Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — ق 50:20 – ق 50:44

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. ق 50:20
  2. ق 50:21
  3. ق 50:22
  4. ق 50:23
  5. ق 50:24
  6. ق 50:25
  7. ق 50:26
  8. ق 50:27
  9. ق 50:28
  10. ق 50:29
  11. ق 50:30
  12. ق 50:31
  13. ق 50:32
  14. ق 50:33
  15. ق 50:34
  16. ق 50:35
  17. ق 50:36
  18. ق 50:37
  19. ق 50:38
  20. ق 50:39
  21. ق 50:40
  22. ق 50:41
  23. ق 50:42
  24. ق 50:43
  25. ق 50:44

ق 50:20

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:21

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:22

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:23

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:24

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:25

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:26

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:27

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:28

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:29

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:30

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:31

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:32

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:33

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:34

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:35

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (p-١٣٩٩)هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ بَعْضِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ: آدَمُ، والوَسْوَسَةُ هي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والمُرادُ بِها هُنا ما يَخْتَلِجُ في سِرِّهِ، وقَلْبِهِ، وضَمِيرِهِ: أيْ نَعْلَمُ ما يُخْفِي ويُكِنُّ في نَفْسِهِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الوَسْوَسَةِ في الصَّوْتِ الخَفِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ فاسْتُعْمِلَ لِما خَفِيَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ هو حَبْلُ العاتِقِ، وهو مُمْتَدٌّ مِن ناحِيَةِ حَلْقِهِ إلى عاتِقِهِ، وهُما ورِيدانِ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ. وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ الوَتِينُ، وهو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالقَلْبِ. وهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ بِقُرْبِ ذَلِكَ العِرْقِ مِنَ الإنْسانِ: أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ: أيْ: حَبْلٌ هو الوَرِيدُ. وقِيلَ: الحَبْلُ هو نَفْسُ الوَرِيدِ، فَهو مِن بابِ مَسْجِدِ الجامِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وكَّلَ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبانِ ويَحْفَظانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِما في ( أقْرَبُ ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ هو اذْكُرْ، والمَعْنى: أنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِهِ ما يَلْفِظُ بِهِ، وما يَعْمَلُ بِهِ: أيْ يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ. والتَّلَقِّي الأخْذُ: أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الحَفَظَةِ المُوَكَّلِينَ بِهِ. وإنَّما جَعَلْنا ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وتَوْكِيدًا لِلْأمْرِ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: وكَّلَ اللَّهُ بِالإنْسانِ مَلَكَيْنِ بِاللَّيْلِ ومَلَكَيْنِ بِالنَّهارِ يَحْفَظانِ عَمَلَهُ ويَكْتُبانِ أثَرَهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ إنَّما قالَ قَعِيدٌ ولَمْ يَقُلْ قَعِيدانِ وهُما اثْنانِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎وأتى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورِ أيْ وكانَ غَيْرَ عَذُورٍ وكُنْتُ غَيْرَ عَذُورٍ. وقالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: إنَّ لَفْظَ ( قَعِيدٌ ) يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ في الأوَّلِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: فَعِيلٌ وفَعُولٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ، والِاثْنانِ، والجَمْعُ، والقَعِيدُ المُقاعِدُ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ. ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ، فَيَلْفِظُهُ، ويَرْمِيهِ مِن فِيهِ إلّا لَدَيْهِ: أيْ: لَدى ذَلِكَ اللّافِظِ رَقِيبٌ: أيْ: مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ، والرَّقِيبُ: الحافِظُ المُتَتَبِّعُ لِأُمُورِ الإنْسانِ الَّذِي يَكْتُبُ ما يَقُولُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. فَكاتِبُ الخَيْرِ هو مَلَكُ اليَمِينِ، وكاتِبُ الشَّرِّ مَلَكُ الشِّمالِ. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَتِيدُ الحاضِرُ المُهَيَّأُ، يُقالُ: عَتَّدَهُ تَعْتِيدًا وأعْتَدَهُ اعْتِدادًا: أيْ أعَدَّهُ، ومِنهُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُعَدٌّ لِلْكِتابَةِ مُهَيَّأٌ لَها. ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةٌ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ المَوْتِ، والمُرادُ بِسَكْرَةِ المَوْتِ شِدَّتُهُ وغَمْرَتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى ( بِالحَقِّ ): أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ يَتَّضِحُ لَهُ الحَقُّ ويَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وقِيلَ: الحَقُّ هو المَوْتُ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، وكَذا قَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ. والسَّكْرَةُ هي الحَقُّ، فَأُضِيفَتْ إلى نَفْسِها لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ: أيْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْتِ، والحَيْدُ المَيْلُ: أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ الَّذِي كُنْتَ تَمِيلُ عَنْهُ وتَفِرُّ مِنهُ، يُقالُ: حادَ عَنِ الشَّيْءِ يَحِيدُ حُيُودًا وحِيدَةً وحَيْدُودَةً: مالَ عَنْهُ وعَدَلَ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وقالَ الحَسَنُ: تَحِيدُ تَهْرُبُ. ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ لِلْبَعْثِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفْخُ في الصُّورِ يَوْمُ الوَعِيدِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالوَعِيدِ العَذابَ في الآخِرَةِ، وخَصَّصَ الوَعِيدَ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ هو يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ جَمِيعًا لِتَهْوِيلِهِ. ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مَعَها مَن يَسُوقُها ومَن يَشْهَدُ لَها أوْ عَلَيْها. واخْتُلِفَ في السّائِقِ والشَّهِيدِ، فَقالَ الضَّحّاكُ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ: يَعْنِي الأيْدِيَ والأرْجُلَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: سائِقٌ يَسُوقُها وشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها. وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السّائِقُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها. وقالَ مُجاهِدٌ: السّائِقُ والشَّهِيدُ مَلَكانِ. وقِيلَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ، وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ( نَفْسٍ )، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَهُ. قالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِهَذا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ أُمُورِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ في غَفْلَةٍ مِنَ الرِّسالَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ( كُنْتَ ) وفَتْحِ الكافِ في ( غِطاءَكَ )، و( بَصَرُكَ ) حَمْلًا عَلى ما في لَفْظِ كُلٍّ مِنَ التَّذْكِيرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ في الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّفْسُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا: يَعْنِي رَفَعْنا الحِجابَ الَّذِي كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ أُمُورِ الآخِرَةِ، ورَفَعْنا ما كُنْتَ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ: نافِذٌ تُبْصِرُ بِهِ ما كانَ يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالغِطاءِ أنَّهُ كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، والأوَّلُ أوْلى. والبَصَرُ قِيلَ: هو بَصَرُ (p-١٤٠٠)القَلْبِ، وقِيلَ: بَصَرُ العَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَصَرُكَ إلى لِسانِ مِيزانِكَ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ هَذا ما عِنْدِي مِن كِتابِ عَمَلِكَ عَتِيدٌ حاضِرٌ قَدْ هَيَّأْتُهُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَلَكَ يَقُولُ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي وكَّلْتَنِي بِهِ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ أحْضَرْتُهُ وأحْضَرْتُ دِيوانَ عَمَلِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَرِينَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، يَقُولُ ذَلِكَ: أيْ: هَذا ما قَدْ هَيَّأْتُهُ لَكَ بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ هُنا قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، وعَتِيدٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( ما ) إنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فَهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ بِهِ، وهُما السّائِقُ والشّاهِدُ: كُلَّ كُفّارٍ لِلنِّعَمِ عَنِيدٍ مُجانِبٍ لِلْإيمانِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ لا يَبْذُلُ خَيْرًا مُعْتَدٍ ظالِمٍ لا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُرِيبٍ شاكٍّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ، وتَكْرِيرِهِ. قالَ الخَلِيلُ، والأخْفَشُ: هَذا كَلامُ العَرَبِ الصَّحِيحُ أنْ يُخاطَبَ الواحِدُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ يَقُولُونَ: ارْحَلاها، وازْجُراها، وخُذاهُ، وأطْلِقاهُ، لِلْواحِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ قُوما عَنّا. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ ورُفْقَتِهِ في سَفَرِهِ اثْنانِ: فَجَرى كَلامُ الرَّجُلِ لِلْواحِدِ عَلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْواحِدِ في الشِّعْرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ وقَوْلِهِ: ؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ ∗∗∗ بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدْعُوانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قالَ المازِنِيُّ: قَوْلُهُ: ( ألْقِيا ) يَدُلُّ عَلى ألْقِ ألْقِ. قالَ المُبَرِّدُ: هي تَثْنِيَةٌ عَلى التَّوْكِيدِ، فَنابَ ( ألْقِيا ) مَنابَ ألْقِ ألْقِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: العَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ: المُعْرِضُ عَنِ الحَقِّ، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ عُنُودًا: إذا خالَفَ الحَقَّ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( كُلَّ )، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، أوْ بَدَلًا مِن ( كَفّارٍ )، أوْ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرُ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما يَقُولُهُ القَرِينُ، والمُرادُ بِالقَرِينِ هُنا الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لِهَذا الكافِرِ، أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أطْغاهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ فَدَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ لِي، ولَوْ كانَ مِن عِبادِكَ المُخْلِصِينَ لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَرِينَهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِهِ وإنَّ الكافِرَ يَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ أعْجَلَنِي فَيُجِيبُهُ بِهَذا، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والأوَّلُ أوْلى وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ وقُرَناءَهم، نَهاهم سُبْحانَهُ عَنْ الِاخْتِصامِ في مَوْقِفِ الحِسابِ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، والباءُ في ( بِالوَعِيدِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ عَلى تَضْمِينِ " قَدَّمَ " مَعْنى " تَقَدَّمَ " . ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ لا خُلْفَ لِوَعْدِي، بَلْ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وقَدْ قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالعَذابِ فَلا تَبْدِيلَ لَهُ، وقِيلَ: هَذا القَوْلُ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ما يُكَذَّبُ عِنْدِي بِزِيادَةٍ في القَوْلِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ لِعِلْمِي بِالغَيْبِ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، واخْتارَهُ الواحِدِيُّ لِأنَّهُ قالَ ( لَدَيَّ ) ولَمْ يَقُلْ: وما يُبَدَّلُ قَوْلِي، والأوَّلُ أوْلى وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ ﴿قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ﴾ هو ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: لا أُعَذِّبُهم ظُلْمًا بِغَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمُوهُ، ولا ذَنْبٍ أذْنَبُوهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ الظَّلّامِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُجَرَّدِ الظُّلْمِ قِيلَ إنَّهُ هُنا بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ. وقِيلَ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( أقُولُ ) . وقَرَأ الأعْمَشُ ( يُقالُ )، والعامِلُ في الظَّرْفِ ( ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ) أوْ مَحْذُوفٌ، أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْهم، وهَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، ولا سُؤالَ ولا جَوابَ، كَذا قِيلَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّحْقِيقِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. قالَ الواحِدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أراها اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِهِ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩] فَلَمّا امْتَلَأتْ قالَ لَها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ. وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى الِاسْتِزادَةِ: أيْ: إنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ عَلى مَن قَدْ صارَ فِيها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها طَلَبَتْ أنْ يُزادَ في سَعَتِها لِتَضايُقِها بِأهْلِها، والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ، أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ كالمَنِيعِ، فالأوَّلُ بِمَعْنى: هَلْ مِن زِيادَةٍ ؟ والثّانِي بِمَعْنى: هَلْ مِن شَيْءٍ تَزِيدُونِيهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ حالِ الكافِرِينَ شَرَعَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ تَقْرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ مَكانٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها في المَوْقِفِ، ويَنْظُرُونَ ما فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (p-١٤٠١)﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عَلى الحالِ. وقِيلَ المَعْنى: أنَّها زَيَّنَتْ قُلُوبَهم في الدُّنْيا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَصارَتْ قَرِيبَةً مِن قُلُوبِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ويُقالُ لَهم هَذا ما تُوعَدُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( تُوعَدُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ هو بَدَلٌ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) بِإعادَةِ الخافِضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مَقُولًا لَهم لِكُلِّ أوّابٍ، والأوّابُ الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الذّاكِرُ لِلَّهِ في الخَلْوَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلْوَةِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ هو الَّذِي لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا حَتّى يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِيهِ، والحَفِيظُ: هو الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَتُوبَ مِنها. وقالَ قَتادَةُ: هو الحافِظُ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الحافِظُ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ لَهُ بِالقَبُولِ. ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا أوْ بَيانًا لِكُلِّ أوّابٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ المُتَّقِينَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والخَبَرُ ( ادْخُلُوها ) بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والخَشْيَةُ بِالغَيْبِ أنْ يَخافَ اللَّهَ ولَمْ يَكُنْ رَآهُ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: يَعْنِي الخَلْوَةَ حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ. قالَ الحَسَنُ: إذا أرْخى السِّتْرَ وأغْلَقَ البابَ، ( وبِالغَيْبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ خَشِيَ ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ مُخْلِصٍ لِطاعَتِهِ، وقِيلَ: المُنِيبُ المُقْبِلُ عَلى الطّاعَةِ، وقِيلَ: السَّلِيمُ. ( ادْخُلُوها ) هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن ": أيْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ أيْ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: بِسَلامَةٍ مِن زَوالِ النِّعَمِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِسَلامٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى زَمَنِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وخَبَرُهُ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ وسَمّاهُ يَوْمَ الخُلُودِ لِأنَّهُ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا. ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ ما تَشْتَهِي أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهم مِن فُنُونِ النِّعَمِ وأنْواعِ الخَيْرِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهم عَلى بالٍ ولا مَرَّتْ لَهم في خَيالٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ أرْبَعَ مَنازِلَ: هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهو يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، وهو آخِذٌ بِناصِيَةِ كُلِّ دابَّةٍ، وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ قالَ: عُرُوقُ العُنُقِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ قالَ: يَكْتُبُ كُلَّ ما تَكَلَّمَ بِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ حَتّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَهُ: أكَلْتُ، وشَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ، رَأيْتُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ، وعَمَلَهُ، فَأقَرَّ مِنهُ ما كانَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وألْقى سائِرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما يُكْتَبُ الخَيْرُ والشَّرُّ، لا يُكْتَبُ يا غُلامُ اسْرُجِ الفَرَسَ، يا غُلامُ: اسْقِنِي الماءَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَبْدٌ ولْيَنْظُرْ ما يَقُولُ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قالَ: سائِقٌ يَسُوقُها إلى أمْرِ اللَّهِ وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ المَلَكُ، والشَّهِيدُ العَمَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِقُ مِنَ المَلائِكَةِ، والشَّهِيدُ شاهِدٌ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ قالَ: هو الكافِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ قالَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا، و﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ قالَ شَيْطانُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالَ: إنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبْطَلَ اللَّهُ حُجَّتَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ قالَ: وهَلْ فِيَّ مِن مَكانٍ يُزادُ فِيَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنَهم في فُضُولِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجا أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قالَ: حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أنَسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (p-١٤٠٢)يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ، وفي البابِ أحادِيثُ.

ق 50:36

خَوَّفَ سُبْحانَهُ أهْلَ مَكَّةَ بِما اتَّفَقَ لِلْقُرُونِ الماضِيَةِ قَبْلَهم أيْ: قَبْلَ قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِن قَرْنٍ أيْ: مِن أُمَّةٍ ﴿هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: قُوَّةً كَعادٍ، وثَمُودَ، وغَيْرِهِما ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ أيْ سارُوا وتَقَلَّبُوا فِيها وطافُوا بِقاعِها. وأصْلُهُ مِنَ النَّقْبِ، وهو الطَّرِيقُ. قالَ مُجاهِدٌ: ضَرَبُوا وطافُوا. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: دَوَّرُوا. وقالَ المُؤَرِّجُ: تَباعَدُوا. والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ ومِثْلُهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎نَقَّبُوا في البِلادِ مِن حَذَرِ المَوْ ∗∗∗ تِ وجالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عَمْرٍو، في رِوايَةٍ ( نَقَبُوا ) بِفَتْحِ القافِ مُخَفَّفَةً، والنَّقْبُ هو الخَرْقُ، والطَّرِيقُ في الجَبَلِ، وكَذا المَنقَبُ والمَنقَبَةُ، كَذا قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، وجَمْعُ النَّقْبِ نُقُوبٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ بِكَسْرِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ: أيْ طُوفُوا فِيها وسِيرُوا في جَوانِبِها. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الماضِي ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: هَلْ لَهم مِن مَهْرَبٍ يَهْرُبُونَ إلَيْهِ، أوْ مَخْلَصٍ يَتَخَلَّصُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ. قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَرَوْا مَحِيصًا مِنَ المَوْتِ، والمَحِيصُ مَصْدَرُ حاصَ عَنْهُ يَحِيصُ حَيْصًا وحُيُوصًا ومَحِيصًا ومَحاصًا وحَيَصانًا: أيْ: عَدَلَ وحادَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم، وفي هَذا إنْذارٌ لِأهْلِ مَكَّةَ أنَّهم مِثْلُ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ لا يَجِدُونَ مِنَ المَوْتِ والعَذابِ مَفَرًّا. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ تَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أيْ: عَقْلٌ. قالَ الفَرّاءُ: وهَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، تَقُولُ: ما لَكَ قَلْبٌ وما قَلْبُكَ مَعَكَ: أيْ: ما لَكَ عَقْلٌ وما عَقْلُكَ مَعَكَ، وقِيلَ: المُرادُ القَلْبُ نَفْسُهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ سَلِيمًا أدْرَكَ الحَقائِقَ وتَفَكَّرَ كَما يَنْبَغِي. وقِيلَ: لِمَن كانَ لَهُ حَياةٌ ونَفْسٌ مُمَيِّزَةٌ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَلْبِ لِأنَّهُ وطَنُها ومَعْدِنُ حَياتِها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي ∗∗∗ وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي النَّفْسَ تَفْعَلِ ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ أيِ اسْتَمَعَ ما يُقالُ لَهُ، يُقالُ: ألْقِ سَمْعَكَ إلَيَّ: أيِ اسْتَمِعْ مِنِّي، والمَعْنى: أنَّهُ ألْقى السَّمْعَ إلى ما يُتْلى عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ الحاكِي لِما جَرى عَلى تِلْكَ الأُمَمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ألْقى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، والسُّدِّيُّ، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ السَّمْعِ، ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرُ الفَهْمِ أوْ حاضِرُ القَلْبِ لِأنَّ مَن لا يَفْهَمُ في حُكْمِ الغائِبِ وإنْ حَضَرَ بِجِسْمِهِ فَهو لَمْ يَحْضُرْ بِفَهْمِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ وقَلْبُهُ حاضِرٌ فِيما يَسْمَعُ. قالَ سُفْيانُ: أيْ لا يَكُونُ حاضِرًا وقَلْبُهُ غائِبٌ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو صالِحٍ: إنَّها في أهْلِ القُرْآنِ خاصَّةً. ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ اللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ، تَقُولُ: لَغَبَ يَلْغُبُ بِالضَّمِّ لُغُوبًا. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ، أوَّلُها الأحَدُ وآخِرُها الجُمُعَةُ، واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ. فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمَرَ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: أيْ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، ولا تَحْزَنْ لِقَوْلِهِمْ وتَلَقَّ ما يَرِدُ عَلَيْكَ مِنهُ بِالصَّبْرِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ أيْ نَزِّهِ اللَّهَ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ العالِي مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ وقْتَ الفَجْرِ ووَقْتَ العَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقِيلَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وقِيلَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ: سَبِّحْهُ بَعْضَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: هي صَلاةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: رَكْعَتا الفَجْرِ، وقِيلَ: صَلاةُ العِشاءِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ أيْ وسَبِّحْهُ أعْقابَ الصَّلَواتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أدْبارَ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعَ دُبُرٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِها عَلى المَصْدَرِ، مِن أدْبَرَ الشَّيْءُ إدْبارًا: إذا ولّى. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إدْبارُ السُّجُودِ الرَّكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ السَّبْعَةُ في ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ كَما سَيَأْتِي. ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أيِ اسْتَمِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ: يَوْمَ يُنادِي المُنادِي، وهو إسْرافِيلُ، أوْ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: اسْتَمِعِ النِّداءَ أوِ الصَّوْتَ أوِ الصَّيْحَةَ، وهي صَيْحَةُ القِيامَةِ: أعْنِي النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ في الصُّورِ مِن إسْرافِيلَ، وقِيلَ: إسْرافِيلُ يَنْفُخُ، وجِبْرِيلُ يُنادِي أهْلَ المَحْشَرِ، ويَقُولُ: هَلُمُّوا لِلْحِسابِ، فالنِّداءُ عَلى هَذا في المَحْشَرِ. قالَ مُقاتِلٌ: هو إسْرافِيلُ يُنادِي بِالحَشْرِ، فَيَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا لِلْحِسابِ ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ بِحَيْثُ يَصِلُ النِّداءُ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ أهْلِ المَحْشَرِ. قالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّهُ يُنادِي مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. قالَ الكَلْبِيُّ: وهي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ كَعْبٌ: بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ﴾ هو (p-١٤٠٣)بَدَلٌ مِن ( يَوْمَ يُنادِي ): يَعْنِي صَيْحَةَ البَعْثِ، و( بِالحَقِّ ) مُتَعَلِّقٌ بِالصَّيْحَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ أيْ: يَوْمُ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ. قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْنى ( بِالحَقِّ ) بِالبَعْثِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّها كائِنَةٌ حَقًّا. ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُحْيِي في الآخِرَةِ ونُمِيتُ في الدُّنْيا لا يُشارِكُنا في ذَلِكَ مُشارِكٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ ﴿وإلَيْنا المَصِيرُ﴾ فَنُجازِي كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإدْغامِ التّاءِ في الشِّينِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( تَتَشَقَّقُ ) بِإثْباتِ التّاءَيْنِ عَلى الأصْلِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وانْتِصابُ ( سِراعًا ) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( عَنْهم )، والعامِلُ في الحالِ ( تَشَقَّقُ )، وقِيلَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلُ في ( يَوْمَ ): أيْ: مُسْرِعِينَ إلى المُنادِي الَّذِي ناداهم ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ﴾ أيْ: بَعْثٌ وجَمْعٌ ﴿عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ هَيِّنٌ. ثُمَّ عَزّى اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي مِن تَكْذِيبِكَ فِيما جِئْتَ بِهِ ومِن إنْكارِ البَعْثِ والتَّوْحِيدِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ أيْ بِمُسَلَّطٍ يُجْبِرُهم ويَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ، والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ أيْ: مَن يَخافُ وعِيدِي لِعُصاتِي بِالعَذابِ، وأمّا مَن عَداهم فَلا تَشْتَغِلْ بِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالقِتالِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ قالَ: مِن نَصَبٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صَلاةِ الصُّبْحِ ﴿وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ صَلاةِ العَصْرِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ رَكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ إدْبارَ النُّجُومِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ إدْبارَ السُّجُودِ» . وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ إدْبارِ النُّجُومِ وإدْبارِ السُّجُودِ، فَقالَ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الغَداةِ» . وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في الصَّلاةِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَ في أدْبارِ الصَّلَواتِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾ قالَ: هي الصَّيْحَةُ. وأخْرَجَ الواسِطِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ قالَ: مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ قالَ: يَوْمُ يَخْرُجُونَ إلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ خَوَّفْتَنا، فَنَزَلَتْ: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾» .

ق 50:37

خَوَّفَ سُبْحانَهُ أهْلَ مَكَّةَ بِما اتَّفَقَ لِلْقُرُونِ الماضِيَةِ قَبْلَهم أيْ: قَبْلَ قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِن قَرْنٍ أيْ: مِن أُمَّةٍ ﴿هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: قُوَّةً كَعادٍ، وثَمُودَ، وغَيْرِهِما ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ أيْ سارُوا وتَقَلَّبُوا فِيها وطافُوا بِقاعِها. وأصْلُهُ مِنَ النَّقْبِ، وهو الطَّرِيقُ. قالَ مُجاهِدٌ: ضَرَبُوا وطافُوا. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: دَوَّرُوا. وقالَ المُؤَرِّجُ: تَباعَدُوا. والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ ومِثْلُهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎نَقَّبُوا في البِلادِ مِن حَذَرِ المَوْ ∗∗∗ تِ وجالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عَمْرٍو، في رِوايَةٍ ( نَقَبُوا ) بِفَتْحِ القافِ مُخَفَّفَةً، والنَّقْبُ هو الخَرْقُ، والطَّرِيقُ في الجَبَلِ، وكَذا المَنقَبُ والمَنقَبَةُ، كَذا قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، وجَمْعُ النَّقْبِ نُقُوبٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ بِكَسْرِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ: أيْ طُوفُوا فِيها وسِيرُوا في جَوانِبِها. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الماضِي ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: هَلْ لَهم مِن مَهْرَبٍ يَهْرُبُونَ إلَيْهِ، أوْ مَخْلَصٍ يَتَخَلَّصُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ. قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَرَوْا مَحِيصًا مِنَ المَوْتِ، والمَحِيصُ مَصْدَرُ حاصَ عَنْهُ يَحِيصُ حَيْصًا وحُيُوصًا ومَحِيصًا ومَحاصًا وحَيَصانًا: أيْ: عَدَلَ وحادَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم، وفي هَذا إنْذارٌ لِأهْلِ مَكَّةَ أنَّهم مِثْلُ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ لا يَجِدُونَ مِنَ المَوْتِ والعَذابِ مَفَرًّا. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ تَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أيْ: عَقْلٌ. قالَ الفَرّاءُ: وهَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، تَقُولُ: ما لَكَ قَلْبٌ وما قَلْبُكَ مَعَكَ: أيْ: ما لَكَ عَقْلٌ وما عَقْلُكَ مَعَكَ، وقِيلَ: المُرادُ القَلْبُ نَفْسُهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ سَلِيمًا أدْرَكَ الحَقائِقَ وتَفَكَّرَ كَما يَنْبَغِي. وقِيلَ: لِمَن كانَ لَهُ حَياةٌ ونَفْسٌ مُمَيِّزَةٌ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَلْبِ لِأنَّهُ وطَنُها ومَعْدِنُ حَياتِها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي ∗∗∗ وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي النَّفْسَ تَفْعَلِ ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ أيِ اسْتَمَعَ ما يُقالُ لَهُ، يُقالُ: ألْقِ سَمْعَكَ إلَيَّ: أيِ اسْتَمِعْ مِنِّي، والمَعْنى: أنَّهُ ألْقى السَّمْعَ إلى ما يُتْلى عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ الحاكِي لِما جَرى عَلى تِلْكَ الأُمَمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ألْقى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، والسُّدِّيُّ، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ السَّمْعِ، ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرُ الفَهْمِ أوْ حاضِرُ القَلْبِ لِأنَّ مَن لا يَفْهَمُ في حُكْمِ الغائِبِ وإنْ حَضَرَ بِجِسْمِهِ فَهو لَمْ يَحْضُرْ بِفَهْمِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ وقَلْبُهُ حاضِرٌ فِيما يَسْمَعُ. قالَ سُفْيانُ: أيْ لا يَكُونُ حاضِرًا وقَلْبُهُ غائِبٌ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو صالِحٍ: إنَّها في أهْلِ القُرْآنِ خاصَّةً. ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ اللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ، تَقُولُ: لَغَبَ يَلْغُبُ بِالضَّمِّ لُغُوبًا. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ، أوَّلُها الأحَدُ وآخِرُها الجُمُعَةُ، واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ. فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمَرَ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: أيْ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، ولا تَحْزَنْ لِقَوْلِهِمْ وتَلَقَّ ما يَرِدُ عَلَيْكَ مِنهُ بِالصَّبْرِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ أيْ نَزِّهِ اللَّهَ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ العالِي مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ وقْتَ الفَجْرِ ووَقْتَ العَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقِيلَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وقِيلَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ: سَبِّحْهُ بَعْضَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: هي صَلاةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: رَكْعَتا الفَجْرِ، وقِيلَ: صَلاةُ العِشاءِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ أيْ وسَبِّحْهُ أعْقابَ الصَّلَواتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أدْبارَ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعَ دُبُرٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِها عَلى المَصْدَرِ، مِن أدْبَرَ الشَّيْءُ إدْبارًا: إذا ولّى. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إدْبارُ السُّجُودِ الرَّكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ السَّبْعَةُ في ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ كَما سَيَأْتِي. ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أيِ اسْتَمِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ: يَوْمَ يُنادِي المُنادِي، وهو إسْرافِيلُ، أوْ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: اسْتَمِعِ النِّداءَ أوِ الصَّوْتَ أوِ الصَّيْحَةَ، وهي صَيْحَةُ القِيامَةِ: أعْنِي النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ في الصُّورِ مِن إسْرافِيلَ، وقِيلَ: إسْرافِيلُ يَنْفُخُ، وجِبْرِيلُ يُنادِي أهْلَ المَحْشَرِ، ويَقُولُ: هَلُمُّوا لِلْحِسابِ، فالنِّداءُ عَلى هَذا في المَحْشَرِ. قالَ مُقاتِلٌ: هو إسْرافِيلُ يُنادِي بِالحَشْرِ، فَيَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا لِلْحِسابِ ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ بِحَيْثُ يَصِلُ النِّداءُ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ أهْلِ المَحْشَرِ. قالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّهُ يُنادِي مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. قالَ الكَلْبِيُّ: وهي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ كَعْبٌ: بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ﴾ هو (p-١٤٠٣)بَدَلٌ مِن ( يَوْمَ يُنادِي ): يَعْنِي صَيْحَةَ البَعْثِ، و( بِالحَقِّ ) مُتَعَلِّقٌ بِالصَّيْحَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ أيْ: يَوْمُ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ. قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْنى ( بِالحَقِّ ) بِالبَعْثِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّها كائِنَةٌ حَقًّا. ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُحْيِي في الآخِرَةِ ونُمِيتُ في الدُّنْيا لا يُشارِكُنا في ذَلِكَ مُشارِكٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ ﴿وإلَيْنا المَصِيرُ﴾ فَنُجازِي كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإدْغامِ التّاءِ في الشِّينِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( تَتَشَقَّقُ ) بِإثْباتِ التّاءَيْنِ عَلى الأصْلِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وانْتِصابُ ( سِراعًا ) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( عَنْهم )، والعامِلُ في الحالِ ( تَشَقَّقُ )، وقِيلَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلُ في ( يَوْمَ ): أيْ: مُسْرِعِينَ إلى المُنادِي الَّذِي ناداهم ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ﴾ أيْ: بَعْثٌ وجَمْعٌ ﴿عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ هَيِّنٌ. ثُمَّ عَزّى اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي مِن تَكْذِيبِكَ فِيما جِئْتَ بِهِ ومِن إنْكارِ البَعْثِ والتَّوْحِيدِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ أيْ بِمُسَلَّطٍ يُجْبِرُهم ويَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ، والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ أيْ: مَن يَخافُ وعِيدِي لِعُصاتِي بِالعَذابِ، وأمّا مَن عَداهم فَلا تَشْتَغِلْ بِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالقِتالِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ قالَ: مِن نَصَبٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صَلاةِ الصُّبْحِ ﴿وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ صَلاةِ العَصْرِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ رَكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ إدْبارَ النُّجُومِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ إدْبارَ السُّجُودِ» . وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ إدْبارِ النُّجُومِ وإدْبارِ السُّجُودِ، فَقالَ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الغَداةِ» . وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في الصَّلاةِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَ في أدْبارِ الصَّلَواتِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾ قالَ: هي الصَّيْحَةُ. وأخْرَجَ الواسِطِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ قالَ: مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ قالَ: يَوْمُ يَخْرُجُونَ إلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ خَوَّفْتَنا، فَنَزَلَتْ: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾» .

ق 50:38

خَوَّفَ سُبْحانَهُ أهْلَ مَكَّةَ بِما اتَّفَقَ لِلْقُرُونِ الماضِيَةِ قَبْلَهم أيْ: قَبْلَ قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِن قَرْنٍ أيْ: مِن أُمَّةٍ ﴿هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: قُوَّةً كَعادٍ، وثَمُودَ، وغَيْرِهِما ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ أيْ سارُوا وتَقَلَّبُوا فِيها وطافُوا بِقاعِها. وأصْلُهُ مِنَ النَّقْبِ، وهو الطَّرِيقُ. قالَ مُجاهِدٌ: ضَرَبُوا وطافُوا. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: دَوَّرُوا. وقالَ المُؤَرِّجُ: تَباعَدُوا. والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ ومِثْلُهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎نَقَّبُوا في البِلادِ مِن حَذَرِ المَوْ ∗∗∗ تِ وجالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عَمْرٍو، في رِوايَةٍ ( نَقَبُوا ) بِفَتْحِ القافِ مُخَفَّفَةً، والنَّقْبُ هو الخَرْقُ، والطَّرِيقُ في الجَبَلِ، وكَذا المَنقَبُ والمَنقَبَةُ، كَذا قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، وجَمْعُ النَّقْبِ نُقُوبٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ بِكَسْرِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ: أيْ طُوفُوا فِيها وسِيرُوا في جَوانِبِها. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الماضِي ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: هَلْ لَهم مِن مَهْرَبٍ يَهْرُبُونَ إلَيْهِ، أوْ مَخْلَصٍ يَتَخَلَّصُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ. قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَرَوْا مَحِيصًا مِنَ المَوْتِ، والمَحِيصُ مَصْدَرُ حاصَ عَنْهُ يَحِيصُ حَيْصًا وحُيُوصًا ومَحِيصًا ومَحاصًا وحَيَصانًا: أيْ: عَدَلَ وحادَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم، وفي هَذا إنْذارٌ لِأهْلِ مَكَّةَ أنَّهم مِثْلُ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ لا يَجِدُونَ مِنَ المَوْتِ والعَذابِ مَفَرًّا. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ تَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أيْ: عَقْلٌ. قالَ الفَرّاءُ: وهَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، تَقُولُ: ما لَكَ قَلْبٌ وما قَلْبُكَ مَعَكَ: أيْ: ما لَكَ عَقْلٌ وما عَقْلُكَ مَعَكَ، وقِيلَ: المُرادُ القَلْبُ نَفْسُهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ سَلِيمًا أدْرَكَ الحَقائِقَ وتَفَكَّرَ كَما يَنْبَغِي. وقِيلَ: لِمَن كانَ لَهُ حَياةٌ ونَفْسٌ مُمَيِّزَةٌ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَلْبِ لِأنَّهُ وطَنُها ومَعْدِنُ حَياتِها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي ∗∗∗ وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي النَّفْسَ تَفْعَلِ ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ أيِ اسْتَمَعَ ما يُقالُ لَهُ، يُقالُ: ألْقِ سَمْعَكَ إلَيَّ: أيِ اسْتَمِعْ مِنِّي، والمَعْنى: أنَّهُ ألْقى السَّمْعَ إلى ما يُتْلى عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ الحاكِي لِما جَرى عَلى تِلْكَ الأُمَمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ألْقى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، والسُّدِّيُّ، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ السَّمْعِ، ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرُ الفَهْمِ أوْ حاضِرُ القَلْبِ لِأنَّ مَن لا يَفْهَمُ في حُكْمِ الغائِبِ وإنْ حَضَرَ بِجِسْمِهِ فَهو لَمْ يَحْضُرْ بِفَهْمِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ وقَلْبُهُ حاضِرٌ فِيما يَسْمَعُ. قالَ سُفْيانُ: أيْ لا يَكُونُ حاضِرًا وقَلْبُهُ غائِبٌ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو صالِحٍ: إنَّها في أهْلِ القُرْآنِ خاصَّةً. ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ اللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ، تَقُولُ: لَغَبَ يَلْغُبُ بِالضَّمِّ لُغُوبًا. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ، أوَّلُها الأحَدُ وآخِرُها الجُمُعَةُ، واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ. فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمَرَ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: أيْ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، ولا تَحْزَنْ لِقَوْلِهِمْ وتَلَقَّ ما يَرِدُ عَلَيْكَ مِنهُ بِالصَّبْرِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ أيْ نَزِّهِ اللَّهَ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ العالِي مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ وقْتَ الفَجْرِ ووَقْتَ العَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقِيلَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وقِيلَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ: سَبِّحْهُ بَعْضَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: هي صَلاةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: رَكْعَتا الفَجْرِ، وقِيلَ: صَلاةُ العِشاءِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ أيْ وسَبِّحْهُ أعْقابَ الصَّلَواتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أدْبارَ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعَ دُبُرٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِها عَلى المَصْدَرِ، مِن أدْبَرَ الشَّيْءُ إدْبارًا: إذا ولّى. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إدْبارُ السُّجُودِ الرَّكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ السَّبْعَةُ في ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ كَما سَيَأْتِي. ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أيِ اسْتَمِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ: يَوْمَ يُنادِي المُنادِي، وهو إسْرافِيلُ، أوْ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: اسْتَمِعِ النِّداءَ أوِ الصَّوْتَ أوِ الصَّيْحَةَ، وهي صَيْحَةُ القِيامَةِ: أعْنِي النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ في الصُّورِ مِن إسْرافِيلَ، وقِيلَ: إسْرافِيلُ يَنْفُخُ، وجِبْرِيلُ يُنادِي أهْلَ المَحْشَرِ، ويَقُولُ: هَلُمُّوا لِلْحِسابِ، فالنِّداءُ عَلى هَذا في المَحْشَرِ. قالَ مُقاتِلٌ: هو إسْرافِيلُ يُنادِي بِالحَشْرِ، فَيَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا لِلْحِسابِ ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ بِحَيْثُ يَصِلُ النِّداءُ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ أهْلِ المَحْشَرِ. قالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّهُ يُنادِي مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. قالَ الكَلْبِيُّ: وهي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ كَعْبٌ: بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ﴾ هو (p-١٤٠٣)بَدَلٌ مِن ( يَوْمَ يُنادِي ): يَعْنِي صَيْحَةَ البَعْثِ، و( بِالحَقِّ ) مُتَعَلِّقٌ بِالصَّيْحَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ أيْ: يَوْمُ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ. قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْنى ( بِالحَقِّ ) بِالبَعْثِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّها كائِنَةٌ حَقًّا. ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُحْيِي في الآخِرَةِ ونُمِيتُ في الدُّنْيا لا يُشارِكُنا في ذَلِكَ مُشارِكٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ ﴿وإلَيْنا المَصِيرُ﴾ فَنُجازِي كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإدْغامِ التّاءِ في الشِّينِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( تَتَشَقَّقُ ) بِإثْباتِ التّاءَيْنِ عَلى الأصْلِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وانْتِصابُ ( سِراعًا ) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( عَنْهم )، والعامِلُ في الحالِ ( تَشَقَّقُ )، وقِيلَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلُ في ( يَوْمَ ): أيْ: مُسْرِعِينَ إلى المُنادِي الَّذِي ناداهم ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ﴾ أيْ: بَعْثٌ وجَمْعٌ ﴿عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ هَيِّنٌ. ثُمَّ عَزّى اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي مِن تَكْذِيبِكَ فِيما جِئْتَ بِهِ ومِن إنْكارِ البَعْثِ والتَّوْحِيدِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ أيْ بِمُسَلَّطٍ يُجْبِرُهم ويَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ، والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ أيْ: مَن يَخافُ وعِيدِي لِعُصاتِي بِالعَذابِ، وأمّا مَن عَداهم فَلا تَشْتَغِلْ بِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالقِتالِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ قالَ: مِن نَصَبٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صَلاةِ الصُّبْحِ ﴿وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ صَلاةِ العَصْرِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ رَكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ إدْبارَ النُّجُومِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ إدْبارَ السُّجُودِ» . وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ إدْبارِ النُّجُومِ وإدْبارِ السُّجُودِ، فَقالَ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الغَداةِ» . وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في الصَّلاةِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَ في أدْبارِ الصَّلَواتِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾ قالَ: هي الصَّيْحَةُ. وأخْرَجَ الواسِطِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ قالَ: مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ قالَ: يَوْمُ يَخْرُجُونَ إلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ خَوَّفْتَنا، فَنَزَلَتْ: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾» .

ق 50:39

خَوَّفَ سُبْحانَهُ أهْلَ مَكَّةَ بِما اتَّفَقَ لِلْقُرُونِ الماضِيَةِ قَبْلَهم أيْ: قَبْلَ قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِن قَرْنٍ أيْ: مِن أُمَّةٍ ﴿هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: قُوَّةً كَعادٍ، وثَمُودَ، وغَيْرِهِما ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ أيْ سارُوا وتَقَلَّبُوا فِيها وطافُوا بِقاعِها. وأصْلُهُ مِنَ النَّقْبِ، وهو الطَّرِيقُ. قالَ مُجاهِدٌ: ضَرَبُوا وطافُوا. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: دَوَّرُوا. وقالَ المُؤَرِّجُ: تَباعَدُوا. والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ ومِثْلُهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎نَقَّبُوا في البِلادِ مِن حَذَرِ المَوْ ∗∗∗ تِ وجالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عَمْرٍو، في رِوايَةٍ ( نَقَبُوا ) بِفَتْحِ القافِ مُخَفَّفَةً، والنَّقْبُ هو الخَرْقُ، والطَّرِيقُ في الجَبَلِ، وكَذا المَنقَبُ والمَنقَبَةُ، كَذا قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، وجَمْعُ النَّقْبِ نُقُوبٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ بِكَسْرِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ: أيْ طُوفُوا فِيها وسِيرُوا في جَوانِبِها. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الماضِي ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: هَلْ لَهم مِن مَهْرَبٍ يَهْرُبُونَ إلَيْهِ، أوْ مَخْلَصٍ يَتَخَلَّصُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ. قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَرَوْا مَحِيصًا مِنَ المَوْتِ، والمَحِيصُ مَصْدَرُ حاصَ عَنْهُ يَحِيصُ حَيْصًا وحُيُوصًا ومَحِيصًا ومَحاصًا وحَيَصانًا: أيْ: عَدَلَ وحادَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم، وفي هَذا إنْذارٌ لِأهْلِ مَكَّةَ أنَّهم مِثْلُ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ لا يَجِدُونَ مِنَ المَوْتِ والعَذابِ مَفَرًّا. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ تَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أيْ: عَقْلٌ. قالَ الفَرّاءُ: وهَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، تَقُولُ: ما لَكَ قَلْبٌ وما قَلْبُكَ مَعَكَ: أيْ: ما لَكَ عَقْلٌ وما عَقْلُكَ مَعَكَ، وقِيلَ: المُرادُ القَلْبُ نَفْسُهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ سَلِيمًا أدْرَكَ الحَقائِقَ وتَفَكَّرَ كَما يَنْبَغِي. وقِيلَ: لِمَن كانَ لَهُ حَياةٌ ونَفْسٌ مُمَيِّزَةٌ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَلْبِ لِأنَّهُ وطَنُها ومَعْدِنُ حَياتِها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي ∗∗∗ وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي النَّفْسَ تَفْعَلِ ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ أيِ اسْتَمَعَ ما يُقالُ لَهُ، يُقالُ: ألْقِ سَمْعَكَ إلَيَّ: أيِ اسْتَمِعْ مِنِّي، والمَعْنى: أنَّهُ ألْقى السَّمْعَ إلى ما يُتْلى عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ الحاكِي لِما جَرى عَلى تِلْكَ الأُمَمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ألْقى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، والسُّدِّيُّ، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ السَّمْعِ، ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرُ الفَهْمِ أوْ حاضِرُ القَلْبِ لِأنَّ مَن لا يَفْهَمُ في حُكْمِ الغائِبِ وإنْ حَضَرَ بِجِسْمِهِ فَهو لَمْ يَحْضُرْ بِفَهْمِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ وقَلْبُهُ حاضِرٌ فِيما يَسْمَعُ. قالَ سُفْيانُ: أيْ لا يَكُونُ حاضِرًا وقَلْبُهُ غائِبٌ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو صالِحٍ: إنَّها في أهْلِ القُرْآنِ خاصَّةً. ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ اللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ، تَقُولُ: لَغَبَ يَلْغُبُ بِالضَّمِّ لُغُوبًا. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ، أوَّلُها الأحَدُ وآخِرُها الجُمُعَةُ، واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ. فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمَرَ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: أيْ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، ولا تَحْزَنْ لِقَوْلِهِمْ وتَلَقَّ ما يَرِدُ عَلَيْكَ مِنهُ بِالصَّبْرِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ أيْ نَزِّهِ اللَّهَ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ العالِي مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ وقْتَ الفَجْرِ ووَقْتَ العَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقِيلَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وقِيلَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ: سَبِّحْهُ بَعْضَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: هي صَلاةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: رَكْعَتا الفَجْرِ، وقِيلَ: صَلاةُ العِشاءِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ أيْ وسَبِّحْهُ أعْقابَ الصَّلَواتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أدْبارَ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعَ دُبُرٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِها عَلى المَصْدَرِ، مِن أدْبَرَ الشَّيْءُ إدْبارًا: إذا ولّى. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إدْبارُ السُّجُودِ الرَّكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ السَّبْعَةُ في ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ كَما سَيَأْتِي. ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أيِ اسْتَمِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ: يَوْمَ يُنادِي المُنادِي، وهو إسْرافِيلُ، أوْ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: اسْتَمِعِ النِّداءَ أوِ الصَّوْتَ أوِ الصَّيْحَةَ، وهي صَيْحَةُ القِيامَةِ: أعْنِي النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ في الصُّورِ مِن إسْرافِيلَ، وقِيلَ: إسْرافِيلُ يَنْفُخُ، وجِبْرِيلُ يُنادِي أهْلَ المَحْشَرِ، ويَقُولُ: هَلُمُّوا لِلْحِسابِ، فالنِّداءُ عَلى هَذا في المَحْشَرِ. قالَ مُقاتِلٌ: هو إسْرافِيلُ يُنادِي بِالحَشْرِ، فَيَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا لِلْحِسابِ ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ بِحَيْثُ يَصِلُ النِّداءُ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ أهْلِ المَحْشَرِ. قالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّهُ يُنادِي مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. قالَ الكَلْبِيُّ: وهي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ كَعْبٌ: بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ﴾ هو (p-١٤٠٣)بَدَلٌ مِن ( يَوْمَ يُنادِي ): يَعْنِي صَيْحَةَ البَعْثِ، و( بِالحَقِّ ) مُتَعَلِّقٌ بِالصَّيْحَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ أيْ: يَوْمُ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ. قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْنى ( بِالحَقِّ ) بِالبَعْثِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّها كائِنَةٌ حَقًّا. ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُحْيِي في الآخِرَةِ ونُمِيتُ في الدُّنْيا لا يُشارِكُنا في ذَلِكَ مُشارِكٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ ﴿وإلَيْنا المَصِيرُ﴾ فَنُجازِي كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإدْغامِ التّاءِ في الشِّينِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( تَتَشَقَّقُ ) بِإثْباتِ التّاءَيْنِ عَلى الأصْلِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وانْتِصابُ ( سِراعًا ) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( عَنْهم )، والعامِلُ في الحالِ ( تَشَقَّقُ )، وقِيلَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلُ في ( يَوْمَ ): أيْ: مُسْرِعِينَ إلى المُنادِي الَّذِي ناداهم ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ﴾ أيْ: بَعْثٌ وجَمْعٌ ﴿عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ هَيِّنٌ. ثُمَّ عَزّى اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي مِن تَكْذِيبِكَ فِيما جِئْتَ بِهِ ومِن إنْكارِ البَعْثِ والتَّوْحِيدِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ أيْ بِمُسَلَّطٍ يُجْبِرُهم ويَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ، والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ أيْ: مَن يَخافُ وعِيدِي لِعُصاتِي بِالعَذابِ، وأمّا مَن عَداهم فَلا تَشْتَغِلْ بِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالقِتالِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ قالَ: مِن نَصَبٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صَلاةِ الصُّبْحِ ﴿وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ صَلاةِ العَصْرِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ رَكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ إدْبارَ النُّجُومِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ إدْبارَ السُّجُودِ» . وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ إدْبارِ النُّجُومِ وإدْبارِ السُّجُودِ، فَقالَ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الغَداةِ» . وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في الصَّلاةِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَ في أدْبارِ الصَّلَواتِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾ قالَ: هي الصَّيْحَةُ. وأخْرَجَ الواسِطِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ قالَ: مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ قالَ: يَوْمُ يَخْرُجُونَ إلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ خَوَّفْتَنا، فَنَزَلَتْ: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾» .

ق 50:40

خَوَّفَ سُبْحانَهُ أهْلَ مَكَّةَ بِما اتَّفَقَ لِلْقُرُونِ الماضِيَةِ قَبْلَهم أيْ: قَبْلَ قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِن قَرْنٍ أيْ: مِن أُمَّةٍ ﴿هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: قُوَّةً كَعادٍ، وثَمُودَ، وغَيْرِهِما ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ أيْ سارُوا وتَقَلَّبُوا فِيها وطافُوا بِقاعِها. وأصْلُهُ مِنَ النَّقْبِ، وهو الطَّرِيقُ. قالَ مُجاهِدٌ: ضَرَبُوا وطافُوا. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: دَوَّرُوا. وقالَ المُؤَرِّجُ: تَباعَدُوا. والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ ومِثْلُهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎نَقَّبُوا في البِلادِ مِن حَذَرِ المَوْ ∗∗∗ تِ وجالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عَمْرٍو، في رِوايَةٍ ( نَقَبُوا ) بِفَتْحِ القافِ مُخَفَّفَةً، والنَّقْبُ هو الخَرْقُ، والطَّرِيقُ في الجَبَلِ، وكَذا المَنقَبُ والمَنقَبَةُ، كَذا قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، وجَمْعُ النَّقْبِ نُقُوبٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ بِكَسْرِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ: أيْ طُوفُوا فِيها وسِيرُوا في جَوانِبِها. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الماضِي ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: هَلْ لَهم مِن مَهْرَبٍ يَهْرُبُونَ إلَيْهِ، أوْ مَخْلَصٍ يَتَخَلَّصُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ. قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَرَوْا مَحِيصًا مِنَ المَوْتِ، والمَحِيصُ مَصْدَرُ حاصَ عَنْهُ يَحِيصُ حَيْصًا وحُيُوصًا ومَحِيصًا ومَحاصًا وحَيَصانًا: أيْ: عَدَلَ وحادَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم، وفي هَذا إنْذارٌ لِأهْلِ مَكَّةَ أنَّهم مِثْلُ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ لا يَجِدُونَ مِنَ المَوْتِ والعَذابِ مَفَرًّا. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ تَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أيْ: عَقْلٌ. قالَ الفَرّاءُ: وهَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، تَقُولُ: ما لَكَ قَلْبٌ وما قَلْبُكَ مَعَكَ: أيْ: ما لَكَ عَقْلٌ وما عَقْلُكَ مَعَكَ، وقِيلَ: المُرادُ القَلْبُ نَفْسُهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ سَلِيمًا أدْرَكَ الحَقائِقَ وتَفَكَّرَ كَما يَنْبَغِي. وقِيلَ: لِمَن كانَ لَهُ حَياةٌ ونَفْسٌ مُمَيِّزَةٌ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَلْبِ لِأنَّهُ وطَنُها ومَعْدِنُ حَياتِها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي ∗∗∗ وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي النَّفْسَ تَفْعَلِ ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ أيِ اسْتَمَعَ ما يُقالُ لَهُ، يُقالُ: ألْقِ سَمْعَكَ إلَيَّ: أيِ اسْتَمِعْ مِنِّي، والمَعْنى: أنَّهُ ألْقى السَّمْعَ إلى ما يُتْلى عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ الحاكِي لِما جَرى عَلى تِلْكَ الأُمَمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ألْقى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، والسُّدِّيُّ، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ السَّمْعِ، ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرُ الفَهْمِ أوْ حاضِرُ القَلْبِ لِأنَّ مَن لا يَفْهَمُ في حُكْمِ الغائِبِ وإنْ حَضَرَ بِجِسْمِهِ فَهو لَمْ يَحْضُرْ بِفَهْمِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ وقَلْبُهُ حاضِرٌ فِيما يَسْمَعُ. قالَ سُفْيانُ: أيْ لا يَكُونُ حاضِرًا وقَلْبُهُ غائِبٌ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو صالِحٍ: إنَّها في أهْلِ القُرْآنِ خاصَّةً. ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ اللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ، تَقُولُ: لَغَبَ يَلْغُبُ بِالضَّمِّ لُغُوبًا. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ، أوَّلُها الأحَدُ وآخِرُها الجُمُعَةُ، واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ. فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمَرَ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: أيْ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، ولا تَحْزَنْ لِقَوْلِهِمْ وتَلَقَّ ما يَرِدُ عَلَيْكَ مِنهُ بِالصَّبْرِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ أيْ نَزِّهِ اللَّهَ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ العالِي مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ وقْتَ الفَجْرِ ووَقْتَ العَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقِيلَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وقِيلَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ: سَبِّحْهُ بَعْضَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: هي صَلاةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: رَكْعَتا الفَجْرِ، وقِيلَ: صَلاةُ العِشاءِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ أيْ وسَبِّحْهُ أعْقابَ الصَّلَواتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أدْبارَ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعَ دُبُرٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِها عَلى المَصْدَرِ، مِن أدْبَرَ الشَّيْءُ إدْبارًا: إذا ولّى. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إدْبارُ السُّجُودِ الرَّكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ السَّبْعَةُ في ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ كَما سَيَأْتِي. ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أيِ اسْتَمِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ: يَوْمَ يُنادِي المُنادِي، وهو إسْرافِيلُ، أوْ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: اسْتَمِعِ النِّداءَ أوِ الصَّوْتَ أوِ الصَّيْحَةَ، وهي صَيْحَةُ القِيامَةِ: أعْنِي النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ في الصُّورِ مِن إسْرافِيلَ، وقِيلَ: إسْرافِيلُ يَنْفُخُ، وجِبْرِيلُ يُنادِي أهْلَ المَحْشَرِ، ويَقُولُ: هَلُمُّوا لِلْحِسابِ، فالنِّداءُ عَلى هَذا في المَحْشَرِ. قالَ مُقاتِلٌ: هو إسْرافِيلُ يُنادِي بِالحَشْرِ، فَيَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا لِلْحِسابِ ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ بِحَيْثُ يَصِلُ النِّداءُ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ أهْلِ المَحْشَرِ. قالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّهُ يُنادِي مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. قالَ الكَلْبِيُّ: وهي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ كَعْبٌ: بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ﴾ هو (p-١٤٠٣)بَدَلٌ مِن ( يَوْمَ يُنادِي ): يَعْنِي صَيْحَةَ البَعْثِ، و( بِالحَقِّ ) مُتَعَلِّقٌ بِالصَّيْحَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ أيْ: يَوْمُ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ. قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْنى ( بِالحَقِّ ) بِالبَعْثِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّها كائِنَةٌ حَقًّا. ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُحْيِي في الآخِرَةِ ونُمِيتُ في الدُّنْيا لا يُشارِكُنا في ذَلِكَ مُشارِكٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ ﴿وإلَيْنا المَصِيرُ﴾ فَنُجازِي كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإدْغامِ التّاءِ في الشِّينِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( تَتَشَقَّقُ ) بِإثْباتِ التّاءَيْنِ عَلى الأصْلِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وانْتِصابُ ( سِراعًا ) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( عَنْهم )، والعامِلُ في الحالِ ( تَشَقَّقُ )، وقِيلَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلُ في ( يَوْمَ ): أيْ: مُسْرِعِينَ إلى المُنادِي الَّذِي ناداهم ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ﴾ أيْ: بَعْثٌ وجَمْعٌ ﴿عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ هَيِّنٌ. ثُمَّ عَزّى اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي مِن تَكْذِيبِكَ فِيما جِئْتَ بِهِ ومِن إنْكارِ البَعْثِ والتَّوْحِيدِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ أيْ بِمُسَلَّطٍ يُجْبِرُهم ويَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ، والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ أيْ: مَن يَخافُ وعِيدِي لِعُصاتِي بِالعَذابِ، وأمّا مَن عَداهم فَلا تَشْتَغِلْ بِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالقِتالِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ قالَ: مِن نَصَبٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صَلاةِ الصُّبْحِ ﴿وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ صَلاةِ العَصْرِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ رَكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ إدْبارَ النُّجُومِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ إدْبارَ السُّجُودِ» . وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ إدْبارِ النُّجُومِ وإدْبارِ السُّجُودِ، فَقالَ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الغَداةِ» . وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في الصَّلاةِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَ في أدْبارِ الصَّلَواتِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾ قالَ: هي الصَّيْحَةُ. وأخْرَجَ الواسِطِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ قالَ: مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ قالَ: يَوْمُ يَخْرُجُونَ إلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ خَوَّفْتَنا، فَنَزَلَتْ: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾» .

ق 50:41

خَوَّفَ سُبْحانَهُ أهْلَ مَكَّةَ بِما اتَّفَقَ لِلْقُرُونِ الماضِيَةِ قَبْلَهم أيْ: قَبْلَ قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِن قَرْنٍ أيْ: مِن أُمَّةٍ ﴿هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: قُوَّةً كَعادٍ، وثَمُودَ، وغَيْرِهِما ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ أيْ سارُوا وتَقَلَّبُوا فِيها وطافُوا بِقاعِها. وأصْلُهُ مِنَ النَّقْبِ، وهو الطَّرِيقُ. قالَ مُجاهِدٌ: ضَرَبُوا وطافُوا. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: دَوَّرُوا. وقالَ المُؤَرِّجُ: تَباعَدُوا. والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ ومِثْلُهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎نَقَّبُوا في البِلادِ مِن حَذَرِ المَوْ ∗∗∗ تِ وجالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عَمْرٍو، في رِوايَةٍ ( نَقَبُوا ) بِفَتْحِ القافِ مُخَفَّفَةً، والنَّقْبُ هو الخَرْقُ، والطَّرِيقُ في الجَبَلِ، وكَذا المَنقَبُ والمَنقَبَةُ، كَذا قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، وجَمْعُ النَّقْبِ نُقُوبٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ بِكَسْرِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ: أيْ طُوفُوا فِيها وسِيرُوا في جَوانِبِها. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الماضِي ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: هَلْ لَهم مِن مَهْرَبٍ يَهْرُبُونَ إلَيْهِ، أوْ مَخْلَصٍ يَتَخَلَّصُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ. قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَرَوْا مَحِيصًا مِنَ المَوْتِ، والمَحِيصُ مَصْدَرُ حاصَ عَنْهُ يَحِيصُ حَيْصًا وحُيُوصًا ومَحِيصًا ومَحاصًا وحَيَصانًا: أيْ: عَدَلَ وحادَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم، وفي هَذا إنْذارٌ لِأهْلِ مَكَّةَ أنَّهم مِثْلُ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ لا يَجِدُونَ مِنَ المَوْتِ والعَذابِ مَفَرًّا. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ تَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أيْ: عَقْلٌ. قالَ الفَرّاءُ: وهَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، تَقُولُ: ما لَكَ قَلْبٌ وما قَلْبُكَ مَعَكَ: أيْ: ما لَكَ عَقْلٌ وما عَقْلُكَ مَعَكَ، وقِيلَ: المُرادُ القَلْبُ نَفْسُهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ سَلِيمًا أدْرَكَ الحَقائِقَ وتَفَكَّرَ كَما يَنْبَغِي. وقِيلَ: لِمَن كانَ لَهُ حَياةٌ ونَفْسٌ مُمَيِّزَةٌ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَلْبِ لِأنَّهُ وطَنُها ومَعْدِنُ حَياتِها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي ∗∗∗ وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي النَّفْسَ تَفْعَلِ ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ أيِ اسْتَمَعَ ما يُقالُ لَهُ، يُقالُ: ألْقِ سَمْعَكَ إلَيَّ: أيِ اسْتَمِعْ مِنِّي، والمَعْنى: أنَّهُ ألْقى السَّمْعَ إلى ما يُتْلى عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ الحاكِي لِما جَرى عَلى تِلْكَ الأُمَمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ألْقى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، والسُّدِّيُّ، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ السَّمْعِ، ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرُ الفَهْمِ أوْ حاضِرُ القَلْبِ لِأنَّ مَن لا يَفْهَمُ في حُكْمِ الغائِبِ وإنْ حَضَرَ بِجِسْمِهِ فَهو لَمْ يَحْضُرْ بِفَهْمِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ وقَلْبُهُ حاضِرٌ فِيما يَسْمَعُ. قالَ سُفْيانُ: أيْ لا يَكُونُ حاضِرًا وقَلْبُهُ غائِبٌ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو صالِحٍ: إنَّها في أهْلِ القُرْآنِ خاصَّةً. ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ اللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ، تَقُولُ: لَغَبَ يَلْغُبُ بِالضَّمِّ لُغُوبًا. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ، أوَّلُها الأحَدُ وآخِرُها الجُمُعَةُ، واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ. فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمَرَ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: أيْ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، ولا تَحْزَنْ لِقَوْلِهِمْ وتَلَقَّ ما يَرِدُ عَلَيْكَ مِنهُ بِالصَّبْرِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ أيْ نَزِّهِ اللَّهَ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ العالِي مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ وقْتَ الفَجْرِ ووَقْتَ العَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقِيلَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وقِيلَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ: سَبِّحْهُ بَعْضَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: هي صَلاةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: رَكْعَتا الفَجْرِ، وقِيلَ: صَلاةُ العِشاءِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ أيْ وسَبِّحْهُ أعْقابَ الصَّلَواتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أدْبارَ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعَ دُبُرٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِها عَلى المَصْدَرِ، مِن أدْبَرَ الشَّيْءُ إدْبارًا: إذا ولّى. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إدْبارُ السُّجُودِ الرَّكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ السَّبْعَةُ في ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ كَما سَيَأْتِي. ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أيِ اسْتَمِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ: يَوْمَ يُنادِي المُنادِي، وهو إسْرافِيلُ، أوْ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: اسْتَمِعِ النِّداءَ أوِ الصَّوْتَ أوِ الصَّيْحَةَ، وهي صَيْحَةُ القِيامَةِ: أعْنِي النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ في الصُّورِ مِن إسْرافِيلَ، وقِيلَ: إسْرافِيلُ يَنْفُخُ، وجِبْرِيلُ يُنادِي أهْلَ المَحْشَرِ، ويَقُولُ: هَلُمُّوا لِلْحِسابِ، فالنِّداءُ عَلى هَذا في المَحْشَرِ. قالَ مُقاتِلٌ: هو إسْرافِيلُ يُنادِي بِالحَشْرِ، فَيَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا لِلْحِسابِ ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ بِحَيْثُ يَصِلُ النِّداءُ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ أهْلِ المَحْشَرِ. قالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّهُ يُنادِي مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. قالَ الكَلْبِيُّ: وهي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ كَعْبٌ: بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ﴾ هو (p-١٤٠٣)بَدَلٌ مِن ( يَوْمَ يُنادِي ): يَعْنِي صَيْحَةَ البَعْثِ، و( بِالحَقِّ ) مُتَعَلِّقٌ بِالصَّيْحَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ أيْ: يَوْمُ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ. قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْنى ( بِالحَقِّ ) بِالبَعْثِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّها كائِنَةٌ حَقًّا. ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُحْيِي في الآخِرَةِ ونُمِيتُ في الدُّنْيا لا يُشارِكُنا في ذَلِكَ مُشارِكٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ ﴿وإلَيْنا المَصِيرُ﴾ فَنُجازِي كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإدْغامِ التّاءِ في الشِّينِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( تَتَشَقَّقُ ) بِإثْباتِ التّاءَيْنِ عَلى الأصْلِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وانْتِصابُ ( سِراعًا ) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( عَنْهم )، والعامِلُ في الحالِ ( تَشَقَّقُ )، وقِيلَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلُ في ( يَوْمَ ): أيْ: مُسْرِعِينَ إلى المُنادِي الَّذِي ناداهم ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ﴾ أيْ: بَعْثٌ وجَمْعٌ ﴿عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ هَيِّنٌ. ثُمَّ عَزّى اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي مِن تَكْذِيبِكَ فِيما جِئْتَ بِهِ ومِن إنْكارِ البَعْثِ والتَّوْحِيدِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ أيْ بِمُسَلَّطٍ يُجْبِرُهم ويَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ، والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ أيْ: مَن يَخافُ وعِيدِي لِعُصاتِي بِالعَذابِ، وأمّا مَن عَداهم فَلا تَشْتَغِلْ بِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالقِتالِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ قالَ: مِن نَصَبٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صَلاةِ الصُّبْحِ ﴿وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ صَلاةِ العَصْرِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ رَكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ إدْبارَ النُّجُومِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ إدْبارَ السُّجُودِ» . وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ إدْبارِ النُّجُومِ وإدْبارِ السُّجُودِ، فَقالَ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الغَداةِ» . وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في الصَّلاةِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَ في أدْبارِ الصَّلَواتِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾ قالَ: هي الصَّيْحَةُ. وأخْرَجَ الواسِطِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ قالَ: مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ قالَ: يَوْمُ يَخْرُجُونَ إلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ خَوَّفْتَنا، فَنَزَلَتْ: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾» .

ق 50:42

خَوَّفَ سُبْحانَهُ أهْلَ مَكَّةَ بِما اتَّفَقَ لِلْقُرُونِ الماضِيَةِ قَبْلَهم أيْ: قَبْلَ قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِن قَرْنٍ أيْ: مِن أُمَّةٍ ﴿هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: قُوَّةً كَعادٍ، وثَمُودَ، وغَيْرِهِما ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ أيْ سارُوا وتَقَلَّبُوا فِيها وطافُوا بِقاعِها. وأصْلُهُ مِنَ النَّقْبِ، وهو الطَّرِيقُ. قالَ مُجاهِدٌ: ضَرَبُوا وطافُوا. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: دَوَّرُوا. وقالَ المُؤَرِّجُ: تَباعَدُوا. والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ ومِثْلُهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎نَقَّبُوا في البِلادِ مِن حَذَرِ المَوْ ∗∗∗ تِ وجالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عَمْرٍو، في رِوايَةٍ ( نَقَبُوا ) بِفَتْحِ القافِ مُخَفَّفَةً، والنَّقْبُ هو الخَرْقُ، والطَّرِيقُ في الجَبَلِ، وكَذا المَنقَبُ والمَنقَبَةُ، كَذا قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، وجَمْعُ النَّقْبِ نُقُوبٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ بِكَسْرِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ: أيْ طُوفُوا فِيها وسِيرُوا في جَوانِبِها. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الماضِي ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: هَلْ لَهم مِن مَهْرَبٍ يَهْرُبُونَ إلَيْهِ، أوْ مَخْلَصٍ يَتَخَلَّصُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ. قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَرَوْا مَحِيصًا مِنَ المَوْتِ، والمَحِيصُ مَصْدَرُ حاصَ عَنْهُ يَحِيصُ حَيْصًا وحُيُوصًا ومَحِيصًا ومَحاصًا وحَيَصانًا: أيْ: عَدَلَ وحادَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم، وفي هَذا إنْذارٌ لِأهْلِ مَكَّةَ أنَّهم مِثْلُ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ لا يَجِدُونَ مِنَ المَوْتِ والعَذابِ مَفَرًّا. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ تَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أيْ: عَقْلٌ. قالَ الفَرّاءُ: وهَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، تَقُولُ: ما لَكَ قَلْبٌ وما قَلْبُكَ مَعَكَ: أيْ: ما لَكَ عَقْلٌ وما عَقْلُكَ مَعَكَ، وقِيلَ: المُرادُ القَلْبُ نَفْسُهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ سَلِيمًا أدْرَكَ الحَقائِقَ وتَفَكَّرَ كَما يَنْبَغِي. وقِيلَ: لِمَن كانَ لَهُ حَياةٌ ونَفْسٌ مُمَيِّزَةٌ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَلْبِ لِأنَّهُ وطَنُها ومَعْدِنُ حَياتِها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي ∗∗∗ وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي النَّفْسَ تَفْعَلِ ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ أيِ اسْتَمَعَ ما يُقالُ لَهُ، يُقالُ: ألْقِ سَمْعَكَ إلَيَّ: أيِ اسْتَمِعْ مِنِّي، والمَعْنى: أنَّهُ ألْقى السَّمْعَ إلى ما يُتْلى عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ الحاكِي لِما جَرى عَلى تِلْكَ الأُمَمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ألْقى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، والسُّدِّيُّ، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ السَّمْعِ، ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرُ الفَهْمِ أوْ حاضِرُ القَلْبِ لِأنَّ مَن لا يَفْهَمُ في حُكْمِ الغائِبِ وإنْ حَضَرَ بِجِسْمِهِ فَهو لَمْ يَحْضُرْ بِفَهْمِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ وقَلْبُهُ حاضِرٌ فِيما يَسْمَعُ. قالَ سُفْيانُ: أيْ لا يَكُونُ حاضِرًا وقَلْبُهُ غائِبٌ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو صالِحٍ: إنَّها في أهْلِ القُرْآنِ خاصَّةً. ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ اللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ، تَقُولُ: لَغَبَ يَلْغُبُ بِالضَّمِّ لُغُوبًا. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ، أوَّلُها الأحَدُ وآخِرُها الجُمُعَةُ، واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ. فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمَرَ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: أيْ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، ولا تَحْزَنْ لِقَوْلِهِمْ وتَلَقَّ ما يَرِدُ عَلَيْكَ مِنهُ بِالصَّبْرِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ أيْ نَزِّهِ اللَّهَ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ العالِي مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ وقْتَ الفَجْرِ ووَقْتَ العَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقِيلَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وقِيلَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ: سَبِّحْهُ بَعْضَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: هي صَلاةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: رَكْعَتا الفَجْرِ، وقِيلَ: صَلاةُ العِشاءِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ أيْ وسَبِّحْهُ أعْقابَ الصَّلَواتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أدْبارَ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعَ دُبُرٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِها عَلى المَصْدَرِ، مِن أدْبَرَ الشَّيْءُ إدْبارًا: إذا ولّى. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إدْبارُ السُّجُودِ الرَّكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ السَّبْعَةُ في ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ كَما سَيَأْتِي. ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أيِ اسْتَمِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ: يَوْمَ يُنادِي المُنادِي، وهو إسْرافِيلُ، أوْ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: اسْتَمِعِ النِّداءَ أوِ الصَّوْتَ أوِ الصَّيْحَةَ، وهي صَيْحَةُ القِيامَةِ: أعْنِي النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ في الصُّورِ مِن إسْرافِيلَ، وقِيلَ: إسْرافِيلُ يَنْفُخُ، وجِبْرِيلُ يُنادِي أهْلَ المَحْشَرِ، ويَقُولُ: هَلُمُّوا لِلْحِسابِ، فالنِّداءُ عَلى هَذا في المَحْشَرِ. قالَ مُقاتِلٌ: هو إسْرافِيلُ يُنادِي بِالحَشْرِ، فَيَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا لِلْحِسابِ ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ بِحَيْثُ يَصِلُ النِّداءُ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ أهْلِ المَحْشَرِ. قالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّهُ يُنادِي مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. قالَ الكَلْبِيُّ: وهي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ كَعْبٌ: بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ﴾ هو (p-١٤٠٣)بَدَلٌ مِن ( يَوْمَ يُنادِي ): يَعْنِي صَيْحَةَ البَعْثِ، و( بِالحَقِّ ) مُتَعَلِّقٌ بِالصَّيْحَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ أيْ: يَوْمُ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ. قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْنى ( بِالحَقِّ ) بِالبَعْثِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّها كائِنَةٌ حَقًّا. ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُحْيِي في الآخِرَةِ ونُمِيتُ في الدُّنْيا لا يُشارِكُنا في ذَلِكَ مُشارِكٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ ﴿وإلَيْنا المَصِيرُ﴾ فَنُجازِي كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإدْغامِ التّاءِ في الشِّينِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( تَتَشَقَّقُ ) بِإثْباتِ التّاءَيْنِ عَلى الأصْلِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وانْتِصابُ ( سِراعًا ) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( عَنْهم )، والعامِلُ في الحالِ ( تَشَقَّقُ )، وقِيلَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلُ في ( يَوْمَ ): أيْ: مُسْرِعِينَ إلى المُنادِي الَّذِي ناداهم ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ﴾ أيْ: بَعْثٌ وجَمْعٌ ﴿عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ هَيِّنٌ. ثُمَّ عَزّى اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي مِن تَكْذِيبِكَ فِيما جِئْتَ بِهِ ومِن إنْكارِ البَعْثِ والتَّوْحِيدِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ أيْ بِمُسَلَّطٍ يُجْبِرُهم ويَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ، والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ أيْ: مَن يَخافُ وعِيدِي لِعُصاتِي بِالعَذابِ، وأمّا مَن عَداهم فَلا تَشْتَغِلْ بِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالقِتالِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ قالَ: مِن نَصَبٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صَلاةِ الصُّبْحِ ﴿وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ صَلاةِ العَصْرِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ رَكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ إدْبارَ النُّجُومِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ إدْبارَ السُّجُودِ» . وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ إدْبارِ النُّجُومِ وإدْبارِ السُّجُودِ، فَقالَ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الغَداةِ» . وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في الصَّلاةِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَ في أدْبارِ الصَّلَواتِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾ قالَ: هي الصَّيْحَةُ. وأخْرَجَ الواسِطِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ قالَ: مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ قالَ: يَوْمُ يَخْرُجُونَ إلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ خَوَّفْتَنا، فَنَزَلَتْ: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾» .

ق 50:43

خَوَّفَ سُبْحانَهُ أهْلَ مَكَّةَ بِما اتَّفَقَ لِلْقُرُونِ الماضِيَةِ قَبْلَهم أيْ: قَبْلَ قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِن قَرْنٍ أيْ: مِن أُمَّةٍ ﴿هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: قُوَّةً كَعادٍ، وثَمُودَ، وغَيْرِهِما ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ أيْ سارُوا وتَقَلَّبُوا فِيها وطافُوا بِقاعِها. وأصْلُهُ مِنَ النَّقْبِ، وهو الطَّرِيقُ. قالَ مُجاهِدٌ: ضَرَبُوا وطافُوا. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: دَوَّرُوا. وقالَ المُؤَرِّجُ: تَباعَدُوا. والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ ومِثْلُهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎نَقَّبُوا في البِلادِ مِن حَذَرِ المَوْ ∗∗∗ تِ وجالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عَمْرٍو، في رِوايَةٍ ( نَقَبُوا ) بِفَتْحِ القافِ مُخَفَّفَةً، والنَّقْبُ هو الخَرْقُ، والطَّرِيقُ في الجَبَلِ، وكَذا المَنقَبُ والمَنقَبَةُ، كَذا قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، وجَمْعُ النَّقْبِ نُقُوبٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ بِكَسْرِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ: أيْ طُوفُوا فِيها وسِيرُوا في جَوانِبِها. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الماضِي ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: هَلْ لَهم مِن مَهْرَبٍ يَهْرُبُونَ إلَيْهِ، أوْ مَخْلَصٍ يَتَخَلَّصُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ. قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَرَوْا مَحِيصًا مِنَ المَوْتِ، والمَحِيصُ مَصْدَرُ حاصَ عَنْهُ يَحِيصُ حَيْصًا وحُيُوصًا ومَحِيصًا ومَحاصًا وحَيَصانًا: أيْ: عَدَلَ وحادَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم، وفي هَذا إنْذارٌ لِأهْلِ مَكَّةَ أنَّهم مِثْلُ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ لا يَجِدُونَ مِنَ المَوْتِ والعَذابِ مَفَرًّا. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ تَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أيْ: عَقْلٌ. قالَ الفَرّاءُ: وهَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، تَقُولُ: ما لَكَ قَلْبٌ وما قَلْبُكَ مَعَكَ: أيْ: ما لَكَ عَقْلٌ وما عَقْلُكَ مَعَكَ، وقِيلَ: المُرادُ القَلْبُ نَفْسُهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ سَلِيمًا أدْرَكَ الحَقائِقَ وتَفَكَّرَ كَما يَنْبَغِي. وقِيلَ: لِمَن كانَ لَهُ حَياةٌ ونَفْسٌ مُمَيِّزَةٌ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَلْبِ لِأنَّهُ وطَنُها ومَعْدِنُ حَياتِها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي ∗∗∗ وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي النَّفْسَ تَفْعَلِ ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ أيِ اسْتَمَعَ ما يُقالُ لَهُ، يُقالُ: ألْقِ سَمْعَكَ إلَيَّ: أيِ اسْتَمِعْ مِنِّي، والمَعْنى: أنَّهُ ألْقى السَّمْعَ إلى ما يُتْلى عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ الحاكِي لِما جَرى عَلى تِلْكَ الأُمَمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ألْقى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، والسُّدِّيُّ، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ السَّمْعِ، ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرُ الفَهْمِ أوْ حاضِرُ القَلْبِ لِأنَّ مَن لا يَفْهَمُ في حُكْمِ الغائِبِ وإنْ حَضَرَ بِجِسْمِهِ فَهو لَمْ يَحْضُرْ بِفَهْمِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ وقَلْبُهُ حاضِرٌ فِيما يَسْمَعُ. قالَ سُفْيانُ: أيْ لا يَكُونُ حاضِرًا وقَلْبُهُ غائِبٌ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو صالِحٍ: إنَّها في أهْلِ القُرْآنِ خاصَّةً. ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ اللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ، تَقُولُ: لَغَبَ يَلْغُبُ بِالضَّمِّ لُغُوبًا. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ، أوَّلُها الأحَدُ وآخِرُها الجُمُعَةُ، واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ. فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمَرَ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: أيْ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، ولا تَحْزَنْ لِقَوْلِهِمْ وتَلَقَّ ما يَرِدُ عَلَيْكَ مِنهُ بِالصَّبْرِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ أيْ نَزِّهِ اللَّهَ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ العالِي مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ وقْتَ الفَجْرِ ووَقْتَ العَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقِيلَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وقِيلَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ: سَبِّحْهُ بَعْضَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: هي صَلاةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: رَكْعَتا الفَجْرِ، وقِيلَ: صَلاةُ العِشاءِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ أيْ وسَبِّحْهُ أعْقابَ الصَّلَواتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أدْبارَ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعَ دُبُرٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِها عَلى المَصْدَرِ، مِن أدْبَرَ الشَّيْءُ إدْبارًا: إذا ولّى. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إدْبارُ السُّجُودِ الرَّكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ السَّبْعَةُ في ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ كَما سَيَأْتِي. ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أيِ اسْتَمِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ: يَوْمَ يُنادِي المُنادِي، وهو إسْرافِيلُ، أوْ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: اسْتَمِعِ النِّداءَ أوِ الصَّوْتَ أوِ الصَّيْحَةَ، وهي صَيْحَةُ القِيامَةِ: أعْنِي النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ في الصُّورِ مِن إسْرافِيلَ، وقِيلَ: إسْرافِيلُ يَنْفُخُ، وجِبْرِيلُ يُنادِي أهْلَ المَحْشَرِ، ويَقُولُ: هَلُمُّوا لِلْحِسابِ، فالنِّداءُ عَلى هَذا في المَحْشَرِ. قالَ مُقاتِلٌ: هو إسْرافِيلُ يُنادِي بِالحَشْرِ، فَيَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا لِلْحِسابِ ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ بِحَيْثُ يَصِلُ النِّداءُ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ أهْلِ المَحْشَرِ. قالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّهُ يُنادِي مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. قالَ الكَلْبِيُّ: وهي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ كَعْبٌ: بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ﴾ هو (p-١٤٠٣)بَدَلٌ مِن ( يَوْمَ يُنادِي ): يَعْنِي صَيْحَةَ البَعْثِ، و( بِالحَقِّ ) مُتَعَلِّقٌ بِالصَّيْحَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ أيْ: يَوْمُ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ. قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْنى ( بِالحَقِّ ) بِالبَعْثِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّها كائِنَةٌ حَقًّا. ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُحْيِي في الآخِرَةِ ونُمِيتُ في الدُّنْيا لا يُشارِكُنا في ذَلِكَ مُشارِكٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ ﴿وإلَيْنا المَصِيرُ﴾ فَنُجازِي كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإدْغامِ التّاءِ في الشِّينِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( تَتَشَقَّقُ ) بِإثْباتِ التّاءَيْنِ عَلى الأصْلِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وانْتِصابُ ( سِراعًا ) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( عَنْهم )، والعامِلُ في الحالِ ( تَشَقَّقُ )، وقِيلَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلُ في ( يَوْمَ ): أيْ: مُسْرِعِينَ إلى المُنادِي الَّذِي ناداهم ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ﴾ أيْ: بَعْثٌ وجَمْعٌ ﴿عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ هَيِّنٌ. ثُمَّ عَزّى اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي مِن تَكْذِيبِكَ فِيما جِئْتَ بِهِ ومِن إنْكارِ البَعْثِ والتَّوْحِيدِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ أيْ بِمُسَلَّطٍ يُجْبِرُهم ويَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ، والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ أيْ: مَن يَخافُ وعِيدِي لِعُصاتِي بِالعَذابِ، وأمّا مَن عَداهم فَلا تَشْتَغِلْ بِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالقِتالِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ قالَ: مِن نَصَبٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صَلاةِ الصُّبْحِ ﴿وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ صَلاةِ العَصْرِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ رَكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ إدْبارَ النُّجُومِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ إدْبارَ السُّجُودِ» . وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ إدْبارِ النُّجُومِ وإدْبارِ السُّجُودِ، فَقالَ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الغَداةِ» . وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في الصَّلاةِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَ في أدْبارِ الصَّلَواتِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾ قالَ: هي الصَّيْحَةُ. وأخْرَجَ الواسِطِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ قالَ: مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ قالَ: يَوْمُ يَخْرُجُونَ إلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ خَوَّفْتَنا، فَنَزَلَتْ: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾» .

ق 50:44

خَوَّفَ سُبْحانَهُ أهْلَ مَكَّةَ بِما اتَّفَقَ لِلْقُرُونِ الماضِيَةِ قَبْلَهم أيْ: قَبْلَ قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم مِن قَرْنٍ أيْ: مِن أُمَّةٍ ﴿هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: قُوَّةً كَعادٍ، وثَمُودَ، وغَيْرِهِما ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ أيْ سارُوا وتَقَلَّبُوا فِيها وطافُوا بِقاعِها. وأصْلُهُ مِنَ النَّقْبِ، وهو الطَّرِيقُ. قالَ مُجاهِدٌ: ضَرَبُوا وطافُوا. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: دَوَّرُوا. وقالَ المُؤَرِّجُ: تَباعَدُوا. والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ ومِثْلُهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎نَقَّبُوا في البِلادِ مِن حَذَرِ المَوْ ∗∗∗ تِ وجالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عَمْرٍو، في رِوايَةٍ ( نَقَبُوا ) بِفَتْحِ القافِ مُخَفَّفَةً، والنَّقْبُ هو الخَرْقُ، والطَّرِيقُ في الجَبَلِ، وكَذا المَنقَبُ والمَنقَبَةُ، كَذا قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، وجَمْعُ النَّقْبِ نُقُوبٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ بِكَسْرِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ: أيْ طُوفُوا فِيها وسِيرُوا في جَوانِبِها. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ القافِ مُشَدَّدَةً عَلى الماضِي ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: هَلْ لَهم مِن مَهْرَبٍ يَهْرُبُونَ إلَيْهِ، أوْ مَخْلَصٍ يَتَخَلَّصُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ. قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَرَوْا مَحِيصًا مِنَ المَوْتِ، والمَحِيصُ مَصْدَرُ حاصَ عَنْهُ يَحِيصُ حَيْصًا وحُيُوصًا ومَحِيصًا ومَحاصًا وحَيَصانًا: أيْ: عَدَلَ وحادَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم، وفي هَذا إنْذارٌ لِأهْلِ مَكَّةَ أنَّهم مِثْلُ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ لا يَجِدُونَ مِنَ المَوْتِ والعَذابِ مَفَرًّا. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ تَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أيْ: عَقْلٌ. قالَ الفَرّاءُ: وهَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، تَقُولُ: ما لَكَ قَلْبٌ وما قَلْبُكَ مَعَكَ: أيْ: ما لَكَ عَقْلٌ وما عَقْلُكَ مَعَكَ، وقِيلَ: المُرادُ القَلْبُ نَفْسُهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ سَلِيمًا أدْرَكَ الحَقائِقَ وتَفَكَّرَ كَما يَنْبَغِي. وقِيلَ: لِمَن كانَ لَهُ حَياةٌ ونَفْسٌ مُمَيِّزَةٌ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَلْبِ لِأنَّهُ وطَنُها ومَعْدِنُ حَياتِها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي ∗∗∗ وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي النَّفْسَ تَفْعَلِ ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ أيِ اسْتَمَعَ ما يُقالُ لَهُ، يُقالُ: ألْقِ سَمْعَكَ إلَيَّ: أيِ اسْتَمِعْ مِنِّي، والمَعْنى: أنَّهُ ألْقى السَّمْعَ إلى ما يُتْلى عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ الحاكِي لِما جَرى عَلى تِلْكَ الأُمَمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ألْقى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، والسُّدِّيُّ، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ السَّمْعِ، ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرُ الفَهْمِ أوْ حاضِرُ القَلْبِ لِأنَّ مَن لا يَفْهَمُ في حُكْمِ الغائِبِ وإنْ حَضَرَ بِجِسْمِهِ فَهو لَمْ يَحْضُرْ بِفَهْمِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ وقَلْبُهُ حاضِرٌ فِيما يَسْمَعُ. قالَ سُفْيانُ: أيْ لا يَكُونُ حاضِرًا وقَلْبُهُ غائِبٌ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو صالِحٍ: إنَّها في أهْلِ القُرْآنِ خاصَّةً. ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ اللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ، تَقُولُ: لَغَبَ يَلْغُبُ بِالضَّمِّ لُغُوبًا. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ، أوَّلُها الأحَدُ وآخِرُها الجُمُعَةُ، واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ. فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمَرَ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: أيْ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، ولا تَحْزَنْ لِقَوْلِهِمْ وتَلَقَّ ما يَرِدُ عَلَيْكَ مِنهُ بِالصَّبْرِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ أيْ نَزِّهِ اللَّهَ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ العالِي مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ وقْتَ الفَجْرِ ووَقْتَ العَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقِيلَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وقِيلَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ: سَبِّحْهُ بَعْضَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: هي صَلاةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: رَكْعَتا الفَجْرِ، وقِيلَ: صَلاةُ العِشاءِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ أيْ وسَبِّحْهُ أعْقابَ الصَّلَواتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( أدْبارَ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعَ دُبُرٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِها عَلى المَصْدَرِ، مِن أدْبَرَ الشَّيْءُ إدْبارًا: إذا ولّى. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إدْبارُ السُّجُودِ الرَّكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ السَّبْعَةُ في ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ كَما سَيَأْتِي. ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أيِ اسْتَمِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ: يَوْمَ يُنادِي المُنادِي، وهو إسْرافِيلُ، أوْ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: اسْتَمِعِ النِّداءَ أوِ الصَّوْتَ أوِ الصَّيْحَةَ، وهي صَيْحَةُ القِيامَةِ: أعْنِي النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ في الصُّورِ مِن إسْرافِيلَ، وقِيلَ: إسْرافِيلُ يَنْفُخُ، وجِبْرِيلُ يُنادِي أهْلَ المَحْشَرِ، ويَقُولُ: هَلُمُّوا لِلْحِسابِ، فالنِّداءُ عَلى هَذا في المَحْشَرِ. قالَ مُقاتِلٌ: هو إسْرافِيلُ يُنادِي بِالحَشْرِ، فَيَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا لِلْحِسابِ ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ بِحَيْثُ يَصِلُ النِّداءُ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ أهْلِ المَحْشَرِ. قالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّهُ يُنادِي مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. قالَ الكَلْبِيُّ: وهي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ كَعْبٌ: بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ﴾ هو (p-١٤٠٣)بَدَلٌ مِن ( يَوْمَ يُنادِي ): يَعْنِي صَيْحَةَ البَعْثِ، و( بِالحَقِّ ) مُتَعَلِّقٌ بِالصَّيْحَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ أيْ: يَوْمُ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ. قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْنى ( بِالحَقِّ ) بِالبَعْثِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّها كائِنَةٌ حَقًّا. ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُحْيِي في الآخِرَةِ ونُمِيتُ في الدُّنْيا لا يُشارِكُنا في ذَلِكَ مُشارِكٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ ﴿وإلَيْنا المَصِيرُ﴾ فَنُجازِي كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ. ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإدْغامِ التّاءِ في الشِّينِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ( تَتَشَقَّقُ ) بِإثْباتِ التّاءَيْنِ عَلى الأصْلِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وانْتِصابُ ( سِراعًا ) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( عَنْهم )، والعامِلُ في الحالِ ( تَشَقَّقُ )، وقِيلَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلُ في ( يَوْمَ ): أيْ: مُسْرِعِينَ إلى المُنادِي الَّذِي ناداهم ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ﴾ أيْ: بَعْثٌ وجَمْعٌ ﴿عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ هَيِّنٌ. ثُمَّ عَزّى اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي مِن تَكْذِيبِكَ فِيما جِئْتَ بِهِ ومِن إنْكارِ البَعْثِ والتَّوْحِيدِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ أيْ بِمُسَلَّطٍ يُجْبِرُهم ويَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ، والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ أيْ: مَن يَخافُ وعِيدِي لِعُصاتِي بِالعَذابِ، وأمّا مَن عَداهم فَلا تَشْتَغِلْ بِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالقِتالِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ قالَ: مِن نَصَبٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صَلاةِ الصُّبْحِ ﴿وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ صَلاةِ العَصْرِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ رَكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ إدْبارَ النُّجُومِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ إدْبارَ السُّجُودِ» . وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ إدْبارِ النُّجُومِ وإدْبارِ السُّجُودِ، فَقالَ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ الغَداةِ» . وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في الصَّلاةِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: إدْبارُ السُّجُودِ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإدْبارُ النُّجُومِ رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَهُ أنْ يُسَبِّحَ في أدْبارِ الصَّلَواتِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾ قالَ: هي الصَّيْحَةُ. وأخْرَجَ الواسِطِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ قالَ: مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ قالَ: يَوْمُ يَخْرُجُونَ إلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ خَوَّفْتَنا، فَنَزَلَتْ: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾» .