ عِنْدَهُ مِنها ما فِيهِ ثَوابٌ وعِقابٌ، ويُسْقَطَ مِنها ما لا ثَوابَ فِيهِ ولا عِقابَ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ﴾ أيِ: الإدْخالُ في رَحْمَتِهِ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ: الظّاهِرُ الواضِحُ. ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم﴾ أيْ: فَيُقالُ: لَهم ذَلِكَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ أتَتْهم وتَلَتْ عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، فَكَذَّبُوها ولَمْ يَعْمَلُوا بِها ﴿فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: تَكَبَّرْتُمْ عَنْ قَبُولِها وعَنِ الإيمانِ بِها، وكُنْتُمْ مِن أهْلِ الإجْرامِ، وهي الآثامُ، والِاجْتِرامُ الِاكْتِسابُ، يُقالُ: فُلانٌ جَرِيمَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ كاسِبَهم، فالمُجْرِمُ مَن كَسَبَ الآثامَ بِفِعْلِ المَعاصِي. ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: وعْدَهُ بِالبَعْثِ والحِسابِ، أوْ بِجَمِيعِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، والسّاعَةُ أيِ: القِيامَةُ لا رَيْبَ فِيها أيْ: في وُقُوعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( والسّاعَةُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي ؟ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ أيْ: نَحْدُسُ حَدْسًا ونَتَوَهَّمُ تَوَهُّمًا. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُهُ: إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، وقِيلَ: " إنْ نَظُنُّ " مُضَمَّنٌ مَعْنى نَعْتَقِدُ أيْ: ما نَعْتَقِدُ إلّا ظَنًّا لا عِلْمًا، وقِيلَ: إنَّ ظَنًّا لَهُ صِفَةٌ مُقَدَّرَةٌ: أيْ: إلّا ظَنًّا بَيِّنًا، وقِيلَ: إنَّ الظَّنَّ يَكُونُ بِمَعْنى العِلْمِ والشَّكِّ، فَكَأنَّهم قالُوا: ما لَنا اعْتِقادٌ إلّا الشَّكُّ ﴿وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَنا يَقِينٌ بِذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ مَعَنا إلّا مُجَرَّدُ الظَّنِّ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي هي عَلَيْها ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ جَزاءُ أعْمالِهِمْ بِدُخُولِهِمُ النّارَ. ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: نَتْرُكُكم في النّارِ كَما تَرَكْتُمُ العَمَلَ لِهَذا اليَوْمِ، وأضافَ اللِّقاءَ إلى اليَوْمِ تَوَسُّعًا؛ لِأنَّهُ أضافَ إلى الشَّيْءِ ما هو واقِعٌ فِيهِ ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ أيْ: مَسْكَنُكم ومُسْتَقَرُّكُمُ الَّذِينَ تَأْوُونَ إلَيْهِ ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ يَنْصُرُونَكم فَيَمْنَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ. ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ بِسَبَبِ أنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ القُرْآنَ هَزُوًا ولَعِبًا ﴿وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: خَدَعَتْكم بِزَخارِفِها وأباطِيلِها، فَظَنَنْتُمْ أنَّهُ لا دارَ غَيْرُها، ولا بَعْثَ، ولا نُشُورَ ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ أيْ: مِنَ النّارِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُخْرَجُونَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ إلى الغَيْبَةِ لِتَحْقِيرِهِمْ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ: لا يُسْتَرْضَوْنَ، ويُطْلَبُ مِنهُمُ الرُّجُوعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَوْمَ لا تُقْبَلُ فِيهِ تَوْبَةٌ ولا تَنْفَعُ فِيهِ مَعْذِرَةٌ. ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ سِواهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( رَبِّ ) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِالجَرِّ عَلى الصِّفَةِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ في الثَّلاثَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: هو رَبُّ السَّماواتِ إلَخْ. ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: الجَلالُ والعَظَمَةُ والسُّلْطانُ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضَ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيهِما ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ: العَزِيزُ في سُلْطانِهِ، فَلا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ، الحَكِيمُ في كُلِّ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وجَمِيعِ أقْضِيَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باباهْ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كَأنِّي أراكم بِالكَوْمِ دُونَ جَهَنَّمَ جاثِينَ» ثُمَّ قَرَأ سُفْيانُ ( وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ قالَ: كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها حَتّى يَجِيءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى كَوْمٍ قَدْ عَلا الخَلائِقَ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ قالَ: هو أُمُّ الكِتابِ فِيهِ أعْمالُ بَنِي آدَمَ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ يَسْتَنْسِخُونَ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ بِمَعْناهُ مُطَوَّلًا، فَقامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ، ما كُنّا نَرى هَذا تَكْتُبُهُ المَلائِكَةُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّكم لَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هَلْ يُسْتَنْسَخُ الشَّيْءُ إلّا مِن كِتابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَنْزِلُونَ في كُلِّ يَوْمٍ بِشَيْءٍ يَكْتُبُونَ فِيهِ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَسْتَنْسِخُ الحَفَظَةُ مِن أُمِّ الكِتابِ ما يَعْمَلُ بَنُو آدَمَ، فَإنَّما يَعْمَلُ الإنْسانُ ما اسْتَنْسَخَ المَلِكُ مِن أُمِّ الكِتابِ وأخْرَجَ نَحْوَهُ الحاكِمُ عَنْهُ، وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: إنَّ اللَّهَ وكَّلَ مَلائِكَتَهُ يَنْسَخُونَ مِن ذَلِكَ العامِ في (p-١٣٦١)رَمَضانَ لَيْلَةَ القَدْرِ ما يَكُونُ في الأرْضِ مِن حَدَثٍ إلى مِثْلِها مِنَ السَّنَةِ المُقْبِلَةِ، فَيَتَعارَضُونَ بِهِ حَفَظَةَ اللَّهِ عَلى العِبادِ عَشِيَّةَ كُلِّ خَمِيسٍ، فَيَجِدُونَ ما رَفَعَ الحَفَظَةُ مُوافِقًا لِما في كِتابِهِمْ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ قالَ: نَتْرُكُكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يَقُولُ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما ألْقَيْتُهُ في النّارِ» .

الأحقاف 46:5

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما احْتَجَّ بِهِ المُشْرِكُونَ وما أجابَ بِهِ عَلَيْهِمْ ذَكَرَ اخْتِصاصَهُ بِالمُلْكِ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو المُتَصَرِّفُ فِيهِما وحْدَهُ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ مِن عِبادِهِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ أهْلَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ أيِ: المُكَذِّبُونَ الكافِرُونَ المُتَعَلِّقُونَ بِالأباطِيلِ يَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ خُسْرانُهم لِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى النّارِ، والعامِلُ في ( يَوْمَ ) هو يَخْسَرُ، و( يَوْمَئِذٍ ) بَدَلٌ مِنهُ، والتَّنْوِينُ لِلْعِوَضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ المُبْدَلُ مِنهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، فَيَكُونُ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، والأوْلى أنْ يَكُونَ العامِلُ في يَوْمٍ هو ( مُلْكُ ) أيْ: ولِلَّهِ مُلْكُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، ويَكُونُ ( يَوْمَئِذٍ ) مَعْمُولًا لِ يَخْسَرُ. ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أوْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأُمَّةُ المِلَّةُ، ومَعْنى ( جاثِيَةً ): مُسْتَوْفِزَةً، والمُسْتَوْفِزُ، الَّذِي لا يُصِيبُ الأرْضَ مِنهُ إلّا رُكْبَتاهُ وأطْرافُ أنامِلِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقِيلَ: مَعْنى جاثِيَةً: مُجْتَمِعَةً، قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى وتَرى أهْلَ كُلِّ ذِي دِينٍ مُجْتَمِعِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُتَمَيِّزَةً عَنْ غَيْرِها. وقالَ مُؤَرِّجٌ: مَعْناهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: خاضِعَةً. وقالَ الحَسَنُ: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ، والجَثْوُ الجُلُوسُ عَلى الرُّكَبِ، تَقُولُ جَثا يَجْثُو ويُجْثِي جَثْوًا وجِثِيًّا: إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ولا يُنافِيهِ وُرُودُ هَذا اللَّفْظِ لِمَعْنًى آخَرَ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ الجَثْوَةِ عَلى الجَماعَةِ مِن كُلِّ شَيْءٍ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ يَصِفُ قَبْرَيْنِ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ تَكُونُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ المُتَّبِعِينَ لِلرُّسُلِ وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الشِّرْكِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هو خاصٌّ بِالكُفّارِ، والأوَّلُ أوْلى. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ ولِقَوْلِهِ فِيما سَيَأْتِي: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ومَعْنى إلى كِتابِها: إلى الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْها، وقِيلَ: إلى صَحِيفَةِ أعْمالِها، وقِيلَ: إلى حِسابِها، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ كُلُّ أُمَّةٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: تُدْعى. وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُقالُ: لَهُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ (p-١٣٦٠)هَذا مِن تَمامِ ما يُقالُ: لَهم، والقائِلُ بِهَذا هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْكم، وهو اسْتِعارَةٌ، يُقالُ: نَطَقَ الكِتابُ بِكَذا أيْ: بَيَّنَ، وقِيلَ: إنَّهم يَقْرَءُونَهُ فَيَذْكُرُونَ ما عَمِلُوا، فَكَأنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نُقْصانَ، ومَحَلُّ ( يَنْطِقُ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِاسْمِ الإشارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنُّطْقِ بِالحَقِّ أيْ: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ أعْمالِكم أيْ: بِكَتْبِها وتَثْبِيتِها عَلَيْكم. قالَ الواحِدِيُّ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِنْساخَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ مِنهُ كُلَّ عامٍ ما يَكُونُ مِن أعْمالِ بَنِي آدَمَ فَيَجِدُونَ ذَلِكَ مُوافِقًا لِما يَعْمَلُونَهُ قالُوا: لِأنَّ الِاسْتِنْساخَ لا يَكُونُ إلّا مِن أصْلٍ. وقِيلَ: المَعْنى: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ كُلَّ يَوْمٍ ما يَعْمَلُهُ العَبْدُ، فَإذا رَجَعُوا إلى مَكانِهِمْ نَسَخُوا مِنهُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ وتَرَكُوا المُباحاتِ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ إذا رَفَعَتْ أعْمالَ العِبادِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أمَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُثْبَتَ عِنْدَهُ مِنها ما فِيهِ ثَوابٌ وعِقابٌ، ويُسْقَطَ مِنها ما لا ثَوابَ فِيهِ ولا عِقابَ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ﴾ أيِ: الإدْخالُ في رَحْمَتِهِ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ: الظّاهِرُ الواضِحُ. ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم﴾ أيْ: فَيُقالُ: لَهم ذَلِكَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ أتَتْهم وتَلَتْ عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، فَكَذَّبُوها ولَمْ يَعْمَلُوا بِها ﴿فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: تَكَبَّرْتُمْ عَنْ قَبُولِها وعَنِ الإيمانِ بِها، وكُنْتُمْ مِن أهْلِ الإجْرامِ، وهي الآثامُ، والِاجْتِرامُ الِاكْتِسابُ، يُقالُ: فُلانٌ جَرِيمَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ كاسِبَهم، فالمُجْرِمُ مَن كَسَبَ الآثامَ بِفِعْلِ المَعاصِي. ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: وعْدَهُ بِالبَعْثِ والحِسابِ، أوْ بِجَمِيعِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، والسّاعَةُ أيِ: القِيامَةُ لا رَيْبَ فِيها أيْ: في وُقُوعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( والسّاعَةُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي ؟ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ أيْ: نَحْدُسُ حَدْسًا ونَتَوَهَّمُ تَوَهُّمًا. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُهُ: إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، وقِيلَ: " إنْ نَظُنُّ " مُضَمَّنٌ مَعْنى نَعْتَقِدُ أيْ: ما نَعْتَقِدُ إلّا ظَنًّا لا عِلْمًا، وقِيلَ: إنَّ ظَنًّا لَهُ صِفَةٌ مُقَدَّرَةٌ: أيْ: إلّا ظَنًّا بَيِّنًا، وقِيلَ: إنَّ الظَّنَّ يَكُونُ بِمَعْنى العِلْمِ والشَّكِّ، فَكَأنَّهم قالُوا: ما لَنا اعْتِقادٌ إلّا الشَّكُّ ﴿وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَنا يَقِينٌ بِذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ مَعَنا إلّا مُجَرَّدُ الظَّنِّ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي هي عَلَيْها ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ جَزاءُ أعْمالِهِمْ بِدُخُولِهِمُ النّارَ. ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: نَتْرُكُكم في النّارِ كَما تَرَكْتُمُ العَمَلَ لِهَذا اليَوْمِ، وأضافَ اللِّقاءَ إلى اليَوْمِ تَوَسُّعًا؛ لِأنَّهُ أضافَ إلى الشَّيْءِ ما هو واقِعٌ فِيهِ ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ أيْ: مَسْكَنُكم ومُسْتَقَرُّكُمُ الَّذِينَ تَأْوُونَ إلَيْهِ ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ يَنْصُرُونَكم فَيَمْنَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ. ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ بِسَبَبِ أنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ القُرْآنَ هَزُوًا ولَعِبًا ﴿وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: خَدَعَتْكم بِزَخارِفِها وأباطِيلِها، فَظَنَنْتُمْ أنَّهُ لا دارَ غَيْرُها، ولا بَعْثَ، ولا نُشُورَ ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ أيْ: مِنَ النّارِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُخْرَجُونَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ إلى الغَيْبَةِ لِتَحْقِيرِهِمْ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ: لا يُسْتَرْضَوْنَ، ويُطْلَبُ مِنهُمُ الرُّجُوعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَوْمَ لا تُقْبَلُ فِيهِ تَوْبَةٌ ولا تَنْفَعُ فِيهِ مَعْذِرَةٌ. ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ سِواهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( رَبِّ ) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِالجَرِّ عَلى الصِّفَةِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ في الثَّلاثَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: هو رَبُّ السَّماواتِ إلَخْ. ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: الجَلالُ والعَظَمَةُ والسُّلْطانُ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضَ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيهِما ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ: العَزِيزُ في سُلْطانِهِ، فَلا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ، الحَكِيمُ في كُلِّ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وجَمِيعِ أقْضِيَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باباهْ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كَأنِّي أراكم بِالكَوْمِ دُونَ جَهَنَّمَ جاثِينَ» ثُمَّ قَرَأ سُفْيانُ ( وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ قالَ: كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها حَتّى يَجِيءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى كَوْمٍ قَدْ عَلا الخَلائِقَ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ قالَ: هو أُمُّ الكِتابِ فِيهِ أعْمالُ بَنِي آدَمَ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ يَسْتَنْسِخُونَ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ بِمَعْناهُ مُطَوَّلًا، فَقامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ، ما كُنّا نَرى هَذا تَكْتُبُهُ المَلائِكَةُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّكم لَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هَلْ يُسْتَنْسَخُ الشَّيْءُ إلّا مِن كِتابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَنْزِلُونَ في كُلِّ يَوْمٍ بِشَيْءٍ يَكْتُبُونَ فِيهِ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَسْتَنْسِخُ الحَفَظَةُ مِن أُمِّ الكِتابِ ما يَعْمَلُ بَنُو آدَمَ، فَإنَّما يَعْمَلُ الإنْسانُ ما اسْتَنْسَخَ المَلِكُ مِن أُمِّ الكِتابِ وأخْرَجَ نَحْوَهُ الحاكِمُ عَنْهُ، وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: إنَّ اللَّهَ وكَّلَ مَلائِكَتَهُ يَنْسَخُونَ مِن ذَلِكَ العامِ في (p-١٣٦١)رَمَضانَ لَيْلَةَ القَدْرِ ما يَكُونُ في الأرْضِ مِن حَدَثٍ إلى مِثْلِها مِنَ السَّنَةِ المُقْبِلَةِ، فَيَتَعارَضُونَ بِهِ حَفَظَةَ اللَّهِ عَلى العِبادِ عَشِيَّةَ كُلِّ خَمِيسٍ، فَيَجِدُونَ ما رَفَعَ الحَفَظَةُ مُوافِقًا لِما في كِتابِهِمْ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ قالَ: نَتْرُكُكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يَقُولُ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما ألْقَيْتُهُ في النّارِ» .

الأحقاف 46:6

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما احْتَجَّ بِهِ المُشْرِكُونَ وما أجابَ بِهِ عَلَيْهِمْ ذَكَرَ اخْتِصاصَهُ بِالمُلْكِ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو المُتَصَرِّفُ فِيهِما وحْدَهُ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ مِن عِبادِهِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ أهْلَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ أيِ: المُكَذِّبُونَ الكافِرُونَ المُتَعَلِّقُونَ بِالأباطِيلِ يَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ خُسْرانُهم لِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى النّارِ، والعامِلُ في ( يَوْمَ ) هو يَخْسَرُ، و( يَوْمَئِذٍ ) بَدَلٌ مِنهُ، والتَّنْوِينُ لِلْعِوَضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ المُبْدَلُ مِنهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، فَيَكُونُ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، والأوْلى أنْ يَكُونَ العامِلُ في يَوْمٍ هو ( مُلْكُ ) أيْ: ولِلَّهِ مُلْكُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، ويَكُونُ ( يَوْمَئِذٍ ) مَعْمُولًا لِ يَخْسَرُ. ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أوْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأُمَّةُ المِلَّةُ، ومَعْنى ( جاثِيَةً ): مُسْتَوْفِزَةً، والمُسْتَوْفِزُ، الَّذِي لا يُصِيبُ الأرْضَ مِنهُ إلّا رُكْبَتاهُ وأطْرافُ أنامِلِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقِيلَ: مَعْنى جاثِيَةً: مُجْتَمِعَةً، قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى وتَرى أهْلَ كُلِّ ذِي دِينٍ مُجْتَمِعِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُتَمَيِّزَةً عَنْ غَيْرِها. وقالَ مُؤَرِّجٌ: مَعْناهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: خاضِعَةً. وقالَ الحَسَنُ: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ، والجَثْوُ الجُلُوسُ عَلى الرُّكَبِ، تَقُولُ جَثا يَجْثُو ويُجْثِي جَثْوًا وجِثِيًّا: إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ولا يُنافِيهِ وُرُودُ هَذا اللَّفْظِ لِمَعْنًى آخَرَ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ الجَثْوَةِ عَلى الجَماعَةِ مِن كُلِّ شَيْءٍ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ يَصِفُ قَبْرَيْنِ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ تَكُونُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ المُتَّبِعِينَ لِلرُّسُلِ وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الشِّرْكِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هو خاصٌّ بِالكُفّارِ، والأوَّلُ أوْلى. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ ولِقَوْلِهِ فِيما سَيَأْتِي: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ومَعْنى إلى كِتابِها: إلى الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْها، وقِيلَ: إلى صَحِيفَةِ أعْمالِها، وقِيلَ: إلى حِسابِها، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ كُلُّ أُمَّةٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: تُدْعى. وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُقالُ: لَهُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ (p-١٣٦٠)هَذا مِن تَمامِ ما يُقالُ: لَهم، والقائِلُ بِهَذا هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْكم، وهو اسْتِعارَةٌ، يُقالُ: نَطَقَ الكِتابُ بِكَذا أيْ: بَيَّنَ، وقِيلَ: إنَّهم يَقْرَءُونَهُ فَيَذْكُرُونَ ما عَمِلُوا، فَكَأنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نُقْصانَ، ومَحَلُّ ( يَنْطِقُ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِاسْمِ الإشارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنُّطْقِ بِالحَقِّ أيْ: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ أعْمالِكم أيْ: بِكَتْبِها وتَثْبِيتِها عَلَيْكم. قالَ الواحِدِيُّ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِنْساخَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ مِنهُ كُلَّ عامٍ ما يَكُونُ مِن أعْمالِ بَنِي آدَمَ فَيَجِدُونَ ذَلِكَ مُوافِقًا لِما يَعْمَلُونَهُ قالُوا: لِأنَّ الِاسْتِنْساخَ لا يَكُونُ إلّا مِن أصْلٍ. وقِيلَ: المَعْنى: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ كُلَّ يَوْمٍ ما يَعْمَلُهُ العَبْدُ، فَإذا رَجَعُوا إلى مَكانِهِمْ نَسَخُوا مِنهُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ وتَرَكُوا المُباحاتِ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ إذا رَفَعَتْ أعْمالَ العِبادِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أمَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُثْبَتَ عِنْدَهُ مِنها ما فِيهِ ثَوابٌ وعِقابٌ، ويُسْقَطَ مِنها ما لا ثَوابَ فِيهِ ولا عِقابَ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ﴾ أيِ: الإدْخالُ في رَحْمَتِهِ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ: الظّاهِرُ الواضِحُ. ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم﴾ أيْ: فَيُقالُ: لَهم ذَلِكَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ أتَتْهم وتَلَتْ عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، فَكَذَّبُوها ولَمْ يَعْمَلُوا بِها ﴿فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: تَكَبَّرْتُمْ عَنْ قَبُولِها وعَنِ الإيمانِ بِها، وكُنْتُمْ مِن أهْلِ الإجْرامِ، وهي الآثامُ، والِاجْتِرامُ الِاكْتِسابُ، يُقالُ: فُلانٌ جَرِيمَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ كاسِبَهم، فالمُجْرِمُ مَن كَسَبَ الآثامَ بِفِعْلِ المَعاصِي. ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: وعْدَهُ بِالبَعْثِ والحِسابِ، أوْ بِجَمِيعِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، والسّاعَةُ أيِ: القِيامَةُ لا رَيْبَ فِيها أيْ: في وُقُوعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( والسّاعَةُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي ؟ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ أيْ: نَحْدُسُ حَدْسًا ونَتَوَهَّمُ تَوَهُّمًا. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُهُ: إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، وقِيلَ: " إنْ نَظُنُّ " مُضَمَّنٌ مَعْنى نَعْتَقِدُ أيْ: ما نَعْتَقِدُ إلّا ظَنًّا لا عِلْمًا، وقِيلَ: إنَّ ظَنًّا لَهُ صِفَةٌ مُقَدَّرَةٌ: أيْ: إلّا ظَنًّا بَيِّنًا، وقِيلَ: إنَّ الظَّنَّ يَكُونُ بِمَعْنى العِلْمِ والشَّكِّ، فَكَأنَّهم قالُوا: ما لَنا اعْتِقادٌ إلّا الشَّكُّ ﴿وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَنا يَقِينٌ بِذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ مَعَنا إلّا مُجَرَّدُ الظَّنِّ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي هي عَلَيْها ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ جَزاءُ أعْمالِهِمْ بِدُخُولِهِمُ النّارَ. ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: نَتْرُكُكم في النّارِ كَما تَرَكْتُمُ العَمَلَ لِهَذا اليَوْمِ، وأضافَ اللِّقاءَ إلى اليَوْمِ تَوَسُّعًا؛ لِأنَّهُ أضافَ إلى الشَّيْءِ ما هو واقِعٌ فِيهِ ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ أيْ: مَسْكَنُكم ومُسْتَقَرُّكُمُ الَّذِينَ تَأْوُونَ إلَيْهِ ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ يَنْصُرُونَكم فَيَمْنَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ. ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ بِسَبَبِ أنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ القُرْآنَ هَزُوًا ولَعِبًا ﴿وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: خَدَعَتْكم بِزَخارِفِها وأباطِيلِها، فَظَنَنْتُمْ أنَّهُ لا دارَ غَيْرُها، ولا بَعْثَ، ولا نُشُورَ ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ أيْ: مِنَ النّارِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُخْرَجُونَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ إلى الغَيْبَةِ لِتَحْقِيرِهِمْ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ: لا يُسْتَرْضَوْنَ، ويُطْلَبُ مِنهُمُ الرُّجُوعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَوْمَ لا تُقْبَلُ فِيهِ تَوْبَةٌ ولا تَنْفَعُ فِيهِ مَعْذِرَةٌ. ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ سِواهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( رَبِّ ) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِالجَرِّ عَلى الصِّفَةِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ في الثَّلاثَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: هو رَبُّ السَّماواتِ إلَخْ. ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: الجَلالُ والعَظَمَةُ والسُّلْطانُ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضَ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيهِما ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ: العَزِيزُ في سُلْطانِهِ، فَلا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ، الحَكِيمُ في كُلِّ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وجَمِيعِ أقْضِيَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باباهْ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كَأنِّي أراكم بِالكَوْمِ دُونَ جَهَنَّمَ جاثِينَ» ثُمَّ قَرَأ سُفْيانُ ( وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ قالَ: كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها حَتّى يَجِيءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى كَوْمٍ قَدْ عَلا الخَلائِقَ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ قالَ: هو أُمُّ الكِتابِ فِيهِ أعْمالُ بَنِي آدَمَ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ يَسْتَنْسِخُونَ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ بِمَعْناهُ مُطَوَّلًا، فَقامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ، ما كُنّا نَرى هَذا تَكْتُبُهُ المَلائِكَةُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّكم لَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هَلْ يُسْتَنْسَخُ الشَّيْءُ إلّا مِن كِتابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَنْزِلُونَ في كُلِّ يَوْمٍ بِشَيْءٍ يَكْتُبُونَ فِيهِ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَسْتَنْسِخُ الحَفَظَةُ مِن أُمِّ الكِتابِ ما يَعْمَلُ بَنُو آدَمَ، فَإنَّما يَعْمَلُ الإنْسانُ ما اسْتَنْسَخَ المَلِكُ مِن أُمِّ الكِتابِ وأخْرَجَ نَحْوَهُ الحاكِمُ عَنْهُ، وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: إنَّ اللَّهَ وكَّلَ مَلائِكَتَهُ يَنْسَخُونَ مِن ذَلِكَ العامِ في (p-١٣٦١)رَمَضانَ لَيْلَةَ القَدْرِ ما يَكُونُ في الأرْضِ مِن حَدَثٍ إلى مِثْلِها مِنَ السَّنَةِ المُقْبِلَةِ، فَيَتَعارَضُونَ بِهِ حَفَظَةَ اللَّهِ عَلى العِبادِ عَشِيَّةَ كُلِّ خَمِيسٍ، فَيَجِدُونَ ما رَفَعَ الحَفَظَةُ مُوافِقًا لِما في كِتابِهِمْ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ قالَ: نَتْرُكُكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يَقُولُ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما ألْقَيْتُهُ في النّارِ» .

الأحقاف 46:7

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما احْتَجَّ بِهِ المُشْرِكُونَ وما أجابَ بِهِ عَلَيْهِمْ ذَكَرَ اخْتِصاصَهُ بِالمُلْكِ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو المُتَصَرِّفُ فِيهِما وحْدَهُ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ مِن عِبادِهِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ أهْلَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ أيِ: المُكَذِّبُونَ الكافِرُونَ المُتَعَلِّقُونَ بِالأباطِيلِ يَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ خُسْرانُهم لِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى النّارِ، والعامِلُ في ( يَوْمَ ) هو يَخْسَرُ، و( يَوْمَئِذٍ ) بَدَلٌ مِنهُ، والتَّنْوِينُ لِلْعِوَضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ المُبْدَلُ مِنهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، فَيَكُونُ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، والأوْلى أنْ يَكُونَ العامِلُ في يَوْمٍ هو ( مُلْكُ ) أيْ: ولِلَّهِ مُلْكُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، ويَكُونُ ( يَوْمَئِذٍ ) مَعْمُولًا لِ يَخْسَرُ. ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أوْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأُمَّةُ المِلَّةُ، ومَعْنى ( جاثِيَةً ): مُسْتَوْفِزَةً، والمُسْتَوْفِزُ، الَّذِي لا يُصِيبُ الأرْضَ مِنهُ إلّا رُكْبَتاهُ وأطْرافُ أنامِلِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقِيلَ: مَعْنى جاثِيَةً: مُجْتَمِعَةً، قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى وتَرى أهْلَ كُلِّ ذِي دِينٍ مُجْتَمِعِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُتَمَيِّزَةً عَنْ غَيْرِها. وقالَ مُؤَرِّجٌ: مَعْناهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: خاضِعَةً. وقالَ الحَسَنُ: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ، والجَثْوُ الجُلُوسُ عَلى الرُّكَبِ، تَقُولُ جَثا يَجْثُو ويُجْثِي جَثْوًا وجِثِيًّا: إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ولا يُنافِيهِ وُرُودُ هَذا اللَّفْظِ لِمَعْنًى آخَرَ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ الجَثْوَةِ عَلى الجَماعَةِ مِن كُلِّ شَيْءٍ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ يَصِفُ قَبْرَيْنِ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ تَكُونُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ المُتَّبِعِينَ لِلرُّسُلِ وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الشِّرْكِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هو خاصٌّ بِالكُفّارِ، والأوَّلُ أوْلى. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ ولِقَوْلِهِ فِيما سَيَأْتِي: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ومَعْنى إلى كِتابِها: إلى الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْها، وقِيلَ: إلى صَحِيفَةِ أعْمالِها، وقِيلَ: إلى حِسابِها، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ كُلُّ أُمَّةٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: تُدْعى. وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُقالُ: لَهُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ (p-١٣٦٠)هَذا مِن تَمامِ ما يُقالُ: لَهم، والقائِلُ بِهَذا هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْكم، وهو اسْتِعارَةٌ، يُقالُ: نَطَقَ الكِتابُ بِكَذا أيْ: بَيَّنَ، وقِيلَ: إنَّهم يَقْرَءُونَهُ فَيَذْكُرُونَ ما عَمِلُوا، فَكَأنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نُقْصانَ، ومَحَلُّ ( يَنْطِقُ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِاسْمِ الإشارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنُّطْقِ بِالحَقِّ أيْ: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ أعْمالِكم أيْ: بِكَتْبِها وتَثْبِيتِها عَلَيْكم. قالَ الواحِدِيُّ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِنْساخَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ مِنهُ كُلَّ عامٍ ما يَكُونُ مِن أعْمالِ بَنِي آدَمَ فَيَجِدُونَ ذَلِكَ مُوافِقًا لِما يَعْمَلُونَهُ قالُوا: لِأنَّ الِاسْتِنْساخَ لا يَكُونُ إلّا مِن أصْلٍ. وقِيلَ: المَعْنى: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ كُلَّ يَوْمٍ ما يَعْمَلُهُ العَبْدُ، فَإذا رَجَعُوا إلى مَكانِهِمْ نَسَخُوا مِنهُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ وتَرَكُوا المُباحاتِ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ إذا رَفَعَتْ أعْمالَ العِبادِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أمَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُثْبَتَ عِنْدَهُ مِنها ما فِيهِ ثَوابٌ وعِقابٌ، ويُسْقَطَ مِنها ما لا ثَوابَ فِيهِ ولا عِقابَ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ﴾ أيِ: الإدْخالُ في رَحْمَتِهِ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ: الظّاهِرُ الواضِحُ. ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم﴾ أيْ: فَيُقالُ: لَهم ذَلِكَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ أتَتْهم وتَلَتْ عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، فَكَذَّبُوها ولَمْ يَعْمَلُوا بِها ﴿فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: تَكَبَّرْتُمْ عَنْ قَبُولِها وعَنِ الإيمانِ بِها، وكُنْتُمْ مِن أهْلِ الإجْرامِ، وهي الآثامُ، والِاجْتِرامُ الِاكْتِسابُ، يُقالُ: فُلانٌ جَرِيمَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ كاسِبَهم، فالمُجْرِمُ مَن كَسَبَ الآثامَ بِفِعْلِ المَعاصِي. ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: وعْدَهُ بِالبَعْثِ والحِسابِ، أوْ بِجَمِيعِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، والسّاعَةُ أيِ: القِيامَةُ لا رَيْبَ فِيها أيْ: في وُقُوعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( والسّاعَةُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي ؟ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ أيْ: نَحْدُسُ حَدْسًا ونَتَوَهَّمُ تَوَهُّمًا. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُهُ: إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، وقِيلَ: " إنْ نَظُنُّ " مُضَمَّنٌ مَعْنى نَعْتَقِدُ أيْ: ما نَعْتَقِدُ إلّا ظَنًّا لا عِلْمًا، وقِيلَ: إنَّ ظَنًّا لَهُ صِفَةٌ مُقَدَّرَةٌ: أيْ: إلّا ظَنًّا بَيِّنًا، وقِيلَ: إنَّ الظَّنَّ يَكُونُ بِمَعْنى العِلْمِ والشَّكِّ، فَكَأنَّهم قالُوا: ما لَنا اعْتِقادٌ إلّا الشَّكُّ ﴿وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَنا يَقِينٌ بِذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ مَعَنا إلّا مُجَرَّدُ الظَّنِّ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي هي عَلَيْها ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ جَزاءُ أعْمالِهِمْ بِدُخُولِهِمُ النّارَ. ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: نَتْرُكُكم في النّارِ كَما تَرَكْتُمُ العَمَلَ لِهَذا اليَوْمِ، وأضافَ اللِّقاءَ إلى اليَوْمِ تَوَسُّعًا؛ لِأنَّهُ أضافَ إلى الشَّيْءِ ما هو واقِعٌ فِيهِ ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ أيْ: مَسْكَنُكم ومُسْتَقَرُّكُمُ الَّذِينَ تَأْوُونَ إلَيْهِ ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ يَنْصُرُونَكم فَيَمْنَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ. ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ بِسَبَبِ أنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ القُرْآنَ هَزُوًا ولَعِبًا ﴿وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: خَدَعَتْكم بِزَخارِفِها وأباطِيلِها، فَظَنَنْتُمْ أنَّهُ لا دارَ غَيْرُها، ولا بَعْثَ، ولا نُشُورَ ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ أيْ: مِنَ النّارِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُخْرَجُونَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ إلى الغَيْبَةِ لِتَحْقِيرِهِمْ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ: لا يُسْتَرْضَوْنَ، ويُطْلَبُ مِنهُمُ الرُّجُوعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَوْمَ لا تُقْبَلُ فِيهِ تَوْبَةٌ ولا تَنْفَعُ فِيهِ مَعْذِرَةٌ. ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ سِواهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( رَبِّ ) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِالجَرِّ عَلى الصِّفَةِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ في الثَّلاثَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: هو رَبُّ السَّماواتِ إلَخْ. ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: الجَلالُ والعَظَمَةُ والسُّلْطانُ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضَ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيهِما ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ: العَزِيزُ في سُلْطانِهِ، فَلا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ، الحَكِيمُ في كُلِّ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وجَمِيعِ أقْضِيَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باباهْ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كَأنِّي أراكم بِالكَوْمِ دُونَ جَهَنَّمَ جاثِينَ» ثُمَّ قَرَأ سُفْيانُ ( وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ قالَ: كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها حَتّى يَجِيءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى كَوْمٍ قَدْ عَلا الخَلائِقَ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ قالَ: هو أُمُّ الكِتابِ فِيهِ أعْمالُ بَنِي آدَمَ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ يَسْتَنْسِخُونَ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ بِمَعْناهُ مُطَوَّلًا، فَقامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ، ما كُنّا نَرى هَذا تَكْتُبُهُ المَلائِكَةُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّكم لَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هَلْ يُسْتَنْسَخُ الشَّيْءُ إلّا مِن كِتابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَنْزِلُونَ في كُلِّ يَوْمٍ بِشَيْءٍ يَكْتُبُونَ فِيهِ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَسْتَنْسِخُ الحَفَظَةُ مِن أُمِّ الكِتابِ ما يَعْمَلُ بَنُو آدَمَ، فَإنَّما يَعْمَلُ الإنْسانُ ما اسْتَنْسَخَ المَلِكُ مِن أُمِّ الكِتابِ وأخْرَجَ نَحْوَهُ الحاكِمُ عَنْهُ، وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: إنَّ اللَّهَ وكَّلَ مَلائِكَتَهُ يَنْسَخُونَ مِن ذَلِكَ العامِ في (p-١٣٦١)رَمَضانَ لَيْلَةَ القَدْرِ ما يَكُونُ في الأرْضِ مِن حَدَثٍ إلى مِثْلِها مِنَ السَّنَةِ المُقْبِلَةِ، فَيَتَعارَضُونَ بِهِ حَفَظَةَ اللَّهِ عَلى العِبادِ عَشِيَّةَ كُلِّ خَمِيسٍ، فَيَجِدُونَ ما رَفَعَ الحَفَظَةُ مُوافِقًا لِما في كِتابِهِمْ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ قالَ: نَتْرُكُكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يَقُولُ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما ألْقَيْتُهُ في النّارِ» .

الأحقاف 46:8

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما احْتَجَّ بِهِ المُشْرِكُونَ وما أجابَ بِهِ عَلَيْهِمْ ذَكَرَ اخْتِصاصَهُ بِالمُلْكِ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو المُتَصَرِّفُ فِيهِما وحْدَهُ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ مِن عِبادِهِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ أهْلَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ أيِ: المُكَذِّبُونَ الكافِرُونَ المُتَعَلِّقُونَ بِالأباطِيلِ يَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ خُسْرانُهم لِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى النّارِ، والعامِلُ في ( يَوْمَ ) هو يَخْسَرُ، و( يَوْمَئِذٍ ) بَدَلٌ مِنهُ، والتَّنْوِينُ لِلْعِوَضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ المُبْدَلُ مِنهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، فَيَكُونُ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، والأوْلى أنْ يَكُونَ العامِلُ في يَوْمٍ هو ( مُلْكُ ) أيْ: ولِلَّهِ مُلْكُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، ويَكُونُ ( يَوْمَئِذٍ ) مَعْمُولًا لِ يَخْسَرُ. ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أوْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأُمَّةُ المِلَّةُ، ومَعْنى ( جاثِيَةً ): مُسْتَوْفِزَةً، والمُسْتَوْفِزُ، الَّذِي لا يُصِيبُ الأرْضَ مِنهُ إلّا رُكْبَتاهُ وأطْرافُ أنامِلِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقِيلَ: مَعْنى جاثِيَةً: مُجْتَمِعَةً، قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى وتَرى أهْلَ كُلِّ ذِي دِينٍ مُجْتَمِعِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُتَمَيِّزَةً عَنْ غَيْرِها. وقالَ مُؤَرِّجٌ: مَعْناهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: خاضِعَةً. وقالَ الحَسَنُ: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ، والجَثْوُ الجُلُوسُ عَلى الرُّكَبِ، تَقُولُ جَثا يَجْثُو ويُجْثِي جَثْوًا وجِثِيًّا: إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ولا يُنافِيهِ وُرُودُ هَذا اللَّفْظِ لِمَعْنًى آخَرَ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ الجَثْوَةِ عَلى الجَماعَةِ مِن كُلِّ شَيْءٍ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ يَصِفُ قَبْرَيْنِ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ تَكُونُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ المُتَّبِعِينَ لِلرُّسُلِ وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الشِّرْكِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هو خاصٌّ بِالكُفّارِ، والأوَّلُ أوْلى. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ ولِقَوْلِهِ فِيما سَيَأْتِي: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ومَعْنى إلى كِتابِها: إلى الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْها، وقِيلَ: إلى صَحِيفَةِ أعْمالِها، وقِيلَ: إلى حِسابِها، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ كُلُّ أُمَّةٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: تُدْعى. وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُقالُ: لَهُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ (p-١٣٦٠)هَذا مِن تَمامِ ما يُقالُ: لَهم، والقائِلُ بِهَذا هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْكم، وهو اسْتِعارَةٌ، يُقالُ: نَطَقَ الكِتابُ بِكَذا أيْ: بَيَّنَ، وقِيلَ: إنَّهم يَقْرَءُونَهُ فَيَذْكُرُونَ ما عَمِلُوا، فَكَأنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نُقْصانَ، ومَحَلُّ ( يَنْطِقُ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِاسْمِ الإشارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنُّطْقِ بِالحَقِّ أيْ: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ أعْمالِكم أيْ: بِكَتْبِها وتَثْبِيتِها عَلَيْكم. قالَ الواحِدِيُّ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِنْساخَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ مِنهُ كُلَّ عامٍ ما يَكُونُ مِن أعْمالِ بَنِي آدَمَ فَيَجِدُونَ ذَلِكَ مُوافِقًا لِما يَعْمَلُونَهُ قالُوا: لِأنَّ الِاسْتِنْساخَ لا يَكُونُ إلّا مِن أصْلٍ. وقِيلَ: المَعْنى: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ كُلَّ يَوْمٍ ما يَعْمَلُهُ العَبْدُ، فَإذا رَجَعُوا إلى مَكانِهِمْ نَسَخُوا مِنهُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ وتَرَكُوا المُباحاتِ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ إذا رَفَعَتْ أعْمالَ العِبادِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أمَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُثْبَتَ عِنْدَهُ مِنها ما فِيهِ ثَوابٌ وعِقابٌ، ويُسْقَطَ مِنها ما لا ثَوابَ فِيهِ ولا عِقابَ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ﴾ أيِ: الإدْخالُ في رَحْمَتِهِ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ: الظّاهِرُ الواضِحُ. ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم﴾ أيْ: فَيُقالُ: لَهم ذَلِكَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ أتَتْهم وتَلَتْ عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، فَكَذَّبُوها ولَمْ يَعْمَلُوا بِها ﴿فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: تَكَبَّرْتُمْ عَنْ قَبُولِها وعَنِ الإيمانِ بِها، وكُنْتُمْ مِن أهْلِ الإجْرامِ، وهي الآثامُ، والِاجْتِرامُ الِاكْتِسابُ، يُقالُ: فُلانٌ جَرِيمَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ كاسِبَهم، فالمُجْرِمُ مَن كَسَبَ الآثامَ بِفِعْلِ المَعاصِي. ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: وعْدَهُ بِالبَعْثِ والحِسابِ، أوْ بِجَمِيعِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، والسّاعَةُ أيِ: القِيامَةُ لا رَيْبَ فِيها أيْ: في وُقُوعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( والسّاعَةُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي ؟ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ أيْ: نَحْدُسُ حَدْسًا ونَتَوَهَّمُ تَوَهُّمًا. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُهُ: إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، وقِيلَ: " إنْ نَظُنُّ " مُضَمَّنٌ مَعْنى نَعْتَقِدُ أيْ: ما نَعْتَقِدُ إلّا ظَنًّا لا عِلْمًا، وقِيلَ: إنَّ ظَنًّا لَهُ صِفَةٌ مُقَدَّرَةٌ: أيْ: إلّا ظَنًّا بَيِّنًا، وقِيلَ: إنَّ الظَّنَّ يَكُونُ بِمَعْنى العِلْمِ والشَّكِّ، فَكَأنَّهم قالُوا: ما لَنا اعْتِقادٌ إلّا الشَّكُّ ﴿وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَنا يَقِينٌ بِذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ مَعَنا إلّا مُجَرَّدُ الظَّنِّ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي هي عَلَيْها ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ جَزاءُ أعْمالِهِمْ بِدُخُولِهِمُ النّارَ. ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: نَتْرُكُكم في النّارِ كَما تَرَكْتُمُ العَمَلَ لِهَذا اليَوْمِ، وأضافَ اللِّقاءَ إلى اليَوْمِ تَوَسُّعًا؛ لِأنَّهُ أضافَ إلى الشَّيْءِ ما هو واقِعٌ فِيهِ ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ أيْ: مَسْكَنُكم ومُسْتَقَرُّكُمُ الَّذِينَ تَأْوُونَ إلَيْهِ ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ يَنْصُرُونَكم فَيَمْنَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ. ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ بِسَبَبِ أنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ القُرْآنَ هَزُوًا ولَعِبًا ﴿وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: خَدَعَتْكم بِزَخارِفِها وأباطِيلِها، فَظَنَنْتُمْ أنَّهُ لا دارَ غَيْرُها، ولا بَعْثَ، ولا نُشُورَ ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ أيْ: مِنَ النّارِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُخْرَجُونَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ إلى الغَيْبَةِ لِتَحْقِيرِهِمْ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ: لا يُسْتَرْضَوْنَ، ويُطْلَبُ مِنهُمُ الرُّجُوعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَوْمَ لا تُقْبَلُ فِيهِ تَوْبَةٌ ولا تَنْفَعُ فِيهِ مَعْذِرَةٌ. ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ سِواهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( رَبِّ ) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِالجَرِّ عَلى الصِّفَةِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ في الثَّلاثَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: هو رَبُّ السَّماواتِ إلَخْ. ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: الجَلالُ والعَظَمَةُ والسُّلْطانُ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضَ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيهِما ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ: العَزِيزُ في سُلْطانِهِ، فَلا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ، الحَكِيمُ في كُلِّ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وجَمِيعِ أقْضِيَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باباهْ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كَأنِّي أراكم بِالكَوْمِ دُونَ جَهَنَّمَ جاثِينَ» ثُمَّ قَرَأ سُفْيانُ ( وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ قالَ: كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها حَتّى يَجِيءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى كَوْمٍ قَدْ عَلا الخَلائِقَ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ قالَ: هو أُمُّ الكِتابِ فِيهِ أعْمالُ بَنِي آدَمَ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ يَسْتَنْسِخُونَ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ بِمَعْناهُ مُطَوَّلًا، فَقامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ، ما كُنّا نَرى هَذا تَكْتُبُهُ المَلائِكَةُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّكم لَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هَلْ يُسْتَنْسَخُ الشَّيْءُ إلّا مِن كِتابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَنْزِلُونَ في كُلِّ يَوْمٍ بِشَيْءٍ يَكْتُبُونَ فِيهِ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَسْتَنْسِخُ الحَفَظَةُ مِن أُمِّ الكِتابِ ما يَعْمَلُ بَنُو آدَمَ، فَإنَّما يَعْمَلُ الإنْسانُ ما اسْتَنْسَخَ المَلِكُ مِن أُمِّ الكِتابِ وأخْرَجَ نَحْوَهُ الحاكِمُ عَنْهُ، وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: إنَّ اللَّهَ وكَّلَ مَلائِكَتَهُ يَنْسَخُونَ مِن ذَلِكَ العامِ في (p-١٣٦١)رَمَضانَ لَيْلَةَ القَدْرِ ما يَكُونُ في الأرْضِ مِن حَدَثٍ إلى مِثْلِها مِنَ السَّنَةِ المُقْبِلَةِ، فَيَتَعارَضُونَ بِهِ حَفَظَةَ اللَّهِ عَلى العِبادِ عَشِيَّةَ كُلِّ خَمِيسٍ، فَيَجِدُونَ ما رَفَعَ الحَفَظَةُ مُوافِقًا لِما في كِتابِهِمْ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ قالَ: نَتْرُكُكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يَقُولُ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما ألْقَيْتُهُ في النّارِ» .

الأحقاف 46:9

لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما احْتَجَّ بِهِ المُشْرِكُونَ وما أجابَ بِهِ عَلَيْهِمْ ذَكَرَ اخْتِصاصَهُ بِالمُلْكِ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو المُتَصَرِّفُ فِيهِما وحْدَهُ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ مِن عِبادِهِ. ثُمَّ تَوَعَّدَ أهْلَ الباطِلِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ أيِ: المُكَذِّبُونَ الكافِرُونَ المُتَعَلِّقُونَ بِالأباطِيلِ يَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ خُسْرانُهم لِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى النّارِ، والعامِلُ في ( يَوْمَ ) هو يَخْسَرُ، و( يَوْمَئِذٍ ) بَدَلٌ مِنهُ، والتَّنْوِينُ لِلْعِوَضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ المُبْدَلُ مِنهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، فَيَكُونُ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا، والأوْلى أنْ يَكُونَ العامِلُ في يَوْمٍ هو ( مُلْكُ ) أيْ: ولِلَّهِ مُلْكُ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، ويَكُونُ ( يَوْمَئِذٍ ) مَعْمُولًا لِ يَخْسَرُ. ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أوْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأُمَّةُ المِلَّةُ، ومَعْنى ( جاثِيَةً ): مُسْتَوْفِزَةً، والمُسْتَوْفِزُ، الَّذِي لا يُصِيبُ الأرْضَ مِنهُ إلّا رُكْبَتاهُ وأطْرافُ أنامِلِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ. وقِيلَ: مَعْنى جاثِيَةً: مُجْتَمِعَةً، قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى وتَرى أهْلَ كُلِّ ذِي دِينٍ مُجْتَمِعِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُتَمَيِّزَةً عَنْ غَيْرِها. وقالَ مُؤَرِّجٌ: مَعْناهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ: خاضِعَةً. وقالَ الحَسَنُ: بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ، والجَثْوُ الجُلُوسُ عَلى الرُّكَبِ، تَقُولُ جَثا يَجْثُو ويُجْثِي جَثْوًا وجِثِيًّا: إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى. ولا يُنافِيهِ وُرُودُ هَذا اللَّفْظِ لِمَعْنًى آخَرَ في لِسانِ العَرَبِ. وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ الجَثْوَةِ عَلى الجَماعَةِ مِن كُلِّ شَيْءٍ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ يَصِفُ قَبْرَيْنِ: ؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ تَكُونُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ المُتَّبِعِينَ لِلرُّسُلِ وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الشِّرْكِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هو خاصٌّ بِالكُفّارِ، والأوَّلُ أوْلى. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ ولِقَوْلِهِ فِيما سَيَأْتِي: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ومَعْنى إلى كِتابِها: إلى الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْها، وقِيلَ: إلى صَحِيفَةِ أعْمالِها، وقِيلَ: إلى حِسابِها، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ كُلُّ أُمَّةٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: تُدْعى. وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُقالُ: لَهُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ (p-١٣٦٠)هَذا مِن تَمامِ ما يُقالُ: لَهم، والقائِلُ بِهَذا هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْكم، وهو اسْتِعارَةٌ، يُقالُ: نَطَقَ الكِتابُ بِكَذا أيْ: بَيَّنَ، وقِيلَ: إنَّهم يَقْرَءُونَهُ فَيَذْكُرُونَ ما عَمِلُوا، فَكَأنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نُقْصانَ، ومَحَلُّ ( يَنْطِقُ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِاسْمِ الإشارَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنُّطْقِ بِالحَقِّ أيْ: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ أعْمالِكم أيْ: بِكَتْبِها وتَثْبِيتِها عَلَيْكم. قالَ الواحِدِيُّ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِنْساخَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ مِنهُ كُلَّ عامٍ ما يَكُونُ مِن أعْمالِ بَنِي آدَمَ فَيَجِدُونَ ذَلِكَ مُوافِقًا لِما يَعْمَلُونَهُ قالُوا: لِأنَّ الِاسْتِنْساخَ لا يَكُونُ إلّا مِن أصْلٍ. وقِيلَ: المَعْنى: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ كُلَّ يَوْمٍ ما يَعْمَلُهُ العَبْدُ، فَإذا رَجَعُوا إلى مَكانِهِمْ نَسَخُوا مِنهُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ وتَرَكُوا المُباحاتِ. وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ إذا رَفَعَتْ أعْمالَ العِبادِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أمَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُثْبَتَ عِنْدَهُ مِنها ما فِيهِ ثَوابٌ وعِقابٌ، ويُسْقَطَ مِنها ما لا ثَوابَ فِيهِ ولا عِقابَ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ﴾ أيِ: الإدْخالُ في رَحْمَتِهِ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ: الظّاهِرُ الواضِحُ. ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم﴾ أيْ: فَيُقالُ: لَهم ذَلِكَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ أتَتْهم وتَلَتْ عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ، فَكَذَّبُوها ولَمْ يَعْمَلُوا بِها ﴿فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: تَكَبَّرْتُمْ عَنْ قَبُولِها وعَنِ الإيمانِ بِها، وكُنْتُمْ مِن أهْلِ الإجْرامِ، وهي الآثامُ، والِاجْتِرامُ الِاكْتِسابُ، يُقالُ: فُلانٌ جَرِيمَةُ أهْلِهِ: إذا كانَ كاسِبَهم، فالمُجْرِمُ مَن كَسَبَ الآثامَ بِفِعْلِ المَعاصِي. ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: وعْدَهُ بِالبَعْثِ والحِسابِ، أوْ بِجَمِيعِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، والسّاعَةُ أيِ: القِيامَةُ لا رَيْبَ فِيها أيْ: في وُقُوعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( والسّاعَةُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي ؟ ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ أيْ: نَحْدُسُ حَدْسًا ونَتَوَهَّمُ تَوَهُّمًا. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُهُ: إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا، وقِيلَ: " إنْ نَظُنُّ " مُضَمَّنٌ مَعْنى نَعْتَقِدُ أيْ: ما نَعْتَقِدُ إلّا ظَنًّا لا عِلْمًا، وقِيلَ: إنَّ ظَنًّا لَهُ صِفَةٌ مُقَدَّرَةٌ: أيْ: إلّا ظَنًّا بَيِّنًا، وقِيلَ: إنَّ الظَّنَّ يَكُونُ بِمَعْنى العِلْمِ والشَّكِّ، فَكَأنَّهم قالُوا: ما لَنا اعْتِقادٌ إلّا الشَّكُّ ﴿وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَنا يَقِينٌ بِذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ مَعَنا إلّا مُجَرَّدُ الظَّنِّ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ. ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي هي عَلَيْها ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ ونَزَلَ عَلَيْهِمْ جَزاءُ أعْمالِهِمْ بِدُخُولِهِمُ النّارَ. ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: نَتْرُكُكم في النّارِ كَما تَرَكْتُمُ العَمَلَ لِهَذا اليَوْمِ، وأضافَ اللِّقاءَ إلى اليَوْمِ تَوَسُّعًا؛ لِأنَّهُ أضافَ إلى الشَّيْءِ ما هو واقِعٌ فِيهِ ﴿ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ أيْ: مَسْكَنُكم ومُسْتَقَرُّكُمُ الَّذِينَ تَأْوُونَ إلَيْهِ ﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ يَنْصُرُونَكم فَيَمْنَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ. ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ بِسَبَبِ أنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ القُرْآنَ هَزُوًا ولَعِبًا ﴿وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: خَدَعَتْكم بِزَخارِفِها وأباطِيلِها، فَظَنَنْتُمْ أنَّهُ لا دارَ غَيْرُها، ولا بَعْثَ، ولا نُشُورَ ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ أيْ: مِنَ النّارِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُخْرَجُونَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ إلى الغَيْبَةِ لِتَحْقِيرِهِمْ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ: لا يُسْتَرْضَوْنَ، ويُطْلَبُ مِنهُمُ الرُّجُوعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَوْمَ لا تُقْبَلُ فِيهِ تَوْبَةٌ ولا تَنْفَعُ فِيهِ مَعْذِرَةٌ. ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ سِواهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( رَبِّ ) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِالجَرِّ عَلى الصِّفَةِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ في الثَّلاثَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: هو رَبُّ السَّماواتِ إلَخْ. ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: الجَلالُ والعَظَمَةُ والسُّلْطانُ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضَ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيهِما ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ: العَزِيزُ في سُلْطانِهِ، فَلا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ، الحَكِيمُ في كُلِّ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وجَمِيعِ أقْضِيَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باباهْ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كَأنِّي أراكم بِالكَوْمِ دُونَ جَهَنَّمَ جاثِينَ» ثُمَّ قَرَأ سُفْيانُ ( وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ قالَ: كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها حَتّى يَجِيءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى كَوْمٍ قَدْ عَلا الخَلائِقَ، فَذَلِكَ المَقامُ المَحْمُودُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ قالَ: هو أُمُّ الكِتابِ فِيهِ أعْمالُ بَنِي آدَمَ ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ يَسْتَنْسِخُونَ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ بِمَعْناهُ مُطَوَّلًا، فَقامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ، ما كُنّا نَرى هَذا تَكْتُبُهُ المَلائِكَةُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّكم لَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هَلْ يُسْتَنْسَخُ الشَّيْءُ إلّا مِن كِتابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَنْزِلُونَ في كُلِّ يَوْمٍ بِشَيْءٍ يَكْتُبُونَ فِيهِ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَسْتَنْسِخُ الحَفَظَةُ مِن أُمِّ الكِتابِ ما يَعْمَلُ بَنُو آدَمَ، فَإنَّما يَعْمَلُ الإنْسانُ ما اسْتَنْسَخَ المَلِكُ مِن أُمِّ الكِتابِ وأخْرَجَ نَحْوَهُ الحاكِمُ عَنْهُ، وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: إنَّ اللَّهَ وكَّلَ مَلائِكَتَهُ يَنْسَخُونَ مِن ذَلِكَ العامِ في (p-١٣٦١)رَمَضانَ لَيْلَةَ القَدْرِ ما يَكُونُ في الأرْضِ مِن حَدَثٍ إلى مِثْلِها مِنَ السَّنَةِ المُقْبِلَةِ، فَيَتَعارَضُونَ بِهِ حَفَظَةَ اللَّهِ عَلى العِبادِ عَشِيَّةَ كُلِّ خَمِيسٍ، فَيَجِدُونَ ما رَفَعَ الحَفَظَةُ مُوافِقًا لِما في كِتابِهِمْ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ قالَ: نَتْرُكُكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يَقُولُ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما ألْقَيْتُهُ في النّارِ» .

الأحقاف 46:10

قَوْلُهُ ( ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ ) أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ المُرادُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والمَعْنى: إنْ كانَ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ( وكَفَرْتُمْ بِهِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ والحالُ أنَّكم قَدْ كَفَرْتُمْ بِهِ، وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ العالِمِينَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ عَلى مِثْلِهِ: أيِ: القُرْآنِ مِنَ المَعانِي المَوْجُودَةِ في التَّوْراةِ المُطابِقَةِ لَهُ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والنُّشُورِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وهَذِهِ المِثْلِيَّةُ هي بِاعْتِبارِ تَطابُقِ المَعانِي وإنِ اخْتَلَفَتِ الألْفاظُ. وقالَ الجُرْجانِيُّ: " مِثْلِ " صِلَةٌ، والمَعْنى: وشَهِدَ شاهِدٌ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَذا قالَ الواحِدِيُّ فَآمَنَ الشّاهِدُ بِالقُرْآنِ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ ومِن جِنْسِ ما يُنَزِّلُهُ عَلى رُسُلِهِ وهَذا الشّاهِدُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كَما قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، وغَيْرُهم، وفي هَذا نَظَرٌ فَإنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كانَ إسْلامُهُ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالشّاهِدِ رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ قَدْ آمَنَ بِالقُرْآنِ في مَكَّةَ وصَدَّقَهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يَتَرَجَّحُ بِهِ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لا مَكِّيَّةٌ. ورُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ المُرادَ بِالرَّجُلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ( واسْتَكْبَرْتُمْ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( شَهِدَ ): أيْ: آمَنَ الشّاهِدُ واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فَحَرَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ الهِدايَةَ لِظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ الظّاهِرَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ، ومَن فَقَدَ هِدايَةَ اللَّهِ لَهُ ضَلَّ. وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوابِ الشَّرْطِ ماذا هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أتُؤْمِنُونَ، وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ وقِيلَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقَدْ ظَلَمْتُمْ لِدَلالَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ عَلَيْهِ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: فَمَن أضَلُّ مِنكم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ أتَأْمَنُونَ عُقُوبَةَ اللَّهِ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللّامُ هي لامُ التَّبْلِيغِ ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ أيْ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنَ القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ لِأنَّهم عِنْدَ أنْفُسِهِمُ المُسْتَحِقُّونَ لِلسَّبْقِ إلى كُلِّ مَكْرُمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، ويُعِزُّ مَن يَشاءُ، ويُذِلُّ مَن يَشاءُ، ويَصْطَفِي لِدِينِهِ مَن يَشاءُ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، وقِيلَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: بِالإيمانِ ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ فَجاوَزُوا نَفْيَ خَيْرِيَّةِ القُرْآنِ إلى دَعْوى أنَّهُ كَذِبٌ قَدِيمٌ كَما قالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، والعامِلُ في " إذْ " مُقَدَّرٌ: أيْ: ظَهَرَ عِنادُهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فَسَيَقُولُونَ لِتَضادِّ الزَّمانَيْنِ، أعْنِي المُضِيَّ والِاسْتِقْبالَ ولِأجْلِ الفاءِ أيْضًا، وقِيلَ إنَّ العامِلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن جِنْسِ المَذْكُورِ: أيْ: لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ. وإذا لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ. ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ المِيمِ مِن ( مِن ) عَلى أنَّها حَرْفُ جَرٍّ، وهي مَعَ مَجْرُورِها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وكِتابُ مُوسى مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ فَإنَّ كَوْنَهُ قَدْ تَقَدَّمَ القُرْآنَ كِتابُ مُوسى، وهو التَّوْراةُ وتَوافَقا في أُصُولِ الشَّرائِعِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويَقْتَضِي بُطْلانَ قَوْلِهِمْ. وقُرِئَ بِفَتْحِ مِيمِ " مَن " عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، ونَصْبِ ( كِتابَ ): أيْ وآتَيْنا مَن قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكَلْبِيِّ. ﴿إمامًا ورَحْمَةً﴾ أيْ يُقْتَدى بِهِ في الدِّينِ ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِمَن آمَنَ بِهِ، وهُما مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. وقالَ الأخْفَشُ عَلى القَطْعِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ جَعَلْناهُ إمامًا ورَحْمَةً ﴿وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فَإنَّهُ مُصَدِّقٌ لِكِتابِ مُوسى الَّذِي هو إمامٌ ورَحْمَةٌ ولِغَيْرِهِ مِن كُتُبِ اللَّهِ، وقِيلَ: مُصَدِّقٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وانْتِصابُ ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ المُوَطِّئَةِ، وصاحِبُها الضَّمِيرُ في ( مُصَدِّقٌ ) العائِدُ إلى ( كِتابٌ )، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِ ( مُصَدِّقٌ )، والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ: ذا لِسانٍ عَرَبِيٍّ، وهو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيُنْذِرَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ: أيْ لِيُنْذِرَ الكِتابُ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ، وقِيلَ إلى الرَّسُولِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والبَزِّيُّ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ( لِيُنْذِرَ ) . وقالَ (p-١٣٦٤)الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ: أيْ وهو بُشْرى، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وتُبَشِّرَ بُشْرى، وقَوْلُهُ: ( لِلْمُحْسِنِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بُشْرى ) . ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ والِاسْتِقامَةِ عَلى الشَّرِيعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ السَّجْدَةِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ الفاءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، ( ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ) المَعْنى: أنَّهم لا يَخافُونَ مِن وُقُوعِ مَكْرُوهٍ بِهِمْ، ولا يَحْزَنُونَ مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ وأنَّ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ دائِمٌ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ أصْحابُ الجَنَّةِ، الَّتِي هي دارُ المُؤْمِنِينَ حالَ كَوْنِهِمْ خالِدِينَ فِيها وفي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ التَّرْغِيبِ أمْرٌ عَظِيمٌ، فَإنَّ نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْنِ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِقْرارِ في الجَنَّةِ عَلى الأبَدِ مِمّا لا تَطْلُبُ الأنْفُسُ سِواهُ ولا تَتَشَوَّفُ إلى ما عَداهُ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها مِنَ الطّاعاتِ لِلَّهِ وتَرْكِ مَعاصِيهِ. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( حُسْنًا ) بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، بِفَتْحِهِما. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والكُوفِيُّونَ ( إحْسانًا ) وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ بَيْنَ القُرّاءِ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] فَلَعَلَّ هَذا هو وجْهُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ فانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ وصَّيْناهُ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِما حُسْنًا، أوْ إحْسانًا. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَضْمِينِ ( وصَّيْنا ) مَعْنى ألْزَمْنا، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( كُرْهًا ) في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ أبُو عُمَرَ وأهْلُ الحِجازِ بِفَتْحِهِما. قالَ الكِسائِيُّ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ( الكَرْهُ ) بِالفَتْحِ لا يَحْسُنُ لِأنَّهُ الغَضَبُ والغَلَبَةُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ قالَ: لِأنَّ لَفْظَ ( الكَرْهِ ) في القُرْآنِ كُلِّهِ بِالفَتْحِ إلّا الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقِيلَ إنَّ الكُرْهَ بِالضَّمِّ ما حَمَلَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ، وبِالفَتْحِ ما حَمَلَ عَلى غَيْرِهِ. وإنَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ حَمْلَ الأُمِّ ووَضْعَها تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ الإحْسانِ إلَيْها الَّذِي وصّى اللَّهُ بِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ ووَضَعَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مُدَّةَ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، فَقالَ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ أيْ: مُدَّتُهُما هَذِهِ المُدَّةُ مِن عِنْدِ ابْتِداءِ حَمْلِهِ إلى أنْ يُفْصَلَ مِنَ الرَّضاعِ: أيْ يُفْطَمَ عَنْهُ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أقَلَّ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ سَنَتانِ: أيْ: مُدَّةَ الرَّضاعِ الكامِلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَذَكَرَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ، وأكْثَرَ مُدَّةِ الرَّضاعِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ الأُمِّ آكَدُ مِن حَقِّ الأبِ لِأنَّها حَمَلَتْهُ بِمَشَقَّةٍ ووَضَعَتْهُ بِمَشَقَّةٍ، وأرْضَعَتْهُ هَذِهِ المُدَّةَ بِتَعَبٍ ونَصَبٍ، ولَمْ يُشارِكْها الأبُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( وفِصالُهُ ) بِالألِفِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ ( وفَصْلُهُ ) بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الصّادِ بِغَيْرِ ألِفٍ، والفَصْلُ والفِصالُ بِمَعْنًى: كالفَطْمِ والفِطامِ، والقَطْفِ والقِطافِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ بَلَغَ اسْتِحْكامَ قُوَّتِهِ وعَقْلِهِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ الأشُدِّ مُسْتَوْفًى ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ تَكُونُ حَتّى غايَةً لَها: أيْ عاشَ واسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ حَتّى بَلَغَ أشُدَّهُ، قِيلَ بَلَغَ عُمْرُهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وقِيلَ: الأشُدُّ الحُلُمُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ: هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ فَإنَّ هَذا يُفِيدُ أنَّ بُلُوغَ الأرْبَعِينَ هو شَيْءٌ وراءَ بُلُوغِ الأشُدِّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إلّا بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً. ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ أيْ ألْهِمْنِي. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اسْتَوْزَعْتُ اللَّهَ فَأوْزَعَنِي: أيِ اسْتَلْهَمْتُهُ فَألْهَمَنِي ﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ، وعَلى والِدَيَّ مِنَ التَّحَنُّنِ عَلَيَّ مِنهُما حِينَ رَبَّيانِي صَغِيرًا. وقِيلَ: أنْعَمْتَ عَلَيَّ بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ، وعَلى والِدَيَّ بِالغِنى والثَّرْوَةِ، والأوْلى عَدَمُ تَقْيِيدِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وعَلى أبَوَيْهِ بِنِعْمَةٍ مَخْصُوصَةٍ ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ أيْ وألْهِمْنِي أنْ أعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا تَرْضاهُ مِنِّي ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ أيِ اجْعَلْ ذَرِّيَّتِي صالِحِينَ راسِخِينَ في الصَّلاحِ مُتَمَكِّنِينَ مِنهُ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن بَلَغَ عُمْرُهُ أرْبَعِينَ سَنَةً أنْ يَسْتَكْثِرَ مِن هَذِهِ الدَّعَواتِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ﴿إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ﴾ مِن ذُنُوبِي ﴿وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُسْتَسْلِمِينَ لَكَ المُنْقادِينَ لِطاعَتِكَ المُخْلِصِينَ لِتَوْحِيدِكَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ، والجَمْعِ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ. وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الدُّنْيا والمُرادُ بِالأحْسَنِ الحَسَنُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم﴾ [الزمر: ٥٥] وقِيلَ: إنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ عَلى مَعْناهُ، ويُرادُ بِهِ ما يُثابُ العَبْدُ عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ، لا ما لا يُثابُ عَلَيْهِ كالمُباحِ فَإنَّهُ حَسَنٌ، ولَيْسَ بِأحْسَنَ ﴿ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ فَلا نُعاقِبُهم عَلَيْها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُتَقَبَّلُ ) و( يُتَجاوَزُ ) عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالنُّونِ فِيهِما عَلى إسْنادِهِما إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، والتَّجاوُزُ الغُفْرانُ، وأصْلُهُ مِن جُزْتَ الشَّيْءَ: إذا لَمْ تَقِفْ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ أنَّهم كائِنُونَ في عِدادِهِمْ مُنْتَظِمُونَ في سِلْكِهِمْ، فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ كَقَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في أصْحابِهِ: أيْ: كائِنًا في جُمْلَتِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ " في " بِمَعْنى مَعَ: أيْ: مَعَ أصْحابِ الجَنَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هم في أصْحابِ الجَنَّةِ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ( وعْدَ الصِّدْقِ ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ إلَخْ، في مَعْنى الوَعْدِ بِالتَّقَبُّلِ، والتَّجاوُزِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ بِهِ عَلى ألْسُنِ الرُّسُلِ في الدُّنْيا. (p-١٣٦٥)وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنا مَعَهُ حَتّى دَخَلْنا كَنِيسَةَ اليَهُودِ يَوْمَ عِيدِهِمْ، فَكَرِهُوا دُخُولَنا عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، أرُونِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنكم يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَحُطُّ اللَّهُ تَعالى عَنْ كُلِّ يَهُودِيٍّ تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ الغَضَبَ الَّذِي عَلَيْهِ. فَسَكَتُوا فَما أجابَهُ مِنهم أحَدٌ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ ثَلاثًا، فَقالَ: أبَيْتُمْ ؟ فَواللَّهِ لَأنا الحاشِرُ، وأنا العاقِبُ، وأنا المُقَفِّي، آمَنتُمْ أوْ كَذَّبْتُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ وأنا مَعَهُ حَتّى كِدْنا أنْ نَخْرُجَ، فَإذا رَجُلٌ مِن خَلْفِهِ فَقالَ: كَما أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَأقْبَلَ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: أيُّ رَجُلٍ تَعْلَمُونِي فِيكم يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، فَقالُوا، واللَّهِ ما نَعْلَمُ فِينا رَجُلًا أعْلَمَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا أفْقَهَ مِنكَ، ولا مِن أبِيكَ، ولا مِن جَدِّكَ، قالَ: فَإنِّي أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالُوا: كَذَبْتَ، ثُمَّ رَدُّوا عَلَيْهِ، وقالُوا شَرًّا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَذَبْتُمْ لَنْ يُقْبَلَ مِنكم قَوْلُكم، فَخَرَجْنا، ونَحْنُ ثَلاثَةٌ، رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأنا، وابْنُ سَلامٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» وصَحَّحَهُ السُّيُوطِيُّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ لِأحَدٍ يَمْشِي عَلى وجْهِ الأرْضِ إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إلّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وفِيهِ نَزَلَتْ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: نَزَلَ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ونَزَلَ فِيَّ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ فَيُخَصَّصُ بِها عُمُومُ قَوْلِهِمْ إنَّ سُورَةَ الأحْقافِ كُلَّها مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قالَ ناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ نَحْنُ أعَزُّ ونَحْنُ ونَحْنُ، فَلَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ فُلانٌ، وفُلانٌ، فَنَزَلَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أبِي شَدّادٍ قالَ: كانَتْ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أمَةٌ أسْلَمَتْ قَبْلَهُ: يُقالُ لَها زُنَيْرَةُ، وكانَ عُمَرُ يَضْرِبُها عَلى الإسْلامِ، وكانَ كُفّارُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ زُنَيْرَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِها ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ٣٢ بَنُو غِفارٍ، وأسْلَمُ كانُوا لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فِتْنَةً، يَقُولُونَ لَوْ كانَ خَيْرًا ما جَعَلَهُمُ اللَّهُ أوَّلَ النّاسِ فِيهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أخْبَرَهُ قالَ: إنِّي لَصاحِبُ المَرْأةِ الَّتِي أُتِيَ بِها عُمَرُ وضَعَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، فَأنْكَرَ النّاسُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِعُمَرَ: لِمَ تَظْلِمُ ؟ قالَ: كَيْفَ ؟ قُلْتُ اقْرَأْ ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] كَمِ الحَوْلُ ؟ قالَ سَنَةٌ، قُلْتُ: كَمِ السَّنَةُ ؟ قالَ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، قُلْتُ فَأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا حَوْلانِ كامِلانِ، ويُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنَ الحَمْلِ ما شاءَ ويُقَدِّمُ ما شاءَ، فاسْتَراحَ عُمَرُ إلى قَوْلِي. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ولَدَتِ المَرْأةُ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ كَفاها مِنَ الرَّضاعِ أحَدٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وإذا ولَدَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ كَفاها مِنَ الرَّضاعِ ثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وإذا وضَعَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فَحَوْلانِ كامِلانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ الآيَةَ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ فَأسْلَمَ والِداهُ جَمِيعًا وإخْوَتُهُ ووَلَدُهُ كُلُّهم، ونَزَلَتْ فِيهِ أيْضًا ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ.

الأحقاف 46:11

قَوْلُهُ ( ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ ) أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ المُرادُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والمَعْنى: إنْ كانَ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ( وكَفَرْتُمْ بِهِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ والحالُ أنَّكم قَدْ كَفَرْتُمْ بِهِ، وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ العالِمِينَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ عَلى مِثْلِهِ: أيِ: القُرْآنِ مِنَ المَعانِي المَوْجُودَةِ في التَّوْراةِ المُطابِقَةِ لَهُ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والنُّشُورِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وهَذِهِ المِثْلِيَّةُ هي بِاعْتِبارِ تَطابُقِ المَعانِي وإنِ اخْتَلَفَتِ الألْفاظُ. وقالَ الجُرْجانِيُّ: " مِثْلِ " صِلَةٌ، والمَعْنى: وشَهِدَ شاهِدٌ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَذا قالَ الواحِدِيُّ فَآمَنَ الشّاهِدُ بِالقُرْآنِ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ ومِن جِنْسِ ما يُنَزِّلُهُ عَلى رُسُلِهِ وهَذا الشّاهِدُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كَما قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، وغَيْرُهم، وفي هَذا نَظَرٌ فَإنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كانَ إسْلامُهُ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالشّاهِدِ رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ قَدْ آمَنَ بِالقُرْآنِ في مَكَّةَ وصَدَّقَهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يَتَرَجَّحُ بِهِ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لا مَكِّيَّةٌ. ورُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ المُرادَ بِالرَّجُلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ( واسْتَكْبَرْتُمْ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( شَهِدَ ): أيْ: آمَنَ الشّاهِدُ واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فَحَرَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ الهِدايَةَ لِظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ الظّاهِرَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ، ومَن فَقَدَ هِدايَةَ اللَّهِ لَهُ ضَلَّ. وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوابِ الشَّرْطِ ماذا هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أتُؤْمِنُونَ، وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ وقِيلَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقَدْ ظَلَمْتُمْ لِدَلالَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ عَلَيْهِ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: فَمَن أضَلُّ مِنكم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ أتَأْمَنُونَ عُقُوبَةَ اللَّهِ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللّامُ هي لامُ التَّبْلِيغِ ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ أيْ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنَ القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ لِأنَّهم عِنْدَ أنْفُسِهِمُ المُسْتَحِقُّونَ لِلسَّبْقِ إلى كُلِّ مَكْرُمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، ويُعِزُّ مَن يَشاءُ، ويُذِلُّ مَن يَشاءُ، ويَصْطَفِي لِدِينِهِ مَن يَشاءُ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، وقِيلَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: بِالإيمانِ ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ فَجاوَزُوا نَفْيَ خَيْرِيَّةِ القُرْآنِ إلى دَعْوى أنَّهُ كَذِبٌ قَدِيمٌ كَما قالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، والعامِلُ في " إذْ " مُقَدَّرٌ: أيْ: ظَهَرَ عِنادُهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فَسَيَقُولُونَ لِتَضادِّ الزَّمانَيْنِ، أعْنِي المُضِيَّ والِاسْتِقْبالَ ولِأجْلِ الفاءِ أيْضًا، وقِيلَ إنَّ العامِلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن جِنْسِ المَذْكُورِ: أيْ: لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ. وإذا لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ. ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ المِيمِ مِن ( مِن ) عَلى أنَّها حَرْفُ جَرٍّ، وهي مَعَ مَجْرُورِها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وكِتابُ مُوسى مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ فَإنَّ كَوْنَهُ قَدْ تَقَدَّمَ القُرْآنَ كِتابُ مُوسى، وهو التَّوْراةُ وتَوافَقا في أُصُولِ الشَّرائِعِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويَقْتَضِي بُطْلانَ قَوْلِهِمْ. وقُرِئَ بِفَتْحِ مِيمِ " مَن " عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، ونَصْبِ ( كِتابَ ): أيْ وآتَيْنا مَن قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكَلْبِيِّ. ﴿إمامًا ورَحْمَةً﴾ أيْ يُقْتَدى بِهِ في الدِّينِ ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِمَن آمَنَ بِهِ، وهُما مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. وقالَ الأخْفَشُ عَلى القَطْعِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ جَعَلْناهُ إمامًا ورَحْمَةً ﴿وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فَإنَّهُ مُصَدِّقٌ لِكِتابِ مُوسى الَّذِي هو إمامٌ ورَحْمَةٌ ولِغَيْرِهِ مِن كُتُبِ اللَّهِ، وقِيلَ: مُصَدِّقٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وانْتِصابُ ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ المُوَطِّئَةِ، وصاحِبُها الضَّمِيرُ في ( مُصَدِّقٌ ) العائِدُ إلى ( كِتابٌ )، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِ ( مُصَدِّقٌ )، والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ: ذا لِسانٍ عَرَبِيٍّ، وهو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيُنْذِرَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ: أيْ لِيُنْذِرَ الكِتابُ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ، وقِيلَ إلى الرَّسُولِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والبَزِّيُّ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ( لِيُنْذِرَ ) . وقالَ (p-١٣٦٤)الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ: أيْ وهو بُشْرى، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وتُبَشِّرَ بُشْرى، وقَوْلُهُ: ( لِلْمُحْسِنِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بُشْرى ) . ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ والِاسْتِقامَةِ عَلى الشَّرِيعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ السَّجْدَةِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ الفاءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، ( ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ) المَعْنى: أنَّهم لا يَخافُونَ مِن وُقُوعِ مَكْرُوهٍ بِهِمْ، ولا يَحْزَنُونَ مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ وأنَّ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ دائِمٌ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ أصْحابُ الجَنَّةِ، الَّتِي هي دارُ المُؤْمِنِينَ حالَ كَوْنِهِمْ خالِدِينَ فِيها وفي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ التَّرْغِيبِ أمْرٌ عَظِيمٌ، فَإنَّ نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْنِ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِقْرارِ في الجَنَّةِ عَلى الأبَدِ مِمّا لا تَطْلُبُ الأنْفُسُ سِواهُ ولا تَتَشَوَّفُ إلى ما عَداهُ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها مِنَ الطّاعاتِ لِلَّهِ وتَرْكِ مَعاصِيهِ. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( حُسْنًا ) بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، بِفَتْحِهِما. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والكُوفِيُّونَ ( إحْسانًا ) وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ بَيْنَ القُرّاءِ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] فَلَعَلَّ هَذا هو وجْهُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ فانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ وصَّيْناهُ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِما حُسْنًا، أوْ إحْسانًا. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَضْمِينِ ( وصَّيْنا ) مَعْنى ألْزَمْنا، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( كُرْهًا ) في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ أبُو عُمَرَ وأهْلُ الحِجازِ بِفَتْحِهِما. قالَ الكِسائِيُّ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ( الكَرْهُ ) بِالفَتْحِ لا يَحْسُنُ لِأنَّهُ الغَضَبُ والغَلَبَةُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ قالَ: لِأنَّ لَفْظَ ( الكَرْهِ ) في القُرْآنِ كُلِّهِ بِالفَتْحِ إلّا الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقِيلَ إنَّ الكُرْهَ بِالضَّمِّ ما حَمَلَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ، وبِالفَتْحِ ما حَمَلَ عَلى غَيْرِهِ. وإنَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ حَمْلَ الأُمِّ ووَضْعَها تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ الإحْسانِ إلَيْها الَّذِي وصّى اللَّهُ بِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ ووَضَعَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مُدَّةَ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، فَقالَ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ أيْ: مُدَّتُهُما هَذِهِ المُدَّةُ مِن عِنْدِ ابْتِداءِ حَمْلِهِ إلى أنْ يُفْصَلَ مِنَ الرَّضاعِ: أيْ يُفْطَمَ عَنْهُ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أقَلَّ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ سَنَتانِ: أيْ: مُدَّةَ الرَّضاعِ الكامِلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَذَكَرَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ، وأكْثَرَ مُدَّةِ الرَّضاعِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ الأُمِّ آكَدُ مِن حَقِّ الأبِ لِأنَّها حَمَلَتْهُ بِمَشَقَّةٍ ووَضَعَتْهُ بِمَشَقَّةٍ، وأرْضَعَتْهُ هَذِهِ المُدَّةَ بِتَعَبٍ ونَصَبٍ، ولَمْ يُشارِكْها الأبُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( وفِصالُهُ ) بِالألِفِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ ( وفَصْلُهُ ) بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الصّادِ بِغَيْرِ ألِفٍ، والفَصْلُ والفِصالُ بِمَعْنًى: كالفَطْمِ والفِطامِ، والقَطْفِ والقِطافِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ بَلَغَ اسْتِحْكامَ قُوَّتِهِ وعَقْلِهِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ الأشُدِّ مُسْتَوْفًى ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ تَكُونُ حَتّى غايَةً لَها: أيْ عاشَ واسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ حَتّى بَلَغَ أشُدَّهُ، قِيلَ بَلَغَ عُمْرُهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وقِيلَ: الأشُدُّ الحُلُمُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ: هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ فَإنَّ هَذا يُفِيدُ أنَّ بُلُوغَ الأرْبَعِينَ هو شَيْءٌ وراءَ بُلُوغِ الأشُدِّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إلّا بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً. ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ أيْ ألْهِمْنِي. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اسْتَوْزَعْتُ اللَّهَ فَأوْزَعَنِي: أيِ اسْتَلْهَمْتُهُ فَألْهَمَنِي ﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ، وعَلى والِدَيَّ مِنَ التَّحَنُّنِ عَلَيَّ مِنهُما حِينَ رَبَّيانِي صَغِيرًا. وقِيلَ: أنْعَمْتَ عَلَيَّ بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ، وعَلى والِدَيَّ بِالغِنى والثَّرْوَةِ، والأوْلى عَدَمُ تَقْيِيدِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وعَلى أبَوَيْهِ بِنِعْمَةٍ مَخْصُوصَةٍ ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ أيْ وألْهِمْنِي أنْ أعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا تَرْضاهُ مِنِّي ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ أيِ اجْعَلْ ذَرِّيَّتِي صالِحِينَ راسِخِينَ في الصَّلاحِ مُتَمَكِّنِينَ مِنهُ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن بَلَغَ عُمْرُهُ أرْبَعِينَ سَنَةً أنْ يَسْتَكْثِرَ مِن هَذِهِ الدَّعَواتِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ﴿إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ﴾ مِن ذُنُوبِي ﴿وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُسْتَسْلِمِينَ لَكَ المُنْقادِينَ لِطاعَتِكَ المُخْلِصِينَ لِتَوْحِيدِكَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ، والجَمْعِ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ. وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الدُّنْيا والمُرادُ بِالأحْسَنِ الحَسَنُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم﴾ [الزمر: ٥٥] وقِيلَ: إنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ عَلى مَعْناهُ، ويُرادُ بِهِ ما يُثابُ العَبْدُ عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ، لا ما لا يُثابُ عَلَيْهِ كالمُباحِ فَإنَّهُ حَسَنٌ، ولَيْسَ بِأحْسَنَ ﴿ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ فَلا نُعاقِبُهم عَلَيْها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُتَقَبَّلُ ) و( يُتَجاوَزُ ) عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالنُّونِ فِيهِما عَلى إسْنادِهِما إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، والتَّجاوُزُ الغُفْرانُ، وأصْلُهُ مِن جُزْتَ الشَّيْءَ: إذا لَمْ تَقِفْ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ أنَّهم كائِنُونَ في عِدادِهِمْ مُنْتَظِمُونَ في سِلْكِهِمْ، فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ كَقَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في أصْحابِهِ: أيْ: كائِنًا في جُمْلَتِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ " في " بِمَعْنى مَعَ: أيْ: مَعَ أصْحابِ الجَنَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هم في أصْحابِ الجَنَّةِ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ( وعْدَ الصِّدْقِ ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ إلَخْ، في مَعْنى الوَعْدِ بِالتَّقَبُّلِ، والتَّجاوُزِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ بِهِ عَلى ألْسُنِ الرُّسُلِ في الدُّنْيا. (p-١٣٦٥)وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنا مَعَهُ حَتّى دَخَلْنا كَنِيسَةَ اليَهُودِ يَوْمَ عِيدِهِمْ، فَكَرِهُوا دُخُولَنا عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، أرُونِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنكم يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَحُطُّ اللَّهُ تَعالى عَنْ كُلِّ يَهُودِيٍّ تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ الغَضَبَ الَّذِي عَلَيْهِ. فَسَكَتُوا فَما أجابَهُ مِنهم أحَدٌ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ ثَلاثًا، فَقالَ: أبَيْتُمْ ؟ فَواللَّهِ لَأنا الحاشِرُ، وأنا العاقِبُ، وأنا المُقَفِّي، آمَنتُمْ أوْ كَذَّبْتُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ وأنا مَعَهُ حَتّى كِدْنا أنْ نَخْرُجَ، فَإذا رَجُلٌ مِن خَلْفِهِ فَقالَ: كَما أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَأقْبَلَ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: أيُّ رَجُلٍ تَعْلَمُونِي فِيكم يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، فَقالُوا، واللَّهِ ما نَعْلَمُ فِينا رَجُلًا أعْلَمَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا أفْقَهَ مِنكَ، ولا مِن أبِيكَ، ولا مِن جَدِّكَ، قالَ: فَإنِّي أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالُوا: كَذَبْتَ، ثُمَّ رَدُّوا عَلَيْهِ، وقالُوا شَرًّا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَذَبْتُمْ لَنْ يُقْبَلَ مِنكم قَوْلُكم، فَخَرَجْنا، ونَحْنُ ثَلاثَةٌ، رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأنا، وابْنُ سَلامٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» وصَحَّحَهُ السُّيُوطِيُّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ لِأحَدٍ يَمْشِي عَلى وجْهِ الأرْضِ إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إلّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وفِيهِ نَزَلَتْ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: نَزَلَ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ونَزَلَ فِيَّ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ فَيُخَصَّصُ بِها عُمُومُ قَوْلِهِمْ إنَّ سُورَةَ الأحْقافِ كُلَّها مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قالَ ناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ نَحْنُ أعَزُّ ونَحْنُ ونَحْنُ، فَلَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ فُلانٌ، وفُلانٌ، فَنَزَلَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أبِي شَدّادٍ قالَ: كانَتْ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أمَةٌ أسْلَمَتْ قَبْلَهُ: يُقالُ لَها زُنَيْرَةُ، وكانَ عُمَرُ يَضْرِبُها عَلى الإسْلامِ، وكانَ كُفّارُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ زُنَيْرَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِها ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ٣٢ بَنُو غِفارٍ، وأسْلَمُ كانُوا لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فِتْنَةً، يَقُولُونَ لَوْ كانَ خَيْرًا ما جَعَلَهُمُ اللَّهُ أوَّلَ النّاسِ فِيهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أخْبَرَهُ قالَ: إنِّي لَصاحِبُ المَرْأةِ الَّتِي أُتِيَ بِها عُمَرُ وضَعَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، فَأنْكَرَ النّاسُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِعُمَرَ: لِمَ تَظْلِمُ ؟ قالَ: كَيْفَ ؟ قُلْتُ اقْرَأْ ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] كَمِ الحَوْلُ ؟ قالَ سَنَةٌ، قُلْتُ: كَمِ السَّنَةُ ؟ قالَ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، قُلْتُ فَأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا حَوْلانِ كامِلانِ، ويُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنَ الحَمْلِ ما شاءَ ويُقَدِّمُ ما شاءَ، فاسْتَراحَ عُمَرُ إلى قَوْلِي. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ولَدَتِ المَرْأةُ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ كَفاها مِنَ الرَّضاعِ أحَدٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وإذا ولَدَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ كَفاها مِنَ الرَّضاعِ ثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وإذا وضَعَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فَحَوْلانِ كامِلانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ الآيَةَ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ فَأسْلَمَ والِداهُ جَمِيعًا وإخْوَتُهُ ووَلَدُهُ كُلُّهم، ونَزَلَتْ فِيهِ أيْضًا ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ.

الأحقاف 46:12

قَوْلُهُ ( ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ ) أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ المُرادُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والمَعْنى: إنْ كانَ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ( وكَفَرْتُمْ بِهِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ والحالُ أنَّكم قَدْ كَفَرْتُمْ بِهِ، وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ العالِمِينَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ عَلى مِثْلِهِ: أيِ: القُرْآنِ مِنَ المَعانِي المَوْجُودَةِ في التَّوْراةِ المُطابِقَةِ لَهُ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والنُّشُورِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وهَذِهِ المِثْلِيَّةُ هي بِاعْتِبارِ تَطابُقِ المَعانِي وإنِ اخْتَلَفَتِ الألْفاظُ. وقالَ الجُرْجانِيُّ: " مِثْلِ " صِلَةٌ، والمَعْنى: وشَهِدَ شاهِدٌ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَذا قالَ الواحِدِيُّ فَآمَنَ الشّاهِدُ بِالقُرْآنِ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ ومِن جِنْسِ ما يُنَزِّلُهُ عَلى رُسُلِهِ وهَذا الشّاهِدُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كَما قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، وغَيْرُهم، وفي هَذا نَظَرٌ فَإنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كانَ إسْلامُهُ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالشّاهِدِ رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ قَدْ آمَنَ بِالقُرْآنِ في مَكَّةَ وصَدَّقَهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يَتَرَجَّحُ بِهِ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لا مَكِّيَّةٌ. ورُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ المُرادَ بِالرَّجُلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ( واسْتَكْبَرْتُمْ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( شَهِدَ ): أيْ: آمَنَ الشّاهِدُ واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فَحَرَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ الهِدايَةَ لِظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ الظّاهِرَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ، ومَن فَقَدَ هِدايَةَ اللَّهِ لَهُ ضَلَّ. وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوابِ الشَّرْطِ ماذا هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أتُؤْمِنُونَ، وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ وقِيلَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقَدْ ظَلَمْتُمْ لِدَلالَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ عَلَيْهِ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: فَمَن أضَلُّ مِنكم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ أتَأْمَنُونَ عُقُوبَةَ اللَّهِ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللّامُ هي لامُ التَّبْلِيغِ ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ أيْ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنَ القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ لِأنَّهم عِنْدَ أنْفُسِهِمُ المُسْتَحِقُّونَ لِلسَّبْقِ إلى كُلِّ مَكْرُمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، ويُعِزُّ مَن يَشاءُ، ويُذِلُّ مَن يَشاءُ، ويَصْطَفِي لِدِينِهِ مَن يَشاءُ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، وقِيلَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: بِالإيمانِ ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ فَجاوَزُوا نَفْيَ خَيْرِيَّةِ القُرْآنِ إلى دَعْوى أنَّهُ كَذِبٌ قَدِيمٌ كَما قالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، والعامِلُ في " إذْ " مُقَدَّرٌ: أيْ: ظَهَرَ عِنادُهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فَسَيَقُولُونَ لِتَضادِّ الزَّمانَيْنِ، أعْنِي المُضِيَّ والِاسْتِقْبالَ ولِأجْلِ الفاءِ أيْضًا، وقِيلَ إنَّ العامِلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن جِنْسِ المَذْكُورِ: أيْ: لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ. وإذا لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ. ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ المِيمِ مِن ( مِن ) عَلى أنَّها حَرْفُ جَرٍّ، وهي مَعَ مَجْرُورِها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وكِتابُ مُوسى مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ فَإنَّ كَوْنَهُ قَدْ تَقَدَّمَ القُرْآنَ كِتابُ مُوسى، وهو التَّوْراةُ وتَوافَقا في أُصُولِ الشَّرائِعِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويَقْتَضِي بُطْلانَ قَوْلِهِمْ. وقُرِئَ بِفَتْحِ مِيمِ " مَن " عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، ونَصْبِ ( كِتابَ ): أيْ وآتَيْنا مَن قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكَلْبِيِّ. ﴿إمامًا ورَحْمَةً﴾ أيْ يُقْتَدى بِهِ في الدِّينِ ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِمَن آمَنَ بِهِ، وهُما مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. وقالَ الأخْفَشُ عَلى القَطْعِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ جَعَلْناهُ إمامًا ورَحْمَةً ﴿وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فَإنَّهُ مُصَدِّقٌ لِكِتابِ مُوسى الَّذِي هو إمامٌ ورَحْمَةٌ ولِغَيْرِهِ مِن كُتُبِ اللَّهِ، وقِيلَ: مُصَدِّقٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وانْتِصابُ ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ المُوَطِّئَةِ، وصاحِبُها الضَّمِيرُ في ( مُصَدِّقٌ ) العائِدُ إلى ( كِتابٌ )، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِ ( مُصَدِّقٌ )، والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ: ذا لِسانٍ عَرَبِيٍّ، وهو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيُنْذِرَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ: أيْ لِيُنْذِرَ الكِتابُ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ، وقِيلَ إلى الرَّسُولِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والبَزِّيُّ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ( لِيُنْذِرَ ) . وقالَ (p-١٣٦٤)الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ: أيْ وهو بُشْرى، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وتُبَشِّرَ بُشْرى، وقَوْلُهُ: ( لِلْمُحْسِنِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بُشْرى ) . ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ والِاسْتِقامَةِ عَلى الشَّرِيعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ السَّجْدَةِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ الفاءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، ( ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ) المَعْنى: أنَّهم لا يَخافُونَ مِن وُقُوعِ مَكْرُوهٍ بِهِمْ، ولا يَحْزَنُونَ مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ وأنَّ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ دائِمٌ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ أصْحابُ الجَنَّةِ، الَّتِي هي دارُ المُؤْمِنِينَ حالَ كَوْنِهِمْ خالِدِينَ فِيها وفي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ التَّرْغِيبِ أمْرٌ عَظِيمٌ، فَإنَّ نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْنِ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِقْرارِ في الجَنَّةِ عَلى الأبَدِ مِمّا لا تَطْلُبُ الأنْفُسُ سِواهُ ولا تَتَشَوَّفُ إلى ما عَداهُ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها مِنَ الطّاعاتِ لِلَّهِ وتَرْكِ مَعاصِيهِ. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( حُسْنًا ) بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، بِفَتْحِهِما. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والكُوفِيُّونَ ( إحْسانًا ) وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ بَيْنَ القُرّاءِ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] فَلَعَلَّ هَذا هو وجْهُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ فانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ وصَّيْناهُ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِما حُسْنًا، أوْ إحْسانًا. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَضْمِينِ ( وصَّيْنا ) مَعْنى ألْزَمْنا، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( كُرْهًا ) في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ أبُو عُمَرَ وأهْلُ الحِجازِ بِفَتْحِهِما. قالَ الكِسائِيُّ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ( الكَرْهُ ) بِالفَتْحِ لا يَحْسُنُ لِأنَّهُ الغَضَبُ والغَلَبَةُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ قالَ: لِأنَّ لَفْظَ ( الكَرْهِ ) في القُرْآنِ كُلِّهِ بِالفَتْحِ إلّا الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقِيلَ إنَّ الكُرْهَ بِالضَّمِّ ما حَمَلَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ، وبِالفَتْحِ ما حَمَلَ عَلى غَيْرِهِ. وإنَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ حَمْلَ الأُمِّ ووَضْعَها تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ الإحْسانِ إلَيْها الَّذِي وصّى اللَّهُ بِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ ووَضَعَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مُدَّةَ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، فَقالَ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ أيْ: مُدَّتُهُما هَذِهِ المُدَّةُ مِن عِنْدِ ابْتِداءِ حَمْلِهِ إلى أنْ يُفْصَلَ مِنَ الرَّضاعِ: أيْ يُفْطَمَ عَنْهُ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أقَلَّ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ سَنَتانِ: أيْ: مُدَّةَ الرَّضاعِ الكامِلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَذَكَرَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ، وأكْثَرَ مُدَّةِ الرَّضاعِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ الأُمِّ آكَدُ مِن حَقِّ الأبِ لِأنَّها حَمَلَتْهُ بِمَشَقَّةٍ ووَضَعَتْهُ بِمَشَقَّةٍ، وأرْضَعَتْهُ هَذِهِ المُدَّةَ بِتَعَبٍ ونَصَبٍ، ولَمْ يُشارِكْها الأبُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( وفِصالُهُ ) بِالألِفِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ ( وفَصْلُهُ ) بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الصّادِ بِغَيْرِ ألِفٍ، والفَصْلُ والفِصالُ بِمَعْنًى: كالفَطْمِ والفِطامِ، والقَطْفِ والقِطافِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ بَلَغَ اسْتِحْكامَ قُوَّتِهِ وعَقْلِهِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ الأشُدِّ مُسْتَوْفًى ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ تَكُونُ حَتّى غايَةً لَها: أيْ عاشَ واسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ حَتّى بَلَغَ أشُدَّهُ، قِيلَ بَلَغَ عُمْرُهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وقِيلَ: الأشُدُّ الحُلُمُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ: هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ فَإنَّ هَذا يُفِيدُ أنَّ بُلُوغَ الأرْبَعِينَ هو شَيْءٌ وراءَ بُلُوغِ الأشُدِّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إلّا بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً. ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ أيْ ألْهِمْنِي. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اسْتَوْزَعْتُ اللَّهَ فَأوْزَعَنِي: أيِ اسْتَلْهَمْتُهُ فَألْهَمَنِي ﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ، وعَلى والِدَيَّ مِنَ التَّحَنُّنِ عَلَيَّ مِنهُما حِينَ رَبَّيانِي صَغِيرًا. وقِيلَ: أنْعَمْتَ عَلَيَّ بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ، وعَلى والِدَيَّ بِالغِنى والثَّرْوَةِ، والأوْلى عَدَمُ تَقْيِيدِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وعَلى أبَوَيْهِ بِنِعْمَةٍ مَخْصُوصَةٍ ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ أيْ وألْهِمْنِي أنْ أعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا تَرْضاهُ مِنِّي ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ أيِ اجْعَلْ ذَرِّيَّتِي صالِحِينَ راسِخِينَ في الصَّلاحِ مُتَمَكِّنِينَ مِنهُ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن بَلَغَ عُمْرُهُ أرْبَعِينَ سَنَةً أنْ يَسْتَكْثِرَ مِن هَذِهِ الدَّعَواتِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ﴿إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ﴾ مِن ذُنُوبِي ﴿وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُسْتَسْلِمِينَ لَكَ المُنْقادِينَ لِطاعَتِكَ المُخْلِصِينَ لِتَوْحِيدِكَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ، والجَمْعِ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ. وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الدُّنْيا والمُرادُ بِالأحْسَنِ الحَسَنُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم﴾ [الزمر: ٥٥] وقِيلَ: إنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ عَلى مَعْناهُ، ويُرادُ بِهِ ما يُثابُ العَبْدُ عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ، لا ما لا يُثابُ عَلَيْهِ كالمُباحِ فَإنَّهُ حَسَنٌ، ولَيْسَ بِأحْسَنَ ﴿ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ فَلا نُعاقِبُهم عَلَيْها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُتَقَبَّلُ ) و( يُتَجاوَزُ ) عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالنُّونِ فِيهِما عَلى إسْنادِهِما إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، والتَّجاوُزُ الغُفْرانُ، وأصْلُهُ مِن جُزْتَ الشَّيْءَ: إذا لَمْ تَقِفْ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ أنَّهم كائِنُونَ في عِدادِهِمْ مُنْتَظِمُونَ في سِلْكِهِمْ، فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ كَقَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في أصْحابِهِ: أيْ: كائِنًا في جُمْلَتِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ " في " بِمَعْنى مَعَ: أيْ: مَعَ أصْحابِ الجَنَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هم في أصْحابِ الجَنَّةِ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ( وعْدَ الصِّدْقِ ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ إلَخْ، في مَعْنى الوَعْدِ بِالتَّقَبُّلِ، والتَّجاوُزِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ بِهِ عَلى ألْسُنِ الرُّسُلِ في الدُّنْيا. (p-١٣٦٥)وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنا مَعَهُ حَتّى دَخَلْنا كَنِيسَةَ اليَهُودِ يَوْمَ عِيدِهِمْ، فَكَرِهُوا دُخُولَنا عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، أرُونِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنكم يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَحُطُّ اللَّهُ تَعالى عَنْ كُلِّ يَهُودِيٍّ تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ الغَضَبَ الَّذِي عَلَيْهِ. فَسَكَتُوا فَما أجابَهُ مِنهم أحَدٌ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ ثَلاثًا، فَقالَ: أبَيْتُمْ ؟ فَواللَّهِ لَأنا الحاشِرُ، وأنا العاقِبُ، وأنا المُقَفِّي، آمَنتُمْ أوْ كَذَّبْتُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ وأنا مَعَهُ حَتّى كِدْنا أنْ نَخْرُجَ، فَإذا رَجُلٌ مِن خَلْفِهِ فَقالَ: كَما أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَأقْبَلَ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: أيُّ رَجُلٍ تَعْلَمُونِي فِيكم يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، فَقالُوا، واللَّهِ ما نَعْلَمُ فِينا رَجُلًا أعْلَمَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا أفْقَهَ مِنكَ، ولا مِن أبِيكَ، ولا مِن جَدِّكَ، قالَ: فَإنِّي أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالُوا: كَذَبْتَ، ثُمَّ رَدُّوا عَلَيْهِ، وقالُوا شَرًّا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَذَبْتُمْ لَنْ يُقْبَلَ مِنكم قَوْلُكم، فَخَرَجْنا، ونَحْنُ ثَلاثَةٌ، رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأنا، وابْنُ سَلامٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» وصَحَّحَهُ السُّيُوطِيُّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ لِأحَدٍ يَمْشِي عَلى وجْهِ الأرْضِ إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إلّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وفِيهِ نَزَلَتْ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: نَزَلَ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ونَزَلَ فِيَّ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ فَيُخَصَّصُ بِها عُمُومُ قَوْلِهِمْ إنَّ سُورَةَ الأحْقافِ كُلَّها مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قالَ ناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ نَحْنُ أعَزُّ ونَحْنُ ونَحْنُ، فَلَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ فُلانٌ، وفُلانٌ، فَنَزَلَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أبِي شَدّادٍ قالَ: كانَتْ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أمَةٌ أسْلَمَتْ قَبْلَهُ: يُقالُ لَها زُنَيْرَةُ، وكانَ عُمَرُ يَضْرِبُها عَلى الإسْلامِ، وكانَ كُفّارُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ زُنَيْرَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِها ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ٣٢ بَنُو غِفارٍ، وأسْلَمُ كانُوا لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فِتْنَةً، يَقُولُونَ لَوْ كانَ خَيْرًا ما جَعَلَهُمُ اللَّهُ أوَّلَ النّاسِ فِيهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أخْبَرَهُ قالَ: إنِّي لَصاحِبُ المَرْأةِ الَّتِي أُتِيَ بِها عُمَرُ وضَعَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، فَأنْكَرَ النّاسُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِعُمَرَ: لِمَ تَظْلِمُ ؟ قالَ: كَيْفَ ؟ قُلْتُ اقْرَأْ ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] كَمِ الحَوْلُ ؟ قالَ سَنَةٌ، قُلْتُ: كَمِ السَّنَةُ ؟ قالَ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، قُلْتُ فَأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا حَوْلانِ كامِلانِ، ويُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنَ الحَمْلِ ما شاءَ ويُقَدِّمُ ما شاءَ، فاسْتَراحَ عُمَرُ إلى قَوْلِي. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ولَدَتِ المَرْأةُ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ كَفاها مِنَ الرَّضاعِ أحَدٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وإذا ولَدَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ كَفاها مِنَ الرَّضاعِ ثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وإذا وضَعَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فَحَوْلانِ كامِلانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ الآيَةَ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ فَأسْلَمَ والِداهُ جَمِيعًا وإخْوَتُهُ ووَلَدُهُ كُلُّهم، ونَزَلَتْ فِيهِ أيْضًا ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ.

الأحقاف 46:13

قَوْلُهُ ( ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ ) أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ المُرادُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والمَعْنى: إنْ كانَ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ( وكَفَرْتُمْ بِهِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ والحالُ أنَّكم قَدْ كَفَرْتُمْ بِهِ، وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ العالِمِينَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ عَلى مِثْلِهِ: أيِ: القُرْآنِ مِنَ المَعانِي المَوْجُودَةِ في التَّوْراةِ المُطابِقَةِ لَهُ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والنُّشُورِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وهَذِهِ المِثْلِيَّةُ هي بِاعْتِبارِ تَطابُقِ المَعانِي وإنِ اخْتَلَفَتِ الألْفاظُ. وقالَ الجُرْجانِيُّ: " مِثْلِ " صِلَةٌ، والمَعْنى: وشَهِدَ شاهِدٌ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَذا قالَ الواحِدِيُّ فَآمَنَ الشّاهِدُ بِالقُرْآنِ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ ومِن جِنْسِ ما يُنَزِّلُهُ عَلى رُسُلِهِ وهَذا الشّاهِدُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كَما قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، وغَيْرُهم، وفي هَذا نَظَرٌ فَإنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كانَ إسْلامُهُ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالشّاهِدِ رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ قَدْ آمَنَ بِالقُرْآنِ في مَكَّةَ وصَدَّقَهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يَتَرَجَّحُ بِهِ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لا مَكِّيَّةٌ. ورُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ المُرادَ بِالرَّجُلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ( واسْتَكْبَرْتُمْ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( شَهِدَ ): أيْ: آمَنَ الشّاهِدُ واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فَحَرَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ الهِدايَةَ لِظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ الظّاهِرَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ، ومَن فَقَدَ هِدايَةَ اللَّهِ لَهُ ضَلَّ. وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوابِ الشَّرْطِ ماذا هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أتُؤْمِنُونَ، وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ وقِيلَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقَدْ ظَلَمْتُمْ لِدَلالَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ عَلَيْهِ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: فَمَن أضَلُّ مِنكم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ أتَأْمَنُونَ عُقُوبَةَ اللَّهِ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللّامُ هي لامُ التَّبْلِيغِ ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ أيْ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنَ القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ لِأنَّهم عِنْدَ أنْفُسِهِمُ المُسْتَحِقُّونَ لِلسَّبْقِ إلى كُلِّ مَكْرُمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، ويُعِزُّ مَن يَشاءُ، ويُذِلُّ مَن يَشاءُ، ويَصْطَفِي لِدِينِهِ مَن يَشاءُ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، وقِيلَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: بِالإيمانِ ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ فَجاوَزُوا نَفْيَ خَيْرِيَّةِ القُرْآنِ إلى دَعْوى أنَّهُ كَذِبٌ قَدِيمٌ كَما قالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، والعامِلُ في " إذْ " مُقَدَّرٌ: أيْ: ظَهَرَ عِنادُهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فَسَيَقُولُونَ لِتَضادِّ الزَّمانَيْنِ، أعْنِي المُضِيَّ والِاسْتِقْبالَ ولِأجْلِ الفاءِ أيْضًا، وقِيلَ إنَّ العامِلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن جِنْسِ المَذْكُورِ: أيْ: لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ. وإذا لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ. ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ المِيمِ مِن ( مِن ) عَلى أنَّها حَرْفُ جَرٍّ، وهي مَعَ مَجْرُورِها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وكِتابُ مُوسى مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ فَإنَّ كَوْنَهُ قَدْ تَقَدَّمَ القُرْآنَ كِتابُ مُوسى، وهو التَّوْراةُ وتَوافَقا في أُصُولِ الشَّرائِعِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويَقْتَضِي بُطْلانَ قَوْلِهِمْ. وقُرِئَ بِفَتْحِ مِيمِ " مَن " عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، ونَصْبِ ( كِتابَ ): أيْ وآتَيْنا مَن قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكَلْبِيِّ. ﴿إمامًا ورَحْمَةً﴾ أيْ يُقْتَدى بِهِ في الدِّينِ ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِمَن آمَنَ بِهِ، وهُما مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. وقالَ الأخْفَشُ عَلى القَطْعِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ جَعَلْناهُ إمامًا ورَحْمَةً ﴿وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فَإنَّهُ مُصَدِّقٌ لِكِتابِ مُوسى الَّذِي هو إمامٌ ورَحْمَةٌ ولِغَيْرِهِ مِن كُتُبِ اللَّهِ، وقِيلَ: مُصَدِّقٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وانْتِصابُ ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ المُوَطِّئَةِ، وصاحِبُها الضَّمِيرُ في ( مُصَدِّقٌ ) العائِدُ إلى ( كِتابٌ )، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِ ( مُصَدِّقٌ )، والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ: ذا لِسانٍ عَرَبِيٍّ، وهو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيُنْذِرَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ: أيْ لِيُنْذِرَ الكِتابُ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ، وقِيلَ إلى الرَّسُولِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والبَزِّيُّ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ( لِيُنْذِرَ ) . وقالَ (p-١٣٦٤)الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ: أيْ وهو بُشْرى، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وتُبَشِّرَ بُشْرى، وقَوْلُهُ: ( لِلْمُحْسِنِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بُشْرى ) . ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ والِاسْتِقامَةِ عَلى الشَّرِيعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ السَّجْدَةِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ الفاءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، ( ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ) المَعْنى: أنَّهم لا يَخافُونَ مِن وُقُوعِ مَكْرُوهٍ بِهِمْ، ولا يَحْزَنُونَ مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ وأنَّ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ دائِمٌ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ أصْحابُ الجَنَّةِ، الَّتِي هي دارُ المُؤْمِنِينَ حالَ كَوْنِهِمْ خالِدِينَ فِيها وفي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ التَّرْغِيبِ أمْرٌ عَظِيمٌ، فَإنَّ نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْنِ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِقْرارِ في الجَنَّةِ عَلى الأبَدِ مِمّا لا تَطْلُبُ الأنْفُسُ سِواهُ ولا تَتَشَوَّفُ إلى ما عَداهُ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها مِنَ الطّاعاتِ لِلَّهِ وتَرْكِ مَعاصِيهِ. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( حُسْنًا ) بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، بِفَتْحِهِما. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والكُوفِيُّونَ ( إحْسانًا ) وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ بَيْنَ القُرّاءِ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] فَلَعَلَّ هَذا هو وجْهُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ فانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ وصَّيْناهُ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِما حُسْنًا، أوْ إحْسانًا. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَضْمِينِ ( وصَّيْنا ) مَعْنى ألْزَمْنا، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( كُرْهًا ) في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ أبُو عُمَرَ وأهْلُ الحِجازِ بِفَتْحِهِما. قالَ الكِسائِيُّ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ( الكَرْهُ ) بِالفَتْحِ لا يَحْسُنُ لِأنَّهُ الغَضَبُ والغَلَبَةُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ قالَ: لِأنَّ لَفْظَ ( الكَرْهِ ) في القُرْآنِ كُلِّهِ بِالفَتْحِ إلّا الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقِيلَ إنَّ الكُرْهَ بِالضَّمِّ ما حَمَلَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ، وبِالفَتْحِ ما حَمَلَ عَلى غَيْرِهِ. وإنَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ حَمْلَ الأُمِّ ووَضْعَها تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ الإحْسانِ إلَيْها الَّذِي وصّى اللَّهُ بِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ ووَضَعَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مُدَّةَ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، فَقالَ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ أيْ: مُدَّتُهُما هَذِهِ المُدَّةُ مِن عِنْدِ ابْتِداءِ حَمْلِهِ إلى أنْ يُفْصَلَ مِنَ الرَّضاعِ: أيْ يُفْطَمَ عَنْهُ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أقَلَّ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ سَنَتانِ: أيْ: مُدَّةَ الرَّضاعِ الكامِلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَذَكَرَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ، وأكْثَرَ مُدَّةِ الرَّضاعِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ الأُمِّ آكَدُ مِن حَقِّ الأبِ لِأنَّها حَمَلَتْهُ بِمَشَقَّةٍ ووَضَعَتْهُ بِمَشَقَّةٍ، وأرْضَعَتْهُ هَذِهِ المُدَّةَ بِتَعَبٍ ونَصَبٍ، ولَمْ يُشارِكْها الأبُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( وفِصالُهُ ) بِالألِفِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ ( وفَصْلُهُ ) بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الصّادِ بِغَيْرِ ألِفٍ، والفَصْلُ والفِصالُ بِمَعْنًى: كالفَطْمِ والفِطامِ، والقَطْفِ والقِطافِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ بَلَغَ اسْتِحْكامَ قُوَّتِهِ وعَقْلِهِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ الأشُدِّ مُسْتَوْفًى ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ تَكُونُ حَتّى غايَةً لَها: أيْ عاشَ واسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ حَتّى بَلَغَ أشُدَّهُ، قِيلَ بَلَغَ عُمْرُهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وقِيلَ: الأشُدُّ الحُلُمُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ: هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ فَإنَّ هَذا يُفِيدُ أنَّ بُلُوغَ الأرْبَعِينَ هو شَيْءٌ وراءَ بُلُوغِ الأشُدِّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إلّا بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً. ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ أيْ ألْهِمْنِي. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اسْتَوْزَعْتُ اللَّهَ فَأوْزَعَنِي: أيِ اسْتَلْهَمْتُهُ فَألْهَمَنِي ﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ، وعَلى والِدَيَّ مِنَ التَّحَنُّنِ عَلَيَّ مِنهُما حِينَ رَبَّيانِي صَغِيرًا. وقِيلَ: أنْعَمْتَ عَلَيَّ بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ، وعَلى والِدَيَّ بِالغِنى والثَّرْوَةِ، والأوْلى عَدَمُ تَقْيِيدِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وعَلى أبَوَيْهِ بِنِعْمَةٍ مَخْصُوصَةٍ ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ أيْ وألْهِمْنِي أنْ أعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا تَرْضاهُ مِنِّي ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ أيِ اجْعَلْ ذَرِّيَّتِي صالِحِينَ راسِخِينَ في الصَّلاحِ مُتَمَكِّنِينَ مِنهُ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن بَلَغَ عُمْرُهُ أرْبَعِينَ سَنَةً أنْ يَسْتَكْثِرَ مِن هَذِهِ الدَّعَواتِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ﴿إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ﴾ مِن ذُنُوبِي ﴿وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُسْتَسْلِمِينَ لَكَ المُنْقادِينَ لِطاعَتِكَ المُخْلِصِينَ لِتَوْحِيدِكَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ، والجَمْعِ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ. وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الدُّنْيا والمُرادُ بِالأحْسَنِ الحَسَنُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم﴾ [الزمر: ٥٥] وقِيلَ: إنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ عَلى مَعْناهُ، ويُرادُ بِهِ ما يُثابُ العَبْدُ عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ، لا ما لا يُثابُ عَلَيْهِ كالمُباحِ فَإنَّهُ حَسَنٌ، ولَيْسَ بِأحْسَنَ ﴿ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ فَلا نُعاقِبُهم عَلَيْها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُتَقَبَّلُ ) و( يُتَجاوَزُ ) عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالنُّونِ فِيهِما عَلى إسْنادِهِما إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، والتَّجاوُزُ الغُفْرانُ، وأصْلُهُ مِن جُزْتَ الشَّيْءَ: إذا لَمْ تَقِفْ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ أنَّهم كائِنُونَ في عِدادِهِمْ مُنْتَظِمُونَ في سِلْكِهِمْ، فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ كَقَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في أصْحابِهِ: أيْ: كائِنًا في جُمْلَتِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ " في " بِمَعْنى مَعَ: أيْ: مَعَ أصْحابِ الجَنَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هم في أصْحابِ الجَنَّةِ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ( وعْدَ الصِّدْقِ ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ إلَخْ، في مَعْنى الوَعْدِ بِالتَّقَبُّلِ، والتَّجاوُزِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ بِهِ عَلى ألْسُنِ الرُّسُلِ في الدُّنْيا. (p-١٣٦٥)وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنا مَعَهُ حَتّى دَخَلْنا كَنِيسَةَ اليَهُودِ يَوْمَ عِيدِهِمْ، فَكَرِهُوا دُخُولَنا عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، أرُونِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنكم يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَحُطُّ اللَّهُ تَعالى عَنْ كُلِّ يَهُودِيٍّ تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ الغَضَبَ الَّذِي عَلَيْهِ. فَسَكَتُوا فَما أجابَهُ مِنهم أحَدٌ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ ثَلاثًا، فَقالَ: أبَيْتُمْ ؟ فَواللَّهِ لَأنا الحاشِرُ، وأنا العاقِبُ، وأنا المُقَفِّي، آمَنتُمْ أوْ كَذَّبْتُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ وأنا مَعَهُ حَتّى كِدْنا أنْ نَخْرُجَ، فَإذا رَجُلٌ مِن خَلْفِهِ فَقالَ: كَما أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَأقْبَلَ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: أيُّ رَجُلٍ تَعْلَمُونِي فِيكم يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، فَقالُوا، واللَّهِ ما نَعْلَمُ فِينا رَجُلًا أعْلَمَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا أفْقَهَ مِنكَ، ولا مِن أبِيكَ، ولا مِن جَدِّكَ، قالَ: فَإنِّي أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالُوا: كَذَبْتَ، ثُمَّ رَدُّوا عَلَيْهِ، وقالُوا شَرًّا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَذَبْتُمْ لَنْ يُقْبَلَ مِنكم قَوْلُكم، فَخَرَجْنا، ونَحْنُ ثَلاثَةٌ، رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأنا، وابْنُ سَلامٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» وصَحَّحَهُ السُّيُوطِيُّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ لِأحَدٍ يَمْشِي عَلى وجْهِ الأرْضِ إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إلّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وفِيهِ نَزَلَتْ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: نَزَلَ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ونَزَلَ فِيَّ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ فَيُخَصَّصُ بِها عُمُومُ قَوْلِهِمْ إنَّ سُورَةَ الأحْقافِ كُلَّها مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قالَ ناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ نَحْنُ أعَزُّ ونَحْنُ ونَحْنُ، فَلَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ فُلانٌ، وفُلانٌ، فَنَزَلَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أبِي شَدّادٍ قالَ: كانَتْ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أمَةٌ أسْلَمَتْ قَبْلَهُ: يُقالُ لَها زُنَيْرَةُ، وكانَ عُمَرُ يَضْرِبُها عَلى الإسْلامِ، وكانَ كُفّارُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ زُنَيْرَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِها ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ٣٢ بَنُو غِفارٍ، وأسْلَمُ كانُوا لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فِتْنَةً، يَقُولُونَ لَوْ كانَ خَيْرًا ما جَعَلَهُمُ اللَّهُ أوَّلَ النّاسِ فِيهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أخْبَرَهُ قالَ: إنِّي لَصاحِبُ المَرْأةِ الَّتِي أُتِيَ بِها عُمَرُ وضَعَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، فَأنْكَرَ النّاسُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِعُمَرَ: لِمَ تَظْلِمُ ؟ قالَ: كَيْفَ ؟ قُلْتُ اقْرَأْ ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] كَمِ الحَوْلُ ؟ قالَ سَنَةٌ، قُلْتُ: كَمِ السَّنَةُ ؟ قالَ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، قُلْتُ فَأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا حَوْلانِ كامِلانِ، ويُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنَ الحَمْلِ ما شاءَ ويُقَدِّمُ ما شاءَ، فاسْتَراحَ عُمَرُ إلى قَوْلِي. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ولَدَتِ المَرْأةُ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ كَفاها مِنَ الرَّضاعِ أحَدٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وإذا ولَدَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ كَفاها مِنَ الرَّضاعِ ثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وإذا وضَعَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فَحَوْلانِ كامِلانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ الآيَةَ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ فَأسْلَمَ والِداهُ جَمِيعًا وإخْوَتُهُ ووَلَدُهُ كُلُّهم، ونَزَلَتْ فِيهِ أيْضًا ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ.

الأحقاف 46:14

قَوْلُهُ ( ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ ) أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ المُرادُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والمَعْنى: إنْ كانَ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ( وكَفَرْتُمْ بِهِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ والحالُ أنَّكم قَدْ كَفَرْتُمْ بِهِ، وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ العالِمِينَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ عَلى مِثْلِهِ: أيِ: القُرْآنِ مِنَ المَعانِي المَوْجُودَةِ في التَّوْراةِ المُطابِقَةِ لَهُ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والنُّشُورِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وهَذِهِ المِثْلِيَّةُ هي بِاعْتِبارِ تَطابُقِ المَعانِي وإنِ اخْتَلَفَتِ الألْفاظُ. وقالَ الجُرْجانِيُّ: " مِثْلِ " صِلَةٌ، والمَعْنى: وشَهِدَ شاهِدٌ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَذا قالَ الواحِدِيُّ فَآمَنَ الشّاهِدُ بِالقُرْآنِ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ ومِن جِنْسِ ما يُنَزِّلُهُ عَلى رُسُلِهِ وهَذا الشّاهِدُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كَما قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، وغَيْرُهم، وفي هَذا نَظَرٌ فَإنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كانَ إسْلامُهُ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالشّاهِدِ رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ قَدْ آمَنَ بِالقُرْآنِ في مَكَّةَ وصَدَّقَهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يَتَرَجَّحُ بِهِ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لا مَكِّيَّةٌ. ورُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ المُرادَ بِالرَّجُلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ( واسْتَكْبَرْتُمْ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( شَهِدَ ): أيْ: آمَنَ الشّاهِدُ واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فَحَرَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ الهِدايَةَ لِظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ الظّاهِرَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ، ومَن فَقَدَ هِدايَةَ اللَّهِ لَهُ ضَلَّ. وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوابِ الشَّرْطِ ماذا هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أتُؤْمِنُونَ، وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ وقِيلَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقَدْ ظَلَمْتُمْ لِدَلالَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ عَلَيْهِ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: فَمَن أضَلُّ مِنكم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ أتَأْمَنُونَ عُقُوبَةَ اللَّهِ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللّامُ هي لامُ التَّبْلِيغِ ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ أيْ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنَ القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ لِأنَّهم عِنْدَ أنْفُسِهِمُ المُسْتَحِقُّونَ لِلسَّبْقِ إلى كُلِّ مَكْرُمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، ويُعِزُّ مَن يَشاءُ، ويُذِلُّ مَن يَشاءُ، ويَصْطَفِي لِدِينِهِ مَن يَشاءُ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، وقِيلَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: بِالإيمانِ ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ فَجاوَزُوا نَفْيَ خَيْرِيَّةِ القُرْآنِ إلى دَعْوى أنَّهُ كَذِبٌ قَدِيمٌ كَما قالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، والعامِلُ في " إذْ " مُقَدَّرٌ: أيْ: ظَهَرَ عِنادُهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فَسَيَقُولُونَ لِتَضادِّ الزَّمانَيْنِ، أعْنِي المُضِيَّ والِاسْتِقْبالَ ولِأجْلِ الفاءِ أيْضًا، وقِيلَ إنَّ العامِلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن جِنْسِ المَذْكُورِ: أيْ: لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ. وإذا لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ. ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ المِيمِ مِن ( مِن ) عَلى أنَّها حَرْفُ جَرٍّ، وهي مَعَ مَجْرُورِها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وكِتابُ مُوسى مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ فَإنَّ كَوْنَهُ قَدْ تَقَدَّمَ القُرْآنَ كِتابُ مُوسى، وهو التَّوْراةُ وتَوافَقا في أُصُولِ الشَّرائِعِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويَقْتَضِي بُطْلانَ قَوْلِهِمْ. وقُرِئَ بِفَتْحِ مِيمِ " مَن " عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، ونَصْبِ ( كِتابَ ): أيْ وآتَيْنا مَن قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكَلْبِيِّ. ﴿إمامًا ورَحْمَةً﴾ أيْ يُقْتَدى بِهِ في الدِّينِ ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِمَن آمَنَ بِهِ، وهُما مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. وقالَ الأخْفَشُ عَلى القَطْعِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ جَعَلْناهُ إمامًا ورَحْمَةً ﴿وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فَإنَّهُ مُصَدِّقٌ لِكِتابِ مُوسى الَّذِي هو إمامٌ ورَحْمَةٌ ولِغَيْرِهِ مِن كُتُبِ اللَّهِ، وقِيلَ: مُصَدِّقٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وانْتِصابُ ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ المُوَطِّئَةِ، وصاحِبُها الضَّمِيرُ في ( مُصَدِّقٌ ) العائِدُ إلى ( كِتابٌ )، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِ ( مُصَدِّقٌ )، والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ: ذا لِسانٍ عَرَبِيٍّ، وهو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيُنْذِرَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ: أيْ لِيُنْذِرَ الكِتابُ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ، وقِيلَ إلى الرَّسُولِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والبَزِّيُّ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ( لِيُنْذِرَ ) . وقالَ (p-١٣٦٤)الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ: أيْ وهو بُشْرى، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وتُبَشِّرَ بُشْرى، وقَوْلُهُ: ( لِلْمُحْسِنِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بُشْرى ) . ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ والِاسْتِقامَةِ عَلى الشَّرِيعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ السَّجْدَةِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ الفاءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، ( ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ) المَعْنى: أنَّهم لا يَخافُونَ مِن وُقُوعِ مَكْرُوهٍ بِهِمْ، ولا يَحْزَنُونَ مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ وأنَّ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ دائِمٌ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ أصْحابُ الجَنَّةِ، الَّتِي هي دارُ المُؤْمِنِينَ حالَ كَوْنِهِمْ خالِدِينَ فِيها وفي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ التَّرْغِيبِ أمْرٌ عَظِيمٌ، فَإنَّ نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْنِ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِقْرارِ في الجَنَّةِ عَلى الأبَدِ مِمّا لا تَطْلُبُ الأنْفُسُ سِواهُ ولا تَتَشَوَّفُ إلى ما عَداهُ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها مِنَ الطّاعاتِ لِلَّهِ وتَرْكِ مَعاصِيهِ. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( حُسْنًا ) بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، بِفَتْحِهِما. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والكُوفِيُّونَ ( إحْسانًا ) وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ بَيْنَ القُرّاءِ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] فَلَعَلَّ هَذا هو وجْهُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ فانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ وصَّيْناهُ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِما حُسْنًا، أوْ إحْسانًا. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَضْمِينِ ( وصَّيْنا ) مَعْنى ألْزَمْنا، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( كُرْهًا ) في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ أبُو عُمَرَ وأهْلُ الحِجازِ بِفَتْحِهِما. قالَ الكِسائِيُّ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ( الكَرْهُ ) بِالفَتْحِ لا يَحْسُنُ لِأنَّهُ الغَضَبُ والغَلَبَةُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ قالَ: لِأنَّ لَفْظَ ( الكَرْهِ ) في القُرْآنِ كُلِّهِ بِالفَتْحِ إلّا الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقِيلَ إنَّ الكُرْهَ بِالضَّمِّ ما حَمَلَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ، وبِالفَتْحِ ما حَمَلَ عَلى غَيْرِهِ. وإنَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ حَمْلَ الأُمِّ ووَضْعَها تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ الإحْسانِ إلَيْها الَّذِي وصّى اللَّهُ بِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ ووَضَعَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مُدَّةَ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، فَقالَ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ أيْ: مُدَّتُهُما هَذِهِ المُدَّةُ مِن عِنْدِ ابْتِداءِ حَمْلِهِ إلى أنْ يُفْصَلَ مِنَ الرَّضاعِ: أيْ يُفْطَمَ عَنْهُ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أقَلَّ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ سَنَتانِ: أيْ: مُدَّةَ الرَّضاعِ الكامِلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَذَكَرَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ، وأكْثَرَ مُدَّةِ الرَّضاعِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ الأُمِّ آكَدُ مِن حَقِّ الأبِ لِأنَّها حَمَلَتْهُ بِمَشَقَّةٍ ووَضَعَتْهُ بِمَشَقَّةٍ، وأرْضَعَتْهُ هَذِهِ المُدَّةَ بِتَعَبٍ ونَصَبٍ، ولَمْ يُشارِكْها الأبُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( وفِصالُهُ ) بِالألِفِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ ( وفَصْلُهُ ) بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الصّادِ بِغَيْرِ ألِفٍ، والفَصْلُ والفِصالُ بِمَعْنًى: كالفَطْمِ والفِطامِ، والقَطْفِ والقِطافِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ بَلَغَ اسْتِحْكامَ قُوَّتِهِ وعَقْلِهِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ الأشُدِّ مُسْتَوْفًى ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ تَكُونُ حَتّى غايَةً لَها: أيْ عاشَ واسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ حَتّى بَلَغَ أشُدَّهُ، قِيلَ بَلَغَ عُمْرُهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وقِيلَ: الأشُدُّ الحُلُمُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ: هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ فَإنَّ هَذا يُفِيدُ أنَّ بُلُوغَ الأرْبَعِينَ هو شَيْءٌ وراءَ بُلُوغِ الأشُدِّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إلّا بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً. ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ أيْ ألْهِمْنِي. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اسْتَوْزَعْتُ اللَّهَ فَأوْزَعَنِي: أيِ اسْتَلْهَمْتُهُ فَألْهَمَنِي ﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ، وعَلى والِدَيَّ مِنَ التَّحَنُّنِ عَلَيَّ مِنهُما حِينَ رَبَّيانِي صَغِيرًا. وقِيلَ: أنْعَمْتَ عَلَيَّ بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ، وعَلى والِدَيَّ بِالغِنى والثَّرْوَةِ، والأوْلى عَدَمُ تَقْيِيدِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وعَلى أبَوَيْهِ بِنِعْمَةٍ مَخْصُوصَةٍ ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ أيْ وألْهِمْنِي أنْ أعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا تَرْضاهُ مِنِّي ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ أيِ اجْعَلْ ذَرِّيَّتِي صالِحِينَ راسِخِينَ في الصَّلاحِ مُتَمَكِّنِينَ مِنهُ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن بَلَغَ عُمْرُهُ أرْبَعِينَ سَنَةً أنْ يَسْتَكْثِرَ مِن هَذِهِ الدَّعَواتِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ﴿إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ﴾ مِن ذُنُوبِي ﴿وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُسْتَسْلِمِينَ لَكَ المُنْقادِينَ لِطاعَتِكَ المُخْلِصِينَ لِتَوْحِيدِكَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ، والجَمْعِ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ. وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الدُّنْيا والمُرادُ بِالأحْسَنِ الحَسَنُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم﴾ [الزمر: ٥٥] وقِيلَ: إنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ عَلى مَعْناهُ، ويُرادُ بِهِ ما يُثابُ العَبْدُ عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ، لا ما لا يُثابُ عَلَيْهِ كالمُباحِ فَإنَّهُ حَسَنٌ، ولَيْسَ بِأحْسَنَ ﴿ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ فَلا نُعاقِبُهم عَلَيْها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُتَقَبَّلُ ) و( يُتَجاوَزُ ) عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالنُّونِ فِيهِما عَلى إسْنادِهِما إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، والتَّجاوُزُ الغُفْرانُ، وأصْلُهُ مِن جُزْتَ الشَّيْءَ: إذا لَمْ تَقِفْ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ أنَّهم كائِنُونَ في عِدادِهِمْ مُنْتَظِمُونَ في سِلْكِهِمْ، فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ كَقَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في أصْحابِهِ: أيْ: كائِنًا في جُمْلَتِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ " في " بِمَعْنى مَعَ: أيْ: مَعَ أصْحابِ الجَنَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هم في أصْحابِ الجَنَّةِ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ( وعْدَ الصِّدْقِ ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ إلَخْ، في مَعْنى الوَعْدِ بِالتَّقَبُّلِ، والتَّجاوُزِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ بِهِ عَلى ألْسُنِ الرُّسُلِ في الدُّنْيا. (p-١٣٦٥)وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنا مَعَهُ حَتّى دَخَلْنا كَنِيسَةَ اليَهُودِ يَوْمَ عِيدِهِمْ، فَكَرِهُوا دُخُولَنا عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، أرُونِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنكم يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَحُطُّ اللَّهُ تَعالى عَنْ كُلِّ يَهُودِيٍّ تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ الغَضَبَ الَّذِي عَلَيْهِ. فَسَكَتُوا فَما أجابَهُ مِنهم أحَدٌ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ ثَلاثًا، فَقالَ: أبَيْتُمْ ؟ فَواللَّهِ لَأنا الحاشِرُ، وأنا العاقِبُ، وأنا المُقَفِّي، آمَنتُمْ أوْ كَذَّبْتُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ وأنا مَعَهُ حَتّى كِدْنا أنْ نَخْرُجَ، فَإذا رَجُلٌ مِن خَلْفِهِ فَقالَ: كَما أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَأقْبَلَ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: أيُّ رَجُلٍ تَعْلَمُونِي فِيكم يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، فَقالُوا، واللَّهِ ما نَعْلَمُ فِينا رَجُلًا أعْلَمَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا أفْقَهَ مِنكَ، ولا مِن أبِيكَ، ولا مِن جَدِّكَ، قالَ: فَإنِّي أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالُوا: كَذَبْتَ، ثُمَّ رَدُّوا عَلَيْهِ، وقالُوا شَرًّا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَذَبْتُمْ لَنْ يُقْبَلَ مِنكم قَوْلُكم، فَخَرَجْنا، ونَحْنُ ثَلاثَةٌ، رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأنا، وابْنُ سَلامٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» وصَحَّحَهُ السُّيُوطِيُّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ لِأحَدٍ يَمْشِي عَلى وجْهِ الأرْضِ إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إلّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وفِيهِ نَزَلَتْ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: نَزَلَ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ونَزَلَ فِيَّ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ فَيُخَصَّصُ بِها عُمُومُ قَوْلِهِمْ إنَّ سُورَةَ الأحْقافِ كُلَّها مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قالَ ناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ نَحْنُ أعَزُّ ونَحْنُ ونَحْنُ، فَلَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ فُلانٌ، وفُلانٌ، فَنَزَلَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أبِي شَدّادٍ قالَ: كانَتْ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أمَةٌ أسْلَمَتْ قَبْلَهُ: يُقالُ لَها زُنَيْرَةُ، وكانَ عُمَرُ يَضْرِبُها عَلى الإسْلامِ، وكانَ كُفّارُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ زُنَيْرَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِها ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ٣٢ بَنُو غِفارٍ، وأسْلَمُ كانُوا لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فِتْنَةً، يَقُولُونَ لَوْ كانَ خَيْرًا ما جَعَلَهُمُ اللَّهُ أوَّلَ النّاسِ فِيهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أخْبَرَهُ قالَ: إنِّي لَصاحِبُ المَرْأةِ الَّتِي أُتِيَ بِها عُمَرُ وضَعَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، فَأنْكَرَ النّاسُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِعُمَرَ: لِمَ تَظْلِمُ ؟ قالَ: كَيْفَ ؟ قُلْتُ اقْرَأْ ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] كَمِ الحَوْلُ ؟ قالَ سَنَةٌ، قُلْتُ: كَمِ السَّنَةُ ؟ قالَ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، قُلْتُ فَأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا حَوْلانِ كامِلانِ، ويُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنَ الحَمْلِ ما شاءَ ويُقَدِّمُ ما شاءَ، فاسْتَراحَ عُمَرُ إلى قَوْلِي. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ولَدَتِ المَرْأةُ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ كَفاها مِنَ الرَّضاعِ أحَدٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وإذا ولَدَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ كَفاها مِنَ الرَّضاعِ ثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وإذا وضَعَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فَحَوْلانِ كامِلانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ الآيَةَ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ فَأسْلَمَ والِداهُ جَمِيعًا وإخْوَتُهُ ووَلَدُهُ كُلُّهم، ونَزَلَتْ فِيهِ أيْضًا ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ.

الأحقاف 46:15

قَوْلُهُ ( ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ ) أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ المُرادُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والمَعْنى: إنْ كانَ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ( وكَفَرْتُمْ بِهِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ والحالُ أنَّكم قَدْ كَفَرْتُمْ بِهِ، وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ العالِمِينَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ عَلى مِثْلِهِ: أيِ: القُرْآنِ مِنَ المَعانِي المَوْجُودَةِ في التَّوْراةِ المُطابِقَةِ لَهُ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والنُّشُورِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وهَذِهِ المِثْلِيَّةُ هي بِاعْتِبارِ تَطابُقِ المَعانِي وإنِ اخْتَلَفَتِ الألْفاظُ. وقالَ الجُرْجانِيُّ: " مِثْلِ " صِلَةٌ، والمَعْنى: وشَهِدَ شاهِدٌ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَذا قالَ الواحِدِيُّ فَآمَنَ الشّاهِدُ بِالقُرْآنِ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ ومِن جِنْسِ ما يُنَزِّلُهُ عَلى رُسُلِهِ وهَذا الشّاهِدُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كَما قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، وغَيْرُهم، وفي هَذا نَظَرٌ فَإنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كانَ إسْلامُهُ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالشّاهِدِ رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ قَدْ آمَنَ بِالقُرْآنِ في مَكَّةَ وصَدَّقَهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يَتَرَجَّحُ بِهِ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لا مَكِّيَّةٌ. ورُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ المُرادَ بِالرَّجُلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ( واسْتَكْبَرْتُمْ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( شَهِدَ ): أيْ: آمَنَ الشّاهِدُ واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فَحَرَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ الهِدايَةَ لِظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ الظّاهِرَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ، ومَن فَقَدَ هِدايَةَ اللَّهِ لَهُ ضَلَّ. وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوابِ الشَّرْطِ ماذا هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أتُؤْمِنُونَ، وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ وقِيلَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقَدْ ظَلَمْتُمْ لِدَلالَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ عَلَيْهِ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: فَمَن أضَلُّ مِنكم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ أتَأْمَنُونَ عُقُوبَةَ اللَّهِ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللّامُ هي لامُ التَّبْلِيغِ ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ أيْ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنَ القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ لِأنَّهم عِنْدَ أنْفُسِهِمُ المُسْتَحِقُّونَ لِلسَّبْقِ إلى كُلِّ مَكْرُمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، ويُعِزُّ مَن يَشاءُ، ويُذِلُّ مَن يَشاءُ، ويَصْطَفِي لِدِينِهِ مَن يَشاءُ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، وقِيلَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: بِالإيمانِ ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ فَجاوَزُوا نَفْيَ خَيْرِيَّةِ القُرْآنِ إلى دَعْوى أنَّهُ كَذِبٌ قَدِيمٌ كَما قالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، والعامِلُ في " إذْ " مُقَدَّرٌ: أيْ: ظَهَرَ عِنادُهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فَسَيَقُولُونَ لِتَضادِّ الزَّمانَيْنِ، أعْنِي المُضِيَّ والِاسْتِقْبالَ ولِأجْلِ الفاءِ أيْضًا، وقِيلَ إنَّ العامِلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن جِنْسِ المَذْكُورِ: أيْ: لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ. وإذا لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ. ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ المِيمِ مِن ( مِن ) عَلى أنَّها حَرْفُ جَرٍّ، وهي مَعَ مَجْرُورِها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وكِتابُ مُوسى مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ فَإنَّ كَوْنَهُ قَدْ تَقَدَّمَ القُرْآنَ كِتابُ مُوسى، وهو التَّوْراةُ وتَوافَقا في أُصُولِ الشَّرائِعِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويَقْتَضِي بُطْلانَ قَوْلِهِمْ. وقُرِئَ بِفَتْحِ مِيمِ " مَن " عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، ونَصْبِ ( كِتابَ ): أيْ وآتَيْنا مَن قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكَلْبِيِّ. ﴿إمامًا ورَحْمَةً﴾ أيْ يُقْتَدى بِهِ في الدِّينِ ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِمَن آمَنَ بِهِ، وهُما مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. وقالَ الأخْفَشُ عَلى القَطْعِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ جَعَلْناهُ إمامًا ورَحْمَةً ﴿وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فَإنَّهُ مُصَدِّقٌ لِكِتابِ مُوسى الَّذِي هو إمامٌ ورَحْمَةٌ ولِغَيْرِهِ مِن كُتُبِ اللَّهِ، وقِيلَ: مُصَدِّقٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وانْتِصابُ ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ المُوَطِّئَةِ، وصاحِبُها الضَّمِيرُ في ( مُصَدِّقٌ ) العائِدُ إلى ( كِتابٌ )، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِ ( مُصَدِّقٌ )، والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ: ذا لِسانٍ عَرَبِيٍّ، وهو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيُنْذِرَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ: أيْ لِيُنْذِرَ الكِتابُ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ، وقِيلَ إلى الرَّسُولِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والبَزِّيُّ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ( لِيُنْذِرَ ) . وقالَ (p-١٣٦٤)الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ: أيْ وهو بُشْرى، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وتُبَشِّرَ بُشْرى، وقَوْلُهُ: ( لِلْمُحْسِنِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بُشْرى ) . ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ والِاسْتِقامَةِ عَلى الشَّرِيعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ السَّجْدَةِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ الفاءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، ( ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ) المَعْنى: أنَّهم لا يَخافُونَ مِن وُقُوعِ مَكْرُوهٍ بِهِمْ، ولا يَحْزَنُونَ مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ وأنَّ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ دائِمٌ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ أصْحابُ الجَنَّةِ، الَّتِي هي دارُ المُؤْمِنِينَ حالَ كَوْنِهِمْ خالِدِينَ فِيها وفي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ التَّرْغِيبِ أمْرٌ عَظِيمٌ، فَإنَّ نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْنِ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِقْرارِ في الجَنَّةِ عَلى الأبَدِ مِمّا لا تَطْلُبُ الأنْفُسُ سِواهُ ولا تَتَشَوَّفُ إلى ما عَداهُ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها مِنَ الطّاعاتِ لِلَّهِ وتَرْكِ مَعاصِيهِ. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( حُسْنًا ) بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، بِفَتْحِهِما. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والكُوفِيُّونَ ( إحْسانًا ) وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ بَيْنَ القُرّاءِ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] فَلَعَلَّ هَذا هو وجْهُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ فانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ وصَّيْناهُ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِما حُسْنًا، أوْ إحْسانًا. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَضْمِينِ ( وصَّيْنا ) مَعْنى ألْزَمْنا، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( كُرْهًا ) في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ أبُو عُمَرَ وأهْلُ الحِجازِ بِفَتْحِهِما. قالَ الكِسائِيُّ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ( الكَرْهُ ) بِالفَتْحِ لا يَحْسُنُ لِأنَّهُ الغَضَبُ والغَلَبَةُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ قالَ: لِأنَّ لَفْظَ ( الكَرْهِ ) في القُرْآنِ كُلِّهِ بِالفَتْحِ إلّا الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقِيلَ إنَّ الكُرْهَ بِالضَّمِّ ما حَمَلَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ، وبِالفَتْحِ ما حَمَلَ عَلى غَيْرِهِ. وإنَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ حَمْلَ الأُمِّ ووَضْعَها تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ الإحْسانِ إلَيْها الَّذِي وصّى اللَّهُ بِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ ووَضَعَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مُدَّةَ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، فَقالَ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ أيْ: مُدَّتُهُما هَذِهِ المُدَّةُ مِن عِنْدِ ابْتِداءِ حَمْلِهِ إلى أنْ يُفْصَلَ مِنَ الرَّضاعِ: أيْ يُفْطَمَ عَنْهُ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أقَلَّ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ سَنَتانِ: أيْ: مُدَّةَ الرَّضاعِ الكامِلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَذَكَرَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ، وأكْثَرَ مُدَّةِ الرَّضاعِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ الأُمِّ آكَدُ مِن حَقِّ الأبِ لِأنَّها حَمَلَتْهُ بِمَشَقَّةٍ ووَضَعَتْهُ بِمَشَقَّةٍ، وأرْضَعَتْهُ هَذِهِ المُدَّةَ بِتَعَبٍ ونَصَبٍ، ولَمْ يُشارِكْها الأبُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( وفِصالُهُ ) بِالألِفِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ ( وفَصْلُهُ ) بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الصّادِ بِغَيْرِ ألِفٍ، والفَصْلُ والفِصالُ بِمَعْنًى: كالفَطْمِ والفِطامِ، والقَطْفِ والقِطافِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ بَلَغَ اسْتِحْكامَ قُوَّتِهِ وعَقْلِهِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ الأشُدِّ مُسْتَوْفًى ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ تَكُونُ حَتّى غايَةً لَها: أيْ عاشَ واسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ حَتّى بَلَغَ أشُدَّهُ، قِيلَ بَلَغَ عُمْرُهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وقِيلَ: الأشُدُّ الحُلُمُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ: هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ فَإنَّ هَذا يُفِيدُ أنَّ بُلُوغَ الأرْبَعِينَ هو شَيْءٌ وراءَ بُلُوغِ الأشُدِّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إلّا بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً. ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ أيْ ألْهِمْنِي. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اسْتَوْزَعْتُ اللَّهَ فَأوْزَعَنِي: أيِ اسْتَلْهَمْتُهُ فَألْهَمَنِي ﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ، وعَلى والِدَيَّ مِنَ التَّحَنُّنِ عَلَيَّ مِنهُما حِينَ رَبَّيانِي صَغِيرًا. وقِيلَ: أنْعَمْتَ عَلَيَّ بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ، وعَلى والِدَيَّ بِالغِنى والثَّرْوَةِ، والأوْلى عَدَمُ تَقْيِيدِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وعَلى أبَوَيْهِ بِنِعْمَةٍ مَخْصُوصَةٍ ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ أيْ وألْهِمْنِي أنْ أعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا تَرْضاهُ مِنِّي ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ أيِ اجْعَلْ ذَرِّيَّتِي صالِحِينَ راسِخِينَ في الصَّلاحِ مُتَمَكِّنِينَ مِنهُ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن بَلَغَ عُمْرُهُ أرْبَعِينَ سَنَةً أنْ يَسْتَكْثِرَ مِن هَذِهِ الدَّعَواتِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ﴿إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ﴾ مِن ذُنُوبِي ﴿وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُسْتَسْلِمِينَ لَكَ المُنْقادِينَ لِطاعَتِكَ المُخْلِصِينَ لِتَوْحِيدِكَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ، والجَمْعِ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ. وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الدُّنْيا والمُرادُ بِالأحْسَنِ الحَسَنُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم﴾ [الزمر: ٥٥] وقِيلَ: إنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ عَلى مَعْناهُ، ويُرادُ بِهِ ما يُثابُ العَبْدُ عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ، لا ما لا يُثابُ عَلَيْهِ كالمُباحِ فَإنَّهُ حَسَنٌ، ولَيْسَ بِأحْسَنَ ﴿ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ فَلا نُعاقِبُهم عَلَيْها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُتَقَبَّلُ ) و( يُتَجاوَزُ ) عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالنُّونِ فِيهِما عَلى إسْنادِهِما إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، والتَّجاوُزُ الغُفْرانُ، وأصْلُهُ مِن جُزْتَ الشَّيْءَ: إذا لَمْ تَقِفْ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ أنَّهم كائِنُونَ في عِدادِهِمْ مُنْتَظِمُونَ في سِلْكِهِمْ، فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ كَقَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في أصْحابِهِ: أيْ: كائِنًا في جُمْلَتِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ " في " بِمَعْنى مَعَ: أيْ: مَعَ أصْحابِ الجَنَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هم في أصْحابِ الجَنَّةِ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ( وعْدَ الصِّدْقِ ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ إلَخْ، في مَعْنى الوَعْدِ بِالتَّقَبُّلِ، والتَّجاوُزِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ بِهِ عَلى ألْسُنِ الرُّسُلِ في الدُّنْيا. (p-١٣٦٥)وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنا مَعَهُ حَتّى دَخَلْنا كَنِيسَةَ اليَهُودِ يَوْمَ عِيدِهِمْ، فَكَرِهُوا دُخُولَنا عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، أرُونِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنكم يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَحُطُّ اللَّهُ تَعالى عَنْ كُلِّ يَهُودِيٍّ تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ الغَضَبَ الَّذِي عَلَيْهِ. فَسَكَتُوا فَما أجابَهُ مِنهم أحَدٌ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ ثَلاثًا، فَقالَ: أبَيْتُمْ ؟ فَواللَّهِ لَأنا الحاشِرُ، وأنا العاقِبُ، وأنا المُقَفِّي، آمَنتُمْ أوْ كَذَّبْتُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ وأنا مَعَهُ حَتّى كِدْنا أنْ نَخْرُجَ، فَإذا رَجُلٌ مِن خَلْفِهِ فَقالَ: كَما أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَأقْبَلَ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: أيُّ رَجُلٍ تَعْلَمُونِي فِيكم يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، فَقالُوا، واللَّهِ ما نَعْلَمُ فِينا رَجُلًا أعْلَمَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا أفْقَهَ مِنكَ، ولا مِن أبِيكَ، ولا مِن جَدِّكَ، قالَ: فَإنِّي أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالُوا: كَذَبْتَ، ثُمَّ رَدُّوا عَلَيْهِ، وقالُوا شَرًّا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَذَبْتُمْ لَنْ يُقْبَلَ مِنكم قَوْلُكم، فَخَرَجْنا، ونَحْنُ ثَلاثَةٌ، رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأنا، وابْنُ سَلامٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» وصَحَّحَهُ السُّيُوطِيُّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ لِأحَدٍ يَمْشِي عَلى وجْهِ الأرْضِ إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إلّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وفِيهِ نَزَلَتْ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: نَزَلَ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ونَزَلَ فِيَّ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ فَيُخَصَّصُ بِها عُمُومُ قَوْلِهِمْ إنَّ سُورَةَ الأحْقافِ كُلَّها مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قالَ ناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ نَحْنُ أعَزُّ ونَحْنُ ونَحْنُ، فَلَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ فُلانٌ، وفُلانٌ، فَنَزَلَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أبِي شَدّادٍ قالَ: كانَتْ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أمَةٌ أسْلَمَتْ قَبْلَهُ: يُقالُ لَها زُنَيْرَةُ، وكانَ عُمَرُ يَضْرِبُها عَلى الإسْلامِ، وكانَ كُفّارُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ زُنَيْرَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِها ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ٣٢ بَنُو غِفارٍ، وأسْلَمُ كانُوا لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فِتْنَةً، يَقُولُونَ لَوْ كانَ خَيْرًا ما جَعَلَهُمُ اللَّهُ أوَّلَ النّاسِ فِيهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أخْبَرَهُ قالَ: إنِّي لَصاحِبُ المَرْأةِ الَّتِي أُتِيَ بِها عُمَرُ وضَعَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، فَأنْكَرَ النّاسُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِعُمَرَ: لِمَ تَظْلِمُ ؟ قالَ: كَيْفَ ؟ قُلْتُ اقْرَأْ ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] كَمِ الحَوْلُ ؟ قالَ سَنَةٌ، قُلْتُ: كَمِ السَّنَةُ ؟ قالَ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، قُلْتُ فَأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا حَوْلانِ كامِلانِ، ويُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنَ الحَمْلِ ما شاءَ ويُقَدِّمُ ما شاءَ، فاسْتَراحَ عُمَرُ إلى قَوْلِي. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ولَدَتِ المَرْأةُ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ كَفاها مِنَ الرَّضاعِ أحَدٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وإذا ولَدَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ كَفاها مِنَ الرَّضاعِ ثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وإذا وضَعَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فَحَوْلانِ كامِلانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ الآيَةَ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ فَأسْلَمَ والِداهُ جَمِيعًا وإخْوَتُهُ ووَلَدُهُ كُلُّهم، ونَزَلَتْ فِيهِ أيْضًا ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ.

الأحقاف 46:16

قَوْلُهُ ( ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ ) أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ المُرادُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والمَعْنى: إنْ كانَ مُرْسَلًا مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ( وكَفَرْتُمْ بِهِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ والحالُ أنَّكم قَدْ كَفَرْتُمْ بِهِ، وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ العالِمِينَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ عَلى مِثْلِهِ: أيِ: القُرْآنِ مِنَ المَعانِي المَوْجُودَةِ في التَّوْراةِ المُطابِقَةِ لَهُ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والنُّشُورِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وهَذِهِ المِثْلِيَّةُ هي بِاعْتِبارِ تَطابُقِ المَعانِي وإنِ اخْتَلَفَتِ الألْفاظُ. وقالَ الجُرْجانِيُّ: " مِثْلِ " صِلَةٌ، والمَعْنى: وشَهِدَ شاهِدٌ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَذا قالَ الواحِدِيُّ فَآمَنَ الشّاهِدُ بِالقُرْآنِ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ ومِن جِنْسِ ما يُنَزِّلُهُ عَلى رُسُلِهِ وهَذا الشّاهِدُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كَما قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، وغَيْرُهم، وفي هَذا نَظَرٌ فَإنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ كانَ إسْلامُهُ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالشّاهِدِ رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ قَدْ آمَنَ بِالقُرْآنِ في مَكَّةَ وصَدَّقَهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يَتَرَجَّحُ بِهِ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لا مَكِّيَّةٌ. ورُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ المُرادَ بِالرَّجُلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ( واسْتَكْبَرْتُمْ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( شَهِدَ ): أيْ: آمَنَ الشّاهِدُ واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فَحَرَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ الهِدايَةَ لِظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ الظّاهِرَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ، ومَن فَقَدَ هِدايَةَ اللَّهِ لَهُ ضَلَّ. وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوابِ الشَّرْطِ ماذا هو ؟ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أتُؤْمِنُونَ، وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ وقِيلَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقَدْ ظَلَمْتُمْ لِدَلالَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ عَلَيْهِ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: فَمَن أضَلُّ مِنكم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ أتَأْمَنُونَ عُقُوبَةَ اللَّهِ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللّامُ هي لامُ التَّبْلِيغِ ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ أيْ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنَ القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ لِأنَّهم عِنْدَ أنْفُسِهِمُ المُسْتَحِقُّونَ لِلسَّبْقِ إلى كُلِّ مَكْرُمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، ويُعِزُّ مَن يَشاءُ، ويُذِلُّ مَن يَشاءُ، ويَصْطَفِي لِدِينِهِ مَن يَشاءُ ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، وقِيلَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: بِالإيمانِ ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ فَجاوَزُوا نَفْيَ خَيْرِيَّةِ القُرْآنِ إلى دَعْوى أنَّهُ كَذِبٌ قَدِيمٌ كَما قالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، والعامِلُ في " إذْ " مُقَدَّرٌ: أيْ: ظَهَرَ عِنادُهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فَسَيَقُولُونَ لِتَضادِّ الزَّمانَيْنِ، أعْنِي المُضِيَّ والِاسْتِقْبالَ ولِأجْلِ الفاءِ أيْضًا، وقِيلَ إنَّ العامِلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن جِنْسِ المَذْكُورِ: أيْ: لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ. وإذا لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ. ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ المِيمِ مِن ( مِن ) عَلى أنَّها حَرْفُ جَرٍّ، وهي مَعَ مَجْرُورِها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وكِتابُ مُوسى مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ فَإنَّ كَوْنَهُ قَدْ تَقَدَّمَ القُرْآنَ كِتابُ مُوسى، وهو التَّوْراةُ وتَوافَقا في أُصُولِ الشَّرائِعِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويَقْتَضِي بُطْلانَ قَوْلِهِمْ. وقُرِئَ بِفَتْحِ مِيمِ " مَن " عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، ونَصْبِ ( كِتابَ ): أيْ وآتَيْنا مَن قَبْلَهُ كِتابَ مُوسى، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكَلْبِيِّ. ﴿إمامًا ورَحْمَةً﴾ أيْ يُقْتَدى بِهِ في الدِّينِ ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِمَن آمَنَ بِهِ، وهُما مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. وقالَ الأخْفَشُ عَلى القَطْعِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ جَعَلْناهُ إمامًا ورَحْمَةً ﴿وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فَإنَّهُ مُصَدِّقٌ لِكِتابِ مُوسى الَّذِي هو إمامٌ ورَحْمَةٌ ولِغَيْرِهِ مِن كُتُبِ اللَّهِ، وقِيلَ: مُصَدِّقٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وانْتِصابُ ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ المُوَطِّئَةِ، وصاحِبُها الضَّمِيرُ في ( مُصَدِّقٌ ) العائِدُ إلى ( كِتابٌ )، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِ ( مُصَدِّقٌ )، والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ: ذا لِسانٍ عَرَبِيٍّ، وهو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيُنْذِرَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ: أيْ لِيُنْذِرَ الكِتابُ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ، وقِيلَ إلى الرَّسُولِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والبَزِّيُّ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ( لِيُنْذِرَ ) . وقالَ (p-١٣٦٤)الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ: أيْ وهو بُشْرى، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وتُبَشِّرَ بُشْرى، وقَوْلُهُ: ( لِلْمُحْسِنِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بُشْرى ) . ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ والِاسْتِقامَةِ عَلى الشَّرِيعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ السَّجْدَةِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ الفاءُ زائِدَةٌ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، ( ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ) المَعْنى: أنَّهم لا يَخافُونَ مِن وُقُوعِ مَكْرُوهٍ بِهِمْ، ولا يَحْزَنُونَ مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ وأنَّ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ دائِمٌ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ أصْحابُ الجَنَّةِ، الَّتِي هي دارُ المُؤْمِنِينَ حالَ كَوْنِهِمْ خالِدِينَ فِيها وفي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ التَّرْغِيبِ أمْرٌ عَظِيمٌ، فَإنَّ نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْنِ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِقْرارِ في الجَنَّةِ عَلى الأبَدِ مِمّا لا تَطْلُبُ الأنْفُسُ سِواهُ ولا تَتَشَوَّفُ إلى ما عَداهُ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها مِنَ الطّاعاتِ لِلَّهِ وتَرْكِ مَعاصِيهِ. ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( حُسْنًا ) بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، بِفَتْحِهِما. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والكُوفِيُّونَ ( إحْسانًا ) وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ بَيْنَ القُرّاءِ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] فَلَعَلَّ هَذا هو وجْهُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ فانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ وصَّيْناهُ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِما حُسْنًا، أوْ إحْسانًا. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَضْمِينِ ( وصَّيْنا ) مَعْنى ألْزَمْنا، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( كُرْهًا ) في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ أبُو عُمَرَ وأهْلُ الحِجازِ بِفَتْحِهِما. قالَ الكِسائِيُّ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ( الكَرْهُ ) بِالفَتْحِ لا يَحْسُنُ لِأنَّهُ الغَضَبُ والغَلَبَةُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الفَتْحِ قالَ: لِأنَّ لَفْظَ ( الكَرْهِ ) في القُرْآنِ كُلِّهِ بِالفَتْحِ إلّا الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقِيلَ إنَّ الكُرْهَ بِالضَّمِّ ما حَمَلَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ، وبِالفَتْحِ ما حَمَلَ عَلى غَيْرِهِ. وإنَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ حَمْلَ الأُمِّ ووَضْعَها تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ الإحْسانِ إلَيْها الَّذِي وصّى اللَّهُ بِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ ووَضَعَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مُدَّةَ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، فَقالَ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ أيْ: مُدَّتُهُما هَذِهِ المُدَّةُ مِن عِنْدِ ابْتِداءِ حَمْلِهِ إلى أنْ يُفْصَلَ مِنَ الرَّضاعِ: أيْ يُفْطَمَ عَنْهُ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أقَلَّ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ سَنَتانِ: أيْ: مُدَّةَ الرَّضاعِ الكامِلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَذَكَرَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ، وأكْثَرَ مُدَّةِ الرَّضاعِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ الأُمِّ آكَدُ مِن حَقِّ الأبِ لِأنَّها حَمَلَتْهُ بِمَشَقَّةٍ ووَضَعَتْهُ بِمَشَقَّةٍ، وأرْضَعَتْهُ هَذِهِ المُدَّةَ بِتَعَبٍ ونَصَبٍ، ولَمْ يُشارِكْها الأبُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( وفِصالُهُ ) بِالألِفِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ ( وفَصْلُهُ ) بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الصّادِ بِغَيْرِ ألِفٍ، والفَصْلُ والفِصالُ بِمَعْنًى: كالفَطْمِ والفِطامِ، والقَطْفِ والقِطافِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ بَلَغَ اسْتِحْكامَ قُوَّتِهِ وعَقْلِهِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ الأشُدِّ مُسْتَوْفًى ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ تَكُونُ حَتّى غايَةً لَها: أيْ عاشَ واسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ حَتّى بَلَغَ أشُدَّهُ، قِيلَ بَلَغَ عُمْرُهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وقِيلَ: الأشُدُّ الحُلُمُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ: هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ فَإنَّ هَذا يُفِيدُ أنَّ بُلُوغَ الأرْبَعِينَ هو شَيْءٌ وراءَ بُلُوغِ الأشُدِّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إلّا بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً. ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ أيْ ألْهِمْنِي. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اسْتَوْزَعْتُ اللَّهَ فَأوْزَعَنِي: أيِ اسْتَلْهَمْتُهُ فَألْهَمَنِي ﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ أيْ ألْهِمْنِي شُكْرَ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ، وعَلى والِدَيَّ مِنَ التَّحَنُّنِ عَلَيَّ مِنهُما حِينَ رَبَّيانِي صَغِيرًا. وقِيلَ: أنْعَمْتَ عَلَيَّ بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ، وعَلى والِدَيَّ بِالغِنى والثَّرْوَةِ، والأوْلى عَدَمُ تَقْيِيدِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وعَلى أبَوَيْهِ بِنِعْمَةٍ مَخْصُوصَةٍ ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ أيْ وألْهِمْنِي أنْ أعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا تَرْضاهُ مِنِّي ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ أيِ اجْعَلْ ذَرِّيَّتِي صالِحِينَ راسِخِينَ في الصَّلاحِ مُتَمَكِّنِينَ مِنهُ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن بَلَغَ عُمْرُهُ أرْبَعِينَ سَنَةً أنْ يَسْتَكْثِرَ مِن هَذِهِ الدَّعَواتِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ﴿إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ﴾ مِن ذُنُوبِي ﴿وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: المُسْتَسْلِمِينَ لَكَ المُنْقادِينَ لِطاعَتِكَ المُخْلِصِينَ لِتَوْحِيدِكَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ، والجَمْعِ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ. وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الدُّنْيا والمُرادُ بِالأحْسَنِ الحَسَنُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم﴾ [الزمر: ٥٥] وقِيلَ: إنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ عَلى مَعْناهُ، ويُرادُ بِهِ ما يُثابُ العَبْدُ عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ، لا ما لا يُثابُ عَلَيْهِ كالمُباحِ فَإنَّهُ حَسَنٌ، ولَيْسَ بِأحْسَنَ ﴿ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ فَلا نُعاقِبُهم عَلَيْها. قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُتَقَبَّلُ ) و( يُتَجاوَزُ ) عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالنُّونِ فِيهِما عَلى إسْنادِهِما إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، والتَّجاوُزُ الغُفْرانُ، وأصْلُهُ مِن جُزْتَ الشَّيْءَ: إذا لَمْ تَقِفْ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ أنَّهم كائِنُونَ في عِدادِهِمْ مُنْتَظِمُونَ في سِلْكِهِمْ، فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ كَقَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في أصْحابِهِ: أيْ: كائِنًا في جُمْلَتِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ " في " بِمَعْنى مَعَ: أيْ: مَعَ أصْحابِ الجَنَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هم في أصْحابِ الجَنَّةِ ﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ( وعْدَ الصِّدْقِ ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ إلَخْ، في مَعْنى الوَعْدِ بِالتَّقَبُّلِ، والتَّجاوُزِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ بِهِ عَلى ألْسُنِ الرُّسُلِ في الدُّنْيا. (p-١٣٦٥)وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنا مَعَهُ حَتّى دَخَلْنا كَنِيسَةَ اليَهُودِ يَوْمَ عِيدِهِمْ، فَكَرِهُوا دُخُولَنا عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، أرُونِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنكم يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَحُطُّ اللَّهُ تَعالى عَنْ كُلِّ يَهُودِيٍّ تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ الغَضَبَ الَّذِي عَلَيْهِ. فَسَكَتُوا فَما أجابَهُ مِنهم أحَدٌ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ ثَلاثًا، فَقالَ: أبَيْتُمْ ؟ فَواللَّهِ لَأنا الحاشِرُ، وأنا العاقِبُ، وأنا المُقَفِّي، آمَنتُمْ أوْ كَذَّبْتُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ وأنا مَعَهُ حَتّى كِدْنا أنْ نَخْرُجَ، فَإذا رَجُلٌ مِن خَلْفِهِ فَقالَ: كَما أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَأقْبَلَ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: أيُّ رَجُلٍ تَعْلَمُونِي فِيكم يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، فَقالُوا، واللَّهِ ما نَعْلَمُ فِينا رَجُلًا أعْلَمَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا أفْقَهَ مِنكَ، ولا مِن أبِيكَ، ولا مِن جَدِّكَ، قالَ: فَإنِّي أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالُوا: كَذَبْتَ، ثُمَّ رَدُّوا عَلَيْهِ، وقالُوا شَرًّا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: كَذَبْتُمْ لَنْ يُقْبَلَ مِنكم قَوْلُكم، فَخَرَجْنا، ونَحْنُ ثَلاثَةٌ، رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأنا، وابْنُ سَلامٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» وصَحَّحَهُ السُّيُوطِيُّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ لِأحَدٍ يَمْشِي عَلى وجْهِ الأرْضِ إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إلّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وفِيهِ نَزَلَتْ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: نَزَلَ فِيَّ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ونَزَلَ فِيَّ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ فَيُخَصَّصُ بِها عُمُومُ قَوْلِهِمْ إنَّ سُورَةَ الأحْقافِ كُلَّها مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قالَ ناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ نَحْنُ أعَزُّ ونَحْنُ ونَحْنُ، فَلَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ فُلانٌ، وفُلانٌ، فَنَزَلَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أبِي شَدّادٍ قالَ: كانَتْ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أمَةٌ أسْلَمَتْ قَبْلَهُ: يُقالُ لَها زُنَيْرَةُ، وكانَ عُمَرُ يَضْرِبُها عَلى الإسْلامِ، وكانَ كُفّارُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ زُنَيْرَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِها ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ٣٢ بَنُو غِفارٍ، وأسْلَمُ كانُوا لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فِتْنَةً، يَقُولُونَ لَوْ كانَ خَيْرًا ما جَعَلَهُمُ اللَّهُ أوَّلَ النّاسِ فِيهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أخْبَرَهُ قالَ: إنِّي لَصاحِبُ المَرْأةِ الَّتِي أُتِيَ بِها عُمَرُ وضَعَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، فَأنْكَرَ النّاسُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِعُمَرَ: لِمَ تَظْلِمُ ؟ قالَ: كَيْفَ ؟ قُلْتُ اقْرَأْ ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] كَمِ الحَوْلُ ؟ قالَ سَنَةٌ، قُلْتُ: كَمِ السَّنَةُ ؟ قالَ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، قُلْتُ فَأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا حَوْلانِ كامِلانِ، ويُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنَ الحَمْلِ ما شاءَ ويُقَدِّمُ ما شاءَ، فاسْتَراحَ عُمَرُ إلى قَوْلِي. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ولَدَتِ المَرْأةُ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ كَفاها مِنَ الرَّضاعِ أحَدٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وإذا ولَدَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ كَفاها مِنَ الرَّضاعِ ثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وإذا وضَعَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فَحَوْلانِ كامِلانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ الآيَةَ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ فَأسْلَمَ والِداهُ جَمِيعًا وإخْوَتُهُ ووَلَدُهُ كُلُّهم، ونَزَلَتْ فِيهِ أيْضًا ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ.

الأحقاف 46:17

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مَن شَكَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ وعَلى والِدَيْهِ ذَكَرَ مَن قالَ لَهُما قَوْلًا يَدُلُّ عَلى التَّضَجُّرِ مِنهُما عِنْدَ دَعْوَتِهِما لَهُ إلى الإيمانِ، فَقالَ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ الجِنْسِ القائِلِ ذَلِكَ القَوْلَ ولِهَذا أخْبَرَ عَنْهُ بِالجَمْعِ، و( أُفٍّ ) كَلِمَةٌ تَصْدُرُ عَنْ قائِلِها عِنْدَ تَضَجُّرِهِ مِن شَيْءٍ يَرِدُ عَلَيْهِ. قَرَأ نافِعٌ وحَفَصٌ ( أُفٍّ ) بِكَسْرِ الفاءِ مَعَ التَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرٍ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وهي لُغاتٌ، وقَدْ مَضى بَيانُ الكَلامِ في هَذا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ [ أيْ: سُورَةِ الإسْراءِ ] واللّامُ في قَوْلِهِ ( لَكُما ) لِبَيانِ التَّأْفِيفِ: أيِ: التَّأْفِيفُ لَكُما كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ ( أتَعِدانِنِي ) بِنُونَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وفَتَحَ ياءَهُ أهْلُ المَدِينَةِ ومَكَّةَ وأسْكَنَها الباقُونَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، والمُغِيرَةُ، وهِشامٌ، بِإدْغامِ إحْدى النُّونَيْنِ في الأُخْرى، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى، كَأنَّهم فَرُّوا مَن تَوالِي مِثْلَيْنِ مَكْسُورَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ( أنْ أُخْرَجَ ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ونَصْرٌ، وأبُو (p-١٣٦٦)العالِيَةِ، والأعْمَشُ، وأبُو مَعْمَرٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وضَمِّ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والمَعْنى: أتَعِدانِنِي أنَّنِي أنْ أُبْعَثَ بَعْدَ المَوْتِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدْ مَضَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي فَماتُوا ولَمْ يُبْعَثْ مِنهم أحَدٌ، وهَكَذا جُمْلَةُ ﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنَّهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ لَهُ، ويَطْلُبانِ مِنهُ التَّوْفِيقَ إلى الإيمانِ، واسْتَغاثَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ يُقالُ: اسْتَغاثَ اللَّهَ واسْتَغاثَ بِهِ. وقالَ الرّازِيُّ: مَعْناهُ يَسْتَغِيثانِ بِاللَّهِ مِن كُفْرِهِ، فَلَمّا حَذَفَ الجارَّ وصَلَ الفِعْلَ، وقِيلَ الِاسْتِغاثَةُ الدُّعاءُ فَلا حاجَةَ إلى الباءِ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ وغِواثَهُ، وقَوْلُهُ: ( ويْلَكَ ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولانِ لَهُ ويْلَكَ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، بَلِ الحَثُّ لَهُ عَلى الإيمانِ، ولِهَذا قالا لَهُ: ﴿آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: آمِن بِالبَعْثِ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ مُكَذِّبًا لِما قالاهُ: ﴿ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَقُولانِهِ مِنَ البَعْثِ إلّا أحادِيثُ الأوَّلِينَ، وأباطِيلُهُمُ الَّتِي سَطَّرُوها في الكُتُبِ، قَرَأ الجُمْهُورُ:﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوِ التَّعْلِيلِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ فايِدٍ، والأعْرَجُ بِفَتْحِها، عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِ ( آمِن ) بِتَقْدِيرِ الباءِ. أيْ: آمِن بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ بِالبَعْثِ حَقٌّ. ١٧ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: أُولَئِكَ القائِلُونَ هَذِهِ المَقالاتِ هُمُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ: أيْ وجَبَ عَلَيْهِمُ العَذابُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وهَذا يَدْفَعُ كَوْنَ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ وأنَّهُ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ ما قالَ، فَإنَّهُ مِن أفاضِلِ المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وسَيَأْتِي بَيانُ النُّزُولِ في آخِرِ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ مَراتِبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِأعْمالِهِمْ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ أهْلِ النّارِ في هَذِهِ الآيَةِ تَذْهَبُ سُفْلًا، ودَرَجاتُ أهْلِ الجَنَّةِ تَذْهَبُ عُلُوًّا ﴿ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِنُوَفِّيَهم ) بِالنُّونِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ. ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا يُزادُ مُسِيئٌ ولا يُنْقَصُ مُحْسِنٌ بَلْ يُوَفّى كُلُّ فَرِيقٍ ما يَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ يَوْمَ يَنْكَشِفُ الغِطاءُ فَيَنْظُرُونَ إلى النّارِ ويَقْرَبُونَ مِنها، وقِيلَ مَعْنى يُعْرَضُونَ يُعَذَّبُونَ مِن قَوْلِهِمْ: عَرَضَهُ عَلى السَّيْفِ، وقِيلَ في الكَلامِ قَلْبٌ. والمَعْنى: تُعْرَضُ النّارُ عَلَيْهِمْ ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، قِيلَ وهَذا المُقَدَّرُ هو النّاصِبُ لِلظَّرْفِ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ: ( أذْهَبْتُمْ ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، ونَصْرٌ، وأبُو العالِيَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: العَرَبُ تُوَبِّخُ بِالِاسْتِفْهامِ، وبِغَيْرِهِ، فالتَّوْبِيخُ كائِنٌ عَلى القِراءَتَيْنِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالطَّيِّباتِ اللَّذّاتُ وما كانُوا فِيهِ مِنَ المَعايِشِ ﴿واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ أيْ بِالطَّيِّباتِ، والمَعْنى: أنَّهُمُ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ الَّتِي في مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولَمْ يُبالُوا بِالذَّنْبِ تَكْذِيبًا مِنهم لِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الوَعْدِ بِالحِسابِ والعِقابِ والثَّوابِ ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيِ: العَذابَ الَّذِي فِيهِ ذُلٌّ لَكم وخِزْيٌ عَلَيْكم. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الهُونُ الهَوانُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَكَبُّرِكم عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ والإيمانِ بِهِ، وتَوْحِيدِهِ ﴿وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ أيْ تَخْرُجُونَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وتَعْمَلُونَ بِمَعاصِيهِ، فَجَعَلَ السَّبَبَ في عَذابِهِمْ أمْرَيْنِ: التَّكَبُّرَ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ، والعَمَلَ بِمَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا شَأْنُ الكَفَرَةِ، فَإنَّهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَهُما. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكَ قالَ: كانَ مَرْوانُ عَلى الحِجازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعاوِيَةَ لِكَيْ يُبايَعَ لَهُ بَعْدَ أبِيهِ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقالَ خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَقالَ مَرْوانُ: إنَّ هَذا أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ فَقالَتْ عائِشَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ فِينا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إلّا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عُذْرِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ قالَ: لَمّا بايَعَ مُعاوِيَةُ لِابْنِهِ، قالَ مَرْوانُ: سُنَّةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سُنَّةُ هِرَقْلَ، وقَيْصَرَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ الآيَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عائِشَةَ فَقالَتْ: كَذَبَ مَرْوانُ واللَّهِ ما هو بِهِ، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ لَسَمَّيْتُهُ، ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَعَنَ أبا مَرْوانَ ومَرْوانُ في صُلْبِهِ، فَمَرْوانُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هَذا ابْنٌ لِأبِي بَكْرٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، ولا يَصِحُّ هَذا كَما قَدَّمْنا.

الأحقاف 46:18

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مَن شَكَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ وعَلى والِدَيْهِ ذَكَرَ مَن قالَ لَهُما قَوْلًا يَدُلُّ عَلى التَّضَجُّرِ مِنهُما عِنْدَ دَعْوَتِهِما لَهُ إلى الإيمانِ، فَقالَ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ الجِنْسِ القائِلِ ذَلِكَ القَوْلَ ولِهَذا أخْبَرَ عَنْهُ بِالجَمْعِ، و( أُفٍّ ) كَلِمَةٌ تَصْدُرُ عَنْ قائِلِها عِنْدَ تَضَجُّرِهِ مِن شَيْءٍ يَرِدُ عَلَيْهِ. قَرَأ نافِعٌ وحَفَصٌ ( أُفٍّ ) بِكَسْرِ الفاءِ مَعَ التَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرٍ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وهي لُغاتٌ، وقَدْ مَضى بَيانُ الكَلامِ في هَذا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ [ أيْ: سُورَةِ الإسْراءِ ] واللّامُ في قَوْلِهِ ( لَكُما ) لِبَيانِ التَّأْفِيفِ: أيِ: التَّأْفِيفُ لَكُما كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ ( أتَعِدانِنِي ) بِنُونَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وفَتَحَ ياءَهُ أهْلُ المَدِينَةِ ومَكَّةَ وأسْكَنَها الباقُونَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، والمُغِيرَةُ، وهِشامٌ، بِإدْغامِ إحْدى النُّونَيْنِ في الأُخْرى، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى، كَأنَّهم فَرُّوا مَن تَوالِي مِثْلَيْنِ مَكْسُورَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ( أنْ أُخْرَجَ ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ونَصْرٌ، وأبُو (p-١٣٦٦)العالِيَةِ، والأعْمَشُ، وأبُو مَعْمَرٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وضَمِّ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والمَعْنى: أتَعِدانِنِي أنَّنِي أنْ أُبْعَثَ بَعْدَ المَوْتِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدْ مَضَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي فَماتُوا ولَمْ يُبْعَثْ مِنهم أحَدٌ، وهَكَذا جُمْلَةُ ﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنَّهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ لَهُ، ويَطْلُبانِ مِنهُ التَّوْفِيقَ إلى الإيمانِ، واسْتَغاثَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ يُقالُ: اسْتَغاثَ اللَّهَ واسْتَغاثَ بِهِ. وقالَ الرّازِيُّ: مَعْناهُ يَسْتَغِيثانِ بِاللَّهِ مِن كُفْرِهِ، فَلَمّا حَذَفَ الجارَّ وصَلَ الفِعْلَ، وقِيلَ الِاسْتِغاثَةُ الدُّعاءُ فَلا حاجَةَ إلى الباءِ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ وغِواثَهُ، وقَوْلُهُ: ( ويْلَكَ ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولانِ لَهُ ويْلَكَ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، بَلِ الحَثُّ لَهُ عَلى الإيمانِ، ولِهَذا قالا لَهُ: ﴿آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: آمِن بِالبَعْثِ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ مُكَذِّبًا لِما قالاهُ: ﴿ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَقُولانِهِ مِنَ البَعْثِ إلّا أحادِيثُ الأوَّلِينَ، وأباطِيلُهُمُ الَّتِي سَطَّرُوها في الكُتُبِ، قَرَأ الجُمْهُورُ:﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوِ التَّعْلِيلِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ فايِدٍ، والأعْرَجُ بِفَتْحِها، عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِ ( آمِن ) بِتَقْدِيرِ الباءِ. أيْ: آمِن بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ بِالبَعْثِ حَقٌّ. ١٧ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: أُولَئِكَ القائِلُونَ هَذِهِ المَقالاتِ هُمُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ: أيْ وجَبَ عَلَيْهِمُ العَذابُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وهَذا يَدْفَعُ كَوْنَ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ وأنَّهُ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ ما قالَ، فَإنَّهُ مِن أفاضِلِ المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وسَيَأْتِي بَيانُ النُّزُولِ في آخِرِ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ مَراتِبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِأعْمالِهِمْ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ أهْلِ النّارِ في هَذِهِ الآيَةِ تَذْهَبُ سُفْلًا، ودَرَجاتُ أهْلِ الجَنَّةِ تَذْهَبُ عُلُوًّا ﴿ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِنُوَفِّيَهم ) بِالنُّونِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ. ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا يُزادُ مُسِيئٌ ولا يُنْقَصُ مُحْسِنٌ بَلْ يُوَفّى كُلُّ فَرِيقٍ ما يَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ يَوْمَ يَنْكَشِفُ الغِطاءُ فَيَنْظُرُونَ إلى النّارِ ويَقْرَبُونَ مِنها، وقِيلَ مَعْنى يُعْرَضُونَ يُعَذَّبُونَ مِن قَوْلِهِمْ: عَرَضَهُ عَلى السَّيْفِ، وقِيلَ في الكَلامِ قَلْبٌ. والمَعْنى: تُعْرَضُ النّارُ عَلَيْهِمْ ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، قِيلَ وهَذا المُقَدَّرُ هو النّاصِبُ لِلظَّرْفِ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ: ( أذْهَبْتُمْ ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، ونَصْرٌ، وأبُو العالِيَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: العَرَبُ تُوَبِّخُ بِالِاسْتِفْهامِ، وبِغَيْرِهِ، فالتَّوْبِيخُ كائِنٌ عَلى القِراءَتَيْنِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالطَّيِّباتِ اللَّذّاتُ وما كانُوا فِيهِ مِنَ المَعايِشِ ﴿واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ أيْ بِالطَّيِّباتِ، والمَعْنى: أنَّهُمُ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ الَّتِي في مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولَمْ يُبالُوا بِالذَّنْبِ تَكْذِيبًا مِنهم لِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الوَعْدِ بِالحِسابِ والعِقابِ والثَّوابِ ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيِ: العَذابَ الَّذِي فِيهِ ذُلٌّ لَكم وخِزْيٌ عَلَيْكم. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الهُونُ الهَوانُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَكَبُّرِكم عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ والإيمانِ بِهِ، وتَوْحِيدِهِ ﴿وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ أيْ تَخْرُجُونَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وتَعْمَلُونَ بِمَعاصِيهِ، فَجَعَلَ السَّبَبَ في عَذابِهِمْ أمْرَيْنِ: التَّكَبُّرَ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ، والعَمَلَ بِمَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا شَأْنُ الكَفَرَةِ، فَإنَّهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَهُما. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكَ قالَ: كانَ مَرْوانُ عَلى الحِجازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعاوِيَةَ لِكَيْ يُبايَعَ لَهُ بَعْدَ أبِيهِ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقالَ خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَقالَ مَرْوانُ: إنَّ هَذا أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ فَقالَتْ عائِشَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ فِينا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إلّا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عُذْرِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ قالَ: لَمّا بايَعَ مُعاوِيَةُ لِابْنِهِ، قالَ مَرْوانُ: سُنَّةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سُنَّةُ هِرَقْلَ، وقَيْصَرَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ الآيَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عائِشَةَ فَقالَتْ: كَذَبَ مَرْوانُ واللَّهِ ما هو بِهِ، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ لَسَمَّيْتُهُ، ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَعَنَ أبا مَرْوانَ ومَرْوانُ في صُلْبِهِ، فَمَرْوانُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هَذا ابْنٌ لِأبِي بَكْرٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، ولا يَصِحُّ هَذا كَما قَدَّمْنا.

الأحقاف 46:19

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مَن شَكَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ وعَلى والِدَيْهِ ذَكَرَ مَن قالَ لَهُما قَوْلًا يَدُلُّ عَلى التَّضَجُّرِ مِنهُما عِنْدَ دَعْوَتِهِما لَهُ إلى الإيمانِ، فَقالَ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ الجِنْسِ القائِلِ ذَلِكَ القَوْلَ ولِهَذا أخْبَرَ عَنْهُ بِالجَمْعِ، و( أُفٍّ ) كَلِمَةٌ تَصْدُرُ عَنْ قائِلِها عِنْدَ تَضَجُّرِهِ مِن شَيْءٍ يَرِدُ عَلَيْهِ. قَرَأ نافِعٌ وحَفَصٌ ( أُفٍّ ) بِكَسْرِ الفاءِ مَعَ التَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرٍ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وهي لُغاتٌ، وقَدْ مَضى بَيانُ الكَلامِ في هَذا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ [ أيْ: سُورَةِ الإسْراءِ ] واللّامُ في قَوْلِهِ ( لَكُما ) لِبَيانِ التَّأْفِيفِ: أيِ: التَّأْفِيفُ لَكُما كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ ( أتَعِدانِنِي ) بِنُونَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وفَتَحَ ياءَهُ أهْلُ المَدِينَةِ ومَكَّةَ وأسْكَنَها الباقُونَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، والمُغِيرَةُ، وهِشامٌ، بِإدْغامِ إحْدى النُّونَيْنِ في الأُخْرى، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى، كَأنَّهم فَرُّوا مَن تَوالِي مِثْلَيْنِ مَكْسُورَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ( أنْ أُخْرَجَ ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ونَصْرٌ، وأبُو (p-١٣٦٦)العالِيَةِ، والأعْمَشُ، وأبُو مَعْمَرٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وضَمِّ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والمَعْنى: أتَعِدانِنِي أنَّنِي أنْ أُبْعَثَ بَعْدَ المَوْتِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدْ مَضَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي فَماتُوا ولَمْ يُبْعَثْ مِنهم أحَدٌ، وهَكَذا جُمْلَةُ ﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنَّهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ لَهُ، ويَطْلُبانِ مِنهُ التَّوْفِيقَ إلى الإيمانِ، واسْتَغاثَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ يُقالُ: اسْتَغاثَ اللَّهَ واسْتَغاثَ بِهِ. وقالَ الرّازِيُّ: مَعْناهُ يَسْتَغِيثانِ بِاللَّهِ مِن كُفْرِهِ، فَلَمّا حَذَفَ الجارَّ وصَلَ الفِعْلَ، وقِيلَ الِاسْتِغاثَةُ الدُّعاءُ فَلا حاجَةَ إلى الباءِ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ وغِواثَهُ، وقَوْلُهُ: ( ويْلَكَ ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولانِ لَهُ ويْلَكَ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، بَلِ الحَثُّ لَهُ عَلى الإيمانِ، ولِهَذا قالا لَهُ: ﴿آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: آمِن بِالبَعْثِ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ مُكَذِّبًا لِما قالاهُ: ﴿ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَقُولانِهِ مِنَ البَعْثِ إلّا أحادِيثُ الأوَّلِينَ، وأباطِيلُهُمُ الَّتِي سَطَّرُوها في الكُتُبِ، قَرَأ الجُمْهُورُ:﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوِ التَّعْلِيلِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ فايِدٍ، والأعْرَجُ بِفَتْحِها، عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِ ( آمِن ) بِتَقْدِيرِ الباءِ. أيْ: آمِن بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ بِالبَعْثِ حَقٌّ. ١٧ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: أُولَئِكَ القائِلُونَ هَذِهِ المَقالاتِ هُمُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ: أيْ وجَبَ عَلَيْهِمُ العَذابُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وهَذا يَدْفَعُ كَوْنَ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ وأنَّهُ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ ما قالَ، فَإنَّهُ مِن أفاضِلِ المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وسَيَأْتِي بَيانُ النُّزُولِ في آخِرِ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ مَراتِبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِأعْمالِهِمْ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ أهْلِ النّارِ في هَذِهِ الآيَةِ تَذْهَبُ سُفْلًا، ودَرَجاتُ أهْلِ الجَنَّةِ تَذْهَبُ عُلُوًّا ﴿ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِنُوَفِّيَهم ) بِالنُّونِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ. ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا يُزادُ مُسِيئٌ ولا يُنْقَصُ مُحْسِنٌ بَلْ يُوَفّى كُلُّ فَرِيقٍ ما يَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ يَوْمَ يَنْكَشِفُ الغِطاءُ فَيَنْظُرُونَ إلى النّارِ ويَقْرَبُونَ مِنها، وقِيلَ مَعْنى يُعْرَضُونَ يُعَذَّبُونَ مِن قَوْلِهِمْ: عَرَضَهُ عَلى السَّيْفِ، وقِيلَ في الكَلامِ قَلْبٌ. والمَعْنى: تُعْرَضُ النّارُ عَلَيْهِمْ ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، قِيلَ وهَذا المُقَدَّرُ هو النّاصِبُ لِلظَّرْفِ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ: ( أذْهَبْتُمْ ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، ونَصْرٌ، وأبُو العالِيَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: العَرَبُ تُوَبِّخُ بِالِاسْتِفْهامِ، وبِغَيْرِهِ، فالتَّوْبِيخُ كائِنٌ عَلى القِراءَتَيْنِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالطَّيِّباتِ اللَّذّاتُ وما كانُوا فِيهِ مِنَ المَعايِشِ ﴿واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ أيْ بِالطَّيِّباتِ، والمَعْنى: أنَّهُمُ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ الَّتِي في مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولَمْ يُبالُوا بِالذَّنْبِ تَكْذِيبًا مِنهم لِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الوَعْدِ بِالحِسابِ والعِقابِ والثَّوابِ ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيِ: العَذابَ الَّذِي فِيهِ ذُلٌّ لَكم وخِزْيٌ عَلَيْكم. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الهُونُ الهَوانُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَكَبُّرِكم عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ والإيمانِ بِهِ، وتَوْحِيدِهِ ﴿وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ أيْ تَخْرُجُونَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وتَعْمَلُونَ بِمَعاصِيهِ، فَجَعَلَ السَّبَبَ في عَذابِهِمْ أمْرَيْنِ: التَّكَبُّرَ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ، والعَمَلَ بِمَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا شَأْنُ الكَفَرَةِ، فَإنَّهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَهُما. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكَ قالَ: كانَ مَرْوانُ عَلى الحِجازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعاوِيَةَ لِكَيْ يُبايَعَ لَهُ بَعْدَ أبِيهِ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقالَ خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَقالَ مَرْوانُ: إنَّ هَذا أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ فَقالَتْ عائِشَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ فِينا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إلّا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عُذْرِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ قالَ: لَمّا بايَعَ مُعاوِيَةُ لِابْنِهِ، قالَ مَرْوانُ: سُنَّةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سُنَّةُ هِرَقْلَ، وقَيْصَرَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ الآيَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عائِشَةَ فَقالَتْ: كَذَبَ مَرْوانُ واللَّهِ ما هو بِهِ، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ لَسَمَّيْتُهُ، ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَعَنَ أبا مَرْوانَ ومَرْوانُ في صُلْبِهِ، فَمَرْوانُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هَذا ابْنٌ لِأبِي بَكْرٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، ولا يَصِحُّ هَذا كَما قَدَّمْنا.

الأحقاف 46:20

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مَن شَكَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ وعَلى والِدَيْهِ ذَكَرَ مَن قالَ لَهُما قَوْلًا يَدُلُّ عَلى التَّضَجُّرِ مِنهُما عِنْدَ دَعْوَتِهِما لَهُ إلى الإيمانِ، فَقالَ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ الجِنْسِ القائِلِ ذَلِكَ القَوْلَ ولِهَذا أخْبَرَ عَنْهُ بِالجَمْعِ، و( أُفٍّ ) كَلِمَةٌ تَصْدُرُ عَنْ قائِلِها عِنْدَ تَضَجُّرِهِ مِن شَيْءٍ يَرِدُ عَلَيْهِ. قَرَأ نافِعٌ وحَفَصٌ ( أُفٍّ ) بِكَسْرِ الفاءِ مَعَ التَّنْوِينِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرٍ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وهي لُغاتٌ، وقَدْ مَضى بَيانُ الكَلامِ في هَذا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ [ أيْ: سُورَةِ الإسْراءِ ] واللّامُ في قَوْلِهِ ( لَكُما ) لِبَيانِ التَّأْفِيفِ: أيِ: التَّأْفِيفُ لَكُما كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ ( أتَعِدانِنِي ) بِنُونَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وفَتَحَ ياءَهُ أهْلُ المَدِينَةِ ومَكَّةَ وأسْكَنَها الباقُونَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، والمُغِيرَةُ، وهِشامٌ، بِإدْغامِ إحْدى النُّونَيْنِ في الأُخْرى، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى، كَأنَّهم فَرُّوا مَن تَوالِي مِثْلَيْنِ مَكْسُورَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ( أنْ أُخْرَجَ ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحَسَنُ، ونَصْرٌ، وأبُو (p-١٣٦٦)العالِيَةِ، والأعْمَشُ، وأبُو مَعْمَرٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وضَمِّ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والمَعْنى: أتَعِدانِنِي أنَّنِي أنْ أُبْعَثَ بَعْدَ المَوْتِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدْ مَضَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي فَماتُوا ولَمْ يُبْعَثْ مِنهم أحَدٌ، وهَكَذا جُمْلَةُ ﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنَّهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ لَهُ، ويَطْلُبانِ مِنهُ التَّوْفِيقَ إلى الإيمانِ، واسْتَغاثَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ يُقالُ: اسْتَغاثَ اللَّهَ واسْتَغاثَ بِهِ. وقالَ الرّازِيُّ: مَعْناهُ يَسْتَغِيثانِ بِاللَّهِ مِن كُفْرِهِ، فَلَمّا حَذَفَ الجارَّ وصَلَ الفِعْلَ، وقِيلَ الِاسْتِغاثَةُ الدُّعاءُ فَلا حاجَةَ إلى الباءِ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ وغِواثَهُ، وقَوْلُهُ: ( ويْلَكَ ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولانِ لَهُ ويْلَكَ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، بَلِ الحَثُّ لَهُ عَلى الإيمانِ، ولِهَذا قالا لَهُ: ﴿آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: آمِن بِالبَعْثِ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ لا خُلْفَ فِيهِ فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ مُكَذِّبًا لِما قالاهُ: ﴿ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَقُولانِهِ مِنَ البَعْثِ إلّا أحادِيثُ الأوَّلِينَ، وأباطِيلُهُمُ الَّتِي سَطَّرُوها في الكُتُبِ، قَرَأ الجُمْهُورُ:﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوِ التَّعْلِيلِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ فايِدٍ، والأعْرَجُ بِفَتْحِها، عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِ ( آمِن ) بِتَقْدِيرِ الباءِ. أيْ: آمِن بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ بِالبَعْثِ حَقٌّ. ١٧ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: أُولَئِكَ القائِلُونَ هَذِهِ المَقالاتِ هُمُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ: أيْ وجَبَ عَلَيْهِمُ العَذابُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وهَذا يَدْفَعُ كَوْنَ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ وأنَّهُ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ ما قالَ، فَإنَّهُ مِن أفاضِلِ المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وسَيَأْتِي بَيانُ النُّزُولِ في آخِرِ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ مَراتِبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِأعْمالِهِمْ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ أهْلِ النّارِ في هَذِهِ الآيَةِ تَذْهَبُ سُفْلًا، ودَرَجاتُ أهْلِ الجَنَّةِ تَذْهَبُ عُلُوًّا ﴿ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِنُوَفِّيَهم ) بِالنُّونِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ. ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا يُزادُ مُسِيئٌ ولا يُنْقَصُ مُحْسِنٌ بَلْ يُوَفّى كُلُّ فَرِيقٍ ما يَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ يَوْمَ يَنْكَشِفُ الغِطاءُ فَيَنْظُرُونَ إلى النّارِ ويَقْرَبُونَ مِنها، وقِيلَ مَعْنى يُعْرَضُونَ يُعَذَّبُونَ مِن قَوْلِهِمْ: عَرَضَهُ عَلى السَّيْفِ، وقِيلَ في الكَلامِ قَلْبٌ. والمَعْنى: تُعْرَضُ النّارُ عَلَيْهِمْ ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، قِيلَ وهَذا المُقَدَّرُ هو النّاصِبُ لِلظَّرْفِ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ: ( أذْهَبْتُمْ ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، ونَصْرٌ، وأبُو العالِيَةِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: العَرَبُ تُوَبِّخُ بِالِاسْتِفْهامِ، وبِغَيْرِهِ، فالتَّوْبِيخُ كائِنٌ عَلى القِراءَتَيْنِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالطَّيِّباتِ اللَّذّاتُ وما كانُوا فِيهِ مِنَ المَعايِشِ ﴿واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ أيْ بِالطَّيِّباتِ، والمَعْنى: أنَّهُمُ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ الَّتِي في مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولَمْ يُبالُوا بِالذَّنْبِ تَكْذِيبًا مِنهم لِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الوَعْدِ بِالحِسابِ والعِقابِ والثَّوابِ ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيِ: العَذابَ الَّذِي فِيهِ ذُلٌّ لَكم وخِزْيٌ عَلَيْكم. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الهُونُ الهَوانُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَكَبُّرِكم عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ والإيمانِ بِهِ، وتَوْحِيدِهِ ﴿وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ أيْ تَخْرُجُونَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وتَعْمَلُونَ بِمَعاصِيهِ، فَجَعَلَ السَّبَبَ في عَذابِهِمْ أمْرَيْنِ: التَّكَبُّرَ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ، والعَمَلَ بِمَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا شَأْنُ الكَفَرَةِ، فَإنَّهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَهُما. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكَ قالَ: كانَ مَرْوانُ عَلى الحِجازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعاوِيَةَ لِكَيْ يُبايَعَ لَهُ بَعْدَ أبِيهِ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقالَ خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَقالَ مَرْوانُ: إنَّ هَذا أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ فَقالَتْ عائِشَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ فِينا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إلّا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عُذْرِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ قالَ: لَمّا بايَعَ مُعاوِيَةُ لِابْنِهِ، قالَ مَرْوانُ: سُنَّةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سُنَّةُ هِرَقْلَ، وقَيْصَرَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ الآيَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عائِشَةَ فَقالَتْ: كَذَبَ مَرْوانُ واللَّهِ ما هو بِهِ، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ لَسَمَّيْتُهُ، ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَعَنَ أبا مَرْوانَ ومَرْوانُ في صُلْبِهِ، فَمَرْوانُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هَذا ابْنٌ لِأبِي بَكْرٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، ولا يَصِحُّ هَذا كَما قَدَّمْنا.

الأحقاف 46:21

(p-١٣٦٧)قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ أخا عادٍ، وهو هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحٍ كانَ أخاهم في النَّسَبِ، لا في الدِّينِ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ: أيْ: وقْتَ إنْذارِهِ إيّاهم بِالأحْقافِ وهي دِيارُ عادٍ جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الرَّمْلُ العَظِيمُ المُسْتَطِيلُ المُعْوَجُّ قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، وكانُوا قَهَرُوا أهْلَ الأرْضِ بِقُوَّتِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهُ أنْ يَذْكُرَ لِقَوْمِهِ قِصَّتَهم لِيَتَّعِظُوا ويَخافُوا، وقِيلَ أمَرَهُ بِأنْ يَتَذَكَّرَ في نَفْسِهِ قِصَّتَهم مَعَ هُودٍ لِيَقْتَدِيَ بِهِ ويَهُونَ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ قَوْمِهِ. قالَ عَطاءٌ: الأحْقافُ رِمالُ بِلادِ الشَّحْرِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي بِاليَمَنِ في حَضْرَمَوْتَ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي رِمالٌ مَبْسُوطَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ كَهَيْئَةِ الجِبالِ، ولَمْ تَبْلُغْ أنْ تَكُونَ جِبالًا ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ أيْ وقَدْ مَضَتِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ كَذا قالَ الفَرّاءُ، وغَيْرُهُ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ( ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ )، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ إنْذارِ هُودٍ وبَيْنَ قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم﴾ والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أعْلَمَهم أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْلَهُ والَّذِينَ سَيُبْعَثُونَ بَعْدَهُ كُلُّهم مُنْذِرُونَ نَحْوَ إنْذارِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى كَلامِ هُودٍ لِقَوْمِهِ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقِيلَ: إنَّ جَعْلَ تِلْكَ الجُمْلَةِ اعْتِراضِيَّةً أوْلى بِالمَقامِ وأوْفَقُ بِالمَعْنى. ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ لِتَصْرِفَنا عَنْ عِبادَتِها، وقِيلَ: لِتُزِيلَنا، وقِيلَ: لِتَمْنَعَنا، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ: ؎إنْ تَكُ عَنْ حُسْنِ الصَّنِيعَةِ مَأْفُو كًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا يَقُولُ: إنْ لَمْ تُوَفَّقْ لِلْإحْسانِ فَأنْتَ في قَوْمٍ قَدْ صُرِفُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في وعْدِكَ لَنا بِهِ. ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّما العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيئِهِ عِنْدَ اللَّهِ لا عِنْدِي ﴿وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِنَ الإنْذارِ والإعْذارِ، فَأمّا العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيءِ العَذابِ فَما أوْحاهُ إلَيَّ ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ حَيْثُ بَقِيتُمْ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِكم ولَمْ تَهْتَدُوا بِما جِئْتُكم بِهِ، بَلِ اقْتَرَحْتُمْ عَلَيَّ ما لَيْسَ مِن وظائِفِ الرُّسُلِ. ٢٣ - ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ( ما ) في قَوْلِهِ: ( بِما تَعِدُنا ) . وقالَ المُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في ( رَأوْهُ ) يَعُودُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وبَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ( عارِضًا ) فالضَّمِيرُ يَعُودُ إلى السَّحابِ: أيْ فَلَمّا رَأوُا السَّحابَ عارِضًا، فَ ( عارِضًا ) نُصِبَ عَلى التَّكْرِيرِ: يَعْنِي التَّفْسِيرَ، وسُمِّيَ السَّحابُ عارِضًا لِأنَّهُ يَبْدُو في عَرْضِ السَّماءِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العارِضُ السَّحابُ يَعْتَرِضُ في الأُفُقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ وانْتِصابُ ( عارِضًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ أيْ: مُتَوَجِّهًا نَحْوَ أوْدِيَتِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عادٌ قَدْ حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ أيّامًا، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ لَهم: يُقالُ لَهُ المَعْتَبُ، فَلَمّا رَأوْهُ مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمُ اسْتَبْشَرُوا، و﴿قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ أيْ: غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِ ( عارِضٌ ) لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ، فَصَحَّ وصْفُ النَّكِرَةِ بِهِ، وهَكَذا مُمْطِرُنا، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ أجابَ عَلَيْهِمْ هُودٌ، فَقالَ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي مِنَ العَذابِ حَيْثُ قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وقَوْلُهُ: ( رِيحٌ ) بَدَلٌ مِن ( ما )، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وجُمْلَةُ ﴿فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ صِفَةٌ لِ ( رِيحٌ )، والرِّيحُ الَّتِي عُذِّبُوا بِها نَشَأتْ مِن ذَلِكَ السَّحابِ الَّذِي رَأوْهُ. ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( رِيحٌ ): أيْ تُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ مَرَّتْ بِهِ مِن نُفُوسِ عادٍ وأمْوالِها، والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ، وكَذا الدَّمارُ، وقُرِئَ ( يَدْمُرُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةً وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ ورَفْعِ ( كُلُّ ) عَلى الفاعِلِيَّةِ مِن دَمَرَ دَمارًا، ومَعْنى ( بِأمْرِ رَبِّها ) أنَّ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ أيْ لا تَرى أنْتَ يا مُحَمَّدُ أوْ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ إلّا مَساكِنَهم بَعْدَ ذَهابِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( لا تَرى ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ونَصْبِ ( مَساكِنَهم ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ ( مَساكِنُهم ) . قالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْناهُ لا يُرى أشْخاصُهم إلّا مَساكِنُهم، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ. قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: مَعْناها لا يُرى شَيْءٌ إلّا مَساكِنُهم فَهي مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى كَما تَقُولُ: ما قامَ إلّا هِنْدٌ، والمَعْنى: ما قامَ أحَدٌ إلّا هِنْدٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَجاءَتْهُمُ الرِّيحُ فَدَمَّرَتْهم فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي هَؤُلاءِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ الأعْرافِ. ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: ( ما ) في قَوْلِهِ ( فِيما ) بِمَنزِلَةِ الَّذِي، و( إنْ ) بِمَنزِلَةِ ما: يَعْنِي النّافِيَةَ، وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم في الَّذِي ما مَكَّنّاكم فِيهِ مِنَ المالِ، وطُولِ العُمْرِ، وقُوَّةِ الأبْدانِ، وقِيلَ: ( إنْ ) زائِدَةٌ وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما مَكَّنّاكم فِيهِ، وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَما إنْ طِبْنَ جُبْنٌ ولَكِنْ ∗∗∗ مَنايانا ودَوْلَةُ آخَرِينا والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ وأمْثالِهِمْ ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ أيْ: إنَّهم أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحُجَّةِ والتَّذَكُّرِ مَعَ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الحَواسِّ الَّتِي بِها تُدْرَكُ الأدِلَّةُ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ أيْ فَما نَفَعَهم ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى التَّوْحِيدِ وصِحَّةِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وقَدْ قَدَّمْنا مِنَ الكَلامِ عَلى وجْهِ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ البَصَرِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، و( مِن ) في ( مِن شَيْءٍ ) زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَما أغْنى عَنْهم شَيْءٌ مِنَ الإغْناءِ ولا نَفَعَهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ (p-١٣٦٨)﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِأغْنى، وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ: أيْ لِأنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أحاطَ بِهُمُ العَذابُ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ حَيْثُ قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ . ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾ الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِما حَوْلَهم مِنَ القُرى قُرى ثَمُودٍ، وقُرى لُوطٍ ونَحْوُهُما مِمّا كانَ مُجاوِرًا لِبِلادِ الحِجازِ، وكانَتْ أخْبارُهم مُتَواتِرَةً عِنْدَهم ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ بَيَّنّا الحُجَجَ ونَوَّعْناها لِكَيْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ فَلَمْ يَرْجِعُوا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَمْ يَنْصُرْهم مِن عَذابِ اللَّهِ ناصِرٌ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ أيْ فَهَلّا نَصَرَهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِها بِزَعْمِهِمْ إلى اللَّهِ لِتَشْفَعَ لَهم حَيْثُ قالُوا ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ومَنَعَتْهم مِنَ الهَلاكِ الواقِعِ بِهِمْ. قالَ الكِسائِيُّ: القُرْبانُ كُلُّ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ مِن طاعَةٍ ونَسِيكَةٍ، والجَمْعُ قَرابِينُ كالرُّهْبانِ والرَّهابِينِ، وأحَدُ مَفْعُولَيِ ( اتَّخَذُوا ) ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، والثّانِي ( آلِهَةً )، و( قُرْبانًا ) حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ( قُرْبانًا ) مَفْعُولًا ثانِيًا، و( آلِهَةً ) بَدَلًا مِنهُ لِفَسادِ المَعْنى، وقِيلَ يَصِحُّ ذَلِكَ ولا يَفْسُدُ المَعْنى، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وأبُو حَيّانَ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ في المَعْنى فَسادٌ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أيْ غابُوا عَنْ نَصْرِهِمْ ولَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ بَلْ هَلَكُوا، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ضَلُّوا راجِعٌ إلى الكُفّارِ: أيْ تَرَكُوا الأصْنامَ وتَبَرَّءُوا مِنها، والأوَّلُ أوْلى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ إلى ضَلالِ آلِهَتِهِمْ. والمَعْنى: وذَلِكَ الضَّلالُ والضَّياعُ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وزَعْمِهِمْ أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( إفْكُهم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ مَصْدَرُ أفِكَ يَأْفِكُ إفْكًا: أيْ: كَذِبِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ والكافِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ: أيْ: ذَلِكَ القَوْلُ صَرَفَهم عَنِ التَّوْحِيدِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الفاءِ: أيْ صَيَّرَهم آفِكِينَ. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي قَلَبَهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ بِالمَدِّ وكَسْرِ الفاءِ بِمَعْنى صارِفِهِمْ ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( إفْكُهم ): أيْ وأثَرُ افْتِرائِهِمْ أوْ أثَرُ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ. والمَعْنى: وذَلِكَ إفْكُهم: أيْ: كَذِبُهُمُ الَّذِي كانُوا يَقُولُونَ إنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ وتَشْفَعُ لَهم ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ يَكْذِبُونَ أنَّها آلِهَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأحْقافُ جَبَلٌ بِالشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ قالَ: هو السَّحابُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُسْتَجْمِعًا ضاحِكًا حَتّى أرى مِنهُ لَهَواتِهِ، إنَّما كانَ يَتَبَسَّمُ، وكانَ إذا رَأى غَيْمًا أوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ في وجْهِهِ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، النّاسُ إذا رَأوُا الغَيْمَ فَرِحُوا أنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ. وأراكَ إذا رَأيْتَهُ عَرَفْتُ في وجْهِكَ الكَراهِيَةَ، قالَ: يا عائِشَةُ، وما يُؤَمِّنُنِي أنْ يَكُونَ فِيهِ عَذابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وقَدْ رَأى قَوْمٌ العَذابَ، فَقالُوا: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَيْرَها وخَيْرَ ما فِيها وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فِيها وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، فَإذا تَخَيَّلَتِ السَّماءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وخَرَجَ ودَخَلَ، وأقْبَلَ وأدْبَرَ، فَإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَسَألْتُهُ، فَقالَ: لا أدْرِي، لَعَلَّهُ كَما قالَ قَوْمُ عادٍ ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ السَّحابِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ قالُوا غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، فَأوَّلَ ما عَرَفُوا أنَّهُ عَذابٌ، رَأوْا ما كانَ خارِجًا مِن رِجالِهِمْ ومَواشِيهِمْ تَطِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِثْلَ الرِّيشِ دَخَلُوا بُيُوتَهم وغَلَّقُوا أبْوابَهم، فَجاءَتِ الرِّيحُ فَفَتَحَتْ أبْوابَهم، ومالَتْ عَلَيْهِمْ بِالرَّمْلِ، فَكانُوا تَحْتَ الرَّمْلِ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا لَهم أنِينٌ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ الرِّيحَ فَكَشَفَتْ عَنْهُمُ الرَّمْلَ وطَرَحَتْهم في البَحْرِ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ عَلى عادٍ مِنَ الرِّيحِ إلّا قَدْرَ خاتَمِي هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ يَقُولُ: لَمْ نُمَكِّنْكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: عادٌ مُكِّنُوا في الأرْضِ أفْضَلَ مِمّا مُكِّنَتْ فِيهِ هَذِهِ الأُمَّةُ، وكانُوا أشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأطْوَلَ أعْمارًا.

الأحقاف 46:22

(p-١٣٦٧)قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ أخا عادٍ، وهو هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحٍ كانَ أخاهم في النَّسَبِ، لا في الدِّينِ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ: أيْ: وقْتَ إنْذارِهِ إيّاهم بِالأحْقافِ وهي دِيارُ عادٍ جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الرَّمْلُ العَظِيمُ المُسْتَطِيلُ المُعْوَجُّ قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، وكانُوا قَهَرُوا أهْلَ الأرْضِ بِقُوَّتِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهُ أنْ يَذْكُرَ لِقَوْمِهِ قِصَّتَهم لِيَتَّعِظُوا ويَخافُوا، وقِيلَ أمَرَهُ بِأنْ يَتَذَكَّرَ في نَفْسِهِ قِصَّتَهم مَعَ هُودٍ لِيَقْتَدِيَ بِهِ ويَهُونَ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ قَوْمِهِ. قالَ عَطاءٌ: الأحْقافُ رِمالُ بِلادِ الشَّحْرِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي بِاليَمَنِ في حَضْرَمَوْتَ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي رِمالٌ مَبْسُوطَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ كَهَيْئَةِ الجِبالِ، ولَمْ تَبْلُغْ أنْ تَكُونَ جِبالًا ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ أيْ وقَدْ مَضَتِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ كَذا قالَ الفَرّاءُ، وغَيْرُهُ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ( ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ )، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ إنْذارِ هُودٍ وبَيْنَ قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم﴾ والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أعْلَمَهم أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْلَهُ والَّذِينَ سَيُبْعَثُونَ بَعْدَهُ كُلُّهم مُنْذِرُونَ نَحْوَ إنْذارِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى كَلامِ هُودٍ لِقَوْمِهِ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقِيلَ: إنَّ جَعْلَ تِلْكَ الجُمْلَةِ اعْتِراضِيَّةً أوْلى بِالمَقامِ وأوْفَقُ بِالمَعْنى. ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ لِتَصْرِفَنا عَنْ عِبادَتِها، وقِيلَ: لِتُزِيلَنا، وقِيلَ: لِتَمْنَعَنا، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ: ؎إنْ تَكُ عَنْ حُسْنِ الصَّنِيعَةِ مَأْفُو كًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا يَقُولُ: إنْ لَمْ تُوَفَّقْ لِلْإحْسانِ فَأنْتَ في قَوْمٍ قَدْ صُرِفُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في وعْدِكَ لَنا بِهِ. ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّما العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيئِهِ عِنْدَ اللَّهِ لا عِنْدِي ﴿وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِنَ الإنْذارِ والإعْذارِ، فَأمّا العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيءِ العَذابِ فَما أوْحاهُ إلَيَّ ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ حَيْثُ بَقِيتُمْ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِكم ولَمْ تَهْتَدُوا بِما جِئْتُكم بِهِ، بَلِ اقْتَرَحْتُمْ عَلَيَّ ما لَيْسَ مِن وظائِفِ الرُّسُلِ. ٢٣ - ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ( ما ) في قَوْلِهِ: ( بِما تَعِدُنا ) . وقالَ المُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في ( رَأوْهُ ) يَعُودُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وبَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ( عارِضًا ) فالضَّمِيرُ يَعُودُ إلى السَّحابِ: أيْ فَلَمّا رَأوُا السَّحابَ عارِضًا، فَ ( عارِضًا ) نُصِبَ عَلى التَّكْرِيرِ: يَعْنِي التَّفْسِيرَ، وسُمِّيَ السَّحابُ عارِضًا لِأنَّهُ يَبْدُو في عَرْضِ السَّماءِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العارِضُ السَّحابُ يَعْتَرِضُ في الأُفُقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ وانْتِصابُ ( عارِضًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ أيْ: مُتَوَجِّهًا نَحْوَ أوْدِيَتِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عادٌ قَدْ حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ أيّامًا، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ لَهم: يُقالُ لَهُ المَعْتَبُ، فَلَمّا رَأوْهُ مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمُ اسْتَبْشَرُوا، و﴿قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ أيْ: غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِ ( عارِضٌ ) لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ، فَصَحَّ وصْفُ النَّكِرَةِ بِهِ، وهَكَذا مُمْطِرُنا، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ أجابَ عَلَيْهِمْ هُودٌ، فَقالَ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي مِنَ العَذابِ حَيْثُ قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وقَوْلُهُ: ( رِيحٌ ) بَدَلٌ مِن ( ما )، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وجُمْلَةُ ﴿فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ صِفَةٌ لِ ( رِيحٌ )، والرِّيحُ الَّتِي عُذِّبُوا بِها نَشَأتْ مِن ذَلِكَ السَّحابِ الَّذِي رَأوْهُ. ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( رِيحٌ ): أيْ تُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ مَرَّتْ بِهِ مِن نُفُوسِ عادٍ وأمْوالِها، والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ، وكَذا الدَّمارُ، وقُرِئَ ( يَدْمُرُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةً وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ ورَفْعِ ( كُلُّ ) عَلى الفاعِلِيَّةِ مِن دَمَرَ دَمارًا، ومَعْنى ( بِأمْرِ رَبِّها ) أنَّ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ أيْ لا تَرى أنْتَ يا مُحَمَّدُ أوْ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ إلّا مَساكِنَهم بَعْدَ ذَهابِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( لا تَرى ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ونَصْبِ ( مَساكِنَهم ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ ( مَساكِنُهم ) . قالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْناهُ لا يُرى أشْخاصُهم إلّا مَساكِنُهم، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ. قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: مَعْناها لا يُرى شَيْءٌ إلّا مَساكِنُهم فَهي مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى كَما تَقُولُ: ما قامَ إلّا هِنْدٌ، والمَعْنى: ما قامَ أحَدٌ إلّا هِنْدٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَجاءَتْهُمُ الرِّيحُ فَدَمَّرَتْهم فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي هَؤُلاءِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ الأعْرافِ. ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: ( ما ) في قَوْلِهِ ( فِيما ) بِمَنزِلَةِ الَّذِي، و( إنْ ) بِمَنزِلَةِ ما: يَعْنِي النّافِيَةَ، وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم في الَّذِي ما مَكَّنّاكم فِيهِ مِنَ المالِ، وطُولِ العُمْرِ، وقُوَّةِ الأبْدانِ، وقِيلَ: ( إنْ ) زائِدَةٌ وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما مَكَّنّاكم فِيهِ، وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَما إنْ طِبْنَ جُبْنٌ ولَكِنْ ∗∗∗ مَنايانا ودَوْلَةُ آخَرِينا والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ وأمْثالِهِمْ ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ أيْ: إنَّهم أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحُجَّةِ والتَّذَكُّرِ مَعَ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الحَواسِّ الَّتِي بِها تُدْرَكُ الأدِلَّةُ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ أيْ فَما نَفَعَهم ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى التَّوْحِيدِ وصِحَّةِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وقَدْ قَدَّمْنا مِنَ الكَلامِ عَلى وجْهِ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ البَصَرِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، و( مِن ) في ( مِن شَيْءٍ ) زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَما أغْنى عَنْهم شَيْءٌ مِنَ الإغْناءِ ولا نَفَعَهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ (p-١٣٦٨)﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِأغْنى، وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ: أيْ لِأنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أحاطَ بِهُمُ العَذابُ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ حَيْثُ قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ . ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾ الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِما حَوْلَهم مِنَ القُرى قُرى ثَمُودٍ، وقُرى لُوطٍ ونَحْوُهُما مِمّا كانَ مُجاوِرًا لِبِلادِ الحِجازِ، وكانَتْ أخْبارُهم مُتَواتِرَةً عِنْدَهم ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ بَيَّنّا الحُجَجَ ونَوَّعْناها لِكَيْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ فَلَمْ يَرْجِعُوا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَمْ يَنْصُرْهم مِن عَذابِ اللَّهِ ناصِرٌ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ أيْ فَهَلّا نَصَرَهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِها بِزَعْمِهِمْ إلى اللَّهِ لِتَشْفَعَ لَهم حَيْثُ قالُوا ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ومَنَعَتْهم مِنَ الهَلاكِ الواقِعِ بِهِمْ. قالَ الكِسائِيُّ: القُرْبانُ كُلُّ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ مِن طاعَةٍ ونَسِيكَةٍ، والجَمْعُ قَرابِينُ كالرُّهْبانِ والرَّهابِينِ، وأحَدُ مَفْعُولَيِ ( اتَّخَذُوا ) ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، والثّانِي ( آلِهَةً )، و( قُرْبانًا ) حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ( قُرْبانًا ) مَفْعُولًا ثانِيًا، و( آلِهَةً ) بَدَلًا مِنهُ لِفَسادِ المَعْنى، وقِيلَ يَصِحُّ ذَلِكَ ولا يَفْسُدُ المَعْنى، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وأبُو حَيّانَ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ في المَعْنى فَسادٌ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أيْ غابُوا عَنْ نَصْرِهِمْ ولَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ بَلْ هَلَكُوا، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ضَلُّوا راجِعٌ إلى الكُفّارِ: أيْ تَرَكُوا الأصْنامَ وتَبَرَّءُوا مِنها، والأوَّلُ أوْلى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ إلى ضَلالِ آلِهَتِهِمْ. والمَعْنى: وذَلِكَ الضَّلالُ والضَّياعُ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وزَعْمِهِمْ أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( إفْكُهم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ مَصْدَرُ أفِكَ يَأْفِكُ إفْكًا: أيْ: كَذِبِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ والكافِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ: أيْ: ذَلِكَ القَوْلُ صَرَفَهم عَنِ التَّوْحِيدِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الفاءِ: أيْ صَيَّرَهم آفِكِينَ. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي قَلَبَهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ بِالمَدِّ وكَسْرِ الفاءِ بِمَعْنى صارِفِهِمْ ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( إفْكُهم ): أيْ وأثَرُ افْتِرائِهِمْ أوْ أثَرُ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ. والمَعْنى: وذَلِكَ إفْكُهم: أيْ: كَذِبُهُمُ الَّذِي كانُوا يَقُولُونَ إنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ وتَشْفَعُ لَهم ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ يَكْذِبُونَ أنَّها آلِهَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأحْقافُ جَبَلٌ بِالشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ قالَ: هو السَّحابُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُسْتَجْمِعًا ضاحِكًا حَتّى أرى مِنهُ لَهَواتِهِ، إنَّما كانَ يَتَبَسَّمُ، وكانَ إذا رَأى غَيْمًا أوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ في وجْهِهِ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، النّاسُ إذا رَأوُا الغَيْمَ فَرِحُوا أنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ. وأراكَ إذا رَأيْتَهُ عَرَفْتُ في وجْهِكَ الكَراهِيَةَ، قالَ: يا عائِشَةُ، وما يُؤَمِّنُنِي أنْ يَكُونَ فِيهِ عَذابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وقَدْ رَأى قَوْمٌ العَذابَ، فَقالُوا: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَيْرَها وخَيْرَ ما فِيها وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فِيها وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، فَإذا تَخَيَّلَتِ السَّماءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وخَرَجَ ودَخَلَ، وأقْبَلَ وأدْبَرَ، فَإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَسَألْتُهُ، فَقالَ: لا أدْرِي، لَعَلَّهُ كَما قالَ قَوْمُ عادٍ ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ السَّحابِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ قالُوا غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، فَأوَّلَ ما عَرَفُوا أنَّهُ عَذابٌ، رَأوْا ما كانَ خارِجًا مِن رِجالِهِمْ ومَواشِيهِمْ تَطِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِثْلَ الرِّيشِ دَخَلُوا بُيُوتَهم وغَلَّقُوا أبْوابَهم، فَجاءَتِ الرِّيحُ فَفَتَحَتْ أبْوابَهم، ومالَتْ عَلَيْهِمْ بِالرَّمْلِ، فَكانُوا تَحْتَ الرَّمْلِ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا لَهم أنِينٌ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ الرِّيحَ فَكَشَفَتْ عَنْهُمُ الرَّمْلَ وطَرَحَتْهم في البَحْرِ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ عَلى عادٍ مِنَ الرِّيحِ إلّا قَدْرَ خاتَمِي هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ يَقُولُ: لَمْ نُمَكِّنْكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: عادٌ مُكِّنُوا في الأرْضِ أفْضَلَ مِمّا مُكِّنَتْ فِيهِ هَذِهِ الأُمَّةُ، وكانُوا أشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأطْوَلَ أعْمارًا.

الأحقاف 46:23

(p-١٣٦٧)قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ أخا عادٍ، وهو هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحٍ كانَ أخاهم في النَّسَبِ، لا في الدِّينِ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ: أيْ: وقْتَ إنْذارِهِ إيّاهم بِالأحْقافِ وهي دِيارُ عادٍ جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الرَّمْلُ العَظِيمُ المُسْتَطِيلُ المُعْوَجُّ قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، وكانُوا قَهَرُوا أهْلَ الأرْضِ بِقُوَّتِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهُ أنْ يَذْكُرَ لِقَوْمِهِ قِصَّتَهم لِيَتَّعِظُوا ويَخافُوا، وقِيلَ أمَرَهُ بِأنْ يَتَذَكَّرَ في نَفْسِهِ قِصَّتَهم مَعَ هُودٍ لِيَقْتَدِيَ بِهِ ويَهُونَ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ قَوْمِهِ. قالَ عَطاءٌ: الأحْقافُ رِمالُ بِلادِ الشَّحْرِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي بِاليَمَنِ في حَضْرَمَوْتَ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي رِمالٌ مَبْسُوطَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ كَهَيْئَةِ الجِبالِ، ولَمْ تَبْلُغْ أنْ تَكُونَ جِبالًا ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ أيْ وقَدْ مَضَتِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ كَذا قالَ الفَرّاءُ، وغَيْرُهُ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ( ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ )، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ إنْذارِ هُودٍ وبَيْنَ قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم﴾ والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أعْلَمَهم أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْلَهُ والَّذِينَ سَيُبْعَثُونَ بَعْدَهُ كُلُّهم مُنْذِرُونَ نَحْوَ إنْذارِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى كَلامِ هُودٍ لِقَوْمِهِ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقِيلَ: إنَّ جَعْلَ تِلْكَ الجُمْلَةِ اعْتِراضِيَّةً أوْلى بِالمَقامِ وأوْفَقُ بِالمَعْنى. ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ لِتَصْرِفَنا عَنْ عِبادَتِها، وقِيلَ: لِتُزِيلَنا، وقِيلَ: لِتَمْنَعَنا، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ: ؎إنْ تَكُ عَنْ حُسْنِ الصَّنِيعَةِ مَأْفُو كًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا يَقُولُ: إنْ لَمْ تُوَفَّقْ لِلْإحْسانِ فَأنْتَ في قَوْمٍ قَدْ صُرِفُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في وعْدِكَ لَنا بِهِ. ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّما العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيئِهِ عِنْدَ اللَّهِ لا عِنْدِي ﴿وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِنَ الإنْذارِ والإعْذارِ، فَأمّا العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيءِ العَذابِ فَما أوْحاهُ إلَيَّ ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ حَيْثُ بَقِيتُمْ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِكم ولَمْ تَهْتَدُوا بِما جِئْتُكم بِهِ، بَلِ اقْتَرَحْتُمْ عَلَيَّ ما لَيْسَ مِن وظائِفِ الرُّسُلِ. ٢٣ - ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ( ما ) في قَوْلِهِ: ( بِما تَعِدُنا ) . وقالَ المُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في ( رَأوْهُ ) يَعُودُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وبَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ( عارِضًا ) فالضَّمِيرُ يَعُودُ إلى السَّحابِ: أيْ فَلَمّا رَأوُا السَّحابَ عارِضًا، فَ ( عارِضًا ) نُصِبَ عَلى التَّكْرِيرِ: يَعْنِي التَّفْسِيرَ، وسُمِّيَ السَّحابُ عارِضًا لِأنَّهُ يَبْدُو في عَرْضِ السَّماءِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العارِضُ السَّحابُ يَعْتَرِضُ في الأُفُقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ وانْتِصابُ ( عارِضًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ أيْ: مُتَوَجِّهًا نَحْوَ أوْدِيَتِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عادٌ قَدْ حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ أيّامًا، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ لَهم: يُقالُ لَهُ المَعْتَبُ، فَلَمّا رَأوْهُ مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمُ اسْتَبْشَرُوا، و﴿قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ أيْ: غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِ ( عارِضٌ ) لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ، فَصَحَّ وصْفُ النَّكِرَةِ بِهِ، وهَكَذا مُمْطِرُنا، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ أجابَ عَلَيْهِمْ هُودٌ، فَقالَ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي مِنَ العَذابِ حَيْثُ قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وقَوْلُهُ: ( رِيحٌ ) بَدَلٌ مِن ( ما )، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وجُمْلَةُ ﴿فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ صِفَةٌ لِ ( رِيحٌ )، والرِّيحُ الَّتِي عُذِّبُوا بِها نَشَأتْ مِن ذَلِكَ السَّحابِ الَّذِي رَأوْهُ. ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( رِيحٌ ): أيْ تُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ مَرَّتْ بِهِ مِن نُفُوسِ عادٍ وأمْوالِها، والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ، وكَذا الدَّمارُ، وقُرِئَ ( يَدْمُرُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةً وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ ورَفْعِ ( كُلُّ ) عَلى الفاعِلِيَّةِ مِن دَمَرَ دَمارًا، ومَعْنى ( بِأمْرِ رَبِّها ) أنَّ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ أيْ لا تَرى أنْتَ يا مُحَمَّدُ أوْ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ إلّا مَساكِنَهم بَعْدَ ذَهابِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( لا تَرى ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ونَصْبِ ( مَساكِنَهم ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ ( مَساكِنُهم ) . قالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْناهُ لا يُرى أشْخاصُهم إلّا مَساكِنُهم، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ. قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: مَعْناها لا يُرى شَيْءٌ إلّا مَساكِنُهم فَهي مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى كَما تَقُولُ: ما قامَ إلّا هِنْدٌ، والمَعْنى: ما قامَ أحَدٌ إلّا هِنْدٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَجاءَتْهُمُ الرِّيحُ فَدَمَّرَتْهم فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي هَؤُلاءِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ الأعْرافِ. ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: ( ما ) في قَوْلِهِ ( فِيما ) بِمَنزِلَةِ الَّذِي، و( إنْ ) بِمَنزِلَةِ ما: يَعْنِي النّافِيَةَ، وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم في الَّذِي ما مَكَّنّاكم فِيهِ مِنَ المالِ، وطُولِ العُمْرِ، وقُوَّةِ الأبْدانِ، وقِيلَ: ( إنْ ) زائِدَةٌ وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما مَكَّنّاكم فِيهِ، وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَما إنْ طِبْنَ جُبْنٌ ولَكِنْ ∗∗∗ مَنايانا ودَوْلَةُ آخَرِينا والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ وأمْثالِهِمْ ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ أيْ: إنَّهم أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحُجَّةِ والتَّذَكُّرِ مَعَ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الحَواسِّ الَّتِي بِها تُدْرَكُ الأدِلَّةُ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ أيْ فَما نَفَعَهم ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى التَّوْحِيدِ وصِحَّةِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وقَدْ قَدَّمْنا مِنَ الكَلامِ عَلى وجْهِ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ البَصَرِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، و( مِن ) في ( مِن شَيْءٍ ) زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَما أغْنى عَنْهم شَيْءٌ مِنَ الإغْناءِ ولا نَفَعَهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ (p-١٣٦٨)﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِأغْنى، وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ: أيْ لِأنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أحاطَ بِهُمُ العَذابُ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ حَيْثُ قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ . ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾ الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِما حَوْلَهم مِنَ القُرى قُرى ثَمُودٍ، وقُرى لُوطٍ ونَحْوُهُما مِمّا كانَ مُجاوِرًا لِبِلادِ الحِجازِ، وكانَتْ أخْبارُهم مُتَواتِرَةً عِنْدَهم ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ بَيَّنّا الحُجَجَ ونَوَّعْناها لِكَيْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ فَلَمْ يَرْجِعُوا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَمْ يَنْصُرْهم مِن عَذابِ اللَّهِ ناصِرٌ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ أيْ فَهَلّا نَصَرَهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِها بِزَعْمِهِمْ إلى اللَّهِ لِتَشْفَعَ لَهم حَيْثُ قالُوا ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ومَنَعَتْهم مِنَ الهَلاكِ الواقِعِ بِهِمْ. قالَ الكِسائِيُّ: القُرْبانُ كُلُّ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ مِن طاعَةٍ ونَسِيكَةٍ، والجَمْعُ قَرابِينُ كالرُّهْبانِ والرَّهابِينِ، وأحَدُ مَفْعُولَيِ ( اتَّخَذُوا ) ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، والثّانِي ( آلِهَةً )، و( قُرْبانًا ) حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ( قُرْبانًا ) مَفْعُولًا ثانِيًا، و( آلِهَةً ) بَدَلًا مِنهُ لِفَسادِ المَعْنى، وقِيلَ يَصِحُّ ذَلِكَ ولا يَفْسُدُ المَعْنى، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وأبُو حَيّانَ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ في المَعْنى فَسادٌ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أيْ غابُوا عَنْ نَصْرِهِمْ ولَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ بَلْ هَلَكُوا، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ضَلُّوا راجِعٌ إلى الكُفّارِ: أيْ تَرَكُوا الأصْنامَ وتَبَرَّءُوا مِنها، والأوَّلُ أوْلى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ إلى ضَلالِ آلِهَتِهِمْ. والمَعْنى: وذَلِكَ الضَّلالُ والضَّياعُ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وزَعْمِهِمْ أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( إفْكُهم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ مَصْدَرُ أفِكَ يَأْفِكُ إفْكًا: أيْ: كَذِبِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ والكافِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ: أيْ: ذَلِكَ القَوْلُ صَرَفَهم عَنِ التَّوْحِيدِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الفاءِ: أيْ صَيَّرَهم آفِكِينَ. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي قَلَبَهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ بِالمَدِّ وكَسْرِ الفاءِ بِمَعْنى صارِفِهِمْ ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( إفْكُهم ): أيْ وأثَرُ افْتِرائِهِمْ أوْ أثَرُ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ. والمَعْنى: وذَلِكَ إفْكُهم: أيْ: كَذِبُهُمُ الَّذِي كانُوا يَقُولُونَ إنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ وتَشْفَعُ لَهم ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ يَكْذِبُونَ أنَّها آلِهَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأحْقافُ جَبَلٌ بِالشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ قالَ: هو السَّحابُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُسْتَجْمِعًا ضاحِكًا حَتّى أرى مِنهُ لَهَواتِهِ، إنَّما كانَ يَتَبَسَّمُ، وكانَ إذا رَأى غَيْمًا أوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ في وجْهِهِ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، النّاسُ إذا رَأوُا الغَيْمَ فَرِحُوا أنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ. وأراكَ إذا رَأيْتَهُ عَرَفْتُ في وجْهِكَ الكَراهِيَةَ، قالَ: يا عائِشَةُ، وما يُؤَمِّنُنِي أنْ يَكُونَ فِيهِ عَذابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وقَدْ رَأى قَوْمٌ العَذابَ، فَقالُوا: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَيْرَها وخَيْرَ ما فِيها وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فِيها وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، فَإذا تَخَيَّلَتِ السَّماءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وخَرَجَ ودَخَلَ، وأقْبَلَ وأدْبَرَ، فَإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَسَألْتُهُ، فَقالَ: لا أدْرِي، لَعَلَّهُ كَما قالَ قَوْمُ عادٍ ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ السَّحابِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ قالُوا غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، فَأوَّلَ ما عَرَفُوا أنَّهُ عَذابٌ، رَأوْا ما كانَ خارِجًا مِن رِجالِهِمْ ومَواشِيهِمْ تَطِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِثْلَ الرِّيشِ دَخَلُوا بُيُوتَهم وغَلَّقُوا أبْوابَهم، فَجاءَتِ الرِّيحُ فَفَتَحَتْ أبْوابَهم، ومالَتْ عَلَيْهِمْ بِالرَّمْلِ، فَكانُوا تَحْتَ الرَّمْلِ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا لَهم أنِينٌ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ الرِّيحَ فَكَشَفَتْ عَنْهُمُ الرَّمْلَ وطَرَحَتْهم في البَحْرِ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ عَلى عادٍ مِنَ الرِّيحِ إلّا قَدْرَ خاتَمِي هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ يَقُولُ: لَمْ نُمَكِّنْكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: عادٌ مُكِّنُوا في الأرْضِ أفْضَلَ مِمّا مُكِّنَتْ فِيهِ هَذِهِ الأُمَّةُ، وكانُوا أشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأطْوَلَ أعْمارًا.

الأحقاف 46:24

(p-١٣٦٧)قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ أخا عادٍ، وهو هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحٍ كانَ أخاهم في النَّسَبِ، لا في الدِّينِ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ: أيْ: وقْتَ إنْذارِهِ إيّاهم بِالأحْقافِ وهي دِيارُ عادٍ جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الرَّمْلُ العَظِيمُ المُسْتَطِيلُ المُعْوَجُّ قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، وكانُوا قَهَرُوا أهْلَ الأرْضِ بِقُوَّتِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهُ أنْ يَذْكُرَ لِقَوْمِهِ قِصَّتَهم لِيَتَّعِظُوا ويَخافُوا، وقِيلَ أمَرَهُ بِأنْ يَتَذَكَّرَ في نَفْسِهِ قِصَّتَهم مَعَ هُودٍ لِيَقْتَدِيَ بِهِ ويَهُونَ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ قَوْمِهِ. قالَ عَطاءٌ: الأحْقافُ رِمالُ بِلادِ الشَّحْرِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي بِاليَمَنِ في حَضْرَمَوْتَ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي رِمالٌ مَبْسُوطَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ كَهَيْئَةِ الجِبالِ، ولَمْ تَبْلُغْ أنْ تَكُونَ جِبالًا ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ أيْ وقَدْ مَضَتِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ كَذا قالَ الفَرّاءُ، وغَيْرُهُ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ( ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ )، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ إنْذارِ هُودٍ وبَيْنَ قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم﴾ والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أعْلَمَهم أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْلَهُ والَّذِينَ سَيُبْعَثُونَ بَعْدَهُ كُلُّهم مُنْذِرُونَ نَحْوَ إنْذارِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى كَلامِ هُودٍ لِقَوْمِهِ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقِيلَ: إنَّ جَعْلَ تِلْكَ الجُمْلَةِ اعْتِراضِيَّةً أوْلى بِالمَقامِ وأوْفَقُ بِالمَعْنى. ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ لِتَصْرِفَنا عَنْ عِبادَتِها، وقِيلَ: لِتُزِيلَنا، وقِيلَ: لِتَمْنَعَنا، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ: ؎إنْ تَكُ عَنْ حُسْنِ الصَّنِيعَةِ مَأْفُو كًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا يَقُولُ: إنْ لَمْ تُوَفَّقْ لِلْإحْسانِ فَأنْتَ في قَوْمٍ قَدْ صُرِفُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في وعْدِكَ لَنا بِهِ. ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّما العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيئِهِ عِنْدَ اللَّهِ لا عِنْدِي ﴿وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِنَ الإنْذارِ والإعْذارِ، فَأمّا العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيءِ العَذابِ فَما أوْحاهُ إلَيَّ ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ حَيْثُ بَقِيتُمْ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِكم ولَمْ تَهْتَدُوا بِما جِئْتُكم بِهِ، بَلِ اقْتَرَحْتُمْ عَلَيَّ ما لَيْسَ مِن وظائِفِ الرُّسُلِ. ٢٣ - ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ( ما ) في قَوْلِهِ: ( بِما تَعِدُنا ) . وقالَ المُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في ( رَأوْهُ ) يَعُودُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وبَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ( عارِضًا ) فالضَّمِيرُ يَعُودُ إلى السَّحابِ: أيْ فَلَمّا رَأوُا السَّحابَ عارِضًا، فَ ( عارِضًا ) نُصِبَ عَلى التَّكْرِيرِ: يَعْنِي التَّفْسِيرَ، وسُمِّيَ السَّحابُ عارِضًا لِأنَّهُ يَبْدُو في عَرْضِ السَّماءِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العارِضُ السَّحابُ يَعْتَرِضُ في الأُفُقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ وانْتِصابُ ( عارِضًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ أيْ: مُتَوَجِّهًا نَحْوَ أوْدِيَتِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عادٌ قَدْ حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ أيّامًا، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ لَهم: يُقالُ لَهُ المَعْتَبُ، فَلَمّا رَأوْهُ مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمُ اسْتَبْشَرُوا، و﴿قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ أيْ: غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِ ( عارِضٌ ) لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ، فَصَحَّ وصْفُ النَّكِرَةِ بِهِ، وهَكَذا مُمْطِرُنا، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ أجابَ عَلَيْهِمْ هُودٌ، فَقالَ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي مِنَ العَذابِ حَيْثُ قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وقَوْلُهُ: ( رِيحٌ ) بَدَلٌ مِن ( ما )، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وجُمْلَةُ ﴿فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ صِفَةٌ لِ ( رِيحٌ )، والرِّيحُ الَّتِي عُذِّبُوا بِها نَشَأتْ مِن ذَلِكَ السَّحابِ الَّذِي رَأوْهُ. ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( رِيحٌ ): أيْ تُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ مَرَّتْ بِهِ مِن نُفُوسِ عادٍ وأمْوالِها، والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ، وكَذا الدَّمارُ، وقُرِئَ ( يَدْمُرُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةً وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ ورَفْعِ ( كُلُّ ) عَلى الفاعِلِيَّةِ مِن دَمَرَ دَمارًا، ومَعْنى ( بِأمْرِ رَبِّها ) أنَّ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ أيْ لا تَرى أنْتَ يا مُحَمَّدُ أوْ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ إلّا مَساكِنَهم بَعْدَ ذَهابِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( لا تَرى ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ونَصْبِ ( مَساكِنَهم ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ ( مَساكِنُهم ) . قالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْناهُ لا يُرى أشْخاصُهم إلّا مَساكِنُهم، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ. قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: مَعْناها لا يُرى شَيْءٌ إلّا مَساكِنُهم فَهي مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى كَما تَقُولُ: ما قامَ إلّا هِنْدٌ، والمَعْنى: ما قامَ أحَدٌ إلّا هِنْدٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَجاءَتْهُمُ الرِّيحُ فَدَمَّرَتْهم فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي هَؤُلاءِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ الأعْرافِ. ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: ( ما ) في قَوْلِهِ ( فِيما ) بِمَنزِلَةِ الَّذِي، و( إنْ ) بِمَنزِلَةِ ما: يَعْنِي النّافِيَةَ، وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم في الَّذِي ما مَكَّنّاكم فِيهِ مِنَ المالِ، وطُولِ العُمْرِ، وقُوَّةِ الأبْدانِ، وقِيلَ: ( إنْ ) زائِدَةٌ وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما مَكَّنّاكم فِيهِ، وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَما إنْ طِبْنَ جُبْنٌ ولَكِنْ ∗∗∗ مَنايانا ودَوْلَةُ آخَرِينا والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ وأمْثالِهِمْ ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ أيْ: إنَّهم أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحُجَّةِ والتَّذَكُّرِ مَعَ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الحَواسِّ الَّتِي بِها تُدْرَكُ الأدِلَّةُ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ أيْ فَما نَفَعَهم ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى التَّوْحِيدِ وصِحَّةِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وقَدْ قَدَّمْنا مِنَ الكَلامِ عَلى وجْهِ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ البَصَرِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، و( مِن ) في ( مِن شَيْءٍ ) زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَما أغْنى عَنْهم شَيْءٌ مِنَ الإغْناءِ ولا نَفَعَهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ (p-١٣٦٨)﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِأغْنى، وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ: أيْ لِأنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أحاطَ بِهُمُ العَذابُ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ حَيْثُ قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ . ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾ الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِما حَوْلَهم مِنَ القُرى قُرى ثَمُودٍ، وقُرى لُوطٍ ونَحْوُهُما مِمّا كانَ مُجاوِرًا لِبِلادِ الحِجازِ، وكانَتْ أخْبارُهم مُتَواتِرَةً عِنْدَهم ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ بَيَّنّا الحُجَجَ ونَوَّعْناها لِكَيْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ فَلَمْ يَرْجِعُوا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَمْ يَنْصُرْهم مِن عَذابِ اللَّهِ ناصِرٌ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ أيْ فَهَلّا نَصَرَهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِها بِزَعْمِهِمْ إلى اللَّهِ لِتَشْفَعَ لَهم حَيْثُ قالُوا ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ومَنَعَتْهم مِنَ الهَلاكِ الواقِعِ بِهِمْ. قالَ الكِسائِيُّ: القُرْبانُ كُلُّ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ مِن طاعَةٍ ونَسِيكَةٍ، والجَمْعُ قَرابِينُ كالرُّهْبانِ والرَّهابِينِ، وأحَدُ مَفْعُولَيِ ( اتَّخَذُوا ) ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، والثّانِي ( آلِهَةً )، و( قُرْبانًا ) حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ( قُرْبانًا ) مَفْعُولًا ثانِيًا، و( آلِهَةً ) بَدَلًا مِنهُ لِفَسادِ المَعْنى، وقِيلَ يَصِحُّ ذَلِكَ ولا يَفْسُدُ المَعْنى، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وأبُو حَيّانَ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ في المَعْنى فَسادٌ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أيْ غابُوا عَنْ نَصْرِهِمْ ولَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ بَلْ هَلَكُوا، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ضَلُّوا راجِعٌ إلى الكُفّارِ: أيْ تَرَكُوا الأصْنامَ وتَبَرَّءُوا مِنها، والأوَّلُ أوْلى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ إلى ضَلالِ آلِهَتِهِمْ. والمَعْنى: وذَلِكَ الضَّلالُ والضَّياعُ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وزَعْمِهِمْ أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( إفْكُهم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ مَصْدَرُ أفِكَ يَأْفِكُ إفْكًا: أيْ: كَذِبِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ والكافِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ: أيْ: ذَلِكَ القَوْلُ صَرَفَهم عَنِ التَّوْحِيدِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الفاءِ: أيْ صَيَّرَهم آفِكِينَ. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي قَلَبَهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ بِالمَدِّ وكَسْرِ الفاءِ بِمَعْنى صارِفِهِمْ ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( إفْكُهم ): أيْ وأثَرُ افْتِرائِهِمْ أوْ أثَرُ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ. والمَعْنى: وذَلِكَ إفْكُهم: أيْ: كَذِبُهُمُ الَّذِي كانُوا يَقُولُونَ إنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ وتَشْفَعُ لَهم ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ يَكْذِبُونَ أنَّها آلِهَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأحْقافُ جَبَلٌ بِالشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ قالَ: هو السَّحابُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُسْتَجْمِعًا ضاحِكًا حَتّى أرى مِنهُ لَهَواتِهِ، إنَّما كانَ يَتَبَسَّمُ، وكانَ إذا رَأى غَيْمًا أوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ في وجْهِهِ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، النّاسُ إذا رَأوُا الغَيْمَ فَرِحُوا أنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ. وأراكَ إذا رَأيْتَهُ عَرَفْتُ في وجْهِكَ الكَراهِيَةَ، قالَ: يا عائِشَةُ، وما يُؤَمِّنُنِي أنْ يَكُونَ فِيهِ عَذابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وقَدْ رَأى قَوْمٌ العَذابَ، فَقالُوا: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَيْرَها وخَيْرَ ما فِيها وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فِيها وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، فَإذا تَخَيَّلَتِ السَّماءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وخَرَجَ ودَخَلَ، وأقْبَلَ وأدْبَرَ، فَإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَسَألْتُهُ، فَقالَ: لا أدْرِي، لَعَلَّهُ كَما قالَ قَوْمُ عادٍ ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ السَّحابِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ قالُوا غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، فَأوَّلَ ما عَرَفُوا أنَّهُ عَذابٌ، رَأوْا ما كانَ خارِجًا مِن رِجالِهِمْ ومَواشِيهِمْ تَطِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِثْلَ الرِّيشِ دَخَلُوا بُيُوتَهم وغَلَّقُوا أبْوابَهم، فَجاءَتِ الرِّيحُ فَفَتَحَتْ أبْوابَهم، ومالَتْ عَلَيْهِمْ بِالرَّمْلِ، فَكانُوا تَحْتَ الرَّمْلِ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا لَهم أنِينٌ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ الرِّيحَ فَكَشَفَتْ عَنْهُمُ الرَّمْلَ وطَرَحَتْهم في البَحْرِ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ عَلى عادٍ مِنَ الرِّيحِ إلّا قَدْرَ خاتَمِي هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ يَقُولُ: لَمْ نُمَكِّنْكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: عادٌ مُكِّنُوا في الأرْضِ أفْضَلَ مِمّا مُكِّنَتْ فِيهِ هَذِهِ الأُمَّةُ، وكانُوا أشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأطْوَلَ أعْمارًا.

الأحقاف 46:25

(p-١٣٦٧)قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ أخا عادٍ، وهو هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحٍ كانَ أخاهم في النَّسَبِ، لا في الدِّينِ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ: أيْ: وقْتَ إنْذارِهِ إيّاهم بِالأحْقافِ وهي دِيارُ عادٍ جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الرَّمْلُ العَظِيمُ المُسْتَطِيلُ المُعْوَجُّ قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، وكانُوا قَهَرُوا أهْلَ الأرْضِ بِقُوَّتِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهُ أنْ يَذْكُرَ لِقَوْمِهِ قِصَّتَهم لِيَتَّعِظُوا ويَخافُوا، وقِيلَ أمَرَهُ بِأنْ يَتَذَكَّرَ في نَفْسِهِ قِصَّتَهم مَعَ هُودٍ لِيَقْتَدِيَ بِهِ ويَهُونَ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ قَوْمِهِ. قالَ عَطاءٌ: الأحْقافُ رِمالُ بِلادِ الشَّحْرِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي بِاليَمَنِ في حَضْرَمَوْتَ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي رِمالٌ مَبْسُوطَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ كَهَيْئَةِ الجِبالِ، ولَمْ تَبْلُغْ أنْ تَكُونَ جِبالًا ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ أيْ وقَدْ مَضَتِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ كَذا قالَ الفَرّاءُ، وغَيْرُهُ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ( ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ )، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ إنْذارِ هُودٍ وبَيْنَ قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم﴾ والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أعْلَمَهم أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْلَهُ والَّذِينَ سَيُبْعَثُونَ بَعْدَهُ كُلُّهم مُنْذِرُونَ نَحْوَ إنْذارِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى كَلامِ هُودٍ لِقَوْمِهِ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقِيلَ: إنَّ جَعْلَ تِلْكَ الجُمْلَةِ اعْتِراضِيَّةً أوْلى بِالمَقامِ وأوْفَقُ بِالمَعْنى. ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ لِتَصْرِفَنا عَنْ عِبادَتِها، وقِيلَ: لِتُزِيلَنا، وقِيلَ: لِتَمْنَعَنا، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ: ؎إنْ تَكُ عَنْ حُسْنِ الصَّنِيعَةِ مَأْفُو كًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا يَقُولُ: إنْ لَمْ تُوَفَّقْ لِلْإحْسانِ فَأنْتَ في قَوْمٍ قَدْ صُرِفُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في وعْدِكَ لَنا بِهِ. ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّما العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيئِهِ عِنْدَ اللَّهِ لا عِنْدِي ﴿وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِنَ الإنْذارِ والإعْذارِ، فَأمّا العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيءِ العَذابِ فَما أوْحاهُ إلَيَّ ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ حَيْثُ بَقِيتُمْ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِكم ولَمْ تَهْتَدُوا بِما جِئْتُكم بِهِ، بَلِ اقْتَرَحْتُمْ عَلَيَّ ما لَيْسَ مِن وظائِفِ الرُّسُلِ. ٢٣ - ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ( ما ) في قَوْلِهِ: ( بِما تَعِدُنا ) . وقالَ المُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في ( رَأوْهُ ) يَعُودُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وبَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ( عارِضًا ) فالضَّمِيرُ يَعُودُ إلى السَّحابِ: أيْ فَلَمّا رَأوُا السَّحابَ عارِضًا، فَ ( عارِضًا ) نُصِبَ عَلى التَّكْرِيرِ: يَعْنِي التَّفْسِيرَ، وسُمِّيَ السَّحابُ عارِضًا لِأنَّهُ يَبْدُو في عَرْضِ السَّماءِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العارِضُ السَّحابُ يَعْتَرِضُ في الأُفُقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ وانْتِصابُ ( عارِضًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ أيْ: مُتَوَجِّهًا نَحْوَ أوْدِيَتِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عادٌ قَدْ حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ أيّامًا، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ لَهم: يُقالُ لَهُ المَعْتَبُ، فَلَمّا رَأوْهُ مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمُ اسْتَبْشَرُوا، و﴿قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ أيْ: غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِ ( عارِضٌ ) لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ، فَصَحَّ وصْفُ النَّكِرَةِ بِهِ، وهَكَذا مُمْطِرُنا، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ أجابَ عَلَيْهِمْ هُودٌ، فَقالَ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي مِنَ العَذابِ حَيْثُ قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وقَوْلُهُ: ( رِيحٌ ) بَدَلٌ مِن ( ما )، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وجُمْلَةُ ﴿فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ صِفَةٌ لِ ( رِيحٌ )، والرِّيحُ الَّتِي عُذِّبُوا بِها نَشَأتْ مِن ذَلِكَ السَّحابِ الَّذِي رَأوْهُ. ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( رِيحٌ ): أيْ تُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ مَرَّتْ بِهِ مِن نُفُوسِ عادٍ وأمْوالِها، والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ، وكَذا الدَّمارُ، وقُرِئَ ( يَدْمُرُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةً وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ ورَفْعِ ( كُلُّ ) عَلى الفاعِلِيَّةِ مِن دَمَرَ دَمارًا، ومَعْنى ( بِأمْرِ رَبِّها ) أنَّ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ أيْ لا تَرى أنْتَ يا مُحَمَّدُ أوْ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ إلّا مَساكِنَهم بَعْدَ ذَهابِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( لا تَرى ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ونَصْبِ ( مَساكِنَهم ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ ( مَساكِنُهم ) . قالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْناهُ لا يُرى أشْخاصُهم إلّا مَساكِنُهم، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ. قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: مَعْناها لا يُرى شَيْءٌ إلّا مَساكِنُهم فَهي مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى كَما تَقُولُ: ما قامَ إلّا هِنْدٌ، والمَعْنى: ما قامَ أحَدٌ إلّا هِنْدٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَجاءَتْهُمُ الرِّيحُ فَدَمَّرَتْهم فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي هَؤُلاءِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ الأعْرافِ. ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: ( ما ) في قَوْلِهِ ( فِيما ) بِمَنزِلَةِ الَّذِي، و( إنْ ) بِمَنزِلَةِ ما: يَعْنِي النّافِيَةَ، وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم في الَّذِي ما مَكَّنّاكم فِيهِ مِنَ المالِ، وطُولِ العُمْرِ، وقُوَّةِ الأبْدانِ، وقِيلَ: ( إنْ ) زائِدَةٌ وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما مَكَّنّاكم فِيهِ، وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَما إنْ طِبْنَ جُبْنٌ ولَكِنْ ∗∗∗ مَنايانا ودَوْلَةُ آخَرِينا والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ وأمْثالِهِمْ ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ أيْ: إنَّهم أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحُجَّةِ والتَّذَكُّرِ مَعَ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الحَواسِّ الَّتِي بِها تُدْرَكُ الأدِلَّةُ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ أيْ فَما نَفَعَهم ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى التَّوْحِيدِ وصِحَّةِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وقَدْ قَدَّمْنا مِنَ الكَلامِ عَلى وجْهِ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ البَصَرِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، و( مِن ) في ( مِن شَيْءٍ ) زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَما أغْنى عَنْهم شَيْءٌ مِنَ الإغْناءِ ولا نَفَعَهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ (p-١٣٦٨)﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِأغْنى، وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ: أيْ لِأنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أحاطَ بِهُمُ العَذابُ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ حَيْثُ قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ . ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾ الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِما حَوْلَهم مِنَ القُرى قُرى ثَمُودٍ، وقُرى لُوطٍ ونَحْوُهُما مِمّا كانَ مُجاوِرًا لِبِلادِ الحِجازِ، وكانَتْ أخْبارُهم مُتَواتِرَةً عِنْدَهم ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ بَيَّنّا الحُجَجَ ونَوَّعْناها لِكَيْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ فَلَمْ يَرْجِعُوا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَمْ يَنْصُرْهم مِن عَذابِ اللَّهِ ناصِرٌ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ أيْ فَهَلّا نَصَرَهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِها بِزَعْمِهِمْ إلى اللَّهِ لِتَشْفَعَ لَهم حَيْثُ قالُوا ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ومَنَعَتْهم مِنَ الهَلاكِ الواقِعِ بِهِمْ. قالَ الكِسائِيُّ: القُرْبانُ كُلُّ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ مِن طاعَةٍ ونَسِيكَةٍ، والجَمْعُ قَرابِينُ كالرُّهْبانِ والرَّهابِينِ، وأحَدُ مَفْعُولَيِ ( اتَّخَذُوا ) ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، والثّانِي ( آلِهَةً )، و( قُرْبانًا ) حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ( قُرْبانًا ) مَفْعُولًا ثانِيًا، و( آلِهَةً ) بَدَلًا مِنهُ لِفَسادِ المَعْنى، وقِيلَ يَصِحُّ ذَلِكَ ولا يَفْسُدُ المَعْنى، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وأبُو حَيّانَ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ في المَعْنى فَسادٌ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أيْ غابُوا عَنْ نَصْرِهِمْ ولَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ بَلْ هَلَكُوا، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ضَلُّوا راجِعٌ إلى الكُفّارِ: أيْ تَرَكُوا الأصْنامَ وتَبَرَّءُوا مِنها، والأوَّلُ أوْلى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ إلى ضَلالِ آلِهَتِهِمْ. والمَعْنى: وذَلِكَ الضَّلالُ والضَّياعُ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وزَعْمِهِمْ أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( إفْكُهم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ مَصْدَرُ أفِكَ يَأْفِكُ إفْكًا: أيْ: كَذِبِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ والكافِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ: أيْ: ذَلِكَ القَوْلُ صَرَفَهم عَنِ التَّوْحِيدِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الفاءِ: أيْ صَيَّرَهم آفِكِينَ. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي قَلَبَهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ بِالمَدِّ وكَسْرِ الفاءِ بِمَعْنى صارِفِهِمْ ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( إفْكُهم ): أيْ وأثَرُ افْتِرائِهِمْ أوْ أثَرُ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ. والمَعْنى: وذَلِكَ إفْكُهم: أيْ: كَذِبُهُمُ الَّذِي كانُوا يَقُولُونَ إنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ وتَشْفَعُ لَهم ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ يَكْذِبُونَ أنَّها آلِهَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأحْقافُ جَبَلٌ بِالشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ قالَ: هو السَّحابُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُسْتَجْمِعًا ضاحِكًا حَتّى أرى مِنهُ لَهَواتِهِ، إنَّما كانَ يَتَبَسَّمُ، وكانَ إذا رَأى غَيْمًا أوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ في وجْهِهِ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، النّاسُ إذا رَأوُا الغَيْمَ فَرِحُوا أنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ. وأراكَ إذا رَأيْتَهُ عَرَفْتُ في وجْهِكَ الكَراهِيَةَ، قالَ: يا عائِشَةُ، وما يُؤَمِّنُنِي أنْ يَكُونَ فِيهِ عَذابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وقَدْ رَأى قَوْمٌ العَذابَ، فَقالُوا: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَيْرَها وخَيْرَ ما فِيها وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فِيها وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، فَإذا تَخَيَّلَتِ السَّماءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وخَرَجَ ودَخَلَ، وأقْبَلَ وأدْبَرَ، فَإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَسَألْتُهُ، فَقالَ: لا أدْرِي، لَعَلَّهُ كَما قالَ قَوْمُ عادٍ ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ السَّحابِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ قالُوا غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، فَأوَّلَ ما عَرَفُوا أنَّهُ عَذابٌ، رَأوْا ما كانَ خارِجًا مِن رِجالِهِمْ ومَواشِيهِمْ تَطِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِثْلَ الرِّيشِ دَخَلُوا بُيُوتَهم وغَلَّقُوا أبْوابَهم، فَجاءَتِ الرِّيحُ فَفَتَحَتْ أبْوابَهم، ومالَتْ عَلَيْهِمْ بِالرَّمْلِ، فَكانُوا تَحْتَ الرَّمْلِ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا لَهم أنِينٌ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ الرِّيحَ فَكَشَفَتْ عَنْهُمُ الرَّمْلَ وطَرَحَتْهم في البَحْرِ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ عَلى عادٍ مِنَ الرِّيحِ إلّا قَدْرَ خاتَمِي هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ يَقُولُ: لَمْ نُمَكِّنْكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: عادٌ مُكِّنُوا في الأرْضِ أفْضَلَ مِمّا مُكِّنَتْ فِيهِ هَذِهِ الأُمَّةُ، وكانُوا أشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأطْوَلَ أعْمارًا.

الأحقاف 46:26

(p-١٣٦٧)قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ أخا عادٍ، وهو هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحٍ كانَ أخاهم في النَّسَبِ، لا في الدِّينِ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ: أيْ: وقْتَ إنْذارِهِ إيّاهم بِالأحْقافِ وهي دِيارُ عادٍ جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الرَّمْلُ العَظِيمُ المُسْتَطِيلُ المُعْوَجُّ قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، وكانُوا قَهَرُوا أهْلَ الأرْضِ بِقُوَّتِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهُ أنْ يَذْكُرَ لِقَوْمِهِ قِصَّتَهم لِيَتَّعِظُوا ويَخافُوا، وقِيلَ أمَرَهُ بِأنْ يَتَذَكَّرَ في نَفْسِهِ قِصَّتَهم مَعَ هُودٍ لِيَقْتَدِيَ بِهِ ويَهُونَ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ قَوْمِهِ. قالَ عَطاءٌ: الأحْقافُ رِمالُ بِلادِ الشَّحْرِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي بِاليَمَنِ في حَضْرَمَوْتَ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي رِمالٌ مَبْسُوطَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ كَهَيْئَةِ الجِبالِ، ولَمْ تَبْلُغْ أنْ تَكُونَ جِبالًا ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ أيْ وقَدْ مَضَتِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ كَذا قالَ الفَرّاءُ، وغَيْرُهُ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ( ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ )، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ إنْذارِ هُودٍ وبَيْنَ قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم﴾ والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أعْلَمَهم أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْلَهُ والَّذِينَ سَيُبْعَثُونَ بَعْدَهُ كُلُّهم مُنْذِرُونَ نَحْوَ إنْذارِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى كَلامِ هُودٍ لِقَوْمِهِ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقِيلَ: إنَّ جَعْلَ تِلْكَ الجُمْلَةِ اعْتِراضِيَّةً أوْلى بِالمَقامِ وأوْفَقُ بِالمَعْنى. ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ لِتَصْرِفَنا عَنْ عِبادَتِها، وقِيلَ: لِتُزِيلَنا، وقِيلَ: لِتَمْنَعَنا، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ: ؎إنْ تَكُ عَنْ حُسْنِ الصَّنِيعَةِ مَأْفُو كًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا يَقُولُ: إنْ لَمْ تُوَفَّقْ لِلْإحْسانِ فَأنْتَ في قَوْمٍ قَدْ صُرِفُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في وعْدِكَ لَنا بِهِ. ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّما العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيئِهِ عِنْدَ اللَّهِ لا عِنْدِي ﴿وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِنَ الإنْذارِ والإعْذارِ، فَأمّا العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيءِ العَذابِ فَما أوْحاهُ إلَيَّ ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ حَيْثُ بَقِيتُمْ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِكم ولَمْ تَهْتَدُوا بِما جِئْتُكم بِهِ، بَلِ اقْتَرَحْتُمْ عَلَيَّ ما لَيْسَ مِن وظائِفِ الرُّسُلِ. ٢٣ - ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ( ما ) في قَوْلِهِ: ( بِما تَعِدُنا ) . وقالَ المُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في ( رَأوْهُ ) يَعُودُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وبَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ( عارِضًا ) فالضَّمِيرُ يَعُودُ إلى السَّحابِ: أيْ فَلَمّا رَأوُا السَّحابَ عارِضًا، فَ ( عارِضًا ) نُصِبَ عَلى التَّكْرِيرِ: يَعْنِي التَّفْسِيرَ، وسُمِّيَ السَّحابُ عارِضًا لِأنَّهُ يَبْدُو في عَرْضِ السَّماءِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العارِضُ السَّحابُ يَعْتَرِضُ في الأُفُقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ وانْتِصابُ ( عارِضًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ أيْ: مُتَوَجِّهًا نَحْوَ أوْدِيَتِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عادٌ قَدْ حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ أيّامًا، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ لَهم: يُقالُ لَهُ المَعْتَبُ، فَلَمّا رَأوْهُ مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمُ اسْتَبْشَرُوا، و﴿قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ أيْ: غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِ ( عارِضٌ ) لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ، فَصَحَّ وصْفُ النَّكِرَةِ بِهِ، وهَكَذا مُمْطِرُنا، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ أجابَ عَلَيْهِمْ هُودٌ، فَقالَ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي مِنَ العَذابِ حَيْثُ قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وقَوْلُهُ: ( رِيحٌ ) بَدَلٌ مِن ( ما )، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وجُمْلَةُ ﴿فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ صِفَةٌ لِ ( رِيحٌ )، والرِّيحُ الَّتِي عُذِّبُوا بِها نَشَأتْ مِن ذَلِكَ السَّحابِ الَّذِي رَأوْهُ. ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( رِيحٌ ): أيْ تُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ مَرَّتْ بِهِ مِن نُفُوسِ عادٍ وأمْوالِها، والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ، وكَذا الدَّمارُ، وقُرِئَ ( يَدْمُرُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةً وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ ورَفْعِ ( كُلُّ ) عَلى الفاعِلِيَّةِ مِن دَمَرَ دَمارًا، ومَعْنى ( بِأمْرِ رَبِّها ) أنَّ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ أيْ لا تَرى أنْتَ يا مُحَمَّدُ أوْ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ إلّا مَساكِنَهم بَعْدَ ذَهابِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( لا تَرى ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ونَصْبِ ( مَساكِنَهم ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ ( مَساكِنُهم ) . قالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْناهُ لا يُرى أشْخاصُهم إلّا مَساكِنُهم، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ. قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: مَعْناها لا يُرى شَيْءٌ إلّا مَساكِنُهم فَهي مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى كَما تَقُولُ: ما قامَ إلّا هِنْدٌ، والمَعْنى: ما قامَ أحَدٌ إلّا هِنْدٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَجاءَتْهُمُ الرِّيحُ فَدَمَّرَتْهم فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي هَؤُلاءِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ الأعْرافِ. ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: ( ما ) في قَوْلِهِ ( فِيما ) بِمَنزِلَةِ الَّذِي، و( إنْ ) بِمَنزِلَةِ ما: يَعْنِي النّافِيَةَ، وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم في الَّذِي ما مَكَّنّاكم فِيهِ مِنَ المالِ، وطُولِ العُمْرِ، وقُوَّةِ الأبْدانِ، وقِيلَ: ( إنْ ) زائِدَةٌ وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما مَكَّنّاكم فِيهِ، وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَما إنْ طِبْنَ جُبْنٌ ولَكِنْ ∗∗∗ مَنايانا ودَوْلَةُ آخَرِينا والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ وأمْثالِهِمْ ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ أيْ: إنَّهم أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحُجَّةِ والتَّذَكُّرِ مَعَ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الحَواسِّ الَّتِي بِها تُدْرَكُ الأدِلَّةُ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ أيْ فَما نَفَعَهم ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى التَّوْحِيدِ وصِحَّةِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وقَدْ قَدَّمْنا مِنَ الكَلامِ عَلى وجْهِ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ البَصَرِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، و( مِن ) في ( مِن شَيْءٍ ) زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَما أغْنى عَنْهم شَيْءٌ مِنَ الإغْناءِ ولا نَفَعَهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ (p-١٣٦٨)﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِأغْنى، وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ: أيْ لِأنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أحاطَ بِهُمُ العَذابُ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ حَيْثُ قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ . ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾ الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِما حَوْلَهم مِنَ القُرى قُرى ثَمُودٍ، وقُرى لُوطٍ ونَحْوُهُما مِمّا كانَ مُجاوِرًا لِبِلادِ الحِجازِ، وكانَتْ أخْبارُهم مُتَواتِرَةً عِنْدَهم ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ بَيَّنّا الحُجَجَ ونَوَّعْناها لِكَيْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ فَلَمْ يَرْجِعُوا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَمْ يَنْصُرْهم مِن عَذابِ اللَّهِ ناصِرٌ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ أيْ فَهَلّا نَصَرَهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِها بِزَعْمِهِمْ إلى اللَّهِ لِتَشْفَعَ لَهم حَيْثُ قالُوا ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ومَنَعَتْهم مِنَ الهَلاكِ الواقِعِ بِهِمْ. قالَ الكِسائِيُّ: القُرْبانُ كُلُّ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ مِن طاعَةٍ ونَسِيكَةٍ، والجَمْعُ قَرابِينُ كالرُّهْبانِ والرَّهابِينِ، وأحَدُ مَفْعُولَيِ ( اتَّخَذُوا ) ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، والثّانِي ( آلِهَةً )، و( قُرْبانًا ) حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ( قُرْبانًا ) مَفْعُولًا ثانِيًا، و( آلِهَةً ) بَدَلًا مِنهُ لِفَسادِ المَعْنى، وقِيلَ يَصِحُّ ذَلِكَ ولا يَفْسُدُ المَعْنى، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وأبُو حَيّانَ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ في المَعْنى فَسادٌ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أيْ غابُوا عَنْ نَصْرِهِمْ ولَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ بَلْ هَلَكُوا، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ضَلُّوا راجِعٌ إلى الكُفّارِ: أيْ تَرَكُوا الأصْنامَ وتَبَرَّءُوا مِنها، والأوَّلُ أوْلى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ إلى ضَلالِ آلِهَتِهِمْ. والمَعْنى: وذَلِكَ الضَّلالُ والضَّياعُ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وزَعْمِهِمْ أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( إفْكُهم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ مَصْدَرُ أفِكَ يَأْفِكُ إفْكًا: أيْ: كَذِبِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ والكافِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ: أيْ: ذَلِكَ القَوْلُ صَرَفَهم عَنِ التَّوْحِيدِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الفاءِ: أيْ صَيَّرَهم آفِكِينَ. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي قَلَبَهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ بِالمَدِّ وكَسْرِ الفاءِ بِمَعْنى صارِفِهِمْ ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( إفْكُهم ): أيْ وأثَرُ افْتِرائِهِمْ أوْ أثَرُ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ. والمَعْنى: وذَلِكَ إفْكُهم: أيْ: كَذِبُهُمُ الَّذِي كانُوا يَقُولُونَ إنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ وتَشْفَعُ لَهم ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ يَكْذِبُونَ أنَّها آلِهَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأحْقافُ جَبَلٌ بِالشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ قالَ: هو السَّحابُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُسْتَجْمِعًا ضاحِكًا حَتّى أرى مِنهُ لَهَواتِهِ، إنَّما كانَ يَتَبَسَّمُ، وكانَ إذا رَأى غَيْمًا أوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ في وجْهِهِ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، النّاسُ إذا رَأوُا الغَيْمَ فَرِحُوا أنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ. وأراكَ إذا رَأيْتَهُ عَرَفْتُ في وجْهِكَ الكَراهِيَةَ، قالَ: يا عائِشَةُ، وما يُؤَمِّنُنِي أنْ يَكُونَ فِيهِ عَذابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وقَدْ رَأى قَوْمٌ العَذابَ، فَقالُوا: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَيْرَها وخَيْرَ ما فِيها وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فِيها وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، فَإذا تَخَيَّلَتِ السَّماءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وخَرَجَ ودَخَلَ، وأقْبَلَ وأدْبَرَ، فَإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَسَألْتُهُ، فَقالَ: لا أدْرِي، لَعَلَّهُ كَما قالَ قَوْمُ عادٍ ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ السَّحابِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ قالُوا غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، فَأوَّلَ ما عَرَفُوا أنَّهُ عَذابٌ، رَأوْا ما كانَ خارِجًا مِن رِجالِهِمْ ومَواشِيهِمْ تَطِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِثْلَ الرِّيشِ دَخَلُوا بُيُوتَهم وغَلَّقُوا أبْوابَهم، فَجاءَتِ الرِّيحُ فَفَتَحَتْ أبْوابَهم، ومالَتْ عَلَيْهِمْ بِالرَّمْلِ، فَكانُوا تَحْتَ الرَّمْلِ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا لَهم أنِينٌ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ الرِّيحَ فَكَشَفَتْ عَنْهُمُ الرَّمْلَ وطَرَحَتْهم في البَحْرِ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ عَلى عادٍ مِنَ الرِّيحِ إلّا قَدْرَ خاتَمِي هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ يَقُولُ: لَمْ نُمَكِّنْكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: عادٌ مُكِّنُوا في الأرْضِ أفْضَلَ مِمّا مُكِّنَتْ فِيهِ هَذِهِ الأُمَّةُ، وكانُوا أشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأطْوَلَ أعْمارًا.

الأحقاف 46:27

(p-١٣٦٧)قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ أخا عادٍ، وهو هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحٍ كانَ أخاهم في النَّسَبِ، لا في الدِّينِ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ: أيْ: وقْتَ إنْذارِهِ إيّاهم بِالأحْقافِ وهي دِيارُ عادٍ جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الرَّمْلُ العَظِيمُ المُسْتَطِيلُ المُعْوَجُّ قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، وكانُوا قَهَرُوا أهْلَ الأرْضِ بِقُوَّتِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهُ أنْ يَذْكُرَ لِقَوْمِهِ قِصَّتَهم لِيَتَّعِظُوا ويَخافُوا، وقِيلَ أمَرَهُ بِأنْ يَتَذَكَّرَ في نَفْسِهِ قِصَّتَهم مَعَ هُودٍ لِيَقْتَدِيَ بِهِ ويَهُونَ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ قَوْمِهِ. قالَ عَطاءٌ: الأحْقافُ رِمالُ بِلادِ الشَّحْرِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي بِاليَمَنِ في حَضْرَمَوْتَ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي رِمالٌ مَبْسُوطَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ كَهَيْئَةِ الجِبالِ، ولَمْ تَبْلُغْ أنْ تَكُونَ جِبالًا ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ أيْ وقَدْ مَضَتِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ كَذا قالَ الفَرّاءُ، وغَيْرُهُ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ( ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ )، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ إنْذارِ هُودٍ وبَيْنَ قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم﴾ والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أعْلَمَهم أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْلَهُ والَّذِينَ سَيُبْعَثُونَ بَعْدَهُ كُلُّهم مُنْذِرُونَ نَحْوَ إنْذارِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى كَلامِ هُودٍ لِقَوْمِهِ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقِيلَ: إنَّ جَعْلَ تِلْكَ الجُمْلَةِ اعْتِراضِيَّةً أوْلى بِالمَقامِ وأوْفَقُ بِالمَعْنى. ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ لِتَصْرِفَنا عَنْ عِبادَتِها، وقِيلَ: لِتُزِيلَنا، وقِيلَ: لِتَمْنَعَنا، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ: ؎إنْ تَكُ عَنْ حُسْنِ الصَّنِيعَةِ مَأْفُو كًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا يَقُولُ: إنْ لَمْ تُوَفَّقْ لِلْإحْسانِ فَأنْتَ في قَوْمٍ قَدْ صُرِفُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في وعْدِكَ لَنا بِهِ. ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّما العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيئِهِ عِنْدَ اللَّهِ لا عِنْدِي ﴿وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِنَ الإنْذارِ والإعْذارِ، فَأمّا العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيءِ العَذابِ فَما أوْحاهُ إلَيَّ ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ حَيْثُ بَقِيتُمْ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِكم ولَمْ تَهْتَدُوا بِما جِئْتُكم بِهِ، بَلِ اقْتَرَحْتُمْ عَلَيَّ ما لَيْسَ مِن وظائِفِ الرُّسُلِ. ٢٣ - ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ( ما ) في قَوْلِهِ: ( بِما تَعِدُنا ) . وقالَ المُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في ( رَأوْهُ ) يَعُودُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وبَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ( عارِضًا ) فالضَّمِيرُ يَعُودُ إلى السَّحابِ: أيْ فَلَمّا رَأوُا السَّحابَ عارِضًا، فَ ( عارِضًا ) نُصِبَ عَلى التَّكْرِيرِ: يَعْنِي التَّفْسِيرَ، وسُمِّيَ السَّحابُ عارِضًا لِأنَّهُ يَبْدُو في عَرْضِ السَّماءِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العارِضُ السَّحابُ يَعْتَرِضُ في الأُفُقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ وانْتِصابُ ( عارِضًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ أيْ: مُتَوَجِّهًا نَحْوَ أوْدِيَتِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عادٌ قَدْ حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ أيّامًا، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ لَهم: يُقالُ لَهُ المَعْتَبُ، فَلَمّا رَأوْهُ مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمُ اسْتَبْشَرُوا، و﴿قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ أيْ: غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِ ( عارِضٌ ) لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ، فَصَحَّ وصْفُ النَّكِرَةِ بِهِ، وهَكَذا مُمْطِرُنا، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ أجابَ عَلَيْهِمْ هُودٌ، فَقالَ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي مِنَ العَذابِ حَيْثُ قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وقَوْلُهُ: ( رِيحٌ ) بَدَلٌ مِن ( ما )، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وجُمْلَةُ ﴿فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ صِفَةٌ لِ ( رِيحٌ )، والرِّيحُ الَّتِي عُذِّبُوا بِها نَشَأتْ مِن ذَلِكَ السَّحابِ الَّذِي رَأوْهُ. ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( رِيحٌ ): أيْ تُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ مَرَّتْ بِهِ مِن نُفُوسِ عادٍ وأمْوالِها، والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ، وكَذا الدَّمارُ، وقُرِئَ ( يَدْمُرُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةً وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ ورَفْعِ ( كُلُّ ) عَلى الفاعِلِيَّةِ مِن دَمَرَ دَمارًا، ومَعْنى ( بِأمْرِ رَبِّها ) أنَّ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ أيْ لا تَرى أنْتَ يا مُحَمَّدُ أوْ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ إلّا مَساكِنَهم بَعْدَ ذَهابِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( لا تَرى ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ونَصْبِ ( مَساكِنَهم ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ ( مَساكِنُهم ) . قالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْناهُ لا يُرى أشْخاصُهم إلّا مَساكِنُهم، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ. قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: مَعْناها لا يُرى شَيْءٌ إلّا مَساكِنُهم فَهي مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى كَما تَقُولُ: ما قامَ إلّا هِنْدٌ، والمَعْنى: ما قامَ أحَدٌ إلّا هِنْدٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَجاءَتْهُمُ الرِّيحُ فَدَمَّرَتْهم فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي هَؤُلاءِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ الأعْرافِ. ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: ( ما ) في قَوْلِهِ ( فِيما ) بِمَنزِلَةِ الَّذِي، و( إنْ ) بِمَنزِلَةِ ما: يَعْنِي النّافِيَةَ، وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم في الَّذِي ما مَكَّنّاكم فِيهِ مِنَ المالِ، وطُولِ العُمْرِ، وقُوَّةِ الأبْدانِ، وقِيلَ: ( إنْ ) زائِدَةٌ وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما مَكَّنّاكم فِيهِ، وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَما إنْ طِبْنَ جُبْنٌ ولَكِنْ ∗∗∗ مَنايانا ودَوْلَةُ آخَرِينا والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ وأمْثالِهِمْ ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ أيْ: إنَّهم أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحُجَّةِ والتَّذَكُّرِ مَعَ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الحَواسِّ الَّتِي بِها تُدْرَكُ الأدِلَّةُ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ أيْ فَما نَفَعَهم ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى التَّوْحِيدِ وصِحَّةِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وقَدْ قَدَّمْنا مِنَ الكَلامِ عَلى وجْهِ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ البَصَرِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، و( مِن ) في ( مِن شَيْءٍ ) زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَما أغْنى عَنْهم شَيْءٌ مِنَ الإغْناءِ ولا نَفَعَهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ (p-١٣٦٨)﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِأغْنى، وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ: أيْ لِأنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أحاطَ بِهُمُ العَذابُ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ حَيْثُ قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ . ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾ الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِما حَوْلَهم مِنَ القُرى قُرى ثَمُودٍ، وقُرى لُوطٍ ونَحْوُهُما مِمّا كانَ مُجاوِرًا لِبِلادِ الحِجازِ، وكانَتْ أخْبارُهم مُتَواتِرَةً عِنْدَهم ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ بَيَّنّا الحُجَجَ ونَوَّعْناها لِكَيْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ فَلَمْ يَرْجِعُوا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَمْ يَنْصُرْهم مِن عَذابِ اللَّهِ ناصِرٌ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ أيْ فَهَلّا نَصَرَهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِها بِزَعْمِهِمْ إلى اللَّهِ لِتَشْفَعَ لَهم حَيْثُ قالُوا ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ومَنَعَتْهم مِنَ الهَلاكِ الواقِعِ بِهِمْ. قالَ الكِسائِيُّ: القُرْبانُ كُلُّ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ مِن طاعَةٍ ونَسِيكَةٍ، والجَمْعُ قَرابِينُ كالرُّهْبانِ والرَّهابِينِ، وأحَدُ مَفْعُولَيِ ( اتَّخَذُوا ) ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، والثّانِي ( آلِهَةً )، و( قُرْبانًا ) حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ( قُرْبانًا ) مَفْعُولًا ثانِيًا، و( آلِهَةً ) بَدَلًا مِنهُ لِفَسادِ المَعْنى، وقِيلَ يَصِحُّ ذَلِكَ ولا يَفْسُدُ المَعْنى، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وأبُو حَيّانَ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ في المَعْنى فَسادٌ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أيْ غابُوا عَنْ نَصْرِهِمْ ولَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ بَلْ هَلَكُوا، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ضَلُّوا راجِعٌ إلى الكُفّارِ: أيْ تَرَكُوا الأصْنامَ وتَبَرَّءُوا مِنها، والأوَّلُ أوْلى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ إلى ضَلالِ آلِهَتِهِمْ. والمَعْنى: وذَلِكَ الضَّلالُ والضَّياعُ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وزَعْمِهِمْ أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( إفْكُهم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ مَصْدَرُ أفِكَ يَأْفِكُ إفْكًا: أيْ: كَذِبِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ والكافِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ: أيْ: ذَلِكَ القَوْلُ صَرَفَهم عَنِ التَّوْحِيدِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الفاءِ: أيْ صَيَّرَهم آفِكِينَ. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي قَلَبَهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ بِالمَدِّ وكَسْرِ الفاءِ بِمَعْنى صارِفِهِمْ ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( إفْكُهم ): أيْ وأثَرُ افْتِرائِهِمْ أوْ أثَرُ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ. والمَعْنى: وذَلِكَ إفْكُهم: أيْ: كَذِبُهُمُ الَّذِي كانُوا يَقُولُونَ إنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ وتَشْفَعُ لَهم ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ يَكْذِبُونَ أنَّها آلِهَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأحْقافُ جَبَلٌ بِالشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ قالَ: هو السَّحابُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُسْتَجْمِعًا ضاحِكًا حَتّى أرى مِنهُ لَهَواتِهِ، إنَّما كانَ يَتَبَسَّمُ، وكانَ إذا رَأى غَيْمًا أوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ في وجْهِهِ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، النّاسُ إذا رَأوُا الغَيْمَ فَرِحُوا أنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ. وأراكَ إذا رَأيْتَهُ عَرَفْتُ في وجْهِكَ الكَراهِيَةَ، قالَ: يا عائِشَةُ، وما يُؤَمِّنُنِي أنْ يَكُونَ فِيهِ عَذابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وقَدْ رَأى قَوْمٌ العَذابَ، فَقالُوا: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَيْرَها وخَيْرَ ما فِيها وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فِيها وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، فَإذا تَخَيَّلَتِ السَّماءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وخَرَجَ ودَخَلَ، وأقْبَلَ وأدْبَرَ، فَإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَسَألْتُهُ، فَقالَ: لا أدْرِي، لَعَلَّهُ كَما قالَ قَوْمُ عادٍ ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ السَّحابِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ قالُوا غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، فَأوَّلَ ما عَرَفُوا أنَّهُ عَذابٌ، رَأوْا ما كانَ خارِجًا مِن رِجالِهِمْ ومَواشِيهِمْ تَطِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِثْلَ الرِّيشِ دَخَلُوا بُيُوتَهم وغَلَّقُوا أبْوابَهم، فَجاءَتِ الرِّيحُ فَفَتَحَتْ أبْوابَهم، ومالَتْ عَلَيْهِمْ بِالرَّمْلِ، فَكانُوا تَحْتَ الرَّمْلِ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا لَهم أنِينٌ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ الرِّيحَ فَكَشَفَتْ عَنْهُمُ الرَّمْلَ وطَرَحَتْهم في البَحْرِ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ عَلى عادٍ مِنَ الرِّيحِ إلّا قَدْرَ خاتَمِي هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ يَقُولُ: لَمْ نُمَكِّنْكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: عادٌ مُكِّنُوا في الأرْضِ أفْضَلَ مِمّا مُكِّنَتْ فِيهِ هَذِهِ الأُمَّةُ، وكانُوا أشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأطْوَلَ أعْمارًا.

الأحقاف 46:28

(p-١٣٦٧)قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ أخا عادٍ، وهو هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحٍ كانَ أخاهم في النَّسَبِ، لا في الدِّينِ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ: أيْ: وقْتَ إنْذارِهِ إيّاهم بِالأحْقافِ وهي دِيارُ عادٍ جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الرَّمْلُ العَظِيمُ المُسْتَطِيلُ المُعْوَجُّ قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، وكانُوا قَهَرُوا أهْلَ الأرْضِ بِقُوَّتِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهُ أنْ يَذْكُرَ لِقَوْمِهِ قِصَّتَهم لِيَتَّعِظُوا ويَخافُوا، وقِيلَ أمَرَهُ بِأنْ يَتَذَكَّرَ في نَفْسِهِ قِصَّتَهم مَعَ هُودٍ لِيَقْتَدِيَ بِهِ ويَهُونَ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ قَوْمِهِ. قالَ عَطاءٌ: الأحْقافُ رِمالُ بِلادِ الشَّحْرِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي بِاليَمَنِ في حَضْرَمَوْتَ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي رِمالٌ مَبْسُوطَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ كَهَيْئَةِ الجِبالِ، ولَمْ تَبْلُغْ أنْ تَكُونَ جِبالًا ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ أيْ وقَدْ مَضَتِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ كَذا قالَ الفَرّاءُ، وغَيْرُهُ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ( ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ )، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ إنْذارِ هُودٍ وبَيْنَ قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم﴾ والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أعْلَمَهم أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْلَهُ والَّذِينَ سَيُبْعَثُونَ بَعْدَهُ كُلُّهم مُنْذِرُونَ نَحْوَ إنْذارِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى كَلامِ هُودٍ لِقَوْمِهِ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقِيلَ: إنَّ جَعْلَ تِلْكَ الجُمْلَةِ اعْتِراضِيَّةً أوْلى بِالمَقامِ وأوْفَقُ بِالمَعْنى. ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ لِتَصْرِفَنا عَنْ عِبادَتِها، وقِيلَ: لِتُزِيلَنا، وقِيلَ: لِتَمْنَعَنا، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ: ؎إنْ تَكُ عَنْ حُسْنِ الصَّنِيعَةِ مَأْفُو كًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا يَقُولُ: إنْ لَمْ تُوَفَّقْ لِلْإحْسانِ فَأنْتَ في قَوْمٍ قَدْ صُرِفُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في وعْدِكَ لَنا بِهِ. ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّما العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيئِهِ عِنْدَ اللَّهِ لا عِنْدِي ﴿وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِنَ الإنْذارِ والإعْذارِ، فَأمّا العِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيءِ العَذابِ فَما أوْحاهُ إلَيَّ ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ حَيْثُ بَقِيتُمْ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِكم ولَمْ تَهْتَدُوا بِما جِئْتُكم بِهِ، بَلِ اقْتَرَحْتُمْ عَلَيَّ ما لَيْسَ مِن وظائِفِ الرُّسُلِ. ٢٣ - ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ( ما ) في قَوْلِهِ: ( بِما تَعِدُنا ) . وقالَ المُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في ( رَأوْهُ ) يَعُودُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وبَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ( عارِضًا ) فالضَّمِيرُ يَعُودُ إلى السَّحابِ: أيْ فَلَمّا رَأوُا السَّحابَ عارِضًا، فَ ( عارِضًا ) نُصِبَ عَلى التَّكْرِيرِ: يَعْنِي التَّفْسِيرَ، وسُمِّيَ السَّحابُ عارِضًا لِأنَّهُ يَبْدُو في عَرْضِ السَّماءِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العارِضُ السَّحابُ يَعْتَرِضُ في الأُفُقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ وانْتِصابُ ( عارِضًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ أيْ: مُتَوَجِّهًا نَحْوَ أوْدِيَتِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عادٌ قَدْ حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ أيّامًا، فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ لَهم: يُقالُ لَهُ المَعْتَبُ، فَلَمّا رَأوْهُ مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمُ اسْتَبْشَرُوا، و﴿قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ أيْ: غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِ ( عارِضٌ ) لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ، فَصَحَّ وصْفُ النَّكِرَةِ بِهِ، وهَكَذا مُمْطِرُنا، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ أجابَ عَلَيْهِمْ هُودٌ، فَقالَ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي مِنَ العَذابِ حَيْثُ قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وقَوْلُهُ: ( رِيحٌ ) بَدَلٌ مِن ( ما )، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وجُمْلَةُ ﴿فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ صِفَةٌ لِ ( رِيحٌ )، والرِّيحُ الَّتِي عُذِّبُوا بِها نَشَأتْ مِن ذَلِكَ السَّحابِ الَّذِي رَأوْهُ. ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( رِيحٌ ): أيْ تُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ مَرَّتْ بِهِ مِن نُفُوسِ عادٍ وأمْوالِها، والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ، وكَذا الدَّمارُ، وقُرِئَ ( يَدْمُرُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةً وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ ورَفْعِ ( كُلُّ ) عَلى الفاعِلِيَّةِ مِن دَمَرَ دَمارًا، ومَعْنى ( بِأمْرِ رَبِّها ) أنَّ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ أيْ لا تَرى أنْتَ يا مُحَمَّدُ أوْ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ إلّا مَساكِنَهم بَعْدَ ذَهابِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( لا تَرى ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ونَصْبِ ( مَساكِنَهم ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ ( مَساكِنُهم ) . قالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْناهُ لا يُرى أشْخاصُهم إلّا مَساكِنُهم، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ. قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: مَعْناها لا يُرى شَيْءٌ إلّا مَساكِنُهم فَهي مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى كَما تَقُولُ: ما قامَ إلّا هِنْدٌ، والمَعْنى: ما قامَ أحَدٌ إلّا هِنْدٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَجاءَتْهُمُ الرِّيحُ فَدَمَّرَتْهم فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي هَؤُلاءِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ الأعْرافِ. ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: ( ما ) في قَوْلِهِ ( فِيما ) بِمَنزِلَةِ الَّذِي، و( إنْ ) بِمَنزِلَةِ ما: يَعْنِي النّافِيَةَ، وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم في الَّذِي ما مَكَّنّاكم فِيهِ مِنَ المالِ، وطُولِ العُمْرِ، وقُوَّةِ الأبْدانِ، وقِيلَ: ( إنْ ) زائِدَةٌ وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما مَكَّنّاكم فِيهِ، وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَما إنْ طِبْنَ جُبْنٌ ولَكِنْ ∗∗∗ مَنايانا ودَوْلَةُ آخَرِينا والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ وأمْثالِهِمْ ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ أيْ: إنَّهم أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحُجَّةِ والتَّذَكُّرِ مَعَ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الحَواسِّ الَّتِي بِها تُدْرَكُ الأدِلَّةُ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ أيْ فَما نَفَعَهم ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى التَّوْحِيدِ وصِحَّةِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وقَدْ قَدَّمْنا مِنَ الكَلامِ عَلى وجْهِ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ البَصَرِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، و( مِن ) في ( مِن شَيْءٍ ) زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَما أغْنى عَنْهم شَيْءٌ مِنَ الإغْناءِ ولا نَفَعَهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ (p-١٣٦٨)﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِأغْنى، وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ: أيْ لِأنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أحاطَ بِهُمُ العَذابُ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ حَيْثُ قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ . ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾ الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِما حَوْلَهم مِنَ القُرى قُرى ثَمُودٍ، وقُرى لُوطٍ ونَحْوُهُما مِمّا كانَ مُجاوِرًا لِبِلادِ الحِجازِ، وكانَتْ أخْبارُهم مُتَواتِرَةً عِنْدَهم ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ بَيَّنّا الحُجَجَ ونَوَّعْناها لِكَيْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ فَلَمْ يَرْجِعُوا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَمْ يَنْصُرْهم مِن عَذابِ اللَّهِ ناصِرٌ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ أيْ فَهَلّا نَصَرَهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِها بِزَعْمِهِمْ إلى اللَّهِ لِتَشْفَعَ لَهم حَيْثُ قالُوا ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ومَنَعَتْهم مِنَ الهَلاكِ الواقِعِ بِهِمْ. قالَ الكِسائِيُّ: القُرْبانُ كُلُّ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ مِن طاعَةٍ ونَسِيكَةٍ، والجَمْعُ قَرابِينُ كالرُّهْبانِ والرَّهابِينِ، وأحَدُ مَفْعُولَيِ ( اتَّخَذُوا ) ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، والثّانِي ( آلِهَةً )، و( قُرْبانًا ) حالٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ( قُرْبانًا ) مَفْعُولًا ثانِيًا، و( آلِهَةً ) بَدَلًا مِنهُ لِفَسادِ المَعْنى، وقِيلَ يَصِحُّ ذَلِكَ ولا يَفْسُدُ المَعْنى، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وأبُو حَيّانَ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ في المَعْنى فَسادٌ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أيْ غابُوا عَنْ نَصْرِهِمْ ولَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ بَلْ هَلَكُوا، وقِيلَ الضَّمِيرُ في ضَلُّوا راجِعٌ إلى الكُفّارِ: أيْ تَرَكُوا الأصْنامَ وتَبَرَّءُوا مِنها، والأوَّلُ أوْلى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ إلى ضَلالِ آلِهَتِهِمْ. والمَعْنى: وذَلِكَ الضَّلالُ والضَّياعُ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وزَعْمِهِمْ أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( إفْكُهم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ مَصْدَرُ أفِكَ يَأْفِكُ إفْكًا: أيْ: كَذِبِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ والكافِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ: أيْ: ذَلِكَ القَوْلُ صَرَفَهم عَنِ التَّوْحِيدِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الفاءِ: أيْ صَيَّرَهم آفِكِينَ. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي قَلَبَهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ بِالمَدِّ وكَسْرِ الفاءِ بِمَعْنى صارِفِهِمْ ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( إفْكُهم ): أيْ وأثَرُ افْتِرائِهِمْ أوْ أثَرُ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ. والمَعْنى: وذَلِكَ إفْكُهم: أيْ: كَذِبُهُمُ الَّذِي كانُوا يَقُولُونَ إنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ وتَشْفَعُ لَهم ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ يَكْذِبُونَ أنَّها آلِهَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأحْقافُ جَبَلٌ بِالشّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ قالَ: هو السَّحابُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُسْتَجْمِعًا ضاحِكًا حَتّى أرى مِنهُ لَهَواتِهِ، إنَّما كانَ يَتَبَسَّمُ، وكانَ إذا رَأى غَيْمًا أوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ في وجْهِهِ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، النّاسُ إذا رَأوُا الغَيْمَ فَرِحُوا أنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ. وأراكَ إذا رَأيْتَهُ عَرَفْتُ في وجْهِكَ الكَراهِيَةَ، قالَ: يا عائِشَةُ، وما يُؤَمِّنُنِي أنْ يَكُونَ فِيهِ عَذابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وقَدْ رَأى قَوْمٌ العَذابَ، فَقالُوا: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَيْرَها وخَيْرَ ما فِيها وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فِيها وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، فَإذا تَخَيَّلَتِ السَّماءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وخَرَجَ ودَخَلَ، وأقْبَلَ وأدْبَرَ، فَإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَسَألْتُهُ، فَقالَ: لا أدْرِي، لَعَلَّهُ كَما قالَ قَوْمُ عادٍ ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ السَّحابِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ قالُوا غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، فَأوَّلَ ما عَرَفُوا أنَّهُ عَذابٌ، رَأوْا ما كانَ خارِجًا مِن رِجالِهِمْ ومَواشِيهِمْ تَطِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِثْلَ الرِّيشِ دَخَلُوا بُيُوتَهم وغَلَّقُوا أبْوابَهم، فَجاءَتِ الرِّيحُ فَفَتَحَتْ أبْوابَهم، ومالَتْ عَلَيْهِمْ بِالرَّمْلِ، فَكانُوا تَحْتَ الرَّمْلِ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا لَهم أنِينٌ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ الرِّيحَ فَكَشَفَتْ عَنْهُمُ الرَّمْلَ وطَرَحَتْهم في البَحْرِ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ عَلى عادٍ مِنَ الرِّيحِ إلّا قَدْرَ خاتَمِي هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ يَقُولُ: لَمْ نُمَكِّنْكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: عادٌ مُكِّنُوا في الأرْضِ أفْضَلَ مِمّا مُكِّنَتْ فِيهِ هَذِهِ الأُمَّةُ، وكانُوا أشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأطْوَلَ أعْمارًا.

الأحقاف 46:29

لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ في الإنْسِ مَن آمَنَ، وفِيهِمْ مَن كَفَرَ بَيَّنَ أيْضًا أنَّ في الجِنِّ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ واذْكُرْ إذْ صَرَفْنا، أيْ: وجَّهْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ وبَعَثْناهم إلَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( نَفَرًا )، أوْ حالٌ لِأنَّ النَّكِرَةَ قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ الأُولى (p-١٣٦٩)﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ أيْ حَضَرُوا القُرْآنَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ، وقِيلَ: حَضَرُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَكُونُ في الكَلامِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْكُتُوا، أمَرُوا بَعْضُهم بَعْضًا بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَسْمَعُوا ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قُضِيَ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ فُرِغَ مِن تِلاوَتِهِ. وقَرَأ حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ولاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو مِجْلَزٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ فَرَغَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن تِلاوَتِهِ، والقِراءَةُ الأُولى تُؤَيِّدُ أنَّ الضَّمِيرَ في حَضَرُوهُ لِلْقُرْآنِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تُؤَيِّدُ أنَّهُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أيِ انْصَرَفُوا قاصِدِينَ إلى ما وراءَهم مِن قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ لَهم عَنْ مُخالَفَةِ القُرْآنِ ومُحَذِّرِينَ لَهم، وانْتِصابُ: ( مُنْذِرِينَ ) عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ أيْ: مُقَدِّرِينَ الإنْذارِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم آمَنُوا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ذَلِكَ. ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَوَصَلُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا. قالَ عَطاءٌ: كانُوا يَهُودًا فَأسْلَمُوا ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ أيْ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إلى طَرِيقِ اللَّهِ القَوِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلى الجِنِّ والإنْسِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوِ القُرْآنَ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: بَعْضَها، وهو ما عَدا حَقَّ العِبادِ، وقِيلَ إنَّ ( مِن ) هُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَقَعُ ابْتِداءُ الغُفْرانِ مِنَ الذُّنُوبِ ثُمَّ يَنْتَهِي إلى غُفْرانِ تَرْكِ ما هو الأوْلى، وقِيلَ هي زائِدَةٌ ﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو عَذابُ النّارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُكْمَ الجِنِّ حُكْمُ الإنْسِ في الثَّوابِ والعِقابِ والتَّعَبُّدِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي. وقالَ الحَسَنُ لَيْسَ لِمُؤْمِنِي الجِنِّ ثَوابٌ غَيْرَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، فَقالَ القائِلُونَ بِهِ أنَّهم بَعْدَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ يُقالُ لَهم: كُونُوا تُرابًا، كَما يُقالُ لِلْبَهائِمِ والثّانِي أرْجَحُ. وقَدْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مُخاطَبَةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧، ٤٦] فامْتَنَّ سُبْحانَهُ عَلى الثَّقَلَيْنِ بِأنْ جَعَلَ جَزاءَ مُحْسِنِهِمُ الجَنَّةَ، ولا يُنافِي هَذا الِاقْتِصارَ هاهُنا عَلى ذِكْرِ إجارَتِهِمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ جازى كافِرَهم بِالنّارِ وهو مَقامُ عَدْلٍ، فَكَيْفَ لا يُجازِي مُحْسِنَهم بِالجَنَّةِ وهو مَقامُ فَضْلٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أيْضًا ما في القُرْآنِ الكَرِيمِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن عَمِلَ الصّالِحاتِ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن قالَ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " الجَنَّةُ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا هو كَثِيرٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ أرْسَلَ اللَّهُ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم أمْ لا، وظاهِرُ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ أنَّ الرُّسُلَ مِنَ الإنْسِ فَقَطْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ . [يوسف: ١٠٩] وقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقالَ سُبْحانَهُ في إبْراهِيمَ الخَلِيلِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾، فَكُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ إبْراهِيمَ فَهو مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم﴾ [الأنعام: ١٣٠] فَقِيلَ المُرادُ مِن مَجْمُوعِ الجِنْسَيْنِ، وصَدَقَ عَلى أحَدِهِما، وهُمُ الإنْسُ: كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ أيْ: مِن أحَدِهِما. [الرحمن: ٢٢] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ أيْ لا يَفُوتُ اللَّهَ ولا يَسْبِقُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلى الهَرَبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ وإنْ هَرَبَ كُلَّ مَهْرَبٍ فَهو في الأرْضِ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الخُرُوجِ مِنها، وفي هَذا تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أيْ: أنْصارٌ يَمْنَعُونَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ. بَيَّنَ سُبْحانَهُ بَعْدَ اسْتِحالَةِ نَجاتِهِ بِنَفْسِهِ اسْتِحالَةَ نَجاتِهِ بِواسِطَةِ غَيْرِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى ( مَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ )، وأخْبَرَ أنَّهم ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ واضِحٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا عَلى البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى العِلْمِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ ابْتِداءً ﴿ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أيْ: لَمْ يَعْجِزْ عَنْ ذَلِكَ ولا ضَعُفَ عَنْهُ، يُقالُ عَيَّ بِالأمْرِ وعَيِيَ: إذا لَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَيَّوْا بِأمْرِهِمُ كَما عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ قَرَأ الجُمْهُورُ ( ولَمْ يَعْيَ ) بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ مُضارِعَ عَيِيَ. وقَرَأ الحَسَنُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: العَرَبُ تُدْخِلُ الباءَ مَعَ الجَحْدِ والِاسْتِفْهامِ، فَتَقُولُ: ما أظُنُّكَ بِقائِمٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُما خَبَرٌ لِأنَّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْرَجُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( يَقْدِرُ ) عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قالَ: لِأنَّ دُخُولَ الباءِ في خَبَرِ " أنَّ " قَبِيحٌ ﴿بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُقالُ ذَلِكَ اليَوْمَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَحْكِيَّةُ بِالقَوْلِ، والإشارَةُ بِـ " هَذا " إلى ما هو مُشاهَدٌ لَهم يَوْمَ عَرْضِهِمْ عَلى النّارِ، وفي الِاكْتِفاءِ بِمُجَرَّدِ الإشارَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ لِلْمُشارِ إلَيْهِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، كَأنَّهُ أمْرٌ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ اعْتَرَفُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، وأكَّدُوا هَذا الِاعْتِرافَ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ المُشاهَدَةَ هي (p-١٣٧٠)حَقُّ اليَقِينِ الَّذِي لا يُمْكِنُ جَحَدُهُ ولا إنْكارُهُ ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهَذا في الدُّنْيا وإنْكارِكم لَهُ، وفي هَذا الأمْرِ لَهم بِذَوْقِ العَذابِ تَوْبِيخٌ بالِغٌ وتَهَكُّمٌ عَظِيمٌ. لَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ الأدِلَّةَ عَلى النُّبُوَّةِ والتَّوْحِيدِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ: أيْ: إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ وقامَتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ ولَمْ يَنْجَعْ في الكافِرِينَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ: أيْ: أرْبابُ الثَّباتِ والحَزْمِ فَإنَّكَ مِنهم. قالَ مُجاهِدٌ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ خَمْسَةٌ: نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهم أصْحابُ الشَّرائِعِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم نُوحٌ، وهُودٌ، وإبْراهِيمُ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَكُونَ رابِعَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: هم سِتَّةٌ إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ولُوطٌ، ومُوسى. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ مِنهم إسْماعِيلَ، ويَعْقُوبَ، وأيُّوبَ، ولَيْسَ مِنهم يُونُسُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ، والكَلْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ، فَأظْهَرُوا المُكاشَفَةَ، وجاهَدُوا الكَفَرَةَ، وقِيلَ هم نُجَباءُ الرُّسُلِ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ: إبْراهِيمُ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، ونُوحٌ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وأيُّوبُ، ويُوسُفُ، ومُوسى، وهارُونُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى، وإلْياسُ، وإسْماعِيلُ، واليَسَعُ، ويُونُسُ، ولُوطٌ. واخْتارَ هَذا الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقِيلَ إنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم أُولُو العَزْمِ، وقِيلَ هُمُ اثْنا عَشَرَ نَبِيًّا إلى بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الحَسَنُ: هم أرْبَعَةٌ: إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وعِيسى ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلِ العَذابَ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ. لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالصَّبْرِ، ونَهاهُ عَنِ اسْتِعْجالِ العَذابِ لِقَوْمِهِ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا قالَ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَوْمَ يُشاهِدُونَهُ في الآخِرَةِ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا إلّا قَدْرَ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الأيّامِ لِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ والبَلاءِ المُقِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( بَلاغٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هَذا الَّذِي وعَظْتُهم بِهِ بَلاغٌ، أوْ تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغٌ، أوْ هَذا القُرْآنُ بَلاغٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ لَهُمُ الواقِعُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ﴾ أيْ: لَهم بَلاغٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( بَلاغًا ) بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ: أيْ بَلِّغْ بَلاغًا، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ ( بَلِّغْ ) بِصِيغَةِ الأمْرِ. وقُرِئَ ( بَلَّغَ ) بِصِيغَةِ الماضِي ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَهَلْ يُهْلَكُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَهْلِكُ بِعَذابِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخارِجُونَ عَنِ الطّاعَةِ الواقِعُونَ في مَعاصِي اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: لا يَهْلِكُ عَلى اللَّهِ إلّا هالِكٌ مُشْرِكٌ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ أقْوى آيَةٍ في الرَّجاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ لا يَهْلِكُ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَنِيعٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هَبَطُوا، يَعْنِي الجِنَّ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو يَقْرَأُ القُرْآنَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا: أنْصِتُوا، قالُوا صَهٍ، وكانُوا تِسْعَةً، أحَدُهم زَوْبَعَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ( ضَلالٍ مُبِينٍ ) . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ قالَ: بِنَخْلَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي العِشاءَ الآخِرَةَ ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ الآيَةَ. قالَ كانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ نَحْوَهُ أيْضًا قالَ: صُرِفَتِ الجِنُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ وكانُوا أشْرافَ الجِنِّ بِنَصِيبِينَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ مَن آذَنَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ ؟ قالَ: آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: «هَلْ صَحِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنكم أحَدًا لَيْلَةَ الجِنِّ ؟ قالَ: ما صَحِبَهُ مِنّا أحَدٌ، ولَكِنّا فَقَدْناهُ ذاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْنا اغْتِيلَ، اسْتُطِيرَ، ما فَعَلَ ؟ قالَ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ، فَلَمّا كانَ في وجْهِ الصُّبْحِ إذا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِن قِبَلِ حِراءٍ، فَأخْبَرْناهُ، فَقالَ: إنَّهُ أتانِي داعِي الجِنِّ، فَأتَيْتُهم، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فانْطَلَقَ، فَأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانِهِمْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ الجِنِّ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. والجَمْعُ بَيْنَ الرِّواياتِ بِالحَمْلِ عَلى قِصَّتَيْنِ وقَعَتْ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ الجِنِّ حَضَرَ إحْداهُما ابْنُ مَسْعُودٍ، ولَمْ يَحْضُرْ في الأُخْرى. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ أنَّ الجِنَّ بَعْدَ هَذا وفَدَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وأخَذُوا عَنْهُ الشَّرائِعَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ونُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ حَتّى مَضَوْا عَلى ذَلِكَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صائِمًا ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا، ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا قالَ: يا عائِشَةُ إنَّ الدَّيْنَ لا يَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ ولا لِآلِ مُحَمَّدٍ، يا عائِشَةُ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ مِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إلّا بِالصَّبْرِ عَلى مَكْرُوهِها والصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِها، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ مِنِّي إلّا أنْ يُكَلِّفَنِي ما كَلَّفَهم، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإنِّي واللَّهِ لَأصْبِرَنَّ كَما صَبَرُوا جُهْدِي، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» .

الأحقاف 46:30

لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ في الإنْسِ مَن آمَنَ، وفِيهِمْ مَن كَفَرَ بَيَّنَ أيْضًا أنَّ في الجِنِّ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ واذْكُرْ إذْ صَرَفْنا، أيْ: وجَّهْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ وبَعَثْناهم إلَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( نَفَرًا )، أوْ حالٌ لِأنَّ النَّكِرَةَ قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ الأُولى (p-١٣٦٩)﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ أيْ حَضَرُوا القُرْآنَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ، وقِيلَ: حَضَرُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَكُونُ في الكَلامِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْكُتُوا، أمَرُوا بَعْضُهم بَعْضًا بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَسْمَعُوا ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قُضِيَ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ فُرِغَ مِن تِلاوَتِهِ. وقَرَأ حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ولاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو مِجْلَزٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ فَرَغَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن تِلاوَتِهِ، والقِراءَةُ الأُولى تُؤَيِّدُ أنَّ الضَّمِيرَ في حَضَرُوهُ لِلْقُرْآنِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تُؤَيِّدُ أنَّهُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أيِ انْصَرَفُوا قاصِدِينَ إلى ما وراءَهم مِن قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ لَهم عَنْ مُخالَفَةِ القُرْآنِ ومُحَذِّرِينَ لَهم، وانْتِصابُ: ( مُنْذِرِينَ ) عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ أيْ: مُقَدِّرِينَ الإنْذارِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم آمَنُوا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ذَلِكَ. ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَوَصَلُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا. قالَ عَطاءٌ: كانُوا يَهُودًا فَأسْلَمُوا ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ أيْ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إلى طَرِيقِ اللَّهِ القَوِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلى الجِنِّ والإنْسِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوِ القُرْآنَ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: بَعْضَها، وهو ما عَدا حَقَّ العِبادِ، وقِيلَ إنَّ ( مِن ) هُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَقَعُ ابْتِداءُ الغُفْرانِ مِنَ الذُّنُوبِ ثُمَّ يَنْتَهِي إلى غُفْرانِ تَرْكِ ما هو الأوْلى، وقِيلَ هي زائِدَةٌ ﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو عَذابُ النّارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُكْمَ الجِنِّ حُكْمُ الإنْسِ في الثَّوابِ والعِقابِ والتَّعَبُّدِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي. وقالَ الحَسَنُ لَيْسَ لِمُؤْمِنِي الجِنِّ ثَوابٌ غَيْرَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، فَقالَ القائِلُونَ بِهِ أنَّهم بَعْدَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ يُقالُ لَهم: كُونُوا تُرابًا، كَما يُقالُ لِلْبَهائِمِ والثّانِي أرْجَحُ. وقَدْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مُخاطَبَةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧، ٤٦] فامْتَنَّ سُبْحانَهُ عَلى الثَّقَلَيْنِ بِأنْ جَعَلَ جَزاءَ مُحْسِنِهِمُ الجَنَّةَ، ولا يُنافِي هَذا الِاقْتِصارَ هاهُنا عَلى ذِكْرِ إجارَتِهِمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ جازى كافِرَهم بِالنّارِ وهو مَقامُ عَدْلٍ، فَكَيْفَ لا يُجازِي مُحْسِنَهم بِالجَنَّةِ وهو مَقامُ فَضْلٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أيْضًا ما في القُرْآنِ الكَرِيمِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن عَمِلَ الصّالِحاتِ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن قالَ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " الجَنَّةُ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا هو كَثِيرٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ أرْسَلَ اللَّهُ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم أمْ لا، وظاهِرُ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ أنَّ الرُّسُلَ مِنَ الإنْسِ فَقَطْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ . [يوسف: ١٠٩] وقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقالَ سُبْحانَهُ في إبْراهِيمَ الخَلِيلِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾، فَكُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ إبْراهِيمَ فَهو مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم﴾ [الأنعام: ١٣٠] فَقِيلَ المُرادُ مِن مَجْمُوعِ الجِنْسَيْنِ، وصَدَقَ عَلى أحَدِهِما، وهُمُ الإنْسُ: كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ أيْ: مِن أحَدِهِما. [الرحمن: ٢٢] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ أيْ لا يَفُوتُ اللَّهَ ولا يَسْبِقُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلى الهَرَبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ وإنْ هَرَبَ كُلَّ مَهْرَبٍ فَهو في الأرْضِ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الخُرُوجِ مِنها، وفي هَذا تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أيْ: أنْصارٌ يَمْنَعُونَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ. بَيَّنَ سُبْحانَهُ بَعْدَ اسْتِحالَةِ نَجاتِهِ بِنَفْسِهِ اسْتِحالَةَ نَجاتِهِ بِواسِطَةِ غَيْرِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى ( مَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ )، وأخْبَرَ أنَّهم ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ واضِحٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا عَلى البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى العِلْمِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ ابْتِداءً ﴿ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أيْ: لَمْ يَعْجِزْ عَنْ ذَلِكَ ولا ضَعُفَ عَنْهُ، يُقالُ عَيَّ بِالأمْرِ وعَيِيَ: إذا لَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَيَّوْا بِأمْرِهِمُ كَما عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ قَرَأ الجُمْهُورُ ( ولَمْ يَعْيَ ) بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ مُضارِعَ عَيِيَ. وقَرَأ الحَسَنُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: العَرَبُ تُدْخِلُ الباءَ مَعَ الجَحْدِ والِاسْتِفْهامِ، فَتَقُولُ: ما أظُنُّكَ بِقائِمٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُما خَبَرٌ لِأنَّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْرَجُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( يَقْدِرُ ) عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قالَ: لِأنَّ دُخُولَ الباءِ في خَبَرِ " أنَّ " قَبِيحٌ ﴿بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُقالُ ذَلِكَ اليَوْمَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَحْكِيَّةُ بِالقَوْلِ، والإشارَةُ بِـ " هَذا " إلى ما هو مُشاهَدٌ لَهم يَوْمَ عَرْضِهِمْ عَلى النّارِ، وفي الِاكْتِفاءِ بِمُجَرَّدِ الإشارَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ لِلْمُشارِ إلَيْهِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، كَأنَّهُ أمْرٌ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ اعْتَرَفُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، وأكَّدُوا هَذا الِاعْتِرافَ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ المُشاهَدَةَ هي (p-١٣٧٠)حَقُّ اليَقِينِ الَّذِي لا يُمْكِنُ جَحَدُهُ ولا إنْكارُهُ ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهَذا في الدُّنْيا وإنْكارِكم لَهُ، وفي هَذا الأمْرِ لَهم بِذَوْقِ العَذابِ تَوْبِيخٌ بالِغٌ وتَهَكُّمٌ عَظِيمٌ. لَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ الأدِلَّةَ عَلى النُّبُوَّةِ والتَّوْحِيدِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ: أيْ: إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ وقامَتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ ولَمْ يَنْجَعْ في الكافِرِينَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ: أيْ: أرْبابُ الثَّباتِ والحَزْمِ فَإنَّكَ مِنهم. قالَ مُجاهِدٌ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ خَمْسَةٌ: نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهم أصْحابُ الشَّرائِعِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم نُوحٌ، وهُودٌ، وإبْراهِيمُ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَكُونَ رابِعَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: هم سِتَّةٌ إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ولُوطٌ، ومُوسى. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ مِنهم إسْماعِيلَ، ويَعْقُوبَ، وأيُّوبَ، ولَيْسَ مِنهم يُونُسُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ، والكَلْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ، فَأظْهَرُوا المُكاشَفَةَ، وجاهَدُوا الكَفَرَةَ، وقِيلَ هم نُجَباءُ الرُّسُلِ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ: إبْراهِيمُ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، ونُوحٌ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وأيُّوبُ، ويُوسُفُ، ومُوسى، وهارُونُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى، وإلْياسُ، وإسْماعِيلُ، واليَسَعُ، ويُونُسُ، ولُوطٌ. واخْتارَ هَذا الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقِيلَ إنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم أُولُو العَزْمِ، وقِيلَ هُمُ اثْنا عَشَرَ نَبِيًّا إلى بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الحَسَنُ: هم أرْبَعَةٌ: إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وعِيسى ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلِ العَذابَ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ. لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالصَّبْرِ، ونَهاهُ عَنِ اسْتِعْجالِ العَذابِ لِقَوْمِهِ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا قالَ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَوْمَ يُشاهِدُونَهُ في الآخِرَةِ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا إلّا قَدْرَ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الأيّامِ لِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ والبَلاءِ المُقِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( بَلاغٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هَذا الَّذِي وعَظْتُهم بِهِ بَلاغٌ، أوْ تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغٌ، أوْ هَذا القُرْآنُ بَلاغٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ لَهُمُ الواقِعُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ﴾ أيْ: لَهم بَلاغٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( بَلاغًا ) بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ: أيْ بَلِّغْ بَلاغًا، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ ( بَلِّغْ ) بِصِيغَةِ الأمْرِ. وقُرِئَ ( بَلَّغَ ) بِصِيغَةِ الماضِي ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَهَلْ يُهْلَكُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَهْلِكُ بِعَذابِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخارِجُونَ عَنِ الطّاعَةِ الواقِعُونَ في مَعاصِي اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: لا يَهْلِكُ عَلى اللَّهِ إلّا هالِكٌ مُشْرِكٌ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ أقْوى آيَةٍ في الرَّجاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ لا يَهْلِكُ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَنِيعٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هَبَطُوا، يَعْنِي الجِنَّ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو يَقْرَأُ القُرْآنَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا: أنْصِتُوا، قالُوا صَهٍ، وكانُوا تِسْعَةً، أحَدُهم زَوْبَعَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ( ضَلالٍ مُبِينٍ ) . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ قالَ: بِنَخْلَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي العِشاءَ الآخِرَةَ ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ الآيَةَ. قالَ كانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ نَحْوَهُ أيْضًا قالَ: صُرِفَتِ الجِنُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ وكانُوا أشْرافَ الجِنِّ بِنَصِيبِينَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ مَن آذَنَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ ؟ قالَ: آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: «هَلْ صَحِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنكم أحَدًا لَيْلَةَ الجِنِّ ؟ قالَ: ما صَحِبَهُ مِنّا أحَدٌ، ولَكِنّا فَقَدْناهُ ذاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْنا اغْتِيلَ، اسْتُطِيرَ، ما فَعَلَ ؟ قالَ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ، فَلَمّا كانَ في وجْهِ الصُّبْحِ إذا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِن قِبَلِ حِراءٍ، فَأخْبَرْناهُ، فَقالَ: إنَّهُ أتانِي داعِي الجِنِّ، فَأتَيْتُهم، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فانْطَلَقَ، فَأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانِهِمْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ الجِنِّ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. والجَمْعُ بَيْنَ الرِّواياتِ بِالحَمْلِ عَلى قِصَّتَيْنِ وقَعَتْ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ الجِنِّ حَضَرَ إحْداهُما ابْنُ مَسْعُودٍ، ولَمْ يَحْضُرْ في الأُخْرى. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ أنَّ الجِنَّ بَعْدَ هَذا وفَدَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وأخَذُوا عَنْهُ الشَّرائِعَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ونُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ حَتّى مَضَوْا عَلى ذَلِكَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صائِمًا ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا، ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا قالَ: يا عائِشَةُ إنَّ الدَّيْنَ لا يَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ ولا لِآلِ مُحَمَّدٍ، يا عائِشَةُ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ مِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إلّا بِالصَّبْرِ عَلى مَكْرُوهِها والصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِها، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ مِنِّي إلّا أنْ يُكَلِّفَنِي ما كَلَّفَهم، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإنِّي واللَّهِ لَأصْبِرَنَّ كَما صَبَرُوا جُهْدِي، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» .

الأحقاف 46:31

لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ في الإنْسِ مَن آمَنَ، وفِيهِمْ مَن كَفَرَ بَيَّنَ أيْضًا أنَّ في الجِنِّ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ واذْكُرْ إذْ صَرَفْنا، أيْ: وجَّهْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ وبَعَثْناهم إلَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( نَفَرًا )، أوْ حالٌ لِأنَّ النَّكِرَةَ قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ الأُولى (p-١٣٦٩)﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ أيْ حَضَرُوا القُرْآنَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ، وقِيلَ: حَضَرُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَكُونُ في الكَلامِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْكُتُوا، أمَرُوا بَعْضُهم بَعْضًا بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَسْمَعُوا ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قُضِيَ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ فُرِغَ مِن تِلاوَتِهِ. وقَرَأ حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ولاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو مِجْلَزٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ فَرَغَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن تِلاوَتِهِ، والقِراءَةُ الأُولى تُؤَيِّدُ أنَّ الضَّمِيرَ في حَضَرُوهُ لِلْقُرْآنِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تُؤَيِّدُ أنَّهُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أيِ انْصَرَفُوا قاصِدِينَ إلى ما وراءَهم مِن قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ لَهم عَنْ مُخالَفَةِ القُرْآنِ ومُحَذِّرِينَ لَهم، وانْتِصابُ: ( مُنْذِرِينَ ) عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ أيْ: مُقَدِّرِينَ الإنْذارِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم آمَنُوا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ذَلِكَ. ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَوَصَلُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا. قالَ عَطاءٌ: كانُوا يَهُودًا فَأسْلَمُوا ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ أيْ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إلى طَرِيقِ اللَّهِ القَوِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلى الجِنِّ والإنْسِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوِ القُرْآنَ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: بَعْضَها، وهو ما عَدا حَقَّ العِبادِ، وقِيلَ إنَّ ( مِن ) هُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَقَعُ ابْتِداءُ الغُفْرانِ مِنَ الذُّنُوبِ ثُمَّ يَنْتَهِي إلى غُفْرانِ تَرْكِ ما هو الأوْلى، وقِيلَ هي زائِدَةٌ ﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو عَذابُ النّارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُكْمَ الجِنِّ حُكْمُ الإنْسِ في الثَّوابِ والعِقابِ والتَّعَبُّدِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي. وقالَ الحَسَنُ لَيْسَ لِمُؤْمِنِي الجِنِّ ثَوابٌ غَيْرَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، فَقالَ القائِلُونَ بِهِ أنَّهم بَعْدَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ يُقالُ لَهم: كُونُوا تُرابًا، كَما يُقالُ لِلْبَهائِمِ والثّانِي أرْجَحُ. وقَدْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مُخاطَبَةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧، ٤٦] فامْتَنَّ سُبْحانَهُ عَلى الثَّقَلَيْنِ بِأنْ جَعَلَ جَزاءَ مُحْسِنِهِمُ الجَنَّةَ، ولا يُنافِي هَذا الِاقْتِصارَ هاهُنا عَلى ذِكْرِ إجارَتِهِمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ جازى كافِرَهم بِالنّارِ وهو مَقامُ عَدْلٍ، فَكَيْفَ لا يُجازِي مُحْسِنَهم بِالجَنَّةِ وهو مَقامُ فَضْلٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أيْضًا ما في القُرْآنِ الكَرِيمِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن عَمِلَ الصّالِحاتِ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن قالَ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " الجَنَّةُ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا هو كَثِيرٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ أرْسَلَ اللَّهُ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم أمْ لا، وظاهِرُ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ أنَّ الرُّسُلَ مِنَ الإنْسِ فَقَطْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ . [يوسف: ١٠٩] وقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقالَ سُبْحانَهُ في إبْراهِيمَ الخَلِيلِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾، فَكُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ إبْراهِيمَ فَهو مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم﴾ [الأنعام: ١٣٠] فَقِيلَ المُرادُ مِن مَجْمُوعِ الجِنْسَيْنِ، وصَدَقَ عَلى أحَدِهِما، وهُمُ الإنْسُ: كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ أيْ: مِن أحَدِهِما. [الرحمن: ٢٢] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ أيْ لا يَفُوتُ اللَّهَ ولا يَسْبِقُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلى الهَرَبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ وإنْ هَرَبَ كُلَّ مَهْرَبٍ فَهو في الأرْضِ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الخُرُوجِ مِنها، وفي هَذا تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أيْ: أنْصارٌ يَمْنَعُونَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ. بَيَّنَ سُبْحانَهُ بَعْدَ اسْتِحالَةِ نَجاتِهِ بِنَفْسِهِ اسْتِحالَةَ نَجاتِهِ بِواسِطَةِ غَيْرِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى ( مَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ )، وأخْبَرَ أنَّهم ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ واضِحٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا عَلى البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى العِلْمِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ ابْتِداءً ﴿ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أيْ: لَمْ يَعْجِزْ عَنْ ذَلِكَ ولا ضَعُفَ عَنْهُ، يُقالُ عَيَّ بِالأمْرِ وعَيِيَ: إذا لَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَيَّوْا بِأمْرِهِمُ كَما عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ قَرَأ الجُمْهُورُ ( ولَمْ يَعْيَ ) بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ مُضارِعَ عَيِيَ. وقَرَأ الحَسَنُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: العَرَبُ تُدْخِلُ الباءَ مَعَ الجَحْدِ والِاسْتِفْهامِ، فَتَقُولُ: ما أظُنُّكَ بِقائِمٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُما خَبَرٌ لِأنَّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْرَجُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( يَقْدِرُ ) عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قالَ: لِأنَّ دُخُولَ الباءِ في خَبَرِ " أنَّ " قَبِيحٌ ﴿بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُقالُ ذَلِكَ اليَوْمَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَحْكِيَّةُ بِالقَوْلِ، والإشارَةُ بِـ " هَذا " إلى ما هو مُشاهَدٌ لَهم يَوْمَ عَرْضِهِمْ عَلى النّارِ، وفي الِاكْتِفاءِ بِمُجَرَّدِ الإشارَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ لِلْمُشارِ إلَيْهِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، كَأنَّهُ أمْرٌ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ اعْتَرَفُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، وأكَّدُوا هَذا الِاعْتِرافَ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ المُشاهَدَةَ هي (p-١٣٧٠)حَقُّ اليَقِينِ الَّذِي لا يُمْكِنُ جَحَدُهُ ولا إنْكارُهُ ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهَذا في الدُّنْيا وإنْكارِكم لَهُ، وفي هَذا الأمْرِ لَهم بِذَوْقِ العَذابِ تَوْبِيخٌ بالِغٌ وتَهَكُّمٌ عَظِيمٌ. لَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ الأدِلَّةَ عَلى النُّبُوَّةِ والتَّوْحِيدِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ: أيْ: إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ وقامَتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ ولَمْ يَنْجَعْ في الكافِرِينَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ: أيْ: أرْبابُ الثَّباتِ والحَزْمِ فَإنَّكَ مِنهم. قالَ مُجاهِدٌ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ خَمْسَةٌ: نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهم أصْحابُ الشَّرائِعِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم نُوحٌ، وهُودٌ، وإبْراهِيمُ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَكُونَ رابِعَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: هم سِتَّةٌ إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ولُوطٌ، ومُوسى. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ مِنهم إسْماعِيلَ، ويَعْقُوبَ، وأيُّوبَ، ولَيْسَ مِنهم يُونُسُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ، والكَلْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ، فَأظْهَرُوا المُكاشَفَةَ، وجاهَدُوا الكَفَرَةَ، وقِيلَ هم نُجَباءُ الرُّسُلِ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ: إبْراهِيمُ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، ونُوحٌ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وأيُّوبُ، ويُوسُفُ، ومُوسى، وهارُونُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى، وإلْياسُ، وإسْماعِيلُ، واليَسَعُ، ويُونُسُ، ولُوطٌ. واخْتارَ هَذا الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقِيلَ إنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم أُولُو العَزْمِ، وقِيلَ هُمُ اثْنا عَشَرَ نَبِيًّا إلى بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الحَسَنُ: هم أرْبَعَةٌ: إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وعِيسى ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلِ العَذابَ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ. لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالصَّبْرِ، ونَهاهُ عَنِ اسْتِعْجالِ العَذابِ لِقَوْمِهِ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا قالَ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَوْمَ يُشاهِدُونَهُ في الآخِرَةِ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا إلّا قَدْرَ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الأيّامِ لِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ والبَلاءِ المُقِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( بَلاغٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هَذا الَّذِي وعَظْتُهم بِهِ بَلاغٌ، أوْ تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغٌ، أوْ هَذا القُرْآنُ بَلاغٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ لَهُمُ الواقِعُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ﴾ أيْ: لَهم بَلاغٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( بَلاغًا ) بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ: أيْ بَلِّغْ بَلاغًا، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ ( بَلِّغْ ) بِصِيغَةِ الأمْرِ. وقُرِئَ ( بَلَّغَ ) بِصِيغَةِ الماضِي ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَهَلْ يُهْلَكُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَهْلِكُ بِعَذابِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخارِجُونَ عَنِ الطّاعَةِ الواقِعُونَ في مَعاصِي اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: لا يَهْلِكُ عَلى اللَّهِ إلّا هالِكٌ مُشْرِكٌ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ أقْوى آيَةٍ في الرَّجاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ لا يَهْلِكُ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَنِيعٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هَبَطُوا، يَعْنِي الجِنَّ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو يَقْرَأُ القُرْآنَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا: أنْصِتُوا، قالُوا صَهٍ، وكانُوا تِسْعَةً، أحَدُهم زَوْبَعَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ( ضَلالٍ مُبِينٍ ) . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ قالَ: بِنَخْلَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي العِشاءَ الآخِرَةَ ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ الآيَةَ. قالَ كانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ نَحْوَهُ أيْضًا قالَ: صُرِفَتِ الجِنُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ وكانُوا أشْرافَ الجِنِّ بِنَصِيبِينَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ مَن آذَنَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ ؟ قالَ: آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: «هَلْ صَحِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنكم أحَدًا لَيْلَةَ الجِنِّ ؟ قالَ: ما صَحِبَهُ مِنّا أحَدٌ، ولَكِنّا فَقَدْناهُ ذاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْنا اغْتِيلَ، اسْتُطِيرَ، ما فَعَلَ ؟ قالَ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ، فَلَمّا كانَ في وجْهِ الصُّبْحِ إذا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِن قِبَلِ حِراءٍ، فَأخْبَرْناهُ، فَقالَ: إنَّهُ أتانِي داعِي الجِنِّ، فَأتَيْتُهم، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فانْطَلَقَ، فَأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانِهِمْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ الجِنِّ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. والجَمْعُ بَيْنَ الرِّواياتِ بِالحَمْلِ عَلى قِصَّتَيْنِ وقَعَتْ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ الجِنِّ حَضَرَ إحْداهُما ابْنُ مَسْعُودٍ، ولَمْ يَحْضُرْ في الأُخْرى. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ أنَّ الجِنَّ بَعْدَ هَذا وفَدَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وأخَذُوا عَنْهُ الشَّرائِعَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ونُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ حَتّى مَضَوْا عَلى ذَلِكَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صائِمًا ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا، ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا قالَ: يا عائِشَةُ إنَّ الدَّيْنَ لا يَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ ولا لِآلِ مُحَمَّدٍ، يا عائِشَةُ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ مِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إلّا بِالصَّبْرِ عَلى مَكْرُوهِها والصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِها، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ مِنِّي إلّا أنْ يُكَلِّفَنِي ما كَلَّفَهم، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإنِّي واللَّهِ لَأصْبِرَنَّ كَما صَبَرُوا جُهْدِي، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» .

الأحقاف 46:32

لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ في الإنْسِ مَن آمَنَ، وفِيهِمْ مَن كَفَرَ بَيَّنَ أيْضًا أنَّ في الجِنِّ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ واذْكُرْ إذْ صَرَفْنا، أيْ: وجَّهْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ وبَعَثْناهم إلَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( نَفَرًا )، أوْ حالٌ لِأنَّ النَّكِرَةَ قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ الأُولى (p-١٣٦٩)﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ أيْ حَضَرُوا القُرْآنَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ، وقِيلَ: حَضَرُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَكُونُ في الكَلامِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْكُتُوا، أمَرُوا بَعْضُهم بَعْضًا بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَسْمَعُوا ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قُضِيَ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ فُرِغَ مِن تِلاوَتِهِ. وقَرَأ حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ولاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو مِجْلَزٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ فَرَغَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن تِلاوَتِهِ، والقِراءَةُ الأُولى تُؤَيِّدُ أنَّ الضَّمِيرَ في حَضَرُوهُ لِلْقُرْآنِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تُؤَيِّدُ أنَّهُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أيِ انْصَرَفُوا قاصِدِينَ إلى ما وراءَهم مِن قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ لَهم عَنْ مُخالَفَةِ القُرْآنِ ومُحَذِّرِينَ لَهم، وانْتِصابُ: ( مُنْذِرِينَ ) عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ أيْ: مُقَدِّرِينَ الإنْذارِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم آمَنُوا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ذَلِكَ. ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَوَصَلُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا. قالَ عَطاءٌ: كانُوا يَهُودًا فَأسْلَمُوا ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ أيْ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إلى طَرِيقِ اللَّهِ القَوِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلى الجِنِّ والإنْسِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوِ القُرْآنَ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: بَعْضَها، وهو ما عَدا حَقَّ العِبادِ، وقِيلَ إنَّ ( مِن ) هُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَقَعُ ابْتِداءُ الغُفْرانِ مِنَ الذُّنُوبِ ثُمَّ يَنْتَهِي إلى غُفْرانِ تَرْكِ ما هو الأوْلى، وقِيلَ هي زائِدَةٌ ﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو عَذابُ النّارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُكْمَ الجِنِّ حُكْمُ الإنْسِ في الثَّوابِ والعِقابِ والتَّعَبُّدِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي. وقالَ الحَسَنُ لَيْسَ لِمُؤْمِنِي الجِنِّ ثَوابٌ غَيْرَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، فَقالَ القائِلُونَ بِهِ أنَّهم بَعْدَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ يُقالُ لَهم: كُونُوا تُرابًا، كَما يُقالُ لِلْبَهائِمِ والثّانِي أرْجَحُ. وقَدْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مُخاطَبَةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧، ٤٦] فامْتَنَّ سُبْحانَهُ عَلى الثَّقَلَيْنِ بِأنْ جَعَلَ جَزاءَ مُحْسِنِهِمُ الجَنَّةَ، ولا يُنافِي هَذا الِاقْتِصارَ هاهُنا عَلى ذِكْرِ إجارَتِهِمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ جازى كافِرَهم بِالنّارِ وهو مَقامُ عَدْلٍ، فَكَيْفَ لا يُجازِي مُحْسِنَهم بِالجَنَّةِ وهو مَقامُ فَضْلٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أيْضًا ما في القُرْآنِ الكَرِيمِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن عَمِلَ الصّالِحاتِ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن قالَ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " الجَنَّةُ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا هو كَثِيرٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ أرْسَلَ اللَّهُ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم أمْ لا، وظاهِرُ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ أنَّ الرُّسُلَ مِنَ الإنْسِ فَقَطْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ . [يوسف: ١٠٩] وقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقالَ سُبْحانَهُ في إبْراهِيمَ الخَلِيلِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾، فَكُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ إبْراهِيمَ فَهو مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم﴾ [الأنعام: ١٣٠] فَقِيلَ المُرادُ مِن مَجْمُوعِ الجِنْسَيْنِ، وصَدَقَ عَلى أحَدِهِما، وهُمُ الإنْسُ: كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ أيْ: مِن أحَدِهِما. [الرحمن: ٢٢] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ أيْ لا يَفُوتُ اللَّهَ ولا يَسْبِقُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلى الهَرَبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ وإنْ هَرَبَ كُلَّ مَهْرَبٍ فَهو في الأرْضِ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الخُرُوجِ مِنها، وفي هَذا تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أيْ: أنْصارٌ يَمْنَعُونَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ. بَيَّنَ سُبْحانَهُ بَعْدَ اسْتِحالَةِ نَجاتِهِ بِنَفْسِهِ اسْتِحالَةَ نَجاتِهِ بِواسِطَةِ غَيْرِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى ( مَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ )، وأخْبَرَ أنَّهم ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ واضِحٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا عَلى البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى العِلْمِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ ابْتِداءً ﴿ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أيْ: لَمْ يَعْجِزْ عَنْ ذَلِكَ ولا ضَعُفَ عَنْهُ، يُقالُ عَيَّ بِالأمْرِ وعَيِيَ: إذا لَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَيَّوْا بِأمْرِهِمُ كَما عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ قَرَأ الجُمْهُورُ ( ولَمْ يَعْيَ ) بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ مُضارِعَ عَيِيَ. وقَرَأ الحَسَنُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: العَرَبُ تُدْخِلُ الباءَ مَعَ الجَحْدِ والِاسْتِفْهامِ، فَتَقُولُ: ما أظُنُّكَ بِقائِمٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُما خَبَرٌ لِأنَّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْرَجُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( يَقْدِرُ ) عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قالَ: لِأنَّ دُخُولَ الباءِ في خَبَرِ " أنَّ " قَبِيحٌ ﴿بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُقالُ ذَلِكَ اليَوْمَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَحْكِيَّةُ بِالقَوْلِ، والإشارَةُ بِـ " هَذا " إلى ما هو مُشاهَدٌ لَهم يَوْمَ عَرْضِهِمْ عَلى النّارِ، وفي الِاكْتِفاءِ بِمُجَرَّدِ الإشارَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ لِلْمُشارِ إلَيْهِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، كَأنَّهُ أمْرٌ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ اعْتَرَفُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، وأكَّدُوا هَذا الِاعْتِرافَ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ المُشاهَدَةَ هي (p-١٣٧٠)حَقُّ اليَقِينِ الَّذِي لا يُمْكِنُ جَحَدُهُ ولا إنْكارُهُ ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهَذا في الدُّنْيا وإنْكارِكم لَهُ، وفي هَذا الأمْرِ لَهم بِذَوْقِ العَذابِ تَوْبِيخٌ بالِغٌ وتَهَكُّمٌ عَظِيمٌ. لَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ الأدِلَّةَ عَلى النُّبُوَّةِ والتَّوْحِيدِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ: أيْ: إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ وقامَتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ ولَمْ يَنْجَعْ في الكافِرِينَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ: أيْ: أرْبابُ الثَّباتِ والحَزْمِ فَإنَّكَ مِنهم. قالَ مُجاهِدٌ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ خَمْسَةٌ: نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهم أصْحابُ الشَّرائِعِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم نُوحٌ، وهُودٌ، وإبْراهِيمُ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَكُونَ رابِعَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: هم سِتَّةٌ إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ولُوطٌ، ومُوسى. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ مِنهم إسْماعِيلَ، ويَعْقُوبَ، وأيُّوبَ، ولَيْسَ مِنهم يُونُسُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ، والكَلْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ، فَأظْهَرُوا المُكاشَفَةَ، وجاهَدُوا الكَفَرَةَ، وقِيلَ هم نُجَباءُ الرُّسُلِ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ: إبْراهِيمُ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، ونُوحٌ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وأيُّوبُ، ويُوسُفُ، ومُوسى، وهارُونُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى، وإلْياسُ، وإسْماعِيلُ، واليَسَعُ، ويُونُسُ، ولُوطٌ. واخْتارَ هَذا الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقِيلَ إنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم أُولُو العَزْمِ، وقِيلَ هُمُ اثْنا عَشَرَ نَبِيًّا إلى بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الحَسَنُ: هم أرْبَعَةٌ: إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وعِيسى ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلِ العَذابَ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ. لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالصَّبْرِ، ونَهاهُ عَنِ اسْتِعْجالِ العَذابِ لِقَوْمِهِ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا قالَ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَوْمَ يُشاهِدُونَهُ في الآخِرَةِ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا إلّا قَدْرَ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الأيّامِ لِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ والبَلاءِ المُقِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( بَلاغٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هَذا الَّذِي وعَظْتُهم بِهِ بَلاغٌ، أوْ تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغٌ، أوْ هَذا القُرْآنُ بَلاغٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ لَهُمُ الواقِعُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ﴾ أيْ: لَهم بَلاغٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( بَلاغًا ) بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ: أيْ بَلِّغْ بَلاغًا، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ ( بَلِّغْ ) بِصِيغَةِ الأمْرِ. وقُرِئَ ( بَلَّغَ ) بِصِيغَةِ الماضِي ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَهَلْ يُهْلَكُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَهْلِكُ بِعَذابِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخارِجُونَ عَنِ الطّاعَةِ الواقِعُونَ في مَعاصِي اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: لا يَهْلِكُ عَلى اللَّهِ إلّا هالِكٌ مُشْرِكٌ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ أقْوى آيَةٍ في الرَّجاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ لا يَهْلِكُ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَنِيعٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هَبَطُوا، يَعْنِي الجِنَّ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو يَقْرَأُ القُرْآنَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا: أنْصِتُوا، قالُوا صَهٍ، وكانُوا تِسْعَةً، أحَدُهم زَوْبَعَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ( ضَلالٍ مُبِينٍ ) . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ قالَ: بِنَخْلَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي العِشاءَ الآخِرَةَ ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ الآيَةَ. قالَ كانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ نَحْوَهُ أيْضًا قالَ: صُرِفَتِ الجِنُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ وكانُوا أشْرافَ الجِنِّ بِنَصِيبِينَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ مَن آذَنَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ ؟ قالَ: آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: «هَلْ صَحِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنكم أحَدًا لَيْلَةَ الجِنِّ ؟ قالَ: ما صَحِبَهُ مِنّا أحَدٌ، ولَكِنّا فَقَدْناهُ ذاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْنا اغْتِيلَ، اسْتُطِيرَ، ما فَعَلَ ؟ قالَ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ، فَلَمّا كانَ في وجْهِ الصُّبْحِ إذا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِن قِبَلِ حِراءٍ، فَأخْبَرْناهُ، فَقالَ: إنَّهُ أتانِي داعِي الجِنِّ، فَأتَيْتُهم، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فانْطَلَقَ، فَأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانِهِمْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ الجِنِّ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. والجَمْعُ بَيْنَ الرِّواياتِ بِالحَمْلِ عَلى قِصَّتَيْنِ وقَعَتْ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ الجِنِّ حَضَرَ إحْداهُما ابْنُ مَسْعُودٍ، ولَمْ يَحْضُرْ في الأُخْرى. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ أنَّ الجِنَّ بَعْدَ هَذا وفَدَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وأخَذُوا عَنْهُ الشَّرائِعَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ونُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ حَتّى مَضَوْا عَلى ذَلِكَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صائِمًا ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا، ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا قالَ: يا عائِشَةُ إنَّ الدَّيْنَ لا يَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ ولا لِآلِ مُحَمَّدٍ، يا عائِشَةُ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ مِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إلّا بِالصَّبْرِ عَلى مَكْرُوهِها والصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِها، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ مِنِّي إلّا أنْ يُكَلِّفَنِي ما كَلَّفَهم، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإنِّي واللَّهِ لَأصْبِرَنَّ كَما صَبَرُوا جُهْدِي، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» .

الأحقاف 46:33

لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ في الإنْسِ مَن آمَنَ، وفِيهِمْ مَن كَفَرَ بَيَّنَ أيْضًا أنَّ في الجِنِّ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ واذْكُرْ إذْ صَرَفْنا، أيْ: وجَّهْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ وبَعَثْناهم إلَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( نَفَرًا )، أوْ حالٌ لِأنَّ النَّكِرَةَ قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ الأُولى (p-١٣٦٩)﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ أيْ حَضَرُوا القُرْآنَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ، وقِيلَ: حَضَرُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَكُونُ في الكَلامِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْكُتُوا، أمَرُوا بَعْضُهم بَعْضًا بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَسْمَعُوا ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قُضِيَ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ فُرِغَ مِن تِلاوَتِهِ. وقَرَأ حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ولاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو مِجْلَزٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ فَرَغَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن تِلاوَتِهِ، والقِراءَةُ الأُولى تُؤَيِّدُ أنَّ الضَّمِيرَ في حَضَرُوهُ لِلْقُرْآنِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تُؤَيِّدُ أنَّهُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أيِ انْصَرَفُوا قاصِدِينَ إلى ما وراءَهم مِن قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ لَهم عَنْ مُخالَفَةِ القُرْآنِ ومُحَذِّرِينَ لَهم، وانْتِصابُ: ( مُنْذِرِينَ ) عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ أيْ: مُقَدِّرِينَ الإنْذارِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم آمَنُوا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ذَلِكَ. ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَوَصَلُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا. قالَ عَطاءٌ: كانُوا يَهُودًا فَأسْلَمُوا ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ أيْ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إلى طَرِيقِ اللَّهِ القَوِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلى الجِنِّ والإنْسِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوِ القُرْآنَ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: بَعْضَها، وهو ما عَدا حَقَّ العِبادِ، وقِيلَ إنَّ ( مِن ) هُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَقَعُ ابْتِداءُ الغُفْرانِ مِنَ الذُّنُوبِ ثُمَّ يَنْتَهِي إلى غُفْرانِ تَرْكِ ما هو الأوْلى، وقِيلَ هي زائِدَةٌ ﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو عَذابُ النّارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُكْمَ الجِنِّ حُكْمُ الإنْسِ في الثَّوابِ والعِقابِ والتَّعَبُّدِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي. وقالَ الحَسَنُ لَيْسَ لِمُؤْمِنِي الجِنِّ ثَوابٌ غَيْرَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، فَقالَ القائِلُونَ بِهِ أنَّهم بَعْدَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ يُقالُ لَهم: كُونُوا تُرابًا، كَما يُقالُ لِلْبَهائِمِ والثّانِي أرْجَحُ. وقَدْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مُخاطَبَةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧، ٤٦] فامْتَنَّ سُبْحانَهُ عَلى الثَّقَلَيْنِ بِأنْ جَعَلَ جَزاءَ مُحْسِنِهِمُ الجَنَّةَ، ولا يُنافِي هَذا الِاقْتِصارَ هاهُنا عَلى ذِكْرِ إجارَتِهِمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ جازى كافِرَهم بِالنّارِ وهو مَقامُ عَدْلٍ، فَكَيْفَ لا يُجازِي مُحْسِنَهم بِالجَنَّةِ وهو مَقامُ فَضْلٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أيْضًا ما في القُرْآنِ الكَرِيمِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن عَمِلَ الصّالِحاتِ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن قالَ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " الجَنَّةُ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا هو كَثِيرٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ أرْسَلَ اللَّهُ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم أمْ لا، وظاهِرُ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ أنَّ الرُّسُلَ مِنَ الإنْسِ فَقَطْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ . [يوسف: ١٠٩] وقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقالَ سُبْحانَهُ في إبْراهِيمَ الخَلِيلِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾، فَكُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ إبْراهِيمَ فَهو مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم﴾ [الأنعام: ١٣٠] فَقِيلَ المُرادُ مِن مَجْمُوعِ الجِنْسَيْنِ، وصَدَقَ عَلى أحَدِهِما، وهُمُ الإنْسُ: كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ أيْ: مِن أحَدِهِما. [الرحمن: ٢٢] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ أيْ لا يَفُوتُ اللَّهَ ولا يَسْبِقُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلى الهَرَبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ وإنْ هَرَبَ كُلَّ مَهْرَبٍ فَهو في الأرْضِ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الخُرُوجِ مِنها، وفي هَذا تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أيْ: أنْصارٌ يَمْنَعُونَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ. بَيَّنَ سُبْحانَهُ بَعْدَ اسْتِحالَةِ نَجاتِهِ بِنَفْسِهِ اسْتِحالَةَ نَجاتِهِ بِواسِطَةِ غَيْرِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى ( مَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ )، وأخْبَرَ أنَّهم ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ واضِحٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا عَلى البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى العِلْمِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ ابْتِداءً ﴿ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أيْ: لَمْ يَعْجِزْ عَنْ ذَلِكَ ولا ضَعُفَ عَنْهُ، يُقالُ عَيَّ بِالأمْرِ وعَيِيَ: إذا لَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَيَّوْا بِأمْرِهِمُ كَما عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ قَرَأ الجُمْهُورُ ( ولَمْ يَعْيَ ) بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ مُضارِعَ عَيِيَ. وقَرَأ الحَسَنُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: العَرَبُ تُدْخِلُ الباءَ مَعَ الجَحْدِ والِاسْتِفْهامِ، فَتَقُولُ: ما أظُنُّكَ بِقائِمٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُما خَبَرٌ لِأنَّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْرَجُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( يَقْدِرُ ) عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قالَ: لِأنَّ دُخُولَ الباءِ في خَبَرِ " أنَّ " قَبِيحٌ ﴿بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُقالُ ذَلِكَ اليَوْمَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَحْكِيَّةُ بِالقَوْلِ، والإشارَةُ بِـ " هَذا " إلى ما هو مُشاهَدٌ لَهم يَوْمَ عَرْضِهِمْ عَلى النّارِ، وفي الِاكْتِفاءِ بِمُجَرَّدِ الإشارَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ لِلْمُشارِ إلَيْهِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، كَأنَّهُ أمْرٌ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ اعْتَرَفُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، وأكَّدُوا هَذا الِاعْتِرافَ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ المُشاهَدَةَ هي (p-١٣٧٠)حَقُّ اليَقِينِ الَّذِي لا يُمْكِنُ جَحَدُهُ ولا إنْكارُهُ ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهَذا في الدُّنْيا وإنْكارِكم لَهُ، وفي هَذا الأمْرِ لَهم بِذَوْقِ العَذابِ تَوْبِيخٌ بالِغٌ وتَهَكُّمٌ عَظِيمٌ. لَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ الأدِلَّةَ عَلى النُّبُوَّةِ والتَّوْحِيدِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ: أيْ: إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ وقامَتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ ولَمْ يَنْجَعْ في الكافِرِينَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ: أيْ: أرْبابُ الثَّباتِ والحَزْمِ فَإنَّكَ مِنهم. قالَ مُجاهِدٌ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ خَمْسَةٌ: نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهم أصْحابُ الشَّرائِعِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم نُوحٌ، وهُودٌ، وإبْراهِيمُ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَكُونَ رابِعَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: هم سِتَّةٌ إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ولُوطٌ، ومُوسى. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ مِنهم إسْماعِيلَ، ويَعْقُوبَ، وأيُّوبَ، ولَيْسَ مِنهم يُونُسُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ، والكَلْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ، فَأظْهَرُوا المُكاشَفَةَ، وجاهَدُوا الكَفَرَةَ، وقِيلَ هم نُجَباءُ الرُّسُلِ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ: إبْراهِيمُ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، ونُوحٌ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وأيُّوبُ، ويُوسُفُ، ومُوسى، وهارُونُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى، وإلْياسُ، وإسْماعِيلُ، واليَسَعُ، ويُونُسُ، ولُوطٌ. واخْتارَ هَذا الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقِيلَ إنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم أُولُو العَزْمِ، وقِيلَ هُمُ اثْنا عَشَرَ نَبِيًّا إلى بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الحَسَنُ: هم أرْبَعَةٌ: إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وعِيسى ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلِ العَذابَ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ. لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالصَّبْرِ، ونَهاهُ عَنِ اسْتِعْجالِ العَذابِ لِقَوْمِهِ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا قالَ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَوْمَ يُشاهِدُونَهُ في الآخِرَةِ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا إلّا قَدْرَ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الأيّامِ لِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ والبَلاءِ المُقِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( بَلاغٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هَذا الَّذِي وعَظْتُهم بِهِ بَلاغٌ، أوْ تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغٌ، أوْ هَذا القُرْآنُ بَلاغٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ لَهُمُ الواقِعُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ﴾ أيْ: لَهم بَلاغٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( بَلاغًا ) بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ: أيْ بَلِّغْ بَلاغًا، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ ( بَلِّغْ ) بِصِيغَةِ الأمْرِ. وقُرِئَ ( بَلَّغَ ) بِصِيغَةِ الماضِي ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَهَلْ يُهْلَكُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَهْلِكُ بِعَذابِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخارِجُونَ عَنِ الطّاعَةِ الواقِعُونَ في مَعاصِي اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: لا يَهْلِكُ عَلى اللَّهِ إلّا هالِكٌ مُشْرِكٌ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ أقْوى آيَةٍ في الرَّجاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ لا يَهْلِكُ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَنِيعٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هَبَطُوا، يَعْنِي الجِنَّ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو يَقْرَأُ القُرْآنَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا: أنْصِتُوا، قالُوا صَهٍ، وكانُوا تِسْعَةً، أحَدُهم زَوْبَعَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ( ضَلالٍ مُبِينٍ ) . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ قالَ: بِنَخْلَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي العِشاءَ الآخِرَةَ ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ الآيَةَ. قالَ كانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ نَحْوَهُ أيْضًا قالَ: صُرِفَتِ الجِنُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ وكانُوا أشْرافَ الجِنِّ بِنَصِيبِينَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ مَن آذَنَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ ؟ قالَ: آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: «هَلْ صَحِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنكم أحَدًا لَيْلَةَ الجِنِّ ؟ قالَ: ما صَحِبَهُ مِنّا أحَدٌ، ولَكِنّا فَقَدْناهُ ذاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْنا اغْتِيلَ، اسْتُطِيرَ، ما فَعَلَ ؟ قالَ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ، فَلَمّا كانَ في وجْهِ الصُّبْحِ إذا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِن قِبَلِ حِراءٍ، فَأخْبَرْناهُ، فَقالَ: إنَّهُ أتانِي داعِي الجِنِّ، فَأتَيْتُهم، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فانْطَلَقَ، فَأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانِهِمْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ الجِنِّ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. والجَمْعُ بَيْنَ الرِّواياتِ بِالحَمْلِ عَلى قِصَّتَيْنِ وقَعَتْ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ الجِنِّ حَضَرَ إحْداهُما ابْنُ مَسْعُودٍ، ولَمْ يَحْضُرْ في الأُخْرى. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ أنَّ الجِنَّ بَعْدَ هَذا وفَدَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وأخَذُوا عَنْهُ الشَّرائِعَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ونُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ حَتّى مَضَوْا عَلى ذَلِكَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صائِمًا ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا، ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا قالَ: يا عائِشَةُ إنَّ الدَّيْنَ لا يَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ ولا لِآلِ مُحَمَّدٍ، يا عائِشَةُ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ مِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إلّا بِالصَّبْرِ عَلى مَكْرُوهِها والصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِها، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ مِنِّي إلّا أنْ يُكَلِّفَنِي ما كَلَّفَهم، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإنِّي واللَّهِ لَأصْبِرَنَّ كَما صَبَرُوا جُهْدِي، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» .