Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — القيامة 75:29 – الإنسان 76:15

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. القيامة 75:29
  2. القيامة 75:30
  3. القيامة 75:31
  4. القيامة 75:32
  5. القيامة 75:33
  6. القيامة 75:34
  7. القيامة 75:35
  8. القيامة 75:36
  9. القيامة 75:37
  10. القيامة 75:38
  11. القيامة 75:39
  12. القيامة 75:40
  13. الإنسان 76:1
  14. الإنسان 76:2
  15. الإنسان 76:3
  16. الإنسان 76:4
  17. الإنسان 76:5
  18. الإنسان 76:6
  19. الإنسان 76:7
  20. الإنسان 76:8
  21. الإنسان 76:9
  22. الإنسان 76:10
  23. الإنسان 76:11
  24. الإنسان 76:12
  25. الإنسان 76:13
  26. الإنسان 76:14
  27. الإنسان 76:15

القيامة 75:29

قَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ: أيْ بَعِيدٌ أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ بَلَغَتِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ التَّراقِيَ، وهي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهي عَظْمٌ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ والعاتِقِ، ويُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِي عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] وقِيلَ مَعْنى كَلّا حَقًّا: أيْ حَقًّا أنَّ المَساقَ إلى اللَّهِ إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ، والمَقْصُودُ تَذْكِيرُهم شِدَّةَ الحالِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ كَرِيهَةٍ دافَعْتُ عَنْها وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِيَ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبُها: مَن يَرْقِيهِ ويَشْتَفِي بَرُقْيَتِهِ ؟ . قالَ قَتادَةُ: التَمَسُوا لَهُ الأطِبّاءَ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وبِهِ قالَ أبُو قِلابَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ لِلْفَتى مِن بَناتِ المَوْتِ مِن واقِي ∗∗∗ أمْ هَلْ لَهُ مِن حِمامِ المَوْتِ مِن راقِي وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: هو مِن رَقى يَرْقى إذا صَعِدَ، والمَعْنى: (p-١٥٦١)مَن يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ؟ وقِيلَ إنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مَلَكُ المَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ نَفْسَ الكافِرِ تَكْرَهُ المَلائِكَةُ قُرْبَها. ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ أيْ وأيْقَنَ الَّذِي بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّراقِي أنَّهُ الفِراقُ مِنَ الدُّنْيا ومِنَ الأهْلِ والمالِ والوَلَدِ. ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى تَتابَعَتْ عَلَيْهِ الشَّدائِدُ. وقالَ الحَسَنُ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَفَّتْ ساقُ الكَفَنِ بِساقِ المَيِّتِ، وقِيلَ ماتَتْ رِجْلاهُ ويَبِسَتْ ساقاهُ ولَمْ تَحْمِلاهُ، وقَدْ كانَ جَوّالًا عَلَيْهِما. وقالَ الضَّحّاكُ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أمْرانِ شَدِيدانِ: النّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، والمَلائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ. وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ. والعَرَبُ لا تَذْكُرُ السّاقَ إلّا في الشَّدائِدِ الكِبارِ، والمِحَنِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. وقِيلَ: السّاقُ الأوَّلُ تَعْذِيبُ رُوحِهِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، والسّاقُ الآخِرُ شِدَّةُ البَعْثِ وما بَعْدَهُ. ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ أيْ إلى خالِقِكَ يَوْمَ القِيامَةِ المَرْجِعُ، وذَلِكَ جَمْعُ العِبادِ إلى اللَّهِ يُساقُونَ إلَيْهِ. ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ بِالرِّسالَةِ ولا بِالقُرْآنِ، ولا صَلّى لِرَبِّهِ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. قالَ قَتادَةُ: فَلا صَدَّقَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا صَلّى لِلَّهِ، وقِيلَ فَلا آمَنَ بِقَلْبِهِ ولا عَمِلَ بِبَدَنِهِ. قالَ الكِسائِيُّ لا بِمَعْنى لَمْ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ: والعَرَبُ تَقُولُ: لا ذَهَبَ أيْ لَمْ يَذْهَبْ، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ: ؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ إلّا ألَمّا . ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أيْ كَذَّبَ بِالرَّسُولِ وبِما جاءَ بِهِ، وتَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أيْ يَتَبَخْتَرُ ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ افْتِخارًا بِذَلِكَ. وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِنَ المَطِيِّ وهو الظَّهْرُ، والمَعْنى يَلْوِي مَطاهُ. وقِيلَ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، وهو التَّمَدُّدُ والتَّثاقُلُ: أيْ يَتَثاقَلُ ويَتَكاسَلُ عَنِ الدّاعِي إلى الحَقِّ. ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيْ ولِيَكَ الوَيْلَ، وأصْلُهُ أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ، واللّامُ مَزِيدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ تَكَرَّرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا، وإنِّي لَأعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقِيلَ مَعْناهُ: الوَيْلُ لَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُو ∗∗∗ مِ فَأوْلى لِنَفْسِي أوْلى لَها وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الوَيْلُ، قِيلَ هو مِنَ المَقْلُوبِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوَيْلٌ لَكَ، ثُمَّ أخَّرَ الحَرْفَ المُعْتَلَّ. قِيلَ ومَعْنى التَّكْرِيرِ لِهَذا اللَّفْظِ أرْبَعَ مَرّاتٍ؛ والوَيْلُ لَكَ حَيًّا، والوَيْلُ لَكَ مَيْتًا، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ البَعْثِ، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تَدْخُلُ النّارَ. وقِيلَ المَعْنى: إنَّ الذَّمَّ لَكَ أوْلى لَكَ مِن تَرْكِهِ. وقِيلَ المَعْنى: أنْتَ أوْلى وأجْدَرُ بِهَذا العَذابِ قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: أوْلى في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ مُقارَبَةُ الهَلاكِ. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ ولِيتُ الهَلاكَ وقَدْ دانَيْتَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو القُرْبُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎فَأوْلى أنْ يَكُونَ لَكَ الوَلاءُ أيْ قارِبَ أنْ يَكُونَ لَكَ، وأنْشَدَ أيْضًا: ؎أوْلى لِمَن هاجَتْ لَهُ أنْ يُكَمَّدا ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُحاسَبُ ولا يُعاقَبُ، وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ المُهْمَلُ، ومِنهُ إبِلٌ سُدًى: أيْ تَرْعى بِلا راعٍ، وقِيلَ المَعْنى: أيَحْسَبُ أنْ يُتْرَكَ في قَبْرِهِ كَذَلِكَ أبَدًا لا يُبْعَثُ. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ: أيْ ألَمْ يَكُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَطْرَةً مِن مَنِيٍّ يُراقُ في الرَّحِمِ، وسْمِي المَنِيُّ مَنِيًّا لِإراقَتِهِ، والنُّطْفَةُ: الماءُ القَلِيلُ، يُقالُ نَطَفَ الماءُ: إذا قَطَرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَكُ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الإنْسانِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ إلَيْهِ تَوْبِيخًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " تُمْنى " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنُّطْفَةِ. وقَرَأ حَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَنِيِّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ.﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ كانَ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً: أيْ دَمًا. فَخَلَقَ أيْ فَقَدَّرَ بِأنْ جَعَلَها مُضْغَةً مُخَلَّقَةً. فَسَوّى أيْ فَعَدَّلَهُ وكَمَّلَ نَشْأتَهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. فَجَعَلَ مِنهُ أيْ حَصَّلَ مِنَ الإنْسانِ، وقِيلَ مِنَ المَنِيِّ الزَّوْجَيْنِ أيِ الصِّنْفَيْنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ أيِ الرَّجُلُ والمَرْأةُ. ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ وقَدَرَ عَلَيْهِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ أيْ يُعِيدُ الأجْسامَ بِالبَعْثِ كَما كانَتْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ، وأيْسَرُ مُؤْنَةً مِنهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِقادِرٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " يَقْدِرُ " فِعْلًا مُضارِعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ يُحْيِيَ بِنَصْبِهِ بِأنْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، أوْ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما مَرَّ في مَواضِعَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قالَ: تَنْتَزِعُ نَفْسُهُ حَتّى إذا كانَتْ في تَراقِيهِ، قِيلَ مَن يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ أوْ مَلائِكَةَ العَذابِ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ قالَ: التَفَّتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ ومَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ أيُّهم يَرْقى بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قُلْ مَن راقٍ يَرْقِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ يَقُولُ: آخِرُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وأوَّلُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، فَتَلْقى الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَتَمَطّى قالَ: يَخْتالُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أشَيْءٌ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي جَهْلٍ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، أمْ أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ؟ قالَ: بَلْ قالَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ (p-١٥٦٢)وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ قالَ: هَمَلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ صالِحِ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبَلى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحانَكَ رَبِّي وبَلى» وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ «عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ مِنكم ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ فانْتَهى إلى آخِرِها ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ. ومَن قَرَأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فانْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَلْيَقُلْ بَلى، ومَن قَرَأ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَبَلَغَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ آمَنّا بِاللَّهِ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا قَرَأْتَ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَبَلَغْتَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَقُلْ بَلى» .

القيامة 75:30

قَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ: أيْ بَعِيدٌ أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ بَلَغَتِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ التَّراقِيَ، وهي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهي عَظْمٌ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ والعاتِقِ، ويُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِي عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] وقِيلَ مَعْنى كَلّا حَقًّا: أيْ حَقًّا أنَّ المَساقَ إلى اللَّهِ إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ، والمَقْصُودُ تَذْكِيرُهم شِدَّةَ الحالِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ كَرِيهَةٍ دافَعْتُ عَنْها وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِيَ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبُها: مَن يَرْقِيهِ ويَشْتَفِي بَرُقْيَتِهِ ؟ . قالَ قَتادَةُ: التَمَسُوا لَهُ الأطِبّاءَ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وبِهِ قالَ أبُو قِلابَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ لِلْفَتى مِن بَناتِ المَوْتِ مِن واقِي ∗∗∗ أمْ هَلْ لَهُ مِن حِمامِ المَوْتِ مِن راقِي وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: هو مِن رَقى يَرْقى إذا صَعِدَ، والمَعْنى: (p-١٥٦١)مَن يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ؟ وقِيلَ إنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مَلَكُ المَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ نَفْسَ الكافِرِ تَكْرَهُ المَلائِكَةُ قُرْبَها. ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ أيْ وأيْقَنَ الَّذِي بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّراقِي أنَّهُ الفِراقُ مِنَ الدُّنْيا ومِنَ الأهْلِ والمالِ والوَلَدِ. ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى تَتابَعَتْ عَلَيْهِ الشَّدائِدُ. وقالَ الحَسَنُ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَفَّتْ ساقُ الكَفَنِ بِساقِ المَيِّتِ، وقِيلَ ماتَتْ رِجْلاهُ ويَبِسَتْ ساقاهُ ولَمْ تَحْمِلاهُ، وقَدْ كانَ جَوّالًا عَلَيْهِما. وقالَ الضَّحّاكُ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أمْرانِ شَدِيدانِ: النّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، والمَلائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ. وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ. والعَرَبُ لا تَذْكُرُ السّاقَ إلّا في الشَّدائِدِ الكِبارِ، والمِحَنِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. وقِيلَ: السّاقُ الأوَّلُ تَعْذِيبُ رُوحِهِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، والسّاقُ الآخِرُ شِدَّةُ البَعْثِ وما بَعْدَهُ. ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ أيْ إلى خالِقِكَ يَوْمَ القِيامَةِ المَرْجِعُ، وذَلِكَ جَمْعُ العِبادِ إلى اللَّهِ يُساقُونَ إلَيْهِ. ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ بِالرِّسالَةِ ولا بِالقُرْآنِ، ولا صَلّى لِرَبِّهِ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. قالَ قَتادَةُ: فَلا صَدَّقَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا صَلّى لِلَّهِ، وقِيلَ فَلا آمَنَ بِقَلْبِهِ ولا عَمِلَ بِبَدَنِهِ. قالَ الكِسائِيُّ لا بِمَعْنى لَمْ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ: والعَرَبُ تَقُولُ: لا ذَهَبَ أيْ لَمْ يَذْهَبْ، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ: ؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ إلّا ألَمّا . ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أيْ كَذَّبَ بِالرَّسُولِ وبِما جاءَ بِهِ، وتَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أيْ يَتَبَخْتَرُ ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ افْتِخارًا بِذَلِكَ. وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِنَ المَطِيِّ وهو الظَّهْرُ، والمَعْنى يَلْوِي مَطاهُ. وقِيلَ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، وهو التَّمَدُّدُ والتَّثاقُلُ: أيْ يَتَثاقَلُ ويَتَكاسَلُ عَنِ الدّاعِي إلى الحَقِّ. ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيْ ولِيَكَ الوَيْلَ، وأصْلُهُ أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ، واللّامُ مَزِيدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ تَكَرَّرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا، وإنِّي لَأعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقِيلَ مَعْناهُ: الوَيْلُ لَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُو ∗∗∗ مِ فَأوْلى لِنَفْسِي أوْلى لَها وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الوَيْلُ، قِيلَ هو مِنَ المَقْلُوبِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوَيْلٌ لَكَ، ثُمَّ أخَّرَ الحَرْفَ المُعْتَلَّ. قِيلَ ومَعْنى التَّكْرِيرِ لِهَذا اللَّفْظِ أرْبَعَ مَرّاتٍ؛ والوَيْلُ لَكَ حَيًّا، والوَيْلُ لَكَ مَيْتًا، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ البَعْثِ، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تَدْخُلُ النّارَ. وقِيلَ المَعْنى: إنَّ الذَّمَّ لَكَ أوْلى لَكَ مِن تَرْكِهِ. وقِيلَ المَعْنى: أنْتَ أوْلى وأجْدَرُ بِهَذا العَذابِ قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: أوْلى في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ مُقارَبَةُ الهَلاكِ. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ ولِيتُ الهَلاكَ وقَدْ دانَيْتَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو القُرْبُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎فَأوْلى أنْ يَكُونَ لَكَ الوَلاءُ أيْ قارِبَ أنْ يَكُونَ لَكَ، وأنْشَدَ أيْضًا: ؎أوْلى لِمَن هاجَتْ لَهُ أنْ يُكَمَّدا ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُحاسَبُ ولا يُعاقَبُ، وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ المُهْمَلُ، ومِنهُ إبِلٌ سُدًى: أيْ تَرْعى بِلا راعٍ، وقِيلَ المَعْنى: أيَحْسَبُ أنْ يُتْرَكَ في قَبْرِهِ كَذَلِكَ أبَدًا لا يُبْعَثُ. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ: أيْ ألَمْ يَكُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَطْرَةً مِن مَنِيٍّ يُراقُ في الرَّحِمِ، وسْمِي المَنِيُّ مَنِيًّا لِإراقَتِهِ، والنُّطْفَةُ: الماءُ القَلِيلُ، يُقالُ نَطَفَ الماءُ: إذا قَطَرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَكُ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الإنْسانِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ إلَيْهِ تَوْبِيخًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " تُمْنى " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنُّطْفَةِ. وقَرَأ حَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَنِيِّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ.﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ كانَ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً: أيْ دَمًا. فَخَلَقَ أيْ فَقَدَّرَ بِأنْ جَعَلَها مُضْغَةً مُخَلَّقَةً. فَسَوّى أيْ فَعَدَّلَهُ وكَمَّلَ نَشْأتَهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. فَجَعَلَ مِنهُ أيْ حَصَّلَ مِنَ الإنْسانِ، وقِيلَ مِنَ المَنِيِّ الزَّوْجَيْنِ أيِ الصِّنْفَيْنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ أيِ الرَّجُلُ والمَرْأةُ. ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ وقَدَرَ عَلَيْهِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ أيْ يُعِيدُ الأجْسامَ بِالبَعْثِ كَما كانَتْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ، وأيْسَرُ مُؤْنَةً مِنهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِقادِرٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " يَقْدِرُ " فِعْلًا مُضارِعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ يُحْيِيَ بِنَصْبِهِ بِأنْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، أوْ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما مَرَّ في مَواضِعَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قالَ: تَنْتَزِعُ نَفْسُهُ حَتّى إذا كانَتْ في تَراقِيهِ، قِيلَ مَن يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ أوْ مَلائِكَةَ العَذابِ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ قالَ: التَفَّتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ ومَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ أيُّهم يَرْقى بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قُلْ مَن راقٍ يَرْقِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ يَقُولُ: آخِرُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وأوَّلُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، فَتَلْقى الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَتَمَطّى قالَ: يَخْتالُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أشَيْءٌ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي جَهْلٍ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، أمْ أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ؟ قالَ: بَلْ قالَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ (p-١٥٦٢)وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ قالَ: هَمَلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ صالِحِ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبَلى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحانَكَ رَبِّي وبَلى» وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ «عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ مِنكم ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ فانْتَهى إلى آخِرِها ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ. ومَن قَرَأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فانْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَلْيَقُلْ بَلى، ومَن قَرَأ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَبَلَغَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ آمَنّا بِاللَّهِ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا قَرَأْتَ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَبَلَغْتَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَقُلْ بَلى» .

القيامة 75:31

قَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ: أيْ بَعِيدٌ أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ بَلَغَتِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ التَّراقِيَ، وهي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهي عَظْمٌ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ والعاتِقِ، ويُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِي عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] وقِيلَ مَعْنى كَلّا حَقًّا: أيْ حَقًّا أنَّ المَساقَ إلى اللَّهِ إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ، والمَقْصُودُ تَذْكِيرُهم شِدَّةَ الحالِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ كَرِيهَةٍ دافَعْتُ عَنْها وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِيَ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبُها: مَن يَرْقِيهِ ويَشْتَفِي بَرُقْيَتِهِ ؟ . قالَ قَتادَةُ: التَمَسُوا لَهُ الأطِبّاءَ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وبِهِ قالَ أبُو قِلابَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ لِلْفَتى مِن بَناتِ المَوْتِ مِن واقِي ∗∗∗ أمْ هَلْ لَهُ مِن حِمامِ المَوْتِ مِن راقِي وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: هو مِن رَقى يَرْقى إذا صَعِدَ، والمَعْنى: (p-١٥٦١)مَن يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ؟ وقِيلَ إنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مَلَكُ المَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ نَفْسَ الكافِرِ تَكْرَهُ المَلائِكَةُ قُرْبَها. ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ أيْ وأيْقَنَ الَّذِي بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّراقِي أنَّهُ الفِراقُ مِنَ الدُّنْيا ومِنَ الأهْلِ والمالِ والوَلَدِ. ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى تَتابَعَتْ عَلَيْهِ الشَّدائِدُ. وقالَ الحَسَنُ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَفَّتْ ساقُ الكَفَنِ بِساقِ المَيِّتِ، وقِيلَ ماتَتْ رِجْلاهُ ويَبِسَتْ ساقاهُ ولَمْ تَحْمِلاهُ، وقَدْ كانَ جَوّالًا عَلَيْهِما. وقالَ الضَّحّاكُ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أمْرانِ شَدِيدانِ: النّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، والمَلائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ. وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ. والعَرَبُ لا تَذْكُرُ السّاقَ إلّا في الشَّدائِدِ الكِبارِ، والمِحَنِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. وقِيلَ: السّاقُ الأوَّلُ تَعْذِيبُ رُوحِهِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، والسّاقُ الآخِرُ شِدَّةُ البَعْثِ وما بَعْدَهُ. ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ أيْ إلى خالِقِكَ يَوْمَ القِيامَةِ المَرْجِعُ، وذَلِكَ جَمْعُ العِبادِ إلى اللَّهِ يُساقُونَ إلَيْهِ. ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ بِالرِّسالَةِ ولا بِالقُرْآنِ، ولا صَلّى لِرَبِّهِ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. قالَ قَتادَةُ: فَلا صَدَّقَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا صَلّى لِلَّهِ، وقِيلَ فَلا آمَنَ بِقَلْبِهِ ولا عَمِلَ بِبَدَنِهِ. قالَ الكِسائِيُّ لا بِمَعْنى لَمْ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ: والعَرَبُ تَقُولُ: لا ذَهَبَ أيْ لَمْ يَذْهَبْ، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ: ؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ إلّا ألَمّا . ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أيْ كَذَّبَ بِالرَّسُولِ وبِما جاءَ بِهِ، وتَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أيْ يَتَبَخْتَرُ ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ افْتِخارًا بِذَلِكَ. وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِنَ المَطِيِّ وهو الظَّهْرُ، والمَعْنى يَلْوِي مَطاهُ. وقِيلَ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، وهو التَّمَدُّدُ والتَّثاقُلُ: أيْ يَتَثاقَلُ ويَتَكاسَلُ عَنِ الدّاعِي إلى الحَقِّ. ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيْ ولِيَكَ الوَيْلَ، وأصْلُهُ أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ، واللّامُ مَزِيدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ تَكَرَّرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا، وإنِّي لَأعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقِيلَ مَعْناهُ: الوَيْلُ لَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُو ∗∗∗ مِ فَأوْلى لِنَفْسِي أوْلى لَها وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الوَيْلُ، قِيلَ هو مِنَ المَقْلُوبِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوَيْلٌ لَكَ، ثُمَّ أخَّرَ الحَرْفَ المُعْتَلَّ. قِيلَ ومَعْنى التَّكْرِيرِ لِهَذا اللَّفْظِ أرْبَعَ مَرّاتٍ؛ والوَيْلُ لَكَ حَيًّا، والوَيْلُ لَكَ مَيْتًا، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ البَعْثِ، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تَدْخُلُ النّارَ. وقِيلَ المَعْنى: إنَّ الذَّمَّ لَكَ أوْلى لَكَ مِن تَرْكِهِ. وقِيلَ المَعْنى: أنْتَ أوْلى وأجْدَرُ بِهَذا العَذابِ قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: أوْلى في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ مُقارَبَةُ الهَلاكِ. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ ولِيتُ الهَلاكَ وقَدْ دانَيْتَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو القُرْبُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎فَأوْلى أنْ يَكُونَ لَكَ الوَلاءُ أيْ قارِبَ أنْ يَكُونَ لَكَ، وأنْشَدَ أيْضًا: ؎أوْلى لِمَن هاجَتْ لَهُ أنْ يُكَمَّدا ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُحاسَبُ ولا يُعاقَبُ، وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ المُهْمَلُ، ومِنهُ إبِلٌ سُدًى: أيْ تَرْعى بِلا راعٍ، وقِيلَ المَعْنى: أيَحْسَبُ أنْ يُتْرَكَ في قَبْرِهِ كَذَلِكَ أبَدًا لا يُبْعَثُ. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ: أيْ ألَمْ يَكُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَطْرَةً مِن مَنِيٍّ يُراقُ في الرَّحِمِ، وسْمِي المَنِيُّ مَنِيًّا لِإراقَتِهِ، والنُّطْفَةُ: الماءُ القَلِيلُ، يُقالُ نَطَفَ الماءُ: إذا قَطَرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَكُ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الإنْسانِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ إلَيْهِ تَوْبِيخًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " تُمْنى " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنُّطْفَةِ. وقَرَأ حَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَنِيِّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ.﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ كانَ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً: أيْ دَمًا. فَخَلَقَ أيْ فَقَدَّرَ بِأنْ جَعَلَها مُضْغَةً مُخَلَّقَةً. فَسَوّى أيْ فَعَدَّلَهُ وكَمَّلَ نَشْأتَهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. فَجَعَلَ مِنهُ أيْ حَصَّلَ مِنَ الإنْسانِ، وقِيلَ مِنَ المَنِيِّ الزَّوْجَيْنِ أيِ الصِّنْفَيْنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ أيِ الرَّجُلُ والمَرْأةُ. ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ وقَدَرَ عَلَيْهِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ أيْ يُعِيدُ الأجْسامَ بِالبَعْثِ كَما كانَتْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ، وأيْسَرُ مُؤْنَةً مِنهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِقادِرٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " يَقْدِرُ " فِعْلًا مُضارِعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ يُحْيِيَ بِنَصْبِهِ بِأنْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، أوْ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما مَرَّ في مَواضِعَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قالَ: تَنْتَزِعُ نَفْسُهُ حَتّى إذا كانَتْ في تَراقِيهِ، قِيلَ مَن يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ أوْ مَلائِكَةَ العَذابِ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ قالَ: التَفَّتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ ومَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ أيُّهم يَرْقى بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قُلْ مَن راقٍ يَرْقِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ يَقُولُ: آخِرُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وأوَّلُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، فَتَلْقى الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَتَمَطّى قالَ: يَخْتالُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أشَيْءٌ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي جَهْلٍ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، أمْ أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ؟ قالَ: بَلْ قالَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ (p-١٥٦٢)وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ قالَ: هَمَلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ صالِحِ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبَلى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحانَكَ رَبِّي وبَلى» وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ «عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ مِنكم ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ فانْتَهى إلى آخِرِها ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ. ومَن قَرَأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فانْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَلْيَقُلْ بَلى، ومَن قَرَأ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَبَلَغَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ آمَنّا بِاللَّهِ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا قَرَأْتَ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَبَلَغْتَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَقُلْ بَلى» .

القيامة 75:32

قَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ: أيْ بَعِيدٌ أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ بَلَغَتِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ التَّراقِيَ، وهي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهي عَظْمٌ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ والعاتِقِ، ويُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِي عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] وقِيلَ مَعْنى كَلّا حَقًّا: أيْ حَقًّا أنَّ المَساقَ إلى اللَّهِ إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ، والمَقْصُودُ تَذْكِيرُهم شِدَّةَ الحالِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ كَرِيهَةٍ دافَعْتُ عَنْها وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِيَ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبُها: مَن يَرْقِيهِ ويَشْتَفِي بَرُقْيَتِهِ ؟ . قالَ قَتادَةُ: التَمَسُوا لَهُ الأطِبّاءَ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وبِهِ قالَ أبُو قِلابَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ لِلْفَتى مِن بَناتِ المَوْتِ مِن واقِي ∗∗∗ أمْ هَلْ لَهُ مِن حِمامِ المَوْتِ مِن راقِي وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: هو مِن رَقى يَرْقى إذا صَعِدَ، والمَعْنى: (p-١٥٦١)مَن يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ؟ وقِيلَ إنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مَلَكُ المَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ نَفْسَ الكافِرِ تَكْرَهُ المَلائِكَةُ قُرْبَها. ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ أيْ وأيْقَنَ الَّذِي بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّراقِي أنَّهُ الفِراقُ مِنَ الدُّنْيا ومِنَ الأهْلِ والمالِ والوَلَدِ. ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى تَتابَعَتْ عَلَيْهِ الشَّدائِدُ. وقالَ الحَسَنُ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَفَّتْ ساقُ الكَفَنِ بِساقِ المَيِّتِ، وقِيلَ ماتَتْ رِجْلاهُ ويَبِسَتْ ساقاهُ ولَمْ تَحْمِلاهُ، وقَدْ كانَ جَوّالًا عَلَيْهِما. وقالَ الضَّحّاكُ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أمْرانِ شَدِيدانِ: النّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، والمَلائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ. وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ. والعَرَبُ لا تَذْكُرُ السّاقَ إلّا في الشَّدائِدِ الكِبارِ، والمِحَنِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. وقِيلَ: السّاقُ الأوَّلُ تَعْذِيبُ رُوحِهِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، والسّاقُ الآخِرُ شِدَّةُ البَعْثِ وما بَعْدَهُ. ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ أيْ إلى خالِقِكَ يَوْمَ القِيامَةِ المَرْجِعُ، وذَلِكَ جَمْعُ العِبادِ إلى اللَّهِ يُساقُونَ إلَيْهِ. ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ بِالرِّسالَةِ ولا بِالقُرْآنِ، ولا صَلّى لِرَبِّهِ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. قالَ قَتادَةُ: فَلا صَدَّقَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا صَلّى لِلَّهِ، وقِيلَ فَلا آمَنَ بِقَلْبِهِ ولا عَمِلَ بِبَدَنِهِ. قالَ الكِسائِيُّ لا بِمَعْنى لَمْ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ: والعَرَبُ تَقُولُ: لا ذَهَبَ أيْ لَمْ يَذْهَبْ، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ: ؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ إلّا ألَمّا . ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أيْ كَذَّبَ بِالرَّسُولِ وبِما جاءَ بِهِ، وتَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أيْ يَتَبَخْتَرُ ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ افْتِخارًا بِذَلِكَ. وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِنَ المَطِيِّ وهو الظَّهْرُ، والمَعْنى يَلْوِي مَطاهُ. وقِيلَ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، وهو التَّمَدُّدُ والتَّثاقُلُ: أيْ يَتَثاقَلُ ويَتَكاسَلُ عَنِ الدّاعِي إلى الحَقِّ. ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيْ ولِيَكَ الوَيْلَ، وأصْلُهُ أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ، واللّامُ مَزِيدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ تَكَرَّرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا، وإنِّي لَأعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقِيلَ مَعْناهُ: الوَيْلُ لَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُو ∗∗∗ مِ فَأوْلى لِنَفْسِي أوْلى لَها وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الوَيْلُ، قِيلَ هو مِنَ المَقْلُوبِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوَيْلٌ لَكَ، ثُمَّ أخَّرَ الحَرْفَ المُعْتَلَّ. قِيلَ ومَعْنى التَّكْرِيرِ لِهَذا اللَّفْظِ أرْبَعَ مَرّاتٍ؛ والوَيْلُ لَكَ حَيًّا، والوَيْلُ لَكَ مَيْتًا، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ البَعْثِ، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تَدْخُلُ النّارَ. وقِيلَ المَعْنى: إنَّ الذَّمَّ لَكَ أوْلى لَكَ مِن تَرْكِهِ. وقِيلَ المَعْنى: أنْتَ أوْلى وأجْدَرُ بِهَذا العَذابِ قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: أوْلى في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ مُقارَبَةُ الهَلاكِ. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ ولِيتُ الهَلاكَ وقَدْ دانَيْتَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو القُرْبُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎فَأوْلى أنْ يَكُونَ لَكَ الوَلاءُ أيْ قارِبَ أنْ يَكُونَ لَكَ، وأنْشَدَ أيْضًا: ؎أوْلى لِمَن هاجَتْ لَهُ أنْ يُكَمَّدا ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُحاسَبُ ولا يُعاقَبُ، وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ المُهْمَلُ، ومِنهُ إبِلٌ سُدًى: أيْ تَرْعى بِلا راعٍ، وقِيلَ المَعْنى: أيَحْسَبُ أنْ يُتْرَكَ في قَبْرِهِ كَذَلِكَ أبَدًا لا يُبْعَثُ. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ: أيْ ألَمْ يَكُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَطْرَةً مِن مَنِيٍّ يُراقُ في الرَّحِمِ، وسْمِي المَنِيُّ مَنِيًّا لِإراقَتِهِ، والنُّطْفَةُ: الماءُ القَلِيلُ، يُقالُ نَطَفَ الماءُ: إذا قَطَرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَكُ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الإنْسانِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ إلَيْهِ تَوْبِيخًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " تُمْنى " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنُّطْفَةِ. وقَرَأ حَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَنِيِّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ.﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ كانَ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً: أيْ دَمًا. فَخَلَقَ أيْ فَقَدَّرَ بِأنْ جَعَلَها مُضْغَةً مُخَلَّقَةً. فَسَوّى أيْ فَعَدَّلَهُ وكَمَّلَ نَشْأتَهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. فَجَعَلَ مِنهُ أيْ حَصَّلَ مِنَ الإنْسانِ، وقِيلَ مِنَ المَنِيِّ الزَّوْجَيْنِ أيِ الصِّنْفَيْنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ أيِ الرَّجُلُ والمَرْأةُ. ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ وقَدَرَ عَلَيْهِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ أيْ يُعِيدُ الأجْسامَ بِالبَعْثِ كَما كانَتْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ، وأيْسَرُ مُؤْنَةً مِنهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِقادِرٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " يَقْدِرُ " فِعْلًا مُضارِعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ يُحْيِيَ بِنَصْبِهِ بِأنْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، أوْ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما مَرَّ في مَواضِعَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قالَ: تَنْتَزِعُ نَفْسُهُ حَتّى إذا كانَتْ في تَراقِيهِ، قِيلَ مَن يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ أوْ مَلائِكَةَ العَذابِ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ قالَ: التَفَّتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ ومَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ أيُّهم يَرْقى بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قُلْ مَن راقٍ يَرْقِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ يَقُولُ: آخِرُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وأوَّلُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، فَتَلْقى الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَتَمَطّى قالَ: يَخْتالُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أشَيْءٌ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي جَهْلٍ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، أمْ أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ؟ قالَ: بَلْ قالَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ (p-١٥٦٢)وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ قالَ: هَمَلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ صالِحِ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبَلى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحانَكَ رَبِّي وبَلى» وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ «عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ مِنكم ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ فانْتَهى إلى آخِرِها ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ. ومَن قَرَأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فانْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَلْيَقُلْ بَلى، ومَن قَرَأ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَبَلَغَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ آمَنّا بِاللَّهِ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا قَرَأْتَ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَبَلَغْتَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَقُلْ بَلى» .

القيامة 75:33

قَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ: أيْ بَعِيدٌ أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ بَلَغَتِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ التَّراقِيَ، وهي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهي عَظْمٌ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ والعاتِقِ، ويُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِي عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] وقِيلَ مَعْنى كَلّا حَقًّا: أيْ حَقًّا أنَّ المَساقَ إلى اللَّهِ إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ، والمَقْصُودُ تَذْكِيرُهم شِدَّةَ الحالِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ كَرِيهَةٍ دافَعْتُ عَنْها وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِيَ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبُها: مَن يَرْقِيهِ ويَشْتَفِي بَرُقْيَتِهِ ؟ . قالَ قَتادَةُ: التَمَسُوا لَهُ الأطِبّاءَ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وبِهِ قالَ أبُو قِلابَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ لِلْفَتى مِن بَناتِ المَوْتِ مِن واقِي ∗∗∗ أمْ هَلْ لَهُ مِن حِمامِ المَوْتِ مِن راقِي وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: هو مِن رَقى يَرْقى إذا صَعِدَ، والمَعْنى: (p-١٥٦١)مَن يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ؟ وقِيلَ إنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مَلَكُ المَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ نَفْسَ الكافِرِ تَكْرَهُ المَلائِكَةُ قُرْبَها. ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ أيْ وأيْقَنَ الَّذِي بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّراقِي أنَّهُ الفِراقُ مِنَ الدُّنْيا ومِنَ الأهْلِ والمالِ والوَلَدِ. ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى تَتابَعَتْ عَلَيْهِ الشَّدائِدُ. وقالَ الحَسَنُ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَفَّتْ ساقُ الكَفَنِ بِساقِ المَيِّتِ، وقِيلَ ماتَتْ رِجْلاهُ ويَبِسَتْ ساقاهُ ولَمْ تَحْمِلاهُ، وقَدْ كانَ جَوّالًا عَلَيْهِما. وقالَ الضَّحّاكُ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أمْرانِ شَدِيدانِ: النّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، والمَلائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ. وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ. والعَرَبُ لا تَذْكُرُ السّاقَ إلّا في الشَّدائِدِ الكِبارِ، والمِحَنِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. وقِيلَ: السّاقُ الأوَّلُ تَعْذِيبُ رُوحِهِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، والسّاقُ الآخِرُ شِدَّةُ البَعْثِ وما بَعْدَهُ. ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ أيْ إلى خالِقِكَ يَوْمَ القِيامَةِ المَرْجِعُ، وذَلِكَ جَمْعُ العِبادِ إلى اللَّهِ يُساقُونَ إلَيْهِ. ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ بِالرِّسالَةِ ولا بِالقُرْآنِ، ولا صَلّى لِرَبِّهِ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. قالَ قَتادَةُ: فَلا صَدَّقَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا صَلّى لِلَّهِ، وقِيلَ فَلا آمَنَ بِقَلْبِهِ ولا عَمِلَ بِبَدَنِهِ. قالَ الكِسائِيُّ لا بِمَعْنى لَمْ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ: والعَرَبُ تَقُولُ: لا ذَهَبَ أيْ لَمْ يَذْهَبْ، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ: ؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ إلّا ألَمّا . ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أيْ كَذَّبَ بِالرَّسُولِ وبِما جاءَ بِهِ، وتَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أيْ يَتَبَخْتَرُ ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ افْتِخارًا بِذَلِكَ. وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِنَ المَطِيِّ وهو الظَّهْرُ، والمَعْنى يَلْوِي مَطاهُ. وقِيلَ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، وهو التَّمَدُّدُ والتَّثاقُلُ: أيْ يَتَثاقَلُ ويَتَكاسَلُ عَنِ الدّاعِي إلى الحَقِّ. ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيْ ولِيَكَ الوَيْلَ، وأصْلُهُ أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ، واللّامُ مَزِيدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ تَكَرَّرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا، وإنِّي لَأعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقِيلَ مَعْناهُ: الوَيْلُ لَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُو ∗∗∗ مِ فَأوْلى لِنَفْسِي أوْلى لَها وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الوَيْلُ، قِيلَ هو مِنَ المَقْلُوبِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوَيْلٌ لَكَ، ثُمَّ أخَّرَ الحَرْفَ المُعْتَلَّ. قِيلَ ومَعْنى التَّكْرِيرِ لِهَذا اللَّفْظِ أرْبَعَ مَرّاتٍ؛ والوَيْلُ لَكَ حَيًّا، والوَيْلُ لَكَ مَيْتًا، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ البَعْثِ، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تَدْخُلُ النّارَ. وقِيلَ المَعْنى: إنَّ الذَّمَّ لَكَ أوْلى لَكَ مِن تَرْكِهِ. وقِيلَ المَعْنى: أنْتَ أوْلى وأجْدَرُ بِهَذا العَذابِ قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: أوْلى في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ مُقارَبَةُ الهَلاكِ. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ ولِيتُ الهَلاكَ وقَدْ دانَيْتَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو القُرْبُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎فَأوْلى أنْ يَكُونَ لَكَ الوَلاءُ أيْ قارِبَ أنْ يَكُونَ لَكَ، وأنْشَدَ أيْضًا: ؎أوْلى لِمَن هاجَتْ لَهُ أنْ يُكَمَّدا ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُحاسَبُ ولا يُعاقَبُ، وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ المُهْمَلُ، ومِنهُ إبِلٌ سُدًى: أيْ تَرْعى بِلا راعٍ، وقِيلَ المَعْنى: أيَحْسَبُ أنْ يُتْرَكَ في قَبْرِهِ كَذَلِكَ أبَدًا لا يُبْعَثُ. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ: أيْ ألَمْ يَكُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَطْرَةً مِن مَنِيٍّ يُراقُ في الرَّحِمِ، وسْمِي المَنِيُّ مَنِيًّا لِإراقَتِهِ، والنُّطْفَةُ: الماءُ القَلِيلُ، يُقالُ نَطَفَ الماءُ: إذا قَطَرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَكُ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الإنْسانِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ إلَيْهِ تَوْبِيخًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " تُمْنى " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنُّطْفَةِ. وقَرَأ حَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَنِيِّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ.﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ كانَ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً: أيْ دَمًا. فَخَلَقَ أيْ فَقَدَّرَ بِأنْ جَعَلَها مُضْغَةً مُخَلَّقَةً. فَسَوّى أيْ فَعَدَّلَهُ وكَمَّلَ نَشْأتَهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. فَجَعَلَ مِنهُ أيْ حَصَّلَ مِنَ الإنْسانِ، وقِيلَ مِنَ المَنِيِّ الزَّوْجَيْنِ أيِ الصِّنْفَيْنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ أيِ الرَّجُلُ والمَرْأةُ. ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ وقَدَرَ عَلَيْهِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ أيْ يُعِيدُ الأجْسامَ بِالبَعْثِ كَما كانَتْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ، وأيْسَرُ مُؤْنَةً مِنهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِقادِرٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " يَقْدِرُ " فِعْلًا مُضارِعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ يُحْيِيَ بِنَصْبِهِ بِأنْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، أوْ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما مَرَّ في مَواضِعَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قالَ: تَنْتَزِعُ نَفْسُهُ حَتّى إذا كانَتْ في تَراقِيهِ، قِيلَ مَن يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ أوْ مَلائِكَةَ العَذابِ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ قالَ: التَفَّتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ ومَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ أيُّهم يَرْقى بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قُلْ مَن راقٍ يَرْقِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ يَقُولُ: آخِرُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وأوَّلُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، فَتَلْقى الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَتَمَطّى قالَ: يَخْتالُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أشَيْءٌ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي جَهْلٍ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، أمْ أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ؟ قالَ: بَلْ قالَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ (p-١٥٦٢)وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ قالَ: هَمَلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ صالِحِ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبَلى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحانَكَ رَبِّي وبَلى» وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ «عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ مِنكم ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ فانْتَهى إلى آخِرِها ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ. ومَن قَرَأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فانْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَلْيَقُلْ بَلى، ومَن قَرَأ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَبَلَغَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ آمَنّا بِاللَّهِ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا قَرَأْتَ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَبَلَغْتَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَقُلْ بَلى» .

القيامة 75:34

قَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ: أيْ بَعِيدٌ أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ بَلَغَتِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ التَّراقِيَ، وهي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهي عَظْمٌ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ والعاتِقِ، ويُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِي عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] وقِيلَ مَعْنى كَلّا حَقًّا: أيْ حَقًّا أنَّ المَساقَ إلى اللَّهِ إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ، والمَقْصُودُ تَذْكِيرُهم شِدَّةَ الحالِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ كَرِيهَةٍ دافَعْتُ عَنْها وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِيَ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبُها: مَن يَرْقِيهِ ويَشْتَفِي بَرُقْيَتِهِ ؟ . قالَ قَتادَةُ: التَمَسُوا لَهُ الأطِبّاءَ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وبِهِ قالَ أبُو قِلابَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ لِلْفَتى مِن بَناتِ المَوْتِ مِن واقِي ∗∗∗ أمْ هَلْ لَهُ مِن حِمامِ المَوْتِ مِن راقِي وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: هو مِن رَقى يَرْقى إذا صَعِدَ، والمَعْنى: (p-١٥٦١)مَن يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ؟ وقِيلَ إنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مَلَكُ المَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ نَفْسَ الكافِرِ تَكْرَهُ المَلائِكَةُ قُرْبَها. ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ أيْ وأيْقَنَ الَّذِي بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّراقِي أنَّهُ الفِراقُ مِنَ الدُّنْيا ومِنَ الأهْلِ والمالِ والوَلَدِ. ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى تَتابَعَتْ عَلَيْهِ الشَّدائِدُ. وقالَ الحَسَنُ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَفَّتْ ساقُ الكَفَنِ بِساقِ المَيِّتِ، وقِيلَ ماتَتْ رِجْلاهُ ويَبِسَتْ ساقاهُ ولَمْ تَحْمِلاهُ، وقَدْ كانَ جَوّالًا عَلَيْهِما. وقالَ الضَّحّاكُ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أمْرانِ شَدِيدانِ: النّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، والمَلائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ. وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ. والعَرَبُ لا تَذْكُرُ السّاقَ إلّا في الشَّدائِدِ الكِبارِ، والمِحَنِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. وقِيلَ: السّاقُ الأوَّلُ تَعْذِيبُ رُوحِهِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، والسّاقُ الآخِرُ شِدَّةُ البَعْثِ وما بَعْدَهُ. ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ أيْ إلى خالِقِكَ يَوْمَ القِيامَةِ المَرْجِعُ، وذَلِكَ جَمْعُ العِبادِ إلى اللَّهِ يُساقُونَ إلَيْهِ. ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ بِالرِّسالَةِ ولا بِالقُرْآنِ، ولا صَلّى لِرَبِّهِ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. قالَ قَتادَةُ: فَلا صَدَّقَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا صَلّى لِلَّهِ، وقِيلَ فَلا آمَنَ بِقَلْبِهِ ولا عَمِلَ بِبَدَنِهِ. قالَ الكِسائِيُّ لا بِمَعْنى لَمْ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ: والعَرَبُ تَقُولُ: لا ذَهَبَ أيْ لَمْ يَذْهَبْ، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ: ؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ إلّا ألَمّا . ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أيْ كَذَّبَ بِالرَّسُولِ وبِما جاءَ بِهِ، وتَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أيْ يَتَبَخْتَرُ ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ افْتِخارًا بِذَلِكَ. وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِنَ المَطِيِّ وهو الظَّهْرُ، والمَعْنى يَلْوِي مَطاهُ. وقِيلَ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، وهو التَّمَدُّدُ والتَّثاقُلُ: أيْ يَتَثاقَلُ ويَتَكاسَلُ عَنِ الدّاعِي إلى الحَقِّ. ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيْ ولِيَكَ الوَيْلَ، وأصْلُهُ أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ، واللّامُ مَزِيدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ تَكَرَّرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا، وإنِّي لَأعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقِيلَ مَعْناهُ: الوَيْلُ لَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُو ∗∗∗ مِ فَأوْلى لِنَفْسِي أوْلى لَها وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الوَيْلُ، قِيلَ هو مِنَ المَقْلُوبِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوَيْلٌ لَكَ، ثُمَّ أخَّرَ الحَرْفَ المُعْتَلَّ. قِيلَ ومَعْنى التَّكْرِيرِ لِهَذا اللَّفْظِ أرْبَعَ مَرّاتٍ؛ والوَيْلُ لَكَ حَيًّا، والوَيْلُ لَكَ مَيْتًا، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ البَعْثِ، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تَدْخُلُ النّارَ. وقِيلَ المَعْنى: إنَّ الذَّمَّ لَكَ أوْلى لَكَ مِن تَرْكِهِ. وقِيلَ المَعْنى: أنْتَ أوْلى وأجْدَرُ بِهَذا العَذابِ قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: أوْلى في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ مُقارَبَةُ الهَلاكِ. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ ولِيتُ الهَلاكَ وقَدْ دانَيْتَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو القُرْبُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎فَأوْلى أنْ يَكُونَ لَكَ الوَلاءُ أيْ قارِبَ أنْ يَكُونَ لَكَ، وأنْشَدَ أيْضًا: ؎أوْلى لِمَن هاجَتْ لَهُ أنْ يُكَمَّدا ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُحاسَبُ ولا يُعاقَبُ، وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ المُهْمَلُ، ومِنهُ إبِلٌ سُدًى: أيْ تَرْعى بِلا راعٍ، وقِيلَ المَعْنى: أيَحْسَبُ أنْ يُتْرَكَ في قَبْرِهِ كَذَلِكَ أبَدًا لا يُبْعَثُ. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ: أيْ ألَمْ يَكُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَطْرَةً مِن مَنِيٍّ يُراقُ في الرَّحِمِ، وسْمِي المَنِيُّ مَنِيًّا لِإراقَتِهِ، والنُّطْفَةُ: الماءُ القَلِيلُ، يُقالُ نَطَفَ الماءُ: إذا قَطَرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَكُ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الإنْسانِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ إلَيْهِ تَوْبِيخًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " تُمْنى " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنُّطْفَةِ. وقَرَأ حَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَنِيِّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ.﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ كانَ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً: أيْ دَمًا. فَخَلَقَ أيْ فَقَدَّرَ بِأنْ جَعَلَها مُضْغَةً مُخَلَّقَةً. فَسَوّى أيْ فَعَدَّلَهُ وكَمَّلَ نَشْأتَهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. فَجَعَلَ مِنهُ أيْ حَصَّلَ مِنَ الإنْسانِ، وقِيلَ مِنَ المَنِيِّ الزَّوْجَيْنِ أيِ الصِّنْفَيْنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ أيِ الرَّجُلُ والمَرْأةُ. ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ وقَدَرَ عَلَيْهِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ أيْ يُعِيدُ الأجْسامَ بِالبَعْثِ كَما كانَتْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ، وأيْسَرُ مُؤْنَةً مِنهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِقادِرٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " يَقْدِرُ " فِعْلًا مُضارِعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ يُحْيِيَ بِنَصْبِهِ بِأنْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، أوْ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما مَرَّ في مَواضِعَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قالَ: تَنْتَزِعُ نَفْسُهُ حَتّى إذا كانَتْ في تَراقِيهِ، قِيلَ مَن يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ أوْ مَلائِكَةَ العَذابِ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ قالَ: التَفَّتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ ومَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ أيُّهم يَرْقى بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قُلْ مَن راقٍ يَرْقِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ يَقُولُ: آخِرُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وأوَّلُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، فَتَلْقى الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَتَمَطّى قالَ: يَخْتالُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أشَيْءٌ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي جَهْلٍ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، أمْ أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ؟ قالَ: بَلْ قالَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ (p-١٥٦٢)وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ قالَ: هَمَلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ صالِحِ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبَلى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحانَكَ رَبِّي وبَلى» وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ «عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ مِنكم ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ فانْتَهى إلى آخِرِها ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ. ومَن قَرَأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فانْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَلْيَقُلْ بَلى، ومَن قَرَأ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَبَلَغَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ آمَنّا بِاللَّهِ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا قَرَأْتَ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَبَلَغْتَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَقُلْ بَلى» .

القيامة 75:35

قَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ: أيْ بَعِيدٌ أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ بَلَغَتِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ التَّراقِيَ، وهي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهي عَظْمٌ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ والعاتِقِ، ويُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِي عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] وقِيلَ مَعْنى كَلّا حَقًّا: أيْ حَقًّا أنَّ المَساقَ إلى اللَّهِ إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ، والمَقْصُودُ تَذْكِيرُهم شِدَّةَ الحالِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ كَرِيهَةٍ دافَعْتُ عَنْها وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِيَ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبُها: مَن يَرْقِيهِ ويَشْتَفِي بَرُقْيَتِهِ ؟ . قالَ قَتادَةُ: التَمَسُوا لَهُ الأطِبّاءَ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وبِهِ قالَ أبُو قِلابَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ لِلْفَتى مِن بَناتِ المَوْتِ مِن واقِي ∗∗∗ أمْ هَلْ لَهُ مِن حِمامِ المَوْتِ مِن راقِي وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: هو مِن رَقى يَرْقى إذا صَعِدَ، والمَعْنى: (p-١٥٦١)مَن يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ؟ وقِيلَ إنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مَلَكُ المَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ نَفْسَ الكافِرِ تَكْرَهُ المَلائِكَةُ قُرْبَها. ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ أيْ وأيْقَنَ الَّذِي بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّراقِي أنَّهُ الفِراقُ مِنَ الدُّنْيا ومِنَ الأهْلِ والمالِ والوَلَدِ. ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى تَتابَعَتْ عَلَيْهِ الشَّدائِدُ. وقالَ الحَسَنُ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَفَّتْ ساقُ الكَفَنِ بِساقِ المَيِّتِ، وقِيلَ ماتَتْ رِجْلاهُ ويَبِسَتْ ساقاهُ ولَمْ تَحْمِلاهُ، وقَدْ كانَ جَوّالًا عَلَيْهِما. وقالَ الضَّحّاكُ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أمْرانِ شَدِيدانِ: النّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، والمَلائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ. وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ. والعَرَبُ لا تَذْكُرُ السّاقَ إلّا في الشَّدائِدِ الكِبارِ، والمِحَنِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. وقِيلَ: السّاقُ الأوَّلُ تَعْذِيبُ رُوحِهِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، والسّاقُ الآخِرُ شِدَّةُ البَعْثِ وما بَعْدَهُ. ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ أيْ إلى خالِقِكَ يَوْمَ القِيامَةِ المَرْجِعُ، وذَلِكَ جَمْعُ العِبادِ إلى اللَّهِ يُساقُونَ إلَيْهِ. ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ بِالرِّسالَةِ ولا بِالقُرْآنِ، ولا صَلّى لِرَبِّهِ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. قالَ قَتادَةُ: فَلا صَدَّقَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا صَلّى لِلَّهِ، وقِيلَ فَلا آمَنَ بِقَلْبِهِ ولا عَمِلَ بِبَدَنِهِ. قالَ الكِسائِيُّ لا بِمَعْنى لَمْ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ: والعَرَبُ تَقُولُ: لا ذَهَبَ أيْ لَمْ يَذْهَبْ، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ: ؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ إلّا ألَمّا . ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أيْ كَذَّبَ بِالرَّسُولِ وبِما جاءَ بِهِ، وتَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أيْ يَتَبَخْتَرُ ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ افْتِخارًا بِذَلِكَ. وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِنَ المَطِيِّ وهو الظَّهْرُ، والمَعْنى يَلْوِي مَطاهُ. وقِيلَ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، وهو التَّمَدُّدُ والتَّثاقُلُ: أيْ يَتَثاقَلُ ويَتَكاسَلُ عَنِ الدّاعِي إلى الحَقِّ. ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيْ ولِيَكَ الوَيْلَ، وأصْلُهُ أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ، واللّامُ مَزِيدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ تَكَرَّرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا، وإنِّي لَأعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقِيلَ مَعْناهُ: الوَيْلُ لَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُو ∗∗∗ مِ فَأوْلى لِنَفْسِي أوْلى لَها وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الوَيْلُ، قِيلَ هو مِنَ المَقْلُوبِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوَيْلٌ لَكَ، ثُمَّ أخَّرَ الحَرْفَ المُعْتَلَّ. قِيلَ ومَعْنى التَّكْرِيرِ لِهَذا اللَّفْظِ أرْبَعَ مَرّاتٍ؛ والوَيْلُ لَكَ حَيًّا، والوَيْلُ لَكَ مَيْتًا، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ البَعْثِ، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تَدْخُلُ النّارَ. وقِيلَ المَعْنى: إنَّ الذَّمَّ لَكَ أوْلى لَكَ مِن تَرْكِهِ. وقِيلَ المَعْنى: أنْتَ أوْلى وأجْدَرُ بِهَذا العَذابِ قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: أوْلى في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ مُقارَبَةُ الهَلاكِ. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ ولِيتُ الهَلاكَ وقَدْ دانَيْتَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو القُرْبُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎فَأوْلى أنْ يَكُونَ لَكَ الوَلاءُ أيْ قارِبَ أنْ يَكُونَ لَكَ، وأنْشَدَ أيْضًا: ؎أوْلى لِمَن هاجَتْ لَهُ أنْ يُكَمَّدا ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُحاسَبُ ولا يُعاقَبُ، وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ المُهْمَلُ، ومِنهُ إبِلٌ سُدًى: أيْ تَرْعى بِلا راعٍ، وقِيلَ المَعْنى: أيَحْسَبُ أنْ يُتْرَكَ في قَبْرِهِ كَذَلِكَ أبَدًا لا يُبْعَثُ. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ: أيْ ألَمْ يَكُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَطْرَةً مِن مَنِيٍّ يُراقُ في الرَّحِمِ، وسْمِي المَنِيُّ مَنِيًّا لِإراقَتِهِ، والنُّطْفَةُ: الماءُ القَلِيلُ، يُقالُ نَطَفَ الماءُ: إذا قَطَرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَكُ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الإنْسانِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ إلَيْهِ تَوْبِيخًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " تُمْنى " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنُّطْفَةِ. وقَرَأ حَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَنِيِّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ.﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ كانَ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً: أيْ دَمًا. فَخَلَقَ أيْ فَقَدَّرَ بِأنْ جَعَلَها مُضْغَةً مُخَلَّقَةً. فَسَوّى أيْ فَعَدَّلَهُ وكَمَّلَ نَشْأتَهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. فَجَعَلَ مِنهُ أيْ حَصَّلَ مِنَ الإنْسانِ، وقِيلَ مِنَ المَنِيِّ الزَّوْجَيْنِ أيِ الصِّنْفَيْنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ أيِ الرَّجُلُ والمَرْأةُ. ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ وقَدَرَ عَلَيْهِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ أيْ يُعِيدُ الأجْسامَ بِالبَعْثِ كَما كانَتْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ، وأيْسَرُ مُؤْنَةً مِنهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِقادِرٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " يَقْدِرُ " فِعْلًا مُضارِعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ يُحْيِيَ بِنَصْبِهِ بِأنْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، أوْ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما مَرَّ في مَواضِعَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قالَ: تَنْتَزِعُ نَفْسُهُ حَتّى إذا كانَتْ في تَراقِيهِ، قِيلَ مَن يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ أوْ مَلائِكَةَ العَذابِ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ قالَ: التَفَّتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ ومَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ أيُّهم يَرْقى بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قُلْ مَن راقٍ يَرْقِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ يَقُولُ: آخِرُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وأوَّلُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، فَتَلْقى الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَتَمَطّى قالَ: يَخْتالُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أشَيْءٌ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي جَهْلٍ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، أمْ أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ؟ قالَ: بَلْ قالَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ (p-١٥٦٢)وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ قالَ: هَمَلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ صالِحِ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبَلى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحانَكَ رَبِّي وبَلى» وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ «عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ مِنكم ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ فانْتَهى إلى آخِرِها ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ. ومَن قَرَأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فانْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَلْيَقُلْ بَلى، ومَن قَرَأ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَبَلَغَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ آمَنّا بِاللَّهِ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا قَرَأْتَ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَبَلَغْتَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَقُلْ بَلى» .

القيامة 75:36

قَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ: أيْ بَعِيدٌ أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ بَلَغَتِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ التَّراقِيَ، وهي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهي عَظْمٌ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ والعاتِقِ، ويُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِي عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] وقِيلَ مَعْنى كَلّا حَقًّا: أيْ حَقًّا أنَّ المَساقَ إلى اللَّهِ إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ، والمَقْصُودُ تَذْكِيرُهم شِدَّةَ الحالِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ كَرِيهَةٍ دافَعْتُ عَنْها وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِيَ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبُها: مَن يَرْقِيهِ ويَشْتَفِي بَرُقْيَتِهِ ؟ . قالَ قَتادَةُ: التَمَسُوا لَهُ الأطِبّاءَ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وبِهِ قالَ أبُو قِلابَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ لِلْفَتى مِن بَناتِ المَوْتِ مِن واقِي ∗∗∗ أمْ هَلْ لَهُ مِن حِمامِ المَوْتِ مِن راقِي وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: هو مِن رَقى يَرْقى إذا صَعِدَ، والمَعْنى: (p-١٥٦١)مَن يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ؟ وقِيلَ إنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مَلَكُ المَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ نَفْسَ الكافِرِ تَكْرَهُ المَلائِكَةُ قُرْبَها. ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ أيْ وأيْقَنَ الَّذِي بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّراقِي أنَّهُ الفِراقُ مِنَ الدُّنْيا ومِنَ الأهْلِ والمالِ والوَلَدِ. ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى تَتابَعَتْ عَلَيْهِ الشَّدائِدُ. وقالَ الحَسَنُ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَفَّتْ ساقُ الكَفَنِ بِساقِ المَيِّتِ، وقِيلَ ماتَتْ رِجْلاهُ ويَبِسَتْ ساقاهُ ولَمْ تَحْمِلاهُ، وقَدْ كانَ جَوّالًا عَلَيْهِما. وقالَ الضَّحّاكُ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أمْرانِ شَدِيدانِ: النّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، والمَلائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ. وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ. والعَرَبُ لا تَذْكُرُ السّاقَ إلّا في الشَّدائِدِ الكِبارِ، والمِحَنِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. وقِيلَ: السّاقُ الأوَّلُ تَعْذِيبُ رُوحِهِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، والسّاقُ الآخِرُ شِدَّةُ البَعْثِ وما بَعْدَهُ. ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ أيْ إلى خالِقِكَ يَوْمَ القِيامَةِ المَرْجِعُ، وذَلِكَ جَمْعُ العِبادِ إلى اللَّهِ يُساقُونَ إلَيْهِ. ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ بِالرِّسالَةِ ولا بِالقُرْآنِ، ولا صَلّى لِرَبِّهِ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. قالَ قَتادَةُ: فَلا صَدَّقَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا صَلّى لِلَّهِ، وقِيلَ فَلا آمَنَ بِقَلْبِهِ ولا عَمِلَ بِبَدَنِهِ. قالَ الكِسائِيُّ لا بِمَعْنى لَمْ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ: والعَرَبُ تَقُولُ: لا ذَهَبَ أيْ لَمْ يَذْهَبْ، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ: ؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ إلّا ألَمّا . ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أيْ كَذَّبَ بِالرَّسُولِ وبِما جاءَ بِهِ، وتَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أيْ يَتَبَخْتَرُ ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ افْتِخارًا بِذَلِكَ. وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِنَ المَطِيِّ وهو الظَّهْرُ، والمَعْنى يَلْوِي مَطاهُ. وقِيلَ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، وهو التَّمَدُّدُ والتَّثاقُلُ: أيْ يَتَثاقَلُ ويَتَكاسَلُ عَنِ الدّاعِي إلى الحَقِّ. ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيْ ولِيَكَ الوَيْلَ، وأصْلُهُ أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ، واللّامُ مَزِيدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ تَكَرَّرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا، وإنِّي لَأعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقِيلَ مَعْناهُ: الوَيْلُ لَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُو ∗∗∗ مِ فَأوْلى لِنَفْسِي أوْلى لَها وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الوَيْلُ، قِيلَ هو مِنَ المَقْلُوبِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوَيْلٌ لَكَ، ثُمَّ أخَّرَ الحَرْفَ المُعْتَلَّ. قِيلَ ومَعْنى التَّكْرِيرِ لِهَذا اللَّفْظِ أرْبَعَ مَرّاتٍ؛ والوَيْلُ لَكَ حَيًّا، والوَيْلُ لَكَ مَيْتًا، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ البَعْثِ، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تَدْخُلُ النّارَ. وقِيلَ المَعْنى: إنَّ الذَّمَّ لَكَ أوْلى لَكَ مِن تَرْكِهِ. وقِيلَ المَعْنى: أنْتَ أوْلى وأجْدَرُ بِهَذا العَذابِ قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: أوْلى في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ مُقارَبَةُ الهَلاكِ. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ ولِيتُ الهَلاكَ وقَدْ دانَيْتَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو القُرْبُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎فَأوْلى أنْ يَكُونَ لَكَ الوَلاءُ أيْ قارِبَ أنْ يَكُونَ لَكَ، وأنْشَدَ أيْضًا: ؎أوْلى لِمَن هاجَتْ لَهُ أنْ يُكَمَّدا ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُحاسَبُ ولا يُعاقَبُ، وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ المُهْمَلُ، ومِنهُ إبِلٌ سُدًى: أيْ تَرْعى بِلا راعٍ، وقِيلَ المَعْنى: أيَحْسَبُ أنْ يُتْرَكَ في قَبْرِهِ كَذَلِكَ أبَدًا لا يُبْعَثُ. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ: أيْ ألَمْ يَكُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَطْرَةً مِن مَنِيٍّ يُراقُ في الرَّحِمِ، وسْمِي المَنِيُّ مَنِيًّا لِإراقَتِهِ، والنُّطْفَةُ: الماءُ القَلِيلُ، يُقالُ نَطَفَ الماءُ: إذا قَطَرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَكُ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الإنْسانِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ إلَيْهِ تَوْبِيخًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " تُمْنى " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنُّطْفَةِ. وقَرَأ حَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَنِيِّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ.﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ كانَ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً: أيْ دَمًا. فَخَلَقَ أيْ فَقَدَّرَ بِأنْ جَعَلَها مُضْغَةً مُخَلَّقَةً. فَسَوّى أيْ فَعَدَّلَهُ وكَمَّلَ نَشْأتَهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. فَجَعَلَ مِنهُ أيْ حَصَّلَ مِنَ الإنْسانِ، وقِيلَ مِنَ المَنِيِّ الزَّوْجَيْنِ أيِ الصِّنْفَيْنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ أيِ الرَّجُلُ والمَرْأةُ. ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ وقَدَرَ عَلَيْهِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ أيْ يُعِيدُ الأجْسامَ بِالبَعْثِ كَما كانَتْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ، وأيْسَرُ مُؤْنَةً مِنهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِقادِرٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " يَقْدِرُ " فِعْلًا مُضارِعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ يُحْيِيَ بِنَصْبِهِ بِأنْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، أوْ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما مَرَّ في مَواضِعَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قالَ: تَنْتَزِعُ نَفْسُهُ حَتّى إذا كانَتْ في تَراقِيهِ، قِيلَ مَن يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ أوْ مَلائِكَةَ العَذابِ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ قالَ: التَفَّتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ ومَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ أيُّهم يَرْقى بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قُلْ مَن راقٍ يَرْقِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ يَقُولُ: آخِرُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وأوَّلُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، فَتَلْقى الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَتَمَطّى قالَ: يَخْتالُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أشَيْءٌ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي جَهْلٍ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، أمْ أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ؟ قالَ: بَلْ قالَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ (p-١٥٦٢)وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ قالَ: هَمَلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ صالِحِ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبَلى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحانَكَ رَبِّي وبَلى» وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ «عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ مِنكم ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ فانْتَهى إلى آخِرِها ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ. ومَن قَرَأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فانْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَلْيَقُلْ بَلى، ومَن قَرَأ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَبَلَغَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ آمَنّا بِاللَّهِ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا قَرَأْتَ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَبَلَغْتَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَقُلْ بَلى» .

القيامة 75:37

قَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ: أيْ بَعِيدٌ أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ بَلَغَتِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ التَّراقِيَ، وهي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهي عَظْمٌ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ والعاتِقِ، ويُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِي عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] وقِيلَ مَعْنى كَلّا حَقًّا: أيْ حَقًّا أنَّ المَساقَ إلى اللَّهِ إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ، والمَقْصُودُ تَذْكِيرُهم شِدَّةَ الحالِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ كَرِيهَةٍ دافَعْتُ عَنْها وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِيَ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبُها: مَن يَرْقِيهِ ويَشْتَفِي بَرُقْيَتِهِ ؟ . قالَ قَتادَةُ: التَمَسُوا لَهُ الأطِبّاءَ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وبِهِ قالَ أبُو قِلابَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ لِلْفَتى مِن بَناتِ المَوْتِ مِن واقِي ∗∗∗ أمْ هَلْ لَهُ مِن حِمامِ المَوْتِ مِن راقِي وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: هو مِن رَقى يَرْقى إذا صَعِدَ، والمَعْنى: (p-١٥٦١)مَن يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ؟ وقِيلَ إنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مَلَكُ المَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ نَفْسَ الكافِرِ تَكْرَهُ المَلائِكَةُ قُرْبَها. ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ أيْ وأيْقَنَ الَّذِي بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّراقِي أنَّهُ الفِراقُ مِنَ الدُّنْيا ومِنَ الأهْلِ والمالِ والوَلَدِ. ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى تَتابَعَتْ عَلَيْهِ الشَّدائِدُ. وقالَ الحَسَنُ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَفَّتْ ساقُ الكَفَنِ بِساقِ المَيِّتِ، وقِيلَ ماتَتْ رِجْلاهُ ويَبِسَتْ ساقاهُ ولَمْ تَحْمِلاهُ، وقَدْ كانَ جَوّالًا عَلَيْهِما. وقالَ الضَّحّاكُ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أمْرانِ شَدِيدانِ: النّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، والمَلائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ. وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ. والعَرَبُ لا تَذْكُرُ السّاقَ إلّا في الشَّدائِدِ الكِبارِ، والمِحَنِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. وقِيلَ: السّاقُ الأوَّلُ تَعْذِيبُ رُوحِهِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، والسّاقُ الآخِرُ شِدَّةُ البَعْثِ وما بَعْدَهُ. ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ أيْ إلى خالِقِكَ يَوْمَ القِيامَةِ المَرْجِعُ، وذَلِكَ جَمْعُ العِبادِ إلى اللَّهِ يُساقُونَ إلَيْهِ. ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ بِالرِّسالَةِ ولا بِالقُرْآنِ، ولا صَلّى لِرَبِّهِ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. قالَ قَتادَةُ: فَلا صَدَّقَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا صَلّى لِلَّهِ، وقِيلَ فَلا آمَنَ بِقَلْبِهِ ولا عَمِلَ بِبَدَنِهِ. قالَ الكِسائِيُّ لا بِمَعْنى لَمْ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ: والعَرَبُ تَقُولُ: لا ذَهَبَ أيْ لَمْ يَذْهَبْ، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ: ؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ إلّا ألَمّا . ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أيْ كَذَّبَ بِالرَّسُولِ وبِما جاءَ بِهِ، وتَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أيْ يَتَبَخْتَرُ ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ افْتِخارًا بِذَلِكَ. وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِنَ المَطِيِّ وهو الظَّهْرُ، والمَعْنى يَلْوِي مَطاهُ. وقِيلَ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، وهو التَّمَدُّدُ والتَّثاقُلُ: أيْ يَتَثاقَلُ ويَتَكاسَلُ عَنِ الدّاعِي إلى الحَقِّ. ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيْ ولِيَكَ الوَيْلَ، وأصْلُهُ أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ، واللّامُ مَزِيدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ تَكَرَّرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا، وإنِّي لَأعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقِيلَ مَعْناهُ: الوَيْلُ لَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُو ∗∗∗ مِ فَأوْلى لِنَفْسِي أوْلى لَها وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الوَيْلُ، قِيلَ هو مِنَ المَقْلُوبِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوَيْلٌ لَكَ، ثُمَّ أخَّرَ الحَرْفَ المُعْتَلَّ. قِيلَ ومَعْنى التَّكْرِيرِ لِهَذا اللَّفْظِ أرْبَعَ مَرّاتٍ؛ والوَيْلُ لَكَ حَيًّا، والوَيْلُ لَكَ مَيْتًا، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ البَعْثِ، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تَدْخُلُ النّارَ. وقِيلَ المَعْنى: إنَّ الذَّمَّ لَكَ أوْلى لَكَ مِن تَرْكِهِ. وقِيلَ المَعْنى: أنْتَ أوْلى وأجْدَرُ بِهَذا العَذابِ قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: أوْلى في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ مُقارَبَةُ الهَلاكِ. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ ولِيتُ الهَلاكَ وقَدْ دانَيْتَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو القُرْبُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎فَأوْلى أنْ يَكُونَ لَكَ الوَلاءُ أيْ قارِبَ أنْ يَكُونَ لَكَ، وأنْشَدَ أيْضًا: ؎أوْلى لِمَن هاجَتْ لَهُ أنْ يُكَمَّدا ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُحاسَبُ ولا يُعاقَبُ، وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ المُهْمَلُ، ومِنهُ إبِلٌ سُدًى: أيْ تَرْعى بِلا راعٍ، وقِيلَ المَعْنى: أيَحْسَبُ أنْ يُتْرَكَ في قَبْرِهِ كَذَلِكَ أبَدًا لا يُبْعَثُ. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ: أيْ ألَمْ يَكُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَطْرَةً مِن مَنِيٍّ يُراقُ في الرَّحِمِ، وسْمِي المَنِيُّ مَنِيًّا لِإراقَتِهِ، والنُّطْفَةُ: الماءُ القَلِيلُ، يُقالُ نَطَفَ الماءُ: إذا قَطَرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَكُ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الإنْسانِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ إلَيْهِ تَوْبِيخًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " تُمْنى " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنُّطْفَةِ. وقَرَأ حَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَنِيِّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ.﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ كانَ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً: أيْ دَمًا. فَخَلَقَ أيْ فَقَدَّرَ بِأنْ جَعَلَها مُضْغَةً مُخَلَّقَةً. فَسَوّى أيْ فَعَدَّلَهُ وكَمَّلَ نَشْأتَهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. فَجَعَلَ مِنهُ أيْ حَصَّلَ مِنَ الإنْسانِ، وقِيلَ مِنَ المَنِيِّ الزَّوْجَيْنِ أيِ الصِّنْفَيْنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ أيِ الرَّجُلُ والمَرْأةُ. ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ وقَدَرَ عَلَيْهِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ أيْ يُعِيدُ الأجْسامَ بِالبَعْثِ كَما كانَتْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ، وأيْسَرُ مُؤْنَةً مِنهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِقادِرٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " يَقْدِرُ " فِعْلًا مُضارِعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ يُحْيِيَ بِنَصْبِهِ بِأنْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، أوْ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما مَرَّ في مَواضِعَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قالَ: تَنْتَزِعُ نَفْسُهُ حَتّى إذا كانَتْ في تَراقِيهِ، قِيلَ مَن يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ أوْ مَلائِكَةَ العَذابِ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ قالَ: التَفَّتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ ومَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ أيُّهم يَرْقى بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قُلْ مَن راقٍ يَرْقِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ يَقُولُ: آخِرُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وأوَّلُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، فَتَلْقى الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَتَمَطّى قالَ: يَخْتالُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أشَيْءٌ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي جَهْلٍ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، أمْ أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ؟ قالَ: بَلْ قالَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ (p-١٥٦٢)وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ قالَ: هَمَلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ صالِحِ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبَلى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحانَكَ رَبِّي وبَلى» وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ «عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ مِنكم ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ فانْتَهى إلى آخِرِها ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ. ومَن قَرَأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فانْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَلْيَقُلْ بَلى، ومَن قَرَأ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَبَلَغَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ آمَنّا بِاللَّهِ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا قَرَأْتَ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَبَلَغْتَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَقُلْ بَلى» .

القيامة 75:38

قَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ: أيْ بَعِيدٌ أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ بَلَغَتِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ التَّراقِيَ، وهي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهي عَظْمٌ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ والعاتِقِ، ويُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِي عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] وقِيلَ مَعْنى كَلّا حَقًّا: أيْ حَقًّا أنَّ المَساقَ إلى اللَّهِ إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ، والمَقْصُودُ تَذْكِيرُهم شِدَّةَ الحالِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ كَرِيهَةٍ دافَعْتُ عَنْها وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِيَ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبُها: مَن يَرْقِيهِ ويَشْتَفِي بَرُقْيَتِهِ ؟ . قالَ قَتادَةُ: التَمَسُوا لَهُ الأطِبّاءَ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وبِهِ قالَ أبُو قِلابَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ لِلْفَتى مِن بَناتِ المَوْتِ مِن واقِي ∗∗∗ أمْ هَلْ لَهُ مِن حِمامِ المَوْتِ مِن راقِي وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: هو مِن رَقى يَرْقى إذا صَعِدَ، والمَعْنى: (p-١٥٦١)مَن يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ؟ وقِيلَ إنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مَلَكُ المَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ نَفْسَ الكافِرِ تَكْرَهُ المَلائِكَةُ قُرْبَها. ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ أيْ وأيْقَنَ الَّذِي بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّراقِي أنَّهُ الفِراقُ مِنَ الدُّنْيا ومِنَ الأهْلِ والمالِ والوَلَدِ. ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى تَتابَعَتْ عَلَيْهِ الشَّدائِدُ. وقالَ الحَسَنُ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَفَّتْ ساقُ الكَفَنِ بِساقِ المَيِّتِ، وقِيلَ ماتَتْ رِجْلاهُ ويَبِسَتْ ساقاهُ ولَمْ تَحْمِلاهُ، وقَدْ كانَ جَوّالًا عَلَيْهِما. وقالَ الضَّحّاكُ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أمْرانِ شَدِيدانِ: النّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، والمَلائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ. وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ. والعَرَبُ لا تَذْكُرُ السّاقَ إلّا في الشَّدائِدِ الكِبارِ، والمِحَنِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. وقِيلَ: السّاقُ الأوَّلُ تَعْذِيبُ رُوحِهِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، والسّاقُ الآخِرُ شِدَّةُ البَعْثِ وما بَعْدَهُ. ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ أيْ إلى خالِقِكَ يَوْمَ القِيامَةِ المَرْجِعُ، وذَلِكَ جَمْعُ العِبادِ إلى اللَّهِ يُساقُونَ إلَيْهِ. ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ بِالرِّسالَةِ ولا بِالقُرْآنِ، ولا صَلّى لِرَبِّهِ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. قالَ قَتادَةُ: فَلا صَدَّقَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا صَلّى لِلَّهِ، وقِيلَ فَلا آمَنَ بِقَلْبِهِ ولا عَمِلَ بِبَدَنِهِ. قالَ الكِسائِيُّ لا بِمَعْنى لَمْ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ: والعَرَبُ تَقُولُ: لا ذَهَبَ أيْ لَمْ يَذْهَبْ، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ: ؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ إلّا ألَمّا . ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أيْ كَذَّبَ بِالرَّسُولِ وبِما جاءَ بِهِ، وتَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أيْ يَتَبَخْتَرُ ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ افْتِخارًا بِذَلِكَ. وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِنَ المَطِيِّ وهو الظَّهْرُ، والمَعْنى يَلْوِي مَطاهُ. وقِيلَ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، وهو التَّمَدُّدُ والتَّثاقُلُ: أيْ يَتَثاقَلُ ويَتَكاسَلُ عَنِ الدّاعِي إلى الحَقِّ. ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيْ ولِيَكَ الوَيْلَ، وأصْلُهُ أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ، واللّامُ مَزِيدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ تَكَرَّرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا، وإنِّي لَأعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقِيلَ مَعْناهُ: الوَيْلُ لَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُو ∗∗∗ مِ فَأوْلى لِنَفْسِي أوْلى لَها وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الوَيْلُ، قِيلَ هو مِنَ المَقْلُوبِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوَيْلٌ لَكَ، ثُمَّ أخَّرَ الحَرْفَ المُعْتَلَّ. قِيلَ ومَعْنى التَّكْرِيرِ لِهَذا اللَّفْظِ أرْبَعَ مَرّاتٍ؛ والوَيْلُ لَكَ حَيًّا، والوَيْلُ لَكَ مَيْتًا، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ البَعْثِ، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تَدْخُلُ النّارَ. وقِيلَ المَعْنى: إنَّ الذَّمَّ لَكَ أوْلى لَكَ مِن تَرْكِهِ. وقِيلَ المَعْنى: أنْتَ أوْلى وأجْدَرُ بِهَذا العَذابِ قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: أوْلى في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ مُقارَبَةُ الهَلاكِ. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ ولِيتُ الهَلاكَ وقَدْ دانَيْتَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو القُرْبُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎فَأوْلى أنْ يَكُونَ لَكَ الوَلاءُ أيْ قارِبَ أنْ يَكُونَ لَكَ، وأنْشَدَ أيْضًا: ؎أوْلى لِمَن هاجَتْ لَهُ أنْ يُكَمَّدا ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُحاسَبُ ولا يُعاقَبُ، وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ المُهْمَلُ، ومِنهُ إبِلٌ سُدًى: أيْ تَرْعى بِلا راعٍ، وقِيلَ المَعْنى: أيَحْسَبُ أنْ يُتْرَكَ في قَبْرِهِ كَذَلِكَ أبَدًا لا يُبْعَثُ. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ: أيْ ألَمْ يَكُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَطْرَةً مِن مَنِيٍّ يُراقُ في الرَّحِمِ، وسْمِي المَنِيُّ مَنِيًّا لِإراقَتِهِ، والنُّطْفَةُ: الماءُ القَلِيلُ، يُقالُ نَطَفَ الماءُ: إذا قَطَرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَكُ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الإنْسانِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ إلَيْهِ تَوْبِيخًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " تُمْنى " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنُّطْفَةِ. وقَرَأ حَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَنِيِّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ.﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ كانَ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً: أيْ دَمًا. فَخَلَقَ أيْ فَقَدَّرَ بِأنْ جَعَلَها مُضْغَةً مُخَلَّقَةً. فَسَوّى أيْ فَعَدَّلَهُ وكَمَّلَ نَشْأتَهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. فَجَعَلَ مِنهُ أيْ حَصَّلَ مِنَ الإنْسانِ، وقِيلَ مِنَ المَنِيِّ الزَّوْجَيْنِ أيِ الصِّنْفَيْنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ أيِ الرَّجُلُ والمَرْأةُ. ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ وقَدَرَ عَلَيْهِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ أيْ يُعِيدُ الأجْسامَ بِالبَعْثِ كَما كانَتْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ، وأيْسَرُ مُؤْنَةً مِنهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِقادِرٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " يَقْدِرُ " فِعْلًا مُضارِعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ يُحْيِيَ بِنَصْبِهِ بِأنْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، أوْ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما مَرَّ في مَواضِعَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قالَ: تَنْتَزِعُ نَفْسُهُ حَتّى إذا كانَتْ في تَراقِيهِ، قِيلَ مَن يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ أوْ مَلائِكَةَ العَذابِ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ قالَ: التَفَّتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ ومَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ أيُّهم يَرْقى بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قُلْ مَن راقٍ يَرْقِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ يَقُولُ: آخِرُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وأوَّلُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، فَتَلْقى الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَتَمَطّى قالَ: يَخْتالُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أشَيْءٌ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي جَهْلٍ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، أمْ أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ؟ قالَ: بَلْ قالَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ (p-١٥٦٢)وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ قالَ: هَمَلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ صالِحِ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبَلى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحانَكَ رَبِّي وبَلى» وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ «عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ مِنكم ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ فانْتَهى إلى آخِرِها ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ. ومَن قَرَأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فانْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَلْيَقُلْ بَلى، ومَن قَرَأ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَبَلَغَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ آمَنّا بِاللَّهِ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا قَرَأْتَ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَبَلَغْتَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَقُلْ بَلى» .

القيامة 75:39

قَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ: أيْ بَعِيدٌ أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ بَلَغَتِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ التَّراقِيَ، وهي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهي عَظْمٌ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ والعاتِقِ، ويُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِي عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] وقِيلَ مَعْنى كَلّا حَقًّا: أيْ حَقًّا أنَّ المَساقَ إلى اللَّهِ إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ، والمَقْصُودُ تَذْكِيرُهم شِدَّةَ الحالِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ كَرِيهَةٍ دافَعْتُ عَنْها وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِيَ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبُها: مَن يَرْقِيهِ ويَشْتَفِي بَرُقْيَتِهِ ؟ . قالَ قَتادَةُ: التَمَسُوا لَهُ الأطِبّاءَ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وبِهِ قالَ أبُو قِلابَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ لِلْفَتى مِن بَناتِ المَوْتِ مِن واقِي ∗∗∗ أمْ هَلْ لَهُ مِن حِمامِ المَوْتِ مِن راقِي وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: هو مِن رَقى يَرْقى إذا صَعِدَ، والمَعْنى: (p-١٥٦١)مَن يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ؟ وقِيلَ إنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مَلَكُ المَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ نَفْسَ الكافِرِ تَكْرَهُ المَلائِكَةُ قُرْبَها. ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ أيْ وأيْقَنَ الَّذِي بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّراقِي أنَّهُ الفِراقُ مِنَ الدُّنْيا ومِنَ الأهْلِ والمالِ والوَلَدِ. ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى تَتابَعَتْ عَلَيْهِ الشَّدائِدُ. وقالَ الحَسَنُ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَفَّتْ ساقُ الكَفَنِ بِساقِ المَيِّتِ، وقِيلَ ماتَتْ رِجْلاهُ ويَبِسَتْ ساقاهُ ولَمْ تَحْمِلاهُ، وقَدْ كانَ جَوّالًا عَلَيْهِما. وقالَ الضَّحّاكُ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أمْرانِ شَدِيدانِ: النّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، والمَلائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ. وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ. والعَرَبُ لا تَذْكُرُ السّاقَ إلّا في الشَّدائِدِ الكِبارِ، والمِحَنِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. وقِيلَ: السّاقُ الأوَّلُ تَعْذِيبُ رُوحِهِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، والسّاقُ الآخِرُ شِدَّةُ البَعْثِ وما بَعْدَهُ. ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ أيْ إلى خالِقِكَ يَوْمَ القِيامَةِ المَرْجِعُ، وذَلِكَ جَمْعُ العِبادِ إلى اللَّهِ يُساقُونَ إلَيْهِ. ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ بِالرِّسالَةِ ولا بِالقُرْآنِ، ولا صَلّى لِرَبِّهِ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. قالَ قَتادَةُ: فَلا صَدَّقَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا صَلّى لِلَّهِ، وقِيلَ فَلا آمَنَ بِقَلْبِهِ ولا عَمِلَ بِبَدَنِهِ. قالَ الكِسائِيُّ لا بِمَعْنى لَمْ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ: والعَرَبُ تَقُولُ: لا ذَهَبَ أيْ لَمْ يَذْهَبْ، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ: ؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ إلّا ألَمّا . ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أيْ كَذَّبَ بِالرَّسُولِ وبِما جاءَ بِهِ، وتَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أيْ يَتَبَخْتَرُ ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ افْتِخارًا بِذَلِكَ. وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِنَ المَطِيِّ وهو الظَّهْرُ، والمَعْنى يَلْوِي مَطاهُ. وقِيلَ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، وهو التَّمَدُّدُ والتَّثاقُلُ: أيْ يَتَثاقَلُ ويَتَكاسَلُ عَنِ الدّاعِي إلى الحَقِّ. ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيْ ولِيَكَ الوَيْلَ، وأصْلُهُ أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ، واللّامُ مَزِيدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ تَكَرَّرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا، وإنِّي لَأعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقِيلَ مَعْناهُ: الوَيْلُ لَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُو ∗∗∗ مِ فَأوْلى لِنَفْسِي أوْلى لَها وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الوَيْلُ، قِيلَ هو مِنَ المَقْلُوبِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوَيْلٌ لَكَ، ثُمَّ أخَّرَ الحَرْفَ المُعْتَلَّ. قِيلَ ومَعْنى التَّكْرِيرِ لِهَذا اللَّفْظِ أرْبَعَ مَرّاتٍ؛ والوَيْلُ لَكَ حَيًّا، والوَيْلُ لَكَ مَيْتًا، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ البَعْثِ، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تَدْخُلُ النّارَ. وقِيلَ المَعْنى: إنَّ الذَّمَّ لَكَ أوْلى لَكَ مِن تَرْكِهِ. وقِيلَ المَعْنى: أنْتَ أوْلى وأجْدَرُ بِهَذا العَذابِ قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: أوْلى في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ مُقارَبَةُ الهَلاكِ. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ ولِيتُ الهَلاكَ وقَدْ دانَيْتَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو القُرْبُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎فَأوْلى أنْ يَكُونَ لَكَ الوَلاءُ أيْ قارِبَ أنْ يَكُونَ لَكَ، وأنْشَدَ أيْضًا: ؎أوْلى لِمَن هاجَتْ لَهُ أنْ يُكَمَّدا ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُحاسَبُ ولا يُعاقَبُ، وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ المُهْمَلُ، ومِنهُ إبِلٌ سُدًى: أيْ تَرْعى بِلا راعٍ، وقِيلَ المَعْنى: أيَحْسَبُ أنْ يُتْرَكَ في قَبْرِهِ كَذَلِكَ أبَدًا لا يُبْعَثُ. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ: أيْ ألَمْ يَكُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَطْرَةً مِن مَنِيٍّ يُراقُ في الرَّحِمِ، وسْمِي المَنِيُّ مَنِيًّا لِإراقَتِهِ، والنُّطْفَةُ: الماءُ القَلِيلُ، يُقالُ نَطَفَ الماءُ: إذا قَطَرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَكُ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الإنْسانِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ إلَيْهِ تَوْبِيخًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " تُمْنى " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنُّطْفَةِ. وقَرَأ حَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَنِيِّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ.﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ كانَ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً: أيْ دَمًا. فَخَلَقَ أيْ فَقَدَّرَ بِأنْ جَعَلَها مُضْغَةً مُخَلَّقَةً. فَسَوّى أيْ فَعَدَّلَهُ وكَمَّلَ نَشْأتَهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. فَجَعَلَ مِنهُ أيْ حَصَّلَ مِنَ الإنْسانِ، وقِيلَ مِنَ المَنِيِّ الزَّوْجَيْنِ أيِ الصِّنْفَيْنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ أيِ الرَّجُلُ والمَرْأةُ. ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ وقَدَرَ عَلَيْهِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ أيْ يُعِيدُ الأجْسامَ بِالبَعْثِ كَما كانَتْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ، وأيْسَرُ مُؤْنَةً مِنهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِقادِرٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " يَقْدِرُ " فِعْلًا مُضارِعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ يُحْيِيَ بِنَصْبِهِ بِأنْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، أوْ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما مَرَّ في مَواضِعَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قالَ: تَنْتَزِعُ نَفْسُهُ حَتّى إذا كانَتْ في تَراقِيهِ، قِيلَ مَن يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ أوْ مَلائِكَةَ العَذابِ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ قالَ: التَفَّتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ ومَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ أيُّهم يَرْقى بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قُلْ مَن راقٍ يَرْقِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ يَقُولُ: آخِرُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وأوَّلُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، فَتَلْقى الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَتَمَطّى قالَ: يَخْتالُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أشَيْءٌ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي جَهْلٍ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، أمْ أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ؟ قالَ: بَلْ قالَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ (p-١٥٦٢)وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ قالَ: هَمَلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ صالِحِ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبَلى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحانَكَ رَبِّي وبَلى» وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ «عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ مِنكم ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ فانْتَهى إلى آخِرِها ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ. ومَن قَرَأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فانْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَلْيَقُلْ بَلى، ومَن قَرَأ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَبَلَغَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ آمَنّا بِاللَّهِ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا قَرَأْتَ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَبَلَغْتَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَقُلْ بَلى» .

القيامة 75:40

قَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ: أيْ بَعِيدٌ أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ بَلَغَتِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ التَّراقِيَ، وهي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهي عَظْمٌ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ والعاتِقِ، ويُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِي عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] وقِيلَ مَعْنى كَلّا حَقًّا: أيْ حَقًّا أنَّ المَساقَ إلى اللَّهِ إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ، والمَقْصُودُ تَذْكِيرُهم شِدَّةَ الحالِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ. قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: ؎ورُبَّ كَرِيهَةٍ دافَعْتُ عَنْها وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِيَ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبُها: مَن يَرْقِيهِ ويَشْتَفِي بَرُقْيَتِهِ ؟ . قالَ قَتادَةُ: التَمَسُوا لَهُ الأطِبّاءَ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وبِهِ قالَ أبُو قِلابَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ لِلْفَتى مِن بَناتِ المَوْتِ مِن واقِي ∗∗∗ أمْ هَلْ لَهُ مِن حِمامِ المَوْتِ مِن راقِي وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: هو مِن رَقى يَرْقى إذا صَعِدَ، والمَعْنى: (p-١٥٦١)مَن يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ؟ وقِيلَ إنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مَلَكُ المَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ نَفْسَ الكافِرِ تَكْرَهُ المَلائِكَةُ قُرْبَها. ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ أيْ وأيْقَنَ الَّذِي بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّراقِي أنَّهُ الفِراقُ مِنَ الدُّنْيا ومِنَ الأهْلِ والمالِ والوَلَدِ. ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيِ التَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى تَتابَعَتْ عَلَيْهِ الشَّدائِدُ. وقالَ الحَسَنُ: هُما ساقاهُ إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَفَّتْ ساقُ الكَفَنِ بِساقِ المَيِّتِ، وقِيلَ ماتَتْ رِجْلاهُ ويَبِسَتْ ساقاهُ ولَمْ تَحْمِلاهُ، وقَدْ كانَ جَوّالًا عَلَيْهِما. وقالَ الضَّحّاكُ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أمْرانِ شَدِيدانِ: النّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، والمَلائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ. وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ. والعَرَبُ لا تَذْكُرُ السّاقَ إلّا في الشَّدائِدِ الكِبارِ، والمِحَنِ العِظامِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. وقِيلَ: السّاقُ الأوَّلُ تَعْذِيبُ رُوحِهِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، والسّاقُ الآخِرُ شِدَّةُ البَعْثِ وما بَعْدَهُ. ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ أيْ إلى خالِقِكَ يَوْمَ القِيامَةِ المَرْجِعُ، وذَلِكَ جَمْعُ العِبادِ إلى اللَّهِ يُساقُونَ إلَيْهِ. ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ بِالرِّسالَةِ ولا بِالقُرْآنِ، ولا صَلّى لِرَبِّهِ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. قالَ قَتادَةُ: فَلا صَدَّقَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا صَلّى لِلَّهِ، وقِيلَ فَلا آمَنَ بِقَلْبِهِ ولا عَمِلَ بِبَدَنِهِ. قالَ الكِسائِيُّ لا بِمَعْنى لَمْ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ: والعَرَبُ تَقُولُ: لا ذَهَبَ أيْ لَمْ يَذْهَبْ، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ: ؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ إلّا ألَمّا . ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أيْ كَذَّبَ بِالرَّسُولِ وبِما جاءَ بِهِ، وتَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أيْ يَتَبَخْتَرُ ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ افْتِخارًا بِذَلِكَ. وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِنَ المَطِيِّ وهو الظَّهْرُ، والمَعْنى يَلْوِي مَطاهُ. وقِيلَ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، وهو التَّمَدُّدُ والتَّثاقُلُ: أيْ يَتَثاقَلُ ويَتَكاسَلُ عَنِ الدّاعِي إلى الحَقِّ. ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيْ ولِيَكَ الوَيْلَ، وأصْلُهُ أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ، واللّامُ مَزِيدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ تَكَرَّرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا، وإنِّي لَأعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقِيلَ مَعْناهُ: الوَيْلُ لَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُو ∗∗∗ مِ فَأوْلى لِنَفْسِي أوْلى لَها وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الوَيْلُ، قِيلَ هو مِنَ المَقْلُوبِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوَيْلٌ لَكَ، ثُمَّ أخَّرَ الحَرْفَ المُعْتَلَّ. قِيلَ ومَعْنى التَّكْرِيرِ لِهَذا اللَّفْظِ أرْبَعَ مَرّاتٍ؛ والوَيْلُ لَكَ حَيًّا، والوَيْلُ لَكَ مَيْتًا، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ البَعْثِ، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تَدْخُلُ النّارَ. وقِيلَ المَعْنى: إنَّ الذَّمَّ لَكَ أوْلى لَكَ مِن تَرْكِهِ. وقِيلَ المَعْنى: أنْتَ أوْلى وأجْدَرُ بِهَذا العَذابِ قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: أوْلى في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ مُقارَبَةُ الهَلاكِ. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ ولِيتُ الهَلاكَ وقَدْ دانَيْتَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو القُرْبُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎فَأوْلى أنْ يَكُونَ لَكَ الوَلاءُ أيْ قارِبَ أنْ يَكُونَ لَكَ، وأنْشَدَ أيْضًا: ؎أوْلى لِمَن هاجَتْ لَهُ أنْ يُكَمَّدا ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ هَمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُحاسَبُ ولا يُعاقَبُ، وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ المُهْمَلُ، ومِنهُ إبِلٌ سُدًى: أيْ تَرْعى بِلا راعٍ، وقِيلَ المَعْنى: أيَحْسَبُ أنْ يُتْرَكَ في قَبْرِهِ كَذَلِكَ أبَدًا لا يُبْعَثُ. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ: أيْ ألَمْ يَكُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَطْرَةً مِن مَنِيٍّ يُراقُ في الرَّحِمِ، وسْمِي المَنِيُّ مَنِيًّا لِإراقَتِهِ، والنُّطْفَةُ: الماءُ القَلِيلُ، يُقالُ نَطَفَ الماءُ: إذا قَطَرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَكُ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الإنْسانِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ إلَيْهِ تَوْبِيخًا لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " تُمْنى " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنُّطْفَةِ. وقَرَأ حَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَنِيِّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ.﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ كانَ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً: أيْ دَمًا. فَخَلَقَ أيْ فَقَدَّرَ بِأنْ جَعَلَها مُضْغَةً مُخَلَّقَةً. فَسَوّى أيْ فَعَدَّلَهُ وكَمَّلَ نَشْأتَهُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. فَجَعَلَ مِنهُ أيْ حَصَّلَ مِنَ الإنْسانِ، وقِيلَ مِنَ المَنِيِّ الزَّوْجَيْنِ أيِ الصِّنْفَيْنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ أيِ الرَّجُلُ والمَرْأةُ. ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ وقَدَرَ عَلَيْهِ ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ أيْ يُعِيدُ الأجْسامَ بِالبَعْثِ كَما كانَتْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ، وأيْسَرُ مُؤْنَةً مِنهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِقادِرٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " يَقْدِرُ " فِعْلًا مُضارِعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ يُحْيِيَ بِنَصْبِهِ بِأنْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، أوْ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما مَرَّ في مَواضِعَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قالَ: تَنْتَزِعُ نَفْسُهُ حَتّى إذا كانَتْ في تَراقِيهِ، قِيلَ مَن يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ أوْ مَلائِكَةَ العَذابِ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ قالَ: التَفَّتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ ومَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ أيُّهم يَرْقى بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ قُلْ مَن راقٍ يَرْقِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ يَقُولُ: آخِرُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وأوَّلُ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، فَتَلْقى الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَتَمَطّى قالَ: يَخْتالُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أشَيْءٌ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي جَهْلٍ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، أمْ أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ؟ قالَ: بَلْ قالَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ (p-١٥٦٢)وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ قالَ: هَمَلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ صالِحِ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبَلى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحانَكَ رَبِّي وبَلى» وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ «عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ مِنكم ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ فانْتَهى إلى آخِرِها ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ. ومَن قَرَأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فانْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَلْيَقُلْ بَلى، ومَن قَرَأ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَبَلَغَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ آمَنّا بِاللَّهِ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا قَرَأْتَ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَبَلَغْتَ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ فَقُلْ بَلى» .

الإنسان 76:1

قالَ الجُمْهُورُ: هي مَدَنِيَّةٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقِيلَ فِيها مَكِّيٌّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وما قَبْلَهُ مَدَنِيٌّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلْ واسْتَفْهِمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنا بِالألْوانِ والصُّوَرِ والنُّبُوَّةِ أفَرَأيْتَ إنْ آمَنتُ بِما آمَنتَ بِهِ وعَمِلْتُ بِما عَمِلْتَ بِهِ، أنِّي كائِنٌ مَعَكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُرى بَياضُ الأسْوَدِ في الجَنَّةِ مِن مَسِيرَةِ ألْفِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ حَسَنَةً، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ الحَبَشِيُّ: وإنَّ عَيْنِي لِتَرى ما تَرى عَيْناكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ، فاشْتَكى حَتّى فاضَتْ نَفْسُهُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدْلِيهِ في حُفْرَتِهِ بِيَدِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ قالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ «أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ كانَ يَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أكْثَرْتَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ: مَهْ يا عُمَرُ. وأُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حَتّى إذا أتى عَلى ذِكْرِ الجَنَّةِ زَفَرَ الأسْوَدُ زَفْرَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ماتَ شَوْقًا إلى الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مُنَيْعٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ، واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعِداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ المَعانِي أنَّ هَلْ هُنا بِمَعْنى قَدْ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، وقَدْ قالَ بِهَذا سِيبَوَيْهِ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: " هَلْ " تَكُونُ جَحْدًا وتَكُونُ خَبَرًا فَهَذا مِنَ الخَبَرِ لِأنَّكَ تَقُولُ: هَلْ أعْطَيْتُكَ، تُقَرِّرُهُ بِأنَّكَ أعْطَيْتَهُ، والجَحْدُ أنْ تَقُولَ: هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا، وقِيلَ هي وإنْ كانَتْ بِمَعْنى " قَدْ " فَفِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. والأصْلُ أهَلْ أتى، فالمَعْنى: أقَدْ أتى، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيبِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا آدَمُ، قالَ قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ قِيلَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقِيلَ إنَّهُ خُلِقَ مِن طِينِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن صَلْصالٍ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ الحِينُ المَذْكُورُ هُنا لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ بَنُو آدَمَ، والحِينُ مُدَّةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الإنْسانِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِحِينٍ. قالَ الفَرّاءُ، وقُطْرُبٌ، وثَعْلَبٌ: المَعْنى أنَّهُ كانَ جَسَدًا مُصَوَّرًا تُرابًا وطِينًا لا يُذْكَرُ ولا يُعْرَفُ ولا يُدْرى ما اسْمُهُ ولا ما يُرادُ بِهِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصارَ مَذْكُورًا. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في الخَلْقِ وإنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقِيلَ لَيْسَ المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الإخْبارُ، فَإنَّ إخْبارَ الرَّبِّ عَنِ الكائِناتِ قَدِيمٌ، بَلْ هو الذِّكْرُ بِمَعْنى (p-١٥٦٣)الخَطَرِ والشَّرَفِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ . قالَ القُشَيْرِيُّ: ما كانَ مَذْكُورًا لِلْخَلْقِ وإنْ كانَ مَذْكُورًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الفَرّاءُ: كانَ شَيْئًا ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا. فَجُعِلَ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ. وقِيلَ المَعْنى: قَدْ مَضَتْ أزْمِنَةٌ وما كانَ آدَمُ شَيْئًا ولا مَخْلُوقًا ولا مَذْكُورًا لِأحَدٍ مِنَ الخَلِيقَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ: هَلْ أتى حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؛ لِأنَّهُ خَلَقَهُ بَعْدَ خَلْقِ الحَيَوانِ كُلِّهِ ولَمْ يَخْلُقْ بَعْدَهُ حَيَوانًا. ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا ابْنُ آدَمَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: مِن غَيْرِ خِلافٍ، والنُّطْفَةُ: الماءُ الَّذِي يُقَطَّرُ، وهو المَنِيُّ وكُلُّ ماءٍ قَلِيلٌ في وِعاءٍ فَهو نُطْفَةٌ، وجَمْعُها نُطَفٌ، وأمْشاجٍ صِفَةٌ لِنُطْفَةٍ، وهي جَمْعُ مُشُجٍ، أوْ مَشِيجٍ، وهي الأخْلاطُ، والمُرادُ نُطْفَةُ الرَّجُلِ ونُطْفَةُ المَرْأةِ واخْتِلاطُهُما. يُقالُ مَشَجَ هَذا بِهَذا فَهو مَمْشُوجٌ: أيْ خَلَطَ هَذا بِهَذا فَهو مَخْلُوطٌ. قالَ المُبَرِّدُ: مَشَجَ يَمْشُجُ: إذا اخْتَلَطَ، وهو هُنا اخْتِلاطُ النُّطْفَةِ بِالدَّمِ. قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ؎يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعَجَّلٍ مَشّاجٍ لَمْ يُكْسَ جِلْدًا مِن دَمٍ أمْشاجِ قالَ الفَرّاءُ: أمْشاجٌ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ والدَّمِ والعَلَقَةِ، ويُقالُ مَشَجَ هَذا: إذا خَلَطَ، وقِيلَ الأمْشاجُ: الحُمْرَةُ في البَياضِ والبَياضُ في الحُمْرَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ يَخْتارُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ الهُذَلِيُّ: ؎كَأنَّ الرِّيشَ والوَقَّيْنَ مِنهُ ∗∗∗ حِلافُ النَّصْلِ نِيطَ بِهِ مَشِيجُ وذَلِكَ لِأنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ غَلِيظٌ وماءُ المَرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ فَيُخْلَقُ مِنهُما الوَلَدُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الأمْشاجُ: الأخْلاطُ لِأنَّها مُمْتَزِجَةٌ مِن أنْواعٍ يُخْلَقُ الإنْسانُ مِنها وطِباعٌ مُخْتَلِفَةٌ. وقِيلَ الأمْشاجُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ كَبِرْمَةِ أعْشارٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا وُقُوعُهُ نَعْتًا لِنُطْفَةٍ، وجُمْلَةُ نَبْتَلِيهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ خَلَقْنا: أيْ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الإنْسانِ، والمَعْنى: نَبْتَلِيهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ وبِالتَّكالِيفِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ نَبْتَلِيهِ وهي مُقَدِّمَةٌ مَعْناها التَّأْخِيرُ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الخِلْقَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الحالُ مُقَدَّرَةً، وقِيلَ مُقارَنَةً. وقِيلَ مَعْنى الِابْتِلاءِ: نَقْلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أعْطاهُ ما يَصِحُّ مَعَهُ الِابْتِلاءُ فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ أيْ بَيَّنّا لَهُ وعَرَّفْناهُ طَرِيقَ الهُدى والضَّلالِ والخَيْرِ والشَّرِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] قالَ مُجاهِدٌ: أيْ بَيَّنّا السَّبِيلَ إلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: السَّبِيلُ هُنا خُرُوجُهُ مِنَ الرَّحِمِ، وقِيلَ مَنافِعُهُ ومَضارُّهُ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها بِطَبْعِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ. وانْتِصابُ شاكِرًا وكَفُورًا عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ هَدَيْناهُ: أيْ مَكَّنّاهُ مِن سُلُوكِ الطَّرِيقِ في حالَتَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ عَلى الحالِ مِن ( سَبِيلٍ ) عَلى المَجازِ: أيْ عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ إمّا سَبِيلًا شاكِرًا وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا. وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ إمّا هي ( إنْ ) شُرْطِيَّةٌ زِيدَتْ بَعْدَها ما: أيْ بَيَّنّا لَهُ الطَّرِيقَ إنْ شَكَرَ وإنْ كَفَرَ. واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، ولا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ لِأنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ لا تَدْخُلُ عَلى الأسْماءِ إلّا أنْ يُضْمَرَ بَعْدَها فِعْلٌ، ولا يَصِحُّ هُنا إضْمارُ الفِعْلِ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ رَفْعُ شاكِرًا وكَفُورًا. ويُمْكِنُ أنْ يُضْمَرَ فِعْلٌ يَنْصِبُ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا )، وتَقْدِيرُهُ: إنْ خَلَقْناهُ شاكِرًا فَشَكُورٌ وإنْ خَلَقْناهُ كافِرًا فَكَفُورٌ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إمّا. وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وأبُو العَجّاجِ بِفَتْحِها، وهي عَلى الفَتْحِ إمّا العاطِفَةُ في لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، أوْ هي التَّفْصِيلِيَّةُ وجَوابُها مُقَدَّرٌ، وقِيلَ انْتَصَبَ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا ) بِإضْمارِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: سَواءٌ كانَ شاكِرًا أوْ كانَ كَفُورًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " سَلاسِلًا " بِالتَّنْوِينِ، ووَقَفَ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ وقَفُوا بِالألِفِ. ووَجْهُ مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ في " سَلاسِلَ " مَعَ كَوْنِ فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ أنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّناسُبَ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وهو ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾، وما بَعْدَهُ وهو أغْلالًا وسَعِيرًا مُنَوَّنٌ، أوْ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا يَنْصَرِفُ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ. قالَ الأخْفَشُ: سَمِعْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يَنْصَرِفُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْماءِ الصَّرْفُ وتَرَكَ الصَّرْفَ لِعارِضٍ فِيها. قالَ الفَرّاءُ: هو عَلى لُغَةِ مَن يَجُرُّ الأسْماءَ كُلَّها إلّا قَوْلُهم: هو أظْرَفُ مِنكَ فَإنَّهم لا يَجُرُّونَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ذَلِكَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎كَأنَّ سُيُوفَنا فِينا وفِيهِمْ ∗∗∗ مَخارِيقٌ بِأيْدِي لاعِبِينا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسِ الأبْصارِ بِكَسْرِ السِّينِ مِن " نَواكِسِ " . وقَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎وحَسُورِ أسْتارٍ دَعُونِي لِحَتْفِها ∗∗∗ بِمَعالِقٍ مُتَشابِهٌ أعْلاقُها . وقَوْلُهُ أيْضًا: ؎فَضْلًا وذُو كَرَمٍ يُعِينُ عَلى النَّدى ∗∗∗ سَمْحٌ لِشَوْبِ رَغائِبٍ غَنّامُها وقِيلَ إنَّ التَّنْوِينَ لِمُوافَقَةِ رَسْمِ المَصاحِفِ المَكِّيَّةِ والمَدَنِيَّةِ والكُوفِيَّةِ فَإنَّها فِيها بِالألِفِ، وقِيلَ إنَّ هَذا التَّنْوِينَ بَدَلٌ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ، ويَجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، والسَّلاسِلُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والخِلافُ فِيها هَلْ هي القُيُودُ، أوْ ما يُجْعَلُ في الأعْناقِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ؎ولَكِنْ ∗∗∗ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ تُغَلُّ بِهِ الأيْدِي إلى الأعْناقِ، والسَّعِيرُ: الوَقُودُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّهُ لِلشّاكِرِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ . الأبْرارُ: أهْلُ الطّاعَةِ والإخْلاصِ، والصِّدْقُ جَمْعُ بَرٍّ أوْ بارٍّ. قالَ في الصَّحّاحِ: جَمْعُ البَرِّ الأبْرارُ، وجَمْعُ البارِّ البَرَرَةُ، وفُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ ويَبْرُرُهُ: أيْ يُطِيعُهُ. وقالَ الحَسَنُ: البَرُّ الَّذِي لا يُؤْذِي الذَّرَّ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْرارُ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ حَقَّ اللَّهِ ويُوفُونَ بِالنَّذْرِ. (p-١٥٦٤)والكَأْسُ في اللُّغَةِ هو الإناءُ الَّذِي فِيهِ الشَّرابُ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الشَّرابُ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِالزُّجاجَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ الزُّجاجِ ومِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والصِّينِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَتْ كاساتُ العَرَبِ مِن أجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الكَأْسُ عَلى نَفْسِ الخَمْرِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَأْسٌ شُرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ أيْ يُخالِطُها وتُمْزَجُ بِهِ، يُقالُ مَزَجَهُ يَمْزُجُهُ مَزْجًا: أيْ خَلَطَهُ يَخْلِطُهُ خَلْطًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَأنَّ سَبِيَّةً مِن بَيْتِ رَأْسٍ ∗∗∗ كَأنَّ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا ؎مُعَتَّقَةً كَأنَّ الحُصَّ فِيها ∗∗∗ إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينا ومِنهُ مِزاجُ البَدَنِ، وهو ما يُمازِجُهُ مِنَ الأخْلاطِ، والكافُورُ قِيلَ: هو اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ يُقالُ لَها الكافُورِيُّ تُمْزَجُ خَمْرُ الجَنَّةِ بِماءِ هَذِهِ العَيْنِ. وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: تُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ لَهم بِالمِسْكِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مِزاجُها طَعْمُها، وقِيلَ إنَّما الكافُورُ في رِيحِها لا في طَعْمِها. وقِيلَ إنَّما أرادَ الكافُورَ في بَياضِهِ وطِيبِ رائِحَتِهِ وبَرْدِهِ؛ لِأنَّ الكافُورَ لا يُشْرَبُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: طَيَّبَها المِسْكُ والكافُورُ والزَّنْجَبِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَيْسَ هو كافُورُ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّى اللَّهُ ما عِنْدَهُ بِما عِنْدَكم حَتّى تَهْتَدِيَ لَهُ القُلُوبُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِكَأْسٍ. وقِيلَ إنَّ " كانَ " هُنا زائِدَةٌ: أيْ مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورٌ. ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كافُورًا؛ لِأنَّ ماءَها في بَياضِ الكافُورِ. وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّها بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ( مِن كَأْسٍ ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرُ عَيْنٍ، وقِيلَ إنَّها مُنْتَصِبَةٌ عَلى أنَّها مَفْعُولُ يَشْرَبُونَ: أيْ عَيْنًا مِن كَأْسٍ، وقِيلَ هي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَهُ الأخْفَشُ وقِيلَ مُنْتَصِبَةٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ: أيْ يَشْرَبُونَ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِ عَيْنًا. وقِيلَ إنَّ الباءَ في ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ زائِدَةٌ، وقِيلَ بِمَعْنى " مَن " قالَهُ الزَّجّاجُ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " يَشْرَبُها عِبادُ اللَّهِ " . وقِيلَ إنَّ " يَشْرَبُ " مُضَمَّنٌ مَعْنى يَلْتَذُّ، وقِيلَ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( يَشْرَبُ )، والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الكَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَشْرَبُها ويَشْرَبُ بِها سَواءٌ في المَعْنى، وكَأنَّ يَشْرَبُ بِها يُرْوى بِها ويُنْتَفَعُ بِها، وأنْشَدَ قَوْلَ الهُذَلِيِّ: ؎شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ قالَ: ومِثْلُهُ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ حَسَنٍ، وتَكَلَّمَ كَلامًا حَسَنًا ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أيْ يَجُرُّونَها إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ ويَنْتَفِعُونَ بِها كَما يَشاءُونَ ويَتْبَعُهم ماؤُها إلى كُلِّ مَكانٍ يُرِيدُونَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَهم يَشُقُّونَها شَقًّا كَما يُشَقُّ النَّهْرُ ويُفَجَّرُ إلى هُنا وهُنا. قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها حَيْثُ شاءُوا وتَتْبَعُهم حَيْثُ مالُوا مالَتْ مَعَهم، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِ عَيْنًا. وجُمْلَةُ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُسُوقَةٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ رُزِقُوا ما ذَكَرَ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْها. ومَعْنى النَّذْرِ في اللُّغَةِ الإيجابُ، والمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعاتِ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: يُوفُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ مِنَ الصَّلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِما. وقالَ عِكْرِمَةُ: يُوفُونَ إذا نَذَرُوا في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والنَّذْرُ في الشَّرْعِ ما أوْجَبَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ إضْمارٌ: أيْ كانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ في الدُّنْيا. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُوفُونَ بِالعَهْدِ: أيْ يُتَمِّمُونَ العَهْدَ. والأوْلى حَمْلُ النَّذْرِ هُنا عَلى ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْنى اسْتِطارَةُ شَرِّهِ فَشُوُّهَ وانْتِشارُهُ، يُقالُ اسْتَطارَ يَسْتَطِيرُ اسْتِطارَةً فَهو مُسْتَطِيرٌ، وهو اسْتَفْعَلَ مِنَ الطَّيَرانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَباتَتْ وقَدْ أثارَتْ في الفُؤا ∗∗∗ دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرا والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَطارَ الصَّدْعُ في القارُورَةِ والزُّجاجَةِ: إذا امْتَدَّ، ويُقالُ اسْتِطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ. قالَ الفَرّاءُ: المُسْتَطِيرُ: المُسْتَطِيلُ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَطارَ شَرُّ ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى مَلَأ السَّماواتِ والأرْضَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّماواتِ فانْشَقَّتْ وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ نُسِفَتِ الجِبالُ وغارَتِ المِياهُ. ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ أيْ يُطْعِمُونَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الأصْنافِ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ لَدَيْهِمْ وقِلَّتِهِ عِنْدَهم. قالَ مُجاهِدٌ: عَلى قِلَّتِهِ وحُبِّهِمْ إيّاهُ وشَهْوَتِهِمْ لَهُ؛ فَقَوْلُهُ عَلى حُبِّهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنَيْنِ عَلى حُبِّهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقِيلَ عَلى حُبِّ الإطْعامِ لِرَغْبَتِهِمْ في الخَيْرِ. قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ إطْعامِ الطَّعامِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في حُبِّهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّ اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّ اللَّهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ والمِسْكِينُ ذُو المَسْكَنَةِ، وهو الفَقِيرُ، أوْ مَن هو أفْقَرُ مِنَ الفَقِيرِ، والمُرادُ بِاليَتِيمِ يَتامى المُسْلِمِينَ، والأسِيرُ الَّذِي يُؤْسَرُ فَيُحْبَسُ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: الأسِيرُ: المَحْبُوسُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الأسِيرُ: العَبْدُ. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: الأسِيرُ: المَرْأةُ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَسَخَ هَذا الإطْعامَ آيَةُ الصَّدَقاتِ وآيَةُ السَّيْفِ في حَقِّ الأسِيرِ الكافِرِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ هي مُحْكَمَةٌ، وإطْعامُ المِسْكِينِ واليَتِيمِ عَلى التَّطَوُّعِ، وإطْعامُ الأسِيرِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ إلى أنْ يَتَخَيَّرَ فِيهِ الإمامُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ إنَّما نُطْعِمُكم، أوْ قائِلِينَ إنَّما نُطْعِمُكم: يَعْنِي أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ المُكافَأةَ ولا يُرِيدُونَ ثَناءَ النّاسِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ يَسْتَكْمِلُوا بِهَذا ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهَذا ولَكِنْ عِلْمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ وعَلِمَ مِن ثَنائِهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ (p-١٥٦٥)خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ورَجاءَ ثَوابِهِ ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أيْ لا نَطْلُبُ مِنكُمُ المُجازاةَ عَلى هَذا الإطْعامِ ولا نُرِيدُ مِنكُمُ الشُّكْرَ لَنا، بَلْ هو خالِصٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ مَن أطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ لا يُرِيدُ المُكافَأةَ ولا يَطْلُبُ الشُّكْرَ لَهُ مِمَّنْ أطْعَمَهُ. ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ أيْ نَخافُ عَذابَ يَوْمٍ مُتَّصِفٍ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ومَعْنى عَبُوسًا: أنَّهُ يَوْمٌ تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ مِن هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ، فالمَعْنى: أنَّهُ ذُو عَبُوسٍ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرَ قالَ الأخْفَشُ: القَمْطَرِيرُ أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلُهُ في البَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولَجَّ بِها اليَوْمُ العَبُوسُ القُماطِرُ . قالَ الكِسائِيُّ: اقْمَطَرَّ اليَوْمَ وازْمَهَرَّ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بَنُو الحَرْبِ أوْصَيْنا لَهم بِقَمْطَرَةٍ ∗∗∗ ومَن يَلْقَ مِنّا ذَلِكَ اليَوْمَ يَهْرُبِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ العُبُوسَ بِالشَّفَتَيْنِ، والقِطْمِيرُ بِالجَبْهَةِ والحاجِبَيْنِ، فَجَعَلَهُما مِن صِفاتِ المُتَغَيِّرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما يَراهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎يَقْدِرُ عَلى الصَّيْدِ بِعُودٍ مُنْكَسِرْ ∗∗∗ ويُقَمْطِرُ ساعَةً ويَكْفَهِرْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: قَمْطَرِيرٌ: أيْ مُنْقَبِضٌ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ والحاجِبَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ: إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها ما يَسْبِقُها مِنَ القَطْرِ، وجَعَلَ المِيمَ مَزِيدَةً. ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ أيْ أعْطاهم بَدَلَ العُبُوسِ في الكُفّارِ نَضْرَةً في الوُجُوهِ وسُرُورًا في القُلُوبِ. قالَ الضَّحّاكُ: والنَّضْرَةُ البَياضُ والنَّقاءُ في وُجُوهِهِمْ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، الحُسْنُ والبَهاءُ، وقِيلَ النَّضْرَةُ أثَرُ النِّعْمَةِ. ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى التَّكالِيفِ، وقِيلَ عَلى الفَقْرِ، وقِيلَ عَلى الجُوعِ، وقِيلَ عَلى الصَّوْمِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى الصَّبْرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ طاعَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: بِصَبْرِهِمْ ﴿جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ أيْ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ وألْبَسَهُمُ الحَرِيرَ، وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ عِوَضًا عَنْ تَرْكِهِ في الدُّنْيا امْتِثالًا لِما ورَدَ في الشَّرْعِ مِن تَحْرِيمِهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ العُمُومُ في كُلِّ مَن خافَ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ وخافَ مِن عَذابِهِ، والسَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا كَما سَيَأْتِي فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ويَدْخُلُ سَبَبُ التَّنْزِيلِ تَحْتَ عُمُومِها دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ قالَ: كُلِّ إنْسانٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: أمْشاجٍ قالَ أمْشاجُها عُرُوقُها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أمْشاجٍ قالَ: العُرُوقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ قالَ: ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ حِينَ يَخْتَلِطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: أمْشاجٍ ألْوانٍ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ وحَمْراءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ خَضْراءُ وحَمْراءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأمْشاجُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلى أثَرِ البَوْلِ كَقِطَعِ الأوْتارِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: وأسِيرًا قالَ: هو المُشْرِكُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: مِسْكِينًا قالَ: فَقِيرًا ويَتِيمًا قالَ لا أبَ لَهُ وأسِيرًا قالَ: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ قالَ: ضَيِّقًا قَمْطَرِيرًا قالَ: طَوِيلًا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قالَ: يَقْبِضُ ما بَيْنَ الأبْصارِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَمْطَرِيرُ الرَّجُلُ المُنْقَبِضُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ ووَجْهِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ قالَ: نَضْرَةً في وُجُوهِهِمْ وسُرُورًا في صُدُورِهِمْ.

الإنسان 76:2

قالَ الجُمْهُورُ: هي مَدَنِيَّةٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقِيلَ فِيها مَكِّيٌّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وما قَبْلَهُ مَدَنِيٌّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلْ واسْتَفْهِمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنا بِالألْوانِ والصُّوَرِ والنُّبُوَّةِ أفَرَأيْتَ إنْ آمَنتُ بِما آمَنتَ بِهِ وعَمِلْتُ بِما عَمِلْتَ بِهِ، أنِّي كائِنٌ مَعَكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُرى بَياضُ الأسْوَدِ في الجَنَّةِ مِن مَسِيرَةِ ألْفِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ حَسَنَةً، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ الحَبَشِيُّ: وإنَّ عَيْنِي لِتَرى ما تَرى عَيْناكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ، فاشْتَكى حَتّى فاضَتْ نَفْسُهُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدْلِيهِ في حُفْرَتِهِ بِيَدِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ قالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ «أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ كانَ يَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أكْثَرْتَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ: مَهْ يا عُمَرُ. وأُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حَتّى إذا أتى عَلى ذِكْرِ الجَنَّةِ زَفَرَ الأسْوَدُ زَفْرَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ماتَ شَوْقًا إلى الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مُنَيْعٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ، واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعِداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ المَعانِي أنَّ هَلْ هُنا بِمَعْنى قَدْ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، وقَدْ قالَ بِهَذا سِيبَوَيْهِ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: " هَلْ " تَكُونُ جَحْدًا وتَكُونُ خَبَرًا فَهَذا مِنَ الخَبَرِ لِأنَّكَ تَقُولُ: هَلْ أعْطَيْتُكَ، تُقَرِّرُهُ بِأنَّكَ أعْطَيْتَهُ، والجَحْدُ أنْ تَقُولَ: هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا، وقِيلَ هي وإنْ كانَتْ بِمَعْنى " قَدْ " فَفِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. والأصْلُ أهَلْ أتى، فالمَعْنى: أقَدْ أتى، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيبِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا آدَمُ، قالَ قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ قِيلَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقِيلَ إنَّهُ خُلِقَ مِن طِينِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن صَلْصالٍ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ الحِينُ المَذْكُورُ هُنا لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ بَنُو آدَمَ، والحِينُ مُدَّةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الإنْسانِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِحِينٍ. قالَ الفَرّاءُ، وقُطْرُبٌ، وثَعْلَبٌ: المَعْنى أنَّهُ كانَ جَسَدًا مُصَوَّرًا تُرابًا وطِينًا لا يُذْكَرُ ولا يُعْرَفُ ولا يُدْرى ما اسْمُهُ ولا ما يُرادُ بِهِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصارَ مَذْكُورًا. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في الخَلْقِ وإنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقِيلَ لَيْسَ المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الإخْبارُ، فَإنَّ إخْبارَ الرَّبِّ عَنِ الكائِناتِ قَدِيمٌ، بَلْ هو الذِّكْرُ بِمَعْنى (p-١٥٦٣)الخَطَرِ والشَّرَفِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ . قالَ القُشَيْرِيُّ: ما كانَ مَذْكُورًا لِلْخَلْقِ وإنْ كانَ مَذْكُورًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الفَرّاءُ: كانَ شَيْئًا ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا. فَجُعِلَ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ. وقِيلَ المَعْنى: قَدْ مَضَتْ أزْمِنَةٌ وما كانَ آدَمُ شَيْئًا ولا مَخْلُوقًا ولا مَذْكُورًا لِأحَدٍ مِنَ الخَلِيقَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ: هَلْ أتى حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؛ لِأنَّهُ خَلَقَهُ بَعْدَ خَلْقِ الحَيَوانِ كُلِّهِ ولَمْ يَخْلُقْ بَعْدَهُ حَيَوانًا. ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا ابْنُ آدَمَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: مِن غَيْرِ خِلافٍ، والنُّطْفَةُ: الماءُ الَّذِي يُقَطَّرُ، وهو المَنِيُّ وكُلُّ ماءٍ قَلِيلٌ في وِعاءٍ فَهو نُطْفَةٌ، وجَمْعُها نُطَفٌ، وأمْشاجٍ صِفَةٌ لِنُطْفَةٍ، وهي جَمْعُ مُشُجٍ، أوْ مَشِيجٍ، وهي الأخْلاطُ، والمُرادُ نُطْفَةُ الرَّجُلِ ونُطْفَةُ المَرْأةِ واخْتِلاطُهُما. يُقالُ مَشَجَ هَذا بِهَذا فَهو مَمْشُوجٌ: أيْ خَلَطَ هَذا بِهَذا فَهو مَخْلُوطٌ. قالَ المُبَرِّدُ: مَشَجَ يَمْشُجُ: إذا اخْتَلَطَ، وهو هُنا اخْتِلاطُ النُّطْفَةِ بِالدَّمِ. قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ؎يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعَجَّلٍ مَشّاجٍ لَمْ يُكْسَ جِلْدًا مِن دَمٍ أمْشاجِ قالَ الفَرّاءُ: أمْشاجٌ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ والدَّمِ والعَلَقَةِ، ويُقالُ مَشَجَ هَذا: إذا خَلَطَ، وقِيلَ الأمْشاجُ: الحُمْرَةُ في البَياضِ والبَياضُ في الحُمْرَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ يَخْتارُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ الهُذَلِيُّ: ؎كَأنَّ الرِّيشَ والوَقَّيْنَ مِنهُ ∗∗∗ حِلافُ النَّصْلِ نِيطَ بِهِ مَشِيجُ وذَلِكَ لِأنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ غَلِيظٌ وماءُ المَرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ فَيُخْلَقُ مِنهُما الوَلَدُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الأمْشاجُ: الأخْلاطُ لِأنَّها مُمْتَزِجَةٌ مِن أنْواعٍ يُخْلَقُ الإنْسانُ مِنها وطِباعٌ مُخْتَلِفَةٌ. وقِيلَ الأمْشاجُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ كَبِرْمَةِ أعْشارٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا وُقُوعُهُ نَعْتًا لِنُطْفَةٍ، وجُمْلَةُ نَبْتَلِيهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ خَلَقْنا: أيْ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الإنْسانِ، والمَعْنى: نَبْتَلِيهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ وبِالتَّكالِيفِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ نَبْتَلِيهِ وهي مُقَدِّمَةٌ مَعْناها التَّأْخِيرُ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الخِلْقَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الحالُ مُقَدَّرَةً، وقِيلَ مُقارَنَةً. وقِيلَ مَعْنى الِابْتِلاءِ: نَقْلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أعْطاهُ ما يَصِحُّ مَعَهُ الِابْتِلاءُ فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ أيْ بَيَّنّا لَهُ وعَرَّفْناهُ طَرِيقَ الهُدى والضَّلالِ والخَيْرِ والشَّرِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] قالَ مُجاهِدٌ: أيْ بَيَّنّا السَّبِيلَ إلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: السَّبِيلُ هُنا خُرُوجُهُ مِنَ الرَّحِمِ، وقِيلَ مَنافِعُهُ ومَضارُّهُ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها بِطَبْعِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ. وانْتِصابُ شاكِرًا وكَفُورًا عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ هَدَيْناهُ: أيْ مَكَّنّاهُ مِن سُلُوكِ الطَّرِيقِ في حالَتَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ عَلى الحالِ مِن ( سَبِيلٍ ) عَلى المَجازِ: أيْ عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ إمّا سَبِيلًا شاكِرًا وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا. وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ إمّا هي ( إنْ ) شُرْطِيَّةٌ زِيدَتْ بَعْدَها ما: أيْ بَيَّنّا لَهُ الطَّرِيقَ إنْ شَكَرَ وإنْ كَفَرَ. واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، ولا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ لِأنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ لا تَدْخُلُ عَلى الأسْماءِ إلّا أنْ يُضْمَرَ بَعْدَها فِعْلٌ، ولا يَصِحُّ هُنا إضْمارُ الفِعْلِ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ رَفْعُ شاكِرًا وكَفُورًا. ويُمْكِنُ أنْ يُضْمَرَ فِعْلٌ يَنْصِبُ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا )، وتَقْدِيرُهُ: إنْ خَلَقْناهُ شاكِرًا فَشَكُورٌ وإنْ خَلَقْناهُ كافِرًا فَكَفُورٌ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إمّا. وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وأبُو العَجّاجِ بِفَتْحِها، وهي عَلى الفَتْحِ إمّا العاطِفَةُ في لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، أوْ هي التَّفْصِيلِيَّةُ وجَوابُها مُقَدَّرٌ، وقِيلَ انْتَصَبَ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا ) بِإضْمارِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: سَواءٌ كانَ شاكِرًا أوْ كانَ كَفُورًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " سَلاسِلًا " بِالتَّنْوِينِ، ووَقَفَ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ وقَفُوا بِالألِفِ. ووَجْهُ مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ في " سَلاسِلَ " مَعَ كَوْنِ فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ أنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّناسُبَ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وهو ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾، وما بَعْدَهُ وهو أغْلالًا وسَعِيرًا مُنَوَّنٌ، أوْ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا يَنْصَرِفُ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ. قالَ الأخْفَشُ: سَمِعْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يَنْصَرِفُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْماءِ الصَّرْفُ وتَرَكَ الصَّرْفَ لِعارِضٍ فِيها. قالَ الفَرّاءُ: هو عَلى لُغَةِ مَن يَجُرُّ الأسْماءَ كُلَّها إلّا قَوْلُهم: هو أظْرَفُ مِنكَ فَإنَّهم لا يَجُرُّونَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ذَلِكَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎كَأنَّ سُيُوفَنا فِينا وفِيهِمْ ∗∗∗ مَخارِيقٌ بِأيْدِي لاعِبِينا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسِ الأبْصارِ بِكَسْرِ السِّينِ مِن " نَواكِسِ " . وقَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎وحَسُورِ أسْتارٍ دَعُونِي لِحَتْفِها ∗∗∗ بِمَعالِقٍ مُتَشابِهٌ أعْلاقُها . وقَوْلُهُ أيْضًا: ؎فَضْلًا وذُو كَرَمٍ يُعِينُ عَلى النَّدى ∗∗∗ سَمْحٌ لِشَوْبِ رَغائِبٍ غَنّامُها وقِيلَ إنَّ التَّنْوِينَ لِمُوافَقَةِ رَسْمِ المَصاحِفِ المَكِّيَّةِ والمَدَنِيَّةِ والكُوفِيَّةِ فَإنَّها فِيها بِالألِفِ، وقِيلَ إنَّ هَذا التَّنْوِينَ بَدَلٌ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ، ويَجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، والسَّلاسِلُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والخِلافُ فِيها هَلْ هي القُيُودُ، أوْ ما يُجْعَلُ في الأعْناقِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ؎ولَكِنْ ∗∗∗ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ تُغَلُّ بِهِ الأيْدِي إلى الأعْناقِ، والسَّعِيرُ: الوَقُودُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّهُ لِلشّاكِرِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ . الأبْرارُ: أهْلُ الطّاعَةِ والإخْلاصِ، والصِّدْقُ جَمْعُ بَرٍّ أوْ بارٍّ. قالَ في الصَّحّاحِ: جَمْعُ البَرِّ الأبْرارُ، وجَمْعُ البارِّ البَرَرَةُ، وفُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ ويَبْرُرُهُ: أيْ يُطِيعُهُ. وقالَ الحَسَنُ: البَرُّ الَّذِي لا يُؤْذِي الذَّرَّ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْرارُ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ حَقَّ اللَّهِ ويُوفُونَ بِالنَّذْرِ. (p-١٥٦٤)والكَأْسُ في اللُّغَةِ هو الإناءُ الَّذِي فِيهِ الشَّرابُ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الشَّرابُ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِالزُّجاجَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ الزُّجاجِ ومِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والصِّينِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَتْ كاساتُ العَرَبِ مِن أجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الكَأْسُ عَلى نَفْسِ الخَمْرِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَأْسٌ شُرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ أيْ يُخالِطُها وتُمْزَجُ بِهِ، يُقالُ مَزَجَهُ يَمْزُجُهُ مَزْجًا: أيْ خَلَطَهُ يَخْلِطُهُ خَلْطًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَأنَّ سَبِيَّةً مِن بَيْتِ رَأْسٍ ∗∗∗ كَأنَّ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا ؎مُعَتَّقَةً كَأنَّ الحُصَّ فِيها ∗∗∗ إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينا ومِنهُ مِزاجُ البَدَنِ، وهو ما يُمازِجُهُ مِنَ الأخْلاطِ، والكافُورُ قِيلَ: هو اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ يُقالُ لَها الكافُورِيُّ تُمْزَجُ خَمْرُ الجَنَّةِ بِماءِ هَذِهِ العَيْنِ. وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: تُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ لَهم بِالمِسْكِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مِزاجُها طَعْمُها، وقِيلَ إنَّما الكافُورُ في رِيحِها لا في طَعْمِها. وقِيلَ إنَّما أرادَ الكافُورَ في بَياضِهِ وطِيبِ رائِحَتِهِ وبَرْدِهِ؛ لِأنَّ الكافُورَ لا يُشْرَبُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: طَيَّبَها المِسْكُ والكافُورُ والزَّنْجَبِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَيْسَ هو كافُورُ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّى اللَّهُ ما عِنْدَهُ بِما عِنْدَكم حَتّى تَهْتَدِيَ لَهُ القُلُوبُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِكَأْسٍ. وقِيلَ إنَّ " كانَ " هُنا زائِدَةٌ: أيْ مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورٌ. ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كافُورًا؛ لِأنَّ ماءَها في بَياضِ الكافُورِ. وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّها بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ( مِن كَأْسٍ ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرُ عَيْنٍ، وقِيلَ إنَّها مُنْتَصِبَةٌ عَلى أنَّها مَفْعُولُ يَشْرَبُونَ: أيْ عَيْنًا مِن كَأْسٍ، وقِيلَ هي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَهُ الأخْفَشُ وقِيلَ مُنْتَصِبَةٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ: أيْ يَشْرَبُونَ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِ عَيْنًا. وقِيلَ إنَّ الباءَ في ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ زائِدَةٌ، وقِيلَ بِمَعْنى " مَن " قالَهُ الزَّجّاجُ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " يَشْرَبُها عِبادُ اللَّهِ " . وقِيلَ إنَّ " يَشْرَبُ " مُضَمَّنٌ مَعْنى يَلْتَذُّ، وقِيلَ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( يَشْرَبُ )، والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الكَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَشْرَبُها ويَشْرَبُ بِها سَواءٌ في المَعْنى، وكَأنَّ يَشْرَبُ بِها يُرْوى بِها ويُنْتَفَعُ بِها، وأنْشَدَ قَوْلَ الهُذَلِيِّ: ؎شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ قالَ: ومِثْلُهُ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ حَسَنٍ، وتَكَلَّمَ كَلامًا حَسَنًا ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أيْ يَجُرُّونَها إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ ويَنْتَفِعُونَ بِها كَما يَشاءُونَ ويَتْبَعُهم ماؤُها إلى كُلِّ مَكانٍ يُرِيدُونَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَهم يَشُقُّونَها شَقًّا كَما يُشَقُّ النَّهْرُ ويُفَجَّرُ إلى هُنا وهُنا. قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها حَيْثُ شاءُوا وتَتْبَعُهم حَيْثُ مالُوا مالَتْ مَعَهم، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِ عَيْنًا. وجُمْلَةُ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُسُوقَةٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ رُزِقُوا ما ذَكَرَ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْها. ومَعْنى النَّذْرِ في اللُّغَةِ الإيجابُ، والمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعاتِ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: يُوفُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ مِنَ الصَّلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِما. وقالَ عِكْرِمَةُ: يُوفُونَ إذا نَذَرُوا في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والنَّذْرُ في الشَّرْعِ ما أوْجَبَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ إضْمارٌ: أيْ كانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ في الدُّنْيا. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُوفُونَ بِالعَهْدِ: أيْ يُتَمِّمُونَ العَهْدَ. والأوْلى حَمْلُ النَّذْرِ هُنا عَلى ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْنى اسْتِطارَةُ شَرِّهِ فَشُوُّهَ وانْتِشارُهُ، يُقالُ اسْتَطارَ يَسْتَطِيرُ اسْتِطارَةً فَهو مُسْتَطِيرٌ، وهو اسْتَفْعَلَ مِنَ الطَّيَرانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَباتَتْ وقَدْ أثارَتْ في الفُؤا ∗∗∗ دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرا والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَطارَ الصَّدْعُ في القارُورَةِ والزُّجاجَةِ: إذا امْتَدَّ، ويُقالُ اسْتِطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ. قالَ الفَرّاءُ: المُسْتَطِيرُ: المُسْتَطِيلُ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَطارَ شَرُّ ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى مَلَأ السَّماواتِ والأرْضَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّماواتِ فانْشَقَّتْ وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ نُسِفَتِ الجِبالُ وغارَتِ المِياهُ. ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ أيْ يُطْعِمُونَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الأصْنافِ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ لَدَيْهِمْ وقِلَّتِهِ عِنْدَهم. قالَ مُجاهِدٌ: عَلى قِلَّتِهِ وحُبِّهِمْ إيّاهُ وشَهْوَتِهِمْ لَهُ؛ فَقَوْلُهُ عَلى حُبِّهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنَيْنِ عَلى حُبِّهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقِيلَ عَلى حُبِّ الإطْعامِ لِرَغْبَتِهِمْ في الخَيْرِ. قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ إطْعامِ الطَّعامِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في حُبِّهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّ اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّ اللَّهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ والمِسْكِينُ ذُو المَسْكَنَةِ، وهو الفَقِيرُ، أوْ مَن هو أفْقَرُ مِنَ الفَقِيرِ، والمُرادُ بِاليَتِيمِ يَتامى المُسْلِمِينَ، والأسِيرُ الَّذِي يُؤْسَرُ فَيُحْبَسُ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: الأسِيرُ: المَحْبُوسُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الأسِيرُ: العَبْدُ. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: الأسِيرُ: المَرْأةُ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَسَخَ هَذا الإطْعامَ آيَةُ الصَّدَقاتِ وآيَةُ السَّيْفِ في حَقِّ الأسِيرِ الكافِرِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ هي مُحْكَمَةٌ، وإطْعامُ المِسْكِينِ واليَتِيمِ عَلى التَّطَوُّعِ، وإطْعامُ الأسِيرِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ إلى أنْ يَتَخَيَّرَ فِيهِ الإمامُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ إنَّما نُطْعِمُكم، أوْ قائِلِينَ إنَّما نُطْعِمُكم: يَعْنِي أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ المُكافَأةَ ولا يُرِيدُونَ ثَناءَ النّاسِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ يَسْتَكْمِلُوا بِهَذا ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهَذا ولَكِنْ عِلْمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ وعَلِمَ مِن ثَنائِهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ (p-١٥٦٥)خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ورَجاءَ ثَوابِهِ ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أيْ لا نَطْلُبُ مِنكُمُ المُجازاةَ عَلى هَذا الإطْعامِ ولا نُرِيدُ مِنكُمُ الشُّكْرَ لَنا، بَلْ هو خالِصٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ مَن أطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ لا يُرِيدُ المُكافَأةَ ولا يَطْلُبُ الشُّكْرَ لَهُ مِمَّنْ أطْعَمَهُ. ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ أيْ نَخافُ عَذابَ يَوْمٍ مُتَّصِفٍ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ومَعْنى عَبُوسًا: أنَّهُ يَوْمٌ تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ مِن هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ، فالمَعْنى: أنَّهُ ذُو عَبُوسٍ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرَ قالَ الأخْفَشُ: القَمْطَرِيرُ أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلُهُ في البَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولَجَّ بِها اليَوْمُ العَبُوسُ القُماطِرُ . قالَ الكِسائِيُّ: اقْمَطَرَّ اليَوْمَ وازْمَهَرَّ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بَنُو الحَرْبِ أوْصَيْنا لَهم بِقَمْطَرَةٍ ∗∗∗ ومَن يَلْقَ مِنّا ذَلِكَ اليَوْمَ يَهْرُبِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ العُبُوسَ بِالشَّفَتَيْنِ، والقِطْمِيرُ بِالجَبْهَةِ والحاجِبَيْنِ، فَجَعَلَهُما مِن صِفاتِ المُتَغَيِّرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما يَراهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎يَقْدِرُ عَلى الصَّيْدِ بِعُودٍ مُنْكَسِرْ ∗∗∗ ويُقَمْطِرُ ساعَةً ويَكْفَهِرْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: قَمْطَرِيرٌ: أيْ مُنْقَبِضٌ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ والحاجِبَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ: إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها ما يَسْبِقُها مِنَ القَطْرِ، وجَعَلَ المِيمَ مَزِيدَةً. ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ أيْ أعْطاهم بَدَلَ العُبُوسِ في الكُفّارِ نَضْرَةً في الوُجُوهِ وسُرُورًا في القُلُوبِ. قالَ الضَّحّاكُ: والنَّضْرَةُ البَياضُ والنَّقاءُ في وُجُوهِهِمْ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، الحُسْنُ والبَهاءُ، وقِيلَ النَّضْرَةُ أثَرُ النِّعْمَةِ. ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى التَّكالِيفِ، وقِيلَ عَلى الفَقْرِ، وقِيلَ عَلى الجُوعِ، وقِيلَ عَلى الصَّوْمِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى الصَّبْرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ طاعَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: بِصَبْرِهِمْ ﴿جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ أيْ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ وألْبَسَهُمُ الحَرِيرَ، وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ عِوَضًا عَنْ تَرْكِهِ في الدُّنْيا امْتِثالًا لِما ورَدَ في الشَّرْعِ مِن تَحْرِيمِهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ العُمُومُ في كُلِّ مَن خافَ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ وخافَ مِن عَذابِهِ، والسَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا كَما سَيَأْتِي فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ويَدْخُلُ سَبَبُ التَّنْزِيلِ تَحْتَ عُمُومِها دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ قالَ: كُلِّ إنْسانٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: أمْشاجٍ قالَ أمْشاجُها عُرُوقُها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أمْشاجٍ قالَ: العُرُوقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ قالَ: ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ حِينَ يَخْتَلِطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: أمْشاجٍ ألْوانٍ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ وحَمْراءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ خَضْراءُ وحَمْراءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأمْشاجُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلى أثَرِ البَوْلِ كَقِطَعِ الأوْتارِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: وأسِيرًا قالَ: هو المُشْرِكُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: مِسْكِينًا قالَ: فَقِيرًا ويَتِيمًا قالَ لا أبَ لَهُ وأسِيرًا قالَ: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ قالَ: ضَيِّقًا قَمْطَرِيرًا قالَ: طَوِيلًا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قالَ: يَقْبِضُ ما بَيْنَ الأبْصارِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَمْطَرِيرُ الرَّجُلُ المُنْقَبِضُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ ووَجْهِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ قالَ: نَضْرَةً في وُجُوهِهِمْ وسُرُورًا في صُدُورِهِمْ.

الإنسان 76:3

قالَ الجُمْهُورُ: هي مَدَنِيَّةٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقِيلَ فِيها مَكِّيٌّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وما قَبْلَهُ مَدَنِيٌّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلْ واسْتَفْهِمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنا بِالألْوانِ والصُّوَرِ والنُّبُوَّةِ أفَرَأيْتَ إنْ آمَنتُ بِما آمَنتَ بِهِ وعَمِلْتُ بِما عَمِلْتَ بِهِ، أنِّي كائِنٌ مَعَكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُرى بَياضُ الأسْوَدِ في الجَنَّةِ مِن مَسِيرَةِ ألْفِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ حَسَنَةً، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ الحَبَشِيُّ: وإنَّ عَيْنِي لِتَرى ما تَرى عَيْناكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ، فاشْتَكى حَتّى فاضَتْ نَفْسُهُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدْلِيهِ في حُفْرَتِهِ بِيَدِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ قالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ «أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ كانَ يَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أكْثَرْتَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ: مَهْ يا عُمَرُ. وأُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حَتّى إذا أتى عَلى ذِكْرِ الجَنَّةِ زَفَرَ الأسْوَدُ زَفْرَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ماتَ شَوْقًا إلى الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مُنَيْعٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ، واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعِداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ المَعانِي أنَّ هَلْ هُنا بِمَعْنى قَدْ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، وقَدْ قالَ بِهَذا سِيبَوَيْهِ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: " هَلْ " تَكُونُ جَحْدًا وتَكُونُ خَبَرًا فَهَذا مِنَ الخَبَرِ لِأنَّكَ تَقُولُ: هَلْ أعْطَيْتُكَ، تُقَرِّرُهُ بِأنَّكَ أعْطَيْتَهُ، والجَحْدُ أنْ تَقُولَ: هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا، وقِيلَ هي وإنْ كانَتْ بِمَعْنى " قَدْ " فَفِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. والأصْلُ أهَلْ أتى، فالمَعْنى: أقَدْ أتى، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيبِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا آدَمُ، قالَ قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ قِيلَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقِيلَ إنَّهُ خُلِقَ مِن طِينِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن صَلْصالٍ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ الحِينُ المَذْكُورُ هُنا لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ بَنُو آدَمَ، والحِينُ مُدَّةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الإنْسانِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِحِينٍ. قالَ الفَرّاءُ، وقُطْرُبٌ، وثَعْلَبٌ: المَعْنى أنَّهُ كانَ جَسَدًا مُصَوَّرًا تُرابًا وطِينًا لا يُذْكَرُ ولا يُعْرَفُ ولا يُدْرى ما اسْمُهُ ولا ما يُرادُ بِهِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصارَ مَذْكُورًا. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في الخَلْقِ وإنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقِيلَ لَيْسَ المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الإخْبارُ، فَإنَّ إخْبارَ الرَّبِّ عَنِ الكائِناتِ قَدِيمٌ، بَلْ هو الذِّكْرُ بِمَعْنى (p-١٥٦٣)الخَطَرِ والشَّرَفِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ . قالَ القُشَيْرِيُّ: ما كانَ مَذْكُورًا لِلْخَلْقِ وإنْ كانَ مَذْكُورًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الفَرّاءُ: كانَ شَيْئًا ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا. فَجُعِلَ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ. وقِيلَ المَعْنى: قَدْ مَضَتْ أزْمِنَةٌ وما كانَ آدَمُ شَيْئًا ولا مَخْلُوقًا ولا مَذْكُورًا لِأحَدٍ مِنَ الخَلِيقَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ: هَلْ أتى حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؛ لِأنَّهُ خَلَقَهُ بَعْدَ خَلْقِ الحَيَوانِ كُلِّهِ ولَمْ يَخْلُقْ بَعْدَهُ حَيَوانًا. ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا ابْنُ آدَمَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: مِن غَيْرِ خِلافٍ، والنُّطْفَةُ: الماءُ الَّذِي يُقَطَّرُ، وهو المَنِيُّ وكُلُّ ماءٍ قَلِيلٌ في وِعاءٍ فَهو نُطْفَةٌ، وجَمْعُها نُطَفٌ، وأمْشاجٍ صِفَةٌ لِنُطْفَةٍ، وهي جَمْعُ مُشُجٍ، أوْ مَشِيجٍ، وهي الأخْلاطُ، والمُرادُ نُطْفَةُ الرَّجُلِ ونُطْفَةُ المَرْأةِ واخْتِلاطُهُما. يُقالُ مَشَجَ هَذا بِهَذا فَهو مَمْشُوجٌ: أيْ خَلَطَ هَذا بِهَذا فَهو مَخْلُوطٌ. قالَ المُبَرِّدُ: مَشَجَ يَمْشُجُ: إذا اخْتَلَطَ، وهو هُنا اخْتِلاطُ النُّطْفَةِ بِالدَّمِ. قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ؎يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعَجَّلٍ مَشّاجٍ لَمْ يُكْسَ جِلْدًا مِن دَمٍ أمْشاجِ قالَ الفَرّاءُ: أمْشاجٌ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ والدَّمِ والعَلَقَةِ، ويُقالُ مَشَجَ هَذا: إذا خَلَطَ، وقِيلَ الأمْشاجُ: الحُمْرَةُ في البَياضِ والبَياضُ في الحُمْرَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ يَخْتارُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ الهُذَلِيُّ: ؎كَأنَّ الرِّيشَ والوَقَّيْنَ مِنهُ ∗∗∗ حِلافُ النَّصْلِ نِيطَ بِهِ مَشِيجُ وذَلِكَ لِأنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ غَلِيظٌ وماءُ المَرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ فَيُخْلَقُ مِنهُما الوَلَدُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الأمْشاجُ: الأخْلاطُ لِأنَّها مُمْتَزِجَةٌ مِن أنْواعٍ يُخْلَقُ الإنْسانُ مِنها وطِباعٌ مُخْتَلِفَةٌ. وقِيلَ الأمْشاجُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ كَبِرْمَةِ أعْشارٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا وُقُوعُهُ نَعْتًا لِنُطْفَةٍ، وجُمْلَةُ نَبْتَلِيهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ خَلَقْنا: أيْ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الإنْسانِ، والمَعْنى: نَبْتَلِيهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ وبِالتَّكالِيفِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ نَبْتَلِيهِ وهي مُقَدِّمَةٌ مَعْناها التَّأْخِيرُ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الخِلْقَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الحالُ مُقَدَّرَةً، وقِيلَ مُقارَنَةً. وقِيلَ مَعْنى الِابْتِلاءِ: نَقْلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أعْطاهُ ما يَصِحُّ مَعَهُ الِابْتِلاءُ فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ أيْ بَيَّنّا لَهُ وعَرَّفْناهُ طَرِيقَ الهُدى والضَّلالِ والخَيْرِ والشَّرِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] قالَ مُجاهِدٌ: أيْ بَيَّنّا السَّبِيلَ إلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: السَّبِيلُ هُنا خُرُوجُهُ مِنَ الرَّحِمِ، وقِيلَ مَنافِعُهُ ومَضارُّهُ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها بِطَبْعِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ. وانْتِصابُ شاكِرًا وكَفُورًا عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ هَدَيْناهُ: أيْ مَكَّنّاهُ مِن سُلُوكِ الطَّرِيقِ في حالَتَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ عَلى الحالِ مِن ( سَبِيلٍ ) عَلى المَجازِ: أيْ عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ إمّا سَبِيلًا شاكِرًا وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا. وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ إمّا هي ( إنْ ) شُرْطِيَّةٌ زِيدَتْ بَعْدَها ما: أيْ بَيَّنّا لَهُ الطَّرِيقَ إنْ شَكَرَ وإنْ كَفَرَ. واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، ولا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ لِأنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ لا تَدْخُلُ عَلى الأسْماءِ إلّا أنْ يُضْمَرَ بَعْدَها فِعْلٌ، ولا يَصِحُّ هُنا إضْمارُ الفِعْلِ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ رَفْعُ شاكِرًا وكَفُورًا. ويُمْكِنُ أنْ يُضْمَرَ فِعْلٌ يَنْصِبُ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا )، وتَقْدِيرُهُ: إنْ خَلَقْناهُ شاكِرًا فَشَكُورٌ وإنْ خَلَقْناهُ كافِرًا فَكَفُورٌ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إمّا. وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وأبُو العَجّاجِ بِفَتْحِها، وهي عَلى الفَتْحِ إمّا العاطِفَةُ في لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، أوْ هي التَّفْصِيلِيَّةُ وجَوابُها مُقَدَّرٌ، وقِيلَ انْتَصَبَ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا ) بِإضْمارِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: سَواءٌ كانَ شاكِرًا أوْ كانَ كَفُورًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " سَلاسِلًا " بِالتَّنْوِينِ، ووَقَفَ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ وقَفُوا بِالألِفِ. ووَجْهُ مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ في " سَلاسِلَ " مَعَ كَوْنِ فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ أنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّناسُبَ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وهو ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾، وما بَعْدَهُ وهو أغْلالًا وسَعِيرًا مُنَوَّنٌ، أوْ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا يَنْصَرِفُ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ. قالَ الأخْفَشُ: سَمِعْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يَنْصَرِفُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْماءِ الصَّرْفُ وتَرَكَ الصَّرْفَ لِعارِضٍ فِيها. قالَ الفَرّاءُ: هو عَلى لُغَةِ مَن يَجُرُّ الأسْماءَ كُلَّها إلّا قَوْلُهم: هو أظْرَفُ مِنكَ فَإنَّهم لا يَجُرُّونَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ذَلِكَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎كَأنَّ سُيُوفَنا فِينا وفِيهِمْ ∗∗∗ مَخارِيقٌ بِأيْدِي لاعِبِينا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسِ الأبْصارِ بِكَسْرِ السِّينِ مِن " نَواكِسِ " . وقَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎وحَسُورِ أسْتارٍ دَعُونِي لِحَتْفِها ∗∗∗ بِمَعالِقٍ مُتَشابِهٌ أعْلاقُها . وقَوْلُهُ أيْضًا: ؎فَضْلًا وذُو كَرَمٍ يُعِينُ عَلى النَّدى ∗∗∗ سَمْحٌ لِشَوْبِ رَغائِبٍ غَنّامُها وقِيلَ إنَّ التَّنْوِينَ لِمُوافَقَةِ رَسْمِ المَصاحِفِ المَكِّيَّةِ والمَدَنِيَّةِ والكُوفِيَّةِ فَإنَّها فِيها بِالألِفِ، وقِيلَ إنَّ هَذا التَّنْوِينَ بَدَلٌ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ، ويَجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، والسَّلاسِلُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والخِلافُ فِيها هَلْ هي القُيُودُ، أوْ ما يُجْعَلُ في الأعْناقِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ؎ولَكِنْ ∗∗∗ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ تُغَلُّ بِهِ الأيْدِي إلى الأعْناقِ، والسَّعِيرُ: الوَقُودُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّهُ لِلشّاكِرِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ . الأبْرارُ: أهْلُ الطّاعَةِ والإخْلاصِ، والصِّدْقُ جَمْعُ بَرٍّ أوْ بارٍّ. قالَ في الصَّحّاحِ: جَمْعُ البَرِّ الأبْرارُ، وجَمْعُ البارِّ البَرَرَةُ، وفُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ ويَبْرُرُهُ: أيْ يُطِيعُهُ. وقالَ الحَسَنُ: البَرُّ الَّذِي لا يُؤْذِي الذَّرَّ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْرارُ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ حَقَّ اللَّهِ ويُوفُونَ بِالنَّذْرِ. (p-١٥٦٤)والكَأْسُ في اللُّغَةِ هو الإناءُ الَّذِي فِيهِ الشَّرابُ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الشَّرابُ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِالزُّجاجَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ الزُّجاجِ ومِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والصِّينِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَتْ كاساتُ العَرَبِ مِن أجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الكَأْسُ عَلى نَفْسِ الخَمْرِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَأْسٌ شُرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ أيْ يُخالِطُها وتُمْزَجُ بِهِ، يُقالُ مَزَجَهُ يَمْزُجُهُ مَزْجًا: أيْ خَلَطَهُ يَخْلِطُهُ خَلْطًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَأنَّ سَبِيَّةً مِن بَيْتِ رَأْسٍ ∗∗∗ كَأنَّ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا ؎مُعَتَّقَةً كَأنَّ الحُصَّ فِيها ∗∗∗ إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينا ومِنهُ مِزاجُ البَدَنِ، وهو ما يُمازِجُهُ مِنَ الأخْلاطِ، والكافُورُ قِيلَ: هو اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ يُقالُ لَها الكافُورِيُّ تُمْزَجُ خَمْرُ الجَنَّةِ بِماءِ هَذِهِ العَيْنِ. وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: تُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ لَهم بِالمِسْكِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مِزاجُها طَعْمُها، وقِيلَ إنَّما الكافُورُ في رِيحِها لا في طَعْمِها. وقِيلَ إنَّما أرادَ الكافُورَ في بَياضِهِ وطِيبِ رائِحَتِهِ وبَرْدِهِ؛ لِأنَّ الكافُورَ لا يُشْرَبُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: طَيَّبَها المِسْكُ والكافُورُ والزَّنْجَبِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَيْسَ هو كافُورُ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّى اللَّهُ ما عِنْدَهُ بِما عِنْدَكم حَتّى تَهْتَدِيَ لَهُ القُلُوبُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِكَأْسٍ. وقِيلَ إنَّ " كانَ " هُنا زائِدَةٌ: أيْ مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورٌ. ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كافُورًا؛ لِأنَّ ماءَها في بَياضِ الكافُورِ. وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّها بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ( مِن كَأْسٍ ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرُ عَيْنٍ، وقِيلَ إنَّها مُنْتَصِبَةٌ عَلى أنَّها مَفْعُولُ يَشْرَبُونَ: أيْ عَيْنًا مِن كَأْسٍ، وقِيلَ هي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَهُ الأخْفَشُ وقِيلَ مُنْتَصِبَةٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ: أيْ يَشْرَبُونَ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِ عَيْنًا. وقِيلَ إنَّ الباءَ في ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ زائِدَةٌ، وقِيلَ بِمَعْنى " مَن " قالَهُ الزَّجّاجُ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " يَشْرَبُها عِبادُ اللَّهِ " . وقِيلَ إنَّ " يَشْرَبُ " مُضَمَّنٌ مَعْنى يَلْتَذُّ، وقِيلَ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( يَشْرَبُ )، والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الكَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَشْرَبُها ويَشْرَبُ بِها سَواءٌ في المَعْنى، وكَأنَّ يَشْرَبُ بِها يُرْوى بِها ويُنْتَفَعُ بِها، وأنْشَدَ قَوْلَ الهُذَلِيِّ: ؎شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ قالَ: ومِثْلُهُ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ حَسَنٍ، وتَكَلَّمَ كَلامًا حَسَنًا ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أيْ يَجُرُّونَها إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ ويَنْتَفِعُونَ بِها كَما يَشاءُونَ ويَتْبَعُهم ماؤُها إلى كُلِّ مَكانٍ يُرِيدُونَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَهم يَشُقُّونَها شَقًّا كَما يُشَقُّ النَّهْرُ ويُفَجَّرُ إلى هُنا وهُنا. قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها حَيْثُ شاءُوا وتَتْبَعُهم حَيْثُ مالُوا مالَتْ مَعَهم، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِ عَيْنًا. وجُمْلَةُ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُسُوقَةٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ رُزِقُوا ما ذَكَرَ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْها. ومَعْنى النَّذْرِ في اللُّغَةِ الإيجابُ، والمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعاتِ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: يُوفُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ مِنَ الصَّلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِما. وقالَ عِكْرِمَةُ: يُوفُونَ إذا نَذَرُوا في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والنَّذْرُ في الشَّرْعِ ما أوْجَبَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ إضْمارٌ: أيْ كانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ في الدُّنْيا. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُوفُونَ بِالعَهْدِ: أيْ يُتَمِّمُونَ العَهْدَ. والأوْلى حَمْلُ النَّذْرِ هُنا عَلى ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْنى اسْتِطارَةُ شَرِّهِ فَشُوُّهَ وانْتِشارُهُ، يُقالُ اسْتَطارَ يَسْتَطِيرُ اسْتِطارَةً فَهو مُسْتَطِيرٌ، وهو اسْتَفْعَلَ مِنَ الطَّيَرانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَباتَتْ وقَدْ أثارَتْ في الفُؤا ∗∗∗ دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرا والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَطارَ الصَّدْعُ في القارُورَةِ والزُّجاجَةِ: إذا امْتَدَّ، ويُقالُ اسْتِطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ. قالَ الفَرّاءُ: المُسْتَطِيرُ: المُسْتَطِيلُ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَطارَ شَرُّ ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى مَلَأ السَّماواتِ والأرْضَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّماواتِ فانْشَقَّتْ وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ نُسِفَتِ الجِبالُ وغارَتِ المِياهُ. ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ أيْ يُطْعِمُونَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الأصْنافِ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ لَدَيْهِمْ وقِلَّتِهِ عِنْدَهم. قالَ مُجاهِدٌ: عَلى قِلَّتِهِ وحُبِّهِمْ إيّاهُ وشَهْوَتِهِمْ لَهُ؛ فَقَوْلُهُ عَلى حُبِّهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنَيْنِ عَلى حُبِّهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقِيلَ عَلى حُبِّ الإطْعامِ لِرَغْبَتِهِمْ في الخَيْرِ. قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ إطْعامِ الطَّعامِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في حُبِّهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّ اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّ اللَّهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ والمِسْكِينُ ذُو المَسْكَنَةِ، وهو الفَقِيرُ، أوْ مَن هو أفْقَرُ مِنَ الفَقِيرِ، والمُرادُ بِاليَتِيمِ يَتامى المُسْلِمِينَ، والأسِيرُ الَّذِي يُؤْسَرُ فَيُحْبَسُ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: الأسِيرُ: المَحْبُوسُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الأسِيرُ: العَبْدُ. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: الأسِيرُ: المَرْأةُ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَسَخَ هَذا الإطْعامَ آيَةُ الصَّدَقاتِ وآيَةُ السَّيْفِ في حَقِّ الأسِيرِ الكافِرِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ هي مُحْكَمَةٌ، وإطْعامُ المِسْكِينِ واليَتِيمِ عَلى التَّطَوُّعِ، وإطْعامُ الأسِيرِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ إلى أنْ يَتَخَيَّرَ فِيهِ الإمامُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ إنَّما نُطْعِمُكم، أوْ قائِلِينَ إنَّما نُطْعِمُكم: يَعْنِي أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ المُكافَأةَ ولا يُرِيدُونَ ثَناءَ النّاسِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ يَسْتَكْمِلُوا بِهَذا ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهَذا ولَكِنْ عِلْمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ وعَلِمَ مِن ثَنائِهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ (p-١٥٦٥)خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ورَجاءَ ثَوابِهِ ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أيْ لا نَطْلُبُ مِنكُمُ المُجازاةَ عَلى هَذا الإطْعامِ ولا نُرِيدُ مِنكُمُ الشُّكْرَ لَنا، بَلْ هو خالِصٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ مَن أطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ لا يُرِيدُ المُكافَأةَ ولا يَطْلُبُ الشُّكْرَ لَهُ مِمَّنْ أطْعَمَهُ. ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ أيْ نَخافُ عَذابَ يَوْمٍ مُتَّصِفٍ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ومَعْنى عَبُوسًا: أنَّهُ يَوْمٌ تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ مِن هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ، فالمَعْنى: أنَّهُ ذُو عَبُوسٍ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرَ قالَ الأخْفَشُ: القَمْطَرِيرُ أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلُهُ في البَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولَجَّ بِها اليَوْمُ العَبُوسُ القُماطِرُ . قالَ الكِسائِيُّ: اقْمَطَرَّ اليَوْمَ وازْمَهَرَّ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بَنُو الحَرْبِ أوْصَيْنا لَهم بِقَمْطَرَةٍ ∗∗∗ ومَن يَلْقَ مِنّا ذَلِكَ اليَوْمَ يَهْرُبِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ العُبُوسَ بِالشَّفَتَيْنِ، والقِطْمِيرُ بِالجَبْهَةِ والحاجِبَيْنِ، فَجَعَلَهُما مِن صِفاتِ المُتَغَيِّرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما يَراهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎يَقْدِرُ عَلى الصَّيْدِ بِعُودٍ مُنْكَسِرْ ∗∗∗ ويُقَمْطِرُ ساعَةً ويَكْفَهِرْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: قَمْطَرِيرٌ: أيْ مُنْقَبِضٌ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ والحاجِبَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ: إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها ما يَسْبِقُها مِنَ القَطْرِ، وجَعَلَ المِيمَ مَزِيدَةً. ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ أيْ أعْطاهم بَدَلَ العُبُوسِ في الكُفّارِ نَضْرَةً في الوُجُوهِ وسُرُورًا في القُلُوبِ. قالَ الضَّحّاكُ: والنَّضْرَةُ البَياضُ والنَّقاءُ في وُجُوهِهِمْ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، الحُسْنُ والبَهاءُ، وقِيلَ النَّضْرَةُ أثَرُ النِّعْمَةِ. ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى التَّكالِيفِ، وقِيلَ عَلى الفَقْرِ، وقِيلَ عَلى الجُوعِ، وقِيلَ عَلى الصَّوْمِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى الصَّبْرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ طاعَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: بِصَبْرِهِمْ ﴿جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ أيْ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ وألْبَسَهُمُ الحَرِيرَ، وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ عِوَضًا عَنْ تَرْكِهِ في الدُّنْيا امْتِثالًا لِما ورَدَ في الشَّرْعِ مِن تَحْرِيمِهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ العُمُومُ في كُلِّ مَن خافَ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ وخافَ مِن عَذابِهِ، والسَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا كَما سَيَأْتِي فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ويَدْخُلُ سَبَبُ التَّنْزِيلِ تَحْتَ عُمُومِها دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ قالَ: كُلِّ إنْسانٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: أمْشاجٍ قالَ أمْشاجُها عُرُوقُها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أمْشاجٍ قالَ: العُرُوقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ قالَ: ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ حِينَ يَخْتَلِطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: أمْشاجٍ ألْوانٍ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ وحَمْراءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ خَضْراءُ وحَمْراءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأمْشاجُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلى أثَرِ البَوْلِ كَقِطَعِ الأوْتارِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: وأسِيرًا قالَ: هو المُشْرِكُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: مِسْكِينًا قالَ: فَقِيرًا ويَتِيمًا قالَ لا أبَ لَهُ وأسِيرًا قالَ: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ قالَ: ضَيِّقًا قَمْطَرِيرًا قالَ: طَوِيلًا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قالَ: يَقْبِضُ ما بَيْنَ الأبْصارِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَمْطَرِيرُ الرَّجُلُ المُنْقَبِضُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ ووَجْهِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ قالَ: نَضْرَةً في وُجُوهِهِمْ وسُرُورًا في صُدُورِهِمْ.

الإنسان 76:4

قالَ الجُمْهُورُ: هي مَدَنِيَّةٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقِيلَ فِيها مَكِّيٌّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وما قَبْلَهُ مَدَنِيٌّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلْ واسْتَفْهِمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنا بِالألْوانِ والصُّوَرِ والنُّبُوَّةِ أفَرَأيْتَ إنْ آمَنتُ بِما آمَنتَ بِهِ وعَمِلْتُ بِما عَمِلْتَ بِهِ، أنِّي كائِنٌ مَعَكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُرى بَياضُ الأسْوَدِ في الجَنَّةِ مِن مَسِيرَةِ ألْفِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ حَسَنَةً، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ الحَبَشِيُّ: وإنَّ عَيْنِي لِتَرى ما تَرى عَيْناكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ، فاشْتَكى حَتّى فاضَتْ نَفْسُهُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدْلِيهِ في حُفْرَتِهِ بِيَدِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ قالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ «أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ كانَ يَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أكْثَرْتَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ: مَهْ يا عُمَرُ. وأُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حَتّى إذا أتى عَلى ذِكْرِ الجَنَّةِ زَفَرَ الأسْوَدُ زَفْرَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ماتَ شَوْقًا إلى الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مُنَيْعٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ، واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعِداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ المَعانِي أنَّ هَلْ هُنا بِمَعْنى قَدْ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، وقَدْ قالَ بِهَذا سِيبَوَيْهِ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: " هَلْ " تَكُونُ جَحْدًا وتَكُونُ خَبَرًا فَهَذا مِنَ الخَبَرِ لِأنَّكَ تَقُولُ: هَلْ أعْطَيْتُكَ، تُقَرِّرُهُ بِأنَّكَ أعْطَيْتَهُ، والجَحْدُ أنْ تَقُولَ: هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا، وقِيلَ هي وإنْ كانَتْ بِمَعْنى " قَدْ " فَفِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. والأصْلُ أهَلْ أتى، فالمَعْنى: أقَدْ أتى، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيبِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا آدَمُ، قالَ قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ قِيلَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقِيلَ إنَّهُ خُلِقَ مِن طِينِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن صَلْصالٍ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ الحِينُ المَذْكُورُ هُنا لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ بَنُو آدَمَ، والحِينُ مُدَّةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الإنْسانِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِحِينٍ. قالَ الفَرّاءُ، وقُطْرُبٌ، وثَعْلَبٌ: المَعْنى أنَّهُ كانَ جَسَدًا مُصَوَّرًا تُرابًا وطِينًا لا يُذْكَرُ ولا يُعْرَفُ ولا يُدْرى ما اسْمُهُ ولا ما يُرادُ بِهِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصارَ مَذْكُورًا. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في الخَلْقِ وإنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقِيلَ لَيْسَ المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الإخْبارُ، فَإنَّ إخْبارَ الرَّبِّ عَنِ الكائِناتِ قَدِيمٌ، بَلْ هو الذِّكْرُ بِمَعْنى (p-١٥٦٣)الخَطَرِ والشَّرَفِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ . قالَ القُشَيْرِيُّ: ما كانَ مَذْكُورًا لِلْخَلْقِ وإنْ كانَ مَذْكُورًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الفَرّاءُ: كانَ شَيْئًا ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا. فَجُعِلَ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ. وقِيلَ المَعْنى: قَدْ مَضَتْ أزْمِنَةٌ وما كانَ آدَمُ شَيْئًا ولا مَخْلُوقًا ولا مَذْكُورًا لِأحَدٍ مِنَ الخَلِيقَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ: هَلْ أتى حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؛ لِأنَّهُ خَلَقَهُ بَعْدَ خَلْقِ الحَيَوانِ كُلِّهِ ولَمْ يَخْلُقْ بَعْدَهُ حَيَوانًا. ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا ابْنُ آدَمَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: مِن غَيْرِ خِلافٍ، والنُّطْفَةُ: الماءُ الَّذِي يُقَطَّرُ، وهو المَنِيُّ وكُلُّ ماءٍ قَلِيلٌ في وِعاءٍ فَهو نُطْفَةٌ، وجَمْعُها نُطَفٌ، وأمْشاجٍ صِفَةٌ لِنُطْفَةٍ، وهي جَمْعُ مُشُجٍ، أوْ مَشِيجٍ، وهي الأخْلاطُ، والمُرادُ نُطْفَةُ الرَّجُلِ ونُطْفَةُ المَرْأةِ واخْتِلاطُهُما. يُقالُ مَشَجَ هَذا بِهَذا فَهو مَمْشُوجٌ: أيْ خَلَطَ هَذا بِهَذا فَهو مَخْلُوطٌ. قالَ المُبَرِّدُ: مَشَجَ يَمْشُجُ: إذا اخْتَلَطَ، وهو هُنا اخْتِلاطُ النُّطْفَةِ بِالدَّمِ. قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ؎يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعَجَّلٍ مَشّاجٍ لَمْ يُكْسَ جِلْدًا مِن دَمٍ أمْشاجِ قالَ الفَرّاءُ: أمْشاجٌ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ والدَّمِ والعَلَقَةِ، ويُقالُ مَشَجَ هَذا: إذا خَلَطَ، وقِيلَ الأمْشاجُ: الحُمْرَةُ في البَياضِ والبَياضُ في الحُمْرَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ يَخْتارُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ الهُذَلِيُّ: ؎كَأنَّ الرِّيشَ والوَقَّيْنَ مِنهُ ∗∗∗ حِلافُ النَّصْلِ نِيطَ بِهِ مَشِيجُ وذَلِكَ لِأنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ غَلِيظٌ وماءُ المَرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ فَيُخْلَقُ مِنهُما الوَلَدُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الأمْشاجُ: الأخْلاطُ لِأنَّها مُمْتَزِجَةٌ مِن أنْواعٍ يُخْلَقُ الإنْسانُ مِنها وطِباعٌ مُخْتَلِفَةٌ. وقِيلَ الأمْشاجُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ كَبِرْمَةِ أعْشارٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا وُقُوعُهُ نَعْتًا لِنُطْفَةٍ، وجُمْلَةُ نَبْتَلِيهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ خَلَقْنا: أيْ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الإنْسانِ، والمَعْنى: نَبْتَلِيهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ وبِالتَّكالِيفِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ نَبْتَلِيهِ وهي مُقَدِّمَةٌ مَعْناها التَّأْخِيرُ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الخِلْقَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الحالُ مُقَدَّرَةً، وقِيلَ مُقارَنَةً. وقِيلَ مَعْنى الِابْتِلاءِ: نَقْلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أعْطاهُ ما يَصِحُّ مَعَهُ الِابْتِلاءُ فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ أيْ بَيَّنّا لَهُ وعَرَّفْناهُ طَرِيقَ الهُدى والضَّلالِ والخَيْرِ والشَّرِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] قالَ مُجاهِدٌ: أيْ بَيَّنّا السَّبِيلَ إلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: السَّبِيلُ هُنا خُرُوجُهُ مِنَ الرَّحِمِ، وقِيلَ مَنافِعُهُ ومَضارُّهُ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها بِطَبْعِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ. وانْتِصابُ شاكِرًا وكَفُورًا عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ هَدَيْناهُ: أيْ مَكَّنّاهُ مِن سُلُوكِ الطَّرِيقِ في حالَتَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ عَلى الحالِ مِن ( سَبِيلٍ ) عَلى المَجازِ: أيْ عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ إمّا سَبِيلًا شاكِرًا وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا. وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ إمّا هي ( إنْ ) شُرْطِيَّةٌ زِيدَتْ بَعْدَها ما: أيْ بَيَّنّا لَهُ الطَّرِيقَ إنْ شَكَرَ وإنْ كَفَرَ. واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، ولا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ لِأنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ لا تَدْخُلُ عَلى الأسْماءِ إلّا أنْ يُضْمَرَ بَعْدَها فِعْلٌ، ولا يَصِحُّ هُنا إضْمارُ الفِعْلِ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ رَفْعُ شاكِرًا وكَفُورًا. ويُمْكِنُ أنْ يُضْمَرَ فِعْلٌ يَنْصِبُ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا )، وتَقْدِيرُهُ: إنْ خَلَقْناهُ شاكِرًا فَشَكُورٌ وإنْ خَلَقْناهُ كافِرًا فَكَفُورٌ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إمّا. وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وأبُو العَجّاجِ بِفَتْحِها، وهي عَلى الفَتْحِ إمّا العاطِفَةُ في لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، أوْ هي التَّفْصِيلِيَّةُ وجَوابُها مُقَدَّرٌ، وقِيلَ انْتَصَبَ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا ) بِإضْمارِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: سَواءٌ كانَ شاكِرًا أوْ كانَ كَفُورًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " سَلاسِلًا " بِالتَّنْوِينِ، ووَقَفَ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ وقَفُوا بِالألِفِ. ووَجْهُ مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ في " سَلاسِلَ " مَعَ كَوْنِ فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ أنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّناسُبَ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وهو ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾، وما بَعْدَهُ وهو أغْلالًا وسَعِيرًا مُنَوَّنٌ، أوْ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا يَنْصَرِفُ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ. قالَ الأخْفَشُ: سَمِعْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يَنْصَرِفُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْماءِ الصَّرْفُ وتَرَكَ الصَّرْفَ لِعارِضٍ فِيها. قالَ الفَرّاءُ: هو عَلى لُغَةِ مَن يَجُرُّ الأسْماءَ كُلَّها إلّا قَوْلُهم: هو أظْرَفُ مِنكَ فَإنَّهم لا يَجُرُّونَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ذَلِكَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎كَأنَّ سُيُوفَنا فِينا وفِيهِمْ ∗∗∗ مَخارِيقٌ بِأيْدِي لاعِبِينا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسِ الأبْصارِ بِكَسْرِ السِّينِ مِن " نَواكِسِ " . وقَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎وحَسُورِ أسْتارٍ دَعُونِي لِحَتْفِها ∗∗∗ بِمَعالِقٍ مُتَشابِهٌ أعْلاقُها . وقَوْلُهُ أيْضًا: ؎فَضْلًا وذُو كَرَمٍ يُعِينُ عَلى النَّدى ∗∗∗ سَمْحٌ لِشَوْبِ رَغائِبٍ غَنّامُها وقِيلَ إنَّ التَّنْوِينَ لِمُوافَقَةِ رَسْمِ المَصاحِفِ المَكِّيَّةِ والمَدَنِيَّةِ والكُوفِيَّةِ فَإنَّها فِيها بِالألِفِ، وقِيلَ إنَّ هَذا التَّنْوِينَ بَدَلٌ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ، ويَجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، والسَّلاسِلُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والخِلافُ فِيها هَلْ هي القُيُودُ، أوْ ما يُجْعَلُ في الأعْناقِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ؎ولَكِنْ ∗∗∗ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ تُغَلُّ بِهِ الأيْدِي إلى الأعْناقِ، والسَّعِيرُ: الوَقُودُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّهُ لِلشّاكِرِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ . الأبْرارُ: أهْلُ الطّاعَةِ والإخْلاصِ، والصِّدْقُ جَمْعُ بَرٍّ أوْ بارٍّ. قالَ في الصَّحّاحِ: جَمْعُ البَرِّ الأبْرارُ، وجَمْعُ البارِّ البَرَرَةُ، وفُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ ويَبْرُرُهُ: أيْ يُطِيعُهُ. وقالَ الحَسَنُ: البَرُّ الَّذِي لا يُؤْذِي الذَّرَّ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْرارُ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ حَقَّ اللَّهِ ويُوفُونَ بِالنَّذْرِ. (p-١٥٦٤)والكَأْسُ في اللُّغَةِ هو الإناءُ الَّذِي فِيهِ الشَّرابُ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الشَّرابُ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِالزُّجاجَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ الزُّجاجِ ومِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والصِّينِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَتْ كاساتُ العَرَبِ مِن أجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الكَأْسُ عَلى نَفْسِ الخَمْرِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَأْسٌ شُرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ أيْ يُخالِطُها وتُمْزَجُ بِهِ، يُقالُ مَزَجَهُ يَمْزُجُهُ مَزْجًا: أيْ خَلَطَهُ يَخْلِطُهُ خَلْطًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَأنَّ سَبِيَّةً مِن بَيْتِ رَأْسٍ ∗∗∗ كَأنَّ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا ؎مُعَتَّقَةً كَأنَّ الحُصَّ فِيها ∗∗∗ إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينا ومِنهُ مِزاجُ البَدَنِ، وهو ما يُمازِجُهُ مِنَ الأخْلاطِ، والكافُورُ قِيلَ: هو اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ يُقالُ لَها الكافُورِيُّ تُمْزَجُ خَمْرُ الجَنَّةِ بِماءِ هَذِهِ العَيْنِ. وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: تُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ لَهم بِالمِسْكِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مِزاجُها طَعْمُها، وقِيلَ إنَّما الكافُورُ في رِيحِها لا في طَعْمِها. وقِيلَ إنَّما أرادَ الكافُورَ في بَياضِهِ وطِيبِ رائِحَتِهِ وبَرْدِهِ؛ لِأنَّ الكافُورَ لا يُشْرَبُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: طَيَّبَها المِسْكُ والكافُورُ والزَّنْجَبِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَيْسَ هو كافُورُ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّى اللَّهُ ما عِنْدَهُ بِما عِنْدَكم حَتّى تَهْتَدِيَ لَهُ القُلُوبُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِكَأْسٍ. وقِيلَ إنَّ " كانَ " هُنا زائِدَةٌ: أيْ مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورٌ. ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كافُورًا؛ لِأنَّ ماءَها في بَياضِ الكافُورِ. وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّها بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ( مِن كَأْسٍ ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرُ عَيْنٍ، وقِيلَ إنَّها مُنْتَصِبَةٌ عَلى أنَّها مَفْعُولُ يَشْرَبُونَ: أيْ عَيْنًا مِن كَأْسٍ، وقِيلَ هي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَهُ الأخْفَشُ وقِيلَ مُنْتَصِبَةٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ: أيْ يَشْرَبُونَ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِ عَيْنًا. وقِيلَ إنَّ الباءَ في ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ زائِدَةٌ، وقِيلَ بِمَعْنى " مَن " قالَهُ الزَّجّاجُ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " يَشْرَبُها عِبادُ اللَّهِ " . وقِيلَ إنَّ " يَشْرَبُ " مُضَمَّنٌ مَعْنى يَلْتَذُّ، وقِيلَ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( يَشْرَبُ )، والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الكَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَشْرَبُها ويَشْرَبُ بِها سَواءٌ في المَعْنى، وكَأنَّ يَشْرَبُ بِها يُرْوى بِها ويُنْتَفَعُ بِها، وأنْشَدَ قَوْلَ الهُذَلِيِّ: ؎شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ قالَ: ومِثْلُهُ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ حَسَنٍ، وتَكَلَّمَ كَلامًا حَسَنًا ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أيْ يَجُرُّونَها إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ ويَنْتَفِعُونَ بِها كَما يَشاءُونَ ويَتْبَعُهم ماؤُها إلى كُلِّ مَكانٍ يُرِيدُونَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَهم يَشُقُّونَها شَقًّا كَما يُشَقُّ النَّهْرُ ويُفَجَّرُ إلى هُنا وهُنا. قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها حَيْثُ شاءُوا وتَتْبَعُهم حَيْثُ مالُوا مالَتْ مَعَهم، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِ عَيْنًا. وجُمْلَةُ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُسُوقَةٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ رُزِقُوا ما ذَكَرَ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْها. ومَعْنى النَّذْرِ في اللُّغَةِ الإيجابُ، والمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعاتِ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: يُوفُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ مِنَ الصَّلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِما. وقالَ عِكْرِمَةُ: يُوفُونَ إذا نَذَرُوا في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والنَّذْرُ في الشَّرْعِ ما أوْجَبَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ إضْمارٌ: أيْ كانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ في الدُّنْيا. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُوفُونَ بِالعَهْدِ: أيْ يُتَمِّمُونَ العَهْدَ. والأوْلى حَمْلُ النَّذْرِ هُنا عَلى ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْنى اسْتِطارَةُ شَرِّهِ فَشُوُّهَ وانْتِشارُهُ، يُقالُ اسْتَطارَ يَسْتَطِيرُ اسْتِطارَةً فَهو مُسْتَطِيرٌ، وهو اسْتَفْعَلَ مِنَ الطَّيَرانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَباتَتْ وقَدْ أثارَتْ في الفُؤا ∗∗∗ دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرا والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَطارَ الصَّدْعُ في القارُورَةِ والزُّجاجَةِ: إذا امْتَدَّ، ويُقالُ اسْتِطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ. قالَ الفَرّاءُ: المُسْتَطِيرُ: المُسْتَطِيلُ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَطارَ شَرُّ ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى مَلَأ السَّماواتِ والأرْضَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّماواتِ فانْشَقَّتْ وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ نُسِفَتِ الجِبالُ وغارَتِ المِياهُ. ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ أيْ يُطْعِمُونَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الأصْنافِ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ لَدَيْهِمْ وقِلَّتِهِ عِنْدَهم. قالَ مُجاهِدٌ: عَلى قِلَّتِهِ وحُبِّهِمْ إيّاهُ وشَهْوَتِهِمْ لَهُ؛ فَقَوْلُهُ عَلى حُبِّهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنَيْنِ عَلى حُبِّهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقِيلَ عَلى حُبِّ الإطْعامِ لِرَغْبَتِهِمْ في الخَيْرِ. قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ إطْعامِ الطَّعامِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في حُبِّهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّ اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّ اللَّهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ والمِسْكِينُ ذُو المَسْكَنَةِ، وهو الفَقِيرُ، أوْ مَن هو أفْقَرُ مِنَ الفَقِيرِ، والمُرادُ بِاليَتِيمِ يَتامى المُسْلِمِينَ، والأسِيرُ الَّذِي يُؤْسَرُ فَيُحْبَسُ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: الأسِيرُ: المَحْبُوسُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الأسِيرُ: العَبْدُ. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: الأسِيرُ: المَرْأةُ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَسَخَ هَذا الإطْعامَ آيَةُ الصَّدَقاتِ وآيَةُ السَّيْفِ في حَقِّ الأسِيرِ الكافِرِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ هي مُحْكَمَةٌ، وإطْعامُ المِسْكِينِ واليَتِيمِ عَلى التَّطَوُّعِ، وإطْعامُ الأسِيرِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ إلى أنْ يَتَخَيَّرَ فِيهِ الإمامُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ إنَّما نُطْعِمُكم، أوْ قائِلِينَ إنَّما نُطْعِمُكم: يَعْنِي أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ المُكافَأةَ ولا يُرِيدُونَ ثَناءَ النّاسِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ يَسْتَكْمِلُوا بِهَذا ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهَذا ولَكِنْ عِلْمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ وعَلِمَ مِن ثَنائِهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ (p-١٥٦٥)خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ورَجاءَ ثَوابِهِ ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أيْ لا نَطْلُبُ مِنكُمُ المُجازاةَ عَلى هَذا الإطْعامِ ولا نُرِيدُ مِنكُمُ الشُّكْرَ لَنا، بَلْ هو خالِصٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ مَن أطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ لا يُرِيدُ المُكافَأةَ ولا يَطْلُبُ الشُّكْرَ لَهُ مِمَّنْ أطْعَمَهُ. ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ أيْ نَخافُ عَذابَ يَوْمٍ مُتَّصِفٍ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ومَعْنى عَبُوسًا: أنَّهُ يَوْمٌ تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ مِن هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ، فالمَعْنى: أنَّهُ ذُو عَبُوسٍ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرَ قالَ الأخْفَشُ: القَمْطَرِيرُ أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلُهُ في البَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولَجَّ بِها اليَوْمُ العَبُوسُ القُماطِرُ . قالَ الكِسائِيُّ: اقْمَطَرَّ اليَوْمَ وازْمَهَرَّ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بَنُو الحَرْبِ أوْصَيْنا لَهم بِقَمْطَرَةٍ ∗∗∗ ومَن يَلْقَ مِنّا ذَلِكَ اليَوْمَ يَهْرُبِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ العُبُوسَ بِالشَّفَتَيْنِ، والقِطْمِيرُ بِالجَبْهَةِ والحاجِبَيْنِ، فَجَعَلَهُما مِن صِفاتِ المُتَغَيِّرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما يَراهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎يَقْدِرُ عَلى الصَّيْدِ بِعُودٍ مُنْكَسِرْ ∗∗∗ ويُقَمْطِرُ ساعَةً ويَكْفَهِرْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: قَمْطَرِيرٌ: أيْ مُنْقَبِضٌ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ والحاجِبَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ: إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها ما يَسْبِقُها مِنَ القَطْرِ، وجَعَلَ المِيمَ مَزِيدَةً. ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ أيْ أعْطاهم بَدَلَ العُبُوسِ في الكُفّارِ نَضْرَةً في الوُجُوهِ وسُرُورًا في القُلُوبِ. قالَ الضَّحّاكُ: والنَّضْرَةُ البَياضُ والنَّقاءُ في وُجُوهِهِمْ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، الحُسْنُ والبَهاءُ، وقِيلَ النَّضْرَةُ أثَرُ النِّعْمَةِ. ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى التَّكالِيفِ، وقِيلَ عَلى الفَقْرِ، وقِيلَ عَلى الجُوعِ، وقِيلَ عَلى الصَّوْمِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى الصَّبْرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ طاعَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: بِصَبْرِهِمْ ﴿جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ أيْ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ وألْبَسَهُمُ الحَرِيرَ، وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ عِوَضًا عَنْ تَرْكِهِ في الدُّنْيا امْتِثالًا لِما ورَدَ في الشَّرْعِ مِن تَحْرِيمِهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ العُمُومُ في كُلِّ مَن خافَ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ وخافَ مِن عَذابِهِ، والسَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا كَما سَيَأْتِي فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ويَدْخُلُ سَبَبُ التَّنْزِيلِ تَحْتَ عُمُومِها دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ قالَ: كُلِّ إنْسانٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: أمْشاجٍ قالَ أمْشاجُها عُرُوقُها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أمْشاجٍ قالَ: العُرُوقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ قالَ: ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ حِينَ يَخْتَلِطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: أمْشاجٍ ألْوانٍ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ وحَمْراءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ خَضْراءُ وحَمْراءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأمْشاجُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلى أثَرِ البَوْلِ كَقِطَعِ الأوْتارِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: وأسِيرًا قالَ: هو المُشْرِكُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: مِسْكِينًا قالَ: فَقِيرًا ويَتِيمًا قالَ لا أبَ لَهُ وأسِيرًا قالَ: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ قالَ: ضَيِّقًا قَمْطَرِيرًا قالَ: طَوِيلًا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قالَ: يَقْبِضُ ما بَيْنَ الأبْصارِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَمْطَرِيرُ الرَّجُلُ المُنْقَبِضُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ ووَجْهِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ قالَ: نَضْرَةً في وُجُوهِهِمْ وسُرُورًا في صُدُورِهِمْ.

الإنسان 76:5

قالَ الجُمْهُورُ: هي مَدَنِيَّةٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقِيلَ فِيها مَكِّيٌّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وما قَبْلَهُ مَدَنِيٌّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلْ واسْتَفْهِمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنا بِالألْوانِ والصُّوَرِ والنُّبُوَّةِ أفَرَأيْتَ إنْ آمَنتُ بِما آمَنتَ بِهِ وعَمِلْتُ بِما عَمِلْتَ بِهِ، أنِّي كائِنٌ مَعَكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُرى بَياضُ الأسْوَدِ في الجَنَّةِ مِن مَسِيرَةِ ألْفِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ حَسَنَةً، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ الحَبَشِيُّ: وإنَّ عَيْنِي لِتَرى ما تَرى عَيْناكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ، فاشْتَكى حَتّى فاضَتْ نَفْسُهُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدْلِيهِ في حُفْرَتِهِ بِيَدِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ قالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ «أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ كانَ يَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أكْثَرْتَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ: مَهْ يا عُمَرُ. وأُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حَتّى إذا أتى عَلى ذِكْرِ الجَنَّةِ زَفَرَ الأسْوَدُ زَفْرَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ماتَ شَوْقًا إلى الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مُنَيْعٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ، واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعِداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ المَعانِي أنَّ هَلْ هُنا بِمَعْنى قَدْ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، وقَدْ قالَ بِهَذا سِيبَوَيْهِ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: " هَلْ " تَكُونُ جَحْدًا وتَكُونُ خَبَرًا فَهَذا مِنَ الخَبَرِ لِأنَّكَ تَقُولُ: هَلْ أعْطَيْتُكَ، تُقَرِّرُهُ بِأنَّكَ أعْطَيْتَهُ، والجَحْدُ أنْ تَقُولَ: هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا، وقِيلَ هي وإنْ كانَتْ بِمَعْنى " قَدْ " فَفِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. والأصْلُ أهَلْ أتى، فالمَعْنى: أقَدْ أتى، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيبِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا آدَمُ، قالَ قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ قِيلَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقِيلَ إنَّهُ خُلِقَ مِن طِينِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن صَلْصالٍ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ الحِينُ المَذْكُورُ هُنا لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ بَنُو آدَمَ، والحِينُ مُدَّةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الإنْسانِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِحِينٍ. قالَ الفَرّاءُ، وقُطْرُبٌ، وثَعْلَبٌ: المَعْنى أنَّهُ كانَ جَسَدًا مُصَوَّرًا تُرابًا وطِينًا لا يُذْكَرُ ولا يُعْرَفُ ولا يُدْرى ما اسْمُهُ ولا ما يُرادُ بِهِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصارَ مَذْكُورًا. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في الخَلْقِ وإنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقِيلَ لَيْسَ المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الإخْبارُ، فَإنَّ إخْبارَ الرَّبِّ عَنِ الكائِناتِ قَدِيمٌ، بَلْ هو الذِّكْرُ بِمَعْنى (p-١٥٦٣)الخَطَرِ والشَّرَفِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ . قالَ القُشَيْرِيُّ: ما كانَ مَذْكُورًا لِلْخَلْقِ وإنْ كانَ مَذْكُورًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الفَرّاءُ: كانَ شَيْئًا ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا. فَجُعِلَ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ. وقِيلَ المَعْنى: قَدْ مَضَتْ أزْمِنَةٌ وما كانَ آدَمُ شَيْئًا ولا مَخْلُوقًا ولا مَذْكُورًا لِأحَدٍ مِنَ الخَلِيقَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ: هَلْ أتى حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؛ لِأنَّهُ خَلَقَهُ بَعْدَ خَلْقِ الحَيَوانِ كُلِّهِ ولَمْ يَخْلُقْ بَعْدَهُ حَيَوانًا. ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا ابْنُ آدَمَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: مِن غَيْرِ خِلافٍ، والنُّطْفَةُ: الماءُ الَّذِي يُقَطَّرُ، وهو المَنِيُّ وكُلُّ ماءٍ قَلِيلٌ في وِعاءٍ فَهو نُطْفَةٌ، وجَمْعُها نُطَفٌ، وأمْشاجٍ صِفَةٌ لِنُطْفَةٍ، وهي جَمْعُ مُشُجٍ، أوْ مَشِيجٍ، وهي الأخْلاطُ، والمُرادُ نُطْفَةُ الرَّجُلِ ونُطْفَةُ المَرْأةِ واخْتِلاطُهُما. يُقالُ مَشَجَ هَذا بِهَذا فَهو مَمْشُوجٌ: أيْ خَلَطَ هَذا بِهَذا فَهو مَخْلُوطٌ. قالَ المُبَرِّدُ: مَشَجَ يَمْشُجُ: إذا اخْتَلَطَ، وهو هُنا اخْتِلاطُ النُّطْفَةِ بِالدَّمِ. قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ؎يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعَجَّلٍ مَشّاجٍ لَمْ يُكْسَ جِلْدًا مِن دَمٍ أمْشاجِ قالَ الفَرّاءُ: أمْشاجٌ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ والدَّمِ والعَلَقَةِ، ويُقالُ مَشَجَ هَذا: إذا خَلَطَ، وقِيلَ الأمْشاجُ: الحُمْرَةُ في البَياضِ والبَياضُ في الحُمْرَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ يَخْتارُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ الهُذَلِيُّ: ؎كَأنَّ الرِّيشَ والوَقَّيْنَ مِنهُ ∗∗∗ حِلافُ النَّصْلِ نِيطَ بِهِ مَشِيجُ وذَلِكَ لِأنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ غَلِيظٌ وماءُ المَرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ فَيُخْلَقُ مِنهُما الوَلَدُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الأمْشاجُ: الأخْلاطُ لِأنَّها مُمْتَزِجَةٌ مِن أنْواعٍ يُخْلَقُ الإنْسانُ مِنها وطِباعٌ مُخْتَلِفَةٌ. وقِيلَ الأمْشاجُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ كَبِرْمَةِ أعْشارٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا وُقُوعُهُ نَعْتًا لِنُطْفَةٍ، وجُمْلَةُ نَبْتَلِيهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ خَلَقْنا: أيْ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الإنْسانِ، والمَعْنى: نَبْتَلِيهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ وبِالتَّكالِيفِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ نَبْتَلِيهِ وهي مُقَدِّمَةٌ مَعْناها التَّأْخِيرُ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الخِلْقَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الحالُ مُقَدَّرَةً، وقِيلَ مُقارَنَةً. وقِيلَ مَعْنى الِابْتِلاءِ: نَقْلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أعْطاهُ ما يَصِحُّ مَعَهُ الِابْتِلاءُ فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ أيْ بَيَّنّا لَهُ وعَرَّفْناهُ طَرِيقَ الهُدى والضَّلالِ والخَيْرِ والشَّرِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] قالَ مُجاهِدٌ: أيْ بَيَّنّا السَّبِيلَ إلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: السَّبِيلُ هُنا خُرُوجُهُ مِنَ الرَّحِمِ، وقِيلَ مَنافِعُهُ ومَضارُّهُ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها بِطَبْعِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ. وانْتِصابُ شاكِرًا وكَفُورًا عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ هَدَيْناهُ: أيْ مَكَّنّاهُ مِن سُلُوكِ الطَّرِيقِ في حالَتَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ عَلى الحالِ مِن ( سَبِيلٍ ) عَلى المَجازِ: أيْ عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ إمّا سَبِيلًا شاكِرًا وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا. وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ إمّا هي ( إنْ ) شُرْطِيَّةٌ زِيدَتْ بَعْدَها ما: أيْ بَيَّنّا لَهُ الطَّرِيقَ إنْ شَكَرَ وإنْ كَفَرَ. واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، ولا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ لِأنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ لا تَدْخُلُ عَلى الأسْماءِ إلّا أنْ يُضْمَرَ بَعْدَها فِعْلٌ، ولا يَصِحُّ هُنا إضْمارُ الفِعْلِ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ رَفْعُ شاكِرًا وكَفُورًا. ويُمْكِنُ أنْ يُضْمَرَ فِعْلٌ يَنْصِبُ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا )، وتَقْدِيرُهُ: إنْ خَلَقْناهُ شاكِرًا فَشَكُورٌ وإنْ خَلَقْناهُ كافِرًا فَكَفُورٌ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إمّا. وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وأبُو العَجّاجِ بِفَتْحِها، وهي عَلى الفَتْحِ إمّا العاطِفَةُ في لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، أوْ هي التَّفْصِيلِيَّةُ وجَوابُها مُقَدَّرٌ، وقِيلَ انْتَصَبَ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا ) بِإضْمارِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: سَواءٌ كانَ شاكِرًا أوْ كانَ كَفُورًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " سَلاسِلًا " بِالتَّنْوِينِ، ووَقَفَ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ وقَفُوا بِالألِفِ. ووَجْهُ مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ في " سَلاسِلَ " مَعَ كَوْنِ فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ أنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّناسُبَ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وهو ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾، وما بَعْدَهُ وهو أغْلالًا وسَعِيرًا مُنَوَّنٌ، أوْ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا يَنْصَرِفُ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ. قالَ الأخْفَشُ: سَمِعْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يَنْصَرِفُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْماءِ الصَّرْفُ وتَرَكَ الصَّرْفَ لِعارِضٍ فِيها. قالَ الفَرّاءُ: هو عَلى لُغَةِ مَن يَجُرُّ الأسْماءَ كُلَّها إلّا قَوْلُهم: هو أظْرَفُ مِنكَ فَإنَّهم لا يَجُرُّونَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ذَلِكَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎كَأنَّ سُيُوفَنا فِينا وفِيهِمْ ∗∗∗ مَخارِيقٌ بِأيْدِي لاعِبِينا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسِ الأبْصارِ بِكَسْرِ السِّينِ مِن " نَواكِسِ " . وقَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎وحَسُورِ أسْتارٍ دَعُونِي لِحَتْفِها ∗∗∗ بِمَعالِقٍ مُتَشابِهٌ أعْلاقُها . وقَوْلُهُ أيْضًا: ؎فَضْلًا وذُو كَرَمٍ يُعِينُ عَلى النَّدى ∗∗∗ سَمْحٌ لِشَوْبِ رَغائِبٍ غَنّامُها وقِيلَ إنَّ التَّنْوِينَ لِمُوافَقَةِ رَسْمِ المَصاحِفِ المَكِّيَّةِ والمَدَنِيَّةِ والكُوفِيَّةِ فَإنَّها فِيها بِالألِفِ، وقِيلَ إنَّ هَذا التَّنْوِينَ بَدَلٌ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ، ويَجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، والسَّلاسِلُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والخِلافُ فِيها هَلْ هي القُيُودُ، أوْ ما يُجْعَلُ في الأعْناقِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ؎ولَكِنْ ∗∗∗ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ تُغَلُّ بِهِ الأيْدِي إلى الأعْناقِ، والسَّعِيرُ: الوَقُودُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّهُ لِلشّاكِرِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ . الأبْرارُ: أهْلُ الطّاعَةِ والإخْلاصِ، والصِّدْقُ جَمْعُ بَرٍّ أوْ بارٍّ. قالَ في الصَّحّاحِ: جَمْعُ البَرِّ الأبْرارُ، وجَمْعُ البارِّ البَرَرَةُ، وفُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ ويَبْرُرُهُ: أيْ يُطِيعُهُ. وقالَ الحَسَنُ: البَرُّ الَّذِي لا يُؤْذِي الذَّرَّ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْرارُ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ حَقَّ اللَّهِ ويُوفُونَ بِالنَّذْرِ. (p-١٥٦٤)والكَأْسُ في اللُّغَةِ هو الإناءُ الَّذِي فِيهِ الشَّرابُ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الشَّرابُ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِالزُّجاجَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ الزُّجاجِ ومِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والصِّينِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَتْ كاساتُ العَرَبِ مِن أجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الكَأْسُ عَلى نَفْسِ الخَمْرِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَأْسٌ شُرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ أيْ يُخالِطُها وتُمْزَجُ بِهِ، يُقالُ مَزَجَهُ يَمْزُجُهُ مَزْجًا: أيْ خَلَطَهُ يَخْلِطُهُ خَلْطًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَأنَّ سَبِيَّةً مِن بَيْتِ رَأْسٍ ∗∗∗ كَأنَّ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا ؎مُعَتَّقَةً كَأنَّ الحُصَّ فِيها ∗∗∗ إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينا ومِنهُ مِزاجُ البَدَنِ، وهو ما يُمازِجُهُ مِنَ الأخْلاطِ، والكافُورُ قِيلَ: هو اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ يُقالُ لَها الكافُورِيُّ تُمْزَجُ خَمْرُ الجَنَّةِ بِماءِ هَذِهِ العَيْنِ. وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: تُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ لَهم بِالمِسْكِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مِزاجُها طَعْمُها، وقِيلَ إنَّما الكافُورُ في رِيحِها لا في طَعْمِها. وقِيلَ إنَّما أرادَ الكافُورَ في بَياضِهِ وطِيبِ رائِحَتِهِ وبَرْدِهِ؛ لِأنَّ الكافُورَ لا يُشْرَبُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: طَيَّبَها المِسْكُ والكافُورُ والزَّنْجَبِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَيْسَ هو كافُورُ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّى اللَّهُ ما عِنْدَهُ بِما عِنْدَكم حَتّى تَهْتَدِيَ لَهُ القُلُوبُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِكَأْسٍ. وقِيلَ إنَّ " كانَ " هُنا زائِدَةٌ: أيْ مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورٌ. ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كافُورًا؛ لِأنَّ ماءَها في بَياضِ الكافُورِ. وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّها بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ( مِن كَأْسٍ ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرُ عَيْنٍ، وقِيلَ إنَّها مُنْتَصِبَةٌ عَلى أنَّها مَفْعُولُ يَشْرَبُونَ: أيْ عَيْنًا مِن كَأْسٍ، وقِيلَ هي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَهُ الأخْفَشُ وقِيلَ مُنْتَصِبَةٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ: أيْ يَشْرَبُونَ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِ عَيْنًا. وقِيلَ إنَّ الباءَ في ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ زائِدَةٌ، وقِيلَ بِمَعْنى " مَن " قالَهُ الزَّجّاجُ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " يَشْرَبُها عِبادُ اللَّهِ " . وقِيلَ إنَّ " يَشْرَبُ " مُضَمَّنٌ مَعْنى يَلْتَذُّ، وقِيلَ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( يَشْرَبُ )، والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الكَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَشْرَبُها ويَشْرَبُ بِها سَواءٌ في المَعْنى، وكَأنَّ يَشْرَبُ بِها يُرْوى بِها ويُنْتَفَعُ بِها، وأنْشَدَ قَوْلَ الهُذَلِيِّ: ؎شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ قالَ: ومِثْلُهُ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ حَسَنٍ، وتَكَلَّمَ كَلامًا حَسَنًا ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أيْ يَجُرُّونَها إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ ويَنْتَفِعُونَ بِها كَما يَشاءُونَ ويَتْبَعُهم ماؤُها إلى كُلِّ مَكانٍ يُرِيدُونَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَهم يَشُقُّونَها شَقًّا كَما يُشَقُّ النَّهْرُ ويُفَجَّرُ إلى هُنا وهُنا. قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها حَيْثُ شاءُوا وتَتْبَعُهم حَيْثُ مالُوا مالَتْ مَعَهم، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِ عَيْنًا. وجُمْلَةُ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُسُوقَةٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ رُزِقُوا ما ذَكَرَ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْها. ومَعْنى النَّذْرِ في اللُّغَةِ الإيجابُ، والمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعاتِ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: يُوفُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ مِنَ الصَّلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِما. وقالَ عِكْرِمَةُ: يُوفُونَ إذا نَذَرُوا في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والنَّذْرُ في الشَّرْعِ ما أوْجَبَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ إضْمارٌ: أيْ كانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ في الدُّنْيا. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُوفُونَ بِالعَهْدِ: أيْ يُتَمِّمُونَ العَهْدَ. والأوْلى حَمْلُ النَّذْرِ هُنا عَلى ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْنى اسْتِطارَةُ شَرِّهِ فَشُوُّهَ وانْتِشارُهُ، يُقالُ اسْتَطارَ يَسْتَطِيرُ اسْتِطارَةً فَهو مُسْتَطِيرٌ، وهو اسْتَفْعَلَ مِنَ الطَّيَرانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَباتَتْ وقَدْ أثارَتْ في الفُؤا ∗∗∗ دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرا والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَطارَ الصَّدْعُ في القارُورَةِ والزُّجاجَةِ: إذا امْتَدَّ، ويُقالُ اسْتِطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ. قالَ الفَرّاءُ: المُسْتَطِيرُ: المُسْتَطِيلُ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَطارَ شَرُّ ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى مَلَأ السَّماواتِ والأرْضَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّماواتِ فانْشَقَّتْ وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ نُسِفَتِ الجِبالُ وغارَتِ المِياهُ. ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ أيْ يُطْعِمُونَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الأصْنافِ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ لَدَيْهِمْ وقِلَّتِهِ عِنْدَهم. قالَ مُجاهِدٌ: عَلى قِلَّتِهِ وحُبِّهِمْ إيّاهُ وشَهْوَتِهِمْ لَهُ؛ فَقَوْلُهُ عَلى حُبِّهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنَيْنِ عَلى حُبِّهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقِيلَ عَلى حُبِّ الإطْعامِ لِرَغْبَتِهِمْ في الخَيْرِ. قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ إطْعامِ الطَّعامِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في حُبِّهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّ اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّ اللَّهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ والمِسْكِينُ ذُو المَسْكَنَةِ، وهو الفَقِيرُ، أوْ مَن هو أفْقَرُ مِنَ الفَقِيرِ، والمُرادُ بِاليَتِيمِ يَتامى المُسْلِمِينَ، والأسِيرُ الَّذِي يُؤْسَرُ فَيُحْبَسُ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: الأسِيرُ: المَحْبُوسُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الأسِيرُ: العَبْدُ. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: الأسِيرُ: المَرْأةُ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَسَخَ هَذا الإطْعامَ آيَةُ الصَّدَقاتِ وآيَةُ السَّيْفِ في حَقِّ الأسِيرِ الكافِرِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ هي مُحْكَمَةٌ، وإطْعامُ المِسْكِينِ واليَتِيمِ عَلى التَّطَوُّعِ، وإطْعامُ الأسِيرِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ إلى أنْ يَتَخَيَّرَ فِيهِ الإمامُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ إنَّما نُطْعِمُكم، أوْ قائِلِينَ إنَّما نُطْعِمُكم: يَعْنِي أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ المُكافَأةَ ولا يُرِيدُونَ ثَناءَ النّاسِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ يَسْتَكْمِلُوا بِهَذا ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهَذا ولَكِنْ عِلْمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ وعَلِمَ مِن ثَنائِهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ (p-١٥٦٥)خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ورَجاءَ ثَوابِهِ ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أيْ لا نَطْلُبُ مِنكُمُ المُجازاةَ عَلى هَذا الإطْعامِ ولا نُرِيدُ مِنكُمُ الشُّكْرَ لَنا، بَلْ هو خالِصٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ مَن أطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ لا يُرِيدُ المُكافَأةَ ولا يَطْلُبُ الشُّكْرَ لَهُ مِمَّنْ أطْعَمَهُ. ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ أيْ نَخافُ عَذابَ يَوْمٍ مُتَّصِفٍ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ومَعْنى عَبُوسًا: أنَّهُ يَوْمٌ تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ مِن هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ، فالمَعْنى: أنَّهُ ذُو عَبُوسٍ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرَ قالَ الأخْفَشُ: القَمْطَرِيرُ أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلُهُ في البَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولَجَّ بِها اليَوْمُ العَبُوسُ القُماطِرُ . قالَ الكِسائِيُّ: اقْمَطَرَّ اليَوْمَ وازْمَهَرَّ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بَنُو الحَرْبِ أوْصَيْنا لَهم بِقَمْطَرَةٍ ∗∗∗ ومَن يَلْقَ مِنّا ذَلِكَ اليَوْمَ يَهْرُبِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ العُبُوسَ بِالشَّفَتَيْنِ، والقِطْمِيرُ بِالجَبْهَةِ والحاجِبَيْنِ، فَجَعَلَهُما مِن صِفاتِ المُتَغَيِّرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما يَراهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎يَقْدِرُ عَلى الصَّيْدِ بِعُودٍ مُنْكَسِرْ ∗∗∗ ويُقَمْطِرُ ساعَةً ويَكْفَهِرْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: قَمْطَرِيرٌ: أيْ مُنْقَبِضٌ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ والحاجِبَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ: إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها ما يَسْبِقُها مِنَ القَطْرِ، وجَعَلَ المِيمَ مَزِيدَةً. ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ أيْ أعْطاهم بَدَلَ العُبُوسِ في الكُفّارِ نَضْرَةً في الوُجُوهِ وسُرُورًا في القُلُوبِ. قالَ الضَّحّاكُ: والنَّضْرَةُ البَياضُ والنَّقاءُ في وُجُوهِهِمْ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، الحُسْنُ والبَهاءُ، وقِيلَ النَّضْرَةُ أثَرُ النِّعْمَةِ. ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى التَّكالِيفِ، وقِيلَ عَلى الفَقْرِ، وقِيلَ عَلى الجُوعِ، وقِيلَ عَلى الصَّوْمِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى الصَّبْرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ طاعَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: بِصَبْرِهِمْ ﴿جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ أيْ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ وألْبَسَهُمُ الحَرِيرَ، وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ عِوَضًا عَنْ تَرْكِهِ في الدُّنْيا امْتِثالًا لِما ورَدَ في الشَّرْعِ مِن تَحْرِيمِهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ العُمُومُ في كُلِّ مَن خافَ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ وخافَ مِن عَذابِهِ، والسَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا كَما سَيَأْتِي فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ويَدْخُلُ سَبَبُ التَّنْزِيلِ تَحْتَ عُمُومِها دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ قالَ: كُلِّ إنْسانٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: أمْشاجٍ قالَ أمْشاجُها عُرُوقُها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أمْشاجٍ قالَ: العُرُوقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ قالَ: ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ حِينَ يَخْتَلِطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: أمْشاجٍ ألْوانٍ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ وحَمْراءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ خَضْراءُ وحَمْراءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأمْشاجُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلى أثَرِ البَوْلِ كَقِطَعِ الأوْتارِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: وأسِيرًا قالَ: هو المُشْرِكُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: مِسْكِينًا قالَ: فَقِيرًا ويَتِيمًا قالَ لا أبَ لَهُ وأسِيرًا قالَ: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ قالَ: ضَيِّقًا قَمْطَرِيرًا قالَ: طَوِيلًا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قالَ: يَقْبِضُ ما بَيْنَ الأبْصارِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَمْطَرِيرُ الرَّجُلُ المُنْقَبِضُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ ووَجْهِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ قالَ: نَضْرَةً في وُجُوهِهِمْ وسُرُورًا في صُدُورِهِمْ.

الإنسان 76:6

قالَ الجُمْهُورُ: هي مَدَنِيَّةٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقِيلَ فِيها مَكِّيٌّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وما قَبْلَهُ مَدَنِيٌّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلْ واسْتَفْهِمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنا بِالألْوانِ والصُّوَرِ والنُّبُوَّةِ أفَرَأيْتَ إنْ آمَنتُ بِما آمَنتَ بِهِ وعَمِلْتُ بِما عَمِلْتَ بِهِ، أنِّي كائِنٌ مَعَكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُرى بَياضُ الأسْوَدِ في الجَنَّةِ مِن مَسِيرَةِ ألْفِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ حَسَنَةً، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ الحَبَشِيُّ: وإنَّ عَيْنِي لِتَرى ما تَرى عَيْناكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ، فاشْتَكى حَتّى فاضَتْ نَفْسُهُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدْلِيهِ في حُفْرَتِهِ بِيَدِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ قالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ «أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ كانَ يَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أكْثَرْتَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ: مَهْ يا عُمَرُ. وأُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حَتّى إذا أتى عَلى ذِكْرِ الجَنَّةِ زَفَرَ الأسْوَدُ زَفْرَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ماتَ شَوْقًا إلى الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مُنَيْعٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ، واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعِداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ المَعانِي أنَّ هَلْ هُنا بِمَعْنى قَدْ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، وقَدْ قالَ بِهَذا سِيبَوَيْهِ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: " هَلْ " تَكُونُ جَحْدًا وتَكُونُ خَبَرًا فَهَذا مِنَ الخَبَرِ لِأنَّكَ تَقُولُ: هَلْ أعْطَيْتُكَ، تُقَرِّرُهُ بِأنَّكَ أعْطَيْتَهُ، والجَحْدُ أنْ تَقُولَ: هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا، وقِيلَ هي وإنْ كانَتْ بِمَعْنى " قَدْ " فَفِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. والأصْلُ أهَلْ أتى، فالمَعْنى: أقَدْ أتى، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيبِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا آدَمُ، قالَ قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ قِيلَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقِيلَ إنَّهُ خُلِقَ مِن طِينِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن صَلْصالٍ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ الحِينُ المَذْكُورُ هُنا لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ بَنُو آدَمَ، والحِينُ مُدَّةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الإنْسانِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِحِينٍ. قالَ الفَرّاءُ، وقُطْرُبٌ، وثَعْلَبٌ: المَعْنى أنَّهُ كانَ جَسَدًا مُصَوَّرًا تُرابًا وطِينًا لا يُذْكَرُ ولا يُعْرَفُ ولا يُدْرى ما اسْمُهُ ولا ما يُرادُ بِهِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصارَ مَذْكُورًا. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في الخَلْقِ وإنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقِيلَ لَيْسَ المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الإخْبارُ، فَإنَّ إخْبارَ الرَّبِّ عَنِ الكائِناتِ قَدِيمٌ، بَلْ هو الذِّكْرُ بِمَعْنى (p-١٥٦٣)الخَطَرِ والشَّرَفِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ . قالَ القُشَيْرِيُّ: ما كانَ مَذْكُورًا لِلْخَلْقِ وإنْ كانَ مَذْكُورًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الفَرّاءُ: كانَ شَيْئًا ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا. فَجُعِلَ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ. وقِيلَ المَعْنى: قَدْ مَضَتْ أزْمِنَةٌ وما كانَ آدَمُ شَيْئًا ولا مَخْلُوقًا ولا مَذْكُورًا لِأحَدٍ مِنَ الخَلِيقَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ: هَلْ أتى حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؛ لِأنَّهُ خَلَقَهُ بَعْدَ خَلْقِ الحَيَوانِ كُلِّهِ ولَمْ يَخْلُقْ بَعْدَهُ حَيَوانًا. ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا ابْنُ آدَمَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: مِن غَيْرِ خِلافٍ، والنُّطْفَةُ: الماءُ الَّذِي يُقَطَّرُ، وهو المَنِيُّ وكُلُّ ماءٍ قَلِيلٌ في وِعاءٍ فَهو نُطْفَةٌ، وجَمْعُها نُطَفٌ، وأمْشاجٍ صِفَةٌ لِنُطْفَةٍ، وهي جَمْعُ مُشُجٍ، أوْ مَشِيجٍ، وهي الأخْلاطُ، والمُرادُ نُطْفَةُ الرَّجُلِ ونُطْفَةُ المَرْأةِ واخْتِلاطُهُما. يُقالُ مَشَجَ هَذا بِهَذا فَهو مَمْشُوجٌ: أيْ خَلَطَ هَذا بِهَذا فَهو مَخْلُوطٌ. قالَ المُبَرِّدُ: مَشَجَ يَمْشُجُ: إذا اخْتَلَطَ، وهو هُنا اخْتِلاطُ النُّطْفَةِ بِالدَّمِ. قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ؎يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعَجَّلٍ مَشّاجٍ لَمْ يُكْسَ جِلْدًا مِن دَمٍ أمْشاجِ قالَ الفَرّاءُ: أمْشاجٌ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ والدَّمِ والعَلَقَةِ، ويُقالُ مَشَجَ هَذا: إذا خَلَطَ، وقِيلَ الأمْشاجُ: الحُمْرَةُ في البَياضِ والبَياضُ في الحُمْرَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ يَخْتارُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ الهُذَلِيُّ: ؎كَأنَّ الرِّيشَ والوَقَّيْنَ مِنهُ ∗∗∗ حِلافُ النَّصْلِ نِيطَ بِهِ مَشِيجُ وذَلِكَ لِأنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ غَلِيظٌ وماءُ المَرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ فَيُخْلَقُ مِنهُما الوَلَدُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الأمْشاجُ: الأخْلاطُ لِأنَّها مُمْتَزِجَةٌ مِن أنْواعٍ يُخْلَقُ الإنْسانُ مِنها وطِباعٌ مُخْتَلِفَةٌ. وقِيلَ الأمْشاجُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ كَبِرْمَةِ أعْشارٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا وُقُوعُهُ نَعْتًا لِنُطْفَةٍ، وجُمْلَةُ نَبْتَلِيهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ خَلَقْنا: أيْ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الإنْسانِ، والمَعْنى: نَبْتَلِيهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ وبِالتَّكالِيفِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ نَبْتَلِيهِ وهي مُقَدِّمَةٌ مَعْناها التَّأْخِيرُ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الخِلْقَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الحالُ مُقَدَّرَةً، وقِيلَ مُقارَنَةً. وقِيلَ مَعْنى الِابْتِلاءِ: نَقْلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أعْطاهُ ما يَصِحُّ مَعَهُ الِابْتِلاءُ فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ أيْ بَيَّنّا لَهُ وعَرَّفْناهُ طَرِيقَ الهُدى والضَّلالِ والخَيْرِ والشَّرِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] قالَ مُجاهِدٌ: أيْ بَيَّنّا السَّبِيلَ إلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: السَّبِيلُ هُنا خُرُوجُهُ مِنَ الرَّحِمِ، وقِيلَ مَنافِعُهُ ومَضارُّهُ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها بِطَبْعِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ. وانْتِصابُ شاكِرًا وكَفُورًا عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ هَدَيْناهُ: أيْ مَكَّنّاهُ مِن سُلُوكِ الطَّرِيقِ في حالَتَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ عَلى الحالِ مِن ( سَبِيلٍ ) عَلى المَجازِ: أيْ عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ إمّا سَبِيلًا شاكِرًا وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا. وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ إمّا هي ( إنْ ) شُرْطِيَّةٌ زِيدَتْ بَعْدَها ما: أيْ بَيَّنّا لَهُ الطَّرِيقَ إنْ شَكَرَ وإنْ كَفَرَ. واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، ولا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ لِأنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ لا تَدْخُلُ عَلى الأسْماءِ إلّا أنْ يُضْمَرَ بَعْدَها فِعْلٌ، ولا يَصِحُّ هُنا إضْمارُ الفِعْلِ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ رَفْعُ شاكِرًا وكَفُورًا. ويُمْكِنُ أنْ يُضْمَرَ فِعْلٌ يَنْصِبُ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا )، وتَقْدِيرُهُ: إنْ خَلَقْناهُ شاكِرًا فَشَكُورٌ وإنْ خَلَقْناهُ كافِرًا فَكَفُورٌ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إمّا. وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وأبُو العَجّاجِ بِفَتْحِها، وهي عَلى الفَتْحِ إمّا العاطِفَةُ في لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، أوْ هي التَّفْصِيلِيَّةُ وجَوابُها مُقَدَّرٌ، وقِيلَ انْتَصَبَ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا ) بِإضْمارِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: سَواءٌ كانَ شاكِرًا أوْ كانَ كَفُورًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " سَلاسِلًا " بِالتَّنْوِينِ، ووَقَفَ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ وقَفُوا بِالألِفِ. ووَجْهُ مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ في " سَلاسِلَ " مَعَ كَوْنِ فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ أنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّناسُبَ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وهو ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾، وما بَعْدَهُ وهو أغْلالًا وسَعِيرًا مُنَوَّنٌ، أوْ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا يَنْصَرِفُ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ. قالَ الأخْفَشُ: سَمِعْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يَنْصَرِفُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْماءِ الصَّرْفُ وتَرَكَ الصَّرْفَ لِعارِضٍ فِيها. قالَ الفَرّاءُ: هو عَلى لُغَةِ مَن يَجُرُّ الأسْماءَ كُلَّها إلّا قَوْلُهم: هو أظْرَفُ مِنكَ فَإنَّهم لا يَجُرُّونَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ذَلِكَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎كَأنَّ سُيُوفَنا فِينا وفِيهِمْ ∗∗∗ مَخارِيقٌ بِأيْدِي لاعِبِينا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسِ الأبْصارِ بِكَسْرِ السِّينِ مِن " نَواكِسِ " . وقَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎وحَسُورِ أسْتارٍ دَعُونِي لِحَتْفِها ∗∗∗ بِمَعالِقٍ مُتَشابِهٌ أعْلاقُها . وقَوْلُهُ أيْضًا: ؎فَضْلًا وذُو كَرَمٍ يُعِينُ عَلى النَّدى ∗∗∗ سَمْحٌ لِشَوْبِ رَغائِبٍ غَنّامُها وقِيلَ إنَّ التَّنْوِينَ لِمُوافَقَةِ رَسْمِ المَصاحِفِ المَكِّيَّةِ والمَدَنِيَّةِ والكُوفِيَّةِ فَإنَّها فِيها بِالألِفِ، وقِيلَ إنَّ هَذا التَّنْوِينَ بَدَلٌ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ، ويَجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، والسَّلاسِلُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والخِلافُ فِيها هَلْ هي القُيُودُ، أوْ ما يُجْعَلُ في الأعْناقِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ؎ولَكِنْ ∗∗∗ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ تُغَلُّ بِهِ الأيْدِي إلى الأعْناقِ، والسَّعِيرُ: الوَقُودُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّهُ لِلشّاكِرِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ . الأبْرارُ: أهْلُ الطّاعَةِ والإخْلاصِ، والصِّدْقُ جَمْعُ بَرٍّ أوْ بارٍّ. قالَ في الصَّحّاحِ: جَمْعُ البَرِّ الأبْرارُ، وجَمْعُ البارِّ البَرَرَةُ، وفُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ ويَبْرُرُهُ: أيْ يُطِيعُهُ. وقالَ الحَسَنُ: البَرُّ الَّذِي لا يُؤْذِي الذَّرَّ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْرارُ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ حَقَّ اللَّهِ ويُوفُونَ بِالنَّذْرِ. (p-١٥٦٤)والكَأْسُ في اللُّغَةِ هو الإناءُ الَّذِي فِيهِ الشَّرابُ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الشَّرابُ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِالزُّجاجَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ الزُّجاجِ ومِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والصِّينِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَتْ كاساتُ العَرَبِ مِن أجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الكَأْسُ عَلى نَفْسِ الخَمْرِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَأْسٌ شُرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ أيْ يُخالِطُها وتُمْزَجُ بِهِ، يُقالُ مَزَجَهُ يَمْزُجُهُ مَزْجًا: أيْ خَلَطَهُ يَخْلِطُهُ خَلْطًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَأنَّ سَبِيَّةً مِن بَيْتِ رَأْسٍ ∗∗∗ كَأنَّ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا ؎مُعَتَّقَةً كَأنَّ الحُصَّ فِيها ∗∗∗ إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينا ومِنهُ مِزاجُ البَدَنِ، وهو ما يُمازِجُهُ مِنَ الأخْلاطِ، والكافُورُ قِيلَ: هو اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ يُقالُ لَها الكافُورِيُّ تُمْزَجُ خَمْرُ الجَنَّةِ بِماءِ هَذِهِ العَيْنِ. وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: تُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ لَهم بِالمِسْكِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مِزاجُها طَعْمُها، وقِيلَ إنَّما الكافُورُ في رِيحِها لا في طَعْمِها. وقِيلَ إنَّما أرادَ الكافُورَ في بَياضِهِ وطِيبِ رائِحَتِهِ وبَرْدِهِ؛ لِأنَّ الكافُورَ لا يُشْرَبُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: طَيَّبَها المِسْكُ والكافُورُ والزَّنْجَبِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَيْسَ هو كافُورُ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّى اللَّهُ ما عِنْدَهُ بِما عِنْدَكم حَتّى تَهْتَدِيَ لَهُ القُلُوبُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِكَأْسٍ. وقِيلَ إنَّ " كانَ " هُنا زائِدَةٌ: أيْ مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورٌ. ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كافُورًا؛ لِأنَّ ماءَها في بَياضِ الكافُورِ. وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّها بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ( مِن كَأْسٍ ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرُ عَيْنٍ، وقِيلَ إنَّها مُنْتَصِبَةٌ عَلى أنَّها مَفْعُولُ يَشْرَبُونَ: أيْ عَيْنًا مِن كَأْسٍ، وقِيلَ هي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَهُ الأخْفَشُ وقِيلَ مُنْتَصِبَةٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ: أيْ يَشْرَبُونَ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِ عَيْنًا. وقِيلَ إنَّ الباءَ في ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ زائِدَةٌ، وقِيلَ بِمَعْنى " مَن " قالَهُ الزَّجّاجُ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " يَشْرَبُها عِبادُ اللَّهِ " . وقِيلَ إنَّ " يَشْرَبُ " مُضَمَّنٌ مَعْنى يَلْتَذُّ، وقِيلَ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( يَشْرَبُ )، والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الكَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَشْرَبُها ويَشْرَبُ بِها سَواءٌ في المَعْنى، وكَأنَّ يَشْرَبُ بِها يُرْوى بِها ويُنْتَفَعُ بِها، وأنْشَدَ قَوْلَ الهُذَلِيِّ: ؎شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ قالَ: ومِثْلُهُ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ حَسَنٍ، وتَكَلَّمَ كَلامًا حَسَنًا ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أيْ يَجُرُّونَها إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ ويَنْتَفِعُونَ بِها كَما يَشاءُونَ ويَتْبَعُهم ماؤُها إلى كُلِّ مَكانٍ يُرِيدُونَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَهم يَشُقُّونَها شَقًّا كَما يُشَقُّ النَّهْرُ ويُفَجَّرُ إلى هُنا وهُنا. قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها حَيْثُ شاءُوا وتَتْبَعُهم حَيْثُ مالُوا مالَتْ مَعَهم، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِ عَيْنًا. وجُمْلَةُ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُسُوقَةٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ رُزِقُوا ما ذَكَرَ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْها. ومَعْنى النَّذْرِ في اللُّغَةِ الإيجابُ، والمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعاتِ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: يُوفُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ مِنَ الصَّلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِما. وقالَ عِكْرِمَةُ: يُوفُونَ إذا نَذَرُوا في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والنَّذْرُ في الشَّرْعِ ما أوْجَبَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ إضْمارٌ: أيْ كانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ في الدُّنْيا. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُوفُونَ بِالعَهْدِ: أيْ يُتَمِّمُونَ العَهْدَ. والأوْلى حَمْلُ النَّذْرِ هُنا عَلى ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْنى اسْتِطارَةُ شَرِّهِ فَشُوُّهَ وانْتِشارُهُ، يُقالُ اسْتَطارَ يَسْتَطِيرُ اسْتِطارَةً فَهو مُسْتَطِيرٌ، وهو اسْتَفْعَلَ مِنَ الطَّيَرانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَباتَتْ وقَدْ أثارَتْ في الفُؤا ∗∗∗ دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرا والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَطارَ الصَّدْعُ في القارُورَةِ والزُّجاجَةِ: إذا امْتَدَّ، ويُقالُ اسْتِطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ. قالَ الفَرّاءُ: المُسْتَطِيرُ: المُسْتَطِيلُ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَطارَ شَرُّ ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى مَلَأ السَّماواتِ والأرْضَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّماواتِ فانْشَقَّتْ وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ نُسِفَتِ الجِبالُ وغارَتِ المِياهُ. ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ أيْ يُطْعِمُونَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الأصْنافِ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ لَدَيْهِمْ وقِلَّتِهِ عِنْدَهم. قالَ مُجاهِدٌ: عَلى قِلَّتِهِ وحُبِّهِمْ إيّاهُ وشَهْوَتِهِمْ لَهُ؛ فَقَوْلُهُ عَلى حُبِّهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنَيْنِ عَلى حُبِّهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقِيلَ عَلى حُبِّ الإطْعامِ لِرَغْبَتِهِمْ في الخَيْرِ. قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ إطْعامِ الطَّعامِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في حُبِّهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّ اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّ اللَّهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ والمِسْكِينُ ذُو المَسْكَنَةِ، وهو الفَقِيرُ، أوْ مَن هو أفْقَرُ مِنَ الفَقِيرِ، والمُرادُ بِاليَتِيمِ يَتامى المُسْلِمِينَ، والأسِيرُ الَّذِي يُؤْسَرُ فَيُحْبَسُ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: الأسِيرُ: المَحْبُوسُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الأسِيرُ: العَبْدُ. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: الأسِيرُ: المَرْأةُ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَسَخَ هَذا الإطْعامَ آيَةُ الصَّدَقاتِ وآيَةُ السَّيْفِ في حَقِّ الأسِيرِ الكافِرِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ هي مُحْكَمَةٌ، وإطْعامُ المِسْكِينِ واليَتِيمِ عَلى التَّطَوُّعِ، وإطْعامُ الأسِيرِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ إلى أنْ يَتَخَيَّرَ فِيهِ الإمامُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ إنَّما نُطْعِمُكم، أوْ قائِلِينَ إنَّما نُطْعِمُكم: يَعْنِي أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ المُكافَأةَ ولا يُرِيدُونَ ثَناءَ النّاسِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ يَسْتَكْمِلُوا بِهَذا ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهَذا ولَكِنْ عِلْمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ وعَلِمَ مِن ثَنائِهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ (p-١٥٦٥)خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ورَجاءَ ثَوابِهِ ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أيْ لا نَطْلُبُ مِنكُمُ المُجازاةَ عَلى هَذا الإطْعامِ ولا نُرِيدُ مِنكُمُ الشُّكْرَ لَنا، بَلْ هو خالِصٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ مَن أطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ لا يُرِيدُ المُكافَأةَ ولا يَطْلُبُ الشُّكْرَ لَهُ مِمَّنْ أطْعَمَهُ. ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ أيْ نَخافُ عَذابَ يَوْمٍ مُتَّصِفٍ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ومَعْنى عَبُوسًا: أنَّهُ يَوْمٌ تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ مِن هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ، فالمَعْنى: أنَّهُ ذُو عَبُوسٍ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرَ قالَ الأخْفَشُ: القَمْطَرِيرُ أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلُهُ في البَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولَجَّ بِها اليَوْمُ العَبُوسُ القُماطِرُ . قالَ الكِسائِيُّ: اقْمَطَرَّ اليَوْمَ وازْمَهَرَّ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بَنُو الحَرْبِ أوْصَيْنا لَهم بِقَمْطَرَةٍ ∗∗∗ ومَن يَلْقَ مِنّا ذَلِكَ اليَوْمَ يَهْرُبِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ العُبُوسَ بِالشَّفَتَيْنِ، والقِطْمِيرُ بِالجَبْهَةِ والحاجِبَيْنِ، فَجَعَلَهُما مِن صِفاتِ المُتَغَيِّرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما يَراهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎يَقْدِرُ عَلى الصَّيْدِ بِعُودٍ مُنْكَسِرْ ∗∗∗ ويُقَمْطِرُ ساعَةً ويَكْفَهِرْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: قَمْطَرِيرٌ: أيْ مُنْقَبِضٌ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ والحاجِبَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ: إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها ما يَسْبِقُها مِنَ القَطْرِ، وجَعَلَ المِيمَ مَزِيدَةً. ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ أيْ أعْطاهم بَدَلَ العُبُوسِ في الكُفّارِ نَضْرَةً في الوُجُوهِ وسُرُورًا في القُلُوبِ. قالَ الضَّحّاكُ: والنَّضْرَةُ البَياضُ والنَّقاءُ في وُجُوهِهِمْ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، الحُسْنُ والبَهاءُ، وقِيلَ النَّضْرَةُ أثَرُ النِّعْمَةِ. ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى التَّكالِيفِ، وقِيلَ عَلى الفَقْرِ، وقِيلَ عَلى الجُوعِ، وقِيلَ عَلى الصَّوْمِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى الصَّبْرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ طاعَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: بِصَبْرِهِمْ ﴿جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ أيْ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ وألْبَسَهُمُ الحَرِيرَ، وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ عِوَضًا عَنْ تَرْكِهِ في الدُّنْيا امْتِثالًا لِما ورَدَ في الشَّرْعِ مِن تَحْرِيمِهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ العُمُومُ في كُلِّ مَن خافَ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ وخافَ مِن عَذابِهِ، والسَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا كَما سَيَأْتِي فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ويَدْخُلُ سَبَبُ التَّنْزِيلِ تَحْتَ عُمُومِها دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ قالَ: كُلِّ إنْسانٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: أمْشاجٍ قالَ أمْشاجُها عُرُوقُها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أمْشاجٍ قالَ: العُرُوقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ قالَ: ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ حِينَ يَخْتَلِطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: أمْشاجٍ ألْوانٍ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ وحَمْراءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ خَضْراءُ وحَمْراءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأمْشاجُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلى أثَرِ البَوْلِ كَقِطَعِ الأوْتارِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: وأسِيرًا قالَ: هو المُشْرِكُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: مِسْكِينًا قالَ: فَقِيرًا ويَتِيمًا قالَ لا أبَ لَهُ وأسِيرًا قالَ: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ قالَ: ضَيِّقًا قَمْطَرِيرًا قالَ: طَوِيلًا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قالَ: يَقْبِضُ ما بَيْنَ الأبْصارِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَمْطَرِيرُ الرَّجُلُ المُنْقَبِضُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ ووَجْهِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ قالَ: نَضْرَةً في وُجُوهِهِمْ وسُرُورًا في صُدُورِهِمْ.

الإنسان 76:7

قالَ الجُمْهُورُ: هي مَدَنِيَّةٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقِيلَ فِيها مَكِّيٌّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وما قَبْلَهُ مَدَنِيٌّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلْ واسْتَفْهِمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنا بِالألْوانِ والصُّوَرِ والنُّبُوَّةِ أفَرَأيْتَ إنْ آمَنتُ بِما آمَنتَ بِهِ وعَمِلْتُ بِما عَمِلْتَ بِهِ، أنِّي كائِنٌ مَعَكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُرى بَياضُ الأسْوَدِ في الجَنَّةِ مِن مَسِيرَةِ ألْفِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ حَسَنَةً، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ الحَبَشِيُّ: وإنَّ عَيْنِي لِتَرى ما تَرى عَيْناكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ، فاشْتَكى حَتّى فاضَتْ نَفْسُهُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدْلِيهِ في حُفْرَتِهِ بِيَدِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ قالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ «أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ كانَ يَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أكْثَرْتَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ: مَهْ يا عُمَرُ. وأُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حَتّى إذا أتى عَلى ذِكْرِ الجَنَّةِ زَفَرَ الأسْوَدُ زَفْرَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ماتَ شَوْقًا إلى الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مُنَيْعٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ، واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعِداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ المَعانِي أنَّ هَلْ هُنا بِمَعْنى قَدْ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، وقَدْ قالَ بِهَذا سِيبَوَيْهِ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: " هَلْ " تَكُونُ جَحْدًا وتَكُونُ خَبَرًا فَهَذا مِنَ الخَبَرِ لِأنَّكَ تَقُولُ: هَلْ أعْطَيْتُكَ، تُقَرِّرُهُ بِأنَّكَ أعْطَيْتَهُ، والجَحْدُ أنْ تَقُولَ: هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا، وقِيلَ هي وإنْ كانَتْ بِمَعْنى " قَدْ " فَفِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. والأصْلُ أهَلْ أتى، فالمَعْنى: أقَدْ أتى، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيبِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا آدَمُ، قالَ قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ قِيلَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقِيلَ إنَّهُ خُلِقَ مِن طِينِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن صَلْصالٍ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ الحِينُ المَذْكُورُ هُنا لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ بَنُو آدَمَ، والحِينُ مُدَّةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الإنْسانِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِحِينٍ. قالَ الفَرّاءُ، وقُطْرُبٌ، وثَعْلَبٌ: المَعْنى أنَّهُ كانَ جَسَدًا مُصَوَّرًا تُرابًا وطِينًا لا يُذْكَرُ ولا يُعْرَفُ ولا يُدْرى ما اسْمُهُ ولا ما يُرادُ بِهِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصارَ مَذْكُورًا. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في الخَلْقِ وإنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقِيلَ لَيْسَ المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الإخْبارُ، فَإنَّ إخْبارَ الرَّبِّ عَنِ الكائِناتِ قَدِيمٌ، بَلْ هو الذِّكْرُ بِمَعْنى (p-١٥٦٣)الخَطَرِ والشَّرَفِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ . قالَ القُشَيْرِيُّ: ما كانَ مَذْكُورًا لِلْخَلْقِ وإنْ كانَ مَذْكُورًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الفَرّاءُ: كانَ شَيْئًا ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا. فَجُعِلَ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ. وقِيلَ المَعْنى: قَدْ مَضَتْ أزْمِنَةٌ وما كانَ آدَمُ شَيْئًا ولا مَخْلُوقًا ولا مَذْكُورًا لِأحَدٍ مِنَ الخَلِيقَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ: هَلْ أتى حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؛ لِأنَّهُ خَلَقَهُ بَعْدَ خَلْقِ الحَيَوانِ كُلِّهِ ولَمْ يَخْلُقْ بَعْدَهُ حَيَوانًا. ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا ابْنُ آدَمَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: مِن غَيْرِ خِلافٍ، والنُّطْفَةُ: الماءُ الَّذِي يُقَطَّرُ، وهو المَنِيُّ وكُلُّ ماءٍ قَلِيلٌ في وِعاءٍ فَهو نُطْفَةٌ، وجَمْعُها نُطَفٌ، وأمْشاجٍ صِفَةٌ لِنُطْفَةٍ، وهي جَمْعُ مُشُجٍ، أوْ مَشِيجٍ، وهي الأخْلاطُ، والمُرادُ نُطْفَةُ الرَّجُلِ ونُطْفَةُ المَرْأةِ واخْتِلاطُهُما. يُقالُ مَشَجَ هَذا بِهَذا فَهو مَمْشُوجٌ: أيْ خَلَطَ هَذا بِهَذا فَهو مَخْلُوطٌ. قالَ المُبَرِّدُ: مَشَجَ يَمْشُجُ: إذا اخْتَلَطَ، وهو هُنا اخْتِلاطُ النُّطْفَةِ بِالدَّمِ. قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ؎يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعَجَّلٍ مَشّاجٍ لَمْ يُكْسَ جِلْدًا مِن دَمٍ أمْشاجِ قالَ الفَرّاءُ: أمْشاجٌ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ والدَّمِ والعَلَقَةِ، ويُقالُ مَشَجَ هَذا: إذا خَلَطَ، وقِيلَ الأمْشاجُ: الحُمْرَةُ في البَياضِ والبَياضُ في الحُمْرَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ يَخْتارُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ الهُذَلِيُّ: ؎كَأنَّ الرِّيشَ والوَقَّيْنَ مِنهُ ∗∗∗ حِلافُ النَّصْلِ نِيطَ بِهِ مَشِيجُ وذَلِكَ لِأنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ غَلِيظٌ وماءُ المَرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ فَيُخْلَقُ مِنهُما الوَلَدُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الأمْشاجُ: الأخْلاطُ لِأنَّها مُمْتَزِجَةٌ مِن أنْواعٍ يُخْلَقُ الإنْسانُ مِنها وطِباعٌ مُخْتَلِفَةٌ. وقِيلَ الأمْشاجُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ كَبِرْمَةِ أعْشارٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا وُقُوعُهُ نَعْتًا لِنُطْفَةٍ، وجُمْلَةُ نَبْتَلِيهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ خَلَقْنا: أيْ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الإنْسانِ، والمَعْنى: نَبْتَلِيهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ وبِالتَّكالِيفِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ نَبْتَلِيهِ وهي مُقَدِّمَةٌ مَعْناها التَّأْخِيرُ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الخِلْقَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الحالُ مُقَدَّرَةً، وقِيلَ مُقارَنَةً. وقِيلَ مَعْنى الِابْتِلاءِ: نَقْلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أعْطاهُ ما يَصِحُّ مَعَهُ الِابْتِلاءُ فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ أيْ بَيَّنّا لَهُ وعَرَّفْناهُ طَرِيقَ الهُدى والضَّلالِ والخَيْرِ والشَّرِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] قالَ مُجاهِدٌ: أيْ بَيَّنّا السَّبِيلَ إلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: السَّبِيلُ هُنا خُرُوجُهُ مِنَ الرَّحِمِ، وقِيلَ مَنافِعُهُ ومَضارُّهُ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها بِطَبْعِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ. وانْتِصابُ شاكِرًا وكَفُورًا عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ هَدَيْناهُ: أيْ مَكَّنّاهُ مِن سُلُوكِ الطَّرِيقِ في حالَتَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ عَلى الحالِ مِن ( سَبِيلٍ ) عَلى المَجازِ: أيْ عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ إمّا سَبِيلًا شاكِرًا وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا. وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ إمّا هي ( إنْ ) شُرْطِيَّةٌ زِيدَتْ بَعْدَها ما: أيْ بَيَّنّا لَهُ الطَّرِيقَ إنْ شَكَرَ وإنْ كَفَرَ. واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، ولا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ لِأنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ لا تَدْخُلُ عَلى الأسْماءِ إلّا أنْ يُضْمَرَ بَعْدَها فِعْلٌ، ولا يَصِحُّ هُنا إضْمارُ الفِعْلِ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ رَفْعُ شاكِرًا وكَفُورًا. ويُمْكِنُ أنْ يُضْمَرَ فِعْلٌ يَنْصِبُ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا )، وتَقْدِيرُهُ: إنْ خَلَقْناهُ شاكِرًا فَشَكُورٌ وإنْ خَلَقْناهُ كافِرًا فَكَفُورٌ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إمّا. وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وأبُو العَجّاجِ بِفَتْحِها، وهي عَلى الفَتْحِ إمّا العاطِفَةُ في لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، أوْ هي التَّفْصِيلِيَّةُ وجَوابُها مُقَدَّرٌ، وقِيلَ انْتَصَبَ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا ) بِإضْمارِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: سَواءٌ كانَ شاكِرًا أوْ كانَ كَفُورًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " سَلاسِلًا " بِالتَّنْوِينِ، ووَقَفَ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ وقَفُوا بِالألِفِ. ووَجْهُ مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ في " سَلاسِلَ " مَعَ كَوْنِ فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ أنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّناسُبَ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وهو ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾، وما بَعْدَهُ وهو أغْلالًا وسَعِيرًا مُنَوَّنٌ، أوْ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا يَنْصَرِفُ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ. قالَ الأخْفَشُ: سَمِعْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يَنْصَرِفُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْماءِ الصَّرْفُ وتَرَكَ الصَّرْفَ لِعارِضٍ فِيها. قالَ الفَرّاءُ: هو عَلى لُغَةِ مَن يَجُرُّ الأسْماءَ كُلَّها إلّا قَوْلُهم: هو أظْرَفُ مِنكَ فَإنَّهم لا يَجُرُّونَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ذَلِكَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎كَأنَّ سُيُوفَنا فِينا وفِيهِمْ ∗∗∗ مَخارِيقٌ بِأيْدِي لاعِبِينا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسِ الأبْصارِ بِكَسْرِ السِّينِ مِن " نَواكِسِ " . وقَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎وحَسُورِ أسْتارٍ دَعُونِي لِحَتْفِها ∗∗∗ بِمَعالِقٍ مُتَشابِهٌ أعْلاقُها . وقَوْلُهُ أيْضًا: ؎فَضْلًا وذُو كَرَمٍ يُعِينُ عَلى النَّدى ∗∗∗ سَمْحٌ لِشَوْبِ رَغائِبٍ غَنّامُها وقِيلَ إنَّ التَّنْوِينَ لِمُوافَقَةِ رَسْمِ المَصاحِفِ المَكِّيَّةِ والمَدَنِيَّةِ والكُوفِيَّةِ فَإنَّها فِيها بِالألِفِ، وقِيلَ إنَّ هَذا التَّنْوِينَ بَدَلٌ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ، ويَجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، والسَّلاسِلُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والخِلافُ فِيها هَلْ هي القُيُودُ، أوْ ما يُجْعَلُ في الأعْناقِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ؎ولَكِنْ ∗∗∗ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ تُغَلُّ بِهِ الأيْدِي إلى الأعْناقِ، والسَّعِيرُ: الوَقُودُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّهُ لِلشّاكِرِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ . الأبْرارُ: أهْلُ الطّاعَةِ والإخْلاصِ، والصِّدْقُ جَمْعُ بَرٍّ أوْ بارٍّ. قالَ في الصَّحّاحِ: جَمْعُ البَرِّ الأبْرارُ، وجَمْعُ البارِّ البَرَرَةُ، وفُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ ويَبْرُرُهُ: أيْ يُطِيعُهُ. وقالَ الحَسَنُ: البَرُّ الَّذِي لا يُؤْذِي الذَّرَّ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْرارُ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ حَقَّ اللَّهِ ويُوفُونَ بِالنَّذْرِ. (p-١٥٦٤)والكَأْسُ في اللُّغَةِ هو الإناءُ الَّذِي فِيهِ الشَّرابُ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الشَّرابُ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِالزُّجاجَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ الزُّجاجِ ومِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والصِّينِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَتْ كاساتُ العَرَبِ مِن أجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الكَأْسُ عَلى نَفْسِ الخَمْرِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَأْسٌ شُرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ أيْ يُخالِطُها وتُمْزَجُ بِهِ، يُقالُ مَزَجَهُ يَمْزُجُهُ مَزْجًا: أيْ خَلَطَهُ يَخْلِطُهُ خَلْطًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَأنَّ سَبِيَّةً مِن بَيْتِ رَأْسٍ ∗∗∗ كَأنَّ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا ؎مُعَتَّقَةً كَأنَّ الحُصَّ فِيها ∗∗∗ إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينا ومِنهُ مِزاجُ البَدَنِ، وهو ما يُمازِجُهُ مِنَ الأخْلاطِ، والكافُورُ قِيلَ: هو اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ يُقالُ لَها الكافُورِيُّ تُمْزَجُ خَمْرُ الجَنَّةِ بِماءِ هَذِهِ العَيْنِ. وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: تُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ لَهم بِالمِسْكِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مِزاجُها طَعْمُها، وقِيلَ إنَّما الكافُورُ في رِيحِها لا في طَعْمِها. وقِيلَ إنَّما أرادَ الكافُورَ في بَياضِهِ وطِيبِ رائِحَتِهِ وبَرْدِهِ؛ لِأنَّ الكافُورَ لا يُشْرَبُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: طَيَّبَها المِسْكُ والكافُورُ والزَّنْجَبِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَيْسَ هو كافُورُ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّى اللَّهُ ما عِنْدَهُ بِما عِنْدَكم حَتّى تَهْتَدِيَ لَهُ القُلُوبُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِكَأْسٍ. وقِيلَ إنَّ " كانَ " هُنا زائِدَةٌ: أيْ مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورٌ. ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كافُورًا؛ لِأنَّ ماءَها في بَياضِ الكافُورِ. وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّها بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ( مِن كَأْسٍ ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرُ عَيْنٍ، وقِيلَ إنَّها مُنْتَصِبَةٌ عَلى أنَّها مَفْعُولُ يَشْرَبُونَ: أيْ عَيْنًا مِن كَأْسٍ، وقِيلَ هي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَهُ الأخْفَشُ وقِيلَ مُنْتَصِبَةٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ: أيْ يَشْرَبُونَ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِ عَيْنًا. وقِيلَ إنَّ الباءَ في ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ زائِدَةٌ، وقِيلَ بِمَعْنى " مَن " قالَهُ الزَّجّاجُ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " يَشْرَبُها عِبادُ اللَّهِ " . وقِيلَ إنَّ " يَشْرَبُ " مُضَمَّنٌ مَعْنى يَلْتَذُّ، وقِيلَ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( يَشْرَبُ )، والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الكَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَشْرَبُها ويَشْرَبُ بِها سَواءٌ في المَعْنى، وكَأنَّ يَشْرَبُ بِها يُرْوى بِها ويُنْتَفَعُ بِها، وأنْشَدَ قَوْلَ الهُذَلِيِّ: ؎شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ قالَ: ومِثْلُهُ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ حَسَنٍ، وتَكَلَّمَ كَلامًا حَسَنًا ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أيْ يَجُرُّونَها إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ ويَنْتَفِعُونَ بِها كَما يَشاءُونَ ويَتْبَعُهم ماؤُها إلى كُلِّ مَكانٍ يُرِيدُونَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَهم يَشُقُّونَها شَقًّا كَما يُشَقُّ النَّهْرُ ويُفَجَّرُ إلى هُنا وهُنا. قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها حَيْثُ شاءُوا وتَتْبَعُهم حَيْثُ مالُوا مالَتْ مَعَهم، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِ عَيْنًا. وجُمْلَةُ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُسُوقَةٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ رُزِقُوا ما ذَكَرَ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْها. ومَعْنى النَّذْرِ في اللُّغَةِ الإيجابُ، والمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعاتِ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: يُوفُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ مِنَ الصَّلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِما. وقالَ عِكْرِمَةُ: يُوفُونَ إذا نَذَرُوا في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والنَّذْرُ في الشَّرْعِ ما أوْجَبَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ إضْمارٌ: أيْ كانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ في الدُّنْيا. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُوفُونَ بِالعَهْدِ: أيْ يُتَمِّمُونَ العَهْدَ. والأوْلى حَمْلُ النَّذْرِ هُنا عَلى ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْنى اسْتِطارَةُ شَرِّهِ فَشُوُّهَ وانْتِشارُهُ، يُقالُ اسْتَطارَ يَسْتَطِيرُ اسْتِطارَةً فَهو مُسْتَطِيرٌ، وهو اسْتَفْعَلَ مِنَ الطَّيَرانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَباتَتْ وقَدْ أثارَتْ في الفُؤا ∗∗∗ دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرا والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَطارَ الصَّدْعُ في القارُورَةِ والزُّجاجَةِ: إذا امْتَدَّ، ويُقالُ اسْتِطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ. قالَ الفَرّاءُ: المُسْتَطِيرُ: المُسْتَطِيلُ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَطارَ شَرُّ ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى مَلَأ السَّماواتِ والأرْضَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّماواتِ فانْشَقَّتْ وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ نُسِفَتِ الجِبالُ وغارَتِ المِياهُ. ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ أيْ يُطْعِمُونَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الأصْنافِ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ لَدَيْهِمْ وقِلَّتِهِ عِنْدَهم. قالَ مُجاهِدٌ: عَلى قِلَّتِهِ وحُبِّهِمْ إيّاهُ وشَهْوَتِهِمْ لَهُ؛ فَقَوْلُهُ عَلى حُبِّهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنَيْنِ عَلى حُبِّهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقِيلَ عَلى حُبِّ الإطْعامِ لِرَغْبَتِهِمْ في الخَيْرِ. قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ إطْعامِ الطَّعامِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في حُبِّهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّ اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّ اللَّهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ والمِسْكِينُ ذُو المَسْكَنَةِ، وهو الفَقِيرُ، أوْ مَن هو أفْقَرُ مِنَ الفَقِيرِ، والمُرادُ بِاليَتِيمِ يَتامى المُسْلِمِينَ، والأسِيرُ الَّذِي يُؤْسَرُ فَيُحْبَسُ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: الأسِيرُ: المَحْبُوسُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الأسِيرُ: العَبْدُ. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: الأسِيرُ: المَرْأةُ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَسَخَ هَذا الإطْعامَ آيَةُ الصَّدَقاتِ وآيَةُ السَّيْفِ في حَقِّ الأسِيرِ الكافِرِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ هي مُحْكَمَةٌ، وإطْعامُ المِسْكِينِ واليَتِيمِ عَلى التَّطَوُّعِ، وإطْعامُ الأسِيرِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ إلى أنْ يَتَخَيَّرَ فِيهِ الإمامُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ إنَّما نُطْعِمُكم، أوْ قائِلِينَ إنَّما نُطْعِمُكم: يَعْنِي أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ المُكافَأةَ ولا يُرِيدُونَ ثَناءَ النّاسِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ يَسْتَكْمِلُوا بِهَذا ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهَذا ولَكِنْ عِلْمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ وعَلِمَ مِن ثَنائِهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ (p-١٥٦٥)خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ورَجاءَ ثَوابِهِ ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أيْ لا نَطْلُبُ مِنكُمُ المُجازاةَ عَلى هَذا الإطْعامِ ولا نُرِيدُ مِنكُمُ الشُّكْرَ لَنا، بَلْ هو خالِصٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ مَن أطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ لا يُرِيدُ المُكافَأةَ ولا يَطْلُبُ الشُّكْرَ لَهُ مِمَّنْ أطْعَمَهُ. ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ أيْ نَخافُ عَذابَ يَوْمٍ مُتَّصِفٍ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ومَعْنى عَبُوسًا: أنَّهُ يَوْمٌ تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ مِن هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ، فالمَعْنى: أنَّهُ ذُو عَبُوسٍ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرَ قالَ الأخْفَشُ: القَمْطَرِيرُ أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلُهُ في البَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولَجَّ بِها اليَوْمُ العَبُوسُ القُماطِرُ . قالَ الكِسائِيُّ: اقْمَطَرَّ اليَوْمَ وازْمَهَرَّ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بَنُو الحَرْبِ أوْصَيْنا لَهم بِقَمْطَرَةٍ ∗∗∗ ومَن يَلْقَ مِنّا ذَلِكَ اليَوْمَ يَهْرُبِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ العُبُوسَ بِالشَّفَتَيْنِ، والقِطْمِيرُ بِالجَبْهَةِ والحاجِبَيْنِ، فَجَعَلَهُما مِن صِفاتِ المُتَغَيِّرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما يَراهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎يَقْدِرُ عَلى الصَّيْدِ بِعُودٍ مُنْكَسِرْ ∗∗∗ ويُقَمْطِرُ ساعَةً ويَكْفَهِرْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: قَمْطَرِيرٌ: أيْ مُنْقَبِضٌ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ والحاجِبَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ: إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها ما يَسْبِقُها مِنَ القَطْرِ، وجَعَلَ المِيمَ مَزِيدَةً. ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ أيْ أعْطاهم بَدَلَ العُبُوسِ في الكُفّارِ نَضْرَةً في الوُجُوهِ وسُرُورًا في القُلُوبِ. قالَ الضَّحّاكُ: والنَّضْرَةُ البَياضُ والنَّقاءُ في وُجُوهِهِمْ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، الحُسْنُ والبَهاءُ، وقِيلَ النَّضْرَةُ أثَرُ النِّعْمَةِ. ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى التَّكالِيفِ، وقِيلَ عَلى الفَقْرِ، وقِيلَ عَلى الجُوعِ، وقِيلَ عَلى الصَّوْمِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى الصَّبْرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ طاعَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: بِصَبْرِهِمْ ﴿جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ أيْ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ وألْبَسَهُمُ الحَرِيرَ، وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ عِوَضًا عَنْ تَرْكِهِ في الدُّنْيا امْتِثالًا لِما ورَدَ في الشَّرْعِ مِن تَحْرِيمِهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ العُمُومُ في كُلِّ مَن خافَ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ وخافَ مِن عَذابِهِ، والسَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا كَما سَيَأْتِي فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ويَدْخُلُ سَبَبُ التَّنْزِيلِ تَحْتَ عُمُومِها دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ قالَ: كُلِّ إنْسانٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: أمْشاجٍ قالَ أمْشاجُها عُرُوقُها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أمْشاجٍ قالَ: العُرُوقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ قالَ: ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ حِينَ يَخْتَلِطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: أمْشاجٍ ألْوانٍ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ وحَمْراءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ خَضْراءُ وحَمْراءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأمْشاجُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلى أثَرِ البَوْلِ كَقِطَعِ الأوْتارِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: وأسِيرًا قالَ: هو المُشْرِكُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: مِسْكِينًا قالَ: فَقِيرًا ويَتِيمًا قالَ لا أبَ لَهُ وأسِيرًا قالَ: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ قالَ: ضَيِّقًا قَمْطَرِيرًا قالَ: طَوِيلًا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قالَ: يَقْبِضُ ما بَيْنَ الأبْصارِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَمْطَرِيرُ الرَّجُلُ المُنْقَبِضُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ ووَجْهِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ قالَ: نَضْرَةً في وُجُوهِهِمْ وسُرُورًا في صُدُورِهِمْ.

الإنسان 76:8

قالَ الجُمْهُورُ: هي مَدَنِيَّةٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقِيلَ فِيها مَكِّيٌّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وما قَبْلَهُ مَدَنِيٌّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلْ واسْتَفْهِمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنا بِالألْوانِ والصُّوَرِ والنُّبُوَّةِ أفَرَأيْتَ إنْ آمَنتُ بِما آمَنتَ بِهِ وعَمِلْتُ بِما عَمِلْتَ بِهِ، أنِّي كائِنٌ مَعَكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُرى بَياضُ الأسْوَدِ في الجَنَّةِ مِن مَسِيرَةِ ألْفِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ حَسَنَةً، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ الحَبَشِيُّ: وإنَّ عَيْنِي لِتَرى ما تَرى عَيْناكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ، فاشْتَكى حَتّى فاضَتْ نَفْسُهُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدْلِيهِ في حُفْرَتِهِ بِيَدِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ قالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ «أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ كانَ يَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أكْثَرْتَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ: مَهْ يا عُمَرُ. وأُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حَتّى إذا أتى عَلى ذِكْرِ الجَنَّةِ زَفَرَ الأسْوَدُ زَفْرَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ماتَ شَوْقًا إلى الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مُنَيْعٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ، واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعِداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ المَعانِي أنَّ هَلْ هُنا بِمَعْنى قَدْ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، وقَدْ قالَ بِهَذا سِيبَوَيْهِ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: " هَلْ " تَكُونُ جَحْدًا وتَكُونُ خَبَرًا فَهَذا مِنَ الخَبَرِ لِأنَّكَ تَقُولُ: هَلْ أعْطَيْتُكَ، تُقَرِّرُهُ بِأنَّكَ أعْطَيْتَهُ، والجَحْدُ أنْ تَقُولَ: هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا، وقِيلَ هي وإنْ كانَتْ بِمَعْنى " قَدْ " فَفِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. والأصْلُ أهَلْ أتى، فالمَعْنى: أقَدْ أتى، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيبِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا آدَمُ، قالَ قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ قِيلَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقِيلَ إنَّهُ خُلِقَ مِن طِينِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن صَلْصالٍ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ الحِينُ المَذْكُورُ هُنا لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ بَنُو آدَمَ، والحِينُ مُدَّةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الإنْسانِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِحِينٍ. قالَ الفَرّاءُ، وقُطْرُبٌ، وثَعْلَبٌ: المَعْنى أنَّهُ كانَ جَسَدًا مُصَوَّرًا تُرابًا وطِينًا لا يُذْكَرُ ولا يُعْرَفُ ولا يُدْرى ما اسْمُهُ ولا ما يُرادُ بِهِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصارَ مَذْكُورًا. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في الخَلْقِ وإنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقِيلَ لَيْسَ المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الإخْبارُ، فَإنَّ إخْبارَ الرَّبِّ عَنِ الكائِناتِ قَدِيمٌ، بَلْ هو الذِّكْرُ بِمَعْنى (p-١٥٦٣)الخَطَرِ والشَّرَفِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ . قالَ القُشَيْرِيُّ: ما كانَ مَذْكُورًا لِلْخَلْقِ وإنْ كانَ مَذْكُورًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الفَرّاءُ: كانَ شَيْئًا ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا. فَجُعِلَ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ. وقِيلَ المَعْنى: قَدْ مَضَتْ أزْمِنَةٌ وما كانَ آدَمُ شَيْئًا ولا مَخْلُوقًا ولا مَذْكُورًا لِأحَدٍ مِنَ الخَلِيقَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ: هَلْ أتى حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؛ لِأنَّهُ خَلَقَهُ بَعْدَ خَلْقِ الحَيَوانِ كُلِّهِ ولَمْ يَخْلُقْ بَعْدَهُ حَيَوانًا. ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا ابْنُ آدَمَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: مِن غَيْرِ خِلافٍ، والنُّطْفَةُ: الماءُ الَّذِي يُقَطَّرُ، وهو المَنِيُّ وكُلُّ ماءٍ قَلِيلٌ في وِعاءٍ فَهو نُطْفَةٌ، وجَمْعُها نُطَفٌ، وأمْشاجٍ صِفَةٌ لِنُطْفَةٍ، وهي جَمْعُ مُشُجٍ، أوْ مَشِيجٍ، وهي الأخْلاطُ، والمُرادُ نُطْفَةُ الرَّجُلِ ونُطْفَةُ المَرْأةِ واخْتِلاطُهُما. يُقالُ مَشَجَ هَذا بِهَذا فَهو مَمْشُوجٌ: أيْ خَلَطَ هَذا بِهَذا فَهو مَخْلُوطٌ. قالَ المُبَرِّدُ: مَشَجَ يَمْشُجُ: إذا اخْتَلَطَ، وهو هُنا اخْتِلاطُ النُّطْفَةِ بِالدَّمِ. قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ؎يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعَجَّلٍ مَشّاجٍ لَمْ يُكْسَ جِلْدًا مِن دَمٍ أمْشاجِ قالَ الفَرّاءُ: أمْشاجٌ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ والدَّمِ والعَلَقَةِ، ويُقالُ مَشَجَ هَذا: إذا خَلَطَ، وقِيلَ الأمْشاجُ: الحُمْرَةُ في البَياضِ والبَياضُ في الحُمْرَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ يَخْتارُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ الهُذَلِيُّ: ؎كَأنَّ الرِّيشَ والوَقَّيْنَ مِنهُ ∗∗∗ حِلافُ النَّصْلِ نِيطَ بِهِ مَشِيجُ وذَلِكَ لِأنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ غَلِيظٌ وماءُ المَرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ فَيُخْلَقُ مِنهُما الوَلَدُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الأمْشاجُ: الأخْلاطُ لِأنَّها مُمْتَزِجَةٌ مِن أنْواعٍ يُخْلَقُ الإنْسانُ مِنها وطِباعٌ مُخْتَلِفَةٌ. وقِيلَ الأمْشاجُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ كَبِرْمَةِ أعْشارٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا وُقُوعُهُ نَعْتًا لِنُطْفَةٍ، وجُمْلَةُ نَبْتَلِيهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ خَلَقْنا: أيْ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الإنْسانِ، والمَعْنى: نَبْتَلِيهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ وبِالتَّكالِيفِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ نَبْتَلِيهِ وهي مُقَدِّمَةٌ مَعْناها التَّأْخِيرُ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الخِلْقَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الحالُ مُقَدَّرَةً، وقِيلَ مُقارَنَةً. وقِيلَ مَعْنى الِابْتِلاءِ: نَقْلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أعْطاهُ ما يَصِحُّ مَعَهُ الِابْتِلاءُ فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ أيْ بَيَّنّا لَهُ وعَرَّفْناهُ طَرِيقَ الهُدى والضَّلالِ والخَيْرِ والشَّرِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] قالَ مُجاهِدٌ: أيْ بَيَّنّا السَّبِيلَ إلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: السَّبِيلُ هُنا خُرُوجُهُ مِنَ الرَّحِمِ، وقِيلَ مَنافِعُهُ ومَضارُّهُ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها بِطَبْعِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ. وانْتِصابُ شاكِرًا وكَفُورًا عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ هَدَيْناهُ: أيْ مَكَّنّاهُ مِن سُلُوكِ الطَّرِيقِ في حالَتَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ عَلى الحالِ مِن ( سَبِيلٍ ) عَلى المَجازِ: أيْ عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ إمّا سَبِيلًا شاكِرًا وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا. وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ إمّا هي ( إنْ ) شُرْطِيَّةٌ زِيدَتْ بَعْدَها ما: أيْ بَيَّنّا لَهُ الطَّرِيقَ إنْ شَكَرَ وإنْ كَفَرَ. واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، ولا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ لِأنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ لا تَدْخُلُ عَلى الأسْماءِ إلّا أنْ يُضْمَرَ بَعْدَها فِعْلٌ، ولا يَصِحُّ هُنا إضْمارُ الفِعْلِ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ رَفْعُ شاكِرًا وكَفُورًا. ويُمْكِنُ أنْ يُضْمَرَ فِعْلٌ يَنْصِبُ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا )، وتَقْدِيرُهُ: إنْ خَلَقْناهُ شاكِرًا فَشَكُورٌ وإنْ خَلَقْناهُ كافِرًا فَكَفُورٌ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إمّا. وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وأبُو العَجّاجِ بِفَتْحِها، وهي عَلى الفَتْحِ إمّا العاطِفَةُ في لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، أوْ هي التَّفْصِيلِيَّةُ وجَوابُها مُقَدَّرٌ، وقِيلَ انْتَصَبَ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا ) بِإضْمارِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: سَواءٌ كانَ شاكِرًا أوْ كانَ كَفُورًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " سَلاسِلًا " بِالتَّنْوِينِ، ووَقَفَ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ وقَفُوا بِالألِفِ. ووَجْهُ مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ في " سَلاسِلَ " مَعَ كَوْنِ فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ أنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّناسُبَ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وهو ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾، وما بَعْدَهُ وهو أغْلالًا وسَعِيرًا مُنَوَّنٌ، أوْ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا يَنْصَرِفُ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ. قالَ الأخْفَشُ: سَمِعْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يَنْصَرِفُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْماءِ الصَّرْفُ وتَرَكَ الصَّرْفَ لِعارِضٍ فِيها. قالَ الفَرّاءُ: هو عَلى لُغَةِ مَن يَجُرُّ الأسْماءَ كُلَّها إلّا قَوْلُهم: هو أظْرَفُ مِنكَ فَإنَّهم لا يَجُرُّونَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ذَلِكَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎كَأنَّ سُيُوفَنا فِينا وفِيهِمْ ∗∗∗ مَخارِيقٌ بِأيْدِي لاعِبِينا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسِ الأبْصارِ بِكَسْرِ السِّينِ مِن " نَواكِسِ " . وقَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎وحَسُورِ أسْتارٍ دَعُونِي لِحَتْفِها ∗∗∗ بِمَعالِقٍ مُتَشابِهٌ أعْلاقُها . وقَوْلُهُ أيْضًا: ؎فَضْلًا وذُو كَرَمٍ يُعِينُ عَلى النَّدى ∗∗∗ سَمْحٌ لِشَوْبِ رَغائِبٍ غَنّامُها وقِيلَ إنَّ التَّنْوِينَ لِمُوافَقَةِ رَسْمِ المَصاحِفِ المَكِّيَّةِ والمَدَنِيَّةِ والكُوفِيَّةِ فَإنَّها فِيها بِالألِفِ، وقِيلَ إنَّ هَذا التَّنْوِينَ بَدَلٌ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ، ويَجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، والسَّلاسِلُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والخِلافُ فِيها هَلْ هي القُيُودُ، أوْ ما يُجْعَلُ في الأعْناقِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ؎ولَكِنْ ∗∗∗ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ تُغَلُّ بِهِ الأيْدِي إلى الأعْناقِ، والسَّعِيرُ: الوَقُودُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّهُ لِلشّاكِرِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ . الأبْرارُ: أهْلُ الطّاعَةِ والإخْلاصِ، والصِّدْقُ جَمْعُ بَرٍّ أوْ بارٍّ. قالَ في الصَّحّاحِ: جَمْعُ البَرِّ الأبْرارُ، وجَمْعُ البارِّ البَرَرَةُ، وفُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ ويَبْرُرُهُ: أيْ يُطِيعُهُ. وقالَ الحَسَنُ: البَرُّ الَّذِي لا يُؤْذِي الذَّرَّ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْرارُ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ حَقَّ اللَّهِ ويُوفُونَ بِالنَّذْرِ. (p-١٥٦٤)والكَأْسُ في اللُّغَةِ هو الإناءُ الَّذِي فِيهِ الشَّرابُ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الشَّرابُ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِالزُّجاجَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ الزُّجاجِ ومِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والصِّينِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَتْ كاساتُ العَرَبِ مِن أجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الكَأْسُ عَلى نَفْسِ الخَمْرِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَأْسٌ شُرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ أيْ يُخالِطُها وتُمْزَجُ بِهِ، يُقالُ مَزَجَهُ يَمْزُجُهُ مَزْجًا: أيْ خَلَطَهُ يَخْلِطُهُ خَلْطًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَأنَّ سَبِيَّةً مِن بَيْتِ رَأْسٍ ∗∗∗ كَأنَّ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا ؎مُعَتَّقَةً كَأنَّ الحُصَّ فِيها ∗∗∗ إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينا ومِنهُ مِزاجُ البَدَنِ، وهو ما يُمازِجُهُ مِنَ الأخْلاطِ، والكافُورُ قِيلَ: هو اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ يُقالُ لَها الكافُورِيُّ تُمْزَجُ خَمْرُ الجَنَّةِ بِماءِ هَذِهِ العَيْنِ. وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: تُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ لَهم بِالمِسْكِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مِزاجُها طَعْمُها، وقِيلَ إنَّما الكافُورُ في رِيحِها لا في طَعْمِها. وقِيلَ إنَّما أرادَ الكافُورَ في بَياضِهِ وطِيبِ رائِحَتِهِ وبَرْدِهِ؛ لِأنَّ الكافُورَ لا يُشْرَبُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: طَيَّبَها المِسْكُ والكافُورُ والزَّنْجَبِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَيْسَ هو كافُورُ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّى اللَّهُ ما عِنْدَهُ بِما عِنْدَكم حَتّى تَهْتَدِيَ لَهُ القُلُوبُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِكَأْسٍ. وقِيلَ إنَّ " كانَ " هُنا زائِدَةٌ: أيْ مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورٌ. ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كافُورًا؛ لِأنَّ ماءَها في بَياضِ الكافُورِ. وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّها بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ( مِن كَأْسٍ ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرُ عَيْنٍ، وقِيلَ إنَّها مُنْتَصِبَةٌ عَلى أنَّها مَفْعُولُ يَشْرَبُونَ: أيْ عَيْنًا مِن كَأْسٍ، وقِيلَ هي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَهُ الأخْفَشُ وقِيلَ مُنْتَصِبَةٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ: أيْ يَشْرَبُونَ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِ عَيْنًا. وقِيلَ إنَّ الباءَ في ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ زائِدَةٌ، وقِيلَ بِمَعْنى " مَن " قالَهُ الزَّجّاجُ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " يَشْرَبُها عِبادُ اللَّهِ " . وقِيلَ إنَّ " يَشْرَبُ " مُضَمَّنٌ مَعْنى يَلْتَذُّ، وقِيلَ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( يَشْرَبُ )، والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الكَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَشْرَبُها ويَشْرَبُ بِها سَواءٌ في المَعْنى، وكَأنَّ يَشْرَبُ بِها يُرْوى بِها ويُنْتَفَعُ بِها، وأنْشَدَ قَوْلَ الهُذَلِيِّ: ؎شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ قالَ: ومِثْلُهُ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ حَسَنٍ، وتَكَلَّمَ كَلامًا حَسَنًا ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أيْ يَجُرُّونَها إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ ويَنْتَفِعُونَ بِها كَما يَشاءُونَ ويَتْبَعُهم ماؤُها إلى كُلِّ مَكانٍ يُرِيدُونَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَهم يَشُقُّونَها شَقًّا كَما يُشَقُّ النَّهْرُ ويُفَجَّرُ إلى هُنا وهُنا. قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها حَيْثُ شاءُوا وتَتْبَعُهم حَيْثُ مالُوا مالَتْ مَعَهم، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِ عَيْنًا. وجُمْلَةُ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُسُوقَةٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ رُزِقُوا ما ذَكَرَ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْها. ومَعْنى النَّذْرِ في اللُّغَةِ الإيجابُ، والمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعاتِ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: يُوفُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ مِنَ الصَّلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِما. وقالَ عِكْرِمَةُ: يُوفُونَ إذا نَذَرُوا في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والنَّذْرُ في الشَّرْعِ ما أوْجَبَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ إضْمارٌ: أيْ كانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ في الدُّنْيا. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُوفُونَ بِالعَهْدِ: أيْ يُتَمِّمُونَ العَهْدَ. والأوْلى حَمْلُ النَّذْرِ هُنا عَلى ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْنى اسْتِطارَةُ شَرِّهِ فَشُوُّهَ وانْتِشارُهُ، يُقالُ اسْتَطارَ يَسْتَطِيرُ اسْتِطارَةً فَهو مُسْتَطِيرٌ، وهو اسْتَفْعَلَ مِنَ الطَّيَرانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَباتَتْ وقَدْ أثارَتْ في الفُؤا ∗∗∗ دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرا والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَطارَ الصَّدْعُ في القارُورَةِ والزُّجاجَةِ: إذا امْتَدَّ، ويُقالُ اسْتِطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ. قالَ الفَرّاءُ: المُسْتَطِيرُ: المُسْتَطِيلُ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَطارَ شَرُّ ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى مَلَأ السَّماواتِ والأرْضَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّماواتِ فانْشَقَّتْ وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ نُسِفَتِ الجِبالُ وغارَتِ المِياهُ. ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ أيْ يُطْعِمُونَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الأصْنافِ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ لَدَيْهِمْ وقِلَّتِهِ عِنْدَهم. قالَ مُجاهِدٌ: عَلى قِلَّتِهِ وحُبِّهِمْ إيّاهُ وشَهْوَتِهِمْ لَهُ؛ فَقَوْلُهُ عَلى حُبِّهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنَيْنِ عَلى حُبِّهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقِيلَ عَلى حُبِّ الإطْعامِ لِرَغْبَتِهِمْ في الخَيْرِ. قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ إطْعامِ الطَّعامِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في حُبِّهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّ اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّ اللَّهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ والمِسْكِينُ ذُو المَسْكَنَةِ، وهو الفَقِيرُ، أوْ مَن هو أفْقَرُ مِنَ الفَقِيرِ، والمُرادُ بِاليَتِيمِ يَتامى المُسْلِمِينَ، والأسِيرُ الَّذِي يُؤْسَرُ فَيُحْبَسُ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: الأسِيرُ: المَحْبُوسُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الأسِيرُ: العَبْدُ. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: الأسِيرُ: المَرْأةُ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَسَخَ هَذا الإطْعامَ آيَةُ الصَّدَقاتِ وآيَةُ السَّيْفِ في حَقِّ الأسِيرِ الكافِرِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ هي مُحْكَمَةٌ، وإطْعامُ المِسْكِينِ واليَتِيمِ عَلى التَّطَوُّعِ، وإطْعامُ الأسِيرِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ إلى أنْ يَتَخَيَّرَ فِيهِ الإمامُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ إنَّما نُطْعِمُكم، أوْ قائِلِينَ إنَّما نُطْعِمُكم: يَعْنِي أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ المُكافَأةَ ولا يُرِيدُونَ ثَناءَ النّاسِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ يَسْتَكْمِلُوا بِهَذا ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهَذا ولَكِنْ عِلْمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ وعَلِمَ مِن ثَنائِهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ (p-١٥٦٥)خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ورَجاءَ ثَوابِهِ ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أيْ لا نَطْلُبُ مِنكُمُ المُجازاةَ عَلى هَذا الإطْعامِ ولا نُرِيدُ مِنكُمُ الشُّكْرَ لَنا، بَلْ هو خالِصٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ مَن أطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ لا يُرِيدُ المُكافَأةَ ولا يَطْلُبُ الشُّكْرَ لَهُ مِمَّنْ أطْعَمَهُ. ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ أيْ نَخافُ عَذابَ يَوْمٍ مُتَّصِفٍ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ومَعْنى عَبُوسًا: أنَّهُ يَوْمٌ تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ مِن هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ، فالمَعْنى: أنَّهُ ذُو عَبُوسٍ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرَ قالَ الأخْفَشُ: القَمْطَرِيرُ أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلُهُ في البَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولَجَّ بِها اليَوْمُ العَبُوسُ القُماطِرُ . قالَ الكِسائِيُّ: اقْمَطَرَّ اليَوْمَ وازْمَهَرَّ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بَنُو الحَرْبِ أوْصَيْنا لَهم بِقَمْطَرَةٍ ∗∗∗ ومَن يَلْقَ مِنّا ذَلِكَ اليَوْمَ يَهْرُبِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ العُبُوسَ بِالشَّفَتَيْنِ، والقِطْمِيرُ بِالجَبْهَةِ والحاجِبَيْنِ، فَجَعَلَهُما مِن صِفاتِ المُتَغَيِّرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما يَراهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎يَقْدِرُ عَلى الصَّيْدِ بِعُودٍ مُنْكَسِرْ ∗∗∗ ويُقَمْطِرُ ساعَةً ويَكْفَهِرْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: قَمْطَرِيرٌ: أيْ مُنْقَبِضٌ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ والحاجِبَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ: إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها ما يَسْبِقُها مِنَ القَطْرِ، وجَعَلَ المِيمَ مَزِيدَةً. ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ أيْ أعْطاهم بَدَلَ العُبُوسِ في الكُفّارِ نَضْرَةً في الوُجُوهِ وسُرُورًا في القُلُوبِ. قالَ الضَّحّاكُ: والنَّضْرَةُ البَياضُ والنَّقاءُ في وُجُوهِهِمْ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، الحُسْنُ والبَهاءُ، وقِيلَ النَّضْرَةُ أثَرُ النِّعْمَةِ. ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى التَّكالِيفِ، وقِيلَ عَلى الفَقْرِ، وقِيلَ عَلى الجُوعِ، وقِيلَ عَلى الصَّوْمِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى الصَّبْرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ طاعَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: بِصَبْرِهِمْ ﴿جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ أيْ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ وألْبَسَهُمُ الحَرِيرَ، وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ عِوَضًا عَنْ تَرْكِهِ في الدُّنْيا امْتِثالًا لِما ورَدَ في الشَّرْعِ مِن تَحْرِيمِهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ العُمُومُ في كُلِّ مَن خافَ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ وخافَ مِن عَذابِهِ، والسَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا كَما سَيَأْتِي فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ويَدْخُلُ سَبَبُ التَّنْزِيلِ تَحْتَ عُمُومِها دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ قالَ: كُلِّ إنْسانٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: أمْشاجٍ قالَ أمْشاجُها عُرُوقُها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أمْشاجٍ قالَ: العُرُوقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ قالَ: ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ حِينَ يَخْتَلِطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: أمْشاجٍ ألْوانٍ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ وحَمْراءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ خَضْراءُ وحَمْراءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأمْشاجُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلى أثَرِ البَوْلِ كَقِطَعِ الأوْتارِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: وأسِيرًا قالَ: هو المُشْرِكُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: مِسْكِينًا قالَ: فَقِيرًا ويَتِيمًا قالَ لا أبَ لَهُ وأسِيرًا قالَ: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ قالَ: ضَيِّقًا قَمْطَرِيرًا قالَ: طَوِيلًا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قالَ: يَقْبِضُ ما بَيْنَ الأبْصارِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَمْطَرِيرُ الرَّجُلُ المُنْقَبِضُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ ووَجْهِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ قالَ: نَضْرَةً في وُجُوهِهِمْ وسُرُورًا في صُدُورِهِمْ.

الإنسان 76:9

قالَ الجُمْهُورُ: هي مَدَنِيَّةٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقِيلَ فِيها مَكِّيٌّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وما قَبْلَهُ مَدَنِيٌّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلْ واسْتَفْهِمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنا بِالألْوانِ والصُّوَرِ والنُّبُوَّةِ أفَرَأيْتَ إنْ آمَنتُ بِما آمَنتَ بِهِ وعَمِلْتُ بِما عَمِلْتَ بِهِ، أنِّي كائِنٌ مَعَكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُرى بَياضُ الأسْوَدِ في الجَنَّةِ مِن مَسِيرَةِ ألْفِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ حَسَنَةً، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ الحَبَشِيُّ: وإنَّ عَيْنِي لِتَرى ما تَرى عَيْناكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ، فاشْتَكى حَتّى فاضَتْ نَفْسُهُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدْلِيهِ في حُفْرَتِهِ بِيَدِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ قالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ «أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ كانَ يَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أكْثَرْتَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ: مَهْ يا عُمَرُ. وأُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حَتّى إذا أتى عَلى ذِكْرِ الجَنَّةِ زَفَرَ الأسْوَدُ زَفْرَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ماتَ شَوْقًا إلى الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مُنَيْعٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ، واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعِداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ المَعانِي أنَّ هَلْ هُنا بِمَعْنى قَدْ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، وقَدْ قالَ بِهَذا سِيبَوَيْهِ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: " هَلْ " تَكُونُ جَحْدًا وتَكُونُ خَبَرًا فَهَذا مِنَ الخَبَرِ لِأنَّكَ تَقُولُ: هَلْ أعْطَيْتُكَ، تُقَرِّرُهُ بِأنَّكَ أعْطَيْتَهُ، والجَحْدُ أنْ تَقُولَ: هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا، وقِيلَ هي وإنْ كانَتْ بِمَعْنى " قَدْ " فَفِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. والأصْلُ أهَلْ أتى، فالمَعْنى: أقَدْ أتى، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيبِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا آدَمُ، قالَ قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ قِيلَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقِيلَ إنَّهُ خُلِقَ مِن طِينِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن صَلْصالٍ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ الحِينُ المَذْكُورُ هُنا لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ بَنُو آدَمَ، والحِينُ مُدَّةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الإنْسانِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِحِينٍ. قالَ الفَرّاءُ، وقُطْرُبٌ، وثَعْلَبٌ: المَعْنى أنَّهُ كانَ جَسَدًا مُصَوَّرًا تُرابًا وطِينًا لا يُذْكَرُ ولا يُعْرَفُ ولا يُدْرى ما اسْمُهُ ولا ما يُرادُ بِهِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصارَ مَذْكُورًا. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في الخَلْقِ وإنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقِيلَ لَيْسَ المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الإخْبارُ، فَإنَّ إخْبارَ الرَّبِّ عَنِ الكائِناتِ قَدِيمٌ، بَلْ هو الذِّكْرُ بِمَعْنى (p-١٥٦٣)الخَطَرِ والشَّرَفِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ . قالَ القُشَيْرِيُّ: ما كانَ مَذْكُورًا لِلْخَلْقِ وإنْ كانَ مَذْكُورًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الفَرّاءُ: كانَ شَيْئًا ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا. فَجُعِلَ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ. وقِيلَ المَعْنى: قَدْ مَضَتْ أزْمِنَةٌ وما كانَ آدَمُ شَيْئًا ولا مَخْلُوقًا ولا مَذْكُورًا لِأحَدٍ مِنَ الخَلِيقَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ: هَلْ أتى حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؛ لِأنَّهُ خَلَقَهُ بَعْدَ خَلْقِ الحَيَوانِ كُلِّهِ ولَمْ يَخْلُقْ بَعْدَهُ حَيَوانًا. ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا ابْنُ آدَمَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: مِن غَيْرِ خِلافٍ، والنُّطْفَةُ: الماءُ الَّذِي يُقَطَّرُ، وهو المَنِيُّ وكُلُّ ماءٍ قَلِيلٌ في وِعاءٍ فَهو نُطْفَةٌ، وجَمْعُها نُطَفٌ، وأمْشاجٍ صِفَةٌ لِنُطْفَةٍ، وهي جَمْعُ مُشُجٍ، أوْ مَشِيجٍ، وهي الأخْلاطُ، والمُرادُ نُطْفَةُ الرَّجُلِ ونُطْفَةُ المَرْأةِ واخْتِلاطُهُما. يُقالُ مَشَجَ هَذا بِهَذا فَهو مَمْشُوجٌ: أيْ خَلَطَ هَذا بِهَذا فَهو مَخْلُوطٌ. قالَ المُبَرِّدُ: مَشَجَ يَمْشُجُ: إذا اخْتَلَطَ، وهو هُنا اخْتِلاطُ النُّطْفَةِ بِالدَّمِ. قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ؎يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعَجَّلٍ مَشّاجٍ لَمْ يُكْسَ جِلْدًا مِن دَمٍ أمْشاجِ قالَ الفَرّاءُ: أمْشاجٌ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ والدَّمِ والعَلَقَةِ، ويُقالُ مَشَجَ هَذا: إذا خَلَطَ، وقِيلَ الأمْشاجُ: الحُمْرَةُ في البَياضِ والبَياضُ في الحُمْرَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ يَخْتارُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ الهُذَلِيُّ: ؎كَأنَّ الرِّيشَ والوَقَّيْنَ مِنهُ ∗∗∗ حِلافُ النَّصْلِ نِيطَ بِهِ مَشِيجُ وذَلِكَ لِأنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ غَلِيظٌ وماءُ المَرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ فَيُخْلَقُ مِنهُما الوَلَدُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الأمْشاجُ: الأخْلاطُ لِأنَّها مُمْتَزِجَةٌ مِن أنْواعٍ يُخْلَقُ الإنْسانُ مِنها وطِباعٌ مُخْتَلِفَةٌ. وقِيلَ الأمْشاجُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ كَبِرْمَةِ أعْشارٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا وُقُوعُهُ نَعْتًا لِنُطْفَةٍ، وجُمْلَةُ نَبْتَلِيهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ خَلَقْنا: أيْ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الإنْسانِ، والمَعْنى: نَبْتَلِيهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ وبِالتَّكالِيفِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ نَبْتَلِيهِ وهي مُقَدِّمَةٌ مَعْناها التَّأْخِيرُ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الخِلْقَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الحالُ مُقَدَّرَةً، وقِيلَ مُقارَنَةً. وقِيلَ مَعْنى الِابْتِلاءِ: نَقْلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أعْطاهُ ما يَصِحُّ مَعَهُ الِابْتِلاءُ فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ أيْ بَيَّنّا لَهُ وعَرَّفْناهُ طَرِيقَ الهُدى والضَّلالِ والخَيْرِ والشَّرِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] قالَ مُجاهِدٌ: أيْ بَيَّنّا السَّبِيلَ إلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: السَّبِيلُ هُنا خُرُوجُهُ مِنَ الرَّحِمِ، وقِيلَ مَنافِعُهُ ومَضارُّهُ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها بِطَبْعِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ. وانْتِصابُ شاكِرًا وكَفُورًا عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ هَدَيْناهُ: أيْ مَكَّنّاهُ مِن سُلُوكِ الطَّرِيقِ في حالَتَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ عَلى الحالِ مِن ( سَبِيلٍ ) عَلى المَجازِ: أيْ عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ إمّا سَبِيلًا شاكِرًا وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا. وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ إمّا هي ( إنْ ) شُرْطِيَّةٌ زِيدَتْ بَعْدَها ما: أيْ بَيَّنّا لَهُ الطَّرِيقَ إنْ شَكَرَ وإنْ كَفَرَ. واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، ولا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ لِأنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ لا تَدْخُلُ عَلى الأسْماءِ إلّا أنْ يُضْمَرَ بَعْدَها فِعْلٌ، ولا يَصِحُّ هُنا إضْمارُ الفِعْلِ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ رَفْعُ شاكِرًا وكَفُورًا. ويُمْكِنُ أنْ يُضْمَرَ فِعْلٌ يَنْصِبُ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا )، وتَقْدِيرُهُ: إنْ خَلَقْناهُ شاكِرًا فَشَكُورٌ وإنْ خَلَقْناهُ كافِرًا فَكَفُورٌ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إمّا. وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وأبُو العَجّاجِ بِفَتْحِها، وهي عَلى الفَتْحِ إمّا العاطِفَةُ في لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، أوْ هي التَّفْصِيلِيَّةُ وجَوابُها مُقَدَّرٌ، وقِيلَ انْتَصَبَ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا ) بِإضْمارِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: سَواءٌ كانَ شاكِرًا أوْ كانَ كَفُورًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " سَلاسِلًا " بِالتَّنْوِينِ، ووَقَفَ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ وقَفُوا بِالألِفِ. ووَجْهُ مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ في " سَلاسِلَ " مَعَ كَوْنِ فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ أنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّناسُبَ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وهو ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾، وما بَعْدَهُ وهو أغْلالًا وسَعِيرًا مُنَوَّنٌ، أوْ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا يَنْصَرِفُ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ. قالَ الأخْفَشُ: سَمِعْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يَنْصَرِفُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْماءِ الصَّرْفُ وتَرَكَ الصَّرْفَ لِعارِضٍ فِيها. قالَ الفَرّاءُ: هو عَلى لُغَةِ مَن يَجُرُّ الأسْماءَ كُلَّها إلّا قَوْلُهم: هو أظْرَفُ مِنكَ فَإنَّهم لا يَجُرُّونَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ذَلِكَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎كَأنَّ سُيُوفَنا فِينا وفِيهِمْ ∗∗∗ مَخارِيقٌ بِأيْدِي لاعِبِينا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسِ الأبْصارِ بِكَسْرِ السِّينِ مِن " نَواكِسِ " . وقَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎وحَسُورِ أسْتارٍ دَعُونِي لِحَتْفِها ∗∗∗ بِمَعالِقٍ مُتَشابِهٌ أعْلاقُها . وقَوْلُهُ أيْضًا: ؎فَضْلًا وذُو كَرَمٍ يُعِينُ عَلى النَّدى ∗∗∗ سَمْحٌ لِشَوْبِ رَغائِبٍ غَنّامُها وقِيلَ إنَّ التَّنْوِينَ لِمُوافَقَةِ رَسْمِ المَصاحِفِ المَكِّيَّةِ والمَدَنِيَّةِ والكُوفِيَّةِ فَإنَّها فِيها بِالألِفِ، وقِيلَ إنَّ هَذا التَّنْوِينَ بَدَلٌ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ، ويَجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، والسَّلاسِلُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والخِلافُ فِيها هَلْ هي القُيُودُ، أوْ ما يُجْعَلُ في الأعْناقِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ؎ولَكِنْ ∗∗∗ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ تُغَلُّ بِهِ الأيْدِي إلى الأعْناقِ، والسَّعِيرُ: الوَقُودُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّهُ لِلشّاكِرِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ . الأبْرارُ: أهْلُ الطّاعَةِ والإخْلاصِ، والصِّدْقُ جَمْعُ بَرٍّ أوْ بارٍّ. قالَ في الصَّحّاحِ: جَمْعُ البَرِّ الأبْرارُ، وجَمْعُ البارِّ البَرَرَةُ، وفُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ ويَبْرُرُهُ: أيْ يُطِيعُهُ. وقالَ الحَسَنُ: البَرُّ الَّذِي لا يُؤْذِي الذَّرَّ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْرارُ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ حَقَّ اللَّهِ ويُوفُونَ بِالنَّذْرِ. (p-١٥٦٤)والكَأْسُ في اللُّغَةِ هو الإناءُ الَّذِي فِيهِ الشَّرابُ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الشَّرابُ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِالزُّجاجَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ الزُّجاجِ ومِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والصِّينِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَتْ كاساتُ العَرَبِ مِن أجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الكَأْسُ عَلى نَفْسِ الخَمْرِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَأْسٌ شُرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ أيْ يُخالِطُها وتُمْزَجُ بِهِ، يُقالُ مَزَجَهُ يَمْزُجُهُ مَزْجًا: أيْ خَلَطَهُ يَخْلِطُهُ خَلْطًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَأنَّ سَبِيَّةً مِن بَيْتِ رَأْسٍ ∗∗∗ كَأنَّ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا ؎مُعَتَّقَةً كَأنَّ الحُصَّ فِيها ∗∗∗ إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينا ومِنهُ مِزاجُ البَدَنِ، وهو ما يُمازِجُهُ مِنَ الأخْلاطِ، والكافُورُ قِيلَ: هو اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ يُقالُ لَها الكافُورِيُّ تُمْزَجُ خَمْرُ الجَنَّةِ بِماءِ هَذِهِ العَيْنِ. وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: تُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ لَهم بِالمِسْكِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مِزاجُها طَعْمُها، وقِيلَ إنَّما الكافُورُ في رِيحِها لا في طَعْمِها. وقِيلَ إنَّما أرادَ الكافُورَ في بَياضِهِ وطِيبِ رائِحَتِهِ وبَرْدِهِ؛ لِأنَّ الكافُورَ لا يُشْرَبُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: طَيَّبَها المِسْكُ والكافُورُ والزَّنْجَبِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَيْسَ هو كافُورُ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّى اللَّهُ ما عِنْدَهُ بِما عِنْدَكم حَتّى تَهْتَدِيَ لَهُ القُلُوبُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِكَأْسٍ. وقِيلَ إنَّ " كانَ " هُنا زائِدَةٌ: أيْ مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورٌ. ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كافُورًا؛ لِأنَّ ماءَها في بَياضِ الكافُورِ. وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّها بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ( مِن كَأْسٍ ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرُ عَيْنٍ، وقِيلَ إنَّها مُنْتَصِبَةٌ عَلى أنَّها مَفْعُولُ يَشْرَبُونَ: أيْ عَيْنًا مِن كَأْسٍ، وقِيلَ هي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَهُ الأخْفَشُ وقِيلَ مُنْتَصِبَةٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ: أيْ يَشْرَبُونَ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِ عَيْنًا. وقِيلَ إنَّ الباءَ في ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ زائِدَةٌ، وقِيلَ بِمَعْنى " مَن " قالَهُ الزَّجّاجُ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " يَشْرَبُها عِبادُ اللَّهِ " . وقِيلَ إنَّ " يَشْرَبُ " مُضَمَّنٌ مَعْنى يَلْتَذُّ، وقِيلَ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( يَشْرَبُ )، والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الكَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَشْرَبُها ويَشْرَبُ بِها سَواءٌ في المَعْنى، وكَأنَّ يَشْرَبُ بِها يُرْوى بِها ويُنْتَفَعُ بِها، وأنْشَدَ قَوْلَ الهُذَلِيِّ: ؎شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ قالَ: ومِثْلُهُ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ حَسَنٍ، وتَكَلَّمَ كَلامًا حَسَنًا ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أيْ يَجُرُّونَها إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ ويَنْتَفِعُونَ بِها كَما يَشاءُونَ ويَتْبَعُهم ماؤُها إلى كُلِّ مَكانٍ يُرِيدُونَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَهم يَشُقُّونَها شَقًّا كَما يُشَقُّ النَّهْرُ ويُفَجَّرُ إلى هُنا وهُنا. قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها حَيْثُ شاءُوا وتَتْبَعُهم حَيْثُ مالُوا مالَتْ مَعَهم، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِ عَيْنًا. وجُمْلَةُ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُسُوقَةٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ رُزِقُوا ما ذَكَرَ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْها. ومَعْنى النَّذْرِ في اللُّغَةِ الإيجابُ، والمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعاتِ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: يُوفُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ مِنَ الصَّلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِما. وقالَ عِكْرِمَةُ: يُوفُونَ إذا نَذَرُوا في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والنَّذْرُ في الشَّرْعِ ما أوْجَبَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ إضْمارٌ: أيْ كانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ في الدُّنْيا. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُوفُونَ بِالعَهْدِ: أيْ يُتَمِّمُونَ العَهْدَ. والأوْلى حَمْلُ النَّذْرِ هُنا عَلى ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْنى اسْتِطارَةُ شَرِّهِ فَشُوُّهَ وانْتِشارُهُ، يُقالُ اسْتَطارَ يَسْتَطِيرُ اسْتِطارَةً فَهو مُسْتَطِيرٌ، وهو اسْتَفْعَلَ مِنَ الطَّيَرانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَباتَتْ وقَدْ أثارَتْ في الفُؤا ∗∗∗ دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرا والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَطارَ الصَّدْعُ في القارُورَةِ والزُّجاجَةِ: إذا امْتَدَّ، ويُقالُ اسْتِطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ. قالَ الفَرّاءُ: المُسْتَطِيرُ: المُسْتَطِيلُ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَطارَ شَرُّ ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى مَلَأ السَّماواتِ والأرْضَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّماواتِ فانْشَقَّتْ وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ نُسِفَتِ الجِبالُ وغارَتِ المِياهُ. ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ أيْ يُطْعِمُونَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الأصْنافِ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ لَدَيْهِمْ وقِلَّتِهِ عِنْدَهم. قالَ مُجاهِدٌ: عَلى قِلَّتِهِ وحُبِّهِمْ إيّاهُ وشَهْوَتِهِمْ لَهُ؛ فَقَوْلُهُ عَلى حُبِّهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنَيْنِ عَلى حُبِّهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقِيلَ عَلى حُبِّ الإطْعامِ لِرَغْبَتِهِمْ في الخَيْرِ. قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ إطْعامِ الطَّعامِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في حُبِّهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّ اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّ اللَّهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ والمِسْكِينُ ذُو المَسْكَنَةِ، وهو الفَقِيرُ، أوْ مَن هو أفْقَرُ مِنَ الفَقِيرِ، والمُرادُ بِاليَتِيمِ يَتامى المُسْلِمِينَ، والأسِيرُ الَّذِي يُؤْسَرُ فَيُحْبَسُ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: الأسِيرُ: المَحْبُوسُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الأسِيرُ: العَبْدُ. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: الأسِيرُ: المَرْأةُ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَسَخَ هَذا الإطْعامَ آيَةُ الصَّدَقاتِ وآيَةُ السَّيْفِ في حَقِّ الأسِيرِ الكافِرِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ هي مُحْكَمَةٌ، وإطْعامُ المِسْكِينِ واليَتِيمِ عَلى التَّطَوُّعِ، وإطْعامُ الأسِيرِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ إلى أنْ يَتَخَيَّرَ فِيهِ الإمامُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ إنَّما نُطْعِمُكم، أوْ قائِلِينَ إنَّما نُطْعِمُكم: يَعْنِي أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ المُكافَأةَ ولا يُرِيدُونَ ثَناءَ النّاسِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ يَسْتَكْمِلُوا بِهَذا ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهَذا ولَكِنْ عِلْمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ وعَلِمَ مِن ثَنائِهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ (p-١٥٦٥)خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ورَجاءَ ثَوابِهِ ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أيْ لا نَطْلُبُ مِنكُمُ المُجازاةَ عَلى هَذا الإطْعامِ ولا نُرِيدُ مِنكُمُ الشُّكْرَ لَنا، بَلْ هو خالِصٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ مَن أطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ لا يُرِيدُ المُكافَأةَ ولا يَطْلُبُ الشُّكْرَ لَهُ مِمَّنْ أطْعَمَهُ. ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ أيْ نَخافُ عَذابَ يَوْمٍ مُتَّصِفٍ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ومَعْنى عَبُوسًا: أنَّهُ يَوْمٌ تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ مِن هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ، فالمَعْنى: أنَّهُ ذُو عَبُوسٍ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرَ قالَ الأخْفَشُ: القَمْطَرِيرُ أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلُهُ في البَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولَجَّ بِها اليَوْمُ العَبُوسُ القُماطِرُ . قالَ الكِسائِيُّ: اقْمَطَرَّ اليَوْمَ وازْمَهَرَّ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بَنُو الحَرْبِ أوْصَيْنا لَهم بِقَمْطَرَةٍ ∗∗∗ ومَن يَلْقَ مِنّا ذَلِكَ اليَوْمَ يَهْرُبِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ العُبُوسَ بِالشَّفَتَيْنِ، والقِطْمِيرُ بِالجَبْهَةِ والحاجِبَيْنِ، فَجَعَلَهُما مِن صِفاتِ المُتَغَيِّرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما يَراهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎يَقْدِرُ عَلى الصَّيْدِ بِعُودٍ مُنْكَسِرْ ∗∗∗ ويُقَمْطِرُ ساعَةً ويَكْفَهِرْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: قَمْطَرِيرٌ: أيْ مُنْقَبِضٌ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ والحاجِبَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ: إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها ما يَسْبِقُها مِنَ القَطْرِ، وجَعَلَ المِيمَ مَزِيدَةً. ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ أيْ أعْطاهم بَدَلَ العُبُوسِ في الكُفّارِ نَضْرَةً في الوُجُوهِ وسُرُورًا في القُلُوبِ. قالَ الضَّحّاكُ: والنَّضْرَةُ البَياضُ والنَّقاءُ في وُجُوهِهِمْ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، الحُسْنُ والبَهاءُ، وقِيلَ النَّضْرَةُ أثَرُ النِّعْمَةِ. ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى التَّكالِيفِ، وقِيلَ عَلى الفَقْرِ، وقِيلَ عَلى الجُوعِ، وقِيلَ عَلى الصَّوْمِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى الصَّبْرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ طاعَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: بِصَبْرِهِمْ ﴿جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ أيْ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ وألْبَسَهُمُ الحَرِيرَ، وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ عِوَضًا عَنْ تَرْكِهِ في الدُّنْيا امْتِثالًا لِما ورَدَ في الشَّرْعِ مِن تَحْرِيمِهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ العُمُومُ في كُلِّ مَن خافَ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ وخافَ مِن عَذابِهِ، والسَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا كَما سَيَأْتِي فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ويَدْخُلُ سَبَبُ التَّنْزِيلِ تَحْتَ عُمُومِها دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ قالَ: كُلِّ إنْسانٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: أمْشاجٍ قالَ أمْشاجُها عُرُوقُها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أمْشاجٍ قالَ: العُرُوقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ قالَ: ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ حِينَ يَخْتَلِطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: أمْشاجٍ ألْوانٍ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ وحَمْراءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ خَضْراءُ وحَمْراءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأمْشاجُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلى أثَرِ البَوْلِ كَقِطَعِ الأوْتارِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: وأسِيرًا قالَ: هو المُشْرِكُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: مِسْكِينًا قالَ: فَقِيرًا ويَتِيمًا قالَ لا أبَ لَهُ وأسِيرًا قالَ: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ قالَ: ضَيِّقًا قَمْطَرِيرًا قالَ: طَوِيلًا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قالَ: يَقْبِضُ ما بَيْنَ الأبْصارِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَمْطَرِيرُ الرَّجُلُ المُنْقَبِضُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ ووَجْهِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ قالَ: نَضْرَةً في وُجُوهِهِمْ وسُرُورًا في صُدُورِهِمْ.

الإنسان 76:10

قالَ الجُمْهُورُ: هي مَدَنِيَّةٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقِيلَ فِيها مَكِّيٌّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وما قَبْلَهُ مَدَنِيٌّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلْ واسْتَفْهِمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنا بِالألْوانِ والصُّوَرِ والنُّبُوَّةِ أفَرَأيْتَ إنْ آمَنتُ بِما آمَنتَ بِهِ وعَمِلْتُ بِما عَمِلْتَ بِهِ، أنِّي كائِنٌ مَعَكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُرى بَياضُ الأسْوَدِ في الجَنَّةِ مِن مَسِيرَةِ ألْفِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ حَسَنَةً، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ الحَبَشِيُّ: وإنَّ عَيْنِي لِتَرى ما تَرى عَيْناكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ، فاشْتَكى حَتّى فاضَتْ نَفْسُهُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدْلِيهِ في حُفْرَتِهِ بِيَدِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ قالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ «أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ كانَ يَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أكْثَرْتَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ: مَهْ يا عُمَرُ. وأُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حَتّى إذا أتى عَلى ذِكْرِ الجَنَّةِ زَفَرَ الأسْوَدُ زَفْرَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ماتَ شَوْقًا إلى الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مُنَيْعٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ، واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعِداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ المَعانِي أنَّ هَلْ هُنا بِمَعْنى قَدْ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، وقَدْ قالَ بِهَذا سِيبَوَيْهِ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: " هَلْ " تَكُونُ جَحْدًا وتَكُونُ خَبَرًا فَهَذا مِنَ الخَبَرِ لِأنَّكَ تَقُولُ: هَلْ أعْطَيْتُكَ، تُقَرِّرُهُ بِأنَّكَ أعْطَيْتَهُ، والجَحْدُ أنْ تَقُولَ: هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا، وقِيلَ هي وإنْ كانَتْ بِمَعْنى " قَدْ " فَفِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. والأصْلُ أهَلْ أتى، فالمَعْنى: أقَدْ أتى، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيبِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا آدَمُ، قالَ قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ قِيلَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقِيلَ إنَّهُ خُلِقَ مِن طِينِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن صَلْصالٍ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ الحِينُ المَذْكُورُ هُنا لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ بَنُو آدَمَ، والحِينُ مُدَّةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الإنْسانِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِحِينٍ. قالَ الفَرّاءُ، وقُطْرُبٌ، وثَعْلَبٌ: المَعْنى أنَّهُ كانَ جَسَدًا مُصَوَّرًا تُرابًا وطِينًا لا يُذْكَرُ ولا يُعْرَفُ ولا يُدْرى ما اسْمُهُ ولا ما يُرادُ بِهِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصارَ مَذْكُورًا. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في الخَلْقِ وإنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقِيلَ لَيْسَ المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الإخْبارُ، فَإنَّ إخْبارَ الرَّبِّ عَنِ الكائِناتِ قَدِيمٌ، بَلْ هو الذِّكْرُ بِمَعْنى (p-١٥٦٣)الخَطَرِ والشَّرَفِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ . قالَ القُشَيْرِيُّ: ما كانَ مَذْكُورًا لِلْخَلْقِ وإنْ كانَ مَذْكُورًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الفَرّاءُ: كانَ شَيْئًا ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا. فَجُعِلَ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ. وقِيلَ المَعْنى: قَدْ مَضَتْ أزْمِنَةٌ وما كانَ آدَمُ شَيْئًا ولا مَخْلُوقًا ولا مَذْكُورًا لِأحَدٍ مِنَ الخَلِيقَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ: هَلْ أتى حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؛ لِأنَّهُ خَلَقَهُ بَعْدَ خَلْقِ الحَيَوانِ كُلِّهِ ولَمْ يَخْلُقْ بَعْدَهُ حَيَوانًا. ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا ابْنُ آدَمَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: مِن غَيْرِ خِلافٍ، والنُّطْفَةُ: الماءُ الَّذِي يُقَطَّرُ، وهو المَنِيُّ وكُلُّ ماءٍ قَلِيلٌ في وِعاءٍ فَهو نُطْفَةٌ، وجَمْعُها نُطَفٌ، وأمْشاجٍ صِفَةٌ لِنُطْفَةٍ، وهي جَمْعُ مُشُجٍ، أوْ مَشِيجٍ، وهي الأخْلاطُ، والمُرادُ نُطْفَةُ الرَّجُلِ ونُطْفَةُ المَرْأةِ واخْتِلاطُهُما. يُقالُ مَشَجَ هَذا بِهَذا فَهو مَمْشُوجٌ: أيْ خَلَطَ هَذا بِهَذا فَهو مَخْلُوطٌ. قالَ المُبَرِّدُ: مَشَجَ يَمْشُجُ: إذا اخْتَلَطَ، وهو هُنا اخْتِلاطُ النُّطْفَةِ بِالدَّمِ. قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ؎يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعَجَّلٍ مَشّاجٍ لَمْ يُكْسَ جِلْدًا مِن دَمٍ أمْشاجِ قالَ الفَرّاءُ: أمْشاجٌ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ والدَّمِ والعَلَقَةِ، ويُقالُ مَشَجَ هَذا: إذا خَلَطَ، وقِيلَ الأمْشاجُ: الحُمْرَةُ في البَياضِ والبَياضُ في الحُمْرَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ يَخْتارُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ الهُذَلِيُّ: ؎كَأنَّ الرِّيشَ والوَقَّيْنَ مِنهُ ∗∗∗ حِلافُ النَّصْلِ نِيطَ بِهِ مَشِيجُ وذَلِكَ لِأنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ غَلِيظٌ وماءُ المَرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ فَيُخْلَقُ مِنهُما الوَلَدُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الأمْشاجُ: الأخْلاطُ لِأنَّها مُمْتَزِجَةٌ مِن أنْواعٍ يُخْلَقُ الإنْسانُ مِنها وطِباعٌ مُخْتَلِفَةٌ. وقِيلَ الأمْشاجُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ كَبِرْمَةِ أعْشارٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا وُقُوعُهُ نَعْتًا لِنُطْفَةٍ، وجُمْلَةُ نَبْتَلِيهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ خَلَقْنا: أيْ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الإنْسانِ، والمَعْنى: نَبْتَلِيهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ وبِالتَّكالِيفِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ نَبْتَلِيهِ وهي مُقَدِّمَةٌ مَعْناها التَّأْخِيرُ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الخِلْقَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الحالُ مُقَدَّرَةً، وقِيلَ مُقارَنَةً. وقِيلَ مَعْنى الِابْتِلاءِ: نَقْلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أعْطاهُ ما يَصِحُّ مَعَهُ الِابْتِلاءُ فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ أيْ بَيَّنّا لَهُ وعَرَّفْناهُ طَرِيقَ الهُدى والضَّلالِ والخَيْرِ والشَّرِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] قالَ مُجاهِدٌ: أيْ بَيَّنّا السَّبِيلَ إلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: السَّبِيلُ هُنا خُرُوجُهُ مِنَ الرَّحِمِ، وقِيلَ مَنافِعُهُ ومَضارُّهُ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها بِطَبْعِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ. وانْتِصابُ شاكِرًا وكَفُورًا عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ هَدَيْناهُ: أيْ مَكَّنّاهُ مِن سُلُوكِ الطَّرِيقِ في حالَتَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ عَلى الحالِ مِن ( سَبِيلٍ ) عَلى المَجازِ: أيْ عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ إمّا سَبِيلًا شاكِرًا وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا. وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ إمّا هي ( إنْ ) شُرْطِيَّةٌ زِيدَتْ بَعْدَها ما: أيْ بَيَّنّا لَهُ الطَّرِيقَ إنْ شَكَرَ وإنْ كَفَرَ. واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، ولا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ لِأنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ لا تَدْخُلُ عَلى الأسْماءِ إلّا أنْ يُضْمَرَ بَعْدَها فِعْلٌ، ولا يَصِحُّ هُنا إضْمارُ الفِعْلِ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ رَفْعُ شاكِرًا وكَفُورًا. ويُمْكِنُ أنْ يُضْمَرَ فِعْلٌ يَنْصِبُ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا )، وتَقْدِيرُهُ: إنْ خَلَقْناهُ شاكِرًا فَشَكُورٌ وإنْ خَلَقْناهُ كافِرًا فَكَفُورٌ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إمّا. وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وأبُو العَجّاجِ بِفَتْحِها، وهي عَلى الفَتْحِ إمّا العاطِفَةُ في لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، أوْ هي التَّفْصِيلِيَّةُ وجَوابُها مُقَدَّرٌ، وقِيلَ انْتَصَبَ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا ) بِإضْمارِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: سَواءٌ كانَ شاكِرًا أوْ كانَ كَفُورًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " سَلاسِلًا " بِالتَّنْوِينِ، ووَقَفَ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ وقَفُوا بِالألِفِ. ووَجْهُ مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ في " سَلاسِلَ " مَعَ كَوْنِ فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ أنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّناسُبَ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وهو ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾، وما بَعْدَهُ وهو أغْلالًا وسَعِيرًا مُنَوَّنٌ، أوْ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا يَنْصَرِفُ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ. قالَ الأخْفَشُ: سَمِعْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يَنْصَرِفُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْماءِ الصَّرْفُ وتَرَكَ الصَّرْفَ لِعارِضٍ فِيها. قالَ الفَرّاءُ: هو عَلى لُغَةِ مَن يَجُرُّ الأسْماءَ كُلَّها إلّا قَوْلُهم: هو أظْرَفُ مِنكَ فَإنَّهم لا يَجُرُّونَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ذَلِكَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎كَأنَّ سُيُوفَنا فِينا وفِيهِمْ ∗∗∗ مَخارِيقٌ بِأيْدِي لاعِبِينا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسِ الأبْصارِ بِكَسْرِ السِّينِ مِن " نَواكِسِ " . وقَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎وحَسُورِ أسْتارٍ دَعُونِي لِحَتْفِها ∗∗∗ بِمَعالِقٍ مُتَشابِهٌ أعْلاقُها . وقَوْلُهُ أيْضًا: ؎فَضْلًا وذُو كَرَمٍ يُعِينُ عَلى النَّدى ∗∗∗ سَمْحٌ لِشَوْبِ رَغائِبٍ غَنّامُها وقِيلَ إنَّ التَّنْوِينَ لِمُوافَقَةِ رَسْمِ المَصاحِفِ المَكِّيَّةِ والمَدَنِيَّةِ والكُوفِيَّةِ فَإنَّها فِيها بِالألِفِ، وقِيلَ إنَّ هَذا التَّنْوِينَ بَدَلٌ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ، ويَجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، والسَّلاسِلُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والخِلافُ فِيها هَلْ هي القُيُودُ، أوْ ما يُجْعَلُ في الأعْناقِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ؎ولَكِنْ ∗∗∗ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ تُغَلُّ بِهِ الأيْدِي إلى الأعْناقِ، والسَّعِيرُ: الوَقُودُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّهُ لِلشّاكِرِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ . الأبْرارُ: أهْلُ الطّاعَةِ والإخْلاصِ، والصِّدْقُ جَمْعُ بَرٍّ أوْ بارٍّ. قالَ في الصَّحّاحِ: جَمْعُ البَرِّ الأبْرارُ، وجَمْعُ البارِّ البَرَرَةُ، وفُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ ويَبْرُرُهُ: أيْ يُطِيعُهُ. وقالَ الحَسَنُ: البَرُّ الَّذِي لا يُؤْذِي الذَّرَّ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْرارُ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ حَقَّ اللَّهِ ويُوفُونَ بِالنَّذْرِ. (p-١٥٦٤)والكَأْسُ في اللُّغَةِ هو الإناءُ الَّذِي فِيهِ الشَّرابُ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الشَّرابُ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِالزُّجاجَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ الزُّجاجِ ومِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والصِّينِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَتْ كاساتُ العَرَبِ مِن أجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الكَأْسُ عَلى نَفْسِ الخَمْرِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَأْسٌ شُرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ أيْ يُخالِطُها وتُمْزَجُ بِهِ، يُقالُ مَزَجَهُ يَمْزُجُهُ مَزْجًا: أيْ خَلَطَهُ يَخْلِطُهُ خَلْطًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَأنَّ سَبِيَّةً مِن بَيْتِ رَأْسٍ ∗∗∗ كَأنَّ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا ؎مُعَتَّقَةً كَأنَّ الحُصَّ فِيها ∗∗∗ إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينا ومِنهُ مِزاجُ البَدَنِ، وهو ما يُمازِجُهُ مِنَ الأخْلاطِ، والكافُورُ قِيلَ: هو اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ يُقالُ لَها الكافُورِيُّ تُمْزَجُ خَمْرُ الجَنَّةِ بِماءِ هَذِهِ العَيْنِ. وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: تُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ لَهم بِالمِسْكِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مِزاجُها طَعْمُها، وقِيلَ إنَّما الكافُورُ في رِيحِها لا في طَعْمِها. وقِيلَ إنَّما أرادَ الكافُورَ في بَياضِهِ وطِيبِ رائِحَتِهِ وبَرْدِهِ؛ لِأنَّ الكافُورَ لا يُشْرَبُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: طَيَّبَها المِسْكُ والكافُورُ والزَّنْجَبِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَيْسَ هو كافُورُ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّى اللَّهُ ما عِنْدَهُ بِما عِنْدَكم حَتّى تَهْتَدِيَ لَهُ القُلُوبُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِكَأْسٍ. وقِيلَ إنَّ " كانَ " هُنا زائِدَةٌ: أيْ مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورٌ. ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كافُورًا؛ لِأنَّ ماءَها في بَياضِ الكافُورِ. وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّها بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ( مِن كَأْسٍ ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرُ عَيْنٍ، وقِيلَ إنَّها مُنْتَصِبَةٌ عَلى أنَّها مَفْعُولُ يَشْرَبُونَ: أيْ عَيْنًا مِن كَأْسٍ، وقِيلَ هي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَهُ الأخْفَشُ وقِيلَ مُنْتَصِبَةٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ: أيْ يَشْرَبُونَ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِ عَيْنًا. وقِيلَ إنَّ الباءَ في ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ زائِدَةٌ، وقِيلَ بِمَعْنى " مَن " قالَهُ الزَّجّاجُ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " يَشْرَبُها عِبادُ اللَّهِ " . وقِيلَ إنَّ " يَشْرَبُ " مُضَمَّنٌ مَعْنى يَلْتَذُّ، وقِيلَ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( يَشْرَبُ )، والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الكَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَشْرَبُها ويَشْرَبُ بِها سَواءٌ في المَعْنى، وكَأنَّ يَشْرَبُ بِها يُرْوى بِها ويُنْتَفَعُ بِها، وأنْشَدَ قَوْلَ الهُذَلِيِّ: ؎شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ قالَ: ومِثْلُهُ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ حَسَنٍ، وتَكَلَّمَ كَلامًا حَسَنًا ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أيْ يَجُرُّونَها إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ ويَنْتَفِعُونَ بِها كَما يَشاءُونَ ويَتْبَعُهم ماؤُها إلى كُلِّ مَكانٍ يُرِيدُونَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَهم يَشُقُّونَها شَقًّا كَما يُشَقُّ النَّهْرُ ويُفَجَّرُ إلى هُنا وهُنا. قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها حَيْثُ شاءُوا وتَتْبَعُهم حَيْثُ مالُوا مالَتْ مَعَهم، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِ عَيْنًا. وجُمْلَةُ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُسُوقَةٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ رُزِقُوا ما ذَكَرَ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْها. ومَعْنى النَّذْرِ في اللُّغَةِ الإيجابُ، والمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعاتِ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: يُوفُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ مِنَ الصَّلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِما. وقالَ عِكْرِمَةُ: يُوفُونَ إذا نَذَرُوا في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والنَّذْرُ في الشَّرْعِ ما أوْجَبَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ إضْمارٌ: أيْ كانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ في الدُّنْيا. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُوفُونَ بِالعَهْدِ: أيْ يُتَمِّمُونَ العَهْدَ. والأوْلى حَمْلُ النَّذْرِ هُنا عَلى ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْنى اسْتِطارَةُ شَرِّهِ فَشُوُّهَ وانْتِشارُهُ، يُقالُ اسْتَطارَ يَسْتَطِيرُ اسْتِطارَةً فَهو مُسْتَطِيرٌ، وهو اسْتَفْعَلَ مِنَ الطَّيَرانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَباتَتْ وقَدْ أثارَتْ في الفُؤا ∗∗∗ دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرا والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَطارَ الصَّدْعُ في القارُورَةِ والزُّجاجَةِ: إذا امْتَدَّ، ويُقالُ اسْتِطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ. قالَ الفَرّاءُ: المُسْتَطِيرُ: المُسْتَطِيلُ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَطارَ شَرُّ ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى مَلَأ السَّماواتِ والأرْضَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّماواتِ فانْشَقَّتْ وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ نُسِفَتِ الجِبالُ وغارَتِ المِياهُ. ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ أيْ يُطْعِمُونَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الأصْنافِ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ لَدَيْهِمْ وقِلَّتِهِ عِنْدَهم. قالَ مُجاهِدٌ: عَلى قِلَّتِهِ وحُبِّهِمْ إيّاهُ وشَهْوَتِهِمْ لَهُ؛ فَقَوْلُهُ عَلى حُبِّهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنَيْنِ عَلى حُبِّهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقِيلَ عَلى حُبِّ الإطْعامِ لِرَغْبَتِهِمْ في الخَيْرِ. قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ إطْعامِ الطَّعامِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في حُبِّهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّ اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّ اللَّهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ والمِسْكِينُ ذُو المَسْكَنَةِ، وهو الفَقِيرُ، أوْ مَن هو أفْقَرُ مِنَ الفَقِيرِ، والمُرادُ بِاليَتِيمِ يَتامى المُسْلِمِينَ، والأسِيرُ الَّذِي يُؤْسَرُ فَيُحْبَسُ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: الأسِيرُ: المَحْبُوسُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الأسِيرُ: العَبْدُ. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: الأسِيرُ: المَرْأةُ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَسَخَ هَذا الإطْعامَ آيَةُ الصَّدَقاتِ وآيَةُ السَّيْفِ في حَقِّ الأسِيرِ الكافِرِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ هي مُحْكَمَةٌ، وإطْعامُ المِسْكِينِ واليَتِيمِ عَلى التَّطَوُّعِ، وإطْعامُ الأسِيرِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ إلى أنْ يَتَخَيَّرَ فِيهِ الإمامُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ إنَّما نُطْعِمُكم، أوْ قائِلِينَ إنَّما نُطْعِمُكم: يَعْنِي أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ المُكافَأةَ ولا يُرِيدُونَ ثَناءَ النّاسِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ يَسْتَكْمِلُوا بِهَذا ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهَذا ولَكِنْ عِلْمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ وعَلِمَ مِن ثَنائِهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ (p-١٥٦٥)خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ورَجاءَ ثَوابِهِ ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أيْ لا نَطْلُبُ مِنكُمُ المُجازاةَ عَلى هَذا الإطْعامِ ولا نُرِيدُ مِنكُمُ الشُّكْرَ لَنا، بَلْ هو خالِصٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ مَن أطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ لا يُرِيدُ المُكافَأةَ ولا يَطْلُبُ الشُّكْرَ لَهُ مِمَّنْ أطْعَمَهُ. ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ أيْ نَخافُ عَذابَ يَوْمٍ مُتَّصِفٍ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ومَعْنى عَبُوسًا: أنَّهُ يَوْمٌ تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ مِن هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ، فالمَعْنى: أنَّهُ ذُو عَبُوسٍ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرَ قالَ الأخْفَشُ: القَمْطَرِيرُ أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلُهُ في البَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولَجَّ بِها اليَوْمُ العَبُوسُ القُماطِرُ . قالَ الكِسائِيُّ: اقْمَطَرَّ اليَوْمَ وازْمَهَرَّ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بَنُو الحَرْبِ أوْصَيْنا لَهم بِقَمْطَرَةٍ ∗∗∗ ومَن يَلْقَ مِنّا ذَلِكَ اليَوْمَ يَهْرُبِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ العُبُوسَ بِالشَّفَتَيْنِ، والقِطْمِيرُ بِالجَبْهَةِ والحاجِبَيْنِ، فَجَعَلَهُما مِن صِفاتِ المُتَغَيِّرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما يَراهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎يَقْدِرُ عَلى الصَّيْدِ بِعُودٍ مُنْكَسِرْ ∗∗∗ ويُقَمْطِرُ ساعَةً ويَكْفَهِرْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: قَمْطَرِيرٌ: أيْ مُنْقَبِضٌ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ والحاجِبَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ: إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها ما يَسْبِقُها مِنَ القَطْرِ، وجَعَلَ المِيمَ مَزِيدَةً. ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ أيْ أعْطاهم بَدَلَ العُبُوسِ في الكُفّارِ نَضْرَةً في الوُجُوهِ وسُرُورًا في القُلُوبِ. قالَ الضَّحّاكُ: والنَّضْرَةُ البَياضُ والنَّقاءُ في وُجُوهِهِمْ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، الحُسْنُ والبَهاءُ، وقِيلَ النَّضْرَةُ أثَرُ النِّعْمَةِ. ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى التَّكالِيفِ، وقِيلَ عَلى الفَقْرِ، وقِيلَ عَلى الجُوعِ، وقِيلَ عَلى الصَّوْمِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى الصَّبْرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ طاعَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: بِصَبْرِهِمْ ﴿جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ أيْ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ وألْبَسَهُمُ الحَرِيرَ، وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ عِوَضًا عَنْ تَرْكِهِ في الدُّنْيا امْتِثالًا لِما ورَدَ في الشَّرْعِ مِن تَحْرِيمِهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ العُمُومُ في كُلِّ مَن خافَ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ وخافَ مِن عَذابِهِ، والسَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا كَما سَيَأْتِي فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ويَدْخُلُ سَبَبُ التَّنْزِيلِ تَحْتَ عُمُومِها دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ قالَ: كُلِّ إنْسانٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: أمْشاجٍ قالَ أمْشاجُها عُرُوقُها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أمْشاجٍ قالَ: العُرُوقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ قالَ: ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ حِينَ يَخْتَلِطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: أمْشاجٍ ألْوانٍ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ وحَمْراءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ خَضْراءُ وحَمْراءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأمْشاجُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلى أثَرِ البَوْلِ كَقِطَعِ الأوْتارِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: وأسِيرًا قالَ: هو المُشْرِكُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: مِسْكِينًا قالَ: فَقِيرًا ويَتِيمًا قالَ لا أبَ لَهُ وأسِيرًا قالَ: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ قالَ: ضَيِّقًا قَمْطَرِيرًا قالَ: طَوِيلًا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قالَ: يَقْبِضُ ما بَيْنَ الأبْصارِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَمْطَرِيرُ الرَّجُلُ المُنْقَبِضُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ ووَجْهِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ قالَ: نَضْرَةً في وُجُوهِهِمْ وسُرُورًا في صُدُورِهِمْ.

الإنسان 76:11

قالَ الجُمْهُورُ: هي مَدَنِيَّةٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقِيلَ فِيها مَكِّيٌّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وما قَبْلَهُ مَدَنِيٌّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلْ واسْتَفْهِمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنا بِالألْوانِ والصُّوَرِ والنُّبُوَّةِ أفَرَأيْتَ إنْ آمَنتُ بِما آمَنتَ بِهِ وعَمِلْتُ بِما عَمِلْتَ بِهِ، أنِّي كائِنٌ مَعَكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُرى بَياضُ الأسْوَدِ في الجَنَّةِ مِن مَسِيرَةِ ألْفِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ حَسَنَةً، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ الحَبَشِيُّ: وإنَّ عَيْنِي لِتَرى ما تَرى عَيْناكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ، فاشْتَكى حَتّى فاضَتْ نَفْسُهُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدْلِيهِ في حُفْرَتِهِ بِيَدِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ قالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ «أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ كانَ يَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أكْثَرْتَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ: مَهْ يا عُمَرُ. وأُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حَتّى إذا أتى عَلى ذِكْرِ الجَنَّةِ زَفَرَ الأسْوَدُ زَفْرَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ماتَ شَوْقًا إلى الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مُنَيْعٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ، واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعِداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ المَعانِي أنَّ هَلْ هُنا بِمَعْنى قَدْ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، وقَدْ قالَ بِهَذا سِيبَوَيْهِ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: " هَلْ " تَكُونُ جَحْدًا وتَكُونُ خَبَرًا فَهَذا مِنَ الخَبَرِ لِأنَّكَ تَقُولُ: هَلْ أعْطَيْتُكَ، تُقَرِّرُهُ بِأنَّكَ أعْطَيْتَهُ، والجَحْدُ أنْ تَقُولَ: هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا، وقِيلَ هي وإنْ كانَتْ بِمَعْنى " قَدْ " فَفِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. والأصْلُ أهَلْ أتى، فالمَعْنى: أقَدْ أتى، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيبِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا آدَمُ، قالَ قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ قِيلَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقِيلَ إنَّهُ خُلِقَ مِن طِينِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن صَلْصالٍ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ الحِينُ المَذْكُورُ هُنا لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ بَنُو آدَمَ، والحِينُ مُدَّةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الإنْسانِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِحِينٍ. قالَ الفَرّاءُ، وقُطْرُبٌ، وثَعْلَبٌ: المَعْنى أنَّهُ كانَ جَسَدًا مُصَوَّرًا تُرابًا وطِينًا لا يُذْكَرُ ولا يُعْرَفُ ولا يُدْرى ما اسْمُهُ ولا ما يُرادُ بِهِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصارَ مَذْكُورًا. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في الخَلْقِ وإنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقِيلَ لَيْسَ المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الإخْبارُ، فَإنَّ إخْبارَ الرَّبِّ عَنِ الكائِناتِ قَدِيمٌ، بَلْ هو الذِّكْرُ بِمَعْنى (p-١٥٦٣)الخَطَرِ والشَّرَفِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ . قالَ القُشَيْرِيُّ: ما كانَ مَذْكُورًا لِلْخَلْقِ وإنْ كانَ مَذْكُورًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الفَرّاءُ: كانَ شَيْئًا ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا. فَجُعِلَ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ. وقِيلَ المَعْنى: قَدْ مَضَتْ أزْمِنَةٌ وما كانَ آدَمُ شَيْئًا ولا مَخْلُوقًا ولا مَذْكُورًا لِأحَدٍ مِنَ الخَلِيقَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ: هَلْ أتى حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؛ لِأنَّهُ خَلَقَهُ بَعْدَ خَلْقِ الحَيَوانِ كُلِّهِ ولَمْ يَخْلُقْ بَعْدَهُ حَيَوانًا. ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا ابْنُ آدَمَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: مِن غَيْرِ خِلافٍ، والنُّطْفَةُ: الماءُ الَّذِي يُقَطَّرُ، وهو المَنِيُّ وكُلُّ ماءٍ قَلِيلٌ في وِعاءٍ فَهو نُطْفَةٌ، وجَمْعُها نُطَفٌ، وأمْشاجٍ صِفَةٌ لِنُطْفَةٍ، وهي جَمْعُ مُشُجٍ، أوْ مَشِيجٍ، وهي الأخْلاطُ، والمُرادُ نُطْفَةُ الرَّجُلِ ونُطْفَةُ المَرْأةِ واخْتِلاطُهُما. يُقالُ مَشَجَ هَذا بِهَذا فَهو مَمْشُوجٌ: أيْ خَلَطَ هَذا بِهَذا فَهو مَخْلُوطٌ. قالَ المُبَرِّدُ: مَشَجَ يَمْشُجُ: إذا اخْتَلَطَ، وهو هُنا اخْتِلاطُ النُّطْفَةِ بِالدَّمِ. قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ؎يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعَجَّلٍ مَشّاجٍ لَمْ يُكْسَ جِلْدًا مِن دَمٍ أمْشاجِ قالَ الفَرّاءُ: أمْشاجٌ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ والدَّمِ والعَلَقَةِ، ويُقالُ مَشَجَ هَذا: إذا خَلَطَ، وقِيلَ الأمْشاجُ: الحُمْرَةُ في البَياضِ والبَياضُ في الحُمْرَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ يَخْتارُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ الهُذَلِيُّ: ؎كَأنَّ الرِّيشَ والوَقَّيْنَ مِنهُ ∗∗∗ حِلافُ النَّصْلِ نِيطَ بِهِ مَشِيجُ وذَلِكَ لِأنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ غَلِيظٌ وماءُ المَرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ فَيُخْلَقُ مِنهُما الوَلَدُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الأمْشاجُ: الأخْلاطُ لِأنَّها مُمْتَزِجَةٌ مِن أنْواعٍ يُخْلَقُ الإنْسانُ مِنها وطِباعٌ مُخْتَلِفَةٌ. وقِيلَ الأمْشاجُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ كَبِرْمَةِ أعْشارٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا وُقُوعُهُ نَعْتًا لِنُطْفَةٍ، وجُمْلَةُ نَبْتَلِيهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ خَلَقْنا: أيْ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الإنْسانِ، والمَعْنى: نَبْتَلِيهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ وبِالتَّكالِيفِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ نَبْتَلِيهِ وهي مُقَدِّمَةٌ مَعْناها التَّأْخِيرُ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الخِلْقَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الحالُ مُقَدَّرَةً، وقِيلَ مُقارَنَةً. وقِيلَ مَعْنى الِابْتِلاءِ: نَقْلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أعْطاهُ ما يَصِحُّ مَعَهُ الِابْتِلاءُ فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ أيْ بَيَّنّا لَهُ وعَرَّفْناهُ طَرِيقَ الهُدى والضَّلالِ والخَيْرِ والشَّرِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] قالَ مُجاهِدٌ: أيْ بَيَّنّا السَّبِيلَ إلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: السَّبِيلُ هُنا خُرُوجُهُ مِنَ الرَّحِمِ، وقِيلَ مَنافِعُهُ ومَضارُّهُ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها بِطَبْعِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ. وانْتِصابُ شاكِرًا وكَفُورًا عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ هَدَيْناهُ: أيْ مَكَّنّاهُ مِن سُلُوكِ الطَّرِيقِ في حالَتَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ عَلى الحالِ مِن ( سَبِيلٍ ) عَلى المَجازِ: أيْ عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ إمّا سَبِيلًا شاكِرًا وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا. وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ إمّا هي ( إنْ ) شُرْطِيَّةٌ زِيدَتْ بَعْدَها ما: أيْ بَيَّنّا لَهُ الطَّرِيقَ إنْ شَكَرَ وإنْ كَفَرَ. واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، ولا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ لِأنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ لا تَدْخُلُ عَلى الأسْماءِ إلّا أنْ يُضْمَرَ بَعْدَها فِعْلٌ، ولا يَصِحُّ هُنا إضْمارُ الفِعْلِ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ رَفْعُ شاكِرًا وكَفُورًا. ويُمْكِنُ أنْ يُضْمَرَ فِعْلٌ يَنْصِبُ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا )، وتَقْدِيرُهُ: إنْ خَلَقْناهُ شاكِرًا فَشَكُورٌ وإنْ خَلَقْناهُ كافِرًا فَكَفُورٌ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إمّا. وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وأبُو العَجّاجِ بِفَتْحِها، وهي عَلى الفَتْحِ إمّا العاطِفَةُ في لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، أوْ هي التَّفْصِيلِيَّةُ وجَوابُها مُقَدَّرٌ، وقِيلَ انْتَصَبَ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا ) بِإضْمارِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: سَواءٌ كانَ شاكِرًا أوْ كانَ كَفُورًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " سَلاسِلًا " بِالتَّنْوِينِ، ووَقَفَ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ وقَفُوا بِالألِفِ. ووَجْهُ مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ في " سَلاسِلَ " مَعَ كَوْنِ فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ أنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّناسُبَ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وهو ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾، وما بَعْدَهُ وهو أغْلالًا وسَعِيرًا مُنَوَّنٌ، أوْ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا يَنْصَرِفُ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ. قالَ الأخْفَشُ: سَمِعْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يَنْصَرِفُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْماءِ الصَّرْفُ وتَرَكَ الصَّرْفَ لِعارِضٍ فِيها. قالَ الفَرّاءُ: هو عَلى لُغَةِ مَن يَجُرُّ الأسْماءَ كُلَّها إلّا قَوْلُهم: هو أظْرَفُ مِنكَ فَإنَّهم لا يَجُرُّونَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ذَلِكَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎كَأنَّ سُيُوفَنا فِينا وفِيهِمْ ∗∗∗ مَخارِيقٌ بِأيْدِي لاعِبِينا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسِ الأبْصارِ بِكَسْرِ السِّينِ مِن " نَواكِسِ " . وقَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎وحَسُورِ أسْتارٍ دَعُونِي لِحَتْفِها ∗∗∗ بِمَعالِقٍ مُتَشابِهٌ أعْلاقُها . وقَوْلُهُ أيْضًا: ؎فَضْلًا وذُو كَرَمٍ يُعِينُ عَلى النَّدى ∗∗∗ سَمْحٌ لِشَوْبِ رَغائِبٍ غَنّامُها وقِيلَ إنَّ التَّنْوِينَ لِمُوافَقَةِ رَسْمِ المَصاحِفِ المَكِّيَّةِ والمَدَنِيَّةِ والكُوفِيَّةِ فَإنَّها فِيها بِالألِفِ، وقِيلَ إنَّ هَذا التَّنْوِينَ بَدَلٌ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ، ويَجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، والسَّلاسِلُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والخِلافُ فِيها هَلْ هي القُيُودُ، أوْ ما يُجْعَلُ في الأعْناقِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ؎ولَكِنْ ∗∗∗ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ تُغَلُّ بِهِ الأيْدِي إلى الأعْناقِ، والسَّعِيرُ: الوَقُودُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّهُ لِلشّاكِرِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ . الأبْرارُ: أهْلُ الطّاعَةِ والإخْلاصِ، والصِّدْقُ جَمْعُ بَرٍّ أوْ بارٍّ. قالَ في الصَّحّاحِ: جَمْعُ البَرِّ الأبْرارُ، وجَمْعُ البارِّ البَرَرَةُ، وفُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ ويَبْرُرُهُ: أيْ يُطِيعُهُ. وقالَ الحَسَنُ: البَرُّ الَّذِي لا يُؤْذِي الذَّرَّ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْرارُ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ حَقَّ اللَّهِ ويُوفُونَ بِالنَّذْرِ. (p-١٥٦٤)والكَأْسُ في اللُّغَةِ هو الإناءُ الَّذِي فِيهِ الشَّرابُ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الشَّرابُ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِالزُّجاجَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ الزُّجاجِ ومِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والصِّينِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَتْ كاساتُ العَرَبِ مِن أجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الكَأْسُ عَلى نَفْسِ الخَمْرِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَأْسٌ شُرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ أيْ يُخالِطُها وتُمْزَجُ بِهِ، يُقالُ مَزَجَهُ يَمْزُجُهُ مَزْجًا: أيْ خَلَطَهُ يَخْلِطُهُ خَلْطًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَأنَّ سَبِيَّةً مِن بَيْتِ رَأْسٍ ∗∗∗ كَأنَّ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا ؎مُعَتَّقَةً كَأنَّ الحُصَّ فِيها ∗∗∗ إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينا ومِنهُ مِزاجُ البَدَنِ، وهو ما يُمازِجُهُ مِنَ الأخْلاطِ، والكافُورُ قِيلَ: هو اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ يُقالُ لَها الكافُورِيُّ تُمْزَجُ خَمْرُ الجَنَّةِ بِماءِ هَذِهِ العَيْنِ. وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: تُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ لَهم بِالمِسْكِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مِزاجُها طَعْمُها، وقِيلَ إنَّما الكافُورُ في رِيحِها لا في طَعْمِها. وقِيلَ إنَّما أرادَ الكافُورَ في بَياضِهِ وطِيبِ رائِحَتِهِ وبَرْدِهِ؛ لِأنَّ الكافُورَ لا يُشْرَبُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: طَيَّبَها المِسْكُ والكافُورُ والزَّنْجَبِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَيْسَ هو كافُورُ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّى اللَّهُ ما عِنْدَهُ بِما عِنْدَكم حَتّى تَهْتَدِيَ لَهُ القُلُوبُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِكَأْسٍ. وقِيلَ إنَّ " كانَ " هُنا زائِدَةٌ: أيْ مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورٌ. ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كافُورًا؛ لِأنَّ ماءَها في بَياضِ الكافُورِ. وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّها بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ( مِن كَأْسٍ ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرُ عَيْنٍ، وقِيلَ إنَّها مُنْتَصِبَةٌ عَلى أنَّها مَفْعُولُ يَشْرَبُونَ: أيْ عَيْنًا مِن كَأْسٍ، وقِيلَ هي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَهُ الأخْفَشُ وقِيلَ مُنْتَصِبَةٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ: أيْ يَشْرَبُونَ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِ عَيْنًا. وقِيلَ إنَّ الباءَ في ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ زائِدَةٌ، وقِيلَ بِمَعْنى " مَن " قالَهُ الزَّجّاجُ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " يَشْرَبُها عِبادُ اللَّهِ " . وقِيلَ إنَّ " يَشْرَبُ " مُضَمَّنٌ مَعْنى يَلْتَذُّ، وقِيلَ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( يَشْرَبُ )، والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الكَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَشْرَبُها ويَشْرَبُ بِها سَواءٌ في المَعْنى، وكَأنَّ يَشْرَبُ بِها يُرْوى بِها ويُنْتَفَعُ بِها، وأنْشَدَ قَوْلَ الهُذَلِيِّ: ؎شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ قالَ: ومِثْلُهُ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ حَسَنٍ، وتَكَلَّمَ كَلامًا حَسَنًا ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أيْ يَجُرُّونَها إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ ويَنْتَفِعُونَ بِها كَما يَشاءُونَ ويَتْبَعُهم ماؤُها إلى كُلِّ مَكانٍ يُرِيدُونَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَهم يَشُقُّونَها شَقًّا كَما يُشَقُّ النَّهْرُ ويُفَجَّرُ إلى هُنا وهُنا. قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها حَيْثُ شاءُوا وتَتْبَعُهم حَيْثُ مالُوا مالَتْ مَعَهم، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِ عَيْنًا. وجُمْلَةُ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُسُوقَةٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ رُزِقُوا ما ذَكَرَ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْها. ومَعْنى النَّذْرِ في اللُّغَةِ الإيجابُ، والمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعاتِ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: يُوفُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ مِنَ الصَّلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِما. وقالَ عِكْرِمَةُ: يُوفُونَ إذا نَذَرُوا في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والنَّذْرُ في الشَّرْعِ ما أوْجَبَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ إضْمارٌ: أيْ كانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ في الدُّنْيا. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُوفُونَ بِالعَهْدِ: أيْ يُتَمِّمُونَ العَهْدَ. والأوْلى حَمْلُ النَّذْرِ هُنا عَلى ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْنى اسْتِطارَةُ شَرِّهِ فَشُوُّهَ وانْتِشارُهُ، يُقالُ اسْتَطارَ يَسْتَطِيرُ اسْتِطارَةً فَهو مُسْتَطِيرٌ، وهو اسْتَفْعَلَ مِنَ الطَّيَرانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَباتَتْ وقَدْ أثارَتْ في الفُؤا ∗∗∗ دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرا والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَطارَ الصَّدْعُ في القارُورَةِ والزُّجاجَةِ: إذا امْتَدَّ، ويُقالُ اسْتِطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ. قالَ الفَرّاءُ: المُسْتَطِيرُ: المُسْتَطِيلُ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَطارَ شَرُّ ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى مَلَأ السَّماواتِ والأرْضَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّماواتِ فانْشَقَّتْ وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ نُسِفَتِ الجِبالُ وغارَتِ المِياهُ. ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ أيْ يُطْعِمُونَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الأصْنافِ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ لَدَيْهِمْ وقِلَّتِهِ عِنْدَهم. قالَ مُجاهِدٌ: عَلى قِلَّتِهِ وحُبِّهِمْ إيّاهُ وشَهْوَتِهِمْ لَهُ؛ فَقَوْلُهُ عَلى حُبِّهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنَيْنِ عَلى حُبِّهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقِيلَ عَلى حُبِّ الإطْعامِ لِرَغْبَتِهِمْ في الخَيْرِ. قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ إطْعامِ الطَّعامِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في حُبِّهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّ اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّ اللَّهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ والمِسْكِينُ ذُو المَسْكَنَةِ، وهو الفَقِيرُ، أوْ مَن هو أفْقَرُ مِنَ الفَقِيرِ، والمُرادُ بِاليَتِيمِ يَتامى المُسْلِمِينَ، والأسِيرُ الَّذِي يُؤْسَرُ فَيُحْبَسُ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: الأسِيرُ: المَحْبُوسُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الأسِيرُ: العَبْدُ. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: الأسِيرُ: المَرْأةُ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَسَخَ هَذا الإطْعامَ آيَةُ الصَّدَقاتِ وآيَةُ السَّيْفِ في حَقِّ الأسِيرِ الكافِرِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ هي مُحْكَمَةٌ، وإطْعامُ المِسْكِينِ واليَتِيمِ عَلى التَّطَوُّعِ، وإطْعامُ الأسِيرِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ إلى أنْ يَتَخَيَّرَ فِيهِ الإمامُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ إنَّما نُطْعِمُكم، أوْ قائِلِينَ إنَّما نُطْعِمُكم: يَعْنِي أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ المُكافَأةَ ولا يُرِيدُونَ ثَناءَ النّاسِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ يَسْتَكْمِلُوا بِهَذا ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهَذا ولَكِنْ عِلْمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ وعَلِمَ مِن ثَنائِهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ (p-١٥٦٥)خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ورَجاءَ ثَوابِهِ ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أيْ لا نَطْلُبُ مِنكُمُ المُجازاةَ عَلى هَذا الإطْعامِ ولا نُرِيدُ مِنكُمُ الشُّكْرَ لَنا، بَلْ هو خالِصٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ مَن أطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ لا يُرِيدُ المُكافَأةَ ولا يَطْلُبُ الشُّكْرَ لَهُ مِمَّنْ أطْعَمَهُ. ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ أيْ نَخافُ عَذابَ يَوْمٍ مُتَّصِفٍ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ومَعْنى عَبُوسًا: أنَّهُ يَوْمٌ تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ مِن هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ، فالمَعْنى: أنَّهُ ذُو عَبُوسٍ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرَ قالَ الأخْفَشُ: القَمْطَرِيرُ أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلُهُ في البَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولَجَّ بِها اليَوْمُ العَبُوسُ القُماطِرُ . قالَ الكِسائِيُّ: اقْمَطَرَّ اليَوْمَ وازْمَهَرَّ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بَنُو الحَرْبِ أوْصَيْنا لَهم بِقَمْطَرَةٍ ∗∗∗ ومَن يَلْقَ مِنّا ذَلِكَ اليَوْمَ يَهْرُبِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ العُبُوسَ بِالشَّفَتَيْنِ، والقِطْمِيرُ بِالجَبْهَةِ والحاجِبَيْنِ، فَجَعَلَهُما مِن صِفاتِ المُتَغَيِّرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما يَراهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎يَقْدِرُ عَلى الصَّيْدِ بِعُودٍ مُنْكَسِرْ ∗∗∗ ويُقَمْطِرُ ساعَةً ويَكْفَهِرْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: قَمْطَرِيرٌ: أيْ مُنْقَبِضٌ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ والحاجِبَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ: إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها ما يَسْبِقُها مِنَ القَطْرِ، وجَعَلَ المِيمَ مَزِيدَةً. ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ أيْ أعْطاهم بَدَلَ العُبُوسِ في الكُفّارِ نَضْرَةً في الوُجُوهِ وسُرُورًا في القُلُوبِ. قالَ الضَّحّاكُ: والنَّضْرَةُ البَياضُ والنَّقاءُ في وُجُوهِهِمْ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، الحُسْنُ والبَهاءُ، وقِيلَ النَّضْرَةُ أثَرُ النِّعْمَةِ. ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى التَّكالِيفِ، وقِيلَ عَلى الفَقْرِ، وقِيلَ عَلى الجُوعِ، وقِيلَ عَلى الصَّوْمِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى الصَّبْرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ طاعَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: بِصَبْرِهِمْ ﴿جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ أيْ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ وألْبَسَهُمُ الحَرِيرَ، وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ عِوَضًا عَنْ تَرْكِهِ في الدُّنْيا امْتِثالًا لِما ورَدَ في الشَّرْعِ مِن تَحْرِيمِهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ العُمُومُ في كُلِّ مَن خافَ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ وخافَ مِن عَذابِهِ، والسَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا كَما سَيَأْتِي فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ويَدْخُلُ سَبَبُ التَّنْزِيلِ تَحْتَ عُمُومِها دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ قالَ: كُلِّ إنْسانٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: أمْشاجٍ قالَ أمْشاجُها عُرُوقُها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أمْشاجٍ قالَ: العُرُوقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ قالَ: ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ حِينَ يَخْتَلِطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: أمْشاجٍ ألْوانٍ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ وحَمْراءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ خَضْراءُ وحَمْراءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأمْشاجُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلى أثَرِ البَوْلِ كَقِطَعِ الأوْتارِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: وأسِيرًا قالَ: هو المُشْرِكُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: مِسْكِينًا قالَ: فَقِيرًا ويَتِيمًا قالَ لا أبَ لَهُ وأسِيرًا قالَ: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ قالَ: ضَيِّقًا قَمْطَرِيرًا قالَ: طَوِيلًا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قالَ: يَقْبِضُ ما بَيْنَ الأبْصارِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَمْطَرِيرُ الرَّجُلُ المُنْقَبِضُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ ووَجْهِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ قالَ: نَضْرَةً في وُجُوهِهِمْ وسُرُورًا في صُدُورِهِمْ.

الإنسان 76:12

قالَ الجُمْهُورُ: هي مَدَنِيَّةٌ. وقالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقِيلَ فِيها مَكِّيٌّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وما قَبْلَهُ مَدَنِيٌّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلْ واسْتَفْهِمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنا بِالألْوانِ والصُّوَرِ والنُّبُوَّةِ أفَرَأيْتَ إنْ آمَنتُ بِما آمَنتَ بِهِ وعَمِلْتُ بِما عَمِلْتَ بِهِ، أنِّي كائِنٌ مَعَكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُرى بَياضُ الأسْوَدِ في الجَنَّةِ مِن مَسِيرَةِ ألْفِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ حَسَنَةً، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ الحَبَشِيُّ: وإنَّ عَيْنِي لِتَرى ما تَرى عَيْناكَ في الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ، فاشْتَكى حَتّى فاضَتْ نَفْسُهُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدْلِيهِ في حُفْرَتِهِ بِيَدِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ قالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ «أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ كانَ يَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أكْثَرْتَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ: مَهْ يا عُمَرُ. وأُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حَتّى إذا أتى عَلى ذِكْرِ الجَنَّةِ زَفَرَ الأسْوَدُ زَفْرَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ماتَ شَوْقًا إلى الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ وهْبٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مُنَيْعٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ، واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعِداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ المَعانِي أنَّ هَلْ هُنا بِمَعْنى قَدْ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، وقَدْ قالَ بِهَذا سِيبَوَيْهِ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. قالَ الفَرّاءُ: " هَلْ " تَكُونُ جَحْدًا وتَكُونُ خَبَرًا فَهَذا مِنَ الخَبَرِ لِأنَّكَ تَقُولُ: هَلْ أعْطَيْتُكَ، تُقَرِّرُهُ بِأنَّكَ أعْطَيْتَهُ، والجَحْدُ أنْ تَقُولَ: هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا، وقِيلَ هي وإنْ كانَتْ بِمَعْنى " قَدْ " فَفِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. والأصْلُ أهَلْ أتى، فالمَعْنى: أقَدْ أتى، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيبِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا آدَمُ، قالَ قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ قِيلَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقِيلَ إنَّهُ خُلِقَ مِن طِينِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن صَلْصالٍ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ الحِينُ المَذْكُورُ هُنا لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ بَنُو آدَمَ، والحِينُ مُدَّةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الإنْسانِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِحِينٍ. قالَ الفَرّاءُ، وقُطْرُبٌ، وثَعْلَبٌ: المَعْنى أنَّهُ كانَ جَسَدًا مُصَوَّرًا تُرابًا وطِينًا لا يُذْكَرُ ولا يُعْرَفُ ولا يُدْرى ما اسْمُهُ ولا ما يُرادُ بِهِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصارَ مَذْكُورًا. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في الخَلْقِ وإنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقِيلَ لَيْسَ المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الإخْبارُ، فَإنَّ إخْبارَ الرَّبِّ عَنِ الكائِناتِ قَدِيمٌ، بَلْ هو الذِّكْرُ بِمَعْنى (p-١٥٦٣)الخَطَرِ والشَّرَفِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ . قالَ القُشَيْرِيُّ: ما كانَ مَذْكُورًا لِلْخَلْقِ وإنْ كانَ مَذْكُورًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الفَرّاءُ: كانَ شَيْئًا ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا. فَجُعِلَ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ. وقِيلَ المَعْنى: قَدْ مَضَتْ أزْمِنَةٌ وما كانَ آدَمُ شَيْئًا ولا مَخْلُوقًا ولا مَذْكُورًا لِأحَدٍ مِنَ الخَلِيقَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ: هَلْ أتى حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؛ لِأنَّهُ خَلَقَهُ بَعْدَ خَلْقِ الحَيَوانِ كُلِّهِ ولَمْ يَخْلُقْ بَعْدَهُ حَيَوانًا. ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا ابْنُ آدَمَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: مِن غَيْرِ خِلافٍ، والنُّطْفَةُ: الماءُ الَّذِي يُقَطَّرُ، وهو المَنِيُّ وكُلُّ ماءٍ قَلِيلٌ في وِعاءٍ فَهو نُطْفَةٌ، وجَمْعُها نُطَفٌ، وأمْشاجٍ صِفَةٌ لِنُطْفَةٍ، وهي جَمْعُ مُشُجٍ، أوْ مَشِيجٍ، وهي الأخْلاطُ، والمُرادُ نُطْفَةُ الرَّجُلِ ونُطْفَةُ المَرْأةِ واخْتِلاطُهُما. يُقالُ مَشَجَ هَذا بِهَذا فَهو مَمْشُوجٌ: أيْ خَلَطَ هَذا بِهَذا فَهو مَخْلُوطٌ. قالَ المُبَرِّدُ: مَشَجَ يَمْشُجُ: إذا اخْتَلَطَ، وهو هُنا اخْتِلاطُ النُّطْفَةِ بِالدَّمِ. قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ؎يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعَجَّلٍ مَشّاجٍ لَمْ يُكْسَ جِلْدًا مِن دَمٍ أمْشاجِ قالَ الفَرّاءُ: أمْشاجٌ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ والدَّمِ والعَلَقَةِ، ويُقالُ مَشَجَ هَذا: إذا خَلَطَ، وقِيلَ الأمْشاجُ: الحُمْرَةُ في البَياضِ والبَياضُ في الحُمْرَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ يَخْتارُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ الهُذَلِيُّ: ؎كَأنَّ الرِّيشَ والوَقَّيْنَ مِنهُ ∗∗∗ حِلافُ النَّصْلِ نِيطَ بِهِ مَشِيجُ وذَلِكَ لِأنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ غَلِيظٌ وماءُ المَرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ فَيُخْلَقُ مِنهُما الوَلَدُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الأمْشاجُ: الأخْلاطُ لِأنَّها مُمْتَزِجَةٌ مِن أنْواعٍ يُخْلَقُ الإنْسانُ مِنها وطِباعٌ مُخْتَلِفَةٌ. وقِيلَ الأمْشاجُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ كَبِرْمَةِ أعْشارٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا وُقُوعُهُ نَعْتًا لِنُطْفَةٍ، وجُمْلَةُ نَبْتَلِيهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ خَلَقْنا: أيْ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الإنْسانِ، والمَعْنى: نَبْتَلِيهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ وبِالتَّكالِيفِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ نَبْتَلِيهِ وهي مُقَدِّمَةٌ مَعْناها التَّأْخِيرُ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الخِلْقَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الحالُ مُقَدَّرَةً، وقِيلَ مُقارَنَةً. وقِيلَ مَعْنى الِابْتِلاءِ: نَقْلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أعْطاهُ ما يَصِحُّ مَعَهُ الِابْتِلاءُ فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ أيْ بَيَّنّا لَهُ وعَرَّفْناهُ طَرِيقَ الهُدى والضَّلالِ والخَيْرِ والشَّرِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] قالَ مُجاهِدٌ: أيْ بَيَّنّا السَّبِيلَ إلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: السَّبِيلُ هُنا خُرُوجُهُ مِنَ الرَّحِمِ، وقِيلَ مَنافِعُهُ ومَضارُّهُ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها بِطَبْعِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ. وانْتِصابُ شاكِرًا وكَفُورًا عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ هَدَيْناهُ: أيْ مَكَّنّاهُ مِن سُلُوكِ الطَّرِيقِ في حالَتَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ عَلى الحالِ مِن ( سَبِيلٍ ) عَلى المَجازِ: أيْ عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ إمّا سَبِيلًا شاكِرًا وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا. وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ إمّا هي ( إنْ ) شُرْطِيَّةٌ زِيدَتْ بَعْدَها ما: أيْ بَيَّنّا لَهُ الطَّرِيقَ إنْ شَكَرَ وإنْ كَفَرَ. واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، ولا يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ لِأنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ لا تَدْخُلُ عَلى الأسْماءِ إلّا أنْ يُضْمَرَ بَعْدَها فِعْلٌ، ولا يَصِحُّ هُنا إضْمارُ الفِعْلِ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ رَفْعُ شاكِرًا وكَفُورًا. ويُمْكِنُ أنْ يُضْمَرَ فِعْلٌ يَنْصِبُ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا )، وتَقْدِيرُهُ: إنْ خَلَقْناهُ شاكِرًا فَشَكُورٌ وإنْ خَلَقْناهُ كافِرًا فَكَفُورٌ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إمّا. وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وأبُو العَجّاجِ بِفَتْحِها، وهي عَلى الفَتْحِ إمّا العاطِفَةُ في لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، أوْ هي التَّفْصِيلِيَّةُ وجَوابُها مُقَدَّرٌ، وقِيلَ انْتَصَبَ ( شاكِرًا ) و( كَفُورًا ) بِإضْمارِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: سَواءٌ كانَ شاكِرًا أوْ كانَ كَفُورًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " سَلاسِلًا " بِالتَّنْوِينِ، ووَقَفَ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ وقَفُوا بِالألِفِ. ووَجْهُ مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ في " سَلاسِلَ " مَعَ كَوْنِ فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ أنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّناسُبَ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وهو ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾، وما بَعْدَهُ وهو أغْلالًا وسَعِيرًا مُنَوَّنٌ، أوْ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا يَنْصَرِفُ كَما حَكاهُ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ. قالَ الأخْفَشُ: سَمِعْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يَنْصَرِفُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأسْماءِ الصَّرْفُ وتَرَكَ الصَّرْفَ لِعارِضٍ فِيها. قالَ الفَرّاءُ: هو عَلى لُغَةِ مَن يَجُرُّ الأسْماءَ كُلَّها إلّا قَوْلُهم: هو أظْرَفُ مِنكَ فَإنَّهم لا يَجُرُّونَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ذَلِكَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎كَأنَّ سُيُوفَنا فِينا وفِيهِمْ ∗∗∗ مَخارِيقٌ بِأيْدِي لاعِبِينا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسِ الأبْصارِ بِكَسْرِ السِّينِ مِن " نَواكِسِ " . وقَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎وحَسُورِ أسْتارٍ دَعُونِي لِحَتْفِها ∗∗∗ بِمَعالِقٍ مُتَشابِهٌ أعْلاقُها . وقَوْلُهُ أيْضًا: ؎فَضْلًا وذُو كَرَمٍ يُعِينُ عَلى النَّدى ∗∗∗ سَمْحٌ لِشَوْبِ رَغائِبٍ غَنّامُها وقِيلَ إنَّ التَّنْوِينَ لِمُوافَقَةِ رَسْمِ المَصاحِفِ المَكِّيَّةِ والمَدَنِيَّةِ والكُوفِيَّةِ فَإنَّها فِيها بِالألِفِ، وقِيلَ إنَّ هَذا التَّنْوِينَ بَدَلٌ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ، ويَجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، والسَّلاسِلُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والخِلافُ فِيها هَلْ هي القُيُودُ، أوْ ما يُجْعَلُ في الأعْناقِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ؎ولَكِنْ ∗∗∗ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ تُغَلُّ بِهِ الأيْدِي إلى الأعْناقِ، والسَّعِيرُ: الوَقُودُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّهُ لِلشّاكِرِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ . الأبْرارُ: أهْلُ الطّاعَةِ والإخْلاصِ، والصِّدْقُ جَمْعُ بَرٍّ أوْ بارٍّ. قالَ في الصَّحّاحِ: جَمْعُ البَرِّ الأبْرارُ، وجَمْعُ البارِّ البَرَرَةُ، وفُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ ويَبْرُرُهُ: أيْ يُطِيعُهُ. وقالَ الحَسَنُ: البَرُّ الَّذِي لا يُؤْذِي الذَّرَّ. وقالَ قَتادَةُ: الأبْرارُ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ حَقَّ اللَّهِ ويُوفُونَ بِالنَّذْرِ. (p-١٥٦٤)والكَأْسُ في اللُّغَةِ هو الإناءُ الَّذِي فِيهِ الشَّرابُ، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الشَّرابُ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِالزُّجاجَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ الزُّجاجِ ومِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والصِّينِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَتْ كاساتُ العَرَبِ مِن أجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الكَأْسُ عَلى نَفْسِ الخَمْرِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَأْسٌ شُرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ أيْ يُخالِطُها وتُمْزَجُ بِهِ، يُقالُ مَزَجَهُ يَمْزُجُهُ مَزْجًا: أيْ خَلَطَهُ يَخْلِطُهُ خَلْطًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَأنَّ سَبِيَّةً مِن بَيْتِ رَأْسٍ ∗∗∗ كَأنَّ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا ؎مُعَتَّقَةً كَأنَّ الحُصَّ فِيها ∗∗∗ إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينا ومِنهُ مِزاجُ البَدَنِ، وهو ما يُمازِجُهُ مِنَ الأخْلاطِ، والكافُورُ قِيلَ: هو اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ يُقالُ لَها الكافُورِيُّ تُمْزَجُ خَمْرُ الجَنَّةِ بِماءِ هَذِهِ العَيْنِ. وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: تُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ لَهم بِالمِسْكِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مِزاجُها طَعْمُها، وقِيلَ إنَّما الكافُورُ في رِيحِها لا في طَعْمِها. وقِيلَ إنَّما أرادَ الكافُورَ في بَياضِهِ وطِيبِ رائِحَتِهِ وبَرْدِهِ؛ لِأنَّ الكافُورَ لا يُشْرَبُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: طَيَّبَها المِسْكُ والكافُورُ والزَّنْجَبِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَيْسَ هو كافُورُ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّى اللَّهُ ما عِنْدَهُ بِما عِنْدَكم حَتّى تَهْتَدِيَ لَهُ القُلُوبُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِكَأْسٍ. وقِيلَ إنَّ " كانَ " هُنا زائِدَةٌ: أيْ مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورٌ. ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كافُورًا؛ لِأنَّ ماءَها في بَياضِ الكافُورِ. وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّها بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ( مِن كَأْسٍ ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرُ عَيْنٍ، وقِيلَ إنَّها مُنْتَصِبَةٌ عَلى أنَّها مَفْعُولُ يَشْرَبُونَ: أيْ عَيْنًا مِن كَأْسٍ، وقِيلَ هي مُنْتَصِبَةٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَهُ الأخْفَشُ وقِيلَ مُنْتَصِبَةٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ: أيْ يَشْرَبُونَ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِ عَيْنًا. وقِيلَ إنَّ الباءَ في ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ زائِدَةٌ، وقِيلَ بِمَعْنى " مَن " قالَهُ الزَّجّاجُ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " يَشْرَبُها عِبادُ اللَّهِ " . وقِيلَ إنَّ " يَشْرَبُ " مُضَمَّنٌ مَعْنى يَلْتَذُّ، وقِيلَ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( يَشْرَبُ )، والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الكَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: يَشْرَبُها ويَشْرَبُ بِها سَواءٌ في المَعْنى، وكَأنَّ يَشْرَبُ بِها يُرْوى بِها ويُنْتَفَعُ بِها، وأنْشَدَ قَوْلَ الهُذَلِيِّ: ؎شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ قالَ: ومِثْلُهُ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ حَسَنٍ، وتَكَلَّمَ كَلامًا حَسَنًا ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أيْ يَجُرُّونَها إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ ويَنْتَفِعُونَ بِها كَما يَشاءُونَ ويَتْبَعُهم ماؤُها إلى كُلِّ مَكانٍ يُرِيدُونَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَهم يَشُقُّونَها شَقًّا كَما يُشَقُّ النَّهْرُ ويُفَجَّرُ إلى هُنا وهُنا. قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها حَيْثُ شاءُوا وتَتْبَعُهم حَيْثُ مالُوا مالَتْ مَعَهم، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِ عَيْنًا. وجُمْلَةُ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُسُوقَةٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ رُزِقُوا ما ذَكَرَ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْها. ومَعْنى النَّذْرِ في اللُّغَةِ الإيجابُ، والمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعاتِ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: يُوفُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ مِنَ الصَّلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِما. وقالَ عِكْرِمَةُ: يُوفُونَ إذا نَذَرُوا في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والنَّذْرُ في الشَّرْعِ ما أوْجَبَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فالمَعْنى: يُوفُونَ بِما أوْجَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ إضْمارٌ: أيْ كانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ في الدُّنْيا. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُوفُونَ بِالعَهْدِ: أيْ يُتَمِّمُونَ العَهْدَ. والأوْلى حَمْلُ النَّذْرِ هُنا عَلى ما أوْجَبَهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْنى اسْتِطارَةُ شَرِّهِ فَشُوُّهَ وانْتِشارُهُ، يُقالُ اسْتَطارَ يَسْتَطِيرُ اسْتِطارَةً فَهو مُسْتَطِيرٌ، وهو اسْتَفْعَلَ مِنَ الطَّيَرانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَباتَتْ وقَدْ أثارَتْ في الفُؤا ∗∗∗ دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرا والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَطارَ الصَّدْعُ في القارُورَةِ والزُّجاجَةِ: إذا امْتَدَّ، ويُقالُ اسْتِطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ. قالَ الفَرّاءُ: المُسْتَطِيرُ: المُسْتَطِيلُ. قالَ قَتادَةُ: اسْتَطارَ شَرُّ ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى مَلَأ السَّماواتِ والأرْضَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّماواتِ فانْشَقَّتْ وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ نُسِفَتِ الجِبالُ وغارَتِ المِياهُ. ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ أيْ يُطْعِمُونَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الأصْنافِ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ لَدَيْهِمْ وقِلَّتِهِ عِنْدَهم. قالَ مُجاهِدٌ: عَلى قِلَّتِهِ وحُبِّهِمْ إيّاهُ وشَهْوَتِهِمْ لَهُ؛ فَقَوْلُهُ عَلى حُبِّهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنَيْنِ عَلى حُبِّهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقِيلَ عَلى حُبِّ الإطْعامِ لِرَغْبَتِهِمْ في الخَيْرِ. قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: عَلى حُبِّ إطْعامِ الطَّعامِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في حُبِّهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّ اللَّهِ: أيْ يُطْعِمُونَ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّ اللَّهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ والمِسْكِينُ ذُو المَسْكَنَةِ، وهو الفَقِيرُ، أوْ مَن هو أفْقَرُ مِنَ الفَقِيرِ، والمُرادُ بِاليَتِيمِ يَتامى المُسْلِمِينَ، والأسِيرُ الَّذِي يُؤْسَرُ فَيُحْبَسُ. قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: الأسِيرُ: المَحْبُوسُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الأسِيرُ: العَبْدُ. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: الأسِيرُ: المَرْأةُ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَسَخَ هَذا الإطْعامَ آيَةُ الصَّدَقاتِ وآيَةُ السَّيْفِ في حَقِّ الأسِيرِ الكافِرِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ هي مُحْكَمَةٌ، وإطْعامُ المِسْكِينِ واليَتِيمِ عَلى التَّطَوُّعِ، وإطْعامُ الأسِيرِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ إلى أنْ يَتَخَيَّرَ فِيهِ الإمامُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَقُولُونَ إنَّما نُطْعِمُكم، أوْ قائِلِينَ إنَّما نُطْعِمُكم: يَعْنِي أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ المُكافَأةَ ولا يُرِيدُونَ ثَناءَ النّاسِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ يَسْتَكْمِلُوا بِهَذا ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهَذا ولَكِنْ عِلْمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأثْنى عَلَيْهِمْ وعَلِمَ مِن ثَنائِهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ (p-١٥٦٥)خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ورَجاءَ ثَوابِهِ ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أيْ لا نَطْلُبُ مِنكُمُ المُجازاةَ عَلى هَذا الإطْعامِ ولا نُرِيدُ مِنكُمُ الشُّكْرَ لَنا، بَلْ هو خالِصٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ مَن أطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ لا يُرِيدُ المُكافَأةَ ولا يَطْلُبُ الشُّكْرَ لَهُ مِمَّنْ أطْعَمَهُ. ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ أيْ نَخافُ عَذابَ يَوْمٍ مُتَّصِفٍ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ومَعْنى عَبُوسًا: أنَّهُ يَوْمٌ تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ مِن هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ، فالمَعْنى: أنَّهُ ذُو عَبُوسٍ. قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وقُماطِرٌ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرَ قالَ الأخْفَشُ: القَمْطَرِيرُ أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ وأطْوَلُهُ في البَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولَجَّ بِها اليَوْمُ العَبُوسُ القُماطِرُ . قالَ الكِسائِيُّ: اقْمَطَرَّ اليَوْمَ وازْمَهَرَّ: إذا كانَ صَعْبًا شَدِيدًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بَنُو الحَرْبِ أوْصَيْنا لَهم بِقَمْطَرَةٍ ∗∗∗ ومَن يَلْقَ مِنّا ذَلِكَ اليَوْمَ يَهْرُبِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ العُبُوسَ بِالشَّفَتَيْنِ، والقِطْمِيرُ بِالجَبْهَةِ والحاجِبَيْنِ، فَجَعَلَهُما مِن صِفاتِ المُتَغَيِّرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما يَراهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎يَقْدِرُ عَلى الصَّيْدِ بِعُودٍ مُنْكَسِرْ ∗∗∗ ويُقَمْطِرُ ساعَةً ويَكْفَهِرْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: قَمْطَرِيرٌ: أيْ مُنْقَبِضٌ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ والحاجِبَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ: إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها ورَمَتْ بِأنْفِها ما يَسْبِقُها مِنَ القَطْرِ، وجَعَلَ المِيمَ مَزِيدَةً. ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ أيْ أعْطاهم بَدَلَ العُبُوسِ في الكُفّارِ نَضْرَةً في الوُجُوهِ وسُرُورًا في القُلُوبِ. قالَ الضَّحّاكُ: والنَّضْرَةُ البَياضُ والنَّقاءُ في وُجُوهِهِمْ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، الحُسْنُ والبَهاءُ، وقِيلَ النَّضْرَةُ أثَرُ النِّعْمَةِ. ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى التَّكالِيفِ، وقِيلَ عَلى الفَقْرِ، وقِيلَ عَلى الجُوعِ، وقِيلَ عَلى الصَّوْمِ. والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى الصَّبْرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ طاعَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: بِصَبْرِهِمْ ﴿جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ أيْ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ وألْبَسَهُمُ الحَرِيرَ، وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ عِوَضًا عَنْ تَرْكِهِ في الدُّنْيا امْتِثالًا لِما ورَدَ في الشَّرْعِ مِن تَحْرِيمِهِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ العُمُومُ في كُلِّ مَن خافَ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأطْعَمَ لِوَجْهِ اللَّهِ وخافَ مِن عَذابِهِ، والسَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا كَما سَيَأْتِي فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ويَدْخُلُ سَبَبُ التَّنْزِيلِ تَحْتَ عُمُومِها دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ قالَ: كُلِّ إنْسانٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: أمْشاجٍ قالَ أمْشاجُها عُرُوقُها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أمْشاجٍ قالَ: العُرُوقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ قالَ: ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ حِينَ يَخْتَلِطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: أمْشاجٍ ألْوانٍ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ وحَمْراءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ خَضْراءُ وحَمْراءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأمْشاجُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلى أثَرِ البَوْلِ كَقِطَعِ الأوْتارِ ومِنهُ يَكُونُ الوَلَدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: وأسِيرًا قالَ: هو المُشْرِكُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: مِسْكِينًا قالَ: فَقِيرًا ويَتِيمًا قالَ لا أبَ لَهُ وأسِيرًا قالَ: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ قالَ: ضَيِّقًا قَمْطَرِيرًا قالَ: طَوِيلًا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قالَ: يَقْبِضُ ما بَيْنَ الأبْصارِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَمْطَرِيرُ الرَّجُلُ المُنْقَبِضُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ ووَجْهِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ قالَ: نَضْرَةً في وُجُوهِهِمْ وسُرُورًا في صُدُورِهِمْ.

الإنسان 76:13

قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، والعامِلُ فِيها ( جَزى )، ولا يَعْمَلُ فِيها صَبَرُوا؛ لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما كانَ في الدُّنْيا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ ( جَنَّةٍ ) . قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ( مُتَّكِئِينَ ) تابِعًا، كَأنَّهُ قالَ: جَزاهم جَنَّةً مُتَّكِئِينَ فِيها. وقالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والضَّمِيرُ مِن فِيها يَعُودُ إلى الجَنَّةِ. والأرائِكُ: السُّرُرُ في الحِجالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَرادِفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَّكِئِينَ، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَداخِلَةِ، أوْ صِفَةً أُخْرى لِلْجَنَّةِ. والزَّمْهَرِيرُ: أشَدُّ البَرْدِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَرَوْنَ في الجَنَّةِ حَرَّ الشَّمْسِ ولا بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎مُنَعَّمَةٌ طِفْلَةٌ كالمَها لَمْ تَرَ شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرا (p-١٥٦٦)وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَّمْهَرِيرُ: القَمَرُ بِلُغَةِ طَيِّءٍ، وأنْشَدَ لِشاعِرِهِمْ: ؎ولَيْلَةً ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ ويُرْوى ما ظَهَرَ: أيْ لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( دانِيَةً ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ لا يَرَوْنَ، أوْ عَلى مُتَّكِئِينَ، أوْ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ: أيْ وجَنَّةٍ دانِيَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: هو صِفَةٌ لِجَنَّةٍ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " ودانِيَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وظِلالُها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّ ظِلالَ الأشْجارِ قَرِيبَةٌ مِنهم مُظِلَّةٌ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ وإنْ كانَ لا شَمْسَ هُنالِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي شَجَرُها قَرِيبٌ مِنهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ودانِيًا عَلَيْهِمْ " ﴿ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( دانِيَةً ) كَأنَّهُ قالَ: ومُذَلَّلَةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والقُطُوفُ الثِّمارُ، والمَعْنى: أنَّها سُخِّرَتْ ثِمارُها لِمُتَناوِلِيها تَسْخِيرًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَتَناوَلُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ لا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ. قالَ النَّحّاسُ: المُذَلَّلُ: القَرِيبُ المُتَناوَلِ، . ومِنهُ قَوْلُهم حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ قَصِيرٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذُلِّلَتْ: أُدْنِيَتْ، مِن قَوْلِهِمْ حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ كانَ قَصِيرَ السُّمْكِ. وقِيلَ ذُلِّلَتْ: أيْ جُعِلَتْ مُنْقادَةً لا تَمْتَنِعُ عَلى قِطافِها كَيْفَ شاءُوا. ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ أيْ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الخَدَمُ إذا أرادُوا الشَّرابَ بِآنِيَةِ الفِضَّةِ، والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ، وهو الكُوزُ العَظِيمُ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ ولا عُرْوَةَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيٍّ: ؎مُتَّكِئٌ تُقْرَعُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ﴿كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ في وصْفِ القَوارِيرِ في الصَّفاءِ وفي بَياضِ الفِضَّةِ، فَصَفاؤُها صَفاءُ الزُّجاجِ، ولَوْنُها لَوْنُ الفِضَّةِ. قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ قَوارِيرًا قَوارِيرًا بِالتَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَصْلِ، وبِالوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ( سَلاسِلَ ) مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وبَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ صَرْفِ ما فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما وعَدَمِ الوَقْفِ بِالألِفِ، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ لِأنَّهُما مُمْتَنِعانِ لِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ. وقَرَأ هِشامٌ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَنْوِينِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، وابْنُ ذَكْوانَ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما، والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِ ( أكْوابٍ ) . قالَ أبُو البَقاءِ: وحُسْنُ التَّكْرِيرِ لِما اتَّصَلَ بِهِ مِن بَيانِ أصْلِها. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: جَعَلَ اللَّهُ قَوارِيرَ أهْلِ الجَنَّةِ مِن فِضَّةٍ، فاجْتَمَعَ لَها بَياضُ الفِضَّةِ وصَفاءُ القَوارِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: القَوارِيرُ الَّتِي في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْلِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ فَضْلَ تِلْكَ القَوارِيرِ أنَّ أصْلَها مِن فِضَّةٍ يُرى مِن خارِجِها ما في داخِلِها، وجُمْلَةُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ صِفَةً لِقَوارِيرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرُوها بِفَتْحِ القافِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ قَدَّرَها السُّقاةُ مِنَ الخَدَمِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الشّارِبُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ مَن دُونِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ بِغَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ ألَذُّ وأشْهى، وقِيلَ: قَدَّرَها المَلائِكَةُ، وقِيلَ قَدَّرَها أهْلُ الجَنَّةِ الشّارِبُونَ عَلى مِقْدارِ شَهَواتِهِمْ وحاجاتِهِمْ فَجاءَتْ كَما يُرِيدُونَ في الشَّكْلِ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ قُدِّرُوها بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدّالِّ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ جُعِلَتْ لَهم عَلى قَدْرِ إرادَتِهِمْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ القَلْبِ، قالَ: لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ لا قَدَّرُوها؛ لِأنَّهُ في مَعْنى قُدِّرُوا عَلَيْها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: التَّقْدِيرُ قُدِّرَتِ الأوانِي عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ، فَمَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مَحْذُوفٌ. قالَ أبُو حَيّانَ: والأقْرَبُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنْ يُقالَ: قُدِّرَ رَيُّهم مِنها تَقْدِيرًا، فَحُذِفَ المُضافُ فَصارَ قُدِّرُوها. وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ القِراءَةَ الأخِيرَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، وكَأنَّ الأصْلَ قَدَرُوا عَلَيْها فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎آلَيْتُ حُبَّ العِراقِ الدَّهْرُ آكُلُهُ ∗∗∗ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ أيْ آلَيْتُ عَلى حُبِّ العِراقِ. ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الكَأْسَ هو الإناءُ فِيهِ الخَمْرُ، وإذا كانَ خالِيًا عَنِ الخَمْرِ فَلا يُقالُ لَهُ كَأْسٌ، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُسْقَوْنَ في الجَنَّةِ كَأْسًا مِنَ الخَمْرِ مَمْزُوجَةٌ بِالزَّنْجَبِيلِ وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَسْتَلِذُّ مَزْجَ الشَّرابِ بِالزَّنْجَبِيلِ لِطِيبِ رائِحَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الزَّنْجَبِيلُ اسْمٌ لِلْعَيْنِ الَّتِي يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو زَنْجَبِيلٌ لا يُشْبِهُ زَنْجَبِيلَ الدُّنْيا. ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كَأْسًا ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُسْقَوْنَ عَيْنًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن عَيْنٍ، والسَّلْسَبِيلُ: الشَّرابُ اللَّذِيذُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلاسَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا شَرابٌ سَلِسٌ، وسَلْسالٌ وسَلْسَبِيلٌ: أيْ طَيِّبٌ لَذِيذٌ. قالَ الزَّجّاجُ: السَّلْسَبِيلُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِماءٍ في غايَةِ السَّلاسَةِ حَدِيدُ الجَرْيَةِ يَسُوغُ في حُلُوقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ؎يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ كَأْسًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ شَرابِهِمْ، ووَصْفِ آنِيَتِهِمْ، ووَصْفِ السُّقاةِ الَّذِينَ يَسْقُونَهم ذَلِكَ الشَّرابَ. ومَعْنى مُخَلَّدُونَ باقُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّبابِ والطَّراوَةِ والنَّضارَةِ، لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، وقِيلَ مَعْنى مُخَلَّدُونَ لا يَمُوتُونَ، وقِيلَ التَّخْلِيدُ التَّحْلِيَةُ: أيْ مُحَلَّوْنَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ إذا نَظَرْتَ إلَيْهِمْ ظَنَنْتَهم لِمَزِيدِ حُسْنِهِمْ وصَفاءِ (p-١٥٦٧)ألْوانِهِمْ ونَضارَةِ وُجُوهِهِمْ لُؤْلُؤًا مُفَرَّقًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ في بَياضِ اللَّوْنِ وحُسْنِهِ، واللُّؤْلُؤُ إذا نُثِرَ مِنَ الخَيْطِ عَلى البِساطِ كانَ أحْسَنَ مِنهُ مَنظُومًا. قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنثُورِ لِانْتِثارِهِمْ في الخِدْمَةِ، ولَوْ كانُوا صَفًّا لَشُبِّهُوا بِالمَنظُومِ، وقِيلَ إنَّما شَبَّهَهم بِالمَنثُورِ لِأنَّهم سِراعٌ في الخِدْمَةِ، بِخِلافِ الحُورِ العِينِ فَإنَّهُ شَبَّهَهُنَّ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ لِأنَّهُنَّ لا يُمْتَهَنَّ بِالخِدْمَةِ. ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ أيْ وإذا رَمَيْتَ بِبَصَرِكَ هُناكَ، يَعْنِي في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا لا يُوصَفُ، ومُلْكًا كَبِيرًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ثَمَّ " ظَرْفُ مَكانٍ، والعامِلُ فِيها ( رَأيْتَ ) . قالَ الفَرّاءُ في الكَلامِ ما مُضْمَرَةٌ: أيْ وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] أيْ ما بَيْنَكم. قالَ الزَّجّاجُ مُعْتَرِضًا عَلى الفَرّاءِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ، ولَكِنْ " رَأيْتَ " يَتَعَدّى في المَعْنى إلى ثَمَّ. والمَعْنى: إذا رَأيْتَ بِبَصَرِكَ ثَمَّ، ويَعْنِي بِثَمَّ الجَنَّةَ. قالَ السُّدِّيُّ: النَّعِيمُ ما يُتَنَعَّمُ بِهِ، والمُلْكُ الكَبِيرُ: اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ إنَّ " رَأيْتَ " لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ مَلْفُوظٌ ولا مُقَدَّرٌ ولا مَنوِيٌّ، بَلْ مَعْناهُ: أنَّ بَصَرَكَ أيْنَما وقَعَ في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا. ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ عالِيهِمْ بِسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وثِيابٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أوْ عَلى أنَّ ( عالِيهِمْ ) مُبْتَدَأٌ، و( ثِيابُ ) مُرْتَفِعٌ بِالفاعِلِيَّةِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدِ الوَصْفَ كَما هو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ثِيابُ سُنْدُسٍ، واسْمُ الفاعِلِ مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الهاءِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( ثِيابُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ فَوْقَهم ثِيابٌ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ ( عالِيَهم ) بِمَعْنى فَوْقَهم، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ أبُو حَيّانَ: عالٍ وعالِيَةٌ اسْمُ فاعِلٍ، فَيَحْتاجُ في كَوْنِهِما ظَرْفَيْنِ إلى أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: هَذا مِمّا لا نَعْرِفُهُ في الظُّرُوفِ ولَوْ كانَ ظَرْفًا لِمَ لَمْ يَجُزْ إسْكانُ الياءِ، ولَكِنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما الهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الأبْرارِ ( وِلْدانٌ ) عالِيًا الأبْرارَ ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ. والثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ: أيْ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ أبْدانِهِمْ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ في الحالِ إمّا لَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا وإمّا جَزاهم بِما صَبَرُوا. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " عَلَيْهِمْ " وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ المَعْنى ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " عَلِيَتْهم " . وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ ثِيابٍ إلى سُنْدُسٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَنْوِينِ ( ثِيابٌ ) وقَطْعِها عَنِ الإضافَةِ ورَفْعِ ( سُنْدُسٌ )، و﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ عَلى أنَّ السُّنْدُسَ نَعْتٌ لِلثِّيابِ؛ لِأنَّ السُّنْدُسَ نَوْعٌ مِنَ الثِّيابِ، وعَلى أنَّ " خُضْرٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أخْضَرُ وغَيْرُ أخْضَرٍ، وعَلى أنَّ ( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ: أيْ وثِيابُ إسْتَبْرَقٍ، والجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ اخْتَلَفُوا في ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى جَرِّ سُنْدُسٍ بِإضافَةِ ( ثِيابُ ) إلَيْهِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِجَرِّ " خُضْرٍ " نَعْتًا لِ ( سُنْدُسٍ ) ورَفْعِ ( إسْتَبْرَقُ ) عَطْفًا عَلى ( ثِيابُ ): أيْ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ وعَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ ( خُضَرٌ ) نَعْتًا لِ ( ثِيابُ )، وجَرِّ " إسْتَبْرَقٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ. واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، لِأنَّ الخُضْرَ أحْسَنُ ما كانَتْ نَعْتًا لِلثِّيابِ فَهي مَرْفُوعَةٌ، والإسْتَبْرَقُ مِن جِنْسِ السُّنْدُسِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ بِرَفْعِ ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ لِأنَّ ( خُضْرٌ ) نَعْتٌ لِلثِّيابِ، و( إسْتَبْرَقٌ ) عَطْفٌ عَلى الثِّيابِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّ " خُضْرٍ وإسْتَبْرَقٍ " عَلى أنَّ ( خُضْرٍ ) نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، و( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ. وقَرَءُوا كُلُّهم بِصَرْفِ ( إسْتَبْرَقٍ ) إلّا ابْنُ مُحَيْصِنٍ فَإنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ، قالَ: لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، ولا وجْهَ لِهَذا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ إلّا أنْ يَقُولَ إنَّهُ عَلَمٌ لِهَذا الجِنْسِ مِنَ الثِّيابِ. والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ. والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُنا أنَّهم يُحَلَّوْنَ بِأساوِرِ الفِضَّةِ وفي سُورَةِ فاطِرٍ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣] وفي سُورَةِ الحَجِّ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ لِإمْكانِ الجَمْعِ بِأنْ يَجْعَلَ لَهم سِواراتٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ولُؤْلُؤٍ، أوْ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم يَلْبَسُونَ سِواراتِ الذَّهَبِ تارَةً، وسِواراتِ الفِضَّةِ تارَةً، وسِواراتِ اللُّؤْلُؤِ تارَةً، أوْ أنَّهُ يَلْبَسُ كُلُّ أحَدٍ مِنهُ ما تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ عالِيَهم بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ) ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الشَّرابِ الَّذِي يَمُنُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ هو طَهُورٌ لَيْسَ بِنَجِسٍ كَما كانَ في الدُّنْيا مَوْصُوفًا بِالنَّجاسَةِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ طاهِرٌ لَيْسَ كَخَمْرِ الدُّنْيا. قالَ مُقاتِلٌ: هو عَيْنُ ماءٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ مَن شَرِبَ مِنها نَزَعَ اللَّهُ ما كانَ في قَلْبِهِ مَن غَشٍّ وغِلٍّ وحَسَدٍ. قالَ أبُو قِلابَةَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُؤْتُونَ بِالطَّعامِ، فَإذا كانَ آخِرُهُ أتَوْا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ، فَيَشْرَبُونَ فَتَضْمُرُ بُطُونُهم مِن ذَلِكَ ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن أبْدانِهِمْ مِثْلَ رِيحِ المِسْكِ. ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ أيْ يُقالُ لَهم: إنَّ هَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن أنْواعِ النِّعَمِ كانَ لَكم جَزاءً بِأعْمالِكم: أيْ ثَوابًا لَها ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ أيْ كانَ عَمَلُكم في الدُّنْيا بِطاعَةِ اللَّهِ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا، وشُكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعَمَلِ عَبْدِهِ هو قَبُولُهُ لِطاعَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الزَّمْهَرِيرُ هو البَرْدُ الشَّدِيدُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَها نَفَسَيْنِ: نَفَسًا في الصَّيْفِ، ونَفَسًا في الشِّتاءِ، فَشِدَّةُ ما تَجِدُونَ مِنَ البَرْدِ مِن زَمْهَرِيرِها، وشِدَّةُ ما تَجِدُونَ في (p-١٥٦٨)الصَّيْفِ مِنَ الحَرِّ مِن سَمُومِها» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ قِيامًا وقُعُودًا ومُضْطَجِعِينَ وعَلى أيِّ حالٍ شاءُوا. وفِي لَفْظٍ قالَ: ذُلِّلَتْ فَيَتَناوَلُونَ مِنها كَيْفَ شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وُصَفاؤُها كَصَفاءِ القَوارِيرِ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قُدِّرَتْ لِلْكَفِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: لَوْ أخَذْتَ فِضَّةً مِن فِضَّةِ الدُّنْيا فَضَرَبْتَها حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها، ولَكِنْ قَوارِيرَ الجَنَّةِ بَياضُ الفِضَّةِ في صَفاءِ القَوارِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ شَيْءٌ إلّا وقَدْ أعْطَيْتُمْ في الدُّنْيا شِبْهَهُ إلّا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ الفَمِ لا يُفَضِّلُونَ شَيْئًا ولا يَشْتَهُونَ بَعْدَها شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قَدَّرَتْها السُّقاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا مَن يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ خادِمٍ كُلُّ خادِمٍ عَلى عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ .

الإنسان 76:14

قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، والعامِلُ فِيها ( جَزى )، ولا يَعْمَلُ فِيها صَبَرُوا؛ لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما كانَ في الدُّنْيا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ ( جَنَّةٍ ) . قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ( مُتَّكِئِينَ ) تابِعًا، كَأنَّهُ قالَ: جَزاهم جَنَّةً مُتَّكِئِينَ فِيها. وقالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والضَّمِيرُ مِن فِيها يَعُودُ إلى الجَنَّةِ. والأرائِكُ: السُّرُرُ في الحِجالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَرادِفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَّكِئِينَ، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَداخِلَةِ، أوْ صِفَةً أُخْرى لِلْجَنَّةِ. والزَّمْهَرِيرُ: أشَدُّ البَرْدِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَرَوْنَ في الجَنَّةِ حَرَّ الشَّمْسِ ولا بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎مُنَعَّمَةٌ طِفْلَةٌ كالمَها لَمْ تَرَ شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرا (p-١٥٦٦)وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَّمْهَرِيرُ: القَمَرُ بِلُغَةِ طَيِّءٍ، وأنْشَدَ لِشاعِرِهِمْ: ؎ولَيْلَةً ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ ويُرْوى ما ظَهَرَ: أيْ لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( دانِيَةً ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ لا يَرَوْنَ، أوْ عَلى مُتَّكِئِينَ، أوْ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ: أيْ وجَنَّةٍ دانِيَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: هو صِفَةٌ لِجَنَّةٍ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " ودانِيَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وظِلالُها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّ ظِلالَ الأشْجارِ قَرِيبَةٌ مِنهم مُظِلَّةٌ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ وإنْ كانَ لا شَمْسَ هُنالِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي شَجَرُها قَرِيبٌ مِنهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ودانِيًا عَلَيْهِمْ " ﴿ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( دانِيَةً ) كَأنَّهُ قالَ: ومُذَلَّلَةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والقُطُوفُ الثِّمارُ، والمَعْنى: أنَّها سُخِّرَتْ ثِمارُها لِمُتَناوِلِيها تَسْخِيرًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَتَناوَلُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ لا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ. قالَ النَّحّاسُ: المُذَلَّلُ: القَرِيبُ المُتَناوَلِ، . ومِنهُ قَوْلُهم حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ قَصِيرٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذُلِّلَتْ: أُدْنِيَتْ، مِن قَوْلِهِمْ حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ كانَ قَصِيرَ السُّمْكِ. وقِيلَ ذُلِّلَتْ: أيْ جُعِلَتْ مُنْقادَةً لا تَمْتَنِعُ عَلى قِطافِها كَيْفَ شاءُوا. ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ أيْ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الخَدَمُ إذا أرادُوا الشَّرابَ بِآنِيَةِ الفِضَّةِ، والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ، وهو الكُوزُ العَظِيمُ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ ولا عُرْوَةَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيٍّ: ؎مُتَّكِئٌ تُقْرَعُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ﴿كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ في وصْفِ القَوارِيرِ في الصَّفاءِ وفي بَياضِ الفِضَّةِ، فَصَفاؤُها صَفاءُ الزُّجاجِ، ولَوْنُها لَوْنُ الفِضَّةِ. قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ قَوارِيرًا قَوارِيرًا بِالتَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَصْلِ، وبِالوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ( سَلاسِلَ ) مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وبَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ صَرْفِ ما فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما وعَدَمِ الوَقْفِ بِالألِفِ، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ لِأنَّهُما مُمْتَنِعانِ لِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ. وقَرَأ هِشامٌ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَنْوِينِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، وابْنُ ذَكْوانَ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما، والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِ ( أكْوابٍ ) . قالَ أبُو البَقاءِ: وحُسْنُ التَّكْرِيرِ لِما اتَّصَلَ بِهِ مِن بَيانِ أصْلِها. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: جَعَلَ اللَّهُ قَوارِيرَ أهْلِ الجَنَّةِ مِن فِضَّةٍ، فاجْتَمَعَ لَها بَياضُ الفِضَّةِ وصَفاءُ القَوارِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: القَوارِيرُ الَّتِي في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْلِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ فَضْلَ تِلْكَ القَوارِيرِ أنَّ أصْلَها مِن فِضَّةٍ يُرى مِن خارِجِها ما في داخِلِها، وجُمْلَةُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ صِفَةً لِقَوارِيرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرُوها بِفَتْحِ القافِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ قَدَّرَها السُّقاةُ مِنَ الخَدَمِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الشّارِبُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ مَن دُونِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ بِغَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ ألَذُّ وأشْهى، وقِيلَ: قَدَّرَها المَلائِكَةُ، وقِيلَ قَدَّرَها أهْلُ الجَنَّةِ الشّارِبُونَ عَلى مِقْدارِ شَهَواتِهِمْ وحاجاتِهِمْ فَجاءَتْ كَما يُرِيدُونَ في الشَّكْلِ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ قُدِّرُوها بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدّالِّ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ جُعِلَتْ لَهم عَلى قَدْرِ إرادَتِهِمْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ القَلْبِ، قالَ: لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ لا قَدَّرُوها؛ لِأنَّهُ في مَعْنى قُدِّرُوا عَلَيْها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: التَّقْدِيرُ قُدِّرَتِ الأوانِي عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ، فَمَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مَحْذُوفٌ. قالَ أبُو حَيّانَ: والأقْرَبُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنْ يُقالَ: قُدِّرَ رَيُّهم مِنها تَقْدِيرًا، فَحُذِفَ المُضافُ فَصارَ قُدِّرُوها. وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ القِراءَةَ الأخِيرَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، وكَأنَّ الأصْلَ قَدَرُوا عَلَيْها فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎آلَيْتُ حُبَّ العِراقِ الدَّهْرُ آكُلُهُ ∗∗∗ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ أيْ آلَيْتُ عَلى حُبِّ العِراقِ. ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الكَأْسَ هو الإناءُ فِيهِ الخَمْرُ، وإذا كانَ خالِيًا عَنِ الخَمْرِ فَلا يُقالُ لَهُ كَأْسٌ، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُسْقَوْنَ في الجَنَّةِ كَأْسًا مِنَ الخَمْرِ مَمْزُوجَةٌ بِالزَّنْجَبِيلِ وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَسْتَلِذُّ مَزْجَ الشَّرابِ بِالزَّنْجَبِيلِ لِطِيبِ رائِحَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الزَّنْجَبِيلُ اسْمٌ لِلْعَيْنِ الَّتِي يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو زَنْجَبِيلٌ لا يُشْبِهُ زَنْجَبِيلَ الدُّنْيا. ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كَأْسًا ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُسْقَوْنَ عَيْنًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن عَيْنٍ، والسَّلْسَبِيلُ: الشَّرابُ اللَّذِيذُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلاسَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا شَرابٌ سَلِسٌ، وسَلْسالٌ وسَلْسَبِيلٌ: أيْ طَيِّبٌ لَذِيذٌ. قالَ الزَّجّاجُ: السَّلْسَبِيلُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِماءٍ في غايَةِ السَّلاسَةِ حَدِيدُ الجَرْيَةِ يَسُوغُ في حُلُوقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ؎يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ كَأْسًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ شَرابِهِمْ، ووَصْفِ آنِيَتِهِمْ، ووَصْفِ السُّقاةِ الَّذِينَ يَسْقُونَهم ذَلِكَ الشَّرابَ. ومَعْنى مُخَلَّدُونَ باقُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّبابِ والطَّراوَةِ والنَّضارَةِ، لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، وقِيلَ مَعْنى مُخَلَّدُونَ لا يَمُوتُونَ، وقِيلَ التَّخْلِيدُ التَّحْلِيَةُ: أيْ مُحَلَّوْنَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ إذا نَظَرْتَ إلَيْهِمْ ظَنَنْتَهم لِمَزِيدِ حُسْنِهِمْ وصَفاءِ (p-١٥٦٧)ألْوانِهِمْ ونَضارَةِ وُجُوهِهِمْ لُؤْلُؤًا مُفَرَّقًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ في بَياضِ اللَّوْنِ وحُسْنِهِ، واللُّؤْلُؤُ إذا نُثِرَ مِنَ الخَيْطِ عَلى البِساطِ كانَ أحْسَنَ مِنهُ مَنظُومًا. قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنثُورِ لِانْتِثارِهِمْ في الخِدْمَةِ، ولَوْ كانُوا صَفًّا لَشُبِّهُوا بِالمَنظُومِ، وقِيلَ إنَّما شَبَّهَهم بِالمَنثُورِ لِأنَّهم سِراعٌ في الخِدْمَةِ، بِخِلافِ الحُورِ العِينِ فَإنَّهُ شَبَّهَهُنَّ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ لِأنَّهُنَّ لا يُمْتَهَنَّ بِالخِدْمَةِ. ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ أيْ وإذا رَمَيْتَ بِبَصَرِكَ هُناكَ، يَعْنِي في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا لا يُوصَفُ، ومُلْكًا كَبِيرًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ثَمَّ " ظَرْفُ مَكانٍ، والعامِلُ فِيها ( رَأيْتَ ) . قالَ الفَرّاءُ في الكَلامِ ما مُضْمَرَةٌ: أيْ وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] أيْ ما بَيْنَكم. قالَ الزَّجّاجُ مُعْتَرِضًا عَلى الفَرّاءِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ، ولَكِنْ " رَأيْتَ " يَتَعَدّى في المَعْنى إلى ثَمَّ. والمَعْنى: إذا رَأيْتَ بِبَصَرِكَ ثَمَّ، ويَعْنِي بِثَمَّ الجَنَّةَ. قالَ السُّدِّيُّ: النَّعِيمُ ما يُتَنَعَّمُ بِهِ، والمُلْكُ الكَبِيرُ: اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ إنَّ " رَأيْتَ " لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ مَلْفُوظٌ ولا مُقَدَّرٌ ولا مَنوِيٌّ، بَلْ مَعْناهُ: أنَّ بَصَرَكَ أيْنَما وقَعَ في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا. ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ عالِيهِمْ بِسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وثِيابٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أوْ عَلى أنَّ ( عالِيهِمْ ) مُبْتَدَأٌ، و( ثِيابُ ) مُرْتَفِعٌ بِالفاعِلِيَّةِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدِ الوَصْفَ كَما هو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ثِيابُ سُنْدُسٍ، واسْمُ الفاعِلِ مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الهاءِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( ثِيابُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ فَوْقَهم ثِيابٌ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ ( عالِيَهم ) بِمَعْنى فَوْقَهم، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ أبُو حَيّانَ: عالٍ وعالِيَةٌ اسْمُ فاعِلٍ، فَيَحْتاجُ في كَوْنِهِما ظَرْفَيْنِ إلى أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: هَذا مِمّا لا نَعْرِفُهُ في الظُّرُوفِ ولَوْ كانَ ظَرْفًا لِمَ لَمْ يَجُزْ إسْكانُ الياءِ، ولَكِنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما الهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الأبْرارِ ( وِلْدانٌ ) عالِيًا الأبْرارَ ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ. والثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ: أيْ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ أبْدانِهِمْ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ في الحالِ إمّا لَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا وإمّا جَزاهم بِما صَبَرُوا. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " عَلَيْهِمْ " وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ المَعْنى ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " عَلِيَتْهم " . وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ ثِيابٍ إلى سُنْدُسٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَنْوِينِ ( ثِيابٌ ) وقَطْعِها عَنِ الإضافَةِ ورَفْعِ ( سُنْدُسٌ )، و﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ عَلى أنَّ السُّنْدُسَ نَعْتٌ لِلثِّيابِ؛ لِأنَّ السُّنْدُسَ نَوْعٌ مِنَ الثِّيابِ، وعَلى أنَّ " خُضْرٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أخْضَرُ وغَيْرُ أخْضَرٍ، وعَلى أنَّ ( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ: أيْ وثِيابُ إسْتَبْرَقٍ، والجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ اخْتَلَفُوا في ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى جَرِّ سُنْدُسٍ بِإضافَةِ ( ثِيابُ ) إلَيْهِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِجَرِّ " خُضْرٍ " نَعْتًا لِ ( سُنْدُسٍ ) ورَفْعِ ( إسْتَبْرَقُ ) عَطْفًا عَلى ( ثِيابُ ): أيْ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ وعَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ ( خُضَرٌ ) نَعْتًا لِ ( ثِيابُ )، وجَرِّ " إسْتَبْرَقٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ. واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، لِأنَّ الخُضْرَ أحْسَنُ ما كانَتْ نَعْتًا لِلثِّيابِ فَهي مَرْفُوعَةٌ، والإسْتَبْرَقُ مِن جِنْسِ السُّنْدُسِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ بِرَفْعِ ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ لِأنَّ ( خُضْرٌ ) نَعْتٌ لِلثِّيابِ، و( إسْتَبْرَقٌ ) عَطْفٌ عَلى الثِّيابِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّ " خُضْرٍ وإسْتَبْرَقٍ " عَلى أنَّ ( خُضْرٍ ) نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، و( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ. وقَرَءُوا كُلُّهم بِصَرْفِ ( إسْتَبْرَقٍ ) إلّا ابْنُ مُحَيْصِنٍ فَإنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ، قالَ: لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، ولا وجْهَ لِهَذا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ إلّا أنْ يَقُولَ إنَّهُ عَلَمٌ لِهَذا الجِنْسِ مِنَ الثِّيابِ. والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ. والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُنا أنَّهم يُحَلَّوْنَ بِأساوِرِ الفِضَّةِ وفي سُورَةِ فاطِرٍ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣] وفي سُورَةِ الحَجِّ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ لِإمْكانِ الجَمْعِ بِأنْ يَجْعَلَ لَهم سِواراتٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ولُؤْلُؤٍ، أوْ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم يَلْبَسُونَ سِواراتِ الذَّهَبِ تارَةً، وسِواراتِ الفِضَّةِ تارَةً، وسِواراتِ اللُّؤْلُؤِ تارَةً، أوْ أنَّهُ يَلْبَسُ كُلُّ أحَدٍ مِنهُ ما تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ عالِيَهم بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ) ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الشَّرابِ الَّذِي يَمُنُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ هو طَهُورٌ لَيْسَ بِنَجِسٍ كَما كانَ في الدُّنْيا مَوْصُوفًا بِالنَّجاسَةِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ طاهِرٌ لَيْسَ كَخَمْرِ الدُّنْيا. قالَ مُقاتِلٌ: هو عَيْنُ ماءٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ مَن شَرِبَ مِنها نَزَعَ اللَّهُ ما كانَ في قَلْبِهِ مَن غَشٍّ وغِلٍّ وحَسَدٍ. قالَ أبُو قِلابَةَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُؤْتُونَ بِالطَّعامِ، فَإذا كانَ آخِرُهُ أتَوْا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ، فَيَشْرَبُونَ فَتَضْمُرُ بُطُونُهم مِن ذَلِكَ ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن أبْدانِهِمْ مِثْلَ رِيحِ المِسْكِ. ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ أيْ يُقالُ لَهم: إنَّ هَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن أنْواعِ النِّعَمِ كانَ لَكم جَزاءً بِأعْمالِكم: أيْ ثَوابًا لَها ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ أيْ كانَ عَمَلُكم في الدُّنْيا بِطاعَةِ اللَّهِ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا، وشُكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعَمَلِ عَبْدِهِ هو قَبُولُهُ لِطاعَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الزَّمْهَرِيرُ هو البَرْدُ الشَّدِيدُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَها نَفَسَيْنِ: نَفَسًا في الصَّيْفِ، ونَفَسًا في الشِّتاءِ، فَشِدَّةُ ما تَجِدُونَ مِنَ البَرْدِ مِن زَمْهَرِيرِها، وشِدَّةُ ما تَجِدُونَ في (p-١٥٦٨)الصَّيْفِ مِنَ الحَرِّ مِن سَمُومِها» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ قِيامًا وقُعُودًا ومُضْطَجِعِينَ وعَلى أيِّ حالٍ شاءُوا. وفِي لَفْظٍ قالَ: ذُلِّلَتْ فَيَتَناوَلُونَ مِنها كَيْفَ شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وُصَفاؤُها كَصَفاءِ القَوارِيرِ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قُدِّرَتْ لِلْكَفِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: لَوْ أخَذْتَ فِضَّةً مِن فِضَّةِ الدُّنْيا فَضَرَبْتَها حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها، ولَكِنْ قَوارِيرَ الجَنَّةِ بَياضُ الفِضَّةِ في صَفاءِ القَوارِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ شَيْءٌ إلّا وقَدْ أعْطَيْتُمْ في الدُّنْيا شِبْهَهُ إلّا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ الفَمِ لا يُفَضِّلُونَ شَيْئًا ولا يَشْتَهُونَ بَعْدَها شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قَدَّرَتْها السُّقاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا مَن يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ خادِمٍ كُلُّ خادِمٍ عَلى عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ .

الإنسان 76:15

قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، والعامِلُ فِيها ( جَزى )، ولا يَعْمَلُ فِيها صَبَرُوا؛ لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما كانَ في الدُّنْيا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ ( جَنَّةٍ ) . قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ( مُتَّكِئِينَ ) تابِعًا، كَأنَّهُ قالَ: جَزاهم جَنَّةً مُتَّكِئِينَ فِيها. وقالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والضَّمِيرُ مِن فِيها يَعُودُ إلى الجَنَّةِ. والأرائِكُ: السُّرُرُ في الحِجالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَرادِفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَّكِئِينَ، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَداخِلَةِ، أوْ صِفَةً أُخْرى لِلْجَنَّةِ. والزَّمْهَرِيرُ: أشَدُّ البَرْدِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَرَوْنَ في الجَنَّةِ حَرَّ الشَّمْسِ ولا بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎مُنَعَّمَةٌ طِفْلَةٌ كالمَها لَمْ تَرَ شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرا (p-١٥٦٦)وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَّمْهَرِيرُ: القَمَرُ بِلُغَةِ طَيِّءٍ، وأنْشَدَ لِشاعِرِهِمْ: ؎ولَيْلَةً ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ ويُرْوى ما ظَهَرَ: أيْ لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( دانِيَةً ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ لا يَرَوْنَ، أوْ عَلى مُتَّكِئِينَ، أوْ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ: أيْ وجَنَّةٍ دانِيَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: هو صِفَةٌ لِجَنَّةٍ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " ودانِيَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وظِلالُها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّ ظِلالَ الأشْجارِ قَرِيبَةٌ مِنهم مُظِلَّةٌ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ وإنْ كانَ لا شَمْسَ هُنالِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي شَجَرُها قَرِيبٌ مِنهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ودانِيًا عَلَيْهِمْ " ﴿ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( دانِيَةً ) كَأنَّهُ قالَ: ومُذَلَّلَةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والقُطُوفُ الثِّمارُ، والمَعْنى: أنَّها سُخِّرَتْ ثِمارُها لِمُتَناوِلِيها تَسْخِيرًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَتَناوَلُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ لا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ. قالَ النَّحّاسُ: المُذَلَّلُ: القَرِيبُ المُتَناوَلِ، . ومِنهُ قَوْلُهم حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ قَصِيرٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذُلِّلَتْ: أُدْنِيَتْ، مِن قَوْلِهِمْ حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ كانَ قَصِيرَ السُّمْكِ. وقِيلَ ذُلِّلَتْ: أيْ جُعِلَتْ مُنْقادَةً لا تَمْتَنِعُ عَلى قِطافِها كَيْفَ شاءُوا. ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ أيْ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الخَدَمُ إذا أرادُوا الشَّرابَ بِآنِيَةِ الفِضَّةِ، والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ، وهو الكُوزُ العَظِيمُ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ ولا عُرْوَةَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيٍّ: ؎مُتَّكِئٌ تُقْرَعُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ﴿كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ في وصْفِ القَوارِيرِ في الصَّفاءِ وفي بَياضِ الفِضَّةِ، فَصَفاؤُها صَفاءُ الزُّجاجِ، ولَوْنُها لَوْنُ الفِضَّةِ. قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ قَوارِيرًا قَوارِيرًا بِالتَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَصْلِ، وبِالوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ( سَلاسِلَ ) مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وبَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ صَرْفِ ما فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما وعَدَمِ الوَقْفِ بِالألِفِ، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ لِأنَّهُما مُمْتَنِعانِ لِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ. وقَرَأ هِشامٌ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَنْوِينِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، وابْنُ ذَكْوانَ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما، والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِ ( أكْوابٍ ) . قالَ أبُو البَقاءِ: وحُسْنُ التَّكْرِيرِ لِما اتَّصَلَ بِهِ مِن بَيانِ أصْلِها. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: جَعَلَ اللَّهُ قَوارِيرَ أهْلِ الجَنَّةِ مِن فِضَّةٍ، فاجْتَمَعَ لَها بَياضُ الفِضَّةِ وصَفاءُ القَوارِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: القَوارِيرُ الَّتِي في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْلِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ فَضْلَ تِلْكَ القَوارِيرِ أنَّ أصْلَها مِن فِضَّةٍ يُرى مِن خارِجِها ما في داخِلِها، وجُمْلَةُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ صِفَةً لِقَوارِيرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرُوها بِفَتْحِ القافِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ قَدَّرَها السُّقاةُ مِنَ الخَدَمِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الشّارِبُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ مَن دُونِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ بِغَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ ألَذُّ وأشْهى، وقِيلَ: قَدَّرَها المَلائِكَةُ، وقِيلَ قَدَّرَها أهْلُ الجَنَّةِ الشّارِبُونَ عَلى مِقْدارِ شَهَواتِهِمْ وحاجاتِهِمْ فَجاءَتْ كَما يُرِيدُونَ في الشَّكْلِ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ قُدِّرُوها بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدّالِّ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ جُعِلَتْ لَهم عَلى قَدْرِ إرادَتِهِمْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ القَلْبِ، قالَ: لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ لا قَدَّرُوها؛ لِأنَّهُ في مَعْنى قُدِّرُوا عَلَيْها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: التَّقْدِيرُ قُدِّرَتِ الأوانِي عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ، فَمَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مَحْذُوفٌ. قالَ أبُو حَيّانَ: والأقْرَبُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنْ يُقالَ: قُدِّرَ رَيُّهم مِنها تَقْدِيرًا، فَحُذِفَ المُضافُ فَصارَ قُدِّرُوها. وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ القِراءَةَ الأخِيرَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، وكَأنَّ الأصْلَ قَدَرُوا عَلَيْها فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎آلَيْتُ حُبَّ العِراقِ الدَّهْرُ آكُلُهُ ∗∗∗ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ أيْ آلَيْتُ عَلى حُبِّ العِراقِ. ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الكَأْسَ هو الإناءُ فِيهِ الخَمْرُ، وإذا كانَ خالِيًا عَنِ الخَمْرِ فَلا يُقالُ لَهُ كَأْسٌ، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُسْقَوْنَ في الجَنَّةِ كَأْسًا مِنَ الخَمْرِ مَمْزُوجَةٌ بِالزَّنْجَبِيلِ وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَسْتَلِذُّ مَزْجَ الشَّرابِ بِالزَّنْجَبِيلِ لِطِيبِ رائِحَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الزَّنْجَبِيلُ اسْمٌ لِلْعَيْنِ الَّتِي يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو زَنْجَبِيلٌ لا يُشْبِهُ زَنْجَبِيلَ الدُّنْيا. ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كَأْسًا ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُسْقَوْنَ عَيْنًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن عَيْنٍ، والسَّلْسَبِيلُ: الشَّرابُ اللَّذِيذُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلاسَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا شَرابٌ سَلِسٌ، وسَلْسالٌ وسَلْسَبِيلٌ: أيْ طَيِّبٌ لَذِيذٌ. قالَ الزَّجّاجُ: السَّلْسَبِيلُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِماءٍ في غايَةِ السَّلاسَةِ حَدِيدُ الجَرْيَةِ يَسُوغُ في حُلُوقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ؎يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ كَأْسًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ شَرابِهِمْ، ووَصْفِ آنِيَتِهِمْ، ووَصْفِ السُّقاةِ الَّذِينَ يَسْقُونَهم ذَلِكَ الشَّرابَ. ومَعْنى مُخَلَّدُونَ باقُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّبابِ والطَّراوَةِ والنَّضارَةِ، لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، وقِيلَ مَعْنى مُخَلَّدُونَ لا يَمُوتُونَ، وقِيلَ التَّخْلِيدُ التَّحْلِيَةُ: أيْ مُحَلَّوْنَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ إذا نَظَرْتَ إلَيْهِمْ ظَنَنْتَهم لِمَزِيدِ حُسْنِهِمْ وصَفاءِ (p-١٥٦٧)ألْوانِهِمْ ونَضارَةِ وُجُوهِهِمْ لُؤْلُؤًا مُفَرَّقًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ في بَياضِ اللَّوْنِ وحُسْنِهِ، واللُّؤْلُؤُ إذا نُثِرَ مِنَ الخَيْطِ عَلى البِساطِ كانَ أحْسَنَ مِنهُ مَنظُومًا. قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنثُورِ لِانْتِثارِهِمْ في الخِدْمَةِ، ولَوْ كانُوا صَفًّا لَشُبِّهُوا بِالمَنظُومِ، وقِيلَ إنَّما شَبَّهَهم بِالمَنثُورِ لِأنَّهم سِراعٌ في الخِدْمَةِ، بِخِلافِ الحُورِ العِينِ فَإنَّهُ شَبَّهَهُنَّ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ لِأنَّهُنَّ لا يُمْتَهَنَّ بِالخِدْمَةِ. ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ أيْ وإذا رَمَيْتَ بِبَصَرِكَ هُناكَ، يَعْنِي في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا لا يُوصَفُ، ومُلْكًا كَبِيرًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ثَمَّ " ظَرْفُ مَكانٍ، والعامِلُ فِيها ( رَأيْتَ ) . قالَ الفَرّاءُ في الكَلامِ ما مُضْمَرَةٌ: أيْ وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] أيْ ما بَيْنَكم. قالَ الزَّجّاجُ مُعْتَرِضًا عَلى الفَرّاءِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ، ولَكِنْ " رَأيْتَ " يَتَعَدّى في المَعْنى إلى ثَمَّ. والمَعْنى: إذا رَأيْتَ بِبَصَرِكَ ثَمَّ، ويَعْنِي بِثَمَّ الجَنَّةَ. قالَ السُّدِّيُّ: النَّعِيمُ ما يُتَنَعَّمُ بِهِ، والمُلْكُ الكَبِيرُ: اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ إنَّ " رَأيْتَ " لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ مَلْفُوظٌ ولا مُقَدَّرٌ ولا مَنوِيٌّ، بَلْ مَعْناهُ: أنَّ بَصَرَكَ أيْنَما وقَعَ في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا. ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ عالِيهِمْ بِسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وثِيابٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أوْ عَلى أنَّ ( عالِيهِمْ ) مُبْتَدَأٌ، و( ثِيابُ ) مُرْتَفِعٌ بِالفاعِلِيَّةِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدِ الوَصْفَ كَما هو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ثِيابُ سُنْدُسٍ، واسْمُ الفاعِلِ مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الهاءِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( ثِيابُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ فَوْقَهم ثِيابٌ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ ( عالِيَهم ) بِمَعْنى فَوْقَهم، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ أبُو حَيّانَ: عالٍ وعالِيَةٌ اسْمُ فاعِلٍ، فَيَحْتاجُ في كَوْنِهِما ظَرْفَيْنِ إلى أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: هَذا مِمّا لا نَعْرِفُهُ في الظُّرُوفِ ولَوْ كانَ ظَرْفًا لِمَ لَمْ يَجُزْ إسْكانُ الياءِ، ولَكِنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما الهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الأبْرارِ ( وِلْدانٌ ) عالِيًا الأبْرارَ ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ. والثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ: أيْ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ أبْدانِهِمْ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ في الحالِ إمّا لَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا وإمّا جَزاهم بِما صَبَرُوا. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " عَلَيْهِمْ " وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ المَعْنى ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " عَلِيَتْهم " . وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ ثِيابٍ إلى سُنْدُسٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَنْوِينِ ( ثِيابٌ ) وقَطْعِها عَنِ الإضافَةِ ورَفْعِ ( سُنْدُسٌ )، و﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ عَلى أنَّ السُّنْدُسَ نَعْتٌ لِلثِّيابِ؛ لِأنَّ السُّنْدُسَ نَوْعٌ مِنَ الثِّيابِ، وعَلى أنَّ " خُضْرٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أخْضَرُ وغَيْرُ أخْضَرٍ، وعَلى أنَّ ( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ: أيْ وثِيابُ إسْتَبْرَقٍ، والجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ اخْتَلَفُوا في ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى جَرِّ سُنْدُسٍ بِإضافَةِ ( ثِيابُ ) إلَيْهِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِجَرِّ " خُضْرٍ " نَعْتًا لِ ( سُنْدُسٍ ) ورَفْعِ ( إسْتَبْرَقُ ) عَطْفًا عَلى ( ثِيابُ ): أيْ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ وعَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ ( خُضَرٌ ) نَعْتًا لِ ( ثِيابُ )، وجَرِّ " إسْتَبْرَقٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ. واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، لِأنَّ الخُضْرَ أحْسَنُ ما كانَتْ نَعْتًا لِلثِّيابِ فَهي مَرْفُوعَةٌ، والإسْتَبْرَقُ مِن جِنْسِ السُّنْدُسِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ بِرَفْعِ ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ لِأنَّ ( خُضْرٌ ) نَعْتٌ لِلثِّيابِ، و( إسْتَبْرَقٌ ) عَطْفٌ عَلى الثِّيابِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّ " خُضْرٍ وإسْتَبْرَقٍ " عَلى أنَّ ( خُضْرٍ ) نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، و( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ. وقَرَءُوا كُلُّهم بِصَرْفِ ( إسْتَبْرَقٍ ) إلّا ابْنُ مُحَيْصِنٍ فَإنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ، قالَ: لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، ولا وجْهَ لِهَذا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ إلّا أنْ يَقُولَ إنَّهُ عَلَمٌ لِهَذا الجِنْسِ مِنَ الثِّيابِ. والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ. والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُنا أنَّهم يُحَلَّوْنَ بِأساوِرِ الفِضَّةِ وفي سُورَةِ فاطِرٍ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣] وفي سُورَةِ الحَجِّ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ لِإمْكانِ الجَمْعِ بِأنْ يَجْعَلَ لَهم سِواراتٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ولُؤْلُؤٍ، أوْ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم يَلْبَسُونَ سِواراتِ الذَّهَبِ تارَةً، وسِواراتِ الفِضَّةِ تارَةً، وسِواراتِ اللُّؤْلُؤِ تارَةً، أوْ أنَّهُ يَلْبَسُ كُلُّ أحَدٍ مِنهُ ما تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ عالِيَهم بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ) ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الشَّرابِ الَّذِي يَمُنُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ هو طَهُورٌ لَيْسَ بِنَجِسٍ كَما كانَ في الدُّنْيا مَوْصُوفًا بِالنَّجاسَةِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ طاهِرٌ لَيْسَ كَخَمْرِ الدُّنْيا. قالَ مُقاتِلٌ: هو عَيْنُ ماءٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ مَن شَرِبَ مِنها نَزَعَ اللَّهُ ما كانَ في قَلْبِهِ مَن غَشٍّ وغِلٍّ وحَسَدٍ. قالَ أبُو قِلابَةَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُؤْتُونَ بِالطَّعامِ، فَإذا كانَ آخِرُهُ أتَوْا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ، فَيَشْرَبُونَ فَتَضْمُرُ بُطُونُهم مِن ذَلِكَ ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن أبْدانِهِمْ مِثْلَ رِيحِ المِسْكِ. ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ أيْ يُقالُ لَهم: إنَّ هَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن أنْواعِ النِّعَمِ كانَ لَكم جَزاءً بِأعْمالِكم: أيْ ثَوابًا لَها ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ أيْ كانَ عَمَلُكم في الدُّنْيا بِطاعَةِ اللَّهِ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا، وشُكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعَمَلِ عَبْدِهِ هو قَبُولُهُ لِطاعَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الزَّمْهَرِيرُ هو البَرْدُ الشَّدِيدُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَها نَفَسَيْنِ: نَفَسًا في الصَّيْفِ، ونَفَسًا في الشِّتاءِ، فَشِدَّةُ ما تَجِدُونَ مِنَ البَرْدِ مِن زَمْهَرِيرِها، وشِدَّةُ ما تَجِدُونَ في (p-١٥٦٨)الصَّيْفِ مِنَ الحَرِّ مِن سَمُومِها» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ قِيامًا وقُعُودًا ومُضْطَجِعِينَ وعَلى أيِّ حالٍ شاءُوا. وفِي لَفْظٍ قالَ: ذُلِّلَتْ فَيَتَناوَلُونَ مِنها كَيْفَ شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وُصَفاؤُها كَصَفاءِ القَوارِيرِ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قُدِّرَتْ لِلْكَفِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: لَوْ أخَذْتَ فِضَّةً مِن فِضَّةِ الدُّنْيا فَضَرَبْتَها حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها، ولَكِنْ قَوارِيرَ الجَنَّةِ بَياضُ الفِضَّةِ في صَفاءِ القَوارِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ شَيْءٌ إلّا وقَدْ أعْطَيْتُمْ في الدُّنْيا شِبْهَهُ إلّا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ الفَمِ لا يُفَضِّلُونَ شَيْئًا ولا يَشْتَهُونَ بَعْدَها شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قَدَّرَتْها السُّقاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا مَن يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ خادِمٍ كُلُّ خادِمٍ عَلى عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ .