Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — العلق 96:15 – البينة 98:8

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. العلق 96:15
  2. العلق 96:16
  3. العلق 96:17
  4. العلق 96:18
  5. العلق 96:19
  6. القدر 97:1
  7. القدر 97:2
  8. القدر 97:3
  9. القدر 97:4
  10. القدر 97:5
  11. البينة 98:1
  12. البينة 98:2
  13. البينة 98:3
  14. البينة 98:4
  15. البينة 98:5
  16. البينة 98:6
  17. البينة 98:7
  18. البينة 98:8

العلق 96:15

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ. وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ. ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ. وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ. والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا. ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ. ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ. وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ. وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ. فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ. ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ. ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ . ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ. ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ. وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى. ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ. كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ. قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها. وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا: فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا. وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ. قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ. فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ أيْ أهْلُهُ. قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ. وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى. والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .

العلق 96:16

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ. وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ. ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ. وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ. والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا. ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ. ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ. وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ. وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ. فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ. ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ. ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ . ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ. ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ. وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى. ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ. كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ. قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها. وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا: فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا. وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ. قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ. فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ أيْ أهْلُهُ. قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ. وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى. والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .

العلق 96:17

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ. وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ. ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ. وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ. والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا. ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ. ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ. وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ. وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ. فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ. ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ. ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ . ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ. ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ. وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى. ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ. كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ. قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها. وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا: فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا. وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ. قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ. فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ أيْ أهْلُهُ. قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ. وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى. والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .

العلق 96:18

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ. وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ. ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ. وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ. والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا. ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ. ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ. وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ. وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ. فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ. ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ. ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ . ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ. ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ. وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى. ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ. كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ. قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها. وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا: فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا. وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ. قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ. فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ أيْ أهْلُهُ. قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ. وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى. والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .

العلق 96:19

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ الأنْبارِيِّ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الثّابِتُ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، وفِيهِ فَجاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ، فَقالَ لَهُ اقْرَأْ. . . الحَدِيثَ، وفي البابِ أحادِيثُ وآثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَرَأ الجُمْهُورُ اقْرَأْ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ أمْرًا مِنَ القِراءَةِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَأنَّهُ قَلَبَ الهَمْزَةَ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها لِلْأمْرِ، والأمْرُ بِالقِراءَةِ يَقْتَضِي مَقْرُوءًا، فالتَّقْدِيرُ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ، أوْ ما نَزَلَ عَلَيْكَ، أوْ ما أُمِرْتَ بِقِراءَتِهِ، وقَوْلُهُ: بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيِ اقْرَأْ مُلْتَبِسًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُبْتَدِئًا باسِمِ رَبِّكَ أوْ مُفْتَتِحًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: وقالَ أيْضًا: الِاسْمُ صِلَةٌ أيْ: اذْكُرْ رَبَّكَ. وقِيلَ الباءُ بِمَعْنى عَلى: أيِ اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، يُقالُ افْعَلْ (p-١٦٣٩)كَذا بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى اسْمِ اللَّهِ. قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ: أيْ مُسْتَعِينًا باسِمِ رَبِّكَ، ووَصَفَ الرَّبَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ لِأنَّ الخَلْقَ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ سائِرُ النِّعَمِ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الخَلائِقَ. ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ يَعْنِي بَنِي آدَمَ، والعَلَقَةُ الدَّمُ الجامِدُ، وإذا جَرى فَهو المَسْفُوحُ. وقالَ: مِن عَلَقٍ بِجَمْعِ " عَلَقٍ " لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والمَعْنى: خَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِن جِنْسِ العَلَقِ، وإذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ لِما فِيهِ مِن بَدِيعِ الخَلْقِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ، وإذا كانَ المُرادُ بِـ " الَّذِي خَلَقَ " الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَيَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلْأوَّلِ. والنُّكْتَةُ ما في الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ مِنِ التِفاتِ الذِّهْنِ وتَطَلُّعِهِ إلى مَعْرِفَةِ ما أُبْهِمَ أوَّلًا ثُمَّ فُسِّرَ ثانِيًا. ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ القِراءَةِ، وجُمْلَةُ " ورَبُّكَ الأكْرَمُ " مُسْتَأْنَفَةٌ لِإزاحَةِ ما اعْتَذَرَ بِهِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ما أنا بِقارِئٍ يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وهو أُمِّيٌّ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ هو الأكْرَمُ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي الحَلِيمَ عَنْ جَهْلِ العِبادِ فَلَمْ يُعَجِّلْ بِعُقُوبَتِهِمْ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ أوَّلًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالقِراءَةِ ثانِيًا لِلتَّبْلِيغِ، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَكْتُوبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ. ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ. وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هُنا أبُو جَهْلٍ، وهو المُرادُ بِهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأنَّهُ تَأخَّرَ نُزُولُ هَذا وما بَعْدَهُ عَنِ الخَمْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. وقِيلَ " كَلّا " هُنا بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الجُرْجانِيُّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ يَكُونُ كَلّا رَدًّا لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ عِلَّةٌ لِيَطْغى: أيْ لِيَطْغى أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، أوْ لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَوْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ لامْتَنَعَ الجَمْعُ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ في فِعْلِها لِشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ ذَلِكَ مِن خَواصِّ بابِ عَلِمَ، ونَحْوِهِ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ رَأى نَفْسَهُ كَما قِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ رَأى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُرِيدُ اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحُسْبانِ فَلا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تَراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا، قِيلَ والمُرادُ هُنا أنَّهُ اسْتَغْنى بِالعَشِيرَةِ والأنْصارِ والأمْوالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ أنْ رَآهُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ. وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِها. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُو جَهْلٍ إذا أصابَ مالًا زادَ في ثِيابِهِ ومَرْكَبِهِ وطَعامِهِ وشَرابِهِ فَذَلِكَ طُغْيانُهُ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ: ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ وخَوَّفَ. فَقالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أيِ المَرْجِعَ، والرُّجْعى والمَرْجِعُ والرُّجُوعُ مَصادِرُ، يُقالُ: رَجَعَ إلَيْهِ مَرْجِعًا ورُجُوعًا ورُجْعى، وتَقَدَّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلْقَصْرِ: أيِ الرُّجْعى إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ. ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الَّذِي يَنْهى أبُو جَهْلٍ، والمُرادُ بِالعَبْدِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ تَقْبِيحٌ لِصُنْعِهِ وتَشْنِيعٌ لِفِعْلِهِ حَتّى كَأنَّهُ بِحَيْثُ يَراهُ كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ. ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ يَعْنِي العَبْدَ المَنهِيَّ إذا صَلّى، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ . ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أيْ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي تُتَّقى بِهِ النّارُ. ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: أرَأيْتَ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مُتَعَلِّقِها، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ. وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرَأيْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وصَرَّحَ بَعْدَ الثّالِثَةِ مِنها بِجُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَها، ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الَّذِي يَنْهى الواقِعِ مَفْعُولًا أوَّلَ " لِأرَأيْتَ " الأُولى، ومَفْعُولُ " أرَأيْتَ " الأُولى الثّانِي مَحْذُوفٌ، وهو جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ كالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ " أرَأيْتَ " الثّانِيَةِ، وأمّا " أرَأيْتَ " الثّانِيَةُ فَلَمْ يُذْكَرْ لَها مَفْعُولٌ لا أوَّلَ ولا ثانِيَ، حُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ مَفْعُولِ " أرَأيْتَ " الثّالِثَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ الثّالِثَةِ، والِاثْنانِ مِنَ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ طَلَبُ كُلِّ مَن رَأيْتُ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا، والجُمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما تُضْمَرُ المُفْرَداتُ، وإنَّما ذُكِرَ مِن بابِ الحَذْفِ لِلدَّلالَةِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَ أرَأيْتَ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى. ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، ومَعْنى ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ أيْ يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ، فَيُجازِيهِ بِها، فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى ما اجْتَرَأ عَلَيْهِ ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ أرَأيْتَ الأُولى مَفْعُولُها الأوَّلُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، و" أرَأيْتَ " في المَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن أرَأيْتَ بَدَلٌ مِنَ (p-١٦٤٠)الأُولى، و﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ الخَبَرَ. كَلّا رَدْعٌ لِلنّاهِي، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ السَّفْعُ الجَذْبُ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَجُرَّنَّهُ إلى النّارِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُقالُ سَفَعْتُ الشَّيْءَ: إذا قَبَضْتَهُ وجَذَبْتَهُ، ويُقالُ سَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ. قالَ الرّاغِبُ: السَّفْعُ الأخْذُ بِسَفْعَةِ الفَرَسِ، أيْ: بِسَوادِ ناصِيَتِهِ، وبِاعْتِبارِ السَّوادِ قِيلَ: بِهِ سَفْعَةُ غَضَبٍ، اعْتِبارًا بِما يَعْلُو مِنَ اللَّوْنِ الدُّخّانِيِّ وجْهَ مَنِ اشْتَدَّ بِهِ الغَضَبُ، وقِيلَ لِلصَّقْرِ أسْفَعُ لِما فِيهِ مِن لَمَعِ السَّوادِ، وامْرَأةٌ سَفْعاءُ اللَّوْنِ. انْتَهى، وقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِن سَفْعِ النّارِ والشَّمْسِ: إذا غَيَّرَتْ وجْهَهُ إلى سَوادٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أثافِيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ وقَوْلُهُ: " ناصِيَةٌ " بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وإنَّما أبْدَلَ النَّكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ لِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ إبْدالَ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا بِشَرْطِ وصْفِها. وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، فَيَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا شَرْطٍ، وأنْشَدُوا: فَلا وأبِيكَ خَيْرٌ مِنكَ إنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ قَرَأ الجُمْهُورُ بِجَرِّ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ والوَجْهُ ما ذَكَرْنا. وقَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِرَفْعِها عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هي ناصِيَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الذَّمِّ. قالَ مُقاتِلٌ: أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فاجِرٌ خاطِئٌ، فَقالَ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، تَأْوِيلُها: صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ. فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيْ أهْلَ نادِيهِ، والنّادِي: المَجْلِسُ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ القَوْمُ ويَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنَ الأهْلِ والعَشِيرَةِ، والمَعْنى: لِيَدْعُ عَشِيرَتَهُ وأهْلَهُ لِيُعِينُوهُ ويَنْصُرُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ أيْ أهْلُهُ. قِيلَ إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ الوادِي نادِيًا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ المَلائِكَةَ الغِلاظَ الشِّدادَ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ: قالَ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: واحِدُهم زابِنٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زِبْنِيَةٌ، وقِيلَ زَبانِيٌّ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ. وقالَ قَتادَةُ: هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ، وأصْلُ الزَّبْنِ الدَّفْعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعَرَبُ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: مَطاعِيمُ في القُصْوى مُطاعِينَ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلَّبٌ عِظامٌ حُلُومُها قَرَأ الجُمْهُورُ سَنَدْعُ بِالنُّونِ، ولَمْ تُرْسَمِ الواوُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَيُدْعى " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الزَّبانِيَةِ عَلى النِّيابَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ فَقالَ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ﴾ أيْ لا تُطِعْهُ فِيما دَعاكَ إلَيْهِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ " واسْجُدْ " أيْ صَلِّ لِلَّهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ، ولا مُبالٍ بِنَهْيِهِ " واقْتَرِبْ " أيْ تَقَرَّبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والعِبادَةِ. وقِيلَ المَعْنى: إذا سَجَدْتَ اقْتَرِبْ مِنَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: واسْجُدْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ أنْتَ يا أبا جَهْلٍ مِنَ النّارِ، والأُولى أوْلى. والسُّجُودُ هَذا، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، وقِيلَ سُجُودُ التِّلاوَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ. فَقالَ: ما أقْرَأُ ؟ فَضَمَّهُ ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ، قالَ: وما أقْرَأُ ؟ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتّى بَلَغَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ «فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: قُلْتُ ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَوْ فَعَلَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عِيانًا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقِيلَ: ما يَمْنَعُكَ ؟ فَقالَ: قَدِ اسْوَدَّ ما بَيْنِي وبَيْنَهُ» . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ تَحَرَّكَ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَأُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ في التُّرابِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي لِيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجَئَهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ: يَعْنِي أبا جَهْلٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ يَعْنِي المَلائِكَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ (p-١٦٤١)قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ حِينَ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّلى عَلى ظَهْرِهِ وهو ساجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَنَسْفَعًا قالَ: لَنَأْخُذَنْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قالَ: ناصِرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْجُدُ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .

القدر 97:1

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وذَكَرَ الواقِدِيُّ أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الضَّمِيرُ في أنْزَلْناهُ لِلْقُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، أُنْزِلَ جُمْلَةً واحِدَةً في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى سَماءِ الدُّنْيا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وكانَ يَنْزِلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ نُجُومًا عَلى حَسَبِ الحاجَةِ، وكانَ بَيْنَ نُزُولِ أوَّلِهِ وآخِرِهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وفي آيَةٍ أُخْرى ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] وهي لَيْلَةُ القَدْرِ، وفي آيَةٍ أُخْرى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولَيْلَةُ القَدْرِ في شَهْرِ رَمَضانَ. قالَ مُجاهِدٌ: في لَيْلَةِ القَدْرِ لَيْلَةُ الحُكْمِ. ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ لَيْلَةُ الحُكْمِ، قِيلَ سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُقَدِّرُ فِيها ما شاءَ مِن أمْرِهِ إلى السَّنَةِ القابِلَةِ. وقِيلَ إنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعَظِيمِ قَدْرِها وشَرَفِها، مِن قَوْلِهِمْ: لِفُلانٍ قَدْرٌ: أيْ شَرَفٌ ومَنزِلَةٌ، كَذا قالَ الزُّهْرِيُّ. وقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ لِلطّاعاتِ فِيها قَدْرًا عَظِيمًا وثَوابًا جَزِيلًا. وقالَ الخَلِيلُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لِأنَّ الأرْضَ تَضِيقُ فِيها بِالمَلائِكَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أيْ ضُيِّقَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ لَيْلَةِ القَدْرِ عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ قَوْلًا، قَدْ ذَكَرْناها بِأدِلَّتِها وبَيَّنّا الرّاجِحَ مِنها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دِرايَةِ الخَلْقِ لا يَدْرِيها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ. قالَ سُفْيانُ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ: وما أدْراكَ فَقَدْ أدْراهُ، وكُلُّ ما فِيهِ وما يُدْرِيكَ فَلَمْ يُدْرِهِ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ تَجْعَلُهُ دارِيًا بِها ؟ وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في إعْرابِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] . ثُمَّ قالَ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أيِ العَمَلُ فِيها خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ في ألْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ، واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، وذَلِكَ أنَّ الأوْقاتَ إنَّما يُفَضَّلُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِما يَكُونُ فِيها مِنَ الخَيْرِ والنَّفْعِ، فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ الخَيْرَ الكَثِيرَ في لَيْلَةٍ كانَتْ خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ لا يَكُونُ فِيها مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ ما في هَذِهِ اللَّيْلَةِ. وقِيلَ أرادَ بِقَوْلِهِ " ألْفِ شَهْرٍ " جَمِيعَ الدَّهْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ الألْفَ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ. وقِيلَ وجْهُ ذِكْرِ الألْفِ الشَّهْرِ أنَّ العابِدَ كانَ فِيما مَضى لا يُسَمّى عابِدًا حَتّى يَعْبُدَ اللَّهَ ألْفَ شَهْرٍ، وذَلِكَ ثَلاثٌ وثَمانُونَ سَنَةً وأرْبَعَةُ أشْهُرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عِبادَةَ لَيْلَةٍ خَيْرًا مِن عِبادَةِ ألْفِ شَهْرٍ كانُوا يَعْبُدُونَها. وقِيلَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى أعْمارَ أُمَّتِهِ قَصِيرَةً، فَخافَ أنْ لا يَبْلُغُوا مِنَ العَمَلِ مِثْلَ ما بَلَغَ غَيْرُهم في طُولِ العُمُرِ، فَأعْطاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ وجَعَلَها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ لِسائِرِ الأُمَمِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ. وجُمْلَةُ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ فَضْلِها مُوَضِّحَةٌ لِلْعِلَّةِ الَّتِي صارَتْ بِها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ، وقَوْلُهُ: بِإذْنِ رَبِّهِمْ يَتَعَلَّقُ بِتَنَزَّلُ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ مُلْتَبِسِينَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ، والإذْنُ: الأمْرُ، ومَعْنى تَنَزَّلُ: تَهْبِطُ مِنَ السَّماواتِ إلى الأرْضِ. والرُّوحُ هو جِبْرِيلُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أيْ تَنْزِلُ المَلائِكَةُ ومَعَهم جِبْرِيلُ. ووَجْهُ ذِكْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في المَلائِكَةِ التَّعْظِيمُ لَهُ والتَّشْرِيفُ لِشَأْنِهِ. وقِيلَ الرُّوحُ صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ هم أشْرافُهم، وقِيلَ هم جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ مِن غَيْرِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ الرُّوحُ الرَّحْمَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في الرُّوحِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] قَرَأ الجُمْهُورُ تَنَزَّلُ بِفَتْحِ التّاءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ أيْ مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي قَضى اللَّهُ بِها في تِلْكَ السَّنَةِ، وقِيلَ إنَّ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ: أيْ لِكُلِّ أمْرٍ، وقِيلَ هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ بِكُلِّ أمْرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " أمْرٍ " وهو واحِدُ الأُمُورِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ " امْرِئٍ " مُذَكَّرُ امْرَأةٍ: أيْ مِن أجْلِ كُلِّ إنْسانٍ، وتَأوَّلَها الكَلْبِيُّ عَلى أنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ مَعَ المَلائِكَةِ فَيُسَلِّمُونَ عَلى كُلِّ إنْسانٍ، فَ " مِن " عَلى هَذا بِمَعْنى عَلى، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ " مِن كُلِّ أمْرٍ " . ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: سَلامٌ هي أيْ ما هي إلّا سَلامَةٌ وخَيْرٌ كُلُّها لا شَرَّ فِيها، وقِيلَ هي ذاتُ سَلامَةٍ مِن أنْ يُؤَثِّرَ فِيها شَيْطانٌ في مُؤْمِنٍ أوْ مُؤْمِنَةٍ. قالَ مُجاهِدٌ: هي لَيْلَةٌ سالِمَةٌ لا يَسْتَطِيعُ الشَّيْطانُ أنْ يَعْمَلَ فِيها سُوءًا ولا أذًى. وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلى أهْلِ المَساجِدِ مِن حِينِ تَغِيبُ الشَّمْسُ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ يَمُرُّونَ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ويَقُولُونَ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها المُؤْمِنُ، وقِيلَ يَعْنِي سَلامَ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ: سَلامٌ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ وأهْلِ طاعَتِهِ ﴿حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ أيْ حَتّى وقْتِ طُلُوعِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مَطْلَعِ " بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِها، فَقِيلَ هُما (p-١٦٤٢)لُغَتانِ في المَصْدَرِ، والفَتْحُ أكْثَرُ نَحْوَ المَخْرَجِ والمَقْتَلِ، وقِيلَ بِالفَتْحِ اسْمُ مَكانٍ، وبِالكَسْرِ المَصْدَرُ، وقِيلَ العَكْسُ، وحَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ تَنَزَّلَ عَلى أنَّها غايَةٌ لِحُكْمِ التَّنَزُّلِ أيْ لِمُكْثِهِمْ في مَحَلِّ تَنَزُّلِهِمْ بِأنْ لا يَنْقَطِعَ تَنَزُّلُهم فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ " سَلامٌ " بِناءً عَلى أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالمُبْتَدَأِ مُغْتَفَرٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ قالَ: أُنْزِلَ القُرْآنُ في لَيْلَةِ القَدْرِ حَتّى وُضِعَ في بَيْتِ العِزَّةِ في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ جَعَلَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلى مُحَمَّدٍ بِجَوابِ كَلامِ العِبادِ وأعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: العَمَلُ في لَيْلَةِ القَدْرِ والصَّدَقَةُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ أفْضَلُ مِن ألْفِ شَهْرٍ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مِنبَرِهِ فَساءَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يا مُحَمَّدُ يَعْنِي نَهْرًا في الجَنَّةِ، ونَزَلَتْ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ يَمْلِكُها بَعْدَكَ بَنُو أُمَيَّةَ. قالَ القاسِمُ: فَعَدَدْنا فَإذا هي ألْفُ شَهْرٍ لا تَزِيدُ يَوْمًا ولا تَنْقُصُ يَوْمًا، والمُرادُ بِالقاسِمِ هو القاسِمُ بْنُ الفَضْلِ المَذْكُورُ في إسْنادِهِ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّ يُوسُفَ هَذا مَجْهُولٌ، يَعْنِي يُوسُفَ بْنَ سَعْدٍ الَّذِي رَواهُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّهُ قَدْ رَوى عَنْهُ جَماعَةٌ: مِنهم حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وخالِدٌ الحَذّاءُ، ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ. وقالَ فِيهِ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ: هو مَشْهُورٌ. وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ قالَ: هو ثِقَةٌ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ عَنْ عِيسى بْنِ مازِنٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثُمَّ هَذا الحَدِيثُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُنْكَرٌ جِدًّا. قالَ المِزِّيُّ: هو حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وقَوْلُ القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ إنَّهُ حَسَبَ مُدَّةَ بَنِي أُمَيَّةَ فَوَجَدَها ألْفَ شَهْرٍ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ جُمْلَةَ مُدَّتِهِمْ مِن عِنْدِ أنِ اسْتَقَلَّ بِالمُلْكِ مُعاوِيَةُ وهي سَنَةُ أرْبَعِينَ إلى أنْ سَلَبَهُمُ المُلْكَ بَنُو العَبّاسِ، وهي سَنَةُ اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ ومِائَةٍ مَجْمُوعُها اثْنَتانِ وتِسْعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: سَلامٌ قالَ: في تِلْكَ اللَّيْلَةِ تُصَفَّدُ مَرَدَةُ الشَّياطِينِ وتُغَلُّ عَفارِيتُ الجِنِّ وتُفْتَحُ فِيها أبْوابُ السَّماءِ كُلُّها ويَقْبَلُ اللَّهُ فِيها التَّوْبَةَ لِكُلِّ تائِبٍ، فَلِذا قالَ: ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ قالَ: وذَلِكَ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، والأحادِيثُ في فَضْلِ لَيْلَةِ القَدْرِ كَثِيرَةٌ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ بَسْطِها، وكَذَلِكَ الأحادِيثُ في تَعْيِينِها والِاخْتِلافِ في ذَلِكَ.

القدر 97:2

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وذَكَرَ الواقِدِيُّ أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الضَّمِيرُ في أنْزَلْناهُ لِلْقُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، أُنْزِلَ جُمْلَةً واحِدَةً في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى سَماءِ الدُّنْيا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وكانَ يَنْزِلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ نُجُومًا عَلى حَسَبِ الحاجَةِ، وكانَ بَيْنَ نُزُولِ أوَّلِهِ وآخِرِهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وفي آيَةٍ أُخْرى ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] وهي لَيْلَةُ القَدْرِ، وفي آيَةٍ أُخْرى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولَيْلَةُ القَدْرِ في شَهْرِ رَمَضانَ. قالَ مُجاهِدٌ: في لَيْلَةِ القَدْرِ لَيْلَةُ الحُكْمِ. ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ لَيْلَةُ الحُكْمِ، قِيلَ سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُقَدِّرُ فِيها ما شاءَ مِن أمْرِهِ إلى السَّنَةِ القابِلَةِ. وقِيلَ إنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعَظِيمِ قَدْرِها وشَرَفِها، مِن قَوْلِهِمْ: لِفُلانٍ قَدْرٌ: أيْ شَرَفٌ ومَنزِلَةٌ، كَذا قالَ الزُّهْرِيُّ. وقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ لِلطّاعاتِ فِيها قَدْرًا عَظِيمًا وثَوابًا جَزِيلًا. وقالَ الخَلِيلُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لِأنَّ الأرْضَ تَضِيقُ فِيها بِالمَلائِكَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أيْ ضُيِّقَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ لَيْلَةِ القَدْرِ عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ قَوْلًا، قَدْ ذَكَرْناها بِأدِلَّتِها وبَيَّنّا الرّاجِحَ مِنها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دِرايَةِ الخَلْقِ لا يَدْرِيها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ. قالَ سُفْيانُ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ: وما أدْراكَ فَقَدْ أدْراهُ، وكُلُّ ما فِيهِ وما يُدْرِيكَ فَلَمْ يُدْرِهِ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ تَجْعَلُهُ دارِيًا بِها ؟ وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في إعْرابِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] . ثُمَّ قالَ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أيِ العَمَلُ فِيها خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ في ألْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ، واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، وذَلِكَ أنَّ الأوْقاتَ إنَّما يُفَضَّلُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِما يَكُونُ فِيها مِنَ الخَيْرِ والنَّفْعِ، فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ الخَيْرَ الكَثِيرَ في لَيْلَةٍ كانَتْ خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ لا يَكُونُ فِيها مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ ما في هَذِهِ اللَّيْلَةِ. وقِيلَ أرادَ بِقَوْلِهِ " ألْفِ شَهْرٍ " جَمِيعَ الدَّهْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ الألْفَ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ. وقِيلَ وجْهُ ذِكْرِ الألْفِ الشَّهْرِ أنَّ العابِدَ كانَ فِيما مَضى لا يُسَمّى عابِدًا حَتّى يَعْبُدَ اللَّهَ ألْفَ شَهْرٍ، وذَلِكَ ثَلاثٌ وثَمانُونَ سَنَةً وأرْبَعَةُ أشْهُرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عِبادَةَ لَيْلَةٍ خَيْرًا مِن عِبادَةِ ألْفِ شَهْرٍ كانُوا يَعْبُدُونَها. وقِيلَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى أعْمارَ أُمَّتِهِ قَصِيرَةً، فَخافَ أنْ لا يَبْلُغُوا مِنَ العَمَلِ مِثْلَ ما بَلَغَ غَيْرُهم في طُولِ العُمُرِ، فَأعْطاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ وجَعَلَها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ لِسائِرِ الأُمَمِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ. وجُمْلَةُ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ فَضْلِها مُوَضِّحَةٌ لِلْعِلَّةِ الَّتِي صارَتْ بِها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ، وقَوْلُهُ: بِإذْنِ رَبِّهِمْ يَتَعَلَّقُ بِتَنَزَّلُ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ مُلْتَبِسِينَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ، والإذْنُ: الأمْرُ، ومَعْنى تَنَزَّلُ: تَهْبِطُ مِنَ السَّماواتِ إلى الأرْضِ. والرُّوحُ هو جِبْرِيلُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أيْ تَنْزِلُ المَلائِكَةُ ومَعَهم جِبْرِيلُ. ووَجْهُ ذِكْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في المَلائِكَةِ التَّعْظِيمُ لَهُ والتَّشْرِيفُ لِشَأْنِهِ. وقِيلَ الرُّوحُ صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ هم أشْرافُهم، وقِيلَ هم جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ مِن غَيْرِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ الرُّوحُ الرَّحْمَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في الرُّوحِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] قَرَأ الجُمْهُورُ تَنَزَّلُ بِفَتْحِ التّاءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ أيْ مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي قَضى اللَّهُ بِها في تِلْكَ السَّنَةِ، وقِيلَ إنَّ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ: أيْ لِكُلِّ أمْرٍ، وقِيلَ هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ بِكُلِّ أمْرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " أمْرٍ " وهو واحِدُ الأُمُورِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ " امْرِئٍ " مُذَكَّرُ امْرَأةٍ: أيْ مِن أجْلِ كُلِّ إنْسانٍ، وتَأوَّلَها الكَلْبِيُّ عَلى أنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ مَعَ المَلائِكَةِ فَيُسَلِّمُونَ عَلى كُلِّ إنْسانٍ، فَ " مِن " عَلى هَذا بِمَعْنى عَلى، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ " مِن كُلِّ أمْرٍ " . ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: سَلامٌ هي أيْ ما هي إلّا سَلامَةٌ وخَيْرٌ كُلُّها لا شَرَّ فِيها، وقِيلَ هي ذاتُ سَلامَةٍ مِن أنْ يُؤَثِّرَ فِيها شَيْطانٌ في مُؤْمِنٍ أوْ مُؤْمِنَةٍ. قالَ مُجاهِدٌ: هي لَيْلَةٌ سالِمَةٌ لا يَسْتَطِيعُ الشَّيْطانُ أنْ يَعْمَلَ فِيها سُوءًا ولا أذًى. وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلى أهْلِ المَساجِدِ مِن حِينِ تَغِيبُ الشَّمْسُ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ يَمُرُّونَ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ويَقُولُونَ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها المُؤْمِنُ، وقِيلَ يَعْنِي سَلامَ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ: سَلامٌ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ وأهْلِ طاعَتِهِ ﴿حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ أيْ حَتّى وقْتِ طُلُوعِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مَطْلَعِ " بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِها، فَقِيلَ هُما (p-١٦٤٢)لُغَتانِ في المَصْدَرِ، والفَتْحُ أكْثَرُ نَحْوَ المَخْرَجِ والمَقْتَلِ، وقِيلَ بِالفَتْحِ اسْمُ مَكانٍ، وبِالكَسْرِ المَصْدَرُ، وقِيلَ العَكْسُ، وحَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ تَنَزَّلَ عَلى أنَّها غايَةٌ لِحُكْمِ التَّنَزُّلِ أيْ لِمُكْثِهِمْ في مَحَلِّ تَنَزُّلِهِمْ بِأنْ لا يَنْقَطِعَ تَنَزُّلُهم فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ " سَلامٌ " بِناءً عَلى أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالمُبْتَدَأِ مُغْتَفَرٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ قالَ: أُنْزِلَ القُرْآنُ في لَيْلَةِ القَدْرِ حَتّى وُضِعَ في بَيْتِ العِزَّةِ في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ جَعَلَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلى مُحَمَّدٍ بِجَوابِ كَلامِ العِبادِ وأعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: العَمَلُ في لَيْلَةِ القَدْرِ والصَّدَقَةُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ أفْضَلُ مِن ألْفِ شَهْرٍ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مِنبَرِهِ فَساءَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يا مُحَمَّدُ يَعْنِي نَهْرًا في الجَنَّةِ، ونَزَلَتْ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ يَمْلِكُها بَعْدَكَ بَنُو أُمَيَّةَ. قالَ القاسِمُ: فَعَدَدْنا فَإذا هي ألْفُ شَهْرٍ لا تَزِيدُ يَوْمًا ولا تَنْقُصُ يَوْمًا، والمُرادُ بِالقاسِمِ هو القاسِمُ بْنُ الفَضْلِ المَذْكُورُ في إسْنادِهِ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّ يُوسُفَ هَذا مَجْهُولٌ، يَعْنِي يُوسُفَ بْنَ سَعْدٍ الَّذِي رَواهُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّهُ قَدْ رَوى عَنْهُ جَماعَةٌ: مِنهم حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وخالِدٌ الحَذّاءُ، ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ. وقالَ فِيهِ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ: هو مَشْهُورٌ. وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ قالَ: هو ثِقَةٌ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ عَنْ عِيسى بْنِ مازِنٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثُمَّ هَذا الحَدِيثُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُنْكَرٌ جِدًّا. قالَ المِزِّيُّ: هو حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وقَوْلُ القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ إنَّهُ حَسَبَ مُدَّةَ بَنِي أُمَيَّةَ فَوَجَدَها ألْفَ شَهْرٍ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ جُمْلَةَ مُدَّتِهِمْ مِن عِنْدِ أنِ اسْتَقَلَّ بِالمُلْكِ مُعاوِيَةُ وهي سَنَةُ أرْبَعِينَ إلى أنْ سَلَبَهُمُ المُلْكَ بَنُو العَبّاسِ، وهي سَنَةُ اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ ومِائَةٍ مَجْمُوعُها اثْنَتانِ وتِسْعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: سَلامٌ قالَ: في تِلْكَ اللَّيْلَةِ تُصَفَّدُ مَرَدَةُ الشَّياطِينِ وتُغَلُّ عَفارِيتُ الجِنِّ وتُفْتَحُ فِيها أبْوابُ السَّماءِ كُلُّها ويَقْبَلُ اللَّهُ فِيها التَّوْبَةَ لِكُلِّ تائِبٍ، فَلِذا قالَ: ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ قالَ: وذَلِكَ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، والأحادِيثُ في فَضْلِ لَيْلَةِ القَدْرِ كَثِيرَةٌ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ بَسْطِها، وكَذَلِكَ الأحادِيثُ في تَعْيِينِها والِاخْتِلافِ في ذَلِكَ.

القدر 97:3

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وذَكَرَ الواقِدِيُّ أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الضَّمِيرُ في أنْزَلْناهُ لِلْقُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، أُنْزِلَ جُمْلَةً واحِدَةً في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى سَماءِ الدُّنْيا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وكانَ يَنْزِلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ نُجُومًا عَلى حَسَبِ الحاجَةِ، وكانَ بَيْنَ نُزُولِ أوَّلِهِ وآخِرِهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وفي آيَةٍ أُخْرى ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] وهي لَيْلَةُ القَدْرِ، وفي آيَةٍ أُخْرى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولَيْلَةُ القَدْرِ في شَهْرِ رَمَضانَ. قالَ مُجاهِدٌ: في لَيْلَةِ القَدْرِ لَيْلَةُ الحُكْمِ. ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ لَيْلَةُ الحُكْمِ، قِيلَ سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُقَدِّرُ فِيها ما شاءَ مِن أمْرِهِ إلى السَّنَةِ القابِلَةِ. وقِيلَ إنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعَظِيمِ قَدْرِها وشَرَفِها، مِن قَوْلِهِمْ: لِفُلانٍ قَدْرٌ: أيْ شَرَفٌ ومَنزِلَةٌ، كَذا قالَ الزُّهْرِيُّ. وقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ لِلطّاعاتِ فِيها قَدْرًا عَظِيمًا وثَوابًا جَزِيلًا. وقالَ الخَلِيلُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لِأنَّ الأرْضَ تَضِيقُ فِيها بِالمَلائِكَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أيْ ضُيِّقَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ لَيْلَةِ القَدْرِ عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ قَوْلًا، قَدْ ذَكَرْناها بِأدِلَّتِها وبَيَّنّا الرّاجِحَ مِنها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دِرايَةِ الخَلْقِ لا يَدْرِيها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ. قالَ سُفْيانُ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ: وما أدْراكَ فَقَدْ أدْراهُ، وكُلُّ ما فِيهِ وما يُدْرِيكَ فَلَمْ يُدْرِهِ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ تَجْعَلُهُ دارِيًا بِها ؟ وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في إعْرابِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] . ثُمَّ قالَ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أيِ العَمَلُ فِيها خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ في ألْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ، واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، وذَلِكَ أنَّ الأوْقاتَ إنَّما يُفَضَّلُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِما يَكُونُ فِيها مِنَ الخَيْرِ والنَّفْعِ، فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ الخَيْرَ الكَثِيرَ في لَيْلَةٍ كانَتْ خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ لا يَكُونُ فِيها مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ ما في هَذِهِ اللَّيْلَةِ. وقِيلَ أرادَ بِقَوْلِهِ " ألْفِ شَهْرٍ " جَمِيعَ الدَّهْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ الألْفَ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ. وقِيلَ وجْهُ ذِكْرِ الألْفِ الشَّهْرِ أنَّ العابِدَ كانَ فِيما مَضى لا يُسَمّى عابِدًا حَتّى يَعْبُدَ اللَّهَ ألْفَ شَهْرٍ، وذَلِكَ ثَلاثٌ وثَمانُونَ سَنَةً وأرْبَعَةُ أشْهُرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عِبادَةَ لَيْلَةٍ خَيْرًا مِن عِبادَةِ ألْفِ شَهْرٍ كانُوا يَعْبُدُونَها. وقِيلَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى أعْمارَ أُمَّتِهِ قَصِيرَةً، فَخافَ أنْ لا يَبْلُغُوا مِنَ العَمَلِ مِثْلَ ما بَلَغَ غَيْرُهم في طُولِ العُمُرِ، فَأعْطاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ وجَعَلَها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ لِسائِرِ الأُمَمِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ. وجُمْلَةُ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ فَضْلِها مُوَضِّحَةٌ لِلْعِلَّةِ الَّتِي صارَتْ بِها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ، وقَوْلُهُ: بِإذْنِ رَبِّهِمْ يَتَعَلَّقُ بِتَنَزَّلُ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ مُلْتَبِسِينَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ، والإذْنُ: الأمْرُ، ومَعْنى تَنَزَّلُ: تَهْبِطُ مِنَ السَّماواتِ إلى الأرْضِ. والرُّوحُ هو جِبْرِيلُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أيْ تَنْزِلُ المَلائِكَةُ ومَعَهم جِبْرِيلُ. ووَجْهُ ذِكْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في المَلائِكَةِ التَّعْظِيمُ لَهُ والتَّشْرِيفُ لِشَأْنِهِ. وقِيلَ الرُّوحُ صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ هم أشْرافُهم، وقِيلَ هم جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ مِن غَيْرِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ الرُّوحُ الرَّحْمَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في الرُّوحِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] قَرَأ الجُمْهُورُ تَنَزَّلُ بِفَتْحِ التّاءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ أيْ مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي قَضى اللَّهُ بِها في تِلْكَ السَّنَةِ، وقِيلَ إنَّ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ: أيْ لِكُلِّ أمْرٍ، وقِيلَ هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ بِكُلِّ أمْرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " أمْرٍ " وهو واحِدُ الأُمُورِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ " امْرِئٍ " مُذَكَّرُ امْرَأةٍ: أيْ مِن أجْلِ كُلِّ إنْسانٍ، وتَأوَّلَها الكَلْبِيُّ عَلى أنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ مَعَ المَلائِكَةِ فَيُسَلِّمُونَ عَلى كُلِّ إنْسانٍ، فَ " مِن " عَلى هَذا بِمَعْنى عَلى، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ " مِن كُلِّ أمْرٍ " . ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: سَلامٌ هي أيْ ما هي إلّا سَلامَةٌ وخَيْرٌ كُلُّها لا شَرَّ فِيها، وقِيلَ هي ذاتُ سَلامَةٍ مِن أنْ يُؤَثِّرَ فِيها شَيْطانٌ في مُؤْمِنٍ أوْ مُؤْمِنَةٍ. قالَ مُجاهِدٌ: هي لَيْلَةٌ سالِمَةٌ لا يَسْتَطِيعُ الشَّيْطانُ أنْ يَعْمَلَ فِيها سُوءًا ولا أذًى. وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلى أهْلِ المَساجِدِ مِن حِينِ تَغِيبُ الشَّمْسُ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ يَمُرُّونَ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ويَقُولُونَ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها المُؤْمِنُ، وقِيلَ يَعْنِي سَلامَ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ: سَلامٌ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ وأهْلِ طاعَتِهِ ﴿حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ أيْ حَتّى وقْتِ طُلُوعِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مَطْلَعِ " بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِها، فَقِيلَ هُما (p-١٦٤٢)لُغَتانِ في المَصْدَرِ، والفَتْحُ أكْثَرُ نَحْوَ المَخْرَجِ والمَقْتَلِ، وقِيلَ بِالفَتْحِ اسْمُ مَكانٍ، وبِالكَسْرِ المَصْدَرُ، وقِيلَ العَكْسُ، وحَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ تَنَزَّلَ عَلى أنَّها غايَةٌ لِحُكْمِ التَّنَزُّلِ أيْ لِمُكْثِهِمْ في مَحَلِّ تَنَزُّلِهِمْ بِأنْ لا يَنْقَطِعَ تَنَزُّلُهم فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ " سَلامٌ " بِناءً عَلى أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالمُبْتَدَأِ مُغْتَفَرٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ قالَ: أُنْزِلَ القُرْآنُ في لَيْلَةِ القَدْرِ حَتّى وُضِعَ في بَيْتِ العِزَّةِ في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ جَعَلَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلى مُحَمَّدٍ بِجَوابِ كَلامِ العِبادِ وأعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: العَمَلُ في لَيْلَةِ القَدْرِ والصَّدَقَةُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ أفْضَلُ مِن ألْفِ شَهْرٍ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مِنبَرِهِ فَساءَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يا مُحَمَّدُ يَعْنِي نَهْرًا في الجَنَّةِ، ونَزَلَتْ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ يَمْلِكُها بَعْدَكَ بَنُو أُمَيَّةَ. قالَ القاسِمُ: فَعَدَدْنا فَإذا هي ألْفُ شَهْرٍ لا تَزِيدُ يَوْمًا ولا تَنْقُصُ يَوْمًا، والمُرادُ بِالقاسِمِ هو القاسِمُ بْنُ الفَضْلِ المَذْكُورُ في إسْنادِهِ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّ يُوسُفَ هَذا مَجْهُولٌ، يَعْنِي يُوسُفَ بْنَ سَعْدٍ الَّذِي رَواهُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّهُ قَدْ رَوى عَنْهُ جَماعَةٌ: مِنهم حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وخالِدٌ الحَذّاءُ، ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ. وقالَ فِيهِ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ: هو مَشْهُورٌ. وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ قالَ: هو ثِقَةٌ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ عَنْ عِيسى بْنِ مازِنٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثُمَّ هَذا الحَدِيثُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُنْكَرٌ جِدًّا. قالَ المِزِّيُّ: هو حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وقَوْلُ القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ إنَّهُ حَسَبَ مُدَّةَ بَنِي أُمَيَّةَ فَوَجَدَها ألْفَ شَهْرٍ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ جُمْلَةَ مُدَّتِهِمْ مِن عِنْدِ أنِ اسْتَقَلَّ بِالمُلْكِ مُعاوِيَةُ وهي سَنَةُ أرْبَعِينَ إلى أنْ سَلَبَهُمُ المُلْكَ بَنُو العَبّاسِ، وهي سَنَةُ اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ ومِائَةٍ مَجْمُوعُها اثْنَتانِ وتِسْعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: سَلامٌ قالَ: في تِلْكَ اللَّيْلَةِ تُصَفَّدُ مَرَدَةُ الشَّياطِينِ وتُغَلُّ عَفارِيتُ الجِنِّ وتُفْتَحُ فِيها أبْوابُ السَّماءِ كُلُّها ويَقْبَلُ اللَّهُ فِيها التَّوْبَةَ لِكُلِّ تائِبٍ، فَلِذا قالَ: ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ قالَ: وذَلِكَ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، والأحادِيثُ في فَضْلِ لَيْلَةِ القَدْرِ كَثِيرَةٌ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ بَسْطِها، وكَذَلِكَ الأحادِيثُ في تَعْيِينِها والِاخْتِلافِ في ذَلِكَ.

القدر 97:4

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وذَكَرَ الواقِدِيُّ أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الضَّمِيرُ في أنْزَلْناهُ لِلْقُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، أُنْزِلَ جُمْلَةً واحِدَةً في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى سَماءِ الدُّنْيا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وكانَ يَنْزِلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ نُجُومًا عَلى حَسَبِ الحاجَةِ، وكانَ بَيْنَ نُزُولِ أوَّلِهِ وآخِرِهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وفي آيَةٍ أُخْرى ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] وهي لَيْلَةُ القَدْرِ، وفي آيَةٍ أُخْرى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولَيْلَةُ القَدْرِ في شَهْرِ رَمَضانَ. قالَ مُجاهِدٌ: في لَيْلَةِ القَدْرِ لَيْلَةُ الحُكْمِ. ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ لَيْلَةُ الحُكْمِ، قِيلَ سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُقَدِّرُ فِيها ما شاءَ مِن أمْرِهِ إلى السَّنَةِ القابِلَةِ. وقِيلَ إنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعَظِيمِ قَدْرِها وشَرَفِها، مِن قَوْلِهِمْ: لِفُلانٍ قَدْرٌ: أيْ شَرَفٌ ومَنزِلَةٌ، كَذا قالَ الزُّهْرِيُّ. وقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ لِلطّاعاتِ فِيها قَدْرًا عَظِيمًا وثَوابًا جَزِيلًا. وقالَ الخَلِيلُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لِأنَّ الأرْضَ تَضِيقُ فِيها بِالمَلائِكَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أيْ ضُيِّقَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ لَيْلَةِ القَدْرِ عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ قَوْلًا، قَدْ ذَكَرْناها بِأدِلَّتِها وبَيَّنّا الرّاجِحَ مِنها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دِرايَةِ الخَلْقِ لا يَدْرِيها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ. قالَ سُفْيانُ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ: وما أدْراكَ فَقَدْ أدْراهُ، وكُلُّ ما فِيهِ وما يُدْرِيكَ فَلَمْ يُدْرِهِ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ تَجْعَلُهُ دارِيًا بِها ؟ وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في إعْرابِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] . ثُمَّ قالَ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أيِ العَمَلُ فِيها خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ في ألْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ، واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، وذَلِكَ أنَّ الأوْقاتَ إنَّما يُفَضَّلُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِما يَكُونُ فِيها مِنَ الخَيْرِ والنَّفْعِ، فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ الخَيْرَ الكَثِيرَ في لَيْلَةٍ كانَتْ خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ لا يَكُونُ فِيها مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ ما في هَذِهِ اللَّيْلَةِ. وقِيلَ أرادَ بِقَوْلِهِ " ألْفِ شَهْرٍ " جَمِيعَ الدَّهْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ الألْفَ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ. وقِيلَ وجْهُ ذِكْرِ الألْفِ الشَّهْرِ أنَّ العابِدَ كانَ فِيما مَضى لا يُسَمّى عابِدًا حَتّى يَعْبُدَ اللَّهَ ألْفَ شَهْرٍ، وذَلِكَ ثَلاثٌ وثَمانُونَ سَنَةً وأرْبَعَةُ أشْهُرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عِبادَةَ لَيْلَةٍ خَيْرًا مِن عِبادَةِ ألْفِ شَهْرٍ كانُوا يَعْبُدُونَها. وقِيلَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى أعْمارَ أُمَّتِهِ قَصِيرَةً، فَخافَ أنْ لا يَبْلُغُوا مِنَ العَمَلِ مِثْلَ ما بَلَغَ غَيْرُهم في طُولِ العُمُرِ، فَأعْطاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ وجَعَلَها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ لِسائِرِ الأُمَمِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ. وجُمْلَةُ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ فَضْلِها مُوَضِّحَةٌ لِلْعِلَّةِ الَّتِي صارَتْ بِها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ، وقَوْلُهُ: بِإذْنِ رَبِّهِمْ يَتَعَلَّقُ بِتَنَزَّلُ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ مُلْتَبِسِينَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ، والإذْنُ: الأمْرُ، ومَعْنى تَنَزَّلُ: تَهْبِطُ مِنَ السَّماواتِ إلى الأرْضِ. والرُّوحُ هو جِبْرِيلُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أيْ تَنْزِلُ المَلائِكَةُ ومَعَهم جِبْرِيلُ. ووَجْهُ ذِكْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في المَلائِكَةِ التَّعْظِيمُ لَهُ والتَّشْرِيفُ لِشَأْنِهِ. وقِيلَ الرُّوحُ صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ هم أشْرافُهم، وقِيلَ هم جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ مِن غَيْرِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ الرُّوحُ الرَّحْمَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في الرُّوحِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] قَرَأ الجُمْهُورُ تَنَزَّلُ بِفَتْحِ التّاءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ أيْ مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي قَضى اللَّهُ بِها في تِلْكَ السَّنَةِ، وقِيلَ إنَّ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ: أيْ لِكُلِّ أمْرٍ، وقِيلَ هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ بِكُلِّ أمْرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " أمْرٍ " وهو واحِدُ الأُمُورِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ " امْرِئٍ " مُذَكَّرُ امْرَأةٍ: أيْ مِن أجْلِ كُلِّ إنْسانٍ، وتَأوَّلَها الكَلْبِيُّ عَلى أنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ مَعَ المَلائِكَةِ فَيُسَلِّمُونَ عَلى كُلِّ إنْسانٍ، فَ " مِن " عَلى هَذا بِمَعْنى عَلى، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ " مِن كُلِّ أمْرٍ " . ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: سَلامٌ هي أيْ ما هي إلّا سَلامَةٌ وخَيْرٌ كُلُّها لا شَرَّ فِيها، وقِيلَ هي ذاتُ سَلامَةٍ مِن أنْ يُؤَثِّرَ فِيها شَيْطانٌ في مُؤْمِنٍ أوْ مُؤْمِنَةٍ. قالَ مُجاهِدٌ: هي لَيْلَةٌ سالِمَةٌ لا يَسْتَطِيعُ الشَّيْطانُ أنْ يَعْمَلَ فِيها سُوءًا ولا أذًى. وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلى أهْلِ المَساجِدِ مِن حِينِ تَغِيبُ الشَّمْسُ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ يَمُرُّونَ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ويَقُولُونَ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها المُؤْمِنُ، وقِيلَ يَعْنِي سَلامَ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ: سَلامٌ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ وأهْلِ طاعَتِهِ ﴿حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ أيْ حَتّى وقْتِ طُلُوعِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مَطْلَعِ " بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِها، فَقِيلَ هُما (p-١٦٤٢)لُغَتانِ في المَصْدَرِ، والفَتْحُ أكْثَرُ نَحْوَ المَخْرَجِ والمَقْتَلِ، وقِيلَ بِالفَتْحِ اسْمُ مَكانٍ، وبِالكَسْرِ المَصْدَرُ، وقِيلَ العَكْسُ، وحَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ تَنَزَّلَ عَلى أنَّها غايَةٌ لِحُكْمِ التَّنَزُّلِ أيْ لِمُكْثِهِمْ في مَحَلِّ تَنَزُّلِهِمْ بِأنْ لا يَنْقَطِعَ تَنَزُّلُهم فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ " سَلامٌ " بِناءً عَلى أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالمُبْتَدَأِ مُغْتَفَرٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ قالَ: أُنْزِلَ القُرْآنُ في لَيْلَةِ القَدْرِ حَتّى وُضِعَ في بَيْتِ العِزَّةِ في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ جَعَلَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلى مُحَمَّدٍ بِجَوابِ كَلامِ العِبادِ وأعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: العَمَلُ في لَيْلَةِ القَدْرِ والصَّدَقَةُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ أفْضَلُ مِن ألْفِ شَهْرٍ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مِنبَرِهِ فَساءَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يا مُحَمَّدُ يَعْنِي نَهْرًا في الجَنَّةِ، ونَزَلَتْ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ يَمْلِكُها بَعْدَكَ بَنُو أُمَيَّةَ. قالَ القاسِمُ: فَعَدَدْنا فَإذا هي ألْفُ شَهْرٍ لا تَزِيدُ يَوْمًا ولا تَنْقُصُ يَوْمًا، والمُرادُ بِالقاسِمِ هو القاسِمُ بْنُ الفَضْلِ المَذْكُورُ في إسْنادِهِ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّ يُوسُفَ هَذا مَجْهُولٌ، يَعْنِي يُوسُفَ بْنَ سَعْدٍ الَّذِي رَواهُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّهُ قَدْ رَوى عَنْهُ جَماعَةٌ: مِنهم حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وخالِدٌ الحَذّاءُ، ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ. وقالَ فِيهِ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ: هو مَشْهُورٌ. وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ قالَ: هو ثِقَةٌ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ عَنْ عِيسى بْنِ مازِنٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثُمَّ هَذا الحَدِيثُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُنْكَرٌ جِدًّا. قالَ المِزِّيُّ: هو حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وقَوْلُ القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ إنَّهُ حَسَبَ مُدَّةَ بَنِي أُمَيَّةَ فَوَجَدَها ألْفَ شَهْرٍ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ جُمْلَةَ مُدَّتِهِمْ مِن عِنْدِ أنِ اسْتَقَلَّ بِالمُلْكِ مُعاوِيَةُ وهي سَنَةُ أرْبَعِينَ إلى أنْ سَلَبَهُمُ المُلْكَ بَنُو العَبّاسِ، وهي سَنَةُ اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ ومِائَةٍ مَجْمُوعُها اثْنَتانِ وتِسْعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: سَلامٌ قالَ: في تِلْكَ اللَّيْلَةِ تُصَفَّدُ مَرَدَةُ الشَّياطِينِ وتُغَلُّ عَفارِيتُ الجِنِّ وتُفْتَحُ فِيها أبْوابُ السَّماءِ كُلُّها ويَقْبَلُ اللَّهُ فِيها التَّوْبَةَ لِكُلِّ تائِبٍ، فَلِذا قالَ: ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ قالَ: وذَلِكَ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، والأحادِيثُ في فَضْلِ لَيْلَةِ القَدْرِ كَثِيرَةٌ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ بَسْطِها، وكَذَلِكَ الأحادِيثُ في تَعْيِينِها والِاخْتِلافِ في ذَلِكَ.

القدر 97:5

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وذَكَرَ الواقِدِيُّ أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الضَّمِيرُ في أنْزَلْناهُ لِلْقُرْآنِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، أُنْزِلَ جُمْلَةً واحِدَةً في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى سَماءِ الدُّنْيا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وكانَ يَنْزِلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ نُجُومًا عَلى حَسَبِ الحاجَةِ، وكانَ بَيْنَ نُزُولِ أوَّلِهِ وآخِرِهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وفي آيَةٍ أُخْرى ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] وهي لَيْلَةُ القَدْرِ، وفي آيَةٍ أُخْرى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولَيْلَةُ القَدْرِ في شَهْرِ رَمَضانَ. قالَ مُجاهِدٌ: في لَيْلَةِ القَدْرِ لَيْلَةُ الحُكْمِ. ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ لَيْلَةُ الحُكْمِ، قِيلَ سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُقَدِّرُ فِيها ما شاءَ مِن أمْرِهِ إلى السَّنَةِ القابِلَةِ. وقِيلَ إنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعَظِيمِ قَدْرِها وشَرَفِها، مِن قَوْلِهِمْ: لِفُلانٍ قَدْرٌ: أيْ شَرَفٌ ومَنزِلَةٌ، كَذا قالَ الزُّهْرِيُّ. وقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ لِلطّاعاتِ فِيها قَدْرًا عَظِيمًا وثَوابًا جَزِيلًا. وقالَ الخَلِيلُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لِأنَّ الأرْضَ تَضِيقُ فِيها بِالمَلائِكَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أيْ ضُيِّقَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ لَيْلَةِ القَدْرِ عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ قَوْلًا، قَدْ ذَكَرْناها بِأدِلَّتِها وبَيَّنّا الرّاجِحَ مِنها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دِرايَةِ الخَلْقِ لا يَدْرِيها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ. قالَ سُفْيانُ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ: وما أدْراكَ فَقَدْ أدْراهُ، وكُلُّ ما فِيهِ وما يُدْرِيكَ فَلَمْ يُدْرِهِ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ تَجْعَلُهُ دارِيًا بِها ؟ وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في إعْرابِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] . ثُمَّ قالَ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أيِ العَمَلُ فِيها خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ في ألْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ، واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، وذَلِكَ أنَّ الأوْقاتَ إنَّما يُفَضَّلُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِما يَكُونُ فِيها مِنَ الخَيْرِ والنَّفْعِ، فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ الخَيْرَ الكَثِيرَ في لَيْلَةٍ كانَتْ خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ لا يَكُونُ فِيها مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ ما في هَذِهِ اللَّيْلَةِ. وقِيلَ أرادَ بِقَوْلِهِ " ألْفِ شَهْرٍ " جَمِيعَ الدَّهْرِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ الألْفَ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ. وقِيلَ وجْهُ ذِكْرِ الألْفِ الشَّهْرِ أنَّ العابِدَ كانَ فِيما مَضى لا يُسَمّى عابِدًا حَتّى يَعْبُدَ اللَّهَ ألْفَ شَهْرٍ، وذَلِكَ ثَلاثٌ وثَمانُونَ سَنَةً وأرْبَعَةُ أشْهُرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عِبادَةَ لَيْلَةٍ خَيْرًا مِن عِبادَةِ ألْفِ شَهْرٍ كانُوا يَعْبُدُونَها. وقِيلَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى أعْمارَ أُمَّتِهِ قَصِيرَةً، فَخافَ أنْ لا يَبْلُغُوا مِنَ العَمَلِ مِثْلَ ما بَلَغَ غَيْرُهم في طُولِ العُمُرِ، فَأعْطاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ وجَعَلَها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ لِسائِرِ الأُمَمِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ. وجُمْلَةُ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ فَضْلِها مُوَضِّحَةٌ لِلْعِلَّةِ الَّتِي صارَتْ بِها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ، وقَوْلُهُ: بِإذْنِ رَبِّهِمْ يَتَعَلَّقُ بِتَنَزَّلُ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ مُلْتَبِسِينَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ، والإذْنُ: الأمْرُ، ومَعْنى تَنَزَّلُ: تَهْبِطُ مِنَ السَّماواتِ إلى الأرْضِ. والرُّوحُ هو جِبْرِيلُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أيْ تَنْزِلُ المَلائِكَةُ ومَعَهم جِبْرِيلُ. ووَجْهُ ذِكْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ في المَلائِكَةِ التَّعْظِيمُ لَهُ والتَّشْرِيفُ لِشَأْنِهِ. وقِيلَ الرُّوحُ صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ هم أشْرافُهم، وقِيلَ هم جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ مِن غَيْرِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ الرُّوحُ الرَّحْمَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في الرُّوحِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] قَرَأ الجُمْهُورُ تَنَزَّلُ بِفَتْحِ التّاءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ أيْ مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي قَضى اللَّهُ بِها في تِلْكَ السَّنَةِ، وقِيلَ إنَّ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ: أيْ لِكُلِّ أمْرٍ، وقِيلَ هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ بِكُلِّ أمْرٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ " أمْرٍ " وهو واحِدُ الأُمُورِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ " امْرِئٍ " مُذَكَّرُ امْرَأةٍ: أيْ مِن أجْلِ كُلِّ إنْسانٍ، وتَأوَّلَها الكَلْبِيُّ عَلى أنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ مَعَ المَلائِكَةِ فَيُسَلِّمُونَ عَلى كُلِّ إنْسانٍ، فَ " مِن " عَلى هَذا بِمَعْنى عَلى، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ " مِن كُلِّ أمْرٍ " . ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: سَلامٌ هي أيْ ما هي إلّا سَلامَةٌ وخَيْرٌ كُلُّها لا شَرَّ فِيها، وقِيلَ هي ذاتُ سَلامَةٍ مِن أنْ يُؤَثِّرَ فِيها شَيْطانٌ في مُؤْمِنٍ أوْ مُؤْمِنَةٍ. قالَ مُجاهِدٌ: هي لَيْلَةٌ سالِمَةٌ لا يَسْتَطِيعُ الشَّيْطانُ أنْ يَعْمَلَ فِيها سُوءًا ولا أذًى. وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلى أهْلِ المَساجِدِ مِن حِينِ تَغِيبُ الشَّمْسُ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ يَمُرُّونَ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ويَقُولُونَ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها المُؤْمِنُ، وقِيلَ يَعْنِي سَلامَ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ: سَلامٌ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ وأهْلِ طاعَتِهِ ﴿حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ أيْ حَتّى وقْتِ طُلُوعِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مَطْلَعِ " بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِها، فَقِيلَ هُما (p-١٦٤٢)لُغَتانِ في المَصْدَرِ، والفَتْحُ أكْثَرُ نَحْوَ المَخْرَجِ والمَقْتَلِ، وقِيلَ بِالفَتْحِ اسْمُ مَكانٍ، وبِالكَسْرِ المَصْدَرُ، وقِيلَ العَكْسُ، وحَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ تَنَزَّلَ عَلى أنَّها غايَةٌ لِحُكْمِ التَّنَزُّلِ أيْ لِمُكْثِهِمْ في مَحَلِّ تَنَزُّلِهِمْ بِأنْ لا يَنْقَطِعَ تَنَزُّلُهم فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ " سَلامٌ " بِناءً عَلى أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالمُبْتَدَأِ مُغْتَفَرٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ قالَ: أُنْزِلَ القُرْآنُ في لَيْلَةِ القَدْرِ حَتّى وُضِعَ في بَيْتِ العِزَّةِ في السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ جَعَلَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلى مُحَمَّدٍ بِجَوابِ كَلامِ العِبادِ وأعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: العَمَلُ في لَيْلَةِ القَدْرِ والصَّدَقَةُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ أفْضَلُ مِن ألْفِ شَهْرٍ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مِنبَرِهِ فَساءَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يا مُحَمَّدُ يَعْنِي نَهْرًا في الجَنَّةِ، ونَزَلَتْ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ يَمْلِكُها بَعْدَكَ بَنُو أُمَيَّةَ. قالَ القاسِمُ: فَعَدَدْنا فَإذا هي ألْفُ شَهْرٍ لا تَزِيدُ يَوْمًا ولا تَنْقُصُ يَوْمًا، والمُرادُ بِالقاسِمِ هو القاسِمُ بْنُ الفَضْلِ المَذْكُورُ في إسْنادِهِ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّ يُوسُفَ هَذا مَجْهُولٌ، يَعْنِي يُوسُفَ بْنَ سَعْدٍ الَّذِي رَواهُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّهُ قَدْ رَوى عَنْهُ جَماعَةٌ: مِنهم حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وخالِدٌ الحَذّاءُ، ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ. وقالَ فِيهِ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ: هو مَشْهُورٌ. وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ قالَ: هو ثِقَةٌ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ عَنْ عِيسى بْنِ مازِنٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثُمَّ هَذا الحَدِيثُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُنْكَرٌ جِدًّا. قالَ المِزِّيُّ: هو حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وقَوْلُ القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ إنَّهُ حَسَبَ مُدَّةَ بَنِي أُمَيَّةَ فَوَجَدَها ألْفَ شَهْرٍ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ جُمْلَةَ مُدَّتِهِمْ مِن عِنْدِ أنِ اسْتَقَلَّ بِالمُلْكِ مُعاوِيَةُ وهي سَنَةُ أرْبَعِينَ إلى أنْ سَلَبَهُمُ المُلْكَ بَنُو العَبّاسِ، وهي سَنَةُ اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ ومِائَةٍ مَجْمُوعُها اثْنَتانِ وتِسْعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: سَلامٌ قالَ: في تِلْكَ اللَّيْلَةِ تُصَفَّدُ مَرَدَةُ الشَّياطِينِ وتُغَلُّ عَفارِيتُ الجِنِّ وتُفْتَحُ فِيها أبْوابُ السَّماءِ كُلُّها ويَقْبَلُ اللَّهُ فِيها التَّوْبَةَ لِكُلِّ تائِبٍ، فَلِذا قالَ: ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ قالَ: وذَلِكَ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، والأحادِيثُ في فَضْلِ لَيْلَةِ القَدْرِ كَثِيرَةٌ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ بَسْطِها، وكَذَلِكَ الأحادِيثُ في تَعْيِينِها والِاخْتِلافِ في ذَلِكَ.

البينة 98:1

وهي مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي حَكِيمٍ المُزَنِيِّ، حَدَّثَنِي فَضْلٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يَسْتَمِعُ قِراءَةَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَيَقُولُ: أبْشِرْ عَبْدِي وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُمْكِنَنَّ لَكَ في الجَنَّةِ حَتّى تَرْضى» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وأخْرَجَهُ أبُو مُوسى المَدِينِيُّ عَنْ مَطَرٍ المُزَنِيِّ، أوِ المَدَنِيِّ بِنَحْوِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: وسَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. فَبَكى» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ قانِعٍ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيَّةَ البَدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ إلى آخِرِها قالَ جِبْرِيلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: إنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي أنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَقالَ أُبَيٌّ: وقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَبَكى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُرادُ بِـ المُشْرِكِينَ مُشْرِكُو العَرَبِ، وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، ومُنْفَكِّينَ خَبَرُ كانَ، يُقالُ فَكَكْتُ الشَّيْءَ فانْفَكَّ: أيِ انْفَصَلَ، والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُفارِقِينَ لِكُفْرِهِمْ ولا مُنْتَهِينَ عَنْهُ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وقِيلَ الِانْفِكاكُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ وبُلُوغِ الغايَةِ: أيْ لَمْ يَكُونُوا يَبْلُغُونَ نِهايَةَ أعْمارِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، وقِيلَ مُنْفَكِّينَ: زائِلِينَ: أيْ لَمْ تَكُنْ مُدَّتُهم لِتَزُولَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، يُقالُ ما انْفَكَّ فُلانٌ قائِمًا: أيْ ما زالَ قائِمًا، وأصْلُ الفَكِّ الفَتْحُ، ومِنهُ فَكُّ الخَلْخالِ. وقِيلَ مُنْفَكِّينَ بارِحِينَ: أيْ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْرَحُوا أوْ يُفارِقُوا الدُّنْيا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى (p-١٦٤٣)لَمْ يَكُنْ أهْلُ الكِتابِ تارِكِينَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى يُبْعَثَ، فَلَمّا بُعِثَ حَسَدُوهُ وجَحَدُوهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: والمُشْرِكِينَ أنَّهم ما كانُوا يُسِيئُونَ القَوْلَ في مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى بُعِثَ، فَإنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ، فَلَمّا بُعِثَ عادَوْهُ وأساءُوا القَوْلَ فِيهِ. وقِيلَ: مُنْفَكِّينَ هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمُ: انْفَكَّ صُلْبُهُ: أيِ انْفَصَلَ فَلَمْ يَلْتَئِمْ فَيَهْلِكُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ إنَّ المُشْرِكِينَ هم أهْلُ الكِتابِ، فَيَكُونُ وصْفًا لَهم لِأنَّهم قالُوا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم لَنْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ حَتّى أتاهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِالقُرْآنِ، فَبَيَّنَ لَهم ضَلالَتَهم وجَهالَتَهم ودَعاهم إلى الإيمانِ، وهَذا بَيانٌ عَنِ النِّعْمَةِ والإنْقاذِ بِهِ مِنَ الجَهْلِ والضَّلالَةِ والآيَةُ في مَن آمَنَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ، وسَلَكُوا في تَفْسِيرِها طُرُقًا لا تُفْضِي بِهِمْ إلى الصَّوابِ. والوَجْهُ ما أخْبَرْتُكَ فاحْمَدِ اللَّهَ إذْ أتاكَ بَيانُها مِن غَيْرِ لَبْسٍ ولا إشْكالٍ. قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ البَيِّنَةَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَها وأُبْدِلَ مِنها فَقالَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَعْنِي ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها، وهو القُرْآنُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وقِيلَ إنَّ الآيَةَ حِكايَةٌ لِما كانَ يَقُولُهُ أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ إنَّهم لا يُفارِقُونَ دِينَهم حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ بِهِ، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ السُّورَةِ. والبَيِّنَةُ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، لِأنَّهُ في نَفْسِهِ بَيِّنَةٌ وحُجَّةٌ ولِذَلِكَ سَمّاهُ سِراجًا مُنِيرًا. وقَدْ فَسَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ البَيِّنَةَ المُجْمَلَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فاتَّضَحَ الأمْرُ وتَبَيَّنَ أنَّهُ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: البَيِّنَةُ هي القُرْآنُ كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِالبَيِّنَةِ مُطْلَقُ الرُّسُلِ، والمَعْنى: حَتّى تَأْتِيَهم رُسُلٌ مِنَ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ وأهْلُ الكِتابِ " قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهي قِراءَةٌ في مَعْرِضِ البَيانِ، لا في مَعْرِضِ التِّلاوَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ: " والمُشْرِكُونَ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ. وقَرَأ أُبَيٌّ " فَما كانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ " . قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ بِرَفْعِ " رَسُولٍ " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ كُلٍّ مِن كُلٍّ مُبالَغَةً، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ. قالَ الزَّجّاجُ: رَسُولٌ رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ البَيِّنَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ: أيْ هي رَسُولٌ أوْ هو رَسُولٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ " رَسُولًا " بِالنَّصْبِ عَلى القَطْعِ، وقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِرَسُولٍ: أيْ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ، ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِنَفْسِ رَسُولٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن صُحُفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِرَسُولٍ، أوْ حالًا مِن مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ. ومَعْنى يَتْلُو: يَقْرَأُ، يُقالُ تَلا يَتْلُو تِلاوَةً، والصُّحُفُ جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وهي ظَرْفُ المَكْتُوبِ، ومَعْنى مُطَهَّرَةً: أنَّها مُنَزَّهَةٌ مِنَ الزُّورِ والضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ مُطَهَّرَةٌ مِنَ الكَذِبِ والشُّبُهاتِ والكُفْرِ، والمَعْنى واحِدٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقْرَأُ ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها لِأنَّهُ كانَ ﷺ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ صِفَةٌ لِ صُحُفًا أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها، والمُرادُ الآياتُ والأحْكامُ المَكْتُوبَةُ فِيها، والقِيمَةُ المُسْتَقِيمَةُ المُسْتَوِيَةُ المَحْكَمَةُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: قامَ الشَّيْءُ: إذا اسْتَوى وصَحَّ. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: الكُتُبُ بِمَعْنى الحُكْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] أيْ حَكَمَ، وقَوْلِهِ ﷺ في قِصَّةِ العَسِيفِ: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ ثُمَّ قَضى بِالرَّجْمِ، ولَيْسَ الرَّجْمُ في كِتابِ اللَّهِ، فالمَعْنى: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِحُكْمِ اللَّهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما قِيلَ إنَّ الصُّحُفَ هي الكُتُبُ، فَكَيْفَ قالَ ﴿صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي بِالصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي في السَّماءِ، يَعْنِي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَوْبِيخِ أهْلِ الكِتابِ وتَقْرِيعِهِمْ، وبَيانِ أنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِن عَدَمِ الِانْفِكاكِ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِباهِ الأمْرِ، بَلْ كانَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وظُهُورِ الصَّوابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزَلْ أهْلُ الكِتابِ مُجْتَمِعِينَ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا في أمْرِهِ واخْتَلَفُوا، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَفَرَ آخَرُونَ. وخَصَّ أهْلَ الكِتابِ، وإنْ كانَ غَيْرُهم مِثْلَهم في التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عِلْمٍ، فَإذا تَفَرَّقُوا كانَ غَيْرُهم مِمَّنْ لا كِتابَ لَهُ أُدْخِلَ في هَذا الوَصْفِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ: أيْ وما تَفَرَّقُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الحُجَّةُ الواضِحَةُ، وهي بَعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ والمَحَجَّةِ البَيْضاءِ. وقِيلَ: البَيِّنَةُ: البَيانُ الَّذِي في كُتُبِهِمْ أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [آل عمران: ١٩] قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ حُكْمُها فِيمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ إلَخْ فِيمَن لَمْ يُؤْمِنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ بَعْدَ قِيامِ الحُجَجِ. وجُمْلَةُ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُفِيدَةٌ لِتَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما فَعَلُوا مِنَ التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ: أيْ والحالُ أنَّهم ما أُمِرُوا في كُتُبِهِمْ إلّا لِأجْلِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويُوَحِّدُوهُ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ جاعِلِينَ دِينَهم خالِصًا لَهُ سُبْحانَهُ أوْ جاعِلِينَ أنْفُسَهم خالِصَةً لَهُ في الدِّينِ، وقِيلَ إنَّ اللّامَ في لِيَعْبُدُوا بِمَعْنى أنْ: أيْ ما أُمِرُوا إلّا (p-١٦٤٤)بِأنْ يَعْبُدُوا كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم﴾ [النساء: ٢٦] أيْ أنْ يُبَيِّنَ، و﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] أيْ أنْ يُطْفِئُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ مُخْلِصِينَ بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها. وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ في العِباداتِ لِأنَّ الإخْلاصَ مِن عَمَلِ القَلْبِ، وانْتِصابُ حُنَفاءَ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُخْلِصِينَ، فَتَكُونُ مِن بابِ التَّداخُلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن فاعِلِ يَعْبُدُوا، والمَعْنى: مائِلِينَ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها إلى دِينِ الإسْلامِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ أنْ يَحْنِفَ إلى دِينِ الإسْلامِ: أيْ يَمِيلَ إلَيْهِ ﴿ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ أيْ يَفْعَلُوا الصَّلَواتِ في أوْقاتِها، ويُعْطُوا الزَّكاةَ عِنْدَ مَحَلِّها، وخَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ أرْكانِ الدِّينِ. قِيلَ إنْ أُرِيدَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما في شَرِيعَةِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ ما في شَرِيعَتِنا فَمَعْنى أمَرَهم بِهِما في الكِتابَيْنِ أمَرَهم بِاتِّباعِ شَرِيعَتِنا، وهُما مِن جُمْلَةِ ما وقَعَ الأمْرُ بِهِ فِيها ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ وذَلِكَ المَذْكُورُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وإخْلاصِها وإقامَةِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذَلِكَ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، فالقَيِّمَةُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الخَلِيلُ: القَيِّمَةُ جَمْعُ القَيِّمِ، والقَيِّمُ: القائِمُ. قالَ الفَرّاءُ: أضافَ الدِّينَ إلى القَيِّمَةِ، وهو نَعْتُهُ لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. وقالَ أيْضًا: هو مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، ودَخَلَتِ الهاءُ لِلْمَدْحِ والمُبالَغَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ المَوْصُولُ اسْمُ إنَّ، والمُشْرِكِينَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وخَبَرُها في نارِ جَهَنَّمَ وخالِدِينَ فِيها حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ والمُشْرِكِينَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى أهْلِ الكِتابِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ أنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ المُتَّصِفِينَ بِالكَوْنِ في نارِ جَهَنَّمَ والخُلُودِ فِيها ﴿هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ أيِ الخَلِيقَةِ، يُقالُ بَرَأ: أيْ خَلَقَ، والبارِئُ الخالِقُ، والبَرِيَّةُ الخَلِيقَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ البَرِيَّةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ في المَوْضِعَيْنِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ فِيهِما بِالهَمْزِ. قالَ الفَرّاءُ: إنْ أخَذْتَ البَرِيَّةَ مِنَ البَراءِ وهو التُّرابُ لَمْ تَدْخُلِ المَلائِكَةُ تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ، وإنْ أخَذْتَها مَن بَرَيْتُ القَلَمَ: أيْ قَدَرْتُهُ دَخَلَتْ. وقِيلَ إنَّ الهَمْزَ هو الأصْلُ لِأنَّهُ يُقالُ بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ بِالهَمْزِ: أيِ ابْتَدَعَهُ واخْتَرَعَهُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢] ولَكِنَّها خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ، والتُزِمَ تَخْفِيفُها عِنْدَ عامَّةِ العَرَبِ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ الفَرِيقِ الآخَرِ فَقالَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِهَذا ﴿هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ: والمُرادُ أنَّ أُولَئِكَ شَرُّ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرُّ مِنهم، وهَؤُلاءِ خَيْرُ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في مُؤْمِنِي الأُمَمِ السّابِقَةِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم. ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ ثَوابُهم عِنْدَ خالِقِهِمْ بِمُقابَلَةِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والمُرادُ بِجَنّاتِ عَدْنٍ هي أوْسَطُ الجَنّاتِ وأفْضَلُها، يُقالُ عَدَنَ بِالمَكانِ يَعْدُنُ عَدْنًا: أيْ أقامَ، ومَعْدِنُ الشَّيْءِ: مَرْكَزُهُ ومُسْتَقَرُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎وإنْ يَتَضافُوا إلى عِلْمِهِ يُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنْ وقَدْ قَدَّمْنا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالجَنّاتِ الأشْجارُ المُلْتَفَّةُ، فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ مَجْمُوعُ قَرارِ الأرْضِ والشَّجَرِ، فَجَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها بِاعْتِبارِ جُزْئِها الظّاهِرِ، وهو الشَّجَرُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَخْرُجُونَ مِنها ولا يَظْعَنُونَ عَنْها، بَلْ هم دائِمُونَ في نَعِيمِها مُسْتَمِرُّونَ في لَذّاتِها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى مُجَرَّدِ الجَزاءِ، وهو رِضْوانُهُ عَنْهم حَيْثُ أطاعُوا أمْرَهُ وقَبِلُوا شَرائِعَهُ، ورِضاهم عَنْهُ حَيْثُ بَلَغُوا مِنَ المَطالِبِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِإضْمارِ قَدْ ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الجَزاءُ والرِّضْوانُ لِمَن وقَعَتْ مِنهُ الخَشْيَةُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ في الدُّنْيا وانْتَهى عَنْ مَعاصِيهِ بِسَبَبِ تِلْكَ الخَشْيَةِ الَّتِي وقَعَتْ لَهُ لا مُجَرَّدِ الخَشْيَةِ مَعَ الِانْهِماكِ في مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ فَإنَّها لَيْسَتْ بِخَشْيَةٍ عَلى الحَقِيقَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُنْفَكِّينَ قالَ: بَرِحِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أتَعْجَبُونَ مِن مَنزِلَةِ المَلائِكَةِ مِنَ اللَّهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنزِلَةُ العَبْدِ المُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ أعْظَمُ مِن مَنزِلَةِ مَلَكٍ، واقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ ؟ قالَ: يا عائِشَةُ أما تَقْرَئِينَ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأقْبَلَ عَلِيٌّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ هَذا وشِيعَتَهُ لَهُمُ الفائِزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ فَكانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا أقْبَلَ قالُوا: قَدْ جاءَ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «عَلِيٌّ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: هو أنْتَ وشِيعَتُكَ يَوْمَ القِيامَةِ راضِينَ مَرْضِيِّينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرِ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: رَجُلٌ أخَذَ بِعِنانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ كُلَّما كانَتْ هَيْعَةٌ اسْتَوى عَلَيْهِ، ألا أُخْبِرُكم بِشَرِّ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا بَلى، (p-١٦٤٥)قالَ: الَّذِي يَسْألُ بِاللَّهِ ولا يُعْطِي بِهِ» . قالَ أحْمَدُ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ عِيسى، حَدَّثَنا أبُو مَعْشَرٍ عَنْ أبِي وهْبٍ مَوْلى أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ.

البينة 98:2

وهي مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي حَكِيمٍ المُزَنِيِّ، حَدَّثَنِي فَضْلٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يَسْتَمِعُ قِراءَةَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَيَقُولُ: أبْشِرْ عَبْدِي وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُمْكِنَنَّ لَكَ في الجَنَّةِ حَتّى تَرْضى» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وأخْرَجَهُ أبُو مُوسى المَدِينِيُّ عَنْ مَطَرٍ المُزَنِيِّ، أوِ المَدَنِيِّ بِنَحْوِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: وسَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. فَبَكى» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ قانِعٍ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيَّةَ البَدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ إلى آخِرِها قالَ جِبْرِيلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: إنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي أنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَقالَ أُبَيٌّ: وقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَبَكى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُرادُ بِـ المُشْرِكِينَ مُشْرِكُو العَرَبِ، وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، ومُنْفَكِّينَ خَبَرُ كانَ، يُقالُ فَكَكْتُ الشَّيْءَ فانْفَكَّ: أيِ انْفَصَلَ، والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُفارِقِينَ لِكُفْرِهِمْ ولا مُنْتَهِينَ عَنْهُ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وقِيلَ الِانْفِكاكُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ وبُلُوغِ الغايَةِ: أيْ لَمْ يَكُونُوا يَبْلُغُونَ نِهايَةَ أعْمارِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، وقِيلَ مُنْفَكِّينَ: زائِلِينَ: أيْ لَمْ تَكُنْ مُدَّتُهم لِتَزُولَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، يُقالُ ما انْفَكَّ فُلانٌ قائِمًا: أيْ ما زالَ قائِمًا، وأصْلُ الفَكِّ الفَتْحُ، ومِنهُ فَكُّ الخَلْخالِ. وقِيلَ مُنْفَكِّينَ بارِحِينَ: أيْ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْرَحُوا أوْ يُفارِقُوا الدُّنْيا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى (p-١٦٤٣)لَمْ يَكُنْ أهْلُ الكِتابِ تارِكِينَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى يُبْعَثَ، فَلَمّا بُعِثَ حَسَدُوهُ وجَحَدُوهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: والمُشْرِكِينَ أنَّهم ما كانُوا يُسِيئُونَ القَوْلَ في مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى بُعِثَ، فَإنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ، فَلَمّا بُعِثَ عادَوْهُ وأساءُوا القَوْلَ فِيهِ. وقِيلَ: مُنْفَكِّينَ هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمُ: انْفَكَّ صُلْبُهُ: أيِ انْفَصَلَ فَلَمْ يَلْتَئِمْ فَيَهْلِكُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ إنَّ المُشْرِكِينَ هم أهْلُ الكِتابِ، فَيَكُونُ وصْفًا لَهم لِأنَّهم قالُوا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم لَنْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ حَتّى أتاهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِالقُرْآنِ، فَبَيَّنَ لَهم ضَلالَتَهم وجَهالَتَهم ودَعاهم إلى الإيمانِ، وهَذا بَيانٌ عَنِ النِّعْمَةِ والإنْقاذِ بِهِ مِنَ الجَهْلِ والضَّلالَةِ والآيَةُ في مَن آمَنَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ، وسَلَكُوا في تَفْسِيرِها طُرُقًا لا تُفْضِي بِهِمْ إلى الصَّوابِ. والوَجْهُ ما أخْبَرْتُكَ فاحْمَدِ اللَّهَ إذْ أتاكَ بَيانُها مِن غَيْرِ لَبْسٍ ولا إشْكالٍ. قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ البَيِّنَةَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَها وأُبْدِلَ مِنها فَقالَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَعْنِي ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها، وهو القُرْآنُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وقِيلَ إنَّ الآيَةَ حِكايَةٌ لِما كانَ يَقُولُهُ أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ إنَّهم لا يُفارِقُونَ دِينَهم حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ بِهِ، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ السُّورَةِ. والبَيِّنَةُ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، لِأنَّهُ في نَفْسِهِ بَيِّنَةٌ وحُجَّةٌ ولِذَلِكَ سَمّاهُ سِراجًا مُنِيرًا. وقَدْ فَسَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ البَيِّنَةَ المُجْمَلَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فاتَّضَحَ الأمْرُ وتَبَيَّنَ أنَّهُ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: البَيِّنَةُ هي القُرْآنُ كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِالبَيِّنَةِ مُطْلَقُ الرُّسُلِ، والمَعْنى: حَتّى تَأْتِيَهم رُسُلٌ مِنَ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ وأهْلُ الكِتابِ " قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهي قِراءَةٌ في مَعْرِضِ البَيانِ، لا في مَعْرِضِ التِّلاوَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ: " والمُشْرِكُونَ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ. وقَرَأ أُبَيٌّ " فَما كانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ " . قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ بِرَفْعِ " رَسُولٍ " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ كُلٍّ مِن كُلٍّ مُبالَغَةً، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ. قالَ الزَّجّاجُ: رَسُولٌ رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ البَيِّنَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ: أيْ هي رَسُولٌ أوْ هو رَسُولٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ " رَسُولًا " بِالنَّصْبِ عَلى القَطْعِ، وقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِرَسُولٍ: أيْ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ، ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِنَفْسِ رَسُولٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن صُحُفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِرَسُولٍ، أوْ حالًا مِن مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ. ومَعْنى يَتْلُو: يَقْرَأُ، يُقالُ تَلا يَتْلُو تِلاوَةً، والصُّحُفُ جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وهي ظَرْفُ المَكْتُوبِ، ومَعْنى مُطَهَّرَةً: أنَّها مُنَزَّهَةٌ مِنَ الزُّورِ والضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ مُطَهَّرَةٌ مِنَ الكَذِبِ والشُّبُهاتِ والكُفْرِ، والمَعْنى واحِدٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقْرَأُ ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها لِأنَّهُ كانَ ﷺ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ صِفَةٌ لِ صُحُفًا أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها، والمُرادُ الآياتُ والأحْكامُ المَكْتُوبَةُ فِيها، والقِيمَةُ المُسْتَقِيمَةُ المُسْتَوِيَةُ المَحْكَمَةُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: قامَ الشَّيْءُ: إذا اسْتَوى وصَحَّ. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: الكُتُبُ بِمَعْنى الحُكْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] أيْ حَكَمَ، وقَوْلِهِ ﷺ في قِصَّةِ العَسِيفِ: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ ثُمَّ قَضى بِالرَّجْمِ، ولَيْسَ الرَّجْمُ في كِتابِ اللَّهِ، فالمَعْنى: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِحُكْمِ اللَّهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما قِيلَ إنَّ الصُّحُفَ هي الكُتُبُ، فَكَيْفَ قالَ ﴿صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي بِالصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي في السَّماءِ، يَعْنِي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَوْبِيخِ أهْلِ الكِتابِ وتَقْرِيعِهِمْ، وبَيانِ أنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِن عَدَمِ الِانْفِكاكِ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِباهِ الأمْرِ، بَلْ كانَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وظُهُورِ الصَّوابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزَلْ أهْلُ الكِتابِ مُجْتَمِعِينَ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا في أمْرِهِ واخْتَلَفُوا، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَفَرَ آخَرُونَ. وخَصَّ أهْلَ الكِتابِ، وإنْ كانَ غَيْرُهم مِثْلَهم في التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عِلْمٍ، فَإذا تَفَرَّقُوا كانَ غَيْرُهم مِمَّنْ لا كِتابَ لَهُ أُدْخِلَ في هَذا الوَصْفِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ: أيْ وما تَفَرَّقُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الحُجَّةُ الواضِحَةُ، وهي بَعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ والمَحَجَّةِ البَيْضاءِ. وقِيلَ: البَيِّنَةُ: البَيانُ الَّذِي في كُتُبِهِمْ أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [آل عمران: ١٩] قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ حُكْمُها فِيمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ إلَخْ فِيمَن لَمْ يُؤْمِنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ بَعْدَ قِيامِ الحُجَجِ. وجُمْلَةُ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُفِيدَةٌ لِتَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما فَعَلُوا مِنَ التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ: أيْ والحالُ أنَّهم ما أُمِرُوا في كُتُبِهِمْ إلّا لِأجْلِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويُوَحِّدُوهُ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ جاعِلِينَ دِينَهم خالِصًا لَهُ سُبْحانَهُ أوْ جاعِلِينَ أنْفُسَهم خالِصَةً لَهُ في الدِّينِ، وقِيلَ إنَّ اللّامَ في لِيَعْبُدُوا بِمَعْنى أنْ: أيْ ما أُمِرُوا إلّا (p-١٦٤٤)بِأنْ يَعْبُدُوا كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم﴾ [النساء: ٢٦] أيْ أنْ يُبَيِّنَ، و﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] أيْ أنْ يُطْفِئُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ مُخْلِصِينَ بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها. وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ في العِباداتِ لِأنَّ الإخْلاصَ مِن عَمَلِ القَلْبِ، وانْتِصابُ حُنَفاءَ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُخْلِصِينَ، فَتَكُونُ مِن بابِ التَّداخُلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن فاعِلِ يَعْبُدُوا، والمَعْنى: مائِلِينَ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها إلى دِينِ الإسْلامِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ أنْ يَحْنِفَ إلى دِينِ الإسْلامِ: أيْ يَمِيلَ إلَيْهِ ﴿ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ أيْ يَفْعَلُوا الصَّلَواتِ في أوْقاتِها، ويُعْطُوا الزَّكاةَ عِنْدَ مَحَلِّها، وخَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ أرْكانِ الدِّينِ. قِيلَ إنْ أُرِيدَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما في شَرِيعَةِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ ما في شَرِيعَتِنا فَمَعْنى أمَرَهم بِهِما في الكِتابَيْنِ أمَرَهم بِاتِّباعِ شَرِيعَتِنا، وهُما مِن جُمْلَةِ ما وقَعَ الأمْرُ بِهِ فِيها ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ وذَلِكَ المَذْكُورُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وإخْلاصِها وإقامَةِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذَلِكَ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، فالقَيِّمَةُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الخَلِيلُ: القَيِّمَةُ جَمْعُ القَيِّمِ، والقَيِّمُ: القائِمُ. قالَ الفَرّاءُ: أضافَ الدِّينَ إلى القَيِّمَةِ، وهو نَعْتُهُ لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. وقالَ أيْضًا: هو مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، ودَخَلَتِ الهاءُ لِلْمَدْحِ والمُبالَغَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ المَوْصُولُ اسْمُ إنَّ، والمُشْرِكِينَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وخَبَرُها في نارِ جَهَنَّمَ وخالِدِينَ فِيها حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ والمُشْرِكِينَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى أهْلِ الكِتابِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ أنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ المُتَّصِفِينَ بِالكَوْنِ في نارِ جَهَنَّمَ والخُلُودِ فِيها ﴿هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ أيِ الخَلِيقَةِ، يُقالُ بَرَأ: أيْ خَلَقَ، والبارِئُ الخالِقُ، والبَرِيَّةُ الخَلِيقَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ البَرِيَّةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ في المَوْضِعَيْنِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ فِيهِما بِالهَمْزِ. قالَ الفَرّاءُ: إنْ أخَذْتَ البَرِيَّةَ مِنَ البَراءِ وهو التُّرابُ لَمْ تَدْخُلِ المَلائِكَةُ تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ، وإنْ أخَذْتَها مَن بَرَيْتُ القَلَمَ: أيْ قَدَرْتُهُ دَخَلَتْ. وقِيلَ إنَّ الهَمْزَ هو الأصْلُ لِأنَّهُ يُقالُ بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ بِالهَمْزِ: أيِ ابْتَدَعَهُ واخْتَرَعَهُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢] ولَكِنَّها خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ، والتُزِمَ تَخْفِيفُها عِنْدَ عامَّةِ العَرَبِ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ الفَرِيقِ الآخَرِ فَقالَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِهَذا ﴿هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ: والمُرادُ أنَّ أُولَئِكَ شَرُّ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرُّ مِنهم، وهَؤُلاءِ خَيْرُ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في مُؤْمِنِي الأُمَمِ السّابِقَةِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم. ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ ثَوابُهم عِنْدَ خالِقِهِمْ بِمُقابَلَةِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والمُرادُ بِجَنّاتِ عَدْنٍ هي أوْسَطُ الجَنّاتِ وأفْضَلُها، يُقالُ عَدَنَ بِالمَكانِ يَعْدُنُ عَدْنًا: أيْ أقامَ، ومَعْدِنُ الشَّيْءِ: مَرْكَزُهُ ومُسْتَقَرُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎وإنْ يَتَضافُوا إلى عِلْمِهِ يُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنْ وقَدْ قَدَّمْنا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالجَنّاتِ الأشْجارُ المُلْتَفَّةُ، فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ مَجْمُوعُ قَرارِ الأرْضِ والشَّجَرِ، فَجَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها بِاعْتِبارِ جُزْئِها الظّاهِرِ، وهو الشَّجَرُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَخْرُجُونَ مِنها ولا يَظْعَنُونَ عَنْها، بَلْ هم دائِمُونَ في نَعِيمِها مُسْتَمِرُّونَ في لَذّاتِها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى مُجَرَّدِ الجَزاءِ، وهو رِضْوانُهُ عَنْهم حَيْثُ أطاعُوا أمْرَهُ وقَبِلُوا شَرائِعَهُ، ورِضاهم عَنْهُ حَيْثُ بَلَغُوا مِنَ المَطالِبِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِإضْمارِ قَدْ ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الجَزاءُ والرِّضْوانُ لِمَن وقَعَتْ مِنهُ الخَشْيَةُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ في الدُّنْيا وانْتَهى عَنْ مَعاصِيهِ بِسَبَبِ تِلْكَ الخَشْيَةِ الَّتِي وقَعَتْ لَهُ لا مُجَرَّدِ الخَشْيَةِ مَعَ الِانْهِماكِ في مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ فَإنَّها لَيْسَتْ بِخَشْيَةٍ عَلى الحَقِيقَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُنْفَكِّينَ قالَ: بَرِحِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أتَعْجَبُونَ مِن مَنزِلَةِ المَلائِكَةِ مِنَ اللَّهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنزِلَةُ العَبْدِ المُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ أعْظَمُ مِن مَنزِلَةِ مَلَكٍ، واقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ ؟ قالَ: يا عائِشَةُ أما تَقْرَئِينَ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأقْبَلَ عَلِيٌّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ هَذا وشِيعَتَهُ لَهُمُ الفائِزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ فَكانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا أقْبَلَ قالُوا: قَدْ جاءَ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «عَلِيٌّ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: هو أنْتَ وشِيعَتُكَ يَوْمَ القِيامَةِ راضِينَ مَرْضِيِّينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرِ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: رَجُلٌ أخَذَ بِعِنانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ كُلَّما كانَتْ هَيْعَةٌ اسْتَوى عَلَيْهِ، ألا أُخْبِرُكم بِشَرِّ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا بَلى، (p-١٦٤٥)قالَ: الَّذِي يَسْألُ بِاللَّهِ ولا يُعْطِي بِهِ» . قالَ أحْمَدُ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ عِيسى، حَدَّثَنا أبُو مَعْشَرٍ عَنْ أبِي وهْبٍ مَوْلى أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ.

البينة 98:3

وهي مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي حَكِيمٍ المُزَنِيِّ، حَدَّثَنِي فَضْلٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يَسْتَمِعُ قِراءَةَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَيَقُولُ: أبْشِرْ عَبْدِي وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُمْكِنَنَّ لَكَ في الجَنَّةِ حَتّى تَرْضى» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وأخْرَجَهُ أبُو مُوسى المَدِينِيُّ عَنْ مَطَرٍ المُزَنِيِّ، أوِ المَدَنِيِّ بِنَحْوِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: وسَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. فَبَكى» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ قانِعٍ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيَّةَ البَدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ إلى آخِرِها قالَ جِبْرِيلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: إنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي أنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَقالَ أُبَيٌّ: وقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَبَكى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُرادُ بِـ المُشْرِكِينَ مُشْرِكُو العَرَبِ، وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، ومُنْفَكِّينَ خَبَرُ كانَ، يُقالُ فَكَكْتُ الشَّيْءَ فانْفَكَّ: أيِ انْفَصَلَ، والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُفارِقِينَ لِكُفْرِهِمْ ولا مُنْتَهِينَ عَنْهُ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وقِيلَ الِانْفِكاكُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ وبُلُوغِ الغايَةِ: أيْ لَمْ يَكُونُوا يَبْلُغُونَ نِهايَةَ أعْمارِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، وقِيلَ مُنْفَكِّينَ: زائِلِينَ: أيْ لَمْ تَكُنْ مُدَّتُهم لِتَزُولَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، يُقالُ ما انْفَكَّ فُلانٌ قائِمًا: أيْ ما زالَ قائِمًا، وأصْلُ الفَكِّ الفَتْحُ، ومِنهُ فَكُّ الخَلْخالِ. وقِيلَ مُنْفَكِّينَ بارِحِينَ: أيْ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْرَحُوا أوْ يُفارِقُوا الدُّنْيا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى (p-١٦٤٣)لَمْ يَكُنْ أهْلُ الكِتابِ تارِكِينَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى يُبْعَثَ، فَلَمّا بُعِثَ حَسَدُوهُ وجَحَدُوهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: والمُشْرِكِينَ أنَّهم ما كانُوا يُسِيئُونَ القَوْلَ في مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى بُعِثَ، فَإنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ، فَلَمّا بُعِثَ عادَوْهُ وأساءُوا القَوْلَ فِيهِ. وقِيلَ: مُنْفَكِّينَ هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمُ: انْفَكَّ صُلْبُهُ: أيِ انْفَصَلَ فَلَمْ يَلْتَئِمْ فَيَهْلِكُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ إنَّ المُشْرِكِينَ هم أهْلُ الكِتابِ، فَيَكُونُ وصْفًا لَهم لِأنَّهم قالُوا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم لَنْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ حَتّى أتاهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِالقُرْآنِ، فَبَيَّنَ لَهم ضَلالَتَهم وجَهالَتَهم ودَعاهم إلى الإيمانِ، وهَذا بَيانٌ عَنِ النِّعْمَةِ والإنْقاذِ بِهِ مِنَ الجَهْلِ والضَّلالَةِ والآيَةُ في مَن آمَنَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ، وسَلَكُوا في تَفْسِيرِها طُرُقًا لا تُفْضِي بِهِمْ إلى الصَّوابِ. والوَجْهُ ما أخْبَرْتُكَ فاحْمَدِ اللَّهَ إذْ أتاكَ بَيانُها مِن غَيْرِ لَبْسٍ ولا إشْكالٍ. قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ البَيِّنَةَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَها وأُبْدِلَ مِنها فَقالَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَعْنِي ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها، وهو القُرْآنُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وقِيلَ إنَّ الآيَةَ حِكايَةٌ لِما كانَ يَقُولُهُ أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ إنَّهم لا يُفارِقُونَ دِينَهم حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ بِهِ، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ السُّورَةِ. والبَيِّنَةُ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، لِأنَّهُ في نَفْسِهِ بَيِّنَةٌ وحُجَّةٌ ولِذَلِكَ سَمّاهُ سِراجًا مُنِيرًا. وقَدْ فَسَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ البَيِّنَةَ المُجْمَلَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فاتَّضَحَ الأمْرُ وتَبَيَّنَ أنَّهُ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: البَيِّنَةُ هي القُرْآنُ كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِالبَيِّنَةِ مُطْلَقُ الرُّسُلِ، والمَعْنى: حَتّى تَأْتِيَهم رُسُلٌ مِنَ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ وأهْلُ الكِتابِ " قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهي قِراءَةٌ في مَعْرِضِ البَيانِ، لا في مَعْرِضِ التِّلاوَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ: " والمُشْرِكُونَ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ. وقَرَأ أُبَيٌّ " فَما كانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ " . قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ بِرَفْعِ " رَسُولٍ " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ كُلٍّ مِن كُلٍّ مُبالَغَةً، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ. قالَ الزَّجّاجُ: رَسُولٌ رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ البَيِّنَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ: أيْ هي رَسُولٌ أوْ هو رَسُولٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ " رَسُولًا " بِالنَّصْبِ عَلى القَطْعِ، وقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِرَسُولٍ: أيْ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ، ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِنَفْسِ رَسُولٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن صُحُفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِرَسُولٍ، أوْ حالًا مِن مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ. ومَعْنى يَتْلُو: يَقْرَأُ، يُقالُ تَلا يَتْلُو تِلاوَةً، والصُّحُفُ جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وهي ظَرْفُ المَكْتُوبِ، ومَعْنى مُطَهَّرَةً: أنَّها مُنَزَّهَةٌ مِنَ الزُّورِ والضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ مُطَهَّرَةٌ مِنَ الكَذِبِ والشُّبُهاتِ والكُفْرِ، والمَعْنى واحِدٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقْرَأُ ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها لِأنَّهُ كانَ ﷺ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ صِفَةٌ لِ صُحُفًا أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها، والمُرادُ الآياتُ والأحْكامُ المَكْتُوبَةُ فِيها، والقِيمَةُ المُسْتَقِيمَةُ المُسْتَوِيَةُ المَحْكَمَةُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: قامَ الشَّيْءُ: إذا اسْتَوى وصَحَّ. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: الكُتُبُ بِمَعْنى الحُكْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] أيْ حَكَمَ، وقَوْلِهِ ﷺ في قِصَّةِ العَسِيفِ: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ ثُمَّ قَضى بِالرَّجْمِ، ولَيْسَ الرَّجْمُ في كِتابِ اللَّهِ، فالمَعْنى: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِحُكْمِ اللَّهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما قِيلَ إنَّ الصُّحُفَ هي الكُتُبُ، فَكَيْفَ قالَ ﴿صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي بِالصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي في السَّماءِ، يَعْنِي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَوْبِيخِ أهْلِ الكِتابِ وتَقْرِيعِهِمْ، وبَيانِ أنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِن عَدَمِ الِانْفِكاكِ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِباهِ الأمْرِ، بَلْ كانَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وظُهُورِ الصَّوابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزَلْ أهْلُ الكِتابِ مُجْتَمِعِينَ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا في أمْرِهِ واخْتَلَفُوا، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَفَرَ آخَرُونَ. وخَصَّ أهْلَ الكِتابِ، وإنْ كانَ غَيْرُهم مِثْلَهم في التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عِلْمٍ، فَإذا تَفَرَّقُوا كانَ غَيْرُهم مِمَّنْ لا كِتابَ لَهُ أُدْخِلَ في هَذا الوَصْفِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ: أيْ وما تَفَرَّقُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الحُجَّةُ الواضِحَةُ، وهي بَعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ والمَحَجَّةِ البَيْضاءِ. وقِيلَ: البَيِّنَةُ: البَيانُ الَّذِي في كُتُبِهِمْ أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [آل عمران: ١٩] قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ حُكْمُها فِيمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ إلَخْ فِيمَن لَمْ يُؤْمِنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ بَعْدَ قِيامِ الحُجَجِ. وجُمْلَةُ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُفِيدَةٌ لِتَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما فَعَلُوا مِنَ التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ: أيْ والحالُ أنَّهم ما أُمِرُوا في كُتُبِهِمْ إلّا لِأجْلِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويُوَحِّدُوهُ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ جاعِلِينَ دِينَهم خالِصًا لَهُ سُبْحانَهُ أوْ جاعِلِينَ أنْفُسَهم خالِصَةً لَهُ في الدِّينِ، وقِيلَ إنَّ اللّامَ في لِيَعْبُدُوا بِمَعْنى أنْ: أيْ ما أُمِرُوا إلّا (p-١٦٤٤)بِأنْ يَعْبُدُوا كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم﴾ [النساء: ٢٦] أيْ أنْ يُبَيِّنَ، و﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] أيْ أنْ يُطْفِئُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ مُخْلِصِينَ بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها. وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ في العِباداتِ لِأنَّ الإخْلاصَ مِن عَمَلِ القَلْبِ، وانْتِصابُ حُنَفاءَ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُخْلِصِينَ، فَتَكُونُ مِن بابِ التَّداخُلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن فاعِلِ يَعْبُدُوا، والمَعْنى: مائِلِينَ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها إلى دِينِ الإسْلامِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ أنْ يَحْنِفَ إلى دِينِ الإسْلامِ: أيْ يَمِيلَ إلَيْهِ ﴿ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ أيْ يَفْعَلُوا الصَّلَواتِ في أوْقاتِها، ويُعْطُوا الزَّكاةَ عِنْدَ مَحَلِّها، وخَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ أرْكانِ الدِّينِ. قِيلَ إنْ أُرِيدَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما في شَرِيعَةِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ ما في شَرِيعَتِنا فَمَعْنى أمَرَهم بِهِما في الكِتابَيْنِ أمَرَهم بِاتِّباعِ شَرِيعَتِنا، وهُما مِن جُمْلَةِ ما وقَعَ الأمْرُ بِهِ فِيها ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ وذَلِكَ المَذْكُورُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وإخْلاصِها وإقامَةِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذَلِكَ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، فالقَيِّمَةُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الخَلِيلُ: القَيِّمَةُ جَمْعُ القَيِّمِ، والقَيِّمُ: القائِمُ. قالَ الفَرّاءُ: أضافَ الدِّينَ إلى القَيِّمَةِ، وهو نَعْتُهُ لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. وقالَ أيْضًا: هو مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، ودَخَلَتِ الهاءُ لِلْمَدْحِ والمُبالَغَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ المَوْصُولُ اسْمُ إنَّ، والمُشْرِكِينَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وخَبَرُها في نارِ جَهَنَّمَ وخالِدِينَ فِيها حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ والمُشْرِكِينَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى أهْلِ الكِتابِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ أنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ المُتَّصِفِينَ بِالكَوْنِ في نارِ جَهَنَّمَ والخُلُودِ فِيها ﴿هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ أيِ الخَلِيقَةِ، يُقالُ بَرَأ: أيْ خَلَقَ، والبارِئُ الخالِقُ، والبَرِيَّةُ الخَلِيقَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ البَرِيَّةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ في المَوْضِعَيْنِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ فِيهِما بِالهَمْزِ. قالَ الفَرّاءُ: إنْ أخَذْتَ البَرِيَّةَ مِنَ البَراءِ وهو التُّرابُ لَمْ تَدْخُلِ المَلائِكَةُ تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ، وإنْ أخَذْتَها مَن بَرَيْتُ القَلَمَ: أيْ قَدَرْتُهُ دَخَلَتْ. وقِيلَ إنَّ الهَمْزَ هو الأصْلُ لِأنَّهُ يُقالُ بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ بِالهَمْزِ: أيِ ابْتَدَعَهُ واخْتَرَعَهُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢] ولَكِنَّها خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ، والتُزِمَ تَخْفِيفُها عِنْدَ عامَّةِ العَرَبِ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ الفَرِيقِ الآخَرِ فَقالَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِهَذا ﴿هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ: والمُرادُ أنَّ أُولَئِكَ شَرُّ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرُّ مِنهم، وهَؤُلاءِ خَيْرُ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في مُؤْمِنِي الأُمَمِ السّابِقَةِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم. ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ ثَوابُهم عِنْدَ خالِقِهِمْ بِمُقابَلَةِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والمُرادُ بِجَنّاتِ عَدْنٍ هي أوْسَطُ الجَنّاتِ وأفْضَلُها، يُقالُ عَدَنَ بِالمَكانِ يَعْدُنُ عَدْنًا: أيْ أقامَ، ومَعْدِنُ الشَّيْءِ: مَرْكَزُهُ ومُسْتَقَرُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎وإنْ يَتَضافُوا إلى عِلْمِهِ يُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنْ وقَدْ قَدَّمْنا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالجَنّاتِ الأشْجارُ المُلْتَفَّةُ، فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ مَجْمُوعُ قَرارِ الأرْضِ والشَّجَرِ، فَجَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها بِاعْتِبارِ جُزْئِها الظّاهِرِ، وهو الشَّجَرُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَخْرُجُونَ مِنها ولا يَظْعَنُونَ عَنْها، بَلْ هم دائِمُونَ في نَعِيمِها مُسْتَمِرُّونَ في لَذّاتِها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى مُجَرَّدِ الجَزاءِ، وهو رِضْوانُهُ عَنْهم حَيْثُ أطاعُوا أمْرَهُ وقَبِلُوا شَرائِعَهُ، ورِضاهم عَنْهُ حَيْثُ بَلَغُوا مِنَ المَطالِبِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِإضْمارِ قَدْ ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الجَزاءُ والرِّضْوانُ لِمَن وقَعَتْ مِنهُ الخَشْيَةُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ في الدُّنْيا وانْتَهى عَنْ مَعاصِيهِ بِسَبَبِ تِلْكَ الخَشْيَةِ الَّتِي وقَعَتْ لَهُ لا مُجَرَّدِ الخَشْيَةِ مَعَ الِانْهِماكِ في مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ فَإنَّها لَيْسَتْ بِخَشْيَةٍ عَلى الحَقِيقَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُنْفَكِّينَ قالَ: بَرِحِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أتَعْجَبُونَ مِن مَنزِلَةِ المَلائِكَةِ مِنَ اللَّهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنزِلَةُ العَبْدِ المُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ أعْظَمُ مِن مَنزِلَةِ مَلَكٍ، واقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ ؟ قالَ: يا عائِشَةُ أما تَقْرَئِينَ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأقْبَلَ عَلِيٌّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ هَذا وشِيعَتَهُ لَهُمُ الفائِزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ فَكانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا أقْبَلَ قالُوا: قَدْ جاءَ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «عَلِيٌّ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: هو أنْتَ وشِيعَتُكَ يَوْمَ القِيامَةِ راضِينَ مَرْضِيِّينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرِ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: رَجُلٌ أخَذَ بِعِنانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ كُلَّما كانَتْ هَيْعَةٌ اسْتَوى عَلَيْهِ، ألا أُخْبِرُكم بِشَرِّ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا بَلى، (p-١٦٤٥)قالَ: الَّذِي يَسْألُ بِاللَّهِ ولا يُعْطِي بِهِ» . قالَ أحْمَدُ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ عِيسى، حَدَّثَنا أبُو مَعْشَرٍ عَنْ أبِي وهْبٍ مَوْلى أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ.

البينة 98:4

وهي مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي حَكِيمٍ المُزَنِيِّ، حَدَّثَنِي فَضْلٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يَسْتَمِعُ قِراءَةَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَيَقُولُ: أبْشِرْ عَبْدِي وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُمْكِنَنَّ لَكَ في الجَنَّةِ حَتّى تَرْضى» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وأخْرَجَهُ أبُو مُوسى المَدِينِيُّ عَنْ مَطَرٍ المُزَنِيِّ، أوِ المَدَنِيِّ بِنَحْوِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: وسَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. فَبَكى» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ قانِعٍ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيَّةَ البَدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ إلى آخِرِها قالَ جِبْرِيلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: إنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي أنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَقالَ أُبَيٌّ: وقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَبَكى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُرادُ بِـ المُشْرِكِينَ مُشْرِكُو العَرَبِ، وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، ومُنْفَكِّينَ خَبَرُ كانَ، يُقالُ فَكَكْتُ الشَّيْءَ فانْفَكَّ: أيِ انْفَصَلَ، والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُفارِقِينَ لِكُفْرِهِمْ ولا مُنْتَهِينَ عَنْهُ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وقِيلَ الِانْفِكاكُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ وبُلُوغِ الغايَةِ: أيْ لَمْ يَكُونُوا يَبْلُغُونَ نِهايَةَ أعْمارِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، وقِيلَ مُنْفَكِّينَ: زائِلِينَ: أيْ لَمْ تَكُنْ مُدَّتُهم لِتَزُولَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، يُقالُ ما انْفَكَّ فُلانٌ قائِمًا: أيْ ما زالَ قائِمًا، وأصْلُ الفَكِّ الفَتْحُ، ومِنهُ فَكُّ الخَلْخالِ. وقِيلَ مُنْفَكِّينَ بارِحِينَ: أيْ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْرَحُوا أوْ يُفارِقُوا الدُّنْيا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى (p-١٦٤٣)لَمْ يَكُنْ أهْلُ الكِتابِ تارِكِينَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى يُبْعَثَ، فَلَمّا بُعِثَ حَسَدُوهُ وجَحَدُوهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: والمُشْرِكِينَ أنَّهم ما كانُوا يُسِيئُونَ القَوْلَ في مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى بُعِثَ، فَإنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ، فَلَمّا بُعِثَ عادَوْهُ وأساءُوا القَوْلَ فِيهِ. وقِيلَ: مُنْفَكِّينَ هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمُ: انْفَكَّ صُلْبُهُ: أيِ انْفَصَلَ فَلَمْ يَلْتَئِمْ فَيَهْلِكُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ إنَّ المُشْرِكِينَ هم أهْلُ الكِتابِ، فَيَكُونُ وصْفًا لَهم لِأنَّهم قالُوا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم لَنْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ حَتّى أتاهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِالقُرْآنِ، فَبَيَّنَ لَهم ضَلالَتَهم وجَهالَتَهم ودَعاهم إلى الإيمانِ، وهَذا بَيانٌ عَنِ النِّعْمَةِ والإنْقاذِ بِهِ مِنَ الجَهْلِ والضَّلالَةِ والآيَةُ في مَن آمَنَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ، وسَلَكُوا في تَفْسِيرِها طُرُقًا لا تُفْضِي بِهِمْ إلى الصَّوابِ. والوَجْهُ ما أخْبَرْتُكَ فاحْمَدِ اللَّهَ إذْ أتاكَ بَيانُها مِن غَيْرِ لَبْسٍ ولا إشْكالٍ. قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ البَيِّنَةَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَها وأُبْدِلَ مِنها فَقالَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَعْنِي ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها، وهو القُرْآنُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وقِيلَ إنَّ الآيَةَ حِكايَةٌ لِما كانَ يَقُولُهُ أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ إنَّهم لا يُفارِقُونَ دِينَهم حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ بِهِ، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ السُّورَةِ. والبَيِّنَةُ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، لِأنَّهُ في نَفْسِهِ بَيِّنَةٌ وحُجَّةٌ ولِذَلِكَ سَمّاهُ سِراجًا مُنِيرًا. وقَدْ فَسَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ البَيِّنَةَ المُجْمَلَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فاتَّضَحَ الأمْرُ وتَبَيَّنَ أنَّهُ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: البَيِّنَةُ هي القُرْآنُ كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِالبَيِّنَةِ مُطْلَقُ الرُّسُلِ، والمَعْنى: حَتّى تَأْتِيَهم رُسُلٌ مِنَ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ وأهْلُ الكِتابِ " قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهي قِراءَةٌ في مَعْرِضِ البَيانِ، لا في مَعْرِضِ التِّلاوَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ: " والمُشْرِكُونَ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ. وقَرَأ أُبَيٌّ " فَما كانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ " . قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ بِرَفْعِ " رَسُولٍ " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ كُلٍّ مِن كُلٍّ مُبالَغَةً، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ. قالَ الزَّجّاجُ: رَسُولٌ رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ البَيِّنَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ: أيْ هي رَسُولٌ أوْ هو رَسُولٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ " رَسُولًا " بِالنَّصْبِ عَلى القَطْعِ، وقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِرَسُولٍ: أيْ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ، ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِنَفْسِ رَسُولٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن صُحُفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِرَسُولٍ، أوْ حالًا مِن مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ. ومَعْنى يَتْلُو: يَقْرَأُ، يُقالُ تَلا يَتْلُو تِلاوَةً، والصُّحُفُ جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وهي ظَرْفُ المَكْتُوبِ، ومَعْنى مُطَهَّرَةً: أنَّها مُنَزَّهَةٌ مِنَ الزُّورِ والضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ مُطَهَّرَةٌ مِنَ الكَذِبِ والشُّبُهاتِ والكُفْرِ، والمَعْنى واحِدٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقْرَأُ ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها لِأنَّهُ كانَ ﷺ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ صِفَةٌ لِ صُحُفًا أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها، والمُرادُ الآياتُ والأحْكامُ المَكْتُوبَةُ فِيها، والقِيمَةُ المُسْتَقِيمَةُ المُسْتَوِيَةُ المَحْكَمَةُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: قامَ الشَّيْءُ: إذا اسْتَوى وصَحَّ. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: الكُتُبُ بِمَعْنى الحُكْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] أيْ حَكَمَ، وقَوْلِهِ ﷺ في قِصَّةِ العَسِيفِ: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ ثُمَّ قَضى بِالرَّجْمِ، ولَيْسَ الرَّجْمُ في كِتابِ اللَّهِ، فالمَعْنى: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِحُكْمِ اللَّهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما قِيلَ إنَّ الصُّحُفَ هي الكُتُبُ، فَكَيْفَ قالَ ﴿صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي بِالصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي في السَّماءِ، يَعْنِي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَوْبِيخِ أهْلِ الكِتابِ وتَقْرِيعِهِمْ، وبَيانِ أنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِن عَدَمِ الِانْفِكاكِ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِباهِ الأمْرِ، بَلْ كانَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وظُهُورِ الصَّوابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزَلْ أهْلُ الكِتابِ مُجْتَمِعِينَ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا في أمْرِهِ واخْتَلَفُوا، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَفَرَ آخَرُونَ. وخَصَّ أهْلَ الكِتابِ، وإنْ كانَ غَيْرُهم مِثْلَهم في التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عِلْمٍ، فَإذا تَفَرَّقُوا كانَ غَيْرُهم مِمَّنْ لا كِتابَ لَهُ أُدْخِلَ في هَذا الوَصْفِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ: أيْ وما تَفَرَّقُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الحُجَّةُ الواضِحَةُ، وهي بَعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ والمَحَجَّةِ البَيْضاءِ. وقِيلَ: البَيِّنَةُ: البَيانُ الَّذِي في كُتُبِهِمْ أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [آل عمران: ١٩] قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ حُكْمُها فِيمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ إلَخْ فِيمَن لَمْ يُؤْمِنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ بَعْدَ قِيامِ الحُجَجِ. وجُمْلَةُ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُفِيدَةٌ لِتَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما فَعَلُوا مِنَ التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ: أيْ والحالُ أنَّهم ما أُمِرُوا في كُتُبِهِمْ إلّا لِأجْلِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويُوَحِّدُوهُ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ جاعِلِينَ دِينَهم خالِصًا لَهُ سُبْحانَهُ أوْ جاعِلِينَ أنْفُسَهم خالِصَةً لَهُ في الدِّينِ، وقِيلَ إنَّ اللّامَ في لِيَعْبُدُوا بِمَعْنى أنْ: أيْ ما أُمِرُوا إلّا (p-١٦٤٤)بِأنْ يَعْبُدُوا كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم﴾ [النساء: ٢٦] أيْ أنْ يُبَيِّنَ، و﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] أيْ أنْ يُطْفِئُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ مُخْلِصِينَ بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها. وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ في العِباداتِ لِأنَّ الإخْلاصَ مِن عَمَلِ القَلْبِ، وانْتِصابُ حُنَفاءَ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُخْلِصِينَ، فَتَكُونُ مِن بابِ التَّداخُلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن فاعِلِ يَعْبُدُوا، والمَعْنى: مائِلِينَ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها إلى دِينِ الإسْلامِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ أنْ يَحْنِفَ إلى دِينِ الإسْلامِ: أيْ يَمِيلَ إلَيْهِ ﴿ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ أيْ يَفْعَلُوا الصَّلَواتِ في أوْقاتِها، ويُعْطُوا الزَّكاةَ عِنْدَ مَحَلِّها، وخَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ أرْكانِ الدِّينِ. قِيلَ إنْ أُرِيدَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما في شَرِيعَةِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ ما في شَرِيعَتِنا فَمَعْنى أمَرَهم بِهِما في الكِتابَيْنِ أمَرَهم بِاتِّباعِ شَرِيعَتِنا، وهُما مِن جُمْلَةِ ما وقَعَ الأمْرُ بِهِ فِيها ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ وذَلِكَ المَذْكُورُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وإخْلاصِها وإقامَةِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذَلِكَ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، فالقَيِّمَةُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الخَلِيلُ: القَيِّمَةُ جَمْعُ القَيِّمِ، والقَيِّمُ: القائِمُ. قالَ الفَرّاءُ: أضافَ الدِّينَ إلى القَيِّمَةِ، وهو نَعْتُهُ لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. وقالَ أيْضًا: هو مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، ودَخَلَتِ الهاءُ لِلْمَدْحِ والمُبالَغَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ المَوْصُولُ اسْمُ إنَّ، والمُشْرِكِينَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وخَبَرُها في نارِ جَهَنَّمَ وخالِدِينَ فِيها حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ والمُشْرِكِينَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى أهْلِ الكِتابِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ أنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ المُتَّصِفِينَ بِالكَوْنِ في نارِ جَهَنَّمَ والخُلُودِ فِيها ﴿هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ أيِ الخَلِيقَةِ، يُقالُ بَرَأ: أيْ خَلَقَ، والبارِئُ الخالِقُ، والبَرِيَّةُ الخَلِيقَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ البَرِيَّةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ في المَوْضِعَيْنِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ فِيهِما بِالهَمْزِ. قالَ الفَرّاءُ: إنْ أخَذْتَ البَرِيَّةَ مِنَ البَراءِ وهو التُّرابُ لَمْ تَدْخُلِ المَلائِكَةُ تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ، وإنْ أخَذْتَها مَن بَرَيْتُ القَلَمَ: أيْ قَدَرْتُهُ دَخَلَتْ. وقِيلَ إنَّ الهَمْزَ هو الأصْلُ لِأنَّهُ يُقالُ بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ بِالهَمْزِ: أيِ ابْتَدَعَهُ واخْتَرَعَهُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢] ولَكِنَّها خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ، والتُزِمَ تَخْفِيفُها عِنْدَ عامَّةِ العَرَبِ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ الفَرِيقِ الآخَرِ فَقالَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِهَذا ﴿هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ: والمُرادُ أنَّ أُولَئِكَ شَرُّ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرُّ مِنهم، وهَؤُلاءِ خَيْرُ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في مُؤْمِنِي الأُمَمِ السّابِقَةِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم. ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ ثَوابُهم عِنْدَ خالِقِهِمْ بِمُقابَلَةِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والمُرادُ بِجَنّاتِ عَدْنٍ هي أوْسَطُ الجَنّاتِ وأفْضَلُها، يُقالُ عَدَنَ بِالمَكانِ يَعْدُنُ عَدْنًا: أيْ أقامَ، ومَعْدِنُ الشَّيْءِ: مَرْكَزُهُ ومُسْتَقَرُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎وإنْ يَتَضافُوا إلى عِلْمِهِ يُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنْ وقَدْ قَدَّمْنا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالجَنّاتِ الأشْجارُ المُلْتَفَّةُ، فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ مَجْمُوعُ قَرارِ الأرْضِ والشَّجَرِ، فَجَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها بِاعْتِبارِ جُزْئِها الظّاهِرِ، وهو الشَّجَرُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَخْرُجُونَ مِنها ولا يَظْعَنُونَ عَنْها، بَلْ هم دائِمُونَ في نَعِيمِها مُسْتَمِرُّونَ في لَذّاتِها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى مُجَرَّدِ الجَزاءِ، وهو رِضْوانُهُ عَنْهم حَيْثُ أطاعُوا أمْرَهُ وقَبِلُوا شَرائِعَهُ، ورِضاهم عَنْهُ حَيْثُ بَلَغُوا مِنَ المَطالِبِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِإضْمارِ قَدْ ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الجَزاءُ والرِّضْوانُ لِمَن وقَعَتْ مِنهُ الخَشْيَةُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ في الدُّنْيا وانْتَهى عَنْ مَعاصِيهِ بِسَبَبِ تِلْكَ الخَشْيَةِ الَّتِي وقَعَتْ لَهُ لا مُجَرَّدِ الخَشْيَةِ مَعَ الِانْهِماكِ في مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ فَإنَّها لَيْسَتْ بِخَشْيَةٍ عَلى الحَقِيقَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُنْفَكِّينَ قالَ: بَرِحِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أتَعْجَبُونَ مِن مَنزِلَةِ المَلائِكَةِ مِنَ اللَّهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنزِلَةُ العَبْدِ المُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ أعْظَمُ مِن مَنزِلَةِ مَلَكٍ، واقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ ؟ قالَ: يا عائِشَةُ أما تَقْرَئِينَ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأقْبَلَ عَلِيٌّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ هَذا وشِيعَتَهُ لَهُمُ الفائِزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ فَكانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا أقْبَلَ قالُوا: قَدْ جاءَ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «عَلِيٌّ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: هو أنْتَ وشِيعَتُكَ يَوْمَ القِيامَةِ راضِينَ مَرْضِيِّينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرِ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: رَجُلٌ أخَذَ بِعِنانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ كُلَّما كانَتْ هَيْعَةٌ اسْتَوى عَلَيْهِ، ألا أُخْبِرُكم بِشَرِّ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا بَلى، (p-١٦٤٥)قالَ: الَّذِي يَسْألُ بِاللَّهِ ولا يُعْطِي بِهِ» . قالَ أحْمَدُ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ عِيسى، حَدَّثَنا أبُو مَعْشَرٍ عَنْ أبِي وهْبٍ مَوْلى أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ.

البينة 98:5

وهي مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي حَكِيمٍ المُزَنِيِّ، حَدَّثَنِي فَضْلٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يَسْتَمِعُ قِراءَةَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَيَقُولُ: أبْشِرْ عَبْدِي وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُمْكِنَنَّ لَكَ في الجَنَّةِ حَتّى تَرْضى» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وأخْرَجَهُ أبُو مُوسى المَدِينِيُّ عَنْ مَطَرٍ المُزَنِيِّ، أوِ المَدَنِيِّ بِنَحْوِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: وسَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. فَبَكى» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ قانِعٍ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيَّةَ البَدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ إلى آخِرِها قالَ جِبْرِيلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: إنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي أنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَقالَ أُبَيٌّ: وقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَبَكى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُرادُ بِـ المُشْرِكِينَ مُشْرِكُو العَرَبِ، وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، ومُنْفَكِّينَ خَبَرُ كانَ، يُقالُ فَكَكْتُ الشَّيْءَ فانْفَكَّ: أيِ انْفَصَلَ، والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُفارِقِينَ لِكُفْرِهِمْ ولا مُنْتَهِينَ عَنْهُ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وقِيلَ الِانْفِكاكُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ وبُلُوغِ الغايَةِ: أيْ لَمْ يَكُونُوا يَبْلُغُونَ نِهايَةَ أعْمارِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، وقِيلَ مُنْفَكِّينَ: زائِلِينَ: أيْ لَمْ تَكُنْ مُدَّتُهم لِتَزُولَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، يُقالُ ما انْفَكَّ فُلانٌ قائِمًا: أيْ ما زالَ قائِمًا، وأصْلُ الفَكِّ الفَتْحُ، ومِنهُ فَكُّ الخَلْخالِ. وقِيلَ مُنْفَكِّينَ بارِحِينَ: أيْ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْرَحُوا أوْ يُفارِقُوا الدُّنْيا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى (p-١٦٤٣)لَمْ يَكُنْ أهْلُ الكِتابِ تارِكِينَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى يُبْعَثَ، فَلَمّا بُعِثَ حَسَدُوهُ وجَحَدُوهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: والمُشْرِكِينَ أنَّهم ما كانُوا يُسِيئُونَ القَوْلَ في مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى بُعِثَ، فَإنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ، فَلَمّا بُعِثَ عادَوْهُ وأساءُوا القَوْلَ فِيهِ. وقِيلَ: مُنْفَكِّينَ هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمُ: انْفَكَّ صُلْبُهُ: أيِ انْفَصَلَ فَلَمْ يَلْتَئِمْ فَيَهْلِكُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ إنَّ المُشْرِكِينَ هم أهْلُ الكِتابِ، فَيَكُونُ وصْفًا لَهم لِأنَّهم قالُوا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم لَنْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ حَتّى أتاهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِالقُرْآنِ، فَبَيَّنَ لَهم ضَلالَتَهم وجَهالَتَهم ودَعاهم إلى الإيمانِ، وهَذا بَيانٌ عَنِ النِّعْمَةِ والإنْقاذِ بِهِ مِنَ الجَهْلِ والضَّلالَةِ والآيَةُ في مَن آمَنَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ، وسَلَكُوا في تَفْسِيرِها طُرُقًا لا تُفْضِي بِهِمْ إلى الصَّوابِ. والوَجْهُ ما أخْبَرْتُكَ فاحْمَدِ اللَّهَ إذْ أتاكَ بَيانُها مِن غَيْرِ لَبْسٍ ولا إشْكالٍ. قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ البَيِّنَةَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَها وأُبْدِلَ مِنها فَقالَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَعْنِي ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها، وهو القُرْآنُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وقِيلَ إنَّ الآيَةَ حِكايَةٌ لِما كانَ يَقُولُهُ أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ إنَّهم لا يُفارِقُونَ دِينَهم حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ بِهِ، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ السُّورَةِ. والبَيِّنَةُ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، لِأنَّهُ في نَفْسِهِ بَيِّنَةٌ وحُجَّةٌ ولِذَلِكَ سَمّاهُ سِراجًا مُنِيرًا. وقَدْ فَسَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ البَيِّنَةَ المُجْمَلَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فاتَّضَحَ الأمْرُ وتَبَيَّنَ أنَّهُ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: البَيِّنَةُ هي القُرْآنُ كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِالبَيِّنَةِ مُطْلَقُ الرُّسُلِ، والمَعْنى: حَتّى تَأْتِيَهم رُسُلٌ مِنَ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ وأهْلُ الكِتابِ " قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهي قِراءَةٌ في مَعْرِضِ البَيانِ، لا في مَعْرِضِ التِّلاوَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ: " والمُشْرِكُونَ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ. وقَرَأ أُبَيٌّ " فَما كانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ " . قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ بِرَفْعِ " رَسُولٍ " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ كُلٍّ مِن كُلٍّ مُبالَغَةً، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ. قالَ الزَّجّاجُ: رَسُولٌ رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ البَيِّنَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ: أيْ هي رَسُولٌ أوْ هو رَسُولٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ " رَسُولًا " بِالنَّصْبِ عَلى القَطْعِ، وقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِرَسُولٍ: أيْ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ، ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِنَفْسِ رَسُولٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن صُحُفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِرَسُولٍ، أوْ حالًا مِن مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ. ومَعْنى يَتْلُو: يَقْرَأُ، يُقالُ تَلا يَتْلُو تِلاوَةً، والصُّحُفُ جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وهي ظَرْفُ المَكْتُوبِ، ومَعْنى مُطَهَّرَةً: أنَّها مُنَزَّهَةٌ مِنَ الزُّورِ والضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ مُطَهَّرَةٌ مِنَ الكَذِبِ والشُّبُهاتِ والكُفْرِ، والمَعْنى واحِدٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقْرَأُ ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها لِأنَّهُ كانَ ﷺ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ صِفَةٌ لِ صُحُفًا أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها، والمُرادُ الآياتُ والأحْكامُ المَكْتُوبَةُ فِيها، والقِيمَةُ المُسْتَقِيمَةُ المُسْتَوِيَةُ المَحْكَمَةُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: قامَ الشَّيْءُ: إذا اسْتَوى وصَحَّ. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: الكُتُبُ بِمَعْنى الحُكْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] أيْ حَكَمَ، وقَوْلِهِ ﷺ في قِصَّةِ العَسِيفِ: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ ثُمَّ قَضى بِالرَّجْمِ، ولَيْسَ الرَّجْمُ في كِتابِ اللَّهِ، فالمَعْنى: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِحُكْمِ اللَّهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما قِيلَ إنَّ الصُّحُفَ هي الكُتُبُ، فَكَيْفَ قالَ ﴿صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي بِالصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي في السَّماءِ، يَعْنِي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَوْبِيخِ أهْلِ الكِتابِ وتَقْرِيعِهِمْ، وبَيانِ أنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِن عَدَمِ الِانْفِكاكِ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِباهِ الأمْرِ، بَلْ كانَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وظُهُورِ الصَّوابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزَلْ أهْلُ الكِتابِ مُجْتَمِعِينَ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا في أمْرِهِ واخْتَلَفُوا، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَفَرَ آخَرُونَ. وخَصَّ أهْلَ الكِتابِ، وإنْ كانَ غَيْرُهم مِثْلَهم في التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عِلْمٍ، فَإذا تَفَرَّقُوا كانَ غَيْرُهم مِمَّنْ لا كِتابَ لَهُ أُدْخِلَ في هَذا الوَصْفِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ: أيْ وما تَفَرَّقُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الحُجَّةُ الواضِحَةُ، وهي بَعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ والمَحَجَّةِ البَيْضاءِ. وقِيلَ: البَيِّنَةُ: البَيانُ الَّذِي في كُتُبِهِمْ أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [آل عمران: ١٩] قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ حُكْمُها فِيمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ إلَخْ فِيمَن لَمْ يُؤْمِنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ بَعْدَ قِيامِ الحُجَجِ. وجُمْلَةُ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُفِيدَةٌ لِتَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما فَعَلُوا مِنَ التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ: أيْ والحالُ أنَّهم ما أُمِرُوا في كُتُبِهِمْ إلّا لِأجْلِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويُوَحِّدُوهُ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ جاعِلِينَ دِينَهم خالِصًا لَهُ سُبْحانَهُ أوْ جاعِلِينَ أنْفُسَهم خالِصَةً لَهُ في الدِّينِ، وقِيلَ إنَّ اللّامَ في لِيَعْبُدُوا بِمَعْنى أنْ: أيْ ما أُمِرُوا إلّا (p-١٦٤٤)بِأنْ يَعْبُدُوا كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم﴾ [النساء: ٢٦] أيْ أنْ يُبَيِّنَ، و﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] أيْ أنْ يُطْفِئُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ مُخْلِصِينَ بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها. وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ في العِباداتِ لِأنَّ الإخْلاصَ مِن عَمَلِ القَلْبِ، وانْتِصابُ حُنَفاءَ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُخْلِصِينَ، فَتَكُونُ مِن بابِ التَّداخُلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن فاعِلِ يَعْبُدُوا، والمَعْنى: مائِلِينَ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها إلى دِينِ الإسْلامِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ أنْ يَحْنِفَ إلى دِينِ الإسْلامِ: أيْ يَمِيلَ إلَيْهِ ﴿ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ أيْ يَفْعَلُوا الصَّلَواتِ في أوْقاتِها، ويُعْطُوا الزَّكاةَ عِنْدَ مَحَلِّها، وخَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ أرْكانِ الدِّينِ. قِيلَ إنْ أُرِيدَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما في شَرِيعَةِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ ما في شَرِيعَتِنا فَمَعْنى أمَرَهم بِهِما في الكِتابَيْنِ أمَرَهم بِاتِّباعِ شَرِيعَتِنا، وهُما مِن جُمْلَةِ ما وقَعَ الأمْرُ بِهِ فِيها ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ وذَلِكَ المَذْكُورُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وإخْلاصِها وإقامَةِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذَلِكَ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، فالقَيِّمَةُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الخَلِيلُ: القَيِّمَةُ جَمْعُ القَيِّمِ، والقَيِّمُ: القائِمُ. قالَ الفَرّاءُ: أضافَ الدِّينَ إلى القَيِّمَةِ، وهو نَعْتُهُ لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. وقالَ أيْضًا: هو مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، ودَخَلَتِ الهاءُ لِلْمَدْحِ والمُبالَغَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ المَوْصُولُ اسْمُ إنَّ، والمُشْرِكِينَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وخَبَرُها في نارِ جَهَنَّمَ وخالِدِينَ فِيها حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ والمُشْرِكِينَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى أهْلِ الكِتابِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ أنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ المُتَّصِفِينَ بِالكَوْنِ في نارِ جَهَنَّمَ والخُلُودِ فِيها ﴿هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ أيِ الخَلِيقَةِ، يُقالُ بَرَأ: أيْ خَلَقَ، والبارِئُ الخالِقُ، والبَرِيَّةُ الخَلِيقَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ البَرِيَّةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ في المَوْضِعَيْنِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ فِيهِما بِالهَمْزِ. قالَ الفَرّاءُ: إنْ أخَذْتَ البَرِيَّةَ مِنَ البَراءِ وهو التُّرابُ لَمْ تَدْخُلِ المَلائِكَةُ تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ، وإنْ أخَذْتَها مَن بَرَيْتُ القَلَمَ: أيْ قَدَرْتُهُ دَخَلَتْ. وقِيلَ إنَّ الهَمْزَ هو الأصْلُ لِأنَّهُ يُقالُ بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ بِالهَمْزِ: أيِ ابْتَدَعَهُ واخْتَرَعَهُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢] ولَكِنَّها خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ، والتُزِمَ تَخْفِيفُها عِنْدَ عامَّةِ العَرَبِ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ الفَرِيقِ الآخَرِ فَقالَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِهَذا ﴿هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ: والمُرادُ أنَّ أُولَئِكَ شَرُّ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرُّ مِنهم، وهَؤُلاءِ خَيْرُ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في مُؤْمِنِي الأُمَمِ السّابِقَةِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم. ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ ثَوابُهم عِنْدَ خالِقِهِمْ بِمُقابَلَةِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والمُرادُ بِجَنّاتِ عَدْنٍ هي أوْسَطُ الجَنّاتِ وأفْضَلُها، يُقالُ عَدَنَ بِالمَكانِ يَعْدُنُ عَدْنًا: أيْ أقامَ، ومَعْدِنُ الشَّيْءِ: مَرْكَزُهُ ومُسْتَقَرُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎وإنْ يَتَضافُوا إلى عِلْمِهِ يُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنْ وقَدْ قَدَّمْنا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالجَنّاتِ الأشْجارُ المُلْتَفَّةُ، فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ مَجْمُوعُ قَرارِ الأرْضِ والشَّجَرِ، فَجَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها بِاعْتِبارِ جُزْئِها الظّاهِرِ، وهو الشَّجَرُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَخْرُجُونَ مِنها ولا يَظْعَنُونَ عَنْها، بَلْ هم دائِمُونَ في نَعِيمِها مُسْتَمِرُّونَ في لَذّاتِها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى مُجَرَّدِ الجَزاءِ، وهو رِضْوانُهُ عَنْهم حَيْثُ أطاعُوا أمْرَهُ وقَبِلُوا شَرائِعَهُ، ورِضاهم عَنْهُ حَيْثُ بَلَغُوا مِنَ المَطالِبِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِإضْمارِ قَدْ ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الجَزاءُ والرِّضْوانُ لِمَن وقَعَتْ مِنهُ الخَشْيَةُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ في الدُّنْيا وانْتَهى عَنْ مَعاصِيهِ بِسَبَبِ تِلْكَ الخَشْيَةِ الَّتِي وقَعَتْ لَهُ لا مُجَرَّدِ الخَشْيَةِ مَعَ الِانْهِماكِ في مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ فَإنَّها لَيْسَتْ بِخَشْيَةٍ عَلى الحَقِيقَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُنْفَكِّينَ قالَ: بَرِحِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أتَعْجَبُونَ مِن مَنزِلَةِ المَلائِكَةِ مِنَ اللَّهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنزِلَةُ العَبْدِ المُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ أعْظَمُ مِن مَنزِلَةِ مَلَكٍ، واقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ ؟ قالَ: يا عائِشَةُ أما تَقْرَئِينَ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأقْبَلَ عَلِيٌّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ هَذا وشِيعَتَهُ لَهُمُ الفائِزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ فَكانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا أقْبَلَ قالُوا: قَدْ جاءَ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «عَلِيٌّ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: هو أنْتَ وشِيعَتُكَ يَوْمَ القِيامَةِ راضِينَ مَرْضِيِّينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرِ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: رَجُلٌ أخَذَ بِعِنانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ كُلَّما كانَتْ هَيْعَةٌ اسْتَوى عَلَيْهِ، ألا أُخْبِرُكم بِشَرِّ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا بَلى، (p-١٦٤٥)قالَ: الَّذِي يَسْألُ بِاللَّهِ ولا يُعْطِي بِهِ» . قالَ أحْمَدُ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ عِيسى، حَدَّثَنا أبُو مَعْشَرٍ عَنْ أبِي وهْبٍ مَوْلى أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ.

البينة 98:6

وهي مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي حَكِيمٍ المُزَنِيِّ، حَدَّثَنِي فَضْلٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يَسْتَمِعُ قِراءَةَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَيَقُولُ: أبْشِرْ عَبْدِي وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُمْكِنَنَّ لَكَ في الجَنَّةِ حَتّى تَرْضى» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وأخْرَجَهُ أبُو مُوسى المَدِينِيُّ عَنْ مَطَرٍ المُزَنِيِّ، أوِ المَدَنِيِّ بِنَحْوِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: وسَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. فَبَكى» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ قانِعٍ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيَّةَ البَدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ إلى آخِرِها قالَ جِبْرِيلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: إنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي أنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَقالَ أُبَيٌّ: وقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَبَكى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُرادُ بِـ المُشْرِكِينَ مُشْرِكُو العَرَبِ، وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، ومُنْفَكِّينَ خَبَرُ كانَ، يُقالُ فَكَكْتُ الشَّيْءَ فانْفَكَّ: أيِ انْفَصَلَ، والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُفارِقِينَ لِكُفْرِهِمْ ولا مُنْتَهِينَ عَنْهُ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وقِيلَ الِانْفِكاكُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ وبُلُوغِ الغايَةِ: أيْ لَمْ يَكُونُوا يَبْلُغُونَ نِهايَةَ أعْمارِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، وقِيلَ مُنْفَكِّينَ: زائِلِينَ: أيْ لَمْ تَكُنْ مُدَّتُهم لِتَزُولَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، يُقالُ ما انْفَكَّ فُلانٌ قائِمًا: أيْ ما زالَ قائِمًا، وأصْلُ الفَكِّ الفَتْحُ، ومِنهُ فَكُّ الخَلْخالِ. وقِيلَ مُنْفَكِّينَ بارِحِينَ: أيْ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْرَحُوا أوْ يُفارِقُوا الدُّنْيا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى (p-١٦٤٣)لَمْ يَكُنْ أهْلُ الكِتابِ تارِكِينَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى يُبْعَثَ، فَلَمّا بُعِثَ حَسَدُوهُ وجَحَدُوهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: والمُشْرِكِينَ أنَّهم ما كانُوا يُسِيئُونَ القَوْلَ في مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى بُعِثَ، فَإنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ، فَلَمّا بُعِثَ عادَوْهُ وأساءُوا القَوْلَ فِيهِ. وقِيلَ: مُنْفَكِّينَ هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمُ: انْفَكَّ صُلْبُهُ: أيِ انْفَصَلَ فَلَمْ يَلْتَئِمْ فَيَهْلِكُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ إنَّ المُشْرِكِينَ هم أهْلُ الكِتابِ، فَيَكُونُ وصْفًا لَهم لِأنَّهم قالُوا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم لَنْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ حَتّى أتاهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِالقُرْآنِ، فَبَيَّنَ لَهم ضَلالَتَهم وجَهالَتَهم ودَعاهم إلى الإيمانِ، وهَذا بَيانٌ عَنِ النِّعْمَةِ والإنْقاذِ بِهِ مِنَ الجَهْلِ والضَّلالَةِ والآيَةُ في مَن آمَنَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ، وسَلَكُوا في تَفْسِيرِها طُرُقًا لا تُفْضِي بِهِمْ إلى الصَّوابِ. والوَجْهُ ما أخْبَرْتُكَ فاحْمَدِ اللَّهَ إذْ أتاكَ بَيانُها مِن غَيْرِ لَبْسٍ ولا إشْكالٍ. قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ البَيِّنَةَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَها وأُبْدِلَ مِنها فَقالَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَعْنِي ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها، وهو القُرْآنُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وقِيلَ إنَّ الآيَةَ حِكايَةٌ لِما كانَ يَقُولُهُ أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ إنَّهم لا يُفارِقُونَ دِينَهم حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ بِهِ، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ السُّورَةِ. والبَيِّنَةُ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، لِأنَّهُ في نَفْسِهِ بَيِّنَةٌ وحُجَّةٌ ولِذَلِكَ سَمّاهُ سِراجًا مُنِيرًا. وقَدْ فَسَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ البَيِّنَةَ المُجْمَلَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فاتَّضَحَ الأمْرُ وتَبَيَّنَ أنَّهُ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: البَيِّنَةُ هي القُرْآنُ كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِالبَيِّنَةِ مُطْلَقُ الرُّسُلِ، والمَعْنى: حَتّى تَأْتِيَهم رُسُلٌ مِنَ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ وأهْلُ الكِتابِ " قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهي قِراءَةٌ في مَعْرِضِ البَيانِ، لا في مَعْرِضِ التِّلاوَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ: " والمُشْرِكُونَ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ. وقَرَأ أُبَيٌّ " فَما كانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ " . قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ بِرَفْعِ " رَسُولٍ " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ كُلٍّ مِن كُلٍّ مُبالَغَةً، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ. قالَ الزَّجّاجُ: رَسُولٌ رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ البَيِّنَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ: أيْ هي رَسُولٌ أوْ هو رَسُولٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ " رَسُولًا " بِالنَّصْبِ عَلى القَطْعِ، وقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِرَسُولٍ: أيْ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ، ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِنَفْسِ رَسُولٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن صُحُفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِرَسُولٍ، أوْ حالًا مِن مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ. ومَعْنى يَتْلُو: يَقْرَأُ، يُقالُ تَلا يَتْلُو تِلاوَةً، والصُّحُفُ جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وهي ظَرْفُ المَكْتُوبِ، ومَعْنى مُطَهَّرَةً: أنَّها مُنَزَّهَةٌ مِنَ الزُّورِ والضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ مُطَهَّرَةٌ مِنَ الكَذِبِ والشُّبُهاتِ والكُفْرِ، والمَعْنى واحِدٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقْرَأُ ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها لِأنَّهُ كانَ ﷺ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ صِفَةٌ لِ صُحُفًا أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها، والمُرادُ الآياتُ والأحْكامُ المَكْتُوبَةُ فِيها، والقِيمَةُ المُسْتَقِيمَةُ المُسْتَوِيَةُ المَحْكَمَةُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: قامَ الشَّيْءُ: إذا اسْتَوى وصَحَّ. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: الكُتُبُ بِمَعْنى الحُكْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] أيْ حَكَمَ، وقَوْلِهِ ﷺ في قِصَّةِ العَسِيفِ: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ ثُمَّ قَضى بِالرَّجْمِ، ولَيْسَ الرَّجْمُ في كِتابِ اللَّهِ، فالمَعْنى: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِحُكْمِ اللَّهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما قِيلَ إنَّ الصُّحُفَ هي الكُتُبُ، فَكَيْفَ قالَ ﴿صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي بِالصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي في السَّماءِ، يَعْنِي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَوْبِيخِ أهْلِ الكِتابِ وتَقْرِيعِهِمْ، وبَيانِ أنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِن عَدَمِ الِانْفِكاكِ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِباهِ الأمْرِ، بَلْ كانَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وظُهُورِ الصَّوابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزَلْ أهْلُ الكِتابِ مُجْتَمِعِينَ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا في أمْرِهِ واخْتَلَفُوا، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَفَرَ آخَرُونَ. وخَصَّ أهْلَ الكِتابِ، وإنْ كانَ غَيْرُهم مِثْلَهم في التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عِلْمٍ، فَإذا تَفَرَّقُوا كانَ غَيْرُهم مِمَّنْ لا كِتابَ لَهُ أُدْخِلَ في هَذا الوَصْفِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ: أيْ وما تَفَرَّقُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الحُجَّةُ الواضِحَةُ، وهي بَعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ والمَحَجَّةِ البَيْضاءِ. وقِيلَ: البَيِّنَةُ: البَيانُ الَّذِي في كُتُبِهِمْ أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [آل عمران: ١٩] قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ حُكْمُها فِيمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ إلَخْ فِيمَن لَمْ يُؤْمِنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ بَعْدَ قِيامِ الحُجَجِ. وجُمْلَةُ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُفِيدَةٌ لِتَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما فَعَلُوا مِنَ التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ: أيْ والحالُ أنَّهم ما أُمِرُوا في كُتُبِهِمْ إلّا لِأجْلِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويُوَحِّدُوهُ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ جاعِلِينَ دِينَهم خالِصًا لَهُ سُبْحانَهُ أوْ جاعِلِينَ أنْفُسَهم خالِصَةً لَهُ في الدِّينِ، وقِيلَ إنَّ اللّامَ في لِيَعْبُدُوا بِمَعْنى أنْ: أيْ ما أُمِرُوا إلّا (p-١٦٤٤)بِأنْ يَعْبُدُوا كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم﴾ [النساء: ٢٦] أيْ أنْ يُبَيِّنَ، و﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] أيْ أنْ يُطْفِئُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ مُخْلِصِينَ بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها. وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ في العِباداتِ لِأنَّ الإخْلاصَ مِن عَمَلِ القَلْبِ، وانْتِصابُ حُنَفاءَ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُخْلِصِينَ، فَتَكُونُ مِن بابِ التَّداخُلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن فاعِلِ يَعْبُدُوا، والمَعْنى: مائِلِينَ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها إلى دِينِ الإسْلامِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ أنْ يَحْنِفَ إلى دِينِ الإسْلامِ: أيْ يَمِيلَ إلَيْهِ ﴿ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ أيْ يَفْعَلُوا الصَّلَواتِ في أوْقاتِها، ويُعْطُوا الزَّكاةَ عِنْدَ مَحَلِّها، وخَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ أرْكانِ الدِّينِ. قِيلَ إنْ أُرِيدَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما في شَرِيعَةِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ ما في شَرِيعَتِنا فَمَعْنى أمَرَهم بِهِما في الكِتابَيْنِ أمَرَهم بِاتِّباعِ شَرِيعَتِنا، وهُما مِن جُمْلَةِ ما وقَعَ الأمْرُ بِهِ فِيها ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ وذَلِكَ المَذْكُورُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وإخْلاصِها وإقامَةِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذَلِكَ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، فالقَيِّمَةُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الخَلِيلُ: القَيِّمَةُ جَمْعُ القَيِّمِ، والقَيِّمُ: القائِمُ. قالَ الفَرّاءُ: أضافَ الدِّينَ إلى القَيِّمَةِ، وهو نَعْتُهُ لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. وقالَ أيْضًا: هو مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، ودَخَلَتِ الهاءُ لِلْمَدْحِ والمُبالَغَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ المَوْصُولُ اسْمُ إنَّ، والمُشْرِكِينَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وخَبَرُها في نارِ جَهَنَّمَ وخالِدِينَ فِيها حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ والمُشْرِكِينَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى أهْلِ الكِتابِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ أنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ المُتَّصِفِينَ بِالكَوْنِ في نارِ جَهَنَّمَ والخُلُودِ فِيها ﴿هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ أيِ الخَلِيقَةِ، يُقالُ بَرَأ: أيْ خَلَقَ، والبارِئُ الخالِقُ، والبَرِيَّةُ الخَلِيقَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ البَرِيَّةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ في المَوْضِعَيْنِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ فِيهِما بِالهَمْزِ. قالَ الفَرّاءُ: إنْ أخَذْتَ البَرِيَّةَ مِنَ البَراءِ وهو التُّرابُ لَمْ تَدْخُلِ المَلائِكَةُ تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ، وإنْ أخَذْتَها مَن بَرَيْتُ القَلَمَ: أيْ قَدَرْتُهُ دَخَلَتْ. وقِيلَ إنَّ الهَمْزَ هو الأصْلُ لِأنَّهُ يُقالُ بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ بِالهَمْزِ: أيِ ابْتَدَعَهُ واخْتَرَعَهُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢] ولَكِنَّها خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ، والتُزِمَ تَخْفِيفُها عِنْدَ عامَّةِ العَرَبِ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ الفَرِيقِ الآخَرِ فَقالَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِهَذا ﴿هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ: والمُرادُ أنَّ أُولَئِكَ شَرُّ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرُّ مِنهم، وهَؤُلاءِ خَيْرُ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في مُؤْمِنِي الأُمَمِ السّابِقَةِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم. ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ ثَوابُهم عِنْدَ خالِقِهِمْ بِمُقابَلَةِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والمُرادُ بِجَنّاتِ عَدْنٍ هي أوْسَطُ الجَنّاتِ وأفْضَلُها، يُقالُ عَدَنَ بِالمَكانِ يَعْدُنُ عَدْنًا: أيْ أقامَ، ومَعْدِنُ الشَّيْءِ: مَرْكَزُهُ ومُسْتَقَرُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎وإنْ يَتَضافُوا إلى عِلْمِهِ يُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنْ وقَدْ قَدَّمْنا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالجَنّاتِ الأشْجارُ المُلْتَفَّةُ، فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ مَجْمُوعُ قَرارِ الأرْضِ والشَّجَرِ، فَجَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها بِاعْتِبارِ جُزْئِها الظّاهِرِ، وهو الشَّجَرُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَخْرُجُونَ مِنها ولا يَظْعَنُونَ عَنْها، بَلْ هم دائِمُونَ في نَعِيمِها مُسْتَمِرُّونَ في لَذّاتِها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى مُجَرَّدِ الجَزاءِ، وهو رِضْوانُهُ عَنْهم حَيْثُ أطاعُوا أمْرَهُ وقَبِلُوا شَرائِعَهُ، ورِضاهم عَنْهُ حَيْثُ بَلَغُوا مِنَ المَطالِبِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِإضْمارِ قَدْ ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الجَزاءُ والرِّضْوانُ لِمَن وقَعَتْ مِنهُ الخَشْيَةُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ في الدُّنْيا وانْتَهى عَنْ مَعاصِيهِ بِسَبَبِ تِلْكَ الخَشْيَةِ الَّتِي وقَعَتْ لَهُ لا مُجَرَّدِ الخَشْيَةِ مَعَ الِانْهِماكِ في مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ فَإنَّها لَيْسَتْ بِخَشْيَةٍ عَلى الحَقِيقَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُنْفَكِّينَ قالَ: بَرِحِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أتَعْجَبُونَ مِن مَنزِلَةِ المَلائِكَةِ مِنَ اللَّهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنزِلَةُ العَبْدِ المُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ أعْظَمُ مِن مَنزِلَةِ مَلَكٍ، واقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ ؟ قالَ: يا عائِشَةُ أما تَقْرَئِينَ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأقْبَلَ عَلِيٌّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ هَذا وشِيعَتَهُ لَهُمُ الفائِزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ فَكانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا أقْبَلَ قالُوا: قَدْ جاءَ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «عَلِيٌّ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: هو أنْتَ وشِيعَتُكَ يَوْمَ القِيامَةِ راضِينَ مَرْضِيِّينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرِ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: رَجُلٌ أخَذَ بِعِنانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ كُلَّما كانَتْ هَيْعَةٌ اسْتَوى عَلَيْهِ، ألا أُخْبِرُكم بِشَرِّ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا بَلى، (p-١٦٤٥)قالَ: الَّذِي يَسْألُ بِاللَّهِ ولا يُعْطِي بِهِ» . قالَ أحْمَدُ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ عِيسى، حَدَّثَنا أبُو مَعْشَرٍ عَنْ أبِي وهْبٍ مَوْلى أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ.

البينة 98:7

وهي مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي حَكِيمٍ المُزَنِيِّ، حَدَّثَنِي فَضْلٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يَسْتَمِعُ قِراءَةَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَيَقُولُ: أبْشِرْ عَبْدِي وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُمْكِنَنَّ لَكَ في الجَنَّةِ حَتّى تَرْضى» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وأخْرَجَهُ أبُو مُوسى المَدِينِيُّ عَنْ مَطَرٍ المُزَنِيِّ، أوِ المَدَنِيِّ بِنَحْوِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: وسَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. فَبَكى» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ قانِعٍ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيَّةَ البَدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ إلى آخِرِها قالَ جِبْرِيلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: إنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي أنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَقالَ أُبَيٌّ: وقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَبَكى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُرادُ بِـ المُشْرِكِينَ مُشْرِكُو العَرَبِ، وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، ومُنْفَكِّينَ خَبَرُ كانَ، يُقالُ فَكَكْتُ الشَّيْءَ فانْفَكَّ: أيِ انْفَصَلَ، والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُفارِقِينَ لِكُفْرِهِمْ ولا مُنْتَهِينَ عَنْهُ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وقِيلَ الِانْفِكاكُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ وبُلُوغِ الغايَةِ: أيْ لَمْ يَكُونُوا يَبْلُغُونَ نِهايَةَ أعْمارِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، وقِيلَ مُنْفَكِّينَ: زائِلِينَ: أيْ لَمْ تَكُنْ مُدَّتُهم لِتَزُولَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، يُقالُ ما انْفَكَّ فُلانٌ قائِمًا: أيْ ما زالَ قائِمًا، وأصْلُ الفَكِّ الفَتْحُ، ومِنهُ فَكُّ الخَلْخالِ. وقِيلَ مُنْفَكِّينَ بارِحِينَ: أيْ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْرَحُوا أوْ يُفارِقُوا الدُّنْيا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى (p-١٦٤٣)لَمْ يَكُنْ أهْلُ الكِتابِ تارِكِينَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى يُبْعَثَ، فَلَمّا بُعِثَ حَسَدُوهُ وجَحَدُوهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: والمُشْرِكِينَ أنَّهم ما كانُوا يُسِيئُونَ القَوْلَ في مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى بُعِثَ، فَإنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ، فَلَمّا بُعِثَ عادَوْهُ وأساءُوا القَوْلَ فِيهِ. وقِيلَ: مُنْفَكِّينَ هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمُ: انْفَكَّ صُلْبُهُ: أيِ انْفَصَلَ فَلَمْ يَلْتَئِمْ فَيَهْلِكُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ إنَّ المُشْرِكِينَ هم أهْلُ الكِتابِ، فَيَكُونُ وصْفًا لَهم لِأنَّهم قالُوا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم لَنْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ حَتّى أتاهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِالقُرْآنِ، فَبَيَّنَ لَهم ضَلالَتَهم وجَهالَتَهم ودَعاهم إلى الإيمانِ، وهَذا بَيانٌ عَنِ النِّعْمَةِ والإنْقاذِ بِهِ مِنَ الجَهْلِ والضَّلالَةِ والآيَةُ في مَن آمَنَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ، وسَلَكُوا في تَفْسِيرِها طُرُقًا لا تُفْضِي بِهِمْ إلى الصَّوابِ. والوَجْهُ ما أخْبَرْتُكَ فاحْمَدِ اللَّهَ إذْ أتاكَ بَيانُها مِن غَيْرِ لَبْسٍ ولا إشْكالٍ. قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ البَيِّنَةَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَها وأُبْدِلَ مِنها فَقالَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَعْنِي ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها، وهو القُرْآنُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وقِيلَ إنَّ الآيَةَ حِكايَةٌ لِما كانَ يَقُولُهُ أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ إنَّهم لا يُفارِقُونَ دِينَهم حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ بِهِ، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ السُّورَةِ. والبَيِّنَةُ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، لِأنَّهُ في نَفْسِهِ بَيِّنَةٌ وحُجَّةٌ ولِذَلِكَ سَمّاهُ سِراجًا مُنِيرًا. وقَدْ فَسَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ البَيِّنَةَ المُجْمَلَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فاتَّضَحَ الأمْرُ وتَبَيَّنَ أنَّهُ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: البَيِّنَةُ هي القُرْآنُ كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِالبَيِّنَةِ مُطْلَقُ الرُّسُلِ، والمَعْنى: حَتّى تَأْتِيَهم رُسُلٌ مِنَ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ وأهْلُ الكِتابِ " قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهي قِراءَةٌ في مَعْرِضِ البَيانِ، لا في مَعْرِضِ التِّلاوَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ: " والمُشْرِكُونَ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ. وقَرَأ أُبَيٌّ " فَما كانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ " . قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ بِرَفْعِ " رَسُولٍ " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ كُلٍّ مِن كُلٍّ مُبالَغَةً، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ. قالَ الزَّجّاجُ: رَسُولٌ رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ البَيِّنَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ: أيْ هي رَسُولٌ أوْ هو رَسُولٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ " رَسُولًا " بِالنَّصْبِ عَلى القَطْعِ، وقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِرَسُولٍ: أيْ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ، ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِنَفْسِ رَسُولٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن صُحُفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِرَسُولٍ، أوْ حالًا مِن مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ. ومَعْنى يَتْلُو: يَقْرَأُ، يُقالُ تَلا يَتْلُو تِلاوَةً، والصُّحُفُ جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وهي ظَرْفُ المَكْتُوبِ، ومَعْنى مُطَهَّرَةً: أنَّها مُنَزَّهَةٌ مِنَ الزُّورِ والضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ مُطَهَّرَةٌ مِنَ الكَذِبِ والشُّبُهاتِ والكُفْرِ، والمَعْنى واحِدٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقْرَأُ ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها لِأنَّهُ كانَ ﷺ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ صِفَةٌ لِ صُحُفًا أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها، والمُرادُ الآياتُ والأحْكامُ المَكْتُوبَةُ فِيها، والقِيمَةُ المُسْتَقِيمَةُ المُسْتَوِيَةُ المَحْكَمَةُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: قامَ الشَّيْءُ: إذا اسْتَوى وصَحَّ. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: الكُتُبُ بِمَعْنى الحُكْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] أيْ حَكَمَ، وقَوْلِهِ ﷺ في قِصَّةِ العَسِيفِ: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ ثُمَّ قَضى بِالرَّجْمِ، ولَيْسَ الرَّجْمُ في كِتابِ اللَّهِ، فالمَعْنى: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِحُكْمِ اللَّهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما قِيلَ إنَّ الصُّحُفَ هي الكُتُبُ، فَكَيْفَ قالَ ﴿صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي بِالصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي في السَّماءِ، يَعْنِي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَوْبِيخِ أهْلِ الكِتابِ وتَقْرِيعِهِمْ، وبَيانِ أنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِن عَدَمِ الِانْفِكاكِ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِباهِ الأمْرِ، بَلْ كانَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وظُهُورِ الصَّوابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزَلْ أهْلُ الكِتابِ مُجْتَمِعِينَ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا في أمْرِهِ واخْتَلَفُوا، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَفَرَ آخَرُونَ. وخَصَّ أهْلَ الكِتابِ، وإنْ كانَ غَيْرُهم مِثْلَهم في التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عِلْمٍ، فَإذا تَفَرَّقُوا كانَ غَيْرُهم مِمَّنْ لا كِتابَ لَهُ أُدْخِلَ في هَذا الوَصْفِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ: أيْ وما تَفَرَّقُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الحُجَّةُ الواضِحَةُ، وهي بَعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ والمَحَجَّةِ البَيْضاءِ. وقِيلَ: البَيِّنَةُ: البَيانُ الَّذِي في كُتُبِهِمْ أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [آل عمران: ١٩] قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ حُكْمُها فِيمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ إلَخْ فِيمَن لَمْ يُؤْمِنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ بَعْدَ قِيامِ الحُجَجِ. وجُمْلَةُ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُفِيدَةٌ لِتَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما فَعَلُوا مِنَ التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ: أيْ والحالُ أنَّهم ما أُمِرُوا في كُتُبِهِمْ إلّا لِأجْلِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويُوَحِّدُوهُ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ جاعِلِينَ دِينَهم خالِصًا لَهُ سُبْحانَهُ أوْ جاعِلِينَ أنْفُسَهم خالِصَةً لَهُ في الدِّينِ، وقِيلَ إنَّ اللّامَ في لِيَعْبُدُوا بِمَعْنى أنْ: أيْ ما أُمِرُوا إلّا (p-١٦٤٤)بِأنْ يَعْبُدُوا كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم﴾ [النساء: ٢٦] أيْ أنْ يُبَيِّنَ، و﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] أيْ أنْ يُطْفِئُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ مُخْلِصِينَ بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها. وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ في العِباداتِ لِأنَّ الإخْلاصَ مِن عَمَلِ القَلْبِ، وانْتِصابُ حُنَفاءَ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُخْلِصِينَ، فَتَكُونُ مِن بابِ التَّداخُلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن فاعِلِ يَعْبُدُوا، والمَعْنى: مائِلِينَ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها إلى دِينِ الإسْلامِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ أنْ يَحْنِفَ إلى دِينِ الإسْلامِ: أيْ يَمِيلَ إلَيْهِ ﴿ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ أيْ يَفْعَلُوا الصَّلَواتِ في أوْقاتِها، ويُعْطُوا الزَّكاةَ عِنْدَ مَحَلِّها، وخَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ أرْكانِ الدِّينِ. قِيلَ إنْ أُرِيدَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما في شَرِيعَةِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ ما في شَرِيعَتِنا فَمَعْنى أمَرَهم بِهِما في الكِتابَيْنِ أمَرَهم بِاتِّباعِ شَرِيعَتِنا، وهُما مِن جُمْلَةِ ما وقَعَ الأمْرُ بِهِ فِيها ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ وذَلِكَ المَذْكُورُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وإخْلاصِها وإقامَةِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذَلِكَ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، فالقَيِّمَةُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الخَلِيلُ: القَيِّمَةُ جَمْعُ القَيِّمِ، والقَيِّمُ: القائِمُ. قالَ الفَرّاءُ: أضافَ الدِّينَ إلى القَيِّمَةِ، وهو نَعْتُهُ لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. وقالَ أيْضًا: هو مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، ودَخَلَتِ الهاءُ لِلْمَدْحِ والمُبالَغَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ المَوْصُولُ اسْمُ إنَّ، والمُشْرِكِينَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وخَبَرُها في نارِ جَهَنَّمَ وخالِدِينَ فِيها حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ والمُشْرِكِينَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى أهْلِ الكِتابِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ أنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ المُتَّصِفِينَ بِالكَوْنِ في نارِ جَهَنَّمَ والخُلُودِ فِيها ﴿هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ أيِ الخَلِيقَةِ، يُقالُ بَرَأ: أيْ خَلَقَ، والبارِئُ الخالِقُ، والبَرِيَّةُ الخَلِيقَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ البَرِيَّةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ في المَوْضِعَيْنِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ فِيهِما بِالهَمْزِ. قالَ الفَرّاءُ: إنْ أخَذْتَ البَرِيَّةَ مِنَ البَراءِ وهو التُّرابُ لَمْ تَدْخُلِ المَلائِكَةُ تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ، وإنْ أخَذْتَها مَن بَرَيْتُ القَلَمَ: أيْ قَدَرْتُهُ دَخَلَتْ. وقِيلَ إنَّ الهَمْزَ هو الأصْلُ لِأنَّهُ يُقالُ بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ بِالهَمْزِ: أيِ ابْتَدَعَهُ واخْتَرَعَهُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢] ولَكِنَّها خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ، والتُزِمَ تَخْفِيفُها عِنْدَ عامَّةِ العَرَبِ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ الفَرِيقِ الآخَرِ فَقالَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِهَذا ﴿هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ: والمُرادُ أنَّ أُولَئِكَ شَرُّ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرُّ مِنهم، وهَؤُلاءِ خَيْرُ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في مُؤْمِنِي الأُمَمِ السّابِقَةِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم. ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ ثَوابُهم عِنْدَ خالِقِهِمْ بِمُقابَلَةِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والمُرادُ بِجَنّاتِ عَدْنٍ هي أوْسَطُ الجَنّاتِ وأفْضَلُها، يُقالُ عَدَنَ بِالمَكانِ يَعْدُنُ عَدْنًا: أيْ أقامَ، ومَعْدِنُ الشَّيْءِ: مَرْكَزُهُ ومُسْتَقَرُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎وإنْ يَتَضافُوا إلى عِلْمِهِ يُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنْ وقَدْ قَدَّمْنا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالجَنّاتِ الأشْجارُ المُلْتَفَّةُ، فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ مَجْمُوعُ قَرارِ الأرْضِ والشَّجَرِ، فَجَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها بِاعْتِبارِ جُزْئِها الظّاهِرِ، وهو الشَّجَرُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَخْرُجُونَ مِنها ولا يَظْعَنُونَ عَنْها، بَلْ هم دائِمُونَ في نَعِيمِها مُسْتَمِرُّونَ في لَذّاتِها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى مُجَرَّدِ الجَزاءِ، وهو رِضْوانُهُ عَنْهم حَيْثُ أطاعُوا أمْرَهُ وقَبِلُوا شَرائِعَهُ، ورِضاهم عَنْهُ حَيْثُ بَلَغُوا مِنَ المَطالِبِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِإضْمارِ قَدْ ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الجَزاءُ والرِّضْوانُ لِمَن وقَعَتْ مِنهُ الخَشْيَةُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ في الدُّنْيا وانْتَهى عَنْ مَعاصِيهِ بِسَبَبِ تِلْكَ الخَشْيَةِ الَّتِي وقَعَتْ لَهُ لا مُجَرَّدِ الخَشْيَةِ مَعَ الِانْهِماكِ في مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ فَإنَّها لَيْسَتْ بِخَشْيَةٍ عَلى الحَقِيقَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُنْفَكِّينَ قالَ: بَرِحِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أتَعْجَبُونَ مِن مَنزِلَةِ المَلائِكَةِ مِنَ اللَّهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنزِلَةُ العَبْدِ المُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ أعْظَمُ مِن مَنزِلَةِ مَلَكٍ، واقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ ؟ قالَ: يا عائِشَةُ أما تَقْرَئِينَ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأقْبَلَ عَلِيٌّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ هَذا وشِيعَتَهُ لَهُمُ الفائِزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ فَكانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا أقْبَلَ قالُوا: قَدْ جاءَ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «عَلِيٌّ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: هو أنْتَ وشِيعَتُكَ يَوْمَ القِيامَةِ راضِينَ مَرْضِيِّينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرِ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: رَجُلٌ أخَذَ بِعِنانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ كُلَّما كانَتْ هَيْعَةٌ اسْتَوى عَلَيْهِ، ألا أُخْبِرُكم بِشَرِّ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا بَلى، (p-١٦٤٥)قالَ: الَّذِي يَسْألُ بِاللَّهِ ولا يُعْطِي بِهِ» . قالَ أحْمَدُ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ عِيسى، حَدَّثَنا أبُو مَعْشَرٍ عَنْ أبِي وهْبٍ مَوْلى أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ.

البينة 98:8

وهي مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي حَكِيمٍ المُزَنِيِّ، حَدَّثَنِي فَضْلٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يَسْتَمِعُ قِراءَةَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَيَقُولُ: أبْشِرْ عَبْدِي وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُمْكِنَنَّ لَكَ في الجَنَّةِ حَتّى تَرْضى» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وأخْرَجَهُ أبُو مُوسى المَدِينِيُّ عَنْ مَطَرٍ المُزَنِيِّ، أوِ المَدَنِيِّ بِنَحْوِهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: وسَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. فَبَكى» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ قانِعٍ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيَّةَ البَدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ إلى آخِرِها قالَ جِبْرِيلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: إنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي أنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَقالَ أُبَيٌّ: وقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَبَكى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ اليَهُودُ والنَّصارى، والمُرادُ بِـ المُشْرِكِينَ مُشْرِكُو العَرَبِ، وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، ومُنْفَكِّينَ خَبَرُ كانَ، يُقالُ فَكَكْتُ الشَّيْءَ فانْفَكَّ: أيِ انْفَصَلَ، والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُفارِقِينَ لِكُفْرِهِمْ ولا مُنْتَهِينَ عَنْهُ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وقِيلَ الِانْفِكاكُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ وبُلُوغِ الغايَةِ: أيْ لَمْ يَكُونُوا يَبْلُغُونَ نِهايَةَ أعْمارِهِمْ فَيَمُوتُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، وقِيلَ مُنْفَكِّينَ: زائِلِينَ: أيْ لَمْ تَكُنْ مُدَّتُهم لِتَزُولَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، يُقالُ ما انْفَكَّ فُلانٌ قائِمًا: أيْ ما زالَ قائِمًا، وأصْلُ الفَكِّ الفَتْحُ، ومِنهُ فَكُّ الخَلْخالِ. وقِيلَ مُنْفَكِّينَ بارِحِينَ: أيْ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْرَحُوا أوْ يُفارِقُوا الدُّنْيا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى (p-١٦٤٣)لَمْ يَكُنْ أهْلُ الكِتابِ تارِكِينَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى يُبْعَثَ، فَلَمّا بُعِثَ حَسَدُوهُ وجَحَدُوهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: والمُشْرِكِينَ أنَّهم ما كانُوا يُسِيئُونَ القَوْلَ في مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى بُعِثَ، فَإنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ، فَلَمّا بُعِثَ عادَوْهُ وأساءُوا القَوْلَ فِيهِ. وقِيلَ: مُنْفَكِّينَ هالِكِينَ، مِن قَوْلِهِمُ: انْفَكَّ صُلْبُهُ: أيِ انْفَصَلَ فَلَمْ يَلْتَئِمْ فَيَهْلِكُ، والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ إنَّ المُشْرِكِينَ هم أهْلُ الكِتابِ، فَيَكُونُ وصْفًا لَهم لِأنَّهم قالُوا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى الآيَةِ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم لَنْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ حَتّى أتاهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِالقُرْآنِ، فَبَيَّنَ لَهم ضَلالَتَهم وجَهالَتَهم ودَعاهم إلى الإيمانِ، وهَذا بَيانٌ عَنِ النِّعْمَةِ والإنْقاذِ بِهِ مِنَ الجَهْلِ والضَّلالَةِ والآيَةُ في مَن آمَنَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ، وسَلَكُوا في تَفْسِيرِها طُرُقًا لا تُفْضِي بِهِمْ إلى الصَّوابِ. والوَجْهُ ما أخْبَرْتُكَ فاحْمَدِ اللَّهَ إذْ أتاكَ بَيانُها مِن غَيْرِ لَبْسٍ ولا إشْكالٍ. قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ البَيِّنَةَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَها وأُبْدِلَ مِنها فَقالَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَعْنِي ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها، وهو القُرْآنُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وقِيلَ إنَّ الآيَةَ حِكايَةٌ لِما كانَ يَقُولُهُ أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ إنَّهم لا يُفارِقُونَ دِينَهم حَتّى يُبْعَثَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ بِهِ، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ السُّورَةِ. والبَيِّنَةُ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، لِأنَّهُ في نَفْسِهِ بَيِّنَةٌ وحُجَّةٌ ولِذَلِكَ سَمّاهُ سِراجًا مُنِيرًا. وقَدْ فَسَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ البَيِّنَةَ المُجْمَلَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فاتَّضَحَ الأمْرُ وتَبَيَّنَ أنَّهُ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: البَيِّنَةُ هي القُرْآنُ كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِالبَيِّنَةِ مُطْلَقُ الرُّسُلِ، والمَعْنى: حَتّى تَأْتِيَهم رُسُلٌ مِنَ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ وأهْلُ الكِتابِ " قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهي قِراءَةٌ في مَعْرِضِ البَيانِ، لا في مَعْرِضِ التِّلاوَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ: " والمُشْرِكُونَ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ. وقَرَأ أُبَيٌّ " فَما كانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ " . قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ بِرَفْعِ " رَسُولٍ " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ كُلٍّ مِن كُلٍّ مُبالَغَةً، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ. قالَ الزَّجّاجُ: رَسُولٌ رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ البَيِّنَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ: أيْ هي رَسُولٌ أوْ هو رَسُولٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ " رَسُولًا " بِالنَّصْبِ عَلى القَطْعِ، وقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِرَسُولٍ: أيْ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ، ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِنَفْسِ رَسُولٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن صُحُفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِرَسُولٍ، أوْ حالًا مِن مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ. ومَعْنى يَتْلُو: يَقْرَأُ، يُقالُ تَلا يَتْلُو تِلاوَةً، والصُّحُفُ جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وهي ظَرْفُ المَكْتُوبِ، ومَعْنى مُطَهَّرَةً: أنَّها مُنَزَّهَةٌ مِنَ الزُّورِ والضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ مُطَهَّرَةٌ مِنَ الكَذِبِ والشُّبُهاتِ والكُفْرِ، والمَعْنى واحِدٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقْرَأُ ما تَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها لِأنَّهُ كانَ ﷺ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لا عَنْ كِتابٍ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ صِفَةٌ لِ صُحُفًا أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها، والمُرادُ الآياتُ والأحْكامُ المَكْتُوبَةُ فِيها، والقِيمَةُ المُسْتَقِيمَةُ المُسْتَوِيَةُ المَحْكَمَةُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: قامَ الشَّيْءُ: إذا اسْتَوى وصَحَّ. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: الكُتُبُ بِمَعْنى الحُكْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] أيْ حَكَمَ، وقَوْلِهِ ﷺ في قِصَّةِ العَسِيفِ: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ ثُمَّ قَضى بِالرَّجْمِ، ولَيْسَ الرَّجْمُ في كِتابِ اللَّهِ، فالمَعْنى: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِحُكْمِ اللَّهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما قِيلَ إنَّ الصُّحُفَ هي الكُتُبُ، فَكَيْفَ قالَ ﴿صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي بِالصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي في السَّماءِ، يَعْنِي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢، ٢١] ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَوْبِيخِ أهْلِ الكِتابِ وتَقْرِيعِهِمْ، وبَيانِ أنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِن عَدَمِ الِانْفِكاكِ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِباهِ الأمْرِ، بَلْ كانَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وظُهُورِ الصَّوابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزَلْ أهْلُ الكِتابِ مُجْتَمِعِينَ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، فَلَمّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا في أمْرِهِ واخْتَلَفُوا، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَفَرَ آخَرُونَ. وخَصَّ أهْلَ الكِتابِ، وإنْ كانَ غَيْرُهم مِثْلَهم في التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عِلْمٍ، فَإذا تَفَرَّقُوا كانَ غَيْرُهم مِمَّنْ لا كِتابَ لَهُ أُدْخِلَ في هَذا الوَصْفِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ: أيْ وما تَفَرَّقُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الحُجَّةُ الواضِحَةُ، وهي بَعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ والمَحَجَّةِ البَيْضاءِ. وقِيلَ: البَيِّنَةُ: البَيانُ الَّذِي في كُتُبِهِمْ أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [آل عمران: ١٩] قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ حُكْمُها فِيمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ إلَخْ فِيمَن لَمْ يُؤْمِنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ بَعْدَ قِيامِ الحُجَجِ. وجُمْلَةُ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُفِيدَةٌ لِتَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما فَعَلُوا مِنَ التَّفَرُّقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ: أيْ والحالُ أنَّهم ما أُمِرُوا في كُتُبِهِمْ إلّا لِأجْلِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويُوَحِّدُوهُ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ جاعِلِينَ دِينَهم خالِصًا لَهُ سُبْحانَهُ أوْ جاعِلِينَ أنْفُسَهم خالِصَةً لَهُ في الدِّينِ، وقِيلَ إنَّ اللّامَ في لِيَعْبُدُوا بِمَعْنى أنْ: أيْ ما أُمِرُوا إلّا (p-١٦٤٤)بِأنْ يَعْبُدُوا كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم﴾ [النساء: ٢٦] أيْ أنْ يُبَيِّنَ، و﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] أيْ أنْ يُطْفِئُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ مُخْلِصِينَ بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها. وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ في العِباداتِ لِأنَّ الإخْلاصَ مِن عَمَلِ القَلْبِ، وانْتِصابُ حُنَفاءَ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُخْلِصِينَ، فَتَكُونُ مِن بابِ التَّداخُلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن فاعِلِ يَعْبُدُوا، والمَعْنى: مائِلِينَ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها إلى دِينِ الإسْلامِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ أنْ يَحْنِفَ إلى دِينِ الإسْلامِ: أيْ يَمِيلَ إلَيْهِ ﴿ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ أيْ يَفْعَلُوا الصَّلَواتِ في أوْقاتِها، ويُعْطُوا الزَّكاةَ عِنْدَ مَحَلِّها، وخَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ أرْكانِ الدِّينِ. قِيلَ إنْ أُرِيدَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما في شَرِيعَةِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ ما في شَرِيعَتِنا فَمَعْنى أمَرَهم بِهِما في الكِتابَيْنِ أمَرَهم بِاتِّباعِ شَرِيعَتِنا، وهُما مِن جُمْلَةِ ما وقَعَ الأمْرُ بِهِ فِيها ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ وذَلِكَ المَذْكُورُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وإخْلاصِها وإقامَةِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذَلِكَ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، فالقَيِّمَةُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الخَلِيلُ: القَيِّمَةُ جَمْعُ القَيِّمِ، والقَيِّمُ: القائِمُ. قالَ الفَرّاءُ: أضافَ الدِّينَ إلى القَيِّمَةِ، وهو نَعْتُهُ لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. وقالَ أيْضًا: هو مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، ودَخَلَتِ الهاءُ لِلْمَدْحِ والمُبالَغَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ المَوْصُولُ اسْمُ إنَّ، والمُشْرِكِينَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وخَبَرُها في نارِ جَهَنَّمَ وخالِدِينَ فِيها حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ والمُشْرِكِينَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى أهْلِ الكِتابِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ أنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ المُتَّصِفِينَ بِالكَوْنِ في نارِ جَهَنَّمَ والخُلُودِ فِيها ﴿هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ أيِ الخَلِيقَةِ، يُقالُ بَرَأ: أيْ خَلَقَ، والبارِئُ الخالِقُ، والبَرِيَّةُ الخَلِيقَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ البَرِيَّةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ في المَوْضِعَيْنِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ فِيهِما بِالهَمْزِ. قالَ الفَرّاءُ: إنْ أخَذْتَ البَرِيَّةَ مِنَ البَراءِ وهو التُّرابُ لَمْ تَدْخُلِ المَلائِكَةُ تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ، وإنْ أخَذْتَها مَن بَرَيْتُ القَلَمَ: أيْ قَدَرْتُهُ دَخَلَتْ. وقِيلَ إنَّ الهَمْزَ هو الأصْلُ لِأنَّهُ يُقالُ بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ بِالهَمْزِ: أيِ ابْتَدَعَهُ واخْتَرَعَهُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢] ولَكِنَّها خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ، والتُزِمَ تَخْفِيفُها عِنْدَ عامَّةِ العَرَبِ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ الفَرِيقِ الآخَرِ فَقالَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِهَذا ﴿هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ: والمُرادُ أنَّ أُولَئِكَ شَرُّ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرُّ مِنهم، وهَؤُلاءِ خَيْرُ البَرِيَّةِ في عَصْرِهِ ﷺ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في مُؤْمِنِي الأُمَمِ السّابِقَةِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم. ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ ثَوابُهم عِنْدَ خالِقِهِمْ بِمُقابَلَةِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والمُرادُ بِجَنّاتِ عَدْنٍ هي أوْسَطُ الجَنّاتِ وأفْضَلُها، يُقالُ عَدَنَ بِالمَكانِ يَعْدُنُ عَدْنًا: أيْ أقامَ، ومَعْدِنُ الشَّيْءِ: مَرْكَزُهُ ومُسْتَقَرُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎وإنْ يَتَضافُوا إلى عِلْمِهِ يُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنْ وقَدْ قَدَّمْنا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالجَنّاتِ الأشْجارُ المُلْتَفَّةُ، فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ مَجْمُوعُ قَرارِ الأرْضِ والشَّجَرِ، فَجَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها بِاعْتِبارِ جُزْئِها الظّاهِرِ، وهو الشَّجَرُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَخْرُجُونَ مِنها ولا يَظْعَنُونَ عَنْها، بَلْ هم دائِمُونَ في نَعِيمِها مُسْتَمِرُّونَ في لَذّاتِها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى مُجَرَّدِ الجَزاءِ، وهو رِضْوانُهُ عَنْهم حَيْثُ أطاعُوا أمْرَهُ وقَبِلُوا شَرائِعَهُ، ورِضاهم عَنْهُ حَيْثُ بَلَغُوا مِنَ المَطالِبِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِإضْمارِ قَدْ ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الجَزاءُ والرِّضْوانُ لِمَن وقَعَتْ مِنهُ الخَشْيَةُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ في الدُّنْيا وانْتَهى عَنْ مَعاصِيهِ بِسَبَبِ تِلْكَ الخَشْيَةِ الَّتِي وقَعَتْ لَهُ لا مُجَرَّدِ الخَشْيَةِ مَعَ الِانْهِماكِ في مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ فَإنَّها لَيْسَتْ بِخَشْيَةٍ عَلى الحَقِيقَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُنْفَكِّينَ قالَ: بَرِحِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أتَعْجَبُونَ مِن مَنزِلَةِ المَلائِكَةِ مِنَ اللَّهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنزِلَةُ العَبْدِ المُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ أعْظَمُ مِن مَنزِلَةِ مَلَكٍ، واقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ ؟ قالَ: يا عائِشَةُ أما تَقْرَئِينَ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأقْبَلَ عَلِيٌّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ هَذا وشِيعَتَهُ لَهُمُ الفائِزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ فَكانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا أقْبَلَ قالُوا: قَدْ جاءَ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «عَلِيٌّ خَيْرُ البَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: هو أنْتَ وشِيعَتُكَ يَوْمَ القِيامَةِ راضِينَ مَرْضِيِّينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرِ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: رَجُلٌ أخَذَ بِعِنانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ كُلَّما كانَتْ هَيْعَةٌ اسْتَوى عَلَيْهِ، ألا أُخْبِرُكم بِشَرِّ البَرِيَّةِ ؟ قالُوا بَلى، (p-١٦٤٥)قالَ: الَّذِي يَسْألُ بِاللَّهِ ولا يُعْطِي بِهِ» . قالَ أحْمَدُ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ عِيسى، حَدَّثَنا أبُو مَعْشَرٍ عَنْ أبِي وهْبٍ مَوْلى أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ.