Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأحقاف 46:34 – محمد 47:21

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الأحقاف 46:34
  2. الأحقاف 46:35
  3. محمد 47:1
  4. محمد 47:2
  5. محمد 47:3
  6. محمد 47:4
  7. محمد 47:5
  8. محمد 47:6
  9. محمد 47:7
  10. محمد 47:8
  11. محمد 47:9
  12. محمد 47:10
  13. محمد 47:11
  14. محمد 47:12
  15. محمد 47:13
  16. محمد 47:14
  17. محمد 47:15
  18. محمد 47:16
  19. محمد 47:17
  20. محمد 47:18
  21. محمد 47:19
  22. محمد 47:20
  23. محمد 47:21

الأحقاف 46:34

لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ في الإنْسِ مَن آمَنَ، وفِيهِمْ مَن كَفَرَ بَيَّنَ أيْضًا أنَّ في الجِنِّ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ واذْكُرْ إذْ صَرَفْنا، أيْ: وجَّهْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ وبَعَثْناهم إلَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( نَفَرًا )، أوْ حالٌ لِأنَّ النَّكِرَةَ قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ الأُولى (p-١٣٦٩)﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ أيْ حَضَرُوا القُرْآنَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ، وقِيلَ: حَضَرُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَكُونُ في الكَلامِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْكُتُوا، أمَرُوا بَعْضُهم بَعْضًا بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَسْمَعُوا ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قُضِيَ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ فُرِغَ مِن تِلاوَتِهِ. وقَرَأ حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ولاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو مِجْلَزٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ فَرَغَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن تِلاوَتِهِ، والقِراءَةُ الأُولى تُؤَيِّدُ أنَّ الضَّمِيرَ في حَضَرُوهُ لِلْقُرْآنِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تُؤَيِّدُ أنَّهُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أيِ انْصَرَفُوا قاصِدِينَ إلى ما وراءَهم مِن قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ لَهم عَنْ مُخالَفَةِ القُرْآنِ ومُحَذِّرِينَ لَهم، وانْتِصابُ: ( مُنْذِرِينَ ) عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ أيْ: مُقَدِّرِينَ الإنْذارِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم آمَنُوا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ذَلِكَ. ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَوَصَلُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا. قالَ عَطاءٌ: كانُوا يَهُودًا فَأسْلَمُوا ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ أيْ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إلى طَرِيقِ اللَّهِ القَوِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلى الجِنِّ والإنْسِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوِ القُرْآنَ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: بَعْضَها، وهو ما عَدا حَقَّ العِبادِ، وقِيلَ إنَّ ( مِن ) هُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَقَعُ ابْتِداءُ الغُفْرانِ مِنَ الذُّنُوبِ ثُمَّ يَنْتَهِي إلى غُفْرانِ تَرْكِ ما هو الأوْلى، وقِيلَ هي زائِدَةٌ ﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو عَذابُ النّارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُكْمَ الجِنِّ حُكْمُ الإنْسِ في الثَّوابِ والعِقابِ والتَّعَبُّدِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي. وقالَ الحَسَنُ لَيْسَ لِمُؤْمِنِي الجِنِّ ثَوابٌ غَيْرَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، فَقالَ القائِلُونَ بِهِ أنَّهم بَعْدَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ يُقالُ لَهم: كُونُوا تُرابًا، كَما يُقالُ لِلْبَهائِمِ والثّانِي أرْجَحُ. وقَدْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مُخاطَبَةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧، ٤٦] فامْتَنَّ سُبْحانَهُ عَلى الثَّقَلَيْنِ بِأنْ جَعَلَ جَزاءَ مُحْسِنِهِمُ الجَنَّةَ، ولا يُنافِي هَذا الِاقْتِصارَ هاهُنا عَلى ذِكْرِ إجارَتِهِمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ جازى كافِرَهم بِالنّارِ وهو مَقامُ عَدْلٍ، فَكَيْفَ لا يُجازِي مُحْسِنَهم بِالجَنَّةِ وهو مَقامُ فَضْلٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أيْضًا ما في القُرْآنِ الكَرِيمِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن عَمِلَ الصّالِحاتِ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن قالَ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " الجَنَّةُ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا هو كَثِيرٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ أرْسَلَ اللَّهُ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم أمْ لا، وظاهِرُ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ أنَّ الرُّسُلَ مِنَ الإنْسِ فَقَطْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ . [يوسف: ١٠٩] وقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقالَ سُبْحانَهُ في إبْراهِيمَ الخَلِيلِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾، فَكُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ إبْراهِيمَ فَهو مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم﴾ [الأنعام: ١٣٠] فَقِيلَ المُرادُ مِن مَجْمُوعِ الجِنْسَيْنِ، وصَدَقَ عَلى أحَدِهِما، وهُمُ الإنْسُ: كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ أيْ: مِن أحَدِهِما. [الرحمن: ٢٢] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ أيْ لا يَفُوتُ اللَّهَ ولا يَسْبِقُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلى الهَرَبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ وإنْ هَرَبَ كُلَّ مَهْرَبٍ فَهو في الأرْضِ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الخُرُوجِ مِنها، وفي هَذا تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أيْ: أنْصارٌ يَمْنَعُونَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ. بَيَّنَ سُبْحانَهُ بَعْدَ اسْتِحالَةِ نَجاتِهِ بِنَفْسِهِ اسْتِحالَةَ نَجاتِهِ بِواسِطَةِ غَيْرِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى ( مَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ )، وأخْبَرَ أنَّهم ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ واضِحٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا عَلى البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى العِلْمِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ ابْتِداءً ﴿ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أيْ: لَمْ يَعْجِزْ عَنْ ذَلِكَ ولا ضَعُفَ عَنْهُ، يُقالُ عَيَّ بِالأمْرِ وعَيِيَ: إذا لَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَيَّوْا بِأمْرِهِمُ كَما عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ قَرَأ الجُمْهُورُ ( ولَمْ يَعْيَ ) بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ مُضارِعَ عَيِيَ. وقَرَأ الحَسَنُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: العَرَبُ تُدْخِلُ الباءَ مَعَ الجَحْدِ والِاسْتِفْهامِ، فَتَقُولُ: ما أظُنُّكَ بِقائِمٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُما خَبَرٌ لِأنَّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْرَجُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( يَقْدِرُ ) عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قالَ: لِأنَّ دُخُولَ الباءِ في خَبَرِ " أنَّ " قَبِيحٌ ﴿بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُقالُ ذَلِكَ اليَوْمَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَحْكِيَّةُ بِالقَوْلِ، والإشارَةُ بِـ " هَذا " إلى ما هو مُشاهَدٌ لَهم يَوْمَ عَرْضِهِمْ عَلى النّارِ، وفي الِاكْتِفاءِ بِمُجَرَّدِ الإشارَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ لِلْمُشارِ إلَيْهِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، كَأنَّهُ أمْرٌ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ اعْتَرَفُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، وأكَّدُوا هَذا الِاعْتِرافَ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ المُشاهَدَةَ هي (p-١٣٧٠)حَقُّ اليَقِينِ الَّذِي لا يُمْكِنُ جَحَدُهُ ولا إنْكارُهُ ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهَذا في الدُّنْيا وإنْكارِكم لَهُ، وفي هَذا الأمْرِ لَهم بِذَوْقِ العَذابِ تَوْبِيخٌ بالِغٌ وتَهَكُّمٌ عَظِيمٌ. لَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ الأدِلَّةَ عَلى النُّبُوَّةِ والتَّوْحِيدِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ: أيْ: إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ وقامَتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ ولَمْ يَنْجَعْ في الكافِرِينَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ: أيْ: أرْبابُ الثَّباتِ والحَزْمِ فَإنَّكَ مِنهم. قالَ مُجاهِدٌ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ خَمْسَةٌ: نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهم أصْحابُ الشَّرائِعِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم نُوحٌ، وهُودٌ، وإبْراهِيمُ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَكُونَ رابِعَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: هم سِتَّةٌ إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ولُوطٌ، ومُوسى. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ مِنهم إسْماعِيلَ، ويَعْقُوبَ، وأيُّوبَ، ولَيْسَ مِنهم يُونُسُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ، والكَلْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ، فَأظْهَرُوا المُكاشَفَةَ، وجاهَدُوا الكَفَرَةَ، وقِيلَ هم نُجَباءُ الرُّسُلِ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ: إبْراهِيمُ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، ونُوحٌ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وأيُّوبُ، ويُوسُفُ، ومُوسى، وهارُونُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى، وإلْياسُ، وإسْماعِيلُ، واليَسَعُ، ويُونُسُ، ولُوطٌ. واخْتارَ هَذا الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقِيلَ إنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم أُولُو العَزْمِ، وقِيلَ هُمُ اثْنا عَشَرَ نَبِيًّا إلى بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الحَسَنُ: هم أرْبَعَةٌ: إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وعِيسى ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلِ العَذابَ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ. لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالصَّبْرِ، ونَهاهُ عَنِ اسْتِعْجالِ العَذابِ لِقَوْمِهِ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا قالَ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَوْمَ يُشاهِدُونَهُ في الآخِرَةِ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا إلّا قَدْرَ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الأيّامِ لِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ والبَلاءِ المُقِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( بَلاغٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هَذا الَّذِي وعَظْتُهم بِهِ بَلاغٌ، أوْ تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغٌ، أوْ هَذا القُرْآنُ بَلاغٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ لَهُمُ الواقِعُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ﴾ أيْ: لَهم بَلاغٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( بَلاغًا ) بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ: أيْ بَلِّغْ بَلاغًا، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ ( بَلِّغْ ) بِصِيغَةِ الأمْرِ. وقُرِئَ ( بَلَّغَ ) بِصِيغَةِ الماضِي ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَهَلْ يُهْلَكُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَهْلِكُ بِعَذابِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخارِجُونَ عَنِ الطّاعَةِ الواقِعُونَ في مَعاصِي اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: لا يَهْلِكُ عَلى اللَّهِ إلّا هالِكٌ مُشْرِكٌ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ أقْوى آيَةٍ في الرَّجاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ لا يَهْلِكُ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَنِيعٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هَبَطُوا، يَعْنِي الجِنَّ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو يَقْرَأُ القُرْآنَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا: أنْصِتُوا، قالُوا صَهٍ، وكانُوا تِسْعَةً، أحَدُهم زَوْبَعَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ( ضَلالٍ مُبِينٍ ) . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ قالَ: بِنَخْلَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي العِشاءَ الآخِرَةَ ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ الآيَةَ. قالَ كانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ نَحْوَهُ أيْضًا قالَ: صُرِفَتِ الجِنُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ وكانُوا أشْرافَ الجِنِّ بِنَصِيبِينَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ مَن آذَنَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ ؟ قالَ: آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: «هَلْ صَحِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنكم أحَدًا لَيْلَةَ الجِنِّ ؟ قالَ: ما صَحِبَهُ مِنّا أحَدٌ، ولَكِنّا فَقَدْناهُ ذاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْنا اغْتِيلَ، اسْتُطِيرَ، ما فَعَلَ ؟ قالَ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ، فَلَمّا كانَ في وجْهِ الصُّبْحِ إذا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِن قِبَلِ حِراءٍ، فَأخْبَرْناهُ، فَقالَ: إنَّهُ أتانِي داعِي الجِنِّ، فَأتَيْتُهم، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فانْطَلَقَ، فَأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانِهِمْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ الجِنِّ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. والجَمْعُ بَيْنَ الرِّواياتِ بِالحَمْلِ عَلى قِصَّتَيْنِ وقَعَتْ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ الجِنِّ حَضَرَ إحْداهُما ابْنُ مَسْعُودٍ، ولَمْ يَحْضُرْ في الأُخْرى. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ أنَّ الجِنَّ بَعْدَ هَذا وفَدَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وأخَذُوا عَنْهُ الشَّرائِعَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ونُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ حَتّى مَضَوْا عَلى ذَلِكَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صائِمًا ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا، ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا قالَ: يا عائِشَةُ إنَّ الدَّيْنَ لا يَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ ولا لِآلِ مُحَمَّدٍ، يا عائِشَةُ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ مِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إلّا بِالصَّبْرِ عَلى مَكْرُوهِها والصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِها، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ مِنِّي إلّا أنْ يُكَلِّفَنِي ما كَلَّفَهم، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإنِّي واللَّهِ لَأصْبِرَنَّ كَما صَبَرُوا جُهْدِي، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» .

الأحقاف 46:35

لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ في الإنْسِ مَن آمَنَ، وفِيهِمْ مَن كَفَرَ بَيَّنَ أيْضًا أنَّ في الجِنِّ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ واذْكُرْ إذْ صَرَفْنا، أيْ: وجَّهْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ وبَعَثْناهم إلَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ( نَفَرًا )، أوْ حالٌ لِأنَّ النَّكِرَةَ قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ الأُولى (p-١٣٦٩)﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ أيْ حَضَرُوا القُرْآنَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ، وقِيلَ: حَضَرُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَكُونُ في الكَلامِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿قالُوا أنْصِتُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْكُتُوا، أمَرُوا بَعْضُهم بَعْضًا بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَسْمَعُوا ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قُضِيَ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ فُرِغَ مِن تِلاوَتِهِ. وقَرَأ حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ولاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو مِجْلَزٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ فَرَغَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن تِلاوَتِهِ، والقِراءَةُ الأُولى تُؤَيِّدُ أنَّ الضَّمِيرَ في حَضَرُوهُ لِلْقُرْآنِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تُؤَيِّدُ أنَّهُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أيِ انْصَرَفُوا قاصِدِينَ إلى ما وراءَهم مِن قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ لَهم عَنْ مُخالَفَةِ القُرْآنِ ومُحَذِّرِينَ لَهم، وانْتِصابُ: ( مُنْذِرِينَ ) عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ أيْ: مُقَدِّرِينَ الإنْذارِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم آمَنُوا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ذَلِكَ. ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَوَصَلُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا. قالَ عَطاءٌ: كانُوا يَهُودًا فَأسْلَمُوا ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ أيْ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إلى طَرِيقِ اللَّهِ القَوِيمِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلى الجِنِّ والإنْسِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوِ القُرْآنَ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: بَعْضَها، وهو ما عَدا حَقَّ العِبادِ، وقِيلَ إنَّ ( مِن ) هُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَقَعُ ابْتِداءُ الغُفْرانِ مِنَ الذُّنُوبِ ثُمَّ يَنْتَهِي إلى غُفْرانِ تَرْكِ ما هو الأوْلى، وقِيلَ هي زائِدَةٌ ﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو عَذابُ النّارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُكْمَ الجِنِّ حُكْمُ الإنْسِ في الثَّوابِ والعِقابِ والتَّعَبُّدِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي. وقالَ الحَسَنُ لَيْسَ لِمُؤْمِنِي الجِنِّ ثَوابٌ غَيْرَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، فَقالَ القائِلُونَ بِهِ أنَّهم بَعْدَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ يُقالُ لَهم: كُونُوا تُرابًا، كَما يُقالُ لِلْبَهائِمِ والثّانِي أرْجَحُ. وقَدْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مُخاطَبَةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧، ٤٦] فامْتَنَّ سُبْحانَهُ عَلى الثَّقَلَيْنِ بِأنْ جَعَلَ جَزاءَ مُحْسِنِهِمُ الجَنَّةَ، ولا يُنافِي هَذا الِاقْتِصارَ هاهُنا عَلى ذِكْرِ إجارَتِهِمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ جازى كافِرَهم بِالنّارِ وهو مَقامُ عَدْلٍ، فَكَيْفَ لا يُجازِي مُحْسِنَهم بِالجَنَّةِ وهو مَقامُ فَضْلٍ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أيْضًا ما في القُرْآنِ الكَرِيمِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن عَمِلَ الصّالِحاتِ الجَنَّةُ، وجَزاءَ مَن قالَ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " الجَنَّةُ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا هو كَثِيرٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ أرْسَلَ اللَّهُ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم أمْ لا، وظاهِرُ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ أنَّ الرُّسُلَ مِنَ الإنْسِ فَقَطْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ . [يوسف: ١٠٩] وقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقالَ سُبْحانَهُ في إبْراهِيمَ الخَلِيلِ: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾، فَكُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ إبْراهِيمَ فَهو مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم﴾ [الأنعام: ١٣٠] فَقِيلَ المُرادُ مِن مَجْمُوعِ الجِنْسَيْنِ، وصَدَقَ عَلى أحَدِهِما، وهُمُ الإنْسُ: كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ أيْ: مِن أحَدِهِما. [الرحمن: ٢٢] ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ أيْ لا يَفُوتُ اللَّهَ ولا يَسْبِقُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلى الهَرَبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ وإنْ هَرَبَ كُلَّ مَهْرَبٍ فَهو في الأرْضِ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الخُرُوجِ مِنها، وفي هَذا تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أيْ: أنْصارٌ يَمْنَعُونَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ. بَيَّنَ سُبْحانَهُ بَعْدَ اسْتِحالَةِ نَجاتِهِ بِنَفْسِهِ اسْتِحالَةَ نَجاتِهِ بِواسِطَةِ غَيْرِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى ( مَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ )، وأخْبَرَ أنَّهم ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ واضِحٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا عَلى البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى العِلْمِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ ابْتِداءً ﴿ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أيْ: لَمْ يَعْجِزْ عَنْ ذَلِكَ ولا ضَعُفَ عَنْهُ، يُقالُ عَيَّ بِالأمْرِ وعَيِيَ: إذا لَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَيَّوْا بِأمْرِهِمُ كَما عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ قَرَأ الجُمْهُورُ ( ولَمْ يَعْيَ ) بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ مُضارِعَ عَيِيَ. وقَرَأ الحَسَنُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: العَرَبُ تُدْخِلُ الباءَ مَعَ الجَحْدِ والِاسْتِفْهامِ، فَتَقُولُ: ما أظُنُّكَ بِقائِمٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُما خَبَرٌ لِأنَّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْرَجُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( يَقْدِرُ ) عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قالَ: لِأنَّ دُخُولَ الباءِ في خَبَرِ " أنَّ " قَبِيحٌ ﴿بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُقالُ ذَلِكَ اليَوْمَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَحْكِيَّةُ بِالقَوْلِ، والإشارَةُ بِـ " هَذا " إلى ما هو مُشاهَدٌ لَهم يَوْمَ عَرْضِهِمْ عَلى النّارِ، وفي الِاكْتِفاءِ بِمُجَرَّدِ الإشارَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ لِلْمُشارِ إلَيْهِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ ما لا يَخْفى، كَأنَّهُ أمْرٌ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ اعْتَرَفُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، وأكَّدُوا هَذا الِاعْتِرافَ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ المُشاهَدَةَ هي (p-١٣٧٠)حَقُّ اليَقِينِ الَّذِي لا يُمْكِنُ جَحَدُهُ ولا إنْكارُهُ ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهَذا في الدُّنْيا وإنْكارِكم لَهُ، وفي هَذا الأمْرِ لَهم بِذَوْقِ العَذابِ تَوْبِيخٌ بالِغٌ وتَهَكُّمٌ عَظِيمٌ. لَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ الأدِلَّةَ عَلى النُّبُوَّةِ والتَّوْحِيدِ والمَعادِ أمَرَ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ: أيْ: إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ وقامَتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ ولَمْ يَنْجَعْ في الكافِرِينَ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ: أيْ: أرْبابُ الثَّباتِ والحَزْمِ فَإنَّكَ مِنهم. قالَ مُجاهِدٌ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ خَمْسَةٌ: نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهم أصْحابُ الشَّرائِعِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: هم نُوحٌ، وهُودٌ، وإبْراهِيمُ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَكُونَ رابِعَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: هم سِتَّةٌ إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ولُوطٌ، ومُوسى. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ مِنهم إسْماعِيلَ، ويَعْقُوبَ، وأيُّوبَ، ولَيْسَ مِنهم يُونُسُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ، والكَلْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ، فَأظْهَرُوا المُكاشَفَةَ، وجاهَدُوا الكَفَرَةَ، وقِيلَ هم نُجَباءُ الرُّسُلِ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ: إبْراهِيمُ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، ونُوحٌ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وأيُّوبُ، ويُوسُفُ، ومُوسى، وهارُونُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى، وإلْياسُ، وإسْماعِيلُ، واليَسَعُ، ويُونُسُ، ولُوطٌ. واخْتارَ هَذا الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقِيلَ إنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم أُولُو العَزْمِ، وقِيلَ هُمُ اثْنا عَشَرَ نَبِيًّا إلى بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الحَسَنُ: هم أرْبَعَةٌ: إبْراهِيمُ، ومُوسى، وداوُدُ، وعِيسى ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أيْ لا تَسْتَعْجِلِ العَذابَ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ. لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالصَّبْرِ، ونَهاهُ عَنِ اسْتِعْجالِ العَذابِ لِقَوْمِهِ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا قالَ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَوْمَ يُشاهِدُونَهُ في الآخِرَةِ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا إلّا قَدْرَ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الأيّامِ لِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الهَوْلِ العَظِيمِ والبَلاءِ المُقِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( بَلاغٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: هَذا الَّذِي وعَظْتُهم بِهِ بَلاغٌ، أوْ تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغٌ، أوْ هَذا القُرْآنُ بَلاغٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ لَهُمُ الواقِعُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ﴾ أيْ: لَهم بَلاغٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ( بَلاغًا ) بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ: أيْ بَلِّغْ بَلاغًا، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ ( بَلِّغْ ) بِصِيغَةِ الأمْرِ. وقُرِئَ ( بَلَّغَ ) بِصِيغَةِ الماضِي ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَهَلْ يُهْلَكُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَهْلِكُ بِعَذابِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخارِجُونَ عَنِ الطّاعَةِ الواقِعُونَ في مَعاصِي اللَّهِ. قالَ قَتادَةُ: لا يَهْلِكُ عَلى اللَّهِ إلّا هالِكٌ مُشْرِكٌ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ أقْوى آيَةٍ في الرَّجاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ لا يَهْلِكُ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَنِيعٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هَبَطُوا، يَعْنِي الجِنَّ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو يَقْرَأُ القُرْآنَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا: أنْصِتُوا، قالُوا صَهٍ، وكانُوا تِسْعَةً، أحَدُهم زَوْبَعَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ( ضَلالٍ مُبِينٍ ) . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ قالَ: بِنَخْلَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي العِشاءَ الآخِرَةَ ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ الآيَةَ. قالَ كانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ نَحْوَهُ أيْضًا قالَ: صُرِفَتِ الجِنُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ وكانُوا أشْرافَ الجِنِّ بِنَصِيبِينَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ مَن آذَنَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ ؟ قالَ: آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: «هَلْ صَحِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنكم أحَدًا لَيْلَةَ الجِنِّ ؟ قالَ: ما صَحِبَهُ مِنّا أحَدٌ، ولَكِنّا فَقَدْناهُ ذاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْنا اغْتِيلَ، اسْتُطِيرَ، ما فَعَلَ ؟ قالَ: فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ، فَلَمّا كانَ في وجْهِ الصُّبْحِ إذا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِن قِبَلِ حِراءٍ، فَأخْبَرْناهُ، فَقالَ: إنَّهُ أتانِي داعِي الجِنِّ، فَأتَيْتُهم، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فانْطَلَقَ، فَأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانِهِمْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ الجِنِّ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. والجَمْعُ بَيْنَ الرِّواياتِ بِالحَمْلِ عَلى قِصَّتَيْنِ وقَعَتْ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَعَ الجِنِّ حَضَرَ إحْداهُما ابْنُ مَسْعُودٍ، ولَمْ يَحْضُرْ في الأُخْرى. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ أنَّ الجِنَّ بَعْدَ هَذا وفَدَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وأخَذُوا عَنْهُ الشَّرائِعَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ونُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ حَتّى مَضَوْا عَلى ذَلِكَ نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، ومُوسى، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صائِمًا ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا، ثُمَّ طَوى، ثُمَّ ظَلَّ صائِمًا قالَ: يا عائِشَةُ إنَّ الدَّيْنَ لا يَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ ولا لِآلِ مُحَمَّدٍ، يا عائِشَةُ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ مِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إلّا بِالصَّبْرِ عَلى مَكْرُوهِها والصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِها، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ مِنِّي إلّا أنْ يُكَلِّفَنِي ما كَلَّفَهم، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإنِّي واللَّهِ لَأصْبِرَنَّ كَما صَبَرُوا جُهْدِي، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» .

محمد 47:1

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:2

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:3

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:4

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:5

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:6

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:7

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:8

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:9

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:10

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:11

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:12

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:13

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:14

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:15

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:16

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:17

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:18

وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وسُورَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهِيَ تِسْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَلاثُونَ، وهي مَدَنِيَّةٌ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ. وحَكاهُ ابْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وهو غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، فالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِتالِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عِمْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ بِهِمْ في المَغْرِبِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ كَفَرُوا بِاللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ بِمَنعِ قاصِدِيهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابِ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ. وخَبَرُهُ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وجَعَلَها ضائِعَةً. قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أبْطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ في الكُفْرِ مِمّا كانُوا يُسَمُّونَهُ مَكارِمَ أخْلاقٍ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وفَكِّ الأُسارى، وقِرى الأضْيافِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِن أصْلِها، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها. ولَمّا ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ أتْبَعَهم بِذِكْرِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ ظاهِرُ هَذا العُمُومُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ خُصُوصُ سَبَبِها، فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وقِيلَ في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الإيمانِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَكانِهِ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو قَوْلُهُ: والَّذِينَ آمَنُوا، وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ومَعْنى كَوْنِهِ الحَقَّ أنَّهُ النّاسِخُ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ: ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: السَّيِّئاتِ الَّتِي عَمِلُوها فِيما مَضى فَإنَّهُ غَفَرَها لَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: شَأْنَهم، وحالَهم. قالَ مُجاهِدٌ: شَأْنَهم، وقالَ قَتادَةُ: حالَهم، وقِيلَ: أمْرَهم، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: البالُ الحالُ هاهُنا. قِيلَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَصَمَهم عَنِ المَعاصِي في حَياتِهِمْ وأرْشَدَهم إلى أعْمالِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ إصْلاحَ حالِ دُنْياهم مِن إعْطائِهِمُ المالَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ المَعْنى أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ تُقْبِلِي بِالوُدِّ أُقْبِلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالِ بالِيا والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِمّا أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ ووَعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ( بِـ ) سَبَبِ ﴿أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فالباطِلُ الشِّرْكُ، والحَقُّ التَّوْحِيدُ والإيمانُ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأعْمالِ الكافِرِينَ بِسَبَبِ اتِّباعِهُمُ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِمَعاصِيهِ، وذَلِكَ التَّكْفِيرُ لِسَيِّئاتِ المُؤْمِنِينَ، وإصْلاحُ بِالِهِمْ بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْحَقِّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والإيمانِ، وعَمَلِ الطّاعاتِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهم﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أمْثالَهم: أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ الجارِيَةَ مَجْرى الأمْثالِ في الغَرابَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ ) يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وإضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ كافِرًا أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا كَفَّرَ اللَّهُ سَيِّئاتِهِ. ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ أمَرَ بِجِهادِ الكُفّارِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ ومَن لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وانْتِصابُ فَ ( ضَرْبَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. وخَصَّ الرِّقابَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَتْلَ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِقَطْعِها، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو كَقَوْلِهِمْ: يا نَفْسُ (p-١٣٧٢)صَبْرًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقابِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّ ضَرْبَ الرِّقابِ لِأنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الغِلْظَةِ والشِّدَّةِ ما لَيْسَ في نَفْسِ القَتْلِ، وهي حَزُّ العُنُقِ وإطارَةُ العُضْوِ الَّذِي هو رَأْسُ البَدَنِ وعُلُّوُّهُ وأحْسَنُ أعْضائِهِ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ وأكْثَرْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ لِلْأمْرِ بِضَرْبِ الرِّقابِ، لا لِبَيانِ غايَةِ القَتْلِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ أيِ: الغَلِيظِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ الوَثاقَ بِالفَتْحِ ويَجِيءُ بِالكَسْرِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كالرِّباطِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأوْثَقَهُ في الوَثاقِ: أيْ: شَدَّهُ، قالَ: والوِثاقُ بِكَسْرِ الواوِ لُغَةٌ فِيهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فَشُدُّوا ) بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها. وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ بِشَدِّ الوَثاقِ لِئَلّا يَنْفَلِتُوا، والمَعْنى: إذا بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، فَأْسِرُوهم وأحِيطُوهم بِالوَثاقِ ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الأسْرِ مَنًّا، أوْ تَفْدُوا فِداءً، والمَنُّ: الإطْلاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، والفِداءُ: ما يَفْدِي بِهِ الأسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الأسْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ القَتْلَ هُنا اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فِداءً ) بِالمَدِّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( فِدًى ) بِالقَصْرِ، وإنَّما قَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ؛ لِأنَّهُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَما قالَ شاعِرُهم: ولا نَقْتُلُ الأسْرى ولَكِنْ نَفُكُّهم ∗∗∗ إذا أثْقَلَ الأعْناقَ حَمْلُ المَغارِمِثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغايَةَ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ، أسْنَدَ الوَضْعَ إلَيْها وهو لِأهْلِها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ إلى غايَةٍ هي أنْ لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الكُفّارِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ غَيْرُ دِينِ الإسْلامِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ. قالَ الكِسائِيُّ: حَتّى يُسْلِمَ الخَلْقُ: قالَ الفَرّاءُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويَذْهَبَ الكُفْرُ. وقِيلَ: المَعْنى: حَتّى يَضَعَ الأعْداءُ المُحارِبُونَ أوْزارَهم، وهو سِلاحُهم بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَإذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَقِيلَ إنَّها مَنسُوخَةٌ في أهْلِ الأوْثانِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفادَوْا ولا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِهَذا قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ قالُوا: والمائِدَةُ آخِرُ ما نَزَلَ، فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مُشْرِكٍ إلّا مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَرْكِهِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ ومَن تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، وغَيْرِهِ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ والإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، وبَعْدَ الأسْرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم. وهَذا هو الرّاجِحُ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِهِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ فِداءٌ ولا أسْرٌ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ والقَتْلِ بِالسَّيْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَإذا أسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلْإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما رَآهُ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ مَحَلُّ ذَلِكَ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ: أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: أيْ: ذَلِكَ حُكْمُ الكُفّارِ، ومَعْنى ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم﴾: أيْ: قادِرٌ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم بِالِانْتِقامِ مِنهم وإهْلاكِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ مِن أنْواعِ العَذابِ ولَكِنْ أمَرَكم بِحَرْبِهِمْ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ والصّابِرِينَ عَلى ابْتِلائِهِ ويُجْزِلَ ثَوابَهم ويُعَذِّبَ الكُفّارَ بِأيْدِيهِمْ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( قاتَلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ( قُتِلُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ، ( قَتَلُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَعَ التَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والرّابِعَةِ: أنَّ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَوابُهم غَيْرُ ضائِعٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ: أنَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يُضِيعُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أجْرَهم. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَهم عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ فَقالَ: ( سَيَهْدِيهِمْ ) أيْ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى الرُّشْدِ في الدُّنْيا، ويُعْطِيهِمُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم، وشَأْنَهم، وأمْرَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ: قَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ، والمُرادُ بِها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ والطَّرِيقِ المُفْضِيَةِ إلَيْها، وقالَ ابْنُ زِيادٍ: يَهْدِيهِمْ إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ. ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهم﴾ أيْ بَيَّنَها لَهم حَتّى عَرَفُوها مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ، وذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَفَرَّقُوا إلى مَنازِلِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: وصَفَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في الدُّنْيا، فَلَمّا دَخَلُوها عَرَفُوها بِصِفَتِها. وقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ: أيْ عَرَفُوا طُرُقَها ومَساكِنَها وبُيُوتَها. وقِيلَ: هَذا التَّعْرِيفُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّهم عَلَيْها، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَبْدِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يُدْخِلَهُ مَنزِلَهُ. كَذا قالَ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ، وهو الرّائِحَةُ. ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ عَلى نَصْرِ دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم﴾ أيْ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكم عَلى الكُفّارِ ويَفْتَحْ لَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ . قالَ قُطْرُبٌ: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكم ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكم﴾ أيْ: عِنْدَ القِتالِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ عِبارَةٌ عَنِ النَّصْرِ، (p-١٣٧٣)والمَعُونَةِ في مُواطِنِ الحَرْبِ، وقِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِّراطِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ " فَتَعِسُوا " بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمُبْتَدَأِ بِالشَّرْطِ، وانْتِصابُ ( تَعْسًا ) عَلى المَصْدَرِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ خَبَرًا. قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُ " سُقْيًا " لَهم و" رَعْيًا "، وأصْلُ التَّعْسِ الِانْحِطاطُ والعِثارُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى وجْهِهِ، والنَّكْسُ أنْ يُجَرَّ عَلى رَأْسِهِ، قالَ: والتَّعْسُ أيْضًا الهَلاكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأصْلُهُ الكَبُّ، وهو ضِدُّ الِانْتِعاشِ، ومِنهُ قَوْلُ مُجَمِّعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُقالَ المُبَرِّدُ: أيْ: فَمَكْرُوهًا لَهم، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بُعْدًا لَهم، وقالَ السُّدِّيُّ: خِزْيًا لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقاءً لَهم. وقالَ الحَسَنُ: شَتْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ: هَلاكًا لَهم، وقالَ الضَّحّاكُ: خَيْبَةً لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَغْمًا لَهم. وقالَ ثَعْلَبٌ أيْضًا: شَرًّا لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِقْوَةً لَهم. واللّامُ في لَهم لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ: ( هَيْتَ لَكَ ) [يوسف: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في خَبَرِيَّةِ المَوْصُولِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ: أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ ذَلِكَ الأمْرُ ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، أوْ ما أنْزَلَ عَلى رُسُلِهِ مِن كُتُبِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم بِذَلِكَ السَّبَبِ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما كانُوا عَمِلُوا مِن أعْمالِ الخَيْرِ في الصُّورَةِ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً مِنَ الأصْلِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الكافِرِ لا يُقْبَلُ قَبْلَ إسْلامِهِ. ثُمَّ خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ وأرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ بِحالِ مَن قَبْلَهم، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: ألَمْ يَسِيرُوا في أرْضِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وغَيْرِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الكافِرِينَ قَبْلَهم، فَإنَّ آثارَ العَذابِ في دِيارِهِمْ باقِيَةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما صَنَعَ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّدْمِيرُ والهَلاكُ: أيْ أهْلَكَهم واسْتَأْصَلَهم، يُقالُ: دَمَّرَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى. ثُمَّ تَوَعَّدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ أمْثالُ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ في ( أمْثالِها ) يَرْجِعُ إلى عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّ العَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: أمْثالُ العُقُوبَةِ، وقِيلَ: الهَلْكَةُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرَةُ، والأوَّلُ أوْلى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما هو مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ لِلْكافِرِينَ أمْثالَها ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُهم ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ لا ناصِرَ يَدْفَعُ عَنْهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. إنَّ اللَّهَ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ وِلايَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أيْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعُونَ بِهِ كَأنَّهم أنْعامٌ لَيْسَ لَهم هِمَّةٌ إلّا بُطُونُهم وفُرُوجُهم، ساهُونَ عَنِ العاقِبَةِ لاهُونَ بِما هم فِيهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مُقامٌ يُقِيمُونَ بِهِ، ومَنزِلٌ يَنْزِلُونَهُ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أهْلُ مَكَّةَ، قُرَيْشٌ نَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ قالَ: أمْرَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم أعْمالٌ فاضِلَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الكُفْرِ عَمَلًا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ بِالخِيارِ في الأُسارى، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ نَسَخَتْها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أُتِيَ الحَجّاجُ بِأُسارى، فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَجُلًا يَقْتُلُهُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا يَحِلُّ قَتْلُ الأُسارى، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: لا تَعْبَأْ بِهَذا شَيْئًا أدْرَكْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّهم يُنْكِرُ هَذا، ويَقُولُ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ إنَّما كانَتْ في الهُدْنَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَلا، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويَقُولُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ فَإنْ كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنهم إلّا الإسْلامُ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فالقَتْلُ، وأمّا مَن سِواهم فَإنَّهم إذا أُسِرُوا فالمُسْلِمُونَ فِيهِمْ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَحْيَوْهم، وإنْ شاءُوا فادَوْهم إذا لَمْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ لَمْ يُفادَوْا. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الصَّغِيرِ والمَرْأةِ والشَّيْخِ الفانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: يُوشِكُ مَن عاشَ مِنكم أنْ يَلْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إمامًا مَهْدِيًّا وحَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وتُوضَعُ الجِزْيَةُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثٍ قالَ: «لا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ، ومَأْجُوجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٧٤)﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ قالَ: لِكُفّارِ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ مِثْلُ ما دُمِّرَتْ بِهِ القُرى فَأُهْلِكُوا بِالسَّيْفِ.

محمد 47:19

خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ بِأنَّهُ قَدْ أهْلَكَ مَن هو أشَدُّ مِنهم، فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ ( كَأيِّنْ ) مُرَكَّبَةٌ مِنَ الكافِ وأيٍّ: وأنَّها بِمَعْنى كَمِ الخَبَرِيَّةِ: أيْ وكَمْ مِن قَرْيَةٍ، وأنْشَدَ الأخْفَشُ قَوْلَ الوَلِيدِ: كَأيِّنْ رَأيْنا مِن مُلُوكٍ وسُوقَةٍ ومِفْتاحِ قَيْدٍ لِلْأسِيرِ المُكَبَّلِ ومَعْنى الآيَةِ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ هم أشَدُّ قُوَّةً مِن أهْلِ قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجُوكَ مِنها أهْلَكْناهم ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ فَبِالأوْلى مَن هو أضْعَفُ مِنهم وهم قُرَيْشٌ الَّذِينَ هم أهْلُ قَرْيَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهي مَكَّةُ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] قالَ مُقاتِلٌ: أيْ أهْلَكْناهم بِالعَذابِ حِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهم. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ المُؤْمِنِ وحالِ الكافِرِ، فَقالَ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ، و( مَن ) مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ وأفْرَدَ في هَذا بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ بِاعْتِبارِ مَعْناها، والمَعْنى أنَّهُ لا يَسْتَوِي مَن كانَ عَلى يَقِينٍ مِن رَبِّهِ ولا يَكُونُ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، وهو عِبادَةُ الأوْثانِ والإشْراكُ بِاللَّهِ والعَمَلُ بِمَعاصِي اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم في عِبادَتِها، وانْهَمَكُوا في أنْواعِ الضَّلالاتِ بِلا شُبْهَةٍ تُوجِبُ الشَّكَّ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ نَيِّرَةٍ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ الفَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في الِاهْتِداءِ والضَّلالِ بَيْنَ الفَرْقِ في مَرْجِعِهِما، ومَآلِهِما، فَقالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِشَرْحِ مَحاسِنِ الجَنَّةِ وبَيانِ ما فِيها، ومَعْنى ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ وصْفُها العَجِيبُ الشَّأْنِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: تَقْدِيرُهُ ما يَسْمَعُونَ، وقَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ فِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، قالَ: والمَثَلُ هو الوَصْفُ ومَعْناهُ وصْفُ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ إلَخْ، مُفَسِّرَةٌ لِلْمَثَلِ. وقِيلَ إنَّ ( مَثَلُ ) زائِدَةٌ، وقِيلَ إنَّ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ( فِيها أنْهارٌ )، وقِيلَ: خَبَرُهُ ﴿كَمَن هو خالِدٌ﴾ والآسِنُ المُتَغَيِّرُ، يُقالُ: أسِنَ الماءُ يَأْسَنُ أُسُونًا: إذا تَغَيَّرَتْ رائِحَتُهُ، ومِثْلُهُ الآجِنُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: قَدْ أتْرُكُ القَرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُيَمِيدُ في الرُّمْحِ مَيْدَ المالِحِ الأسِنِ قَرَأ الجُمْهُورُ ( آسِنٍ ) بِالمَدِّ. وقَرَأ حُمَيْدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، بِالقَصْرِ، وهُما لُغَتانِ كَحاذِرٍ وحَذِرٍ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ المَمْدُودَ يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، والمَقْصُورَ يُرادُ بِهِ الحالُ ﴿وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ أيْ: لَمْ يَحْمَضْ كَما تُغَيَّرُ ألْبانُ الدُّنْيا؛ لِأنَّها لَمْ تَخْرُجْ مِن ضُرُوعِ الإبِلِ والغَنَمِ والبَقَرِ ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أيْ: لَذِيذَةٍ لَهم طَيِّبَةِ الشُّرْبِ لا يَتَكَرَّهُها الشّارِبُونَ، يُقالُ: شَرابٌ لَذٌّ ولَذِيذٌ وفِيهِ لَذَّةٌ بِمَعْنًى، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] قَرَأ الجُمْهُورُ ( لَذَّةٍ ) بِالجَرِّ صِفَةً لِخَمْرٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِأنْهارٍ. ﴿وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أيْ: مُصَفًّى مِمّا يُخالِطُهُ مِنَ الشَّمْعِ والقَذى والعَكَرِ والكَدَرِ ﴿ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ لِأهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ الأشْرِبَةِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ: أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِها، و( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ﴿ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ لِذُنُوبِهِمْ، وتَنْكِيرُ ( مَغْفِرَةٌ ) لِلتَّعْظِيمِ: أيْ ولَهم مَغْفِرَةٌ عَظِيمَةٌ كائِنَةٌ مِن رَبِّهِمْ ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ هو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أمْ مَن هو في نَعِيمِ الجَنَّةِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ خالِدًا فِيها كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ. أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ ( مَثَلُ الجَنَّةِ ) . كَما تَقَدَّمَ. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ فَقالَ: أرادَ أمَّنْ كانَ في هَذا النَّعِيمِ كَما هو خالِدٌ في النّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وأُعْطِيَ هَذِهِ الأشْياءَ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وهو خالِدٌ في النّارِ، فَقَوْلُهُ ( كَمَن ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لَيْسَ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي فِيها الثِّمارُ والأنْهارُ كَمَثَلِ النّارِ الَّتِي فِيها الحَمِيمُ والزَّقُّومُ، ولَيْسَ مَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ في النَّعِيمِ كَمَثَلِ أهْلِ النّارِ في العَذابِ الألِيمِ. قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ عُطِفَ عَلى الصِّلَةِ، عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً عَلى اسْمِيَّةٍ لَكِنَّهُ راعى في الأُولى لَفْظَ ( مَن )، وفي الثّانِيَةِ مَعْناها، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ الشَّدِيدُ الغَلَيانِ، فَإذا شَرِبُوهُ قَطَّعَ أمْعاءَهم، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ لِفَرْطِ حَرارَتِهِ. والأمْعاءُ جَمْعُ مِعًى، وهي ما في البُطُونِ مِنَ الحَوايا. ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ أيْ: مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ ﴿مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ، أفْرَدَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ﴾ بِاعْتِبارِ مَعْناها، والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَحْضُرُونَ مَواقِفَ وعْظِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَواطِنَ خُطَبِهِ الَّتِي يُمْلِيها عَلى المُسْلِمِينَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ ﴿قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ وهم عُلَماءُ الصَّحابَةِ، وقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وقِيلَ أبُو الدَّرْداءِ، والأوَّلُ أوْلى: أيْ سَألُوا أهْلَ العِلْمِ، فَقالُوا لَهم ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ أيْ: ماذا قالَ النَّبِيُّ السّاعَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ، والمَعْنى: أنّا لَمْ نَلْتَفِتْ إلى قَوْلِهِ، وآنِفًا يُرادُ بِهِ السّاعَةُ الَّتِي هي أقْرَبُ الأوْقاتِ، ومِنهُ أمْرٌ آنِفٌ: أيْ (p-١٣٧٥)مُسْتَأْنَفٌ، ورَوْضَةٌ أُنُفٌ: أيْ: لَمْ يَرْعَها أحَدٌ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ: أيْ وقْتًا مُؤْتَنَفًا، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( قالَ ) . قالَ الزَّجّاجُ: هو مِنِ اسْتَأْنَفْتُ الشَّيْءَ: إذا ابْتَدَأْتَهُ، وأصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِن أنْفِ الشَّيْءِ لِما تَقَدَّمَ مِنهُ، مُسْتَعارٌ مِنَ الجارِحَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ويَحْرُمُ سِرُّ جارَتِهِمْ عَلَيْهِمْوَيَأْكُلُ جارُهم أنْفَ القِصاعِ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى المَذْكُورِينَ مِنَ المُنافِقِينَ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فَلَمْ يُؤْمِنُوا ولا تَوَجَّهَتْ قُلُوبُهم إلى شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ في الكُفْرِ والعِنادِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ أضْدادِهِمْ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ أيْ والَّذِينَ اهْتَدَوْا إلى طَرِيقِ الخَيْرِ، فَآمَنُوا بِاللَّهِ وعَمِلُوا بِما أمَرَهم بِهِ زادَهم هُدًى بِالتَّوْفِيقِ، وقِيلَ: زادَهُمُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقِيلَ: زادَهُمُ القُرْآنَ. وقالَ الفَرّاءُ: زادَهم إعْراضُ المُنافِقِينَ واسْتِهْزاؤُهم هُدًى، وقِيلَ: زادَهم نُزُولُ النّاسِخِ هُدًى، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فالمُرادُ أنَّهُ زادَهم إيمانًا وعِلْمًا وبَصِيرَةً في الدِّينِ ﴿وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ أيْ ألْهَمَهم إيّاها وأعانَهم عَلَيْها. والتَّقْوى، قالَ الرَّبِيعُ: هي الخَشْيَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي ثَوابُ الآخِرَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي التَّوْفِيقُ لِلْعَمَلِ الَّذِي يَرْضاهُ، وقِيلَ: العَمَلُ بِالنّاسِخِ وتَرْكُ المَنسُوخِ، وقِيلَ: تَرْكُ الرُّخَصِ والأخْذُ بِالعَزائِمِ. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ﴾ أيِ: القِيامَةَ ﴿أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً، وفي هَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ شَدِيدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ بَدَلٌ مِنَ السّاعَةِ بَدَلُ اشْتِمالٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرُّواسِيُّ ( إنْ تَأْتِهِمْ ) بِإنِ الشَّرْطِيَّةِ ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ أيْ: أماراتُها، وعَلاماتُها، وكانُوا قَدْ قَرَءُوا في كُتُبِهِمْ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - آخِرُ الأنْبِياءِ، فَبِعْثَتُهُ مِن أشْراطِها، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ. والأشْراطُ جَمْعُ شَرْطٍ بِسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِها. وقِيلَ: المُرادُ بِأشْراطِها هُنا: أسْبابُها الَّتِي هي دُونَ مُعْظَمِها. وقِيلَ: أرادَ بِعَلاماتِ السّاعَةِ انْشِقاقَ القَمَرِ والدُّخانَ، كَذا قالَ الحَسَنُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كَثْرَةُ المالِ، والتِّجارَةِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، وقَطْعُ الأرْحامِ، وقِلَّةُ الكِرامِ وكَثْرَةُ اللِّئامِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي زَيْدٍ الأسْوَدِ: فَإنْ كُنْتَ قَدْ أزْمَعْتَ بِالصَّرْمِ بَيْنَنافَقَدْ جَعَلَتْ أشْراطُ أوَّلِهِ تَبْدُو ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ ( ذِكْراهم ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ( فَأنّى لَهم ) أيْ: أنّى لَهُمُ التَّذَكُّرُ إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] و( إذا جاءَتْهُمُ ) اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ. ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: إذا عَلِمْتَ أنَّ مَدارَ الخَيْرِ هو التَّوْحِيدُ والطّاعَةُ، ومَدارُ الشَّرِّ هو الشِّرْكُ والعَمَلُ بِمَعاصِي اللَّهِ فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ، ولا رَبَّ سِواهُ، والمَعْنى: اثْبُتْ عَلى ذَلِكَ واسْتَمِرَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ قَبْلَ هَذا، وقِيلَ ما عَلِمْتَهُ اسْتِدْلالًا فاعْلَمْهُ خَبَرًا يَقِينًا. وقِيلَ المَعْنى: فاذْكُرْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَعَبَّرَ عَنِ الذِّكْرِ بِالعِلْمِ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أيِ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ أنْ يَقَعَ مِنكَ ذَنْبٌ، أوِ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِيَعْصِمَكَ، أوِ اسْتَغْفِرْهُ مِمّا رُبَّما يَصْدُرُ مِنكَ مِن تَرْكِ الأوْلى. وقِيلَ الخِطابُ لَهُ، والمُرادُ الأُمَّةُ، ويَأْبى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِ اسْتِغْفارُهُ لِذُنُوبِ أُمَّتِهِ بِالدُّعاءِ لَهم بِالمَغْفِرَةِ عَمّا فَرَطَ مِن ذُنُوبِهِمْ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ في أعْمالِكم ومَثْواكم في الدّارِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: مُتَقَلَّبَكم في أعْمالِكم نَهارًا ومَثْواكم في لَيْلِكم نِيامًا. وقِيلَ: مُتَقَلَّبَكم في أصْلابِ الآباءِ إلى أرْحامِ الأُمَّهاتِ، ومَثْواكم في الأرْضِ: أيْ: مَقامَكم فِيها. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: مُتَقَلَّبَكم مِن ظَهْرٍ إلى بَطْنٍ في الدُّنْيا، ومَثْواكم في القُبُورِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلى الغارِ التَفَتَ إلى مَكَّةَ وقالَ: أنْتِ أحَبُّ بِلادِ اللَّهِ إلَيَّ، ولَوْلا أنَّ أهْلَكِ أخْرَجُونِي مِنكِ لَمْ أخْرُجْ، فَأعْتى الأعْداءِ مَن عَتا عَلى اللَّهِ في حَرَمِهِ، أوْ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، أوْ قَتَلَ بِدُخُولِ الجاهِلِيَّةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ قالَ: غَيْرِ مُتَغَيِّرٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «فِي الجَنَّةِ بَحْرُ اللَّبَنِ وبَحْرُ الماءِ وبَحْرُ العَسَلِ وبَحْرُ الخَمْرِ ثُمَّ تَشَقَّقُ الأنْهارُ مِنها» . وأخْرَجَ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: نَهْرُ النِّيلِ نَهْرُ العَسَلِ في الجَنَّةِ، ونَهْرُ دِجْلَةَ نَهْرُ اللَّبَنِ في الجَنَّةِ، ونَهْرُ الفُراتِ نَهْرُ الخَمْرِ في الجَنَّةِ، ونَهْرُ سَيْحانَ نَهْرُ الماءِ في الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا﴾ قالَ: كُنْتُ فِيمَن يَسْألُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أنا مِنهم. وفِي هَذا مَنقَبَةٌ لِابْنِ عَبّاسٍ جَلِيلَةٌ لِأنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ صَبِيًّا غَيْرَ بالِغٍ، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ماتَ وهو في سِنِّ البُلُوغِ، فَسُؤالُ النّاسِ لَهُ عَنْ مَعانِي القُرْآنِ في حَياةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ووَصْفُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمَسْئُولِينَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وهو مِنهم مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى سَعَةِ عِلْمِهِ، ومَزِيدِ فِقْهِهِ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَعَ كَوْنِ أتْرابِهِ وأهْلِ سِنِّهِ إذْ ذاكَ يَلْعَبُونَ مَعَ الصِّبْيانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَإذا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ قالُوا لِابْنِ عَبّاسٍ: ماذا قالَ آنِفًا ؟ فَيَقُولُ كَذا وكَذا، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ أصْغَرَ القَوْمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ، فَكانَ ابْنُ عَبّاسٍ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ في الآيَةِ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهم﴾ قالَ: لَمّا أُنْزِلَ القُرْآنُ آمَنُوا بِهِ، فَكانَ هُدًى، فَلَمّا تَبَيَّنَ النّاسِخُ مِنَ المَنسُوخِ زادَهم هُدًى. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ قالَ: أوَّلُ السّاعاتِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١٣٧٦)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ، وأشارَ بِالوُسْطى والسَّبّابَةِ ومِثْلُهُ عِنْدَ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. وفِي البابِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ فِيها بَيانُ أشْراطِ السّاعَةِ وبَيانُ ما قَدْ وقَعَ مِنها وما لَمْ يَكُنْ قَدْ وقَعَ، وهي تَأْتِي في مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأفْضَلُ الدُّعاءِ الِاسْتِغْفارُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، في الشُّعَبِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأكَلْتُ مَعَهُ مِن طَعامٍ، فَقُلْتُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولَكَ، فَقِيلَ: أتَسْتَغْفِرُ لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ؟ قالَ: نَعَمْ، ولَكم، وقَرَأ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾» وقَدْ ورَدَ أحادِيثُ في اسْتِغْفارِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ، وتَرْغِيبِهِ في الِاسْتِغْفارِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ في الدُّنْيا، ومَثْواكم في الآخِرَةِ.

محمد 47:20

خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ بِأنَّهُ قَدْ أهْلَكَ مَن هو أشَدُّ مِنهم، فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ ( كَأيِّنْ ) مُرَكَّبَةٌ مِنَ الكافِ وأيٍّ: وأنَّها بِمَعْنى كَمِ الخَبَرِيَّةِ: أيْ وكَمْ مِن قَرْيَةٍ، وأنْشَدَ الأخْفَشُ قَوْلَ الوَلِيدِ: كَأيِّنْ رَأيْنا مِن مُلُوكٍ وسُوقَةٍ ومِفْتاحِ قَيْدٍ لِلْأسِيرِ المُكَبَّلِ ومَعْنى الآيَةِ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ هم أشَدُّ قُوَّةً مِن أهْلِ قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجُوكَ مِنها أهْلَكْناهم ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ فَبِالأوْلى مَن هو أضْعَفُ مِنهم وهم قُرَيْشٌ الَّذِينَ هم أهْلُ قَرْيَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهي مَكَّةُ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] قالَ مُقاتِلٌ: أيْ أهْلَكْناهم بِالعَذابِ حِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهم. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ المُؤْمِنِ وحالِ الكافِرِ، فَقالَ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ، و( مَن ) مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ وأفْرَدَ في هَذا بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ بِاعْتِبارِ مَعْناها، والمَعْنى أنَّهُ لا يَسْتَوِي مَن كانَ عَلى يَقِينٍ مِن رَبِّهِ ولا يَكُونُ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، وهو عِبادَةُ الأوْثانِ والإشْراكُ بِاللَّهِ والعَمَلُ بِمَعاصِي اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم في عِبادَتِها، وانْهَمَكُوا في أنْواعِ الضَّلالاتِ بِلا شُبْهَةٍ تُوجِبُ الشَّكَّ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ نَيِّرَةٍ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ الفَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في الِاهْتِداءِ والضَّلالِ بَيْنَ الفَرْقِ في مَرْجِعِهِما، ومَآلِهِما، فَقالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِشَرْحِ مَحاسِنِ الجَنَّةِ وبَيانِ ما فِيها، ومَعْنى ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ وصْفُها العَجِيبُ الشَّأْنِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: تَقْدِيرُهُ ما يَسْمَعُونَ، وقَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ فِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، قالَ: والمَثَلُ هو الوَصْفُ ومَعْناهُ وصْفُ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ إلَخْ، مُفَسِّرَةٌ لِلْمَثَلِ. وقِيلَ إنَّ ( مَثَلُ ) زائِدَةٌ، وقِيلَ إنَّ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ( فِيها أنْهارٌ )، وقِيلَ: خَبَرُهُ ﴿كَمَن هو خالِدٌ﴾ والآسِنُ المُتَغَيِّرُ، يُقالُ: أسِنَ الماءُ يَأْسَنُ أُسُونًا: إذا تَغَيَّرَتْ رائِحَتُهُ، ومِثْلُهُ الآجِنُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: قَدْ أتْرُكُ القَرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُيَمِيدُ في الرُّمْحِ مَيْدَ المالِحِ الأسِنِ قَرَأ الجُمْهُورُ ( آسِنٍ ) بِالمَدِّ. وقَرَأ حُمَيْدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، بِالقَصْرِ، وهُما لُغَتانِ كَحاذِرٍ وحَذِرٍ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ المَمْدُودَ يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، والمَقْصُورَ يُرادُ بِهِ الحالُ ﴿وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ أيْ: لَمْ يَحْمَضْ كَما تُغَيَّرُ ألْبانُ الدُّنْيا؛ لِأنَّها لَمْ تَخْرُجْ مِن ضُرُوعِ الإبِلِ والغَنَمِ والبَقَرِ ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أيْ: لَذِيذَةٍ لَهم طَيِّبَةِ الشُّرْبِ لا يَتَكَرَّهُها الشّارِبُونَ، يُقالُ: شَرابٌ لَذٌّ ولَذِيذٌ وفِيهِ لَذَّةٌ بِمَعْنًى، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] قَرَأ الجُمْهُورُ ( لَذَّةٍ ) بِالجَرِّ صِفَةً لِخَمْرٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِأنْهارٍ. ﴿وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أيْ: مُصَفًّى مِمّا يُخالِطُهُ مِنَ الشَّمْعِ والقَذى والعَكَرِ والكَدَرِ ﴿ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ لِأهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ الأشْرِبَةِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ: أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِها، و( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ﴿ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ لِذُنُوبِهِمْ، وتَنْكِيرُ ( مَغْفِرَةٌ ) لِلتَّعْظِيمِ: أيْ ولَهم مَغْفِرَةٌ عَظِيمَةٌ كائِنَةٌ مِن رَبِّهِمْ ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ هو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أمْ مَن هو في نَعِيمِ الجَنَّةِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ خالِدًا فِيها كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ. أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ ( مَثَلُ الجَنَّةِ ) . كَما تَقَدَّمَ. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ فَقالَ: أرادَ أمَّنْ كانَ في هَذا النَّعِيمِ كَما هو خالِدٌ في النّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وأُعْطِيَ هَذِهِ الأشْياءَ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وهو خالِدٌ في النّارِ، فَقَوْلُهُ ( كَمَن ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لَيْسَ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي فِيها الثِّمارُ والأنْهارُ كَمَثَلِ النّارِ الَّتِي فِيها الحَمِيمُ والزَّقُّومُ، ولَيْسَ مَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ في النَّعِيمِ كَمَثَلِ أهْلِ النّارِ في العَذابِ الألِيمِ. قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ عُطِفَ عَلى الصِّلَةِ، عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً عَلى اسْمِيَّةٍ لَكِنَّهُ راعى في الأُولى لَفْظَ ( مَن )، وفي الثّانِيَةِ مَعْناها، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ الشَّدِيدُ الغَلَيانِ، فَإذا شَرِبُوهُ قَطَّعَ أمْعاءَهم، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ لِفَرْطِ حَرارَتِهِ. والأمْعاءُ جَمْعُ مِعًى، وهي ما في البُطُونِ مِنَ الحَوايا. ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ أيْ: مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ ﴿مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ، أفْرَدَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ﴾ بِاعْتِبارِ مَعْناها، والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَحْضُرُونَ مَواقِفَ وعْظِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَواطِنَ خُطَبِهِ الَّتِي يُمْلِيها عَلى المُسْلِمِينَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ ﴿قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ وهم عُلَماءُ الصَّحابَةِ، وقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وقِيلَ أبُو الدَّرْداءِ، والأوَّلُ أوْلى: أيْ سَألُوا أهْلَ العِلْمِ، فَقالُوا لَهم ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ أيْ: ماذا قالَ النَّبِيُّ السّاعَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ، والمَعْنى: أنّا لَمْ نَلْتَفِتْ إلى قَوْلِهِ، وآنِفًا يُرادُ بِهِ السّاعَةُ الَّتِي هي أقْرَبُ الأوْقاتِ، ومِنهُ أمْرٌ آنِفٌ: أيْ (p-١٣٧٥)مُسْتَأْنَفٌ، ورَوْضَةٌ أُنُفٌ: أيْ: لَمْ يَرْعَها أحَدٌ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ: أيْ وقْتًا مُؤْتَنَفًا، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( قالَ ) . قالَ الزَّجّاجُ: هو مِنِ اسْتَأْنَفْتُ الشَّيْءَ: إذا ابْتَدَأْتَهُ، وأصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِن أنْفِ الشَّيْءِ لِما تَقَدَّمَ مِنهُ، مُسْتَعارٌ مِنَ الجارِحَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ويَحْرُمُ سِرُّ جارَتِهِمْ عَلَيْهِمْوَيَأْكُلُ جارُهم أنْفَ القِصاعِ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى المَذْكُورِينَ مِنَ المُنافِقِينَ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فَلَمْ يُؤْمِنُوا ولا تَوَجَّهَتْ قُلُوبُهم إلى شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ في الكُفْرِ والعِنادِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ أضْدادِهِمْ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ أيْ والَّذِينَ اهْتَدَوْا إلى طَرِيقِ الخَيْرِ، فَآمَنُوا بِاللَّهِ وعَمِلُوا بِما أمَرَهم بِهِ زادَهم هُدًى بِالتَّوْفِيقِ، وقِيلَ: زادَهُمُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقِيلَ: زادَهُمُ القُرْآنَ. وقالَ الفَرّاءُ: زادَهم إعْراضُ المُنافِقِينَ واسْتِهْزاؤُهم هُدًى، وقِيلَ: زادَهم نُزُولُ النّاسِخِ هُدًى، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فالمُرادُ أنَّهُ زادَهم إيمانًا وعِلْمًا وبَصِيرَةً في الدِّينِ ﴿وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ أيْ ألْهَمَهم إيّاها وأعانَهم عَلَيْها. والتَّقْوى، قالَ الرَّبِيعُ: هي الخَشْيَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي ثَوابُ الآخِرَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي التَّوْفِيقُ لِلْعَمَلِ الَّذِي يَرْضاهُ، وقِيلَ: العَمَلُ بِالنّاسِخِ وتَرْكُ المَنسُوخِ، وقِيلَ: تَرْكُ الرُّخَصِ والأخْذُ بِالعَزائِمِ. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ﴾ أيِ: القِيامَةَ ﴿أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً، وفي هَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ شَدِيدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ بَدَلٌ مِنَ السّاعَةِ بَدَلُ اشْتِمالٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرُّواسِيُّ ( إنْ تَأْتِهِمْ ) بِإنِ الشَّرْطِيَّةِ ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ أيْ: أماراتُها، وعَلاماتُها، وكانُوا قَدْ قَرَءُوا في كُتُبِهِمْ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - آخِرُ الأنْبِياءِ، فَبِعْثَتُهُ مِن أشْراطِها، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ. والأشْراطُ جَمْعُ شَرْطٍ بِسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِها. وقِيلَ: المُرادُ بِأشْراطِها هُنا: أسْبابُها الَّتِي هي دُونَ مُعْظَمِها. وقِيلَ: أرادَ بِعَلاماتِ السّاعَةِ انْشِقاقَ القَمَرِ والدُّخانَ، كَذا قالَ الحَسَنُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كَثْرَةُ المالِ، والتِّجارَةِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، وقَطْعُ الأرْحامِ، وقِلَّةُ الكِرامِ وكَثْرَةُ اللِّئامِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي زَيْدٍ الأسْوَدِ: فَإنْ كُنْتَ قَدْ أزْمَعْتَ بِالصَّرْمِ بَيْنَنافَقَدْ جَعَلَتْ أشْراطُ أوَّلِهِ تَبْدُو ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ ( ذِكْراهم ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ( فَأنّى لَهم ) أيْ: أنّى لَهُمُ التَّذَكُّرُ إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] و( إذا جاءَتْهُمُ ) اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ. ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: إذا عَلِمْتَ أنَّ مَدارَ الخَيْرِ هو التَّوْحِيدُ والطّاعَةُ، ومَدارُ الشَّرِّ هو الشِّرْكُ والعَمَلُ بِمَعاصِي اللَّهِ فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ، ولا رَبَّ سِواهُ، والمَعْنى: اثْبُتْ عَلى ذَلِكَ واسْتَمِرَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ قَبْلَ هَذا، وقِيلَ ما عَلِمْتَهُ اسْتِدْلالًا فاعْلَمْهُ خَبَرًا يَقِينًا. وقِيلَ المَعْنى: فاذْكُرْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَعَبَّرَ عَنِ الذِّكْرِ بِالعِلْمِ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أيِ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ أنْ يَقَعَ مِنكَ ذَنْبٌ، أوِ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِيَعْصِمَكَ، أوِ اسْتَغْفِرْهُ مِمّا رُبَّما يَصْدُرُ مِنكَ مِن تَرْكِ الأوْلى. وقِيلَ الخِطابُ لَهُ، والمُرادُ الأُمَّةُ، ويَأْبى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِ اسْتِغْفارُهُ لِذُنُوبِ أُمَّتِهِ بِالدُّعاءِ لَهم بِالمَغْفِرَةِ عَمّا فَرَطَ مِن ذُنُوبِهِمْ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ في أعْمالِكم ومَثْواكم في الدّارِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: مُتَقَلَّبَكم في أعْمالِكم نَهارًا ومَثْواكم في لَيْلِكم نِيامًا. وقِيلَ: مُتَقَلَّبَكم في أصْلابِ الآباءِ إلى أرْحامِ الأُمَّهاتِ، ومَثْواكم في الأرْضِ: أيْ: مَقامَكم فِيها. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: مُتَقَلَّبَكم مِن ظَهْرٍ إلى بَطْنٍ في الدُّنْيا، ومَثْواكم في القُبُورِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلى الغارِ التَفَتَ إلى مَكَّةَ وقالَ: أنْتِ أحَبُّ بِلادِ اللَّهِ إلَيَّ، ولَوْلا أنَّ أهْلَكِ أخْرَجُونِي مِنكِ لَمْ أخْرُجْ، فَأعْتى الأعْداءِ مَن عَتا عَلى اللَّهِ في حَرَمِهِ، أوْ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، أوْ قَتَلَ بِدُخُولِ الجاهِلِيَّةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ قالَ: غَيْرِ مُتَغَيِّرٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «فِي الجَنَّةِ بَحْرُ اللَّبَنِ وبَحْرُ الماءِ وبَحْرُ العَسَلِ وبَحْرُ الخَمْرِ ثُمَّ تَشَقَّقُ الأنْهارُ مِنها» . وأخْرَجَ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: نَهْرُ النِّيلِ نَهْرُ العَسَلِ في الجَنَّةِ، ونَهْرُ دِجْلَةَ نَهْرُ اللَّبَنِ في الجَنَّةِ، ونَهْرُ الفُراتِ نَهْرُ الخَمْرِ في الجَنَّةِ، ونَهْرُ سَيْحانَ نَهْرُ الماءِ في الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا﴾ قالَ: كُنْتُ فِيمَن يَسْألُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أنا مِنهم. وفِي هَذا مَنقَبَةٌ لِابْنِ عَبّاسٍ جَلِيلَةٌ لِأنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ صَبِيًّا غَيْرَ بالِغٍ، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ماتَ وهو في سِنِّ البُلُوغِ، فَسُؤالُ النّاسِ لَهُ عَنْ مَعانِي القُرْآنِ في حَياةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ووَصْفُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمَسْئُولِينَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وهو مِنهم مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى سَعَةِ عِلْمِهِ، ومَزِيدِ فِقْهِهِ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَعَ كَوْنِ أتْرابِهِ وأهْلِ سِنِّهِ إذْ ذاكَ يَلْعَبُونَ مَعَ الصِّبْيانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَإذا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ قالُوا لِابْنِ عَبّاسٍ: ماذا قالَ آنِفًا ؟ فَيَقُولُ كَذا وكَذا، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ أصْغَرَ القَوْمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ، فَكانَ ابْنُ عَبّاسٍ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ في الآيَةِ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهم﴾ قالَ: لَمّا أُنْزِلَ القُرْآنُ آمَنُوا بِهِ، فَكانَ هُدًى، فَلَمّا تَبَيَّنَ النّاسِخُ مِنَ المَنسُوخِ زادَهم هُدًى. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ قالَ: أوَّلُ السّاعاتِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١٣٧٦)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ، وأشارَ بِالوُسْطى والسَّبّابَةِ ومِثْلُهُ عِنْدَ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. وفِي البابِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ فِيها بَيانُ أشْراطِ السّاعَةِ وبَيانُ ما قَدْ وقَعَ مِنها وما لَمْ يَكُنْ قَدْ وقَعَ، وهي تَأْتِي في مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأفْضَلُ الدُّعاءِ الِاسْتِغْفارُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، في الشُّعَبِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأكَلْتُ مَعَهُ مِن طَعامٍ، فَقُلْتُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولَكَ، فَقِيلَ: أتَسْتَغْفِرُ لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ؟ قالَ: نَعَمْ، ولَكم، وقَرَأ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾» وقَدْ ورَدَ أحادِيثُ في اسْتِغْفارِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ، وتَرْغِيبِهِ في الِاسْتِغْفارِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ في الدُّنْيا، ومَثْواكم في الآخِرَةِ.

محمد 47:21

خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ بِأنَّهُ قَدْ أهْلَكَ مَن هو أشَدُّ مِنهم، فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ ( كَأيِّنْ ) مُرَكَّبَةٌ مِنَ الكافِ وأيٍّ: وأنَّها بِمَعْنى كَمِ الخَبَرِيَّةِ: أيْ وكَمْ مِن قَرْيَةٍ، وأنْشَدَ الأخْفَشُ قَوْلَ الوَلِيدِ: كَأيِّنْ رَأيْنا مِن مُلُوكٍ وسُوقَةٍ ومِفْتاحِ قَيْدٍ لِلْأسِيرِ المُكَبَّلِ ومَعْنى الآيَةِ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ هم أشَدُّ قُوَّةً مِن أهْلِ قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجُوكَ مِنها أهْلَكْناهم ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ فَبِالأوْلى مَن هو أضْعَفُ مِنهم وهم قُرَيْشٌ الَّذِينَ هم أهْلُ قَرْيَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهي مَكَّةُ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] قالَ مُقاتِلٌ: أيْ أهْلَكْناهم بِالعَذابِ حِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهم. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ المُؤْمِنِ وحالِ الكافِرِ، فَقالَ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ، و( مَن ) مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ وأفْرَدَ في هَذا بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ بِاعْتِبارِ مَعْناها، والمَعْنى أنَّهُ لا يَسْتَوِي مَن كانَ عَلى يَقِينٍ مِن رَبِّهِ ولا يَكُونُ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، وهو عِبادَةُ الأوْثانِ والإشْراكُ بِاللَّهِ والعَمَلُ بِمَعاصِي اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم في عِبادَتِها، وانْهَمَكُوا في أنْواعِ الضَّلالاتِ بِلا شُبْهَةٍ تُوجِبُ الشَّكَّ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ نَيِّرَةٍ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ الفَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في الِاهْتِداءِ والضَّلالِ بَيْنَ الفَرْقِ في مَرْجِعِهِما، ومَآلِهِما، فَقالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِشَرْحِ مَحاسِنِ الجَنَّةِ وبَيانِ ما فِيها، ومَعْنى ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ وصْفُها العَجِيبُ الشَّأْنِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: تَقْدِيرُهُ ما يَسْمَعُونَ، وقَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ فِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، قالَ: والمَثَلُ هو الوَصْفُ ومَعْناهُ وصْفُ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ إلَخْ، مُفَسِّرَةٌ لِلْمَثَلِ. وقِيلَ إنَّ ( مَثَلُ ) زائِدَةٌ، وقِيلَ إنَّ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ( فِيها أنْهارٌ )، وقِيلَ: خَبَرُهُ ﴿كَمَن هو خالِدٌ﴾ والآسِنُ المُتَغَيِّرُ، يُقالُ: أسِنَ الماءُ يَأْسَنُ أُسُونًا: إذا تَغَيَّرَتْ رائِحَتُهُ، ومِثْلُهُ الآجِنُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: قَدْ أتْرُكُ القَرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُيَمِيدُ في الرُّمْحِ مَيْدَ المالِحِ الأسِنِ قَرَأ الجُمْهُورُ ( آسِنٍ ) بِالمَدِّ. وقَرَأ حُمَيْدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، بِالقَصْرِ، وهُما لُغَتانِ كَحاذِرٍ وحَذِرٍ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ المَمْدُودَ يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، والمَقْصُورَ يُرادُ بِهِ الحالُ ﴿وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ أيْ: لَمْ يَحْمَضْ كَما تُغَيَّرُ ألْبانُ الدُّنْيا؛ لِأنَّها لَمْ تَخْرُجْ مِن ضُرُوعِ الإبِلِ والغَنَمِ والبَقَرِ ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أيْ: لَذِيذَةٍ لَهم طَيِّبَةِ الشُّرْبِ لا يَتَكَرَّهُها الشّارِبُونَ، يُقالُ: شَرابٌ لَذٌّ ولَذِيذٌ وفِيهِ لَذَّةٌ بِمَعْنًى، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] قَرَأ الجُمْهُورُ ( لَذَّةٍ ) بِالجَرِّ صِفَةً لِخَمْرٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِأنْهارٍ. ﴿وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أيْ: مُصَفًّى مِمّا يُخالِطُهُ مِنَ الشَّمْعِ والقَذى والعَكَرِ والكَدَرِ ﴿ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ لِأهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ الأشْرِبَةِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ: أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِها، و( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ﴿ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ لِذُنُوبِهِمْ، وتَنْكِيرُ ( مَغْفِرَةٌ ) لِلتَّعْظِيمِ: أيْ ولَهم مَغْفِرَةٌ عَظِيمَةٌ كائِنَةٌ مِن رَبِّهِمْ ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ هو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أمْ مَن هو في نَعِيمِ الجَنَّةِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ خالِدًا فِيها كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ. أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ ( مَثَلُ الجَنَّةِ ) . كَما تَقَدَّمَ. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ فَقالَ: أرادَ أمَّنْ كانَ في هَذا النَّعِيمِ كَما هو خالِدٌ في النّارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وأُعْطِيَ هَذِهِ الأشْياءَ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وهو خالِدٌ في النّارِ، فَقَوْلُهُ ( كَمَن ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لَيْسَ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي فِيها الثِّمارُ والأنْهارُ كَمَثَلِ النّارِ الَّتِي فِيها الحَمِيمُ والزَّقُّومُ، ولَيْسَ مَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ في النَّعِيمِ كَمَثَلِ أهْلِ النّارِ في العَذابِ الألِيمِ. قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ عُطِفَ عَلى الصِّلَةِ، عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً عَلى اسْمِيَّةٍ لَكِنَّهُ راعى في الأُولى لَفْظَ ( مَن )، وفي الثّانِيَةِ مَعْناها، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ الشَّدِيدُ الغَلَيانِ، فَإذا شَرِبُوهُ قَطَّعَ أمْعاءَهم، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ لِفَرْطِ حَرارَتِهِ. والأمْعاءُ جَمْعُ مِعًى، وهي ما في البُطُونِ مِنَ الحَوايا. ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ أيْ: مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ ﴿مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ، أفْرَدَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ﴾ بِاعْتِبارِ مَعْناها، والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَحْضُرُونَ مَواقِفَ وعْظِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَواطِنَ خُطَبِهِ الَّتِي يُمْلِيها عَلى المُسْلِمِينَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ ﴿قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ وهم عُلَماءُ الصَّحابَةِ، وقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وقِيلَ أبُو الدَّرْداءِ، والأوَّلُ أوْلى: أيْ سَألُوا أهْلَ العِلْمِ، فَقالُوا لَهم ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ أيْ: ماذا قالَ النَّبِيُّ السّاعَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ، والمَعْنى: أنّا لَمْ نَلْتَفِتْ إلى قَوْلِهِ، وآنِفًا يُرادُ بِهِ السّاعَةُ الَّتِي هي أقْرَبُ الأوْقاتِ، ومِنهُ أمْرٌ آنِفٌ: أيْ (p-١٣٧٥)مُسْتَأْنَفٌ، ورَوْضَةٌ أُنُفٌ: أيْ: لَمْ يَرْعَها أحَدٌ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ: أيْ وقْتًا مُؤْتَنَفًا، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( قالَ ) . قالَ الزَّجّاجُ: هو مِنِ اسْتَأْنَفْتُ الشَّيْءَ: إذا ابْتَدَأْتَهُ، وأصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِن أنْفِ الشَّيْءِ لِما تَقَدَّمَ مِنهُ، مُسْتَعارٌ مِنَ الجارِحَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ويَحْرُمُ سِرُّ جارَتِهِمْ عَلَيْهِمْوَيَأْكُلُ جارُهم أنْفَ القِصاعِ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أُولَئِكَ ) إلى المَذْكُورِينَ مِنَ المُنافِقِينَ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فَلَمْ يُؤْمِنُوا ولا تَوَجَّهَتْ قُلُوبُهم إلى شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ في الكُفْرِ والعِنادِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ أضْدادِهِمْ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ أيْ والَّذِينَ اهْتَدَوْا إلى طَرِيقِ الخَيْرِ، فَآمَنُوا بِاللَّهِ وعَمِلُوا بِما أمَرَهم بِهِ زادَهم هُدًى بِالتَّوْفِيقِ، وقِيلَ: زادَهُمُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقِيلَ: زادَهُمُ القُرْآنَ. وقالَ الفَرّاءُ: زادَهم إعْراضُ المُنافِقِينَ واسْتِهْزاؤُهم هُدًى، وقِيلَ: زادَهم نُزُولُ النّاسِخِ هُدًى، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فالمُرادُ أنَّهُ زادَهم إيمانًا وعِلْمًا وبَصِيرَةً في الدِّينِ ﴿وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ أيْ ألْهَمَهم إيّاها وأعانَهم عَلَيْها. والتَّقْوى، قالَ الرَّبِيعُ: هي الخَشْيَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي ثَوابُ الآخِرَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي التَّوْفِيقُ لِلْعَمَلِ الَّذِي يَرْضاهُ، وقِيلَ: العَمَلُ بِالنّاسِخِ وتَرْكُ المَنسُوخِ، وقِيلَ: تَرْكُ الرُّخَصِ والأخْذُ بِالعَزائِمِ. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ﴾ أيِ: القِيامَةَ ﴿أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً، وفي هَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ شَدِيدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ بَدَلٌ مِنَ السّاعَةِ بَدَلُ اشْتِمالٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرُّواسِيُّ ( إنْ تَأْتِهِمْ ) بِإنِ الشَّرْطِيَّةِ ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ أيْ: أماراتُها، وعَلاماتُها، وكانُوا قَدْ قَرَءُوا في كُتُبِهِمْ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - آخِرُ الأنْبِياءِ، فَبِعْثَتُهُ مِن أشْراطِها، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ. والأشْراطُ جَمْعُ شَرْطٍ بِسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِها. وقِيلَ: المُرادُ بِأشْراطِها هُنا: أسْبابُها الَّتِي هي دُونَ مُعْظَمِها. وقِيلَ: أرادَ بِعَلاماتِ السّاعَةِ انْشِقاقَ القَمَرِ والدُّخانَ، كَذا قالَ الحَسَنُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كَثْرَةُ المالِ، والتِّجارَةِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، وقَطْعُ الأرْحامِ، وقِلَّةُ الكِرامِ وكَثْرَةُ اللِّئامِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي زَيْدٍ الأسْوَدِ: فَإنْ كُنْتَ قَدْ أزْمَعْتَ بِالصَّرْمِ بَيْنَنافَقَدْ جَعَلَتْ أشْراطُ أوَّلِهِ تَبْدُو ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ ( ذِكْراهم ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ( فَأنّى لَهم ) أيْ: أنّى لَهُمُ التَّذَكُّرُ إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] و( إذا جاءَتْهُمُ ) اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ. ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: إذا عَلِمْتَ أنَّ مَدارَ الخَيْرِ هو التَّوْحِيدُ والطّاعَةُ، ومَدارُ الشَّرِّ هو الشِّرْكُ والعَمَلُ بِمَعاصِي اللَّهِ فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ، ولا رَبَّ سِواهُ، والمَعْنى: اثْبُتْ عَلى ذَلِكَ واسْتَمِرَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ قَبْلَ هَذا، وقِيلَ ما عَلِمْتَهُ اسْتِدْلالًا فاعْلَمْهُ خَبَرًا يَقِينًا. وقِيلَ المَعْنى: فاذْكُرْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَعَبَّرَ عَنِ الذِّكْرِ بِالعِلْمِ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أيِ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ أنْ يَقَعَ مِنكَ ذَنْبٌ، أوِ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِيَعْصِمَكَ، أوِ اسْتَغْفِرْهُ مِمّا رُبَّما يَصْدُرُ مِنكَ مِن تَرْكِ الأوْلى. وقِيلَ الخِطابُ لَهُ، والمُرادُ الأُمَّةُ، ويَأْبى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِ اسْتِغْفارُهُ لِذُنُوبِ أُمَّتِهِ بِالدُّعاءِ لَهم بِالمَغْفِرَةِ عَمّا فَرَطَ مِن ذُنُوبِهِمْ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ في أعْمالِكم ومَثْواكم في الدّارِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: مُتَقَلَّبَكم في أعْمالِكم نَهارًا ومَثْواكم في لَيْلِكم نِيامًا. وقِيلَ: مُتَقَلَّبَكم في أصْلابِ الآباءِ إلى أرْحامِ الأُمَّهاتِ، ومَثْواكم في الأرْضِ: أيْ: مَقامَكم فِيها. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: مُتَقَلَّبَكم مِن ظَهْرٍ إلى بَطْنٍ في الدُّنْيا، ومَثْواكم في القُبُورِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلى الغارِ التَفَتَ إلى مَكَّةَ وقالَ: أنْتِ أحَبُّ بِلادِ اللَّهِ إلَيَّ، ولَوْلا أنَّ أهْلَكِ أخْرَجُونِي مِنكِ لَمْ أخْرُجْ، فَأعْتى الأعْداءِ مَن عَتا عَلى اللَّهِ في حَرَمِهِ، أوْ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، أوْ قَتَلَ بِدُخُولِ الجاهِلِيَّةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ قالَ: غَيْرِ مُتَغَيِّرٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «فِي الجَنَّةِ بَحْرُ اللَّبَنِ وبَحْرُ الماءِ وبَحْرُ العَسَلِ وبَحْرُ الخَمْرِ ثُمَّ تَشَقَّقُ الأنْهارُ مِنها» . وأخْرَجَ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: نَهْرُ النِّيلِ نَهْرُ العَسَلِ في الجَنَّةِ، ونَهْرُ دِجْلَةَ نَهْرُ اللَّبَنِ في الجَنَّةِ، ونَهْرُ الفُراتِ نَهْرُ الخَمْرِ في الجَنَّةِ، ونَهْرُ سَيْحانَ نَهْرُ الماءِ في الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا﴾ قالَ: كُنْتُ فِيمَن يَسْألُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أنا مِنهم. وفِي هَذا مَنقَبَةٌ لِابْنِ عَبّاسٍ جَلِيلَةٌ لِأنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ صَبِيًّا غَيْرَ بالِغٍ، فَإنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ماتَ وهو في سِنِّ البُلُوغِ، فَسُؤالُ النّاسِ لَهُ عَنْ مَعانِي القُرْآنِ في حَياةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ووَصْفُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمَسْئُولِينَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وهو مِنهم مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى سَعَةِ عِلْمِهِ، ومَزِيدِ فِقْهِهِ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَعَ كَوْنِ أتْرابِهِ وأهْلِ سِنِّهِ إذْ ذاكَ يَلْعَبُونَ مَعَ الصِّبْيانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَإذا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ قالُوا لِابْنِ عَبّاسٍ: ماذا قالَ آنِفًا ؟ فَيَقُولُ كَذا وكَذا، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ أصْغَرَ القَوْمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ، فَكانَ ابْنُ عَبّاسٍ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ في الآيَةِ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهم﴾ قالَ: لَمّا أُنْزِلَ القُرْآنُ آمَنُوا بِهِ، فَكانَ هُدًى، فَلَمّا تَبَيَّنَ النّاسِخُ مِنَ المَنسُوخِ زادَهم هُدًى. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ قالَ: أوَّلُ السّاعاتِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١٣٧٦)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ، وأشارَ بِالوُسْطى والسَّبّابَةِ ومِثْلُهُ عِنْدَ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. وفِي البابِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ فِيها بَيانُ أشْراطِ السّاعَةِ وبَيانُ ما قَدْ وقَعَ مِنها وما لَمْ يَكُنْ قَدْ وقَعَ، وهي تَأْتِي في مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأفْضَلُ الدُّعاءِ الِاسْتِغْفارُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، في الشُّعَبِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأكَلْتُ مَعَهُ مِن طَعامٍ، فَقُلْتُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولَكَ، فَقِيلَ: أتَسْتَغْفِرُ لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ؟ قالَ: نَعَمْ، ولَكم، وقَرَأ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾» وقَدْ ورَدَ أحادِيثُ في اسْتِغْفارِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ، وتَرْغِيبِهِ في الِاسْتِغْفارِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ في الدُّنْيا، ومَثْواكم في الآخِرَةِ.