Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الحجرات 49:12 – ق 50:19
المحتويات
الحجرات 49:12
قَوْلُهُ ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( اقْتَتَلُوا ) بِاعْتِبارِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الطّائِفَتَيْنِ كَقَوْلِهِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ( بَيْنَهُما ) عائِدٌ إلى الطّائِفَتَيْنِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( اقْتَتَلَتا ) اعْتِبارًا بِلَفْظِ ( طائِفَتانِ )، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ( اقْتَتَلا ) وتَذْكِيرُ الفِعْلِ في هَذِهِ القِراءَةِ بِاعْتِبارِ الفَرِيقَيْنِ أوِ الرَّهْطَيْنِ.
والبَغْيُ: التَّعَدِّي بِغَيْرِ حَقٍّ والِامْتِناعُ مِنَ الصُّلْحِ المُوافِقِ لِلصَّوابِ، والفَيْءُ: الرُّجُوعُ والمَعْنى: أنَّهُ إذا تَقاتَلَ فَرِيقانِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَعَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَسْعَوْا بِالصُّلْحِ بَيْنَهم ويَدْعُوهم إلى حُكْمِ اللَّهِ، فَإنْ حَصَلَ (p-١٣٩٢)بَعْدَ ذَلِكَ التَّعَدِّي مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى ولَمْ تَقْبَلِ الصُّلْحَ ولا دَخَلَتْ فِيهِ كانَ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ يُقاتِلُوا هَذِهِ الطّائِفَةَ الباغِيَةَ حَتّى تَرْجِعَ إلى أمْرِ اللَّهِ وحُكْمِهِ، فَإنْ رَجَعَتْ تِلْكَ الطّائِفَةُ الباغِيَةُ عَنْ بَغْيِها وأجابَتِ الدَّعْوَةَ إلى كِتابِ اللَّهِ وحُكْمِهِ، فَعَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَعْدِلُوا بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ في الحُكْمِ، ويَتَحَرَّوُا الصَّوابَ المُطابِقَ لِحُكْمِ اللَّهِ ويَأْخُذُوا عَلى يَدِ الطّائِفَةِ الظّالِمَةِ حَتّى تَخْرُجَ مِنَ الظُّلْمِ وتُؤَدِّيَ ما يَجِبُ عَلَيْها لِلْأُخْرى.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ المُسْلِمِينَ أنْ يَعْدِلُوا في كُلِّ أُمُورِهِمْ بَعْدَ أمْرِهِمْ بِهَذا العَدْلِ الخاصِّ بِالطّائِفَتَيْنِ المُقْتَتِلَتَيْنِ، فَقالَ: ﴿وأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ أيْ واعْدِلُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العادِلِينَ، ومَحَبَّتُهُ لَهم تَسْتَلْزِمُ مُجازاتَهم بِأحْسَنِ الجَزاءِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ بِالدُّعاءِ إلى حُكْمِ كِتابِ اللَّهِ، والرِّضا بِما فِيهِ لَهُما وعَلَيْهِما ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما﴾ وطَلَبَتْ ما لَيْسَ لَها ولَمْ تَرْجِعْ إلى الصُّلْحِ ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ حَتّى تَرْجِعَ إلى طاعَةِ اللَّهِ والصُّلْحِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالإصْلاحِ، والمَعْنى: أنَّهم راجِعُونَ إلى أصْلٍ واحِدٍ وهو الإيمانُ.
قالَ الزَّجّاجُ: الدِّينُ يَجْمَعُهم، فَهم إخْوَةٌ إذا كانُوا مُتَّفِقِينَ في دِينِهِمْ فَرَجَعُوا بِالِاتِّفاقِ في الدِّينِ إلى أصْلِ النَّسَبِ لِأنَّهم لِآدَمَ وحَوّاءَ ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ يَعْنِي كُلَّ مُسْلِمَيْنِ تَخاصَما وتَقاتَلا، وتَخْصِيصُ الِاثْنَيْنِ بِالذِّكْرِ لِإثْباتِ وُجُوبِ الإصْلاحِ فِيما فَوْقَهُما بِطَرِيقِ الأوْلى.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَيْنَ أخَوَيْكم عَلى التَّثْنِيَةِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وابْنُ سِيرِينَ ( إخْوانِكم ) بِالجَمْعِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عُمَرَ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وأبِي العالِيَةِ، والجَحْدَرِيِّ، ويَعْقُوبَ أنَّهم قَرَءُوا ( بَيْنَ إخْوَتِكم ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الجَمْعِ أيْضًا.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ: أرادَ بِالأخَوَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ؛ لِأنَّ لَفْظَ التَّثْنِيَةِ قَدْ يَرِدُ ويُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ أصْلِحُوا بَيْنَ كُلِّ أخَوَيْنِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كُلِّ أُمُورِكم ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ بِسَبَبِ التَّقْوى، والتَّرَجِّي بِاعْتِبارِ المُخاطَبِينَ: أيْ: راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى قِتالِ الفِئَةِ الباغِيَةِ إذا تَقَرَّرَ بَغْيُها عَلى الإمامِ، أوْ عَلى أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وعَلى فَسادِ قَوْلِ مَن قالَ بِعَدَمِ الجَوازِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قِتالُ المُسْلِمِ كُفْرٌ» فَإنَّ المُرادَ بِهَذا الحَدِيثِ وما ورَدَ في مَعْناهُ قِتالُ المُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يَبْغِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَوْ كانَ الواجِبُ - في كُلِّ اخْتِلافٍ يَكُونُ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ - الهَرَبَ مِنهُ ولُزُومَ المَنازِلِ لَما أُقِيمَ حَقٌّ، ولا أُبْطِلَ باطِلٌ، ولَوَجَدَ أهْلُ النِّفاقِ والفُجُورِ سَبَبًا إلى اسْتِحْلالِ كُلِّ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن أمْوالِ المُسْلِمِينَ، وسَبْيِ نِسائِهِمْ وسَفْكِ دِمائِهِمْ بِأنْ يَتَحَزَّبُوا عَلَيْهِمْ، ولِكَفِّ المُسْلِمِينَ أيْدِيَهم عَنْهم، وذَلِكَ مُخالِفٌ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خُذُوا عَلى أيْدِي سُفَهائِكم»
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في قِتالِ المُسْلِمِينَ، وعُمْدَةٌ في حَرْبِ المُتَأوِّلِينَ، وعَلَيْها عَوَّلَ الصَّحابَةُ، وإلَيْها لَجَأ الأعْيانُ مِن أهْلِ المِلَّةِ، وإيّاها عَنى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: «تَقْتُلُ عَمّارًا الفِئَةُ الباغِيَةُ»، وقَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في شَأْنِ الخَوارِجِ: «يَخْرُجُونَ عَلى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النّاسِ تَقْتُلُهم أوْلى الطّائِفَتَيْنِ بِالحَقِّ» .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم﴾ السُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزاءُ: وحَكى أبُو زَيْدٍ: سَخِرْتُ بِهِ وضَحِكْتُ بِهِ وهَزَأْتُ بِهِ.
وقالَ الأخْفَشُ: سَخِرْتُ مِنهُ وسَخِرْتُ بِهِ، وضَحِكْتُ مِنهُ وضَحِكْتُ بِهِ، وهَزَأْتُ مِنهُ وهَزَأْتُ بِهِ، كُلُّ ذَلِكَ يُقالُ، والِاسْمُ السُّخْرِيَةُ والسُّخْرى، وقُرِئَ بِهِما في ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] ومَعْنى الآيَةِ النَّهْيُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَسْتَهْزِئَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، وعَلَّلَ هَذا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم﴾ أيْ أنْ يَكُونَ المَسْخُورُ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا مِنَ السّاخِرِينَ بِهِمْ، ولَمّا كانَ لَفْظُ ( قَوْمٌ ) مُخْتَصًّا بِالرِّجالِ؛ لِأنَّهُمُ القُوَّمُ عَلى النِّساءِ أفْرَدَ النِّساءَ بِالذِّكْرِ، فَقالَ: ﴿ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ﴾ أيْ ولا يَسْخَرْ نِساءٌ مِن نِساءٍ ﴿عَسى أنْ يَكُنَّ﴾ المَسْخُورُ بِهِنَّ ﴿خَيْرًا مِنهُنَّ﴾ يَعْنِي خَيْرًا مِنَ السّاخِراتِ مِنهُنَّ، وقِيلَ: أفْرَدَ النِّساءَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ السُّخْرِيَةَ مِنهُنَّ أكْثَرُ ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ اللَّمْزُ العَيْبُ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ بَراءَةٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اللَّمْزُ بِاليَدِ والعَيْنِ واللِّسانِ والإشارَةِ، والهَمْزُ لا يَكُونُ إلّا بِاللِّسانِ، ومَعْنى ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ لا يَلْمِزْ بَعْضُكم بَعْضًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ [النساء: ٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم﴾ [النور: ٦١] قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَطْعَنْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ.
وقالَ الضَّحّاكُ: لا يَلْعَنْ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾ التَّنابُزُ: التَّفاعُلُ مِنَ النَّبْزِ بِالتَّسْكِينِ وهو المَصْدَرُ، والنَّبَزُ بِالتَّحْرِيكِ اللَّقَبُ، والجَمْعُ أنْبازٌ، والألْقابُ جَمْعُ لَقَبٍ، وهو اسْمٌ غَيْرُ الَّذِي سُمِّيَ بِهِ الإنْسانُ، والمُرادُ هُنا لَقَبُ السُّوءِ، والتَّنابُزُ بِالألْقابِ أنْ يُلَقِّبَ بَعْضُهم بَعْضًا.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو أنْ يَقُولَ لِأخِيهِ المُسْلِمِ يا فاسِقُ، يا مُنافِقُ، أوْ يَقُولَ لِمَن أسْلَمَ: يا يَهُودِيُّ، يا نَصْرانِيُّ، قالَ عَطاءٌ: هو كُلُّ شَيْءٍ أخْرَجْتَ بِهِ أخاكَ مِنَ الإسْلامِ، كَقَوْلِكَ يا كَلْبُ، يا حِمارُ، يا خِنْزِيرُ.
قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: كانَ الرَّجُلُ يُعَيَّرُ بِكُفْرِهِ، فَيُقالُ لَهُ: يا يَهُودِيُّ، يا نَصْرانِيُّ، فَنَزَلَتْ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ.
﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ أيْ بِئْسَ الِاسْمُ الَّذِي يُذْكَرُوا بِالفِسْقِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في الإيمانِ، والِاسْمُ هُنا بِمَعْنى الذِّكْرِ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أيْ بِئْسَ أنْ يُسَمّى الرَّجُلُ كافِرًا، أوْ زانِيًا بَعْدَ إسْلامِهِ وتَوْبَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: أنَّ مَن فَعَلَ ما نُهِيَ عَنْهُ مِنَ السُّخْرِيَةِ، واللَّمْزِ، والنَّبْذِ، فَهو فاسِقٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّهُ يُسْتَثْنى مِن هَذا مَن غَلَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ كالأعْرَجِ، والأحْدَبِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ يَجِدُ في نَفْسِهِ مِنهُ عَلَيْهِ، فَجَوَّزَتْهُ الأئِمَّةُ، واتَّفَقَ عَلى قَوْلِهِ أهْلُ اللُّغَةِ اهـ ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ﴾ عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ لِارْتِكابِهِمْ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ، وامْتِناعِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ، فَظَلَمُوا مَن لَقَّبُوهُ، وظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِما لَزِمَهم مِنَ الإثْمِ.
(p-١٣٩٣)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ الظَّنُّ هُنا: هو مُجَرَّدُ التُّهْمَةِ الَّتِي لا سَبَبَ لَها كَمَن يَتَّهِمُ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الفَواحِشِ ولَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ، وأمَرَ سُبْحانَهُ بِاجْتِنابِ الكَثِيرِ لِيَفْحَصَ المُؤْمِنُ عَنْ كُلِّ ظَنٍّ يَظُنُّهُ حَتّى يَعْلَمَ وجْهَهُ؛ لِأنَّ مِنَ الظَّنِّ ما يَجِبُ اتِّباعُهُ، فَإنَّ أكْثَرَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلى الظَّنِّ، كالقِياسِ وخَبَرِ الواحِدِ، ودَلالَةِ العُمُومِ، ولَكِنَّ هَذا الظَّنَّ الَّذِي يَجِبُ العَمَلُ بِهِ قَدْ قُوِّيَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ المُوجِبَةِ لِلْعَمَلِ بِهِ فارْتَفَعَ عَنِ الشَّكِّ والتُّهْمَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هو أنْ يَظُنَّ بِأهْلِ الخَيْرِ سُوءًا، فَأمّا أهْلُ السُّوءِ والفُسُوقِ فَلَنا أنْ نَظُنَّ بِهِمْ مِثْلَ الَّذِي ظَهَرَ مِنهم.
قالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ، ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هو أنْ يَظُنَّ بِأخِيهِ المُسْلِمِ سُوءًا، ولا بَأْسَ بِهِ ما لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، فَإنْ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ الظَّنِّ وأبْداهُ أثِمَ.
وحَكى القُرْطُبِيُّ، عَنْ أكْثَرِ العُلَماءِ: أنَّ الظَّنَّ القَبِيحَ بِمَن ظاهِرُهُ الخَيْرُ لا يَجُوزُ، وأنَّهُ لا حَرَجَ في الظَّنِّ القَبِيحِ بِمَن ظاهِرُهُ القَبِيحُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِاجْتِنابِ كَثِيرٍ مِنَ الظَّنِّ، وهَذا البَعْضُ هو ظَنُّ السُّوءِ بِأهْلِ الخَيْرِ، والإثْمُ هو ما يَسْتَحِقُّهُ الظّانُّ مِنَ العُقُوبَةِ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ هَذا الظَّنِّ المَأْمُورِ بِاجْتِنابِهِ بِظَنِّ السُّوءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] فَلا يَدْخُلُ في الظَّنِّ المَأْمُورِ بِاجْتِنابِهِ شَيْءٌ مِنَ الظَّنِّ المَأْمُورِ بِاتِّباعِهِ في مَسائِلِ الدِّينِ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ تَعَبَّدَ عِبادَهُ بِاتِّباعِهِ، وأوْجَبَ العَمَلَ بِهِ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ إلّا بَعْضُ طَوائِفِ المُبْتَدِعَةِ كِيادًا لِلدِّينِ وشُذُوذًا عَنْ جُمْهُورِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ جاءَ التَّعَبُّدُ بِالظَّنِّ في كَثِيرٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ بَلْ في أكْثَرِها.
ثُمَّ لَمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِاجْتِنابِ كَثِيرٍ مِنَ الظَّنِّ نَهاهم عَنِ التَّجَسُّسِ فَقالَ: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ التَّجَسُّسُ: البَحْثُ عَمّا يَنْكَتِمُ عَنْكَ مِن عُيُوبِ المُسْلِمِينَ وعَوْراتِهِمْ، نَهاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنِ البَحْثِ عَنْ مَعايِبِ النّاسِ ومَثالِبِهِمْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَجَسَّسُوا﴾ بِالجِيمِ، ومَعْناهُ ما ذَكَرْنا.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ سِيرِينَ بِالحاءِ.
قالَ الأخْفَشُ: لَيْسَ يَبْعُدُ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ؛ لِأنَّ التَّجَسُّسَ بِالجِيمِ: البَحْثُ عَمّا يُكْتَمُ عَنْكَ، والتَّحَسُّسُ بِالحاءِ: طَلَبُ الأخْبارِ والبَحْثُ عَنْها.
وقِيلَ: إنَّ التَّجَسُّسَ بِالجِيمِ هو البَحْثُ، ومِنهُ قِيلُ: رَجُلٌ جاسُوسٌ: إذا كانَ يَبْحَثُ عَنِ الأُمُورِ، وبِالحاءِ ما أدْرَكَهُ الإنْسانُ بِبَعْضِ حَواسِّهِ.
وقِيلَ: إنَّهُ بِالحاءِ فِيما يَطْلُبُهُ الإنْسانُ لِنَفْسِهِ، وبِالجِيمِ أنْ يَكُونَ رَسُولًا لِغَيْرِهِ. قالَهُ ثَعْلَبٌ.
﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ: لا يَتَناوَلْ بَعْضُكم بَعْضًا بِظَهْرِ الغَيْبِ بِما يَسُوءُهُ، والغِيبِةُ: أنْ تَذْكُرَ الرَّجُلَ بِما يَكْرَهُهُ، كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أتَدْرُونَ ما الغِيبِةُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ذِكْرُكَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ، فَقِيلَ: أفَرَأيْتَ إنْ كانَ في أخِي ما أقُولُ ؟ فَقالَ: إنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ»، ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ مَثَّلَ سُبْحانَهُ الغِيبِةَ بِأكْلِ المَيْتَةِ؛ لِأنَّ المَيِّتَ لا يَعْلَمُ بِأكْلِ لَحْمِهِ، كَما أنَّ الحَيَّ لا يَعْلَمُ بِغِيبَةِ مَنِ اغْتابَهُ. ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عِرْضَ الإنْسانِ كَلَحْمِهِ، وأنَّهُ كَما يَحْرُمُ أكْلُ لَحْمِهِ يَحْرُمُ الِاسْتِطالَةُ في عِرْضِهِ، وفي هَذا مِنَ التَّنْفِيرِ عَنِ الغِيبَةِ والتَّوْبِيخِ لِفاعِلِها والتَّشْنِيعِ عَلَيْهِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ لَحْمَ الإنْسانِ مِمّا تَنْفِرُ عَنْ أكْلِهِ الطِّباعُ الإنْسانِيَّةُ، وتَسْتَكْرِهُهُ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا شَرْعًا فَكَرِهْتُمُوهُ قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَقَدْ كَرِهْتُمُوهُ فَلا تَفْعَلُوا، والمَعْنى: فَكَما كَرِهْتُمْ هَذا فاجْتَنِبُوا ذِكْرَهُ بِالسُّوءِ غائِبًا. قالَ الرّازِيُّ: الفاءُ في تَقْدِيرِ جَوابِ كَلامٍ.
كَأنَّهُ قالَ: لا يُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ فَكَرِهْتُمُوهُ إذَنْ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: عُرِضَ عَلَيْكم ذَلِكَ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِتَرْكِ ما أمَرَكم بِاجْتِنابِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَنِ اتَّقاهُ عَمّا فَرَطَ مِنهُ مِنَ الذَّنْبِ ومُخالَفَةِ الأمْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَوْ أتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، فانْطَلَقَ إلَيْهِ ورَكِبَ حِمارًا وانْطَلَقَ المُسْلِمُونَ يَمْشُونَ وهي أرْضٌ سَبِخَةٌ، فَلَمّا انْطَلَقَ إلَيْهِ قالَ: إلَيْكَ عَنِّي، فَواللَّهِ لَقَدْ آذانِي رِيحُ حِمارِكَ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: واللَّهِ لَحِمارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أطْيَبُ رِيحًا مِنكَ، فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رِجالٌ مِن قَوْمِهِ، فَغَضِبَ لِكُلٍّ مِنهُما أصْحابُهُ، فَكانَ بَيْنَهم ضَرْبٌ بِالجَرِيدِ والأيْدِي والنِّعالِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآيَةَ» .
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن وُجُوهٍ أُخَرَ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ما وجَدْتُ في نَفْسِي مِن شَيْءٍ ما وجَدْتُ في نَفْسِي مِن هَذِهِ الآيَةِ، إنِّي لَمْ أُقاتِلْ هَذِهِ الفِئَةَ الباغِيَةَ كَما أمَرَنِي اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ إذا اقْتَتَلَتْ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَدْعُوَهم إلى حُكْمِ اللَّهِ ويُنْصِفَ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، فَإذا أجابُوا حَكَمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ كِتابِ اللَّهِ حَتّى يُنْصِفَ المَظْلُومَ، فَمَن أبى مِنهم أنْ يُجِيبَ فَهو باغٍ، وحَقَّ عَلى إمامِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنِينَ أنْ يُقاتِلُوهم حَتّى يَفِيئُوا إلى أمْرِ اللَّهِ ويُقِرُّوا بِحُكْمِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ قِتالٌ بِالنِّعالِ والعِصِيِّ، فَأمَرَهم أنْ يُصْلِحُوا بَيْنَهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ما رَأيْتُ مِثْلَ ما رَغِبَتْ عَنْهُ هَذِهِ الأُمَّةُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ اسْتَهْزَئُوا مِن بِلالٍ، وسَلْمانَ، وعَمّارٍ، وخَبّابٍ، وصُهَيْبٍ، وابْنِ فُهَيْرَةَ، وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الغِيبَةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: لا يَطْعَنْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ، وأهْلُ السُّنَنِ (p-١٣٩٤)الأرْبَعِ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، في الشُّعَبِ، عَنْ أبِي جَبِيرَةَ بْنِ الضَّحّاكِ، قالَ: «فِينا نَزَلَتْ في بَنِي سَلَمَةَ ﴿ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَيْسَ فِينا رَجُلٌ إلّا ولَهُ اسْمانِ، أوْ ثَلاثَةٌ، فَكانَ إذا دَعا واحِدًا مِنهم بِاسْمٍ مِن تِلْكَ الأسْماءِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ يَكْرَهُهُ، فَنَزَلَتْ ﴿ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: التَّنابُزُ بِالألْقابِ: أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ عَمِلَ السَّيِّئاتِ، ثُمَّ تابَ مِنها، وراجَعَ الحَقَّ، فَنَهى اللَّهُ أنْ يُعَيَّرَ بِما سَلَفَ مِن عَمَلِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: إذا كانَ الرَّجُلُ يَهُودِيًّا، فَأسْلَمَ، فَيَقُولُ: يا يَهُودِيُّ، يا نَصْرانِيُّ، يا مَجُوسِيُّ، ويَقُولُ لِلرَّجُلِ المُسْلِمِ: يا فاسِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ قالَ: نَهى اللَّهُ المُؤْمِنَ أنْ يَظُنَّ بِالمُؤْمِنِ سُوءًا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إيّاكم والظَّنَّ، فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَنافَسُوا، ولا تَحاسَدُوا، ولا تَباغَضُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا، ولا يَخْطُبِ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أخِيهِ حَتّى يَنْكِحَ أوْ يَتْرُكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ قالَ: نَهى اللَّهُ المُؤْمِنَ أنْ يَتَتَبَّعَ عَوْراتِ المُؤْمِنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ قالَ: أُتِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقِيلَ: هَذا فُلانٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنّا قَدْ نُهِينا عَنِ التَّجَسُّسِ، ولَكِنْ إنْ يَظْهَرْ لَنا شَيْءٌ نَأْخُذْهُ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في النَّهْيِ عَنْ تَتَبُّعِ عَوْراتِ المُسْلِمِينَ، والتَّجَسُّسِ عَنْ عُيُوبِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ الآيَةَ، قالَ: حَرَّمَ اللَّهُ أنْ يُغْتابَ المُؤْمِنُ بِشَيْءٍ كَما حَرَّمَ المَيْتَةَ.
والأحادِيثُ في تَحْرِيمِ الغِيبَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ.
الحجرات 49:13
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ هُما آدَمُ، وحَوّاءُ، والمَقْصُودُ أنَّهم مُتَساوُونَ لِاتِّصالِهِمْ بِنَسَبٍ واحِدٍ، وكَوْنِهِ يَجْمَعُهم أبٌ واحِدٌ وأُمٌّ واحِدَةٌ، وأنَّهُ لا مَوْضِعَ لِلتَّفاخُرِ بَيْنَهم بِالأنْسابِ، وقِيلَ المَعْنى: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن أبٍ وأُمٍّ فالكُلُّ سَواءٌ ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ﴾ الشُّعُوبُ جَمْعُ شَعْبٍ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهو الحَيُّ العَظِيمُ: مِثْلُ مُضَرَ ورَبِيعَةَ، والقَبائِلُ دُونَها كَبَنِي بَكْرٍ مِن رَبِيعَةَ، وبَنِي تَمِيمٍ مِن مُضَرَ.
قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، سُمُّوا شَعْبًا لِتَشَعُّبِهِمْ واجْتِماعِهِمْ كَشُعَبِ أغْصانِ الشَّجَرَةِ، والشَّعْبُ مِن أسْماءِ الأضْدادِ، يُقالُ شَعَبْتُهُ: إذا جَمَعْتَهُ، وشَعَبْتُهُ إذا فَرَّقْتَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المَنِيَّةُ شَعُوبًا لِأنَّها مُفَرِّقَةٌ، فَأمّا الشِّعْبُ بِالكَسْرِ فَهو الطَّرِيقُ في الجَبَلِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشَّعْبُ ما تَشَعَّبَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ والعَجَمِ، والجَمْعُ الشُّعُوبُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الشُّعُوبُ البَعِيدُ مِنَ النَّسَبِ، والقَبائِلُ دُونَ ذَلِكَ.
وقالَ قَتادَةُ: الشُّعُوبُ النَّسَبُ والأقْرَبُ.
وقِيلَ: إنَّ الشُّعُوبَ عَرَبُ اليَمَنِ مِن قَحْطانَ، والقَبائِلَ مِن رَبِيعَةَ، ومُضَرَ وسائِرِ عَدْنانَ.
وقِيلَ: الشُّعُوبُ بُطُونُ العَجَمِ، والقَبائِلُ بُطُونِ العَرَبِ.
وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ الشَّعْبَ أكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ، ثُمَّ القَبِيلَةُ، ثُمَّ العِمارَةُ، ثُمَّ البَطْنُ، ثُمَّ الفَخِذُ، ثُمَّ الفَصِيلَةُ، ثُمَّ العَشِيرَةُ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ ما قالَهُ الجُمْهُورُ مِن أنَّ الشَّعْبَ أكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَبائِلُ مِن شُعُوبٍ لَيْسَ فِيهِمْ كَرِيمٌ قَدْ يُعَدُّ ولا نَجِيبُ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِتَعارَفُوا﴾ بِتَخْفِيفِ التّاءِ وأصْلُهُ لِتَتَعارَفُوا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ.
وقَرَأ البَزِّيُّ بِتَشْدِيدِها عَلى الإدْغامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ بِتاءَيْنِ.
واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ ( بِخَلَقْناكم ): أيْ خَلَقْناكم كَذَلِكَ لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( لِتَعْرِفُوا ) مُضارِعَ عَرَفَ.
والفائِدَةُ في التَّعارُفِ أنْ يَنْتَسِبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم إلى نَسَبِهِ ولا يَعْتَرِي إلى غَيْرِهِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهم كَذَلِكَ لِهَذِهِ الفائِدَةِ لا لِلتَّفاخُرِ بِأنْسابِهِمْ ودَعْوى أنَّ هَذا الشَّعْبَ أفْضَلُ مِن هَذا الشَّعْبِ، وهَذِهِ القَبِيلَةَ أكْرَمُ مِن هَذِهِ القَبِيلَةِ، وهَذا البَطْنَ أشْرَفُ مِن هَذا البَطْنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّفاخُرِ فَقالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم﴾ أيْ: إنَّ التَّفاضُلَ بَيْنَكم إنَّما هو بِالتَّقْوى، فَمَن تَلَبَّسَ بِها فَهو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يَكُونَ أكْرَمَ مِمَّنْ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِها وأشْرَفَ وأفْضَلَ، فَدَعُوا ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ التَّفاخُرِ بِالأنْسابِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ كَرَمًا ولا يُثْبِتُ شَرَفًا ولا يَقْتَضِي فَضْلًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ﴾ بِكَسْرِ إنَّ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِها: أيْ لِأنَّ أكْرَمَكم ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِكُلِّ مَعْلُومٍ ومِن ذَلِكَ أعْمالُكم ﴿خَبِيرٌ﴾ بِما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ أكْرَمَ النّاسِ عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم لَهُ وكانَ أصْلُ التَّقْوى الإيمانَ ذَكَرَ ما كانَتْ تَقُولُهُ العَرَبُ مِن دَعْوى الإيمانِ لِيُثْبِتَ لَهُمُ الشَّرَفَ والفَضْلَ، فَقالَ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ وهم بَنُو أسَدٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ في سَنَةٍ مُجْدِبَةٍ يُرِيدُونَ الصَّدَقَةَ، فَأمَرَ اللَّهُ (p-١٣٩٥)سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا تَصْدِيقًا صَحِيحًا عَنِ اعْتِقادِ قَلْبٍ، وخُلُوصِ نِيَّةٍ، وطُمَأْنِينَةٍ ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ أيِ اسْتَسْلَمْنا خَوْفَ القَتْلِ والسَّبْيِ أوْ لِلطَّمَعِ في الصَّدَقَةِ، وهَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ لِأنَّهم أسْلَمُوا في ظاهِرِ الأمْرِ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ ما أظْهَرْتُمُوهُ بِألْسِنَتِكم عَنْ مُواطَأةِ قُلُوبِكم، بَلْ مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِاللِّسانِ مِن دُونِ اعْتِقادٍ صَحِيحٍ ولا نِيَّةٍ خالِصَةٍ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي ( لَمّا ) مَعْنى التَّوَقُّعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الإسْلامُ إظْهارُ الخُضُوعِ، وقَبُولُ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ، وبِذَلِكَ يُحْقَنُ الدَّمُ، فَإنْ كانَ مَعَ ذَلِكَ الإظْهارِ اعْتِقادٌ وتَصْدِيقٌ بِالقَلْبِ فَذَلِكَ الإيمانُ وصاحِبُهُ المُؤْمِنُ.
وقَدْ أخْرَجَ هَؤُلاءِ مِنَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا وإنَّما أسْلَمْتُمْ تَعُوُّذًا مِنَ القَتْلِ ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ طاعَةً صَحِيحَةً صادِرَةً عَنْ نِيّاتٍ خالِصَةٍ، وقُلُوبٍ مُصَدِّقَةٍ غَيْرِ مُنافِقَةٍ ﴿لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ يُقالُ: لاتَ يَلِتُ: إذا نَقَصَ، ولاتَهُ يَلِيتُهُ ويَلُوتُهُ: إذا نَقَصَهُ، والمَعْنى: لا يَنْقُصُكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَلِتْكُمْ﴾ مِن لاتَهُ يَلِيتُهُ كَباعَ يَبِيعُهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( لا يَأْلِتْكم ) بِالهَمْزِ مِن ألَتَهُ يَأْلِتُهُ بِالفَتْحِ في الماضِي والكَسْرِ في المُضارِعِ، واخْتارَ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو أبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ وعَلَيْها قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبْلِغْ بَنِي أسَدٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً ∗∗∗ جَهْرَ الرِّسالَةِ لا ألْتًا ولا كَذِبا
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، وعَلَيْها قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎ولَيْلَةٍ ذاتِ نَدًى سَرَيْتُ ∗∗∗ ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُراها لَيْتُ
وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المَغْفِرَةِ لِمَن فَرَطَ مِنهُ ذَنْبٌ ﴿رَحِيمٌ﴾ بَلِيغُ الرَّحْمَةِ لَهم.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا لَمْ يُؤْمِنُوا ولا دَخَلَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ بَيَّنَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَحِقِّينَ لِإطْلاقِ اسْمِ الإيمانِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يَعْنِي إيمانًا صَحِيحًا خالِصًا عَنْ مُواطَأةِ القَلْبِ واللِّسانِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ أيْ: لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهم شَيْءٌ مِنَ الرَّيْبِ ولا خالَطَهم شَكٌّ مِنَ الشُّكُوكِ ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في طاعَتِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، ويَدْخُلُ في الجِهادِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، فَإنَّها مِن جُمْلَةِ ما يُجاهِدُ المَرْءُ نَفْسَهُ حَتّى يَقُومَ بِهِ ويُؤَيِّدَهُ، كَما أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الجامِعِينَ بَيْنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الصّادِقُونَ﴾ أيِ الصّادِقُونَ في الِاتِّصافِ بِصِفَةِ الإيمانِ والدُّخُولِ في عِدادِ أهْلِهِ، لا مَن عَداهم مِمَّنْ أظْهَرَ الإسْلامَ بِلِسانِهِ.
وادَّعى أنَّهُ مُؤْمِنٌ، ولَمْ يَطْمَئِنَّ بِالإيمانِ قَلْبُهُ، ولا وصَلَ إلَيْهِ مَعْناهُ، ولا عَمِلَ بِأعْمالِ أهْلِهِ، وهُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم وسائِرُ أهْلِ النِّفاقِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لِأُولَئِكَ الأعْرابِ وأمْثالِهِمْ قَوْلًا آخَرَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَقالَ: ﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ التَّعْلِيمُ هاهُنا بِمَعْنى الإعْلامِ، ولِهَذا دَخَلَتِ الباءُ في بِدِينِكم أيْ: أتُخْبِرُونَهُ بِذَلِكَ حَيْثُ قُلْتُمْ آمَنّا ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ بُطْلانُ ما تَدَّعُونَهُ مِنَ الإيمانِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ تُعَلِّمُونَ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ، وقَدْ عَلِمَ ما تُبْطِنُونَهُ مِنَ الكُفْرِ وتُظْهِرُونَهُ مِنَ الإسْلامِ لِخَوْفِ الضَّرّاءِ ورَجاءِ النَّفْعِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِما يَقُولُهُ لَهم عِنْدَ المَنِّ عَلَيْهِ مِنهم بِما يَدَّعُونَهُ مِنَ الإسْلامِ فَقالَ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ أيْ يَعُدُّونَ إسْلامَهم مِنَّةً عَلَيْكَ حَيْثُ قالُوا: جِئْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ، ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ أيْ لا تَعُدُّوهُ مِنَّةً عَلَيَّ، فَإنَّ الإسْلامَ هو المِنَّةُ الَّتِي لا يَطْلُبُ ولِيُّها ثَوابًا لِمَن أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ أيْ أرْشَدَكم إلَيْهِ وأراكم طَرِيقَهُ سَواءً وصَلْتُمْ إلى المَطْلُوبِ أمْ لَمْ تَصِلُوا إلَيْهِ، وانْتِصابُ ( إسْلامَكم ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى تَضْمِينِ ( يَمُنُّونَ ) مَعْنى يَعُدُّونَ، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ لِأنْ أسْلَمُوا، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أنْ هَداكُمْ﴾ بِفَتْحِ ( أنْ )، وقَرَأ عاصِمٌ بِكَسْرِها.
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما غابَ فِيهِما ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ، ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ رَقِيَ بِلالٌ فَأذَّنَ عَلى الكَعْبَةِ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: أهَذا العَبْدُ الأسْوَدُ يُؤَذِّنُ عَلى ظَهْرِ الكَعْبَةِ. وقالَ بَعْضُهم: إنْ يَسْخَطِ اللَّهُ هَذا يُغَيِّرْهُ، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَنِي بَياضَةَ أنْ يُزَوِّجُوا أبا هِنْدٍ امْرَأةً مِنهم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنُزَوِّجُ بَناتِنا مُوالِيَنا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ هي مَكِّيَّةٌ، وهي لِلْعَرَبِ خاصَّةً المَوالِيَ، أيُّ قَبِيلَةٍ لَهم، وأيُّ شِعابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ فَقالَ: أتْقاكم لِلشِّرْكِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشُّعُوبُ القَبائِلُ العِظامُ، والقَبائِلُ البُطُونُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الشُّعُوبُ الجُمّاعُ، والقَبائِلُ الأفْخاذُ الَّتِي يَتَعارَفُونَ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: القَبائِلُ الأفْخاذُ، والشُّعُوبُ الجُمْهُورُ (p-١٣٩٦)مِثْلُ مُضَرَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيُّ النّاسِ أكْرَمُ ؟ قالَ: أكْرَمُهم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم. قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ، قالَ: فَأكْرَمُ النّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ. قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ. قالَ: فَعَنْ مَعادِنِ العَرَبِ تَسْألُونِي ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: خِيارُهم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهم في الإسْلامِ إذا فَقِهُوا» وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في الصَّحِيحِ، وغَيْرِهِ أنَّ التَّقْوى هي الَّتِي يَتَفاضَلُ بِها العِبادُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ قالَ أعْرابُ بَنِي أسَدٍ، وخُزَيْمَةَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ مَخافَةَ القَتْلِ والسَّبْيِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي أسَدٍ.وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: «أنَّ ناسًا مِنَ العَرَبِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أسْلَمْنا ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وذَكَرَ أنَّهم بَنُو أسَدٍ.
الحجرات 49:14
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ هُما آدَمُ، وحَوّاءُ، والمَقْصُودُ أنَّهم مُتَساوُونَ لِاتِّصالِهِمْ بِنَسَبٍ واحِدٍ، وكَوْنِهِ يَجْمَعُهم أبٌ واحِدٌ وأُمٌّ واحِدَةٌ، وأنَّهُ لا مَوْضِعَ لِلتَّفاخُرِ بَيْنَهم بِالأنْسابِ، وقِيلَ المَعْنى: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن أبٍ وأُمٍّ فالكُلُّ سَواءٌ ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ﴾ الشُّعُوبُ جَمْعُ شَعْبٍ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهو الحَيُّ العَظِيمُ: مِثْلُ مُضَرَ ورَبِيعَةَ، والقَبائِلُ دُونَها كَبَنِي بَكْرٍ مِن رَبِيعَةَ، وبَنِي تَمِيمٍ مِن مُضَرَ.
قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، سُمُّوا شَعْبًا لِتَشَعُّبِهِمْ واجْتِماعِهِمْ كَشُعَبِ أغْصانِ الشَّجَرَةِ، والشَّعْبُ مِن أسْماءِ الأضْدادِ، يُقالُ شَعَبْتُهُ: إذا جَمَعْتَهُ، وشَعَبْتُهُ إذا فَرَّقْتَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المَنِيَّةُ شَعُوبًا لِأنَّها مُفَرِّقَةٌ، فَأمّا الشِّعْبُ بِالكَسْرِ فَهو الطَّرِيقُ في الجَبَلِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشَّعْبُ ما تَشَعَّبَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ والعَجَمِ، والجَمْعُ الشُّعُوبُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الشُّعُوبُ البَعِيدُ مِنَ النَّسَبِ، والقَبائِلُ دُونَ ذَلِكَ.
وقالَ قَتادَةُ: الشُّعُوبُ النَّسَبُ والأقْرَبُ.
وقِيلَ: إنَّ الشُّعُوبَ عَرَبُ اليَمَنِ مِن قَحْطانَ، والقَبائِلَ مِن رَبِيعَةَ، ومُضَرَ وسائِرِ عَدْنانَ.
وقِيلَ: الشُّعُوبُ بُطُونُ العَجَمِ، والقَبائِلُ بُطُونِ العَرَبِ.
وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ الشَّعْبَ أكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ، ثُمَّ القَبِيلَةُ، ثُمَّ العِمارَةُ، ثُمَّ البَطْنُ، ثُمَّ الفَخِذُ، ثُمَّ الفَصِيلَةُ، ثُمَّ العَشِيرَةُ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ ما قالَهُ الجُمْهُورُ مِن أنَّ الشَّعْبَ أكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَبائِلُ مِن شُعُوبٍ لَيْسَ فِيهِمْ كَرِيمٌ قَدْ يُعَدُّ ولا نَجِيبُ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِتَعارَفُوا﴾ بِتَخْفِيفِ التّاءِ وأصْلُهُ لِتَتَعارَفُوا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ.
وقَرَأ البَزِّيُّ بِتَشْدِيدِها عَلى الإدْغامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ بِتاءَيْنِ.
واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ ( بِخَلَقْناكم ): أيْ خَلَقْناكم كَذَلِكَ لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( لِتَعْرِفُوا ) مُضارِعَ عَرَفَ.
والفائِدَةُ في التَّعارُفِ أنْ يَنْتَسِبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم إلى نَسَبِهِ ولا يَعْتَرِي إلى غَيْرِهِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهم كَذَلِكَ لِهَذِهِ الفائِدَةِ لا لِلتَّفاخُرِ بِأنْسابِهِمْ ودَعْوى أنَّ هَذا الشَّعْبَ أفْضَلُ مِن هَذا الشَّعْبِ، وهَذِهِ القَبِيلَةَ أكْرَمُ مِن هَذِهِ القَبِيلَةِ، وهَذا البَطْنَ أشْرَفُ مِن هَذا البَطْنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّفاخُرِ فَقالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم﴾ أيْ: إنَّ التَّفاضُلَ بَيْنَكم إنَّما هو بِالتَّقْوى، فَمَن تَلَبَّسَ بِها فَهو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يَكُونَ أكْرَمَ مِمَّنْ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِها وأشْرَفَ وأفْضَلَ، فَدَعُوا ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ التَّفاخُرِ بِالأنْسابِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ كَرَمًا ولا يُثْبِتُ شَرَفًا ولا يَقْتَضِي فَضْلًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ﴾ بِكَسْرِ إنَّ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِها: أيْ لِأنَّ أكْرَمَكم ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِكُلِّ مَعْلُومٍ ومِن ذَلِكَ أعْمالُكم ﴿خَبِيرٌ﴾ بِما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ أكْرَمَ النّاسِ عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم لَهُ وكانَ أصْلُ التَّقْوى الإيمانَ ذَكَرَ ما كانَتْ تَقُولُهُ العَرَبُ مِن دَعْوى الإيمانِ لِيُثْبِتَ لَهُمُ الشَّرَفَ والفَضْلَ، فَقالَ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ وهم بَنُو أسَدٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ في سَنَةٍ مُجْدِبَةٍ يُرِيدُونَ الصَّدَقَةَ، فَأمَرَ اللَّهُ (p-١٣٩٥)سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا تَصْدِيقًا صَحِيحًا عَنِ اعْتِقادِ قَلْبٍ، وخُلُوصِ نِيَّةٍ، وطُمَأْنِينَةٍ ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ أيِ اسْتَسْلَمْنا خَوْفَ القَتْلِ والسَّبْيِ أوْ لِلطَّمَعِ في الصَّدَقَةِ، وهَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ لِأنَّهم أسْلَمُوا في ظاهِرِ الأمْرِ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ ما أظْهَرْتُمُوهُ بِألْسِنَتِكم عَنْ مُواطَأةِ قُلُوبِكم، بَلْ مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِاللِّسانِ مِن دُونِ اعْتِقادٍ صَحِيحٍ ولا نِيَّةٍ خالِصَةٍ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي ( لَمّا ) مَعْنى التَّوَقُّعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الإسْلامُ إظْهارُ الخُضُوعِ، وقَبُولُ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ، وبِذَلِكَ يُحْقَنُ الدَّمُ، فَإنْ كانَ مَعَ ذَلِكَ الإظْهارِ اعْتِقادٌ وتَصْدِيقٌ بِالقَلْبِ فَذَلِكَ الإيمانُ وصاحِبُهُ المُؤْمِنُ.
وقَدْ أخْرَجَ هَؤُلاءِ مِنَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا وإنَّما أسْلَمْتُمْ تَعُوُّذًا مِنَ القَتْلِ ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ طاعَةً صَحِيحَةً صادِرَةً عَنْ نِيّاتٍ خالِصَةٍ، وقُلُوبٍ مُصَدِّقَةٍ غَيْرِ مُنافِقَةٍ ﴿لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ يُقالُ: لاتَ يَلِتُ: إذا نَقَصَ، ولاتَهُ يَلِيتُهُ ويَلُوتُهُ: إذا نَقَصَهُ، والمَعْنى: لا يَنْقُصُكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَلِتْكُمْ﴾ مِن لاتَهُ يَلِيتُهُ كَباعَ يَبِيعُهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( لا يَأْلِتْكم ) بِالهَمْزِ مِن ألَتَهُ يَأْلِتُهُ بِالفَتْحِ في الماضِي والكَسْرِ في المُضارِعِ، واخْتارَ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو أبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ وعَلَيْها قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبْلِغْ بَنِي أسَدٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً ∗∗∗ جَهْرَ الرِّسالَةِ لا ألْتًا ولا كَذِبا
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، وعَلَيْها قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎ولَيْلَةٍ ذاتِ نَدًى سَرَيْتُ ∗∗∗ ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُراها لَيْتُ
وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المَغْفِرَةِ لِمَن فَرَطَ مِنهُ ذَنْبٌ ﴿رَحِيمٌ﴾ بَلِيغُ الرَّحْمَةِ لَهم.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا لَمْ يُؤْمِنُوا ولا دَخَلَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ بَيَّنَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَحِقِّينَ لِإطْلاقِ اسْمِ الإيمانِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يَعْنِي إيمانًا صَحِيحًا خالِصًا عَنْ مُواطَأةِ القَلْبِ واللِّسانِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ أيْ: لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهم شَيْءٌ مِنَ الرَّيْبِ ولا خالَطَهم شَكٌّ مِنَ الشُّكُوكِ ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في طاعَتِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، ويَدْخُلُ في الجِهادِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، فَإنَّها مِن جُمْلَةِ ما يُجاهِدُ المَرْءُ نَفْسَهُ حَتّى يَقُومَ بِهِ ويُؤَيِّدَهُ، كَما أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الجامِعِينَ بَيْنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الصّادِقُونَ﴾ أيِ الصّادِقُونَ في الِاتِّصافِ بِصِفَةِ الإيمانِ والدُّخُولِ في عِدادِ أهْلِهِ، لا مَن عَداهم مِمَّنْ أظْهَرَ الإسْلامَ بِلِسانِهِ.
وادَّعى أنَّهُ مُؤْمِنٌ، ولَمْ يَطْمَئِنَّ بِالإيمانِ قَلْبُهُ، ولا وصَلَ إلَيْهِ مَعْناهُ، ولا عَمِلَ بِأعْمالِ أهْلِهِ، وهُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم وسائِرُ أهْلِ النِّفاقِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لِأُولَئِكَ الأعْرابِ وأمْثالِهِمْ قَوْلًا آخَرَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَقالَ: ﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ التَّعْلِيمُ هاهُنا بِمَعْنى الإعْلامِ، ولِهَذا دَخَلَتِ الباءُ في بِدِينِكم أيْ: أتُخْبِرُونَهُ بِذَلِكَ حَيْثُ قُلْتُمْ آمَنّا ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ بُطْلانُ ما تَدَّعُونَهُ مِنَ الإيمانِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ تُعَلِّمُونَ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ، وقَدْ عَلِمَ ما تُبْطِنُونَهُ مِنَ الكُفْرِ وتُظْهِرُونَهُ مِنَ الإسْلامِ لِخَوْفِ الضَّرّاءِ ورَجاءِ النَّفْعِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِما يَقُولُهُ لَهم عِنْدَ المَنِّ عَلَيْهِ مِنهم بِما يَدَّعُونَهُ مِنَ الإسْلامِ فَقالَ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ أيْ يَعُدُّونَ إسْلامَهم مِنَّةً عَلَيْكَ حَيْثُ قالُوا: جِئْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ، ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ أيْ لا تَعُدُّوهُ مِنَّةً عَلَيَّ، فَإنَّ الإسْلامَ هو المِنَّةُ الَّتِي لا يَطْلُبُ ولِيُّها ثَوابًا لِمَن أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ أيْ أرْشَدَكم إلَيْهِ وأراكم طَرِيقَهُ سَواءً وصَلْتُمْ إلى المَطْلُوبِ أمْ لَمْ تَصِلُوا إلَيْهِ، وانْتِصابُ ( إسْلامَكم ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى تَضْمِينِ ( يَمُنُّونَ ) مَعْنى يَعُدُّونَ، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ لِأنْ أسْلَمُوا، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أنْ هَداكُمْ﴾ بِفَتْحِ ( أنْ )، وقَرَأ عاصِمٌ بِكَسْرِها.
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما غابَ فِيهِما ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ، ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ رَقِيَ بِلالٌ فَأذَّنَ عَلى الكَعْبَةِ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: أهَذا العَبْدُ الأسْوَدُ يُؤَذِّنُ عَلى ظَهْرِ الكَعْبَةِ. وقالَ بَعْضُهم: إنْ يَسْخَطِ اللَّهُ هَذا يُغَيِّرْهُ، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَنِي بَياضَةَ أنْ يُزَوِّجُوا أبا هِنْدٍ امْرَأةً مِنهم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنُزَوِّجُ بَناتِنا مُوالِيَنا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ هي مَكِّيَّةٌ، وهي لِلْعَرَبِ خاصَّةً المَوالِيَ، أيُّ قَبِيلَةٍ لَهم، وأيُّ شِعابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ فَقالَ: أتْقاكم لِلشِّرْكِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشُّعُوبُ القَبائِلُ العِظامُ، والقَبائِلُ البُطُونُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الشُّعُوبُ الجُمّاعُ، والقَبائِلُ الأفْخاذُ الَّتِي يَتَعارَفُونَ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: القَبائِلُ الأفْخاذُ، والشُّعُوبُ الجُمْهُورُ (p-١٣٩٦)مِثْلُ مُضَرَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيُّ النّاسِ أكْرَمُ ؟ قالَ: أكْرَمُهم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم. قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ، قالَ: فَأكْرَمُ النّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ. قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ. قالَ: فَعَنْ مَعادِنِ العَرَبِ تَسْألُونِي ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: خِيارُهم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهم في الإسْلامِ إذا فَقِهُوا» وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في الصَّحِيحِ، وغَيْرِهِ أنَّ التَّقْوى هي الَّتِي يَتَفاضَلُ بِها العِبادُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ قالَ أعْرابُ بَنِي أسَدٍ، وخُزَيْمَةَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ مَخافَةَ القَتْلِ والسَّبْيِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي أسَدٍ.وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: «أنَّ ناسًا مِنَ العَرَبِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أسْلَمْنا ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وذَكَرَ أنَّهم بَنُو أسَدٍ.
الحجرات 49:15
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ هُما آدَمُ، وحَوّاءُ، والمَقْصُودُ أنَّهم مُتَساوُونَ لِاتِّصالِهِمْ بِنَسَبٍ واحِدٍ، وكَوْنِهِ يَجْمَعُهم أبٌ واحِدٌ وأُمٌّ واحِدَةٌ، وأنَّهُ لا مَوْضِعَ لِلتَّفاخُرِ بَيْنَهم بِالأنْسابِ، وقِيلَ المَعْنى: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن أبٍ وأُمٍّ فالكُلُّ سَواءٌ ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ﴾ الشُّعُوبُ جَمْعُ شَعْبٍ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهو الحَيُّ العَظِيمُ: مِثْلُ مُضَرَ ورَبِيعَةَ، والقَبائِلُ دُونَها كَبَنِي بَكْرٍ مِن رَبِيعَةَ، وبَنِي تَمِيمٍ مِن مُضَرَ.
قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، سُمُّوا شَعْبًا لِتَشَعُّبِهِمْ واجْتِماعِهِمْ كَشُعَبِ أغْصانِ الشَّجَرَةِ، والشَّعْبُ مِن أسْماءِ الأضْدادِ، يُقالُ شَعَبْتُهُ: إذا جَمَعْتَهُ، وشَعَبْتُهُ إذا فَرَّقْتَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المَنِيَّةُ شَعُوبًا لِأنَّها مُفَرِّقَةٌ، فَأمّا الشِّعْبُ بِالكَسْرِ فَهو الطَّرِيقُ في الجَبَلِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشَّعْبُ ما تَشَعَّبَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ والعَجَمِ، والجَمْعُ الشُّعُوبُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الشُّعُوبُ البَعِيدُ مِنَ النَّسَبِ، والقَبائِلُ دُونَ ذَلِكَ.
وقالَ قَتادَةُ: الشُّعُوبُ النَّسَبُ والأقْرَبُ.
وقِيلَ: إنَّ الشُّعُوبَ عَرَبُ اليَمَنِ مِن قَحْطانَ، والقَبائِلَ مِن رَبِيعَةَ، ومُضَرَ وسائِرِ عَدْنانَ.
وقِيلَ: الشُّعُوبُ بُطُونُ العَجَمِ، والقَبائِلُ بُطُونِ العَرَبِ.
وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ الشَّعْبَ أكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ، ثُمَّ القَبِيلَةُ، ثُمَّ العِمارَةُ، ثُمَّ البَطْنُ، ثُمَّ الفَخِذُ، ثُمَّ الفَصِيلَةُ، ثُمَّ العَشِيرَةُ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ ما قالَهُ الجُمْهُورُ مِن أنَّ الشَّعْبَ أكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَبائِلُ مِن شُعُوبٍ لَيْسَ فِيهِمْ كَرِيمٌ قَدْ يُعَدُّ ولا نَجِيبُ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِتَعارَفُوا﴾ بِتَخْفِيفِ التّاءِ وأصْلُهُ لِتَتَعارَفُوا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ.
وقَرَأ البَزِّيُّ بِتَشْدِيدِها عَلى الإدْغامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ بِتاءَيْنِ.
واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ ( بِخَلَقْناكم ): أيْ خَلَقْناكم كَذَلِكَ لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( لِتَعْرِفُوا ) مُضارِعَ عَرَفَ.
والفائِدَةُ في التَّعارُفِ أنْ يَنْتَسِبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم إلى نَسَبِهِ ولا يَعْتَرِي إلى غَيْرِهِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهم كَذَلِكَ لِهَذِهِ الفائِدَةِ لا لِلتَّفاخُرِ بِأنْسابِهِمْ ودَعْوى أنَّ هَذا الشَّعْبَ أفْضَلُ مِن هَذا الشَّعْبِ، وهَذِهِ القَبِيلَةَ أكْرَمُ مِن هَذِهِ القَبِيلَةِ، وهَذا البَطْنَ أشْرَفُ مِن هَذا البَطْنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّفاخُرِ فَقالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم﴾ أيْ: إنَّ التَّفاضُلَ بَيْنَكم إنَّما هو بِالتَّقْوى، فَمَن تَلَبَّسَ بِها فَهو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يَكُونَ أكْرَمَ مِمَّنْ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِها وأشْرَفَ وأفْضَلَ، فَدَعُوا ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ التَّفاخُرِ بِالأنْسابِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ كَرَمًا ولا يُثْبِتُ شَرَفًا ولا يَقْتَضِي فَضْلًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ﴾ بِكَسْرِ إنَّ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِها: أيْ لِأنَّ أكْرَمَكم ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِكُلِّ مَعْلُومٍ ومِن ذَلِكَ أعْمالُكم ﴿خَبِيرٌ﴾ بِما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ أكْرَمَ النّاسِ عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم لَهُ وكانَ أصْلُ التَّقْوى الإيمانَ ذَكَرَ ما كانَتْ تَقُولُهُ العَرَبُ مِن دَعْوى الإيمانِ لِيُثْبِتَ لَهُمُ الشَّرَفَ والفَضْلَ، فَقالَ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ وهم بَنُو أسَدٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ في سَنَةٍ مُجْدِبَةٍ يُرِيدُونَ الصَّدَقَةَ، فَأمَرَ اللَّهُ (p-١٣٩٥)سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا تَصْدِيقًا صَحِيحًا عَنِ اعْتِقادِ قَلْبٍ، وخُلُوصِ نِيَّةٍ، وطُمَأْنِينَةٍ ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ أيِ اسْتَسْلَمْنا خَوْفَ القَتْلِ والسَّبْيِ أوْ لِلطَّمَعِ في الصَّدَقَةِ، وهَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ لِأنَّهم أسْلَمُوا في ظاهِرِ الأمْرِ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ ما أظْهَرْتُمُوهُ بِألْسِنَتِكم عَنْ مُواطَأةِ قُلُوبِكم، بَلْ مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِاللِّسانِ مِن دُونِ اعْتِقادٍ صَحِيحٍ ولا نِيَّةٍ خالِصَةٍ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي ( لَمّا ) مَعْنى التَّوَقُّعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الإسْلامُ إظْهارُ الخُضُوعِ، وقَبُولُ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ، وبِذَلِكَ يُحْقَنُ الدَّمُ، فَإنْ كانَ مَعَ ذَلِكَ الإظْهارِ اعْتِقادٌ وتَصْدِيقٌ بِالقَلْبِ فَذَلِكَ الإيمانُ وصاحِبُهُ المُؤْمِنُ.
وقَدْ أخْرَجَ هَؤُلاءِ مِنَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا وإنَّما أسْلَمْتُمْ تَعُوُّذًا مِنَ القَتْلِ ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ طاعَةً صَحِيحَةً صادِرَةً عَنْ نِيّاتٍ خالِصَةٍ، وقُلُوبٍ مُصَدِّقَةٍ غَيْرِ مُنافِقَةٍ ﴿لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ يُقالُ: لاتَ يَلِتُ: إذا نَقَصَ، ولاتَهُ يَلِيتُهُ ويَلُوتُهُ: إذا نَقَصَهُ، والمَعْنى: لا يَنْقُصُكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَلِتْكُمْ﴾ مِن لاتَهُ يَلِيتُهُ كَباعَ يَبِيعُهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( لا يَأْلِتْكم ) بِالهَمْزِ مِن ألَتَهُ يَأْلِتُهُ بِالفَتْحِ في الماضِي والكَسْرِ في المُضارِعِ، واخْتارَ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو أبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ وعَلَيْها قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبْلِغْ بَنِي أسَدٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً ∗∗∗ جَهْرَ الرِّسالَةِ لا ألْتًا ولا كَذِبا
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، وعَلَيْها قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎ولَيْلَةٍ ذاتِ نَدًى سَرَيْتُ ∗∗∗ ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُراها لَيْتُ
وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المَغْفِرَةِ لِمَن فَرَطَ مِنهُ ذَنْبٌ ﴿رَحِيمٌ﴾ بَلِيغُ الرَّحْمَةِ لَهم.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا لَمْ يُؤْمِنُوا ولا دَخَلَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ بَيَّنَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَحِقِّينَ لِإطْلاقِ اسْمِ الإيمانِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يَعْنِي إيمانًا صَحِيحًا خالِصًا عَنْ مُواطَأةِ القَلْبِ واللِّسانِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ أيْ: لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهم شَيْءٌ مِنَ الرَّيْبِ ولا خالَطَهم شَكٌّ مِنَ الشُّكُوكِ ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في طاعَتِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، ويَدْخُلُ في الجِهادِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، فَإنَّها مِن جُمْلَةِ ما يُجاهِدُ المَرْءُ نَفْسَهُ حَتّى يَقُومَ بِهِ ويُؤَيِّدَهُ، كَما أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الجامِعِينَ بَيْنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الصّادِقُونَ﴾ أيِ الصّادِقُونَ في الِاتِّصافِ بِصِفَةِ الإيمانِ والدُّخُولِ في عِدادِ أهْلِهِ، لا مَن عَداهم مِمَّنْ أظْهَرَ الإسْلامَ بِلِسانِهِ.
وادَّعى أنَّهُ مُؤْمِنٌ، ولَمْ يَطْمَئِنَّ بِالإيمانِ قَلْبُهُ، ولا وصَلَ إلَيْهِ مَعْناهُ، ولا عَمِلَ بِأعْمالِ أهْلِهِ، وهُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم وسائِرُ أهْلِ النِّفاقِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لِأُولَئِكَ الأعْرابِ وأمْثالِهِمْ قَوْلًا آخَرَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَقالَ: ﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ التَّعْلِيمُ هاهُنا بِمَعْنى الإعْلامِ، ولِهَذا دَخَلَتِ الباءُ في بِدِينِكم أيْ: أتُخْبِرُونَهُ بِذَلِكَ حَيْثُ قُلْتُمْ آمَنّا ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ بُطْلانُ ما تَدَّعُونَهُ مِنَ الإيمانِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ تُعَلِّمُونَ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ، وقَدْ عَلِمَ ما تُبْطِنُونَهُ مِنَ الكُفْرِ وتُظْهِرُونَهُ مِنَ الإسْلامِ لِخَوْفِ الضَّرّاءِ ورَجاءِ النَّفْعِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِما يَقُولُهُ لَهم عِنْدَ المَنِّ عَلَيْهِ مِنهم بِما يَدَّعُونَهُ مِنَ الإسْلامِ فَقالَ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ أيْ يَعُدُّونَ إسْلامَهم مِنَّةً عَلَيْكَ حَيْثُ قالُوا: جِئْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ، ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ أيْ لا تَعُدُّوهُ مِنَّةً عَلَيَّ، فَإنَّ الإسْلامَ هو المِنَّةُ الَّتِي لا يَطْلُبُ ولِيُّها ثَوابًا لِمَن أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ أيْ أرْشَدَكم إلَيْهِ وأراكم طَرِيقَهُ سَواءً وصَلْتُمْ إلى المَطْلُوبِ أمْ لَمْ تَصِلُوا إلَيْهِ، وانْتِصابُ ( إسْلامَكم ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى تَضْمِينِ ( يَمُنُّونَ ) مَعْنى يَعُدُّونَ، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ لِأنْ أسْلَمُوا، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أنْ هَداكُمْ﴾ بِفَتْحِ ( أنْ )، وقَرَأ عاصِمٌ بِكَسْرِها.
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما غابَ فِيهِما ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ، ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ رَقِيَ بِلالٌ فَأذَّنَ عَلى الكَعْبَةِ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: أهَذا العَبْدُ الأسْوَدُ يُؤَذِّنُ عَلى ظَهْرِ الكَعْبَةِ. وقالَ بَعْضُهم: إنْ يَسْخَطِ اللَّهُ هَذا يُغَيِّرْهُ، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَنِي بَياضَةَ أنْ يُزَوِّجُوا أبا هِنْدٍ امْرَأةً مِنهم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنُزَوِّجُ بَناتِنا مُوالِيَنا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ هي مَكِّيَّةٌ، وهي لِلْعَرَبِ خاصَّةً المَوالِيَ، أيُّ قَبِيلَةٍ لَهم، وأيُّ شِعابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ فَقالَ: أتْقاكم لِلشِّرْكِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشُّعُوبُ القَبائِلُ العِظامُ، والقَبائِلُ البُطُونُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الشُّعُوبُ الجُمّاعُ، والقَبائِلُ الأفْخاذُ الَّتِي يَتَعارَفُونَ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: القَبائِلُ الأفْخاذُ، والشُّعُوبُ الجُمْهُورُ (p-١٣٩٦)مِثْلُ مُضَرَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيُّ النّاسِ أكْرَمُ ؟ قالَ: أكْرَمُهم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم. قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ، قالَ: فَأكْرَمُ النّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ. قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ. قالَ: فَعَنْ مَعادِنِ العَرَبِ تَسْألُونِي ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: خِيارُهم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهم في الإسْلامِ إذا فَقِهُوا» وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في الصَّحِيحِ، وغَيْرِهِ أنَّ التَّقْوى هي الَّتِي يَتَفاضَلُ بِها العِبادُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ قالَ أعْرابُ بَنِي أسَدٍ، وخُزَيْمَةَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ مَخافَةَ القَتْلِ والسَّبْيِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي أسَدٍ.وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: «أنَّ ناسًا مِنَ العَرَبِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أسْلَمْنا ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وذَكَرَ أنَّهم بَنُو أسَدٍ.
الحجرات 49:16
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ هُما آدَمُ، وحَوّاءُ، والمَقْصُودُ أنَّهم مُتَساوُونَ لِاتِّصالِهِمْ بِنَسَبٍ واحِدٍ، وكَوْنِهِ يَجْمَعُهم أبٌ واحِدٌ وأُمٌّ واحِدَةٌ، وأنَّهُ لا مَوْضِعَ لِلتَّفاخُرِ بَيْنَهم بِالأنْسابِ، وقِيلَ المَعْنى: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن أبٍ وأُمٍّ فالكُلُّ سَواءٌ ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ﴾ الشُّعُوبُ جَمْعُ شَعْبٍ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهو الحَيُّ العَظِيمُ: مِثْلُ مُضَرَ ورَبِيعَةَ، والقَبائِلُ دُونَها كَبَنِي بَكْرٍ مِن رَبِيعَةَ، وبَنِي تَمِيمٍ مِن مُضَرَ.
قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، سُمُّوا شَعْبًا لِتَشَعُّبِهِمْ واجْتِماعِهِمْ كَشُعَبِ أغْصانِ الشَّجَرَةِ، والشَّعْبُ مِن أسْماءِ الأضْدادِ، يُقالُ شَعَبْتُهُ: إذا جَمَعْتَهُ، وشَعَبْتُهُ إذا فَرَّقْتَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المَنِيَّةُ شَعُوبًا لِأنَّها مُفَرِّقَةٌ، فَأمّا الشِّعْبُ بِالكَسْرِ فَهو الطَّرِيقُ في الجَبَلِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشَّعْبُ ما تَشَعَّبَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ والعَجَمِ، والجَمْعُ الشُّعُوبُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الشُّعُوبُ البَعِيدُ مِنَ النَّسَبِ، والقَبائِلُ دُونَ ذَلِكَ.
وقالَ قَتادَةُ: الشُّعُوبُ النَّسَبُ والأقْرَبُ.
وقِيلَ: إنَّ الشُّعُوبَ عَرَبُ اليَمَنِ مِن قَحْطانَ، والقَبائِلَ مِن رَبِيعَةَ، ومُضَرَ وسائِرِ عَدْنانَ.
وقِيلَ: الشُّعُوبُ بُطُونُ العَجَمِ، والقَبائِلُ بُطُونِ العَرَبِ.
وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ الشَّعْبَ أكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ، ثُمَّ القَبِيلَةُ، ثُمَّ العِمارَةُ، ثُمَّ البَطْنُ، ثُمَّ الفَخِذُ، ثُمَّ الفَصِيلَةُ، ثُمَّ العَشِيرَةُ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ ما قالَهُ الجُمْهُورُ مِن أنَّ الشَّعْبَ أكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَبائِلُ مِن شُعُوبٍ لَيْسَ فِيهِمْ كَرِيمٌ قَدْ يُعَدُّ ولا نَجِيبُ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِتَعارَفُوا﴾ بِتَخْفِيفِ التّاءِ وأصْلُهُ لِتَتَعارَفُوا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ.
وقَرَأ البَزِّيُّ بِتَشْدِيدِها عَلى الإدْغامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ بِتاءَيْنِ.
واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ ( بِخَلَقْناكم ): أيْ خَلَقْناكم كَذَلِكَ لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( لِتَعْرِفُوا ) مُضارِعَ عَرَفَ.
والفائِدَةُ في التَّعارُفِ أنْ يَنْتَسِبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم إلى نَسَبِهِ ولا يَعْتَرِي إلى غَيْرِهِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهم كَذَلِكَ لِهَذِهِ الفائِدَةِ لا لِلتَّفاخُرِ بِأنْسابِهِمْ ودَعْوى أنَّ هَذا الشَّعْبَ أفْضَلُ مِن هَذا الشَّعْبِ، وهَذِهِ القَبِيلَةَ أكْرَمُ مِن هَذِهِ القَبِيلَةِ، وهَذا البَطْنَ أشْرَفُ مِن هَذا البَطْنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّفاخُرِ فَقالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم﴾ أيْ: إنَّ التَّفاضُلَ بَيْنَكم إنَّما هو بِالتَّقْوى، فَمَن تَلَبَّسَ بِها فَهو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يَكُونَ أكْرَمَ مِمَّنْ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِها وأشْرَفَ وأفْضَلَ، فَدَعُوا ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ التَّفاخُرِ بِالأنْسابِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ كَرَمًا ولا يُثْبِتُ شَرَفًا ولا يَقْتَضِي فَضْلًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ﴾ بِكَسْرِ إنَّ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِها: أيْ لِأنَّ أكْرَمَكم ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِكُلِّ مَعْلُومٍ ومِن ذَلِكَ أعْمالُكم ﴿خَبِيرٌ﴾ بِما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ أكْرَمَ النّاسِ عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم لَهُ وكانَ أصْلُ التَّقْوى الإيمانَ ذَكَرَ ما كانَتْ تَقُولُهُ العَرَبُ مِن دَعْوى الإيمانِ لِيُثْبِتَ لَهُمُ الشَّرَفَ والفَضْلَ، فَقالَ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ وهم بَنُو أسَدٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ في سَنَةٍ مُجْدِبَةٍ يُرِيدُونَ الصَّدَقَةَ، فَأمَرَ اللَّهُ (p-١٣٩٥)سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا تَصْدِيقًا صَحِيحًا عَنِ اعْتِقادِ قَلْبٍ، وخُلُوصِ نِيَّةٍ، وطُمَأْنِينَةٍ ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ أيِ اسْتَسْلَمْنا خَوْفَ القَتْلِ والسَّبْيِ أوْ لِلطَّمَعِ في الصَّدَقَةِ، وهَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ لِأنَّهم أسْلَمُوا في ظاهِرِ الأمْرِ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ ما أظْهَرْتُمُوهُ بِألْسِنَتِكم عَنْ مُواطَأةِ قُلُوبِكم، بَلْ مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِاللِّسانِ مِن دُونِ اعْتِقادٍ صَحِيحٍ ولا نِيَّةٍ خالِصَةٍ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي ( لَمّا ) مَعْنى التَّوَقُّعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الإسْلامُ إظْهارُ الخُضُوعِ، وقَبُولُ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ، وبِذَلِكَ يُحْقَنُ الدَّمُ، فَإنْ كانَ مَعَ ذَلِكَ الإظْهارِ اعْتِقادٌ وتَصْدِيقٌ بِالقَلْبِ فَذَلِكَ الإيمانُ وصاحِبُهُ المُؤْمِنُ.
وقَدْ أخْرَجَ هَؤُلاءِ مِنَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا وإنَّما أسْلَمْتُمْ تَعُوُّذًا مِنَ القَتْلِ ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ طاعَةً صَحِيحَةً صادِرَةً عَنْ نِيّاتٍ خالِصَةٍ، وقُلُوبٍ مُصَدِّقَةٍ غَيْرِ مُنافِقَةٍ ﴿لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ يُقالُ: لاتَ يَلِتُ: إذا نَقَصَ، ولاتَهُ يَلِيتُهُ ويَلُوتُهُ: إذا نَقَصَهُ، والمَعْنى: لا يَنْقُصُكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَلِتْكُمْ﴾ مِن لاتَهُ يَلِيتُهُ كَباعَ يَبِيعُهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( لا يَأْلِتْكم ) بِالهَمْزِ مِن ألَتَهُ يَأْلِتُهُ بِالفَتْحِ في الماضِي والكَسْرِ في المُضارِعِ، واخْتارَ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو أبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ وعَلَيْها قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبْلِغْ بَنِي أسَدٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً ∗∗∗ جَهْرَ الرِّسالَةِ لا ألْتًا ولا كَذِبا
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، وعَلَيْها قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎ولَيْلَةٍ ذاتِ نَدًى سَرَيْتُ ∗∗∗ ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُراها لَيْتُ
وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المَغْفِرَةِ لِمَن فَرَطَ مِنهُ ذَنْبٌ ﴿رَحِيمٌ﴾ بَلِيغُ الرَّحْمَةِ لَهم.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا لَمْ يُؤْمِنُوا ولا دَخَلَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ بَيَّنَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَحِقِّينَ لِإطْلاقِ اسْمِ الإيمانِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يَعْنِي إيمانًا صَحِيحًا خالِصًا عَنْ مُواطَأةِ القَلْبِ واللِّسانِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ أيْ: لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهم شَيْءٌ مِنَ الرَّيْبِ ولا خالَطَهم شَكٌّ مِنَ الشُّكُوكِ ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في طاعَتِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، ويَدْخُلُ في الجِهادِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، فَإنَّها مِن جُمْلَةِ ما يُجاهِدُ المَرْءُ نَفْسَهُ حَتّى يَقُومَ بِهِ ويُؤَيِّدَهُ، كَما أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الجامِعِينَ بَيْنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الصّادِقُونَ﴾ أيِ الصّادِقُونَ في الِاتِّصافِ بِصِفَةِ الإيمانِ والدُّخُولِ في عِدادِ أهْلِهِ، لا مَن عَداهم مِمَّنْ أظْهَرَ الإسْلامَ بِلِسانِهِ.
وادَّعى أنَّهُ مُؤْمِنٌ، ولَمْ يَطْمَئِنَّ بِالإيمانِ قَلْبُهُ، ولا وصَلَ إلَيْهِ مَعْناهُ، ولا عَمِلَ بِأعْمالِ أهْلِهِ، وهُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم وسائِرُ أهْلِ النِّفاقِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لِأُولَئِكَ الأعْرابِ وأمْثالِهِمْ قَوْلًا آخَرَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَقالَ: ﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ التَّعْلِيمُ هاهُنا بِمَعْنى الإعْلامِ، ولِهَذا دَخَلَتِ الباءُ في بِدِينِكم أيْ: أتُخْبِرُونَهُ بِذَلِكَ حَيْثُ قُلْتُمْ آمَنّا ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ بُطْلانُ ما تَدَّعُونَهُ مِنَ الإيمانِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ تُعَلِّمُونَ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ، وقَدْ عَلِمَ ما تُبْطِنُونَهُ مِنَ الكُفْرِ وتُظْهِرُونَهُ مِنَ الإسْلامِ لِخَوْفِ الضَّرّاءِ ورَجاءِ النَّفْعِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِما يَقُولُهُ لَهم عِنْدَ المَنِّ عَلَيْهِ مِنهم بِما يَدَّعُونَهُ مِنَ الإسْلامِ فَقالَ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ أيْ يَعُدُّونَ إسْلامَهم مِنَّةً عَلَيْكَ حَيْثُ قالُوا: جِئْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ، ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ أيْ لا تَعُدُّوهُ مِنَّةً عَلَيَّ، فَإنَّ الإسْلامَ هو المِنَّةُ الَّتِي لا يَطْلُبُ ولِيُّها ثَوابًا لِمَن أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ أيْ أرْشَدَكم إلَيْهِ وأراكم طَرِيقَهُ سَواءً وصَلْتُمْ إلى المَطْلُوبِ أمْ لَمْ تَصِلُوا إلَيْهِ، وانْتِصابُ ( إسْلامَكم ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى تَضْمِينِ ( يَمُنُّونَ ) مَعْنى يَعُدُّونَ، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ لِأنْ أسْلَمُوا، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أنْ هَداكُمْ﴾ بِفَتْحِ ( أنْ )، وقَرَأ عاصِمٌ بِكَسْرِها.
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما غابَ فِيهِما ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ، ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ رَقِيَ بِلالٌ فَأذَّنَ عَلى الكَعْبَةِ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: أهَذا العَبْدُ الأسْوَدُ يُؤَذِّنُ عَلى ظَهْرِ الكَعْبَةِ. وقالَ بَعْضُهم: إنْ يَسْخَطِ اللَّهُ هَذا يُغَيِّرْهُ، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَنِي بَياضَةَ أنْ يُزَوِّجُوا أبا هِنْدٍ امْرَأةً مِنهم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنُزَوِّجُ بَناتِنا مُوالِيَنا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ هي مَكِّيَّةٌ، وهي لِلْعَرَبِ خاصَّةً المَوالِيَ، أيُّ قَبِيلَةٍ لَهم، وأيُّ شِعابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ فَقالَ: أتْقاكم لِلشِّرْكِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشُّعُوبُ القَبائِلُ العِظامُ، والقَبائِلُ البُطُونُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الشُّعُوبُ الجُمّاعُ، والقَبائِلُ الأفْخاذُ الَّتِي يَتَعارَفُونَ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: القَبائِلُ الأفْخاذُ، والشُّعُوبُ الجُمْهُورُ (p-١٣٩٦)مِثْلُ مُضَرَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيُّ النّاسِ أكْرَمُ ؟ قالَ: أكْرَمُهم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم. قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ، قالَ: فَأكْرَمُ النّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ. قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ. قالَ: فَعَنْ مَعادِنِ العَرَبِ تَسْألُونِي ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: خِيارُهم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهم في الإسْلامِ إذا فَقِهُوا» وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في الصَّحِيحِ، وغَيْرِهِ أنَّ التَّقْوى هي الَّتِي يَتَفاضَلُ بِها العِبادُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ قالَ أعْرابُ بَنِي أسَدٍ، وخُزَيْمَةَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ مَخافَةَ القَتْلِ والسَّبْيِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي أسَدٍ.وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: «أنَّ ناسًا مِنَ العَرَبِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أسْلَمْنا ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وذَكَرَ أنَّهم بَنُو أسَدٍ.
الحجرات 49:17
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ هُما آدَمُ، وحَوّاءُ، والمَقْصُودُ أنَّهم مُتَساوُونَ لِاتِّصالِهِمْ بِنَسَبٍ واحِدٍ، وكَوْنِهِ يَجْمَعُهم أبٌ واحِدٌ وأُمٌّ واحِدَةٌ، وأنَّهُ لا مَوْضِعَ لِلتَّفاخُرِ بَيْنَهم بِالأنْسابِ، وقِيلَ المَعْنى: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن أبٍ وأُمٍّ فالكُلُّ سَواءٌ ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ﴾ الشُّعُوبُ جَمْعُ شَعْبٍ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهو الحَيُّ العَظِيمُ: مِثْلُ مُضَرَ ورَبِيعَةَ، والقَبائِلُ دُونَها كَبَنِي بَكْرٍ مِن رَبِيعَةَ، وبَنِي تَمِيمٍ مِن مُضَرَ.
قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، سُمُّوا شَعْبًا لِتَشَعُّبِهِمْ واجْتِماعِهِمْ كَشُعَبِ أغْصانِ الشَّجَرَةِ، والشَّعْبُ مِن أسْماءِ الأضْدادِ، يُقالُ شَعَبْتُهُ: إذا جَمَعْتَهُ، وشَعَبْتُهُ إذا فَرَّقْتَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المَنِيَّةُ شَعُوبًا لِأنَّها مُفَرِّقَةٌ، فَأمّا الشِّعْبُ بِالكَسْرِ فَهو الطَّرِيقُ في الجَبَلِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشَّعْبُ ما تَشَعَّبَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ والعَجَمِ، والجَمْعُ الشُّعُوبُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الشُّعُوبُ البَعِيدُ مِنَ النَّسَبِ، والقَبائِلُ دُونَ ذَلِكَ.
وقالَ قَتادَةُ: الشُّعُوبُ النَّسَبُ والأقْرَبُ.
وقِيلَ: إنَّ الشُّعُوبَ عَرَبُ اليَمَنِ مِن قَحْطانَ، والقَبائِلَ مِن رَبِيعَةَ، ومُضَرَ وسائِرِ عَدْنانَ.
وقِيلَ: الشُّعُوبُ بُطُونُ العَجَمِ، والقَبائِلُ بُطُونِ العَرَبِ.
وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ الشَّعْبَ أكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ، ثُمَّ القَبِيلَةُ، ثُمَّ العِمارَةُ، ثُمَّ البَطْنُ، ثُمَّ الفَخِذُ، ثُمَّ الفَصِيلَةُ، ثُمَّ العَشِيرَةُ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ ما قالَهُ الجُمْهُورُ مِن أنَّ الشَّعْبَ أكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَبائِلُ مِن شُعُوبٍ لَيْسَ فِيهِمْ كَرِيمٌ قَدْ يُعَدُّ ولا نَجِيبُ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِتَعارَفُوا﴾ بِتَخْفِيفِ التّاءِ وأصْلُهُ لِتَتَعارَفُوا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ.
وقَرَأ البَزِّيُّ بِتَشْدِيدِها عَلى الإدْغامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ بِتاءَيْنِ.
واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ ( بِخَلَقْناكم ): أيْ خَلَقْناكم كَذَلِكَ لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( لِتَعْرِفُوا ) مُضارِعَ عَرَفَ.
والفائِدَةُ في التَّعارُفِ أنْ يَنْتَسِبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم إلى نَسَبِهِ ولا يَعْتَرِي إلى غَيْرِهِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهم كَذَلِكَ لِهَذِهِ الفائِدَةِ لا لِلتَّفاخُرِ بِأنْسابِهِمْ ودَعْوى أنَّ هَذا الشَّعْبَ أفْضَلُ مِن هَذا الشَّعْبِ، وهَذِهِ القَبِيلَةَ أكْرَمُ مِن هَذِهِ القَبِيلَةِ، وهَذا البَطْنَ أشْرَفُ مِن هَذا البَطْنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّفاخُرِ فَقالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم﴾ أيْ: إنَّ التَّفاضُلَ بَيْنَكم إنَّما هو بِالتَّقْوى، فَمَن تَلَبَّسَ بِها فَهو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يَكُونَ أكْرَمَ مِمَّنْ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِها وأشْرَفَ وأفْضَلَ، فَدَعُوا ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ التَّفاخُرِ بِالأنْسابِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ كَرَمًا ولا يُثْبِتُ شَرَفًا ولا يَقْتَضِي فَضْلًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ﴾ بِكَسْرِ إنَّ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِها: أيْ لِأنَّ أكْرَمَكم ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِكُلِّ مَعْلُومٍ ومِن ذَلِكَ أعْمالُكم ﴿خَبِيرٌ﴾ بِما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ أكْرَمَ النّاسِ عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم لَهُ وكانَ أصْلُ التَّقْوى الإيمانَ ذَكَرَ ما كانَتْ تَقُولُهُ العَرَبُ مِن دَعْوى الإيمانِ لِيُثْبِتَ لَهُمُ الشَّرَفَ والفَضْلَ، فَقالَ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ وهم بَنُو أسَدٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ في سَنَةٍ مُجْدِبَةٍ يُرِيدُونَ الصَّدَقَةَ، فَأمَرَ اللَّهُ (p-١٣٩٥)سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا تَصْدِيقًا صَحِيحًا عَنِ اعْتِقادِ قَلْبٍ، وخُلُوصِ نِيَّةٍ، وطُمَأْنِينَةٍ ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ أيِ اسْتَسْلَمْنا خَوْفَ القَتْلِ والسَّبْيِ أوْ لِلطَّمَعِ في الصَّدَقَةِ، وهَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ لِأنَّهم أسْلَمُوا في ظاهِرِ الأمْرِ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ ما أظْهَرْتُمُوهُ بِألْسِنَتِكم عَنْ مُواطَأةِ قُلُوبِكم، بَلْ مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِاللِّسانِ مِن دُونِ اعْتِقادٍ صَحِيحٍ ولا نِيَّةٍ خالِصَةٍ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي ( لَمّا ) مَعْنى التَّوَقُّعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الإسْلامُ إظْهارُ الخُضُوعِ، وقَبُولُ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ، وبِذَلِكَ يُحْقَنُ الدَّمُ، فَإنْ كانَ مَعَ ذَلِكَ الإظْهارِ اعْتِقادٌ وتَصْدِيقٌ بِالقَلْبِ فَذَلِكَ الإيمانُ وصاحِبُهُ المُؤْمِنُ.
وقَدْ أخْرَجَ هَؤُلاءِ مِنَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا وإنَّما أسْلَمْتُمْ تَعُوُّذًا مِنَ القَتْلِ ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ طاعَةً صَحِيحَةً صادِرَةً عَنْ نِيّاتٍ خالِصَةٍ، وقُلُوبٍ مُصَدِّقَةٍ غَيْرِ مُنافِقَةٍ ﴿لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ يُقالُ: لاتَ يَلِتُ: إذا نَقَصَ، ولاتَهُ يَلِيتُهُ ويَلُوتُهُ: إذا نَقَصَهُ، والمَعْنى: لا يَنْقُصُكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَلِتْكُمْ﴾ مِن لاتَهُ يَلِيتُهُ كَباعَ يَبِيعُهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( لا يَأْلِتْكم ) بِالهَمْزِ مِن ألَتَهُ يَأْلِتُهُ بِالفَتْحِ في الماضِي والكَسْرِ في المُضارِعِ، واخْتارَ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو أبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ وعَلَيْها قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبْلِغْ بَنِي أسَدٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً ∗∗∗ جَهْرَ الرِّسالَةِ لا ألْتًا ولا كَذِبا
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، وعَلَيْها قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎ولَيْلَةٍ ذاتِ نَدًى سَرَيْتُ ∗∗∗ ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُراها لَيْتُ
وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المَغْفِرَةِ لِمَن فَرَطَ مِنهُ ذَنْبٌ ﴿رَحِيمٌ﴾ بَلِيغُ الرَّحْمَةِ لَهم.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا لَمْ يُؤْمِنُوا ولا دَخَلَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ بَيَّنَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَحِقِّينَ لِإطْلاقِ اسْمِ الإيمانِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يَعْنِي إيمانًا صَحِيحًا خالِصًا عَنْ مُواطَأةِ القَلْبِ واللِّسانِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ أيْ: لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهم شَيْءٌ مِنَ الرَّيْبِ ولا خالَطَهم شَكٌّ مِنَ الشُّكُوكِ ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في طاعَتِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، ويَدْخُلُ في الجِهادِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، فَإنَّها مِن جُمْلَةِ ما يُجاهِدُ المَرْءُ نَفْسَهُ حَتّى يَقُومَ بِهِ ويُؤَيِّدَهُ، كَما أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الجامِعِينَ بَيْنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الصّادِقُونَ﴾ أيِ الصّادِقُونَ في الِاتِّصافِ بِصِفَةِ الإيمانِ والدُّخُولِ في عِدادِ أهْلِهِ، لا مَن عَداهم مِمَّنْ أظْهَرَ الإسْلامَ بِلِسانِهِ.
وادَّعى أنَّهُ مُؤْمِنٌ، ولَمْ يَطْمَئِنَّ بِالإيمانِ قَلْبُهُ، ولا وصَلَ إلَيْهِ مَعْناهُ، ولا عَمِلَ بِأعْمالِ أهْلِهِ، وهُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم وسائِرُ أهْلِ النِّفاقِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لِأُولَئِكَ الأعْرابِ وأمْثالِهِمْ قَوْلًا آخَرَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَقالَ: ﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ التَّعْلِيمُ هاهُنا بِمَعْنى الإعْلامِ، ولِهَذا دَخَلَتِ الباءُ في بِدِينِكم أيْ: أتُخْبِرُونَهُ بِذَلِكَ حَيْثُ قُلْتُمْ آمَنّا ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ بُطْلانُ ما تَدَّعُونَهُ مِنَ الإيمانِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ تُعَلِّمُونَ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ، وقَدْ عَلِمَ ما تُبْطِنُونَهُ مِنَ الكُفْرِ وتُظْهِرُونَهُ مِنَ الإسْلامِ لِخَوْفِ الضَّرّاءِ ورَجاءِ النَّفْعِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِما يَقُولُهُ لَهم عِنْدَ المَنِّ عَلَيْهِ مِنهم بِما يَدَّعُونَهُ مِنَ الإسْلامِ فَقالَ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ أيْ يَعُدُّونَ إسْلامَهم مِنَّةً عَلَيْكَ حَيْثُ قالُوا: جِئْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ، ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ أيْ لا تَعُدُّوهُ مِنَّةً عَلَيَّ، فَإنَّ الإسْلامَ هو المِنَّةُ الَّتِي لا يَطْلُبُ ولِيُّها ثَوابًا لِمَن أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ أيْ أرْشَدَكم إلَيْهِ وأراكم طَرِيقَهُ سَواءً وصَلْتُمْ إلى المَطْلُوبِ أمْ لَمْ تَصِلُوا إلَيْهِ، وانْتِصابُ ( إسْلامَكم ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى تَضْمِينِ ( يَمُنُّونَ ) مَعْنى يَعُدُّونَ، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ لِأنْ أسْلَمُوا، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أنْ هَداكُمْ﴾ بِفَتْحِ ( أنْ )، وقَرَأ عاصِمٌ بِكَسْرِها.
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما غابَ فِيهِما ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ، ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ رَقِيَ بِلالٌ فَأذَّنَ عَلى الكَعْبَةِ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: أهَذا العَبْدُ الأسْوَدُ يُؤَذِّنُ عَلى ظَهْرِ الكَعْبَةِ. وقالَ بَعْضُهم: إنْ يَسْخَطِ اللَّهُ هَذا يُغَيِّرْهُ، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَنِي بَياضَةَ أنْ يُزَوِّجُوا أبا هِنْدٍ امْرَأةً مِنهم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنُزَوِّجُ بَناتِنا مُوالِيَنا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ هي مَكِّيَّةٌ، وهي لِلْعَرَبِ خاصَّةً المَوالِيَ، أيُّ قَبِيلَةٍ لَهم، وأيُّ شِعابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ فَقالَ: أتْقاكم لِلشِّرْكِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشُّعُوبُ القَبائِلُ العِظامُ، والقَبائِلُ البُطُونُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الشُّعُوبُ الجُمّاعُ، والقَبائِلُ الأفْخاذُ الَّتِي يَتَعارَفُونَ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: القَبائِلُ الأفْخاذُ، والشُّعُوبُ الجُمْهُورُ (p-١٣٩٦)مِثْلُ مُضَرَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيُّ النّاسِ أكْرَمُ ؟ قالَ: أكْرَمُهم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم. قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ، قالَ: فَأكْرَمُ النّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ. قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ. قالَ: فَعَنْ مَعادِنِ العَرَبِ تَسْألُونِي ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: خِيارُهم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهم في الإسْلامِ إذا فَقِهُوا» وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في الصَّحِيحِ، وغَيْرِهِ أنَّ التَّقْوى هي الَّتِي يَتَفاضَلُ بِها العِبادُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ قالَ أعْرابُ بَنِي أسَدٍ، وخُزَيْمَةَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ مَخافَةَ القَتْلِ والسَّبْيِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي أسَدٍ.وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: «أنَّ ناسًا مِنَ العَرَبِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أسْلَمْنا ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وذَكَرَ أنَّهم بَنُو أسَدٍ.
الحجرات 49:18
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ هُما آدَمُ، وحَوّاءُ، والمَقْصُودُ أنَّهم مُتَساوُونَ لِاتِّصالِهِمْ بِنَسَبٍ واحِدٍ، وكَوْنِهِ يَجْمَعُهم أبٌ واحِدٌ وأُمٌّ واحِدَةٌ، وأنَّهُ لا مَوْضِعَ لِلتَّفاخُرِ بَيْنَهم بِالأنْسابِ، وقِيلَ المَعْنى: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن أبٍ وأُمٍّ فالكُلُّ سَواءٌ ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ﴾ الشُّعُوبُ جَمْعُ شَعْبٍ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهو الحَيُّ العَظِيمُ: مِثْلُ مُضَرَ ورَبِيعَةَ، والقَبائِلُ دُونَها كَبَنِي بَكْرٍ مِن رَبِيعَةَ، وبَنِي تَمِيمٍ مِن مُضَرَ.
قالَ الواحِدِيُّ: هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، سُمُّوا شَعْبًا لِتَشَعُّبِهِمْ واجْتِماعِهِمْ كَشُعَبِ أغْصانِ الشَّجَرَةِ، والشَّعْبُ مِن أسْماءِ الأضْدادِ، يُقالُ شَعَبْتُهُ: إذا جَمَعْتَهُ، وشَعَبْتُهُ إذا فَرَّقْتَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المَنِيَّةُ شَعُوبًا لِأنَّها مُفَرِّقَةٌ، فَأمّا الشِّعْبُ بِالكَسْرِ فَهو الطَّرِيقُ في الجَبَلِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشَّعْبُ ما تَشَعَّبَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ والعَجَمِ، والجَمْعُ الشُّعُوبُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الشُّعُوبُ البَعِيدُ مِنَ النَّسَبِ، والقَبائِلُ دُونَ ذَلِكَ.
وقالَ قَتادَةُ: الشُّعُوبُ النَّسَبُ والأقْرَبُ.
وقِيلَ: إنَّ الشُّعُوبَ عَرَبُ اليَمَنِ مِن قَحْطانَ، والقَبائِلَ مِن رَبِيعَةَ، ومُضَرَ وسائِرِ عَدْنانَ.
وقِيلَ: الشُّعُوبُ بُطُونُ العَجَمِ، والقَبائِلُ بُطُونِ العَرَبِ.
وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ الشَّعْبَ أكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ، ثُمَّ القَبِيلَةُ، ثُمَّ العِمارَةُ، ثُمَّ البَطْنُ، ثُمَّ الفَخِذُ، ثُمَّ الفَصِيلَةُ، ثُمَّ العَشِيرَةُ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ ما قالَهُ الجُمْهُورُ مِن أنَّ الشَّعْبَ أكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَبائِلُ مِن شُعُوبٍ لَيْسَ فِيهِمْ كَرِيمٌ قَدْ يُعَدُّ ولا نَجِيبُ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِتَعارَفُوا﴾ بِتَخْفِيفِ التّاءِ وأصْلُهُ لِتَتَعارَفُوا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ.
وقَرَأ البَزِّيُّ بِتَشْدِيدِها عَلى الإدْغامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ بِتاءَيْنِ.
واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ ( بِخَلَقْناكم ): أيْ خَلَقْناكم كَذَلِكَ لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( لِتَعْرِفُوا ) مُضارِعَ عَرَفَ.
والفائِدَةُ في التَّعارُفِ أنْ يَنْتَسِبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم إلى نَسَبِهِ ولا يَعْتَرِي إلى غَيْرِهِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهم كَذَلِكَ لِهَذِهِ الفائِدَةِ لا لِلتَّفاخُرِ بِأنْسابِهِمْ ودَعْوى أنَّ هَذا الشَّعْبَ أفْضَلُ مِن هَذا الشَّعْبِ، وهَذِهِ القَبِيلَةَ أكْرَمُ مِن هَذِهِ القَبِيلَةِ، وهَذا البَطْنَ أشْرَفُ مِن هَذا البَطْنِ.
ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّفاخُرِ فَقالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم﴾ أيْ: إنَّ التَّفاضُلَ بَيْنَكم إنَّما هو بِالتَّقْوى، فَمَن تَلَبَّسَ بِها فَهو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يَكُونَ أكْرَمَ مِمَّنْ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِها وأشْرَفَ وأفْضَلَ، فَدَعُوا ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ التَّفاخُرِ بِالأنْسابِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ كَرَمًا ولا يُثْبِتُ شَرَفًا ولا يَقْتَضِي فَضْلًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ﴾ بِكَسْرِ إنَّ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِها: أيْ لِأنَّ أكْرَمَكم ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِكُلِّ مَعْلُومٍ ومِن ذَلِكَ أعْمالُكم ﴿خَبِيرٌ﴾ بِما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ أكْرَمَ النّاسِ عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم لَهُ وكانَ أصْلُ التَّقْوى الإيمانَ ذَكَرَ ما كانَتْ تَقُولُهُ العَرَبُ مِن دَعْوى الإيمانِ لِيُثْبِتَ لَهُمُ الشَّرَفَ والفَضْلَ، فَقالَ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ وهم بَنُو أسَدٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ في سَنَةٍ مُجْدِبَةٍ يُرِيدُونَ الصَّدَقَةَ، فَأمَرَ اللَّهُ (p-١٣٩٥)سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا تَصْدِيقًا صَحِيحًا عَنِ اعْتِقادِ قَلْبٍ، وخُلُوصِ نِيَّةٍ، وطُمَأْنِينَةٍ ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ أيِ اسْتَسْلَمْنا خَوْفَ القَتْلِ والسَّبْيِ أوْ لِلطَّمَعِ في الصَّدَقَةِ، وهَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ لِأنَّهم أسْلَمُوا في ظاهِرِ الأمْرِ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ ما أظْهَرْتُمُوهُ بِألْسِنَتِكم عَنْ مُواطَأةِ قُلُوبِكم، بَلْ مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِاللِّسانِ مِن دُونِ اعْتِقادٍ صَحِيحٍ ولا نِيَّةٍ خالِصَةٍ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي ( لَمّا ) مَعْنى التَّوَقُّعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الإسْلامُ إظْهارُ الخُضُوعِ، وقَبُولُ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ، وبِذَلِكَ يُحْقَنُ الدَّمُ، فَإنْ كانَ مَعَ ذَلِكَ الإظْهارِ اعْتِقادٌ وتَصْدِيقٌ بِالقَلْبِ فَذَلِكَ الإيمانُ وصاحِبُهُ المُؤْمِنُ.
وقَدْ أخْرَجَ هَؤُلاءِ مِنَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا وإنَّما أسْلَمْتُمْ تَعُوُّذًا مِنَ القَتْلِ ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ طاعَةً صَحِيحَةً صادِرَةً عَنْ نِيّاتٍ خالِصَةٍ، وقُلُوبٍ مُصَدِّقَةٍ غَيْرِ مُنافِقَةٍ ﴿لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ يُقالُ: لاتَ يَلِتُ: إذا نَقَصَ، ولاتَهُ يَلِيتُهُ ويَلُوتُهُ: إذا نَقَصَهُ، والمَعْنى: لا يَنْقُصُكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَلِتْكُمْ﴾ مِن لاتَهُ يَلِيتُهُ كَباعَ يَبِيعُهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( لا يَأْلِتْكم ) بِالهَمْزِ مِن ألَتَهُ يَأْلِتُهُ بِالفَتْحِ في الماضِي والكَسْرِ في المُضارِعِ، واخْتارَ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو أبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ وعَلَيْها قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبْلِغْ بَنِي أسَدٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً ∗∗∗ جَهْرَ الرِّسالَةِ لا ألْتًا ولا كَذِبا
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، وعَلَيْها قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎ولَيْلَةٍ ذاتِ نَدًى سَرَيْتُ ∗∗∗ ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُراها لَيْتُ
وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المَغْفِرَةِ لِمَن فَرَطَ مِنهُ ذَنْبٌ ﴿رَحِيمٌ﴾ بَلِيغُ الرَّحْمَةِ لَهم.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا لَمْ يُؤْمِنُوا ولا دَخَلَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ بَيَّنَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَحِقِّينَ لِإطْلاقِ اسْمِ الإيمانِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يَعْنِي إيمانًا صَحِيحًا خالِصًا عَنْ مُواطَأةِ القَلْبِ واللِّسانِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ أيْ: لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهم شَيْءٌ مِنَ الرَّيْبِ ولا خالَطَهم شَكٌّ مِنَ الشُّكُوكِ ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في طاعَتِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، ويَدْخُلُ في الجِهادِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، فَإنَّها مِن جُمْلَةِ ما يُجاهِدُ المَرْءُ نَفْسَهُ حَتّى يَقُومَ بِهِ ويُؤَيِّدَهُ، كَما أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى الجامِعِينَ بَيْنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الصّادِقُونَ﴾ أيِ الصّادِقُونَ في الِاتِّصافِ بِصِفَةِ الإيمانِ والدُّخُولِ في عِدادِ أهْلِهِ، لا مَن عَداهم مِمَّنْ أظْهَرَ الإسْلامَ بِلِسانِهِ.
وادَّعى أنَّهُ مُؤْمِنٌ، ولَمْ يَطْمَئِنَّ بِالإيمانِ قَلْبُهُ، ولا وصَلَ إلَيْهِ مَعْناهُ، ولا عَمِلَ بِأعْمالِ أهْلِهِ، وهُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم وسائِرُ أهْلِ النِّفاقِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لِأُولَئِكَ الأعْرابِ وأمْثالِهِمْ قَوْلًا آخَرَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَقالَ: ﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ التَّعْلِيمُ هاهُنا بِمَعْنى الإعْلامِ، ولِهَذا دَخَلَتِ الباءُ في بِدِينِكم أيْ: أتُخْبِرُونَهُ بِذَلِكَ حَيْثُ قُلْتُمْ آمَنّا ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ بُطْلانُ ما تَدَّعُونَهُ مِنَ الإيمانِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ تُعَلِّمُونَ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خافِيَةٌ، وقَدْ عَلِمَ ما تُبْطِنُونَهُ مِنَ الكُفْرِ وتُظْهِرُونَهُ مِنَ الإسْلامِ لِخَوْفِ الضَّرّاءِ ورَجاءِ النَّفْعِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِما يَقُولُهُ لَهم عِنْدَ المَنِّ عَلَيْهِ مِنهم بِما يَدَّعُونَهُ مِنَ الإسْلامِ فَقالَ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ أيْ يَعُدُّونَ إسْلامَهم مِنَّةً عَلَيْكَ حَيْثُ قالُوا: جِئْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ، ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ أيْ لا تَعُدُّوهُ مِنَّةً عَلَيَّ، فَإنَّ الإسْلامَ هو المِنَّةُ الَّتِي لا يَطْلُبُ ولِيُّها ثَوابًا لِمَن أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ أيْ أرْشَدَكم إلَيْهِ وأراكم طَرِيقَهُ سَواءً وصَلْتُمْ إلى المَطْلُوبِ أمْ لَمْ تَصِلُوا إلَيْهِ، وانْتِصابُ ( إسْلامَكم ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى تَضْمِينِ ( يَمُنُّونَ ) مَعْنى يَعُدُّونَ، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ لِأنْ أسْلَمُوا، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أنْ هَداكُمْ﴾ بِفَتْحِ ( أنْ )، وقَرَأ عاصِمٌ بِكَسْرِها.
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما غابَ فِيهِما ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَعْمَلُونَ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ، ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ رَقِيَ بِلالٌ فَأذَّنَ عَلى الكَعْبَةِ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: أهَذا العَبْدُ الأسْوَدُ يُؤَذِّنُ عَلى ظَهْرِ الكَعْبَةِ. وقالَ بَعْضُهم: إنْ يَسْخَطِ اللَّهُ هَذا يُغَيِّرْهُ، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَنِي بَياضَةَ أنْ يُزَوِّجُوا أبا هِنْدٍ امْرَأةً مِنهم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنُزَوِّجُ بَناتِنا مُوالِيَنا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ هي مَكِّيَّةٌ، وهي لِلْعَرَبِ خاصَّةً المَوالِيَ، أيُّ قَبِيلَةٍ لَهم، وأيُّ شِعابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ فَقالَ: أتْقاكم لِلشِّرْكِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشُّعُوبُ القَبائِلُ العِظامُ، والقَبائِلُ البُطُونُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الشُّعُوبُ الجُمّاعُ، والقَبائِلُ الأفْخاذُ الَّتِي يَتَعارَفُونَ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: القَبائِلُ الأفْخاذُ، والشُّعُوبُ الجُمْهُورُ (p-١٣٩٦)مِثْلُ مُضَرَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيُّ النّاسِ أكْرَمُ ؟ قالَ: أكْرَمُهم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم. قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ، قالَ: فَأكْرَمُ النّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ. قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ. قالَ: فَعَنْ مَعادِنِ العَرَبِ تَسْألُونِي ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: خِيارُهم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهم في الإسْلامِ إذا فَقِهُوا» وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في الصَّحِيحِ، وغَيْرِهِ أنَّ التَّقْوى هي الَّتِي يَتَفاضَلُ بِها العِبادُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ قالَ أعْرابُ بَنِي أسَدٍ، وخُزَيْمَةَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ مَخافَةَ القَتْلِ والسَّبْيِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي أسَدٍ.وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: «أنَّ ناسًا مِنَ العَرَبِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أسْلَمْنا ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وذَكَرَ أنَّهم بَنُو أسَدٍ.
ق 50:1
وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ وهي أوَّلُ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ( ق ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في العِيدِ بِـ ( ق )، و( اقْتَرَبَتْ )» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: «ما أخَذْتُ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ»، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الكَلامُ في إعْرابِ هَذا كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وفي قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [ الزُّخْرُفِ، والدُّخانِ: ١، ٢ ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ( ق ) فَقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو اسْمُ جَبَلٍ يُحِيطُ بِالدُّنْيا مِن زَبَرْجَدٍ، والسَّماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَيْهِ وهو وراءَ الحِجابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِن ورائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَظْهَرَ الإعْرابُ في ( ق ) لِأنَّهُ اسْمٌ، ولَيْسَ بِهِجاءٍ.
قالَ: ولَعَلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرَتْ مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِ القائِلِ: قُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ، أيْ أنا واقِفَةٌ.
وحَكى الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أنَّ قَوْمًا قالُوا مَعْنى ( ق ): قُضِيَ الأمْرُ وقُضِيَ ما هو كائِنٌ، كَما قِيلَ في ( حم ): حُمَّ الأمْرُ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: فاتِحَةُ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ مَعْناهُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا ولا تَعْدُهُما، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أضْعَفُ مِنهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَما حَقَّقْنا ذَلِكَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ( المَجِيدِ ): أنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَرِيمُ، وقِيلَ: الرَّفِيعُ القَدْرِ، وقِيلَ: الكَبِيرُ القَدْرِ، وجَوابُ القَسَمِ قالَ الكُوفِيُّونَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، وقِيلَ: هو ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ: لَقَدْ عَلِمْنا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قافْ بِالسُّكُونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِكَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِ الفاءِ: وقَرَأ هارُونُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِالضَّمِّ.
٢ - ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و( أنْ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ جاءَهم.
والمَعْنى: بَلْ عَجِبَ الكُفّارُ لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَجِيدًا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ ( ص ) .
ثُمَّ فَسَّرَ ما حَكاهُ عَنْهم مِن كَوْنِهِمْ عَجِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَصْرِيحٍ وإيضاحٍ.
قالَ قَتادَةُ: عَجَبُهم أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، وقِيلَ: تَعَجُّبُهم مِنَ البَعْثِ.
فَيَكُونُ لَفْظُ ( هَذا ) إشارَةً إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الرّازِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، (p-١٣٩٧)ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأيْضًا قَدْ وُجِدَ هاهُنا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ بِالِاسْتِفْهامِ أمْرٌ يُؤَدِّي مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو قَوْلُهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فَإنَّهُ اسْتِبْعادٌ وهو كالتَّعَجُّبِ، فَلَوْ كانَ التَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ عائِدًا إلى قَوْلِهِمْ: ( أئِذا ) لَكانَ كالتَّكْرارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّكْرارُ الصَّرِيحُ يَلْزَمُ مِن قَوْلِكَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أنَّهُ يَعُودُ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، فَإنَّ تَعَجُّبَهم مِنهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِمْ: وعَجِبُوا أنْ جاءَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا، فَنَقُولُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرارٍ بَلْ هو تَقْرِيرٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ بَلْ عَجِبُوا بِصِيغَةِ الفِعْلِ وجازَ أنْ يَتَعَجَّبَ الإنْسانُ مِمّا لا يَكُونُ عَجَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ويُقالُ في العُرْفِ: لا وجْهَ لِتَعَجُّبِكَ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، فَكَأنَّهم لَمّا عَجِبُوا قِيلَ لَهم: لا مَعْنى لِتَعَجُّبِكم، فَقالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَيْفَ لا نَعْجَبُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هاهُنا ﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾ بِالفاءِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أئِذا مِتْنا﴾ بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتَمَلُ الِاسْتِفْهامُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ.
والعامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ أيَبْعَثُنا، أوْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ أيْ: رَجَعْنا، وقِيلَ ذَلِكَ رَجْعٌ، والمَعْنى: اسْتِنْكارُهم لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ تُرابًا.
ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَقالُوا: ذَلِكَ أيِ: البَعْثُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: بَعِيدٌ عَنِ العُقُولِ، أوِ الأفْهامِ، أوِ العادَةِ، أوِ الإمْكانِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أرْجِعُهُ رَجْعًا، ورَجَعَ هو يَرْجِعُ رُجُوعًا.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِهِمْ فَلا يَضِلُّ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ومَن أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى إلى عِلْمِ ما يَذْهَبُ مِن أجْسادِ المَوْتى في القُبُورِ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ البَعْثُ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنا المَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنا مَن يَمُوتُ مِنهم ومَن يَبْقى؛ لِأنَّ مَن ماتَ دُفِنَ، فَكَأنَّ الأرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الأمْواتِ، وقِيلَ المَعْنى: مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: أيْ: مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ كَلامِهِمُ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى ما هو أشْنَعُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ فَإنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنهم بِالتَّكْذِيبِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو الإسْلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ ﴿لَمّا جاءَهم﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَكُّرٍ، ولا إمْعانِ نَظَرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً ساحِرٌ، ومَرَّةً شاعِرٌ، ومَرَّةً كاهِنٌ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: مُخْتَلِفٌ.
وقالَ الحَسَنُ مُلْتَبِسٌ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقِيلَ: فاسِدٌ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَجَتْ أماناتُ النّاسِ: أيْ فَسَدَتْ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ: كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إلى السَّماءِ فَوْقَهم ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ وجَعَلْناها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ﴿وزَيَّنّاها﴾ بِما جَعَلْنا فِيها مِنَ المَصابِيحِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، وصُدُوعٍ، وهو جَمْعُ فَرْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎يَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِن دُبُرْ
قالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا اخْتِلافٌ ولا فُتُوقٌ.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ هُما عِلَّتانِ لِما تَقَدَّمَ مُنْتَصِبانِ بِالفِعْلِ الأخِيرِ مِنها، أوْ بِمُقَدَّرٍ: أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِلتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: انْتَصَبا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وذِكْرى.
والمُنِيبُ الرّاجِعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ المُتَدَبِّرُ في بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ.
وفِي سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإيقاظٌ لَهم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ، وبَيانٌ لِإمْكانِ ذَلِكَ وعَدَمِ امْتِناعِهِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نَزَّلْنا مِنَ السَّحابِ ماءً كَثِيرَ البَرَكَةِ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في غالِبِ أُمُورِهِمْ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا بِذَلِكَ الماءِ بَساتِينَ كَثِيرَةً ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: ما يُقْتاتُ ويُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، والمَعْنى: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وخُصَّ الحَبُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، كَذا قالَ البَصْرِيُّونَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ، حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الضَّحّاكُ: حَبُّ الحَصِيدِ البُرُّ والشَّعِيرُ، وقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ، ويُدَّخَرُ، ويُقْتاتُ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ( جَنّاتٍ ): أيْ وأنْبَتْنا بِهِ النَّخْلَ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في الجَنّاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وانْتِصابُ باسِقاتٍ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّها وقْتَ الإنْباتِ لَمْ تَكُنْ باسِقَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الباسِقاتُ الطِّوالُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِياتٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: مَواقِيرُ حَوامِلُ، يُقالُ لِلشّاةِ إذا بَسَقَتْ: ولَدَتْ، والأشْهَرُ في لُغَةِ العَرَبِ الأوَّلُ، يُقالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إذا طالَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنا خَمْرٌ ولَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ∗∗∗ ولَكِنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ
؎كِرامٍ في السَّماءِ ذَهَبْنَ طُولًا ∗∗∗ وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وجُمْلَةُ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّخْلِ. الطَّلْعُ هو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، والنَّضِيدُ المُتَراكِبُ الَّذِي نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى (p-١٣٩٨)بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِحَ، فَهو نَضِيدٌ في أكْمامِهِ، فَإذا خَرَجَ مِن أكْمامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ رَزَقْناهم رِزْقًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُجْدِبَةً لا ثِمارَ فِيها ولا زَرْعَ، وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ البَعْثِ كَمِثْلِ هَذا الإحْياءِ الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ الأرْضَ المَيْتَةَ، قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ بِالتَّثْقِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ فَقالَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وهم مِن قَوْمِ عِيسى وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
والرَّسُّ: إمّا مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ، أوْ فِعْلٌ، وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ رَسَّ: إذا حَفَرَ بِئْرًا.
﴿وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، وقَوْمُهُ ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ جَعَلَهم إخْوانَهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ، وقِيلَ: هم مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وكانُوا مِن مَعارِفِ لُوطٍ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأيْكَةِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها في سُورَةِ الشُّعَراءِ مُسْتَوْفًى، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تَبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] واسْمُهُ سَعْدٌ أبُو كَرْبٍ، وقِيلَ: أسْعَدُ. قالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ، ولَمْ يَذُمَّهُ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كَذَّبَ رَسُولَهُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وكَذَّبَ ما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، واللّامُ في ( الرُّسُلِ ) تَكُونُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ: أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في ( كَذَّبَ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( كُلٌّ )، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَحْزَنْ ولا تُكْثِرْ غَمَّكَ لِتَكْذِيبِ هَؤُلاءِ لَكَ، فَهَذا شَأْنُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم ولَمْ يُصَدِّقْهم إلّا القَلِيلُ مِنهم ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وحَلَّ بِهِمْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، والإهْلاكِ بِالأنْواعِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ الأُمَمُ: أيْ أفَعَجَزْنا بِالخَلْقِ حِينَ خَلَقْناهم أوَّلًا ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ بَعْثِهِمْ، يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ: إذا عَجَزْتُ عَنْهُ ولَمْ أعْرِفْ وجْهَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ.
قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ في شَكٍّ وحَيْرَةٍ واخْتِلاطٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ، وهو بَعْثُ الأمْواتِ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الدُّنْيا مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الثّانِيَةُ مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، وسَبْعَةَ أبْحُرٍ، وسَبْعَةَ أجْبُلٍ، وسَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أيْضًا: وفِيهِ انْقِطاعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها، ويُحَرِّكُها، فَمِن ثَمَّ يُحَرِّكُ القَرْيَةَ دُونَ القَرْيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قالَ: الكَرِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القُرْآنُ المَجِيدُ لَيْسَ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنهُ ولا أفْضَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ قالَ: أجْسادُهم وما يَذْهَبُ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: المَرِيجُ الشَّيْءُ المُتَغَيِّرُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قُطْبَةَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ( ق ) . فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فَجَعَلْتُ أقُولُ: ما بُسُوقُها ؟ قالَ: طُولُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قالَ: الطُّولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قالَ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُعْيِينا الخَلْقُ الأوَّلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:2
وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ وهي أوَّلُ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ( ق ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في العِيدِ بِـ ( ق )، و( اقْتَرَبَتْ )» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: «ما أخَذْتُ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ»، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الكَلامُ في إعْرابِ هَذا كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وفي قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [ الزُّخْرُفِ، والدُّخانِ: ١، ٢ ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ( ق ) فَقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو اسْمُ جَبَلٍ يُحِيطُ بِالدُّنْيا مِن زَبَرْجَدٍ، والسَّماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَيْهِ وهو وراءَ الحِجابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِن ورائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَظْهَرَ الإعْرابُ في ( ق ) لِأنَّهُ اسْمٌ، ولَيْسَ بِهِجاءٍ.
قالَ: ولَعَلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرَتْ مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِ القائِلِ: قُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ، أيْ أنا واقِفَةٌ.
وحَكى الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أنَّ قَوْمًا قالُوا مَعْنى ( ق ): قُضِيَ الأمْرُ وقُضِيَ ما هو كائِنٌ، كَما قِيلَ في ( حم ): حُمَّ الأمْرُ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: فاتِحَةُ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ مَعْناهُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا ولا تَعْدُهُما، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أضْعَفُ مِنهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَما حَقَّقْنا ذَلِكَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ( المَجِيدِ ): أنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَرِيمُ، وقِيلَ: الرَّفِيعُ القَدْرِ، وقِيلَ: الكَبِيرُ القَدْرِ، وجَوابُ القَسَمِ قالَ الكُوفِيُّونَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، وقِيلَ: هو ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ: لَقَدْ عَلِمْنا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قافْ بِالسُّكُونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِكَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِ الفاءِ: وقَرَأ هارُونُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِالضَّمِّ.
٢ - ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و( أنْ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ جاءَهم.
والمَعْنى: بَلْ عَجِبَ الكُفّارُ لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَجِيدًا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ ( ص ) .
ثُمَّ فَسَّرَ ما حَكاهُ عَنْهم مِن كَوْنِهِمْ عَجِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَصْرِيحٍ وإيضاحٍ.
قالَ قَتادَةُ: عَجَبُهم أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، وقِيلَ: تَعَجُّبُهم مِنَ البَعْثِ.
فَيَكُونُ لَفْظُ ( هَذا ) إشارَةً إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الرّازِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، (p-١٣٩٧)ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأيْضًا قَدْ وُجِدَ هاهُنا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ بِالِاسْتِفْهامِ أمْرٌ يُؤَدِّي مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو قَوْلُهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فَإنَّهُ اسْتِبْعادٌ وهو كالتَّعَجُّبِ، فَلَوْ كانَ التَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ عائِدًا إلى قَوْلِهِمْ: ( أئِذا ) لَكانَ كالتَّكْرارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّكْرارُ الصَّرِيحُ يَلْزَمُ مِن قَوْلِكَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أنَّهُ يَعُودُ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، فَإنَّ تَعَجُّبَهم مِنهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِمْ: وعَجِبُوا أنْ جاءَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا، فَنَقُولُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرارٍ بَلْ هو تَقْرِيرٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ بَلْ عَجِبُوا بِصِيغَةِ الفِعْلِ وجازَ أنْ يَتَعَجَّبَ الإنْسانُ مِمّا لا يَكُونُ عَجَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ويُقالُ في العُرْفِ: لا وجْهَ لِتَعَجُّبِكَ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، فَكَأنَّهم لَمّا عَجِبُوا قِيلَ لَهم: لا مَعْنى لِتَعَجُّبِكم، فَقالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَيْفَ لا نَعْجَبُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هاهُنا ﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾ بِالفاءِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أئِذا مِتْنا﴾ بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتَمَلُ الِاسْتِفْهامُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ.
والعامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ أيَبْعَثُنا، أوْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ أيْ: رَجَعْنا، وقِيلَ ذَلِكَ رَجْعٌ، والمَعْنى: اسْتِنْكارُهم لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ تُرابًا.
ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَقالُوا: ذَلِكَ أيِ: البَعْثُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: بَعِيدٌ عَنِ العُقُولِ، أوِ الأفْهامِ، أوِ العادَةِ، أوِ الإمْكانِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أرْجِعُهُ رَجْعًا، ورَجَعَ هو يَرْجِعُ رُجُوعًا.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِهِمْ فَلا يَضِلُّ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ومَن أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى إلى عِلْمِ ما يَذْهَبُ مِن أجْسادِ المَوْتى في القُبُورِ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ البَعْثُ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنا المَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنا مَن يَمُوتُ مِنهم ومَن يَبْقى؛ لِأنَّ مَن ماتَ دُفِنَ، فَكَأنَّ الأرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الأمْواتِ، وقِيلَ المَعْنى: مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: أيْ: مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ كَلامِهِمُ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى ما هو أشْنَعُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ فَإنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنهم بِالتَّكْذِيبِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو الإسْلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ ﴿لَمّا جاءَهم﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَكُّرٍ، ولا إمْعانِ نَظَرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً ساحِرٌ، ومَرَّةً شاعِرٌ، ومَرَّةً كاهِنٌ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: مُخْتَلِفٌ.
وقالَ الحَسَنُ مُلْتَبِسٌ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقِيلَ: فاسِدٌ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَجَتْ أماناتُ النّاسِ: أيْ فَسَدَتْ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ: كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إلى السَّماءِ فَوْقَهم ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ وجَعَلْناها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ﴿وزَيَّنّاها﴾ بِما جَعَلْنا فِيها مِنَ المَصابِيحِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، وصُدُوعٍ، وهو جَمْعُ فَرْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎يَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِن دُبُرْ
قالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا اخْتِلافٌ ولا فُتُوقٌ.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ هُما عِلَّتانِ لِما تَقَدَّمَ مُنْتَصِبانِ بِالفِعْلِ الأخِيرِ مِنها، أوْ بِمُقَدَّرٍ: أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِلتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: انْتَصَبا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وذِكْرى.
والمُنِيبُ الرّاجِعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ المُتَدَبِّرُ في بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ.
وفِي سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإيقاظٌ لَهم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ، وبَيانٌ لِإمْكانِ ذَلِكَ وعَدَمِ امْتِناعِهِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نَزَّلْنا مِنَ السَّحابِ ماءً كَثِيرَ البَرَكَةِ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في غالِبِ أُمُورِهِمْ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا بِذَلِكَ الماءِ بَساتِينَ كَثِيرَةً ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: ما يُقْتاتُ ويُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، والمَعْنى: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وخُصَّ الحَبُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، كَذا قالَ البَصْرِيُّونَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ، حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الضَّحّاكُ: حَبُّ الحَصِيدِ البُرُّ والشَّعِيرُ، وقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ، ويُدَّخَرُ، ويُقْتاتُ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ( جَنّاتٍ ): أيْ وأنْبَتْنا بِهِ النَّخْلَ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في الجَنّاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وانْتِصابُ باسِقاتٍ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّها وقْتَ الإنْباتِ لَمْ تَكُنْ باسِقَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الباسِقاتُ الطِّوالُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِياتٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: مَواقِيرُ حَوامِلُ، يُقالُ لِلشّاةِ إذا بَسَقَتْ: ولَدَتْ، والأشْهَرُ في لُغَةِ العَرَبِ الأوَّلُ، يُقالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إذا طالَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنا خَمْرٌ ولَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ∗∗∗ ولَكِنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ
؎كِرامٍ في السَّماءِ ذَهَبْنَ طُولًا ∗∗∗ وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وجُمْلَةُ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّخْلِ. الطَّلْعُ هو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، والنَّضِيدُ المُتَراكِبُ الَّذِي نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى (p-١٣٩٨)بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِحَ، فَهو نَضِيدٌ في أكْمامِهِ، فَإذا خَرَجَ مِن أكْمامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ رَزَقْناهم رِزْقًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُجْدِبَةً لا ثِمارَ فِيها ولا زَرْعَ، وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ البَعْثِ كَمِثْلِ هَذا الإحْياءِ الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ الأرْضَ المَيْتَةَ، قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ بِالتَّثْقِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ فَقالَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وهم مِن قَوْمِ عِيسى وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
والرَّسُّ: إمّا مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ، أوْ فِعْلٌ، وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ رَسَّ: إذا حَفَرَ بِئْرًا.
﴿وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، وقَوْمُهُ ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ جَعَلَهم إخْوانَهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ، وقِيلَ: هم مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وكانُوا مِن مَعارِفِ لُوطٍ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأيْكَةِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها في سُورَةِ الشُّعَراءِ مُسْتَوْفًى، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تَبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] واسْمُهُ سَعْدٌ أبُو كَرْبٍ، وقِيلَ: أسْعَدُ. قالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ، ولَمْ يَذُمَّهُ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كَذَّبَ رَسُولَهُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وكَذَّبَ ما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، واللّامُ في ( الرُّسُلِ ) تَكُونُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ: أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في ( كَذَّبَ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( كُلٌّ )، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَحْزَنْ ولا تُكْثِرْ غَمَّكَ لِتَكْذِيبِ هَؤُلاءِ لَكَ، فَهَذا شَأْنُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم ولَمْ يُصَدِّقْهم إلّا القَلِيلُ مِنهم ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وحَلَّ بِهِمْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، والإهْلاكِ بِالأنْواعِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ الأُمَمُ: أيْ أفَعَجَزْنا بِالخَلْقِ حِينَ خَلَقْناهم أوَّلًا ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ بَعْثِهِمْ، يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ: إذا عَجَزْتُ عَنْهُ ولَمْ أعْرِفْ وجْهَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ.
قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ في شَكٍّ وحَيْرَةٍ واخْتِلاطٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ، وهو بَعْثُ الأمْواتِ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الدُّنْيا مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الثّانِيَةُ مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، وسَبْعَةَ أبْحُرٍ، وسَبْعَةَ أجْبُلٍ، وسَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أيْضًا: وفِيهِ انْقِطاعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها، ويُحَرِّكُها، فَمِن ثَمَّ يُحَرِّكُ القَرْيَةَ دُونَ القَرْيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قالَ: الكَرِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القُرْآنُ المَجِيدُ لَيْسَ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنهُ ولا أفْضَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ قالَ: أجْسادُهم وما يَذْهَبُ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: المَرِيجُ الشَّيْءُ المُتَغَيِّرُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قُطْبَةَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ( ق ) . فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فَجَعَلْتُ أقُولُ: ما بُسُوقُها ؟ قالَ: طُولُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قالَ: الطُّولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قالَ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُعْيِينا الخَلْقُ الأوَّلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:3
وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ وهي أوَّلُ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ( ق ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في العِيدِ بِـ ( ق )، و( اقْتَرَبَتْ )» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: «ما أخَذْتُ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ»، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الكَلامُ في إعْرابِ هَذا كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وفي قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [ الزُّخْرُفِ، والدُّخانِ: ١، ٢ ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ( ق ) فَقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو اسْمُ جَبَلٍ يُحِيطُ بِالدُّنْيا مِن زَبَرْجَدٍ، والسَّماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَيْهِ وهو وراءَ الحِجابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِن ورائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَظْهَرَ الإعْرابُ في ( ق ) لِأنَّهُ اسْمٌ، ولَيْسَ بِهِجاءٍ.
قالَ: ولَعَلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرَتْ مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِ القائِلِ: قُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ، أيْ أنا واقِفَةٌ.
وحَكى الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أنَّ قَوْمًا قالُوا مَعْنى ( ق ): قُضِيَ الأمْرُ وقُضِيَ ما هو كائِنٌ، كَما قِيلَ في ( حم ): حُمَّ الأمْرُ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: فاتِحَةُ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ مَعْناهُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا ولا تَعْدُهُما، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أضْعَفُ مِنهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَما حَقَّقْنا ذَلِكَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ( المَجِيدِ ): أنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَرِيمُ، وقِيلَ: الرَّفِيعُ القَدْرِ، وقِيلَ: الكَبِيرُ القَدْرِ، وجَوابُ القَسَمِ قالَ الكُوفِيُّونَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، وقِيلَ: هو ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ: لَقَدْ عَلِمْنا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قافْ بِالسُّكُونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِكَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِ الفاءِ: وقَرَأ هارُونُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِالضَّمِّ.
٢ - ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و( أنْ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ جاءَهم.
والمَعْنى: بَلْ عَجِبَ الكُفّارُ لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَجِيدًا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ ( ص ) .
ثُمَّ فَسَّرَ ما حَكاهُ عَنْهم مِن كَوْنِهِمْ عَجِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَصْرِيحٍ وإيضاحٍ.
قالَ قَتادَةُ: عَجَبُهم أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، وقِيلَ: تَعَجُّبُهم مِنَ البَعْثِ.
فَيَكُونُ لَفْظُ ( هَذا ) إشارَةً إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الرّازِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، (p-١٣٩٧)ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأيْضًا قَدْ وُجِدَ هاهُنا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ بِالِاسْتِفْهامِ أمْرٌ يُؤَدِّي مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو قَوْلُهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فَإنَّهُ اسْتِبْعادٌ وهو كالتَّعَجُّبِ، فَلَوْ كانَ التَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ عائِدًا إلى قَوْلِهِمْ: ( أئِذا ) لَكانَ كالتَّكْرارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّكْرارُ الصَّرِيحُ يَلْزَمُ مِن قَوْلِكَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أنَّهُ يَعُودُ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، فَإنَّ تَعَجُّبَهم مِنهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِمْ: وعَجِبُوا أنْ جاءَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا، فَنَقُولُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرارٍ بَلْ هو تَقْرِيرٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ بَلْ عَجِبُوا بِصِيغَةِ الفِعْلِ وجازَ أنْ يَتَعَجَّبَ الإنْسانُ مِمّا لا يَكُونُ عَجَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ويُقالُ في العُرْفِ: لا وجْهَ لِتَعَجُّبِكَ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، فَكَأنَّهم لَمّا عَجِبُوا قِيلَ لَهم: لا مَعْنى لِتَعَجُّبِكم، فَقالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَيْفَ لا نَعْجَبُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هاهُنا ﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾ بِالفاءِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أئِذا مِتْنا﴾ بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتَمَلُ الِاسْتِفْهامُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ.
والعامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ أيَبْعَثُنا، أوْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ أيْ: رَجَعْنا، وقِيلَ ذَلِكَ رَجْعٌ، والمَعْنى: اسْتِنْكارُهم لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ تُرابًا.
ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَقالُوا: ذَلِكَ أيِ: البَعْثُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: بَعِيدٌ عَنِ العُقُولِ، أوِ الأفْهامِ، أوِ العادَةِ، أوِ الإمْكانِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أرْجِعُهُ رَجْعًا، ورَجَعَ هو يَرْجِعُ رُجُوعًا.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِهِمْ فَلا يَضِلُّ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ومَن أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى إلى عِلْمِ ما يَذْهَبُ مِن أجْسادِ المَوْتى في القُبُورِ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ البَعْثُ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنا المَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنا مَن يَمُوتُ مِنهم ومَن يَبْقى؛ لِأنَّ مَن ماتَ دُفِنَ، فَكَأنَّ الأرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الأمْواتِ، وقِيلَ المَعْنى: مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: أيْ: مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ كَلامِهِمُ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى ما هو أشْنَعُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ فَإنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنهم بِالتَّكْذِيبِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو الإسْلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ ﴿لَمّا جاءَهم﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَكُّرٍ، ولا إمْعانِ نَظَرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً ساحِرٌ، ومَرَّةً شاعِرٌ، ومَرَّةً كاهِنٌ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: مُخْتَلِفٌ.
وقالَ الحَسَنُ مُلْتَبِسٌ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقِيلَ: فاسِدٌ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَجَتْ أماناتُ النّاسِ: أيْ فَسَدَتْ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ: كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إلى السَّماءِ فَوْقَهم ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ وجَعَلْناها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ﴿وزَيَّنّاها﴾ بِما جَعَلْنا فِيها مِنَ المَصابِيحِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، وصُدُوعٍ، وهو جَمْعُ فَرْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎يَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِن دُبُرْ
قالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا اخْتِلافٌ ولا فُتُوقٌ.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ هُما عِلَّتانِ لِما تَقَدَّمَ مُنْتَصِبانِ بِالفِعْلِ الأخِيرِ مِنها، أوْ بِمُقَدَّرٍ: أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِلتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: انْتَصَبا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وذِكْرى.
والمُنِيبُ الرّاجِعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ المُتَدَبِّرُ في بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ.
وفِي سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإيقاظٌ لَهم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ، وبَيانٌ لِإمْكانِ ذَلِكَ وعَدَمِ امْتِناعِهِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نَزَّلْنا مِنَ السَّحابِ ماءً كَثِيرَ البَرَكَةِ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في غالِبِ أُمُورِهِمْ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا بِذَلِكَ الماءِ بَساتِينَ كَثِيرَةً ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: ما يُقْتاتُ ويُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، والمَعْنى: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وخُصَّ الحَبُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، كَذا قالَ البَصْرِيُّونَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ، حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الضَّحّاكُ: حَبُّ الحَصِيدِ البُرُّ والشَّعِيرُ، وقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ، ويُدَّخَرُ، ويُقْتاتُ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ( جَنّاتٍ ): أيْ وأنْبَتْنا بِهِ النَّخْلَ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في الجَنّاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وانْتِصابُ باسِقاتٍ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّها وقْتَ الإنْباتِ لَمْ تَكُنْ باسِقَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الباسِقاتُ الطِّوالُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِياتٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: مَواقِيرُ حَوامِلُ، يُقالُ لِلشّاةِ إذا بَسَقَتْ: ولَدَتْ، والأشْهَرُ في لُغَةِ العَرَبِ الأوَّلُ، يُقالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إذا طالَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنا خَمْرٌ ولَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ∗∗∗ ولَكِنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ
؎كِرامٍ في السَّماءِ ذَهَبْنَ طُولًا ∗∗∗ وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وجُمْلَةُ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّخْلِ. الطَّلْعُ هو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، والنَّضِيدُ المُتَراكِبُ الَّذِي نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى (p-١٣٩٨)بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِحَ، فَهو نَضِيدٌ في أكْمامِهِ، فَإذا خَرَجَ مِن أكْمامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ رَزَقْناهم رِزْقًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُجْدِبَةً لا ثِمارَ فِيها ولا زَرْعَ، وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ البَعْثِ كَمِثْلِ هَذا الإحْياءِ الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ الأرْضَ المَيْتَةَ، قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ بِالتَّثْقِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ فَقالَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وهم مِن قَوْمِ عِيسى وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
والرَّسُّ: إمّا مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ، أوْ فِعْلٌ، وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ رَسَّ: إذا حَفَرَ بِئْرًا.
﴿وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، وقَوْمُهُ ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ جَعَلَهم إخْوانَهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ، وقِيلَ: هم مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وكانُوا مِن مَعارِفِ لُوطٍ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأيْكَةِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها في سُورَةِ الشُّعَراءِ مُسْتَوْفًى، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تَبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] واسْمُهُ سَعْدٌ أبُو كَرْبٍ، وقِيلَ: أسْعَدُ. قالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ، ولَمْ يَذُمَّهُ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كَذَّبَ رَسُولَهُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وكَذَّبَ ما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، واللّامُ في ( الرُّسُلِ ) تَكُونُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ: أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في ( كَذَّبَ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( كُلٌّ )، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَحْزَنْ ولا تُكْثِرْ غَمَّكَ لِتَكْذِيبِ هَؤُلاءِ لَكَ، فَهَذا شَأْنُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم ولَمْ يُصَدِّقْهم إلّا القَلِيلُ مِنهم ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وحَلَّ بِهِمْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، والإهْلاكِ بِالأنْواعِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ الأُمَمُ: أيْ أفَعَجَزْنا بِالخَلْقِ حِينَ خَلَقْناهم أوَّلًا ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ بَعْثِهِمْ، يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ: إذا عَجَزْتُ عَنْهُ ولَمْ أعْرِفْ وجْهَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ.
قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ في شَكٍّ وحَيْرَةٍ واخْتِلاطٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ، وهو بَعْثُ الأمْواتِ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الدُّنْيا مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الثّانِيَةُ مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، وسَبْعَةَ أبْحُرٍ، وسَبْعَةَ أجْبُلٍ، وسَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أيْضًا: وفِيهِ انْقِطاعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها، ويُحَرِّكُها، فَمِن ثَمَّ يُحَرِّكُ القَرْيَةَ دُونَ القَرْيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قالَ: الكَرِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القُرْآنُ المَجِيدُ لَيْسَ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنهُ ولا أفْضَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ قالَ: أجْسادُهم وما يَذْهَبُ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: المَرِيجُ الشَّيْءُ المُتَغَيِّرُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قُطْبَةَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ( ق ) . فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فَجَعَلْتُ أقُولُ: ما بُسُوقُها ؟ قالَ: طُولُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قالَ: الطُّولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قالَ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُعْيِينا الخَلْقُ الأوَّلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:4
وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ وهي أوَّلُ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ( ق ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في العِيدِ بِـ ( ق )، و( اقْتَرَبَتْ )» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: «ما أخَذْتُ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ»، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الكَلامُ في إعْرابِ هَذا كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وفي قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [ الزُّخْرُفِ، والدُّخانِ: ١، ٢ ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ( ق ) فَقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو اسْمُ جَبَلٍ يُحِيطُ بِالدُّنْيا مِن زَبَرْجَدٍ، والسَّماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَيْهِ وهو وراءَ الحِجابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِن ورائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَظْهَرَ الإعْرابُ في ( ق ) لِأنَّهُ اسْمٌ، ولَيْسَ بِهِجاءٍ.
قالَ: ولَعَلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرَتْ مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِ القائِلِ: قُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ، أيْ أنا واقِفَةٌ.
وحَكى الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أنَّ قَوْمًا قالُوا مَعْنى ( ق ): قُضِيَ الأمْرُ وقُضِيَ ما هو كائِنٌ، كَما قِيلَ في ( حم ): حُمَّ الأمْرُ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: فاتِحَةُ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ مَعْناهُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا ولا تَعْدُهُما، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أضْعَفُ مِنهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَما حَقَّقْنا ذَلِكَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ( المَجِيدِ ): أنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَرِيمُ، وقِيلَ: الرَّفِيعُ القَدْرِ، وقِيلَ: الكَبِيرُ القَدْرِ، وجَوابُ القَسَمِ قالَ الكُوفِيُّونَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، وقِيلَ: هو ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ: لَقَدْ عَلِمْنا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قافْ بِالسُّكُونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِكَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِ الفاءِ: وقَرَأ هارُونُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِالضَّمِّ.
٢ - ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و( أنْ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ جاءَهم.
والمَعْنى: بَلْ عَجِبَ الكُفّارُ لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَجِيدًا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ ( ص ) .
ثُمَّ فَسَّرَ ما حَكاهُ عَنْهم مِن كَوْنِهِمْ عَجِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَصْرِيحٍ وإيضاحٍ.
قالَ قَتادَةُ: عَجَبُهم أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، وقِيلَ: تَعَجُّبُهم مِنَ البَعْثِ.
فَيَكُونُ لَفْظُ ( هَذا ) إشارَةً إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الرّازِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، (p-١٣٩٧)ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأيْضًا قَدْ وُجِدَ هاهُنا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ بِالِاسْتِفْهامِ أمْرٌ يُؤَدِّي مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو قَوْلُهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فَإنَّهُ اسْتِبْعادٌ وهو كالتَّعَجُّبِ، فَلَوْ كانَ التَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ عائِدًا إلى قَوْلِهِمْ: ( أئِذا ) لَكانَ كالتَّكْرارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّكْرارُ الصَّرِيحُ يَلْزَمُ مِن قَوْلِكَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أنَّهُ يَعُودُ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، فَإنَّ تَعَجُّبَهم مِنهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِمْ: وعَجِبُوا أنْ جاءَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا، فَنَقُولُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرارٍ بَلْ هو تَقْرِيرٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ بَلْ عَجِبُوا بِصِيغَةِ الفِعْلِ وجازَ أنْ يَتَعَجَّبَ الإنْسانُ مِمّا لا يَكُونُ عَجَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ويُقالُ في العُرْفِ: لا وجْهَ لِتَعَجُّبِكَ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، فَكَأنَّهم لَمّا عَجِبُوا قِيلَ لَهم: لا مَعْنى لِتَعَجُّبِكم، فَقالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَيْفَ لا نَعْجَبُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هاهُنا ﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾ بِالفاءِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أئِذا مِتْنا﴾ بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتَمَلُ الِاسْتِفْهامُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ.
والعامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ أيَبْعَثُنا، أوْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ أيْ: رَجَعْنا، وقِيلَ ذَلِكَ رَجْعٌ، والمَعْنى: اسْتِنْكارُهم لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ تُرابًا.
ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَقالُوا: ذَلِكَ أيِ: البَعْثُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: بَعِيدٌ عَنِ العُقُولِ، أوِ الأفْهامِ، أوِ العادَةِ، أوِ الإمْكانِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أرْجِعُهُ رَجْعًا، ورَجَعَ هو يَرْجِعُ رُجُوعًا.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِهِمْ فَلا يَضِلُّ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ومَن أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى إلى عِلْمِ ما يَذْهَبُ مِن أجْسادِ المَوْتى في القُبُورِ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ البَعْثُ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنا المَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنا مَن يَمُوتُ مِنهم ومَن يَبْقى؛ لِأنَّ مَن ماتَ دُفِنَ، فَكَأنَّ الأرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الأمْواتِ، وقِيلَ المَعْنى: مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: أيْ: مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ كَلامِهِمُ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى ما هو أشْنَعُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ فَإنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنهم بِالتَّكْذِيبِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو الإسْلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ ﴿لَمّا جاءَهم﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَكُّرٍ، ولا إمْعانِ نَظَرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً ساحِرٌ، ومَرَّةً شاعِرٌ، ومَرَّةً كاهِنٌ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: مُخْتَلِفٌ.
وقالَ الحَسَنُ مُلْتَبِسٌ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقِيلَ: فاسِدٌ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَجَتْ أماناتُ النّاسِ: أيْ فَسَدَتْ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ: كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إلى السَّماءِ فَوْقَهم ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ وجَعَلْناها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ﴿وزَيَّنّاها﴾ بِما جَعَلْنا فِيها مِنَ المَصابِيحِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، وصُدُوعٍ، وهو جَمْعُ فَرْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎يَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِن دُبُرْ
قالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا اخْتِلافٌ ولا فُتُوقٌ.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ هُما عِلَّتانِ لِما تَقَدَّمَ مُنْتَصِبانِ بِالفِعْلِ الأخِيرِ مِنها، أوْ بِمُقَدَّرٍ: أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِلتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: انْتَصَبا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وذِكْرى.
والمُنِيبُ الرّاجِعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ المُتَدَبِّرُ في بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ.
وفِي سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإيقاظٌ لَهم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ، وبَيانٌ لِإمْكانِ ذَلِكَ وعَدَمِ امْتِناعِهِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نَزَّلْنا مِنَ السَّحابِ ماءً كَثِيرَ البَرَكَةِ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في غالِبِ أُمُورِهِمْ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا بِذَلِكَ الماءِ بَساتِينَ كَثِيرَةً ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: ما يُقْتاتُ ويُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، والمَعْنى: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وخُصَّ الحَبُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، كَذا قالَ البَصْرِيُّونَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ، حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الضَّحّاكُ: حَبُّ الحَصِيدِ البُرُّ والشَّعِيرُ، وقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ، ويُدَّخَرُ، ويُقْتاتُ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ( جَنّاتٍ ): أيْ وأنْبَتْنا بِهِ النَّخْلَ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في الجَنّاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وانْتِصابُ باسِقاتٍ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّها وقْتَ الإنْباتِ لَمْ تَكُنْ باسِقَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الباسِقاتُ الطِّوالُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِياتٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: مَواقِيرُ حَوامِلُ، يُقالُ لِلشّاةِ إذا بَسَقَتْ: ولَدَتْ، والأشْهَرُ في لُغَةِ العَرَبِ الأوَّلُ، يُقالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إذا طالَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنا خَمْرٌ ولَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ∗∗∗ ولَكِنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ
؎كِرامٍ في السَّماءِ ذَهَبْنَ طُولًا ∗∗∗ وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وجُمْلَةُ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّخْلِ. الطَّلْعُ هو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، والنَّضِيدُ المُتَراكِبُ الَّذِي نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى (p-١٣٩٨)بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِحَ، فَهو نَضِيدٌ في أكْمامِهِ، فَإذا خَرَجَ مِن أكْمامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ رَزَقْناهم رِزْقًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُجْدِبَةً لا ثِمارَ فِيها ولا زَرْعَ، وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ البَعْثِ كَمِثْلِ هَذا الإحْياءِ الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ الأرْضَ المَيْتَةَ، قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ بِالتَّثْقِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ فَقالَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وهم مِن قَوْمِ عِيسى وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
والرَّسُّ: إمّا مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ، أوْ فِعْلٌ، وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ رَسَّ: إذا حَفَرَ بِئْرًا.
﴿وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، وقَوْمُهُ ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ جَعَلَهم إخْوانَهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ، وقِيلَ: هم مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وكانُوا مِن مَعارِفِ لُوطٍ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأيْكَةِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها في سُورَةِ الشُّعَراءِ مُسْتَوْفًى، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تَبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] واسْمُهُ سَعْدٌ أبُو كَرْبٍ، وقِيلَ: أسْعَدُ. قالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ، ولَمْ يَذُمَّهُ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كَذَّبَ رَسُولَهُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وكَذَّبَ ما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، واللّامُ في ( الرُّسُلِ ) تَكُونُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ: أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في ( كَذَّبَ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( كُلٌّ )، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَحْزَنْ ولا تُكْثِرْ غَمَّكَ لِتَكْذِيبِ هَؤُلاءِ لَكَ، فَهَذا شَأْنُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم ولَمْ يُصَدِّقْهم إلّا القَلِيلُ مِنهم ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وحَلَّ بِهِمْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، والإهْلاكِ بِالأنْواعِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ الأُمَمُ: أيْ أفَعَجَزْنا بِالخَلْقِ حِينَ خَلَقْناهم أوَّلًا ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ بَعْثِهِمْ، يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ: إذا عَجَزْتُ عَنْهُ ولَمْ أعْرِفْ وجْهَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ.
قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ في شَكٍّ وحَيْرَةٍ واخْتِلاطٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ، وهو بَعْثُ الأمْواتِ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الدُّنْيا مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الثّانِيَةُ مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، وسَبْعَةَ أبْحُرٍ، وسَبْعَةَ أجْبُلٍ، وسَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أيْضًا: وفِيهِ انْقِطاعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها، ويُحَرِّكُها، فَمِن ثَمَّ يُحَرِّكُ القَرْيَةَ دُونَ القَرْيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قالَ: الكَرِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القُرْآنُ المَجِيدُ لَيْسَ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنهُ ولا أفْضَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ قالَ: أجْسادُهم وما يَذْهَبُ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: المَرِيجُ الشَّيْءُ المُتَغَيِّرُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قُطْبَةَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ( ق ) . فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فَجَعَلْتُ أقُولُ: ما بُسُوقُها ؟ قالَ: طُولُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قالَ: الطُّولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قالَ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُعْيِينا الخَلْقُ الأوَّلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:5
وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ وهي أوَّلُ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ( ق ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في العِيدِ بِـ ( ق )، و( اقْتَرَبَتْ )» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: «ما أخَذْتُ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ»، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الكَلامُ في إعْرابِ هَذا كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وفي قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [ الزُّخْرُفِ، والدُّخانِ: ١، ٢ ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ( ق ) فَقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو اسْمُ جَبَلٍ يُحِيطُ بِالدُّنْيا مِن زَبَرْجَدٍ، والسَّماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَيْهِ وهو وراءَ الحِجابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِن ورائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَظْهَرَ الإعْرابُ في ( ق ) لِأنَّهُ اسْمٌ، ولَيْسَ بِهِجاءٍ.
قالَ: ولَعَلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرَتْ مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِ القائِلِ: قُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ، أيْ أنا واقِفَةٌ.
وحَكى الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أنَّ قَوْمًا قالُوا مَعْنى ( ق ): قُضِيَ الأمْرُ وقُضِيَ ما هو كائِنٌ، كَما قِيلَ في ( حم ): حُمَّ الأمْرُ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: فاتِحَةُ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ مَعْناهُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا ولا تَعْدُهُما، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أضْعَفُ مِنهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَما حَقَّقْنا ذَلِكَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ( المَجِيدِ ): أنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَرِيمُ، وقِيلَ: الرَّفِيعُ القَدْرِ، وقِيلَ: الكَبِيرُ القَدْرِ، وجَوابُ القَسَمِ قالَ الكُوفِيُّونَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، وقِيلَ: هو ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ: لَقَدْ عَلِمْنا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قافْ بِالسُّكُونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِكَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِ الفاءِ: وقَرَأ هارُونُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِالضَّمِّ.
٢ - ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و( أنْ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ جاءَهم.
والمَعْنى: بَلْ عَجِبَ الكُفّارُ لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَجِيدًا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ ( ص ) .
ثُمَّ فَسَّرَ ما حَكاهُ عَنْهم مِن كَوْنِهِمْ عَجِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَصْرِيحٍ وإيضاحٍ.
قالَ قَتادَةُ: عَجَبُهم أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، وقِيلَ: تَعَجُّبُهم مِنَ البَعْثِ.
فَيَكُونُ لَفْظُ ( هَذا ) إشارَةً إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الرّازِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، (p-١٣٩٧)ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأيْضًا قَدْ وُجِدَ هاهُنا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ بِالِاسْتِفْهامِ أمْرٌ يُؤَدِّي مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو قَوْلُهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فَإنَّهُ اسْتِبْعادٌ وهو كالتَّعَجُّبِ، فَلَوْ كانَ التَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ عائِدًا إلى قَوْلِهِمْ: ( أئِذا ) لَكانَ كالتَّكْرارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّكْرارُ الصَّرِيحُ يَلْزَمُ مِن قَوْلِكَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أنَّهُ يَعُودُ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، فَإنَّ تَعَجُّبَهم مِنهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِمْ: وعَجِبُوا أنْ جاءَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا، فَنَقُولُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرارٍ بَلْ هو تَقْرِيرٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ بَلْ عَجِبُوا بِصِيغَةِ الفِعْلِ وجازَ أنْ يَتَعَجَّبَ الإنْسانُ مِمّا لا يَكُونُ عَجَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ويُقالُ في العُرْفِ: لا وجْهَ لِتَعَجُّبِكَ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، فَكَأنَّهم لَمّا عَجِبُوا قِيلَ لَهم: لا مَعْنى لِتَعَجُّبِكم، فَقالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَيْفَ لا نَعْجَبُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هاهُنا ﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾ بِالفاءِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أئِذا مِتْنا﴾ بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتَمَلُ الِاسْتِفْهامُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ.
والعامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ أيَبْعَثُنا، أوْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ أيْ: رَجَعْنا، وقِيلَ ذَلِكَ رَجْعٌ، والمَعْنى: اسْتِنْكارُهم لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ تُرابًا.
ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَقالُوا: ذَلِكَ أيِ: البَعْثُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: بَعِيدٌ عَنِ العُقُولِ، أوِ الأفْهامِ، أوِ العادَةِ، أوِ الإمْكانِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أرْجِعُهُ رَجْعًا، ورَجَعَ هو يَرْجِعُ رُجُوعًا.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِهِمْ فَلا يَضِلُّ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ومَن أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى إلى عِلْمِ ما يَذْهَبُ مِن أجْسادِ المَوْتى في القُبُورِ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ البَعْثُ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنا المَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنا مَن يَمُوتُ مِنهم ومَن يَبْقى؛ لِأنَّ مَن ماتَ دُفِنَ، فَكَأنَّ الأرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الأمْواتِ، وقِيلَ المَعْنى: مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: أيْ: مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ كَلامِهِمُ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى ما هو أشْنَعُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ فَإنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنهم بِالتَّكْذِيبِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو الإسْلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ ﴿لَمّا جاءَهم﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَكُّرٍ، ولا إمْعانِ نَظَرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً ساحِرٌ، ومَرَّةً شاعِرٌ، ومَرَّةً كاهِنٌ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: مُخْتَلِفٌ.
وقالَ الحَسَنُ مُلْتَبِسٌ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقِيلَ: فاسِدٌ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَجَتْ أماناتُ النّاسِ: أيْ فَسَدَتْ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ: كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إلى السَّماءِ فَوْقَهم ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ وجَعَلْناها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ﴿وزَيَّنّاها﴾ بِما جَعَلْنا فِيها مِنَ المَصابِيحِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، وصُدُوعٍ، وهو جَمْعُ فَرْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎يَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِن دُبُرْ
قالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا اخْتِلافٌ ولا فُتُوقٌ.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ هُما عِلَّتانِ لِما تَقَدَّمَ مُنْتَصِبانِ بِالفِعْلِ الأخِيرِ مِنها، أوْ بِمُقَدَّرٍ: أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِلتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: انْتَصَبا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وذِكْرى.
والمُنِيبُ الرّاجِعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ المُتَدَبِّرُ في بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ.
وفِي سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإيقاظٌ لَهم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ، وبَيانٌ لِإمْكانِ ذَلِكَ وعَدَمِ امْتِناعِهِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نَزَّلْنا مِنَ السَّحابِ ماءً كَثِيرَ البَرَكَةِ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في غالِبِ أُمُورِهِمْ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا بِذَلِكَ الماءِ بَساتِينَ كَثِيرَةً ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: ما يُقْتاتُ ويُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، والمَعْنى: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وخُصَّ الحَبُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، كَذا قالَ البَصْرِيُّونَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ، حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الضَّحّاكُ: حَبُّ الحَصِيدِ البُرُّ والشَّعِيرُ، وقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ، ويُدَّخَرُ، ويُقْتاتُ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ( جَنّاتٍ ): أيْ وأنْبَتْنا بِهِ النَّخْلَ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في الجَنّاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وانْتِصابُ باسِقاتٍ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّها وقْتَ الإنْباتِ لَمْ تَكُنْ باسِقَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الباسِقاتُ الطِّوالُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِياتٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: مَواقِيرُ حَوامِلُ، يُقالُ لِلشّاةِ إذا بَسَقَتْ: ولَدَتْ، والأشْهَرُ في لُغَةِ العَرَبِ الأوَّلُ، يُقالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إذا طالَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنا خَمْرٌ ولَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ∗∗∗ ولَكِنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ
؎كِرامٍ في السَّماءِ ذَهَبْنَ طُولًا ∗∗∗ وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وجُمْلَةُ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّخْلِ. الطَّلْعُ هو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، والنَّضِيدُ المُتَراكِبُ الَّذِي نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى (p-١٣٩٨)بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِحَ، فَهو نَضِيدٌ في أكْمامِهِ، فَإذا خَرَجَ مِن أكْمامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ رَزَقْناهم رِزْقًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُجْدِبَةً لا ثِمارَ فِيها ولا زَرْعَ، وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ البَعْثِ كَمِثْلِ هَذا الإحْياءِ الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ الأرْضَ المَيْتَةَ، قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ بِالتَّثْقِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ فَقالَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وهم مِن قَوْمِ عِيسى وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
والرَّسُّ: إمّا مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ، أوْ فِعْلٌ، وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ رَسَّ: إذا حَفَرَ بِئْرًا.
﴿وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، وقَوْمُهُ ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ جَعَلَهم إخْوانَهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ، وقِيلَ: هم مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وكانُوا مِن مَعارِفِ لُوطٍ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأيْكَةِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها في سُورَةِ الشُّعَراءِ مُسْتَوْفًى، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تَبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] واسْمُهُ سَعْدٌ أبُو كَرْبٍ، وقِيلَ: أسْعَدُ. قالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ، ولَمْ يَذُمَّهُ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كَذَّبَ رَسُولَهُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وكَذَّبَ ما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، واللّامُ في ( الرُّسُلِ ) تَكُونُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ: أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في ( كَذَّبَ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( كُلٌّ )، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَحْزَنْ ولا تُكْثِرْ غَمَّكَ لِتَكْذِيبِ هَؤُلاءِ لَكَ، فَهَذا شَأْنُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم ولَمْ يُصَدِّقْهم إلّا القَلِيلُ مِنهم ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وحَلَّ بِهِمْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، والإهْلاكِ بِالأنْواعِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ الأُمَمُ: أيْ أفَعَجَزْنا بِالخَلْقِ حِينَ خَلَقْناهم أوَّلًا ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ بَعْثِهِمْ، يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ: إذا عَجَزْتُ عَنْهُ ولَمْ أعْرِفْ وجْهَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ.
قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ في شَكٍّ وحَيْرَةٍ واخْتِلاطٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ، وهو بَعْثُ الأمْواتِ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الدُّنْيا مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الثّانِيَةُ مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، وسَبْعَةَ أبْحُرٍ، وسَبْعَةَ أجْبُلٍ، وسَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أيْضًا: وفِيهِ انْقِطاعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها، ويُحَرِّكُها، فَمِن ثَمَّ يُحَرِّكُ القَرْيَةَ دُونَ القَرْيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قالَ: الكَرِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القُرْآنُ المَجِيدُ لَيْسَ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنهُ ولا أفْضَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ قالَ: أجْسادُهم وما يَذْهَبُ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: المَرِيجُ الشَّيْءُ المُتَغَيِّرُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قُطْبَةَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ( ق ) . فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فَجَعَلْتُ أقُولُ: ما بُسُوقُها ؟ قالَ: طُولُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قالَ: الطُّولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قالَ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُعْيِينا الخَلْقُ الأوَّلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:6
وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ وهي أوَّلُ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ( ق ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في العِيدِ بِـ ( ق )، و( اقْتَرَبَتْ )» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: «ما أخَذْتُ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ»، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الكَلامُ في إعْرابِ هَذا كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وفي قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [ الزُّخْرُفِ، والدُّخانِ: ١، ٢ ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ( ق ) فَقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو اسْمُ جَبَلٍ يُحِيطُ بِالدُّنْيا مِن زَبَرْجَدٍ، والسَّماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَيْهِ وهو وراءَ الحِجابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِن ورائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَظْهَرَ الإعْرابُ في ( ق ) لِأنَّهُ اسْمٌ، ولَيْسَ بِهِجاءٍ.
قالَ: ولَعَلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرَتْ مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِ القائِلِ: قُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ، أيْ أنا واقِفَةٌ.
وحَكى الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أنَّ قَوْمًا قالُوا مَعْنى ( ق ): قُضِيَ الأمْرُ وقُضِيَ ما هو كائِنٌ، كَما قِيلَ في ( حم ): حُمَّ الأمْرُ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: فاتِحَةُ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ مَعْناهُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا ولا تَعْدُهُما، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أضْعَفُ مِنهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَما حَقَّقْنا ذَلِكَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ( المَجِيدِ ): أنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَرِيمُ، وقِيلَ: الرَّفِيعُ القَدْرِ، وقِيلَ: الكَبِيرُ القَدْرِ، وجَوابُ القَسَمِ قالَ الكُوفِيُّونَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، وقِيلَ: هو ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ: لَقَدْ عَلِمْنا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قافْ بِالسُّكُونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِكَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِ الفاءِ: وقَرَأ هارُونُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِالضَّمِّ.
٢ - ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و( أنْ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ جاءَهم.
والمَعْنى: بَلْ عَجِبَ الكُفّارُ لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَجِيدًا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ ( ص ) .
ثُمَّ فَسَّرَ ما حَكاهُ عَنْهم مِن كَوْنِهِمْ عَجِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَصْرِيحٍ وإيضاحٍ.
قالَ قَتادَةُ: عَجَبُهم أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، وقِيلَ: تَعَجُّبُهم مِنَ البَعْثِ.
فَيَكُونُ لَفْظُ ( هَذا ) إشارَةً إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الرّازِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، (p-١٣٩٧)ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأيْضًا قَدْ وُجِدَ هاهُنا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ بِالِاسْتِفْهامِ أمْرٌ يُؤَدِّي مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو قَوْلُهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فَإنَّهُ اسْتِبْعادٌ وهو كالتَّعَجُّبِ، فَلَوْ كانَ التَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ عائِدًا إلى قَوْلِهِمْ: ( أئِذا ) لَكانَ كالتَّكْرارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّكْرارُ الصَّرِيحُ يَلْزَمُ مِن قَوْلِكَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أنَّهُ يَعُودُ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، فَإنَّ تَعَجُّبَهم مِنهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِمْ: وعَجِبُوا أنْ جاءَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا، فَنَقُولُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرارٍ بَلْ هو تَقْرِيرٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ بَلْ عَجِبُوا بِصِيغَةِ الفِعْلِ وجازَ أنْ يَتَعَجَّبَ الإنْسانُ مِمّا لا يَكُونُ عَجَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ويُقالُ في العُرْفِ: لا وجْهَ لِتَعَجُّبِكَ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، فَكَأنَّهم لَمّا عَجِبُوا قِيلَ لَهم: لا مَعْنى لِتَعَجُّبِكم، فَقالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَيْفَ لا نَعْجَبُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هاهُنا ﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾ بِالفاءِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أئِذا مِتْنا﴾ بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتَمَلُ الِاسْتِفْهامُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ.
والعامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ أيَبْعَثُنا، أوْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ أيْ: رَجَعْنا، وقِيلَ ذَلِكَ رَجْعٌ، والمَعْنى: اسْتِنْكارُهم لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ تُرابًا.
ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَقالُوا: ذَلِكَ أيِ: البَعْثُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: بَعِيدٌ عَنِ العُقُولِ، أوِ الأفْهامِ، أوِ العادَةِ، أوِ الإمْكانِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أرْجِعُهُ رَجْعًا، ورَجَعَ هو يَرْجِعُ رُجُوعًا.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِهِمْ فَلا يَضِلُّ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ومَن أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى إلى عِلْمِ ما يَذْهَبُ مِن أجْسادِ المَوْتى في القُبُورِ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ البَعْثُ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنا المَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنا مَن يَمُوتُ مِنهم ومَن يَبْقى؛ لِأنَّ مَن ماتَ دُفِنَ، فَكَأنَّ الأرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الأمْواتِ، وقِيلَ المَعْنى: مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: أيْ: مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ كَلامِهِمُ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى ما هو أشْنَعُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ فَإنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنهم بِالتَّكْذِيبِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو الإسْلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ ﴿لَمّا جاءَهم﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَكُّرٍ، ولا إمْعانِ نَظَرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً ساحِرٌ، ومَرَّةً شاعِرٌ، ومَرَّةً كاهِنٌ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: مُخْتَلِفٌ.
وقالَ الحَسَنُ مُلْتَبِسٌ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقِيلَ: فاسِدٌ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَجَتْ أماناتُ النّاسِ: أيْ فَسَدَتْ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ: كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إلى السَّماءِ فَوْقَهم ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ وجَعَلْناها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ﴿وزَيَّنّاها﴾ بِما جَعَلْنا فِيها مِنَ المَصابِيحِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، وصُدُوعٍ، وهو جَمْعُ فَرْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎يَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِن دُبُرْ
قالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا اخْتِلافٌ ولا فُتُوقٌ.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ هُما عِلَّتانِ لِما تَقَدَّمَ مُنْتَصِبانِ بِالفِعْلِ الأخِيرِ مِنها، أوْ بِمُقَدَّرٍ: أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِلتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: انْتَصَبا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وذِكْرى.
والمُنِيبُ الرّاجِعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ المُتَدَبِّرُ في بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ.
وفِي سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإيقاظٌ لَهم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ، وبَيانٌ لِإمْكانِ ذَلِكَ وعَدَمِ امْتِناعِهِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نَزَّلْنا مِنَ السَّحابِ ماءً كَثِيرَ البَرَكَةِ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في غالِبِ أُمُورِهِمْ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا بِذَلِكَ الماءِ بَساتِينَ كَثِيرَةً ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: ما يُقْتاتُ ويُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، والمَعْنى: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وخُصَّ الحَبُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، كَذا قالَ البَصْرِيُّونَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ، حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الضَّحّاكُ: حَبُّ الحَصِيدِ البُرُّ والشَّعِيرُ، وقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ، ويُدَّخَرُ، ويُقْتاتُ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ( جَنّاتٍ ): أيْ وأنْبَتْنا بِهِ النَّخْلَ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في الجَنّاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وانْتِصابُ باسِقاتٍ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّها وقْتَ الإنْباتِ لَمْ تَكُنْ باسِقَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الباسِقاتُ الطِّوالُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِياتٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: مَواقِيرُ حَوامِلُ، يُقالُ لِلشّاةِ إذا بَسَقَتْ: ولَدَتْ، والأشْهَرُ في لُغَةِ العَرَبِ الأوَّلُ، يُقالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إذا طالَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنا خَمْرٌ ولَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ∗∗∗ ولَكِنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ
؎كِرامٍ في السَّماءِ ذَهَبْنَ طُولًا ∗∗∗ وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وجُمْلَةُ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّخْلِ. الطَّلْعُ هو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، والنَّضِيدُ المُتَراكِبُ الَّذِي نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى (p-١٣٩٨)بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِحَ، فَهو نَضِيدٌ في أكْمامِهِ، فَإذا خَرَجَ مِن أكْمامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ رَزَقْناهم رِزْقًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُجْدِبَةً لا ثِمارَ فِيها ولا زَرْعَ، وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ البَعْثِ كَمِثْلِ هَذا الإحْياءِ الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ الأرْضَ المَيْتَةَ، قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ بِالتَّثْقِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ فَقالَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وهم مِن قَوْمِ عِيسى وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
والرَّسُّ: إمّا مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ، أوْ فِعْلٌ، وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ رَسَّ: إذا حَفَرَ بِئْرًا.
﴿وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، وقَوْمُهُ ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ جَعَلَهم إخْوانَهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ، وقِيلَ: هم مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وكانُوا مِن مَعارِفِ لُوطٍ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأيْكَةِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها في سُورَةِ الشُّعَراءِ مُسْتَوْفًى، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تَبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] واسْمُهُ سَعْدٌ أبُو كَرْبٍ، وقِيلَ: أسْعَدُ. قالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ، ولَمْ يَذُمَّهُ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كَذَّبَ رَسُولَهُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وكَذَّبَ ما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، واللّامُ في ( الرُّسُلِ ) تَكُونُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ: أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في ( كَذَّبَ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( كُلٌّ )، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَحْزَنْ ولا تُكْثِرْ غَمَّكَ لِتَكْذِيبِ هَؤُلاءِ لَكَ، فَهَذا شَأْنُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم ولَمْ يُصَدِّقْهم إلّا القَلِيلُ مِنهم ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وحَلَّ بِهِمْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، والإهْلاكِ بِالأنْواعِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ الأُمَمُ: أيْ أفَعَجَزْنا بِالخَلْقِ حِينَ خَلَقْناهم أوَّلًا ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ بَعْثِهِمْ، يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ: إذا عَجَزْتُ عَنْهُ ولَمْ أعْرِفْ وجْهَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ.
قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ في شَكٍّ وحَيْرَةٍ واخْتِلاطٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ، وهو بَعْثُ الأمْواتِ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الدُّنْيا مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الثّانِيَةُ مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، وسَبْعَةَ أبْحُرٍ، وسَبْعَةَ أجْبُلٍ، وسَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أيْضًا: وفِيهِ انْقِطاعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها، ويُحَرِّكُها، فَمِن ثَمَّ يُحَرِّكُ القَرْيَةَ دُونَ القَرْيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قالَ: الكَرِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القُرْآنُ المَجِيدُ لَيْسَ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنهُ ولا أفْضَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ قالَ: أجْسادُهم وما يَذْهَبُ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: المَرِيجُ الشَّيْءُ المُتَغَيِّرُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قُطْبَةَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ( ق ) . فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فَجَعَلْتُ أقُولُ: ما بُسُوقُها ؟ قالَ: طُولُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قالَ: الطُّولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قالَ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُعْيِينا الخَلْقُ الأوَّلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:7
وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ وهي أوَّلُ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ( ق ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في العِيدِ بِـ ( ق )، و( اقْتَرَبَتْ )» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: «ما أخَذْتُ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ»، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الكَلامُ في إعْرابِ هَذا كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وفي قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [ الزُّخْرُفِ، والدُّخانِ: ١، ٢ ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ( ق ) فَقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو اسْمُ جَبَلٍ يُحِيطُ بِالدُّنْيا مِن زَبَرْجَدٍ، والسَّماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَيْهِ وهو وراءَ الحِجابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِن ورائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَظْهَرَ الإعْرابُ في ( ق ) لِأنَّهُ اسْمٌ، ولَيْسَ بِهِجاءٍ.
قالَ: ولَعَلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرَتْ مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِ القائِلِ: قُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ، أيْ أنا واقِفَةٌ.
وحَكى الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أنَّ قَوْمًا قالُوا مَعْنى ( ق ): قُضِيَ الأمْرُ وقُضِيَ ما هو كائِنٌ، كَما قِيلَ في ( حم ): حُمَّ الأمْرُ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: فاتِحَةُ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ مَعْناهُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا ولا تَعْدُهُما، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أضْعَفُ مِنهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَما حَقَّقْنا ذَلِكَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ( المَجِيدِ ): أنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَرِيمُ، وقِيلَ: الرَّفِيعُ القَدْرِ، وقِيلَ: الكَبِيرُ القَدْرِ، وجَوابُ القَسَمِ قالَ الكُوفِيُّونَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، وقِيلَ: هو ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ: لَقَدْ عَلِمْنا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قافْ بِالسُّكُونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِكَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِ الفاءِ: وقَرَأ هارُونُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِالضَّمِّ.
٢ - ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و( أنْ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ جاءَهم.
والمَعْنى: بَلْ عَجِبَ الكُفّارُ لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَجِيدًا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ ( ص ) .
ثُمَّ فَسَّرَ ما حَكاهُ عَنْهم مِن كَوْنِهِمْ عَجِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَصْرِيحٍ وإيضاحٍ.
قالَ قَتادَةُ: عَجَبُهم أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، وقِيلَ: تَعَجُّبُهم مِنَ البَعْثِ.
فَيَكُونُ لَفْظُ ( هَذا ) إشارَةً إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الرّازِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، (p-١٣٩٧)ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأيْضًا قَدْ وُجِدَ هاهُنا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ بِالِاسْتِفْهامِ أمْرٌ يُؤَدِّي مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو قَوْلُهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فَإنَّهُ اسْتِبْعادٌ وهو كالتَّعَجُّبِ، فَلَوْ كانَ التَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ عائِدًا إلى قَوْلِهِمْ: ( أئِذا ) لَكانَ كالتَّكْرارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّكْرارُ الصَّرِيحُ يَلْزَمُ مِن قَوْلِكَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أنَّهُ يَعُودُ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، فَإنَّ تَعَجُّبَهم مِنهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِمْ: وعَجِبُوا أنْ جاءَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا، فَنَقُولُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرارٍ بَلْ هو تَقْرِيرٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ بَلْ عَجِبُوا بِصِيغَةِ الفِعْلِ وجازَ أنْ يَتَعَجَّبَ الإنْسانُ مِمّا لا يَكُونُ عَجَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ويُقالُ في العُرْفِ: لا وجْهَ لِتَعَجُّبِكَ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، فَكَأنَّهم لَمّا عَجِبُوا قِيلَ لَهم: لا مَعْنى لِتَعَجُّبِكم، فَقالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَيْفَ لا نَعْجَبُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هاهُنا ﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾ بِالفاءِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أئِذا مِتْنا﴾ بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتَمَلُ الِاسْتِفْهامُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ.
والعامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ أيَبْعَثُنا، أوْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ أيْ: رَجَعْنا، وقِيلَ ذَلِكَ رَجْعٌ، والمَعْنى: اسْتِنْكارُهم لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ تُرابًا.
ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَقالُوا: ذَلِكَ أيِ: البَعْثُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: بَعِيدٌ عَنِ العُقُولِ، أوِ الأفْهامِ، أوِ العادَةِ، أوِ الإمْكانِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أرْجِعُهُ رَجْعًا، ورَجَعَ هو يَرْجِعُ رُجُوعًا.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِهِمْ فَلا يَضِلُّ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ومَن أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى إلى عِلْمِ ما يَذْهَبُ مِن أجْسادِ المَوْتى في القُبُورِ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ البَعْثُ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنا المَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنا مَن يَمُوتُ مِنهم ومَن يَبْقى؛ لِأنَّ مَن ماتَ دُفِنَ، فَكَأنَّ الأرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الأمْواتِ، وقِيلَ المَعْنى: مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: أيْ: مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ كَلامِهِمُ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى ما هو أشْنَعُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ فَإنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنهم بِالتَّكْذِيبِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو الإسْلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ ﴿لَمّا جاءَهم﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَكُّرٍ، ولا إمْعانِ نَظَرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً ساحِرٌ، ومَرَّةً شاعِرٌ، ومَرَّةً كاهِنٌ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: مُخْتَلِفٌ.
وقالَ الحَسَنُ مُلْتَبِسٌ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقِيلَ: فاسِدٌ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَجَتْ أماناتُ النّاسِ: أيْ فَسَدَتْ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ: كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إلى السَّماءِ فَوْقَهم ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ وجَعَلْناها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ﴿وزَيَّنّاها﴾ بِما جَعَلْنا فِيها مِنَ المَصابِيحِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، وصُدُوعٍ، وهو جَمْعُ فَرْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎يَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِن دُبُرْ
قالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا اخْتِلافٌ ولا فُتُوقٌ.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ هُما عِلَّتانِ لِما تَقَدَّمَ مُنْتَصِبانِ بِالفِعْلِ الأخِيرِ مِنها، أوْ بِمُقَدَّرٍ: أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِلتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: انْتَصَبا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وذِكْرى.
والمُنِيبُ الرّاجِعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ المُتَدَبِّرُ في بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ.
وفِي سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإيقاظٌ لَهم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ، وبَيانٌ لِإمْكانِ ذَلِكَ وعَدَمِ امْتِناعِهِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نَزَّلْنا مِنَ السَّحابِ ماءً كَثِيرَ البَرَكَةِ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في غالِبِ أُمُورِهِمْ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا بِذَلِكَ الماءِ بَساتِينَ كَثِيرَةً ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: ما يُقْتاتُ ويُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، والمَعْنى: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وخُصَّ الحَبُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، كَذا قالَ البَصْرِيُّونَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ، حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الضَّحّاكُ: حَبُّ الحَصِيدِ البُرُّ والشَّعِيرُ، وقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ، ويُدَّخَرُ، ويُقْتاتُ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ( جَنّاتٍ ): أيْ وأنْبَتْنا بِهِ النَّخْلَ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في الجَنّاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وانْتِصابُ باسِقاتٍ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّها وقْتَ الإنْباتِ لَمْ تَكُنْ باسِقَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الباسِقاتُ الطِّوالُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِياتٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: مَواقِيرُ حَوامِلُ، يُقالُ لِلشّاةِ إذا بَسَقَتْ: ولَدَتْ، والأشْهَرُ في لُغَةِ العَرَبِ الأوَّلُ، يُقالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إذا طالَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنا خَمْرٌ ولَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ∗∗∗ ولَكِنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ
؎كِرامٍ في السَّماءِ ذَهَبْنَ طُولًا ∗∗∗ وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وجُمْلَةُ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّخْلِ. الطَّلْعُ هو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، والنَّضِيدُ المُتَراكِبُ الَّذِي نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى (p-١٣٩٨)بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِحَ، فَهو نَضِيدٌ في أكْمامِهِ، فَإذا خَرَجَ مِن أكْمامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ رَزَقْناهم رِزْقًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُجْدِبَةً لا ثِمارَ فِيها ولا زَرْعَ، وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ البَعْثِ كَمِثْلِ هَذا الإحْياءِ الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ الأرْضَ المَيْتَةَ، قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ بِالتَّثْقِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ فَقالَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وهم مِن قَوْمِ عِيسى وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
والرَّسُّ: إمّا مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ، أوْ فِعْلٌ، وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ رَسَّ: إذا حَفَرَ بِئْرًا.
﴿وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، وقَوْمُهُ ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ جَعَلَهم إخْوانَهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ، وقِيلَ: هم مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وكانُوا مِن مَعارِفِ لُوطٍ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأيْكَةِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها في سُورَةِ الشُّعَراءِ مُسْتَوْفًى، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تَبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] واسْمُهُ سَعْدٌ أبُو كَرْبٍ، وقِيلَ: أسْعَدُ. قالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ، ولَمْ يَذُمَّهُ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كَذَّبَ رَسُولَهُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وكَذَّبَ ما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، واللّامُ في ( الرُّسُلِ ) تَكُونُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ: أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في ( كَذَّبَ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( كُلٌّ )، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَحْزَنْ ولا تُكْثِرْ غَمَّكَ لِتَكْذِيبِ هَؤُلاءِ لَكَ، فَهَذا شَأْنُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم ولَمْ يُصَدِّقْهم إلّا القَلِيلُ مِنهم ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وحَلَّ بِهِمْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، والإهْلاكِ بِالأنْواعِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ الأُمَمُ: أيْ أفَعَجَزْنا بِالخَلْقِ حِينَ خَلَقْناهم أوَّلًا ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ بَعْثِهِمْ، يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ: إذا عَجَزْتُ عَنْهُ ولَمْ أعْرِفْ وجْهَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ.
قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ في شَكٍّ وحَيْرَةٍ واخْتِلاطٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ، وهو بَعْثُ الأمْواتِ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الدُّنْيا مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الثّانِيَةُ مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، وسَبْعَةَ أبْحُرٍ، وسَبْعَةَ أجْبُلٍ، وسَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أيْضًا: وفِيهِ انْقِطاعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها، ويُحَرِّكُها، فَمِن ثَمَّ يُحَرِّكُ القَرْيَةَ دُونَ القَرْيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قالَ: الكَرِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القُرْآنُ المَجِيدُ لَيْسَ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنهُ ولا أفْضَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ قالَ: أجْسادُهم وما يَذْهَبُ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: المَرِيجُ الشَّيْءُ المُتَغَيِّرُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قُطْبَةَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ( ق ) . فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فَجَعَلْتُ أقُولُ: ما بُسُوقُها ؟ قالَ: طُولُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قالَ: الطُّولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قالَ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُعْيِينا الخَلْقُ الأوَّلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:8
وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ وهي أوَّلُ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ( ق ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في العِيدِ بِـ ( ق )، و( اقْتَرَبَتْ )» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: «ما أخَذْتُ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ»، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الكَلامُ في إعْرابِ هَذا كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وفي قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [ الزُّخْرُفِ، والدُّخانِ: ١، ٢ ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ( ق ) فَقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو اسْمُ جَبَلٍ يُحِيطُ بِالدُّنْيا مِن زَبَرْجَدٍ، والسَّماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَيْهِ وهو وراءَ الحِجابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِن ورائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَظْهَرَ الإعْرابُ في ( ق ) لِأنَّهُ اسْمٌ، ولَيْسَ بِهِجاءٍ.
قالَ: ولَعَلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرَتْ مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِ القائِلِ: قُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ، أيْ أنا واقِفَةٌ.
وحَكى الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أنَّ قَوْمًا قالُوا مَعْنى ( ق ): قُضِيَ الأمْرُ وقُضِيَ ما هو كائِنٌ، كَما قِيلَ في ( حم ): حُمَّ الأمْرُ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: فاتِحَةُ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ مَعْناهُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا ولا تَعْدُهُما، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أضْعَفُ مِنهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَما حَقَّقْنا ذَلِكَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ( المَجِيدِ ): أنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَرِيمُ، وقِيلَ: الرَّفِيعُ القَدْرِ، وقِيلَ: الكَبِيرُ القَدْرِ، وجَوابُ القَسَمِ قالَ الكُوفِيُّونَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، وقِيلَ: هو ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ: لَقَدْ عَلِمْنا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قافْ بِالسُّكُونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِكَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِ الفاءِ: وقَرَأ هارُونُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِالضَّمِّ.
٢ - ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و( أنْ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ جاءَهم.
والمَعْنى: بَلْ عَجِبَ الكُفّارُ لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَجِيدًا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ ( ص ) .
ثُمَّ فَسَّرَ ما حَكاهُ عَنْهم مِن كَوْنِهِمْ عَجِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَصْرِيحٍ وإيضاحٍ.
قالَ قَتادَةُ: عَجَبُهم أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، وقِيلَ: تَعَجُّبُهم مِنَ البَعْثِ.
فَيَكُونُ لَفْظُ ( هَذا ) إشارَةً إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الرّازِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، (p-١٣٩٧)ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأيْضًا قَدْ وُجِدَ هاهُنا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ بِالِاسْتِفْهامِ أمْرٌ يُؤَدِّي مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو قَوْلُهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فَإنَّهُ اسْتِبْعادٌ وهو كالتَّعَجُّبِ، فَلَوْ كانَ التَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ عائِدًا إلى قَوْلِهِمْ: ( أئِذا ) لَكانَ كالتَّكْرارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّكْرارُ الصَّرِيحُ يَلْزَمُ مِن قَوْلِكَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أنَّهُ يَعُودُ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، فَإنَّ تَعَجُّبَهم مِنهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِمْ: وعَجِبُوا أنْ جاءَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا، فَنَقُولُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرارٍ بَلْ هو تَقْرِيرٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ بَلْ عَجِبُوا بِصِيغَةِ الفِعْلِ وجازَ أنْ يَتَعَجَّبَ الإنْسانُ مِمّا لا يَكُونُ عَجَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ويُقالُ في العُرْفِ: لا وجْهَ لِتَعَجُّبِكَ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، فَكَأنَّهم لَمّا عَجِبُوا قِيلَ لَهم: لا مَعْنى لِتَعَجُّبِكم، فَقالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَيْفَ لا نَعْجَبُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هاهُنا ﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾ بِالفاءِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أئِذا مِتْنا﴾ بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتَمَلُ الِاسْتِفْهامُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ.
والعامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ أيَبْعَثُنا، أوْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ أيْ: رَجَعْنا، وقِيلَ ذَلِكَ رَجْعٌ، والمَعْنى: اسْتِنْكارُهم لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ تُرابًا.
ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَقالُوا: ذَلِكَ أيِ: البَعْثُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: بَعِيدٌ عَنِ العُقُولِ، أوِ الأفْهامِ، أوِ العادَةِ، أوِ الإمْكانِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أرْجِعُهُ رَجْعًا، ورَجَعَ هو يَرْجِعُ رُجُوعًا.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِهِمْ فَلا يَضِلُّ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ومَن أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى إلى عِلْمِ ما يَذْهَبُ مِن أجْسادِ المَوْتى في القُبُورِ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ البَعْثُ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنا المَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنا مَن يَمُوتُ مِنهم ومَن يَبْقى؛ لِأنَّ مَن ماتَ دُفِنَ، فَكَأنَّ الأرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الأمْواتِ، وقِيلَ المَعْنى: مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: أيْ: مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ كَلامِهِمُ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى ما هو أشْنَعُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ فَإنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنهم بِالتَّكْذِيبِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو الإسْلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ ﴿لَمّا جاءَهم﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَكُّرٍ، ولا إمْعانِ نَظَرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً ساحِرٌ، ومَرَّةً شاعِرٌ، ومَرَّةً كاهِنٌ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: مُخْتَلِفٌ.
وقالَ الحَسَنُ مُلْتَبِسٌ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقِيلَ: فاسِدٌ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَجَتْ أماناتُ النّاسِ: أيْ فَسَدَتْ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ: كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إلى السَّماءِ فَوْقَهم ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ وجَعَلْناها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ﴿وزَيَّنّاها﴾ بِما جَعَلْنا فِيها مِنَ المَصابِيحِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، وصُدُوعٍ، وهو جَمْعُ فَرْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎يَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِن دُبُرْ
قالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا اخْتِلافٌ ولا فُتُوقٌ.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ هُما عِلَّتانِ لِما تَقَدَّمَ مُنْتَصِبانِ بِالفِعْلِ الأخِيرِ مِنها، أوْ بِمُقَدَّرٍ: أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِلتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: انْتَصَبا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وذِكْرى.
والمُنِيبُ الرّاجِعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ المُتَدَبِّرُ في بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ.
وفِي سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإيقاظٌ لَهم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ، وبَيانٌ لِإمْكانِ ذَلِكَ وعَدَمِ امْتِناعِهِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نَزَّلْنا مِنَ السَّحابِ ماءً كَثِيرَ البَرَكَةِ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في غالِبِ أُمُورِهِمْ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا بِذَلِكَ الماءِ بَساتِينَ كَثِيرَةً ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: ما يُقْتاتُ ويُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، والمَعْنى: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وخُصَّ الحَبُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، كَذا قالَ البَصْرِيُّونَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ، حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الضَّحّاكُ: حَبُّ الحَصِيدِ البُرُّ والشَّعِيرُ، وقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ، ويُدَّخَرُ، ويُقْتاتُ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ( جَنّاتٍ ): أيْ وأنْبَتْنا بِهِ النَّخْلَ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في الجَنّاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وانْتِصابُ باسِقاتٍ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّها وقْتَ الإنْباتِ لَمْ تَكُنْ باسِقَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الباسِقاتُ الطِّوالُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِياتٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: مَواقِيرُ حَوامِلُ، يُقالُ لِلشّاةِ إذا بَسَقَتْ: ولَدَتْ، والأشْهَرُ في لُغَةِ العَرَبِ الأوَّلُ، يُقالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إذا طالَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنا خَمْرٌ ولَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ∗∗∗ ولَكِنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ
؎كِرامٍ في السَّماءِ ذَهَبْنَ طُولًا ∗∗∗ وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وجُمْلَةُ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّخْلِ. الطَّلْعُ هو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، والنَّضِيدُ المُتَراكِبُ الَّذِي نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى (p-١٣٩٨)بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِحَ، فَهو نَضِيدٌ في أكْمامِهِ، فَإذا خَرَجَ مِن أكْمامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ رَزَقْناهم رِزْقًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُجْدِبَةً لا ثِمارَ فِيها ولا زَرْعَ، وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ البَعْثِ كَمِثْلِ هَذا الإحْياءِ الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ الأرْضَ المَيْتَةَ، قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ بِالتَّثْقِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ فَقالَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وهم مِن قَوْمِ عِيسى وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
والرَّسُّ: إمّا مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ، أوْ فِعْلٌ، وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ رَسَّ: إذا حَفَرَ بِئْرًا.
﴿وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، وقَوْمُهُ ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ جَعَلَهم إخْوانَهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ، وقِيلَ: هم مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وكانُوا مِن مَعارِفِ لُوطٍ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأيْكَةِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها في سُورَةِ الشُّعَراءِ مُسْتَوْفًى، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تَبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] واسْمُهُ سَعْدٌ أبُو كَرْبٍ، وقِيلَ: أسْعَدُ. قالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ، ولَمْ يَذُمَّهُ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كَذَّبَ رَسُولَهُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وكَذَّبَ ما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، واللّامُ في ( الرُّسُلِ ) تَكُونُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ: أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في ( كَذَّبَ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( كُلٌّ )، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَحْزَنْ ولا تُكْثِرْ غَمَّكَ لِتَكْذِيبِ هَؤُلاءِ لَكَ، فَهَذا شَأْنُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم ولَمْ يُصَدِّقْهم إلّا القَلِيلُ مِنهم ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وحَلَّ بِهِمْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، والإهْلاكِ بِالأنْواعِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ الأُمَمُ: أيْ أفَعَجَزْنا بِالخَلْقِ حِينَ خَلَقْناهم أوَّلًا ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ بَعْثِهِمْ، يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ: إذا عَجَزْتُ عَنْهُ ولَمْ أعْرِفْ وجْهَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ.
قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ في شَكٍّ وحَيْرَةٍ واخْتِلاطٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ، وهو بَعْثُ الأمْواتِ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الدُّنْيا مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الثّانِيَةُ مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، وسَبْعَةَ أبْحُرٍ، وسَبْعَةَ أجْبُلٍ، وسَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أيْضًا: وفِيهِ انْقِطاعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها، ويُحَرِّكُها، فَمِن ثَمَّ يُحَرِّكُ القَرْيَةَ دُونَ القَرْيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قالَ: الكَرِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القُرْآنُ المَجِيدُ لَيْسَ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنهُ ولا أفْضَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ قالَ: أجْسادُهم وما يَذْهَبُ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: المَرِيجُ الشَّيْءُ المُتَغَيِّرُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قُطْبَةَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ( ق ) . فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فَجَعَلْتُ أقُولُ: ما بُسُوقُها ؟ قالَ: طُولُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قالَ: الطُّولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قالَ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُعْيِينا الخَلْقُ الأوَّلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:9
وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ وهي أوَّلُ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ( ق ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في العِيدِ بِـ ( ق )، و( اقْتَرَبَتْ )» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: «ما أخَذْتُ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ»، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الكَلامُ في إعْرابِ هَذا كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وفي قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [ الزُّخْرُفِ، والدُّخانِ: ١، ٢ ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ( ق ) فَقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو اسْمُ جَبَلٍ يُحِيطُ بِالدُّنْيا مِن زَبَرْجَدٍ، والسَّماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَيْهِ وهو وراءَ الحِجابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِن ورائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَظْهَرَ الإعْرابُ في ( ق ) لِأنَّهُ اسْمٌ، ولَيْسَ بِهِجاءٍ.
قالَ: ولَعَلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرَتْ مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِ القائِلِ: قُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ، أيْ أنا واقِفَةٌ.
وحَكى الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أنَّ قَوْمًا قالُوا مَعْنى ( ق ): قُضِيَ الأمْرُ وقُضِيَ ما هو كائِنٌ، كَما قِيلَ في ( حم ): حُمَّ الأمْرُ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: فاتِحَةُ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ مَعْناهُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا ولا تَعْدُهُما، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أضْعَفُ مِنهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَما حَقَّقْنا ذَلِكَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ( المَجِيدِ ): أنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَرِيمُ، وقِيلَ: الرَّفِيعُ القَدْرِ، وقِيلَ: الكَبِيرُ القَدْرِ، وجَوابُ القَسَمِ قالَ الكُوفِيُّونَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، وقِيلَ: هو ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ: لَقَدْ عَلِمْنا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قافْ بِالسُّكُونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِكَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِ الفاءِ: وقَرَأ هارُونُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِالضَّمِّ.
٢ - ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و( أنْ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ جاءَهم.
والمَعْنى: بَلْ عَجِبَ الكُفّارُ لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَجِيدًا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ ( ص ) .
ثُمَّ فَسَّرَ ما حَكاهُ عَنْهم مِن كَوْنِهِمْ عَجِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَصْرِيحٍ وإيضاحٍ.
قالَ قَتادَةُ: عَجَبُهم أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، وقِيلَ: تَعَجُّبُهم مِنَ البَعْثِ.
فَيَكُونُ لَفْظُ ( هَذا ) إشارَةً إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الرّازِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، (p-١٣٩٧)ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأيْضًا قَدْ وُجِدَ هاهُنا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ بِالِاسْتِفْهامِ أمْرٌ يُؤَدِّي مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو قَوْلُهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فَإنَّهُ اسْتِبْعادٌ وهو كالتَّعَجُّبِ، فَلَوْ كانَ التَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ عائِدًا إلى قَوْلِهِمْ: ( أئِذا ) لَكانَ كالتَّكْرارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّكْرارُ الصَّرِيحُ يَلْزَمُ مِن قَوْلِكَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أنَّهُ يَعُودُ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، فَإنَّ تَعَجُّبَهم مِنهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِمْ: وعَجِبُوا أنْ جاءَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا، فَنَقُولُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرارٍ بَلْ هو تَقْرِيرٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ بَلْ عَجِبُوا بِصِيغَةِ الفِعْلِ وجازَ أنْ يَتَعَجَّبَ الإنْسانُ مِمّا لا يَكُونُ عَجَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ويُقالُ في العُرْفِ: لا وجْهَ لِتَعَجُّبِكَ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، فَكَأنَّهم لَمّا عَجِبُوا قِيلَ لَهم: لا مَعْنى لِتَعَجُّبِكم، فَقالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَيْفَ لا نَعْجَبُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هاهُنا ﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾ بِالفاءِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أئِذا مِتْنا﴾ بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتَمَلُ الِاسْتِفْهامُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ.
والعامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ أيَبْعَثُنا، أوْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ أيْ: رَجَعْنا، وقِيلَ ذَلِكَ رَجْعٌ، والمَعْنى: اسْتِنْكارُهم لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ تُرابًا.
ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَقالُوا: ذَلِكَ أيِ: البَعْثُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: بَعِيدٌ عَنِ العُقُولِ، أوِ الأفْهامِ، أوِ العادَةِ، أوِ الإمْكانِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أرْجِعُهُ رَجْعًا، ورَجَعَ هو يَرْجِعُ رُجُوعًا.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِهِمْ فَلا يَضِلُّ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ومَن أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى إلى عِلْمِ ما يَذْهَبُ مِن أجْسادِ المَوْتى في القُبُورِ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ البَعْثُ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنا المَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنا مَن يَمُوتُ مِنهم ومَن يَبْقى؛ لِأنَّ مَن ماتَ دُفِنَ، فَكَأنَّ الأرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الأمْواتِ، وقِيلَ المَعْنى: مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: أيْ: مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ كَلامِهِمُ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى ما هو أشْنَعُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ فَإنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنهم بِالتَّكْذِيبِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو الإسْلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ ﴿لَمّا جاءَهم﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَكُّرٍ، ولا إمْعانِ نَظَرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً ساحِرٌ، ومَرَّةً شاعِرٌ، ومَرَّةً كاهِنٌ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: مُخْتَلِفٌ.
وقالَ الحَسَنُ مُلْتَبِسٌ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقِيلَ: فاسِدٌ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَجَتْ أماناتُ النّاسِ: أيْ فَسَدَتْ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ: كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إلى السَّماءِ فَوْقَهم ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ وجَعَلْناها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ﴿وزَيَّنّاها﴾ بِما جَعَلْنا فِيها مِنَ المَصابِيحِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، وصُدُوعٍ، وهو جَمْعُ فَرْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎يَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِن دُبُرْ
قالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا اخْتِلافٌ ولا فُتُوقٌ.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ هُما عِلَّتانِ لِما تَقَدَّمَ مُنْتَصِبانِ بِالفِعْلِ الأخِيرِ مِنها، أوْ بِمُقَدَّرٍ: أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِلتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: انْتَصَبا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وذِكْرى.
والمُنِيبُ الرّاجِعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ المُتَدَبِّرُ في بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ.
وفِي سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإيقاظٌ لَهم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ، وبَيانٌ لِإمْكانِ ذَلِكَ وعَدَمِ امْتِناعِهِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نَزَّلْنا مِنَ السَّحابِ ماءً كَثِيرَ البَرَكَةِ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في غالِبِ أُمُورِهِمْ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا بِذَلِكَ الماءِ بَساتِينَ كَثِيرَةً ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: ما يُقْتاتُ ويُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، والمَعْنى: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وخُصَّ الحَبُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، كَذا قالَ البَصْرِيُّونَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ، حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الضَّحّاكُ: حَبُّ الحَصِيدِ البُرُّ والشَّعِيرُ، وقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ، ويُدَّخَرُ، ويُقْتاتُ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ( جَنّاتٍ ): أيْ وأنْبَتْنا بِهِ النَّخْلَ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في الجَنّاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وانْتِصابُ باسِقاتٍ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّها وقْتَ الإنْباتِ لَمْ تَكُنْ باسِقَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الباسِقاتُ الطِّوالُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِياتٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: مَواقِيرُ حَوامِلُ، يُقالُ لِلشّاةِ إذا بَسَقَتْ: ولَدَتْ، والأشْهَرُ في لُغَةِ العَرَبِ الأوَّلُ، يُقالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إذا طالَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنا خَمْرٌ ولَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ∗∗∗ ولَكِنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ
؎كِرامٍ في السَّماءِ ذَهَبْنَ طُولًا ∗∗∗ وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وجُمْلَةُ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّخْلِ. الطَّلْعُ هو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، والنَّضِيدُ المُتَراكِبُ الَّذِي نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى (p-١٣٩٨)بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِحَ، فَهو نَضِيدٌ في أكْمامِهِ، فَإذا خَرَجَ مِن أكْمامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ رَزَقْناهم رِزْقًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُجْدِبَةً لا ثِمارَ فِيها ولا زَرْعَ، وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ البَعْثِ كَمِثْلِ هَذا الإحْياءِ الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ الأرْضَ المَيْتَةَ، قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ بِالتَّثْقِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ فَقالَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وهم مِن قَوْمِ عِيسى وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
والرَّسُّ: إمّا مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ، أوْ فِعْلٌ، وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ رَسَّ: إذا حَفَرَ بِئْرًا.
﴿وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، وقَوْمُهُ ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ جَعَلَهم إخْوانَهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ، وقِيلَ: هم مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وكانُوا مِن مَعارِفِ لُوطٍ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأيْكَةِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها في سُورَةِ الشُّعَراءِ مُسْتَوْفًى، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تَبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] واسْمُهُ سَعْدٌ أبُو كَرْبٍ، وقِيلَ: أسْعَدُ. قالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ، ولَمْ يَذُمَّهُ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كَذَّبَ رَسُولَهُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وكَذَّبَ ما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، واللّامُ في ( الرُّسُلِ ) تَكُونُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ: أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في ( كَذَّبَ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( كُلٌّ )، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَحْزَنْ ولا تُكْثِرْ غَمَّكَ لِتَكْذِيبِ هَؤُلاءِ لَكَ، فَهَذا شَأْنُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم ولَمْ يُصَدِّقْهم إلّا القَلِيلُ مِنهم ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وحَلَّ بِهِمْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، والإهْلاكِ بِالأنْواعِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ الأُمَمُ: أيْ أفَعَجَزْنا بِالخَلْقِ حِينَ خَلَقْناهم أوَّلًا ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ بَعْثِهِمْ، يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ: إذا عَجَزْتُ عَنْهُ ولَمْ أعْرِفْ وجْهَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ.
قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ في شَكٍّ وحَيْرَةٍ واخْتِلاطٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ، وهو بَعْثُ الأمْواتِ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الدُّنْيا مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الثّانِيَةُ مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، وسَبْعَةَ أبْحُرٍ، وسَبْعَةَ أجْبُلٍ، وسَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أيْضًا: وفِيهِ انْقِطاعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها، ويُحَرِّكُها، فَمِن ثَمَّ يُحَرِّكُ القَرْيَةَ دُونَ القَرْيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قالَ: الكَرِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القُرْآنُ المَجِيدُ لَيْسَ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنهُ ولا أفْضَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ قالَ: أجْسادُهم وما يَذْهَبُ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: المَرِيجُ الشَّيْءُ المُتَغَيِّرُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قُطْبَةَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ( ق ) . فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فَجَعَلْتُ أقُولُ: ما بُسُوقُها ؟ قالَ: طُولُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قالَ: الطُّولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قالَ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُعْيِينا الخَلْقُ الأوَّلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:10
وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ وهي أوَّلُ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ( ق ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في العِيدِ بِـ ( ق )، و( اقْتَرَبَتْ )» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: «ما أخَذْتُ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ»، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الكَلامُ في إعْرابِ هَذا كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وفي قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [ الزُّخْرُفِ، والدُّخانِ: ١، ٢ ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ( ق ) فَقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو اسْمُ جَبَلٍ يُحِيطُ بِالدُّنْيا مِن زَبَرْجَدٍ، والسَّماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَيْهِ وهو وراءَ الحِجابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِن ورائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَظْهَرَ الإعْرابُ في ( ق ) لِأنَّهُ اسْمٌ، ولَيْسَ بِهِجاءٍ.
قالَ: ولَعَلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرَتْ مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِ القائِلِ: قُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ، أيْ أنا واقِفَةٌ.
وحَكى الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أنَّ قَوْمًا قالُوا مَعْنى ( ق ): قُضِيَ الأمْرُ وقُضِيَ ما هو كائِنٌ، كَما قِيلَ في ( حم ): حُمَّ الأمْرُ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: فاتِحَةُ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ مَعْناهُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا ولا تَعْدُهُما، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أضْعَفُ مِنهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَما حَقَّقْنا ذَلِكَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ( المَجِيدِ ): أنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَرِيمُ، وقِيلَ: الرَّفِيعُ القَدْرِ، وقِيلَ: الكَبِيرُ القَدْرِ، وجَوابُ القَسَمِ قالَ الكُوفِيُّونَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، وقِيلَ: هو ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ: لَقَدْ عَلِمْنا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قافْ بِالسُّكُونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِكَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِ الفاءِ: وقَرَأ هارُونُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِالضَّمِّ.
٢ - ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و( أنْ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ جاءَهم.
والمَعْنى: بَلْ عَجِبَ الكُفّارُ لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَجِيدًا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ ( ص ) .
ثُمَّ فَسَّرَ ما حَكاهُ عَنْهم مِن كَوْنِهِمْ عَجِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَصْرِيحٍ وإيضاحٍ.
قالَ قَتادَةُ: عَجَبُهم أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، وقِيلَ: تَعَجُّبُهم مِنَ البَعْثِ.
فَيَكُونُ لَفْظُ ( هَذا ) إشارَةً إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الرّازِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، (p-١٣٩٧)ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأيْضًا قَدْ وُجِدَ هاهُنا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ بِالِاسْتِفْهامِ أمْرٌ يُؤَدِّي مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو قَوْلُهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فَإنَّهُ اسْتِبْعادٌ وهو كالتَّعَجُّبِ، فَلَوْ كانَ التَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ عائِدًا إلى قَوْلِهِمْ: ( أئِذا ) لَكانَ كالتَّكْرارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّكْرارُ الصَّرِيحُ يَلْزَمُ مِن قَوْلِكَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أنَّهُ يَعُودُ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، فَإنَّ تَعَجُّبَهم مِنهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِمْ: وعَجِبُوا أنْ جاءَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا، فَنَقُولُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرارٍ بَلْ هو تَقْرِيرٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ بَلْ عَجِبُوا بِصِيغَةِ الفِعْلِ وجازَ أنْ يَتَعَجَّبَ الإنْسانُ مِمّا لا يَكُونُ عَجَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ويُقالُ في العُرْفِ: لا وجْهَ لِتَعَجُّبِكَ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، فَكَأنَّهم لَمّا عَجِبُوا قِيلَ لَهم: لا مَعْنى لِتَعَجُّبِكم، فَقالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَيْفَ لا نَعْجَبُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هاهُنا ﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾ بِالفاءِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أئِذا مِتْنا﴾ بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتَمَلُ الِاسْتِفْهامُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ.
والعامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ أيَبْعَثُنا، أوْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ أيْ: رَجَعْنا، وقِيلَ ذَلِكَ رَجْعٌ، والمَعْنى: اسْتِنْكارُهم لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ تُرابًا.
ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَقالُوا: ذَلِكَ أيِ: البَعْثُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: بَعِيدٌ عَنِ العُقُولِ، أوِ الأفْهامِ، أوِ العادَةِ، أوِ الإمْكانِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أرْجِعُهُ رَجْعًا، ورَجَعَ هو يَرْجِعُ رُجُوعًا.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِهِمْ فَلا يَضِلُّ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ومَن أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى إلى عِلْمِ ما يَذْهَبُ مِن أجْسادِ المَوْتى في القُبُورِ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ البَعْثُ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنا المَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنا مَن يَمُوتُ مِنهم ومَن يَبْقى؛ لِأنَّ مَن ماتَ دُفِنَ، فَكَأنَّ الأرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الأمْواتِ، وقِيلَ المَعْنى: مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: أيْ: مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ كَلامِهِمُ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى ما هو أشْنَعُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ فَإنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنهم بِالتَّكْذِيبِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو الإسْلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ ﴿لَمّا جاءَهم﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَكُّرٍ، ولا إمْعانِ نَظَرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً ساحِرٌ، ومَرَّةً شاعِرٌ، ومَرَّةً كاهِنٌ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: مُخْتَلِفٌ.
وقالَ الحَسَنُ مُلْتَبِسٌ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقِيلَ: فاسِدٌ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَجَتْ أماناتُ النّاسِ: أيْ فَسَدَتْ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ: كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إلى السَّماءِ فَوْقَهم ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ وجَعَلْناها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ﴿وزَيَّنّاها﴾ بِما جَعَلْنا فِيها مِنَ المَصابِيحِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، وصُدُوعٍ، وهو جَمْعُ فَرْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎يَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِن دُبُرْ
قالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا اخْتِلافٌ ولا فُتُوقٌ.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ هُما عِلَّتانِ لِما تَقَدَّمَ مُنْتَصِبانِ بِالفِعْلِ الأخِيرِ مِنها، أوْ بِمُقَدَّرٍ: أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِلتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: انْتَصَبا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وذِكْرى.
والمُنِيبُ الرّاجِعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ المُتَدَبِّرُ في بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ.
وفِي سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإيقاظٌ لَهم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ، وبَيانٌ لِإمْكانِ ذَلِكَ وعَدَمِ امْتِناعِهِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نَزَّلْنا مِنَ السَّحابِ ماءً كَثِيرَ البَرَكَةِ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في غالِبِ أُمُورِهِمْ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا بِذَلِكَ الماءِ بَساتِينَ كَثِيرَةً ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: ما يُقْتاتُ ويُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، والمَعْنى: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وخُصَّ الحَبُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، كَذا قالَ البَصْرِيُّونَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ، حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الضَّحّاكُ: حَبُّ الحَصِيدِ البُرُّ والشَّعِيرُ، وقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ، ويُدَّخَرُ، ويُقْتاتُ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ( جَنّاتٍ ): أيْ وأنْبَتْنا بِهِ النَّخْلَ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في الجَنّاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وانْتِصابُ باسِقاتٍ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّها وقْتَ الإنْباتِ لَمْ تَكُنْ باسِقَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الباسِقاتُ الطِّوالُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِياتٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: مَواقِيرُ حَوامِلُ، يُقالُ لِلشّاةِ إذا بَسَقَتْ: ولَدَتْ، والأشْهَرُ في لُغَةِ العَرَبِ الأوَّلُ، يُقالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إذا طالَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنا خَمْرٌ ولَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ∗∗∗ ولَكِنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ
؎كِرامٍ في السَّماءِ ذَهَبْنَ طُولًا ∗∗∗ وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وجُمْلَةُ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّخْلِ. الطَّلْعُ هو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، والنَّضِيدُ المُتَراكِبُ الَّذِي نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى (p-١٣٩٨)بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِحَ، فَهو نَضِيدٌ في أكْمامِهِ، فَإذا خَرَجَ مِن أكْمامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ رَزَقْناهم رِزْقًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُجْدِبَةً لا ثِمارَ فِيها ولا زَرْعَ، وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ البَعْثِ كَمِثْلِ هَذا الإحْياءِ الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ الأرْضَ المَيْتَةَ، قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ بِالتَّثْقِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ فَقالَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وهم مِن قَوْمِ عِيسى وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
والرَّسُّ: إمّا مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ، أوْ فِعْلٌ، وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ رَسَّ: إذا حَفَرَ بِئْرًا.
﴿وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، وقَوْمُهُ ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ جَعَلَهم إخْوانَهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ، وقِيلَ: هم مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وكانُوا مِن مَعارِفِ لُوطٍ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأيْكَةِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها في سُورَةِ الشُّعَراءِ مُسْتَوْفًى، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تَبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] واسْمُهُ سَعْدٌ أبُو كَرْبٍ، وقِيلَ: أسْعَدُ. قالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ، ولَمْ يَذُمَّهُ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كَذَّبَ رَسُولَهُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وكَذَّبَ ما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، واللّامُ في ( الرُّسُلِ ) تَكُونُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ: أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في ( كَذَّبَ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( كُلٌّ )، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَحْزَنْ ولا تُكْثِرْ غَمَّكَ لِتَكْذِيبِ هَؤُلاءِ لَكَ، فَهَذا شَأْنُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم ولَمْ يُصَدِّقْهم إلّا القَلِيلُ مِنهم ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وحَلَّ بِهِمْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، والإهْلاكِ بِالأنْواعِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ الأُمَمُ: أيْ أفَعَجَزْنا بِالخَلْقِ حِينَ خَلَقْناهم أوَّلًا ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ بَعْثِهِمْ، يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ: إذا عَجَزْتُ عَنْهُ ولَمْ أعْرِفْ وجْهَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ.
قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ في شَكٍّ وحَيْرَةٍ واخْتِلاطٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ، وهو بَعْثُ الأمْواتِ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الدُّنْيا مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الثّانِيَةُ مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، وسَبْعَةَ أبْحُرٍ، وسَبْعَةَ أجْبُلٍ، وسَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أيْضًا: وفِيهِ انْقِطاعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها، ويُحَرِّكُها، فَمِن ثَمَّ يُحَرِّكُ القَرْيَةَ دُونَ القَرْيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قالَ: الكَرِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القُرْآنُ المَجِيدُ لَيْسَ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنهُ ولا أفْضَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ قالَ: أجْسادُهم وما يَذْهَبُ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: المَرِيجُ الشَّيْءُ المُتَغَيِّرُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قُطْبَةَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ( ق ) . فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فَجَعَلْتُ أقُولُ: ما بُسُوقُها ؟ قالَ: طُولُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قالَ: الطُّولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قالَ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُعْيِينا الخَلْقُ الأوَّلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:11
وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ وهي أوَّلُ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ( ق ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في العِيدِ بِـ ( ق )، و( اقْتَرَبَتْ )» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: «ما أخَذْتُ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ»، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الكَلامُ في إعْرابِ هَذا كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وفي قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [ الزُّخْرُفِ، والدُّخانِ: ١، ٢ ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ( ق ) فَقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو اسْمُ جَبَلٍ يُحِيطُ بِالدُّنْيا مِن زَبَرْجَدٍ، والسَّماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَيْهِ وهو وراءَ الحِجابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِن ورائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَظْهَرَ الإعْرابُ في ( ق ) لِأنَّهُ اسْمٌ، ولَيْسَ بِهِجاءٍ.
قالَ: ولَعَلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرَتْ مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِ القائِلِ: قُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ، أيْ أنا واقِفَةٌ.
وحَكى الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أنَّ قَوْمًا قالُوا مَعْنى ( ق ): قُضِيَ الأمْرُ وقُضِيَ ما هو كائِنٌ، كَما قِيلَ في ( حم ): حُمَّ الأمْرُ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: فاتِحَةُ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ مَعْناهُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا ولا تَعْدُهُما، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أضْعَفُ مِنهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَما حَقَّقْنا ذَلِكَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ( المَجِيدِ ): أنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَرِيمُ، وقِيلَ: الرَّفِيعُ القَدْرِ، وقِيلَ: الكَبِيرُ القَدْرِ، وجَوابُ القَسَمِ قالَ الكُوفِيُّونَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، وقِيلَ: هو ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ: لَقَدْ عَلِمْنا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قافْ بِالسُّكُونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِكَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِ الفاءِ: وقَرَأ هارُونُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِالضَّمِّ.
٢ - ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و( أنْ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ جاءَهم.
والمَعْنى: بَلْ عَجِبَ الكُفّارُ لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَجِيدًا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ ( ص ) .
ثُمَّ فَسَّرَ ما حَكاهُ عَنْهم مِن كَوْنِهِمْ عَجِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَصْرِيحٍ وإيضاحٍ.
قالَ قَتادَةُ: عَجَبُهم أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، وقِيلَ: تَعَجُّبُهم مِنَ البَعْثِ.
فَيَكُونُ لَفْظُ ( هَذا ) إشارَةً إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الرّازِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، (p-١٣٩٧)ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأيْضًا قَدْ وُجِدَ هاهُنا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ بِالِاسْتِفْهامِ أمْرٌ يُؤَدِّي مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو قَوْلُهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فَإنَّهُ اسْتِبْعادٌ وهو كالتَّعَجُّبِ، فَلَوْ كانَ التَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ عائِدًا إلى قَوْلِهِمْ: ( أئِذا ) لَكانَ كالتَّكْرارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّكْرارُ الصَّرِيحُ يَلْزَمُ مِن قَوْلِكَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أنَّهُ يَعُودُ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، فَإنَّ تَعَجُّبَهم مِنهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِمْ: وعَجِبُوا أنْ جاءَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا، فَنَقُولُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرارٍ بَلْ هو تَقْرِيرٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ بَلْ عَجِبُوا بِصِيغَةِ الفِعْلِ وجازَ أنْ يَتَعَجَّبَ الإنْسانُ مِمّا لا يَكُونُ عَجَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ويُقالُ في العُرْفِ: لا وجْهَ لِتَعَجُّبِكَ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، فَكَأنَّهم لَمّا عَجِبُوا قِيلَ لَهم: لا مَعْنى لِتَعَجُّبِكم، فَقالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَيْفَ لا نَعْجَبُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هاهُنا ﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾ بِالفاءِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أئِذا مِتْنا﴾ بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتَمَلُ الِاسْتِفْهامُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ.
والعامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ أيَبْعَثُنا، أوْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ أيْ: رَجَعْنا، وقِيلَ ذَلِكَ رَجْعٌ، والمَعْنى: اسْتِنْكارُهم لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ تُرابًا.
ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَقالُوا: ذَلِكَ أيِ: البَعْثُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: بَعِيدٌ عَنِ العُقُولِ، أوِ الأفْهامِ، أوِ العادَةِ، أوِ الإمْكانِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أرْجِعُهُ رَجْعًا، ورَجَعَ هو يَرْجِعُ رُجُوعًا.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِهِمْ فَلا يَضِلُّ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ومَن أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى إلى عِلْمِ ما يَذْهَبُ مِن أجْسادِ المَوْتى في القُبُورِ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ البَعْثُ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنا المَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنا مَن يَمُوتُ مِنهم ومَن يَبْقى؛ لِأنَّ مَن ماتَ دُفِنَ، فَكَأنَّ الأرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الأمْواتِ، وقِيلَ المَعْنى: مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: أيْ: مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ كَلامِهِمُ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى ما هو أشْنَعُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ فَإنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنهم بِالتَّكْذِيبِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو الإسْلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ ﴿لَمّا جاءَهم﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَكُّرٍ، ولا إمْعانِ نَظَرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً ساحِرٌ، ومَرَّةً شاعِرٌ، ومَرَّةً كاهِنٌ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: مُخْتَلِفٌ.
وقالَ الحَسَنُ مُلْتَبِسٌ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقِيلَ: فاسِدٌ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَجَتْ أماناتُ النّاسِ: أيْ فَسَدَتْ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ: كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إلى السَّماءِ فَوْقَهم ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ وجَعَلْناها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ﴿وزَيَّنّاها﴾ بِما جَعَلْنا فِيها مِنَ المَصابِيحِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، وصُدُوعٍ، وهو جَمْعُ فَرْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎يَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِن دُبُرْ
قالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا اخْتِلافٌ ولا فُتُوقٌ.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ هُما عِلَّتانِ لِما تَقَدَّمَ مُنْتَصِبانِ بِالفِعْلِ الأخِيرِ مِنها، أوْ بِمُقَدَّرٍ: أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِلتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: انْتَصَبا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وذِكْرى.
والمُنِيبُ الرّاجِعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ المُتَدَبِّرُ في بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ.
وفِي سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإيقاظٌ لَهم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ، وبَيانٌ لِإمْكانِ ذَلِكَ وعَدَمِ امْتِناعِهِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نَزَّلْنا مِنَ السَّحابِ ماءً كَثِيرَ البَرَكَةِ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في غالِبِ أُمُورِهِمْ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا بِذَلِكَ الماءِ بَساتِينَ كَثِيرَةً ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: ما يُقْتاتُ ويُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، والمَعْنى: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وخُصَّ الحَبُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، كَذا قالَ البَصْرِيُّونَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ، حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الضَّحّاكُ: حَبُّ الحَصِيدِ البُرُّ والشَّعِيرُ، وقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ، ويُدَّخَرُ، ويُقْتاتُ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ( جَنّاتٍ ): أيْ وأنْبَتْنا بِهِ النَّخْلَ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في الجَنّاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وانْتِصابُ باسِقاتٍ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّها وقْتَ الإنْباتِ لَمْ تَكُنْ باسِقَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الباسِقاتُ الطِّوالُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِياتٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: مَواقِيرُ حَوامِلُ، يُقالُ لِلشّاةِ إذا بَسَقَتْ: ولَدَتْ، والأشْهَرُ في لُغَةِ العَرَبِ الأوَّلُ، يُقالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إذا طالَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنا خَمْرٌ ولَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ∗∗∗ ولَكِنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ
؎كِرامٍ في السَّماءِ ذَهَبْنَ طُولًا ∗∗∗ وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وجُمْلَةُ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّخْلِ. الطَّلْعُ هو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، والنَّضِيدُ المُتَراكِبُ الَّذِي نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى (p-١٣٩٨)بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِحَ، فَهو نَضِيدٌ في أكْمامِهِ، فَإذا خَرَجَ مِن أكْمامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ رَزَقْناهم رِزْقًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُجْدِبَةً لا ثِمارَ فِيها ولا زَرْعَ، وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ البَعْثِ كَمِثْلِ هَذا الإحْياءِ الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ الأرْضَ المَيْتَةَ، قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ بِالتَّثْقِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ فَقالَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وهم مِن قَوْمِ عِيسى وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
والرَّسُّ: إمّا مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ، أوْ فِعْلٌ، وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ رَسَّ: إذا حَفَرَ بِئْرًا.
﴿وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، وقَوْمُهُ ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ جَعَلَهم إخْوانَهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ، وقِيلَ: هم مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وكانُوا مِن مَعارِفِ لُوطٍ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأيْكَةِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها في سُورَةِ الشُّعَراءِ مُسْتَوْفًى، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تَبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] واسْمُهُ سَعْدٌ أبُو كَرْبٍ، وقِيلَ: أسْعَدُ. قالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ، ولَمْ يَذُمَّهُ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كَذَّبَ رَسُولَهُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وكَذَّبَ ما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، واللّامُ في ( الرُّسُلِ ) تَكُونُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ: أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في ( كَذَّبَ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( كُلٌّ )، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَحْزَنْ ولا تُكْثِرْ غَمَّكَ لِتَكْذِيبِ هَؤُلاءِ لَكَ، فَهَذا شَأْنُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم ولَمْ يُصَدِّقْهم إلّا القَلِيلُ مِنهم ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وحَلَّ بِهِمْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، والإهْلاكِ بِالأنْواعِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ الأُمَمُ: أيْ أفَعَجَزْنا بِالخَلْقِ حِينَ خَلَقْناهم أوَّلًا ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ بَعْثِهِمْ، يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ: إذا عَجَزْتُ عَنْهُ ولَمْ أعْرِفْ وجْهَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ.
قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ في شَكٍّ وحَيْرَةٍ واخْتِلاطٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ، وهو بَعْثُ الأمْواتِ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الدُّنْيا مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الثّانِيَةُ مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، وسَبْعَةَ أبْحُرٍ، وسَبْعَةَ أجْبُلٍ، وسَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أيْضًا: وفِيهِ انْقِطاعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها، ويُحَرِّكُها، فَمِن ثَمَّ يُحَرِّكُ القَرْيَةَ دُونَ القَرْيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قالَ: الكَرِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القُرْآنُ المَجِيدُ لَيْسَ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنهُ ولا أفْضَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ قالَ: أجْسادُهم وما يَذْهَبُ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: المَرِيجُ الشَّيْءُ المُتَغَيِّرُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قُطْبَةَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ( ق ) . فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فَجَعَلْتُ أقُولُ: ما بُسُوقُها ؟ قالَ: طُولُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قالَ: الطُّولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قالَ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُعْيِينا الخَلْقُ الأوَّلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:12
وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ وهي أوَّلُ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ( ق ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في العِيدِ بِـ ( ق )، و( اقْتَرَبَتْ )» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: «ما أخَذْتُ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ»، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الكَلامُ في إعْرابِ هَذا كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وفي قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [ الزُّخْرُفِ، والدُّخانِ: ١، ٢ ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ( ق ) فَقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو اسْمُ جَبَلٍ يُحِيطُ بِالدُّنْيا مِن زَبَرْجَدٍ، والسَّماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَيْهِ وهو وراءَ الحِجابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِن ورائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَظْهَرَ الإعْرابُ في ( ق ) لِأنَّهُ اسْمٌ، ولَيْسَ بِهِجاءٍ.
قالَ: ولَعَلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرَتْ مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِ القائِلِ: قُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ، أيْ أنا واقِفَةٌ.
وحَكى الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أنَّ قَوْمًا قالُوا مَعْنى ( ق ): قُضِيَ الأمْرُ وقُضِيَ ما هو كائِنٌ، كَما قِيلَ في ( حم ): حُمَّ الأمْرُ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: فاتِحَةُ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ مَعْناهُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا ولا تَعْدُهُما، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أضْعَفُ مِنهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَما حَقَّقْنا ذَلِكَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ( المَجِيدِ ): أنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَرِيمُ، وقِيلَ: الرَّفِيعُ القَدْرِ، وقِيلَ: الكَبِيرُ القَدْرِ، وجَوابُ القَسَمِ قالَ الكُوفِيُّونَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، وقِيلَ: هو ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ: لَقَدْ عَلِمْنا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قافْ بِالسُّكُونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِكَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِ الفاءِ: وقَرَأ هارُونُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِالضَّمِّ.
٢ - ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و( أنْ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ جاءَهم.
والمَعْنى: بَلْ عَجِبَ الكُفّارُ لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَجِيدًا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ ( ص ) .
ثُمَّ فَسَّرَ ما حَكاهُ عَنْهم مِن كَوْنِهِمْ عَجِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَصْرِيحٍ وإيضاحٍ.
قالَ قَتادَةُ: عَجَبُهم أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، وقِيلَ: تَعَجُّبُهم مِنَ البَعْثِ.
فَيَكُونُ لَفْظُ ( هَذا ) إشارَةً إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الرّازِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، (p-١٣٩٧)ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأيْضًا قَدْ وُجِدَ هاهُنا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ بِالِاسْتِفْهامِ أمْرٌ يُؤَدِّي مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو قَوْلُهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فَإنَّهُ اسْتِبْعادٌ وهو كالتَّعَجُّبِ، فَلَوْ كانَ التَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ عائِدًا إلى قَوْلِهِمْ: ( أئِذا ) لَكانَ كالتَّكْرارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّكْرارُ الصَّرِيحُ يَلْزَمُ مِن قَوْلِكَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أنَّهُ يَعُودُ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، فَإنَّ تَعَجُّبَهم مِنهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِمْ: وعَجِبُوا أنْ جاءَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا، فَنَقُولُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرارٍ بَلْ هو تَقْرِيرٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ بَلْ عَجِبُوا بِصِيغَةِ الفِعْلِ وجازَ أنْ يَتَعَجَّبَ الإنْسانُ مِمّا لا يَكُونُ عَجَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ويُقالُ في العُرْفِ: لا وجْهَ لِتَعَجُّبِكَ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، فَكَأنَّهم لَمّا عَجِبُوا قِيلَ لَهم: لا مَعْنى لِتَعَجُّبِكم، فَقالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَيْفَ لا نَعْجَبُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هاهُنا ﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾ بِالفاءِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أئِذا مِتْنا﴾ بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتَمَلُ الِاسْتِفْهامُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ.
والعامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ أيَبْعَثُنا، أوْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ أيْ: رَجَعْنا، وقِيلَ ذَلِكَ رَجْعٌ، والمَعْنى: اسْتِنْكارُهم لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ تُرابًا.
ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَقالُوا: ذَلِكَ أيِ: البَعْثُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: بَعِيدٌ عَنِ العُقُولِ، أوِ الأفْهامِ، أوِ العادَةِ، أوِ الإمْكانِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أرْجِعُهُ رَجْعًا، ورَجَعَ هو يَرْجِعُ رُجُوعًا.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِهِمْ فَلا يَضِلُّ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ومَن أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى إلى عِلْمِ ما يَذْهَبُ مِن أجْسادِ المَوْتى في القُبُورِ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ البَعْثُ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنا المَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنا مَن يَمُوتُ مِنهم ومَن يَبْقى؛ لِأنَّ مَن ماتَ دُفِنَ، فَكَأنَّ الأرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الأمْواتِ، وقِيلَ المَعْنى: مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: أيْ: مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ كَلامِهِمُ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى ما هو أشْنَعُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ فَإنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنهم بِالتَّكْذِيبِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو الإسْلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ ﴿لَمّا جاءَهم﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَكُّرٍ، ولا إمْعانِ نَظَرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً ساحِرٌ، ومَرَّةً شاعِرٌ، ومَرَّةً كاهِنٌ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: مُخْتَلِفٌ.
وقالَ الحَسَنُ مُلْتَبِسٌ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقِيلَ: فاسِدٌ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَجَتْ أماناتُ النّاسِ: أيْ فَسَدَتْ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ: كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إلى السَّماءِ فَوْقَهم ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ وجَعَلْناها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ﴿وزَيَّنّاها﴾ بِما جَعَلْنا فِيها مِنَ المَصابِيحِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، وصُدُوعٍ، وهو جَمْعُ فَرْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎يَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِن دُبُرْ
قالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا اخْتِلافٌ ولا فُتُوقٌ.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ هُما عِلَّتانِ لِما تَقَدَّمَ مُنْتَصِبانِ بِالفِعْلِ الأخِيرِ مِنها، أوْ بِمُقَدَّرٍ: أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِلتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: انْتَصَبا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وذِكْرى.
والمُنِيبُ الرّاجِعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ المُتَدَبِّرُ في بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ.
وفِي سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإيقاظٌ لَهم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ، وبَيانٌ لِإمْكانِ ذَلِكَ وعَدَمِ امْتِناعِهِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نَزَّلْنا مِنَ السَّحابِ ماءً كَثِيرَ البَرَكَةِ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في غالِبِ أُمُورِهِمْ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا بِذَلِكَ الماءِ بَساتِينَ كَثِيرَةً ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: ما يُقْتاتُ ويُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، والمَعْنى: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وخُصَّ الحَبُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، كَذا قالَ البَصْرِيُّونَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ، حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الضَّحّاكُ: حَبُّ الحَصِيدِ البُرُّ والشَّعِيرُ، وقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ، ويُدَّخَرُ، ويُقْتاتُ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ( جَنّاتٍ ): أيْ وأنْبَتْنا بِهِ النَّخْلَ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في الجَنّاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وانْتِصابُ باسِقاتٍ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّها وقْتَ الإنْباتِ لَمْ تَكُنْ باسِقَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الباسِقاتُ الطِّوالُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِياتٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: مَواقِيرُ حَوامِلُ، يُقالُ لِلشّاةِ إذا بَسَقَتْ: ولَدَتْ، والأشْهَرُ في لُغَةِ العَرَبِ الأوَّلُ، يُقالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إذا طالَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنا خَمْرٌ ولَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ∗∗∗ ولَكِنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ
؎كِرامٍ في السَّماءِ ذَهَبْنَ طُولًا ∗∗∗ وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وجُمْلَةُ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّخْلِ. الطَّلْعُ هو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، والنَّضِيدُ المُتَراكِبُ الَّذِي نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى (p-١٣٩٨)بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِحَ، فَهو نَضِيدٌ في أكْمامِهِ، فَإذا خَرَجَ مِن أكْمامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ رَزَقْناهم رِزْقًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُجْدِبَةً لا ثِمارَ فِيها ولا زَرْعَ، وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ البَعْثِ كَمِثْلِ هَذا الإحْياءِ الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ الأرْضَ المَيْتَةَ، قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ بِالتَّثْقِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ فَقالَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وهم مِن قَوْمِ عِيسى وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
والرَّسُّ: إمّا مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ، أوْ فِعْلٌ، وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ رَسَّ: إذا حَفَرَ بِئْرًا.
﴿وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، وقَوْمُهُ ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ جَعَلَهم إخْوانَهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ، وقِيلَ: هم مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وكانُوا مِن مَعارِفِ لُوطٍ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأيْكَةِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها في سُورَةِ الشُّعَراءِ مُسْتَوْفًى، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تَبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] واسْمُهُ سَعْدٌ أبُو كَرْبٍ، وقِيلَ: أسْعَدُ. قالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ، ولَمْ يَذُمَّهُ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كَذَّبَ رَسُولَهُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وكَذَّبَ ما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، واللّامُ في ( الرُّسُلِ ) تَكُونُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ: أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في ( كَذَّبَ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( كُلٌّ )، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَحْزَنْ ولا تُكْثِرْ غَمَّكَ لِتَكْذِيبِ هَؤُلاءِ لَكَ، فَهَذا شَأْنُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم ولَمْ يُصَدِّقْهم إلّا القَلِيلُ مِنهم ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وحَلَّ بِهِمْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، والإهْلاكِ بِالأنْواعِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ الأُمَمُ: أيْ أفَعَجَزْنا بِالخَلْقِ حِينَ خَلَقْناهم أوَّلًا ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ بَعْثِهِمْ، يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ: إذا عَجَزْتُ عَنْهُ ولَمْ أعْرِفْ وجْهَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ.
قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ في شَكٍّ وحَيْرَةٍ واخْتِلاطٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ، وهو بَعْثُ الأمْواتِ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الدُّنْيا مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الثّانِيَةُ مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، وسَبْعَةَ أبْحُرٍ، وسَبْعَةَ أجْبُلٍ، وسَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أيْضًا: وفِيهِ انْقِطاعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها، ويُحَرِّكُها، فَمِن ثَمَّ يُحَرِّكُ القَرْيَةَ دُونَ القَرْيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قالَ: الكَرِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القُرْآنُ المَجِيدُ لَيْسَ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنهُ ولا أفْضَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ قالَ: أجْسادُهم وما يَذْهَبُ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: المَرِيجُ الشَّيْءُ المُتَغَيِّرُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قُطْبَةَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ( ق ) . فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فَجَعَلْتُ أقُولُ: ما بُسُوقُها ؟ قالَ: طُولُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قالَ: الطُّولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قالَ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُعْيِينا الخَلْقُ الأوَّلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:13
وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ وهي أوَّلُ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ( ق ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في العِيدِ بِـ ( ق )، و( اقْتَرَبَتْ )» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: «ما أخَذْتُ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ»، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الكَلامُ في إعْرابِ هَذا كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وفي قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [ الزُّخْرُفِ، والدُّخانِ: ١، ٢ ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ( ق ) فَقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو اسْمُ جَبَلٍ يُحِيطُ بِالدُّنْيا مِن زَبَرْجَدٍ، والسَّماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَيْهِ وهو وراءَ الحِجابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِن ورائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَظْهَرَ الإعْرابُ في ( ق ) لِأنَّهُ اسْمٌ، ولَيْسَ بِهِجاءٍ.
قالَ: ولَعَلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرَتْ مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِ القائِلِ: قُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ، أيْ أنا واقِفَةٌ.
وحَكى الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أنَّ قَوْمًا قالُوا مَعْنى ( ق ): قُضِيَ الأمْرُ وقُضِيَ ما هو كائِنٌ، كَما قِيلَ في ( حم ): حُمَّ الأمْرُ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: فاتِحَةُ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ مَعْناهُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا ولا تَعْدُهُما، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أضْعَفُ مِنهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَما حَقَّقْنا ذَلِكَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ( المَجِيدِ ): أنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَرِيمُ، وقِيلَ: الرَّفِيعُ القَدْرِ، وقِيلَ: الكَبِيرُ القَدْرِ، وجَوابُ القَسَمِ قالَ الكُوفِيُّونَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، وقِيلَ: هو ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ: لَقَدْ عَلِمْنا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قافْ بِالسُّكُونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِكَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِ الفاءِ: وقَرَأ هارُونُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِالضَّمِّ.
٢ - ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و( أنْ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ جاءَهم.
والمَعْنى: بَلْ عَجِبَ الكُفّارُ لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَجِيدًا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ ( ص ) .
ثُمَّ فَسَّرَ ما حَكاهُ عَنْهم مِن كَوْنِهِمْ عَجِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَصْرِيحٍ وإيضاحٍ.
قالَ قَتادَةُ: عَجَبُهم أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، وقِيلَ: تَعَجُّبُهم مِنَ البَعْثِ.
فَيَكُونُ لَفْظُ ( هَذا ) إشارَةً إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الرّازِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، (p-١٣٩٧)ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأيْضًا قَدْ وُجِدَ هاهُنا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ بِالِاسْتِفْهامِ أمْرٌ يُؤَدِّي مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو قَوْلُهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فَإنَّهُ اسْتِبْعادٌ وهو كالتَّعَجُّبِ، فَلَوْ كانَ التَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ عائِدًا إلى قَوْلِهِمْ: ( أئِذا ) لَكانَ كالتَّكْرارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّكْرارُ الصَّرِيحُ يَلْزَمُ مِن قَوْلِكَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أنَّهُ يَعُودُ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، فَإنَّ تَعَجُّبَهم مِنهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِمْ: وعَجِبُوا أنْ جاءَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا، فَنَقُولُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرارٍ بَلْ هو تَقْرِيرٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ بَلْ عَجِبُوا بِصِيغَةِ الفِعْلِ وجازَ أنْ يَتَعَجَّبَ الإنْسانُ مِمّا لا يَكُونُ عَجَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ويُقالُ في العُرْفِ: لا وجْهَ لِتَعَجُّبِكَ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، فَكَأنَّهم لَمّا عَجِبُوا قِيلَ لَهم: لا مَعْنى لِتَعَجُّبِكم، فَقالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَيْفَ لا نَعْجَبُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هاهُنا ﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾ بِالفاءِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أئِذا مِتْنا﴾ بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتَمَلُ الِاسْتِفْهامُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ.
والعامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ أيَبْعَثُنا، أوْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ أيْ: رَجَعْنا، وقِيلَ ذَلِكَ رَجْعٌ، والمَعْنى: اسْتِنْكارُهم لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ تُرابًا.
ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَقالُوا: ذَلِكَ أيِ: البَعْثُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: بَعِيدٌ عَنِ العُقُولِ، أوِ الأفْهامِ، أوِ العادَةِ، أوِ الإمْكانِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أرْجِعُهُ رَجْعًا، ورَجَعَ هو يَرْجِعُ رُجُوعًا.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِهِمْ فَلا يَضِلُّ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ومَن أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى إلى عِلْمِ ما يَذْهَبُ مِن أجْسادِ المَوْتى في القُبُورِ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ البَعْثُ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنا المَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنا مَن يَمُوتُ مِنهم ومَن يَبْقى؛ لِأنَّ مَن ماتَ دُفِنَ، فَكَأنَّ الأرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الأمْواتِ، وقِيلَ المَعْنى: مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: أيْ: مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ كَلامِهِمُ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى ما هو أشْنَعُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ فَإنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنهم بِالتَّكْذِيبِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو الإسْلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ ﴿لَمّا جاءَهم﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَكُّرٍ، ولا إمْعانِ نَظَرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً ساحِرٌ، ومَرَّةً شاعِرٌ، ومَرَّةً كاهِنٌ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: مُخْتَلِفٌ.
وقالَ الحَسَنُ مُلْتَبِسٌ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقِيلَ: فاسِدٌ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَجَتْ أماناتُ النّاسِ: أيْ فَسَدَتْ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ: كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إلى السَّماءِ فَوْقَهم ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ وجَعَلْناها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ﴿وزَيَّنّاها﴾ بِما جَعَلْنا فِيها مِنَ المَصابِيحِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، وصُدُوعٍ، وهو جَمْعُ فَرْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎يَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِن دُبُرْ
قالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا اخْتِلافٌ ولا فُتُوقٌ.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ هُما عِلَّتانِ لِما تَقَدَّمَ مُنْتَصِبانِ بِالفِعْلِ الأخِيرِ مِنها، أوْ بِمُقَدَّرٍ: أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِلتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: انْتَصَبا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وذِكْرى.
والمُنِيبُ الرّاجِعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ المُتَدَبِّرُ في بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ.
وفِي سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإيقاظٌ لَهم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ، وبَيانٌ لِإمْكانِ ذَلِكَ وعَدَمِ امْتِناعِهِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نَزَّلْنا مِنَ السَّحابِ ماءً كَثِيرَ البَرَكَةِ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في غالِبِ أُمُورِهِمْ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا بِذَلِكَ الماءِ بَساتِينَ كَثِيرَةً ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: ما يُقْتاتُ ويُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، والمَعْنى: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وخُصَّ الحَبُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، كَذا قالَ البَصْرِيُّونَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ، حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الضَّحّاكُ: حَبُّ الحَصِيدِ البُرُّ والشَّعِيرُ، وقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ، ويُدَّخَرُ، ويُقْتاتُ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ( جَنّاتٍ ): أيْ وأنْبَتْنا بِهِ النَّخْلَ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في الجَنّاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وانْتِصابُ باسِقاتٍ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّها وقْتَ الإنْباتِ لَمْ تَكُنْ باسِقَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الباسِقاتُ الطِّوالُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِياتٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: مَواقِيرُ حَوامِلُ، يُقالُ لِلشّاةِ إذا بَسَقَتْ: ولَدَتْ، والأشْهَرُ في لُغَةِ العَرَبِ الأوَّلُ، يُقالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إذا طالَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنا خَمْرٌ ولَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ∗∗∗ ولَكِنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ
؎كِرامٍ في السَّماءِ ذَهَبْنَ طُولًا ∗∗∗ وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وجُمْلَةُ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّخْلِ. الطَّلْعُ هو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، والنَّضِيدُ المُتَراكِبُ الَّذِي نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى (p-١٣٩٨)بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِحَ، فَهو نَضِيدٌ في أكْمامِهِ، فَإذا خَرَجَ مِن أكْمامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ رَزَقْناهم رِزْقًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُجْدِبَةً لا ثِمارَ فِيها ولا زَرْعَ، وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ البَعْثِ كَمِثْلِ هَذا الإحْياءِ الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ الأرْضَ المَيْتَةَ، قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ بِالتَّثْقِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ فَقالَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وهم مِن قَوْمِ عِيسى وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
والرَّسُّ: إمّا مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ، أوْ فِعْلٌ، وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ رَسَّ: إذا حَفَرَ بِئْرًا.
﴿وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، وقَوْمُهُ ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ جَعَلَهم إخْوانَهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ، وقِيلَ: هم مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وكانُوا مِن مَعارِفِ لُوطٍ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأيْكَةِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها في سُورَةِ الشُّعَراءِ مُسْتَوْفًى، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تَبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] واسْمُهُ سَعْدٌ أبُو كَرْبٍ، وقِيلَ: أسْعَدُ. قالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ، ولَمْ يَذُمَّهُ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كَذَّبَ رَسُولَهُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وكَذَّبَ ما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، واللّامُ في ( الرُّسُلِ ) تَكُونُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ: أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في ( كَذَّبَ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( كُلٌّ )، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَحْزَنْ ولا تُكْثِرْ غَمَّكَ لِتَكْذِيبِ هَؤُلاءِ لَكَ، فَهَذا شَأْنُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم ولَمْ يُصَدِّقْهم إلّا القَلِيلُ مِنهم ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وحَلَّ بِهِمْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، والإهْلاكِ بِالأنْواعِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ الأُمَمُ: أيْ أفَعَجَزْنا بِالخَلْقِ حِينَ خَلَقْناهم أوَّلًا ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ بَعْثِهِمْ، يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ: إذا عَجَزْتُ عَنْهُ ولَمْ أعْرِفْ وجْهَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ.
قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ في شَكٍّ وحَيْرَةٍ واخْتِلاطٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ، وهو بَعْثُ الأمْواتِ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الدُّنْيا مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الثّانِيَةُ مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، وسَبْعَةَ أبْحُرٍ، وسَبْعَةَ أجْبُلٍ، وسَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أيْضًا: وفِيهِ انْقِطاعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها، ويُحَرِّكُها، فَمِن ثَمَّ يُحَرِّكُ القَرْيَةَ دُونَ القَرْيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قالَ: الكَرِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القُرْآنُ المَجِيدُ لَيْسَ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنهُ ولا أفْضَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ قالَ: أجْسادُهم وما يَذْهَبُ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: المَرِيجُ الشَّيْءُ المُتَغَيِّرُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قُطْبَةَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ( ق ) . فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فَجَعَلْتُ أقُولُ: ما بُسُوقُها ؟ قالَ: طُولُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قالَ: الطُّولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قالَ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُعْيِينا الخَلْقُ الأوَّلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:14
وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ وهي أوَّلُ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ( ق ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في العِيدِ بِـ ( ق )، و( اقْتَرَبَتْ )» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: «ما أخَذْتُ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ»، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الكَلامُ في إعْرابِ هَذا كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وفي قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [ الزُّخْرُفِ، والدُّخانِ: ١، ٢ ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ( ق ) فَقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو اسْمُ جَبَلٍ يُحِيطُ بِالدُّنْيا مِن زَبَرْجَدٍ، والسَّماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَيْهِ وهو وراءَ الحِجابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِن ورائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَظْهَرَ الإعْرابُ في ( ق ) لِأنَّهُ اسْمٌ، ولَيْسَ بِهِجاءٍ.
قالَ: ولَعَلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرَتْ مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِ القائِلِ: قُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ، أيْ أنا واقِفَةٌ.
وحَكى الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أنَّ قَوْمًا قالُوا مَعْنى ( ق ): قُضِيَ الأمْرُ وقُضِيَ ما هو كائِنٌ، كَما قِيلَ في ( حم ): حُمَّ الأمْرُ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: فاتِحَةُ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ مَعْناهُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا ولا تَعْدُهُما، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أضْعَفُ مِنهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَما حَقَّقْنا ذَلِكَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ( المَجِيدِ ): أنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَرِيمُ، وقِيلَ: الرَّفِيعُ القَدْرِ، وقِيلَ: الكَبِيرُ القَدْرِ، وجَوابُ القَسَمِ قالَ الكُوفِيُّونَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، وقِيلَ: هو ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ: لَقَدْ عَلِمْنا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قافْ بِالسُّكُونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِكَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِ الفاءِ: وقَرَأ هارُونُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِالضَّمِّ.
٢ - ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و( أنْ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ جاءَهم.
والمَعْنى: بَلْ عَجِبَ الكُفّارُ لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَجِيدًا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ ( ص ) .
ثُمَّ فَسَّرَ ما حَكاهُ عَنْهم مِن كَوْنِهِمْ عَجِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَصْرِيحٍ وإيضاحٍ.
قالَ قَتادَةُ: عَجَبُهم أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، وقِيلَ: تَعَجُّبُهم مِنَ البَعْثِ.
فَيَكُونُ لَفْظُ ( هَذا ) إشارَةً إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الرّازِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، (p-١٣٩٧)ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأيْضًا قَدْ وُجِدَ هاهُنا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ بِالِاسْتِفْهامِ أمْرٌ يُؤَدِّي مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو قَوْلُهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فَإنَّهُ اسْتِبْعادٌ وهو كالتَّعَجُّبِ، فَلَوْ كانَ التَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ عائِدًا إلى قَوْلِهِمْ: ( أئِذا ) لَكانَ كالتَّكْرارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّكْرارُ الصَّرِيحُ يَلْزَمُ مِن قَوْلِكَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أنَّهُ يَعُودُ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، فَإنَّ تَعَجُّبَهم مِنهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِمْ: وعَجِبُوا أنْ جاءَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا، فَنَقُولُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرارٍ بَلْ هو تَقْرِيرٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ بَلْ عَجِبُوا بِصِيغَةِ الفِعْلِ وجازَ أنْ يَتَعَجَّبَ الإنْسانُ مِمّا لا يَكُونُ عَجَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ويُقالُ في العُرْفِ: لا وجْهَ لِتَعَجُّبِكَ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، فَكَأنَّهم لَمّا عَجِبُوا قِيلَ لَهم: لا مَعْنى لِتَعَجُّبِكم، فَقالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَيْفَ لا نَعْجَبُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هاهُنا ﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾ بِالفاءِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أئِذا مِتْنا﴾ بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتَمَلُ الِاسْتِفْهامُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ.
والعامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ أيَبْعَثُنا، أوْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ أيْ: رَجَعْنا، وقِيلَ ذَلِكَ رَجْعٌ، والمَعْنى: اسْتِنْكارُهم لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ تُرابًا.
ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَقالُوا: ذَلِكَ أيِ: البَعْثُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: بَعِيدٌ عَنِ العُقُولِ، أوِ الأفْهامِ، أوِ العادَةِ، أوِ الإمْكانِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أرْجِعُهُ رَجْعًا، ورَجَعَ هو يَرْجِعُ رُجُوعًا.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِهِمْ فَلا يَضِلُّ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ومَن أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى إلى عِلْمِ ما يَذْهَبُ مِن أجْسادِ المَوْتى في القُبُورِ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ البَعْثُ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنا المَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنا مَن يَمُوتُ مِنهم ومَن يَبْقى؛ لِأنَّ مَن ماتَ دُفِنَ، فَكَأنَّ الأرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الأمْواتِ، وقِيلَ المَعْنى: مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: أيْ: مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ كَلامِهِمُ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى ما هو أشْنَعُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ فَإنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنهم بِالتَّكْذِيبِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو الإسْلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ ﴿لَمّا جاءَهم﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَكُّرٍ، ولا إمْعانِ نَظَرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً ساحِرٌ، ومَرَّةً شاعِرٌ، ومَرَّةً كاهِنٌ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: مُخْتَلِفٌ.
وقالَ الحَسَنُ مُلْتَبِسٌ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقِيلَ: فاسِدٌ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَجَتْ أماناتُ النّاسِ: أيْ فَسَدَتْ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ: كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إلى السَّماءِ فَوْقَهم ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ وجَعَلْناها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ﴿وزَيَّنّاها﴾ بِما جَعَلْنا فِيها مِنَ المَصابِيحِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، وصُدُوعٍ، وهو جَمْعُ فَرْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎يَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِن دُبُرْ
قالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا اخْتِلافٌ ولا فُتُوقٌ.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ هُما عِلَّتانِ لِما تَقَدَّمَ مُنْتَصِبانِ بِالفِعْلِ الأخِيرِ مِنها، أوْ بِمُقَدَّرٍ: أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِلتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: انْتَصَبا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وذِكْرى.
والمُنِيبُ الرّاجِعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ المُتَدَبِّرُ في بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ.
وفِي سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإيقاظٌ لَهم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ، وبَيانٌ لِإمْكانِ ذَلِكَ وعَدَمِ امْتِناعِهِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نَزَّلْنا مِنَ السَّحابِ ماءً كَثِيرَ البَرَكَةِ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في غالِبِ أُمُورِهِمْ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا بِذَلِكَ الماءِ بَساتِينَ كَثِيرَةً ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: ما يُقْتاتُ ويُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، والمَعْنى: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وخُصَّ الحَبُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، كَذا قالَ البَصْرِيُّونَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ، حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الضَّحّاكُ: حَبُّ الحَصِيدِ البُرُّ والشَّعِيرُ، وقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ، ويُدَّخَرُ، ويُقْتاتُ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ( جَنّاتٍ ): أيْ وأنْبَتْنا بِهِ النَّخْلَ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في الجَنّاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وانْتِصابُ باسِقاتٍ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّها وقْتَ الإنْباتِ لَمْ تَكُنْ باسِقَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الباسِقاتُ الطِّوالُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِياتٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: مَواقِيرُ حَوامِلُ، يُقالُ لِلشّاةِ إذا بَسَقَتْ: ولَدَتْ، والأشْهَرُ في لُغَةِ العَرَبِ الأوَّلُ، يُقالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إذا طالَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنا خَمْرٌ ولَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ∗∗∗ ولَكِنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ
؎كِرامٍ في السَّماءِ ذَهَبْنَ طُولًا ∗∗∗ وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وجُمْلَةُ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّخْلِ. الطَّلْعُ هو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، والنَّضِيدُ المُتَراكِبُ الَّذِي نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى (p-١٣٩٨)بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِحَ، فَهو نَضِيدٌ في أكْمامِهِ، فَإذا خَرَجَ مِن أكْمامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ رَزَقْناهم رِزْقًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُجْدِبَةً لا ثِمارَ فِيها ولا زَرْعَ، وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ البَعْثِ كَمِثْلِ هَذا الإحْياءِ الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ الأرْضَ المَيْتَةَ، قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ بِالتَّثْقِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ فَقالَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وهم مِن قَوْمِ عِيسى وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
والرَّسُّ: إمّا مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ، أوْ فِعْلٌ، وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ رَسَّ: إذا حَفَرَ بِئْرًا.
﴿وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، وقَوْمُهُ ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ جَعَلَهم إخْوانَهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ، وقِيلَ: هم مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وكانُوا مِن مَعارِفِ لُوطٍ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأيْكَةِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها في سُورَةِ الشُّعَراءِ مُسْتَوْفًى، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تَبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] واسْمُهُ سَعْدٌ أبُو كَرْبٍ، وقِيلَ: أسْعَدُ. قالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ، ولَمْ يَذُمَّهُ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كَذَّبَ رَسُولَهُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وكَذَّبَ ما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، واللّامُ في ( الرُّسُلِ ) تَكُونُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ: أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في ( كَذَّبَ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( كُلٌّ )، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَحْزَنْ ولا تُكْثِرْ غَمَّكَ لِتَكْذِيبِ هَؤُلاءِ لَكَ، فَهَذا شَأْنُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم ولَمْ يُصَدِّقْهم إلّا القَلِيلُ مِنهم ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وحَلَّ بِهِمْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، والإهْلاكِ بِالأنْواعِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ الأُمَمُ: أيْ أفَعَجَزْنا بِالخَلْقِ حِينَ خَلَقْناهم أوَّلًا ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ بَعْثِهِمْ، يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ: إذا عَجَزْتُ عَنْهُ ولَمْ أعْرِفْ وجْهَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ.
قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ في شَكٍّ وحَيْرَةٍ واخْتِلاطٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ، وهو بَعْثُ الأمْواتِ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الدُّنْيا مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الثّانِيَةُ مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، وسَبْعَةَ أبْحُرٍ، وسَبْعَةَ أجْبُلٍ، وسَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أيْضًا: وفِيهِ انْقِطاعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها، ويُحَرِّكُها، فَمِن ثَمَّ يُحَرِّكُ القَرْيَةَ دُونَ القَرْيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قالَ: الكَرِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القُرْآنُ المَجِيدُ لَيْسَ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنهُ ولا أفْضَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ قالَ: أجْسادُهم وما يَذْهَبُ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: المَرِيجُ الشَّيْءُ المُتَغَيِّرُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قُطْبَةَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ( ق ) . فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فَجَعَلْتُ أقُولُ: ما بُسُوقُها ؟ قالَ: طُولُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قالَ: الطُّولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قالَ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُعْيِينا الخَلْقُ الأوَّلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:15
وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ وهي أوَّلُ المُفَصَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: مِنَ الحُجُراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ( ق ) بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأهْلُ السُّنَنِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في العِيدِ بِـ ( ق )، و( اقْتَرَبَتْ )» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ هِشامٍ ابْنَةِ حارِثَةَ قالَتْ: «ما أخَذْتُ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلّا مِن في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، كانَ يَقْرَأُ بِها في كُلِّ جُمُعَةٍ عَلى المِنبَرِ إذا خَطَبَ النّاسَ»، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الكَلامُ في إعْرابِ هَذا كالكَلامِ الَّذِي قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وفي قَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [ الزُّخْرُفِ، والدُّخانِ: ١، ٢ ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ( ق ) فَقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هو اسْمُ جَبَلٍ يُحِيطُ بِالدُّنْيا مِن زَبَرْجَدٍ، والسَّماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَيْهِ وهو وراءَ الحِجابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِن ورائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ.
قالَ الفَرّاءُ: كانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَظْهَرَ الإعْرابُ في ( ق ) لِأنَّهُ اسْمٌ، ولَيْسَ بِهِجاءٍ.
قالَ: ولَعَلَّ القافَ وحْدَها ذُكِرَتْ مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِ القائِلِ: قُلْتُ لَها قِفِي، فَقالَتْ قافِ، أيْ أنا واقِفَةٌ.
وحَكى الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أنَّ قَوْمًا قالُوا مَعْنى ( ق ): قُضِيَ الأمْرُ وقُضِيَ ما هو كائِنٌ، كَما قِيلَ في ( حم ): حُمَّ الأمْرُ.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: فاتِحَةُ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ مَعْناهُ: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا ونَهْيِنا ولا تَعْدُهُما، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أضْعَفُ مِنهُ.
والحَقُّ أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَما حَقَّقْنا ذَلِكَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ( المَجِيدِ ): أنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: الكَرِيمُ، وقِيلَ: الرَّفِيعُ القَدْرِ، وقِيلَ: الكَبِيرُ القَدْرِ، وجَوابُ القَسَمِ قالَ الكُوفِيُّونَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ وقالَ الأخْفَشُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، وقِيلَ: هو ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ: لَقَدْ عَلِمْنا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ق والقُرْآنِ المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قافْ بِالسُّكُونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِكَسْرِ الفاءِ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِ الفاءِ: وقَرَأ هارُونُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِالضَّمِّ.
٢ - ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم﴾ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و( أنْ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ جاءَهم.
والمَعْنى: بَلْ عَجِبَ الكُفّارُ لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ والرَّدِّ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ مَجِيدًا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ ( ص ) .
ثُمَّ فَسَّرَ ما حَكاهُ عَنْهم مِن كَوْنِهِمْ عَجِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَصْرِيحٍ وإيضاحٍ.
قالَ قَتادَةُ: عَجَبُهم أنْ دُعُوا إلى إلَهٍ واحِدٍ، وقِيلَ: تَعَجُّبُهم مِنَ البَعْثِ.
فَيَكُونُ لَفْظُ ( هَذا ) إشارَةً إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الرّازِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، (p-١٣٩٧)ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأيْضًا قَدْ وُجِدَ هاهُنا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ بِالِاسْتِفْهامِ أمْرٌ يُؤَدِّي مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو قَوْلُهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فَإنَّهُ اسْتِبْعادٌ وهو كالتَّعَجُّبِ، فَلَوْ كانَ التَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ عائِدًا إلى قَوْلِهِمْ: ( أئِذا ) لَكانَ كالتَّكْرارِ، فَإنْ قِيلَ: التَّكْرارُ الصَّرِيحُ يَلْزَمُ مِن قَوْلِكَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أنَّهُ يَعُودُ إلى مَجِيءِ المُنْذِرِ، فَإنَّ تَعَجُّبَهم مِنهُ عُلِمَ مِن قَوْلِهِمْ: وعَجِبُوا أنْ جاءَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا، فَنَقُولُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرارٍ بَلْ هو تَقْرِيرٌ لِأنَّهُ لَمّا قالَ بَلْ عَجِبُوا بِصِيغَةِ الفِعْلِ وجازَ أنْ يَتَعَجَّبَ الإنْسانُ مِمّا لا يَكُونُ عَجَبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ويُقالُ في العُرْفِ: لا وجْهَ لِتَعَجُّبِكَ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، فَكَأنَّهم لَمّا عَجِبُوا قِيلَ لَهم: لا مَعْنى لِتَعَجُّبِكم، فَقالُوا: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَيْفَ لا نَعْجَبُ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هاهُنا ﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾ بِالفاءِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أئِذا مِتْنا﴾ بِالِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتَمَلُ الِاسْتِفْهامُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ.
والعامِلُ في الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ: أيْ أيَبْعَثُنا، أوْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ أيْ: رَجَعْنا، وقِيلَ ذَلِكَ رَجْعٌ، والمَعْنى: اسْتِنْكارُهم لِلْبَعْثِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ومَصِيرِهِمْ تُرابًا.
ثُمَّ جَزَمُوا بِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَقالُوا: ذَلِكَ أيِ: البَعْثُ ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: بَعِيدٌ عَنِ العُقُولِ، أوِ الأفْهامِ، أوِ العادَةِ، أوِ الإمْكانِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ أرْجِعُهُ رَجْعًا، ورَجَعَ هو يَرْجِعُ رُجُوعًا.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ أيْ: ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِهِمْ فَلا يَضِلُّ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ومَن أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى إلى عِلْمِ ما يَذْهَبُ مِن أجْسادِ المَوْتى في القُبُورِ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ البَعْثُ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّقْصُ هُنا المَوْتُ، يَقُولُ: قَدْ عَلِمْنا مَن يَمُوتُ مِنهم ومَن يَبْقى؛ لِأنَّ مَن ماتَ دُفِنَ، فَكَأنَّ الأرْضَ تَنْقُصُ مِنَ الأمْواتِ، وقِيلَ المَعْنى: مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أيْ: حافِظٌ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ: أيْ: مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ مَحْفُوظٌ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ كَلامِهِمُ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى ما هو أشْنَعُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ فَإنَّهُ تَصْرِيحٌ مِنهم بِالتَّكْذِيبِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ. قالَ الماوَرْدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو الإسْلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ الثّابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ ﴿لَمّا جاءَهم﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَكُّرٍ، ولا إمْعانِ نَظَرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، يَقُولُونَ مَرَّةً ساحِرٌ، ومَرَّةً شاعِرٌ، ومَرَّةً كاهِنٌ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: مُخْتَلِفٌ.
وقالَ الحَسَنُ مُلْتَبِسٌ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقِيلَ: فاسِدٌ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
ومِنهُ قَوْلُهم: مَرَجَتْ أماناتُ النّاسِ: أيْ فَسَدَتْ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ: كَيْفَ غَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ إلى السَّماءِ فَوْقَهم ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ وجَعَلْناها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ عِمادٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ﴿وزَيَّنّاها﴾ بِما جَعَلْنا فِيها مِنَ المَصابِيحِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، وصُدُوعٍ، وهو جَمْعُ فَرْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎يَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِن دُبُرْ
قالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا اخْتِلافٌ ولا فُتُوقٌ.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ هُما عِلَّتانِ لِما تَقَدَّمَ مُنْتَصِبانِ بِالفِعْلِ الأخِيرِ مِنها، أوْ بِمُقَدَّرٍ: أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِلتَّبْصِيرِ والتَّذْكِيرِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: انْتَصَبا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِرَةً وذِكْرى.
والمُنِيبُ الرّاجِعُ إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ المُتَدَبِّرُ في بَدِيعِ صُنْعِهِ وعَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ.
وفِي سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ تَذْكِيرٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإيقاظٌ لَهم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ، وبَيانٌ لِإمْكانِ ذَلِكَ وعَدَمِ امْتِناعِهِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نَزَّلْنا مِنَ السَّحابِ ماءً كَثِيرَ البَرَكَةِ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في غالِبِ أُمُورِهِمْ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا بِذَلِكَ الماءِ بَساتِينَ كَثِيرَةً ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: ما يُقْتاتُ ويُحْصَدُ مِنَ الحُبُوبِ، والمَعْنى: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وخُصَّ الحَبُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، كَذا قالَ البَصْرِيُّونَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَمَسْجِدِ الجامِعِ، حَكاهُ الفَرّاءُ. قالَ الضَّحّاكُ: حَبُّ الحَصِيدِ البُرُّ والشَّعِيرُ، وقِيلَ: كُلُّ حَبٍّ يُحْصَدُ، ويُدَّخَرُ، ويُقْتاتُ.
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ( جَنّاتٍ ): أيْ وأنْبَتْنا بِهِ النَّخْلَ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها في الجَنّاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ، وانْتِصابُ باسِقاتٍ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّها وقْتَ الإنْباتِ لَمْ تَكُنْ باسِقَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: الباسِقاتُ الطِّوالُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسْتَوِياتٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: مَواقِيرُ حَوامِلُ، يُقالُ لِلشّاةِ إذا بَسَقَتْ: ولَدَتْ، والأشْهَرُ في لُغَةِ العَرَبِ الأوَّلُ، يُقالُ: بَسَقَتِ النَّخْلَةُ بُسُوقًا: إذا طالَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَنا خَمْرٌ ولَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ ∗∗∗ ولَكِنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ
؎كِرامٍ في السَّماءِ ذَهَبْنَ طُولًا ∗∗∗ وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وجُمْلَةُ ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّخْلِ. الطَّلْعُ هو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِ النَّخْلِ، يُقالُ: طَلَعَ الطَّلْعُ طُلُوعًا، والنَّضِيدُ المُتَراكِبُ الَّذِي نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلى (p-١٣٩٨)بَعْضٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْفَتِحَ، فَهو نَضِيدٌ في أكْمامِهِ، فَإذا خَرَجَ مِن أكْمامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ رَزَقْناهم رِزْقًا، أوْ عَلى العِلَّةِ: أيْ أنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ بَلْدَةً مُجْدِبَةً لا ثِمارَ فِيها ولا زَرْعَ، وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ البَعْثِ كَمِثْلِ هَذا الإحْياءِ الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ الأرْضَ المَيْتَةَ، قَرَأ الجُمْهُورُ مَيْتًا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ بِالتَّثْقِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ فَقالَ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، وهم مِن قَوْمِ عِيسى وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
والرَّسُّ: إمّا مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ، أوْ فِعْلٌ، وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ رَسَّ: إذا حَفَرَ بِئْرًا.
﴿وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، وقَوْمُهُ ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ جَعَلَهم إخْوانَهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ، وقِيلَ: هم مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وكانُوا مِن مَعارِفِ لُوطٍ.
﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأيْكَةِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها في سُورَةِ الشُّعَراءِ مُسْتَوْفًى، ونَبِيُّهُمُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تَبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] واسْمُهُ سَعْدٌ أبُو كَرْبٍ، وقِيلَ: أسْعَدُ. قالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَ تُبَّعٍ، ولَمْ يَذُمَّهُ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ كَذَّبَ رَسُولَهُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وكَذَّبَ ما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ، واللّامُ في ( الرُّسُلِ ) تَكُونُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ: أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في ( كَذَّبَ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( كُلٌّ )، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَحْزَنْ ولا تُكْثِرْ غَمَّكَ لِتَكْذِيبِ هَؤُلاءِ لَكَ، فَهَذا شَأْنُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم ولَمْ يُصَدِّقْهم إلّا القَلِيلُ مِنهم ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وحَلَّ بِهِمْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ، والإهْلاكِ بِالأنْواعِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ.
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ الأُمَمُ: أيْ أفَعَجَزْنا بِالخَلْقِ حِينَ خَلَقْناهم أوَّلًا ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ بَعْثِهِمْ، يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ: إذا عَجَزْتُ عَنْهُ ولَمْ أعْرِفْ وجْهَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ.
قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ، فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ في شَكٍّ وحَيْرَةٍ واخْتِلاطٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ، وهو بَعْثُ الأمْواتِ، ومَعْنى الإضْرابِ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ق﴾ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مِن وراءِ هَذِهِ الأرْضِ بَحْرًا مُحِيطًا، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الدُّنْيا مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ الجَبَلِ أرْضًا مِثْلَ تِلْكَ الأرْضِ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِن وراءِ ذَلِكَ بَحْرًا مُحِيطًا بِها، ثُمَّ خَلَقَ وراءَ ذَلِكَ جَبَلًا يُقالُ لَهُ " ق "، السَّماءُ الثّانِيَةُ مُرَفْرِفَةٌ عَلَيْهِ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، وسَبْعَةَ أبْحُرٍ، وسَبْعَةَ أجْبُلٍ، وسَبْعَ سَماواتٍ، قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لا يَصِحُّ سَنَدُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أيْضًا: وفِيهِ انْقِطاعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو جَبَلٌ، وعُرُوقُهُ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُزَلْزِلَ قَرْيَةً أمَرَ ذَلِكَ الجَبَلَ فَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقَ الَّذِي يَلِي تِلْكَ القَرْيَةَ فَيُزَلْزِلُها، ويُحَرِّكُها، فَمِن ثَمَّ يُحَرِّكُ القَرْيَةَ دُونَ القَرْيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ قالَ: الكَرِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القُرْآنُ المَجِيدُ لَيْسَ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنهُ ولا أفْضَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم﴾ قالَ: أجْسادُهم وما يَذْهَبُ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما تَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ وأشْعارِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: المَرِيجُ الشَّيْءُ المُتَغَيِّرُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قُطْبَةَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ في الصُّبْحِ ( ق ) . فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ فَجَعَلْتُ أقُولُ: ما بُسُوقُها ؟ قالَ: طُولُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قالَ: الطُّولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ قالَ: مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُعْيِينا الخَلْقُ الأوَّلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:16
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى:
؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ
فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ.
وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ.
وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ.
وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ.
والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ.
وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ
أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ.
﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ.
والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها.
﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ.
والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ
وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ.
﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ.
﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها.
واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها.
وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها.
وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ.
وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ.
﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ.
قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا.
قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى.
والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ.
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ.
وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ.
وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ.
قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ.
قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا.
وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ
وقَوْلِهِ:
؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا
قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ.
قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ.
﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ.
﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ.
﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " .
﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ.
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) .
وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ.
قالَ الواحِدِيُّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ.
وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها.
وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ.
وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها.
وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها.
وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ.
﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ.
وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ.
قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ.
( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا.
﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» .
وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.
ق 50:17
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى:
؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ
فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ.
وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ.
وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ.
وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ.
والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ.
وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ
أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ.
﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ.
والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها.
﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ.
والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ
وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ.
﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ.
﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها.
واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها.
وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها.
وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ.
وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ.
﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ.
قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا.
قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى.
والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ.
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ.
وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ.
وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ.
قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ.
قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا.
وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ
وقَوْلِهِ:
؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا
قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ.
قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ.
﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ.
﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ.
﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " .
﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ.
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) .
وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ.
قالَ الواحِدِيُّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ.
وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها.
وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ.
وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها.
وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها.
وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ.
﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ.
وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ.
قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ.
( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا.
﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» .
وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.
ق 50:18
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى:
؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ
فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ.
وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ.
وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ.
وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ.
والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ.
وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ
أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ.
﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ.
والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها.
﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ.
والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ
وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ.
﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ.
﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها.
واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها.
وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها.
وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ.
وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ.
﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ.
قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا.
قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى.
والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ.
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ.
وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ.
وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ.
قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ.
قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا.
وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ
وقَوْلِهِ:
؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا
قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ.
قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ.
﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ.
﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ.
﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " .
﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ.
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) .
وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ.
قالَ الواحِدِيُّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ.
وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها.
وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ.
وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها.
وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها.
وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ.
﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ.
وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ.
قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ.
( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا.
﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» .
وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.
ق 50:19
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى:
؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ
فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ.
وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ.
وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ.
وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ.
والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ.
وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ
أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ.
﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ.
والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها.
﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ.
والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ
وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ.
﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ.
﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها.
واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها.
وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها.
وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ.
وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ.
﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ.
قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا.
قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى.
والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ.
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ.
وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ.
وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ.
قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ.
قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا.
وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ
وقَوْلِهِ:
؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا
قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ.
قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ.
قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ.
﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ.
﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ.
﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " .
﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ.
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) .
وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ.
قالَ الواحِدِيُّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ.
وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها.
وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ.
وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها.
وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها.
وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ.
﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ.
وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ.
قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ.
( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا.
﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» .
وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.