Fath Al-Qadir Al-Shawkani — المرسلات 77:19 – المرسلات 77:50
المحتويات
- المرسلات 77:19
- المرسلات 77:20
- المرسلات 77:21
- المرسلات 77:22
- المرسلات 77:23
- المرسلات 77:24
- المرسلات 77:25
- المرسلات 77:26
- المرسلات 77:27
- المرسلات 77:28
- المرسلات 77:29
- المرسلات 77:30
- المرسلات 77:31
- المرسلات 77:32
- المرسلات 77:33
- المرسلات 77:34
- المرسلات 77:35
- المرسلات 77:36
- المرسلات 77:37
- المرسلات 77:38
- المرسلات 77:39
- المرسلات 77:40
- المرسلات 77:41
- المرسلات 77:42
- المرسلات 77:43
- المرسلات 77:44
- المرسلات 77:45
- المرسلات 77:46
- المرسلات 77:47
- المرسلات 77:48
- المرسلات 77:49
- المرسلات 77:50
المرسلات 77:19
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ.
﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها.
﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ.
وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ.
﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما.
﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا.
قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ.
﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] .
﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها.
﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ.
﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ .
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم.
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ .
قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ.
قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ.
ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ.
ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) .
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ.
﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ.
﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ.
( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ.
قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم.
قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ.
وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ
أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ.
وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ.
قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ.
وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا.
﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.
المرسلات 77:20
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ.
﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها.
﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ.
وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ.
﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما.
﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا.
قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ.
﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] .
﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها.
﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ.
﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ .
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم.
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ .
قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ.
قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ.
ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ.
ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) .
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ.
﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ.
﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ.
( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ.
قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم.
قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ.
وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ
أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ.
وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ.
قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ.
وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا.
﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.
المرسلات 77:21
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ.
﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها.
﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ.
وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ.
﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما.
﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا.
قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ.
﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] .
﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها.
﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ.
﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ .
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم.
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ .
قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ.
قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ.
ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ.
ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) .
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ.
﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ.
﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ.
( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ.
قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم.
قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ.
وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ
أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ.
وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ.
قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ.
وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا.
﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.
المرسلات 77:22
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ.
﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها.
﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ.
وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ.
﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما.
﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا.
قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ.
﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] .
﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها.
﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ.
﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ .
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم.
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ .
قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ.
قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ.
ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ.
ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) .
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ.
﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ.
﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ.
( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ.
قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم.
قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ.
وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ
أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ.
وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ.
قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ.
وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا.
﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.
المرسلات 77:23
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ.
﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها.
﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ.
وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ.
﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما.
﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا.
قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ.
﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] .
﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها.
﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ.
﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ .
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم.
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ .
قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ.
قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ.
ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ.
ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) .
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ.
﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ.
﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ.
( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ.
قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم.
قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ.
وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ
أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ.
وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ.
قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ.
وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا.
﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.
المرسلات 77:24
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ.
﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها.
﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ.
وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ.
﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما.
﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا.
قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ.
﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] .
﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها.
﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ.
﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ .
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم.
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ .
قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ.
قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ.
ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ.
ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) .
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ.
﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ.
﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ.
( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ.
قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم.
قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ.
وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ
أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ.
وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ.
قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ.
وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا.
﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.
المرسلات 77:25
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ.
﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها.
﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ.
وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ.
﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما.
﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا.
قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ.
﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] .
﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها.
﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ.
﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ .
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم.
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ .
قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ.
قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ.
ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ.
ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) .
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ.
﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ.
﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ.
( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ.
قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم.
قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ.
وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ
أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ.
وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ.
قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ.
وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا.
﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.
المرسلات 77:26
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ.
﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها.
﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ.
وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ.
﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما.
﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا.
قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ.
﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] .
﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها.
﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ.
﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ .
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم.
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ .
قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ.
قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ.
ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ.
ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) .
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ.
﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ.
﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ.
( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ.
قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم.
قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ.
وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ
أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ.
وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ.
قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ.
وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا.
﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.
المرسلات 77:27
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ.
﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها.
﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ.
وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ.
﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما.
﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا.
قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ.
﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] .
﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها.
﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ.
﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ .
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم.
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ .
قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ.
قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ.
ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ.
ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) .
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ.
﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ.
﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ.
( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ.
قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم.
قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ.
وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ
أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ.
وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ.
قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ.
وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا.
﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.
المرسلات 77:28
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ.
قالَ قَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ سُورَةُ المُرْسَلاتِ عُرْفًا، فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ وثَبَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اقْتُلُوها، فابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو يَقْرَأُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إنَّها آخَرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ.
﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِلافٍ: يُقالُ عَصَفَ بِالشَّيْءِ: إذا أبادَهُ وأهْلَكَهُ، وناقَةٌ عُصُوفٌ: أيْ تَعْصِفُ بِراكِبِها فَتَمْضِي كَأنَّها رِيحٌ في السُّرْعَةِ، ويُقالُ عَصَفَتِ الحَرْبُ بِالقَوْمِ إذا ذَهَبَتْ بِهِمْ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالرِّياحِ يَعْصِفُونَ بِها، وقِيلَ يَعْصِفُونَ بِرُوحِ الكافِرِ، وقِيلَ هي الآياتُ المُهْلِكَةُ كالزَّلازِلِ ونَحْوِها.
﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ يَعْنِي الرِّياحَ تَأْتِي بِالمَطَرِ وهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، أوِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالسَّحابِ يَنْشُرُونَها أوْ يَنْشُرُونَ أجْنِحَتَهم في الجَوِّ عِنْدَ النُّزُولِ بِالوَحْيِ، أوْ هي الأمْطارُ لِأنَّها تَنْشُرُ النَّباتَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: يُرِيدُ ما يُنْشَرُ مِنَ الكُتُبِ وأعْمالِ بَنِي آدَمَ.
وقالَ الرَّبِيعُ: إنَّهُ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ بِنَشْرِ الأرْواحِ، وجاءَ بِالواوِ هُنا لِأنَّهُ اسْتِئْنافُ قَسَمٍ آخَرَ.
﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ تَأْتِي بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلّالِ والحَرامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الرِّيحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها آياتُ القُرْآنِ تَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ فَرَقُوا ما بَيْنَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ هي المَلائِكَةُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: بِإجْماعٍ؛ أيْ تُلْقِي الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ هي الرُّسُلُ يُلْقُونَ إلى أُمَمِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَ قُطْرُبٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( فالمُلْقِياتِ ) بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وهي إيصالُ (p-١٥٧٠)الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، والرّاجِحُ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ لِلرِّياحِ، والرّابِعُ والخامِسُ لِلْمَلائِكَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ، والقاضِي وغَيْرُهُما.
﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ انْتِصابُهُما عَلى البَدَلِ مِن ذِكْرًا أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما المَصْدَرُ المُنَوَّنُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥، ١٤] أوْ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: أيْ لِلْإعْذارِ والإنْذارِ، أوْ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ: أيْ مُعَذِّرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وطَلْحَةُ بِضَمِّهِما.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِسُكُونِها في ( عُذْرًا ) وضَمِّها في ( نُذُرًا ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ عَلى العَطْفِ بِأوْ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، وقَتادَةُ عَلى العَطْفِ بِالواوِ بِدُونِ ألِفٍ، والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ تُلْقِي الوَحْيَ إعْذارًا مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وإنْذارًا مِن عَذابِهِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ ونُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُذُرُ والنُّذُرُ بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عاذِرٍ وناذِرٍ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الإلْقاءِ: أيْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ في حالِ العُذْرِ والإنْذارِ، أوْ مَفْعُولانِ لِ ( ذِكْرًا ): أيْ تَذَكَّرْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا.
قالَ المُبَرِّدُ: هُما بِالتَّثْقِيلِ جَمْعٌ، والواحِدُ عَذِيرٌ ونَذِيرٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَوابَ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والبَعْثِ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أيْ مُحِيَ نُورُها وذَهَبَ ضَوْؤُها، يُقالُ طُمِسَ الشَّيْءُ: إذا دَرَسَ وذَهَبَ أثَرُهُ.
﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ أيْ فُتِحَتْ وشُقَّتْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] .
﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ أيْ قُلِعَتْ مِن مَكانِها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ نَسَفْتُ الشَّيْءَ وأنْسَفْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ بِسُرْعَةٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَسَفَتِ النّاقَةُ الكَلَأ: إذا رَعَتْهُ، وقِيلَ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمَنسَفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُبَرِّدُ: نُسِفَتْ قُلِعَتْ مِن مَواضِعِها.
﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الهَمْزَةُ في أُقِّتَتْ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، وكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً يَجُوزُ إبْدالُها بِالهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ بِالواوِ أبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ. والوَقْتُ: الأجَلُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ المُؤَخَّرُ إلَيْهِ، والمَعْنى: جُعِلَ لَها وقْتًا لِلْفَصْلِ والقَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقِيلَ هَذا في الدُّنْيا: أيْ جُمِعَتِ الرُّسُلُ لِمِيقاتِها الَّذِي ضُرِبَ لَها في إنْزالِ العَذابِ بِمَن كَذَّبَها، والأوَّلُ أوْلى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جَعَلَ يَوْمَ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا، وقِيلَ أُقِّتَتْ: أُرْسِلَتْ لِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلى ما عَلِمَ اللَّهُ بِهِ.
﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ: أيْ لِأيِّ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْجَبُ العِبادُ مِنهُ لِشَدَّتِهِ ومَزِيدِ أهْوالِهِ ضُرِبَ لَهُمُ الأجَلُ لِجَمْعِهِمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابٌ لِ ( إذا )، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أُقِّتَتْ قالالزَّجّاجُ: المُرادُ بِهَذا التَّأْقِيتِ تَبْيِينُ الوَقْتِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ إلى الجَنَّةِ والنّارِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ بِيَوْمِ الفَصْلِ يَعْنِي أنَّهُ أمْرٌ بَدِيعٌ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و" ما " مُبْتَدَأٌ و" أدْراكَ " خَبَرُهُ، أوِ العَكْسُ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ، ووَيْلٌ أصْلُ مَصْدَرٍ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وعَدَلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. والوَيْلُ الهَلاكُ، أوْ هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وكَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ قَسَّمَ الوَيْلَ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذابًا سِوى تَكْذِيبِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، ورُبَّ شَيْءٍ كُذِّبَ بِهِ هو أعْظَمُ جُرْمًا مِنَ التَّكْذِيبِ بِغَيْرِهِ، فَيَقْسِمُ لَهُ مِنَ الوَيْلِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإهْلاكِ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ .
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالعَذابِ في الدُّنْيا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم.
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، ومَن وافَقَهم حِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ .
قَرَأ الجُمْهُورُ ( نُتْبِعُهُمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ.
قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أهْلَكْنا الأوَّلِينَ ثُمَّ أتْبَعْناهُمُ الآخَرِينَ في الإهْلاكِ.
ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ إهْلاكَ الآخَرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ.
ويَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ " . وقَرَأ الأعْرَجُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " نُتْبِعْهم " بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى " نُهْلِكْ " قالَ شِهابُ الدِّينِ: عَلى جَعْلِ الفِعْلِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ( ألَمْ نُهْلِكِ ) .
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ نَفْعَلُ بِهِمْ، يُرِيدُ مَن يُهْلِكُهُ فِيما بَعْدُ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُشْرِكٍ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ ويْلٌ يَوْمَ ذَلِكَ الإهْلاكِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، قِيلَ الوَيْلُ الأوَّلُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ ضَعِيفٍ حَقِيرٍ، وهو النُّطْفَةُ.
﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أيْ مَكانٍ حَرِيزٍ، وهو الرَّحِمُ.
﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وهو مُدَّةُ الحَمْلِ، وقِيلَ إلى أنْ يُصَوَّرَ.
( فَقَدَرْنا ) قَرَأ الجُمْهُورُ فَقَدَرْنا بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ.
قالَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى. تَقُولُ: قَدَرْتُ كَذا، وقَدَّرْتُهُ. ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نِعْمَ المُقَدِّرُونَ نَحْنُ، قِيلَ المَعْنى: قَدَرْناهُ قَصِيرًا أوْ طَوِيلًا، وقِيلَ مَعْنى قَدَرْنا مُلْكَنا.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم بَدِيعَ صُنْعِهِ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ مَعْنى الكَفْتُ في اللُّغَةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، ومِن هَذا يُقالُ لِلْجِرابِ والقِدْرِ كَفْتٌ، والمَعْنى: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ ضامَّةً لِلْأحْياءِ عَلى ظَهْرِها والأمْواتِ في (p-١٥٧١)باطِنِها تَضُمُّهم وتَجْمَعُهم.
قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَكْفِتُهم أحْياءً عَلى ظَهْرِها في دُورِهِمْ ومَنازِلِهِمْ.
وتَكْفِتُهم أمْواتًا في بَطْنِها: أيْ تَحُوزُهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎كِرامٌ حِينَ تَنْكَفِتُ الأفاعِي ∗∗∗ إلى أجْحارِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كِفاتًا: أوْعِيَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ ∗∗∗ وأنْتَ غَدًا تُضَمَّنُ في كِفاتِ
أيْ في قَبْرٍ، وقِيلَ مَعْنى جَعْلِها كِفاتًا: أنَّهُ يُدْفَنُ فِيها ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مِنَ الفَضَلاتِ.
وقالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: الأحْياءُ والأمْواتُ وصْفانِ لِلْأرْضِ: أيِ الأرْضُ مُنْقَسِمَةٌ إلى حَيٍّ وهو الَّذِي يَنْبُتُ، وإلى مَيِّتٍ وهو الَّذِي لا يَنْبُتُ.
قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ بِوُقُوعِ الكِفاتِ عَلَيْهِ: أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتَ أحْياءٍ وأمْواتٍ، فَإذا نُوِّنَ نُصِبَ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ: أيْ مِنها كَذا ومِنها كَذا، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقالَ الأخْفَشُ: كِفاتًا جَمْعُ كافِتَةٍ، والأرْضُ يُرادُ بِها الجَمْعُ فَنُعِتَتْ بِالجَمْعِ.
وقالَ الخَلِيلُ: التَّكَفُّتُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، ويُقالُ انْكَفَتَ القَوْمُ إلى مَنازِلَهم: أيْ ذَهَبُوا.
﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أيْ جِبالًا طُوالًا، والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، والشّامِخاتُ: الطُّوالُ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا، والفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُشْرَبُ مِنهُ ويُسْقى بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا كُلُّهُ أعْجَبُ مِنَ البَعْثِ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ مَن نِعَمِنا الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: هي المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ قالَ: الرِّيحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَقالَ ما العاصِفاتُ عَصْفًا ؟ قالَ الرِّياحَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ قالَ: الرِّيحُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: بِالتَّنْزِيلِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( ويْلٌ ) وادٍ في جِنِّهِمْ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، فَجُعِلَ لِلْمُكَذِّبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ قالَ: ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ كِفاتًا قالَ: كِنًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ قالَ: جِبالًا مُشْرِفاتٍ، وفي قَوْلِهِ: فُراتًا قالَ: عَذْبًا.
المرسلات 77:29
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:30
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:31
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:32
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:33
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:34
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:35
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:36
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:37
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:38
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:39
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:40
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:41
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:42
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:43
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:44
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:45
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:46
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:47
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:48
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:49
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
المرسلات 77:50
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، تَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: أيْ سِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وهو عَذابُ النّارِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أيْ إلى ظِلٍّ مِن دُخانِ جَهَنَّمَ قَدْ سَطَعَ، ثُمَّ افْتَرَقَ ثَلاثَ فِرَقٍ تَكُونُونَ فِيهِ حَتّى يَفْرُغَ الحِسابُ وهَذا شَأْنُ الدُّخّانِ العَظِيمِ إذا ارْتَفَعَ تَشَعَّبَ شُعَبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا في المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ الماضِي في الثّانِي: أيْ لَمّا أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ امْتَثَلُوا ذَلِكَ فانْطَلَقُوا.
وقِيلَ المُرادُ بِالظِّلِّ هُنا هو السُّرادِقُ، وهو لِسانٌ مِنَ النّارِ يُحِيطُ بِهِمْ.
ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ثَلاثَ شُعَبٍ فَيُظِلُّهم حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
وقِيلَ هو الظِّلُّ مِن يَحْمُومٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَذا الظِّلَّ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ لا يُظِلُّ مِنَ الحَرِّ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا يَرُدُّ حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْكم.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ النّارَ فَقالَ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ كُلُّ شَرَرَةٍ مِن شَرَرِها الَّتِي تَرْمِي بِها كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، والشَّرَرُ: ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ مُتَفَرِّقًا، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ.
وقِيلَ القَصْرُ جَمْعُ قَصْرَةٍ ساكِنَةِ الصّادِ مِثْلَ حُمْرٌ وحُمْرَةٌ وتَمْرٌ وتَمْرَةٌ، وهي الواحِدَةُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ الغَلِيظِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ: وهي أُصُولُ الشَّجَرِ العِظامُ، وقِيلَ أعْناقُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ كالقَصْرِ بِإسْكانِ الصّادِ، وهو واحِدُ القُصُورِ كَما تَقَدَّمَ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِ الصّادِ: أيْ أعْناقُ النَّخْلِ والقَصَرَةُ العُنُقُ جَمْعُهُ قَصْرٌ وقَصَراتٌ.
وقالَ قَتادَةٌ: أعْناقُ الإبِلِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ، وهي أيْضًا جَمْعُ قَصْرَةٍ مِثْلَ بَدْرٍ وبَدْرَةٍ وقَصْعٍ وقَصْعَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَرَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مِقْسَمٍ بِكَسْرِها مَعَ ألِفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وهي لُغاتٌ.
ثُمَّ شَبَّهَ الشَّرَرَ بِاعْتِبارِ لَوْنِهِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ وهي جَمْعُ جِمالٍ، وهي الإبِلُ أوْ جَمْعُ (p-١٥٧٢)جَمّالَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( جِمالاتٌ ) بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ " جِمالَةٌ " جَمْعُ جَمَلٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ " جُمالاتٌ " بِضَمِّ الجِيمِ، وهي حِبالُ السُّفُنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والصُّفْرُ مَعْناها السُّودُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: الصُّفْرُ: سَوادُ الإبِلِ لا يُرى أسْوَدُ مِنَ الإبِلِ إلّا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَةً، لِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ سُودَ الإبِلِ صُفْرًا.
قِيلَ والشَّرَرُ إذا تَطايَرَ وسَقَطَ وفِيهِ مِن لَوْنِ النّارِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالإبِلِ السُّودِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تِلْكَ خَيْلِي وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ
أيْ هُنَّ سُودٌ، قِيلَ وهَذا القَوْلُ مُحالٌ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَشُوبُهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَيُنْسَبُ كُلُّهُ إلى ذَلِكَ الشّائِبِ، فالعَجَبُ لِمَن قالَ بِهَذا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ وجْهَهُ أنَّ النّارَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فَهي مُضِيئَةٌ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ، وهي مَوْضِعُ النّارِ حُشِيَ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِتِلْكَ النّارِ، وبَعَثَ إلَيْها سُلْطانَهُ وغَضَبَهُ فاسْوَدَّتْ مِن سُلْطانِهِ وازْدادَتْ سَوادًا، وصارَتْ أشَدَّ سَوادًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَيَكُونُ شَرَرُها أسْوَدَ لِأنَّهُ مِن نارٍ سَوْداءَ.
قُلْتُ: وهَذا الجَوابُ لا يَدْفَعُ ما قالَهُ القائِلُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ هُنا مِن وصْفِها بِكَوْنِها صَفْراءَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ اسْوِدادِ النّارِ، واسْوِدادِ شَرَرِها، لَقالَ اللَّهُ: كَأنَّها جِمالاتٌ سُودٌ، ولَكِنْ إذا كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ نَقَلَ الثِّقاتُ عَنْهم ذَلِكَ، فَكانَ ما في القُرْآنِ هُنا وارِدًا عَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِرُسُلِ اللَّهِ وآياتِهِ.
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ لا يَتَكَلَّمُونَ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: في يَوْمِ القِيامَةِ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَتَكَلَّمُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقِيلَ إنَّ هَذا إشارَةٌ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ وهم عِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْطِقُونَ؛ لِأنَّ مَواقِفَ السُّؤالِ والحِسابِ قَدِ انْقَضَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ وإنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( يَوْمٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ هَذا العِقابُ المَذْكُورُ كائِنٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُؤْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ولا يَأْذَنُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ لا يَأْذَنُ اللَّهُ لَهم: أيْ لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ مِنَ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُمُ اعْتِذارٌ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الِاعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في فَيَعْتَذِرُونَ نَسَقٌ عَلى ( يُؤْذَنُ ) وأُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الكَلامِ بِالنُّونِ، ولَوْ قالَ فَيَعْتَذِرُوا لَمْ يُوافِقِ الآياتِ، وقَدْ قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بِالنُّصْبِ، والكُلُّ صَوابٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الرُّسُلُ وأنْذَرَتْهم عاقِبَتُهُ.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ ويُقالُ لَهم: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ ويَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والخِطابُ في جَمَعْناكم لِلْكَفّارِ في زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى كَيْدٍ الآنَ فَكِيدُونِ وهَذا تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ فاحْتالُوا لِأنْفُسِكم، وقِيلَ المَعْنى: فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلى حَرْبٍ فَحارِبُونِ، وقِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] .
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم عَجُزُهم وبُطْلانُ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ في ظِلالِ الأشْجارِ وظِلالِ القُصُورِ، لا كالظِّلِّ الَّذِي لِلْكُفّارِ مِنَ الدُّخانِ، أوْ مِنَ النّارِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ.
قالَ الرّازِّيُّ: فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها وإنَّما يَتِمُّ النَّظْمُ بِأنْ يَكُونَ الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، فَأمّا جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطّاعَةِ فَلا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ كَذا قالَ. والمُرادُ بِالعُيُونِ الأنْهارُ، وبِالفَواكِهِ ما يَتَفَكَّهُ بِهِ مِمّا تَطْلُبُهُ أنْفُسُهم وتَسْتَدْعِيهِ شَهَواتُهم.
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ في أعْمالِهِمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، والزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ " في ظُلُلٍ " جَمْعُ ظُلَّةٍ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ صارُوا في شَقاءٍ عَظِيمٍ، وصارَ المُؤْمِنُونَ في نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ الجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُكَذِّبِينَ: أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالِ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ لَهم هَذا في الدُّنْيا، والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا وإنْ كانَ في اللَّفْظِ أمْرًا فَهو في المَعْنى تَهْدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَرَّرَهُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ أيْ وإذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لا يُصَلُّونَ.
قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِها فَقالُوا: لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» .
وقِيلَ إنَّما يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.
وقِيلَ المَعْنِيُّ بِالرُّكُوعِ: الطّاعَةُ والخُشُوعُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُصَدِّقُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٥٧٣)يُؤْمِنُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كالقَصْرِ العَظِيمِ، وقَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: قِطَعُ النُّحاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عابِسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: كُنّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقَدْرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ.
قالَ: وسَمِعَتْهُ يَسْألُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
ولَفْظُ البُخارِيِّ: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ وفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصْرَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ حِبالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأوْساطِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " كالقَصَرِ " بِفَتْحِ القافِ والصّادِ.
وقالَ قَصَرُ النَّخْلِ: يَعْنِي الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أقْصِرُوا لَنا الحَطَبَ، فَيُقْطَعُ عَلى قَدْرِ الذِّراعِ والذِّراعَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ كالشَّجَرِ والجِبالِ، ولَكِنَّها مِثْلُ المَدائِنِ والحُصُونِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كالقَصْرِ قالَ: هو القَصْرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ قالَ: الإبِلُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ فَقالَ لَهُ: ويْحَكَ هَلْ سَألْتَ عَنْ هَذا أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ كُنْتَ سَألْتَ هَلَكْتَ، ألَيْسَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ بَلى، قالَ: فَإنَّ لِكُلِّ مِقْدارِ يَوْمٍ مِن هَذِهِ الأيّامِ لَوْنًا مِنَ الألْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ يَقُولُ: يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.