Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الشرح 94:1 – العلق 96:14
المحتويات
- الشرح 94:1
- الشرح 94:2
- الشرح 94:3
- الشرح 94:4
- الشرح 94:5
- الشرح 94:6
- الشرح 94:7
- الشرح 94:8
- التين 95:1
- التين 95:2
- التين 95:3
- التين 95:4
- التين 95:5
- التين 95:6
- التين 95:7
- التين 95:8
- العلق 96:1
- العلق 96:2
- العلق 96:3
- العلق 96:4
- العلق 96:5
- العلق 96:6
- العلق 96:7
- العلق 96:8
- العلق 96:9
- العلق 96:10
- العلق 96:11
- العلق 96:12
- العلق 96:13
- العلق 96:14
الشرح 94:1
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ، وزادَ: بَعْدَ الضُّحى.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مَعْنى شَرْحِ الصَّدْرِ: فَتْحُهُ بِإذْهابِ ما يَصُدُّ عَنِ الإدْراكِ، والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ قَرَّرَهُ، فَصارَ المَعْنى: قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ، وإنَّما خَصَّ الصَّدْرَ لِأنَّهُ مَحَلُّ أحْوالِ النَّفْسِ مِنَ العُلُومِ والإدْراكاتِ، والمُرادُ الِامْتِنانُ عَلَيْهِ ﷺ بِفَتْحِ صَدْرِهِ وتَوْسِيعِهِ حَتّى قامَ بِما قالَ بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ، وقَدَرَ عَلى ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِن حَمْلِ أعْباءِ النُّبُوَّةِ وحِفْظِ الوَحْيِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في هَذا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] .
﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ، لا عَلى لَفْظِهِ: أيْ قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ ووَضَعْنا إلَخْ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ يَمْدَحُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ:
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ أيْ أنْتُمْ خَيْرُ مَن رَكِبَ المَطايا، وأنْدى إلَخْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ نَشْرَحْ بِسُكُونِ الحاءِ بِالجَزْمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ العَبّاسِيُّ بِفَتْحِها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالُوا لَعَلَّهُ بَيَّنَ الحاءَ وأشْبَعَها في مَخْرَجِها، فَظَنَّ السّامِعُ أنَّهُ فَتَحَها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الأصْلَ " ألَمْ نَشْرَحَنَ " بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، ثُمَّ إبْدالُها ألِفًا، ثُمَّ حَذْفُها تَخْفِيفًا كَما أنْشَدَ أبُو زَيْدٍ:
؎مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيَوْمَ لَمْ يُقَدَّرَ أمْ يَوْمَ قُدِّرْ
بِفَتْحِ الرّاءِ مِن " لَمْ يُقَدَّرَ "، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ:
؎اضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
بِفَتْحِ الباءِ مِنِ " اضْرِبَ "، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَوْكِيدِ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا كَقَوْلِهِ:
؎يَحْسَبُهُ الجاهِلُ ما لَمْ يَعْلَما ∗∗∗ شَيْخًا عَلى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمًا
فَقَدْ تَرَكَّبَتْ هَذِهِ القِراءَةُ مِن ثَلاثَةِ أُصُولٍ كُلُّها ضَعِيفَةٌ: الأوَّلُ تَوْكِيدُ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو ضَعِيفٌ.
الثّانِي إبْدالُها ألِفًا، وهو خاصٌّ بِالوَقْفِ، فَإجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ ضَعِيفٌ.
والثّالِثُ حَذْفُ الألِفِ، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا لِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، وخَرَّجَها بَعْضُهم عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ الَّذِينَ يَنْصِبُونَ بِلَمْ ويَجْزِمُونَ بِلَنْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
(p-١٦٣٥)فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضى رَأْيَهُ قُدُمًا ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامِهِ أحَدًا بِنَصْبِ الرّاءِ مِن يُشاوِرُ، وهَذِهِ اللُّغَةُ لِبَعْضِ العَرَبِ ما أظُنُّها تَصِحُّ، وإنْ صَحَّتْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللُّغاتِ المُعْتَبَرَةِ فَإنَّها جاءَتْ بِعَكْسِ ما عَلَيْهِ لُغَةُ العَرَبِ بِأسْرِها.
وعَلى كُلِّ حالٍ فَقِراءَةُ هَذا الرَّجُلِ مَعَ شِدَّةِ جَوْرِهِ ومَزِيدِ ظُلْمِهِ وكَثْرَةِ جَبَرُوتِهِ وقِلَّةِ عِلْمِهِ لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ بِالِاشْتِغالِ بِها.
والوِزْرُ: الذَّنْبُ أيْ وضَعْنا عَنْكَ ما كُنْتَ فِيهِ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى حَطَطْنا عَنْكَ الَّذِي سَلَفَ مِنكَ في الجاهِلِيَّةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] .
﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ أثْقَلَ ظَهْرَكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: أثْقَلَهُ حَتّى سُمِعَ لَهُ نَقِيضٌ: أيْ صَوْتٌ، وهَذا مِثْلُ مَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ حَمْلًا يُحْمَلُ لَسُمِعَ نَقِيضُ ظَهْرِهِ، وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: أنْقَضَ الحَمْلُ ظَهْرَ النّاقَةِ: إذا سُمِعَ لَهُ صَرِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ:
؎وحَتّى تَداعَتْ بِالنَّقِيضِ حِبالُهُ ∗∗∗ وهَمَّتْ ثَوانِي زَوْرِهِ أنْ تَحَطَّما
وقَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
؎وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّيْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنا
قالَ قَتادَةُ: كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذُنُوبٌ قَدْ أثْقَلَتْهُ فَغَفَرَها اللَّهُ لَهُ، وقَوْمٌ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ هَذا تَخْفِيفُ أعْباءِ النُّبُوَّةِ الَّتِي تُثْقِلُ الظَّهْرَ مِنَ القِيامِ بِأمْرِها سَهَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتّى تَيَسَّرَتْ لَهُ. وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وحَلَلْنا عَنْكَ وقْرَكَ " .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِنَّتَهُ عَلَيْهِ وكَرامَتَهُ فَقالَ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ لا يُذْكَرُ في مَوْضِعٍ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ ﷺ .
قالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ ولا مُتَشَهِّدٌ ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي، فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ يَعْنِي بِالتَّأْذِينِ.
وقِيلَ المَعْنى: ذَكَّرْناكَ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ وأمَرْناهم بِالبِشارَةِ بِهِ، وقِيلَ رَفَعْنا ذِكْرَكَ عِنْدَ المَلائِكَةِ في السَّماءِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ في الأرْضِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الرَّفْعَ لِذِكْرِهِ الَّذِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنها مِن أسْبابِ رَفْعِ الذِّكْرِ، وكَذَلِكَ أمْرُهُ بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ، وإخْبارُهُ ﷺ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَن صَلّى عَلَيْهِ واحِدَةً صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا، وأمْرُ اللَّهِ بِطاعَتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وغَيْرِ ذَلِكَ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ مَلَأ ذِكْرُهُ الجَلِيلُ السَّماواتِ والأرَضِينَ، وجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِن لِسانِ الصِّدْقِ والذِّكْرِ الحَسَنِ والثَّناءِ الصّالِحِ ما لَمْ يَجْعَلْهُ لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ عَدَدَ ما صَلّى عَلَيْهِ المُصَلُّونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ، وما أحْسَنَ قَوْلَ حَسّانَ:
؎أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خاتَمٌ ∗∗∗ مِنَ اللَّهِ مَشْهُورٌ يَلُوحُ ويَشْهَدُ
؎وضَمَّ الإلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ مَعَ اسْمِهِ ∗∗∗ إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنِ أشْهَدُ
؎وشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ∗∗∗ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذا مُحَمَّدُ
﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ الضِّيقَةِ سَعَةً، ومَعَ الشِّدَّةِ رَخاءٌ، ومَعَ الكَرْبِ فَرَجٌ.
وفِي هَذا وعْدٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ كُلَّ عَسِيرٍ يَتَيَسَّرُ، وكُلَّ شَدِيدٍ يَهُونُ، وكُلَّ صَعْبٍ يَلِينُ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ هَذا الوَعْدَ تَقْرِيرًا وتَأْكِيدًا، فَقالَ مُكَرِّرًا لَهُ بِلَفْظِ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ ذَلِكَ العُسْرِ المَذْكُورِ سابِقًا يُسْرًا آخَرَ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ إذا أُعِيدَ المُعَرَّفُ يَكُونُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ سَواءٌ كانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسَ أوِ العَهْدَ، بِخِلافِ المُنْكَّرِ إذا أُعِيدَ فَإنَّهُ يُرادُ بِالثّانِي فَرْدٌ مُغايِرٌ لِما أُرِيدَ بِالفَرْدِ الأوَّلِ في الغالِبِ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابَةِ والمُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ العُسْرَ واحِدٌ واليُسْرَ اثْنانِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ذَكَرَ العُسْرَ مَعَ الألِفِ واللّامِ ثُمَّ ثَنّى ذِكْرَهُ، فَصارَ المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَيْنِ.
قِيلَ والتَّنْكِيرُ في اليُسْرِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وهو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ غَيْرُ مُكَرَّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ السِّينِ في العُسْرِ واليُسْرِ في المَوْضِعَيْنِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى بِضَمِّها في الجَمِيعِ.
﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ أيْ إذا فَرَغْتَ مِن صَلاتِكَ، أوْ مِنَ التَّبْلِيغِ، أوْ مِنَ الغَزْوِ فانْصَبْ أيْ: فاجْتَهِدْ في الدُّعاءِ واطْلُبْ مِنَ اللَّهِ حاجَتَكَ، أوْ فانْصَبْ في العِبادَةِ، والنَّصَبُ التَّعَبُ، يُقالُ نَصَبَ يَنْصَبُ نَصَبًا: أيْ تَعِبَ.
قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ في الدُّعاءِ وارْغَبْ إلَيْهِ في المَسْألَةِ يُعْطِكَ، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ فانْصَبْ: أيِ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: إذا فَرَغْتَ مِن جِهادِ عَدُوِّكَ فانْصَبْ لِعِبادَةِ رَبِّكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إذا فَرَغْتَ مِن دُنْياكَ فانْصَبْ في صَلاتِكَ.
﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيِ اجْعَلْ رَغْبَتَكَ إلى اللَّهِ وحْدَهُ.
قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أنَّهُ يَضْرَعُ إلَيْهِ راهِبًا مِنَ النّارِ، راغِبًا في الجَنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَرْغَبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ كائِنًا مَن كانَ، فَلا يَطْلُبُ حاجاتِهِ إلّا مِنهُ، ولا يُعَوِّلُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ إلّا عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فارْغَبْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " فَرَغِّبْ " بِتَشْدِيدِ الغَيْنِ: أيْ فَرَغِّبِ النّاسَ إلى اللَّهِ وشَوِّقْهم إلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قالَ: شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أتانِي (p-١٦٣٦)جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: تَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتَ ذِكْرَكَ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إذا ذُكْرِتُ ذُكِرْتَ مَعِيَ» .
وإسْنادُ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: حَدَّثَنِي يُونُسُ أخْبَرَنا ابْنُ وهْبٍ أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ الحارِثِ عَنْ دَرّاجٍ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ.
وأخْرَجَهُ أبُو يَعْلى مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأعْلى بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ الآيَةَ قالَ: لا يُذْكَرُ اللَّهُ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ جالِسًا وحِيالُهُ جُحْرٌ، فَقالَ: العُسْرُ لَوْ دَخَلَ العُسْرُ هَذا الجُحْرَ لَجاءَ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» ولَفْظُ الطَّبَرانِيِّ «وتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. قالَ السُّيُوطِيُّ وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الصَّبْرِ وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَوْ كانَ العُسْرُ في جُحْرٍ لَتَبِعَهُ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ فَيُخْرِجَهُ، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ رَواهُ عَنْ أنَسٍ إلّا عائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ.
قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ في حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، ولَكِنْ رَواهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَرِحًا مَسْرُورًا وهو يَضْحَكُ ويَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» وهَذا مُرْسَلٌ.
ورُوِيَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا عَنْ قَتادَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ الآيَةَ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ فانْصَبْ في الدُّعاءِ واسْألِ اللَّهَ وارْغَبْ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ وتَشَهَّدْتَ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ واسْألْهُ حاجَتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في الذِّكْرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ إلى الدُّعاءِ ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ في المَسْألَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ في قِيامِ اللَّيْلِ.
الشرح 94:2
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ، وزادَ: بَعْدَ الضُّحى.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مَعْنى شَرْحِ الصَّدْرِ: فَتْحُهُ بِإذْهابِ ما يَصُدُّ عَنِ الإدْراكِ، والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ قَرَّرَهُ، فَصارَ المَعْنى: قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ، وإنَّما خَصَّ الصَّدْرَ لِأنَّهُ مَحَلُّ أحْوالِ النَّفْسِ مِنَ العُلُومِ والإدْراكاتِ، والمُرادُ الِامْتِنانُ عَلَيْهِ ﷺ بِفَتْحِ صَدْرِهِ وتَوْسِيعِهِ حَتّى قامَ بِما قالَ بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ، وقَدَرَ عَلى ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِن حَمْلِ أعْباءِ النُّبُوَّةِ وحِفْظِ الوَحْيِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في هَذا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] .
﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ، لا عَلى لَفْظِهِ: أيْ قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ ووَضَعْنا إلَخْ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ يَمْدَحُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ:
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ أيْ أنْتُمْ خَيْرُ مَن رَكِبَ المَطايا، وأنْدى إلَخْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ نَشْرَحْ بِسُكُونِ الحاءِ بِالجَزْمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ العَبّاسِيُّ بِفَتْحِها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالُوا لَعَلَّهُ بَيَّنَ الحاءَ وأشْبَعَها في مَخْرَجِها، فَظَنَّ السّامِعُ أنَّهُ فَتَحَها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الأصْلَ " ألَمْ نَشْرَحَنَ " بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، ثُمَّ إبْدالُها ألِفًا، ثُمَّ حَذْفُها تَخْفِيفًا كَما أنْشَدَ أبُو زَيْدٍ:
؎مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيَوْمَ لَمْ يُقَدَّرَ أمْ يَوْمَ قُدِّرْ
بِفَتْحِ الرّاءِ مِن " لَمْ يُقَدَّرَ "، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ:
؎اضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
بِفَتْحِ الباءِ مِنِ " اضْرِبَ "، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَوْكِيدِ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا كَقَوْلِهِ:
؎يَحْسَبُهُ الجاهِلُ ما لَمْ يَعْلَما ∗∗∗ شَيْخًا عَلى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمًا
فَقَدْ تَرَكَّبَتْ هَذِهِ القِراءَةُ مِن ثَلاثَةِ أُصُولٍ كُلُّها ضَعِيفَةٌ: الأوَّلُ تَوْكِيدُ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو ضَعِيفٌ.
الثّانِي إبْدالُها ألِفًا، وهو خاصٌّ بِالوَقْفِ، فَإجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ ضَعِيفٌ.
والثّالِثُ حَذْفُ الألِفِ، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا لِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، وخَرَّجَها بَعْضُهم عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ الَّذِينَ يَنْصِبُونَ بِلَمْ ويَجْزِمُونَ بِلَنْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
(p-١٦٣٥)فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضى رَأْيَهُ قُدُمًا ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامِهِ أحَدًا بِنَصْبِ الرّاءِ مِن يُشاوِرُ، وهَذِهِ اللُّغَةُ لِبَعْضِ العَرَبِ ما أظُنُّها تَصِحُّ، وإنْ صَحَّتْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللُّغاتِ المُعْتَبَرَةِ فَإنَّها جاءَتْ بِعَكْسِ ما عَلَيْهِ لُغَةُ العَرَبِ بِأسْرِها.
وعَلى كُلِّ حالٍ فَقِراءَةُ هَذا الرَّجُلِ مَعَ شِدَّةِ جَوْرِهِ ومَزِيدِ ظُلْمِهِ وكَثْرَةِ جَبَرُوتِهِ وقِلَّةِ عِلْمِهِ لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ بِالِاشْتِغالِ بِها.
والوِزْرُ: الذَّنْبُ أيْ وضَعْنا عَنْكَ ما كُنْتَ فِيهِ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى حَطَطْنا عَنْكَ الَّذِي سَلَفَ مِنكَ في الجاهِلِيَّةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] .
﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ أثْقَلَ ظَهْرَكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: أثْقَلَهُ حَتّى سُمِعَ لَهُ نَقِيضٌ: أيْ صَوْتٌ، وهَذا مِثْلُ مَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ حَمْلًا يُحْمَلُ لَسُمِعَ نَقِيضُ ظَهْرِهِ، وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: أنْقَضَ الحَمْلُ ظَهْرَ النّاقَةِ: إذا سُمِعَ لَهُ صَرِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ:
؎وحَتّى تَداعَتْ بِالنَّقِيضِ حِبالُهُ ∗∗∗ وهَمَّتْ ثَوانِي زَوْرِهِ أنْ تَحَطَّما
وقَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
؎وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّيْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنا
قالَ قَتادَةُ: كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذُنُوبٌ قَدْ أثْقَلَتْهُ فَغَفَرَها اللَّهُ لَهُ، وقَوْمٌ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ هَذا تَخْفِيفُ أعْباءِ النُّبُوَّةِ الَّتِي تُثْقِلُ الظَّهْرَ مِنَ القِيامِ بِأمْرِها سَهَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتّى تَيَسَّرَتْ لَهُ. وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وحَلَلْنا عَنْكَ وقْرَكَ " .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِنَّتَهُ عَلَيْهِ وكَرامَتَهُ فَقالَ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ لا يُذْكَرُ في مَوْضِعٍ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ ﷺ .
قالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ ولا مُتَشَهِّدٌ ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي، فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ يَعْنِي بِالتَّأْذِينِ.
وقِيلَ المَعْنى: ذَكَّرْناكَ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ وأمَرْناهم بِالبِشارَةِ بِهِ، وقِيلَ رَفَعْنا ذِكْرَكَ عِنْدَ المَلائِكَةِ في السَّماءِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ في الأرْضِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الرَّفْعَ لِذِكْرِهِ الَّذِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنها مِن أسْبابِ رَفْعِ الذِّكْرِ، وكَذَلِكَ أمْرُهُ بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ، وإخْبارُهُ ﷺ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَن صَلّى عَلَيْهِ واحِدَةً صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا، وأمْرُ اللَّهِ بِطاعَتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وغَيْرِ ذَلِكَ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ مَلَأ ذِكْرُهُ الجَلِيلُ السَّماواتِ والأرَضِينَ، وجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِن لِسانِ الصِّدْقِ والذِّكْرِ الحَسَنِ والثَّناءِ الصّالِحِ ما لَمْ يَجْعَلْهُ لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ عَدَدَ ما صَلّى عَلَيْهِ المُصَلُّونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ، وما أحْسَنَ قَوْلَ حَسّانَ:
؎أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خاتَمٌ ∗∗∗ مِنَ اللَّهِ مَشْهُورٌ يَلُوحُ ويَشْهَدُ
؎وضَمَّ الإلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ مَعَ اسْمِهِ ∗∗∗ إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنِ أشْهَدُ
؎وشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ∗∗∗ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذا مُحَمَّدُ
﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ الضِّيقَةِ سَعَةً، ومَعَ الشِّدَّةِ رَخاءٌ، ومَعَ الكَرْبِ فَرَجٌ.
وفِي هَذا وعْدٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ كُلَّ عَسِيرٍ يَتَيَسَّرُ، وكُلَّ شَدِيدٍ يَهُونُ، وكُلَّ صَعْبٍ يَلِينُ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ هَذا الوَعْدَ تَقْرِيرًا وتَأْكِيدًا، فَقالَ مُكَرِّرًا لَهُ بِلَفْظِ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ ذَلِكَ العُسْرِ المَذْكُورِ سابِقًا يُسْرًا آخَرَ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ إذا أُعِيدَ المُعَرَّفُ يَكُونُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ سَواءٌ كانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسَ أوِ العَهْدَ، بِخِلافِ المُنْكَّرِ إذا أُعِيدَ فَإنَّهُ يُرادُ بِالثّانِي فَرْدٌ مُغايِرٌ لِما أُرِيدَ بِالفَرْدِ الأوَّلِ في الغالِبِ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابَةِ والمُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ العُسْرَ واحِدٌ واليُسْرَ اثْنانِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ذَكَرَ العُسْرَ مَعَ الألِفِ واللّامِ ثُمَّ ثَنّى ذِكْرَهُ، فَصارَ المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَيْنِ.
قِيلَ والتَّنْكِيرُ في اليُسْرِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وهو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ غَيْرُ مُكَرَّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ السِّينِ في العُسْرِ واليُسْرِ في المَوْضِعَيْنِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى بِضَمِّها في الجَمِيعِ.
﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ أيْ إذا فَرَغْتَ مِن صَلاتِكَ، أوْ مِنَ التَّبْلِيغِ، أوْ مِنَ الغَزْوِ فانْصَبْ أيْ: فاجْتَهِدْ في الدُّعاءِ واطْلُبْ مِنَ اللَّهِ حاجَتَكَ، أوْ فانْصَبْ في العِبادَةِ، والنَّصَبُ التَّعَبُ، يُقالُ نَصَبَ يَنْصَبُ نَصَبًا: أيْ تَعِبَ.
قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ في الدُّعاءِ وارْغَبْ إلَيْهِ في المَسْألَةِ يُعْطِكَ، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ فانْصَبْ: أيِ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: إذا فَرَغْتَ مِن جِهادِ عَدُوِّكَ فانْصَبْ لِعِبادَةِ رَبِّكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إذا فَرَغْتَ مِن دُنْياكَ فانْصَبْ في صَلاتِكَ.
﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيِ اجْعَلْ رَغْبَتَكَ إلى اللَّهِ وحْدَهُ.
قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أنَّهُ يَضْرَعُ إلَيْهِ راهِبًا مِنَ النّارِ، راغِبًا في الجَنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَرْغَبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ كائِنًا مَن كانَ، فَلا يَطْلُبُ حاجاتِهِ إلّا مِنهُ، ولا يُعَوِّلُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ إلّا عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فارْغَبْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " فَرَغِّبْ " بِتَشْدِيدِ الغَيْنِ: أيْ فَرَغِّبِ النّاسَ إلى اللَّهِ وشَوِّقْهم إلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قالَ: شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أتانِي (p-١٦٣٦)جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: تَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتَ ذِكْرَكَ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إذا ذُكْرِتُ ذُكِرْتَ مَعِيَ» .
وإسْنادُ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: حَدَّثَنِي يُونُسُ أخْبَرَنا ابْنُ وهْبٍ أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ الحارِثِ عَنْ دَرّاجٍ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ.
وأخْرَجَهُ أبُو يَعْلى مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأعْلى بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ الآيَةَ قالَ: لا يُذْكَرُ اللَّهُ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ جالِسًا وحِيالُهُ جُحْرٌ، فَقالَ: العُسْرُ لَوْ دَخَلَ العُسْرُ هَذا الجُحْرَ لَجاءَ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» ولَفْظُ الطَّبَرانِيِّ «وتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. قالَ السُّيُوطِيُّ وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الصَّبْرِ وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَوْ كانَ العُسْرُ في جُحْرٍ لَتَبِعَهُ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ فَيُخْرِجَهُ، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ رَواهُ عَنْ أنَسٍ إلّا عائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ.
قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ في حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، ولَكِنْ رَواهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَرِحًا مَسْرُورًا وهو يَضْحَكُ ويَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» وهَذا مُرْسَلٌ.
ورُوِيَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا عَنْ قَتادَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ الآيَةَ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ فانْصَبْ في الدُّعاءِ واسْألِ اللَّهَ وارْغَبْ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ وتَشَهَّدْتَ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ واسْألْهُ حاجَتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في الذِّكْرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ إلى الدُّعاءِ ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ في المَسْألَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ في قِيامِ اللَّيْلِ.
الشرح 94:3
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ، وزادَ: بَعْدَ الضُّحى.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مَعْنى شَرْحِ الصَّدْرِ: فَتْحُهُ بِإذْهابِ ما يَصُدُّ عَنِ الإدْراكِ، والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ قَرَّرَهُ، فَصارَ المَعْنى: قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ، وإنَّما خَصَّ الصَّدْرَ لِأنَّهُ مَحَلُّ أحْوالِ النَّفْسِ مِنَ العُلُومِ والإدْراكاتِ، والمُرادُ الِامْتِنانُ عَلَيْهِ ﷺ بِفَتْحِ صَدْرِهِ وتَوْسِيعِهِ حَتّى قامَ بِما قالَ بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ، وقَدَرَ عَلى ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِن حَمْلِ أعْباءِ النُّبُوَّةِ وحِفْظِ الوَحْيِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في هَذا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] .
﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ، لا عَلى لَفْظِهِ: أيْ قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ ووَضَعْنا إلَخْ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ يَمْدَحُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ:
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ أيْ أنْتُمْ خَيْرُ مَن رَكِبَ المَطايا، وأنْدى إلَخْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ نَشْرَحْ بِسُكُونِ الحاءِ بِالجَزْمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ العَبّاسِيُّ بِفَتْحِها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالُوا لَعَلَّهُ بَيَّنَ الحاءَ وأشْبَعَها في مَخْرَجِها، فَظَنَّ السّامِعُ أنَّهُ فَتَحَها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الأصْلَ " ألَمْ نَشْرَحَنَ " بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، ثُمَّ إبْدالُها ألِفًا، ثُمَّ حَذْفُها تَخْفِيفًا كَما أنْشَدَ أبُو زَيْدٍ:
؎مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيَوْمَ لَمْ يُقَدَّرَ أمْ يَوْمَ قُدِّرْ
بِفَتْحِ الرّاءِ مِن " لَمْ يُقَدَّرَ "، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ:
؎اضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
بِفَتْحِ الباءِ مِنِ " اضْرِبَ "، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَوْكِيدِ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا كَقَوْلِهِ:
؎يَحْسَبُهُ الجاهِلُ ما لَمْ يَعْلَما ∗∗∗ شَيْخًا عَلى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمًا
فَقَدْ تَرَكَّبَتْ هَذِهِ القِراءَةُ مِن ثَلاثَةِ أُصُولٍ كُلُّها ضَعِيفَةٌ: الأوَّلُ تَوْكِيدُ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو ضَعِيفٌ.
الثّانِي إبْدالُها ألِفًا، وهو خاصٌّ بِالوَقْفِ، فَإجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ ضَعِيفٌ.
والثّالِثُ حَذْفُ الألِفِ، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا لِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، وخَرَّجَها بَعْضُهم عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ الَّذِينَ يَنْصِبُونَ بِلَمْ ويَجْزِمُونَ بِلَنْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
(p-١٦٣٥)فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضى رَأْيَهُ قُدُمًا ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامِهِ أحَدًا بِنَصْبِ الرّاءِ مِن يُشاوِرُ، وهَذِهِ اللُّغَةُ لِبَعْضِ العَرَبِ ما أظُنُّها تَصِحُّ، وإنْ صَحَّتْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللُّغاتِ المُعْتَبَرَةِ فَإنَّها جاءَتْ بِعَكْسِ ما عَلَيْهِ لُغَةُ العَرَبِ بِأسْرِها.
وعَلى كُلِّ حالٍ فَقِراءَةُ هَذا الرَّجُلِ مَعَ شِدَّةِ جَوْرِهِ ومَزِيدِ ظُلْمِهِ وكَثْرَةِ جَبَرُوتِهِ وقِلَّةِ عِلْمِهِ لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ بِالِاشْتِغالِ بِها.
والوِزْرُ: الذَّنْبُ أيْ وضَعْنا عَنْكَ ما كُنْتَ فِيهِ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى حَطَطْنا عَنْكَ الَّذِي سَلَفَ مِنكَ في الجاهِلِيَّةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] .
﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ أثْقَلَ ظَهْرَكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: أثْقَلَهُ حَتّى سُمِعَ لَهُ نَقِيضٌ: أيْ صَوْتٌ، وهَذا مِثْلُ مَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ حَمْلًا يُحْمَلُ لَسُمِعَ نَقِيضُ ظَهْرِهِ، وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: أنْقَضَ الحَمْلُ ظَهْرَ النّاقَةِ: إذا سُمِعَ لَهُ صَرِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ:
؎وحَتّى تَداعَتْ بِالنَّقِيضِ حِبالُهُ ∗∗∗ وهَمَّتْ ثَوانِي زَوْرِهِ أنْ تَحَطَّما
وقَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
؎وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّيْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنا
قالَ قَتادَةُ: كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذُنُوبٌ قَدْ أثْقَلَتْهُ فَغَفَرَها اللَّهُ لَهُ، وقَوْمٌ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ هَذا تَخْفِيفُ أعْباءِ النُّبُوَّةِ الَّتِي تُثْقِلُ الظَّهْرَ مِنَ القِيامِ بِأمْرِها سَهَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتّى تَيَسَّرَتْ لَهُ. وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وحَلَلْنا عَنْكَ وقْرَكَ " .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِنَّتَهُ عَلَيْهِ وكَرامَتَهُ فَقالَ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ لا يُذْكَرُ في مَوْضِعٍ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ ﷺ .
قالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ ولا مُتَشَهِّدٌ ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي، فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ يَعْنِي بِالتَّأْذِينِ.
وقِيلَ المَعْنى: ذَكَّرْناكَ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ وأمَرْناهم بِالبِشارَةِ بِهِ، وقِيلَ رَفَعْنا ذِكْرَكَ عِنْدَ المَلائِكَةِ في السَّماءِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ في الأرْضِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الرَّفْعَ لِذِكْرِهِ الَّذِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنها مِن أسْبابِ رَفْعِ الذِّكْرِ، وكَذَلِكَ أمْرُهُ بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ، وإخْبارُهُ ﷺ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَن صَلّى عَلَيْهِ واحِدَةً صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا، وأمْرُ اللَّهِ بِطاعَتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وغَيْرِ ذَلِكَ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ مَلَأ ذِكْرُهُ الجَلِيلُ السَّماواتِ والأرَضِينَ، وجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِن لِسانِ الصِّدْقِ والذِّكْرِ الحَسَنِ والثَّناءِ الصّالِحِ ما لَمْ يَجْعَلْهُ لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ عَدَدَ ما صَلّى عَلَيْهِ المُصَلُّونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ، وما أحْسَنَ قَوْلَ حَسّانَ:
؎أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خاتَمٌ ∗∗∗ مِنَ اللَّهِ مَشْهُورٌ يَلُوحُ ويَشْهَدُ
؎وضَمَّ الإلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ مَعَ اسْمِهِ ∗∗∗ إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنِ أشْهَدُ
؎وشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ∗∗∗ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذا مُحَمَّدُ
﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ الضِّيقَةِ سَعَةً، ومَعَ الشِّدَّةِ رَخاءٌ، ومَعَ الكَرْبِ فَرَجٌ.
وفِي هَذا وعْدٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ كُلَّ عَسِيرٍ يَتَيَسَّرُ، وكُلَّ شَدِيدٍ يَهُونُ، وكُلَّ صَعْبٍ يَلِينُ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ هَذا الوَعْدَ تَقْرِيرًا وتَأْكِيدًا، فَقالَ مُكَرِّرًا لَهُ بِلَفْظِ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ ذَلِكَ العُسْرِ المَذْكُورِ سابِقًا يُسْرًا آخَرَ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ إذا أُعِيدَ المُعَرَّفُ يَكُونُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ سَواءٌ كانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسَ أوِ العَهْدَ، بِخِلافِ المُنْكَّرِ إذا أُعِيدَ فَإنَّهُ يُرادُ بِالثّانِي فَرْدٌ مُغايِرٌ لِما أُرِيدَ بِالفَرْدِ الأوَّلِ في الغالِبِ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابَةِ والمُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ العُسْرَ واحِدٌ واليُسْرَ اثْنانِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ذَكَرَ العُسْرَ مَعَ الألِفِ واللّامِ ثُمَّ ثَنّى ذِكْرَهُ، فَصارَ المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَيْنِ.
قِيلَ والتَّنْكِيرُ في اليُسْرِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وهو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ غَيْرُ مُكَرَّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ السِّينِ في العُسْرِ واليُسْرِ في المَوْضِعَيْنِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى بِضَمِّها في الجَمِيعِ.
﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ أيْ إذا فَرَغْتَ مِن صَلاتِكَ، أوْ مِنَ التَّبْلِيغِ، أوْ مِنَ الغَزْوِ فانْصَبْ أيْ: فاجْتَهِدْ في الدُّعاءِ واطْلُبْ مِنَ اللَّهِ حاجَتَكَ، أوْ فانْصَبْ في العِبادَةِ، والنَّصَبُ التَّعَبُ، يُقالُ نَصَبَ يَنْصَبُ نَصَبًا: أيْ تَعِبَ.
قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ في الدُّعاءِ وارْغَبْ إلَيْهِ في المَسْألَةِ يُعْطِكَ، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ فانْصَبْ: أيِ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: إذا فَرَغْتَ مِن جِهادِ عَدُوِّكَ فانْصَبْ لِعِبادَةِ رَبِّكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إذا فَرَغْتَ مِن دُنْياكَ فانْصَبْ في صَلاتِكَ.
﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيِ اجْعَلْ رَغْبَتَكَ إلى اللَّهِ وحْدَهُ.
قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أنَّهُ يَضْرَعُ إلَيْهِ راهِبًا مِنَ النّارِ، راغِبًا في الجَنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَرْغَبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ كائِنًا مَن كانَ، فَلا يَطْلُبُ حاجاتِهِ إلّا مِنهُ، ولا يُعَوِّلُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ إلّا عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فارْغَبْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " فَرَغِّبْ " بِتَشْدِيدِ الغَيْنِ: أيْ فَرَغِّبِ النّاسَ إلى اللَّهِ وشَوِّقْهم إلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قالَ: شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أتانِي (p-١٦٣٦)جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: تَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتَ ذِكْرَكَ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إذا ذُكْرِتُ ذُكِرْتَ مَعِيَ» .
وإسْنادُ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: حَدَّثَنِي يُونُسُ أخْبَرَنا ابْنُ وهْبٍ أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ الحارِثِ عَنْ دَرّاجٍ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ.
وأخْرَجَهُ أبُو يَعْلى مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأعْلى بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ الآيَةَ قالَ: لا يُذْكَرُ اللَّهُ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ جالِسًا وحِيالُهُ جُحْرٌ، فَقالَ: العُسْرُ لَوْ دَخَلَ العُسْرُ هَذا الجُحْرَ لَجاءَ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» ولَفْظُ الطَّبَرانِيِّ «وتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. قالَ السُّيُوطِيُّ وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الصَّبْرِ وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَوْ كانَ العُسْرُ في جُحْرٍ لَتَبِعَهُ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ فَيُخْرِجَهُ، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ رَواهُ عَنْ أنَسٍ إلّا عائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ.
قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ في حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، ولَكِنْ رَواهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَرِحًا مَسْرُورًا وهو يَضْحَكُ ويَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» وهَذا مُرْسَلٌ.
ورُوِيَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا عَنْ قَتادَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ الآيَةَ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ فانْصَبْ في الدُّعاءِ واسْألِ اللَّهَ وارْغَبْ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ وتَشَهَّدْتَ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ واسْألْهُ حاجَتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في الذِّكْرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ إلى الدُّعاءِ ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ في المَسْألَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ في قِيامِ اللَّيْلِ.
الشرح 94:4
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ، وزادَ: بَعْدَ الضُّحى.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مَعْنى شَرْحِ الصَّدْرِ: فَتْحُهُ بِإذْهابِ ما يَصُدُّ عَنِ الإدْراكِ، والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ قَرَّرَهُ، فَصارَ المَعْنى: قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ، وإنَّما خَصَّ الصَّدْرَ لِأنَّهُ مَحَلُّ أحْوالِ النَّفْسِ مِنَ العُلُومِ والإدْراكاتِ، والمُرادُ الِامْتِنانُ عَلَيْهِ ﷺ بِفَتْحِ صَدْرِهِ وتَوْسِيعِهِ حَتّى قامَ بِما قالَ بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ، وقَدَرَ عَلى ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِن حَمْلِ أعْباءِ النُّبُوَّةِ وحِفْظِ الوَحْيِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في هَذا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] .
﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ، لا عَلى لَفْظِهِ: أيْ قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ ووَضَعْنا إلَخْ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ يَمْدَحُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ:
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ أيْ أنْتُمْ خَيْرُ مَن رَكِبَ المَطايا، وأنْدى إلَخْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ نَشْرَحْ بِسُكُونِ الحاءِ بِالجَزْمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ العَبّاسِيُّ بِفَتْحِها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالُوا لَعَلَّهُ بَيَّنَ الحاءَ وأشْبَعَها في مَخْرَجِها، فَظَنَّ السّامِعُ أنَّهُ فَتَحَها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الأصْلَ " ألَمْ نَشْرَحَنَ " بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، ثُمَّ إبْدالُها ألِفًا، ثُمَّ حَذْفُها تَخْفِيفًا كَما أنْشَدَ أبُو زَيْدٍ:
؎مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيَوْمَ لَمْ يُقَدَّرَ أمْ يَوْمَ قُدِّرْ
بِفَتْحِ الرّاءِ مِن " لَمْ يُقَدَّرَ "، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ:
؎اضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
بِفَتْحِ الباءِ مِنِ " اضْرِبَ "، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَوْكِيدِ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا كَقَوْلِهِ:
؎يَحْسَبُهُ الجاهِلُ ما لَمْ يَعْلَما ∗∗∗ شَيْخًا عَلى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمًا
فَقَدْ تَرَكَّبَتْ هَذِهِ القِراءَةُ مِن ثَلاثَةِ أُصُولٍ كُلُّها ضَعِيفَةٌ: الأوَّلُ تَوْكِيدُ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو ضَعِيفٌ.
الثّانِي إبْدالُها ألِفًا، وهو خاصٌّ بِالوَقْفِ، فَإجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ ضَعِيفٌ.
والثّالِثُ حَذْفُ الألِفِ، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا لِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، وخَرَّجَها بَعْضُهم عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ الَّذِينَ يَنْصِبُونَ بِلَمْ ويَجْزِمُونَ بِلَنْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
(p-١٦٣٥)فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضى رَأْيَهُ قُدُمًا ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامِهِ أحَدًا بِنَصْبِ الرّاءِ مِن يُشاوِرُ، وهَذِهِ اللُّغَةُ لِبَعْضِ العَرَبِ ما أظُنُّها تَصِحُّ، وإنْ صَحَّتْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللُّغاتِ المُعْتَبَرَةِ فَإنَّها جاءَتْ بِعَكْسِ ما عَلَيْهِ لُغَةُ العَرَبِ بِأسْرِها.
وعَلى كُلِّ حالٍ فَقِراءَةُ هَذا الرَّجُلِ مَعَ شِدَّةِ جَوْرِهِ ومَزِيدِ ظُلْمِهِ وكَثْرَةِ جَبَرُوتِهِ وقِلَّةِ عِلْمِهِ لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ بِالِاشْتِغالِ بِها.
والوِزْرُ: الذَّنْبُ أيْ وضَعْنا عَنْكَ ما كُنْتَ فِيهِ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى حَطَطْنا عَنْكَ الَّذِي سَلَفَ مِنكَ في الجاهِلِيَّةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] .
﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ أثْقَلَ ظَهْرَكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: أثْقَلَهُ حَتّى سُمِعَ لَهُ نَقِيضٌ: أيْ صَوْتٌ، وهَذا مِثْلُ مَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ حَمْلًا يُحْمَلُ لَسُمِعَ نَقِيضُ ظَهْرِهِ، وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: أنْقَضَ الحَمْلُ ظَهْرَ النّاقَةِ: إذا سُمِعَ لَهُ صَرِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ:
؎وحَتّى تَداعَتْ بِالنَّقِيضِ حِبالُهُ ∗∗∗ وهَمَّتْ ثَوانِي زَوْرِهِ أنْ تَحَطَّما
وقَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
؎وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّيْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنا
قالَ قَتادَةُ: كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذُنُوبٌ قَدْ أثْقَلَتْهُ فَغَفَرَها اللَّهُ لَهُ، وقَوْمٌ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ هَذا تَخْفِيفُ أعْباءِ النُّبُوَّةِ الَّتِي تُثْقِلُ الظَّهْرَ مِنَ القِيامِ بِأمْرِها سَهَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتّى تَيَسَّرَتْ لَهُ. وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وحَلَلْنا عَنْكَ وقْرَكَ " .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِنَّتَهُ عَلَيْهِ وكَرامَتَهُ فَقالَ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ لا يُذْكَرُ في مَوْضِعٍ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ ﷺ .
قالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ ولا مُتَشَهِّدٌ ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي، فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ يَعْنِي بِالتَّأْذِينِ.
وقِيلَ المَعْنى: ذَكَّرْناكَ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ وأمَرْناهم بِالبِشارَةِ بِهِ، وقِيلَ رَفَعْنا ذِكْرَكَ عِنْدَ المَلائِكَةِ في السَّماءِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ في الأرْضِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الرَّفْعَ لِذِكْرِهِ الَّذِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنها مِن أسْبابِ رَفْعِ الذِّكْرِ، وكَذَلِكَ أمْرُهُ بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ، وإخْبارُهُ ﷺ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَن صَلّى عَلَيْهِ واحِدَةً صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا، وأمْرُ اللَّهِ بِطاعَتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وغَيْرِ ذَلِكَ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ مَلَأ ذِكْرُهُ الجَلِيلُ السَّماواتِ والأرَضِينَ، وجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِن لِسانِ الصِّدْقِ والذِّكْرِ الحَسَنِ والثَّناءِ الصّالِحِ ما لَمْ يَجْعَلْهُ لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ عَدَدَ ما صَلّى عَلَيْهِ المُصَلُّونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ، وما أحْسَنَ قَوْلَ حَسّانَ:
؎أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خاتَمٌ ∗∗∗ مِنَ اللَّهِ مَشْهُورٌ يَلُوحُ ويَشْهَدُ
؎وضَمَّ الإلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ مَعَ اسْمِهِ ∗∗∗ إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنِ أشْهَدُ
؎وشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ∗∗∗ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذا مُحَمَّدُ
﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ الضِّيقَةِ سَعَةً، ومَعَ الشِّدَّةِ رَخاءٌ، ومَعَ الكَرْبِ فَرَجٌ.
وفِي هَذا وعْدٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ كُلَّ عَسِيرٍ يَتَيَسَّرُ، وكُلَّ شَدِيدٍ يَهُونُ، وكُلَّ صَعْبٍ يَلِينُ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ هَذا الوَعْدَ تَقْرِيرًا وتَأْكِيدًا، فَقالَ مُكَرِّرًا لَهُ بِلَفْظِ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ ذَلِكَ العُسْرِ المَذْكُورِ سابِقًا يُسْرًا آخَرَ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ إذا أُعِيدَ المُعَرَّفُ يَكُونُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ سَواءٌ كانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسَ أوِ العَهْدَ، بِخِلافِ المُنْكَّرِ إذا أُعِيدَ فَإنَّهُ يُرادُ بِالثّانِي فَرْدٌ مُغايِرٌ لِما أُرِيدَ بِالفَرْدِ الأوَّلِ في الغالِبِ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابَةِ والمُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ العُسْرَ واحِدٌ واليُسْرَ اثْنانِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ذَكَرَ العُسْرَ مَعَ الألِفِ واللّامِ ثُمَّ ثَنّى ذِكْرَهُ، فَصارَ المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَيْنِ.
قِيلَ والتَّنْكِيرُ في اليُسْرِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وهو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ غَيْرُ مُكَرَّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ السِّينِ في العُسْرِ واليُسْرِ في المَوْضِعَيْنِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى بِضَمِّها في الجَمِيعِ.
﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ أيْ إذا فَرَغْتَ مِن صَلاتِكَ، أوْ مِنَ التَّبْلِيغِ، أوْ مِنَ الغَزْوِ فانْصَبْ أيْ: فاجْتَهِدْ في الدُّعاءِ واطْلُبْ مِنَ اللَّهِ حاجَتَكَ، أوْ فانْصَبْ في العِبادَةِ، والنَّصَبُ التَّعَبُ، يُقالُ نَصَبَ يَنْصَبُ نَصَبًا: أيْ تَعِبَ.
قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ في الدُّعاءِ وارْغَبْ إلَيْهِ في المَسْألَةِ يُعْطِكَ، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ فانْصَبْ: أيِ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: إذا فَرَغْتَ مِن جِهادِ عَدُوِّكَ فانْصَبْ لِعِبادَةِ رَبِّكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إذا فَرَغْتَ مِن دُنْياكَ فانْصَبْ في صَلاتِكَ.
﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيِ اجْعَلْ رَغْبَتَكَ إلى اللَّهِ وحْدَهُ.
قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أنَّهُ يَضْرَعُ إلَيْهِ راهِبًا مِنَ النّارِ، راغِبًا في الجَنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَرْغَبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ كائِنًا مَن كانَ، فَلا يَطْلُبُ حاجاتِهِ إلّا مِنهُ، ولا يُعَوِّلُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ إلّا عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فارْغَبْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " فَرَغِّبْ " بِتَشْدِيدِ الغَيْنِ: أيْ فَرَغِّبِ النّاسَ إلى اللَّهِ وشَوِّقْهم إلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قالَ: شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أتانِي (p-١٦٣٦)جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: تَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتَ ذِكْرَكَ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إذا ذُكْرِتُ ذُكِرْتَ مَعِيَ» .
وإسْنادُ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: حَدَّثَنِي يُونُسُ أخْبَرَنا ابْنُ وهْبٍ أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ الحارِثِ عَنْ دَرّاجٍ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ.
وأخْرَجَهُ أبُو يَعْلى مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأعْلى بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ الآيَةَ قالَ: لا يُذْكَرُ اللَّهُ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ جالِسًا وحِيالُهُ جُحْرٌ، فَقالَ: العُسْرُ لَوْ دَخَلَ العُسْرُ هَذا الجُحْرَ لَجاءَ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» ولَفْظُ الطَّبَرانِيِّ «وتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. قالَ السُّيُوطِيُّ وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الصَّبْرِ وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَوْ كانَ العُسْرُ في جُحْرٍ لَتَبِعَهُ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ فَيُخْرِجَهُ، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ رَواهُ عَنْ أنَسٍ إلّا عائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ.
قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ في حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، ولَكِنْ رَواهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَرِحًا مَسْرُورًا وهو يَضْحَكُ ويَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» وهَذا مُرْسَلٌ.
ورُوِيَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا عَنْ قَتادَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ الآيَةَ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ فانْصَبْ في الدُّعاءِ واسْألِ اللَّهَ وارْغَبْ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ وتَشَهَّدْتَ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ واسْألْهُ حاجَتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في الذِّكْرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ إلى الدُّعاءِ ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ في المَسْألَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ في قِيامِ اللَّيْلِ.
الشرح 94:5
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ، وزادَ: بَعْدَ الضُّحى.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مَعْنى شَرْحِ الصَّدْرِ: فَتْحُهُ بِإذْهابِ ما يَصُدُّ عَنِ الإدْراكِ، والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ قَرَّرَهُ، فَصارَ المَعْنى: قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ، وإنَّما خَصَّ الصَّدْرَ لِأنَّهُ مَحَلُّ أحْوالِ النَّفْسِ مِنَ العُلُومِ والإدْراكاتِ، والمُرادُ الِامْتِنانُ عَلَيْهِ ﷺ بِفَتْحِ صَدْرِهِ وتَوْسِيعِهِ حَتّى قامَ بِما قالَ بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ، وقَدَرَ عَلى ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِن حَمْلِ أعْباءِ النُّبُوَّةِ وحِفْظِ الوَحْيِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في هَذا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] .
﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ، لا عَلى لَفْظِهِ: أيْ قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ ووَضَعْنا إلَخْ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ يَمْدَحُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ:
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ أيْ أنْتُمْ خَيْرُ مَن رَكِبَ المَطايا، وأنْدى إلَخْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ نَشْرَحْ بِسُكُونِ الحاءِ بِالجَزْمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ العَبّاسِيُّ بِفَتْحِها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالُوا لَعَلَّهُ بَيَّنَ الحاءَ وأشْبَعَها في مَخْرَجِها، فَظَنَّ السّامِعُ أنَّهُ فَتَحَها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الأصْلَ " ألَمْ نَشْرَحَنَ " بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، ثُمَّ إبْدالُها ألِفًا، ثُمَّ حَذْفُها تَخْفِيفًا كَما أنْشَدَ أبُو زَيْدٍ:
؎مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيَوْمَ لَمْ يُقَدَّرَ أمْ يَوْمَ قُدِّرْ
بِفَتْحِ الرّاءِ مِن " لَمْ يُقَدَّرَ "، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ:
؎اضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
بِفَتْحِ الباءِ مِنِ " اضْرِبَ "، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَوْكِيدِ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا كَقَوْلِهِ:
؎يَحْسَبُهُ الجاهِلُ ما لَمْ يَعْلَما ∗∗∗ شَيْخًا عَلى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمًا
فَقَدْ تَرَكَّبَتْ هَذِهِ القِراءَةُ مِن ثَلاثَةِ أُصُولٍ كُلُّها ضَعِيفَةٌ: الأوَّلُ تَوْكِيدُ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو ضَعِيفٌ.
الثّانِي إبْدالُها ألِفًا، وهو خاصٌّ بِالوَقْفِ، فَإجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ ضَعِيفٌ.
والثّالِثُ حَذْفُ الألِفِ، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا لِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، وخَرَّجَها بَعْضُهم عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ الَّذِينَ يَنْصِبُونَ بِلَمْ ويَجْزِمُونَ بِلَنْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
(p-١٦٣٥)فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضى رَأْيَهُ قُدُمًا ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامِهِ أحَدًا بِنَصْبِ الرّاءِ مِن يُشاوِرُ، وهَذِهِ اللُّغَةُ لِبَعْضِ العَرَبِ ما أظُنُّها تَصِحُّ، وإنْ صَحَّتْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللُّغاتِ المُعْتَبَرَةِ فَإنَّها جاءَتْ بِعَكْسِ ما عَلَيْهِ لُغَةُ العَرَبِ بِأسْرِها.
وعَلى كُلِّ حالٍ فَقِراءَةُ هَذا الرَّجُلِ مَعَ شِدَّةِ جَوْرِهِ ومَزِيدِ ظُلْمِهِ وكَثْرَةِ جَبَرُوتِهِ وقِلَّةِ عِلْمِهِ لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ بِالِاشْتِغالِ بِها.
والوِزْرُ: الذَّنْبُ أيْ وضَعْنا عَنْكَ ما كُنْتَ فِيهِ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى حَطَطْنا عَنْكَ الَّذِي سَلَفَ مِنكَ في الجاهِلِيَّةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] .
﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ أثْقَلَ ظَهْرَكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: أثْقَلَهُ حَتّى سُمِعَ لَهُ نَقِيضٌ: أيْ صَوْتٌ، وهَذا مِثْلُ مَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ حَمْلًا يُحْمَلُ لَسُمِعَ نَقِيضُ ظَهْرِهِ، وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: أنْقَضَ الحَمْلُ ظَهْرَ النّاقَةِ: إذا سُمِعَ لَهُ صَرِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ:
؎وحَتّى تَداعَتْ بِالنَّقِيضِ حِبالُهُ ∗∗∗ وهَمَّتْ ثَوانِي زَوْرِهِ أنْ تَحَطَّما
وقَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
؎وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّيْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنا
قالَ قَتادَةُ: كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذُنُوبٌ قَدْ أثْقَلَتْهُ فَغَفَرَها اللَّهُ لَهُ، وقَوْمٌ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ هَذا تَخْفِيفُ أعْباءِ النُّبُوَّةِ الَّتِي تُثْقِلُ الظَّهْرَ مِنَ القِيامِ بِأمْرِها سَهَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتّى تَيَسَّرَتْ لَهُ. وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وحَلَلْنا عَنْكَ وقْرَكَ " .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِنَّتَهُ عَلَيْهِ وكَرامَتَهُ فَقالَ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ لا يُذْكَرُ في مَوْضِعٍ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ ﷺ .
قالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ ولا مُتَشَهِّدٌ ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي، فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ يَعْنِي بِالتَّأْذِينِ.
وقِيلَ المَعْنى: ذَكَّرْناكَ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ وأمَرْناهم بِالبِشارَةِ بِهِ، وقِيلَ رَفَعْنا ذِكْرَكَ عِنْدَ المَلائِكَةِ في السَّماءِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ في الأرْضِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الرَّفْعَ لِذِكْرِهِ الَّذِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنها مِن أسْبابِ رَفْعِ الذِّكْرِ، وكَذَلِكَ أمْرُهُ بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ، وإخْبارُهُ ﷺ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَن صَلّى عَلَيْهِ واحِدَةً صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا، وأمْرُ اللَّهِ بِطاعَتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وغَيْرِ ذَلِكَ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ مَلَأ ذِكْرُهُ الجَلِيلُ السَّماواتِ والأرَضِينَ، وجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِن لِسانِ الصِّدْقِ والذِّكْرِ الحَسَنِ والثَّناءِ الصّالِحِ ما لَمْ يَجْعَلْهُ لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ عَدَدَ ما صَلّى عَلَيْهِ المُصَلُّونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ، وما أحْسَنَ قَوْلَ حَسّانَ:
؎أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خاتَمٌ ∗∗∗ مِنَ اللَّهِ مَشْهُورٌ يَلُوحُ ويَشْهَدُ
؎وضَمَّ الإلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ مَعَ اسْمِهِ ∗∗∗ إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنِ أشْهَدُ
؎وشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ∗∗∗ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذا مُحَمَّدُ
﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ الضِّيقَةِ سَعَةً، ومَعَ الشِّدَّةِ رَخاءٌ، ومَعَ الكَرْبِ فَرَجٌ.
وفِي هَذا وعْدٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ كُلَّ عَسِيرٍ يَتَيَسَّرُ، وكُلَّ شَدِيدٍ يَهُونُ، وكُلَّ صَعْبٍ يَلِينُ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ هَذا الوَعْدَ تَقْرِيرًا وتَأْكِيدًا، فَقالَ مُكَرِّرًا لَهُ بِلَفْظِ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ ذَلِكَ العُسْرِ المَذْكُورِ سابِقًا يُسْرًا آخَرَ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ إذا أُعِيدَ المُعَرَّفُ يَكُونُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ سَواءٌ كانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسَ أوِ العَهْدَ، بِخِلافِ المُنْكَّرِ إذا أُعِيدَ فَإنَّهُ يُرادُ بِالثّانِي فَرْدٌ مُغايِرٌ لِما أُرِيدَ بِالفَرْدِ الأوَّلِ في الغالِبِ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابَةِ والمُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ العُسْرَ واحِدٌ واليُسْرَ اثْنانِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ذَكَرَ العُسْرَ مَعَ الألِفِ واللّامِ ثُمَّ ثَنّى ذِكْرَهُ، فَصارَ المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَيْنِ.
قِيلَ والتَّنْكِيرُ في اليُسْرِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وهو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ غَيْرُ مُكَرَّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ السِّينِ في العُسْرِ واليُسْرِ في المَوْضِعَيْنِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى بِضَمِّها في الجَمِيعِ.
﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ أيْ إذا فَرَغْتَ مِن صَلاتِكَ، أوْ مِنَ التَّبْلِيغِ، أوْ مِنَ الغَزْوِ فانْصَبْ أيْ: فاجْتَهِدْ في الدُّعاءِ واطْلُبْ مِنَ اللَّهِ حاجَتَكَ، أوْ فانْصَبْ في العِبادَةِ، والنَّصَبُ التَّعَبُ، يُقالُ نَصَبَ يَنْصَبُ نَصَبًا: أيْ تَعِبَ.
قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ في الدُّعاءِ وارْغَبْ إلَيْهِ في المَسْألَةِ يُعْطِكَ، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ فانْصَبْ: أيِ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: إذا فَرَغْتَ مِن جِهادِ عَدُوِّكَ فانْصَبْ لِعِبادَةِ رَبِّكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إذا فَرَغْتَ مِن دُنْياكَ فانْصَبْ في صَلاتِكَ.
﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيِ اجْعَلْ رَغْبَتَكَ إلى اللَّهِ وحْدَهُ.
قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أنَّهُ يَضْرَعُ إلَيْهِ راهِبًا مِنَ النّارِ، راغِبًا في الجَنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَرْغَبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ كائِنًا مَن كانَ، فَلا يَطْلُبُ حاجاتِهِ إلّا مِنهُ، ولا يُعَوِّلُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ إلّا عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فارْغَبْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " فَرَغِّبْ " بِتَشْدِيدِ الغَيْنِ: أيْ فَرَغِّبِ النّاسَ إلى اللَّهِ وشَوِّقْهم إلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قالَ: شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أتانِي (p-١٦٣٦)جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: تَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتَ ذِكْرَكَ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إذا ذُكْرِتُ ذُكِرْتَ مَعِيَ» .
وإسْنادُ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: حَدَّثَنِي يُونُسُ أخْبَرَنا ابْنُ وهْبٍ أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ الحارِثِ عَنْ دَرّاجٍ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ.
وأخْرَجَهُ أبُو يَعْلى مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأعْلى بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ الآيَةَ قالَ: لا يُذْكَرُ اللَّهُ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ جالِسًا وحِيالُهُ جُحْرٌ، فَقالَ: العُسْرُ لَوْ دَخَلَ العُسْرُ هَذا الجُحْرَ لَجاءَ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» ولَفْظُ الطَّبَرانِيِّ «وتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. قالَ السُّيُوطِيُّ وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الصَّبْرِ وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَوْ كانَ العُسْرُ في جُحْرٍ لَتَبِعَهُ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ فَيُخْرِجَهُ، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ رَواهُ عَنْ أنَسٍ إلّا عائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ.
قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ في حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، ولَكِنْ رَواهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَرِحًا مَسْرُورًا وهو يَضْحَكُ ويَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» وهَذا مُرْسَلٌ.
ورُوِيَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا عَنْ قَتادَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ الآيَةَ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ فانْصَبْ في الدُّعاءِ واسْألِ اللَّهَ وارْغَبْ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ وتَشَهَّدْتَ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ واسْألْهُ حاجَتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في الذِّكْرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ إلى الدُّعاءِ ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ في المَسْألَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ في قِيامِ اللَّيْلِ.
الشرح 94:6
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ، وزادَ: بَعْدَ الضُّحى.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مَعْنى شَرْحِ الصَّدْرِ: فَتْحُهُ بِإذْهابِ ما يَصُدُّ عَنِ الإدْراكِ، والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ قَرَّرَهُ، فَصارَ المَعْنى: قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ، وإنَّما خَصَّ الصَّدْرَ لِأنَّهُ مَحَلُّ أحْوالِ النَّفْسِ مِنَ العُلُومِ والإدْراكاتِ، والمُرادُ الِامْتِنانُ عَلَيْهِ ﷺ بِفَتْحِ صَدْرِهِ وتَوْسِيعِهِ حَتّى قامَ بِما قالَ بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ، وقَدَرَ عَلى ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِن حَمْلِ أعْباءِ النُّبُوَّةِ وحِفْظِ الوَحْيِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في هَذا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] .
﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ، لا عَلى لَفْظِهِ: أيْ قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ ووَضَعْنا إلَخْ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ يَمْدَحُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ:
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ أيْ أنْتُمْ خَيْرُ مَن رَكِبَ المَطايا، وأنْدى إلَخْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ نَشْرَحْ بِسُكُونِ الحاءِ بِالجَزْمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ العَبّاسِيُّ بِفَتْحِها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالُوا لَعَلَّهُ بَيَّنَ الحاءَ وأشْبَعَها في مَخْرَجِها، فَظَنَّ السّامِعُ أنَّهُ فَتَحَها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الأصْلَ " ألَمْ نَشْرَحَنَ " بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، ثُمَّ إبْدالُها ألِفًا، ثُمَّ حَذْفُها تَخْفِيفًا كَما أنْشَدَ أبُو زَيْدٍ:
؎مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيَوْمَ لَمْ يُقَدَّرَ أمْ يَوْمَ قُدِّرْ
بِفَتْحِ الرّاءِ مِن " لَمْ يُقَدَّرَ "، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ:
؎اضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
بِفَتْحِ الباءِ مِنِ " اضْرِبَ "، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَوْكِيدِ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا كَقَوْلِهِ:
؎يَحْسَبُهُ الجاهِلُ ما لَمْ يَعْلَما ∗∗∗ شَيْخًا عَلى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمًا
فَقَدْ تَرَكَّبَتْ هَذِهِ القِراءَةُ مِن ثَلاثَةِ أُصُولٍ كُلُّها ضَعِيفَةٌ: الأوَّلُ تَوْكِيدُ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو ضَعِيفٌ.
الثّانِي إبْدالُها ألِفًا، وهو خاصٌّ بِالوَقْفِ، فَإجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ ضَعِيفٌ.
والثّالِثُ حَذْفُ الألِفِ، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا لِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، وخَرَّجَها بَعْضُهم عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ الَّذِينَ يَنْصِبُونَ بِلَمْ ويَجْزِمُونَ بِلَنْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
(p-١٦٣٥)فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضى رَأْيَهُ قُدُمًا ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامِهِ أحَدًا بِنَصْبِ الرّاءِ مِن يُشاوِرُ، وهَذِهِ اللُّغَةُ لِبَعْضِ العَرَبِ ما أظُنُّها تَصِحُّ، وإنْ صَحَّتْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللُّغاتِ المُعْتَبَرَةِ فَإنَّها جاءَتْ بِعَكْسِ ما عَلَيْهِ لُغَةُ العَرَبِ بِأسْرِها.
وعَلى كُلِّ حالٍ فَقِراءَةُ هَذا الرَّجُلِ مَعَ شِدَّةِ جَوْرِهِ ومَزِيدِ ظُلْمِهِ وكَثْرَةِ جَبَرُوتِهِ وقِلَّةِ عِلْمِهِ لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ بِالِاشْتِغالِ بِها.
والوِزْرُ: الذَّنْبُ أيْ وضَعْنا عَنْكَ ما كُنْتَ فِيهِ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى حَطَطْنا عَنْكَ الَّذِي سَلَفَ مِنكَ في الجاهِلِيَّةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] .
﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ أثْقَلَ ظَهْرَكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: أثْقَلَهُ حَتّى سُمِعَ لَهُ نَقِيضٌ: أيْ صَوْتٌ، وهَذا مِثْلُ مَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ حَمْلًا يُحْمَلُ لَسُمِعَ نَقِيضُ ظَهْرِهِ، وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: أنْقَضَ الحَمْلُ ظَهْرَ النّاقَةِ: إذا سُمِعَ لَهُ صَرِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ:
؎وحَتّى تَداعَتْ بِالنَّقِيضِ حِبالُهُ ∗∗∗ وهَمَّتْ ثَوانِي زَوْرِهِ أنْ تَحَطَّما
وقَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
؎وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّيْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنا
قالَ قَتادَةُ: كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذُنُوبٌ قَدْ أثْقَلَتْهُ فَغَفَرَها اللَّهُ لَهُ، وقَوْمٌ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ هَذا تَخْفِيفُ أعْباءِ النُّبُوَّةِ الَّتِي تُثْقِلُ الظَّهْرَ مِنَ القِيامِ بِأمْرِها سَهَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتّى تَيَسَّرَتْ لَهُ. وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وحَلَلْنا عَنْكَ وقْرَكَ " .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِنَّتَهُ عَلَيْهِ وكَرامَتَهُ فَقالَ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ لا يُذْكَرُ في مَوْضِعٍ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ ﷺ .
قالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ ولا مُتَشَهِّدٌ ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي، فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ يَعْنِي بِالتَّأْذِينِ.
وقِيلَ المَعْنى: ذَكَّرْناكَ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ وأمَرْناهم بِالبِشارَةِ بِهِ، وقِيلَ رَفَعْنا ذِكْرَكَ عِنْدَ المَلائِكَةِ في السَّماءِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ في الأرْضِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الرَّفْعَ لِذِكْرِهِ الَّذِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنها مِن أسْبابِ رَفْعِ الذِّكْرِ، وكَذَلِكَ أمْرُهُ بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ، وإخْبارُهُ ﷺ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَن صَلّى عَلَيْهِ واحِدَةً صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا، وأمْرُ اللَّهِ بِطاعَتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وغَيْرِ ذَلِكَ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ مَلَأ ذِكْرُهُ الجَلِيلُ السَّماواتِ والأرَضِينَ، وجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِن لِسانِ الصِّدْقِ والذِّكْرِ الحَسَنِ والثَّناءِ الصّالِحِ ما لَمْ يَجْعَلْهُ لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ عَدَدَ ما صَلّى عَلَيْهِ المُصَلُّونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ، وما أحْسَنَ قَوْلَ حَسّانَ:
؎أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خاتَمٌ ∗∗∗ مِنَ اللَّهِ مَشْهُورٌ يَلُوحُ ويَشْهَدُ
؎وضَمَّ الإلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ مَعَ اسْمِهِ ∗∗∗ إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنِ أشْهَدُ
؎وشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ∗∗∗ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذا مُحَمَّدُ
﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ الضِّيقَةِ سَعَةً، ومَعَ الشِّدَّةِ رَخاءٌ، ومَعَ الكَرْبِ فَرَجٌ.
وفِي هَذا وعْدٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ كُلَّ عَسِيرٍ يَتَيَسَّرُ، وكُلَّ شَدِيدٍ يَهُونُ، وكُلَّ صَعْبٍ يَلِينُ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ هَذا الوَعْدَ تَقْرِيرًا وتَأْكِيدًا، فَقالَ مُكَرِّرًا لَهُ بِلَفْظِ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ ذَلِكَ العُسْرِ المَذْكُورِ سابِقًا يُسْرًا آخَرَ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ إذا أُعِيدَ المُعَرَّفُ يَكُونُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ سَواءٌ كانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسَ أوِ العَهْدَ، بِخِلافِ المُنْكَّرِ إذا أُعِيدَ فَإنَّهُ يُرادُ بِالثّانِي فَرْدٌ مُغايِرٌ لِما أُرِيدَ بِالفَرْدِ الأوَّلِ في الغالِبِ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابَةِ والمُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ العُسْرَ واحِدٌ واليُسْرَ اثْنانِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ذَكَرَ العُسْرَ مَعَ الألِفِ واللّامِ ثُمَّ ثَنّى ذِكْرَهُ، فَصارَ المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَيْنِ.
قِيلَ والتَّنْكِيرُ في اليُسْرِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وهو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ غَيْرُ مُكَرَّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ السِّينِ في العُسْرِ واليُسْرِ في المَوْضِعَيْنِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى بِضَمِّها في الجَمِيعِ.
﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ أيْ إذا فَرَغْتَ مِن صَلاتِكَ، أوْ مِنَ التَّبْلِيغِ، أوْ مِنَ الغَزْوِ فانْصَبْ أيْ: فاجْتَهِدْ في الدُّعاءِ واطْلُبْ مِنَ اللَّهِ حاجَتَكَ، أوْ فانْصَبْ في العِبادَةِ، والنَّصَبُ التَّعَبُ، يُقالُ نَصَبَ يَنْصَبُ نَصَبًا: أيْ تَعِبَ.
قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ في الدُّعاءِ وارْغَبْ إلَيْهِ في المَسْألَةِ يُعْطِكَ، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ فانْصَبْ: أيِ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: إذا فَرَغْتَ مِن جِهادِ عَدُوِّكَ فانْصَبْ لِعِبادَةِ رَبِّكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إذا فَرَغْتَ مِن دُنْياكَ فانْصَبْ في صَلاتِكَ.
﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيِ اجْعَلْ رَغْبَتَكَ إلى اللَّهِ وحْدَهُ.
قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أنَّهُ يَضْرَعُ إلَيْهِ راهِبًا مِنَ النّارِ، راغِبًا في الجَنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَرْغَبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ كائِنًا مَن كانَ، فَلا يَطْلُبُ حاجاتِهِ إلّا مِنهُ، ولا يُعَوِّلُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ إلّا عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فارْغَبْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " فَرَغِّبْ " بِتَشْدِيدِ الغَيْنِ: أيْ فَرَغِّبِ النّاسَ إلى اللَّهِ وشَوِّقْهم إلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قالَ: شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أتانِي (p-١٦٣٦)جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: تَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتَ ذِكْرَكَ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إذا ذُكْرِتُ ذُكِرْتَ مَعِيَ» .
وإسْنادُ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: حَدَّثَنِي يُونُسُ أخْبَرَنا ابْنُ وهْبٍ أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ الحارِثِ عَنْ دَرّاجٍ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ.
وأخْرَجَهُ أبُو يَعْلى مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأعْلى بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ الآيَةَ قالَ: لا يُذْكَرُ اللَّهُ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ جالِسًا وحِيالُهُ جُحْرٌ، فَقالَ: العُسْرُ لَوْ دَخَلَ العُسْرُ هَذا الجُحْرَ لَجاءَ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» ولَفْظُ الطَّبَرانِيِّ «وتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. قالَ السُّيُوطِيُّ وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الصَّبْرِ وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَوْ كانَ العُسْرُ في جُحْرٍ لَتَبِعَهُ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ فَيُخْرِجَهُ، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ رَواهُ عَنْ أنَسٍ إلّا عائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ.
قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ في حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، ولَكِنْ رَواهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَرِحًا مَسْرُورًا وهو يَضْحَكُ ويَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» وهَذا مُرْسَلٌ.
ورُوِيَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا عَنْ قَتادَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ الآيَةَ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ فانْصَبْ في الدُّعاءِ واسْألِ اللَّهَ وارْغَبْ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ وتَشَهَّدْتَ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ واسْألْهُ حاجَتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في الذِّكْرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ إلى الدُّعاءِ ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ في المَسْألَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ في قِيامِ اللَّيْلِ.
الشرح 94:7
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ، وزادَ: بَعْدَ الضُّحى.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مَعْنى شَرْحِ الصَّدْرِ: فَتْحُهُ بِإذْهابِ ما يَصُدُّ عَنِ الإدْراكِ، والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ قَرَّرَهُ، فَصارَ المَعْنى: قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ، وإنَّما خَصَّ الصَّدْرَ لِأنَّهُ مَحَلُّ أحْوالِ النَّفْسِ مِنَ العُلُومِ والإدْراكاتِ، والمُرادُ الِامْتِنانُ عَلَيْهِ ﷺ بِفَتْحِ صَدْرِهِ وتَوْسِيعِهِ حَتّى قامَ بِما قالَ بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ، وقَدَرَ عَلى ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِن حَمْلِ أعْباءِ النُّبُوَّةِ وحِفْظِ الوَحْيِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في هَذا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] .
﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ، لا عَلى لَفْظِهِ: أيْ قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ ووَضَعْنا إلَخْ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ يَمْدَحُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ:
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ أيْ أنْتُمْ خَيْرُ مَن رَكِبَ المَطايا، وأنْدى إلَخْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ نَشْرَحْ بِسُكُونِ الحاءِ بِالجَزْمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ العَبّاسِيُّ بِفَتْحِها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالُوا لَعَلَّهُ بَيَّنَ الحاءَ وأشْبَعَها في مَخْرَجِها، فَظَنَّ السّامِعُ أنَّهُ فَتَحَها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الأصْلَ " ألَمْ نَشْرَحَنَ " بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، ثُمَّ إبْدالُها ألِفًا، ثُمَّ حَذْفُها تَخْفِيفًا كَما أنْشَدَ أبُو زَيْدٍ:
؎مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيَوْمَ لَمْ يُقَدَّرَ أمْ يَوْمَ قُدِّرْ
بِفَتْحِ الرّاءِ مِن " لَمْ يُقَدَّرَ "، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ:
؎اضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
بِفَتْحِ الباءِ مِنِ " اضْرِبَ "، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَوْكِيدِ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا كَقَوْلِهِ:
؎يَحْسَبُهُ الجاهِلُ ما لَمْ يَعْلَما ∗∗∗ شَيْخًا عَلى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمًا
فَقَدْ تَرَكَّبَتْ هَذِهِ القِراءَةُ مِن ثَلاثَةِ أُصُولٍ كُلُّها ضَعِيفَةٌ: الأوَّلُ تَوْكِيدُ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو ضَعِيفٌ.
الثّانِي إبْدالُها ألِفًا، وهو خاصٌّ بِالوَقْفِ، فَإجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ ضَعِيفٌ.
والثّالِثُ حَذْفُ الألِفِ، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا لِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، وخَرَّجَها بَعْضُهم عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ الَّذِينَ يَنْصِبُونَ بِلَمْ ويَجْزِمُونَ بِلَنْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
(p-١٦٣٥)فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضى رَأْيَهُ قُدُمًا ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامِهِ أحَدًا بِنَصْبِ الرّاءِ مِن يُشاوِرُ، وهَذِهِ اللُّغَةُ لِبَعْضِ العَرَبِ ما أظُنُّها تَصِحُّ، وإنْ صَحَّتْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللُّغاتِ المُعْتَبَرَةِ فَإنَّها جاءَتْ بِعَكْسِ ما عَلَيْهِ لُغَةُ العَرَبِ بِأسْرِها.
وعَلى كُلِّ حالٍ فَقِراءَةُ هَذا الرَّجُلِ مَعَ شِدَّةِ جَوْرِهِ ومَزِيدِ ظُلْمِهِ وكَثْرَةِ جَبَرُوتِهِ وقِلَّةِ عِلْمِهِ لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ بِالِاشْتِغالِ بِها.
والوِزْرُ: الذَّنْبُ أيْ وضَعْنا عَنْكَ ما كُنْتَ فِيهِ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى حَطَطْنا عَنْكَ الَّذِي سَلَفَ مِنكَ في الجاهِلِيَّةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] .
﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ أثْقَلَ ظَهْرَكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: أثْقَلَهُ حَتّى سُمِعَ لَهُ نَقِيضٌ: أيْ صَوْتٌ، وهَذا مِثْلُ مَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ حَمْلًا يُحْمَلُ لَسُمِعَ نَقِيضُ ظَهْرِهِ، وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: أنْقَضَ الحَمْلُ ظَهْرَ النّاقَةِ: إذا سُمِعَ لَهُ صَرِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ:
؎وحَتّى تَداعَتْ بِالنَّقِيضِ حِبالُهُ ∗∗∗ وهَمَّتْ ثَوانِي زَوْرِهِ أنْ تَحَطَّما
وقَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
؎وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّيْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنا
قالَ قَتادَةُ: كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذُنُوبٌ قَدْ أثْقَلَتْهُ فَغَفَرَها اللَّهُ لَهُ، وقَوْمٌ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ هَذا تَخْفِيفُ أعْباءِ النُّبُوَّةِ الَّتِي تُثْقِلُ الظَّهْرَ مِنَ القِيامِ بِأمْرِها سَهَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتّى تَيَسَّرَتْ لَهُ. وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وحَلَلْنا عَنْكَ وقْرَكَ " .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِنَّتَهُ عَلَيْهِ وكَرامَتَهُ فَقالَ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ لا يُذْكَرُ في مَوْضِعٍ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ ﷺ .
قالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ ولا مُتَشَهِّدٌ ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي، فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ يَعْنِي بِالتَّأْذِينِ.
وقِيلَ المَعْنى: ذَكَّرْناكَ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ وأمَرْناهم بِالبِشارَةِ بِهِ، وقِيلَ رَفَعْنا ذِكْرَكَ عِنْدَ المَلائِكَةِ في السَّماءِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ في الأرْضِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الرَّفْعَ لِذِكْرِهِ الَّذِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنها مِن أسْبابِ رَفْعِ الذِّكْرِ، وكَذَلِكَ أمْرُهُ بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ، وإخْبارُهُ ﷺ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَن صَلّى عَلَيْهِ واحِدَةً صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا، وأمْرُ اللَّهِ بِطاعَتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وغَيْرِ ذَلِكَ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ مَلَأ ذِكْرُهُ الجَلِيلُ السَّماواتِ والأرَضِينَ، وجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِن لِسانِ الصِّدْقِ والذِّكْرِ الحَسَنِ والثَّناءِ الصّالِحِ ما لَمْ يَجْعَلْهُ لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ عَدَدَ ما صَلّى عَلَيْهِ المُصَلُّونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ، وما أحْسَنَ قَوْلَ حَسّانَ:
؎أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خاتَمٌ ∗∗∗ مِنَ اللَّهِ مَشْهُورٌ يَلُوحُ ويَشْهَدُ
؎وضَمَّ الإلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ مَعَ اسْمِهِ ∗∗∗ إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنِ أشْهَدُ
؎وشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ∗∗∗ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذا مُحَمَّدُ
﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ الضِّيقَةِ سَعَةً، ومَعَ الشِّدَّةِ رَخاءٌ، ومَعَ الكَرْبِ فَرَجٌ.
وفِي هَذا وعْدٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ كُلَّ عَسِيرٍ يَتَيَسَّرُ، وكُلَّ شَدِيدٍ يَهُونُ، وكُلَّ صَعْبٍ يَلِينُ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ هَذا الوَعْدَ تَقْرِيرًا وتَأْكِيدًا، فَقالَ مُكَرِّرًا لَهُ بِلَفْظِ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ ذَلِكَ العُسْرِ المَذْكُورِ سابِقًا يُسْرًا آخَرَ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ إذا أُعِيدَ المُعَرَّفُ يَكُونُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ سَواءٌ كانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسَ أوِ العَهْدَ، بِخِلافِ المُنْكَّرِ إذا أُعِيدَ فَإنَّهُ يُرادُ بِالثّانِي فَرْدٌ مُغايِرٌ لِما أُرِيدَ بِالفَرْدِ الأوَّلِ في الغالِبِ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابَةِ والمُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ العُسْرَ واحِدٌ واليُسْرَ اثْنانِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ذَكَرَ العُسْرَ مَعَ الألِفِ واللّامِ ثُمَّ ثَنّى ذِكْرَهُ، فَصارَ المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَيْنِ.
قِيلَ والتَّنْكِيرُ في اليُسْرِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وهو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ غَيْرُ مُكَرَّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ السِّينِ في العُسْرِ واليُسْرِ في المَوْضِعَيْنِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى بِضَمِّها في الجَمِيعِ.
﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ أيْ إذا فَرَغْتَ مِن صَلاتِكَ، أوْ مِنَ التَّبْلِيغِ، أوْ مِنَ الغَزْوِ فانْصَبْ أيْ: فاجْتَهِدْ في الدُّعاءِ واطْلُبْ مِنَ اللَّهِ حاجَتَكَ، أوْ فانْصَبْ في العِبادَةِ، والنَّصَبُ التَّعَبُ، يُقالُ نَصَبَ يَنْصَبُ نَصَبًا: أيْ تَعِبَ.
قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ في الدُّعاءِ وارْغَبْ إلَيْهِ في المَسْألَةِ يُعْطِكَ، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ فانْصَبْ: أيِ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: إذا فَرَغْتَ مِن جِهادِ عَدُوِّكَ فانْصَبْ لِعِبادَةِ رَبِّكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إذا فَرَغْتَ مِن دُنْياكَ فانْصَبْ في صَلاتِكَ.
﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيِ اجْعَلْ رَغْبَتَكَ إلى اللَّهِ وحْدَهُ.
قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أنَّهُ يَضْرَعُ إلَيْهِ راهِبًا مِنَ النّارِ، راغِبًا في الجَنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَرْغَبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ كائِنًا مَن كانَ، فَلا يَطْلُبُ حاجاتِهِ إلّا مِنهُ، ولا يُعَوِّلُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ إلّا عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فارْغَبْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " فَرَغِّبْ " بِتَشْدِيدِ الغَيْنِ: أيْ فَرَغِّبِ النّاسَ إلى اللَّهِ وشَوِّقْهم إلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قالَ: شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أتانِي (p-١٦٣٦)جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: تَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتَ ذِكْرَكَ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إذا ذُكْرِتُ ذُكِرْتَ مَعِيَ» .
وإسْنادُ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: حَدَّثَنِي يُونُسُ أخْبَرَنا ابْنُ وهْبٍ أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ الحارِثِ عَنْ دَرّاجٍ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ.
وأخْرَجَهُ أبُو يَعْلى مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأعْلى بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ الآيَةَ قالَ: لا يُذْكَرُ اللَّهُ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ جالِسًا وحِيالُهُ جُحْرٌ، فَقالَ: العُسْرُ لَوْ دَخَلَ العُسْرُ هَذا الجُحْرَ لَجاءَ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» ولَفْظُ الطَّبَرانِيِّ «وتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. قالَ السُّيُوطِيُّ وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الصَّبْرِ وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَوْ كانَ العُسْرُ في جُحْرٍ لَتَبِعَهُ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ فَيُخْرِجَهُ، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ رَواهُ عَنْ أنَسٍ إلّا عائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ.
قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ في حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، ولَكِنْ رَواهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَرِحًا مَسْرُورًا وهو يَضْحَكُ ويَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» وهَذا مُرْسَلٌ.
ورُوِيَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا عَنْ قَتادَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ الآيَةَ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ فانْصَبْ في الدُّعاءِ واسْألِ اللَّهَ وارْغَبْ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ وتَشَهَّدْتَ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ واسْألْهُ حاجَتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في الذِّكْرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ إلى الدُّعاءِ ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ في المَسْألَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ في قِيامِ اللَّيْلِ.
الشرح 94:8
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ، وزادَ: بَعْدَ الضُّحى.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ ألَمْ نَشْرَحْ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مَعْنى شَرْحِ الصَّدْرِ: فَتْحُهُ بِإذْهابِ ما يَصُدُّ عَنِ الإدْراكِ، والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ قَرَّرَهُ، فَصارَ المَعْنى: قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ، وإنَّما خَصَّ الصَّدْرَ لِأنَّهُ مَحَلُّ أحْوالِ النَّفْسِ مِنَ العُلُومِ والإدْراكاتِ، والمُرادُ الِامْتِنانُ عَلَيْهِ ﷺ بِفَتْحِ صَدْرِهِ وتَوْسِيعِهِ حَتّى قامَ بِما قالَ بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ، وقَدَرَ عَلى ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِن حَمْلِ أعْباءِ النُّبُوَّةِ وحِفْظِ الوَحْيِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في هَذا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] .
﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ، لا عَلى لَفْظِهِ: أيْ قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ ووَضَعْنا إلَخْ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ يَمْدَحُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ:
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ أيْ أنْتُمْ خَيْرُ مَن رَكِبَ المَطايا، وأنْدى إلَخْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ نَشْرَحْ بِسُكُونِ الحاءِ بِالجَزْمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ العَبّاسِيُّ بِفَتْحِها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالُوا لَعَلَّهُ بَيَّنَ الحاءَ وأشْبَعَها في مَخْرَجِها، فَظَنَّ السّامِعُ أنَّهُ فَتَحَها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الأصْلَ " ألَمْ نَشْرَحَنَ " بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، ثُمَّ إبْدالُها ألِفًا، ثُمَّ حَذْفُها تَخْفِيفًا كَما أنْشَدَ أبُو زَيْدٍ:
؎مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيَوْمَ لَمْ يُقَدَّرَ أمْ يَوْمَ قُدِّرْ
بِفَتْحِ الرّاءِ مِن " لَمْ يُقَدَّرَ "، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ:
؎اضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ∗∗∗ ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
بِفَتْحِ الباءِ مِنِ " اضْرِبَ "، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَوْكِيدِ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا كَقَوْلِهِ:
؎يَحْسَبُهُ الجاهِلُ ما لَمْ يَعْلَما ∗∗∗ شَيْخًا عَلى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمًا
فَقَدْ تَرَكَّبَتْ هَذِهِ القِراءَةُ مِن ثَلاثَةِ أُصُولٍ كُلُّها ضَعِيفَةٌ: الأوَّلُ تَوْكِيدُ المَجْزُومِ بِلَمْ، وهو ضَعِيفٌ.
الثّانِي إبْدالُها ألِفًا، وهو خاصٌّ بِالوَقْفِ، فَإجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ ضَعِيفٌ.
والثّالِثُ حَذْفُ الألِفِ، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا لِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، وخَرَّجَها بَعْضُهم عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ الَّذِينَ يَنْصِبُونَ بِلَمْ ويَجْزِمُونَ بِلَنْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
(p-١٦٣٥)فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضى رَأْيَهُ قُدُمًا ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامِهِ أحَدًا بِنَصْبِ الرّاءِ مِن يُشاوِرُ، وهَذِهِ اللُّغَةُ لِبَعْضِ العَرَبِ ما أظُنُّها تَصِحُّ، وإنْ صَحَّتْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللُّغاتِ المُعْتَبَرَةِ فَإنَّها جاءَتْ بِعَكْسِ ما عَلَيْهِ لُغَةُ العَرَبِ بِأسْرِها.
وعَلى كُلِّ حالٍ فَقِراءَةُ هَذا الرَّجُلِ مَعَ شِدَّةِ جَوْرِهِ ومَزِيدِ ظُلْمِهِ وكَثْرَةِ جَبَرُوتِهِ وقِلَّةِ عِلْمِهِ لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ بِالِاشْتِغالِ بِها.
والوِزْرُ: الذَّنْبُ أيْ وضَعْنا عَنْكَ ما كُنْتَ فِيهِ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى حَطَطْنا عَنْكَ الَّذِي سَلَفَ مِنكَ في الجاهِلِيَّةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] .
﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ أثْقَلَ ظَهْرَكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: أثْقَلَهُ حَتّى سُمِعَ لَهُ نَقِيضٌ: أيْ صَوْتٌ، وهَذا مِثْلُ مَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ حَمْلًا يُحْمَلُ لَسُمِعَ نَقِيضُ ظَهْرِهِ، وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: أنْقَضَ الحَمْلُ ظَهْرَ النّاقَةِ: إذا سُمِعَ لَهُ صَرِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ:
؎وحَتّى تَداعَتْ بِالنَّقِيضِ حِبالُهُ ∗∗∗ وهَمَّتْ ثَوانِي زَوْرِهِ أنْ تَحَطَّما
وقَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
؎وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّيْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنا
قالَ قَتادَةُ: كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذُنُوبٌ قَدْ أثْقَلَتْهُ فَغَفَرَها اللَّهُ لَهُ، وقَوْمٌ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ هَذا تَخْفِيفُ أعْباءِ النُّبُوَّةِ الَّتِي تُثْقِلُ الظَّهْرَ مِنَ القِيامِ بِأمْرِها سَهَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتّى تَيَسَّرَتْ لَهُ. وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وحَلَلْنا عَنْكَ وقْرَكَ " .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِنَّتَهُ عَلَيْهِ وكَرامَتَهُ فَقالَ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ لا يُذْكَرُ في مَوْضِعٍ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ ﷺ .
قالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ ولا مُتَشَهِّدٌ ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي، فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ يَعْنِي بِالتَّأْذِينِ.
وقِيلَ المَعْنى: ذَكَّرْناكَ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ وأمَرْناهم بِالبِشارَةِ بِهِ، وقِيلَ رَفَعْنا ذِكْرَكَ عِنْدَ المَلائِكَةِ في السَّماءِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ في الأرْضِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الرَّفْعَ لِذِكْرِهِ الَّذِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنها مِن أسْبابِ رَفْعِ الذِّكْرِ، وكَذَلِكَ أمْرُهُ بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ، وإخْبارُهُ ﷺ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَن صَلّى عَلَيْهِ واحِدَةً صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا، وأمْرُ اللَّهِ بِطاعَتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وغَيْرِ ذَلِكَ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ مَلَأ ذِكْرُهُ الجَلِيلُ السَّماواتِ والأرَضِينَ، وجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِن لِسانِ الصِّدْقِ والذِّكْرِ الحَسَنِ والثَّناءِ الصّالِحِ ما لَمْ يَجْعَلْهُ لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ عَدَدَ ما صَلّى عَلَيْهِ المُصَلُّونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ، وما أحْسَنَ قَوْلَ حَسّانَ:
؎أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خاتَمٌ ∗∗∗ مِنَ اللَّهِ مَشْهُورٌ يَلُوحُ ويَشْهَدُ
؎وضَمَّ الإلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ مَعَ اسْمِهِ ∗∗∗ إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنِ أشْهَدُ
؎وشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ∗∗∗ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذا مُحَمَّدُ
﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ الضِّيقَةِ سَعَةً، ومَعَ الشِّدَّةِ رَخاءٌ، ومَعَ الكَرْبِ فَرَجٌ.
وفِي هَذا وعْدٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ كُلَّ عَسِيرٍ يَتَيَسَّرُ، وكُلَّ شَدِيدٍ يَهُونُ، وكُلَّ صَعْبٍ يَلِينُ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ هَذا الوَعْدَ تَقْرِيرًا وتَأْكِيدًا، فَقالَ مُكَرِّرًا لَهُ بِلَفْظِ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ إنَّ مَعَ ذَلِكَ العُسْرِ المَذْكُورِ سابِقًا يُسْرًا آخَرَ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ إذا أُعِيدَ المُعَرَّفُ يَكُونُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ سَواءٌ كانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسَ أوِ العَهْدَ، بِخِلافِ المُنْكَّرِ إذا أُعِيدَ فَإنَّهُ يُرادُ بِالثّانِي فَرْدٌ مُغايِرٌ لِما أُرِيدَ بِالفَرْدِ الأوَّلِ في الغالِبِ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابَةِ والمُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ العُسْرَ واحِدٌ واليُسْرَ اثْنانِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ذَكَرَ العُسْرَ مَعَ الألِفِ واللّامِ ثُمَّ ثَنّى ذِكْرَهُ، فَصارَ المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَيْنِ.
قِيلَ والتَّنْكِيرُ في اليُسْرِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وهو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ غَيْرُ مُكَرَّرٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ السِّينِ في العُسْرِ واليُسْرِ في المَوْضِعَيْنِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى بِضَمِّها في الجَمِيعِ.
﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ أيْ إذا فَرَغْتَ مِن صَلاتِكَ، أوْ مِنَ التَّبْلِيغِ، أوْ مِنَ الغَزْوِ فانْصَبْ أيْ: فاجْتَهِدْ في الدُّعاءِ واطْلُبْ مِنَ اللَّهِ حاجَتَكَ، أوْ فانْصَبْ في العِبادَةِ، والنَّصَبُ التَّعَبُ، يُقالُ نَصَبَ يَنْصَبُ نَصَبًا: أيْ تَعِبَ.
قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ في الدُّعاءِ وارْغَبْ إلَيْهِ في المَسْألَةِ يُعْطِكَ، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: إذا فَرَغْتَ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ فانْصَبْ: أيِ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: إذا فَرَغْتَ مِن جِهادِ عَدُوِّكَ فانْصَبْ لِعِبادَةِ رَبِّكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إذا فَرَغْتَ مِن دُنْياكَ فانْصَبْ في صَلاتِكَ.
﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيِ اجْعَلْ رَغْبَتَكَ إلى اللَّهِ وحْدَهُ.
قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أنَّهُ يَضْرَعُ إلَيْهِ راهِبًا مِنَ النّارِ، راغِبًا في الجَنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَرْغَبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ كائِنًا مَن كانَ، فَلا يَطْلُبُ حاجاتِهِ إلّا مِنهُ، ولا يُعَوِّلُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ إلّا عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فارْغَبْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " فَرَغِّبْ " بِتَشْدِيدِ الغَيْنِ: أيْ فَرَغِّبِ النّاسَ إلى اللَّهِ وشَوِّقْهم إلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قالَ: شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أتانِي (p-١٦٣٦)جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: تَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتَ ذِكْرَكَ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إذا ذُكْرِتُ ذُكِرْتَ مَعِيَ» .
وإسْنادُ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: حَدَّثَنِي يُونُسُ أخْبَرَنا ابْنُ وهْبٍ أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ الحارِثِ عَنْ دَرّاجٍ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ.
وأخْرَجَهُ أبُو يَعْلى مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأعْلى بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ الآيَةَ قالَ: لا يُذْكَرُ اللَّهُ إلّا ذُكِرَ مَعَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ جالِسًا وحِيالُهُ جُحْرٌ، فَقالَ: العُسْرُ لَوْ دَخَلَ العُسْرُ هَذا الجُحْرَ لَجاءَ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» ولَفْظُ الطَّبَرانِيِّ «وتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنْهُ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. قالَ السُّيُوطِيُّ وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الصَّبْرِ وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَوْ كانَ العُسْرُ في جُحْرٍ لَتَبِعَهُ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ فَيُخْرِجَهُ، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾» قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ رَواهُ عَنْ أنَسٍ إلّا عائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ.
قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ في حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، ولَكِنْ رَواهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَرِحًا مَسْرُورًا وهو يَضْحَكُ ويَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» وهَذا مُرْسَلٌ.
ورُوِيَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا عَنْ قَتادَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ الآيَةَ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ فانْصَبْ في الدُّعاءِ واسْألِ اللَّهَ وارْغَبْ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ وتَشَهَّدْتَ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ واسْألْهُ حاجَتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في الذِّكْرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ إلى الدُّعاءِ ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ في المَسْألَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ قالَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ في قِيامِ اللَّيْلِ.
التين 95:1
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ورَوى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ويُخالِفُ هَذِهِ الرِّوايَةَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ في سَفَرٍ فَصَلّى العِشاءَ فَقَرَأ في إحْدى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا ولا قِراءَةً مِنهُ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْهُ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَغْرِبَ، فَقَرَأ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ في المَغْرِبِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ قانِعٍ، وابْنُ السَّكَنِ، والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ عَنْ زُرْعَةَ بْنِ خَلِيفَةَ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ اليَمامَةِ، فَعَرَضَ عَلَيْنا الإسْلامَ فَأسْلَمْنا، فَلَمّا صَلَّيْنا الغَداةَ قَرَأ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، وإنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو التِّينُ الَّذِي يَأْكُلُهُ النّاسُ والزَّيْتُونُ الَّذِي يَعْصِرُونَ مِنهُ الزَّيْتَ، وإنَّما أقْسَمَ بِالتِّينِ؛ لِأنَّهُ فاكِهَةٌ مُخْلَصَةٌ مِن شَوائِبِ التَّنْغِيصِ وفِيها أعْظَمُ عِبْرَةٍ لِدَلالَتِها عَلى مَن هَيَّأها لِذَلِكَ، وجَعَلَها عَلى مِقْدارِ اللُّقْمَةِ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الطِّبِّ: إنَّ التِّينَ أنْفَعُ الفَواكِهِ لِلْبَدَنِ وأكْثَرُها غِذاءً، وذَكَرُوا لَهُ فَوائِدَ كَما في كُتُبِ المُفْرَداتِ والمُرَكَّباتِ، وأمّا الزَّيْتُونُ فَإنَّهُ يُعْصَرُ مِنهُ الزَّيْتُ الَّذِي هو إدامُ غالِبِ البُلْدانِ ودَهْنُهم، ويَدْخُلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأدْوِيَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: التِّينُ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والزَّيْتُونُ: المَسْجِدُ الأقْصى.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ دِمَشْقَ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وقالَ قَتادَةُ: التِّينُ: الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ، وكَعْبُ الأحْبارِ: التِّينُ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ بَيْتُ المَقْدِسِ.
ولَيْتَ شِعْرِي ما الحامِلُ لِهَؤُلاءِ الأئِمَّةِ عَلى العُدُولِ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والعُدُولِ إلى هَذِهِ التَّفْسِيراتِ البَعِيدَةِ عَنِ المَعْنى، المَبْنِيَّةِ عَلى خَيالاتٍ لا تَرْجِعُ إلى عَقْلٍ ولا نَقْلٍ.
وأعْجَبُ مِن هَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ لِلْآخَرِ مِنها مَعَ طُولِ باعِهِ في عِلْمِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: التِّينُ: جِبالُ حُلْوانَ إلى هَمْدانَ، والزَّيْتُونُ: جِبالُ الشّامِ.
قُلْتُ: هَبْ أنَّكَ سَمِعْتَ هَذا الرَّجُلَ، فَكانَ ماذا ؟ فَلَيْسَ بِمِثْلِ هَذا تَثْبُتُ اللُّغَةُ، ولا هو نَقْلٌ عَنِ الشّارِعِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ إيلِياءَ، وقِيلَ إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ومَنابِتِ التِّينِ والزَّيْتُونِ.
قالَ النَّحّاسُ: لا دَلِيلَ عَلى هَذا مِن ظاهِرِ التَّنْزِيلِ، (p-١٦٣٧)ولا مِن قَوْلِ مَن لا يَجُوزُ خِلافُهُ.
﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ هو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى اسْمُهُ الطُّورُ، ومَعْنى سِنِينَ: المُبارَكُ الحَسَنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: هو المُبارَكُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: سِينِينَ كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَهو سِينَيْنُ وسَيْناءُ لِأنَّهُ جُعِلَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، وإنَّما أقْسَمَ بِهَذا الجَبَلِ لِأنَّهُ بِالشّامِ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] وأعْظَمُ بَرَكَةٍ حَلَّتْ بِهِ ووَقَعَتْ عَلَيْهِ تَكْلِيمُ اللَّهِ لِمُوسى عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " سِينِينَ " بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ إسْحاقَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ " سِيناءَ " بِالكَسْرِ والمَدِّ.
﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ، سَمّاهُ أمِينًا لِأنَّهُ آمَنَ كَما قالَ: ﴿أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] يُقالُ أمِنَ الرَّجُلُ أمانَةً فَهو أمِينٌ.
قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: الأمِينُ بِمَعْنى الآمِنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أمِنَهُ لِأنَّهُ مَأْمُونُ الغَوائِلِ.
﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ خَلَقْنا جِنْسَ الإنْسانِ كائِنًا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ وتَعْدِيلٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ إلّا الإنْسانَ، خَلَقَهُ مَدِيدَ القامَةِ يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، ومَعْنى التَّقْوِيمِ: التَّعْدِيلُ، يُقالُ: قَوَّمْتُهُ فاسْتَقامَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: هو اعْتِدالُهُ واسْتِواءُ شَأْنِهِ، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى خَلْقٌ أحْسَنُ مِنَ الإنْسانِ، فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ حَيًّا عالِمًا قادِرًا مُرِيدًا مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، وهَذِهِ صِفاتُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، وعَلَيْها حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ قَوْلَهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صَوْتِهِ» يَعْنِي عَلى صِفاتِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها.
قُلْتُ: ويَنْبَغِي أنَّ يُضَمَّ إلى كَلامِهِ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ومَن أرادَ أنْ يَقِفَ عَلى حَقِيقَةِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَلْيَنْظُرْ في كِتابِ العِبَرِ والِاعْتِبارِ لِلْجاحِظِ، وفي الكِتابِ الَّذِي عَقَدَهُ النَّيْسابُورِيُّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وهو في مُجَلَّدَيْنِ ضَخْمَيْنِ.
﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أيْ رَدَدْناهُ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وهو الهَرَمُ والضَّعْفُ بَعْدَ الشَّبابِ والقُوَّةِ حَتّى يَصِيرَ كالصَّبِيِّ فَيَخْرُفُ ويَنْقُصُ عَقْلُهُ، كَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والسّافِلُونَ هُمُ الضُّعَفاءُ والزُّمَناءُ والأطْفالُ، والشَّيْخُ الكَبِيرُ أسْفَلُ هَؤُلاءِ جَمِيعًا.
وقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ: المَعْنى ثُمَّ رَدَدْنا الكافِرَ إلى النّارِ، وذَلِكَ أنَّ النّارَ دَرَجاتٌ بَعْضُها أسْفَلُ مِن بَعْضٍ، فالكافِرُ يَرِدُ إلى أسْفَلِ الدَّرَجاتِ السّافِلَةِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَلا مانِعَ مِن كَوْنِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ مُجْتَمِعِينَ في ذَلِكَ الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقَوْلُهُ: أسْفَلَ سافِلِينَ إمّا حالٌ مِنَ المَفْعُولِ: أيْ رَدَدْناهُ حالَ كَوْنِهِ أسْفَلَ سافِلِينَ، أوْ صِفَةٌ لِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مَكانًا أسْفَلَ سافِلِينَ.
إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إلَخْ، ووَجْهُهُ أنَّ الهَرَمَ والرَّدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ يُصابُ بِهِ المُؤْمِنُ كَما يُصابُ بِهِ الكافِرُ فَلا يَكُونُ لِاسْتِثْناءِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهِ الِاتِّصالِ مَعْنًى.
وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا مِن ضَمِيرِ رَدَدْناهُ، فَإنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ: أيْ رَدَدْنا الإنْسانَ أسْفَلَ سافِلِينَ مِنَ النّارِ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ: أيْ فَلَهم ثَوابٌ دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَلى طاعاتِهِمْ، الِاسْتِثْناءُ مِن خُرُوجِ المُؤْمِنِينَ عَنْ حُكْمِ الرَّدِّ، وقالَ: أسْفَلَ سافِلِينَ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى الجَمْعِ، ولَوْ قالَ أسْفَلَ سافِلٍ لَجازَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ واحِدٌ.
وقِيلَ مَعْنى رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ: رَدَدْناهُ إلى الضَّلالِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ٣] أيْ إلّا هَؤُلاءِ فَلا يُرَدُّونَ إلى ذَلِكَ.
﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ الخِطابُ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وإلْزامِ الحُجَّةِ: أيْ إذا عَرَفْتَ أيُّها الإنْسانُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَكَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وأنَّهُ يَرُدُّكَ أسْفَلَ سافِلِينَ، فَما يَحْمِلُكَ عَلى أنْ تُكَذِّبَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ ؟ وقِيلَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أيْ أيُّ شَيْءٍ يُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدُ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ النّاطِقَةِ، فاسْتَيْقِنْ مَعَ ما جاءَكَ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: المَعْنى فَمَن يُكَذِّبُكَ أيُّها الرَّسُولُ بَعْدَ هَذا البَيانِ بِالدِّينِ، كَأنَّهُ قالَ: مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ؟ أيْ عَلى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ بَعْدَ ما ظَهَرَ مِن قُدْرَتِنا عَلى خَلْقِ الإنْسانِ ما ظَهَرَ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
والدِّينُ: الجَزاءُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
دِنّا تَمِيمًا كَما كانَتْ أوائِلُنا دانَتْ أوائِلَهم مِن سالِفِ الزَّمَنِ وقالَ الآخَرُ:
ولَمّا صَرَّحَ الشَّرُّ فَأمْسى وهو عُرْيانُ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوانِ دِنّاهم كَما دانُوا ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ أيْ ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما فَعَلَ مِمّا ذَكَرْنا بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا ؟ حَتّى تَتَوَهَّمَ عَدَمَ الإعادَةِ والجَزاءِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْكُفّارِ، ومَعْنى أحْكَمِ الحاكِمِينَ: أتْقَنُ الحاكِمِينَ في كُلِّ ما يَخْلُقُ، وقِيلَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ قَضاءً وعَدْلًا.
والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ صارَ الكَلامُ إيجابًا كَما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ الخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ - قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٍ - عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ (p-١٦٣٨)والزَّيْتُونِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا حَتّى تَبَيَّنَ لَنا شِدَّةُ فَرَحِهِ»، فَسَألْنا ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِها فَقالَ: التِّينُ بِلادُ الشّامِ، والزَّيْتُونُ بِلادُ فِلَسْطِينَ، وطُورُ سِيناءَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى " وهَذا البَلَدِ الأمِينِ " مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ مُحَمَّدًا ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ عَبْدَةُ اللّاتِ والعُزّى ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ إذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وجَمَعَكَ عَلى التَّقْوى يا مُحَمَّدُ، ومِثْلُ هَذا التَّفْسِيرِ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ في إسْنادِهِ ذَلِكَ المَجْهُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونُ قالَ: بَيْتُ المَقْدِسِ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: مَسْجِدُ الطُّورِ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ قالَ: مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ . ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كَبِرَ حَتّى ذَهَبَ عَقْلُهُ، هم نَفَرٌ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَفِهَتْ عُقُولُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهم أنَّ لَهم أجْرَهُمُ الَّذِي عَمِلُوا قَبْلَ أنْ تَذْهَبَ عُقُولُهم ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ يَقُولُ: بِحُكْمِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: الفاكِهَةُ الَّتِي يَأْكُلُها النّاسُ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: الطُّورُ الجَبَلُ، والسِّينِينُ المُبارَكُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قالَ في أعْدَلِ خَلْقٍ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ يَعْنِي غَيْرَ مَنقُوصٍ، يَقُولُ فَإذا بَلَغَ المُؤْمِنُ أرْذَلَ العُمُرِ وكانَ يَعْمَلُ في شَبابِهِ عَمَلًا صالِحًا كُتِبَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ وشَبابِهِ ولَمْ يَضُرَّهُ ما عَمِلَ في كِبَرِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ الخَطايا الَّتِي يَعْمَلُ بَعْدَ ما يَبْلُغُ أرْذَلَ العُمُرِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: لا يَكُونُ حَتّى لا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى الكِبَرِ وضَعْفِهِ، فَإذا كَبِرَ وضَعُفَ عَنِ العَمَلِ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ ما كانَ يَعْمَلُ في شَبِيبَتِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا مَرِضَ العَبْدُ أوْ سافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَن قَرَأ " التِّينِ والزَّيْتُونِ "، فَقَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا «إذا قَرَأْتَ " التِّينِ والزَّيْتُونِ " فَقَرَأْتَ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَقُلْ بَلى» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فَبَلى اهـ.
التين 95:2
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ورَوى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ويُخالِفُ هَذِهِ الرِّوايَةَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ في سَفَرٍ فَصَلّى العِشاءَ فَقَرَأ في إحْدى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا ولا قِراءَةً مِنهُ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْهُ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَغْرِبَ، فَقَرَأ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ في المَغْرِبِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ قانِعٍ، وابْنُ السَّكَنِ، والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ عَنْ زُرْعَةَ بْنِ خَلِيفَةَ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ اليَمامَةِ، فَعَرَضَ عَلَيْنا الإسْلامَ فَأسْلَمْنا، فَلَمّا صَلَّيْنا الغَداةَ قَرَأ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، وإنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو التِّينُ الَّذِي يَأْكُلُهُ النّاسُ والزَّيْتُونُ الَّذِي يَعْصِرُونَ مِنهُ الزَّيْتَ، وإنَّما أقْسَمَ بِالتِّينِ؛ لِأنَّهُ فاكِهَةٌ مُخْلَصَةٌ مِن شَوائِبِ التَّنْغِيصِ وفِيها أعْظَمُ عِبْرَةٍ لِدَلالَتِها عَلى مَن هَيَّأها لِذَلِكَ، وجَعَلَها عَلى مِقْدارِ اللُّقْمَةِ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الطِّبِّ: إنَّ التِّينَ أنْفَعُ الفَواكِهِ لِلْبَدَنِ وأكْثَرُها غِذاءً، وذَكَرُوا لَهُ فَوائِدَ كَما في كُتُبِ المُفْرَداتِ والمُرَكَّباتِ، وأمّا الزَّيْتُونُ فَإنَّهُ يُعْصَرُ مِنهُ الزَّيْتُ الَّذِي هو إدامُ غالِبِ البُلْدانِ ودَهْنُهم، ويَدْخُلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأدْوِيَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: التِّينُ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والزَّيْتُونُ: المَسْجِدُ الأقْصى.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ دِمَشْقَ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وقالَ قَتادَةُ: التِّينُ: الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ، وكَعْبُ الأحْبارِ: التِّينُ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ بَيْتُ المَقْدِسِ.
ولَيْتَ شِعْرِي ما الحامِلُ لِهَؤُلاءِ الأئِمَّةِ عَلى العُدُولِ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والعُدُولِ إلى هَذِهِ التَّفْسِيراتِ البَعِيدَةِ عَنِ المَعْنى، المَبْنِيَّةِ عَلى خَيالاتٍ لا تَرْجِعُ إلى عَقْلٍ ولا نَقْلٍ.
وأعْجَبُ مِن هَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ لِلْآخَرِ مِنها مَعَ طُولِ باعِهِ في عِلْمِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: التِّينُ: جِبالُ حُلْوانَ إلى هَمْدانَ، والزَّيْتُونُ: جِبالُ الشّامِ.
قُلْتُ: هَبْ أنَّكَ سَمِعْتَ هَذا الرَّجُلَ، فَكانَ ماذا ؟ فَلَيْسَ بِمِثْلِ هَذا تَثْبُتُ اللُّغَةُ، ولا هو نَقْلٌ عَنِ الشّارِعِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ إيلِياءَ، وقِيلَ إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ومَنابِتِ التِّينِ والزَّيْتُونِ.
قالَ النَّحّاسُ: لا دَلِيلَ عَلى هَذا مِن ظاهِرِ التَّنْزِيلِ، (p-١٦٣٧)ولا مِن قَوْلِ مَن لا يَجُوزُ خِلافُهُ.
﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ هو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى اسْمُهُ الطُّورُ، ومَعْنى سِنِينَ: المُبارَكُ الحَسَنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: هو المُبارَكُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: سِينِينَ كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَهو سِينَيْنُ وسَيْناءُ لِأنَّهُ جُعِلَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، وإنَّما أقْسَمَ بِهَذا الجَبَلِ لِأنَّهُ بِالشّامِ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] وأعْظَمُ بَرَكَةٍ حَلَّتْ بِهِ ووَقَعَتْ عَلَيْهِ تَكْلِيمُ اللَّهِ لِمُوسى عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " سِينِينَ " بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ إسْحاقَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ " سِيناءَ " بِالكَسْرِ والمَدِّ.
﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ، سَمّاهُ أمِينًا لِأنَّهُ آمَنَ كَما قالَ: ﴿أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] يُقالُ أمِنَ الرَّجُلُ أمانَةً فَهو أمِينٌ.
قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: الأمِينُ بِمَعْنى الآمِنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أمِنَهُ لِأنَّهُ مَأْمُونُ الغَوائِلِ.
﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ خَلَقْنا جِنْسَ الإنْسانِ كائِنًا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ وتَعْدِيلٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ إلّا الإنْسانَ، خَلَقَهُ مَدِيدَ القامَةِ يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، ومَعْنى التَّقْوِيمِ: التَّعْدِيلُ، يُقالُ: قَوَّمْتُهُ فاسْتَقامَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: هو اعْتِدالُهُ واسْتِواءُ شَأْنِهِ، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى خَلْقٌ أحْسَنُ مِنَ الإنْسانِ، فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ حَيًّا عالِمًا قادِرًا مُرِيدًا مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، وهَذِهِ صِفاتُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، وعَلَيْها حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ قَوْلَهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صَوْتِهِ» يَعْنِي عَلى صِفاتِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها.
قُلْتُ: ويَنْبَغِي أنَّ يُضَمَّ إلى كَلامِهِ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ومَن أرادَ أنْ يَقِفَ عَلى حَقِيقَةِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَلْيَنْظُرْ في كِتابِ العِبَرِ والِاعْتِبارِ لِلْجاحِظِ، وفي الكِتابِ الَّذِي عَقَدَهُ النَّيْسابُورِيُّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وهو في مُجَلَّدَيْنِ ضَخْمَيْنِ.
﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أيْ رَدَدْناهُ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وهو الهَرَمُ والضَّعْفُ بَعْدَ الشَّبابِ والقُوَّةِ حَتّى يَصِيرَ كالصَّبِيِّ فَيَخْرُفُ ويَنْقُصُ عَقْلُهُ، كَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والسّافِلُونَ هُمُ الضُّعَفاءُ والزُّمَناءُ والأطْفالُ، والشَّيْخُ الكَبِيرُ أسْفَلُ هَؤُلاءِ جَمِيعًا.
وقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ: المَعْنى ثُمَّ رَدَدْنا الكافِرَ إلى النّارِ، وذَلِكَ أنَّ النّارَ دَرَجاتٌ بَعْضُها أسْفَلُ مِن بَعْضٍ، فالكافِرُ يَرِدُ إلى أسْفَلِ الدَّرَجاتِ السّافِلَةِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَلا مانِعَ مِن كَوْنِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ مُجْتَمِعِينَ في ذَلِكَ الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقَوْلُهُ: أسْفَلَ سافِلِينَ إمّا حالٌ مِنَ المَفْعُولِ: أيْ رَدَدْناهُ حالَ كَوْنِهِ أسْفَلَ سافِلِينَ، أوْ صِفَةٌ لِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مَكانًا أسْفَلَ سافِلِينَ.
إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إلَخْ، ووَجْهُهُ أنَّ الهَرَمَ والرَّدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ يُصابُ بِهِ المُؤْمِنُ كَما يُصابُ بِهِ الكافِرُ فَلا يَكُونُ لِاسْتِثْناءِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهِ الِاتِّصالِ مَعْنًى.
وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا مِن ضَمِيرِ رَدَدْناهُ، فَإنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ: أيْ رَدَدْنا الإنْسانَ أسْفَلَ سافِلِينَ مِنَ النّارِ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ: أيْ فَلَهم ثَوابٌ دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَلى طاعاتِهِمْ، الِاسْتِثْناءُ مِن خُرُوجِ المُؤْمِنِينَ عَنْ حُكْمِ الرَّدِّ، وقالَ: أسْفَلَ سافِلِينَ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى الجَمْعِ، ولَوْ قالَ أسْفَلَ سافِلٍ لَجازَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ واحِدٌ.
وقِيلَ مَعْنى رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ: رَدَدْناهُ إلى الضَّلالِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ٣] أيْ إلّا هَؤُلاءِ فَلا يُرَدُّونَ إلى ذَلِكَ.
﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ الخِطابُ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وإلْزامِ الحُجَّةِ: أيْ إذا عَرَفْتَ أيُّها الإنْسانُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَكَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وأنَّهُ يَرُدُّكَ أسْفَلَ سافِلِينَ، فَما يَحْمِلُكَ عَلى أنْ تُكَذِّبَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ ؟ وقِيلَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أيْ أيُّ شَيْءٍ يُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدُ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ النّاطِقَةِ، فاسْتَيْقِنْ مَعَ ما جاءَكَ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: المَعْنى فَمَن يُكَذِّبُكَ أيُّها الرَّسُولُ بَعْدَ هَذا البَيانِ بِالدِّينِ، كَأنَّهُ قالَ: مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ؟ أيْ عَلى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ بَعْدَ ما ظَهَرَ مِن قُدْرَتِنا عَلى خَلْقِ الإنْسانِ ما ظَهَرَ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
والدِّينُ: الجَزاءُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
دِنّا تَمِيمًا كَما كانَتْ أوائِلُنا دانَتْ أوائِلَهم مِن سالِفِ الزَّمَنِ وقالَ الآخَرُ:
ولَمّا صَرَّحَ الشَّرُّ فَأمْسى وهو عُرْيانُ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوانِ دِنّاهم كَما دانُوا ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ أيْ ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما فَعَلَ مِمّا ذَكَرْنا بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا ؟ حَتّى تَتَوَهَّمَ عَدَمَ الإعادَةِ والجَزاءِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْكُفّارِ، ومَعْنى أحْكَمِ الحاكِمِينَ: أتْقَنُ الحاكِمِينَ في كُلِّ ما يَخْلُقُ، وقِيلَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ قَضاءً وعَدْلًا.
والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ صارَ الكَلامُ إيجابًا كَما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ الخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ - قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٍ - عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ (p-١٦٣٨)والزَّيْتُونِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا حَتّى تَبَيَّنَ لَنا شِدَّةُ فَرَحِهِ»، فَسَألْنا ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِها فَقالَ: التِّينُ بِلادُ الشّامِ، والزَّيْتُونُ بِلادُ فِلَسْطِينَ، وطُورُ سِيناءَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى " وهَذا البَلَدِ الأمِينِ " مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ مُحَمَّدًا ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ عَبْدَةُ اللّاتِ والعُزّى ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ إذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وجَمَعَكَ عَلى التَّقْوى يا مُحَمَّدُ، ومِثْلُ هَذا التَّفْسِيرِ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ في إسْنادِهِ ذَلِكَ المَجْهُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونُ قالَ: بَيْتُ المَقْدِسِ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: مَسْجِدُ الطُّورِ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ قالَ: مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ . ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كَبِرَ حَتّى ذَهَبَ عَقْلُهُ، هم نَفَرٌ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَفِهَتْ عُقُولُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهم أنَّ لَهم أجْرَهُمُ الَّذِي عَمِلُوا قَبْلَ أنْ تَذْهَبَ عُقُولُهم ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ يَقُولُ: بِحُكْمِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: الفاكِهَةُ الَّتِي يَأْكُلُها النّاسُ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: الطُّورُ الجَبَلُ، والسِّينِينُ المُبارَكُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قالَ في أعْدَلِ خَلْقٍ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ يَعْنِي غَيْرَ مَنقُوصٍ، يَقُولُ فَإذا بَلَغَ المُؤْمِنُ أرْذَلَ العُمُرِ وكانَ يَعْمَلُ في شَبابِهِ عَمَلًا صالِحًا كُتِبَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ وشَبابِهِ ولَمْ يَضُرَّهُ ما عَمِلَ في كِبَرِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ الخَطايا الَّتِي يَعْمَلُ بَعْدَ ما يَبْلُغُ أرْذَلَ العُمُرِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: لا يَكُونُ حَتّى لا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى الكِبَرِ وضَعْفِهِ، فَإذا كَبِرَ وضَعُفَ عَنِ العَمَلِ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ ما كانَ يَعْمَلُ في شَبِيبَتِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا مَرِضَ العَبْدُ أوْ سافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَن قَرَأ " التِّينِ والزَّيْتُونِ "، فَقَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا «إذا قَرَأْتَ " التِّينِ والزَّيْتُونِ " فَقَرَأْتَ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَقُلْ بَلى» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فَبَلى اهـ.
التين 95:3
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ورَوى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ويُخالِفُ هَذِهِ الرِّوايَةَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ في سَفَرٍ فَصَلّى العِشاءَ فَقَرَأ في إحْدى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا ولا قِراءَةً مِنهُ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْهُ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَغْرِبَ، فَقَرَأ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ في المَغْرِبِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ قانِعٍ، وابْنُ السَّكَنِ، والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ عَنْ زُرْعَةَ بْنِ خَلِيفَةَ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ اليَمامَةِ، فَعَرَضَ عَلَيْنا الإسْلامَ فَأسْلَمْنا، فَلَمّا صَلَّيْنا الغَداةَ قَرَأ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، وإنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو التِّينُ الَّذِي يَأْكُلُهُ النّاسُ والزَّيْتُونُ الَّذِي يَعْصِرُونَ مِنهُ الزَّيْتَ، وإنَّما أقْسَمَ بِالتِّينِ؛ لِأنَّهُ فاكِهَةٌ مُخْلَصَةٌ مِن شَوائِبِ التَّنْغِيصِ وفِيها أعْظَمُ عِبْرَةٍ لِدَلالَتِها عَلى مَن هَيَّأها لِذَلِكَ، وجَعَلَها عَلى مِقْدارِ اللُّقْمَةِ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الطِّبِّ: إنَّ التِّينَ أنْفَعُ الفَواكِهِ لِلْبَدَنِ وأكْثَرُها غِذاءً، وذَكَرُوا لَهُ فَوائِدَ كَما في كُتُبِ المُفْرَداتِ والمُرَكَّباتِ، وأمّا الزَّيْتُونُ فَإنَّهُ يُعْصَرُ مِنهُ الزَّيْتُ الَّذِي هو إدامُ غالِبِ البُلْدانِ ودَهْنُهم، ويَدْخُلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأدْوِيَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: التِّينُ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والزَّيْتُونُ: المَسْجِدُ الأقْصى.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ دِمَشْقَ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وقالَ قَتادَةُ: التِّينُ: الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ، وكَعْبُ الأحْبارِ: التِّينُ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ بَيْتُ المَقْدِسِ.
ولَيْتَ شِعْرِي ما الحامِلُ لِهَؤُلاءِ الأئِمَّةِ عَلى العُدُولِ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والعُدُولِ إلى هَذِهِ التَّفْسِيراتِ البَعِيدَةِ عَنِ المَعْنى، المَبْنِيَّةِ عَلى خَيالاتٍ لا تَرْجِعُ إلى عَقْلٍ ولا نَقْلٍ.
وأعْجَبُ مِن هَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ لِلْآخَرِ مِنها مَعَ طُولِ باعِهِ في عِلْمِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: التِّينُ: جِبالُ حُلْوانَ إلى هَمْدانَ، والزَّيْتُونُ: جِبالُ الشّامِ.
قُلْتُ: هَبْ أنَّكَ سَمِعْتَ هَذا الرَّجُلَ، فَكانَ ماذا ؟ فَلَيْسَ بِمِثْلِ هَذا تَثْبُتُ اللُّغَةُ، ولا هو نَقْلٌ عَنِ الشّارِعِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ إيلِياءَ، وقِيلَ إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ومَنابِتِ التِّينِ والزَّيْتُونِ.
قالَ النَّحّاسُ: لا دَلِيلَ عَلى هَذا مِن ظاهِرِ التَّنْزِيلِ، (p-١٦٣٧)ولا مِن قَوْلِ مَن لا يَجُوزُ خِلافُهُ.
﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ هو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى اسْمُهُ الطُّورُ، ومَعْنى سِنِينَ: المُبارَكُ الحَسَنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: هو المُبارَكُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: سِينِينَ كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَهو سِينَيْنُ وسَيْناءُ لِأنَّهُ جُعِلَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، وإنَّما أقْسَمَ بِهَذا الجَبَلِ لِأنَّهُ بِالشّامِ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] وأعْظَمُ بَرَكَةٍ حَلَّتْ بِهِ ووَقَعَتْ عَلَيْهِ تَكْلِيمُ اللَّهِ لِمُوسى عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " سِينِينَ " بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ إسْحاقَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ " سِيناءَ " بِالكَسْرِ والمَدِّ.
﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ، سَمّاهُ أمِينًا لِأنَّهُ آمَنَ كَما قالَ: ﴿أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] يُقالُ أمِنَ الرَّجُلُ أمانَةً فَهو أمِينٌ.
قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: الأمِينُ بِمَعْنى الآمِنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أمِنَهُ لِأنَّهُ مَأْمُونُ الغَوائِلِ.
﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ خَلَقْنا جِنْسَ الإنْسانِ كائِنًا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ وتَعْدِيلٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ إلّا الإنْسانَ، خَلَقَهُ مَدِيدَ القامَةِ يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، ومَعْنى التَّقْوِيمِ: التَّعْدِيلُ، يُقالُ: قَوَّمْتُهُ فاسْتَقامَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: هو اعْتِدالُهُ واسْتِواءُ شَأْنِهِ، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى خَلْقٌ أحْسَنُ مِنَ الإنْسانِ، فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ حَيًّا عالِمًا قادِرًا مُرِيدًا مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، وهَذِهِ صِفاتُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، وعَلَيْها حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ قَوْلَهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صَوْتِهِ» يَعْنِي عَلى صِفاتِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها.
قُلْتُ: ويَنْبَغِي أنَّ يُضَمَّ إلى كَلامِهِ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ومَن أرادَ أنْ يَقِفَ عَلى حَقِيقَةِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَلْيَنْظُرْ في كِتابِ العِبَرِ والِاعْتِبارِ لِلْجاحِظِ، وفي الكِتابِ الَّذِي عَقَدَهُ النَّيْسابُورِيُّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وهو في مُجَلَّدَيْنِ ضَخْمَيْنِ.
﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أيْ رَدَدْناهُ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وهو الهَرَمُ والضَّعْفُ بَعْدَ الشَّبابِ والقُوَّةِ حَتّى يَصِيرَ كالصَّبِيِّ فَيَخْرُفُ ويَنْقُصُ عَقْلُهُ، كَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والسّافِلُونَ هُمُ الضُّعَفاءُ والزُّمَناءُ والأطْفالُ، والشَّيْخُ الكَبِيرُ أسْفَلُ هَؤُلاءِ جَمِيعًا.
وقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ: المَعْنى ثُمَّ رَدَدْنا الكافِرَ إلى النّارِ، وذَلِكَ أنَّ النّارَ دَرَجاتٌ بَعْضُها أسْفَلُ مِن بَعْضٍ، فالكافِرُ يَرِدُ إلى أسْفَلِ الدَّرَجاتِ السّافِلَةِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَلا مانِعَ مِن كَوْنِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ مُجْتَمِعِينَ في ذَلِكَ الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقَوْلُهُ: أسْفَلَ سافِلِينَ إمّا حالٌ مِنَ المَفْعُولِ: أيْ رَدَدْناهُ حالَ كَوْنِهِ أسْفَلَ سافِلِينَ، أوْ صِفَةٌ لِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مَكانًا أسْفَلَ سافِلِينَ.
إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إلَخْ، ووَجْهُهُ أنَّ الهَرَمَ والرَّدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ يُصابُ بِهِ المُؤْمِنُ كَما يُصابُ بِهِ الكافِرُ فَلا يَكُونُ لِاسْتِثْناءِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهِ الِاتِّصالِ مَعْنًى.
وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا مِن ضَمِيرِ رَدَدْناهُ، فَإنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ: أيْ رَدَدْنا الإنْسانَ أسْفَلَ سافِلِينَ مِنَ النّارِ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ: أيْ فَلَهم ثَوابٌ دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَلى طاعاتِهِمْ، الِاسْتِثْناءُ مِن خُرُوجِ المُؤْمِنِينَ عَنْ حُكْمِ الرَّدِّ، وقالَ: أسْفَلَ سافِلِينَ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى الجَمْعِ، ولَوْ قالَ أسْفَلَ سافِلٍ لَجازَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ واحِدٌ.
وقِيلَ مَعْنى رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ: رَدَدْناهُ إلى الضَّلالِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ٣] أيْ إلّا هَؤُلاءِ فَلا يُرَدُّونَ إلى ذَلِكَ.
﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ الخِطابُ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وإلْزامِ الحُجَّةِ: أيْ إذا عَرَفْتَ أيُّها الإنْسانُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَكَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وأنَّهُ يَرُدُّكَ أسْفَلَ سافِلِينَ، فَما يَحْمِلُكَ عَلى أنْ تُكَذِّبَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ ؟ وقِيلَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أيْ أيُّ شَيْءٍ يُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدُ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ النّاطِقَةِ، فاسْتَيْقِنْ مَعَ ما جاءَكَ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: المَعْنى فَمَن يُكَذِّبُكَ أيُّها الرَّسُولُ بَعْدَ هَذا البَيانِ بِالدِّينِ، كَأنَّهُ قالَ: مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ؟ أيْ عَلى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ بَعْدَ ما ظَهَرَ مِن قُدْرَتِنا عَلى خَلْقِ الإنْسانِ ما ظَهَرَ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
والدِّينُ: الجَزاءُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
دِنّا تَمِيمًا كَما كانَتْ أوائِلُنا دانَتْ أوائِلَهم مِن سالِفِ الزَّمَنِ وقالَ الآخَرُ:
ولَمّا صَرَّحَ الشَّرُّ فَأمْسى وهو عُرْيانُ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوانِ دِنّاهم كَما دانُوا ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ أيْ ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما فَعَلَ مِمّا ذَكَرْنا بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا ؟ حَتّى تَتَوَهَّمَ عَدَمَ الإعادَةِ والجَزاءِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْكُفّارِ، ومَعْنى أحْكَمِ الحاكِمِينَ: أتْقَنُ الحاكِمِينَ في كُلِّ ما يَخْلُقُ، وقِيلَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ قَضاءً وعَدْلًا.
والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ صارَ الكَلامُ إيجابًا كَما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ الخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ - قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٍ - عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ (p-١٦٣٨)والزَّيْتُونِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا حَتّى تَبَيَّنَ لَنا شِدَّةُ فَرَحِهِ»، فَسَألْنا ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِها فَقالَ: التِّينُ بِلادُ الشّامِ، والزَّيْتُونُ بِلادُ فِلَسْطِينَ، وطُورُ سِيناءَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى " وهَذا البَلَدِ الأمِينِ " مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ مُحَمَّدًا ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ عَبْدَةُ اللّاتِ والعُزّى ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ إذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وجَمَعَكَ عَلى التَّقْوى يا مُحَمَّدُ، ومِثْلُ هَذا التَّفْسِيرِ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ في إسْنادِهِ ذَلِكَ المَجْهُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونُ قالَ: بَيْتُ المَقْدِسِ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: مَسْجِدُ الطُّورِ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ قالَ: مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ . ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كَبِرَ حَتّى ذَهَبَ عَقْلُهُ، هم نَفَرٌ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَفِهَتْ عُقُولُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهم أنَّ لَهم أجْرَهُمُ الَّذِي عَمِلُوا قَبْلَ أنْ تَذْهَبَ عُقُولُهم ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ يَقُولُ: بِحُكْمِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: الفاكِهَةُ الَّتِي يَأْكُلُها النّاسُ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: الطُّورُ الجَبَلُ، والسِّينِينُ المُبارَكُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قالَ في أعْدَلِ خَلْقٍ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ يَعْنِي غَيْرَ مَنقُوصٍ، يَقُولُ فَإذا بَلَغَ المُؤْمِنُ أرْذَلَ العُمُرِ وكانَ يَعْمَلُ في شَبابِهِ عَمَلًا صالِحًا كُتِبَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ وشَبابِهِ ولَمْ يَضُرَّهُ ما عَمِلَ في كِبَرِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ الخَطايا الَّتِي يَعْمَلُ بَعْدَ ما يَبْلُغُ أرْذَلَ العُمُرِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: لا يَكُونُ حَتّى لا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى الكِبَرِ وضَعْفِهِ، فَإذا كَبِرَ وضَعُفَ عَنِ العَمَلِ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ ما كانَ يَعْمَلُ في شَبِيبَتِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا مَرِضَ العَبْدُ أوْ سافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَن قَرَأ " التِّينِ والزَّيْتُونِ "، فَقَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا «إذا قَرَأْتَ " التِّينِ والزَّيْتُونِ " فَقَرَأْتَ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَقُلْ بَلى» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فَبَلى اهـ.
التين 95:4
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ورَوى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ويُخالِفُ هَذِهِ الرِّوايَةَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ في سَفَرٍ فَصَلّى العِشاءَ فَقَرَأ في إحْدى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا ولا قِراءَةً مِنهُ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْهُ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَغْرِبَ، فَقَرَأ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ في المَغْرِبِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ قانِعٍ، وابْنُ السَّكَنِ، والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ عَنْ زُرْعَةَ بْنِ خَلِيفَةَ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ اليَمامَةِ، فَعَرَضَ عَلَيْنا الإسْلامَ فَأسْلَمْنا، فَلَمّا صَلَّيْنا الغَداةَ قَرَأ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، وإنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو التِّينُ الَّذِي يَأْكُلُهُ النّاسُ والزَّيْتُونُ الَّذِي يَعْصِرُونَ مِنهُ الزَّيْتَ، وإنَّما أقْسَمَ بِالتِّينِ؛ لِأنَّهُ فاكِهَةٌ مُخْلَصَةٌ مِن شَوائِبِ التَّنْغِيصِ وفِيها أعْظَمُ عِبْرَةٍ لِدَلالَتِها عَلى مَن هَيَّأها لِذَلِكَ، وجَعَلَها عَلى مِقْدارِ اللُّقْمَةِ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الطِّبِّ: إنَّ التِّينَ أنْفَعُ الفَواكِهِ لِلْبَدَنِ وأكْثَرُها غِذاءً، وذَكَرُوا لَهُ فَوائِدَ كَما في كُتُبِ المُفْرَداتِ والمُرَكَّباتِ، وأمّا الزَّيْتُونُ فَإنَّهُ يُعْصَرُ مِنهُ الزَّيْتُ الَّذِي هو إدامُ غالِبِ البُلْدانِ ودَهْنُهم، ويَدْخُلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأدْوِيَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: التِّينُ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والزَّيْتُونُ: المَسْجِدُ الأقْصى.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ دِمَشْقَ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وقالَ قَتادَةُ: التِّينُ: الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ، وكَعْبُ الأحْبارِ: التِّينُ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ بَيْتُ المَقْدِسِ.
ولَيْتَ شِعْرِي ما الحامِلُ لِهَؤُلاءِ الأئِمَّةِ عَلى العُدُولِ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والعُدُولِ إلى هَذِهِ التَّفْسِيراتِ البَعِيدَةِ عَنِ المَعْنى، المَبْنِيَّةِ عَلى خَيالاتٍ لا تَرْجِعُ إلى عَقْلٍ ولا نَقْلٍ.
وأعْجَبُ مِن هَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ لِلْآخَرِ مِنها مَعَ طُولِ باعِهِ في عِلْمِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: التِّينُ: جِبالُ حُلْوانَ إلى هَمْدانَ، والزَّيْتُونُ: جِبالُ الشّامِ.
قُلْتُ: هَبْ أنَّكَ سَمِعْتَ هَذا الرَّجُلَ، فَكانَ ماذا ؟ فَلَيْسَ بِمِثْلِ هَذا تَثْبُتُ اللُّغَةُ، ولا هو نَقْلٌ عَنِ الشّارِعِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ إيلِياءَ، وقِيلَ إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ومَنابِتِ التِّينِ والزَّيْتُونِ.
قالَ النَّحّاسُ: لا دَلِيلَ عَلى هَذا مِن ظاهِرِ التَّنْزِيلِ، (p-١٦٣٧)ولا مِن قَوْلِ مَن لا يَجُوزُ خِلافُهُ.
﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ هو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى اسْمُهُ الطُّورُ، ومَعْنى سِنِينَ: المُبارَكُ الحَسَنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: هو المُبارَكُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: سِينِينَ كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَهو سِينَيْنُ وسَيْناءُ لِأنَّهُ جُعِلَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، وإنَّما أقْسَمَ بِهَذا الجَبَلِ لِأنَّهُ بِالشّامِ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] وأعْظَمُ بَرَكَةٍ حَلَّتْ بِهِ ووَقَعَتْ عَلَيْهِ تَكْلِيمُ اللَّهِ لِمُوسى عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " سِينِينَ " بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ إسْحاقَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ " سِيناءَ " بِالكَسْرِ والمَدِّ.
﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ، سَمّاهُ أمِينًا لِأنَّهُ آمَنَ كَما قالَ: ﴿أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] يُقالُ أمِنَ الرَّجُلُ أمانَةً فَهو أمِينٌ.
قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: الأمِينُ بِمَعْنى الآمِنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أمِنَهُ لِأنَّهُ مَأْمُونُ الغَوائِلِ.
﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ خَلَقْنا جِنْسَ الإنْسانِ كائِنًا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ وتَعْدِيلٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ إلّا الإنْسانَ، خَلَقَهُ مَدِيدَ القامَةِ يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، ومَعْنى التَّقْوِيمِ: التَّعْدِيلُ، يُقالُ: قَوَّمْتُهُ فاسْتَقامَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: هو اعْتِدالُهُ واسْتِواءُ شَأْنِهِ، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى خَلْقٌ أحْسَنُ مِنَ الإنْسانِ، فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ حَيًّا عالِمًا قادِرًا مُرِيدًا مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، وهَذِهِ صِفاتُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، وعَلَيْها حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ قَوْلَهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صَوْتِهِ» يَعْنِي عَلى صِفاتِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها.
قُلْتُ: ويَنْبَغِي أنَّ يُضَمَّ إلى كَلامِهِ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ومَن أرادَ أنْ يَقِفَ عَلى حَقِيقَةِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَلْيَنْظُرْ في كِتابِ العِبَرِ والِاعْتِبارِ لِلْجاحِظِ، وفي الكِتابِ الَّذِي عَقَدَهُ النَّيْسابُورِيُّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وهو في مُجَلَّدَيْنِ ضَخْمَيْنِ.
﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أيْ رَدَدْناهُ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وهو الهَرَمُ والضَّعْفُ بَعْدَ الشَّبابِ والقُوَّةِ حَتّى يَصِيرَ كالصَّبِيِّ فَيَخْرُفُ ويَنْقُصُ عَقْلُهُ، كَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والسّافِلُونَ هُمُ الضُّعَفاءُ والزُّمَناءُ والأطْفالُ، والشَّيْخُ الكَبِيرُ أسْفَلُ هَؤُلاءِ جَمِيعًا.
وقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ: المَعْنى ثُمَّ رَدَدْنا الكافِرَ إلى النّارِ، وذَلِكَ أنَّ النّارَ دَرَجاتٌ بَعْضُها أسْفَلُ مِن بَعْضٍ، فالكافِرُ يَرِدُ إلى أسْفَلِ الدَّرَجاتِ السّافِلَةِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَلا مانِعَ مِن كَوْنِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ مُجْتَمِعِينَ في ذَلِكَ الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقَوْلُهُ: أسْفَلَ سافِلِينَ إمّا حالٌ مِنَ المَفْعُولِ: أيْ رَدَدْناهُ حالَ كَوْنِهِ أسْفَلَ سافِلِينَ، أوْ صِفَةٌ لِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مَكانًا أسْفَلَ سافِلِينَ.
إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إلَخْ، ووَجْهُهُ أنَّ الهَرَمَ والرَّدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ يُصابُ بِهِ المُؤْمِنُ كَما يُصابُ بِهِ الكافِرُ فَلا يَكُونُ لِاسْتِثْناءِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهِ الِاتِّصالِ مَعْنًى.
وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا مِن ضَمِيرِ رَدَدْناهُ، فَإنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ: أيْ رَدَدْنا الإنْسانَ أسْفَلَ سافِلِينَ مِنَ النّارِ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ: أيْ فَلَهم ثَوابٌ دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَلى طاعاتِهِمْ، الِاسْتِثْناءُ مِن خُرُوجِ المُؤْمِنِينَ عَنْ حُكْمِ الرَّدِّ، وقالَ: أسْفَلَ سافِلِينَ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى الجَمْعِ، ولَوْ قالَ أسْفَلَ سافِلٍ لَجازَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ واحِدٌ.
وقِيلَ مَعْنى رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ: رَدَدْناهُ إلى الضَّلالِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ٣] أيْ إلّا هَؤُلاءِ فَلا يُرَدُّونَ إلى ذَلِكَ.
﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ الخِطابُ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وإلْزامِ الحُجَّةِ: أيْ إذا عَرَفْتَ أيُّها الإنْسانُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَكَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وأنَّهُ يَرُدُّكَ أسْفَلَ سافِلِينَ، فَما يَحْمِلُكَ عَلى أنْ تُكَذِّبَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ ؟ وقِيلَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أيْ أيُّ شَيْءٍ يُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدُ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ النّاطِقَةِ، فاسْتَيْقِنْ مَعَ ما جاءَكَ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: المَعْنى فَمَن يُكَذِّبُكَ أيُّها الرَّسُولُ بَعْدَ هَذا البَيانِ بِالدِّينِ، كَأنَّهُ قالَ: مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ؟ أيْ عَلى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ بَعْدَ ما ظَهَرَ مِن قُدْرَتِنا عَلى خَلْقِ الإنْسانِ ما ظَهَرَ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
والدِّينُ: الجَزاءُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
دِنّا تَمِيمًا كَما كانَتْ أوائِلُنا دانَتْ أوائِلَهم مِن سالِفِ الزَّمَنِ وقالَ الآخَرُ:
ولَمّا صَرَّحَ الشَّرُّ فَأمْسى وهو عُرْيانُ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوانِ دِنّاهم كَما دانُوا ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ أيْ ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما فَعَلَ مِمّا ذَكَرْنا بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا ؟ حَتّى تَتَوَهَّمَ عَدَمَ الإعادَةِ والجَزاءِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْكُفّارِ، ومَعْنى أحْكَمِ الحاكِمِينَ: أتْقَنُ الحاكِمِينَ في كُلِّ ما يَخْلُقُ، وقِيلَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ قَضاءً وعَدْلًا.
والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ صارَ الكَلامُ إيجابًا كَما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ الخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ - قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٍ - عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ (p-١٦٣٨)والزَّيْتُونِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا حَتّى تَبَيَّنَ لَنا شِدَّةُ فَرَحِهِ»، فَسَألْنا ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِها فَقالَ: التِّينُ بِلادُ الشّامِ، والزَّيْتُونُ بِلادُ فِلَسْطِينَ، وطُورُ سِيناءَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى " وهَذا البَلَدِ الأمِينِ " مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ مُحَمَّدًا ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ عَبْدَةُ اللّاتِ والعُزّى ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ إذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وجَمَعَكَ عَلى التَّقْوى يا مُحَمَّدُ، ومِثْلُ هَذا التَّفْسِيرِ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ في إسْنادِهِ ذَلِكَ المَجْهُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونُ قالَ: بَيْتُ المَقْدِسِ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: مَسْجِدُ الطُّورِ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ قالَ: مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ . ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كَبِرَ حَتّى ذَهَبَ عَقْلُهُ، هم نَفَرٌ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَفِهَتْ عُقُولُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهم أنَّ لَهم أجْرَهُمُ الَّذِي عَمِلُوا قَبْلَ أنْ تَذْهَبَ عُقُولُهم ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ يَقُولُ: بِحُكْمِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: الفاكِهَةُ الَّتِي يَأْكُلُها النّاسُ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: الطُّورُ الجَبَلُ، والسِّينِينُ المُبارَكُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قالَ في أعْدَلِ خَلْقٍ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ يَعْنِي غَيْرَ مَنقُوصٍ، يَقُولُ فَإذا بَلَغَ المُؤْمِنُ أرْذَلَ العُمُرِ وكانَ يَعْمَلُ في شَبابِهِ عَمَلًا صالِحًا كُتِبَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ وشَبابِهِ ولَمْ يَضُرَّهُ ما عَمِلَ في كِبَرِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ الخَطايا الَّتِي يَعْمَلُ بَعْدَ ما يَبْلُغُ أرْذَلَ العُمُرِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: لا يَكُونُ حَتّى لا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى الكِبَرِ وضَعْفِهِ، فَإذا كَبِرَ وضَعُفَ عَنِ العَمَلِ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ ما كانَ يَعْمَلُ في شَبِيبَتِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا مَرِضَ العَبْدُ أوْ سافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَن قَرَأ " التِّينِ والزَّيْتُونِ "، فَقَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا «إذا قَرَأْتَ " التِّينِ والزَّيْتُونِ " فَقَرَأْتَ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَقُلْ بَلى» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فَبَلى اهـ.
التين 95:5
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ورَوى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ويُخالِفُ هَذِهِ الرِّوايَةَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ في سَفَرٍ فَصَلّى العِشاءَ فَقَرَأ في إحْدى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا ولا قِراءَةً مِنهُ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْهُ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَغْرِبَ، فَقَرَأ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ في المَغْرِبِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ قانِعٍ، وابْنُ السَّكَنِ، والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ عَنْ زُرْعَةَ بْنِ خَلِيفَةَ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ اليَمامَةِ، فَعَرَضَ عَلَيْنا الإسْلامَ فَأسْلَمْنا، فَلَمّا صَلَّيْنا الغَداةَ قَرَأ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، وإنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو التِّينُ الَّذِي يَأْكُلُهُ النّاسُ والزَّيْتُونُ الَّذِي يَعْصِرُونَ مِنهُ الزَّيْتَ، وإنَّما أقْسَمَ بِالتِّينِ؛ لِأنَّهُ فاكِهَةٌ مُخْلَصَةٌ مِن شَوائِبِ التَّنْغِيصِ وفِيها أعْظَمُ عِبْرَةٍ لِدَلالَتِها عَلى مَن هَيَّأها لِذَلِكَ، وجَعَلَها عَلى مِقْدارِ اللُّقْمَةِ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الطِّبِّ: إنَّ التِّينَ أنْفَعُ الفَواكِهِ لِلْبَدَنِ وأكْثَرُها غِذاءً، وذَكَرُوا لَهُ فَوائِدَ كَما في كُتُبِ المُفْرَداتِ والمُرَكَّباتِ، وأمّا الزَّيْتُونُ فَإنَّهُ يُعْصَرُ مِنهُ الزَّيْتُ الَّذِي هو إدامُ غالِبِ البُلْدانِ ودَهْنُهم، ويَدْخُلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأدْوِيَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: التِّينُ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والزَّيْتُونُ: المَسْجِدُ الأقْصى.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ دِمَشْقَ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وقالَ قَتادَةُ: التِّينُ: الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ، وكَعْبُ الأحْبارِ: التِّينُ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ بَيْتُ المَقْدِسِ.
ولَيْتَ شِعْرِي ما الحامِلُ لِهَؤُلاءِ الأئِمَّةِ عَلى العُدُولِ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والعُدُولِ إلى هَذِهِ التَّفْسِيراتِ البَعِيدَةِ عَنِ المَعْنى، المَبْنِيَّةِ عَلى خَيالاتٍ لا تَرْجِعُ إلى عَقْلٍ ولا نَقْلٍ.
وأعْجَبُ مِن هَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ لِلْآخَرِ مِنها مَعَ طُولِ باعِهِ في عِلْمِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: التِّينُ: جِبالُ حُلْوانَ إلى هَمْدانَ، والزَّيْتُونُ: جِبالُ الشّامِ.
قُلْتُ: هَبْ أنَّكَ سَمِعْتَ هَذا الرَّجُلَ، فَكانَ ماذا ؟ فَلَيْسَ بِمِثْلِ هَذا تَثْبُتُ اللُّغَةُ، ولا هو نَقْلٌ عَنِ الشّارِعِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ إيلِياءَ، وقِيلَ إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ومَنابِتِ التِّينِ والزَّيْتُونِ.
قالَ النَّحّاسُ: لا دَلِيلَ عَلى هَذا مِن ظاهِرِ التَّنْزِيلِ، (p-١٦٣٧)ولا مِن قَوْلِ مَن لا يَجُوزُ خِلافُهُ.
﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ هو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى اسْمُهُ الطُّورُ، ومَعْنى سِنِينَ: المُبارَكُ الحَسَنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: هو المُبارَكُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: سِينِينَ كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَهو سِينَيْنُ وسَيْناءُ لِأنَّهُ جُعِلَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، وإنَّما أقْسَمَ بِهَذا الجَبَلِ لِأنَّهُ بِالشّامِ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] وأعْظَمُ بَرَكَةٍ حَلَّتْ بِهِ ووَقَعَتْ عَلَيْهِ تَكْلِيمُ اللَّهِ لِمُوسى عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " سِينِينَ " بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ إسْحاقَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ " سِيناءَ " بِالكَسْرِ والمَدِّ.
﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ، سَمّاهُ أمِينًا لِأنَّهُ آمَنَ كَما قالَ: ﴿أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] يُقالُ أمِنَ الرَّجُلُ أمانَةً فَهو أمِينٌ.
قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: الأمِينُ بِمَعْنى الآمِنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أمِنَهُ لِأنَّهُ مَأْمُونُ الغَوائِلِ.
﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ خَلَقْنا جِنْسَ الإنْسانِ كائِنًا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ وتَعْدِيلٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ إلّا الإنْسانَ، خَلَقَهُ مَدِيدَ القامَةِ يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، ومَعْنى التَّقْوِيمِ: التَّعْدِيلُ، يُقالُ: قَوَّمْتُهُ فاسْتَقامَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: هو اعْتِدالُهُ واسْتِواءُ شَأْنِهِ، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى خَلْقٌ أحْسَنُ مِنَ الإنْسانِ، فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ حَيًّا عالِمًا قادِرًا مُرِيدًا مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، وهَذِهِ صِفاتُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، وعَلَيْها حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ قَوْلَهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صَوْتِهِ» يَعْنِي عَلى صِفاتِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها.
قُلْتُ: ويَنْبَغِي أنَّ يُضَمَّ إلى كَلامِهِ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ومَن أرادَ أنْ يَقِفَ عَلى حَقِيقَةِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَلْيَنْظُرْ في كِتابِ العِبَرِ والِاعْتِبارِ لِلْجاحِظِ، وفي الكِتابِ الَّذِي عَقَدَهُ النَّيْسابُورِيُّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وهو في مُجَلَّدَيْنِ ضَخْمَيْنِ.
﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أيْ رَدَدْناهُ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وهو الهَرَمُ والضَّعْفُ بَعْدَ الشَّبابِ والقُوَّةِ حَتّى يَصِيرَ كالصَّبِيِّ فَيَخْرُفُ ويَنْقُصُ عَقْلُهُ، كَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والسّافِلُونَ هُمُ الضُّعَفاءُ والزُّمَناءُ والأطْفالُ، والشَّيْخُ الكَبِيرُ أسْفَلُ هَؤُلاءِ جَمِيعًا.
وقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ: المَعْنى ثُمَّ رَدَدْنا الكافِرَ إلى النّارِ، وذَلِكَ أنَّ النّارَ دَرَجاتٌ بَعْضُها أسْفَلُ مِن بَعْضٍ، فالكافِرُ يَرِدُ إلى أسْفَلِ الدَّرَجاتِ السّافِلَةِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَلا مانِعَ مِن كَوْنِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ مُجْتَمِعِينَ في ذَلِكَ الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقَوْلُهُ: أسْفَلَ سافِلِينَ إمّا حالٌ مِنَ المَفْعُولِ: أيْ رَدَدْناهُ حالَ كَوْنِهِ أسْفَلَ سافِلِينَ، أوْ صِفَةٌ لِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مَكانًا أسْفَلَ سافِلِينَ.
إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إلَخْ، ووَجْهُهُ أنَّ الهَرَمَ والرَّدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ يُصابُ بِهِ المُؤْمِنُ كَما يُصابُ بِهِ الكافِرُ فَلا يَكُونُ لِاسْتِثْناءِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهِ الِاتِّصالِ مَعْنًى.
وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا مِن ضَمِيرِ رَدَدْناهُ، فَإنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ: أيْ رَدَدْنا الإنْسانَ أسْفَلَ سافِلِينَ مِنَ النّارِ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ: أيْ فَلَهم ثَوابٌ دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَلى طاعاتِهِمْ، الِاسْتِثْناءُ مِن خُرُوجِ المُؤْمِنِينَ عَنْ حُكْمِ الرَّدِّ، وقالَ: أسْفَلَ سافِلِينَ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى الجَمْعِ، ولَوْ قالَ أسْفَلَ سافِلٍ لَجازَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ واحِدٌ.
وقِيلَ مَعْنى رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ: رَدَدْناهُ إلى الضَّلالِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ٣] أيْ إلّا هَؤُلاءِ فَلا يُرَدُّونَ إلى ذَلِكَ.
﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ الخِطابُ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وإلْزامِ الحُجَّةِ: أيْ إذا عَرَفْتَ أيُّها الإنْسانُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَكَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وأنَّهُ يَرُدُّكَ أسْفَلَ سافِلِينَ، فَما يَحْمِلُكَ عَلى أنْ تُكَذِّبَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ ؟ وقِيلَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أيْ أيُّ شَيْءٍ يُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدُ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ النّاطِقَةِ، فاسْتَيْقِنْ مَعَ ما جاءَكَ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: المَعْنى فَمَن يُكَذِّبُكَ أيُّها الرَّسُولُ بَعْدَ هَذا البَيانِ بِالدِّينِ، كَأنَّهُ قالَ: مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ؟ أيْ عَلى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ بَعْدَ ما ظَهَرَ مِن قُدْرَتِنا عَلى خَلْقِ الإنْسانِ ما ظَهَرَ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
والدِّينُ: الجَزاءُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
دِنّا تَمِيمًا كَما كانَتْ أوائِلُنا دانَتْ أوائِلَهم مِن سالِفِ الزَّمَنِ وقالَ الآخَرُ:
ولَمّا صَرَّحَ الشَّرُّ فَأمْسى وهو عُرْيانُ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوانِ دِنّاهم كَما دانُوا ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ أيْ ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما فَعَلَ مِمّا ذَكَرْنا بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا ؟ حَتّى تَتَوَهَّمَ عَدَمَ الإعادَةِ والجَزاءِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْكُفّارِ، ومَعْنى أحْكَمِ الحاكِمِينَ: أتْقَنُ الحاكِمِينَ في كُلِّ ما يَخْلُقُ، وقِيلَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ قَضاءً وعَدْلًا.
والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ صارَ الكَلامُ إيجابًا كَما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ الخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ - قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٍ - عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ (p-١٦٣٨)والزَّيْتُونِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا حَتّى تَبَيَّنَ لَنا شِدَّةُ فَرَحِهِ»، فَسَألْنا ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِها فَقالَ: التِّينُ بِلادُ الشّامِ، والزَّيْتُونُ بِلادُ فِلَسْطِينَ، وطُورُ سِيناءَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى " وهَذا البَلَدِ الأمِينِ " مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ مُحَمَّدًا ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ عَبْدَةُ اللّاتِ والعُزّى ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ إذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وجَمَعَكَ عَلى التَّقْوى يا مُحَمَّدُ، ومِثْلُ هَذا التَّفْسِيرِ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ في إسْنادِهِ ذَلِكَ المَجْهُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونُ قالَ: بَيْتُ المَقْدِسِ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: مَسْجِدُ الطُّورِ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ قالَ: مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ . ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كَبِرَ حَتّى ذَهَبَ عَقْلُهُ، هم نَفَرٌ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَفِهَتْ عُقُولُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهم أنَّ لَهم أجْرَهُمُ الَّذِي عَمِلُوا قَبْلَ أنْ تَذْهَبَ عُقُولُهم ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ يَقُولُ: بِحُكْمِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: الفاكِهَةُ الَّتِي يَأْكُلُها النّاسُ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: الطُّورُ الجَبَلُ، والسِّينِينُ المُبارَكُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قالَ في أعْدَلِ خَلْقٍ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ يَعْنِي غَيْرَ مَنقُوصٍ، يَقُولُ فَإذا بَلَغَ المُؤْمِنُ أرْذَلَ العُمُرِ وكانَ يَعْمَلُ في شَبابِهِ عَمَلًا صالِحًا كُتِبَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ وشَبابِهِ ولَمْ يَضُرَّهُ ما عَمِلَ في كِبَرِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ الخَطايا الَّتِي يَعْمَلُ بَعْدَ ما يَبْلُغُ أرْذَلَ العُمُرِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: لا يَكُونُ حَتّى لا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى الكِبَرِ وضَعْفِهِ، فَإذا كَبِرَ وضَعُفَ عَنِ العَمَلِ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ ما كانَ يَعْمَلُ في شَبِيبَتِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا مَرِضَ العَبْدُ أوْ سافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَن قَرَأ " التِّينِ والزَّيْتُونِ "، فَقَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا «إذا قَرَأْتَ " التِّينِ والزَّيْتُونِ " فَقَرَأْتَ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَقُلْ بَلى» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فَبَلى اهـ.
التين 95:6
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ورَوى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ويُخالِفُ هَذِهِ الرِّوايَةَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ في سَفَرٍ فَصَلّى العِشاءَ فَقَرَأ في إحْدى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا ولا قِراءَةً مِنهُ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْهُ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَغْرِبَ، فَقَرَأ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ في المَغْرِبِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ قانِعٍ، وابْنُ السَّكَنِ، والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ عَنْ زُرْعَةَ بْنِ خَلِيفَةَ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ اليَمامَةِ، فَعَرَضَ عَلَيْنا الإسْلامَ فَأسْلَمْنا، فَلَمّا صَلَّيْنا الغَداةَ قَرَأ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، وإنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو التِّينُ الَّذِي يَأْكُلُهُ النّاسُ والزَّيْتُونُ الَّذِي يَعْصِرُونَ مِنهُ الزَّيْتَ، وإنَّما أقْسَمَ بِالتِّينِ؛ لِأنَّهُ فاكِهَةٌ مُخْلَصَةٌ مِن شَوائِبِ التَّنْغِيصِ وفِيها أعْظَمُ عِبْرَةٍ لِدَلالَتِها عَلى مَن هَيَّأها لِذَلِكَ، وجَعَلَها عَلى مِقْدارِ اللُّقْمَةِ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الطِّبِّ: إنَّ التِّينَ أنْفَعُ الفَواكِهِ لِلْبَدَنِ وأكْثَرُها غِذاءً، وذَكَرُوا لَهُ فَوائِدَ كَما في كُتُبِ المُفْرَداتِ والمُرَكَّباتِ، وأمّا الزَّيْتُونُ فَإنَّهُ يُعْصَرُ مِنهُ الزَّيْتُ الَّذِي هو إدامُ غالِبِ البُلْدانِ ودَهْنُهم، ويَدْخُلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأدْوِيَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: التِّينُ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والزَّيْتُونُ: المَسْجِدُ الأقْصى.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ دِمَشْقَ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وقالَ قَتادَةُ: التِّينُ: الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ، وكَعْبُ الأحْبارِ: التِّينُ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ بَيْتُ المَقْدِسِ.
ولَيْتَ شِعْرِي ما الحامِلُ لِهَؤُلاءِ الأئِمَّةِ عَلى العُدُولِ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والعُدُولِ إلى هَذِهِ التَّفْسِيراتِ البَعِيدَةِ عَنِ المَعْنى، المَبْنِيَّةِ عَلى خَيالاتٍ لا تَرْجِعُ إلى عَقْلٍ ولا نَقْلٍ.
وأعْجَبُ مِن هَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ لِلْآخَرِ مِنها مَعَ طُولِ باعِهِ في عِلْمِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: التِّينُ: جِبالُ حُلْوانَ إلى هَمْدانَ، والزَّيْتُونُ: جِبالُ الشّامِ.
قُلْتُ: هَبْ أنَّكَ سَمِعْتَ هَذا الرَّجُلَ، فَكانَ ماذا ؟ فَلَيْسَ بِمِثْلِ هَذا تَثْبُتُ اللُّغَةُ، ولا هو نَقْلٌ عَنِ الشّارِعِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ إيلِياءَ، وقِيلَ إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ومَنابِتِ التِّينِ والزَّيْتُونِ.
قالَ النَّحّاسُ: لا دَلِيلَ عَلى هَذا مِن ظاهِرِ التَّنْزِيلِ، (p-١٦٣٧)ولا مِن قَوْلِ مَن لا يَجُوزُ خِلافُهُ.
﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ هو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى اسْمُهُ الطُّورُ، ومَعْنى سِنِينَ: المُبارَكُ الحَسَنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: هو المُبارَكُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: سِينِينَ كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَهو سِينَيْنُ وسَيْناءُ لِأنَّهُ جُعِلَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، وإنَّما أقْسَمَ بِهَذا الجَبَلِ لِأنَّهُ بِالشّامِ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] وأعْظَمُ بَرَكَةٍ حَلَّتْ بِهِ ووَقَعَتْ عَلَيْهِ تَكْلِيمُ اللَّهِ لِمُوسى عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " سِينِينَ " بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ إسْحاقَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ " سِيناءَ " بِالكَسْرِ والمَدِّ.
﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ، سَمّاهُ أمِينًا لِأنَّهُ آمَنَ كَما قالَ: ﴿أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] يُقالُ أمِنَ الرَّجُلُ أمانَةً فَهو أمِينٌ.
قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: الأمِينُ بِمَعْنى الآمِنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أمِنَهُ لِأنَّهُ مَأْمُونُ الغَوائِلِ.
﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ خَلَقْنا جِنْسَ الإنْسانِ كائِنًا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ وتَعْدِيلٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ إلّا الإنْسانَ، خَلَقَهُ مَدِيدَ القامَةِ يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، ومَعْنى التَّقْوِيمِ: التَّعْدِيلُ، يُقالُ: قَوَّمْتُهُ فاسْتَقامَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: هو اعْتِدالُهُ واسْتِواءُ شَأْنِهِ، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى خَلْقٌ أحْسَنُ مِنَ الإنْسانِ، فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ حَيًّا عالِمًا قادِرًا مُرِيدًا مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، وهَذِهِ صِفاتُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، وعَلَيْها حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ قَوْلَهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صَوْتِهِ» يَعْنِي عَلى صِفاتِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها.
قُلْتُ: ويَنْبَغِي أنَّ يُضَمَّ إلى كَلامِهِ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ومَن أرادَ أنْ يَقِفَ عَلى حَقِيقَةِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَلْيَنْظُرْ في كِتابِ العِبَرِ والِاعْتِبارِ لِلْجاحِظِ، وفي الكِتابِ الَّذِي عَقَدَهُ النَّيْسابُورِيُّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وهو في مُجَلَّدَيْنِ ضَخْمَيْنِ.
﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أيْ رَدَدْناهُ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وهو الهَرَمُ والضَّعْفُ بَعْدَ الشَّبابِ والقُوَّةِ حَتّى يَصِيرَ كالصَّبِيِّ فَيَخْرُفُ ويَنْقُصُ عَقْلُهُ، كَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والسّافِلُونَ هُمُ الضُّعَفاءُ والزُّمَناءُ والأطْفالُ، والشَّيْخُ الكَبِيرُ أسْفَلُ هَؤُلاءِ جَمِيعًا.
وقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ: المَعْنى ثُمَّ رَدَدْنا الكافِرَ إلى النّارِ، وذَلِكَ أنَّ النّارَ دَرَجاتٌ بَعْضُها أسْفَلُ مِن بَعْضٍ، فالكافِرُ يَرِدُ إلى أسْفَلِ الدَّرَجاتِ السّافِلَةِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَلا مانِعَ مِن كَوْنِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ مُجْتَمِعِينَ في ذَلِكَ الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقَوْلُهُ: أسْفَلَ سافِلِينَ إمّا حالٌ مِنَ المَفْعُولِ: أيْ رَدَدْناهُ حالَ كَوْنِهِ أسْفَلَ سافِلِينَ، أوْ صِفَةٌ لِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مَكانًا أسْفَلَ سافِلِينَ.
إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إلَخْ، ووَجْهُهُ أنَّ الهَرَمَ والرَّدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ يُصابُ بِهِ المُؤْمِنُ كَما يُصابُ بِهِ الكافِرُ فَلا يَكُونُ لِاسْتِثْناءِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهِ الِاتِّصالِ مَعْنًى.
وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا مِن ضَمِيرِ رَدَدْناهُ، فَإنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ: أيْ رَدَدْنا الإنْسانَ أسْفَلَ سافِلِينَ مِنَ النّارِ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ: أيْ فَلَهم ثَوابٌ دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَلى طاعاتِهِمْ، الِاسْتِثْناءُ مِن خُرُوجِ المُؤْمِنِينَ عَنْ حُكْمِ الرَّدِّ، وقالَ: أسْفَلَ سافِلِينَ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى الجَمْعِ، ولَوْ قالَ أسْفَلَ سافِلٍ لَجازَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ واحِدٌ.
وقِيلَ مَعْنى رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ: رَدَدْناهُ إلى الضَّلالِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ٣] أيْ إلّا هَؤُلاءِ فَلا يُرَدُّونَ إلى ذَلِكَ.
﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ الخِطابُ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وإلْزامِ الحُجَّةِ: أيْ إذا عَرَفْتَ أيُّها الإنْسانُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَكَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وأنَّهُ يَرُدُّكَ أسْفَلَ سافِلِينَ، فَما يَحْمِلُكَ عَلى أنْ تُكَذِّبَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ ؟ وقِيلَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أيْ أيُّ شَيْءٍ يُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدُ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ النّاطِقَةِ، فاسْتَيْقِنْ مَعَ ما جاءَكَ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: المَعْنى فَمَن يُكَذِّبُكَ أيُّها الرَّسُولُ بَعْدَ هَذا البَيانِ بِالدِّينِ، كَأنَّهُ قالَ: مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ؟ أيْ عَلى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ بَعْدَ ما ظَهَرَ مِن قُدْرَتِنا عَلى خَلْقِ الإنْسانِ ما ظَهَرَ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
والدِّينُ: الجَزاءُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
دِنّا تَمِيمًا كَما كانَتْ أوائِلُنا دانَتْ أوائِلَهم مِن سالِفِ الزَّمَنِ وقالَ الآخَرُ:
ولَمّا صَرَّحَ الشَّرُّ فَأمْسى وهو عُرْيانُ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوانِ دِنّاهم كَما دانُوا ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ أيْ ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما فَعَلَ مِمّا ذَكَرْنا بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا ؟ حَتّى تَتَوَهَّمَ عَدَمَ الإعادَةِ والجَزاءِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْكُفّارِ، ومَعْنى أحْكَمِ الحاكِمِينَ: أتْقَنُ الحاكِمِينَ في كُلِّ ما يَخْلُقُ، وقِيلَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ قَضاءً وعَدْلًا.
والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ صارَ الكَلامُ إيجابًا كَما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ الخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ - قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٍ - عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ (p-١٦٣٨)والزَّيْتُونِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا حَتّى تَبَيَّنَ لَنا شِدَّةُ فَرَحِهِ»، فَسَألْنا ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِها فَقالَ: التِّينُ بِلادُ الشّامِ، والزَّيْتُونُ بِلادُ فِلَسْطِينَ، وطُورُ سِيناءَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى " وهَذا البَلَدِ الأمِينِ " مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ مُحَمَّدًا ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ عَبْدَةُ اللّاتِ والعُزّى ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ إذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وجَمَعَكَ عَلى التَّقْوى يا مُحَمَّدُ، ومِثْلُ هَذا التَّفْسِيرِ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ في إسْنادِهِ ذَلِكَ المَجْهُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونُ قالَ: بَيْتُ المَقْدِسِ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: مَسْجِدُ الطُّورِ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ قالَ: مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ . ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كَبِرَ حَتّى ذَهَبَ عَقْلُهُ، هم نَفَرٌ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَفِهَتْ عُقُولُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهم أنَّ لَهم أجْرَهُمُ الَّذِي عَمِلُوا قَبْلَ أنْ تَذْهَبَ عُقُولُهم ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ يَقُولُ: بِحُكْمِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: الفاكِهَةُ الَّتِي يَأْكُلُها النّاسُ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: الطُّورُ الجَبَلُ، والسِّينِينُ المُبارَكُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قالَ في أعْدَلِ خَلْقٍ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ يَعْنِي غَيْرَ مَنقُوصٍ، يَقُولُ فَإذا بَلَغَ المُؤْمِنُ أرْذَلَ العُمُرِ وكانَ يَعْمَلُ في شَبابِهِ عَمَلًا صالِحًا كُتِبَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ وشَبابِهِ ولَمْ يَضُرَّهُ ما عَمِلَ في كِبَرِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ الخَطايا الَّتِي يَعْمَلُ بَعْدَ ما يَبْلُغُ أرْذَلَ العُمُرِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: لا يَكُونُ حَتّى لا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى الكِبَرِ وضَعْفِهِ، فَإذا كَبِرَ وضَعُفَ عَنِ العَمَلِ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ ما كانَ يَعْمَلُ في شَبِيبَتِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا مَرِضَ العَبْدُ أوْ سافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَن قَرَأ " التِّينِ والزَّيْتُونِ "، فَقَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا «إذا قَرَأْتَ " التِّينِ والزَّيْتُونِ " فَقَرَأْتَ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَقُلْ بَلى» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فَبَلى اهـ.
التين 95:7
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ورَوى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ويُخالِفُ هَذِهِ الرِّوايَةَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ في سَفَرٍ فَصَلّى العِشاءَ فَقَرَأ في إحْدى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا ولا قِراءَةً مِنهُ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْهُ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَغْرِبَ، فَقَرَأ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ في المَغْرِبِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ قانِعٍ، وابْنُ السَّكَنِ، والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ عَنْ زُرْعَةَ بْنِ خَلِيفَةَ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ اليَمامَةِ، فَعَرَضَ عَلَيْنا الإسْلامَ فَأسْلَمْنا، فَلَمّا صَلَّيْنا الغَداةَ قَرَأ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، وإنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو التِّينُ الَّذِي يَأْكُلُهُ النّاسُ والزَّيْتُونُ الَّذِي يَعْصِرُونَ مِنهُ الزَّيْتَ، وإنَّما أقْسَمَ بِالتِّينِ؛ لِأنَّهُ فاكِهَةٌ مُخْلَصَةٌ مِن شَوائِبِ التَّنْغِيصِ وفِيها أعْظَمُ عِبْرَةٍ لِدَلالَتِها عَلى مَن هَيَّأها لِذَلِكَ، وجَعَلَها عَلى مِقْدارِ اللُّقْمَةِ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الطِّبِّ: إنَّ التِّينَ أنْفَعُ الفَواكِهِ لِلْبَدَنِ وأكْثَرُها غِذاءً، وذَكَرُوا لَهُ فَوائِدَ كَما في كُتُبِ المُفْرَداتِ والمُرَكَّباتِ، وأمّا الزَّيْتُونُ فَإنَّهُ يُعْصَرُ مِنهُ الزَّيْتُ الَّذِي هو إدامُ غالِبِ البُلْدانِ ودَهْنُهم، ويَدْخُلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأدْوِيَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: التِّينُ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والزَّيْتُونُ: المَسْجِدُ الأقْصى.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ دِمَشْقَ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وقالَ قَتادَةُ: التِّينُ: الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ، وكَعْبُ الأحْبارِ: التِّينُ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ بَيْتُ المَقْدِسِ.
ولَيْتَ شِعْرِي ما الحامِلُ لِهَؤُلاءِ الأئِمَّةِ عَلى العُدُولِ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والعُدُولِ إلى هَذِهِ التَّفْسِيراتِ البَعِيدَةِ عَنِ المَعْنى، المَبْنِيَّةِ عَلى خَيالاتٍ لا تَرْجِعُ إلى عَقْلٍ ولا نَقْلٍ.
وأعْجَبُ مِن هَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ لِلْآخَرِ مِنها مَعَ طُولِ باعِهِ في عِلْمِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: التِّينُ: جِبالُ حُلْوانَ إلى هَمْدانَ، والزَّيْتُونُ: جِبالُ الشّامِ.
قُلْتُ: هَبْ أنَّكَ سَمِعْتَ هَذا الرَّجُلَ، فَكانَ ماذا ؟ فَلَيْسَ بِمِثْلِ هَذا تَثْبُتُ اللُّغَةُ، ولا هو نَقْلٌ عَنِ الشّارِعِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ إيلِياءَ، وقِيلَ إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ومَنابِتِ التِّينِ والزَّيْتُونِ.
قالَ النَّحّاسُ: لا دَلِيلَ عَلى هَذا مِن ظاهِرِ التَّنْزِيلِ، (p-١٦٣٧)ولا مِن قَوْلِ مَن لا يَجُوزُ خِلافُهُ.
﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ هو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى اسْمُهُ الطُّورُ، ومَعْنى سِنِينَ: المُبارَكُ الحَسَنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: هو المُبارَكُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: سِينِينَ كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَهو سِينَيْنُ وسَيْناءُ لِأنَّهُ جُعِلَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، وإنَّما أقْسَمَ بِهَذا الجَبَلِ لِأنَّهُ بِالشّامِ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] وأعْظَمُ بَرَكَةٍ حَلَّتْ بِهِ ووَقَعَتْ عَلَيْهِ تَكْلِيمُ اللَّهِ لِمُوسى عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " سِينِينَ " بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ إسْحاقَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ " سِيناءَ " بِالكَسْرِ والمَدِّ.
﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ، سَمّاهُ أمِينًا لِأنَّهُ آمَنَ كَما قالَ: ﴿أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] يُقالُ أمِنَ الرَّجُلُ أمانَةً فَهو أمِينٌ.
قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: الأمِينُ بِمَعْنى الآمِنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أمِنَهُ لِأنَّهُ مَأْمُونُ الغَوائِلِ.
﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ خَلَقْنا جِنْسَ الإنْسانِ كائِنًا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ وتَعْدِيلٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ إلّا الإنْسانَ، خَلَقَهُ مَدِيدَ القامَةِ يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، ومَعْنى التَّقْوِيمِ: التَّعْدِيلُ، يُقالُ: قَوَّمْتُهُ فاسْتَقامَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: هو اعْتِدالُهُ واسْتِواءُ شَأْنِهِ، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى خَلْقٌ أحْسَنُ مِنَ الإنْسانِ، فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ حَيًّا عالِمًا قادِرًا مُرِيدًا مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، وهَذِهِ صِفاتُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، وعَلَيْها حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ قَوْلَهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صَوْتِهِ» يَعْنِي عَلى صِفاتِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها.
قُلْتُ: ويَنْبَغِي أنَّ يُضَمَّ إلى كَلامِهِ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ومَن أرادَ أنْ يَقِفَ عَلى حَقِيقَةِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَلْيَنْظُرْ في كِتابِ العِبَرِ والِاعْتِبارِ لِلْجاحِظِ، وفي الكِتابِ الَّذِي عَقَدَهُ النَّيْسابُورِيُّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وهو في مُجَلَّدَيْنِ ضَخْمَيْنِ.
﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أيْ رَدَدْناهُ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وهو الهَرَمُ والضَّعْفُ بَعْدَ الشَّبابِ والقُوَّةِ حَتّى يَصِيرَ كالصَّبِيِّ فَيَخْرُفُ ويَنْقُصُ عَقْلُهُ، كَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والسّافِلُونَ هُمُ الضُّعَفاءُ والزُّمَناءُ والأطْفالُ، والشَّيْخُ الكَبِيرُ أسْفَلُ هَؤُلاءِ جَمِيعًا.
وقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ: المَعْنى ثُمَّ رَدَدْنا الكافِرَ إلى النّارِ، وذَلِكَ أنَّ النّارَ دَرَجاتٌ بَعْضُها أسْفَلُ مِن بَعْضٍ، فالكافِرُ يَرِدُ إلى أسْفَلِ الدَّرَجاتِ السّافِلَةِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَلا مانِعَ مِن كَوْنِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ مُجْتَمِعِينَ في ذَلِكَ الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقَوْلُهُ: أسْفَلَ سافِلِينَ إمّا حالٌ مِنَ المَفْعُولِ: أيْ رَدَدْناهُ حالَ كَوْنِهِ أسْفَلَ سافِلِينَ، أوْ صِفَةٌ لِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مَكانًا أسْفَلَ سافِلِينَ.
إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إلَخْ، ووَجْهُهُ أنَّ الهَرَمَ والرَّدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ يُصابُ بِهِ المُؤْمِنُ كَما يُصابُ بِهِ الكافِرُ فَلا يَكُونُ لِاسْتِثْناءِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهِ الِاتِّصالِ مَعْنًى.
وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا مِن ضَمِيرِ رَدَدْناهُ، فَإنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ: أيْ رَدَدْنا الإنْسانَ أسْفَلَ سافِلِينَ مِنَ النّارِ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ: أيْ فَلَهم ثَوابٌ دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَلى طاعاتِهِمْ، الِاسْتِثْناءُ مِن خُرُوجِ المُؤْمِنِينَ عَنْ حُكْمِ الرَّدِّ، وقالَ: أسْفَلَ سافِلِينَ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى الجَمْعِ، ولَوْ قالَ أسْفَلَ سافِلٍ لَجازَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ واحِدٌ.
وقِيلَ مَعْنى رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ: رَدَدْناهُ إلى الضَّلالِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ٣] أيْ إلّا هَؤُلاءِ فَلا يُرَدُّونَ إلى ذَلِكَ.
﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ الخِطابُ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وإلْزامِ الحُجَّةِ: أيْ إذا عَرَفْتَ أيُّها الإنْسانُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَكَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وأنَّهُ يَرُدُّكَ أسْفَلَ سافِلِينَ، فَما يَحْمِلُكَ عَلى أنْ تُكَذِّبَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ ؟ وقِيلَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أيْ أيُّ شَيْءٍ يُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدُ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ النّاطِقَةِ، فاسْتَيْقِنْ مَعَ ما جاءَكَ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: المَعْنى فَمَن يُكَذِّبُكَ أيُّها الرَّسُولُ بَعْدَ هَذا البَيانِ بِالدِّينِ، كَأنَّهُ قالَ: مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ؟ أيْ عَلى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ بَعْدَ ما ظَهَرَ مِن قُدْرَتِنا عَلى خَلْقِ الإنْسانِ ما ظَهَرَ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
والدِّينُ: الجَزاءُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
دِنّا تَمِيمًا كَما كانَتْ أوائِلُنا دانَتْ أوائِلَهم مِن سالِفِ الزَّمَنِ وقالَ الآخَرُ:
ولَمّا صَرَّحَ الشَّرُّ فَأمْسى وهو عُرْيانُ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوانِ دِنّاهم كَما دانُوا ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ أيْ ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما فَعَلَ مِمّا ذَكَرْنا بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا ؟ حَتّى تَتَوَهَّمَ عَدَمَ الإعادَةِ والجَزاءِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْكُفّارِ، ومَعْنى أحْكَمِ الحاكِمِينَ: أتْقَنُ الحاكِمِينَ في كُلِّ ما يَخْلُقُ، وقِيلَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ قَضاءً وعَدْلًا.
والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ صارَ الكَلامُ إيجابًا كَما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ الخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ - قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٍ - عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ (p-١٦٣٨)والزَّيْتُونِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا حَتّى تَبَيَّنَ لَنا شِدَّةُ فَرَحِهِ»، فَسَألْنا ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِها فَقالَ: التِّينُ بِلادُ الشّامِ، والزَّيْتُونُ بِلادُ فِلَسْطِينَ، وطُورُ سِيناءَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى " وهَذا البَلَدِ الأمِينِ " مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ مُحَمَّدًا ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ عَبْدَةُ اللّاتِ والعُزّى ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ إذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وجَمَعَكَ عَلى التَّقْوى يا مُحَمَّدُ، ومِثْلُ هَذا التَّفْسِيرِ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ في إسْنادِهِ ذَلِكَ المَجْهُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونُ قالَ: بَيْتُ المَقْدِسِ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: مَسْجِدُ الطُّورِ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ قالَ: مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ . ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كَبِرَ حَتّى ذَهَبَ عَقْلُهُ، هم نَفَرٌ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَفِهَتْ عُقُولُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهم أنَّ لَهم أجْرَهُمُ الَّذِي عَمِلُوا قَبْلَ أنْ تَذْهَبَ عُقُولُهم ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ يَقُولُ: بِحُكْمِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: الفاكِهَةُ الَّتِي يَأْكُلُها النّاسُ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: الطُّورُ الجَبَلُ، والسِّينِينُ المُبارَكُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قالَ في أعْدَلِ خَلْقٍ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ يَعْنِي غَيْرَ مَنقُوصٍ، يَقُولُ فَإذا بَلَغَ المُؤْمِنُ أرْذَلَ العُمُرِ وكانَ يَعْمَلُ في شَبابِهِ عَمَلًا صالِحًا كُتِبَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ وشَبابِهِ ولَمْ يَضُرَّهُ ما عَمِلَ في كِبَرِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ الخَطايا الَّتِي يَعْمَلُ بَعْدَ ما يَبْلُغُ أرْذَلَ العُمُرِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: لا يَكُونُ حَتّى لا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى الكِبَرِ وضَعْفِهِ، فَإذا كَبِرَ وضَعُفَ عَنِ العَمَلِ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ ما كانَ يَعْمَلُ في شَبِيبَتِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا مَرِضَ العَبْدُ أوْ سافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَن قَرَأ " التِّينِ والزَّيْتُونِ "، فَقَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا «إذا قَرَأْتَ " التِّينِ والزَّيْتُونِ " فَقَرَأْتَ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَقُلْ بَلى» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فَبَلى اهـ.
التين 95:8
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ورَوى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ويُخالِفُ هَذِهِ الرِّوايَةَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ في سَفَرٍ فَصَلّى العِشاءَ فَقَرَأ في إحْدى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا ولا قِراءَةً مِنهُ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْهُ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَغْرِبَ، فَقَرَأ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ في المَغْرِبِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ قانِعٍ، وابْنُ السَّكَنِ، والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ عَنْ زُرْعَةَ بْنِ خَلِيفَةَ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ اليَمامَةِ، فَعَرَضَ عَلَيْنا الإسْلامَ فَأسْلَمْنا، فَلَمّا صَلَّيْنا الغَداةَ قَرَأ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، وإنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو التِّينُ الَّذِي يَأْكُلُهُ النّاسُ والزَّيْتُونُ الَّذِي يَعْصِرُونَ مِنهُ الزَّيْتَ، وإنَّما أقْسَمَ بِالتِّينِ؛ لِأنَّهُ فاكِهَةٌ مُخْلَصَةٌ مِن شَوائِبِ التَّنْغِيصِ وفِيها أعْظَمُ عِبْرَةٍ لِدَلالَتِها عَلى مَن هَيَّأها لِذَلِكَ، وجَعَلَها عَلى مِقْدارِ اللُّقْمَةِ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الطِّبِّ: إنَّ التِّينَ أنْفَعُ الفَواكِهِ لِلْبَدَنِ وأكْثَرُها غِذاءً، وذَكَرُوا لَهُ فَوائِدَ كَما في كُتُبِ المُفْرَداتِ والمُرَكَّباتِ، وأمّا الزَّيْتُونُ فَإنَّهُ يُعْصَرُ مِنهُ الزَّيْتُ الَّذِي هو إدامُ غالِبِ البُلْدانِ ودَهْنُهم، ويَدْخُلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأدْوِيَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: التِّينُ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والزَّيْتُونُ: المَسْجِدُ الأقْصى.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ دِمَشْقَ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وقالَ قَتادَةُ: التِّينُ: الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ، وكَعْبُ الأحْبارِ: التِّينُ دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ بَيْتُ المَقْدِسِ.
ولَيْتَ شِعْرِي ما الحامِلُ لِهَؤُلاءِ الأئِمَّةِ عَلى العُدُولِ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والعُدُولِ إلى هَذِهِ التَّفْسِيراتِ البَعِيدَةِ عَنِ المَعْنى، المَبْنِيَّةِ عَلى خَيالاتٍ لا تَرْجِعُ إلى عَقْلٍ ولا نَقْلٍ.
وأعْجَبُ مِن هَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ لِلْآخَرِ مِنها مَعَ طُولِ باعِهِ في عِلْمِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: التِّينُ: جِبالُ حُلْوانَ إلى هَمْدانَ، والزَّيْتُونُ: جِبالُ الشّامِ.
قُلْتُ: هَبْ أنَّكَ سَمِعْتَ هَذا الرَّجُلَ، فَكانَ ماذا ؟ فَلَيْسَ بِمِثْلِ هَذا تَثْبُتُ اللُّغَةُ، ولا هو نَقْلٌ عَنِ الشّارِعِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: التِّينُ: مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ إيلِياءَ، وقِيلَ إنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ومَنابِتِ التِّينِ والزَّيْتُونِ.
قالَ النَّحّاسُ: لا دَلِيلَ عَلى هَذا مِن ظاهِرِ التَّنْزِيلِ، (p-١٦٣٧)ولا مِن قَوْلِ مَن لا يَجُوزُ خِلافُهُ.
﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ هو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى اسْمُهُ الطُّورُ، ومَعْنى سِنِينَ: المُبارَكُ الحَسَنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: هو المُبارَكُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: سِينِينَ كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَهو سِينَيْنُ وسَيْناءُ لِأنَّهُ جُعِلَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، وإنَّما أقْسَمَ بِهَذا الجَبَلِ لِأنَّهُ بِالشّامِ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] وأعْظَمُ بَرَكَةٍ حَلَّتْ بِهِ ووَقَعَتْ عَلَيْهِ تَكْلِيمُ اللَّهِ لِمُوسى عَلَيْهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " سِينِينَ " بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ إسْحاقَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ " سِيناءَ " بِالكَسْرِ والمَدِّ.
﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ، سَمّاهُ أمِينًا لِأنَّهُ آمَنَ كَما قالَ: ﴿أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] يُقالُ أمِنَ الرَّجُلُ أمانَةً فَهو أمِينٌ.
قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: الأمِينُ بِمَعْنى الآمِنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أمِنَهُ لِأنَّهُ مَأْمُونُ الغَوائِلِ.
﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ خَلَقْنا جِنْسَ الإنْسانِ كائِنًا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ وتَعْدِيلٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ إلّا الإنْسانَ، خَلَقَهُ مَدِيدَ القامَةِ يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، ومَعْنى التَّقْوِيمِ: التَّعْدِيلُ، يُقالُ: قَوَّمْتُهُ فاسْتَقامَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: هو اعْتِدالُهُ واسْتِواءُ شَأْنِهِ، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى خَلْقٌ أحْسَنُ مِنَ الإنْسانِ، فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ حَيًّا عالِمًا قادِرًا مُرِيدًا مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، وهَذِهِ صِفاتُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، وعَلَيْها حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ قَوْلَهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صَوْتِهِ» يَعْنِي عَلى صِفاتِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها.
قُلْتُ: ويَنْبَغِي أنَّ يُضَمَّ إلى كَلامِهِ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ومَن أرادَ أنْ يَقِفَ عَلى حَقِيقَةِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَلْيَنْظُرْ في كِتابِ العِبَرِ والِاعْتِبارِ لِلْجاحِظِ، وفي الكِتابِ الَّذِي عَقَدَهُ النَّيْسابُورِيُّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وهو في مُجَلَّدَيْنِ ضَخْمَيْنِ.
﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أيْ رَدَدْناهُ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وهو الهَرَمُ والضَّعْفُ بَعْدَ الشَّبابِ والقُوَّةِ حَتّى يَصِيرَ كالصَّبِيِّ فَيَخْرُفُ ويَنْقُصُ عَقْلُهُ، كَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والسّافِلُونَ هُمُ الضُّعَفاءُ والزُّمَناءُ والأطْفالُ، والشَّيْخُ الكَبِيرُ أسْفَلُ هَؤُلاءِ جَمِيعًا.
وقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ: المَعْنى ثُمَّ رَدَدْنا الكافِرَ إلى النّارِ، وذَلِكَ أنَّ النّارَ دَرَجاتٌ بَعْضُها أسْفَلُ مِن بَعْضٍ، فالكافِرُ يَرِدُ إلى أسْفَلِ الدَّرَجاتِ السّافِلَةِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَلا مانِعَ مِن كَوْنِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ مُجْتَمِعِينَ في ذَلِكَ الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقَوْلُهُ: أسْفَلَ سافِلِينَ إمّا حالٌ مِنَ المَفْعُولِ: أيْ رَدَدْناهُ حالَ كَوْنِهِ أسْفَلَ سافِلِينَ، أوْ صِفَةٌ لِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مَكانًا أسْفَلَ سافِلِينَ.
إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إلَخْ، ووَجْهُهُ أنَّ الهَرَمَ والرَّدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ يُصابُ بِهِ المُؤْمِنُ كَما يُصابُ بِهِ الكافِرُ فَلا يَكُونُ لِاسْتِثْناءِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهِ الِاتِّصالِ مَعْنًى.
وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا مِن ضَمِيرِ رَدَدْناهُ، فَإنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ: أيْ رَدَدْنا الإنْسانَ أسْفَلَ سافِلِينَ مِنَ النّارِ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ: أيْ فَلَهم ثَوابٌ دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَلى طاعاتِهِمْ، الِاسْتِثْناءُ مِن خُرُوجِ المُؤْمِنِينَ عَنْ حُكْمِ الرَّدِّ، وقالَ: أسْفَلَ سافِلِينَ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في مَعْنى الجَمْعِ، ولَوْ قالَ أسْفَلَ سافِلٍ لَجازَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ واحِدٌ.
وقِيلَ مَعْنى رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ: رَدَدْناهُ إلى الضَّلالِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ٣] أيْ إلّا هَؤُلاءِ فَلا يُرَدُّونَ إلى ذَلِكَ.
﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ الخِطابُ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وإلْزامِ الحُجَّةِ: أيْ إذا عَرَفْتَ أيُّها الإنْسانُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَكَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وأنَّهُ يَرُدُّكَ أسْفَلَ سافِلِينَ، فَما يَحْمِلُكَ عَلى أنْ تُكَذِّبَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ ؟ وقِيلَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أيْ أيُّ شَيْءٍ يُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدُ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ النّاطِقَةِ، فاسْتَيْقِنْ مَعَ ما جاءَكَ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: المَعْنى فَمَن يُكَذِّبُكَ أيُّها الرَّسُولُ بَعْدَ هَذا البَيانِ بِالدِّينِ، كَأنَّهُ قالَ: مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ؟ أيْ عَلى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوابِ والعِقابِ بَعْدَ ما ظَهَرَ مِن قُدْرَتِنا عَلى خَلْقِ الإنْسانِ ما ظَهَرَ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
والدِّينُ: الجَزاءُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
دِنّا تَمِيمًا كَما كانَتْ أوائِلُنا دانَتْ أوائِلَهم مِن سالِفِ الزَّمَنِ وقالَ الآخَرُ:
ولَمّا صَرَّحَ الشَّرُّ فَأمْسى وهو عُرْيانُ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوانِ دِنّاهم كَما دانُوا ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ أيْ ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما فَعَلَ مِمّا ذَكَرْنا بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا ؟ حَتّى تَتَوَهَّمَ عَدَمَ الإعادَةِ والجَزاءِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْكُفّارِ، ومَعْنى أحْكَمِ الحاكِمِينَ: أتْقَنُ الحاكِمِينَ في كُلِّ ما يَخْلُقُ، وقِيلَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ قَضاءً وعَدْلًا.
والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ صارَ الكَلامُ إيجابًا كَما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ الخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ - قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٍ - عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا أُنْزِلَتْ سُورَةُ التِّينِ (p-١٦٣٨)والزَّيْتُونِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا حَتّى تَبَيَّنَ لَنا شِدَّةُ فَرَحِهِ»، فَسَألْنا ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِها فَقالَ: التِّينُ بِلادُ الشّامِ، والزَّيْتُونُ بِلادُ فِلَسْطِينَ، وطُورُ سِيناءَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى " وهَذا البَلَدِ الأمِينِ " مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ مُحَمَّدًا ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ عَبْدَةُ اللّاتِ والعُزّى ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ إذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وجَمَعَكَ عَلى التَّقْوى يا مُحَمَّدُ، ومِثْلُ هَذا التَّفْسِيرِ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ في إسْنادِهِ ذَلِكَ المَجْهُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ، والزَّيْتُونُ قالَ: بَيْتُ المَقْدِسِ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: مَسْجِدُ الطُّورِ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ قالَ: مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ . ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، كَبِرَ حَتّى ذَهَبَ عَقْلُهُ، هم نَفَرٌ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَفِهَتْ عُقُولُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهم أنَّ لَهم أجْرَهُمُ الَّذِي عَمِلُوا قَبْلَ أنْ تَذْهَبَ عُقُولُهم ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ يَقُولُ: بِحُكْمِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ قالَ: الفاكِهَةُ الَّتِي يَأْكُلُها النّاسُ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ قالَ: الطُّورُ الجَبَلُ، والسِّينِينُ المُبارَكُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قالَ في أعْدَلِ خَلْقٍ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ يَعْنِي غَيْرَ مَنقُوصٍ، يَقُولُ فَإذا بَلَغَ المُؤْمِنُ أرْذَلَ العُمُرِ وكانَ يَعْمَلُ في شَبابِهِ عَمَلًا صالِحًا كُتِبَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ في صِحَّتِهِ وشَبابِهِ ولَمْ يَضُرَّهُ ما عَمِلَ في كِبَرِهِ، ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ الخَطايا الَّتِي يَعْمَلُ بَعْدَ ما يَبْلُغُ أرْذَلَ العُمُرِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: لا يَكُونُ حَتّى لا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يَقُولُ: إلى الكِبَرِ وضَعْفِهِ، فَإذا كَبِرَ وضَعُفَ عَنِ العَمَلِ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ ما كانَ يَعْمَلُ في شَبِيبَتِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا مَرِضَ العَبْدُ أوْ سافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَن قَرَأ " التِّينِ والزَّيْتُونِ "، فَقَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا «إذا قَرَأْتَ " التِّينِ والزَّيْتُونِ " فَقَرَأْتَ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَقُلْ بَلى» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فَبَلى اهـ.
العلق 96:1
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ.
وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ.
وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ.
والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا.
﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ.
قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ.
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ.
وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ.
فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ.
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ.
كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها.
وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا:
فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ أهْلُهُ.
قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ.
وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى.
والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
العلق 96:2
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ.
وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ.
وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ.
والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا.
﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ.
قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ.
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ.
وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ.
فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ.
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ.
كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها.
وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا:
فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ أهْلُهُ.
قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ.
وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى.
والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
العلق 96:3
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ.
وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ.
وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ.
والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا.
﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ.
قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ.
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ.
وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ.
فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ.
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ.
كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها.
وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا:
فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ أهْلُهُ.
قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ.
وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى.
والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
العلق 96:4
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ.
وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ.
وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ.
والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا.
﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ.
قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ.
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ.
وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ.
فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ.
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ.
كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها.
وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا:
فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ أهْلُهُ.
قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ.
وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى.
والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
العلق 96:5
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ.
وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ.
وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ.
والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا.
﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ.
قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ.
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ.
وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ.
فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ.
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ.
كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها.
وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا:
فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ أهْلُهُ.
قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ.
وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى.
والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
العلق 96:6
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ.
وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ.
وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ.
والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا.
﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ.
قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ.
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ.
وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ.
فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ.
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ.
كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها.
وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا:
فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ أهْلُهُ.
قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ.
وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى.
والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
العلق 96:7
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ.
وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ.
وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ.
والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا.
﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ.
قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ.
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ.
وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ.
فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ.
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ.
كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها.
وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا:
فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ أهْلُهُ.
قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ.
وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى.
والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
العلق 96:8
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ.
وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ.
وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ.
والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا.
﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ.
قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ.
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ.
وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ.
فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ.
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ.
كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها.
وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا:
فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ أهْلُهُ.
قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ.
وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى.
والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
العلق 96:9
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ.
وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ.
وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ.
والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا.
﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ.
قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ.
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ.
وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ.
فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ.
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ.
كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها.
وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا:
فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ أهْلُهُ.
قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ.
وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى.
والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
العلق 96:10
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ.
وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ.
وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ.
والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا.
﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ.
قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ.
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ.
وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ.
فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ.
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ.
كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها.
وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا:
فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ أهْلُهُ.
قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ.
وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى.
والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
العلق 96:11
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ.
وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ.
وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ.
والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا.
﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ.
قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ.
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ.
وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ.
فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ.
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ.
كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها.
وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا:
فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ أهْلُهُ.
قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ.
وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى.
والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
العلق 96:12
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ.
وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ.
وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ.
والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا.
﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ.
قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ.
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ.
وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ.
فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ.
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ.
كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها.
وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا:
فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ أهْلُهُ.
قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ.
وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى.
والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
العلق 96:13
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ.
وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ.
وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ.
والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا.
﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ.
قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ.
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ.
وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ.
فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ.
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ.
كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها.
وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا:
فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ أهْلُهُ.
قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ.
وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى.
والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
العلق 96:14
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ.
وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ.
وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ.
والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا.
﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ.
قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ.
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ.
وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ.
فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ.
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ.
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ.
كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها.
وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا:
فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ.
قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ أهْلُهُ.
قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ.
وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى.
والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .