Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الإنسان 76:16 – المرسلات 77:18

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الإنسان 76:16
  2. الإنسان 76:17
  3. الإنسان 76:18
  4. الإنسان 76:19
  5. الإنسان 76:20
  6. الإنسان 76:21
  7. الإنسان 76:22
  8. الإنسان 76:23
  9. الإنسان 76:24
  10. الإنسان 76:25
  11. الإنسان 76:26
  12. الإنسان 76:27
  13. الإنسان 76:28
  14. الإنسان 76:29
  15. الإنسان 76:30
  16. الإنسان 76:31
  17. المرسلات 77:1
  18. المرسلات 77:2
  19. المرسلات 77:3
  20. المرسلات 77:4
  21. المرسلات 77:5
  22. المرسلات 77:6
  23. المرسلات 77:7
  24. المرسلات 77:8
  25. المرسلات 77:9
  26. المرسلات 77:10
  27. المرسلات 77:11
  28. المرسلات 77:12
  29. المرسلات 77:13
  30. المرسلات 77:14
  31. المرسلات 77:15
  32. المرسلات 77:16
  33. المرسلات 77:17
  34. المرسلات 77:18

الإنسان 76:16

قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، والعامِلُ فِيها ( جَزى )، ولا يَعْمَلُ فِيها صَبَرُوا؛ لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما كانَ في الدُّنْيا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ ( جَنَّةٍ ) . قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ( مُتَّكِئِينَ ) تابِعًا، كَأنَّهُ قالَ: جَزاهم جَنَّةً مُتَّكِئِينَ فِيها. وقالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والضَّمِيرُ مِن فِيها يَعُودُ إلى الجَنَّةِ. والأرائِكُ: السُّرُرُ في الحِجالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَرادِفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَّكِئِينَ، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَداخِلَةِ، أوْ صِفَةً أُخْرى لِلْجَنَّةِ. والزَّمْهَرِيرُ: أشَدُّ البَرْدِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَرَوْنَ في الجَنَّةِ حَرَّ الشَّمْسِ ولا بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎مُنَعَّمَةٌ طِفْلَةٌ كالمَها لَمْ تَرَ شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرا (p-١٥٦٦)وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَّمْهَرِيرُ: القَمَرُ بِلُغَةِ طَيِّءٍ، وأنْشَدَ لِشاعِرِهِمْ: ؎ولَيْلَةً ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ ويُرْوى ما ظَهَرَ: أيْ لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( دانِيَةً ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ لا يَرَوْنَ، أوْ عَلى مُتَّكِئِينَ، أوْ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ: أيْ وجَنَّةٍ دانِيَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: هو صِفَةٌ لِجَنَّةٍ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " ودانِيَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وظِلالُها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّ ظِلالَ الأشْجارِ قَرِيبَةٌ مِنهم مُظِلَّةٌ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ وإنْ كانَ لا شَمْسَ هُنالِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي شَجَرُها قَرِيبٌ مِنهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ودانِيًا عَلَيْهِمْ " ﴿ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( دانِيَةً ) كَأنَّهُ قالَ: ومُذَلَّلَةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والقُطُوفُ الثِّمارُ، والمَعْنى: أنَّها سُخِّرَتْ ثِمارُها لِمُتَناوِلِيها تَسْخِيرًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَتَناوَلُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ لا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ. قالَ النَّحّاسُ: المُذَلَّلُ: القَرِيبُ المُتَناوَلِ، . ومِنهُ قَوْلُهم حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ قَصِيرٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذُلِّلَتْ: أُدْنِيَتْ، مِن قَوْلِهِمْ حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ كانَ قَصِيرَ السُّمْكِ. وقِيلَ ذُلِّلَتْ: أيْ جُعِلَتْ مُنْقادَةً لا تَمْتَنِعُ عَلى قِطافِها كَيْفَ شاءُوا. ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ أيْ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الخَدَمُ إذا أرادُوا الشَّرابَ بِآنِيَةِ الفِضَّةِ، والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ، وهو الكُوزُ العَظِيمُ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ ولا عُرْوَةَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيٍّ: ؎مُتَّكِئٌ تُقْرَعُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ﴿كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ في وصْفِ القَوارِيرِ في الصَّفاءِ وفي بَياضِ الفِضَّةِ، فَصَفاؤُها صَفاءُ الزُّجاجِ، ولَوْنُها لَوْنُ الفِضَّةِ. قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ قَوارِيرًا قَوارِيرًا بِالتَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَصْلِ، وبِالوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ( سَلاسِلَ ) مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وبَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ صَرْفِ ما فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما وعَدَمِ الوَقْفِ بِالألِفِ، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ لِأنَّهُما مُمْتَنِعانِ لِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ. وقَرَأ هِشامٌ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَنْوِينِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، وابْنُ ذَكْوانَ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما، والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِ ( أكْوابٍ ) . قالَ أبُو البَقاءِ: وحُسْنُ التَّكْرِيرِ لِما اتَّصَلَ بِهِ مِن بَيانِ أصْلِها. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: جَعَلَ اللَّهُ قَوارِيرَ أهْلِ الجَنَّةِ مِن فِضَّةٍ، فاجْتَمَعَ لَها بَياضُ الفِضَّةِ وصَفاءُ القَوارِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: القَوارِيرُ الَّتِي في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْلِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ فَضْلَ تِلْكَ القَوارِيرِ أنَّ أصْلَها مِن فِضَّةٍ يُرى مِن خارِجِها ما في داخِلِها، وجُمْلَةُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ صِفَةً لِقَوارِيرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرُوها بِفَتْحِ القافِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ قَدَّرَها السُّقاةُ مِنَ الخَدَمِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الشّارِبُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ مَن دُونِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ بِغَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ ألَذُّ وأشْهى، وقِيلَ: قَدَّرَها المَلائِكَةُ، وقِيلَ قَدَّرَها أهْلُ الجَنَّةِ الشّارِبُونَ عَلى مِقْدارِ شَهَواتِهِمْ وحاجاتِهِمْ فَجاءَتْ كَما يُرِيدُونَ في الشَّكْلِ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ قُدِّرُوها بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدّالِّ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ جُعِلَتْ لَهم عَلى قَدْرِ إرادَتِهِمْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ القَلْبِ، قالَ: لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ لا قَدَّرُوها؛ لِأنَّهُ في مَعْنى قُدِّرُوا عَلَيْها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: التَّقْدِيرُ قُدِّرَتِ الأوانِي عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ، فَمَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مَحْذُوفٌ. قالَ أبُو حَيّانَ: والأقْرَبُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنْ يُقالَ: قُدِّرَ رَيُّهم مِنها تَقْدِيرًا، فَحُذِفَ المُضافُ فَصارَ قُدِّرُوها. وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ القِراءَةَ الأخِيرَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، وكَأنَّ الأصْلَ قَدَرُوا عَلَيْها فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎آلَيْتُ حُبَّ العِراقِ الدَّهْرُ آكُلُهُ ∗∗∗ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ أيْ آلَيْتُ عَلى حُبِّ العِراقِ. ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الكَأْسَ هو الإناءُ فِيهِ الخَمْرُ، وإذا كانَ خالِيًا عَنِ الخَمْرِ فَلا يُقالُ لَهُ كَأْسٌ، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُسْقَوْنَ في الجَنَّةِ كَأْسًا مِنَ الخَمْرِ مَمْزُوجَةٌ بِالزَّنْجَبِيلِ وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَسْتَلِذُّ مَزْجَ الشَّرابِ بِالزَّنْجَبِيلِ لِطِيبِ رائِحَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الزَّنْجَبِيلُ اسْمٌ لِلْعَيْنِ الَّتِي يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو زَنْجَبِيلٌ لا يُشْبِهُ زَنْجَبِيلَ الدُّنْيا. ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كَأْسًا ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُسْقَوْنَ عَيْنًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن عَيْنٍ، والسَّلْسَبِيلُ: الشَّرابُ اللَّذِيذُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلاسَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا شَرابٌ سَلِسٌ، وسَلْسالٌ وسَلْسَبِيلٌ: أيْ طَيِّبٌ لَذِيذٌ. قالَ الزَّجّاجُ: السَّلْسَبِيلُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِماءٍ في غايَةِ السَّلاسَةِ حَدِيدُ الجَرْيَةِ يَسُوغُ في حُلُوقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ؎يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ كَأْسًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ شَرابِهِمْ، ووَصْفِ آنِيَتِهِمْ، ووَصْفِ السُّقاةِ الَّذِينَ يَسْقُونَهم ذَلِكَ الشَّرابَ. ومَعْنى مُخَلَّدُونَ باقُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّبابِ والطَّراوَةِ والنَّضارَةِ، لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، وقِيلَ مَعْنى مُخَلَّدُونَ لا يَمُوتُونَ، وقِيلَ التَّخْلِيدُ التَّحْلِيَةُ: أيْ مُحَلَّوْنَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ إذا نَظَرْتَ إلَيْهِمْ ظَنَنْتَهم لِمَزِيدِ حُسْنِهِمْ وصَفاءِ (p-١٥٦٧)ألْوانِهِمْ ونَضارَةِ وُجُوهِهِمْ لُؤْلُؤًا مُفَرَّقًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ في بَياضِ اللَّوْنِ وحُسْنِهِ، واللُّؤْلُؤُ إذا نُثِرَ مِنَ الخَيْطِ عَلى البِساطِ كانَ أحْسَنَ مِنهُ مَنظُومًا. قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنثُورِ لِانْتِثارِهِمْ في الخِدْمَةِ، ولَوْ كانُوا صَفًّا لَشُبِّهُوا بِالمَنظُومِ، وقِيلَ إنَّما شَبَّهَهم بِالمَنثُورِ لِأنَّهم سِراعٌ في الخِدْمَةِ، بِخِلافِ الحُورِ العِينِ فَإنَّهُ شَبَّهَهُنَّ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ لِأنَّهُنَّ لا يُمْتَهَنَّ بِالخِدْمَةِ. ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ أيْ وإذا رَمَيْتَ بِبَصَرِكَ هُناكَ، يَعْنِي في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا لا يُوصَفُ، ومُلْكًا كَبِيرًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ثَمَّ " ظَرْفُ مَكانٍ، والعامِلُ فِيها ( رَأيْتَ ) . قالَ الفَرّاءُ في الكَلامِ ما مُضْمَرَةٌ: أيْ وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] أيْ ما بَيْنَكم. قالَ الزَّجّاجُ مُعْتَرِضًا عَلى الفَرّاءِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ، ولَكِنْ " رَأيْتَ " يَتَعَدّى في المَعْنى إلى ثَمَّ. والمَعْنى: إذا رَأيْتَ بِبَصَرِكَ ثَمَّ، ويَعْنِي بِثَمَّ الجَنَّةَ. قالَ السُّدِّيُّ: النَّعِيمُ ما يُتَنَعَّمُ بِهِ، والمُلْكُ الكَبِيرُ: اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ إنَّ " رَأيْتَ " لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ مَلْفُوظٌ ولا مُقَدَّرٌ ولا مَنوِيٌّ، بَلْ مَعْناهُ: أنَّ بَصَرَكَ أيْنَما وقَعَ في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا. ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ عالِيهِمْ بِسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وثِيابٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أوْ عَلى أنَّ ( عالِيهِمْ ) مُبْتَدَأٌ، و( ثِيابُ ) مُرْتَفِعٌ بِالفاعِلِيَّةِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدِ الوَصْفَ كَما هو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ثِيابُ سُنْدُسٍ، واسْمُ الفاعِلِ مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الهاءِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( ثِيابُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ فَوْقَهم ثِيابٌ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ ( عالِيَهم ) بِمَعْنى فَوْقَهم، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ أبُو حَيّانَ: عالٍ وعالِيَةٌ اسْمُ فاعِلٍ، فَيَحْتاجُ في كَوْنِهِما ظَرْفَيْنِ إلى أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: هَذا مِمّا لا نَعْرِفُهُ في الظُّرُوفِ ولَوْ كانَ ظَرْفًا لِمَ لَمْ يَجُزْ إسْكانُ الياءِ، ولَكِنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما الهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الأبْرارِ ( وِلْدانٌ ) عالِيًا الأبْرارَ ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ. والثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ: أيْ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ أبْدانِهِمْ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ في الحالِ إمّا لَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا وإمّا جَزاهم بِما صَبَرُوا. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " عَلَيْهِمْ " وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ المَعْنى ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " عَلِيَتْهم " . وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ ثِيابٍ إلى سُنْدُسٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَنْوِينِ ( ثِيابٌ ) وقَطْعِها عَنِ الإضافَةِ ورَفْعِ ( سُنْدُسٌ )، و﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ عَلى أنَّ السُّنْدُسَ نَعْتٌ لِلثِّيابِ؛ لِأنَّ السُّنْدُسَ نَوْعٌ مِنَ الثِّيابِ، وعَلى أنَّ " خُضْرٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أخْضَرُ وغَيْرُ أخْضَرٍ، وعَلى أنَّ ( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ: أيْ وثِيابُ إسْتَبْرَقٍ، والجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ اخْتَلَفُوا في ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى جَرِّ سُنْدُسٍ بِإضافَةِ ( ثِيابُ ) إلَيْهِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِجَرِّ " خُضْرٍ " نَعْتًا لِ ( سُنْدُسٍ ) ورَفْعِ ( إسْتَبْرَقُ ) عَطْفًا عَلى ( ثِيابُ ): أيْ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ وعَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ ( خُضَرٌ ) نَعْتًا لِ ( ثِيابُ )، وجَرِّ " إسْتَبْرَقٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ. واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، لِأنَّ الخُضْرَ أحْسَنُ ما كانَتْ نَعْتًا لِلثِّيابِ فَهي مَرْفُوعَةٌ، والإسْتَبْرَقُ مِن جِنْسِ السُّنْدُسِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ بِرَفْعِ ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ لِأنَّ ( خُضْرٌ ) نَعْتٌ لِلثِّيابِ، و( إسْتَبْرَقٌ ) عَطْفٌ عَلى الثِّيابِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّ " خُضْرٍ وإسْتَبْرَقٍ " عَلى أنَّ ( خُضْرٍ ) نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، و( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ. وقَرَءُوا كُلُّهم بِصَرْفِ ( إسْتَبْرَقٍ ) إلّا ابْنُ مُحَيْصِنٍ فَإنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ، قالَ: لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، ولا وجْهَ لِهَذا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ إلّا أنْ يَقُولَ إنَّهُ عَلَمٌ لِهَذا الجِنْسِ مِنَ الثِّيابِ. والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ. والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُنا أنَّهم يُحَلَّوْنَ بِأساوِرِ الفِضَّةِ وفي سُورَةِ فاطِرٍ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣] وفي سُورَةِ الحَجِّ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ لِإمْكانِ الجَمْعِ بِأنْ يَجْعَلَ لَهم سِواراتٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ولُؤْلُؤٍ، أوْ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم يَلْبَسُونَ سِواراتِ الذَّهَبِ تارَةً، وسِواراتِ الفِضَّةِ تارَةً، وسِواراتِ اللُّؤْلُؤِ تارَةً، أوْ أنَّهُ يَلْبَسُ كُلُّ أحَدٍ مِنهُ ما تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ عالِيَهم بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ) ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الشَّرابِ الَّذِي يَمُنُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ هو طَهُورٌ لَيْسَ بِنَجِسٍ كَما كانَ في الدُّنْيا مَوْصُوفًا بِالنَّجاسَةِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ طاهِرٌ لَيْسَ كَخَمْرِ الدُّنْيا. قالَ مُقاتِلٌ: هو عَيْنُ ماءٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ مَن شَرِبَ مِنها نَزَعَ اللَّهُ ما كانَ في قَلْبِهِ مَن غَشٍّ وغِلٍّ وحَسَدٍ. قالَ أبُو قِلابَةَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُؤْتُونَ بِالطَّعامِ، فَإذا كانَ آخِرُهُ أتَوْا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ، فَيَشْرَبُونَ فَتَضْمُرُ بُطُونُهم مِن ذَلِكَ ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن أبْدانِهِمْ مِثْلَ رِيحِ المِسْكِ. ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ أيْ يُقالُ لَهم: إنَّ هَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن أنْواعِ النِّعَمِ كانَ لَكم جَزاءً بِأعْمالِكم: أيْ ثَوابًا لَها ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ أيْ كانَ عَمَلُكم في الدُّنْيا بِطاعَةِ اللَّهِ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا، وشُكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعَمَلِ عَبْدِهِ هو قَبُولُهُ لِطاعَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الزَّمْهَرِيرُ هو البَرْدُ الشَّدِيدُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَها نَفَسَيْنِ: نَفَسًا في الصَّيْفِ، ونَفَسًا في الشِّتاءِ، فَشِدَّةُ ما تَجِدُونَ مِنَ البَرْدِ مِن زَمْهَرِيرِها، وشِدَّةُ ما تَجِدُونَ في (p-١٥٦٨)الصَّيْفِ مِنَ الحَرِّ مِن سَمُومِها» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ قِيامًا وقُعُودًا ومُضْطَجِعِينَ وعَلى أيِّ حالٍ شاءُوا. وفِي لَفْظٍ قالَ: ذُلِّلَتْ فَيَتَناوَلُونَ مِنها كَيْفَ شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وُصَفاؤُها كَصَفاءِ القَوارِيرِ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قُدِّرَتْ لِلْكَفِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: لَوْ أخَذْتَ فِضَّةً مِن فِضَّةِ الدُّنْيا فَضَرَبْتَها حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها، ولَكِنْ قَوارِيرَ الجَنَّةِ بَياضُ الفِضَّةِ في صَفاءِ القَوارِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ شَيْءٌ إلّا وقَدْ أعْطَيْتُمْ في الدُّنْيا شِبْهَهُ إلّا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ الفَمِ لا يُفَضِّلُونَ شَيْئًا ولا يَشْتَهُونَ بَعْدَها شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قَدَّرَتْها السُّقاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا مَن يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ خادِمٍ كُلُّ خادِمٍ عَلى عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ .

الإنسان 76:17

قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، والعامِلُ فِيها ( جَزى )، ولا يَعْمَلُ فِيها صَبَرُوا؛ لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما كانَ في الدُّنْيا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ ( جَنَّةٍ ) . قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ( مُتَّكِئِينَ ) تابِعًا، كَأنَّهُ قالَ: جَزاهم جَنَّةً مُتَّكِئِينَ فِيها. وقالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والضَّمِيرُ مِن فِيها يَعُودُ إلى الجَنَّةِ. والأرائِكُ: السُّرُرُ في الحِجالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَرادِفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَّكِئِينَ، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَداخِلَةِ، أوْ صِفَةً أُخْرى لِلْجَنَّةِ. والزَّمْهَرِيرُ: أشَدُّ البَرْدِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَرَوْنَ في الجَنَّةِ حَرَّ الشَّمْسِ ولا بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎مُنَعَّمَةٌ طِفْلَةٌ كالمَها لَمْ تَرَ شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرا (p-١٥٦٦)وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَّمْهَرِيرُ: القَمَرُ بِلُغَةِ طَيِّءٍ، وأنْشَدَ لِشاعِرِهِمْ: ؎ولَيْلَةً ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ ويُرْوى ما ظَهَرَ: أيْ لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( دانِيَةً ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ لا يَرَوْنَ، أوْ عَلى مُتَّكِئِينَ، أوْ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ: أيْ وجَنَّةٍ دانِيَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: هو صِفَةٌ لِجَنَّةٍ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " ودانِيَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وظِلالُها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّ ظِلالَ الأشْجارِ قَرِيبَةٌ مِنهم مُظِلَّةٌ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ وإنْ كانَ لا شَمْسَ هُنالِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي شَجَرُها قَرِيبٌ مِنهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ودانِيًا عَلَيْهِمْ " ﴿ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( دانِيَةً ) كَأنَّهُ قالَ: ومُذَلَّلَةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والقُطُوفُ الثِّمارُ، والمَعْنى: أنَّها سُخِّرَتْ ثِمارُها لِمُتَناوِلِيها تَسْخِيرًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَتَناوَلُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ لا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ. قالَ النَّحّاسُ: المُذَلَّلُ: القَرِيبُ المُتَناوَلِ، . ومِنهُ قَوْلُهم حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ قَصِيرٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذُلِّلَتْ: أُدْنِيَتْ، مِن قَوْلِهِمْ حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ كانَ قَصِيرَ السُّمْكِ. وقِيلَ ذُلِّلَتْ: أيْ جُعِلَتْ مُنْقادَةً لا تَمْتَنِعُ عَلى قِطافِها كَيْفَ شاءُوا. ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ أيْ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الخَدَمُ إذا أرادُوا الشَّرابَ بِآنِيَةِ الفِضَّةِ، والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ، وهو الكُوزُ العَظِيمُ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ ولا عُرْوَةَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيٍّ: ؎مُتَّكِئٌ تُقْرَعُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ﴿كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ في وصْفِ القَوارِيرِ في الصَّفاءِ وفي بَياضِ الفِضَّةِ، فَصَفاؤُها صَفاءُ الزُّجاجِ، ولَوْنُها لَوْنُ الفِضَّةِ. قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ قَوارِيرًا قَوارِيرًا بِالتَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَصْلِ، وبِالوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ( سَلاسِلَ ) مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وبَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ صَرْفِ ما فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما وعَدَمِ الوَقْفِ بِالألِفِ، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ لِأنَّهُما مُمْتَنِعانِ لِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ. وقَرَأ هِشامٌ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَنْوِينِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، وابْنُ ذَكْوانَ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما، والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِ ( أكْوابٍ ) . قالَ أبُو البَقاءِ: وحُسْنُ التَّكْرِيرِ لِما اتَّصَلَ بِهِ مِن بَيانِ أصْلِها. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: جَعَلَ اللَّهُ قَوارِيرَ أهْلِ الجَنَّةِ مِن فِضَّةٍ، فاجْتَمَعَ لَها بَياضُ الفِضَّةِ وصَفاءُ القَوارِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: القَوارِيرُ الَّتِي في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْلِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ فَضْلَ تِلْكَ القَوارِيرِ أنَّ أصْلَها مِن فِضَّةٍ يُرى مِن خارِجِها ما في داخِلِها، وجُمْلَةُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ صِفَةً لِقَوارِيرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرُوها بِفَتْحِ القافِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ قَدَّرَها السُّقاةُ مِنَ الخَدَمِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الشّارِبُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ مَن دُونِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ بِغَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ ألَذُّ وأشْهى، وقِيلَ: قَدَّرَها المَلائِكَةُ، وقِيلَ قَدَّرَها أهْلُ الجَنَّةِ الشّارِبُونَ عَلى مِقْدارِ شَهَواتِهِمْ وحاجاتِهِمْ فَجاءَتْ كَما يُرِيدُونَ في الشَّكْلِ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ قُدِّرُوها بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدّالِّ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ جُعِلَتْ لَهم عَلى قَدْرِ إرادَتِهِمْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ القَلْبِ، قالَ: لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ لا قَدَّرُوها؛ لِأنَّهُ في مَعْنى قُدِّرُوا عَلَيْها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: التَّقْدِيرُ قُدِّرَتِ الأوانِي عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ، فَمَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مَحْذُوفٌ. قالَ أبُو حَيّانَ: والأقْرَبُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنْ يُقالَ: قُدِّرَ رَيُّهم مِنها تَقْدِيرًا، فَحُذِفَ المُضافُ فَصارَ قُدِّرُوها. وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ القِراءَةَ الأخِيرَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، وكَأنَّ الأصْلَ قَدَرُوا عَلَيْها فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎آلَيْتُ حُبَّ العِراقِ الدَّهْرُ آكُلُهُ ∗∗∗ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ أيْ آلَيْتُ عَلى حُبِّ العِراقِ. ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الكَأْسَ هو الإناءُ فِيهِ الخَمْرُ، وإذا كانَ خالِيًا عَنِ الخَمْرِ فَلا يُقالُ لَهُ كَأْسٌ، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُسْقَوْنَ في الجَنَّةِ كَأْسًا مِنَ الخَمْرِ مَمْزُوجَةٌ بِالزَّنْجَبِيلِ وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَسْتَلِذُّ مَزْجَ الشَّرابِ بِالزَّنْجَبِيلِ لِطِيبِ رائِحَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الزَّنْجَبِيلُ اسْمٌ لِلْعَيْنِ الَّتِي يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو زَنْجَبِيلٌ لا يُشْبِهُ زَنْجَبِيلَ الدُّنْيا. ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كَأْسًا ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُسْقَوْنَ عَيْنًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن عَيْنٍ، والسَّلْسَبِيلُ: الشَّرابُ اللَّذِيذُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلاسَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا شَرابٌ سَلِسٌ، وسَلْسالٌ وسَلْسَبِيلٌ: أيْ طَيِّبٌ لَذِيذٌ. قالَ الزَّجّاجُ: السَّلْسَبِيلُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِماءٍ في غايَةِ السَّلاسَةِ حَدِيدُ الجَرْيَةِ يَسُوغُ في حُلُوقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ؎يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ كَأْسًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ شَرابِهِمْ، ووَصْفِ آنِيَتِهِمْ، ووَصْفِ السُّقاةِ الَّذِينَ يَسْقُونَهم ذَلِكَ الشَّرابَ. ومَعْنى مُخَلَّدُونَ باقُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّبابِ والطَّراوَةِ والنَّضارَةِ، لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، وقِيلَ مَعْنى مُخَلَّدُونَ لا يَمُوتُونَ، وقِيلَ التَّخْلِيدُ التَّحْلِيَةُ: أيْ مُحَلَّوْنَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ إذا نَظَرْتَ إلَيْهِمْ ظَنَنْتَهم لِمَزِيدِ حُسْنِهِمْ وصَفاءِ (p-١٥٦٧)ألْوانِهِمْ ونَضارَةِ وُجُوهِهِمْ لُؤْلُؤًا مُفَرَّقًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ في بَياضِ اللَّوْنِ وحُسْنِهِ، واللُّؤْلُؤُ إذا نُثِرَ مِنَ الخَيْطِ عَلى البِساطِ كانَ أحْسَنَ مِنهُ مَنظُومًا. قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنثُورِ لِانْتِثارِهِمْ في الخِدْمَةِ، ولَوْ كانُوا صَفًّا لَشُبِّهُوا بِالمَنظُومِ، وقِيلَ إنَّما شَبَّهَهم بِالمَنثُورِ لِأنَّهم سِراعٌ في الخِدْمَةِ، بِخِلافِ الحُورِ العِينِ فَإنَّهُ شَبَّهَهُنَّ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ لِأنَّهُنَّ لا يُمْتَهَنَّ بِالخِدْمَةِ. ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ أيْ وإذا رَمَيْتَ بِبَصَرِكَ هُناكَ، يَعْنِي في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا لا يُوصَفُ، ومُلْكًا كَبِيرًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ثَمَّ " ظَرْفُ مَكانٍ، والعامِلُ فِيها ( رَأيْتَ ) . قالَ الفَرّاءُ في الكَلامِ ما مُضْمَرَةٌ: أيْ وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] أيْ ما بَيْنَكم. قالَ الزَّجّاجُ مُعْتَرِضًا عَلى الفَرّاءِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ، ولَكِنْ " رَأيْتَ " يَتَعَدّى في المَعْنى إلى ثَمَّ. والمَعْنى: إذا رَأيْتَ بِبَصَرِكَ ثَمَّ، ويَعْنِي بِثَمَّ الجَنَّةَ. قالَ السُّدِّيُّ: النَّعِيمُ ما يُتَنَعَّمُ بِهِ، والمُلْكُ الكَبِيرُ: اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ إنَّ " رَأيْتَ " لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ مَلْفُوظٌ ولا مُقَدَّرٌ ولا مَنوِيٌّ، بَلْ مَعْناهُ: أنَّ بَصَرَكَ أيْنَما وقَعَ في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا. ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ عالِيهِمْ بِسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وثِيابٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أوْ عَلى أنَّ ( عالِيهِمْ ) مُبْتَدَأٌ، و( ثِيابُ ) مُرْتَفِعٌ بِالفاعِلِيَّةِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدِ الوَصْفَ كَما هو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ثِيابُ سُنْدُسٍ، واسْمُ الفاعِلِ مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الهاءِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( ثِيابُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ فَوْقَهم ثِيابٌ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ ( عالِيَهم ) بِمَعْنى فَوْقَهم، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ أبُو حَيّانَ: عالٍ وعالِيَةٌ اسْمُ فاعِلٍ، فَيَحْتاجُ في كَوْنِهِما ظَرْفَيْنِ إلى أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: هَذا مِمّا لا نَعْرِفُهُ في الظُّرُوفِ ولَوْ كانَ ظَرْفًا لِمَ لَمْ يَجُزْ إسْكانُ الياءِ، ولَكِنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما الهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الأبْرارِ ( وِلْدانٌ ) عالِيًا الأبْرارَ ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ. والثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ: أيْ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ أبْدانِهِمْ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ في الحالِ إمّا لَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا وإمّا جَزاهم بِما صَبَرُوا. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " عَلَيْهِمْ " وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ المَعْنى ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " عَلِيَتْهم " . وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ ثِيابٍ إلى سُنْدُسٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَنْوِينِ ( ثِيابٌ ) وقَطْعِها عَنِ الإضافَةِ ورَفْعِ ( سُنْدُسٌ )، و﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ عَلى أنَّ السُّنْدُسَ نَعْتٌ لِلثِّيابِ؛ لِأنَّ السُّنْدُسَ نَوْعٌ مِنَ الثِّيابِ، وعَلى أنَّ " خُضْرٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أخْضَرُ وغَيْرُ أخْضَرٍ، وعَلى أنَّ ( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ: أيْ وثِيابُ إسْتَبْرَقٍ، والجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ اخْتَلَفُوا في ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى جَرِّ سُنْدُسٍ بِإضافَةِ ( ثِيابُ ) إلَيْهِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِجَرِّ " خُضْرٍ " نَعْتًا لِ ( سُنْدُسٍ ) ورَفْعِ ( إسْتَبْرَقُ ) عَطْفًا عَلى ( ثِيابُ ): أيْ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ وعَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ ( خُضَرٌ ) نَعْتًا لِ ( ثِيابُ )، وجَرِّ " إسْتَبْرَقٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ. واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، لِأنَّ الخُضْرَ أحْسَنُ ما كانَتْ نَعْتًا لِلثِّيابِ فَهي مَرْفُوعَةٌ، والإسْتَبْرَقُ مِن جِنْسِ السُّنْدُسِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ بِرَفْعِ ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ لِأنَّ ( خُضْرٌ ) نَعْتٌ لِلثِّيابِ، و( إسْتَبْرَقٌ ) عَطْفٌ عَلى الثِّيابِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّ " خُضْرٍ وإسْتَبْرَقٍ " عَلى أنَّ ( خُضْرٍ ) نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، و( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ. وقَرَءُوا كُلُّهم بِصَرْفِ ( إسْتَبْرَقٍ ) إلّا ابْنُ مُحَيْصِنٍ فَإنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ، قالَ: لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، ولا وجْهَ لِهَذا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ إلّا أنْ يَقُولَ إنَّهُ عَلَمٌ لِهَذا الجِنْسِ مِنَ الثِّيابِ. والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ. والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُنا أنَّهم يُحَلَّوْنَ بِأساوِرِ الفِضَّةِ وفي سُورَةِ فاطِرٍ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣] وفي سُورَةِ الحَجِّ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ لِإمْكانِ الجَمْعِ بِأنْ يَجْعَلَ لَهم سِواراتٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ولُؤْلُؤٍ، أوْ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم يَلْبَسُونَ سِواراتِ الذَّهَبِ تارَةً، وسِواراتِ الفِضَّةِ تارَةً، وسِواراتِ اللُّؤْلُؤِ تارَةً، أوْ أنَّهُ يَلْبَسُ كُلُّ أحَدٍ مِنهُ ما تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ عالِيَهم بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ) ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الشَّرابِ الَّذِي يَمُنُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ هو طَهُورٌ لَيْسَ بِنَجِسٍ كَما كانَ في الدُّنْيا مَوْصُوفًا بِالنَّجاسَةِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ طاهِرٌ لَيْسَ كَخَمْرِ الدُّنْيا. قالَ مُقاتِلٌ: هو عَيْنُ ماءٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ مَن شَرِبَ مِنها نَزَعَ اللَّهُ ما كانَ في قَلْبِهِ مَن غَشٍّ وغِلٍّ وحَسَدٍ. قالَ أبُو قِلابَةَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُؤْتُونَ بِالطَّعامِ، فَإذا كانَ آخِرُهُ أتَوْا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ، فَيَشْرَبُونَ فَتَضْمُرُ بُطُونُهم مِن ذَلِكَ ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن أبْدانِهِمْ مِثْلَ رِيحِ المِسْكِ. ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ أيْ يُقالُ لَهم: إنَّ هَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن أنْواعِ النِّعَمِ كانَ لَكم جَزاءً بِأعْمالِكم: أيْ ثَوابًا لَها ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ أيْ كانَ عَمَلُكم في الدُّنْيا بِطاعَةِ اللَّهِ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا، وشُكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعَمَلِ عَبْدِهِ هو قَبُولُهُ لِطاعَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الزَّمْهَرِيرُ هو البَرْدُ الشَّدِيدُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَها نَفَسَيْنِ: نَفَسًا في الصَّيْفِ، ونَفَسًا في الشِّتاءِ، فَشِدَّةُ ما تَجِدُونَ مِنَ البَرْدِ مِن زَمْهَرِيرِها، وشِدَّةُ ما تَجِدُونَ في (p-١٥٦٨)الصَّيْفِ مِنَ الحَرِّ مِن سَمُومِها» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ قِيامًا وقُعُودًا ومُضْطَجِعِينَ وعَلى أيِّ حالٍ شاءُوا. وفِي لَفْظٍ قالَ: ذُلِّلَتْ فَيَتَناوَلُونَ مِنها كَيْفَ شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وُصَفاؤُها كَصَفاءِ القَوارِيرِ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قُدِّرَتْ لِلْكَفِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: لَوْ أخَذْتَ فِضَّةً مِن فِضَّةِ الدُّنْيا فَضَرَبْتَها حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها، ولَكِنْ قَوارِيرَ الجَنَّةِ بَياضُ الفِضَّةِ في صَفاءِ القَوارِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ شَيْءٌ إلّا وقَدْ أعْطَيْتُمْ في الدُّنْيا شِبْهَهُ إلّا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ الفَمِ لا يُفَضِّلُونَ شَيْئًا ولا يَشْتَهُونَ بَعْدَها شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قَدَّرَتْها السُّقاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا مَن يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ خادِمٍ كُلُّ خادِمٍ عَلى عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ .

الإنسان 76:18

قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، والعامِلُ فِيها ( جَزى )، ولا يَعْمَلُ فِيها صَبَرُوا؛ لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما كانَ في الدُّنْيا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ ( جَنَّةٍ ) . قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ( مُتَّكِئِينَ ) تابِعًا، كَأنَّهُ قالَ: جَزاهم جَنَّةً مُتَّكِئِينَ فِيها. وقالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والضَّمِيرُ مِن فِيها يَعُودُ إلى الجَنَّةِ. والأرائِكُ: السُّرُرُ في الحِجالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَرادِفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَّكِئِينَ، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَداخِلَةِ، أوْ صِفَةً أُخْرى لِلْجَنَّةِ. والزَّمْهَرِيرُ: أشَدُّ البَرْدِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَرَوْنَ في الجَنَّةِ حَرَّ الشَّمْسِ ولا بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎مُنَعَّمَةٌ طِفْلَةٌ كالمَها لَمْ تَرَ شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرا (p-١٥٦٦)وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَّمْهَرِيرُ: القَمَرُ بِلُغَةِ طَيِّءٍ، وأنْشَدَ لِشاعِرِهِمْ: ؎ولَيْلَةً ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ ويُرْوى ما ظَهَرَ: أيْ لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( دانِيَةً ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ لا يَرَوْنَ، أوْ عَلى مُتَّكِئِينَ، أوْ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ: أيْ وجَنَّةٍ دانِيَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: هو صِفَةٌ لِجَنَّةٍ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " ودانِيَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وظِلالُها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّ ظِلالَ الأشْجارِ قَرِيبَةٌ مِنهم مُظِلَّةٌ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ وإنْ كانَ لا شَمْسَ هُنالِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي شَجَرُها قَرِيبٌ مِنهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ودانِيًا عَلَيْهِمْ " ﴿ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( دانِيَةً ) كَأنَّهُ قالَ: ومُذَلَّلَةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والقُطُوفُ الثِّمارُ، والمَعْنى: أنَّها سُخِّرَتْ ثِمارُها لِمُتَناوِلِيها تَسْخِيرًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَتَناوَلُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ لا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ. قالَ النَّحّاسُ: المُذَلَّلُ: القَرِيبُ المُتَناوَلِ، . ومِنهُ قَوْلُهم حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ قَصِيرٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذُلِّلَتْ: أُدْنِيَتْ، مِن قَوْلِهِمْ حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ كانَ قَصِيرَ السُّمْكِ. وقِيلَ ذُلِّلَتْ: أيْ جُعِلَتْ مُنْقادَةً لا تَمْتَنِعُ عَلى قِطافِها كَيْفَ شاءُوا. ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ أيْ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الخَدَمُ إذا أرادُوا الشَّرابَ بِآنِيَةِ الفِضَّةِ، والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ، وهو الكُوزُ العَظِيمُ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ ولا عُرْوَةَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيٍّ: ؎مُتَّكِئٌ تُقْرَعُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ﴿كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ في وصْفِ القَوارِيرِ في الصَّفاءِ وفي بَياضِ الفِضَّةِ، فَصَفاؤُها صَفاءُ الزُّجاجِ، ولَوْنُها لَوْنُ الفِضَّةِ. قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ قَوارِيرًا قَوارِيرًا بِالتَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَصْلِ، وبِالوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ( سَلاسِلَ ) مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وبَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ صَرْفِ ما فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما وعَدَمِ الوَقْفِ بِالألِفِ، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ لِأنَّهُما مُمْتَنِعانِ لِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ. وقَرَأ هِشامٌ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَنْوِينِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، وابْنُ ذَكْوانَ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما، والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِ ( أكْوابٍ ) . قالَ أبُو البَقاءِ: وحُسْنُ التَّكْرِيرِ لِما اتَّصَلَ بِهِ مِن بَيانِ أصْلِها. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: جَعَلَ اللَّهُ قَوارِيرَ أهْلِ الجَنَّةِ مِن فِضَّةٍ، فاجْتَمَعَ لَها بَياضُ الفِضَّةِ وصَفاءُ القَوارِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: القَوارِيرُ الَّتِي في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْلِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ فَضْلَ تِلْكَ القَوارِيرِ أنَّ أصْلَها مِن فِضَّةٍ يُرى مِن خارِجِها ما في داخِلِها، وجُمْلَةُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ صِفَةً لِقَوارِيرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرُوها بِفَتْحِ القافِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ قَدَّرَها السُّقاةُ مِنَ الخَدَمِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الشّارِبُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ مَن دُونِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ بِغَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ ألَذُّ وأشْهى، وقِيلَ: قَدَّرَها المَلائِكَةُ، وقِيلَ قَدَّرَها أهْلُ الجَنَّةِ الشّارِبُونَ عَلى مِقْدارِ شَهَواتِهِمْ وحاجاتِهِمْ فَجاءَتْ كَما يُرِيدُونَ في الشَّكْلِ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ قُدِّرُوها بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدّالِّ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ جُعِلَتْ لَهم عَلى قَدْرِ إرادَتِهِمْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ القَلْبِ، قالَ: لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ لا قَدَّرُوها؛ لِأنَّهُ في مَعْنى قُدِّرُوا عَلَيْها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: التَّقْدِيرُ قُدِّرَتِ الأوانِي عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ، فَمَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مَحْذُوفٌ. قالَ أبُو حَيّانَ: والأقْرَبُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنْ يُقالَ: قُدِّرَ رَيُّهم مِنها تَقْدِيرًا، فَحُذِفَ المُضافُ فَصارَ قُدِّرُوها. وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ القِراءَةَ الأخِيرَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، وكَأنَّ الأصْلَ قَدَرُوا عَلَيْها فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎آلَيْتُ حُبَّ العِراقِ الدَّهْرُ آكُلُهُ ∗∗∗ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ أيْ آلَيْتُ عَلى حُبِّ العِراقِ. ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الكَأْسَ هو الإناءُ فِيهِ الخَمْرُ، وإذا كانَ خالِيًا عَنِ الخَمْرِ فَلا يُقالُ لَهُ كَأْسٌ، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُسْقَوْنَ في الجَنَّةِ كَأْسًا مِنَ الخَمْرِ مَمْزُوجَةٌ بِالزَّنْجَبِيلِ وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَسْتَلِذُّ مَزْجَ الشَّرابِ بِالزَّنْجَبِيلِ لِطِيبِ رائِحَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الزَّنْجَبِيلُ اسْمٌ لِلْعَيْنِ الَّتِي يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو زَنْجَبِيلٌ لا يُشْبِهُ زَنْجَبِيلَ الدُّنْيا. ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كَأْسًا ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُسْقَوْنَ عَيْنًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن عَيْنٍ، والسَّلْسَبِيلُ: الشَّرابُ اللَّذِيذُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلاسَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا شَرابٌ سَلِسٌ، وسَلْسالٌ وسَلْسَبِيلٌ: أيْ طَيِّبٌ لَذِيذٌ. قالَ الزَّجّاجُ: السَّلْسَبِيلُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِماءٍ في غايَةِ السَّلاسَةِ حَدِيدُ الجَرْيَةِ يَسُوغُ في حُلُوقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ؎يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ كَأْسًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ شَرابِهِمْ، ووَصْفِ آنِيَتِهِمْ، ووَصْفِ السُّقاةِ الَّذِينَ يَسْقُونَهم ذَلِكَ الشَّرابَ. ومَعْنى مُخَلَّدُونَ باقُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّبابِ والطَّراوَةِ والنَّضارَةِ، لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، وقِيلَ مَعْنى مُخَلَّدُونَ لا يَمُوتُونَ، وقِيلَ التَّخْلِيدُ التَّحْلِيَةُ: أيْ مُحَلَّوْنَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ إذا نَظَرْتَ إلَيْهِمْ ظَنَنْتَهم لِمَزِيدِ حُسْنِهِمْ وصَفاءِ (p-١٥٦٧)ألْوانِهِمْ ونَضارَةِ وُجُوهِهِمْ لُؤْلُؤًا مُفَرَّقًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ في بَياضِ اللَّوْنِ وحُسْنِهِ، واللُّؤْلُؤُ إذا نُثِرَ مِنَ الخَيْطِ عَلى البِساطِ كانَ أحْسَنَ مِنهُ مَنظُومًا. قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنثُورِ لِانْتِثارِهِمْ في الخِدْمَةِ، ولَوْ كانُوا صَفًّا لَشُبِّهُوا بِالمَنظُومِ، وقِيلَ إنَّما شَبَّهَهم بِالمَنثُورِ لِأنَّهم سِراعٌ في الخِدْمَةِ، بِخِلافِ الحُورِ العِينِ فَإنَّهُ شَبَّهَهُنَّ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ لِأنَّهُنَّ لا يُمْتَهَنَّ بِالخِدْمَةِ. ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ أيْ وإذا رَمَيْتَ بِبَصَرِكَ هُناكَ، يَعْنِي في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا لا يُوصَفُ، ومُلْكًا كَبِيرًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ثَمَّ " ظَرْفُ مَكانٍ، والعامِلُ فِيها ( رَأيْتَ ) . قالَ الفَرّاءُ في الكَلامِ ما مُضْمَرَةٌ: أيْ وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] أيْ ما بَيْنَكم. قالَ الزَّجّاجُ مُعْتَرِضًا عَلى الفَرّاءِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ، ولَكِنْ " رَأيْتَ " يَتَعَدّى في المَعْنى إلى ثَمَّ. والمَعْنى: إذا رَأيْتَ بِبَصَرِكَ ثَمَّ، ويَعْنِي بِثَمَّ الجَنَّةَ. قالَ السُّدِّيُّ: النَّعِيمُ ما يُتَنَعَّمُ بِهِ، والمُلْكُ الكَبِيرُ: اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ إنَّ " رَأيْتَ " لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ مَلْفُوظٌ ولا مُقَدَّرٌ ولا مَنوِيٌّ، بَلْ مَعْناهُ: أنَّ بَصَرَكَ أيْنَما وقَعَ في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا. ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ عالِيهِمْ بِسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وثِيابٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أوْ عَلى أنَّ ( عالِيهِمْ ) مُبْتَدَأٌ، و( ثِيابُ ) مُرْتَفِعٌ بِالفاعِلِيَّةِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدِ الوَصْفَ كَما هو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ثِيابُ سُنْدُسٍ، واسْمُ الفاعِلِ مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الهاءِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( ثِيابُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ فَوْقَهم ثِيابٌ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ ( عالِيَهم ) بِمَعْنى فَوْقَهم، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ أبُو حَيّانَ: عالٍ وعالِيَةٌ اسْمُ فاعِلٍ، فَيَحْتاجُ في كَوْنِهِما ظَرْفَيْنِ إلى أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: هَذا مِمّا لا نَعْرِفُهُ في الظُّرُوفِ ولَوْ كانَ ظَرْفًا لِمَ لَمْ يَجُزْ إسْكانُ الياءِ، ولَكِنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما الهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الأبْرارِ ( وِلْدانٌ ) عالِيًا الأبْرارَ ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ. والثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ: أيْ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ أبْدانِهِمْ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ في الحالِ إمّا لَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا وإمّا جَزاهم بِما صَبَرُوا. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " عَلَيْهِمْ " وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ المَعْنى ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " عَلِيَتْهم " . وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ ثِيابٍ إلى سُنْدُسٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَنْوِينِ ( ثِيابٌ ) وقَطْعِها عَنِ الإضافَةِ ورَفْعِ ( سُنْدُسٌ )، و﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ عَلى أنَّ السُّنْدُسَ نَعْتٌ لِلثِّيابِ؛ لِأنَّ السُّنْدُسَ نَوْعٌ مِنَ الثِّيابِ، وعَلى أنَّ " خُضْرٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أخْضَرُ وغَيْرُ أخْضَرٍ، وعَلى أنَّ ( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ: أيْ وثِيابُ إسْتَبْرَقٍ، والجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ اخْتَلَفُوا في ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى جَرِّ سُنْدُسٍ بِإضافَةِ ( ثِيابُ ) إلَيْهِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِجَرِّ " خُضْرٍ " نَعْتًا لِ ( سُنْدُسٍ ) ورَفْعِ ( إسْتَبْرَقُ ) عَطْفًا عَلى ( ثِيابُ ): أيْ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ وعَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ ( خُضَرٌ ) نَعْتًا لِ ( ثِيابُ )، وجَرِّ " إسْتَبْرَقٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ. واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، لِأنَّ الخُضْرَ أحْسَنُ ما كانَتْ نَعْتًا لِلثِّيابِ فَهي مَرْفُوعَةٌ، والإسْتَبْرَقُ مِن جِنْسِ السُّنْدُسِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ بِرَفْعِ ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ لِأنَّ ( خُضْرٌ ) نَعْتٌ لِلثِّيابِ، و( إسْتَبْرَقٌ ) عَطْفٌ عَلى الثِّيابِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّ " خُضْرٍ وإسْتَبْرَقٍ " عَلى أنَّ ( خُضْرٍ ) نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، و( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ. وقَرَءُوا كُلُّهم بِصَرْفِ ( إسْتَبْرَقٍ ) إلّا ابْنُ مُحَيْصِنٍ فَإنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ، قالَ: لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، ولا وجْهَ لِهَذا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ إلّا أنْ يَقُولَ إنَّهُ عَلَمٌ لِهَذا الجِنْسِ مِنَ الثِّيابِ. والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ. والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُنا أنَّهم يُحَلَّوْنَ بِأساوِرِ الفِضَّةِ وفي سُورَةِ فاطِرٍ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣] وفي سُورَةِ الحَجِّ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ لِإمْكانِ الجَمْعِ بِأنْ يَجْعَلَ لَهم سِواراتٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ولُؤْلُؤٍ، أوْ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم يَلْبَسُونَ سِواراتِ الذَّهَبِ تارَةً، وسِواراتِ الفِضَّةِ تارَةً، وسِواراتِ اللُّؤْلُؤِ تارَةً، أوْ أنَّهُ يَلْبَسُ كُلُّ أحَدٍ مِنهُ ما تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ عالِيَهم بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ) ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الشَّرابِ الَّذِي يَمُنُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ هو طَهُورٌ لَيْسَ بِنَجِسٍ كَما كانَ في الدُّنْيا مَوْصُوفًا بِالنَّجاسَةِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ طاهِرٌ لَيْسَ كَخَمْرِ الدُّنْيا. قالَ مُقاتِلٌ: هو عَيْنُ ماءٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ مَن شَرِبَ مِنها نَزَعَ اللَّهُ ما كانَ في قَلْبِهِ مَن غَشٍّ وغِلٍّ وحَسَدٍ. قالَ أبُو قِلابَةَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُؤْتُونَ بِالطَّعامِ، فَإذا كانَ آخِرُهُ أتَوْا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ، فَيَشْرَبُونَ فَتَضْمُرُ بُطُونُهم مِن ذَلِكَ ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن أبْدانِهِمْ مِثْلَ رِيحِ المِسْكِ. ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ أيْ يُقالُ لَهم: إنَّ هَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن أنْواعِ النِّعَمِ كانَ لَكم جَزاءً بِأعْمالِكم: أيْ ثَوابًا لَها ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ أيْ كانَ عَمَلُكم في الدُّنْيا بِطاعَةِ اللَّهِ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا، وشُكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعَمَلِ عَبْدِهِ هو قَبُولُهُ لِطاعَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الزَّمْهَرِيرُ هو البَرْدُ الشَّدِيدُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَها نَفَسَيْنِ: نَفَسًا في الصَّيْفِ، ونَفَسًا في الشِّتاءِ، فَشِدَّةُ ما تَجِدُونَ مِنَ البَرْدِ مِن زَمْهَرِيرِها، وشِدَّةُ ما تَجِدُونَ في (p-١٥٦٨)الصَّيْفِ مِنَ الحَرِّ مِن سَمُومِها» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ قِيامًا وقُعُودًا ومُضْطَجِعِينَ وعَلى أيِّ حالٍ شاءُوا. وفِي لَفْظٍ قالَ: ذُلِّلَتْ فَيَتَناوَلُونَ مِنها كَيْفَ شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وُصَفاؤُها كَصَفاءِ القَوارِيرِ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قُدِّرَتْ لِلْكَفِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: لَوْ أخَذْتَ فِضَّةً مِن فِضَّةِ الدُّنْيا فَضَرَبْتَها حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها، ولَكِنْ قَوارِيرَ الجَنَّةِ بَياضُ الفِضَّةِ في صَفاءِ القَوارِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ شَيْءٌ إلّا وقَدْ أعْطَيْتُمْ في الدُّنْيا شِبْهَهُ إلّا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ الفَمِ لا يُفَضِّلُونَ شَيْئًا ولا يَشْتَهُونَ بَعْدَها شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قَدَّرَتْها السُّقاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا مَن يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ خادِمٍ كُلُّ خادِمٍ عَلى عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ .

الإنسان 76:19

قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، والعامِلُ فِيها ( جَزى )، ولا يَعْمَلُ فِيها صَبَرُوا؛ لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما كانَ في الدُّنْيا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ ( جَنَّةٍ ) . قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ( مُتَّكِئِينَ ) تابِعًا، كَأنَّهُ قالَ: جَزاهم جَنَّةً مُتَّكِئِينَ فِيها. وقالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والضَّمِيرُ مِن فِيها يَعُودُ إلى الجَنَّةِ. والأرائِكُ: السُّرُرُ في الحِجالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَرادِفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَّكِئِينَ، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَداخِلَةِ، أوْ صِفَةً أُخْرى لِلْجَنَّةِ. والزَّمْهَرِيرُ: أشَدُّ البَرْدِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَرَوْنَ في الجَنَّةِ حَرَّ الشَّمْسِ ولا بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎مُنَعَّمَةٌ طِفْلَةٌ كالمَها لَمْ تَرَ شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرا (p-١٥٦٦)وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَّمْهَرِيرُ: القَمَرُ بِلُغَةِ طَيِّءٍ، وأنْشَدَ لِشاعِرِهِمْ: ؎ولَيْلَةً ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ ويُرْوى ما ظَهَرَ: أيْ لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( دانِيَةً ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ لا يَرَوْنَ، أوْ عَلى مُتَّكِئِينَ، أوْ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ: أيْ وجَنَّةٍ دانِيَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: هو صِفَةٌ لِجَنَّةٍ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " ودانِيَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وظِلالُها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّ ظِلالَ الأشْجارِ قَرِيبَةٌ مِنهم مُظِلَّةٌ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ وإنْ كانَ لا شَمْسَ هُنالِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي شَجَرُها قَرِيبٌ مِنهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ودانِيًا عَلَيْهِمْ " ﴿ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( دانِيَةً ) كَأنَّهُ قالَ: ومُذَلَّلَةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والقُطُوفُ الثِّمارُ، والمَعْنى: أنَّها سُخِّرَتْ ثِمارُها لِمُتَناوِلِيها تَسْخِيرًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَتَناوَلُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ لا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ. قالَ النَّحّاسُ: المُذَلَّلُ: القَرِيبُ المُتَناوَلِ، . ومِنهُ قَوْلُهم حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ قَصِيرٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذُلِّلَتْ: أُدْنِيَتْ، مِن قَوْلِهِمْ حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ كانَ قَصِيرَ السُّمْكِ. وقِيلَ ذُلِّلَتْ: أيْ جُعِلَتْ مُنْقادَةً لا تَمْتَنِعُ عَلى قِطافِها كَيْفَ شاءُوا. ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ أيْ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الخَدَمُ إذا أرادُوا الشَّرابَ بِآنِيَةِ الفِضَّةِ، والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ، وهو الكُوزُ العَظِيمُ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ ولا عُرْوَةَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيٍّ: ؎مُتَّكِئٌ تُقْرَعُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ﴿كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ في وصْفِ القَوارِيرِ في الصَّفاءِ وفي بَياضِ الفِضَّةِ، فَصَفاؤُها صَفاءُ الزُّجاجِ، ولَوْنُها لَوْنُ الفِضَّةِ. قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ قَوارِيرًا قَوارِيرًا بِالتَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَصْلِ، وبِالوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ( سَلاسِلَ ) مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وبَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ صَرْفِ ما فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما وعَدَمِ الوَقْفِ بِالألِفِ، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ لِأنَّهُما مُمْتَنِعانِ لِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ. وقَرَأ هِشامٌ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَنْوِينِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، وابْنُ ذَكْوانَ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما، والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِ ( أكْوابٍ ) . قالَ أبُو البَقاءِ: وحُسْنُ التَّكْرِيرِ لِما اتَّصَلَ بِهِ مِن بَيانِ أصْلِها. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: جَعَلَ اللَّهُ قَوارِيرَ أهْلِ الجَنَّةِ مِن فِضَّةٍ، فاجْتَمَعَ لَها بَياضُ الفِضَّةِ وصَفاءُ القَوارِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: القَوارِيرُ الَّتِي في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْلِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ فَضْلَ تِلْكَ القَوارِيرِ أنَّ أصْلَها مِن فِضَّةٍ يُرى مِن خارِجِها ما في داخِلِها، وجُمْلَةُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ صِفَةً لِقَوارِيرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرُوها بِفَتْحِ القافِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ قَدَّرَها السُّقاةُ مِنَ الخَدَمِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الشّارِبُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ مَن دُونِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ بِغَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ ألَذُّ وأشْهى، وقِيلَ: قَدَّرَها المَلائِكَةُ، وقِيلَ قَدَّرَها أهْلُ الجَنَّةِ الشّارِبُونَ عَلى مِقْدارِ شَهَواتِهِمْ وحاجاتِهِمْ فَجاءَتْ كَما يُرِيدُونَ في الشَّكْلِ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ قُدِّرُوها بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدّالِّ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ جُعِلَتْ لَهم عَلى قَدْرِ إرادَتِهِمْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ القَلْبِ، قالَ: لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ لا قَدَّرُوها؛ لِأنَّهُ في مَعْنى قُدِّرُوا عَلَيْها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: التَّقْدِيرُ قُدِّرَتِ الأوانِي عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ، فَمَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مَحْذُوفٌ. قالَ أبُو حَيّانَ: والأقْرَبُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنْ يُقالَ: قُدِّرَ رَيُّهم مِنها تَقْدِيرًا، فَحُذِفَ المُضافُ فَصارَ قُدِّرُوها. وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ القِراءَةَ الأخِيرَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، وكَأنَّ الأصْلَ قَدَرُوا عَلَيْها فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎آلَيْتُ حُبَّ العِراقِ الدَّهْرُ آكُلُهُ ∗∗∗ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ أيْ آلَيْتُ عَلى حُبِّ العِراقِ. ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الكَأْسَ هو الإناءُ فِيهِ الخَمْرُ، وإذا كانَ خالِيًا عَنِ الخَمْرِ فَلا يُقالُ لَهُ كَأْسٌ، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُسْقَوْنَ في الجَنَّةِ كَأْسًا مِنَ الخَمْرِ مَمْزُوجَةٌ بِالزَّنْجَبِيلِ وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَسْتَلِذُّ مَزْجَ الشَّرابِ بِالزَّنْجَبِيلِ لِطِيبِ رائِحَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الزَّنْجَبِيلُ اسْمٌ لِلْعَيْنِ الَّتِي يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو زَنْجَبِيلٌ لا يُشْبِهُ زَنْجَبِيلَ الدُّنْيا. ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كَأْسًا ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُسْقَوْنَ عَيْنًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن عَيْنٍ، والسَّلْسَبِيلُ: الشَّرابُ اللَّذِيذُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلاسَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا شَرابٌ سَلِسٌ، وسَلْسالٌ وسَلْسَبِيلٌ: أيْ طَيِّبٌ لَذِيذٌ. قالَ الزَّجّاجُ: السَّلْسَبِيلُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِماءٍ في غايَةِ السَّلاسَةِ حَدِيدُ الجَرْيَةِ يَسُوغُ في حُلُوقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ؎يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ كَأْسًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ شَرابِهِمْ، ووَصْفِ آنِيَتِهِمْ، ووَصْفِ السُّقاةِ الَّذِينَ يَسْقُونَهم ذَلِكَ الشَّرابَ. ومَعْنى مُخَلَّدُونَ باقُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّبابِ والطَّراوَةِ والنَّضارَةِ، لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، وقِيلَ مَعْنى مُخَلَّدُونَ لا يَمُوتُونَ، وقِيلَ التَّخْلِيدُ التَّحْلِيَةُ: أيْ مُحَلَّوْنَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ إذا نَظَرْتَ إلَيْهِمْ ظَنَنْتَهم لِمَزِيدِ حُسْنِهِمْ وصَفاءِ (p-١٥٦٧)ألْوانِهِمْ ونَضارَةِ وُجُوهِهِمْ لُؤْلُؤًا مُفَرَّقًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ في بَياضِ اللَّوْنِ وحُسْنِهِ، واللُّؤْلُؤُ إذا نُثِرَ مِنَ الخَيْطِ عَلى البِساطِ كانَ أحْسَنَ مِنهُ مَنظُومًا. قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنثُورِ لِانْتِثارِهِمْ في الخِدْمَةِ، ولَوْ كانُوا صَفًّا لَشُبِّهُوا بِالمَنظُومِ، وقِيلَ إنَّما شَبَّهَهم بِالمَنثُورِ لِأنَّهم سِراعٌ في الخِدْمَةِ، بِخِلافِ الحُورِ العِينِ فَإنَّهُ شَبَّهَهُنَّ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ لِأنَّهُنَّ لا يُمْتَهَنَّ بِالخِدْمَةِ. ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ أيْ وإذا رَمَيْتَ بِبَصَرِكَ هُناكَ، يَعْنِي في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا لا يُوصَفُ، ومُلْكًا كَبِيرًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ثَمَّ " ظَرْفُ مَكانٍ، والعامِلُ فِيها ( رَأيْتَ ) . قالَ الفَرّاءُ في الكَلامِ ما مُضْمَرَةٌ: أيْ وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] أيْ ما بَيْنَكم. قالَ الزَّجّاجُ مُعْتَرِضًا عَلى الفَرّاءِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ، ولَكِنْ " رَأيْتَ " يَتَعَدّى في المَعْنى إلى ثَمَّ. والمَعْنى: إذا رَأيْتَ بِبَصَرِكَ ثَمَّ، ويَعْنِي بِثَمَّ الجَنَّةَ. قالَ السُّدِّيُّ: النَّعِيمُ ما يُتَنَعَّمُ بِهِ، والمُلْكُ الكَبِيرُ: اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ إنَّ " رَأيْتَ " لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ مَلْفُوظٌ ولا مُقَدَّرٌ ولا مَنوِيٌّ، بَلْ مَعْناهُ: أنَّ بَصَرَكَ أيْنَما وقَعَ في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا. ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ عالِيهِمْ بِسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وثِيابٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أوْ عَلى أنَّ ( عالِيهِمْ ) مُبْتَدَأٌ، و( ثِيابُ ) مُرْتَفِعٌ بِالفاعِلِيَّةِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدِ الوَصْفَ كَما هو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ثِيابُ سُنْدُسٍ، واسْمُ الفاعِلِ مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الهاءِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( ثِيابُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ فَوْقَهم ثِيابٌ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ ( عالِيَهم ) بِمَعْنى فَوْقَهم، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ أبُو حَيّانَ: عالٍ وعالِيَةٌ اسْمُ فاعِلٍ، فَيَحْتاجُ في كَوْنِهِما ظَرْفَيْنِ إلى أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: هَذا مِمّا لا نَعْرِفُهُ في الظُّرُوفِ ولَوْ كانَ ظَرْفًا لِمَ لَمْ يَجُزْ إسْكانُ الياءِ، ولَكِنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما الهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الأبْرارِ ( وِلْدانٌ ) عالِيًا الأبْرارَ ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ. والثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ: أيْ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ أبْدانِهِمْ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ في الحالِ إمّا لَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا وإمّا جَزاهم بِما صَبَرُوا. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " عَلَيْهِمْ " وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ المَعْنى ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " عَلِيَتْهم " . وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ ثِيابٍ إلى سُنْدُسٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَنْوِينِ ( ثِيابٌ ) وقَطْعِها عَنِ الإضافَةِ ورَفْعِ ( سُنْدُسٌ )، و﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ عَلى أنَّ السُّنْدُسَ نَعْتٌ لِلثِّيابِ؛ لِأنَّ السُّنْدُسَ نَوْعٌ مِنَ الثِّيابِ، وعَلى أنَّ " خُضْرٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أخْضَرُ وغَيْرُ أخْضَرٍ، وعَلى أنَّ ( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ: أيْ وثِيابُ إسْتَبْرَقٍ، والجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ اخْتَلَفُوا في ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى جَرِّ سُنْدُسٍ بِإضافَةِ ( ثِيابُ ) إلَيْهِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِجَرِّ " خُضْرٍ " نَعْتًا لِ ( سُنْدُسٍ ) ورَفْعِ ( إسْتَبْرَقُ ) عَطْفًا عَلى ( ثِيابُ ): أيْ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ وعَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ ( خُضَرٌ ) نَعْتًا لِ ( ثِيابُ )، وجَرِّ " إسْتَبْرَقٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ. واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، لِأنَّ الخُضْرَ أحْسَنُ ما كانَتْ نَعْتًا لِلثِّيابِ فَهي مَرْفُوعَةٌ، والإسْتَبْرَقُ مِن جِنْسِ السُّنْدُسِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ بِرَفْعِ ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ لِأنَّ ( خُضْرٌ ) نَعْتٌ لِلثِّيابِ، و( إسْتَبْرَقٌ ) عَطْفٌ عَلى الثِّيابِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّ " خُضْرٍ وإسْتَبْرَقٍ " عَلى أنَّ ( خُضْرٍ ) نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، و( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ. وقَرَءُوا كُلُّهم بِصَرْفِ ( إسْتَبْرَقٍ ) إلّا ابْنُ مُحَيْصِنٍ فَإنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ، قالَ: لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، ولا وجْهَ لِهَذا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ إلّا أنْ يَقُولَ إنَّهُ عَلَمٌ لِهَذا الجِنْسِ مِنَ الثِّيابِ. والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ. والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُنا أنَّهم يُحَلَّوْنَ بِأساوِرِ الفِضَّةِ وفي سُورَةِ فاطِرٍ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣] وفي سُورَةِ الحَجِّ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ لِإمْكانِ الجَمْعِ بِأنْ يَجْعَلَ لَهم سِواراتٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ولُؤْلُؤٍ، أوْ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم يَلْبَسُونَ سِواراتِ الذَّهَبِ تارَةً، وسِواراتِ الفِضَّةِ تارَةً، وسِواراتِ اللُّؤْلُؤِ تارَةً، أوْ أنَّهُ يَلْبَسُ كُلُّ أحَدٍ مِنهُ ما تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ عالِيَهم بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ) ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الشَّرابِ الَّذِي يَمُنُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ هو طَهُورٌ لَيْسَ بِنَجِسٍ كَما كانَ في الدُّنْيا مَوْصُوفًا بِالنَّجاسَةِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ طاهِرٌ لَيْسَ كَخَمْرِ الدُّنْيا. قالَ مُقاتِلٌ: هو عَيْنُ ماءٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ مَن شَرِبَ مِنها نَزَعَ اللَّهُ ما كانَ في قَلْبِهِ مَن غَشٍّ وغِلٍّ وحَسَدٍ. قالَ أبُو قِلابَةَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُؤْتُونَ بِالطَّعامِ، فَإذا كانَ آخِرُهُ أتَوْا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ، فَيَشْرَبُونَ فَتَضْمُرُ بُطُونُهم مِن ذَلِكَ ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن أبْدانِهِمْ مِثْلَ رِيحِ المِسْكِ. ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ أيْ يُقالُ لَهم: إنَّ هَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن أنْواعِ النِّعَمِ كانَ لَكم جَزاءً بِأعْمالِكم: أيْ ثَوابًا لَها ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ أيْ كانَ عَمَلُكم في الدُّنْيا بِطاعَةِ اللَّهِ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا، وشُكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعَمَلِ عَبْدِهِ هو قَبُولُهُ لِطاعَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الزَّمْهَرِيرُ هو البَرْدُ الشَّدِيدُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَها نَفَسَيْنِ: نَفَسًا في الصَّيْفِ، ونَفَسًا في الشِّتاءِ، فَشِدَّةُ ما تَجِدُونَ مِنَ البَرْدِ مِن زَمْهَرِيرِها، وشِدَّةُ ما تَجِدُونَ في (p-١٥٦٨)الصَّيْفِ مِنَ الحَرِّ مِن سَمُومِها» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ قِيامًا وقُعُودًا ومُضْطَجِعِينَ وعَلى أيِّ حالٍ شاءُوا. وفِي لَفْظٍ قالَ: ذُلِّلَتْ فَيَتَناوَلُونَ مِنها كَيْفَ شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وُصَفاؤُها كَصَفاءِ القَوارِيرِ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قُدِّرَتْ لِلْكَفِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: لَوْ أخَذْتَ فِضَّةً مِن فِضَّةِ الدُّنْيا فَضَرَبْتَها حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها، ولَكِنْ قَوارِيرَ الجَنَّةِ بَياضُ الفِضَّةِ في صَفاءِ القَوارِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ شَيْءٌ إلّا وقَدْ أعْطَيْتُمْ في الدُّنْيا شِبْهَهُ إلّا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ الفَمِ لا يُفَضِّلُونَ شَيْئًا ولا يَشْتَهُونَ بَعْدَها شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قَدَّرَتْها السُّقاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا مَن يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ خادِمٍ كُلُّ خادِمٍ عَلى عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ .

الإنسان 76:20

قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، والعامِلُ فِيها ( جَزى )، ولا يَعْمَلُ فِيها صَبَرُوا؛ لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما كانَ في الدُّنْيا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ ( جَنَّةٍ ) . قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ( مُتَّكِئِينَ ) تابِعًا، كَأنَّهُ قالَ: جَزاهم جَنَّةً مُتَّكِئِينَ فِيها. وقالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والضَّمِيرُ مِن فِيها يَعُودُ إلى الجَنَّةِ. والأرائِكُ: السُّرُرُ في الحِجالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَرادِفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَّكِئِينَ، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَداخِلَةِ، أوْ صِفَةً أُخْرى لِلْجَنَّةِ. والزَّمْهَرِيرُ: أشَدُّ البَرْدِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَرَوْنَ في الجَنَّةِ حَرَّ الشَّمْسِ ولا بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎مُنَعَّمَةٌ طِفْلَةٌ كالمَها لَمْ تَرَ شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرا (p-١٥٦٦)وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَّمْهَرِيرُ: القَمَرُ بِلُغَةِ طَيِّءٍ، وأنْشَدَ لِشاعِرِهِمْ: ؎ولَيْلَةً ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ ويُرْوى ما ظَهَرَ: أيْ لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( دانِيَةً ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ لا يَرَوْنَ، أوْ عَلى مُتَّكِئِينَ، أوْ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ: أيْ وجَنَّةٍ دانِيَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: هو صِفَةٌ لِجَنَّةٍ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " ودانِيَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وظِلالُها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّ ظِلالَ الأشْجارِ قَرِيبَةٌ مِنهم مُظِلَّةٌ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ وإنْ كانَ لا شَمْسَ هُنالِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي شَجَرُها قَرِيبٌ مِنهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ودانِيًا عَلَيْهِمْ " ﴿ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( دانِيَةً ) كَأنَّهُ قالَ: ومُذَلَّلَةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والقُطُوفُ الثِّمارُ، والمَعْنى: أنَّها سُخِّرَتْ ثِمارُها لِمُتَناوِلِيها تَسْخِيرًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَتَناوَلُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ لا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ. قالَ النَّحّاسُ: المُذَلَّلُ: القَرِيبُ المُتَناوَلِ، . ومِنهُ قَوْلُهم حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ قَصِيرٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذُلِّلَتْ: أُدْنِيَتْ، مِن قَوْلِهِمْ حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ كانَ قَصِيرَ السُّمْكِ. وقِيلَ ذُلِّلَتْ: أيْ جُعِلَتْ مُنْقادَةً لا تَمْتَنِعُ عَلى قِطافِها كَيْفَ شاءُوا. ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ أيْ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الخَدَمُ إذا أرادُوا الشَّرابَ بِآنِيَةِ الفِضَّةِ، والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ، وهو الكُوزُ العَظِيمُ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ ولا عُرْوَةَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيٍّ: ؎مُتَّكِئٌ تُقْرَعُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ﴿كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ في وصْفِ القَوارِيرِ في الصَّفاءِ وفي بَياضِ الفِضَّةِ، فَصَفاؤُها صَفاءُ الزُّجاجِ، ولَوْنُها لَوْنُ الفِضَّةِ. قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ قَوارِيرًا قَوارِيرًا بِالتَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَصْلِ، وبِالوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ( سَلاسِلَ ) مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وبَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ صَرْفِ ما فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما وعَدَمِ الوَقْفِ بِالألِفِ، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ لِأنَّهُما مُمْتَنِعانِ لِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ. وقَرَأ هِشامٌ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَنْوِينِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، وابْنُ ذَكْوانَ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما، والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِ ( أكْوابٍ ) . قالَ أبُو البَقاءِ: وحُسْنُ التَّكْرِيرِ لِما اتَّصَلَ بِهِ مِن بَيانِ أصْلِها. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: جَعَلَ اللَّهُ قَوارِيرَ أهْلِ الجَنَّةِ مِن فِضَّةٍ، فاجْتَمَعَ لَها بَياضُ الفِضَّةِ وصَفاءُ القَوارِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: القَوارِيرُ الَّتِي في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْلِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ فَضْلَ تِلْكَ القَوارِيرِ أنَّ أصْلَها مِن فِضَّةٍ يُرى مِن خارِجِها ما في داخِلِها، وجُمْلَةُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ صِفَةً لِقَوارِيرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرُوها بِفَتْحِ القافِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ قَدَّرَها السُّقاةُ مِنَ الخَدَمِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الشّارِبُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ مَن دُونِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ بِغَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ ألَذُّ وأشْهى، وقِيلَ: قَدَّرَها المَلائِكَةُ، وقِيلَ قَدَّرَها أهْلُ الجَنَّةِ الشّارِبُونَ عَلى مِقْدارِ شَهَواتِهِمْ وحاجاتِهِمْ فَجاءَتْ كَما يُرِيدُونَ في الشَّكْلِ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ قُدِّرُوها بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدّالِّ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ جُعِلَتْ لَهم عَلى قَدْرِ إرادَتِهِمْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ القَلْبِ، قالَ: لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ لا قَدَّرُوها؛ لِأنَّهُ في مَعْنى قُدِّرُوا عَلَيْها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: التَّقْدِيرُ قُدِّرَتِ الأوانِي عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ، فَمَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مَحْذُوفٌ. قالَ أبُو حَيّانَ: والأقْرَبُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنْ يُقالَ: قُدِّرَ رَيُّهم مِنها تَقْدِيرًا، فَحُذِفَ المُضافُ فَصارَ قُدِّرُوها. وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ القِراءَةَ الأخِيرَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، وكَأنَّ الأصْلَ قَدَرُوا عَلَيْها فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎آلَيْتُ حُبَّ العِراقِ الدَّهْرُ آكُلُهُ ∗∗∗ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ أيْ آلَيْتُ عَلى حُبِّ العِراقِ. ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الكَأْسَ هو الإناءُ فِيهِ الخَمْرُ، وإذا كانَ خالِيًا عَنِ الخَمْرِ فَلا يُقالُ لَهُ كَأْسٌ، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُسْقَوْنَ في الجَنَّةِ كَأْسًا مِنَ الخَمْرِ مَمْزُوجَةٌ بِالزَّنْجَبِيلِ وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَسْتَلِذُّ مَزْجَ الشَّرابِ بِالزَّنْجَبِيلِ لِطِيبِ رائِحَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الزَّنْجَبِيلُ اسْمٌ لِلْعَيْنِ الَّتِي يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو زَنْجَبِيلٌ لا يُشْبِهُ زَنْجَبِيلَ الدُّنْيا. ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كَأْسًا ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُسْقَوْنَ عَيْنًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن عَيْنٍ، والسَّلْسَبِيلُ: الشَّرابُ اللَّذِيذُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلاسَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا شَرابٌ سَلِسٌ، وسَلْسالٌ وسَلْسَبِيلٌ: أيْ طَيِّبٌ لَذِيذٌ. قالَ الزَّجّاجُ: السَّلْسَبِيلُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِماءٍ في غايَةِ السَّلاسَةِ حَدِيدُ الجَرْيَةِ يَسُوغُ في حُلُوقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ؎يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ كَأْسًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ شَرابِهِمْ، ووَصْفِ آنِيَتِهِمْ، ووَصْفِ السُّقاةِ الَّذِينَ يَسْقُونَهم ذَلِكَ الشَّرابَ. ومَعْنى مُخَلَّدُونَ باقُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّبابِ والطَّراوَةِ والنَّضارَةِ، لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، وقِيلَ مَعْنى مُخَلَّدُونَ لا يَمُوتُونَ، وقِيلَ التَّخْلِيدُ التَّحْلِيَةُ: أيْ مُحَلَّوْنَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ إذا نَظَرْتَ إلَيْهِمْ ظَنَنْتَهم لِمَزِيدِ حُسْنِهِمْ وصَفاءِ (p-١٥٦٧)ألْوانِهِمْ ونَضارَةِ وُجُوهِهِمْ لُؤْلُؤًا مُفَرَّقًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ في بَياضِ اللَّوْنِ وحُسْنِهِ، واللُّؤْلُؤُ إذا نُثِرَ مِنَ الخَيْطِ عَلى البِساطِ كانَ أحْسَنَ مِنهُ مَنظُومًا. قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنثُورِ لِانْتِثارِهِمْ في الخِدْمَةِ، ولَوْ كانُوا صَفًّا لَشُبِّهُوا بِالمَنظُومِ، وقِيلَ إنَّما شَبَّهَهم بِالمَنثُورِ لِأنَّهم سِراعٌ في الخِدْمَةِ، بِخِلافِ الحُورِ العِينِ فَإنَّهُ شَبَّهَهُنَّ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ لِأنَّهُنَّ لا يُمْتَهَنَّ بِالخِدْمَةِ. ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ أيْ وإذا رَمَيْتَ بِبَصَرِكَ هُناكَ، يَعْنِي في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا لا يُوصَفُ، ومُلْكًا كَبِيرًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ثَمَّ " ظَرْفُ مَكانٍ، والعامِلُ فِيها ( رَأيْتَ ) . قالَ الفَرّاءُ في الكَلامِ ما مُضْمَرَةٌ: أيْ وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] أيْ ما بَيْنَكم. قالَ الزَّجّاجُ مُعْتَرِضًا عَلى الفَرّاءِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ، ولَكِنْ " رَأيْتَ " يَتَعَدّى في المَعْنى إلى ثَمَّ. والمَعْنى: إذا رَأيْتَ بِبَصَرِكَ ثَمَّ، ويَعْنِي بِثَمَّ الجَنَّةَ. قالَ السُّدِّيُّ: النَّعِيمُ ما يُتَنَعَّمُ بِهِ، والمُلْكُ الكَبِيرُ: اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ إنَّ " رَأيْتَ " لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ مَلْفُوظٌ ولا مُقَدَّرٌ ولا مَنوِيٌّ، بَلْ مَعْناهُ: أنَّ بَصَرَكَ أيْنَما وقَعَ في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا. ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ عالِيهِمْ بِسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وثِيابٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أوْ عَلى أنَّ ( عالِيهِمْ ) مُبْتَدَأٌ، و( ثِيابُ ) مُرْتَفِعٌ بِالفاعِلِيَّةِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدِ الوَصْفَ كَما هو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ثِيابُ سُنْدُسٍ، واسْمُ الفاعِلِ مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الهاءِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( ثِيابُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ فَوْقَهم ثِيابٌ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ ( عالِيَهم ) بِمَعْنى فَوْقَهم، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ أبُو حَيّانَ: عالٍ وعالِيَةٌ اسْمُ فاعِلٍ، فَيَحْتاجُ في كَوْنِهِما ظَرْفَيْنِ إلى أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: هَذا مِمّا لا نَعْرِفُهُ في الظُّرُوفِ ولَوْ كانَ ظَرْفًا لِمَ لَمْ يَجُزْ إسْكانُ الياءِ، ولَكِنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما الهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الأبْرارِ ( وِلْدانٌ ) عالِيًا الأبْرارَ ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ. والثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ: أيْ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ أبْدانِهِمْ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ في الحالِ إمّا لَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا وإمّا جَزاهم بِما صَبَرُوا. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " عَلَيْهِمْ " وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ المَعْنى ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " عَلِيَتْهم " . وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ ثِيابٍ إلى سُنْدُسٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَنْوِينِ ( ثِيابٌ ) وقَطْعِها عَنِ الإضافَةِ ورَفْعِ ( سُنْدُسٌ )، و﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ عَلى أنَّ السُّنْدُسَ نَعْتٌ لِلثِّيابِ؛ لِأنَّ السُّنْدُسَ نَوْعٌ مِنَ الثِّيابِ، وعَلى أنَّ " خُضْرٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أخْضَرُ وغَيْرُ أخْضَرٍ، وعَلى أنَّ ( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ: أيْ وثِيابُ إسْتَبْرَقٍ، والجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ اخْتَلَفُوا في ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى جَرِّ سُنْدُسٍ بِإضافَةِ ( ثِيابُ ) إلَيْهِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِجَرِّ " خُضْرٍ " نَعْتًا لِ ( سُنْدُسٍ ) ورَفْعِ ( إسْتَبْرَقُ ) عَطْفًا عَلى ( ثِيابُ ): أيْ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ وعَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ ( خُضَرٌ ) نَعْتًا لِ ( ثِيابُ )، وجَرِّ " إسْتَبْرَقٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ. واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، لِأنَّ الخُضْرَ أحْسَنُ ما كانَتْ نَعْتًا لِلثِّيابِ فَهي مَرْفُوعَةٌ، والإسْتَبْرَقُ مِن جِنْسِ السُّنْدُسِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ بِرَفْعِ ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ لِأنَّ ( خُضْرٌ ) نَعْتٌ لِلثِّيابِ، و( إسْتَبْرَقٌ ) عَطْفٌ عَلى الثِّيابِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّ " خُضْرٍ وإسْتَبْرَقٍ " عَلى أنَّ ( خُضْرٍ ) نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، و( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ. وقَرَءُوا كُلُّهم بِصَرْفِ ( إسْتَبْرَقٍ ) إلّا ابْنُ مُحَيْصِنٍ فَإنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ، قالَ: لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، ولا وجْهَ لِهَذا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ إلّا أنْ يَقُولَ إنَّهُ عَلَمٌ لِهَذا الجِنْسِ مِنَ الثِّيابِ. والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ. والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُنا أنَّهم يُحَلَّوْنَ بِأساوِرِ الفِضَّةِ وفي سُورَةِ فاطِرٍ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣] وفي سُورَةِ الحَجِّ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ لِإمْكانِ الجَمْعِ بِأنْ يَجْعَلَ لَهم سِواراتٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ولُؤْلُؤٍ، أوْ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم يَلْبَسُونَ سِواراتِ الذَّهَبِ تارَةً، وسِواراتِ الفِضَّةِ تارَةً، وسِواراتِ اللُّؤْلُؤِ تارَةً، أوْ أنَّهُ يَلْبَسُ كُلُّ أحَدٍ مِنهُ ما تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ عالِيَهم بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ) ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الشَّرابِ الَّذِي يَمُنُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ هو طَهُورٌ لَيْسَ بِنَجِسٍ كَما كانَ في الدُّنْيا مَوْصُوفًا بِالنَّجاسَةِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ طاهِرٌ لَيْسَ كَخَمْرِ الدُّنْيا. قالَ مُقاتِلٌ: هو عَيْنُ ماءٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ مَن شَرِبَ مِنها نَزَعَ اللَّهُ ما كانَ في قَلْبِهِ مَن غَشٍّ وغِلٍّ وحَسَدٍ. قالَ أبُو قِلابَةَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُؤْتُونَ بِالطَّعامِ، فَإذا كانَ آخِرُهُ أتَوْا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ، فَيَشْرَبُونَ فَتَضْمُرُ بُطُونُهم مِن ذَلِكَ ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن أبْدانِهِمْ مِثْلَ رِيحِ المِسْكِ. ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ أيْ يُقالُ لَهم: إنَّ هَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن أنْواعِ النِّعَمِ كانَ لَكم جَزاءً بِأعْمالِكم: أيْ ثَوابًا لَها ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ أيْ كانَ عَمَلُكم في الدُّنْيا بِطاعَةِ اللَّهِ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا، وشُكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعَمَلِ عَبْدِهِ هو قَبُولُهُ لِطاعَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الزَّمْهَرِيرُ هو البَرْدُ الشَّدِيدُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَها نَفَسَيْنِ: نَفَسًا في الصَّيْفِ، ونَفَسًا في الشِّتاءِ، فَشِدَّةُ ما تَجِدُونَ مِنَ البَرْدِ مِن زَمْهَرِيرِها، وشِدَّةُ ما تَجِدُونَ في (p-١٥٦٨)الصَّيْفِ مِنَ الحَرِّ مِن سَمُومِها» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ قِيامًا وقُعُودًا ومُضْطَجِعِينَ وعَلى أيِّ حالٍ شاءُوا. وفِي لَفْظٍ قالَ: ذُلِّلَتْ فَيَتَناوَلُونَ مِنها كَيْفَ شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وُصَفاؤُها كَصَفاءِ القَوارِيرِ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قُدِّرَتْ لِلْكَفِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: لَوْ أخَذْتَ فِضَّةً مِن فِضَّةِ الدُّنْيا فَضَرَبْتَها حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها، ولَكِنْ قَوارِيرَ الجَنَّةِ بَياضُ الفِضَّةِ في صَفاءِ القَوارِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ شَيْءٌ إلّا وقَدْ أعْطَيْتُمْ في الدُّنْيا شِبْهَهُ إلّا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ الفَمِ لا يُفَضِّلُونَ شَيْئًا ولا يَشْتَهُونَ بَعْدَها شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قَدَّرَتْها السُّقاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا مَن يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ خادِمٍ كُلُّ خادِمٍ عَلى عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ .

الإنسان 76:21

قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، والعامِلُ فِيها ( جَزى )، ولا يَعْمَلُ فِيها صَبَرُوا؛ لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما كانَ في الدُّنْيا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ ( جَنَّةٍ ) . قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ( مُتَّكِئِينَ ) تابِعًا، كَأنَّهُ قالَ: جَزاهم جَنَّةً مُتَّكِئِينَ فِيها. وقالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والضَّمِيرُ مِن فِيها يَعُودُ إلى الجَنَّةِ. والأرائِكُ: السُّرُرُ في الحِجالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَرادِفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَّكِئِينَ، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَداخِلَةِ، أوْ صِفَةً أُخْرى لِلْجَنَّةِ. والزَّمْهَرِيرُ: أشَدُّ البَرْدِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَرَوْنَ في الجَنَّةِ حَرَّ الشَّمْسِ ولا بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎مُنَعَّمَةٌ طِفْلَةٌ كالمَها لَمْ تَرَ شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرا (p-١٥٦٦)وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَّمْهَرِيرُ: القَمَرُ بِلُغَةِ طَيِّءٍ، وأنْشَدَ لِشاعِرِهِمْ: ؎ولَيْلَةً ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ ويُرْوى ما ظَهَرَ: أيْ لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( دانِيَةً ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ لا يَرَوْنَ، أوْ عَلى مُتَّكِئِينَ، أوْ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ: أيْ وجَنَّةٍ دانِيَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: هو صِفَةٌ لِجَنَّةٍ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " ودانِيَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وظِلالُها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّ ظِلالَ الأشْجارِ قَرِيبَةٌ مِنهم مُظِلَّةٌ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ وإنْ كانَ لا شَمْسَ هُنالِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي شَجَرُها قَرِيبٌ مِنهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ودانِيًا عَلَيْهِمْ " ﴿ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( دانِيَةً ) كَأنَّهُ قالَ: ومُذَلَّلَةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والقُطُوفُ الثِّمارُ، والمَعْنى: أنَّها سُخِّرَتْ ثِمارُها لِمُتَناوِلِيها تَسْخِيرًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَتَناوَلُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ لا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ. قالَ النَّحّاسُ: المُذَلَّلُ: القَرِيبُ المُتَناوَلِ، . ومِنهُ قَوْلُهم حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ قَصِيرٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذُلِّلَتْ: أُدْنِيَتْ، مِن قَوْلِهِمْ حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ كانَ قَصِيرَ السُّمْكِ. وقِيلَ ذُلِّلَتْ: أيْ جُعِلَتْ مُنْقادَةً لا تَمْتَنِعُ عَلى قِطافِها كَيْفَ شاءُوا. ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ أيْ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الخَدَمُ إذا أرادُوا الشَّرابَ بِآنِيَةِ الفِضَّةِ، والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ، وهو الكُوزُ العَظِيمُ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ ولا عُرْوَةَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيٍّ: ؎مُتَّكِئٌ تُقْرَعُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ﴿كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ في وصْفِ القَوارِيرِ في الصَّفاءِ وفي بَياضِ الفِضَّةِ، فَصَفاؤُها صَفاءُ الزُّجاجِ، ولَوْنُها لَوْنُ الفِضَّةِ. قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ قَوارِيرًا قَوارِيرًا بِالتَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَصْلِ، وبِالوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ( سَلاسِلَ ) مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وبَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ صَرْفِ ما فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما وعَدَمِ الوَقْفِ بِالألِفِ، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ لِأنَّهُما مُمْتَنِعانِ لِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ. وقَرَأ هِشامٌ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَنْوِينِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، وابْنُ ذَكْوانَ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما، والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِ ( أكْوابٍ ) . قالَ أبُو البَقاءِ: وحُسْنُ التَّكْرِيرِ لِما اتَّصَلَ بِهِ مِن بَيانِ أصْلِها. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: جَعَلَ اللَّهُ قَوارِيرَ أهْلِ الجَنَّةِ مِن فِضَّةٍ، فاجْتَمَعَ لَها بَياضُ الفِضَّةِ وصَفاءُ القَوارِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: القَوارِيرُ الَّتِي في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْلِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ فَضْلَ تِلْكَ القَوارِيرِ أنَّ أصْلَها مِن فِضَّةٍ يُرى مِن خارِجِها ما في داخِلِها، وجُمْلَةُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ صِفَةً لِقَوارِيرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرُوها بِفَتْحِ القافِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ قَدَّرَها السُّقاةُ مِنَ الخَدَمِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الشّارِبُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ مَن دُونِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ بِغَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ ألَذُّ وأشْهى، وقِيلَ: قَدَّرَها المَلائِكَةُ، وقِيلَ قَدَّرَها أهْلُ الجَنَّةِ الشّارِبُونَ عَلى مِقْدارِ شَهَواتِهِمْ وحاجاتِهِمْ فَجاءَتْ كَما يُرِيدُونَ في الشَّكْلِ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ قُدِّرُوها بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدّالِّ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ جُعِلَتْ لَهم عَلى قَدْرِ إرادَتِهِمْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ القَلْبِ، قالَ: لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ لا قَدَّرُوها؛ لِأنَّهُ في مَعْنى قُدِّرُوا عَلَيْها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: التَّقْدِيرُ قُدِّرَتِ الأوانِي عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ، فَمَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مَحْذُوفٌ. قالَ أبُو حَيّانَ: والأقْرَبُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنْ يُقالَ: قُدِّرَ رَيُّهم مِنها تَقْدِيرًا، فَحُذِفَ المُضافُ فَصارَ قُدِّرُوها. وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ القِراءَةَ الأخِيرَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، وكَأنَّ الأصْلَ قَدَرُوا عَلَيْها فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎آلَيْتُ حُبَّ العِراقِ الدَّهْرُ آكُلُهُ ∗∗∗ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ أيْ آلَيْتُ عَلى حُبِّ العِراقِ. ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الكَأْسَ هو الإناءُ فِيهِ الخَمْرُ، وإذا كانَ خالِيًا عَنِ الخَمْرِ فَلا يُقالُ لَهُ كَأْسٌ، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُسْقَوْنَ في الجَنَّةِ كَأْسًا مِنَ الخَمْرِ مَمْزُوجَةٌ بِالزَّنْجَبِيلِ وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَسْتَلِذُّ مَزْجَ الشَّرابِ بِالزَّنْجَبِيلِ لِطِيبِ رائِحَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الزَّنْجَبِيلُ اسْمٌ لِلْعَيْنِ الَّتِي يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو زَنْجَبِيلٌ لا يُشْبِهُ زَنْجَبِيلَ الدُّنْيا. ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كَأْسًا ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُسْقَوْنَ عَيْنًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن عَيْنٍ، والسَّلْسَبِيلُ: الشَّرابُ اللَّذِيذُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلاسَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا شَرابٌ سَلِسٌ، وسَلْسالٌ وسَلْسَبِيلٌ: أيْ طَيِّبٌ لَذِيذٌ. قالَ الزَّجّاجُ: السَّلْسَبِيلُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِماءٍ في غايَةِ السَّلاسَةِ حَدِيدُ الجَرْيَةِ يَسُوغُ في حُلُوقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ؎يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ كَأْسًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ شَرابِهِمْ، ووَصْفِ آنِيَتِهِمْ، ووَصْفِ السُّقاةِ الَّذِينَ يَسْقُونَهم ذَلِكَ الشَّرابَ. ومَعْنى مُخَلَّدُونَ باقُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّبابِ والطَّراوَةِ والنَّضارَةِ، لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، وقِيلَ مَعْنى مُخَلَّدُونَ لا يَمُوتُونَ، وقِيلَ التَّخْلِيدُ التَّحْلِيَةُ: أيْ مُحَلَّوْنَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ إذا نَظَرْتَ إلَيْهِمْ ظَنَنْتَهم لِمَزِيدِ حُسْنِهِمْ وصَفاءِ (p-١٥٦٧)ألْوانِهِمْ ونَضارَةِ وُجُوهِهِمْ لُؤْلُؤًا مُفَرَّقًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ في بَياضِ اللَّوْنِ وحُسْنِهِ، واللُّؤْلُؤُ إذا نُثِرَ مِنَ الخَيْطِ عَلى البِساطِ كانَ أحْسَنَ مِنهُ مَنظُومًا. قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنثُورِ لِانْتِثارِهِمْ في الخِدْمَةِ، ولَوْ كانُوا صَفًّا لَشُبِّهُوا بِالمَنظُومِ، وقِيلَ إنَّما شَبَّهَهم بِالمَنثُورِ لِأنَّهم سِراعٌ في الخِدْمَةِ، بِخِلافِ الحُورِ العِينِ فَإنَّهُ شَبَّهَهُنَّ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ لِأنَّهُنَّ لا يُمْتَهَنَّ بِالخِدْمَةِ. ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ أيْ وإذا رَمَيْتَ بِبَصَرِكَ هُناكَ، يَعْنِي في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا لا يُوصَفُ، ومُلْكًا كَبِيرًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ثَمَّ " ظَرْفُ مَكانٍ، والعامِلُ فِيها ( رَأيْتَ ) . قالَ الفَرّاءُ في الكَلامِ ما مُضْمَرَةٌ: أيْ وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] أيْ ما بَيْنَكم. قالَ الزَّجّاجُ مُعْتَرِضًا عَلى الفَرّاءِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ، ولَكِنْ " رَأيْتَ " يَتَعَدّى في المَعْنى إلى ثَمَّ. والمَعْنى: إذا رَأيْتَ بِبَصَرِكَ ثَمَّ، ويَعْنِي بِثَمَّ الجَنَّةَ. قالَ السُّدِّيُّ: النَّعِيمُ ما يُتَنَعَّمُ بِهِ، والمُلْكُ الكَبِيرُ: اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ إنَّ " رَأيْتَ " لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ مَلْفُوظٌ ولا مُقَدَّرٌ ولا مَنوِيٌّ، بَلْ مَعْناهُ: أنَّ بَصَرَكَ أيْنَما وقَعَ في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا. ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ عالِيهِمْ بِسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وثِيابٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أوْ عَلى أنَّ ( عالِيهِمْ ) مُبْتَدَأٌ، و( ثِيابُ ) مُرْتَفِعٌ بِالفاعِلِيَّةِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدِ الوَصْفَ كَما هو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ثِيابُ سُنْدُسٍ، واسْمُ الفاعِلِ مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الهاءِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( ثِيابُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ فَوْقَهم ثِيابٌ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ ( عالِيَهم ) بِمَعْنى فَوْقَهم، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ أبُو حَيّانَ: عالٍ وعالِيَةٌ اسْمُ فاعِلٍ، فَيَحْتاجُ في كَوْنِهِما ظَرْفَيْنِ إلى أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: هَذا مِمّا لا نَعْرِفُهُ في الظُّرُوفِ ولَوْ كانَ ظَرْفًا لِمَ لَمْ يَجُزْ إسْكانُ الياءِ، ولَكِنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما الهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الأبْرارِ ( وِلْدانٌ ) عالِيًا الأبْرارَ ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ. والثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ: أيْ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ أبْدانِهِمْ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ في الحالِ إمّا لَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا وإمّا جَزاهم بِما صَبَرُوا. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " عَلَيْهِمْ " وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ المَعْنى ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " عَلِيَتْهم " . وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ ثِيابٍ إلى سُنْدُسٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَنْوِينِ ( ثِيابٌ ) وقَطْعِها عَنِ الإضافَةِ ورَفْعِ ( سُنْدُسٌ )، و﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ عَلى أنَّ السُّنْدُسَ نَعْتٌ لِلثِّيابِ؛ لِأنَّ السُّنْدُسَ نَوْعٌ مِنَ الثِّيابِ، وعَلى أنَّ " خُضْرٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أخْضَرُ وغَيْرُ أخْضَرٍ، وعَلى أنَّ ( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ: أيْ وثِيابُ إسْتَبْرَقٍ، والجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ اخْتَلَفُوا في ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى جَرِّ سُنْدُسٍ بِإضافَةِ ( ثِيابُ ) إلَيْهِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِجَرِّ " خُضْرٍ " نَعْتًا لِ ( سُنْدُسٍ ) ورَفْعِ ( إسْتَبْرَقُ ) عَطْفًا عَلى ( ثِيابُ ): أيْ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ وعَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ ( خُضَرٌ ) نَعْتًا لِ ( ثِيابُ )، وجَرِّ " إسْتَبْرَقٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ. واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، لِأنَّ الخُضْرَ أحْسَنُ ما كانَتْ نَعْتًا لِلثِّيابِ فَهي مَرْفُوعَةٌ، والإسْتَبْرَقُ مِن جِنْسِ السُّنْدُسِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ بِرَفْعِ ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ لِأنَّ ( خُضْرٌ ) نَعْتٌ لِلثِّيابِ، و( إسْتَبْرَقٌ ) عَطْفٌ عَلى الثِّيابِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّ " خُضْرٍ وإسْتَبْرَقٍ " عَلى أنَّ ( خُضْرٍ ) نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، و( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ. وقَرَءُوا كُلُّهم بِصَرْفِ ( إسْتَبْرَقٍ ) إلّا ابْنُ مُحَيْصِنٍ فَإنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ، قالَ: لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، ولا وجْهَ لِهَذا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ إلّا أنْ يَقُولَ إنَّهُ عَلَمٌ لِهَذا الجِنْسِ مِنَ الثِّيابِ. والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ. والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُنا أنَّهم يُحَلَّوْنَ بِأساوِرِ الفِضَّةِ وفي سُورَةِ فاطِرٍ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣] وفي سُورَةِ الحَجِّ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ لِإمْكانِ الجَمْعِ بِأنْ يَجْعَلَ لَهم سِواراتٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ولُؤْلُؤٍ، أوْ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم يَلْبَسُونَ سِواراتِ الذَّهَبِ تارَةً، وسِواراتِ الفِضَّةِ تارَةً، وسِواراتِ اللُّؤْلُؤِ تارَةً، أوْ أنَّهُ يَلْبَسُ كُلُّ أحَدٍ مِنهُ ما تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ عالِيَهم بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ) ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الشَّرابِ الَّذِي يَمُنُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ هو طَهُورٌ لَيْسَ بِنَجِسٍ كَما كانَ في الدُّنْيا مَوْصُوفًا بِالنَّجاسَةِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ طاهِرٌ لَيْسَ كَخَمْرِ الدُّنْيا. قالَ مُقاتِلٌ: هو عَيْنُ ماءٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ مَن شَرِبَ مِنها نَزَعَ اللَّهُ ما كانَ في قَلْبِهِ مَن غَشٍّ وغِلٍّ وحَسَدٍ. قالَ أبُو قِلابَةَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُؤْتُونَ بِالطَّعامِ، فَإذا كانَ آخِرُهُ أتَوْا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ، فَيَشْرَبُونَ فَتَضْمُرُ بُطُونُهم مِن ذَلِكَ ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن أبْدانِهِمْ مِثْلَ رِيحِ المِسْكِ. ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ أيْ يُقالُ لَهم: إنَّ هَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن أنْواعِ النِّعَمِ كانَ لَكم جَزاءً بِأعْمالِكم: أيْ ثَوابًا لَها ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ أيْ كانَ عَمَلُكم في الدُّنْيا بِطاعَةِ اللَّهِ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا، وشُكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعَمَلِ عَبْدِهِ هو قَبُولُهُ لِطاعَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الزَّمْهَرِيرُ هو البَرْدُ الشَّدِيدُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَها نَفَسَيْنِ: نَفَسًا في الصَّيْفِ، ونَفَسًا في الشِّتاءِ، فَشِدَّةُ ما تَجِدُونَ مِنَ البَرْدِ مِن زَمْهَرِيرِها، وشِدَّةُ ما تَجِدُونَ في (p-١٥٦٨)الصَّيْفِ مِنَ الحَرِّ مِن سَمُومِها» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ قِيامًا وقُعُودًا ومُضْطَجِعِينَ وعَلى أيِّ حالٍ شاءُوا. وفِي لَفْظٍ قالَ: ذُلِّلَتْ فَيَتَناوَلُونَ مِنها كَيْفَ شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وُصَفاؤُها كَصَفاءِ القَوارِيرِ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قُدِّرَتْ لِلْكَفِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: لَوْ أخَذْتَ فِضَّةً مِن فِضَّةِ الدُّنْيا فَضَرَبْتَها حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها، ولَكِنْ قَوارِيرَ الجَنَّةِ بَياضُ الفِضَّةِ في صَفاءِ القَوارِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ شَيْءٌ إلّا وقَدْ أعْطَيْتُمْ في الدُّنْيا شِبْهَهُ إلّا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ الفَمِ لا يُفَضِّلُونَ شَيْئًا ولا يَشْتَهُونَ بَعْدَها شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قَدَّرَتْها السُّقاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا مَن يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ خادِمٍ كُلُّ خادِمٍ عَلى عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ .

الإنسان 76:22

قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، والعامِلُ فِيها ( جَزى )، ولا يَعْمَلُ فِيها صَبَرُوا؛ لِأنَّ الصَّبْرَ إنَّما كانَ في الدُّنْيا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ ( جَنَّةٍ ) . قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ( مُتَّكِئِينَ ) تابِعًا، كَأنَّهُ قالَ: جَزاهم جَنَّةً مُتَّكِئِينَ فِيها. وقالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والضَّمِيرُ مِن فِيها يَعُودُ إلى الجَنَّةِ. والأرائِكُ: السُّرُرُ في الحِجالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ ( جَزاهم )، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَرادِفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَّكِئِينَ، فَتَكُونُ مِنَ الحالِ المُتَداخِلَةِ، أوْ صِفَةً أُخْرى لِلْجَنَّةِ. والزَّمْهَرِيرُ: أشَدُّ البَرْدِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَرَوْنَ في الجَنَّةِ حَرَّ الشَّمْسِ ولا بَرْدَ الزَّمْهَرِيرِ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎مُنَعَّمَةٌ طِفْلَةٌ كالمَها لَمْ تَرَ شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرا (p-١٥٦٦)وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَّمْهَرِيرُ: القَمَرُ بِلُغَةِ طَيِّءٍ، وأنْشَدَ لِشاعِرِهِمْ: ؎ولَيْلَةً ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ ويُرْوى ما ظَهَرَ: أيْ لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( دانِيَةً ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ لا يَرَوْنَ، أوْ عَلى مُتَّكِئِينَ، أوْ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ: أيْ وجَنَّةٍ دانِيَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: هو صِفَةٌ لِجَنَّةٍ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " ودانِيَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وظِلالُها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّ ظِلالَ الأشْجارِ قَرِيبَةٌ مِنهم مُظِلَّةٌ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ وإنْ كانَ لا شَمْسَ هُنالِكَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي شَجَرُها قَرِيبٌ مِنهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ودانِيًا عَلَيْهِمْ " ﴿ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( دانِيَةً ) كَأنَّهُ قالَ: ومُذَلَّلَةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، والقُطُوفُ الثِّمارُ، والمَعْنى: أنَّها سُخِّرَتْ ثِمارُها لِمُتَناوِلِيها تَسْخِيرًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يَتَناوَلُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ لا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ. قالَ النَّحّاسُ: المُذَلَّلُ: القَرِيبُ المُتَناوَلِ، . ومِنهُ قَوْلُهم حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ قَصِيرٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذُلِّلَتْ: أُدْنِيَتْ، مِن قَوْلِهِمْ حائِطٌ ذَلِيلٌ: أيْ كانَ قَصِيرَ السُّمْكِ. وقِيلَ ذُلِّلَتْ: أيْ جُعِلَتْ مُنْقادَةً لا تَمْتَنِعُ عَلى قِطافِها كَيْفَ شاءُوا. ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ أيْ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الخَدَمُ إذا أرادُوا الشَّرابَ بِآنِيَةِ الفِضَّةِ، والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ، وهو الكُوزُ العَظِيمُ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ ولا عُرْوَةَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيٍّ: ؎مُتَّكِئٌ تُقْرَعُ أبْوابُهُ ∗∗∗ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ﴿كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ في وصْفِ القَوارِيرِ في الصَّفاءِ وفي بَياضِ الفِضَّةِ، فَصَفاؤُها صَفاءُ الزُّجاجِ، ولَوْنُها لَوْنُ الفِضَّةِ. قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ قَوارِيرًا قَوارِيرًا بِالتَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَصْلِ، وبِالوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ( سَلاسِلَ ) مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وبَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ صَرْفِ ما فِيهِ صِيغَةُ مُنْتَهى الجُمُوعِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما وعَدَمِ الوَقْفِ بِالألِفِ، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ظاهِرٌ لِأنَّهُما مُمْتَنِعانِ لِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ. وقَرَأ هِشامٌ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما مَعَ الوَقْفِ عَلَيْهِما بِالألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَنْوِينِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، وابْنُ ذَكْوانَ بِعَدَمِ التَّنْوِينِ فِيهِما، والوَقْفِ عَلى الأوَّلِ بِالألِفِ دُونِ الثّانِي، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِ ( أكْوابٍ ) . قالَ أبُو البَقاءِ: وحُسْنُ التَّكْرِيرِ لِما اتَّصَلَ بِهِ مِن بَيانِ أصْلِها. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: جَعَلَ اللَّهُ قَوارِيرَ أهْلِ الجَنَّةِ مِن فِضَّةٍ، فاجْتَمَعَ لَها بَياضُ الفِضَّةِ وصَفاءُ القَوارِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: القَوارِيرُ الَّتِي في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْلِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ فَضْلَ تِلْكَ القَوارِيرِ أنَّ أصْلَها مِن فِضَّةٍ يُرى مِن خارِجِها ما في داخِلِها، وجُمْلَةُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ صِفَةً لِقَوارِيرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرُوها بِفَتْحِ القافِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ قَدَّرَها السُّقاةُ مِنَ الخَدَمِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الشّارِبُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ مَن دُونِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ بِغَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ ألَذُّ وأشْهى، وقِيلَ: قَدَّرَها المَلائِكَةُ، وقِيلَ قَدَّرَها أهْلُ الجَنَّةِ الشّارِبُونَ عَلى مِقْدارِ شَهَواتِهِمْ وحاجاتِهِمْ فَجاءَتْ كَما يُرِيدُونَ في الشَّكْلِ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والسُّلَمِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ قُدِّرُوها بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدّالِّ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ جُعِلَتْ لَهم عَلى قَدْرِ إرادَتِهِمْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ القَلْبِ، قالَ: لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ لا قَدَّرُوها؛ لِأنَّهُ في مَعْنى قُدِّرُوا عَلَيْها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: التَّقْدِيرُ قُدِّرَتِ الأوانِي عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ، فَمَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مَحْذُوفٌ. قالَ أبُو حَيّانَ: والأقْرَبُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنْ يُقالَ: قُدِّرَ رَيُّهم مِنها تَقْدِيرًا، فَحُذِفَ المُضافُ فَصارَ قُدِّرُوها. وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ القِراءَةَ الأخِيرَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، وكَأنَّ الأصْلَ قَدَرُوا عَلَيْها فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎آلَيْتُ حُبَّ العِراقِ الدَّهْرُ آكُلُهُ ∗∗∗ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ أيْ آلَيْتُ عَلى حُبِّ العِراقِ. ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الكَأْسَ هو الإناءُ فِيهِ الخَمْرُ، وإذا كانَ خالِيًا عَنِ الخَمْرِ فَلا يُقالُ لَهُ كَأْسٌ، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُسْقَوْنَ في الجَنَّةِ كَأْسًا مِنَ الخَمْرِ مَمْزُوجَةٌ بِالزَّنْجَبِيلِ وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَسْتَلِذُّ مَزْجَ الشَّرابِ بِالزَّنْجَبِيلِ لِطِيبِ رائِحَتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: الزَّنْجَبِيلُ اسْمٌ لِلْعَيْنِ الَّتِي يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو زَنْجَبِيلٌ لا يُشْبِهُ زَنْجَبِيلَ الدُّنْيا. ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ انْتِصابُ عَيْنًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كَأْسًا ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ يُسْقَوْنَ عَيْنًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن عَيْنٍ، والسَّلْسَبِيلُ: الشَّرابُ اللَّذِيذُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلاسَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا شَرابٌ سَلِسٌ، وسَلْسالٌ وسَلْسَبِيلٌ: أيْ طَيِّبٌ لَذِيذٌ. قالَ الزَّجّاجُ: السَّلْسَبِيلُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِماءٍ في غايَةِ السَّلاسَةِ حَدِيدُ الجَرْيَةِ يَسُوغُ في حُلُوقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ؎يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ كَأْسًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ شَرابِهِمْ، ووَصْفِ آنِيَتِهِمْ، ووَصْفِ السُّقاةِ الَّذِينَ يَسْقُونَهم ذَلِكَ الشَّرابَ. ومَعْنى مُخَلَّدُونَ باقُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّبابِ والطَّراوَةِ والنَّضارَةِ، لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، وقِيلَ مَعْنى مُخَلَّدُونَ لا يَمُوتُونَ، وقِيلَ التَّخْلِيدُ التَّحْلِيَةُ: أيْ مُحَلَّوْنَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ إذا نَظَرْتَ إلَيْهِمْ ظَنَنْتَهم لِمَزِيدِ حُسْنِهِمْ وصَفاءِ (p-١٥٦٧)ألْوانِهِمْ ونَضارَةِ وُجُوهِهِمْ لُؤْلُؤًا مُفَرَّقًا. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ في بَياضِ اللَّوْنِ وحُسْنِهِ، واللُّؤْلُؤُ إذا نُثِرَ مِنَ الخَيْطِ عَلى البِساطِ كانَ أحْسَنَ مِنهُ مَنظُومًا. قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنثُورِ لِانْتِثارِهِمْ في الخِدْمَةِ، ولَوْ كانُوا صَفًّا لَشُبِّهُوا بِالمَنظُومِ، وقِيلَ إنَّما شَبَّهَهم بِالمَنثُورِ لِأنَّهم سِراعٌ في الخِدْمَةِ، بِخِلافِ الحُورِ العِينِ فَإنَّهُ شَبَّهَهُنَّ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ لِأنَّهُنَّ لا يُمْتَهَنَّ بِالخِدْمَةِ. ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ أيْ وإذا رَمَيْتَ بِبَصَرِكَ هُناكَ، يَعْنِي في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا لا يُوصَفُ، ومُلْكًا كَبِيرًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ثَمَّ " ظَرْفُ مَكانٍ، والعامِلُ فِيها ( رَأيْتَ ) . قالَ الفَرّاءُ في الكَلامِ ما مُضْمَرَةٌ: أيْ وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] أيْ ما بَيْنَكم. قالَ الزَّجّاجُ مُعْتَرِضًا عَلى الفَرّاءِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ، ولَكِنْ " رَأيْتَ " يَتَعَدّى في المَعْنى إلى ثَمَّ. والمَعْنى: إذا رَأيْتَ بِبَصَرِكَ ثَمَّ، ويَعْنِي بِثَمَّ الجَنَّةَ. قالَ السُّدِّيُّ: النَّعِيمُ ما يُتَنَعَّمُ بِهِ، والمُلْكُ الكَبِيرُ: اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ إنَّ " رَأيْتَ " لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ مَلْفُوظٌ ولا مُقَدَّرٌ ولا مَنوِيٌّ، بَلْ مَعْناهُ: أنَّ بَصَرَكَ أيْنَما وقَعَ في الجَنَّةِ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا. ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ عالِيهِمْ بِسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وثِيابٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أوْ عَلى أنَّ ( عالِيهِمْ ) مُبْتَدَأٌ، و( ثِيابُ ) مُرْتَفِعٌ بِالفاعِلِيَّةِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدِ الوَصْفَ كَما هو مَذْهَبُ الأخْفَشِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ثِيابُ سُنْدُسٍ، واسْمُ الفاعِلِ مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الهاءِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( ثِيابُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ فَوْقَهم ثِيابٌ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّ ( عالِيَهم ) بِمَعْنى فَوْقَهم، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ أبُو حَيّانَ: عالٍ وعالِيَةٌ اسْمُ فاعِلٍ، فَيَحْتاجُ في كَوْنِهِما ظَرْفَيْنِ إلى أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: هَذا مِمّا لا نَعْرِفُهُ في الظُّرُوفِ ولَوْ كانَ ظَرْفًا لِمَ لَمْ يَجُزْ إسْكانُ الياءِ، ولَكِنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما الهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الأبْرارِ ( وِلْدانٌ ) عالِيًا الأبْرارَ ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ. والثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ: أيْ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ أبْدانِهِمْ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ في الحالِ إمّا لَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا وإمّا جَزاهم بِما صَبَرُوا. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " عَلَيْهِمْ " وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ المَعْنى ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " عَلِيَتْهم " . وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ ثِيابٍ إلى سُنْدُسٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَنْوِينِ ( ثِيابٌ ) وقَطْعِها عَنِ الإضافَةِ ورَفْعِ ( سُنْدُسٌ )، و﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ عَلى أنَّ السُّنْدُسَ نَعْتٌ لِلثِّيابِ؛ لِأنَّ السُّنْدُسَ نَوْعٌ مِنَ الثِّيابِ، وعَلى أنَّ " خُضْرٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أخْضَرُ وغَيْرُ أخْضَرٍ، وعَلى أنَّ ( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ: أيْ وثِيابُ إسْتَبْرَقٍ، والجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ اخْتَلَفُوا في ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى جَرِّ سُنْدُسٍ بِإضافَةِ ( ثِيابُ ) إلَيْهِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِجَرِّ " خُضْرٍ " نَعْتًا لِ ( سُنْدُسٍ ) ورَفْعِ ( إسْتَبْرَقُ ) عَطْفًا عَلى ( ثِيابُ ): أيْ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ وعَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ ( خُضَرٌ ) نَعْتًا لِ ( ثِيابُ )، وجَرِّ " إسْتَبْرَقٍ " نَعْتٌ لِسُنْدُسٍ. واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، لِأنَّ الخُضْرَ أحْسَنُ ما كانَتْ نَعْتًا لِلثِّيابِ فَهي مَرْفُوعَةٌ، والإسْتَبْرَقُ مِن جِنْسِ السُّنْدُسِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ بِرَفْعِ ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ لِأنَّ ( خُضْرٌ ) نَعْتٌ لِلثِّيابِ، و( إسْتَبْرَقٌ ) عَطْفٌ عَلى الثِّيابِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّ " خُضْرٍ وإسْتَبْرَقٍ " عَلى أنَّ ( خُضْرٍ ) نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، و( إسْتَبْرَقٍ ) مَعْطُوفٌ عَلى سُنْدُسٍ. وقَرَءُوا كُلُّهم بِصَرْفِ ( إسْتَبْرَقٍ ) إلّا ابْنُ مُحَيْصِنٍ فَإنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ، قالَ: لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، ولا وجْهَ لِهَذا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ إلّا أنْ يَقُولَ إنَّهُ عَلَمٌ لِهَذا الجِنْسِ مِنَ الثِّيابِ. والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ. والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُنا أنَّهم يُحَلَّوْنَ بِأساوِرِ الفِضَّةِ وفي سُورَةِ فاطِرٍ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣] وفي سُورَةِ الحَجِّ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ لِإمْكانِ الجَمْعِ بِأنْ يَجْعَلَ لَهم سِواراتٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ولُؤْلُؤٍ، أوْ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم يَلْبَسُونَ سِواراتِ الذَّهَبِ تارَةً، وسِواراتِ الفِضَّةِ تارَةً، وسِواراتِ اللُّؤْلُؤِ تارَةً، أوْ أنَّهُ يَلْبَسُ كُلُّ أحَدٍ مِنهُ ما تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ عالِيَهم بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ) ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الشَّرابِ الَّذِي يَمُنُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ هو طَهُورٌ لَيْسَ بِنَجِسٍ كَما كانَ في الدُّنْيا مَوْصُوفًا بِالنَّجاسَةِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ طاهِرٌ لَيْسَ كَخَمْرِ الدُّنْيا. قالَ مُقاتِلٌ: هو عَيْنُ ماءٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ مَن شَرِبَ مِنها نَزَعَ اللَّهُ ما كانَ في قَلْبِهِ مَن غَشٍّ وغِلٍّ وحَسَدٍ. قالَ أبُو قِلابَةَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُؤْتُونَ بِالطَّعامِ، فَإذا كانَ آخِرُهُ أتَوْا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ، فَيَشْرَبُونَ فَتَضْمُرُ بُطُونُهم مِن ذَلِكَ ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن أبْدانِهِمْ مِثْلَ رِيحِ المِسْكِ. ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ أيْ يُقالُ لَهم: إنَّ هَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن أنْواعِ النِّعَمِ كانَ لَكم جَزاءً بِأعْمالِكم: أيْ ثَوابًا لَها ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ أيْ كانَ عَمَلُكم في الدُّنْيا بِطاعَةِ اللَّهِ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا، وشُكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعَمَلِ عَبْدِهِ هو قَبُولُهُ لِطاعَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الزَّمْهَرِيرُ هو البَرْدُ الشَّدِيدُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَها نَفَسَيْنِ: نَفَسًا في الصَّيْفِ، ونَفَسًا في الشِّتاءِ، فَشِدَّةُ ما تَجِدُونَ مِنَ البَرْدِ مِن زَمْهَرِيرِها، وشِدَّةُ ما تَجِدُونَ في (p-١٥٦٨)الصَّيْفِ مِنَ الحَرِّ مِن سَمُومِها» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ قِيامًا وقُعُودًا ومُضْطَجِعِينَ وعَلى أيِّ حالٍ شاءُوا. وفِي لَفْظٍ قالَ: ذُلِّلَتْ فَيَتَناوَلُونَ مِنها كَيْفَ شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وُصَفاؤُها كَصَفاءِ القَوارِيرِ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قُدِّرَتْ لِلْكَفِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: لَوْ أخَذْتَ فِضَّةً مِن فِضَّةِ الدُّنْيا فَضَرَبْتَها حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها، ولَكِنْ قَوارِيرَ الجَنَّةِ بَياضُ الفِضَّةِ في صَفاءِ القَوارِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ شَيْءٌ إلّا وقَدْ أعْطَيْتُمْ في الدُّنْيا شِبْهَهُ إلّا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: أتَوْا بِها عَلى قَدْرِ الفَمِ لا يُفَضِّلُونَ شَيْئًا ولا يَشْتَهُونَ بَعْدَها شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ قالَ: قَدَّرَتْها السُّقاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا مَن يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ خادِمٍ كُلُّ خادِمٍ عَلى عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ .

الإنسان 76:23

قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ أيْ فَرَّقْناهُ في الإنْزالِ ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً واحِدَةً. وقِيلَ المَعْنى: نَزَّلْناهُ عَلَيْكَ ولَمْ تَأْتِ بِهِ مِن عِنْدِكَ كَما يَدَّعِيهِ المُشْرِكُونَ. ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِقَضائِهِ، ومِن حُكْمِهِ وقَضائِهِ تَأْخِيرُ نَصْرِكَ إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ. قِيلَ وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ أيْ لا تُطِعْ كُلَّ واحِدٍ مِن مُرْتَكِبٍ لِإثْمٍ وغالٍ في كُفْرٍ، فَنَهاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الألِفَ هُنا آكُدُ مِنَ الواوِ وحْدَها لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا، فَأطاعَ أحَدَهُما كانَ غَيْرَ عاصٍ؛ لِأنَّهُ أمَرَهُ أنْ لا يُطِيعَ الِاثْنَيْنِ، فَإذا قالَ: لا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُعْصى، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُخالِفِ الحَسَنَ أوْ ابْنَ سِيرِينَ، فَقَدْ قُلْتَ إنَّهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعَ. وقالَ الفَرّاءُ " أوْ " هُنا بِمَنزِلَةِ ( لا )، كَأنَّهُ قالَ: ولا كَفُورًا. وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: آثِمًا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وبِقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفُورًا﴾ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، لِأنَّهُما قالا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ. ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ أيْ دُمْ عَلى ذِكْرِهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِرَبِّكَ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ، فَأوَّلُ النَّهارِ صَلاةُ الصُّبْحِ، وآخِرُهُ صَلاةُ العَصْرِ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾ أيْ صَلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ. وقِيلَ المُرادُ الصَّلاةُ في بَعْضِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ الذِّكْرُ بِالتَّسْبِيحِ سَواءٌ كانَ في الصَّلاةِ أوْ في غَيْرِها. وقِيلَ المُرادُ التَّطَوُّعُ في اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. وقِيلَ الأمْرُ لِلنَّدْبِ. وقِيلَ هو مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ . ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ومَن هو مُوافِقٌ لَهم. والمَعْنى: أنَّهم يُحِبُّونَ الدّارَ العاجِلَةَ، وهي دارُ الدُّنْيا ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ أيْ يَتْرُكُونَ ويَدَعُونَ وراءَهم: أيْ خَلْفَهم أوْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وأمامَهم يَوْمًا شَدِيدًا عَسِيرًا، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وسُمِّيَ ثَقِيلًا لِما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والأهْوالِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ يَذَرُونَهُ وراءَهم: أنَّهم لا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ ولا يَعْبَئُونَ بِهِ، فَهم كَمَنَ يَنْبِذُ الشَّيْءَ وراءَ ظَهْرِهِ تَهاوُنًا بِهِ واسْتِخْفافًا بِشَأْنِهِ، وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ وهو أمامَهم. ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾ أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ إلى أنْ كَمُلَ خَلْقَهم، ولَمْ يَكُنْ لِغَيْرِنا في ذَلِكَ عَمَلٌ ولا سَعْيٌ لا اشْتِراكًا ولا اسْتِقْلالًا ﴿وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ الأسْرُ: شِدَّةُ الخَلْقِ، يُقالُ شَدَّ اللَّهُ أسْرَ فُلانٍ: أيْ قَوّى خَلْقَهُ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ وغَيْرُهم: شَدَدْنا خَلْقَهم. قالَ الحَسَنُ: شَدَدْنا أوْصالَهم بَعْضًا إلى بَعْضٍ بِالعُرُوقِ والعَصَبِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ فَرَسٌ شَدِيدُ الأسْرِ: أيِ الخَلْقِ. قالَ لَبِيدٌ: ؎ساهِمُ الوَجْهِ شَدِيدٌ أسْرُهُ مُشْرِفُ الحارِكِ مَحْبُوكُ القَتَدِ وقالَ الأخْطَلُ: ؎مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالا وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأُسَرُ القُوَّةُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الإسارِ، وهو القَدُّ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنُ أحْمَرَ يَصِفُ فَرَسًا: ؎يَمْشِي بَأوْطَفَةٍ شِدادٍ أسْرُها ∗∗∗ شَمُّ السَّبائِكِ لا تَفِي بِالجُدْجُدِ ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ أيْ لَوْ شِئْنا لَأهْلَكْناهم وجِئْنا بِأطْوَعَ لِلَّهِ مِنهم. وقِيلَ: المَعْنى: مَسَخْناهم إلى أسْمَجِ صُورَةٍ وأقْبَحِ خِلْقَةٍ. ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أيْ طَرِيقًا يَتَوَسَّلُ بِهِ إلَيْهِ، وذَلِكَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. والمُرادُ إلى ثَوابِهِ أوْ إلى جَنَّتِهِ. ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ وما تَشاءُونَ أنْ تَتَّخِذُوا إلى اللَّهِ سَبِيلًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، فالأمْرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ إلَيْهِمْ، والخَيْرُ والشَّرُّ بِيَدِهِ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ؛ فَمَشِيئَةُ العَبْدِ مُجَرَّدَةٌ لا (p-١٥٦٩)تَأْتِي بِخَيْرٍ ولا تَدْفَعُ شَرًّا، وإنْ كانَ يُثابُ عَلى المَشِيئَةِ الصّالِحَةِ، ويُؤْجَرُ عَلى قَصْدِ الخَيْرِ كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» . قالَ الزَّجّاجُ أيْ لَسْتُمْ تَشاءُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ: أيْ بَلِيغُ العَلَمِ والحِكْمَةِ. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ يُدْخِلُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها، أوْ يُدْخِلُ في جَنَّتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قالَ عَطاءٌ: مَن صَدَقَتْ نِيَّتُهُ أدْخَلَهُ جَنَّتَهُ ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ انْتِصابُ ( الظّالِمِينَ ) بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ يُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، نُصِبَ ( الظّالِمِينَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ أيْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ: أيِ المُشْرِكِينَ، ويَكُونُ ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾ تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، والِاخْتِيارُ النَّصْبُ وإنَّ جازَ الرَّفْعُ، وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنَ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ: خَلَقَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ هي المَفاصِلُ.

الإنسان 76:24

قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ أيْ فَرَّقْناهُ في الإنْزالِ ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً واحِدَةً. وقِيلَ المَعْنى: نَزَّلْناهُ عَلَيْكَ ولَمْ تَأْتِ بِهِ مِن عِنْدِكَ كَما يَدَّعِيهِ المُشْرِكُونَ. ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِقَضائِهِ، ومِن حُكْمِهِ وقَضائِهِ تَأْخِيرُ نَصْرِكَ إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ. قِيلَ وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ أيْ لا تُطِعْ كُلَّ واحِدٍ مِن مُرْتَكِبٍ لِإثْمٍ وغالٍ في كُفْرٍ، فَنَهاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الألِفَ هُنا آكُدُ مِنَ الواوِ وحْدَها لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا، فَأطاعَ أحَدَهُما كانَ غَيْرَ عاصٍ؛ لِأنَّهُ أمَرَهُ أنْ لا يُطِيعَ الِاثْنَيْنِ، فَإذا قالَ: لا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُعْصى، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُخالِفِ الحَسَنَ أوْ ابْنَ سِيرِينَ، فَقَدْ قُلْتَ إنَّهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعَ. وقالَ الفَرّاءُ " أوْ " هُنا بِمَنزِلَةِ ( لا )، كَأنَّهُ قالَ: ولا كَفُورًا. وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: آثِمًا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وبِقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفُورًا﴾ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، لِأنَّهُما قالا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ. ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ أيْ دُمْ عَلى ذِكْرِهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِرَبِّكَ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ، فَأوَّلُ النَّهارِ صَلاةُ الصُّبْحِ، وآخِرُهُ صَلاةُ العَصْرِ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾ أيْ صَلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ. وقِيلَ المُرادُ الصَّلاةُ في بَعْضِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ الذِّكْرُ بِالتَّسْبِيحِ سَواءٌ كانَ في الصَّلاةِ أوْ في غَيْرِها. وقِيلَ المُرادُ التَّطَوُّعُ في اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. وقِيلَ الأمْرُ لِلنَّدْبِ. وقِيلَ هو مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ . ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ومَن هو مُوافِقٌ لَهم. والمَعْنى: أنَّهم يُحِبُّونَ الدّارَ العاجِلَةَ، وهي دارُ الدُّنْيا ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ أيْ يَتْرُكُونَ ويَدَعُونَ وراءَهم: أيْ خَلْفَهم أوْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وأمامَهم يَوْمًا شَدِيدًا عَسِيرًا، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وسُمِّيَ ثَقِيلًا لِما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والأهْوالِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ يَذَرُونَهُ وراءَهم: أنَّهم لا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ ولا يَعْبَئُونَ بِهِ، فَهم كَمَنَ يَنْبِذُ الشَّيْءَ وراءَ ظَهْرِهِ تَهاوُنًا بِهِ واسْتِخْفافًا بِشَأْنِهِ، وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ وهو أمامَهم. ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾ أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ إلى أنْ كَمُلَ خَلْقَهم، ولَمْ يَكُنْ لِغَيْرِنا في ذَلِكَ عَمَلٌ ولا سَعْيٌ لا اشْتِراكًا ولا اسْتِقْلالًا ﴿وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ الأسْرُ: شِدَّةُ الخَلْقِ، يُقالُ شَدَّ اللَّهُ أسْرَ فُلانٍ: أيْ قَوّى خَلْقَهُ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ وغَيْرُهم: شَدَدْنا خَلْقَهم. قالَ الحَسَنُ: شَدَدْنا أوْصالَهم بَعْضًا إلى بَعْضٍ بِالعُرُوقِ والعَصَبِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ فَرَسٌ شَدِيدُ الأسْرِ: أيِ الخَلْقِ. قالَ لَبِيدٌ: ؎ساهِمُ الوَجْهِ شَدِيدٌ أسْرُهُ مُشْرِفُ الحارِكِ مَحْبُوكُ القَتَدِ وقالَ الأخْطَلُ: ؎مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالا وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأُسَرُ القُوَّةُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الإسارِ، وهو القَدُّ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنُ أحْمَرَ يَصِفُ فَرَسًا: ؎يَمْشِي بَأوْطَفَةٍ شِدادٍ أسْرُها ∗∗∗ شَمُّ السَّبائِكِ لا تَفِي بِالجُدْجُدِ ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ أيْ لَوْ شِئْنا لَأهْلَكْناهم وجِئْنا بِأطْوَعَ لِلَّهِ مِنهم. وقِيلَ: المَعْنى: مَسَخْناهم إلى أسْمَجِ صُورَةٍ وأقْبَحِ خِلْقَةٍ. ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أيْ طَرِيقًا يَتَوَسَّلُ بِهِ إلَيْهِ، وذَلِكَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. والمُرادُ إلى ثَوابِهِ أوْ إلى جَنَّتِهِ. ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ وما تَشاءُونَ أنْ تَتَّخِذُوا إلى اللَّهِ سَبِيلًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، فالأمْرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ إلَيْهِمْ، والخَيْرُ والشَّرُّ بِيَدِهِ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ؛ فَمَشِيئَةُ العَبْدِ مُجَرَّدَةٌ لا (p-١٥٦٩)تَأْتِي بِخَيْرٍ ولا تَدْفَعُ شَرًّا، وإنْ كانَ يُثابُ عَلى المَشِيئَةِ الصّالِحَةِ، ويُؤْجَرُ عَلى قَصْدِ الخَيْرِ كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» . قالَ الزَّجّاجُ أيْ لَسْتُمْ تَشاءُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ: أيْ بَلِيغُ العَلَمِ والحِكْمَةِ. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ يُدْخِلُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها، أوْ يُدْخِلُ في جَنَّتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قالَ عَطاءٌ: مَن صَدَقَتْ نِيَّتُهُ أدْخَلَهُ جَنَّتَهُ ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ انْتِصابُ ( الظّالِمِينَ ) بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ يُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، نُصِبَ ( الظّالِمِينَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ أيْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ: أيِ المُشْرِكِينَ، ويَكُونُ ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾ تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، والِاخْتِيارُ النَّصْبُ وإنَّ جازَ الرَّفْعُ، وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنَ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ: خَلَقَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ هي المَفاصِلُ.

الإنسان 76:25

قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ أيْ فَرَّقْناهُ في الإنْزالِ ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً واحِدَةً. وقِيلَ المَعْنى: نَزَّلْناهُ عَلَيْكَ ولَمْ تَأْتِ بِهِ مِن عِنْدِكَ كَما يَدَّعِيهِ المُشْرِكُونَ. ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِقَضائِهِ، ومِن حُكْمِهِ وقَضائِهِ تَأْخِيرُ نَصْرِكَ إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ. قِيلَ وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ أيْ لا تُطِعْ كُلَّ واحِدٍ مِن مُرْتَكِبٍ لِإثْمٍ وغالٍ في كُفْرٍ، فَنَهاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الألِفَ هُنا آكُدُ مِنَ الواوِ وحْدَها لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا، فَأطاعَ أحَدَهُما كانَ غَيْرَ عاصٍ؛ لِأنَّهُ أمَرَهُ أنْ لا يُطِيعَ الِاثْنَيْنِ، فَإذا قالَ: لا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُعْصى، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُخالِفِ الحَسَنَ أوْ ابْنَ سِيرِينَ، فَقَدْ قُلْتَ إنَّهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعَ. وقالَ الفَرّاءُ " أوْ " هُنا بِمَنزِلَةِ ( لا )، كَأنَّهُ قالَ: ولا كَفُورًا. وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: آثِمًا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وبِقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفُورًا﴾ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، لِأنَّهُما قالا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ. ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ أيْ دُمْ عَلى ذِكْرِهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِرَبِّكَ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ، فَأوَّلُ النَّهارِ صَلاةُ الصُّبْحِ، وآخِرُهُ صَلاةُ العَصْرِ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾ أيْ صَلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ. وقِيلَ المُرادُ الصَّلاةُ في بَعْضِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ الذِّكْرُ بِالتَّسْبِيحِ سَواءٌ كانَ في الصَّلاةِ أوْ في غَيْرِها. وقِيلَ المُرادُ التَّطَوُّعُ في اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. وقِيلَ الأمْرُ لِلنَّدْبِ. وقِيلَ هو مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ . ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ومَن هو مُوافِقٌ لَهم. والمَعْنى: أنَّهم يُحِبُّونَ الدّارَ العاجِلَةَ، وهي دارُ الدُّنْيا ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ أيْ يَتْرُكُونَ ويَدَعُونَ وراءَهم: أيْ خَلْفَهم أوْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وأمامَهم يَوْمًا شَدِيدًا عَسِيرًا، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وسُمِّيَ ثَقِيلًا لِما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والأهْوالِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ يَذَرُونَهُ وراءَهم: أنَّهم لا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ ولا يَعْبَئُونَ بِهِ، فَهم كَمَنَ يَنْبِذُ الشَّيْءَ وراءَ ظَهْرِهِ تَهاوُنًا بِهِ واسْتِخْفافًا بِشَأْنِهِ، وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ وهو أمامَهم. ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾ أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ إلى أنْ كَمُلَ خَلْقَهم، ولَمْ يَكُنْ لِغَيْرِنا في ذَلِكَ عَمَلٌ ولا سَعْيٌ لا اشْتِراكًا ولا اسْتِقْلالًا ﴿وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ الأسْرُ: شِدَّةُ الخَلْقِ، يُقالُ شَدَّ اللَّهُ أسْرَ فُلانٍ: أيْ قَوّى خَلْقَهُ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ وغَيْرُهم: شَدَدْنا خَلْقَهم. قالَ الحَسَنُ: شَدَدْنا أوْصالَهم بَعْضًا إلى بَعْضٍ بِالعُرُوقِ والعَصَبِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ فَرَسٌ شَدِيدُ الأسْرِ: أيِ الخَلْقِ. قالَ لَبِيدٌ: ؎ساهِمُ الوَجْهِ شَدِيدٌ أسْرُهُ مُشْرِفُ الحارِكِ مَحْبُوكُ القَتَدِ وقالَ الأخْطَلُ: ؎مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالا وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأُسَرُ القُوَّةُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الإسارِ، وهو القَدُّ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنُ أحْمَرَ يَصِفُ فَرَسًا: ؎يَمْشِي بَأوْطَفَةٍ شِدادٍ أسْرُها ∗∗∗ شَمُّ السَّبائِكِ لا تَفِي بِالجُدْجُدِ ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ أيْ لَوْ شِئْنا لَأهْلَكْناهم وجِئْنا بِأطْوَعَ لِلَّهِ مِنهم. وقِيلَ: المَعْنى: مَسَخْناهم إلى أسْمَجِ صُورَةٍ وأقْبَحِ خِلْقَةٍ. ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أيْ طَرِيقًا يَتَوَسَّلُ بِهِ إلَيْهِ، وذَلِكَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. والمُرادُ إلى ثَوابِهِ أوْ إلى جَنَّتِهِ. ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ وما تَشاءُونَ أنْ تَتَّخِذُوا إلى اللَّهِ سَبِيلًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، فالأمْرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ إلَيْهِمْ، والخَيْرُ والشَّرُّ بِيَدِهِ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ؛ فَمَشِيئَةُ العَبْدِ مُجَرَّدَةٌ لا (p-١٥٦٩)تَأْتِي بِخَيْرٍ ولا تَدْفَعُ شَرًّا، وإنْ كانَ يُثابُ عَلى المَشِيئَةِ الصّالِحَةِ، ويُؤْجَرُ عَلى قَصْدِ الخَيْرِ كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» . قالَ الزَّجّاجُ أيْ لَسْتُمْ تَشاءُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ: أيْ بَلِيغُ العَلَمِ والحِكْمَةِ. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ يُدْخِلُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها، أوْ يُدْخِلُ في جَنَّتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قالَ عَطاءٌ: مَن صَدَقَتْ نِيَّتُهُ أدْخَلَهُ جَنَّتَهُ ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ انْتِصابُ ( الظّالِمِينَ ) بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ يُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، نُصِبَ ( الظّالِمِينَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ أيْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ: أيِ المُشْرِكِينَ، ويَكُونُ ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾ تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، والِاخْتِيارُ النَّصْبُ وإنَّ جازَ الرَّفْعُ، وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنَ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ: خَلَقَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ هي المَفاصِلُ.

الإنسان 76:26

قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ أيْ فَرَّقْناهُ في الإنْزالِ ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً واحِدَةً. وقِيلَ المَعْنى: نَزَّلْناهُ عَلَيْكَ ولَمْ تَأْتِ بِهِ مِن عِنْدِكَ كَما يَدَّعِيهِ المُشْرِكُونَ. ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِقَضائِهِ، ومِن حُكْمِهِ وقَضائِهِ تَأْخِيرُ نَصْرِكَ إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ. قِيلَ وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ أيْ لا تُطِعْ كُلَّ واحِدٍ مِن مُرْتَكِبٍ لِإثْمٍ وغالٍ في كُفْرٍ، فَنَهاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الألِفَ هُنا آكُدُ مِنَ الواوِ وحْدَها لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا، فَأطاعَ أحَدَهُما كانَ غَيْرَ عاصٍ؛ لِأنَّهُ أمَرَهُ أنْ لا يُطِيعَ الِاثْنَيْنِ، فَإذا قالَ: لا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُعْصى، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُخالِفِ الحَسَنَ أوْ ابْنَ سِيرِينَ، فَقَدْ قُلْتَ إنَّهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعَ. وقالَ الفَرّاءُ " أوْ " هُنا بِمَنزِلَةِ ( لا )، كَأنَّهُ قالَ: ولا كَفُورًا. وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: آثِمًا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وبِقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفُورًا﴾ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، لِأنَّهُما قالا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ. ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ أيْ دُمْ عَلى ذِكْرِهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِرَبِّكَ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ، فَأوَّلُ النَّهارِ صَلاةُ الصُّبْحِ، وآخِرُهُ صَلاةُ العَصْرِ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾ أيْ صَلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ. وقِيلَ المُرادُ الصَّلاةُ في بَعْضِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ الذِّكْرُ بِالتَّسْبِيحِ سَواءٌ كانَ في الصَّلاةِ أوْ في غَيْرِها. وقِيلَ المُرادُ التَّطَوُّعُ في اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. وقِيلَ الأمْرُ لِلنَّدْبِ. وقِيلَ هو مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ . ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ومَن هو مُوافِقٌ لَهم. والمَعْنى: أنَّهم يُحِبُّونَ الدّارَ العاجِلَةَ، وهي دارُ الدُّنْيا ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ أيْ يَتْرُكُونَ ويَدَعُونَ وراءَهم: أيْ خَلْفَهم أوْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وأمامَهم يَوْمًا شَدِيدًا عَسِيرًا، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وسُمِّيَ ثَقِيلًا لِما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والأهْوالِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ يَذَرُونَهُ وراءَهم: أنَّهم لا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ ولا يَعْبَئُونَ بِهِ، فَهم كَمَنَ يَنْبِذُ الشَّيْءَ وراءَ ظَهْرِهِ تَهاوُنًا بِهِ واسْتِخْفافًا بِشَأْنِهِ، وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ وهو أمامَهم. ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾ أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ إلى أنْ كَمُلَ خَلْقَهم، ولَمْ يَكُنْ لِغَيْرِنا في ذَلِكَ عَمَلٌ ولا سَعْيٌ لا اشْتِراكًا ولا اسْتِقْلالًا ﴿وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ الأسْرُ: شِدَّةُ الخَلْقِ، يُقالُ شَدَّ اللَّهُ أسْرَ فُلانٍ: أيْ قَوّى خَلْقَهُ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ وغَيْرُهم: شَدَدْنا خَلْقَهم. قالَ الحَسَنُ: شَدَدْنا أوْصالَهم بَعْضًا إلى بَعْضٍ بِالعُرُوقِ والعَصَبِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ فَرَسٌ شَدِيدُ الأسْرِ: أيِ الخَلْقِ. قالَ لَبِيدٌ: ؎ساهِمُ الوَجْهِ شَدِيدٌ أسْرُهُ مُشْرِفُ الحارِكِ مَحْبُوكُ القَتَدِ وقالَ الأخْطَلُ: ؎مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالا وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأُسَرُ القُوَّةُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الإسارِ، وهو القَدُّ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنُ أحْمَرَ يَصِفُ فَرَسًا: ؎يَمْشِي بَأوْطَفَةٍ شِدادٍ أسْرُها ∗∗∗ شَمُّ السَّبائِكِ لا تَفِي بِالجُدْجُدِ ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ أيْ لَوْ شِئْنا لَأهْلَكْناهم وجِئْنا بِأطْوَعَ لِلَّهِ مِنهم. وقِيلَ: المَعْنى: مَسَخْناهم إلى أسْمَجِ صُورَةٍ وأقْبَحِ خِلْقَةٍ. ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أيْ طَرِيقًا يَتَوَسَّلُ بِهِ إلَيْهِ، وذَلِكَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. والمُرادُ إلى ثَوابِهِ أوْ إلى جَنَّتِهِ. ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ وما تَشاءُونَ أنْ تَتَّخِذُوا إلى اللَّهِ سَبِيلًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، فالأمْرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ إلَيْهِمْ، والخَيْرُ والشَّرُّ بِيَدِهِ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ؛ فَمَشِيئَةُ العَبْدِ مُجَرَّدَةٌ لا (p-١٥٦٩)تَأْتِي بِخَيْرٍ ولا تَدْفَعُ شَرًّا، وإنْ كانَ يُثابُ عَلى المَشِيئَةِ الصّالِحَةِ، ويُؤْجَرُ عَلى قَصْدِ الخَيْرِ كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» . قالَ الزَّجّاجُ أيْ لَسْتُمْ تَشاءُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ: أيْ بَلِيغُ العَلَمِ والحِكْمَةِ. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ يُدْخِلُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها، أوْ يُدْخِلُ في جَنَّتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قالَ عَطاءٌ: مَن صَدَقَتْ نِيَّتُهُ أدْخَلَهُ جَنَّتَهُ ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ انْتِصابُ ( الظّالِمِينَ ) بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ يُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، نُصِبَ ( الظّالِمِينَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ أيْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ: أيِ المُشْرِكِينَ، ويَكُونُ ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾ تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، والِاخْتِيارُ النَّصْبُ وإنَّ جازَ الرَّفْعُ، وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنَ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ: خَلَقَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ هي المَفاصِلُ.

الإنسان 76:27

قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ أيْ فَرَّقْناهُ في الإنْزالِ ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً واحِدَةً. وقِيلَ المَعْنى: نَزَّلْناهُ عَلَيْكَ ولَمْ تَأْتِ بِهِ مِن عِنْدِكَ كَما يَدَّعِيهِ المُشْرِكُونَ. ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِقَضائِهِ، ومِن حُكْمِهِ وقَضائِهِ تَأْخِيرُ نَصْرِكَ إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ. قِيلَ وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ أيْ لا تُطِعْ كُلَّ واحِدٍ مِن مُرْتَكِبٍ لِإثْمٍ وغالٍ في كُفْرٍ، فَنَهاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الألِفَ هُنا آكُدُ مِنَ الواوِ وحْدَها لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا، فَأطاعَ أحَدَهُما كانَ غَيْرَ عاصٍ؛ لِأنَّهُ أمَرَهُ أنْ لا يُطِيعَ الِاثْنَيْنِ، فَإذا قالَ: لا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُعْصى، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُخالِفِ الحَسَنَ أوْ ابْنَ سِيرِينَ، فَقَدْ قُلْتَ إنَّهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعَ. وقالَ الفَرّاءُ " أوْ " هُنا بِمَنزِلَةِ ( لا )، كَأنَّهُ قالَ: ولا كَفُورًا. وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: آثِمًا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وبِقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفُورًا﴾ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، لِأنَّهُما قالا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ. ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ أيْ دُمْ عَلى ذِكْرِهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِرَبِّكَ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ، فَأوَّلُ النَّهارِ صَلاةُ الصُّبْحِ، وآخِرُهُ صَلاةُ العَصْرِ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾ أيْ صَلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ. وقِيلَ المُرادُ الصَّلاةُ في بَعْضِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ الذِّكْرُ بِالتَّسْبِيحِ سَواءٌ كانَ في الصَّلاةِ أوْ في غَيْرِها. وقِيلَ المُرادُ التَّطَوُّعُ في اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. وقِيلَ الأمْرُ لِلنَّدْبِ. وقِيلَ هو مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ . ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ومَن هو مُوافِقٌ لَهم. والمَعْنى: أنَّهم يُحِبُّونَ الدّارَ العاجِلَةَ، وهي دارُ الدُّنْيا ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ أيْ يَتْرُكُونَ ويَدَعُونَ وراءَهم: أيْ خَلْفَهم أوْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وأمامَهم يَوْمًا شَدِيدًا عَسِيرًا، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وسُمِّيَ ثَقِيلًا لِما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والأهْوالِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ يَذَرُونَهُ وراءَهم: أنَّهم لا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ ولا يَعْبَئُونَ بِهِ، فَهم كَمَنَ يَنْبِذُ الشَّيْءَ وراءَ ظَهْرِهِ تَهاوُنًا بِهِ واسْتِخْفافًا بِشَأْنِهِ، وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ وهو أمامَهم. ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾ أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ إلى أنْ كَمُلَ خَلْقَهم، ولَمْ يَكُنْ لِغَيْرِنا في ذَلِكَ عَمَلٌ ولا سَعْيٌ لا اشْتِراكًا ولا اسْتِقْلالًا ﴿وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ الأسْرُ: شِدَّةُ الخَلْقِ، يُقالُ شَدَّ اللَّهُ أسْرَ فُلانٍ: أيْ قَوّى خَلْقَهُ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ وغَيْرُهم: شَدَدْنا خَلْقَهم. قالَ الحَسَنُ: شَدَدْنا أوْصالَهم بَعْضًا إلى بَعْضٍ بِالعُرُوقِ والعَصَبِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ فَرَسٌ شَدِيدُ الأسْرِ: أيِ الخَلْقِ. قالَ لَبِيدٌ: ؎ساهِمُ الوَجْهِ شَدِيدٌ أسْرُهُ مُشْرِفُ الحارِكِ مَحْبُوكُ القَتَدِ وقالَ الأخْطَلُ: ؎مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالا وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأُسَرُ القُوَّةُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الإسارِ، وهو القَدُّ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنُ أحْمَرَ يَصِفُ فَرَسًا: ؎يَمْشِي بَأوْطَفَةٍ شِدادٍ أسْرُها ∗∗∗ شَمُّ السَّبائِكِ لا تَفِي بِالجُدْجُدِ ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ أيْ لَوْ شِئْنا لَأهْلَكْناهم وجِئْنا بِأطْوَعَ لِلَّهِ مِنهم. وقِيلَ: المَعْنى: مَسَخْناهم إلى أسْمَجِ صُورَةٍ وأقْبَحِ خِلْقَةٍ. ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أيْ طَرِيقًا يَتَوَسَّلُ بِهِ إلَيْهِ، وذَلِكَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. والمُرادُ إلى ثَوابِهِ أوْ إلى جَنَّتِهِ. ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ وما تَشاءُونَ أنْ تَتَّخِذُوا إلى اللَّهِ سَبِيلًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، فالأمْرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ إلَيْهِمْ، والخَيْرُ والشَّرُّ بِيَدِهِ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ؛ فَمَشِيئَةُ العَبْدِ مُجَرَّدَةٌ لا (p-١٥٦٩)تَأْتِي بِخَيْرٍ ولا تَدْفَعُ شَرًّا، وإنْ كانَ يُثابُ عَلى المَشِيئَةِ الصّالِحَةِ، ويُؤْجَرُ عَلى قَصْدِ الخَيْرِ كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» . قالَ الزَّجّاجُ أيْ لَسْتُمْ تَشاءُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ: أيْ بَلِيغُ العَلَمِ والحِكْمَةِ. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ يُدْخِلُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها، أوْ يُدْخِلُ في جَنَّتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قالَ عَطاءٌ: مَن صَدَقَتْ نِيَّتُهُ أدْخَلَهُ جَنَّتَهُ ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ انْتِصابُ ( الظّالِمِينَ ) بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ يُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، نُصِبَ ( الظّالِمِينَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ أيْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ: أيِ المُشْرِكِينَ، ويَكُونُ ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾ تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، والِاخْتِيارُ النَّصْبُ وإنَّ جازَ الرَّفْعُ، وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنَ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ: خَلَقَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ هي المَفاصِلُ.

الإنسان 76:28

قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ أيْ فَرَّقْناهُ في الإنْزالِ ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً واحِدَةً. وقِيلَ المَعْنى: نَزَّلْناهُ عَلَيْكَ ولَمْ تَأْتِ بِهِ مِن عِنْدِكَ كَما يَدَّعِيهِ المُشْرِكُونَ. ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِقَضائِهِ، ومِن حُكْمِهِ وقَضائِهِ تَأْخِيرُ نَصْرِكَ إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ. قِيلَ وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ أيْ لا تُطِعْ كُلَّ واحِدٍ مِن مُرْتَكِبٍ لِإثْمٍ وغالٍ في كُفْرٍ، فَنَهاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الألِفَ هُنا آكُدُ مِنَ الواوِ وحْدَها لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا، فَأطاعَ أحَدَهُما كانَ غَيْرَ عاصٍ؛ لِأنَّهُ أمَرَهُ أنْ لا يُطِيعَ الِاثْنَيْنِ، فَإذا قالَ: لا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُعْصى، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُخالِفِ الحَسَنَ أوْ ابْنَ سِيرِينَ، فَقَدْ قُلْتَ إنَّهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعَ. وقالَ الفَرّاءُ " أوْ " هُنا بِمَنزِلَةِ ( لا )، كَأنَّهُ قالَ: ولا كَفُورًا. وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: آثِمًا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وبِقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفُورًا﴾ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، لِأنَّهُما قالا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ. ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ أيْ دُمْ عَلى ذِكْرِهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِرَبِّكَ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ، فَأوَّلُ النَّهارِ صَلاةُ الصُّبْحِ، وآخِرُهُ صَلاةُ العَصْرِ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾ أيْ صَلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ. وقِيلَ المُرادُ الصَّلاةُ في بَعْضِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ الذِّكْرُ بِالتَّسْبِيحِ سَواءٌ كانَ في الصَّلاةِ أوْ في غَيْرِها. وقِيلَ المُرادُ التَّطَوُّعُ في اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. وقِيلَ الأمْرُ لِلنَّدْبِ. وقِيلَ هو مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ . ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ومَن هو مُوافِقٌ لَهم. والمَعْنى: أنَّهم يُحِبُّونَ الدّارَ العاجِلَةَ، وهي دارُ الدُّنْيا ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ أيْ يَتْرُكُونَ ويَدَعُونَ وراءَهم: أيْ خَلْفَهم أوْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وأمامَهم يَوْمًا شَدِيدًا عَسِيرًا، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وسُمِّيَ ثَقِيلًا لِما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والأهْوالِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ يَذَرُونَهُ وراءَهم: أنَّهم لا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ ولا يَعْبَئُونَ بِهِ، فَهم كَمَنَ يَنْبِذُ الشَّيْءَ وراءَ ظَهْرِهِ تَهاوُنًا بِهِ واسْتِخْفافًا بِشَأْنِهِ، وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ وهو أمامَهم. ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾ أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ إلى أنْ كَمُلَ خَلْقَهم، ولَمْ يَكُنْ لِغَيْرِنا في ذَلِكَ عَمَلٌ ولا سَعْيٌ لا اشْتِراكًا ولا اسْتِقْلالًا ﴿وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ الأسْرُ: شِدَّةُ الخَلْقِ، يُقالُ شَدَّ اللَّهُ أسْرَ فُلانٍ: أيْ قَوّى خَلْقَهُ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ وغَيْرُهم: شَدَدْنا خَلْقَهم. قالَ الحَسَنُ: شَدَدْنا أوْصالَهم بَعْضًا إلى بَعْضٍ بِالعُرُوقِ والعَصَبِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ فَرَسٌ شَدِيدُ الأسْرِ: أيِ الخَلْقِ. قالَ لَبِيدٌ: ؎ساهِمُ الوَجْهِ شَدِيدٌ أسْرُهُ مُشْرِفُ الحارِكِ مَحْبُوكُ القَتَدِ وقالَ الأخْطَلُ: ؎مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالا وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأُسَرُ القُوَّةُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الإسارِ، وهو القَدُّ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنُ أحْمَرَ يَصِفُ فَرَسًا: ؎يَمْشِي بَأوْطَفَةٍ شِدادٍ أسْرُها ∗∗∗ شَمُّ السَّبائِكِ لا تَفِي بِالجُدْجُدِ ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ أيْ لَوْ شِئْنا لَأهْلَكْناهم وجِئْنا بِأطْوَعَ لِلَّهِ مِنهم. وقِيلَ: المَعْنى: مَسَخْناهم إلى أسْمَجِ صُورَةٍ وأقْبَحِ خِلْقَةٍ. ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أيْ طَرِيقًا يَتَوَسَّلُ بِهِ إلَيْهِ، وذَلِكَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. والمُرادُ إلى ثَوابِهِ أوْ إلى جَنَّتِهِ. ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ وما تَشاءُونَ أنْ تَتَّخِذُوا إلى اللَّهِ سَبِيلًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، فالأمْرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ إلَيْهِمْ، والخَيْرُ والشَّرُّ بِيَدِهِ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ؛ فَمَشِيئَةُ العَبْدِ مُجَرَّدَةٌ لا (p-١٥٦٩)تَأْتِي بِخَيْرٍ ولا تَدْفَعُ شَرًّا، وإنْ كانَ يُثابُ عَلى المَشِيئَةِ الصّالِحَةِ، ويُؤْجَرُ عَلى قَصْدِ الخَيْرِ كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» . قالَ الزَّجّاجُ أيْ لَسْتُمْ تَشاءُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ: أيْ بَلِيغُ العَلَمِ والحِكْمَةِ. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ يُدْخِلُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها، أوْ يُدْخِلُ في جَنَّتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قالَ عَطاءٌ: مَن صَدَقَتْ نِيَّتُهُ أدْخَلَهُ جَنَّتَهُ ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ انْتِصابُ ( الظّالِمِينَ ) بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ يُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، نُصِبَ ( الظّالِمِينَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ أيْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ: أيِ المُشْرِكِينَ، ويَكُونُ ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾ تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، والِاخْتِيارُ النَّصْبُ وإنَّ جازَ الرَّفْعُ، وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنَ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ: خَلَقَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ هي المَفاصِلُ.

الإنسان 76:29

قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ أيْ فَرَّقْناهُ في الإنْزالِ ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً واحِدَةً. وقِيلَ المَعْنى: نَزَّلْناهُ عَلَيْكَ ولَمْ تَأْتِ بِهِ مِن عِنْدِكَ كَما يَدَّعِيهِ المُشْرِكُونَ. ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِقَضائِهِ، ومِن حُكْمِهِ وقَضائِهِ تَأْخِيرُ نَصْرِكَ إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ. قِيلَ وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ أيْ لا تُطِعْ كُلَّ واحِدٍ مِن مُرْتَكِبٍ لِإثْمٍ وغالٍ في كُفْرٍ، فَنَهاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الألِفَ هُنا آكُدُ مِنَ الواوِ وحْدَها لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا، فَأطاعَ أحَدَهُما كانَ غَيْرَ عاصٍ؛ لِأنَّهُ أمَرَهُ أنْ لا يُطِيعَ الِاثْنَيْنِ، فَإذا قالَ: لا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُعْصى، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُخالِفِ الحَسَنَ أوْ ابْنَ سِيرِينَ، فَقَدْ قُلْتَ إنَّهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعَ. وقالَ الفَرّاءُ " أوْ " هُنا بِمَنزِلَةِ ( لا )، كَأنَّهُ قالَ: ولا كَفُورًا. وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: آثِمًا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وبِقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفُورًا﴾ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، لِأنَّهُما قالا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ. ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ أيْ دُمْ عَلى ذِكْرِهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِرَبِّكَ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ، فَأوَّلُ النَّهارِ صَلاةُ الصُّبْحِ، وآخِرُهُ صَلاةُ العَصْرِ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾ أيْ صَلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ. وقِيلَ المُرادُ الصَّلاةُ في بَعْضِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ الذِّكْرُ بِالتَّسْبِيحِ سَواءٌ كانَ في الصَّلاةِ أوْ في غَيْرِها. وقِيلَ المُرادُ التَّطَوُّعُ في اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. وقِيلَ الأمْرُ لِلنَّدْبِ. وقِيلَ هو مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ . ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ومَن هو مُوافِقٌ لَهم. والمَعْنى: أنَّهم يُحِبُّونَ الدّارَ العاجِلَةَ، وهي دارُ الدُّنْيا ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ أيْ يَتْرُكُونَ ويَدَعُونَ وراءَهم: أيْ خَلْفَهم أوْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وأمامَهم يَوْمًا شَدِيدًا عَسِيرًا، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وسُمِّيَ ثَقِيلًا لِما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والأهْوالِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ يَذَرُونَهُ وراءَهم: أنَّهم لا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ ولا يَعْبَئُونَ بِهِ، فَهم كَمَنَ يَنْبِذُ الشَّيْءَ وراءَ ظَهْرِهِ تَهاوُنًا بِهِ واسْتِخْفافًا بِشَأْنِهِ، وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ وهو أمامَهم. ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾ أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ إلى أنْ كَمُلَ خَلْقَهم، ولَمْ يَكُنْ لِغَيْرِنا في ذَلِكَ عَمَلٌ ولا سَعْيٌ لا اشْتِراكًا ولا اسْتِقْلالًا ﴿وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ الأسْرُ: شِدَّةُ الخَلْقِ، يُقالُ شَدَّ اللَّهُ أسْرَ فُلانٍ: أيْ قَوّى خَلْقَهُ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ وغَيْرُهم: شَدَدْنا خَلْقَهم. قالَ الحَسَنُ: شَدَدْنا أوْصالَهم بَعْضًا إلى بَعْضٍ بِالعُرُوقِ والعَصَبِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ فَرَسٌ شَدِيدُ الأسْرِ: أيِ الخَلْقِ. قالَ لَبِيدٌ: ؎ساهِمُ الوَجْهِ شَدِيدٌ أسْرُهُ مُشْرِفُ الحارِكِ مَحْبُوكُ القَتَدِ وقالَ الأخْطَلُ: ؎مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالا وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأُسَرُ القُوَّةُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الإسارِ، وهو القَدُّ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنُ أحْمَرَ يَصِفُ فَرَسًا: ؎يَمْشِي بَأوْطَفَةٍ شِدادٍ أسْرُها ∗∗∗ شَمُّ السَّبائِكِ لا تَفِي بِالجُدْجُدِ ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ أيْ لَوْ شِئْنا لَأهْلَكْناهم وجِئْنا بِأطْوَعَ لِلَّهِ مِنهم. وقِيلَ: المَعْنى: مَسَخْناهم إلى أسْمَجِ صُورَةٍ وأقْبَحِ خِلْقَةٍ. ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أيْ طَرِيقًا يَتَوَسَّلُ بِهِ إلَيْهِ، وذَلِكَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. والمُرادُ إلى ثَوابِهِ أوْ إلى جَنَّتِهِ. ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ وما تَشاءُونَ أنْ تَتَّخِذُوا إلى اللَّهِ سَبِيلًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، فالأمْرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ إلَيْهِمْ، والخَيْرُ والشَّرُّ بِيَدِهِ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ؛ فَمَشِيئَةُ العَبْدِ مُجَرَّدَةٌ لا (p-١٥٦٩)تَأْتِي بِخَيْرٍ ولا تَدْفَعُ شَرًّا، وإنْ كانَ يُثابُ عَلى المَشِيئَةِ الصّالِحَةِ، ويُؤْجَرُ عَلى قَصْدِ الخَيْرِ كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» . قالَ الزَّجّاجُ أيْ لَسْتُمْ تَشاءُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ: أيْ بَلِيغُ العَلَمِ والحِكْمَةِ. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ يُدْخِلُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها، أوْ يُدْخِلُ في جَنَّتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قالَ عَطاءٌ: مَن صَدَقَتْ نِيَّتُهُ أدْخَلَهُ جَنَّتَهُ ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ انْتِصابُ ( الظّالِمِينَ ) بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ يُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، نُصِبَ ( الظّالِمِينَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ أيْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ: أيِ المُشْرِكِينَ، ويَكُونُ ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾ تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، والِاخْتِيارُ النَّصْبُ وإنَّ جازَ الرَّفْعُ، وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنَ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ: خَلَقَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ هي المَفاصِلُ.

الإنسان 76:30

قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ أيْ فَرَّقْناهُ في الإنْزالِ ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً واحِدَةً. وقِيلَ المَعْنى: نَزَّلْناهُ عَلَيْكَ ولَمْ تَأْتِ بِهِ مِن عِنْدِكَ كَما يَدَّعِيهِ المُشْرِكُونَ. ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِقَضائِهِ، ومِن حُكْمِهِ وقَضائِهِ تَأْخِيرُ نَصْرِكَ إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ. قِيلَ وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ أيْ لا تُطِعْ كُلَّ واحِدٍ مِن مُرْتَكِبٍ لِإثْمٍ وغالٍ في كُفْرٍ، فَنَهاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الألِفَ هُنا آكُدُ مِنَ الواوِ وحْدَها لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا، فَأطاعَ أحَدَهُما كانَ غَيْرَ عاصٍ؛ لِأنَّهُ أمَرَهُ أنْ لا يُطِيعَ الِاثْنَيْنِ، فَإذا قالَ: لا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُعْصى، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُخالِفِ الحَسَنَ أوْ ابْنَ سِيرِينَ، فَقَدْ قُلْتَ إنَّهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعَ. وقالَ الفَرّاءُ " أوْ " هُنا بِمَنزِلَةِ ( لا )، كَأنَّهُ قالَ: ولا كَفُورًا. وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: آثِمًا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وبِقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفُورًا﴾ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، لِأنَّهُما قالا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ. ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ أيْ دُمْ عَلى ذِكْرِهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِرَبِّكَ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ، فَأوَّلُ النَّهارِ صَلاةُ الصُّبْحِ، وآخِرُهُ صَلاةُ العَصْرِ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾ أيْ صَلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ. وقِيلَ المُرادُ الصَّلاةُ في بَعْضِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ الذِّكْرُ بِالتَّسْبِيحِ سَواءٌ كانَ في الصَّلاةِ أوْ في غَيْرِها. وقِيلَ المُرادُ التَّطَوُّعُ في اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. وقِيلَ الأمْرُ لِلنَّدْبِ. وقِيلَ هو مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ . ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ومَن هو مُوافِقٌ لَهم. والمَعْنى: أنَّهم يُحِبُّونَ الدّارَ العاجِلَةَ، وهي دارُ الدُّنْيا ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ أيْ يَتْرُكُونَ ويَدَعُونَ وراءَهم: أيْ خَلْفَهم أوْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وأمامَهم يَوْمًا شَدِيدًا عَسِيرًا، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وسُمِّيَ ثَقِيلًا لِما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والأهْوالِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ يَذَرُونَهُ وراءَهم: أنَّهم لا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ ولا يَعْبَئُونَ بِهِ، فَهم كَمَنَ يَنْبِذُ الشَّيْءَ وراءَ ظَهْرِهِ تَهاوُنًا بِهِ واسْتِخْفافًا بِشَأْنِهِ، وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ وهو أمامَهم. ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾ أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ إلى أنْ كَمُلَ خَلْقَهم، ولَمْ يَكُنْ لِغَيْرِنا في ذَلِكَ عَمَلٌ ولا سَعْيٌ لا اشْتِراكًا ولا اسْتِقْلالًا ﴿وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ الأسْرُ: شِدَّةُ الخَلْقِ، يُقالُ شَدَّ اللَّهُ أسْرَ فُلانٍ: أيْ قَوّى خَلْقَهُ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ وغَيْرُهم: شَدَدْنا خَلْقَهم. قالَ الحَسَنُ: شَدَدْنا أوْصالَهم بَعْضًا إلى بَعْضٍ بِالعُرُوقِ والعَصَبِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ فَرَسٌ شَدِيدُ الأسْرِ: أيِ الخَلْقِ. قالَ لَبِيدٌ: ؎ساهِمُ الوَجْهِ شَدِيدٌ أسْرُهُ مُشْرِفُ الحارِكِ مَحْبُوكُ القَتَدِ وقالَ الأخْطَلُ: ؎مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالا وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأُسَرُ القُوَّةُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الإسارِ، وهو القَدُّ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنُ أحْمَرَ يَصِفُ فَرَسًا: ؎يَمْشِي بَأوْطَفَةٍ شِدادٍ أسْرُها ∗∗∗ شَمُّ السَّبائِكِ لا تَفِي بِالجُدْجُدِ ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ أيْ لَوْ شِئْنا لَأهْلَكْناهم وجِئْنا بِأطْوَعَ لِلَّهِ مِنهم. وقِيلَ: المَعْنى: مَسَخْناهم إلى أسْمَجِ صُورَةٍ وأقْبَحِ خِلْقَةٍ. ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أيْ طَرِيقًا يَتَوَسَّلُ بِهِ إلَيْهِ، وذَلِكَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. والمُرادُ إلى ثَوابِهِ أوْ إلى جَنَّتِهِ. ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ وما تَشاءُونَ أنْ تَتَّخِذُوا إلى اللَّهِ سَبِيلًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، فالأمْرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ إلَيْهِمْ، والخَيْرُ والشَّرُّ بِيَدِهِ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ؛ فَمَشِيئَةُ العَبْدِ مُجَرَّدَةٌ لا (p-١٥٦٩)تَأْتِي بِخَيْرٍ ولا تَدْفَعُ شَرًّا، وإنْ كانَ يُثابُ عَلى المَشِيئَةِ الصّالِحَةِ، ويُؤْجَرُ عَلى قَصْدِ الخَيْرِ كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» . قالَ الزَّجّاجُ أيْ لَسْتُمْ تَشاءُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ: أيْ بَلِيغُ العَلَمِ والحِكْمَةِ. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ يُدْخِلُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها، أوْ يُدْخِلُ في جَنَّتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قالَ عَطاءٌ: مَن صَدَقَتْ نِيَّتُهُ أدْخَلَهُ جَنَّتَهُ ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ انْتِصابُ ( الظّالِمِينَ ) بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ يُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، نُصِبَ ( الظّالِمِينَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ أيْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ: أيِ المُشْرِكِينَ، ويَكُونُ ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾ تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، والِاخْتِيارُ النَّصْبُ وإنَّ جازَ الرَّفْعُ، وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنَ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ: خَلَقَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ هي المَفاصِلُ.

الإنسان 76:31

قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ أيْ فَرَّقْناهُ في الإنْزالِ ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً واحِدَةً. وقِيلَ المَعْنى: نَزَّلْناهُ عَلَيْكَ ولَمْ تَأْتِ بِهِ مِن عِنْدِكَ كَما يَدَّعِيهِ المُشْرِكُونَ. ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِقَضائِهِ، ومِن حُكْمِهِ وقَضائِهِ تَأْخِيرُ نَصْرِكَ إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ. قِيلَ وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ أيْ لا تُطِعْ كُلَّ واحِدٍ مِن مُرْتَكِبٍ لِإثْمٍ وغالٍ في كُفْرٍ، فَنَهاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الألِفَ هُنا آكُدُ مِنَ الواوِ وحْدَها لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا، فَأطاعَ أحَدَهُما كانَ غَيْرَ عاصٍ؛ لِأنَّهُ أمَرَهُ أنْ لا يُطِيعَ الِاثْنَيْنِ، فَإذا قالَ: لا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُعْصى، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُخالِفِ الحَسَنَ أوْ ابْنَ سِيرِينَ، فَقَدْ قُلْتَ إنَّهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُتَّبَعَ. وقالَ الفَرّاءُ " أوْ " هُنا بِمَنزِلَةِ ( لا )، كَأنَّهُ قالَ: ولا كَفُورًا. وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: آثِمًا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وبِقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفُورًا﴾ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، لِأنَّهُما قالا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ. ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ أيْ دُمْ عَلى ذِكْرِهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِرَبِّكَ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ، فَأوَّلُ النَّهارِ صَلاةُ الصُّبْحِ، وآخِرُهُ صَلاةُ العَصْرِ. ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾ أيْ صَلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ. وقِيلَ المُرادُ الصَّلاةُ في بَعْضِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ الذِّكْرُ بِالتَّسْبِيحِ سَواءٌ كانَ في الصَّلاةِ أوْ في غَيْرِها. وقِيلَ المُرادُ التَّطَوُّعُ في اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ. وقِيلَ الأمْرُ لِلنَّدْبِ. وقِيلَ هو مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ . ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ومَن هو مُوافِقٌ لَهم. والمَعْنى: أنَّهم يُحِبُّونَ الدّارَ العاجِلَةَ، وهي دارُ الدُّنْيا ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ أيْ يَتْرُكُونَ ويَدَعُونَ وراءَهم: أيْ خَلْفَهم أوْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وأمامَهم يَوْمًا شَدِيدًا عَسِيرًا، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وسُمِّيَ ثَقِيلًا لِما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والأهْوالِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ يَذَرُونَهُ وراءَهم: أنَّهم لا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ ولا يَعْبَئُونَ بِهِ، فَهم كَمَنَ يَنْبِذُ الشَّيْءَ وراءَ ظَهْرِهِ تَهاوُنًا بِهِ واسْتِخْفافًا بِشَأْنِهِ، وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ مُسْتَقْبِلِينَ لَهُ وهو أمامَهم. ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾ أيِ ابْتَدَأْنا خَلْقَهم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ إلى أنْ كَمُلَ خَلْقَهم، ولَمْ يَكُنْ لِغَيْرِنا في ذَلِكَ عَمَلٌ ولا سَعْيٌ لا اشْتِراكًا ولا اسْتِقْلالًا ﴿وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ الأسْرُ: شِدَّةُ الخَلْقِ، يُقالُ شَدَّ اللَّهُ أسْرَ فُلانٍ: أيْ قَوّى خَلْقَهُ. قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ وغَيْرُهم: شَدَدْنا خَلْقَهم. قالَ الحَسَنُ: شَدَدْنا أوْصالَهم بَعْضًا إلى بَعْضٍ بِالعُرُوقِ والعَصَبِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ فَرَسٌ شَدِيدُ الأسْرِ: أيِ الخَلْقِ. قالَ لَبِيدٌ: ؎ساهِمُ الوَجْهِ شَدِيدٌ أسْرُهُ مُشْرِفُ الحارِكِ مَحْبُوكُ القَتَدِ وقالَ الأخْطَلُ: ؎مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالا وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأُسَرُ القُوَّةُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الإسارِ، وهو القَدُّ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنُ أحْمَرَ يَصِفُ فَرَسًا: ؎يَمْشِي بَأوْطَفَةٍ شِدادٍ أسْرُها ∗∗∗ شَمُّ السَّبائِكِ لا تَفِي بِالجُدْجُدِ ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ أيْ لَوْ شِئْنا لَأهْلَكْناهم وجِئْنا بِأطْوَعَ لِلَّهِ مِنهم. وقِيلَ: المَعْنى: مَسَخْناهم إلى أسْمَجِ صُورَةٍ وأقْبَحِ خِلْقَةٍ. ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أيْ طَرِيقًا يَتَوَسَّلُ بِهِ إلَيْهِ، وذَلِكَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. والمُرادُ إلى ثَوابِهِ أوْ إلى جَنَّتِهِ. ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ وما تَشاءُونَ أنْ تَتَّخِذُوا إلى اللَّهِ سَبِيلًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، فالأمْرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ إلَيْهِمْ، والخَيْرُ والشَّرُّ بِيَدِهِ، لا مانِعَ لِما أعْطى، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ؛ فَمَشِيئَةُ العَبْدِ مُجَرَّدَةٌ لا (p-١٥٦٩)تَأْتِي بِخَيْرٍ ولا تَدْفَعُ شَرًّا، وإنْ كانَ يُثابُ عَلى المَشِيئَةِ الصّالِحَةِ، ويُؤْجَرُ عَلى قَصْدِ الخَيْرِ كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» . قالَ الزَّجّاجُ أيْ لَسْتُمْ تَشاءُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ: أيْ بَلِيغُ العَلَمِ والحِكْمَةِ. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ يُدْخِلُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها، أوْ يُدْخِلُ في جَنَّتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قالَ عَطاءٌ: مَن صَدَقَتْ نِيَّتُهُ أدْخَلَهُ جَنَّتَهُ ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ انْتِصابُ ( الظّالِمِينَ ) بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ: أيْ يُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، نُصِبَ ( الظّالِمِينَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ أيْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ: أيِ المُشْرِكِينَ، ويَكُونُ ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾ تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، والِاخْتِيارُ النَّصْبُ وإنَّ جازَ الرَّفْعُ، وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنَ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ: خَلَقَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿وشَدَدْنا أسْرَهم﴾ قالَ هي المَفاصِلُ.

المرسلات 77:1

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:2

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:3

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:4

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:5

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:6

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:7

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:8

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:9

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:10

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:11

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:12

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:13

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:14

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:15

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:16

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:17

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.

المرسلات 77:18

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ. وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ. وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ. ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها. ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ. وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ. وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ. ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ. ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما. ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ. وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا. قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ. ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] . ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى. قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها. ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ. ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ. قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) . ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا. ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ. ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ. ( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ. قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم. قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ. وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ. وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ. وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا. ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ. ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.