Lafzullah

I'rab Al Quran li Al Darwish — الإسراء 17:1 – الإسراء 17:47

المؤلف / المصدر: I'rab Al Quran li Al Darwish

المحتويات
  1. الإسراء 17:1
  2. الإسراء 17:2
  3. الإسراء 17:3
  4. الإسراء 17:4
  5. الإسراء 17:5
  6. الإسراء 17:6
  7. الإسراء 17:7
  8. الإسراء 17:8
  9. الإسراء 17:9
  10. الإسراء 17:10
  11. الإسراء 17:11
  12. الإسراء 17:12
  13. الإسراء 17:13
  14. الإسراء 17:14
  15. الإسراء 17:15
  16. الإسراء 17:16
  17. الإسراء 17:17
  18. الإسراء 17:18
  19. الإسراء 17:19
  20. الإسراء 17:20
  21. الإسراء 17:21
  22. الإسراء 17:22
  23. الإسراء 17:23
  24. الإسراء 17:24
  25. الإسراء 17:25
  26. الإسراء 17:26
  27. الإسراء 17:27
  28. الإسراء 17:28
  29. الإسراء 17:29
  30. الإسراء 17:30
  31. الإسراء 17:31
  32. الإسراء 17:32
  33. الإسراء 17:33
  34. الإسراء 17:34
  35. الإسراء 17:35
  36. الإسراء 17:36
  37. الإسراء 17:37
  38. الإسراء 17:38
  39. الإسراء 17:39
  40. الإسراء 17:40
  41. الإسراء 17:41
  42. الإسراء 17:42
  43. الإسراء 17:43
  44. الإسراء 17:44
  45. الإسراء 17:45
  46. الإسراء 17:46
  47. الإسراء 17:47

الإسراء 17:1

اللغة: (سُبْحانَ) : علم جنس للتنزيه والتقديس وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحانه أو سبحت الله سبحان أي فهو مفعول مطلق ومعناه ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص ولذا لا يستعمل إلا فيه تعالى. (أَسْرى) : سرى بمعنى سار في الليل وهما لازمان ومصدر الأول الإسراء ومصدر الثاني السرى بضم السين. (مَرَّتَيْنِ) : تثنية مرة وفي القاموس مرمرا ومرورا جاز وذهب واستمر ومره وبه جاز عليه وامترّ به وعليه كمر والمرة الفعلة الواحدة والجمع مرّ ومرار ومرر بكسرهما ومرور بالضم ولقيه ذات مرة ولا يستعمل إلا ظرفا» . (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ) : في القاموس: «الجوس بالجيم طلب الشيء باستقصاء والتردد خلال الدور والبيوت في الغارة والطوف فيها كالجوسان والاجتياس وبابه قال وخلال الديار فيه وجهان أحدهما أنه اسم مفرد بمعنى وسط والثاني انه جمع خلل كجبل وجبال وجمل وجمال. وقال الجوهري: الجوس مصدر جاسوا خلال الديار أي تخللوا فطلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها. وحكى الهروي في الغريبين عن الأزهري أن معنى جاسوا وطئوا. وحكي عن الأصمعي انه يقال تركت فلانا يجوس بني فلان ويحوسهم ويدوسهم أي يضؤهم. وقال أبو عبيد كل موضع خالطته ووطئته فقد جسته وحسته. (الْكَرَّةَ) : الغلبة والدولة وهي في الأصل مصدر كريكر أي رجع ثم استعملت تعبيرا عن الدولة والقهر والغلبة. (نَفِيراً) : النفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفر كالعبيد والمعيز وفيه أوجه أحدها انه فعيل بمعنى فاعل أي نافر والثاني أنه جمع نفر نحو عبيد والثالث انه مصدر أي أكثر خروجا إلى الأعداء وفد قدمنا أن النون والفاء إذا كاتنا فاء للكلمة وعينا لها، دلتا على الخروج والنفاذ. (يتبروا) : التتبير: الهلاك. (حَصِيراً) : محبسا وسجنا. قال لبيد: ومقامه غلب الرجال كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام وقال الحسن: يعني فراشا، وعنه أيضا: وهو مأخوذ من الحصر والذي يظهر انها حاصرة لهم أي محيطة بهم من جميع جهاتهم فحصير معناه ذات حصر إذ لو كان للمبالغة لزمته التاء لجريانه على مؤنث كما تقول: رحيمة وعليمة، ولكنه على معنى النسب كقوله: السماء منفطر به، أي ذات انفطار. الإعراب: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف وقد تقدم بحثه في باب اللغة والذي مضاف اليه وجملة أسرى صلة، وبعبده متعلقان بأسرى وليلا ظرف متعلق بأسرى وسيأتي في باب البلاغة سر ذكره مع أن السرى لا يكون إلا في الليل وبعبده جار ومجرور متعلقان بأسرى وليلا ظرف زمان متعلق بأسرى أيضا ومن المسجد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي مبتدئا وإلى المسجد الأقصى حال أيضا أي منتهيا إلى المسجد والأقصى نعت للمسجد والذي نعت ثان وباركنا صلة وهي فعل وفاعل وحوله ظرف متعلق بباركنا. (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) اللام للتعليل ونريه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به والأولى أن تجعل الجار والمجرور خبرا لمبتدأ محذوف أي وذلك لنريه ومن آياتنا جار ومجرور متعلقان بنريه ومن حرف جر للتبعيض وان واسمها وهو مبتدأ أو ضمير فصل والسميع خبر هو أو خبر إن والبصير خبر ثان وسيأتي سر هذه الالتفاتات في باب البلاغة. (وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) الواو استئنافية أو عاطفة على جملة سبحان الذي أسرى ونا فاعل وموسى مفعول به أول والكتاب مفعول به ثان وجعلناه هدى فعل وفاعل والهاء مفعول به أول وهدى مفعول به ثان ولبني متعلقان بهدى وإسرائيل مضاف اليه. (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) يصح في أن أن تكون مصدرية منصوبة مع مدخولها بنزع الخافض أي بأن لا تتخذوا والجار والمجرور متعلقان بكتبنا ويجوز أن تكون مفسرة لأن الإتيان فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتتخذوا مضارع مجزوم بلا ووكيلا مفعول تتخذوا الأول ومن دوني هو المفعول الثاني لتتخذوا. (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً) ذرية: اضطربت أقوال المعربين في نصبها المتفق عليه بين القراء جميعا فقيل: نصبت على الاختصاص وبه بدأ الزمخشري وقيل على النداء وقيل بدل من وكيلا وقيل مفعول ثان لتتخذوا، على أن النفس لا تطمئن لواحد منها والله أعلم ومن مضاف إلى ذرية وحملنا صلة ومع ظرف مكان متعلق بحملنا ونوح مضاف إليه وان واسمها وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو وعبدا خبرها وشكورا صفة ومما يرجح إعراب ذرية على الاختصاص أو النداء قول الزمخشري في إعراب جملة: «إنه كان عبدا شكورا» انها تعليلية لاختصاصهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فكأنه قيل: «لا تتخذوا من دوني وكيلا ولا تشركوا بي لأن نوحا عليه السلام كان عبدا شكورا وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم» وهذه فطنة من الزمخشري تسترعي الانتباه وتستحق الاعجاب. (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ) الواو عاطفة وقضينا فعل وفاعل وإلى بني إسرائيل متعلقان بقضينا وقضينا في الأصل فعل يتعدى بنفسه ولكنه تعدى هنا بإلى لتضمنه معنى أوحينا، ومعنى قضينا أعلمنا وأخبرنا أو حكمنا وأتممنا، وأصل القضاء الإحكام للشيء والفراغ منه وقيل أوحينا ويدل عليه قوله إلى بني إسرائيل ولو كان بمعنى الإعلام والاخبار لقال قضينا بني إسرائيل ولو كان بمعنى حكمنا لقال على بني إسرائيل ولو كان بمعنى أتممنا لقال لبني إسرائيل. وفي الكتاب حال والمراد به التوراة. (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) اللام جواب للقسم المحذوف أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن، وتفسدن فعل مضارع معرب لأنه لم يتصل مباشرة بنون التوكيد الثقيلة وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي النونات وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين هي الفاعل والأصل لتفسدونن وقد تقدمت له نظائر وفي الأرض متعلقان بتفسدن ومرتين نصب على الظرفية وأعربه أبو البقاء مفعولا مطلقا على أنه صفة لمصدر محذوف أو على أنه في نفسه مصدر عمل فيه ما هو من غير جنسه وسيأتي المراد بالمرتين في باب الفوائد. (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً) الواو عطف ولتعلن عطف على لتفسدن وهي مماثلة لها في إعرابها وعلوا مفعول مطلق وكبيرا صفة. (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاء مضاف إليها الظرف ووعد فاعل وأولاهما مضافة لوعد ولما كان الوعد على إطلاقه خاصا بالخير كان لا بد من تقدير مضاف محذوف أي وعد عقاب أولاهما وجملة بعثنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليكم متعلقان ببعثنا وعبادا مفعول به وأولي صفة لعبادا وهي من الأسماء الخمسة بمعنى أصحاب وبأس مضاف اليه وشديد صفة لبأس. (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا) الفاء عاطفة وجاسوا عطف على بعثنا وخلال ظرف مكان متعلق بجاسوا والديار مضاف اليه والواو عاطفة وكان عطف على الجوس واسمها ضمير يعود على الجوس أو الوعد بالعقاب ووعدا خبر كان ومفعولا صفة لوعدا. (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) ثم حرف عطف للتراخي ورددنا فعل وفاعل ولكم متعلقان برددنا والكرة مفعول به وعليهم متعلقان بالكرة أي الغلبة عليهم أو حال منها. (وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) وأمددناكم عطف على رددنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبأموال جار ومجرور متعلقان بأمددناكم وبنين عطف على أموال وجعلناكم فعل وفاعل ومفعول به وأكثر مفعول به ثان ونفيرا تمييز. (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) إن شرطية وأحسنتم فعل وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وأحسنتم جوابه وإن أسأتم عطف على إن أحسنتم والفاء رابطة للجواب ولها متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي فإساءتكم، وكان القياس يقتضي أن يقول فعليها ولكنه عدل إلى اللام للمشاكلة مع قوله لأنفسكم، وقيل اللام بمعنى على أي فعليها كما في قول عنترة: فخرّ صريعا لليدين وللفم (فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل، وجاء وعد فعل وفاعل والآخرة مضاف لوعد وأراد المرة الآخرة وليسوءوا اللام للتعليل ويسيئوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وهو متعلق بجواب إذا المحذوف أي بعثناهم ليسوءوا وقد دل على الجواب جواب إذا الأولى ووجوهكم مفعول به والمعنى ليجعلوا وجوهكم بادية المساءة منكسفة المعالم. (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وليدخلوا عطف على ليسوءوا أي فهو متعلق بمحذوف هو بعثناهم والمسجد منصوب على السعة وكما نصب على المصدرية أي دخولا مثل دخولهم وأول مرة نصب على الظرفية. (وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً) وليتبروا عطف على ليسوءوا وواو الجماعة فاعل وما مفعول به ليتبروا أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه ويجوز أن تجعل ما مصدرية ظرفية ومفعول يتبروا محذوف ولعله أولى لإفساح المجال أمام الخيال ليتصور مدى إهلاكهم الحرث والنسل مدة علوهم على البلاد ويكون الظرف متعلقا بيتبروا وتتبيرا مفعول مطلق. (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً) عسى فعل ماض من أفعال الرجاء ترفع الاسم وتنصب الخبر وربكم اسمها وأن مع مدخولها في محل نصب خبر والواو حرف عطف وإن شرطية وعدتم فعل ماض وفاعل في محل جزم فعل الشرط وعدنا فعل ماض وفاعل في محل جزم جواب الشرط وجعلنا عطف على عدنا ونا فاعل وجهنم مفعول به أول وللكافرين متعلقان بحصيرا وحصيرا مفعول به ثان هذا إذا اعتبرنا حصيرا فعيلا بمعنى فاعل وان اعتبرناه اسما جامدا أي مكان الحبس المعروف فتكون للكافرين حالا منه. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على ضروب من البلاغة ندرجها فيما يلي: 1- الذكر: ذكر الليل مع أن السرى لا يكون إلا بالليل يحتمل أمرين: آ- أولهما أن الاسراء لما دل على أمرين أحدهما السير والآخر كونه ليلا أريد إفراد أحدهما بالذكر تثبيتا في نفس المخاطب وتنبيها على أنه مقصود بالذكر وقد مرت الاشارة إلى هذه النكتة في قوله تعالى «وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد» فالاسم الحامل للتثنية دال عليها وعلى الجنسية وكذلك المفرد فأريد التنبيه لأن أحد المعنيين وهو التثنية مقصود مراد. ب- وثانيهما الإشارة بتنكير الليل إلى تقليل مدته لأن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية وهذا بخلاف ما لو قيل أسرى بعبده الليل فإن التركيب مع التعريف يفيد استغراق السير لجميع أجزاء الليل. 2- الوصل والفصل: ومن الفنون البعيدة المنال التي تطول على من رامها الفصل والوصل فإن القارئ ليشعر أن بين آية الاسراء وقوله «وآتينا موسى الكتاب» إلى آخر الآية تباينا شديدا في ظاهر الأمر حتى إذا تمعّن وتدبر وجد الوصل بين الفعلين فإنه تعالى أخبر أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى عباده كما أسرى بموسى من مصر إلى مدين حين خرج خائفا يترقب وأسرى به وبابنه شعيب إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى فرعون وملئه وآتاه الكتاب فهذا هو الوصل بين الفصلين المذكورين وأما الوصل بين قوله تعالى: «ذرية من حملنا مع نوح» وبين ما قبله فتذكار بني إسرائيل بأول نعمه عز وجل عليهم بنجاة آبائهم مع نوح في السفينة من الغرق إذ لو لم ينج آباؤهم لما وجدوا فكأنما النعم السابغة عليهم سلسلة متعاقبة الحلقات أولها نجاة آبائهم من غرق الطوفان الذي عم العالم بأسره وآخرها نجاتهم من الغرق حين شق لهم البحر ليغرق فرعون وجنوده وملؤه وينجوا هم وإذن كان يترتب عليهم أن يشكروا من أسبغ عليهم هذه الآلاء والعوارف وأن يتأسوا بنوح جدهم الأكبر الذي كان عبدا شكورا، أليس الولد سر أبيه؟ بيد أن هؤلاء نسيج وحدهم من الجحود والإنكار، وغمط النعمة، ومقابلة الحسنات بالسيئات. 3- الالتفات: تحدثنا عن الالتفات كثيرا في هذا الكتاب وتقدمت له شواهد متعددة وفي هذه الآية، آية الاسراء، تعاقب الالتفات كثيرا على قصر متنه وتقارب طرفيه، فقد قال أولا «سبحان الذي أسرى» بلفظ الواحد الغائب ثم قال «الذي باركنا» بلفظ الجمع المتكلم ثم قال «إنه هو السميع البصير» بلفظ الواحد الغائب ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير» وهذا جميعه محمول على أسرى فلما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا في الكلام، وتفننا فيه، وتنويعا لأساليبه والفائدة منه فضلا عن تطرية نشاط الذهن، واستحضاره، واسترعائه لعرض الحقائق المملوءة بالعظات والعبر، أنه لما بدأ الكلام بسبحانه ردفه بقوله الذي أسرى إذ لا يجوز أن يقال الذي أسرينا فلما جاء بلفظ الواحد، والله تعالى أعظم العظماء وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع استدرك الاول بالثاني فقال: «باركنا» ثم قال «لنريه من آياتنا» فجاء بذلك على نسق «باركنا» ثم قال «إنه هو» عطفا على أسرى وذلك موضع متوسط الصفة لأن السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، بصرف النظر عن التفاوت بين السمعين والبصريين وتلك حال متوسطة فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه إلى خطاب غائب وهذه مرام بعيدة المدى، جليلة الغرض لا يسبر غورها ولا يكتنه فحواها إلا المطبوع. الفوائد: 1- «من» و «إلى» الجارتين: ل «من» الجارة معان كثيرة يمكن الرجوع إليها في معني اللبيب وغيره من الكتب المطولة في النحو ولكننا نريد أن نشير إلى المعنى الرئيسي لها الوارد في آية الاسراء وهو الابتداء أي ابتداء الغاية المكانية باتفاق جميع النحاة بصريهم وكوفيهم بدليل انتهاء الغاية بعدها وهي قوله «إلى المسجد الأقصى» أما ابتداء الغاية الزمانية فقد اختلف النحاة فأقرها الكوفيون وأقرها من البصريين المبرد والأخفش وابن درستويه وهذا هو الصحيح لورودها في الكتاب العزيز وهو قوله «من أول يوم أحق أن تقوم فيه رجال» وفي الحديث وهو قول أنس «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة» وفي الشعر وهو قول النابغة الذبياني يصف السيوف: تخيرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب أما «إلى» الجارة فهي تفيد انتهاء الغاية مكانية وزمانية فمثالها في المكان «إلى المسجد الأقصى» ومثالها في الزمان «ثم أتموا الصيام إلى الليل» ولإلى سبعة معان أخرى حكاها في مغني اللبيب وغيره ومما أشكل من معاني إلى قول النابغة الذبياني أيضا يعتذر إلى النعمان ابن المنذر: فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب ذكر في المغني أنها هنا بمعنى في وهو غريب وقال الدماميني: «إلى متعلقة بمحذوف وهو حال من اسم كأن، أي: كأنني مبغضا إلى الناس بسبب الوعيد كجمل أجرب طلي به القار أي جعل فيه أو اتصف به» وقد ذهل الدماميني عن القلب في مطلي به القار أو انه تكلفه ليجعل مطليا بمعنى مبغض فالقار يطلى به ولا يطلي هو ولهذا كان لا بد من الرجوع إلى رأي ابن هشام وهو ان إلى بمعنى في وان الجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي كأنني كائنا في الناس بعير طلي بالقار وهو مبغض. 2- معنى مرتين: اختلف المفسرون في تفسير المرتين الواردتين في قوله تعالى «لتفسدن في الأرض مرتين» فذهب بعضهم إلى أن المرة الأولى هي قتل زكريا وحبس أرميا والثانية قتل يحيى وقصد قتل عيسى وقال البيضاوي: «أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا وقيل أرميا وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسلام» على أن فساد اليهود في الأرض لا يمكن حصره بمرتين وإنما أتى القرآن الكريم بالمرتين مثالا سريعا لفسادهم الذي لا يحصى والذي يستمر مدى الدهور. ويمكن الرجوع إلى المطولات لهذا الغرض.

الإسراء 17:2

اللغة: (سُبْحانَ) : علم جنس للتنزيه والتقديس وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحانه أو سبحت الله سبحان أي فهو مفعول مطلق ومعناه ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص ولذا لا يستعمل إلا فيه تعالى. (أَسْرى) : سرى بمعنى سار في الليل وهما لازمان ومصدر الأول الإسراء ومصدر الثاني السرى بضم السين. (مَرَّتَيْنِ) : تثنية مرة وفي القاموس مرمرا ومرورا جاز وذهب واستمر ومره وبه جاز عليه وامترّ به وعليه كمر والمرة الفعلة الواحدة والجمع مرّ ومرار ومرر بكسرهما ومرور بالضم ولقيه ذات مرة ولا يستعمل إلا ظرفا» . (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ) : في القاموس: «الجوس بالجيم طلب الشيء باستقصاء والتردد خلال الدور والبيوت في الغارة والطوف فيها كالجوسان والاجتياس وبابه قال وخلال الديار فيه وجهان أحدهما أنه اسم مفرد بمعنى وسط والثاني انه جمع خلل كجبل وجبال وجمل وجمال. وقال الجوهري: الجوس مصدر جاسوا خلال الديار أي تخللوا فطلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها. وحكى الهروي في الغريبين عن الأزهري أن معنى جاسوا وطئوا. وحكي عن الأصمعي انه يقال تركت فلانا يجوس بني فلان ويحوسهم ويدوسهم أي يضؤهم. وقال أبو عبيد كل موضع خالطته ووطئته فقد جسته وحسته. (الْكَرَّةَ) : الغلبة والدولة وهي في الأصل مصدر كريكر أي رجع ثم استعملت تعبيرا عن الدولة والقهر والغلبة. (نَفِيراً) : النفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفر كالعبيد والمعيز وفيه أوجه أحدها انه فعيل بمعنى فاعل أي نافر والثاني أنه جمع نفر نحو عبيد والثالث انه مصدر أي أكثر خروجا إلى الأعداء وفد قدمنا أن النون والفاء إذا كاتنا فاء للكلمة وعينا لها، دلتا على الخروج والنفاذ. (يتبروا) : التتبير: الهلاك. (حَصِيراً) : محبسا وسجنا. قال لبيد: ومقامه غلب الرجال كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام وقال الحسن: يعني فراشا، وعنه أيضا: وهو مأخوذ من الحصر والذي يظهر انها حاصرة لهم أي محيطة بهم من جميع جهاتهم فحصير معناه ذات حصر إذ لو كان للمبالغة لزمته التاء لجريانه على مؤنث كما تقول: رحيمة وعليمة، ولكنه على معنى النسب كقوله: السماء منفطر به، أي ذات انفطار. الإعراب: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف وقد تقدم بحثه في باب اللغة والذي مضاف اليه وجملة أسرى صلة، وبعبده متعلقان بأسرى وليلا ظرف متعلق بأسرى وسيأتي في باب البلاغة سر ذكره مع أن السرى لا يكون إلا في الليل وبعبده جار ومجرور متعلقان بأسرى وليلا ظرف زمان متعلق بأسرى أيضا ومن المسجد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي مبتدئا وإلى المسجد الأقصى حال أيضا أي منتهيا إلى المسجد والأقصى نعت للمسجد والذي نعت ثان وباركنا صلة وهي فعل وفاعل وحوله ظرف متعلق بباركنا. (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) اللام للتعليل ونريه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به والأولى أن تجعل الجار والمجرور خبرا لمبتدأ محذوف أي وذلك لنريه ومن آياتنا جار ومجرور متعلقان بنريه ومن حرف جر للتبعيض وان واسمها وهو مبتدأ أو ضمير فصل والسميع خبر هو أو خبر إن والبصير خبر ثان وسيأتي سر هذه الالتفاتات في باب البلاغة. (وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) الواو استئنافية أو عاطفة على جملة سبحان الذي أسرى ونا فاعل وموسى مفعول به أول والكتاب مفعول به ثان وجعلناه هدى فعل وفاعل والهاء مفعول به أول وهدى مفعول به ثان ولبني متعلقان بهدى وإسرائيل مضاف اليه. (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) يصح في أن أن تكون مصدرية منصوبة مع مدخولها بنزع الخافض أي بأن لا تتخذوا والجار والمجرور متعلقان بكتبنا ويجوز أن تكون مفسرة لأن الإتيان فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتتخذوا مضارع مجزوم بلا ووكيلا مفعول تتخذوا الأول ومن دوني هو المفعول الثاني لتتخذوا. (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً) ذرية: اضطربت أقوال المعربين في نصبها المتفق عليه بين القراء جميعا فقيل: نصبت على الاختصاص وبه بدأ الزمخشري وقيل على النداء وقيل بدل من وكيلا وقيل مفعول ثان لتتخذوا، على أن النفس لا تطمئن لواحد منها والله أعلم ومن مضاف إلى ذرية وحملنا صلة ومع ظرف مكان متعلق بحملنا ونوح مضاف إليه وان واسمها وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو وعبدا خبرها وشكورا صفة ومما يرجح إعراب ذرية على الاختصاص أو النداء قول الزمخشري في إعراب جملة: «إنه كان عبدا شكورا» انها تعليلية لاختصاصهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فكأنه قيل: «لا تتخذوا من دوني وكيلا ولا تشركوا بي لأن نوحا عليه السلام كان عبدا شكورا وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم» وهذه فطنة من الزمخشري تسترعي الانتباه وتستحق الاعجاب. (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ) الواو عاطفة وقضينا فعل وفاعل وإلى بني إسرائيل متعلقان بقضينا وقضينا في الأصل فعل يتعدى بنفسه ولكنه تعدى هنا بإلى لتضمنه معنى أوحينا، ومعنى قضينا أعلمنا وأخبرنا أو حكمنا وأتممنا، وأصل القضاء الإحكام للشيء والفراغ منه وقيل أوحينا ويدل عليه قوله إلى بني إسرائيل ولو كان بمعنى الإعلام والاخبار لقال قضينا بني إسرائيل ولو كان بمعنى حكمنا لقال على بني إسرائيل ولو كان بمعنى أتممنا لقال لبني إسرائيل. وفي الكتاب حال والمراد به التوراة. (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) اللام جواب للقسم المحذوف أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن، وتفسدن فعل مضارع معرب لأنه لم يتصل مباشرة بنون التوكيد الثقيلة وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي النونات وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين هي الفاعل والأصل لتفسدونن وقد تقدمت له نظائر وفي الأرض متعلقان بتفسدن ومرتين نصب على الظرفية وأعربه أبو البقاء مفعولا مطلقا على أنه صفة لمصدر محذوف أو على أنه في نفسه مصدر عمل فيه ما هو من غير جنسه وسيأتي المراد بالمرتين في باب الفوائد. (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً) الواو عطف ولتعلن عطف على لتفسدن وهي مماثلة لها في إعرابها وعلوا مفعول مطلق وكبيرا صفة. (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاء مضاف إليها الظرف ووعد فاعل وأولاهما مضافة لوعد ولما كان الوعد على إطلاقه خاصا بالخير كان لا بد من تقدير مضاف محذوف أي وعد عقاب أولاهما وجملة بعثنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليكم متعلقان ببعثنا وعبادا مفعول به وأولي صفة لعبادا وهي من الأسماء الخمسة بمعنى أصحاب وبأس مضاف اليه وشديد صفة لبأس. (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا) الفاء عاطفة وجاسوا عطف على بعثنا وخلال ظرف مكان متعلق بجاسوا والديار مضاف اليه والواو عاطفة وكان عطف على الجوس واسمها ضمير يعود على الجوس أو الوعد بالعقاب ووعدا خبر كان ومفعولا صفة لوعدا. (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) ثم حرف عطف للتراخي ورددنا فعل وفاعل ولكم متعلقان برددنا والكرة مفعول به وعليهم متعلقان بالكرة أي الغلبة عليهم أو حال منها. (وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) وأمددناكم عطف على رددنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبأموال جار ومجرور متعلقان بأمددناكم وبنين عطف على أموال وجعلناكم فعل وفاعل ومفعول به وأكثر مفعول به ثان ونفيرا تمييز. (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) إن شرطية وأحسنتم فعل وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وأحسنتم جوابه وإن أسأتم عطف على إن أحسنتم والفاء رابطة للجواب ولها متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي فإساءتكم، وكان القياس يقتضي أن يقول فعليها ولكنه عدل إلى اللام للمشاكلة مع قوله لأنفسكم، وقيل اللام بمعنى على أي فعليها كما في قول عنترة: فخرّ صريعا لليدين وللفم (فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل، وجاء وعد فعل وفاعل والآخرة مضاف لوعد وأراد المرة الآخرة وليسوءوا اللام للتعليل ويسيئوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وهو متعلق بجواب إذا المحذوف أي بعثناهم ليسوءوا وقد دل على الجواب جواب إذا الأولى ووجوهكم مفعول به والمعنى ليجعلوا وجوهكم بادية المساءة منكسفة المعالم. (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وليدخلوا عطف على ليسوءوا أي فهو متعلق بمحذوف هو بعثناهم والمسجد منصوب على السعة وكما نصب على المصدرية أي دخولا مثل دخولهم وأول مرة نصب على الظرفية. (وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً) وليتبروا عطف على ليسوءوا وواو الجماعة فاعل وما مفعول به ليتبروا أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه ويجوز أن تجعل ما مصدرية ظرفية ومفعول يتبروا محذوف ولعله أولى لإفساح المجال أمام الخيال ليتصور مدى إهلاكهم الحرث والنسل مدة علوهم على البلاد ويكون الظرف متعلقا بيتبروا وتتبيرا مفعول مطلق. (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً) عسى فعل ماض من أفعال الرجاء ترفع الاسم وتنصب الخبر وربكم اسمها وأن مع مدخولها في محل نصب خبر والواو حرف عطف وإن شرطية وعدتم فعل ماض وفاعل في محل جزم فعل الشرط وعدنا فعل ماض وفاعل في محل جزم جواب الشرط وجعلنا عطف على عدنا ونا فاعل وجهنم مفعول به أول وللكافرين متعلقان بحصيرا وحصيرا مفعول به ثان هذا إذا اعتبرنا حصيرا فعيلا بمعنى فاعل وان اعتبرناه اسما جامدا أي مكان الحبس المعروف فتكون للكافرين حالا منه. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على ضروب من البلاغة ندرجها فيما يلي: 1- الذكر: ذكر الليل مع أن السرى لا يكون إلا بالليل يحتمل أمرين: آ- أولهما أن الاسراء لما دل على أمرين أحدهما السير والآخر كونه ليلا أريد إفراد أحدهما بالذكر تثبيتا في نفس المخاطب وتنبيها على أنه مقصود بالذكر وقد مرت الاشارة إلى هذه النكتة في قوله تعالى «وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد» فالاسم الحامل للتثنية دال عليها وعلى الجنسية وكذلك المفرد فأريد التنبيه لأن أحد المعنيين وهو التثنية مقصود مراد. ب- وثانيهما الإشارة بتنكير الليل إلى تقليل مدته لأن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية وهذا بخلاف ما لو قيل أسرى بعبده الليل فإن التركيب مع التعريف يفيد استغراق السير لجميع أجزاء الليل. 2- الوصل والفصل: ومن الفنون البعيدة المنال التي تطول على من رامها الفصل والوصل فإن القارئ ليشعر أن بين آية الاسراء وقوله «وآتينا موسى الكتاب» إلى آخر الآية تباينا شديدا في ظاهر الأمر حتى إذا تمعّن وتدبر وجد الوصل بين الفعلين فإنه تعالى أخبر أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى عباده كما أسرى بموسى من مصر إلى مدين حين خرج خائفا يترقب وأسرى به وبابنه شعيب إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى فرعون وملئه وآتاه الكتاب فهذا هو الوصل بين الفصلين المذكورين وأما الوصل بين قوله تعالى: «ذرية من حملنا مع نوح» وبين ما قبله فتذكار بني إسرائيل بأول نعمه عز وجل عليهم بنجاة آبائهم مع نوح في السفينة من الغرق إذ لو لم ينج آباؤهم لما وجدوا فكأنما النعم السابغة عليهم سلسلة متعاقبة الحلقات أولها نجاة آبائهم من غرق الطوفان الذي عم العالم بأسره وآخرها نجاتهم من الغرق حين شق لهم البحر ليغرق فرعون وجنوده وملؤه وينجوا هم وإذن كان يترتب عليهم أن يشكروا من أسبغ عليهم هذه الآلاء والعوارف وأن يتأسوا بنوح جدهم الأكبر الذي كان عبدا شكورا، أليس الولد سر أبيه؟ بيد أن هؤلاء نسيج وحدهم من الجحود والإنكار، وغمط النعمة، ومقابلة الحسنات بالسيئات. 3- الالتفات: تحدثنا عن الالتفات كثيرا في هذا الكتاب وتقدمت له شواهد متعددة وفي هذه الآية، آية الاسراء، تعاقب الالتفات كثيرا على قصر متنه وتقارب طرفيه، فقد قال أولا «سبحان الذي أسرى» بلفظ الواحد الغائب ثم قال «الذي باركنا» بلفظ الجمع المتكلم ثم قال «إنه هو السميع البصير» بلفظ الواحد الغائب ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير» وهذا جميعه محمول على أسرى فلما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا في الكلام، وتفننا فيه، وتنويعا لأساليبه والفائدة منه فضلا عن تطرية نشاط الذهن، واستحضاره، واسترعائه لعرض الحقائق المملوءة بالعظات والعبر، أنه لما بدأ الكلام بسبحانه ردفه بقوله الذي أسرى إذ لا يجوز أن يقال الذي أسرينا فلما جاء بلفظ الواحد، والله تعالى أعظم العظماء وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع استدرك الاول بالثاني فقال: «باركنا» ثم قال «لنريه من آياتنا» فجاء بذلك على نسق «باركنا» ثم قال «إنه هو» عطفا على أسرى وذلك موضع متوسط الصفة لأن السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، بصرف النظر عن التفاوت بين السمعين والبصريين وتلك حال متوسطة فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه إلى خطاب غائب وهذه مرام بعيدة المدى، جليلة الغرض لا يسبر غورها ولا يكتنه فحواها إلا المطبوع. الفوائد: 1- «من» و «إلى» الجارتين: ل «من» الجارة معان كثيرة يمكن الرجوع إليها في معني اللبيب وغيره من الكتب المطولة في النحو ولكننا نريد أن نشير إلى المعنى الرئيسي لها الوارد في آية الاسراء وهو الابتداء أي ابتداء الغاية المكانية باتفاق جميع النحاة بصريهم وكوفيهم بدليل انتهاء الغاية بعدها وهي قوله «إلى المسجد الأقصى» أما ابتداء الغاية الزمانية فقد اختلف النحاة فأقرها الكوفيون وأقرها من البصريين المبرد والأخفش وابن درستويه وهذا هو الصحيح لورودها في الكتاب العزيز وهو قوله «من أول يوم أحق أن تقوم فيه رجال» وفي الحديث وهو قول أنس «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة» وفي الشعر وهو قول النابغة الذبياني يصف السيوف: تخيرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب أما «إلى» الجارة فهي تفيد انتهاء الغاية مكانية وزمانية فمثالها في المكان «إلى المسجد الأقصى» ومثالها في الزمان «ثم أتموا الصيام إلى الليل» ولإلى سبعة معان أخرى حكاها في مغني اللبيب وغيره ومما أشكل من معاني إلى قول النابغة الذبياني أيضا يعتذر إلى النعمان ابن المنذر: فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب ذكر في المغني أنها هنا بمعنى في وهو غريب وقال الدماميني: «إلى متعلقة بمحذوف وهو حال من اسم كأن، أي: كأنني مبغضا إلى الناس بسبب الوعيد كجمل أجرب طلي به القار أي جعل فيه أو اتصف به» وقد ذهل الدماميني عن القلب في مطلي به القار أو انه تكلفه ليجعل مطليا بمعنى مبغض فالقار يطلى به ولا يطلي هو ولهذا كان لا بد من الرجوع إلى رأي ابن هشام وهو ان إلى بمعنى في وان الجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي كأنني كائنا في الناس بعير طلي بالقار وهو مبغض. 2- معنى مرتين: اختلف المفسرون في تفسير المرتين الواردتين في قوله تعالى «لتفسدن في الأرض مرتين» فذهب بعضهم إلى أن المرة الأولى هي قتل زكريا وحبس أرميا والثانية قتل يحيى وقصد قتل عيسى وقال البيضاوي: «أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا وقيل أرميا وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسلام» على أن فساد اليهود في الأرض لا يمكن حصره بمرتين وإنما أتى القرآن الكريم بالمرتين مثالا سريعا لفسادهم الذي لا يحصى والذي يستمر مدى الدهور. ويمكن الرجوع إلى المطولات لهذا الغرض.

الإسراء 17:3

اللغة: (سُبْحانَ) : علم جنس للتنزيه والتقديس وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحانه أو سبحت الله سبحان أي فهو مفعول مطلق ومعناه ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص ولذا لا يستعمل إلا فيه تعالى. (أَسْرى) : سرى بمعنى سار في الليل وهما لازمان ومصدر الأول الإسراء ومصدر الثاني السرى بضم السين. (مَرَّتَيْنِ) : تثنية مرة وفي القاموس مرمرا ومرورا جاز وذهب واستمر ومره وبه جاز عليه وامترّ به وعليه كمر والمرة الفعلة الواحدة والجمع مرّ ومرار ومرر بكسرهما ومرور بالضم ولقيه ذات مرة ولا يستعمل إلا ظرفا» . (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ) : في القاموس: «الجوس بالجيم طلب الشيء باستقصاء والتردد خلال الدور والبيوت في الغارة والطوف فيها كالجوسان والاجتياس وبابه قال وخلال الديار فيه وجهان أحدهما أنه اسم مفرد بمعنى وسط والثاني انه جمع خلل كجبل وجبال وجمل وجمال. وقال الجوهري: الجوس مصدر جاسوا خلال الديار أي تخللوا فطلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها. وحكى الهروي في الغريبين عن الأزهري أن معنى جاسوا وطئوا. وحكي عن الأصمعي انه يقال تركت فلانا يجوس بني فلان ويحوسهم ويدوسهم أي يضؤهم. وقال أبو عبيد كل موضع خالطته ووطئته فقد جسته وحسته. (الْكَرَّةَ) : الغلبة والدولة وهي في الأصل مصدر كريكر أي رجع ثم استعملت تعبيرا عن الدولة والقهر والغلبة. (نَفِيراً) : النفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفر كالعبيد والمعيز وفيه أوجه أحدها انه فعيل بمعنى فاعل أي نافر والثاني أنه جمع نفر نحو عبيد والثالث انه مصدر أي أكثر خروجا إلى الأعداء وفد قدمنا أن النون والفاء إذا كاتنا فاء للكلمة وعينا لها، دلتا على الخروج والنفاذ. (يتبروا) : التتبير: الهلاك. (حَصِيراً) : محبسا وسجنا. قال لبيد: ومقامه غلب الرجال كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام وقال الحسن: يعني فراشا، وعنه أيضا: وهو مأخوذ من الحصر والذي يظهر انها حاصرة لهم أي محيطة بهم من جميع جهاتهم فحصير معناه ذات حصر إذ لو كان للمبالغة لزمته التاء لجريانه على مؤنث كما تقول: رحيمة وعليمة، ولكنه على معنى النسب كقوله: السماء منفطر به، أي ذات انفطار. الإعراب: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف وقد تقدم بحثه في باب اللغة والذي مضاف اليه وجملة أسرى صلة، وبعبده متعلقان بأسرى وليلا ظرف متعلق بأسرى وسيأتي في باب البلاغة سر ذكره مع أن السرى لا يكون إلا في الليل وبعبده جار ومجرور متعلقان بأسرى وليلا ظرف زمان متعلق بأسرى أيضا ومن المسجد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي مبتدئا وإلى المسجد الأقصى حال أيضا أي منتهيا إلى المسجد والأقصى نعت للمسجد والذي نعت ثان وباركنا صلة وهي فعل وفاعل وحوله ظرف متعلق بباركنا. (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) اللام للتعليل ونريه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به والأولى أن تجعل الجار والمجرور خبرا لمبتدأ محذوف أي وذلك لنريه ومن آياتنا جار ومجرور متعلقان بنريه ومن حرف جر للتبعيض وان واسمها وهو مبتدأ أو ضمير فصل والسميع خبر هو أو خبر إن والبصير خبر ثان وسيأتي سر هذه الالتفاتات في باب البلاغة. (وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) الواو استئنافية أو عاطفة على جملة سبحان الذي أسرى ونا فاعل وموسى مفعول به أول والكتاب مفعول به ثان وجعلناه هدى فعل وفاعل والهاء مفعول به أول وهدى مفعول به ثان ولبني متعلقان بهدى وإسرائيل مضاف اليه. (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) يصح في أن أن تكون مصدرية منصوبة مع مدخولها بنزع الخافض أي بأن لا تتخذوا والجار والمجرور متعلقان بكتبنا ويجوز أن تكون مفسرة لأن الإتيان فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتتخذوا مضارع مجزوم بلا ووكيلا مفعول تتخذوا الأول ومن دوني هو المفعول الثاني لتتخذوا. (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً) ذرية: اضطربت أقوال المعربين في نصبها المتفق عليه بين القراء جميعا فقيل: نصبت على الاختصاص وبه بدأ الزمخشري وقيل على النداء وقيل بدل من وكيلا وقيل مفعول ثان لتتخذوا، على أن النفس لا تطمئن لواحد منها والله أعلم ومن مضاف إلى ذرية وحملنا صلة ومع ظرف مكان متعلق بحملنا ونوح مضاف إليه وان واسمها وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو وعبدا خبرها وشكورا صفة ومما يرجح إعراب ذرية على الاختصاص أو النداء قول الزمخشري في إعراب جملة: «إنه كان عبدا شكورا» انها تعليلية لاختصاصهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فكأنه قيل: «لا تتخذوا من دوني وكيلا ولا تشركوا بي لأن نوحا عليه السلام كان عبدا شكورا وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم» وهذه فطنة من الزمخشري تسترعي الانتباه وتستحق الاعجاب. (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ) الواو عاطفة وقضينا فعل وفاعل وإلى بني إسرائيل متعلقان بقضينا وقضينا في الأصل فعل يتعدى بنفسه ولكنه تعدى هنا بإلى لتضمنه معنى أوحينا، ومعنى قضينا أعلمنا وأخبرنا أو حكمنا وأتممنا، وأصل القضاء الإحكام للشيء والفراغ منه وقيل أوحينا ويدل عليه قوله إلى بني إسرائيل ولو كان بمعنى الإعلام والاخبار لقال قضينا بني إسرائيل ولو كان بمعنى حكمنا لقال على بني إسرائيل ولو كان بمعنى أتممنا لقال لبني إسرائيل. وفي الكتاب حال والمراد به التوراة. (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) اللام جواب للقسم المحذوف أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن، وتفسدن فعل مضارع معرب لأنه لم يتصل مباشرة بنون التوكيد الثقيلة وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي النونات وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين هي الفاعل والأصل لتفسدونن وقد تقدمت له نظائر وفي الأرض متعلقان بتفسدن ومرتين نصب على الظرفية وأعربه أبو البقاء مفعولا مطلقا على أنه صفة لمصدر محذوف أو على أنه في نفسه مصدر عمل فيه ما هو من غير جنسه وسيأتي المراد بالمرتين في باب الفوائد. (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً) الواو عطف ولتعلن عطف على لتفسدن وهي مماثلة لها في إعرابها وعلوا مفعول مطلق وكبيرا صفة. (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاء مضاف إليها الظرف ووعد فاعل وأولاهما مضافة لوعد ولما كان الوعد على إطلاقه خاصا بالخير كان لا بد من تقدير مضاف محذوف أي وعد عقاب أولاهما وجملة بعثنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليكم متعلقان ببعثنا وعبادا مفعول به وأولي صفة لعبادا وهي من الأسماء الخمسة بمعنى أصحاب وبأس مضاف اليه وشديد صفة لبأس. (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا) الفاء عاطفة وجاسوا عطف على بعثنا وخلال ظرف مكان متعلق بجاسوا والديار مضاف اليه والواو عاطفة وكان عطف على الجوس واسمها ضمير يعود على الجوس أو الوعد بالعقاب ووعدا خبر كان ومفعولا صفة لوعدا. (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) ثم حرف عطف للتراخي ورددنا فعل وفاعل ولكم متعلقان برددنا والكرة مفعول به وعليهم متعلقان بالكرة أي الغلبة عليهم أو حال منها. (وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) وأمددناكم عطف على رددنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبأموال جار ومجرور متعلقان بأمددناكم وبنين عطف على أموال وجعلناكم فعل وفاعل ومفعول به وأكثر مفعول به ثان ونفيرا تمييز. (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) إن شرطية وأحسنتم فعل وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وأحسنتم جوابه وإن أسأتم عطف على إن أحسنتم والفاء رابطة للجواب ولها متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي فإساءتكم، وكان القياس يقتضي أن يقول فعليها ولكنه عدل إلى اللام للمشاكلة مع قوله لأنفسكم، وقيل اللام بمعنى على أي فعليها كما في قول عنترة: فخرّ صريعا لليدين وللفم (فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل، وجاء وعد فعل وفاعل والآخرة مضاف لوعد وأراد المرة الآخرة وليسوءوا اللام للتعليل ويسيئوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وهو متعلق بجواب إذا المحذوف أي بعثناهم ليسوءوا وقد دل على الجواب جواب إذا الأولى ووجوهكم مفعول به والمعنى ليجعلوا وجوهكم بادية المساءة منكسفة المعالم. (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وليدخلوا عطف على ليسوءوا أي فهو متعلق بمحذوف هو بعثناهم والمسجد منصوب على السعة وكما نصب على المصدرية أي دخولا مثل دخولهم وأول مرة نصب على الظرفية. (وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً) وليتبروا عطف على ليسوءوا وواو الجماعة فاعل وما مفعول به ليتبروا أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه ويجوز أن تجعل ما مصدرية ظرفية ومفعول يتبروا محذوف ولعله أولى لإفساح المجال أمام الخيال ليتصور مدى إهلاكهم الحرث والنسل مدة علوهم على البلاد ويكون الظرف متعلقا بيتبروا وتتبيرا مفعول مطلق. (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً) عسى فعل ماض من أفعال الرجاء ترفع الاسم وتنصب الخبر وربكم اسمها وأن مع مدخولها في محل نصب خبر والواو حرف عطف وإن شرطية وعدتم فعل ماض وفاعل في محل جزم فعل الشرط وعدنا فعل ماض وفاعل في محل جزم جواب الشرط وجعلنا عطف على عدنا ونا فاعل وجهنم مفعول به أول وللكافرين متعلقان بحصيرا وحصيرا مفعول به ثان هذا إذا اعتبرنا حصيرا فعيلا بمعنى فاعل وان اعتبرناه اسما جامدا أي مكان الحبس المعروف فتكون للكافرين حالا منه. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على ضروب من البلاغة ندرجها فيما يلي: 1- الذكر: ذكر الليل مع أن السرى لا يكون إلا بالليل يحتمل أمرين: آ- أولهما أن الاسراء لما دل على أمرين أحدهما السير والآخر كونه ليلا أريد إفراد أحدهما بالذكر تثبيتا في نفس المخاطب وتنبيها على أنه مقصود بالذكر وقد مرت الاشارة إلى هذه النكتة في قوله تعالى «وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد» فالاسم الحامل للتثنية دال عليها وعلى الجنسية وكذلك المفرد فأريد التنبيه لأن أحد المعنيين وهو التثنية مقصود مراد. ب- وثانيهما الإشارة بتنكير الليل إلى تقليل مدته لأن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية وهذا بخلاف ما لو قيل أسرى بعبده الليل فإن التركيب مع التعريف يفيد استغراق السير لجميع أجزاء الليل. 2- الوصل والفصل: ومن الفنون البعيدة المنال التي تطول على من رامها الفصل والوصل فإن القارئ ليشعر أن بين آية الاسراء وقوله «وآتينا موسى الكتاب» إلى آخر الآية تباينا شديدا في ظاهر الأمر حتى إذا تمعّن وتدبر وجد الوصل بين الفعلين فإنه تعالى أخبر أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى عباده كما أسرى بموسى من مصر إلى مدين حين خرج خائفا يترقب وأسرى به وبابنه شعيب إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى فرعون وملئه وآتاه الكتاب فهذا هو الوصل بين الفصلين المذكورين وأما الوصل بين قوله تعالى: «ذرية من حملنا مع نوح» وبين ما قبله فتذكار بني إسرائيل بأول نعمه عز وجل عليهم بنجاة آبائهم مع نوح في السفينة من الغرق إذ لو لم ينج آباؤهم لما وجدوا فكأنما النعم السابغة عليهم سلسلة متعاقبة الحلقات أولها نجاة آبائهم من غرق الطوفان الذي عم العالم بأسره وآخرها نجاتهم من الغرق حين شق لهم البحر ليغرق فرعون وجنوده وملؤه وينجوا هم وإذن كان يترتب عليهم أن يشكروا من أسبغ عليهم هذه الآلاء والعوارف وأن يتأسوا بنوح جدهم الأكبر الذي كان عبدا شكورا، أليس الولد سر أبيه؟ بيد أن هؤلاء نسيج وحدهم من الجحود والإنكار، وغمط النعمة، ومقابلة الحسنات بالسيئات. 3- الالتفات: تحدثنا عن الالتفات كثيرا في هذا الكتاب وتقدمت له شواهد متعددة وفي هذه الآية، آية الاسراء، تعاقب الالتفات كثيرا على قصر متنه وتقارب طرفيه، فقد قال أولا «سبحان الذي أسرى» بلفظ الواحد الغائب ثم قال «الذي باركنا» بلفظ الجمع المتكلم ثم قال «إنه هو السميع البصير» بلفظ الواحد الغائب ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير» وهذا جميعه محمول على أسرى فلما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا في الكلام، وتفننا فيه، وتنويعا لأساليبه والفائدة منه فضلا عن تطرية نشاط الذهن، واستحضاره، واسترعائه لعرض الحقائق المملوءة بالعظات والعبر، أنه لما بدأ الكلام بسبحانه ردفه بقوله الذي أسرى إذ لا يجوز أن يقال الذي أسرينا فلما جاء بلفظ الواحد، والله تعالى أعظم العظماء وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع استدرك الاول بالثاني فقال: «باركنا» ثم قال «لنريه من آياتنا» فجاء بذلك على نسق «باركنا» ثم قال «إنه هو» عطفا على أسرى وذلك موضع متوسط الصفة لأن السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، بصرف النظر عن التفاوت بين السمعين والبصريين وتلك حال متوسطة فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه إلى خطاب غائب وهذه مرام بعيدة المدى، جليلة الغرض لا يسبر غورها ولا يكتنه فحواها إلا المطبوع. الفوائد: 1- «من» و «إلى» الجارتين: ل «من» الجارة معان كثيرة يمكن الرجوع إليها في معني اللبيب وغيره من الكتب المطولة في النحو ولكننا نريد أن نشير إلى المعنى الرئيسي لها الوارد في آية الاسراء وهو الابتداء أي ابتداء الغاية المكانية باتفاق جميع النحاة بصريهم وكوفيهم بدليل انتهاء الغاية بعدها وهي قوله «إلى المسجد الأقصى» أما ابتداء الغاية الزمانية فقد اختلف النحاة فأقرها الكوفيون وأقرها من البصريين المبرد والأخفش وابن درستويه وهذا هو الصحيح لورودها في الكتاب العزيز وهو قوله «من أول يوم أحق أن تقوم فيه رجال» وفي الحديث وهو قول أنس «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة» وفي الشعر وهو قول النابغة الذبياني يصف السيوف: تخيرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب أما «إلى» الجارة فهي تفيد انتهاء الغاية مكانية وزمانية فمثالها في المكان «إلى المسجد الأقصى» ومثالها في الزمان «ثم أتموا الصيام إلى الليل» ولإلى سبعة معان أخرى حكاها في مغني اللبيب وغيره ومما أشكل من معاني إلى قول النابغة الذبياني أيضا يعتذر إلى النعمان ابن المنذر: فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب ذكر في المغني أنها هنا بمعنى في وهو غريب وقال الدماميني: «إلى متعلقة بمحذوف وهو حال من اسم كأن، أي: كأنني مبغضا إلى الناس بسبب الوعيد كجمل أجرب طلي به القار أي جعل فيه أو اتصف به» وقد ذهل الدماميني عن القلب في مطلي به القار أو انه تكلفه ليجعل مطليا بمعنى مبغض فالقار يطلى به ولا يطلي هو ولهذا كان لا بد من الرجوع إلى رأي ابن هشام وهو ان إلى بمعنى في وان الجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي كأنني كائنا في الناس بعير طلي بالقار وهو مبغض. 2- معنى مرتين: اختلف المفسرون في تفسير المرتين الواردتين في قوله تعالى «لتفسدن في الأرض مرتين» فذهب بعضهم إلى أن المرة الأولى هي قتل زكريا وحبس أرميا والثانية قتل يحيى وقصد قتل عيسى وقال البيضاوي: «أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا وقيل أرميا وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسلام» على أن فساد اليهود في الأرض لا يمكن حصره بمرتين وإنما أتى القرآن الكريم بالمرتين مثالا سريعا لفسادهم الذي لا يحصى والذي يستمر مدى الدهور. ويمكن الرجوع إلى المطولات لهذا الغرض.

الإسراء 17:4

اللغة: (سُبْحانَ) : علم جنس للتنزيه والتقديس وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحانه أو سبحت الله سبحان أي فهو مفعول مطلق ومعناه ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص ولذا لا يستعمل إلا فيه تعالى. (أَسْرى) : سرى بمعنى سار في الليل وهما لازمان ومصدر الأول الإسراء ومصدر الثاني السرى بضم السين. (مَرَّتَيْنِ) : تثنية مرة وفي القاموس مرمرا ومرورا جاز وذهب واستمر ومره وبه جاز عليه وامترّ به وعليه كمر والمرة الفعلة الواحدة والجمع مرّ ومرار ومرر بكسرهما ومرور بالضم ولقيه ذات مرة ولا يستعمل إلا ظرفا» . (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ) : في القاموس: «الجوس بالجيم طلب الشيء باستقصاء والتردد خلال الدور والبيوت في الغارة والطوف فيها كالجوسان والاجتياس وبابه قال وخلال الديار فيه وجهان أحدهما أنه اسم مفرد بمعنى وسط والثاني انه جمع خلل كجبل وجبال وجمل وجمال. وقال الجوهري: الجوس مصدر جاسوا خلال الديار أي تخللوا فطلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها. وحكى الهروي في الغريبين عن الأزهري أن معنى جاسوا وطئوا. وحكي عن الأصمعي انه يقال تركت فلانا يجوس بني فلان ويحوسهم ويدوسهم أي يضؤهم. وقال أبو عبيد كل موضع خالطته ووطئته فقد جسته وحسته. (الْكَرَّةَ) : الغلبة والدولة وهي في الأصل مصدر كريكر أي رجع ثم استعملت تعبيرا عن الدولة والقهر والغلبة. (نَفِيراً) : النفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفر كالعبيد والمعيز وفيه أوجه أحدها انه فعيل بمعنى فاعل أي نافر والثاني أنه جمع نفر نحو عبيد والثالث انه مصدر أي أكثر خروجا إلى الأعداء وفد قدمنا أن النون والفاء إذا كاتنا فاء للكلمة وعينا لها، دلتا على الخروج والنفاذ. (يتبروا) : التتبير: الهلاك. (حَصِيراً) : محبسا وسجنا. قال لبيد: ومقامه غلب الرجال كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام وقال الحسن: يعني فراشا، وعنه أيضا: وهو مأخوذ من الحصر والذي يظهر انها حاصرة لهم أي محيطة بهم من جميع جهاتهم فحصير معناه ذات حصر إذ لو كان للمبالغة لزمته التاء لجريانه على مؤنث كما تقول: رحيمة وعليمة، ولكنه على معنى النسب كقوله: السماء منفطر به، أي ذات انفطار. الإعراب: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف وقد تقدم بحثه في باب اللغة والذي مضاف اليه وجملة أسرى صلة، وبعبده متعلقان بأسرى وليلا ظرف متعلق بأسرى وسيأتي في باب البلاغة سر ذكره مع أن السرى لا يكون إلا في الليل وبعبده جار ومجرور متعلقان بأسرى وليلا ظرف زمان متعلق بأسرى أيضا ومن المسجد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي مبتدئا وإلى المسجد الأقصى حال أيضا أي منتهيا إلى المسجد والأقصى نعت للمسجد والذي نعت ثان وباركنا صلة وهي فعل وفاعل وحوله ظرف متعلق بباركنا. (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) اللام للتعليل ونريه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به والأولى أن تجعل الجار والمجرور خبرا لمبتدأ محذوف أي وذلك لنريه ومن آياتنا جار ومجرور متعلقان بنريه ومن حرف جر للتبعيض وان واسمها وهو مبتدأ أو ضمير فصل والسميع خبر هو أو خبر إن والبصير خبر ثان وسيأتي سر هذه الالتفاتات في باب البلاغة. (وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) الواو استئنافية أو عاطفة على جملة سبحان الذي أسرى ونا فاعل وموسى مفعول به أول والكتاب مفعول به ثان وجعلناه هدى فعل وفاعل والهاء مفعول به أول وهدى مفعول به ثان ولبني متعلقان بهدى وإسرائيل مضاف اليه. (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) يصح في أن أن تكون مصدرية منصوبة مع مدخولها بنزع الخافض أي بأن لا تتخذوا والجار والمجرور متعلقان بكتبنا ويجوز أن تكون مفسرة لأن الإتيان فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتتخذوا مضارع مجزوم بلا ووكيلا مفعول تتخذوا الأول ومن دوني هو المفعول الثاني لتتخذوا. (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً) ذرية: اضطربت أقوال المعربين في نصبها المتفق عليه بين القراء جميعا فقيل: نصبت على الاختصاص وبه بدأ الزمخشري وقيل على النداء وقيل بدل من وكيلا وقيل مفعول ثان لتتخذوا، على أن النفس لا تطمئن لواحد منها والله أعلم ومن مضاف إلى ذرية وحملنا صلة ومع ظرف مكان متعلق بحملنا ونوح مضاف إليه وان واسمها وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو وعبدا خبرها وشكورا صفة ومما يرجح إعراب ذرية على الاختصاص أو النداء قول الزمخشري في إعراب جملة: «إنه كان عبدا شكورا» انها تعليلية لاختصاصهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فكأنه قيل: «لا تتخذوا من دوني وكيلا ولا تشركوا بي لأن نوحا عليه السلام كان عبدا شكورا وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم» وهذه فطنة من الزمخشري تسترعي الانتباه وتستحق الاعجاب. (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ) الواو عاطفة وقضينا فعل وفاعل وإلى بني إسرائيل متعلقان بقضينا وقضينا في الأصل فعل يتعدى بنفسه ولكنه تعدى هنا بإلى لتضمنه معنى أوحينا، ومعنى قضينا أعلمنا وأخبرنا أو حكمنا وأتممنا، وأصل القضاء الإحكام للشيء والفراغ منه وقيل أوحينا ويدل عليه قوله إلى بني إسرائيل ولو كان بمعنى الإعلام والاخبار لقال قضينا بني إسرائيل ولو كان بمعنى حكمنا لقال على بني إسرائيل ولو كان بمعنى أتممنا لقال لبني إسرائيل. وفي الكتاب حال والمراد به التوراة. (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) اللام جواب للقسم المحذوف أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن، وتفسدن فعل مضارع معرب لأنه لم يتصل مباشرة بنون التوكيد الثقيلة وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي النونات وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين هي الفاعل والأصل لتفسدونن وقد تقدمت له نظائر وفي الأرض متعلقان بتفسدن ومرتين نصب على الظرفية وأعربه أبو البقاء مفعولا مطلقا على أنه صفة لمصدر محذوف أو على أنه في نفسه مصدر عمل فيه ما هو من غير جنسه وسيأتي المراد بالمرتين في باب الفوائد. (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً) الواو عطف ولتعلن عطف على لتفسدن وهي مماثلة لها في إعرابها وعلوا مفعول مطلق وكبيرا صفة. (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاء مضاف إليها الظرف ووعد فاعل وأولاهما مضافة لوعد ولما كان الوعد على إطلاقه خاصا بالخير كان لا بد من تقدير مضاف محذوف أي وعد عقاب أولاهما وجملة بعثنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليكم متعلقان ببعثنا وعبادا مفعول به وأولي صفة لعبادا وهي من الأسماء الخمسة بمعنى أصحاب وبأس مضاف اليه وشديد صفة لبأس. (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا) الفاء عاطفة وجاسوا عطف على بعثنا وخلال ظرف مكان متعلق بجاسوا والديار مضاف اليه والواو عاطفة وكان عطف على الجوس واسمها ضمير يعود على الجوس أو الوعد بالعقاب ووعدا خبر كان ومفعولا صفة لوعدا. (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) ثم حرف عطف للتراخي ورددنا فعل وفاعل ولكم متعلقان برددنا والكرة مفعول به وعليهم متعلقان بالكرة أي الغلبة عليهم أو حال منها. (وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) وأمددناكم عطف على رددنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبأموال جار ومجرور متعلقان بأمددناكم وبنين عطف على أموال وجعلناكم فعل وفاعل ومفعول به وأكثر مفعول به ثان ونفيرا تمييز. (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) إن شرطية وأحسنتم فعل وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وأحسنتم جوابه وإن أسأتم عطف على إن أحسنتم والفاء رابطة للجواب ولها متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي فإساءتكم، وكان القياس يقتضي أن يقول فعليها ولكنه عدل إلى اللام للمشاكلة مع قوله لأنفسكم، وقيل اللام بمعنى على أي فعليها كما في قول عنترة: فخرّ صريعا لليدين وللفم (فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل، وجاء وعد فعل وفاعل والآخرة مضاف لوعد وأراد المرة الآخرة وليسوءوا اللام للتعليل ويسيئوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وهو متعلق بجواب إذا المحذوف أي بعثناهم ليسوءوا وقد دل على الجواب جواب إذا الأولى ووجوهكم مفعول به والمعنى ليجعلوا وجوهكم بادية المساءة منكسفة المعالم. (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وليدخلوا عطف على ليسوءوا أي فهو متعلق بمحذوف هو بعثناهم والمسجد منصوب على السعة وكما نصب على المصدرية أي دخولا مثل دخولهم وأول مرة نصب على الظرفية. (وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً) وليتبروا عطف على ليسوءوا وواو الجماعة فاعل وما مفعول به ليتبروا أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه ويجوز أن تجعل ما مصدرية ظرفية ومفعول يتبروا محذوف ولعله أولى لإفساح المجال أمام الخيال ليتصور مدى إهلاكهم الحرث والنسل مدة علوهم على البلاد ويكون الظرف متعلقا بيتبروا وتتبيرا مفعول مطلق. (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً) عسى فعل ماض من أفعال الرجاء ترفع الاسم وتنصب الخبر وربكم اسمها وأن مع مدخولها في محل نصب خبر والواو حرف عطف وإن شرطية وعدتم فعل ماض وفاعل في محل جزم فعل الشرط وعدنا فعل ماض وفاعل في محل جزم جواب الشرط وجعلنا عطف على عدنا ونا فاعل وجهنم مفعول به أول وللكافرين متعلقان بحصيرا وحصيرا مفعول به ثان هذا إذا اعتبرنا حصيرا فعيلا بمعنى فاعل وان اعتبرناه اسما جامدا أي مكان الحبس المعروف فتكون للكافرين حالا منه. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على ضروب من البلاغة ندرجها فيما يلي: 1- الذكر: ذكر الليل مع أن السرى لا يكون إلا بالليل يحتمل أمرين: آ- أولهما أن الاسراء لما دل على أمرين أحدهما السير والآخر كونه ليلا أريد إفراد أحدهما بالذكر تثبيتا في نفس المخاطب وتنبيها على أنه مقصود بالذكر وقد مرت الاشارة إلى هذه النكتة في قوله تعالى «وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد» فالاسم الحامل للتثنية دال عليها وعلى الجنسية وكذلك المفرد فأريد التنبيه لأن أحد المعنيين وهو التثنية مقصود مراد. ب- وثانيهما الإشارة بتنكير الليل إلى تقليل مدته لأن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية وهذا بخلاف ما لو قيل أسرى بعبده الليل فإن التركيب مع التعريف يفيد استغراق السير لجميع أجزاء الليل. 2- الوصل والفصل: ومن الفنون البعيدة المنال التي تطول على من رامها الفصل والوصل فإن القارئ ليشعر أن بين آية الاسراء وقوله «وآتينا موسى الكتاب» إلى آخر الآية تباينا شديدا في ظاهر الأمر حتى إذا تمعّن وتدبر وجد الوصل بين الفعلين فإنه تعالى أخبر أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى عباده كما أسرى بموسى من مصر إلى مدين حين خرج خائفا يترقب وأسرى به وبابنه شعيب إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى فرعون وملئه وآتاه الكتاب فهذا هو الوصل بين الفصلين المذكورين وأما الوصل بين قوله تعالى: «ذرية من حملنا مع نوح» وبين ما قبله فتذكار بني إسرائيل بأول نعمه عز وجل عليهم بنجاة آبائهم مع نوح في السفينة من الغرق إذ لو لم ينج آباؤهم لما وجدوا فكأنما النعم السابغة عليهم سلسلة متعاقبة الحلقات أولها نجاة آبائهم من غرق الطوفان الذي عم العالم بأسره وآخرها نجاتهم من الغرق حين شق لهم البحر ليغرق فرعون وجنوده وملؤه وينجوا هم وإذن كان يترتب عليهم أن يشكروا من أسبغ عليهم هذه الآلاء والعوارف وأن يتأسوا بنوح جدهم الأكبر الذي كان عبدا شكورا، أليس الولد سر أبيه؟ بيد أن هؤلاء نسيج وحدهم من الجحود والإنكار، وغمط النعمة، ومقابلة الحسنات بالسيئات. 3- الالتفات: تحدثنا عن الالتفات كثيرا في هذا الكتاب وتقدمت له شواهد متعددة وفي هذه الآية، آية الاسراء، تعاقب الالتفات كثيرا على قصر متنه وتقارب طرفيه، فقد قال أولا «سبحان الذي أسرى» بلفظ الواحد الغائب ثم قال «الذي باركنا» بلفظ الجمع المتكلم ثم قال «إنه هو السميع البصير» بلفظ الواحد الغائب ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير» وهذا جميعه محمول على أسرى فلما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا في الكلام، وتفننا فيه، وتنويعا لأساليبه والفائدة منه فضلا عن تطرية نشاط الذهن، واستحضاره، واسترعائه لعرض الحقائق المملوءة بالعظات والعبر، أنه لما بدأ الكلام بسبحانه ردفه بقوله الذي أسرى إذ لا يجوز أن يقال الذي أسرينا فلما جاء بلفظ الواحد، والله تعالى أعظم العظماء وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع استدرك الاول بالثاني فقال: «باركنا» ثم قال «لنريه من آياتنا» فجاء بذلك على نسق «باركنا» ثم قال «إنه هو» عطفا على أسرى وذلك موضع متوسط الصفة لأن السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، بصرف النظر عن التفاوت بين السمعين والبصريين وتلك حال متوسطة فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه إلى خطاب غائب وهذه مرام بعيدة المدى، جليلة الغرض لا يسبر غورها ولا يكتنه فحواها إلا المطبوع. الفوائد: 1- «من» و «إلى» الجارتين: ل «من» الجارة معان كثيرة يمكن الرجوع إليها في معني اللبيب وغيره من الكتب المطولة في النحو ولكننا نريد أن نشير إلى المعنى الرئيسي لها الوارد في آية الاسراء وهو الابتداء أي ابتداء الغاية المكانية باتفاق جميع النحاة بصريهم وكوفيهم بدليل انتهاء الغاية بعدها وهي قوله «إلى المسجد الأقصى» أما ابتداء الغاية الزمانية فقد اختلف النحاة فأقرها الكوفيون وأقرها من البصريين المبرد والأخفش وابن درستويه وهذا هو الصحيح لورودها في الكتاب العزيز وهو قوله «من أول يوم أحق أن تقوم فيه رجال» وفي الحديث وهو قول أنس «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة» وفي الشعر وهو قول النابغة الذبياني يصف السيوف: تخيرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب أما «إلى» الجارة فهي تفيد انتهاء الغاية مكانية وزمانية فمثالها في المكان «إلى المسجد الأقصى» ومثالها في الزمان «ثم أتموا الصيام إلى الليل» ولإلى سبعة معان أخرى حكاها في مغني اللبيب وغيره ومما أشكل من معاني إلى قول النابغة الذبياني أيضا يعتذر إلى النعمان ابن المنذر: فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب ذكر في المغني أنها هنا بمعنى في وهو غريب وقال الدماميني: «إلى متعلقة بمحذوف وهو حال من اسم كأن، أي: كأنني مبغضا إلى الناس بسبب الوعيد كجمل أجرب طلي به القار أي جعل فيه أو اتصف به» وقد ذهل الدماميني عن القلب في مطلي به القار أو انه تكلفه ليجعل مطليا بمعنى مبغض فالقار يطلى به ولا يطلي هو ولهذا كان لا بد من الرجوع إلى رأي ابن هشام وهو ان إلى بمعنى في وان الجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي كأنني كائنا في الناس بعير طلي بالقار وهو مبغض. 2- معنى مرتين: اختلف المفسرون في تفسير المرتين الواردتين في قوله تعالى «لتفسدن في الأرض مرتين» فذهب بعضهم إلى أن المرة الأولى هي قتل زكريا وحبس أرميا والثانية قتل يحيى وقصد قتل عيسى وقال البيضاوي: «أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا وقيل أرميا وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسلام» على أن فساد اليهود في الأرض لا يمكن حصره بمرتين وإنما أتى القرآن الكريم بالمرتين مثالا سريعا لفسادهم الذي لا يحصى والذي يستمر مدى الدهور. ويمكن الرجوع إلى المطولات لهذا الغرض.

الإسراء 17:5

اللغة: (سُبْحانَ) : علم جنس للتنزيه والتقديس وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحانه أو سبحت الله سبحان أي فهو مفعول مطلق ومعناه ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص ولذا لا يستعمل إلا فيه تعالى. (أَسْرى) : سرى بمعنى سار في الليل وهما لازمان ومصدر الأول الإسراء ومصدر الثاني السرى بضم السين. (مَرَّتَيْنِ) : تثنية مرة وفي القاموس مرمرا ومرورا جاز وذهب واستمر ومره وبه جاز عليه وامترّ به وعليه كمر والمرة الفعلة الواحدة والجمع مرّ ومرار ومرر بكسرهما ومرور بالضم ولقيه ذات مرة ولا يستعمل إلا ظرفا» . (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ) : في القاموس: «الجوس بالجيم طلب الشيء باستقصاء والتردد خلال الدور والبيوت في الغارة والطوف فيها كالجوسان والاجتياس وبابه قال وخلال الديار فيه وجهان أحدهما أنه اسم مفرد بمعنى وسط والثاني انه جمع خلل كجبل وجبال وجمل وجمال. وقال الجوهري: الجوس مصدر جاسوا خلال الديار أي تخللوا فطلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها. وحكى الهروي في الغريبين عن الأزهري أن معنى جاسوا وطئوا. وحكي عن الأصمعي انه يقال تركت فلانا يجوس بني فلان ويحوسهم ويدوسهم أي يضؤهم. وقال أبو عبيد كل موضع خالطته ووطئته فقد جسته وحسته. (الْكَرَّةَ) : الغلبة والدولة وهي في الأصل مصدر كريكر أي رجع ثم استعملت تعبيرا عن الدولة والقهر والغلبة. (نَفِيراً) : النفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفر كالعبيد والمعيز وفيه أوجه أحدها انه فعيل بمعنى فاعل أي نافر والثاني أنه جمع نفر نحو عبيد والثالث انه مصدر أي أكثر خروجا إلى الأعداء وفد قدمنا أن النون والفاء إذا كاتنا فاء للكلمة وعينا لها، دلتا على الخروج والنفاذ. (يتبروا) : التتبير: الهلاك. (حَصِيراً) : محبسا وسجنا. قال لبيد: ومقامه غلب الرجال كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام وقال الحسن: يعني فراشا، وعنه أيضا: وهو مأخوذ من الحصر والذي يظهر انها حاصرة لهم أي محيطة بهم من جميع جهاتهم فحصير معناه ذات حصر إذ لو كان للمبالغة لزمته التاء لجريانه على مؤنث كما تقول: رحيمة وعليمة، ولكنه على معنى النسب كقوله: السماء منفطر به، أي ذات انفطار. الإعراب: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف وقد تقدم بحثه في باب اللغة والذي مضاف اليه وجملة أسرى صلة، وبعبده متعلقان بأسرى وليلا ظرف متعلق بأسرى وسيأتي في باب البلاغة سر ذكره مع أن السرى لا يكون إلا في الليل وبعبده جار ومجرور متعلقان بأسرى وليلا ظرف زمان متعلق بأسرى أيضا ومن المسجد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي مبتدئا وإلى المسجد الأقصى حال أيضا أي منتهيا إلى المسجد والأقصى نعت للمسجد والذي نعت ثان وباركنا صلة وهي فعل وفاعل وحوله ظرف متعلق بباركنا. (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) اللام للتعليل ونريه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به والأولى أن تجعل الجار والمجرور خبرا لمبتدأ محذوف أي وذلك لنريه ومن آياتنا جار ومجرور متعلقان بنريه ومن حرف جر للتبعيض وان واسمها وهو مبتدأ أو ضمير فصل والسميع خبر هو أو خبر إن والبصير خبر ثان وسيأتي سر هذه الالتفاتات في باب البلاغة. (وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) الواو استئنافية أو عاطفة على جملة سبحان الذي أسرى ونا فاعل وموسى مفعول به أول والكتاب مفعول به ثان وجعلناه هدى فعل وفاعل والهاء مفعول به أول وهدى مفعول به ثان ولبني متعلقان بهدى وإسرائيل مضاف اليه. (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) يصح في أن أن تكون مصدرية منصوبة مع مدخولها بنزع الخافض أي بأن لا تتخذوا والجار والمجرور متعلقان بكتبنا ويجوز أن تكون مفسرة لأن الإتيان فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتتخذوا مضارع مجزوم بلا ووكيلا مفعول تتخذوا الأول ومن دوني هو المفعول الثاني لتتخذوا. (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً) ذرية: اضطربت أقوال المعربين في نصبها المتفق عليه بين القراء جميعا فقيل: نصبت على الاختصاص وبه بدأ الزمخشري وقيل على النداء وقيل بدل من وكيلا وقيل مفعول ثان لتتخذوا، على أن النفس لا تطمئن لواحد منها والله أعلم ومن مضاف إلى ذرية وحملنا صلة ومع ظرف مكان متعلق بحملنا ونوح مضاف إليه وان واسمها وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو وعبدا خبرها وشكورا صفة ومما يرجح إعراب ذرية على الاختصاص أو النداء قول الزمخشري في إعراب جملة: «إنه كان عبدا شكورا» انها تعليلية لاختصاصهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فكأنه قيل: «لا تتخذوا من دوني وكيلا ولا تشركوا بي لأن نوحا عليه السلام كان عبدا شكورا وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم» وهذه فطنة من الزمخشري تسترعي الانتباه وتستحق الاعجاب. (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ) الواو عاطفة وقضينا فعل وفاعل وإلى بني إسرائيل متعلقان بقضينا وقضينا في الأصل فعل يتعدى بنفسه ولكنه تعدى هنا بإلى لتضمنه معنى أوحينا، ومعنى قضينا أعلمنا وأخبرنا أو حكمنا وأتممنا، وأصل القضاء الإحكام للشيء والفراغ منه وقيل أوحينا ويدل عليه قوله إلى بني إسرائيل ولو كان بمعنى الإعلام والاخبار لقال قضينا بني إسرائيل ولو كان بمعنى حكمنا لقال على بني إسرائيل ولو كان بمعنى أتممنا لقال لبني إسرائيل. وفي الكتاب حال والمراد به التوراة. (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) اللام جواب للقسم المحذوف أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن، وتفسدن فعل مضارع معرب لأنه لم يتصل مباشرة بنون التوكيد الثقيلة وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي النونات وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين هي الفاعل والأصل لتفسدونن وقد تقدمت له نظائر وفي الأرض متعلقان بتفسدن ومرتين نصب على الظرفية وأعربه أبو البقاء مفعولا مطلقا على أنه صفة لمصدر محذوف أو على أنه في نفسه مصدر عمل فيه ما هو من غير جنسه وسيأتي المراد بالمرتين في باب الفوائد. (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً) الواو عطف ولتعلن عطف على لتفسدن وهي مماثلة لها في إعرابها وعلوا مفعول مطلق وكبيرا صفة. (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاء مضاف إليها الظرف ووعد فاعل وأولاهما مضافة لوعد ولما كان الوعد على إطلاقه خاصا بالخير كان لا بد من تقدير مضاف محذوف أي وعد عقاب أولاهما وجملة بعثنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليكم متعلقان ببعثنا وعبادا مفعول به وأولي صفة لعبادا وهي من الأسماء الخمسة بمعنى أصحاب وبأس مضاف اليه وشديد صفة لبأس. (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا) الفاء عاطفة وجاسوا عطف على بعثنا وخلال ظرف مكان متعلق بجاسوا والديار مضاف اليه والواو عاطفة وكان عطف على الجوس واسمها ضمير يعود على الجوس أو الوعد بالعقاب ووعدا خبر كان ومفعولا صفة لوعدا. (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) ثم حرف عطف للتراخي ورددنا فعل وفاعل ولكم متعلقان برددنا والكرة مفعول به وعليهم متعلقان بالكرة أي الغلبة عليهم أو حال منها. (وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) وأمددناكم عطف على رددنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبأموال جار ومجرور متعلقان بأمددناكم وبنين عطف على أموال وجعلناكم فعل وفاعل ومفعول به وأكثر مفعول به ثان ونفيرا تمييز. (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) إن شرطية وأحسنتم فعل وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وأحسنتم جوابه وإن أسأتم عطف على إن أحسنتم والفاء رابطة للجواب ولها متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي فإساءتكم، وكان القياس يقتضي أن يقول فعليها ولكنه عدل إلى اللام للمشاكلة مع قوله لأنفسكم، وقيل اللام بمعنى على أي فعليها كما في قول عنترة: فخرّ صريعا لليدين وللفم (فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل، وجاء وعد فعل وفاعل والآخرة مضاف لوعد وأراد المرة الآخرة وليسوءوا اللام للتعليل ويسيئوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وهو متعلق بجواب إذا المحذوف أي بعثناهم ليسوءوا وقد دل على الجواب جواب إذا الأولى ووجوهكم مفعول به والمعنى ليجعلوا وجوهكم بادية المساءة منكسفة المعالم. (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وليدخلوا عطف على ليسوءوا أي فهو متعلق بمحذوف هو بعثناهم والمسجد منصوب على السعة وكما نصب على المصدرية أي دخولا مثل دخولهم وأول مرة نصب على الظرفية. (وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً) وليتبروا عطف على ليسوءوا وواو الجماعة فاعل وما مفعول به ليتبروا أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه ويجوز أن تجعل ما مصدرية ظرفية ومفعول يتبروا محذوف ولعله أولى لإفساح المجال أمام الخيال ليتصور مدى إهلاكهم الحرث والنسل مدة علوهم على البلاد ويكون الظرف متعلقا بيتبروا وتتبيرا مفعول مطلق. (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً) عسى فعل ماض من أفعال الرجاء ترفع الاسم وتنصب الخبر وربكم اسمها وأن مع مدخولها في محل نصب خبر والواو حرف عطف وإن شرطية وعدتم فعل ماض وفاعل في محل جزم فعل الشرط وعدنا فعل ماض وفاعل في محل جزم جواب الشرط وجعلنا عطف على عدنا ونا فاعل وجهنم مفعول به أول وللكافرين متعلقان بحصيرا وحصيرا مفعول به ثان هذا إذا اعتبرنا حصيرا فعيلا بمعنى فاعل وان اعتبرناه اسما جامدا أي مكان الحبس المعروف فتكون للكافرين حالا منه. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على ضروب من البلاغة ندرجها فيما يلي: 1- الذكر: ذكر الليل مع أن السرى لا يكون إلا بالليل يحتمل أمرين: آ- أولهما أن الاسراء لما دل على أمرين أحدهما السير والآخر كونه ليلا أريد إفراد أحدهما بالذكر تثبيتا في نفس المخاطب وتنبيها على أنه مقصود بالذكر وقد مرت الاشارة إلى هذه النكتة في قوله تعالى «وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد» فالاسم الحامل للتثنية دال عليها وعلى الجنسية وكذلك المفرد فأريد التنبيه لأن أحد المعنيين وهو التثنية مقصود مراد. ب- وثانيهما الإشارة بتنكير الليل إلى تقليل مدته لأن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية وهذا بخلاف ما لو قيل أسرى بعبده الليل فإن التركيب مع التعريف يفيد استغراق السير لجميع أجزاء الليل. 2- الوصل والفصل: ومن الفنون البعيدة المنال التي تطول على من رامها الفصل والوصل فإن القارئ ليشعر أن بين آية الاسراء وقوله «وآتينا موسى الكتاب» إلى آخر الآية تباينا شديدا في ظاهر الأمر حتى إذا تمعّن وتدبر وجد الوصل بين الفعلين فإنه تعالى أخبر أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى عباده كما أسرى بموسى من مصر إلى مدين حين خرج خائفا يترقب وأسرى به وبابنه شعيب إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى فرعون وملئه وآتاه الكتاب فهذا هو الوصل بين الفصلين المذكورين وأما الوصل بين قوله تعالى: «ذرية من حملنا مع نوح» وبين ما قبله فتذكار بني إسرائيل بأول نعمه عز وجل عليهم بنجاة آبائهم مع نوح في السفينة من الغرق إذ لو لم ينج آباؤهم لما وجدوا فكأنما النعم السابغة عليهم سلسلة متعاقبة الحلقات أولها نجاة آبائهم من غرق الطوفان الذي عم العالم بأسره وآخرها نجاتهم من الغرق حين شق لهم البحر ليغرق فرعون وجنوده وملؤه وينجوا هم وإذن كان يترتب عليهم أن يشكروا من أسبغ عليهم هذه الآلاء والعوارف وأن يتأسوا بنوح جدهم الأكبر الذي كان عبدا شكورا، أليس الولد سر أبيه؟ بيد أن هؤلاء نسيج وحدهم من الجحود والإنكار، وغمط النعمة، ومقابلة الحسنات بالسيئات. 3- الالتفات: تحدثنا عن الالتفات كثيرا في هذا الكتاب وتقدمت له شواهد متعددة وفي هذه الآية، آية الاسراء، تعاقب الالتفات كثيرا على قصر متنه وتقارب طرفيه، فقد قال أولا «سبحان الذي أسرى» بلفظ الواحد الغائب ثم قال «الذي باركنا» بلفظ الجمع المتكلم ثم قال «إنه هو السميع البصير» بلفظ الواحد الغائب ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير» وهذا جميعه محمول على أسرى فلما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا في الكلام، وتفننا فيه، وتنويعا لأساليبه والفائدة منه فضلا عن تطرية نشاط الذهن، واستحضاره، واسترعائه لعرض الحقائق المملوءة بالعظات والعبر، أنه لما بدأ الكلام بسبحانه ردفه بقوله الذي أسرى إذ لا يجوز أن يقال الذي أسرينا فلما جاء بلفظ الواحد، والله تعالى أعظم العظماء وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع استدرك الاول بالثاني فقال: «باركنا» ثم قال «لنريه من آياتنا» فجاء بذلك على نسق «باركنا» ثم قال «إنه هو» عطفا على أسرى وذلك موضع متوسط الصفة لأن السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، بصرف النظر عن التفاوت بين السمعين والبصريين وتلك حال متوسطة فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه إلى خطاب غائب وهذه مرام بعيدة المدى، جليلة الغرض لا يسبر غورها ولا يكتنه فحواها إلا المطبوع. الفوائد: 1- «من» و «إلى» الجارتين: ل «من» الجارة معان كثيرة يمكن الرجوع إليها في معني اللبيب وغيره من الكتب المطولة في النحو ولكننا نريد أن نشير إلى المعنى الرئيسي لها الوارد في آية الاسراء وهو الابتداء أي ابتداء الغاية المكانية باتفاق جميع النحاة بصريهم وكوفيهم بدليل انتهاء الغاية بعدها وهي قوله «إلى المسجد الأقصى» أما ابتداء الغاية الزمانية فقد اختلف النحاة فأقرها الكوفيون وأقرها من البصريين المبرد والأخفش وابن درستويه وهذا هو الصحيح لورودها في الكتاب العزيز وهو قوله «من أول يوم أحق أن تقوم فيه رجال» وفي الحديث وهو قول أنس «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة» وفي الشعر وهو قول النابغة الذبياني يصف السيوف: تخيرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب أما «إلى» الجارة فهي تفيد انتهاء الغاية مكانية وزمانية فمثالها في المكان «إلى المسجد الأقصى» ومثالها في الزمان «ثم أتموا الصيام إلى الليل» ولإلى سبعة معان أخرى حكاها في مغني اللبيب وغيره ومما أشكل من معاني إلى قول النابغة الذبياني أيضا يعتذر إلى النعمان ابن المنذر: فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب ذكر في المغني أنها هنا بمعنى في وهو غريب وقال الدماميني: «إلى متعلقة بمحذوف وهو حال من اسم كأن، أي: كأنني مبغضا إلى الناس بسبب الوعيد كجمل أجرب طلي به القار أي جعل فيه أو اتصف به» وقد ذهل الدماميني عن القلب في مطلي به القار أو انه تكلفه ليجعل مطليا بمعنى مبغض فالقار يطلى به ولا يطلي هو ولهذا كان لا بد من الرجوع إلى رأي ابن هشام وهو ان إلى بمعنى في وان الجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي كأنني كائنا في الناس بعير طلي بالقار وهو مبغض. 2- معنى مرتين: اختلف المفسرون في تفسير المرتين الواردتين في قوله تعالى «لتفسدن في الأرض مرتين» فذهب بعضهم إلى أن المرة الأولى هي قتل زكريا وحبس أرميا والثانية قتل يحيى وقصد قتل عيسى وقال البيضاوي: «أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا وقيل أرميا وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسلام» على أن فساد اليهود في الأرض لا يمكن حصره بمرتين وإنما أتى القرآن الكريم بالمرتين مثالا سريعا لفسادهم الذي لا يحصى والذي يستمر مدى الدهور. ويمكن الرجوع إلى المطولات لهذا الغرض.

الإسراء 17:6

اللغة: (سُبْحانَ) : علم جنس للتنزيه والتقديس وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحانه أو سبحت الله سبحان أي فهو مفعول مطلق ومعناه ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص ولذا لا يستعمل إلا فيه تعالى. (أَسْرى) : سرى بمعنى سار في الليل وهما لازمان ومصدر الأول الإسراء ومصدر الثاني السرى بضم السين. (مَرَّتَيْنِ) : تثنية مرة وفي القاموس مرمرا ومرورا جاز وذهب واستمر ومره وبه جاز عليه وامترّ به وعليه كمر والمرة الفعلة الواحدة والجمع مرّ ومرار ومرر بكسرهما ومرور بالضم ولقيه ذات مرة ولا يستعمل إلا ظرفا» . (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ) : في القاموس: «الجوس بالجيم طلب الشيء باستقصاء والتردد خلال الدور والبيوت في الغارة والطوف فيها كالجوسان والاجتياس وبابه قال وخلال الديار فيه وجهان أحدهما أنه اسم مفرد بمعنى وسط والثاني انه جمع خلل كجبل وجبال وجمل وجمال. وقال الجوهري: الجوس مصدر جاسوا خلال الديار أي تخللوا فطلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها. وحكى الهروي في الغريبين عن الأزهري أن معنى جاسوا وطئوا. وحكي عن الأصمعي انه يقال تركت فلانا يجوس بني فلان ويحوسهم ويدوسهم أي يضؤهم. وقال أبو عبيد كل موضع خالطته ووطئته فقد جسته وحسته. (الْكَرَّةَ) : الغلبة والدولة وهي في الأصل مصدر كريكر أي رجع ثم استعملت تعبيرا عن الدولة والقهر والغلبة. (نَفِيراً) : النفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفر كالعبيد والمعيز وفيه أوجه أحدها انه فعيل بمعنى فاعل أي نافر والثاني أنه جمع نفر نحو عبيد والثالث انه مصدر أي أكثر خروجا إلى الأعداء وفد قدمنا أن النون والفاء إذا كاتنا فاء للكلمة وعينا لها، دلتا على الخروج والنفاذ. (يتبروا) : التتبير: الهلاك. (حَصِيراً) : محبسا وسجنا. قال لبيد: ومقامه غلب الرجال كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام وقال الحسن: يعني فراشا، وعنه أيضا: وهو مأخوذ من الحصر والذي يظهر انها حاصرة لهم أي محيطة بهم من جميع جهاتهم فحصير معناه ذات حصر إذ لو كان للمبالغة لزمته التاء لجريانه على مؤنث كما تقول: رحيمة وعليمة، ولكنه على معنى النسب كقوله: السماء منفطر به، أي ذات انفطار. الإعراب: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف وقد تقدم بحثه في باب اللغة والذي مضاف اليه وجملة أسرى صلة، وبعبده متعلقان بأسرى وليلا ظرف متعلق بأسرى وسيأتي في باب البلاغة سر ذكره مع أن السرى لا يكون إلا في الليل وبعبده جار ومجرور متعلقان بأسرى وليلا ظرف زمان متعلق بأسرى أيضا ومن المسجد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي مبتدئا وإلى المسجد الأقصى حال أيضا أي منتهيا إلى المسجد والأقصى نعت للمسجد والذي نعت ثان وباركنا صلة وهي فعل وفاعل وحوله ظرف متعلق بباركنا. (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) اللام للتعليل ونريه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به والأولى أن تجعل الجار والمجرور خبرا لمبتدأ محذوف أي وذلك لنريه ومن آياتنا جار ومجرور متعلقان بنريه ومن حرف جر للتبعيض وان واسمها وهو مبتدأ أو ضمير فصل والسميع خبر هو أو خبر إن والبصير خبر ثان وسيأتي سر هذه الالتفاتات في باب البلاغة. (وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) الواو استئنافية أو عاطفة على جملة سبحان الذي أسرى ونا فاعل وموسى مفعول به أول والكتاب مفعول به ثان وجعلناه هدى فعل وفاعل والهاء مفعول به أول وهدى مفعول به ثان ولبني متعلقان بهدى وإسرائيل مضاف اليه. (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) يصح في أن أن تكون مصدرية منصوبة مع مدخولها بنزع الخافض أي بأن لا تتخذوا والجار والمجرور متعلقان بكتبنا ويجوز أن تكون مفسرة لأن الإتيان فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتتخذوا مضارع مجزوم بلا ووكيلا مفعول تتخذوا الأول ومن دوني هو المفعول الثاني لتتخذوا. (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً) ذرية: اضطربت أقوال المعربين في نصبها المتفق عليه بين القراء جميعا فقيل: نصبت على الاختصاص وبه بدأ الزمخشري وقيل على النداء وقيل بدل من وكيلا وقيل مفعول ثان لتتخذوا، على أن النفس لا تطمئن لواحد منها والله أعلم ومن مضاف إلى ذرية وحملنا صلة ومع ظرف مكان متعلق بحملنا ونوح مضاف إليه وان واسمها وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو وعبدا خبرها وشكورا صفة ومما يرجح إعراب ذرية على الاختصاص أو النداء قول الزمخشري في إعراب جملة: «إنه كان عبدا شكورا» انها تعليلية لاختصاصهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فكأنه قيل: «لا تتخذوا من دوني وكيلا ولا تشركوا بي لأن نوحا عليه السلام كان عبدا شكورا وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم» وهذه فطنة من الزمخشري تسترعي الانتباه وتستحق الاعجاب. (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ) الواو عاطفة وقضينا فعل وفاعل وإلى بني إسرائيل متعلقان بقضينا وقضينا في الأصل فعل يتعدى بنفسه ولكنه تعدى هنا بإلى لتضمنه معنى أوحينا، ومعنى قضينا أعلمنا وأخبرنا أو حكمنا وأتممنا، وأصل القضاء الإحكام للشيء والفراغ منه وقيل أوحينا ويدل عليه قوله إلى بني إسرائيل ولو كان بمعنى الإعلام والاخبار لقال قضينا بني إسرائيل ولو كان بمعنى حكمنا لقال على بني إسرائيل ولو كان بمعنى أتممنا لقال لبني إسرائيل. وفي الكتاب حال والمراد به التوراة. (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) اللام جواب للقسم المحذوف أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن، وتفسدن فعل مضارع معرب لأنه لم يتصل مباشرة بنون التوكيد الثقيلة وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي النونات وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين هي الفاعل والأصل لتفسدونن وقد تقدمت له نظائر وفي الأرض متعلقان بتفسدن ومرتين نصب على الظرفية وأعربه أبو البقاء مفعولا مطلقا على أنه صفة لمصدر محذوف أو على أنه في نفسه مصدر عمل فيه ما هو من غير جنسه وسيأتي المراد بالمرتين في باب الفوائد. (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً) الواو عطف ولتعلن عطف على لتفسدن وهي مماثلة لها في إعرابها وعلوا مفعول مطلق وكبيرا صفة. (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاء مضاف إليها الظرف ووعد فاعل وأولاهما مضافة لوعد ولما كان الوعد على إطلاقه خاصا بالخير كان لا بد من تقدير مضاف محذوف أي وعد عقاب أولاهما وجملة بعثنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليكم متعلقان ببعثنا وعبادا مفعول به وأولي صفة لعبادا وهي من الأسماء الخمسة بمعنى أصحاب وبأس مضاف اليه وشديد صفة لبأس. (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا) الفاء عاطفة وجاسوا عطف على بعثنا وخلال ظرف مكان متعلق بجاسوا والديار مضاف اليه والواو عاطفة وكان عطف على الجوس واسمها ضمير يعود على الجوس أو الوعد بالعقاب ووعدا خبر كان ومفعولا صفة لوعدا. (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) ثم حرف عطف للتراخي ورددنا فعل وفاعل ولكم متعلقان برددنا والكرة مفعول به وعليهم متعلقان بالكرة أي الغلبة عليهم أو حال منها. (وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) وأمددناكم عطف على رددنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبأموال جار ومجرور متعلقان بأمددناكم وبنين عطف على أموال وجعلناكم فعل وفاعل ومفعول به وأكثر مفعول به ثان ونفيرا تمييز. (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) إن شرطية وأحسنتم فعل وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وأحسنتم جوابه وإن أسأتم عطف على إن أحسنتم والفاء رابطة للجواب ولها متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي فإساءتكم، وكان القياس يقتضي أن يقول فعليها ولكنه عدل إلى اللام للمشاكلة مع قوله لأنفسكم، وقيل اللام بمعنى على أي فعليها كما في قول عنترة: فخرّ صريعا لليدين وللفم (فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل، وجاء وعد فعل وفاعل والآخرة مضاف لوعد وأراد المرة الآخرة وليسوءوا اللام للتعليل ويسيئوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وهو متعلق بجواب إذا المحذوف أي بعثناهم ليسوءوا وقد دل على الجواب جواب إذا الأولى ووجوهكم مفعول به والمعنى ليجعلوا وجوهكم بادية المساءة منكسفة المعالم. (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وليدخلوا عطف على ليسوءوا أي فهو متعلق بمحذوف هو بعثناهم والمسجد منصوب على السعة وكما نصب على المصدرية أي دخولا مثل دخولهم وأول مرة نصب على الظرفية. (وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً) وليتبروا عطف على ليسوءوا وواو الجماعة فاعل وما مفعول به ليتبروا أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه ويجوز أن تجعل ما مصدرية ظرفية ومفعول يتبروا محذوف ولعله أولى لإفساح المجال أمام الخيال ليتصور مدى إهلاكهم الحرث والنسل مدة علوهم على البلاد ويكون الظرف متعلقا بيتبروا وتتبيرا مفعول مطلق. (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً) عسى فعل ماض من أفعال الرجاء ترفع الاسم وتنصب الخبر وربكم اسمها وأن مع مدخولها في محل نصب خبر والواو حرف عطف وإن شرطية وعدتم فعل ماض وفاعل في محل جزم فعل الشرط وعدنا فعل ماض وفاعل في محل جزم جواب الشرط وجعلنا عطف على عدنا ونا فاعل وجهنم مفعول به أول وللكافرين متعلقان بحصيرا وحصيرا مفعول به ثان هذا إذا اعتبرنا حصيرا فعيلا بمعنى فاعل وان اعتبرناه اسما جامدا أي مكان الحبس المعروف فتكون للكافرين حالا منه. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على ضروب من البلاغة ندرجها فيما يلي: 1- الذكر: ذكر الليل مع أن السرى لا يكون إلا بالليل يحتمل أمرين: آ- أولهما أن الاسراء لما دل على أمرين أحدهما السير والآخر كونه ليلا أريد إفراد أحدهما بالذكر تثبيتا في نفس المخاطب وتنبيها على أنه مقصود بالذكر وقد مرت الاشارة إلى هذه النكتة في قوله تعالى «وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد» فالاسم الحامل للتثنية دال عليها وعلى الجنسية وكذلك المفرد فأريد التنبيه لأن أحد المعنيين وهو التثنية مقصود مراد. ب- وثانيهما الإشارة بتنكير الليل إلى تقليل مدته لأن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية وهذا بخلاف ما لو قيل أسرى بعبده الليل فإن التركيب مع التعريف يفيد استغراق السير لجميع أجزاء الليل. 2- الوصل والفصل: ومن الفنون البعيدة المنال التي تطول على من رامها الفصل والوصل فإن القارئ ليشعر أن بين آية الاسراء وقوله «وآتينا موسى الكتاب» إلى آخر الآية تباينا شديدا في ظاهر الأمر حتى إذا تمعّن وتدبر وجد الوصل بين الفعلين فإنه تعالى أخبر أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى عباده كما أسرى بموسى من مصر إلى مدين حين خرج خائفا يترقب وأسرى به وبابنه شعيب إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى فرعون وملئه وآتاه الكتاب فهذا هو الوصل بين الفصلين المذكورين وأما الوصل بين قوله تعالى: «ذرية من حملنا مع نوح» وبين ما قبله فتذكار بني إسرائيل بأول نعمه عز وجل عليهم بنجاة آبائهم مع نوح في السفينة من الغرق إذ لو لم ينج آباؤهم لما وجدوا فكأنما النعم السابغة عليهم سلسلة متعاقبة الحلقات أولها نجاة آبائهم من غرق الطوفان الذي عم العالم بأسره وآخرها نجاتهم من الغرق حين شق لهم البحر ليغرق فرعون وجنوده وملؤه وينجوا هم وإذن كان يترتب عليهم أن يشكروا من أسبغ عليهم هذه الآلاء والعوارف وأن يتأسوا بنوح جدهم الأكبر الذي كان عبدا شكورا، أليس الولد سر أبيه؟ بيد أن هؤلاء نسيج وحدهم من الجحود والإنكار، وغمط النعمة، ومقابلة الحسنات بالسيئات. 3- الالتفات: تحدثنا عن الالتفات كثيرا في هذا الكتاب وتقدمت له شواهد متعددة وفي هذه الآية، آية الاسراء، تعاقب الالتفات كثيرا على قصر متنه وتقارب طرفيه، فقد قال أولا «سبحان الذي أسرى» بلفظ الواحد الغائب ثم قال «الذي باركنا» بلفظ الجمع المتكلم ثم قال «إنه هو السميع البصير» بلفظ الواحد الغائب ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير» وهذا جميعه محمول على أسرى فلما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا في الكلام، وتفننا فيه، وتنويعا لأساليبه والفائدة منه فضلا عن تطرية نشاط الذهن، واستحضاره، واسترعائه لعرض الحقائق المملوءة بالعظات والعبر، أنه لما بدأ الكلام بسبحانه ردفه بقوله الذي أسرى إذ لا يجوز أن يقال الذي أسرينا فلما جاء بلفظ الواحد، والله تعالى أعظم العظماء وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع استدرك الاول بالثاني فقال: «باركنا» ثم قال «لنريه من آياتنا» فجاء بذلك على نسق «باركنا» ثم قال «إنه هو» عطفا على أسرى وذلك موضع متوسط الصفة لأن السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، بصرف النظر عن التفاوت بين السمعين والبصريين وتلك حال متوسطة فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه إلى خطاب غائب وهذه مرام بعيدة المدى، جليلة الغرض لا يسبر غورها ولا يكتنه فحواها إلا المطبوع. الفوائد: 1- «من» و «إلى» الجارتين: ل «من» الجارة معان كثيرة يمكن الرجوع إليها في معني اللبيب وغيره من الكتب المطولة في النحو ولكننا نريد أن نشير إلى المعنى الرئيسي لها الوارد في آية الاسراء وهو الابتداء أي ابتداء الغاية المكانية باتفاق جميع النحاة بصريهم وكوفيهم بدليل انتهاء الغاية بعدها وهي قوله «إلى المسجد الأقصى» أما ابتداء الغاية الزمانية فقد اختلف النحاة فأقرها الكوفيون وأقرها من البصريين المبرد والأخفش وابن درستويه وهذا هو الصحيح لورودها في الكتاب العزيز وهو قوله «من أول يوم أحق أن تقوم فيه رجال» وفي الحديث وهو قول أنس «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة» وفي الشعر وهو قول النابغة الذبياني يصف السيوف: تخيرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب أما «إلى» الجارة فهي تفيد انتهاء الغاية مكانية وزمانية فمثالها في المكان «إلى المسجد الأقصى» ومثالها في الزمان «ثم أتموا الصيام إلى الليل» ولإلى سبعة معان أخرى حكاها في مغني اللبيب وغيره ومما أشكل من معاني إلى قول النابغة الذبياني أيضا يعتذر إلى النعمان ابن المنذر: فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب ذكر في المغني أنها هنا بمعنى في وهو غريب وقال الدماميني: «إلى متعلقة بمحذوف وهو حال من اسم كأن، أي: كأنني مبغضا إلى الناس بسبب الوعيد كجمل أجرب طلي به القار أي جعل فيه أو اتصف به» وقد ذهل الدماميني عن القلب في مطلي به القار أو انه تكلفه ليجعل مطليا بمعنى مبغض فالقار يطلى به ولا يطلي هو ولهذا كان لا بد من الرجوع إلى رأي ابن هشام وهو ان إلى بمعنى في وان الجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي كأنني كائنا في الناس بعير طلي بالقار وهو مبغض. 2- معنى مرتين: اختلف المفسرون في تفسير المرتين الواردتين في قوله تعالى «لتفسدن في الأرض مرتين» فذهب بعضهم إلى أن المرة الأولى هي قتل زكريا وحبس أرميا والثانية قتل يحيى وقصد قتل عيسى وقال البيضاوي: «أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا وقيل أرميا وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسلام» على أن فساد اليهود في الأرض لا يمكن حصره بمرتين وإنما أتى القرآن الكريم بالمرتين مثالا سريعا لفسادهم الذي لا يحصى والذي يستمر مدى الدهور. ويمكن الرجوع إلى المطولات لهذا الغرض.

الإسراء 17:7

اللغة: (سُبْحانَ) : علم جنس للتنزيه والتقديس وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحانه أو سبحت الله سبحان أي فهو مفعول مطلق ومعناه ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص ولذا لا يستعمل إلا فيه تعالى. (أَسْرى) : سرى بمعنى سار في الليل وهما لازمان ومصدر الأول الإسراء ومصدر الثاني السرى بضم السين. (مَرَّتَيْنِ) : تثنية مرة وفي القاموس مرمرا ومرورا جاز وذهب واستمر ومره وبه جاز عليه وامترّ به وعليه كمر والمرة الفعلة الواحدة والجمع مرّ ومرار ومرر بكسرهما ومرور بالضم ولقيه ذات مرة ولا يستعمل إلا ظرفا» . (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ) : في القاموس: «الجوس بالجيم طلب الشيء باستقصاء والتردد خلال الدور والبيوت في الغارة والطوف فيها كالجوسان والاجتياس وبابه قال وخلال الديار فيه وجهان أحدهما أنه اسم مفرد بمعنى وسط والثاني انه جمع خلل كجبل وجبال وجمل وجمال. وقال الجوهري: الجوس مصدر جاسوا خلال الديار أي تخللوا فطلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها. وحكى الهروي في الغريبين عن الأزهري أن معنى جاسوا وطئوا. وحكي عن الأصمعي انه يقال تركت فلانا يجوس بني فلان ويحوسهم ويدوسهم أي يضؤهم. وقال أبو عبيد كل موضع خالطته ووطئته فقد جسته وحسته. (الْكَرَّةَ) : الغلبة والدولة وهي في الأصل مصدر كريكر أي رجع ثم استعملت تعبيرا عن الدولة والقهر والغلبة. (نَفِيراً) : النفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفر كالعبيد والمعيز وفيه أوجه أحدها انه فعيل بمعنى فاعل أي نافر والثاني أنه جمع نفر نحو عبيد والثالث انه مصدر أي أكثر خروجا إلى الأعداء وفد قدمنا أن النون والفاء إذا كاتنا فاء للكلمة وعينا لها، دلتا على الخروج والنفاذ. (يتبروا) : التتبير: الهلاك. (حَصِيراً) : محبسا وسجنا. قال لبيد: ومقامه غلب الرجال كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام وقال الحسن: يعني فراشا، وعنه أيضا: وهو مأخوذ من الحصر والذي يظهر انها حاصرة لهم أي محيطة بهم من جميع جهاتهم فحصير معناه ذات حصر إذ لو كان للمبالغة لزمته التاء لجريانه على مؤنث كما تقول: رحيمة وعليمة، ولكنه على معنى النسب كقوله: السماء منفطر به، أي ذات انفطار. الإعراب: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف وقد تقدم بحثه في باب اللغة والذي مضاف اليه وجملة أسرى صلة، وبعبده متعلقان بأسرى وليلا ظرف متعلق بأسرى وسيأتي في باب البلاغة سر ذكره مع أن السرى لا يكون إلا في الليل وبعبده جار ومجرور متعلقان بأسرى وليلا ظرف زمان متعلق بأسرى أيضا ومن المسجد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي مبتدئا وإلى المسجد الأقصى حال أيضا أي منتهيا إلى المسجد والأقصى نعت للمسجد والذي نعت ثان وباركنا صلة وهي فعل وفاعل وحوله ظرف متعلق بباركنا. (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) اللام للتعليل ونريه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به والأولى أن تجعل الجار والمجرور خبرا لمبتدأ محذوف أي وذلك لنريه ومن آياتنا جار ومجرور متعلقان بنريه ومن حرف جر للتبعيض وان واسمها وهو مبتدأ أو ضمير فصل والسميع خبر هو أو خبر إن والبصير خبر ثان وسيأتي سر هذه الالتفاتات في باب البلاغة. (وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) الواو استئنافية أو عاطفة على جملة سبحان الذي أسرى ونا فاعل وموسى مفعول به أول والكتاب مفعول به ثان وجعلناه هدى فعل وفاعل والهاء مفعول به أول وهدى مفعول به ثان ولبني متعلقان بهدى وإسرائيل مضاف اليه. (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) يصح في أن أن تكون مصدرية منصوبة مع مدخولها بنزع الخافض أي بأن لا تتخذوا والجار والمجرور متعلقان بكتبنا ويجوز أن تكون مفسرة لأن الإتيان فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتتخذوا مضارع مجزوم بلا ووكيلا مفعول تتخذوا الأول ومن دوني هو المفعول الثاني لتتخذوا. (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً) ذرية: اضطربت أقوال المعربين في نصبها المتفق عليه بين القراء جميعا فقيل: نصبت على الاختصاص وبه بدأ الزمخشري وقيل على النداء وقيل بدل من وكيلا وقيل مفعول ثان لتتخذوا، على أن النفس لا تطمئن لواحد منها والله أعلم ومن مضاف إلى ذرية وحملنا صلة ومع ظرف مكان متعلق بحملنا ونوح مضاف إليه وان واسمها وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو وعبدا خبرها وشكورا صفة ومما يرجح إعراب ذرية على الاختصاص أو النداء قول الزمخشري في إعراب جملة: «إنه كان عبدا شكورا» انها تعليلية لاختصاصهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فكأنه قيل: «لا تتخذوا من دوني وكيلا ولا تشركوا بي لأن نوحا عليه السلام كان عبدا شكورا وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم» وهذه فطنة من الزمخشري تسترعي الانتباه وتستحق الاعجاب. (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ) الواو عاطفة وقضينا فعل وفاعل وإلى بني إسرائيل متعلقان بقضينا وقضينا في الأصل فعل يتعدى بنفسه ولكنه تعدى هنا بإلى لتضمنه معنى أوحينا، ومعنى قضينا أعلمنا وأخبرنا أو حكمنا وأتممنا، وأصل القضاء الإحكام للشيء والفراغ منه وقيل أوحينا ويدل عليه قوله إلى بني إسرائيل ولو كان بمعنى الإعلام والاخبار لقال قضينا بني إسرائيل ولو كان بمعنى حكمنا لقال على بني إسرائيل ولو كان بمعنى أتممنا لقال لبني إسرائيل. وفي الكتاب حال والمراد به التوراة. (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) اللام جواب للقسم المحذوف أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن، وتفسدن فعل مضارع معرب لأنه لم يتصل مباشرة بنون التوكيد الثقيلة وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي النونات وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين هي الفاعل والأصل لتفسدونن وقد تقدمت له نظائر وفي الأرض متعلقان بتفسدن ومرتين نصب على الظرفية وأعربه أبو البقاء مفعولا مطلقا على أنه صفة لمصدر محذوف أو على أنه في نفسه مصدر عمل فيه ما هو من غير جنسه وسيأتي المراد بالمرتين في باب الفوائد. (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً) الواو عطف ولتعلن عطف على لتفسدن وهي مماثلة لها في إعرابها وعلوا مفعول مطلق وكبيرا صفة. (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاء مضاف إليها الظرف ووعد فاعل وأولاهما مضافة لوعد ولما كان الوعد على إطلاقه خاصا بالخير كان لا بد من تقدير مضاف محذوف أي وعد عقاب أولاهما وجملة بعثنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليكم متعلقان ببعثنا وعبادا مفعول به وأولي صفة لعبادا وهي من الأسماء الخمسة بمعنى أصحاب وبأس مضاف اليه وشديد صفة لبأس. (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا) الفاء عاطفة وجاسوا عطف على بعثنا وخلال ظرف مكان متعلق بجاسوا والديار مضاف اليه والواو عاطفة وكان عطف على الجوس واسمها ضمير يعود على الجوس أو الوعد بالعقاب ووعدا خبر كان ومفعولا صفة لوعدا. (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) ثم حرف عطف للتراخي ورددنا فعل وفاعل ولكم متعلقان برددنا والكرة مفعول به وعليهم متعلقان بالكرة أي الغلبة عليهم أو حال منها. (وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) وأمددناكم عطف على رددنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبأموال جار ومجرور متعلقان بأمددناكم وبنين عطف على أموال وجعلناكم فعل وفاعل ومفعول به وأكثر مفعول به ثان ونفيرا تمييز. (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) إن شرطية وأحسنتم فعل وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وأحسنتم جوابه وإن أسأتم عطف على إن أحسنتم والفاء رابطة للجواب ولها متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي فإساءتكم، وكان القياس يقتضي أن يقول فعليها ولكنه عدل إلى اللام للمشاكلة مع قوله لأنفسكم، وقيل اللام بمعنى على أي فعليها كما في قول عنترة: فخرّ صريعا لليدين وللفم (فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل، وجاء وعد فعل وفاعل والآخرة مضاف لوعد وأراد المرة الآخرة وليسوءوا اللام للتعليل ويسيئوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وهو متعلق بجواب إذا المحذوف أي بعثناهم ليسوءوا وقد دل على الجواب جواب إذا الأولى ووجوهكم مفعول به والمعنى ليجعلوا وجوهكم بادية المساءة منكسفة المعالم. (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وليدخلوا عطف على ليسوءوا أي فهو متعلق بمحذوف هو بعثناهم والمسجد منصوب على السعة وكما نصب على المصدرية أي دخولا مثل دخولهم وأول مرة نصب على الظرفية. (وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً) وليتبروا عطف على ليسوءوا وواو الجماعة فاعل وما مفعول به ليتبروا أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه ويجوز أن تجعل ما مصدرية ظرفية ومفعول يتبروا محذوف ولعله أولى لإفساح المجال أمام الخيال ليتصور مدى إهلاكهم الحرث والنسل مدة علوهم على البلاد ويكون الظرف متعلقا بيتبروا وتتبيرا مفعول مطلق. (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً) عسى فعل ماض من أفعال الرجاء ترفع الاسم وتنصب الخبر وربكم اسمها وأن مع مدخولها في محل نصب خبر والواو حرف عطف وإن شرطية وعدتم فعل ماض وفاعل في محل جزم فعل الشرط وعدنا فعل ماض وفاعل في محل جزم جواب الشرط وجعلنا عطف على عدنا ونا فاعل وجهنم مفعول به أول وللكافرين متعلقان بحصيرا وحصيرا مفعول به ثان هذا إذا اعتبرنا حصيرا فعيلا بمعنى فاعل وان اعتبرناه اسما جامدا أي مكان الحبس المعروف فتكون للكافرين حالا منه. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على ضروب من البلاغة ندرجها فيما يلي: 1- الذكر: ذكر الليل مع أن السرى لا يكون إلا بالليل يحتمل أمرين: آ- أولهما أن الاسراء لما دل على أمرين أحدهما السير والآخر كونه ليلا أريد إفراد أحدهما بالذكر تثبيتا في نفس المخاطب وتنبيها على أنه مقصود بالذكر وقد مرت الاشارة إلى هذه النكتة في قوله تعالى «وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد» فالاسم الحامل للتثنية دال عليها وعلى الجنسية وكذلك المفرد فأريد التنبيه لأن أحد المعنيين وهو التثنية مقصود مراد. ب- وثانيهما الإشارة بتنكير الليل إلى تقليل مدته لأن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية وهذا بخلاف ما لو قيل أسرى بعبده الليل فإن التركيب مع التعريف يفيد استغراق السير لجميع أجزاء الليل. 2- الوصل والفصل: ومن الفنون البعيدة المنال التي تطول على من رامها الفصل والوصل فإن القارئ ليشعر أن بين آية الاسراء وقوله «وآتينا موسى الكتاب» إلى آخر الآية تباينا شديدا في ظاهر الأمر حتى إذا تمعّن وتدبر وجد الوصل بين الفعلين فإنه تعالى أخبر أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى عباده كما أسرى بموسى من مصر إلى مدين حين خرج خائفا يترقب وأسرى به وبابنه شعيب إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى فرعون وملئه وآتاه الكتاب فهذا هو الوصل بين الفصلين المذكورين وأما الوصل بين قوله تعالى: «ذرية من حملنا مع نوح» وبين ما قبله فتذكار بني إسرائيل بأول نعمه عز وجل عليهم بنجاة آبائهم مع نوح في السفينة من الغرق إذ لو لم ينج آباؤهم لما وجدوا فكأنما النعم السابغة عليهم سلسلة متعاقبة الحلقات أولها نجاة آبائهم من غرق الطوفان الذي عم العالم بأسره وآخرها نجاتهم من الغرق حين شق لهم البحر ليغرق فرعون وجنوده وملؤه وينجوا هم وإذن كان يترتب عليهم أن يشكروا من أسبغ عليهم هذه الآلاء والعوارف وأن يتأسوا بنوح جدهم الأكبر الذي كان عبدا شكورا، أليس الولد سر أبيه؟ بيد أن هؤلاء نسيج وحدهم من الجحود والإنكار، وغمط النعمة، ومقابلة الحسنات بالسيئات. 3- الالتفات: تحدثنا عن الالتفات كثيرا في هذا الكتاب وتقدمت له شواهد متعددة وفي هذه الآية، آية الاسراء، تعاقب الالتفات كثيرا على قصر متنه وتقارب طرفيه، فقد قال أولا «سبحان الذي أسرى» بلفظ الواحد الغائب ثم قال «الذي باركنا» بلفظ الجمع المتكلم ثم قال «إنه هو السميع البصير» بلفظ الواحد الغائب ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير» وهذا جميعه محمول على أسرى فلما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا في الكلام، وتفننا فيه، وتنويعا لأساليبه والفائدة منه فضلا عن تطرية نشاط الذهن، واستحضاره، واسترعائه لعرض الحقائق المملوءة بالعظات والعبر، أنه لما بدأ الكلام بسبحانه ردفه بقوله الذي أسرى إذ لا يجوز أن يقال الذي أسرينا فلما جاء بلفظ الواحد، والله تعالى أعظم العظماء وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع استدرك الاول بالثاني فقال: «باركنا» ثم قال «لنريه من آياتنا» فجاء بذلك على نسق «باركنا» ثم قال «إنه هو» عطفا على أسرى وذلك موضع متوسط الصفة لأن السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، بصرف النظر عن التفاوت بين السمعين والبصريين وتلك حال متوسطة فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه إلى خطاب غائب وهذه مرام بعيدة المدى، جليلة الغرض لا يسبر غورها ولا يكتنه فحواها إلا المطبوع. الفوائد: 1- «من» و «إلى» الجارتين: ل «من» الجارة معان كثيرة يمكن الرجوع إليها في معني اللبيب وغيره من الكتب المطولة في النحو ولكننا نريد أن نشير إلى المعنى الرئيسي لها الوارد في آية الاسراء وهو الابتداء أي ابتداء الغاية المكانية باتفاق جميع النحاة بصريهم وكوفيهم بدليل انتهاء الغاية بعدها وهي قوله «إلى المسجد الأقصى» أما ابتداء الغاية الزمانية فقد اختلف النحاة فأقرها الكوفيون وأقرها من البصريين المبرد والأخفش وابن درستويه وهذا هو الصحيح لورودها في الكتاب العزيز وهو قوله «من أول يوم أحق أن تقوم فيه رجال» وفي الحديث وهو قول أنس «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة» وفي الشعر وهو قول النابغة الذبياني يصف السيوف: تخيرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب أما «إلى» الجارة فهي تفيد انتهاء الغاية مكانية وزمانية فمثالها في المكان «إلى المسجد الأقصى» ومثالها في الزمان «ثم أتموا الصيام إلى الليل» ولإلى سبعة معان أخرى حكاها في مغني اللبيب وغيره ومما أشكل من معاني إلى قول النابغة الذبياني أيضا يعتذر إلى النعمان ابن المنذر: فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب ذكر في المغني أنها هنا بمعنى في وهو غريب وقال الدماميني: «إلى متعلقة بمحذوف وهو حال من اسم كأن، أي: كأنني مبغضا إلى الناس بسبب الوعيد كجمل أجرب طلي به القار أي جعل فيه أو اتصف به» وقد ذهل الدماميني عن القلب في مطلي به القار أو انه تكلفه ليجعل مطليا بمعنى مبغض فالقار يطلى به ولا يطلي هو ولهذا كان لا بد من الرجوع إلى رأي ابن هشام وهو ان إلى بمعنى في وان الجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي كأنني كائنا في الناس بعير طلي بالقار وهو مبغض. 2- معنى مرتين: اختلف المفسرون في تفسير المرتين الواردتين في قوله تعالى «لتفسدن في الأرض مرتين» فذهب بعضهم إلى أن المرة الأولى هي قتل زكريا وحبس أرميا والثانية قتل يحيى وقصد قتل عيسى وقال البيضاوي: «أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا وقيل أرميا وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسلام» على أن فساد اليهود في الأرض لا يمكن حصره بمرتين وإنما أتى القرآن الكريم بالمرتين مثالا سريعا لفسادهم الذي لا يحصى والذي يستمر مدى الدهور. ويمكن الرجوع إلى المطولات لهذا الغرض.

الإسراء 17:8

اللغة: (سُبْحانَ) : علم جنس للتنزيه والتقديس وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحانه أو سبحت الله سبحان أي فهو مفعول مطلق ومعناه ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص ولذا لا يستعمل إلا فيه تعالى. (أَسْرى) : سرى بمعنى سار في الليل وهما لازمان ومصدر الأول الإسراء ومصدر الثاني السرى بضم السين. (مَرَّتَيْنِ) : تثنية مرة وفي القاموس مرمرا ومرورا جاز وذهب واستمر ومره وبه جاز عليه وامترّ به وعليه كمر والمرة الفعلة الواحدة والجمع مرّ ومرار ومرر بكسرهما ومرور بالضم ولقيه ذات مرة ولا يستعمل إلا ظرفا» . (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ) : في القاموس: «الجوس بالجيم طلب الشيء باستقصاء والتردد خلال الدور والبيوت في الغارة والطوف فيها كالجوسان والاجتياس وبابه قال وخلال الديار فيه وجهان أحدهما أنه اسم مفرد بمعنى وسط والثاني انه جمع خلل كجبل وجبال وجمل وجمال. وقال الجوهري: الجوس مصدر جاسوا خلال الديار أي تخللوا فطلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها. وحكى الهروي في الغريبين عن الأزهري أن معنى جاسوا وطئوا. وحكي عن الأصمعي انه يقال تركت فلانا يجوس بني فلان ويحوسهم ويدوسهم أي يضؤهم. وقال أبو عبيد كل موضع خالطته ووطئته فقد جسته وحسته. (الْكَرَّةَ) : الغلبة والدولة وهي في الأصل مصدر كريكر أي رجع ثم استعملت تعبيرا عن الدولة والقهر والغلبة. (نَفِيراً) : النفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفر كالعبيد والمعيز وفيه أوجه أحدها انه فعيل بمعنى فاعل أي نافر والثاني أنه جمع نفر نحو عبيد والثالث انه مصدر أي أكثر خروجا إلى الأعداء وفد قدمنا أن النون والفاء إذا كاتنا فاء للكلمة وعينا لها، دلتا على الخروج والنفاذ. (يتبروا) : التتبير: الهلاك. (حَصِيراً) : محبسا وسجنا. قال لبيد: ومقامه غلب الرجال كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام وقال الحسن: يعني فراشا، وعنه أيضا: وهو مأخوذ من الحصر والذي يظهر انها حاصرة لهم أي محيطة بهم من جميع جهاتهم فحصير معناه ذات حصر إذ لو كان للمبالغة لزمته التاء لجريانه على مؤنث كما تقول: رحيمة وعليمة، ولكنه على معنى النسب كقوله: السماء منفطر به، أي ذات انفطار. الإعراب: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف وقد تقدم بحثه في باب اللغة والذي مضاف اليه وجملة أسرى صلة، وبعبده متعلقان بأسرى وليلا ظرف متعلق بأسرى وسيأتي في باب البلاغة سر ذكره مع أن السرى لا يكون إلا في الليل وبعبده جار ومجرور متعلقان بأسرى وليلا ظرف زمان متعلق بأسرى أيضا ومن المسجد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي مبتدئا وإلى المسجد الأقصى حال أيضا أي منتهيا إلى المسجد والأقصى نعت للمسجد والذي نعت ثان وباركنا صلة وهي فعل وفاعل وحوله ظرف متعلق بباركنا. (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) اللام للتعليل ونريه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به والأولى أن تجعل الجار والمجرور خبرا لمبتدأ محذوف أي وذلك لنريه ومن آياتنا جار ومجرور متعلقان بنريه ومن حرف جر للتبعيض وان واسمها وهو مبتدأ أو ضمير فصل والسميع خبر هو أو خبر إن والبصير خبر ثان وسيأتي سر هذه الالتفاتات في باب البلاغة. (وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) الواو استئنافية أو عاطفة على جملة سبحان الذي أسرى ونا فاعل وموسى مفعول به أول والكتاب مفعول به ثان وجعلناه هدى فعل وفاعل والهاء مفعول به أول وهدى مفعول به ثان ولبني متعلقان بهدى وإسرائيل مضاف اليه. (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) يصح في أن أن تكون مصدرية منصوبة مع مدخولها بنزع الخافض أي بأن لا تتخذوا والجار والمجرور متعلقان بكتبنا ويجوز أن تكون مفسرة لأن الإتيان فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتتخذوا مضارع مجزوم بلا ووكيلا مفعول تتخذوا الأول ومن دوني هو المفعول الثاني لتتخذوا. (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً) ذرية: اضطربت أقوال المعربين في نصبها المتفق عليه بين القراء جميعا فقيل: نصبت على الاختصاص وبه بدأ الزمخشري وقيل على النداء وقيل بدل من وكيلا وقيل مفعول ثان لتتخذوا، على أن النفس لا تطمئن لواحد منها والله أعلم ومن مضاف إلى ذرية وحملنا صلة ومع ظرف مكان متعلق بحملنا ونوح مضاف إليه وان واسمها وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو وعبدا خبرها وشكورا صفة ومما يرجح إعراب ذرية على الاختصاص أو النداء قول الزمخشري في إعراب جملة: «إنه كان عبدا شكورا» انها تعليلية لاختصاصهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فكأنه قيل: «لا تتخذوا من دوني وكيلا ولا تشركوا بي لأن نوحا عليه السلام كان عبدا شكورا وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم» وهذه فطنة من الزمخشري تسترعي الانتباه وتستحق الاعجاب. (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ) الواو عاطفة وقضينا فعل وفاعل وإلى بني إسرائيل متعلقان بقضينا وقضينا في الأصل فعل يتعدى بنفسه ولكنه تعدى هنا بإلى لتضمنه معنى أوحينا، ومعنى قضينا أعلمنا وأخبرنا أو حكمنا وأتممنا، وأصل القضاء الإحكام للشيء والفراغ منه وقيل أوحينا ويدل عليه قوله إلى بني إسرائيل ولو كان بمعنى الإعلام والاخبار لقال قضينا بني إسرائيل ولو كان بمعنى حكمنا لقال على بني إسرائيل ولو كان بمعنى أتممنا لقال لبني إسرائيل. وفي الكتاب حال والمراد به التوراة. (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) اللام جواب للقسم المحذوف أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن، وتفسدن فعل مضارع معرب لأنه لم يتصل مباشرة بنون التوكيد الثقيلة وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي النونات وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين هي الفاعل والأصل لتفسدونن وقد تقدمت له نظائر وفي الأرض متعلقان بتفسدن ومرتين نصب على الظرفية وأعربه أبو البقاء مفعولا مطلقا على أنه صفة لمصدر محذوف أو على أنه في نفسه مصدر عمل فيه ما هو من غير جنسه وسيأتي المراد بالمرتين في باب الفوائد. (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً) الواو عطف ولتعلن عطف على لتفسدن وهي مماثلة لها في إعرابها وعلوا مفعول مطلق وكبيرا صفة. (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاء مضاف إليها الظرف ووعد فاعل وأولاهما مضافة لوعد ولما كان الوعد على إطلاقه خاصا بالخير كان لا بد من تقدير مضاف محذوف أي وعد عقاب أولاهما وجملة بعثنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليكم متعلقان ببعثنا وعبادا مفعول به وأولي صفة لعبادا وهي من الأسماء الخمسة بمعنى أصحاب وبأس مضاف اليه وشديد صفة لبأس. (فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا) الفاء عاطفة وجاسوا عطف على بعثنا وخلال ظرف مكان متعلق بجاسوا والديار مضاف اليه والواو عاطفة وكان عطف على الجوس واسمها ضمير يعود على الجوس أو الوعد بالعقاب ووعدا خبر كان ومفعولا صفة لوعدا. (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) ثم حرف عطف للتراخي ورددنا فعل وفاعل ولكم متعلقان برددنا والكرة مفعول به وعليهم متعلقان بالكرة أي الغلبة عليهم أو حال منها. (وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) وأمددناكم عطف على رددنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبأموال جار ومجرور متعلقان بأمددناكم وبنين عطف على أموال وجعلناكم فعل وفاعل ومفعول به وأكثر مفعول به ثان ونفيرا تمييز. (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) إن شرطية وأحسنتم فعل وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وأحسنتم جوابه وإن أسأتم عطف على إن أحسنتم والفاء رابطة للجواب ولها متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي فإساءتكم، وكان القياس يقتضي أن يقول فعليها ولكنه عدل إلى اللام للمشاكلة مع قوله لأنفسكم، وقيل اللام بمعنى على أي فعليها كما في قول عنترة: فخرّ صريعا لليدين وللفم (فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل، وجاء وعد فعل وفاعل والآخرة مضاف لوعد وأراد المرة الآخرة وليسوءوا اللام للتعليل ويسيئوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وهو متعلق بجواب إذا المحذوف أي بعثناهم ليسوءوا وقد دل على الجواب جواب إذا الأولى ووجوهكم مفعول به والمعنى ليجعلوا وجوهكم بادية المساءة منكسفة المعالم. (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وليدخلوا عطف على ليسوءوا أي فهو متعلق بمحذوف هو بعثناهم والمسجد منصوب على السعة وكما نصب على المصدرية أي دخولا مثل دخولهم وأول مرة نصب على الظرفية. (وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً) وليتبروا عطف على ليسوءوا وواو الجماعة فاعل وما مفعول به ليتبروا أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه ويجوز أن تجعل ما مصدرية ظرفية ومفعول يتبروا محذوف ولعله أولى لإفساح المجال أمام الخيال ليتصور مدى إهلاكهم الحرث والنسل مدة علوهم على البلاد ويكون الظرف متعلقا بيتبروا وتتبيرا مفعول مطلق. (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً) عسى فعل ماض من أفعال الرجاء ترفع الاسم وتنصب الخبر وربكم اسمها وأن مع مدخولها في محل نصب خبر والواو حرف عطف وإن شرطية وعدتم فعل ماض وفاعل في محل جزم فعل الشرط وعدنا فعل ماض وفاعل في محل جزم جواب الشرط وجعلنا عطف على عدنا ونا فاعل وجهنم مفعول به أول وللكافرين متعلقان بحصيرا وحصيرا مفعول به ثان هذا إذا اعتبرنا حصيرا فعيلا بمعنى فاعل وان اعتبرناه اسما جامدا أي مكان الحبس المعروف فتكون للكافرين حالا منه. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على ضروب من البلاغة ندرجها فيما يلي: 1- الذكر: ذكر الليل مع أن السرى لا يكون إلا بالليل يحتمل أمرين: آ- أولهما أن الاسراء لما دل على أمرين أحدهما السير والآخر كونه ليلا أريد إفراد أحدهما بالذكر تثبيتا في نفس المخاطب وتنبيها على أنه مقصود بالذكر وقد مرت الاشارة إلى هذه النكتة في قوله تعالى «وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد» فالاسم الحامل للتثنية دال عليها وعلى الجنسية وكذلك المفرد فأريد التنبيه لأن أحد المعنيين وهو التثنية مقصود مراد. ب- وثانيهما الإشارة بتنكير الليل إلى تقليل مدته لأن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية وهذا بخلاف ما لو قيل أسرى بعبده الليل فإن التركيب مع التعريف يفيد استغراق السير لجميع أجزاء الليل. 2- الوصل والفصل: ومن الفنون البعيدة المنال التي تطول على من رامها الفصل والوصل فإن القارئ ليشعر أن بين آية الاسراء وقوله «وآتينا موسى الكتاب» إلى آخر الآية تباينا شديدا في ظاهر الأمر حتى إذا تمعّن وتدبر وجد الوصل بين الفعلين فإنه تعالى أخبر أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى عباده كما أسرى بموسى من مصر إلى مدين حين خرج خائفا يترقب وأسرى به وبابنه شعيب إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى فرعون وملئه وآتاه الكتاب فهذا هو الوصل بين الفصلين المذكورين وأما الوصل بين قوله تعالى: «ذرية من حملنا مع نوح» وبين ما قبله فتذكار بني إسرائيل بأول نعمه عز وجل عليهم بنجاة آبائهم مع نوح في السفينة من الغرق إذ لو لم ينج آباؤهم لما وجدوا فكأنما النعم السابغة عليهم سلسلة متعاقبة الحلقات أولها نجاة آبائهم من غرق الطوفان الذي عم العالم بأسره وآخرها نجاتهم من الغرق حين شق لهم البحر ليغرق فرعون وجنوده وملؤه وينجوا هم وإذن كان يترتب عليهم أن يشكروا من أسبغ عليهم هذه الآلاء والعوارف وأن يتأسوا بنوح جدهم الأكبر الذي كان عبدا شكورا، أليس الولد سر أبيه؟ بيد أن هؤلاء نسيج وحدهم من الجحود والإنكار، وغمط النعمة، ومقابلة الحسنات بالسيئات. 3- الالتفات: تحدثنا عن الالتفات كثيرا في هذا الكتاب وتقدمت له شواهد متعددة وفي هذه الآية، آية الاسراء، تعاقب الالتفات كثيرا على قصر متنه وتقارب طرفيه، فقد قال أولا «سبحان الذي أسرى» بلفظ الواحد الغائب ثم قال «الذي باركنا» بلفظ الجمع المتكلم ثم قال «إنه هو السميع البصير» بلفظ الواحد الغائب ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير» وهذا جميعه محمول على أسرى فلما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا في الكلام، وتفننا فيه، وتنويعا لأساليبه والفائدة منه فضلا عن تطرية نشاط الذهن، واستحضاره، واسترعائه لعرض الحقائق المملوءة بالعظات والعبر، أنه لما بدأ الكلام بسبحانه ردفه بقوله الذي أسرى إذ لا يجوز أن يقال الذي أسرينا فلما جاء بلفظ الواحد، والله تعالى أعظم العظماء وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع استدرك الاول بالثاني فقال: «باركنا» ثم قال «لنريه من آياتنا» فجاء بذلك على نسق «باركنا» ثم قال «إنه هو» عطفا على أسرى وذلك موضع متوسط الصفة لأن السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، بصرف النظر عن التفاوت بين السمعين والبصريين وتلك حال متوسطة فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه إلى خطاب غائب وهذه مرام بعيدة المدى، جليلة الغرض لا يسبر غورها ولا يكتنه فحواها إلا المطبوع. الفوائد: 1- «من» و «إلى» الجارتين: ل «من» الجارة معان كثيرة يمكن الرجوع إليها في معني اللبيب وغيره من الكتب المطولة في النحو ولكننا نريد أن نشير إلى المعنى الرئيسي لها الوارد في آية الاسراء وهو الابتداء أي ابتداء الغاية المكانية باتفاق جميع النحاة بصريهم وكوفيهم بدليل انتهاء الغاية بعدها وهي قوله «إلى المسجد الأقصى» أما ابتداء الغاية الزمانية فقد اختلف النحاة فأقرها الكوفيون وأقرها من البصريين المبرد والأخفش وابن درستويه وهذا هو الصحيح لورودها في الكتاب العزيز وهو قوله «من أول يوم أحق أن تقوم فيه رجال» وفي الحديث وهو قول أنس «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة» وفي الشعر وهو قول النابغة الذبياني يصف السيوف: تخيرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب أما «إلى» الجارة فهي تفيد انتهاء الغاية مكانية وزمانية فمثالها في المكان «إلى المسجد الأقصى» ومثالها في الزمان «ثم أتموا الصيام إلى الليل» ولإلى سبعة معان أخرى حكاها في مغني اللبيب وغيره ومما أشكل من معاني إلى قول النابغة الذبياني أيضا يعتذر إلى النعمان ابن المنذر: فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب ذكر في المغني أنها هنا بمعنى في وهو غريب وقال الدماميني: «إلى متعلقة بمحذوف وهو حال من اسم كأن، أي: كأنني مبغضا إلى الناس بسبب الوعيد كجمل أجرب طلي به القار أي جعل فيه أو اتصف به» وقد ذهل الدماميني عن القلب في مطلي به القار أو انه تكلفه ليجعل مطليا بمعنى مبغض فالقار يطلى به ولا يطلي هو ولهذا كان لا بد من الرجوع إلى رأي ابن هشام وهو ان إلى بمعنى في وان الجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي كأنني كائنا في الناس بعير طلي بالقار وهو مبغض. 2- معنى مرتين: اختلف المفسرون في تفسير المرتين الواردتين في قوله تعالى «لتفسدن في الأرض مرتين» فذهب بعضهم إلى أن المرة الأولى هي قتل زكريا وحبس أرميا والثانية قتل يحيى وقصد قتل عيسى وقال البيضاوي: «أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا وقيل أرميا وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسلام» على أن فساد اليهود في الأرض لا يمكن حصره بمرتين وإنما أتى القرآن الكريم بالمرتين مثالا سريعا لفسادهم الذي لا يحصى والذي يستمر مدى الدهور. ويمكن الرجوع إلى المطولات لهذا الغرض.

الإسراء 17:9

الإعراب: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) إن واسمها والقرآن بدل من اسم الاشارة ويهدي فعل وفاعل مستتر والمفعول به محذوف أي يهدي الناس والجملة خبر إن وللتي جار ومجرور متعلقان بيهدي وهي مبتدأ وأقوم خبر والجملة الاسمية صلة التي وأقوم اسم تفضيل على قول الزجاج إذ قدر أقوم الحالات، وقدره غيره أقوم مما عداها أو من كل حال ورجح أبو حيان انها ليست للتفضيل إذ قال لا مشاركة بين الطريقة التي يرشد إليها القرآن وطريقة غيرها وفضلت هذه عليها وانما المعنى التي هي قيمة أي مستقيمة كما قال: وذلك دين القيمة، وفيها كتب قيمة، أي مستقيمة الطريقة، قائمة بما يحتاج إليه من أمر الدين. (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) ويبشر عطف على يهدي والمؤمنين مفعول به والذين صفة المؤمنين وجملة يعملون صلة والصالحات مفعول به وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر أن المقدم وأجرا اسمها المؤخر وكبيرا صفة. (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) وان الذين عطف على أن لهم أجرا كبيرا أي يبشر المؤمنين ببشارتين عظيمتين الأولى بثوابهم والثانية بعقاب أعدائهم ويجوز أن يعطف على يبشر بإضمار ويخبر بأن الذين لا يؤمنون معذبون وجملة أعتدنا خبر أن ولهم متعلقان بأعتدنا وعذابا مفعول به وأليما صفة. (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) الواو استئنافية ويدعو الإنسان فعل وفاعل وبالشر متعلقان بمحذوف حال أو بيدعو ودعاءه مفعول مطلق وبالخير حال أيضا أو متعلقان بالدعاء لأنه مصدر والواو عاطفة أو حالية وكان واسمها وخبرها. (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ) وجعلنا فعل وفاعل والليل مفعول به والنهار عطف على الليل وآيتين مفعول به ثان فمحونا الفاء عاطفة ومحونا عطف على جعلنا وآية الليل مفعول به. (وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) وجعلنا فعل وفاعل وآية النهار مفعول به أول ومبصرة مفعول به ثان ولتبتغوا اللام للتعليل وتبتغوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل والجار والمجرور متعلقان بقوله وجعلنا، وفضلا مفعول به ومن ربكم متعلقان بتبتغوا وصفة لقوله فضلا. (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا) ولتعلموا عطف على ولتبتغوا وعدد السنين مفعول به والحساب عطف على عدد ولا تكرار فيهما وكل شيء نصب على الاشتغال ورجح نصبه لتقدم جملة فعلية كما سيأتي في باب الفوائد وفصلناه فعل وفاعل ومفعول به وتفصيلا مفعول مطلق. (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) وكل انسان نصب على الاشتغال أيضا وألزمناه فعل وفاعل ومفعول به وطائره مفعول به ثان وفي عنقه حال أي كائنا وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة. (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً) الواو عاطفة ونخرج فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وله جار ومجرور متعلقان بنخرج وكتابا مفعول به وجملة يلقاه صفة لكتابا ومنشورا اما صفة ثانية لكتابا وإما حال. (اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) جملة اقرأ كتابك في موضع نصب مقول قول محذوف أي يقال له واقرأ فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكتابك مفعول به وكفى فعل ماض وبنفسك الباء حرف جر زائد ونفسك فاعل مرفوع محلا مجرور بالباء لفظا واليوم ظرف متعلق بمحذوف حال وعليك متعلقان بحسيبا، وحسيبا تمييز وهو بمعنى حاسب كما ذكر سيبويه، قال سيبويه: «ضريب القداح بمعنى ضاربها وصريم بمعنى صارم» وأجاز بعضهم إعرابه حالا لأنه مشتق وليس ببعيد. (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) من شرطية مبتدأ واهتدى فعل ماض في محل جزم فعل الشرط فإنما الفاء رابطة وإنما كافة ومكفوفة ويهتدي فعل مضارع مرفوع والفاعل هو ولنفسه متعلقان بيهتدي والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط. (وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) عطف على الجملة السابقة وعليها في موضع نصب على الحال أي واقعا ضلاله عليها. (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) الواو عاطفة ولا نافية وتزر فعل مضارع وفاعل ووزر مفعول لتزر أي تحمل وأخرى مضاف اليه. (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الواو عاطفة وما نافية وكنا كان واسمها ومعذبين خبرها، حتى حرف غاية وجر ونبعث فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى ورسولا مفعول به. البلاغة: 1- المجاز العقلي في قوله تعالى «وجعلنا آية النهار مبصرة» لأن النهار لا يبصر بل يبصر فيه فهو من إسناد الفعل إلى زمانه وقد تقدم ذكره كثيرا. 2- «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه» تعبير مسوق على عادة العرب كانوا لا يباشرون عملا من الأعمال الهامة إلا إذا اعتبروا أحوال الطير ليتبينوا إذا كانت مغبة العمل خيرا أم شرا فإذا طارت الطير بنفسها أو بإزعاج من أحد متيامنة تفاءلوا وأقدموا على عملهم وإذا طارت متياسرة تشاءموا وأحجموا عن عملهم ولما كثر منهم ذلك سموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه على طريق المجاز المرسل وقد تقدم ذكره كثيرا. وإنما خص العنق بالذكر لأنه محل القلادة التي تزين الجيد وتبدو لأول وهلة وتسم المتقلد بها بالوسامة فكان ذلك كناية عن اتصافه بالخير والشر المقدرين له في لوح الأزل وإيثاره باختياره جانب واحد منهما كالذي يتبع السوانح وهي الطير الذاهبة متيامنة والذي يتبع البوارح وهي الطير الذاهبة متياسرة وأجاز بعضهم أن يكون الكلام من باب الاستعارة التصريحية أي استعير الطائر لما هو سبب الخير والشر من قدر الله وعمل العبد أي لما جعلوا الطائر سببا للخير والشر وأسندوهما اليه باعتبار سنوحه وبروحه استعير الطائر لما كان سببا لهما وهما قدرة الله الكائنة وعمل العبد المختار وكما أن الطائر الحقيقي يأتي إلى كل مكان بعد مزايلة وكناته وأعشاشه فكذلك الحوادث تنتهي إلى الإنسان. 3- الطباق بين الهدى والضلال وقد تقدم. 4- في قوله «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة» فن الجمع مع التفريق وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين في حكم واحد ثم يفرق بينهما في ذلك الحكم، ومما ورد منه في الشعر قول البحتري البديع: ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدرّ منّا ولا قطه فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه الفوائد: الاشتغال: الاشتغال عرفه النحاة بأنه اسم تقدم على عامل من حقه أن ينصبه لولا اشتغاله عنه بالعمل في ضميره نحو: خالد أكرمته، والأفضل في الاسم المتقدم الرفع على الابتداء والجملة بعده خبره ويجوز نصبه بفعل محذوف يفسره المذكور بعده وجملة رأيته مفسرة للجملة المقدرة ولا محل لها من الإعراب ولا يجوز إظهار الفعل المقدر ويقدر بلفظ الفعل المذكر إلا إذا كان لازما فيقدر بمعناه نحو حمص مررت بها فيقدر بجاوزت مثلا وله أحوال: 1- وجوب النصب: وذلك إذا وقع بعد أدوات التحضيض والشرط والاستفهام غير الهمزة نحو هلّا الخير فعلته، وإن عليا لقيته فسلم عليه، وهل خالدا أكرمته؟ غير أن الاشتغال بعد أدوات الاستفهام والشرط لا يكون إلا في الشعر. 2- ترجيح النصب: ويترجح النصب في خمسة أمور: آ- أن يقع بعد الاسم أمر نحو خالدا أكرمه وقد استثنيت من ذلك مسألة «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما» وقد تقدم الكلام عليها مستوفى. ب- أن يقع بعد الاسم نهي نحو: الكريم لا تهنه. ج- أن يقع بعد الاسم دعاء نحو: اللهم أمري يسره. د- أن يقع الاسم بعد همزة الاستفهام كقوله تعالى «أبشرا منا واحدا نتبعه» . هـ- أن يقع الاسم جوابا لمستفهم عنه كقولك: عليا أكرمته، في جواب من قال: من أكرمت؟ 3- وجوب الرفع: ويجب الرفع في موضعين: 1- أن يقع بعد إذا الفجائية نحو: خرجت فإذا الجو يملؤه الضباب، لأن إذا الفجائية لا تدخل على الأفعال. 2- أن يقع قبل أدوات الاستفهام أو الشرط أو التحضيض أو ما النافية أو لام الابتداء أو ما التعجبية أو كم الخبرية أو إن وأخواتها نحو: علي هل أكرمته، وسعيد إن لقيته فسلم عليه، وخالد هلّا دعوته، والشر ما فعلته، والخير لأنا أفعله، والخلق الحسن ما أطيبه، وزهير كم أكرمته، وخالد إني أحبه، فالاسم في ذلك كله مبتدأ والجملة بعده خبر وإنما لم يجز نصبه لأن هذه الأدوات لها الصدارة وما بعدها لا يعمل فيما قبلها. 4- ترجيح الرفع: ويترجح الرفع إذا لم يكن هناك ما يوجب نصبه أو يرجحه أو يوجب رفعه نحو الكتاب قرأته لأن عدم التقدير أولى من التقدير. وهناك مسائل تتعلق بالاشتغال يرجع إليها في المطولات وستأتي نكت طريفة منه في هذا الكتاب.

الإسراء 17:10

الإعراب: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) إن واسمها والقرآن بدل من اسم الاشارة ويهدي فعل وفاعل مستتر والمفعول به محذوف أي يهدي الناس والجملة خبر إن وللتي جار ومجرور متعلقان بيهدي وهي مبتدأ وأقوم خبر والجملة الاسمية صلة التي وأقوم اسم تفضيل على قول الزجاج إذ قدر أقوم الحالات، وقدره غيره أقوم مما عداها أو من كل حال ورجح أبو حيان انها ليست للتفضيل إذ قال لا مشاركة بين الطريقة التي يرشد إليها القرآن وطريقة غيرها وفضلت هذه عليها وانما المعنى التي هي قيمة أي مستقيمة كما قال: وذلك دين القيمة، وفيها كتب قيمة، أي مستقيمة الطريقة، قائمة بما يحتاج إليه من أمر الدين. (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) ويبشر عطف على يهدي والمؤمنين مفعول به والذين صفة المؤمنين وجملة يعملون صلة والصالحات مفعول به وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر أن المقدم وأجرا اسمها المؤخر وكبيرا صفة. (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) وان الذين عطف على أن لهم أجرا كبيرا أي يبشر المؤمنين ببشارتين عظيمتين الأولى بثوابهم والثانية بعقاب أعدائهم ويجوز أن يعطف على يبشر بإضمار ويخبر بأن الذين لا يؤمنون معذبون وجملة أعتدنا خبر أن ولهم متعلقان بأعتدنا وعذابا مفعول به وأليما صفة. (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) الواو استئنافية ويدعو الإنسان فعل وفاعل وبالشر متعلقان بمحذوف حال أو بيدعو ودعاءه مفعول مطلق وبالخير حال أيضا أو متعلقان بالدعاء لأنه مصدر والواو عاطفة أو حالية وكان واسمها وخبرها. (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ) وجعلنا فعل وفاعل والليل مفعول به والنهار عطف على الليل وآيتين مفعول به ثان فمحونا الفاء عاطفة ومحونا عطف على جعلنا وآية الليل مفعول به. (وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) وجعلنا فعل وفاعل وآية النهار مفعول به أول ومبصرة مفعول به ثان ولتبتغوا اللام للتعليل وتبتغوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل والجار والمجرور متعلقان بقوله وجعلنا، وفضلا مفعول به ومن ربكم متعلقان بتبتغوا وصفة لقوله فضلا. (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا) ولتعلموا عطف على ولتبتغوا وعدد السنين مفعول به والحساب عطف على عدد ولا تكرار فيهما وكل شيء نصب على الاشتغال ورجح نصبه لتقدم جملة فعلية كما سيأتي في باب الفوائد وفصلناه فعل وفاعل ومفعول به وتفصيلا مفعول مطلق. (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) وكل انسان نصب على الاشتغال أيضا وألزمناه فعل وفاعل ومفعول به وطائره مفعول به ثان وفي عنقه حال أي كائنا وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة. (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً) الواو عاطفة ونخرج فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وله جار ومجرور متعلقان بنخرج وكتابا مفعول به وجملة يلقاه صفة لكتابا ومنشورا اما صفة ثانية لكتابا وإما حال. (اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) جملة اقرأ كتابك في موضع نصب مقول قول محذوف أي يقال له واقرأ فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكتابك مفعول به وكفى فعل ماض وبنفسك الباء حرف جر زائد ونفسك فاعل مرفوع محلا مجرور بالباء لفظا واليوم ظرف متعلق بمحذوف حال وعليك متعلقان بحسيبا، وحسيبا تمييز وهو بمعنى حاسب كما ذكر سيبويه، قال سيبويه: «ضريب القداح بمعنى ضاربها وصريم بمعنى صارم» وأجاز بعضهم إعرابه حالا لأنه مشتق وليس ببعيد. (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) من شرطية مبتدأ واهتدى فعل ماض في محل جزم فعل الشرط فإنما الفاء رابطة وإنما كافة ومكفوفة ويهتدي فعل مضارع مرفوع والفاعل هو ولنفسه متعلقان بيهتدي والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط. (وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) عطف على الجملة السابقة وعليها في موضع نصب على الحال أي واقعا ضلاله عليها. (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) الواو عاطفة ولا نافية وتزر فعل مضارع وفاعل ووزر مفعول لتزر أي تحمل وأخرى مضاف اليه. (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الواو عاطفة وما نافية وكنا كان واسمها ومعذبين خبرها، حتى حرف غاية وجر ونبعث فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى ورسولا مفعول به. البلاغة: 1- المجاز العقلي في قوله تعالى «وجعلنا آية النهار مبصرة» لأن النهار لا يبصر بل يبصر فيه فهو من إسناد الفعل إلى زمانه وقد تقدم ذكره كثيرا. 2- «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه» تعبير مسوق على عادة العرب كانوا لا يباشرون عملا من الأعمال الهامة إلا إذا اعتبروا أحوال الطير ليتبينوا إذا كانت مغبة العمل خيرا أم شرا فإذا طارت الطير بنفسها أو بإزعاج من أحد متيامنة تفاءلوا وأقدموا على عملهم وإذا طارت متياسرة تشاءموا وأحجموا عن عملهم ولما كثر منهم ذلك سموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه على طريق المجاز المرسل وقد تقدم ذكره كثيرا. وإنما خص العنق بالذكر لأنه محل القلادة التي تزين الجيد وتبدو لأول وهلة وتسم المتقلد بها بالوسامة فكان ذلك كناية عن اتصافه بالخير والشر المقدرين له في لوح الأزل وإيثاره باختياره جانب واحد منهما كالذي يتبع السوانح وهي الطير الذاهبة متيامنة والذي يتبع البوارح وهي الطير الذاهبة متياسرة وأجاز بعضهم أن يكون الكلام من باب الاستعارة التصريحية أي استعير الطائر لما هو سبب الخير والشر من قدر الله وعمل العبد أي لما جعلوا الطائر سببا للخير والشر وأسندوهما اليه باعتبار سنوحه وبروحه استعير الطائر لما كان سببا لهما وهما قدرة الله الكائنة وعمل العبد المختار وكما أن الطائر الحقيقي يأتي إلى كل مكان بعد مزايلة وكناته وأعشاشه فكذلك الحوادث تنتهي إلى الإنسان. 3- الطباق بين الهدى والضلال وقد تقدم. 4- في قوله «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة» فن الجمع مع التفريق وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين في حكم واحد ثم يفرق بينهما في ذلك الحكم، ومما ورد منه في الشعر قول البحتري البديع: ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدرّ منّا ولا قطه فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه الفوائد: الاشتغال: الاشتغال عرفه النحاة بأنه اسم تقدم على عامل من حقه أن ينصبه لولا اشتغاله عنه بالعمل في ضميره نحو: خالد أكرمته، والأفضل في الاسم المتقدم الرفع على الابتداء والجملة بعده خبره ويجوز نصبه بفعل محذوف يفسره المذكور بعده وجملة رأيته مفسرة للجملة المقدرة ولا محل لها من الإعراب ولا يجوز إظهار الفعل المقدر ويقدر بلفظ الفعل المذكر إلا إذا كان لازما فيقدر بمعناه نحو حمص مررت بها فيقدر بجاوزت مثلا وله أحوال: 1- وجوب النصب: وذلك إذا وقع بعد أدوات التحضيض والشرط والاستفهام غير الهمزة نحو هلّا الخير فعلته، وإن عليا لقيته فسلم عليه، وهل خالدا أكرمته؟ غير أن الاشتغال بعد أدوات الاستفهام والشرط لا يكون إلا في الشعر. 2- ترجيح النصب: ويترجح النصب في خمسة أمور: آ- أن يقع بعد الاسم أمر نحو خالدا أكرمه وقد استثنيت من ذلك مسألة «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما» وقد تقدم الكلام عليها مستوفى. ب- أن يقع بعد الاسم نهي نحو: الكريم لا تهنه. ج- أن يقع بعد الاسم دعاء نحو: اللهم أمري يسره. د- أن يقع الاسم بعد همزة الاستفهام كقوله تعالى «أبشرا منا واحدا نتبعه» . هـ- أن يقع الاسم جوابا لمستفهم عنه كقولك: عليا أكرمته، في جواب من قال: من أكرمت؟ 3- وجوب الرفع: ويجب الرفع في موضعين: 1- أن يقع بعد إذا الفجائية نحو: خرجت فإذا الجو يملؤه الضباب، لأن إذا الفجائية لا تدخل على الأفعال. 2- أن يقع قبل أدوات الاستفهام أو الشرط أو التحضيض أو ما النافية أو لام الابتداء أو ما التعجبية أو كم الخبرية أو إن وأخواتها نحو: علي هل أكرمته، وسعيد إن لقيته فسلم عليه، وخالد هلّا دعوته، والشر ما فعلته، والخير لأنا أفعله، والخلق الحسن ما أطيبه، وزهير كم أكرمته، وخالد إني أحبه، فالاسم في ذلك كله مبتدأ والجملة بعده خبر وإنما لم يجز نصبه لأن هذه الأدوات لها الصدارة وما بعدها لا يعمل فيما قبلها. 4- ترجيح الرفع: ويترجح الرفع إذا لم يكن هناك ما يوجب نصبه أو يرجحه أو يوجب رفعه نحو الكتاب قرأته لأن عدم التقدير أولى من التقدير. وهناك مسائل تتعلق بالاشتغال يرجع إليها في المطولات وستأتي نكت طريفة منه في هذا الكتاب.

الإسراء 17:11

الإعراب: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) إن واسمها والقرآن بدل من اسم الاشارة ويهدي فعل وفاعل مستتر والمفعول به محذوف أي يهدي الناس والجملة خبر إن وللتي جار ومجرور متعلقان بيهدي وهي مبتدأ وأقوم خبر والجملة الاسمية صلة التي وأقوم اسم تفضيل على قول الزجاج إذ قدر أقوم الحالات، وقدره غيره أقوم مما عداها أو من كل حال ورجح أبو حيان انها ليست للتفضيل إذ قال لا مشاركة بين الطريقة التي يرشد إليها القرآن وطريقة غيرها وفضلت هذه عليها وانما المعنى التي هي قيمة أي مستقيمة كما قال: وذلك دين القيمة، وفيها كتب قيمة، أي مستقيمة الطريقة، قائمة بما يحتاج إليه من أمر الدين. (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) ويبشر عطف على يهدي والمؤمنين مفعول به والذين صفة المؤمنين وجملة يعملون صلة والصالحات مفعول به وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر أن المقدم وأجرا اسمها المؤخر وكبيرا صفة. (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) وان الذين عطف على أن لهم أجرا كبيرا أي يبشر المؤمنين ببشارتين عظيمتين الأولى بثوابهم والثانية بعقاب أعدائهم ويجوز أن يعطف على يبشر بإضمار ويخبر بأن الذين لا يؤمنون معذبون وجملة أعتدنا خبر أن ولهم متعلقان بأعتدنا وعذابا مفعول به وأليما صفة. (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) الواو استئنافية ويدعو الإنسان فعل وفاعل وبالشر متعلقان بمحذوف حال أو بيدعو ودعاءه مفعول مطلق وبالخير حال أيضا أو متعلقان بالدعاء لأنه مصدر والواو عاطفة أو حالية وكان واسمها وخبرها. (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ) وجعلنا فعل وفاعل والليل مفعول به والنهار عطف على الليل وآيتين مفعول به ثان فمحونا الفاء عاطفة ومحونا عطف على جعلنا وآية الليل مفعول به. (وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) وجعلنا فعل وفاعل وآية النهار مفعول به أول ومبصرة مفعول به ثان ولتبتغوا اللام للتعليل وتبتغوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل والجار والمجرور متعلقان بقوله وجعلنا، وفضلا مفعول به ومن ربكم متعلقان بتبتغوا وصفة لقوله فضلا. (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا) ولتعلموا عطف على ولتبتغوا وعدد السنين مفعول به والحساب عطف على عدد ولا تكرار فيهما وكل شيء نصب على الاشتغال ورجح نصبه لتقدم جملة فعلية كما سيأتي في باب الفوائد وفصلناه فعل وفاعل ومفعول به وتفصيلا مفعول مطلق. (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) وكل انسان نصب على الاشتغال أيضا وألزمناه فعل وفاعل ومفعول به وطائره مفعول به ثان وفي عنقه حال أي كائنا وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة. (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً) الواو عاطفة ونخرج فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وله جار ومجرور متعلقان بنخرج وكتابا مفعول به وجملة يلقاه صفة لكتابا ومنشورا اما صفة ثانية لكتابا وإما حال. (اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) جملة اقرأ كتابك في موضع نصب مقول قول محذوف أي يقال له واقرأ فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكتابك مفعول به وكفى فعل ماض وبنفسك الباء حرف جر زائد ونفسك فاعل مرفوع محلا مجرور بالباء لفظا واليوم ظرف متعلق بمحذوف حال وعليك متعلقان بحسيبا، وحسيبا تمييز وهو بمعنى حاسب كما ذكر سيبويه، قال سيبويه: «ضريب القداح بمعنى ضاربها وصريم بمعنى صارم» وأجاز بعضهم إعرابه حالا لأنه مشتق وليس ببعيد. (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) من شرطية مبتدأ واهتدى فعل ماض في محل جزم فعل الشرط فإنما الفاء رابطة وإنما كافة ومكفوفة ويهتدي فعل مضارع مرفوع والفاعل هو ولنفسه متعلقان بيهتدي والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط. (وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) عطف على الجملة السابقة وعليها في موضع نصب على الحال أي واقعا ضلاله عليها. (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) الواو عاطفة ولا نافية وتزر فعل مضارع وفاعل ووزر مفعول لتزر أي تحمل وأخرى مضاف اليه. (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الواو عاطفة وما نافية وكنا كان واسمها ومعذبين خبرها، حتى حرف غاية وجر ونبعث فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى ورسولا مفعول به. البلاغة: 1- المجاز العقلي في قوله تعالى «وجعلنا آية النهار مبصرة» لأن النهار لا يبصر بل يبصر فيه فهو من إسناد الفعل إلى زمانه وقد تقدم ذكره كثيرا. 2- «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه» تعبير مسوق على عادة العرب كانوا لا يباشرون عملا من الأعمال الهامة إلا إذا اعتبروا أحوال الطير ليتبينوا إذا كانت مغبة العمل خيرا أم شرا فإذا طارت الطير بنفسها أو بإزعاج من أحد متيامنة تفاءلوا وأقدموا على عملهم وإذا طارت متياسرة تشاءموا وأحجموا عن عملهم ولما كثر منهم ذلك سموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه على طريق المجاز المرسل وقد تقدم ذكره كثيرا. وإنما خص العنق بالذكر لأنه محل القلادة التي تزين الجيد وتبدو لأول وهلة وتسم المتقلد بها بالوسامة فكان ذلك كناية عن اتصافه بالخير والشر المقدرين له في لوح الأزل وإيثاره باختياره جانب واحد منهما كالذي يتبع السوانح وهي الطير الذاهبة متيامنة والذي يتبع البوارح وهي الطير الذاهبة متياسرة وأجاز بعضهم أن يكون الكلام من باب الاستعارة التصريحية أي استعير الطائر لما هو سبب الخير والشر من قدر الله وعمل العبد أي لما جعلوا الطائر سببا للخير والشر وأسندوهما اليه باعتبار سنوحه وبروحه استعير الطائر لما كان سببا لهما وهما قدرة الله الكائنة وعمل العبد المختار وكما أن الطائر الحقيقي يأتي إلى كل مكان بعد مزايلة وكناته وأعشاشه فكذلك الحوادث تنتهي إلى الإنسان. 3- الطباق بين الهدى والضلال وقد تقدم. 4- في قوله «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة» فن الجمع مع التفريق وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين في حكم واحد ثم يفرق بينهما في ذلك الحكم، ومما ورد منه في الشعر قول البحتري البديع: ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدرّ منّا ولا قطه فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه الفوائد: الاشتغال: الاشتغال عرفه النحاة بأنه اسم تقدم على عامل من حقه أن ينصبه لولا اشتغاله عنه بالعمل في ضميره نحو: خالد أكرمته، والأفضل في الاسم المتقدم الرفع على الابتداء والجملة بعده خبره ويجوز نصبه بفعل محذوف يفسره المذكور بعده وجملة رأيته مفسرة للجملة المقدرة ولا محل لها من الإعراب ولا يجوز إظهار الفعل المقدر ويقدر بلفظ الفعل المذكر إلا إذا كان لازما فيقدر بمعناه نحو حمص مررت بها فيقدر بجاوزت مثلا وله أحوال: 1- وجوب النصب: وذلك إذا وقع بعد أدوات التحضيض والشرط والاستفهام غير الهمزة نحو هلّا الخير فعلته، وإن عليا لقيته فسلم عليه، وهل خالدا أكرمته؟ غير أن الاشتغال بعد أدوات الاستفهام والشرط لا يكون إلا في الشعر. 2- ترجيح النصب: ويترجح النصب في خمسة أمور: آ- أن يقع بعد الاسم أمر نحو خالدا أكرمه وقد استثنيت من ذلك مسألة «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما» وقد تقدم الكلام عليها مستوفى. ب- أن يقع بعد الاسم نهي نحو: الكريم لا تهنه. ج- أن يقع بعد الاسم دعاء نحو: اللهم أمري يسره. د- أن يقع الاسم بعد همزة الاستفهام كقوله تعالى «أبشرا منا واحدا نتبعه» . هـ- أن يقع الاسم جوابا لمستفهم عنه كقولك: عليا أكرمته، في جواب من قال: من أكرمت؟ 3- وجوب الرفع: ويجب الرفع في موضعين: 1- أن يقع بعد إذا الفجائية نحو: خرجت فإذا الجو يملؤه الضباب، لأن إذا الفجائية لا تدخل على الأفعال. 2- أن يقع قبل أدوات الاستفهام أو الشرط أو التحضيض أو ما النافية أو لام الابتداء أو ما التعجبية أو كم الخبرية أو إن وأخواتها نحو: علي هل أكرمته، وسعيد إن لقيته فسلم عليه، وخالد هلّا دعوته، والشر ما فعلته، والخير لأنا أفعله، والخلق الحسن ما أطيبه، وزهير كم أكرمته، وخالد إني أحبه، فالاسم في ذلك كله مبتدأ والجملة بعده خبر وإنما لم يجز نصبه لأن هذه الأدوات لها الصدارة وما بعدها لا يعمل فيما قبلها. 4- ترجيح الرفع: ويترجح الرفع إذا لم يكن هناك ما يوجب نصبه أو يرجحه أو يوجب رفعه نحو الكتاب قرأته لأن عدم التقدير أولى من التقدير. وهناك مسائل تتعلق بالاشتغال يرجع إليها في المطولات وستأتي نكت طريفة منه في هذا الكتاب.

الإسراء 17:12

الإعراب: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) إن واسمها والقرآن بدل من اسم الاشارة ويهدي فعل وفاعل مستتر والمفعول به محذوف أي يهدي الناس والجملة خبر إن وللتي جار ومجرور متعلقان بيهدي وهي مبتدأ وأقوم خبر والجملة الاسمية صلة التي وأقوم اسم تفضيل على قول الزجاج إذ قدر أقوم الحالات، وقدره غيره أقوم مما عداها أو من كل حال ورجح أبو حيان انها ليست للتفضيل إذ قال لا مشاركة بين الطريقة التي يرشد إليها القرآن وطريقة غيرها وفضلت هذه عليها وانما المعنى التي هي قيمة أي مستقيمة كما قال: وذلك دين القيمة، وفيها كتب قيمة، أي مستقيمة الطريقة، قائمة بما يحتاج إليه من أمر الدين. (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) ويبشر عطف على يهدي والمؤمنين مفعول به والذين صفة المؤمنين وجملة يعملون صلة والصالحات مفعول به وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر أن المقدم وأجرا اسمها المؤخر وكبيرا صفة. (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) وان الذين عطف على أن لهم أجرا كبيرا أي يبشر المؤمنين ببشارتين عظيمتين الأولى بثوابهم والثانية بعقاب أعدائهم ويجوز أن يعطف على يبشر بإضمار ويخبر بأن الذين لا يؤمنون معذبون وجملة أعتدنا خبر أن ولهم متعلقان بأعتدنا وعذابا مفعول به وأليما صفة. (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) الواو استئنافية ويدعو الإنسان فعل وفاعل وبالشر متعلقان بمحذوف حال أو بيدعو ودعاءه مفعول مطلق وبالخير حال أيضا أو متعلقان بالدعاء لأنه مصدر والواو عاطفة أو حالية وكان واسمها وخبرها. (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ) وجعلنا فعل وفاعل والليل مفعول به والنهار عطف على الليل وآيتين مفعول به ثان فمحونا الفاء عاطفة ومحونا عطف على جعلنا وآية الليل مفعول به. (وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) وجعلنا فعل وفاعل وآية النهار مفعول به أول ومبصرة مفعول به ثان ولتبتغوا اللام للتعليل وتبتغوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل والجار والمجرور متعلقان بقوله وجعلنا، وفضلا مفعول به ومن ربكم متعلقان بتبتغوا وصفة لقوله فضلا. (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا) ولتعلموا عطف على ولتبتغوا وعدد السنين مفعول به والحساب عطف على عدد ولا تكرار فيهما وكل شيء نصب على الاشتغال ورجح نصبه لتقدم جملة فعلية كما سيأتي في باب الفوائد وفصلناه فعل وفاعل ومفعول به وتفصيلا مفعول مطلق. (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) وكل انسان نصب على الاشتغال أيضا وألزمناه فعل وفاعل ومفعول به وطائره مفعول به ثان وفي عنقه حال أي كائنا وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة. (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً) الواو عاطفة ونخرج فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وله جار ومجرور متعلقان بنخرج وكتابا مفعول به وجملة يلقاه صفة لكتابا ومنشورا اما صفة ثانية لكتابا وإما حال. (اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) جملة اقرأ كتابك في موضع نصب مقول قول محذوف أي يقال له واقرأ فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكتابك مفعول به وكفى فعل ماض وبنفسك الباء حرف جر زائد ونفسك فاعل مرفوع محلا مجرور بالباء لفظا واليوم ظرف متعلق بمحذوف حال وعليك متعلقان بحسيبا، وحسيبا تمييز وهو بمعنى حاسب كما ذكر سيبويه، قال سيبويه: «ضريب القداح بمعنى ضاربها وصريم بمعنى صارم» وأجاز بعضهم إعرابه حالا لأنه مشتق وليس ببعيد. (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) من شرطية مبتدأ واهتدى فعل ماض في محل جزم فعل الشرط فإنما الفاء رابطة وإنما كافة ومكفوفة ويهتدي فعل مضارع مرفوع والفاعل هو ولنفسه متعلقان بيهتدي والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط. (وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) عطف على الجملة السابقة وعليها في موضع نصب على الحال أي واقعا ضلاله عليها. (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) الواو عاطفة ولا نافية وتزر فعل مضارع وفاعل ووزر مفعول لتزر أي تحمل وأخرى مضاف اليه. (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الواو عاطفة وما نافية وكنا كان واسمها ومعذبين خبرها، حتى حرف غاية وجر ونبعث فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى ورسولا مفعول به. البلاغة: 1- المجاز العقلي في قوله تعالى «وجعلنا آية النهار مبصرة» لأن النهار لا يبصر بل يبصر فيه فهو من إسناد الفعل إلى زمانه وقد تقدم ذكره كثيرا. 2- «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه» تعبير مسوق على عادة العرب كانوا لا يباشرون عملا من الأعمال الهامة إلا إذا اعتبروا أحوال الطير ليتبينوا إذا كانت مغبة العمل خيرا أم شرا فإذا طارت الطير بنفسها أو بإزعاج من أحد متيامنة تفاءلوا وأقدموا على عملهم وإذا طارت متياسرة تشاءموا وأحجموا عن عملهم ولما كثر منهم ذلك سموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه على طريق المجاز المرسل وقد تقدم ذكره كثيرا. وإنما خص العنق بالذكر لأنه محل القلادة التي تزين الجيد وتبدو لأول وهلة وتسم المتقلد بها بالوسامة فكان ذلك كناية عن اتصافه بالخير والشر المقدرين له في لوح الأزل وإيثاره باختياره جانب واحد منهما كالذي يتبع السوانح وهي الطير الذاهبة متيامنة والذي يتبع البوارح وهي الطير الذاهبة متياسرة وأجاز بعضهم أن يكون الكلام من باب الاستعارة التصريحية أي استعير الطائر لما هو سبب الخير والشر من قدر الله وعمل العبد أي لما جعلوا الطائر سببا للخير والشر وأسندوهما اليه باعتبار سنوحه وبروحه استعير الطائر لما كان سببا لهما وهما قدرة الله الكائنة وعمل العبد المختار وكما أن الطائر الحقيقي يأتي إلى كل مكان بعد مزايلة وكناته وأعشاشه فكذلك الحوادث تنتهي إلى الإنسان. 3- الطباق بين الهدى والضلال وقد تقدم. 4- في قوله «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة» فن الجمع مع التفريق وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين في حكم واحد ثم يفرق بينهما في ذلك الحكم، ومما ورد منه في الشعر قول البحتري البديع: ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدرّ منّا ولا قطه فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه الفوائد: الاشتغال: الاشتغال عرفه النحاة بأنه اسم تقدم على عامل من حقه أن ينصبه لولا اشتغاله عنه بالعمل في ضميره نحو: خالد أكرمته، والأفضل في الاسم المتقدم الرفع على الابتداء والجملة بعده خبره ويجوز نصبه بفعل محذوف يفسره المذكور بعده وجملة رأيته مفسرة للجملة المقدرة ولا محل لها من الإعراب ولا يجوز إظهار الفعل المقدر ويقدر بلفظ الفعل المذكر إلا إذا كان لازما فيقدر بمعناه نحو حمص مررت بها فيقدر بجاوزت مثلا وله أحوال: 1- وجوب النصب: وذلك إذا وقع بعد أدوات التحضيض والشرط والاستفهام غير الهمزة نحو هلّا الخير فعلته، وإن عليا لقيته فسلم عليه، وهل خالدا أكرمته؟ غير أن الاشتغال بعد أدوات الاستفهام والشرط لا يكون إلا في الشعر. 2- ترجيح النصب: ويترجح النصب في خمسة أمور: آ- أن يقع بعد الاسم أمر نحو خالدا أكرمه وقد استثنيت من ذلك مسألة «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما» وقد تقدم الكلام عليها مستوفى. ب- أن يقع بعد الاسم نهي نحو: الكريم لا تهنه. ج- أن يقع بعد الاسم دعاء نحو: اللهم أمري يسره. د- أن يقع الاسم بعد همزة الاستفهام كقوله تعالى «أبشرا منا واحدا نتبعه» . هـ- أن يقع الاسم جوابا لمستفهم عنه كقولك: عليا أكرمته، في جواب من قال: من أكرمت؟ 3- وجوب الرفع: ويجب الرفع في موضعين: 1- أن يقع بعد إذا الفجائية نحو: خرجت فإذا الجو يملؤه الضباب، لأن إذا الفجائية لا تدخل على الأفعال. 2- أن يقع قبل أدوات الاستفهام أو الشرط أو التحضيض أو ما النافية أو لام الابتداء أو ما التعجبية أو كم الخبرية أو إن وأخواتها نحو: علي هل أكرمته، وسعيد إن لقيته فسلم عليه، وخالد هلّا دعوته، والشر ما فعلته، والخير لأنا أفعله، والخلق الحسن ما أطيبه، وزهير كم أكرمته، وخالد إني أحبه، فالاسم في ذلك كله مبتدأ والجملة بعده خبر وإنما لم يجز نصبه لأن هذه الأدوات لها الصدارة وما بعدها لا يعمل فيما قبلها. 4- ترجيح الرفع: ويترجح الرفع إذا لم يكن هناك ما يوجب نصبه أو يرجحه أو يوجب رفعه نحو الكتاب قرأته لأن عدم التقدير أولى من التقدير. وهناك مسائل تتعلق بالاشتغال يرجع إليها في المطولات وستأتي نكت طريفة منه في هذا الكتاب.

الإسراء 17:13

الإعراب: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) إن واسمها والقرآن بدل من اسم الاشارة ويهدي فعل وفاعل مستتر والمفعول به محذوف أي يهدي الناس والجملة خبر إن وللتي جار ومجرور متعلقان بيهدي وهي مبتدأ وأقوم خبر والجملة الاسمية صلة التي وأقوم اسم تفضيل على قول الزجاج إذ قدر أقوم الحالات، وقدره غيره أقوم مما عداها أو من كل حال ورجح أبو حيان انها ليست للتفضيل إذ قال لا مشاركة بين الطريقة التي يرشد إليها القرآن وطريقة غيرها وفضلت هذه عليها وانما المعنى التي هي قيمة أي مستقيمة كما قال: وذلك دين القيمة، وفيها كتب قيمة، أي مستقيمة الطريقة، قائمة بما يحتاج إليه من أمر الدين. (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) ويبشر عطف على يهدي والمؤمنين مفعول به والذين صفة المؤمنين وجملة يعملون صلة والصالحات مفعول به وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر أن المقدم وأجرا اسمها المؤخر وكبيرا صفة. (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) وان الذين عطف على أن لهم أجرا كبيرا أي يبشر المؤمنين ببشارتين عظيمتين الأولى بثوابهم والثانية بعقاب أعدائهم ويجوز أن يعطف على يبشر بإضمار ويخبر بأن الذين لا يؤمنون معذبون وجملة أعتدنا خبر أن ولهم متعلقان بأعتدنا وعذابا مفعول به وأليما صفة. (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) الواو استئنافية ويدعو الإنسان فعل وفاعل وبالشر متعلقان بمحذوف حال أو بيدعو ودعاءه مفعول مطلق وبالخير حال أيضا أو متعلقان بالدعاء لأنه مصدر والواو عاطفة أو حالية وكان واسمها وخبرها. (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ) وجعلنا فعل وفاعل والليل مفعول به والنهار عطف على الليل وآيتين مفعول به ثان فمحونا الفاء عاطفة ومحونا عطف على جعلنا وآية الليل مفعول به. (وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) وجعلنا فعل وفاعل وآية النهار مفعول به أول ومبصرة مفعول به ثان ولتبتغوا اللام للتعليل وتبتغوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل والجار والمجرور متعلقان بقوله وجعلنا، وفضلا مفعول به ومن ربكم متعلقان بتبتغوا وصفة لقوله فضلا. (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا) ولتعلموا عطف على ولتبتغوا وعدد السنين مفعول به والحساب عطف على عدد ولا تكرار فيهما وكل شيء نصب على الاشتغال ورجح نصبه لتقدم جملة فعلية كما سيأتي في باب الفوائد وفصلناه فعل وفاعل ومفعول به وتفصيلا مفعول مطلق. (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) وكل انسان نصب على الاشتغال أيضا وألزمناه فعل وفاعل ومفعول به وطائره مفعول به ثان وفي عنقه حال أي كائنا وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة. (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً) الواو عاطفة ونخرج فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وله جار ومجرور متعلقان بنخرج وكتابا مفعول به وجملة يلقاه صفة لكتابا ومنشورا اما صفة ثانية لكتابا وإما حال. (اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) جملة اقرأ كتابك في موضع نصب مقول قول محذوف أي يقال له واقرأ فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكتابك مفعول به وكفى فعل ماض وبنفسك الباء حرف جر زائد ونفسك فاعل مرفوع محلا مجرور بالباء لفظا واليوم ظرف متعلق بمحذوف حال وعليك متعلقان بحسيبا، وحسيبا تمييز وهو بمعنى حاسب كما ذكر سيبويه، قال سيبويه: «ضريب القداح بمعنى ضاربها وصريم بمعنى صارم» وأجاز بعضهم إعرابه حالا لأنه مشتق وليس ببعيد. (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) من شرطية مبتدأ واهتدى فعل ماض في محل جزم فعل الشرط فإنما الفاء رابطة وإنما كافة ومكفوفة ويهتدي فعل مضارع مرفوع والفاعل هو ولنفسه متعلقان بيهتدي والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط. (وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) عطف على الجملة السابقة وعليها في موضع نصب على الحال أي واقعا ضلاله عليها. (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) الواو عاطفة ولا نافية وتزر فعل مضارع وفاعل ووزر مفعول لتزر أي تحمل وأخرى مضاف اليه. (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الواو عاطفة وما نافية وكنا كان واسمها ومعذبين خبرها، حتى حرف غاية وجر ونبعث فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى ورسولا مفعول به. البلاغة: 1- المجاز العقلي في قوله تعالى «وجعلنا آية النهار مبصرة» لأن النهار لا يبصر بل يبصر فيه فهو من إسناد الفعل إلى زمانه وقد تقدم ذكره كثيرا. 2- «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه» تعبير مسوق على عادة العرب كانوا لا يباشرون عملا من الأعمال الهامة إلا إذا اعتبروا أحوال الطير ليتبينوا إذا كانت مغبة العمل خيرا أم شرا فإذا طارت الطير بنفسها أو بإزعاج من أحد متيامنة تفاءلوا وأقدموا على عملهم وإذا طارت متياسرة تشاءموا وأحجموا عن عملهم ولما كثر منهم ذلك سموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه على طريق المجاز المرسل وقد تقدم ذكره كثيرا. وإنما خص العنق بالذكر لأنه محل القلادة التي تزين الجيد وتبدو لأول وهلة وتسم المتقلد بها بالوسامة فكان ذلك كناية عن اتصافه بالخير والشر المقدرين له في لوح الأزل وإيثاره باختياره جانب واحد منهما كالذي يتبع السوانح وهي الطير الذاهبة متيامنة والذي يتبع البوارح وهي الطير الذاهبة متياسرة وأجاز بعضهم أن يكون الكلام من باب الاستعارة التصريحية أي استعير الطائر لما هو سبب الخير والشر من قدر الله وعمل العبد أي لما جعلوا الطائر سببا للخير والشر وأسندوهما اليه باعتبار سنوحه وبروحه استعير الطائر لما كان سببا لهما وهما قدرة الله الكائنة وعمل العبد المختار وكما أن الطائر الحقيقي يأتي إلى كل مكان بعد مزايلة وكناته وأعشاشه فكذلك الحوادث تنتهي إلى الإنسان. 3- الطباق بين الهدى والضلال وقد تقدم. 4- في قوله «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة» فن الجمع مع التفريق وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين في حكم واحد ثم يفرق بينهما في ذلك الحكم، ومما ورد منه في الشعر قول البحتري البديع: ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدرّ منّا ولا قطه فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه الفوائد: الاشتغال: الاشتغال عرفه النحاة بأنه اسم تقدم على عامل من حقه أن ينصبه لولا اشتغاله عنه بالعمل في ضميره نحو: خالد أكرمته، والأفضل في الاسم المتقدم الرفع على الابتداء والجملة بعده خبره ويجوز نصبه بفعل محذوف يفسره المذكور بعده وجملة رأيته مفسرة للجملة المقدرة ولا محل لها من الإعراب ولا يجوز إظهار الفعل المقدر ويقدر بلفظ الفعل المذكر إلا إذا كان لازما فيقدر بمعناه نحو حمص مررت بها فيقدر بجاوزت مثلا وله أحوال: 1- وجوب النصب: وذلك إذا وقع بعد أدوات التحضيض والشرط والاستفهام غير الهمزة نحو هلّا الخير فعلته، وإن عليا لقيته فسلم عليه، وهل خالدا أكرمته؟ غير أن الاشتغال بعد أدوات الاستفهام والشرط لا يكون إلا في الشعر. 2- ترجيح النصب: ويترجح النصب في خمسة أمور: آ- أن يقع بعد الاسم أمر نحو خالدا أكرمه وقد استثنيت من ذلك مسألة «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما» وقد تقدم الكلام عليها مستوفى. ب- أن يقع بعد الاسم نهي نحو: الكريم لا تهنه. ج- أن يقع بعد الاسم دعاء نحو: اللهم أمري يسره. د- أن يقع الاسم بعد همزة الاستفهام كقوله تعالى «أبشرا منا واحدا نتبعه» . هـ- أن يقع الاسم جوابا لمستفهم عنه كقولك: عليا أكرمته، في جواب من قال: من أكرمت؟ 3- وجوب الرفع: ويجب الرفع في موضعين: 1- أن يقع بعد إذا الفجائية نحو: خرجت فإذا الجو يملؤه الضباب، لأن إذا الفجائية لا تدخل على الأفعال. 2- أن يقع قبل أدوات الاستفهام أو الشرط أو التحضيض أو ما النافية أو لام الابتداء أو ما التعجبية أو كم الخبرية أو إن وأخواتها نحو: علي هل أكرمته، وسعيد إن لقيته فسلم عليه، وخالد هلّا دعوته، والشر ما فعلته، والخير لأنا أفعله، والخلق الحسن ما أطيبه، وزهير كم أكرمته، وخالد إني أحبه، فالاسم في ذلك كله مبتدأ والجملة بعده خبر وإنما لم يجز نصبه لأن هذه الأدوات لها الصدارة وما بعدها لا يعمل فيما قبلها. 4- ترجيح الرفع: ويترجح الرفع إذا لم يكن هناك ما يوجب نصبه أو يرجحه أو يوجب رفعه نحو الكتاب قرأته لأن عدم التقدير أولى من التقدير. وهناك مسائل تتعلق بالاشتغال يرجع إليها في المطولات وستأتي نكت طريفة منه في هذا الكتاب.

الإسراء 17:14

الإعراب: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) إن واسمها والقرآن بدل من اسم الاشارة ويهدي فعل وفاعل مستتر والمفعول به محذوف أي يهدي الناس والجملة خبر إن وللتي جار ومجرور متعلقان بيهدي وهي مبتدأ وأقوم خبر والجملة الاسمية صلة التي وأقوم اسم تفضيل على قول الزجاج إذ قدر أقوم الحالات، وقدره غيره أقوم مما عداها أو من كل حال ورجح أبو حيان انها ليست للتفضيل إذ قال لا مشاركة بين الطريقة التي يرشد إليها القرآن وطريقة غيرها وفضلت هذه عليها وانما المعنى التي هي قيمة أي مستقيمة كما قال: وذلك دين القيمة، وفيها كتب قيمة، أي مستقيمة الطريقة، قائمة بما يحتاج إليه من أمر الدين. (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) ويبشر عطف على يهدي والمؤمنين مفعول به والذين صفة المؤمنين وجملة يعملون صلة والصالحات مفعول به وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر أن المقدم وأجرا اسمها المؤخر وكبيرا صفة. (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) وان الذين عطف على أن لهم أجرا كبيرا أي يبشر المؤمنين ببشارتين عظيمتين الأولى بثوابهم والثانية بعقاب أعدائهم ويجوز أن يعطف على يبشر بإضمار ويخبر بأن الذين لا يؤمنون معذبون وجملة أعتدنا خبر أن ولهم متعلقان بأعتدنا وعذابا مفعول به وأليما صفة. (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) الواو استئنافية ويدعو الإنسان فعل وفاعل وبالشر متعلقان بمحذوف حال أو بيدعو ودعاءه مفعول مطلق وبالخير حال أيضا أو متعلقان بالدعاء لأنه مصدر والواو عاطفة أو حالية وكان واسمها وخبرها. (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ) وجعلنا فعل وفاعل والليل مفعول به والنهار عطف على الليل وآيتين مفعول به ثان فمحونا الفاء عاطفة ومحونا عطف على جعلنا وآية الليل مفعول به. (وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) وجعلنا فعل وفاعل وآية النهار مفعول به أول ومبصرة مفعول به ثان ولتبتغوا اللام للتعليل وتبتغوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل والجار والمجرور متعلقان بقوله وجعلنا، وفضلا مفعول به ومن ربكم متعلقان بتبتغوا وصفة لقوله فضلا. (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا) ولتعلموا عطف على ولتبتغوا وعدد السنين مفعول به والحساب عطف على عدد ولا تكرار فيهما وكل شيء نصب على الاشتغال ورجح نصبه لتقدم جملة فعلية كما سيأتي في باب الفوائد وفصلناه فعل وفاعل ومفعول به وتفصيلا مفعول مطلق. (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) وكل انسان نصب على الاشتغال أيضا وألزمناه فعل وفاعل ومفعول به وطائره مفعول به ثان وفي عنقه حال أي كائنا وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة. (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً) الواو عاطفة ونخرج فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وله جار ومجرور متعلقان بنخرج وكتابا مفعول به وجملة يلقاه صفة لكتابا ومنشورا اما صفة ثانية لكتابا وإما حال. (اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) جملة اقرأ كتابك في موضع نصب مقول قول محذوف أي يقال له واقرأ فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكتابك مفعول به وكفى فعل ماض وبنفسك الباء حرف جر زائد ونفسك فاعل مرفوع محلا مجرور بالباء لفظا واليوم ظرف متعلق بمحذوف حال وعليك متعلقان بحسيبا، وحسيبا تمييز وهو بمعنى حاسب كما ذكر سيبويه، قال سيبويه: «ضريب القداح بمعنى ضاربها وصريم بمعنى صارم» وأجاز بعضهم إعرابه حالا لأنه مشتق وليس ببعيد. (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) من شرطية مبتدأ واهتدى فعل ماض في محل جزم فعل الشرط فإنما الفاء رابطة وإنما كافة ومكفوفة ويهتدي فعل مضارع مرفوع والفاعل هو ولنفسه متعلقان بيهتدي والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط. (وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) عطف على الجملة السابقة وعليها في موضع نصب على الحال أي واقعا ضلاله عليها. (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) الواو عاطفة ولا نافية وتزر فعل مضارع وفاعل ووزر مفعول لتزر أي تحمل وأخرى مضاف اليه. (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الواو عاطفة وما نافية وكنا كان واسمها ومعذبين خبرها، حتى حرف غاية وجر ونبعث فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى ورسولا مفعول به. البلاغة: 1- المجاز العقلي في قوله تعالى «وجعلنا آية النهار مبصرة» لأن النهار لا يبصر بل يبصر فيه فهو من إسناد الفعل إلى زمانه وقد تقدم ذكره كثيرا. 2- «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه» تعبير مسوق على عادة العرب كانوا لا يباشرون عملا من الأعمال الهامة إلا إذا اعتبروا أحوال الطير ليتبينوا إذا كانت مغبة العمل خيرا أم شرا فإذا طارت الطير بنفسها أو بإزعاج من أحد متيامنة تفاءلوا وأقدموا على عملهم وإذا طارت متياسرة تشاءموا وأحجموا عن عملهم ولما كثر منهم ذلك سموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه على طريق المجاز المرسل وقد تقدم ذكره كثيرا. وإنما خص العنق بالذكر لأنه محل القلادة التي تزين الجيد وتبدو لأول وهلة وتسم المتقلد بها بالوسامة فكان ذلك كناية عن اتصافه بالخير والشر المقدرين له في لوح الأزل وإيثاره باختياره جانب واحد منهما كالذي يتبع السوانح وهي الطير الذاهبة متيامنة والذي يتبع البوارح وهي الطير الذاهبة متياسرة وأجاز بعضهم أن يكون الكلام من باب الاستعارة التصريحية أي استعير الطائر لما هو سبب الخير والشر من قدر الله وعمل العبد أي لما جعلوا الطائر سببا للخير والشر وأسندوهما اليه باعتبار سنوحه وبروحه استعير الطائر لما كان سببا لهما وهما قدرة الله الكائنة وعمل العبد المختار وكما أن الطائر الحقيقي يأتي إلى كل مكان بعد مزايلة وكناته وأعشاشه فكذلك الحوادث تنتهي إلى الإنسان. 3- الطباق بين الهدى والضلال وقد تقدم. 4- في قوله «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة» فن الجمع مع التفريق وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين في حكم واحد ثم يفرق بينهما في ذلك الحكم، ومما ورد منه في الشعر قول البحتري البديع: ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدرّ منّا ولا قطه فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه الفوائد: الاشتغال: الاشتغال عرفه النحاة بأنه اسم تقدم على عامل من حقه أن ينصبه لولا اشتغاله عنه بالعمل في ضميره نحو: خالد أكرمته، والأفضل في الاسم المتقدم الرفع على الابتداء والجملة بعده خبره ويجوز نصبه بفعل محذوف يفسره المذكور بعده وجملة رأيته مفسرة للجملة المقدرة ولا محل لها من الإعراب ولا يجوز إظهار الفعل المقدر ويقدر بلفظ الفعل المذكر إلا إذا كان لازما فيقدر بمعناه نحو حمص مررت بها فيقدر بجاوزت مثلا وله أحوال: 1- وجوب النصب: وذلك إذا وقع بعد أدوات التحضيض والشرط والاستفهام غير الهمزة نحو هلّا الخير فعلته، وإن عليا لقيته فسلم عليه، وهل خالدا أكرمته؟ غير أن الاشتغال بعد أدوات الاستفهام والشرط لا يكون إلا في الشعر. 2- ترجيح النصب: ويترجح النصب في خمسة أمور: آ- أن يقع بعد الاسم أمر نحو خالدا أكرمه وقد استثنيت من ذلك مسألة «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما» وقد تقدم الكلام عليها مستوفى. ب- أن يقع بعد الاسم نهي نحو: الكريم لا تهنه. ج- أن يقع بعد الاسم دعاء نحو: اللهم أمري يسره. د- أن يقع الاسم بعد همزة الاستفهام كقوله تعالى «أبشرا منا واحدا نتبعه» . هـ- أن يقع الاسم جوابا لمستفهم عنه كقولك: عليا أكرمته، في جواب من قال: من أكرمت؟ 3- وجوب الرفع: ويجب الرفع في موضعين: 1- أن يقع بعد إذا الفجائية نحو: خرجت فإذا الجو يملؤه الضباب، لأن إذا الفجائية لا تدخل على الأفعال. 2- أن يقع قبل أدوات الاستفهام أو الشرط أو التحضيض أو ما النافية أو لام الابتداء أو ما التعجبية أو كم الخبرية أو إن وأخواتها نحو: علي هل أكرمته، وسعيد إن لقيته فسلم عليه، وخالد هلّا دعوته، والشر ما فعلته، والخير لأنا أفعله، والخلق الحسن ما أطيبه، وزهير كم أكرمته، وخالد إني أحبه، فالاسم في ذلك كله مبتدأ والجملة بعده خبر وإنما لم يجز نصبه لأن هذه الأدوات لها الصدارة وما بعدها لا يعمل فيما قبلها. 4- ترجيح الرفع: ويترجح الرفع إذا لم يكن هناك ما يوجب نصبه أو يرجحه أو يوجب رفعه نحو الكتاب قرأته لأن عدم التقدير أولى من التقدير. وهناك مسائل تتعلق بالاشتغال يرجع إليها في المطولات وستأتي نكت طريفة منه في هذا الكتاب.

الإسراء 17:15

الإعراب: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) إن واسمها والقرآن بدل من اسم الاشارة ويهدي فعل وفاعل مستتر والمفعول به محذوف أي يهدي الناس والجملة خبر إن وللتي جار ومجرور متعلقان بيهدي وهي مبتدأ وأقوم خبر والجملة الاسمية صلة التي وأقوم اسم تفضيل على قول الزجاج إذ قدر أقوم الحالات، وقدره غيره أقوم مما عداها أو من كل حال ورجح أبو حيان انها ليست للتفضيل إذ قال لا مشاركة بين الطريقة التي يرشد إليها القرآن وطريقة غيرها وفضلت هذه عليها وانما المعنى التي هي قيمة أي مستقيمة كما قال: وذلك دين القيمة، وفيها كتب قيمة، أي مستقيمة الطريقة، قائمة بما يحتاج إليه من أمر الدين. (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) ويبشر عطف على يهدي والمؤمنين مفعول به والذين صفة المؤمنين وجملة يعملون صلة والصالحات مفعول به وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر أن المقدم وأجرا اسمها المؤخر وكبيرا صفة. (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) وان الذين عطف على أن لهم أجرا كبيرا أي يبشر المؤمنين ببشارتين عظيمتين الأولى بثوابهم والثانية بعقاب أعدائهم ويجوز أن يعطف على يبشر بإضمار ويخبر بأن الذين لا يؤمنون معذبون وجملة أعتدنا خبر أن ولهم متعلقان بأعتدنا وعذابا مفعول به وأليما صفة. (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) الواو استئنافية ويدعو الإنسان فعل وفاعل وبالشر متعلقان بمحذوف حال أو بيدعو ودعاءه مفعول مطلق وبالخير حال أيضا أو متعلقان بالدعاء لأنه مصدر والواو عاطفة أو حالية وكان واسمها وخبرها. (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ) وجعلنا فعل وفاعل والليل مفعول به والنهار عطف على الليل وآيتين مفعول به ثان فمحونا الفاء عاطفة ومحونا عطف على جعلنا وآية الليل مفعول به. (وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) وجعلنا فعل وفاعل وآية النهار مفعول به أول ومبصرة مفعول به ثان ولتبتغوا اللام للتعليل وتبتغوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل والجار والمجرور متعلقان بقوله وجعلنا، وفضلا مفعول به ومن ربكم متعلقان بتبتغوا وصفة لقوله فضلا. (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا) ولتعلموا عطف على ولتبتغوا وعدد السنين مفعول به والحساب عطف على عدد ولا تكرار فيهما وكل شيء نصب على الاشتغال ورجح نصبه لتقدم جملة فعلية كما سيأتي في باب الفوائد وفصلناه فعل وفاعل ومفعول به وتفصيلا مفعول مطلق. (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) وكل انسان نصب على الاشتغال أيضا وألزمناه فعل وفاعل ومفعول به وطائره مفعول به ثان وفي عنقه حال أي كائنا وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة. (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً) الواو عاطفة ونخرج فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وله جار ومجرور متعلقان بنخرج وكتابا مفعول به وجملة يلقاه صفة لكتابا ومنشورا اما صفة ثانية لكتابا وإما حال. (اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) جملة اقرأ كتابك في موضع نصب مقول قول محذوف أي يقال له واقرأ فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكتابك مفعول به وكفى فعل ماض وبنفسك الباء حرف جر زائد ونفسك فاعل مرفوع محلا مجرور بالباء لفظا واليوم ظرف متعلق بمحذوف حال وعليك متعلقان بحسيبا، وحسيبا تمييز وهو بمعنى حاسب كما ذكر سيبويه، قال سيبويه: «ضريب القداح بمعنى ضاربها وصريم بمعنى صارم» وأجاز بعضهم إعرابه حالا لأنه مشتق وليس ببعيد. (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) من شرطية مبتدأ واهتدى فعل ماض في محل جزم فعل الشرط فإنما الفاء رابطة وإنما كافة ومكفوفة ويهتدي فعل مضارع مرفوع والفاعل هو ولنفسه متعلقان بيهتدي والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط. (وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) عطف على الجملة السابقة وعليها في موضع نصب على الحال أي واقعا ضلاله عليها. (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) الواو عاطفة ولا نافية وتزر فعل مضارع وفاعل ووزر مفعول لتزر أي تحمل وأخرى مضاف اليه. (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الواو عاطفة وما نافية وكنا كان واسمها ومعذبين خبرها، حتى حرف غاية وجر ونبعث فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى ورسولا مفعول به. البلاغة: 1- المجاز العقلي في قوله تعالى «وجعلنا آية النهار مبصرة» لأن النهار لا يبصر بل يبصر فيه فهو من إسناد الفعل إلى زمانه وقد تقدم ذكره كثيرا. 2- «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه» تعبير مسوق على عادة العرب كانوا لا يباشرون عملا من الأعمال الهامة إلا إذا اعتبروا أحوال الطير ليتبينوا إذا كانت مغبة العمل خيرا أم شرا فإذا طارت الطير بنفسها أو بإزعاج من أحد متيامنة تفاءلوا وأقدموا على عملهم وإذا طارت متياسرة تشاءموا وأحجموا عن عملهم ولما كثر منهم ذلك سموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه على طريق المجاز المرسل وقد تقدم ذكره كثيرا. وإنما خص العنق بالذكر لأنه محل القلادة التي تزين الجيد وتبدو لأول وهلة وتسم المتقلد بها بالوسامة فكان ذلك كناية عن اتصافه بالخير والشر المقدرين له في لوح الأزل وإيثاره باختياره جانب واحد منهما كالذي يتبع السوانح وهي الطير الذاهبة متيامنة والذي يتبع البوارح وهي الطير الذاهبة متياسرة وأجاز بعضهم أن يكون الكلام من باب الاستعارة التصريحية أي استعير الطائر لما هو سبب الخير والشر من قدر الله وعمل العبد أي لما جعلوا الطائر سببا للخير والشر وأسندوهما اليه باعتبار سنوحه وبروحه استعير الطائر لما كان سببا لهما وهما قدرة الله الكائنة وعمل العبد المختار وكما أن الطائر الحقيقي يأتي إلى كل مكان بعد مزايلة وكناته وأعشاشه فكذلك الحوادث تنتهي إلى الإنسان. 3- الطباق بين الهدى والضلال وقد تقدم. 4- في قوله «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة» فن الجمع مع التفريق وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين في حكم واحد ثم يفرق بينهما في ذلك الحكم، ومما ورد منه في الشعر قول البحتري البديع: ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدرّ منّا ولا قطه فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه الفوائد: الاشتغال: الاشتغال عرفه النحاة بأنه اسم تقدم على عامل من حقه أن ينصبه لولا اشتغاله عنه بالعمل في ضميره نحو: خالد أكرمته، والأفضل في الاسم المتقدم الرفع على الابتداء والجملة بعده خبره ويجوز نصبه بفعل محذوف يفسره المذكور بعده وجملة رأيته مفسرة للجملة المقدرة ولا محل لها من الإعراب ولا يجوز إظهار الفعل المقدر ويقدر بلفظ الفعل المذكر إلا إذا كان لازما فيقدر بمعناه نحو حمص مررت بها فيقدر بجاوزت مثلا وله أحوال: 1- وجوب النصب: وذلك إذا وقع بعد أدوات التحضيض والشرط والاستفهام غير الهمزة نحو هلّا الخير فعلته، وإن عليا لقيته فسلم عليه، وهل خالدا أكرمته؟ غير أن الاشتغال بعد أدوات الاستفهام والشرط لا يكون إلا في الشعر. 2- ترجيح النصب: ويترجح النصب في خمسة أمور: آ- أن يقع بعد الاسم أمر نحو خالدا أكرمه وقد استثنيت من ذلك مسألة «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما» وقد تقدم الكلام عليها مستوفى. ب- أن يقع بعد الاسم نهي نحو: الكريم لا تهنه. ج- أن يقع بعد الاسم دعاء نحو: اللهم أمري يسره. د- أن يقع الاسم بعد همزة الاستفهام كقوله تعالى «أبشرا منا واحدا نتبعه» . هـ- أن يقع الاسم جوابا لمستفهم عنه كقولك: عليا أكرمته، في جواب من قال: من أكرمت؟ 3- وجوب الرفع: ويجب الرفع في موضعين: 1- أن يقع بعد إذا الفجائية نحو: خرجت فإذا الجو يملؤه الضباب، لأن إذا الفجائية لا تدخل على الأفعال. 2- أن يقع قبل أدوات الاستفهام أو الشرط أو التحضيض أو ما النافية أو لام الابتداء أو ما التعجبية أو كم الخبرية أو إن وأخواتها نحو: علي هل أكرمته، وسعيد إن لقيته فسلم عليه، وخالد هلّا دعوته، والشر ما فعلته، والخير لأنا أفعله، والخلق الحسن ما أطيبه، وزهير كم أكرمته، وخالد إني أحبه، فالاسم في ذلك كله مبتدأ والجملة بعده خبر وإنما لم يجز نصبه لأن هذه الأدوات لها الصدارة وما بعدها لا يعمل فيما قبلها. 4- ترجيح الرفع: ويترجح الرفع إذا لم يكن هناك ما يوجب نصبه أو يرجحه أو يوجب رفعه نحو الكتاب قرأته لأن عدم التقدير أولى من التقدير. وهناك مسائل تتعلق بالاشتغال يرجع إليها في المطولات وستأتي نكت طريفة منه في هذا الكتاب.

الإسراء 17:16

اللغة: (مُتْرَفِيها) : منعميها بمعنى رؤسائها وفي القاموس «الترفه بالضم النعمة والطعام الطيب والشيء الظريف تخصّ به صاحبك، وترف كفرح تنعّم، وأترفته النعمة أطغته أو نعمته كترفته تتريفا والمترّف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع والمتنعم لا يمنع من تنعمه وتترف تنعم» وفي أساس البلاغة: «أترفته النعمة: أبطرته وأترف فلان وهو مترف وأعوذ بالله من الإتراف والإسراف واستترفوا: تعفرتوا وطغوا ولم أزل معهم في ترفة أي في نعمة» . (مَدْحُوراً) : مطرودا وفي القاموس: «الدحر: الطرد والإبعاد والدفع كالدحور فعلهن كجعل وهو داحر ودحور» . الإعراب: (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها) الواو استئنافية مسوقة لبيان الأسباب التي تهلك بها القرى، وتدول الشعوب، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أردنا مضاف إليها الظرف وان وما في حيزها مصدر مؤول في محل نصب مفعول به لأردنا وقرية مفعول به وجملة أمرنا لا محل لها لأنها جواب إذا ومترفيها مفعول، ففسقوا الفاء عاطفة وفسقوا فعل وفاعل وفيها متعلقان بفسقوا (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) الفاء عاطفة وحق فعل ماض وعليها متعلقان بحق والقول فاعل، فدمرناها فعل وفاعل ومفعول به وتدميرا مفعول مطلق وسيأتي تفصيل لهذه الآية البليغة في باب البلاغة. (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ) كم خبرية في محل نصب مفعول أهلكنا ومن القرون في محل نصب تمييز ل «كم» ومن بعد نوح متعلقان بمحذوف حال أو بأهلكنا فمن للابتداء. (وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) الباء زائدة في الفاعل وقد تقدم ذلك قريبا وبذنوب عباده متعلقان بخبيرا بصيرا. (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) من شرطية مبتدأ وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط وجملة يريد العاجلة خبر كان وعجلنا فعل وفاعل وهو في محل جزم جواب الشرط وله متعلقان بعجلنا وفيها متعلقان بمحذوف حال وما موصول مفعول به وجملة نشاء صلة ولمن الجار والمجرور بدل من له بإعادة العامل وجملة نريد صلة ومفعول نريد محذوف أي لمن نريد تعجيله وفعل الشرط وجوابه خبر من. (ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً) ثم حرف عطف لتراخي المدة وجعلنا فعل وفاعل وله في محل نصب مفعول جعلنا الثاني وجهنم مفعول جعلنا الأول وجملة يصلاها حال من الضمير في له ومذموما حال من الضمير في يصلاها وكذلك مدحورا. (وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الواو عاطفة والجملة معطوفة على سابقتها وهي مماثلة لها في الإعراب وسعى لها عطف على أراد وسعيها مفعول مطلق أي حق سعيها ومن سقطات معظم المفسرين كأبي البقاء والكرخي وغيرهما انهم أجازوا إعراب سعيها مفعولا به ونسوا أن سعى فعل لازم، هذا بالاضافة إلى أن المصدرية واضحة تماما. والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والجملة نصب على الحال من الضمير في سعى. (فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) الفاء رابطة لجواب من وأولئك اسم إشارة مبتدأ وكان واسمها وخبرها والجملة خبر أولئك وجملة أولئك كان إلخ في محل جزم جواب الشرط. (كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ) كلّا مفعول به مقدم لنمد والتنوين عوض عن الإضافة أي كل واحد، وفاعل نمد مستتر تقديره نحن وهؤلاء بدل من كلّا وهؤلاء عطف على هؤلاء الأولى ومن عطاء ربك جار ومجرور متعلقان بنمد. (وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) الواو عاطفة أو حالية وما نافية وكان واسمها وخبرها. (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) انظر فعل أمر والفاعل مستتر وكيف اسم استفهام في محل نصب على الحال وفضلنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بفضلنا. (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الواو للحال واللام للابتداء والآخرة مبتدأ وأكبر خبر ودرجات تمييز نصب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم وأكبر عطف على أكبر الأولى وتفضيلا تمييز. البلاغة: في هذه الآية «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» فنون شتى: أولها: الالتزام، أو لزوم ما لا يلزم، وقد تقدم البحث عنه مستفيضا وهو التزام حرف أو حرفين فصاعدا قبل الروي على قدر طاقة الشاعر أو الكاتب من غير كلفة وإنما قيدناه بعدم الكلفة لأنه يستحيل صنعة باهتة لا أثر فيها لجمال ويسف عن درجة البلاغة ولا ينتظم في سلكها، فقد التزم في قوله «مترفيها» و «فيها» الفاء قبل ياء الردف ولزمت الياء وسيأتي الكثير منه في القرآن وهو من أرشق الاستعمالات ومما ورد فيه التزام سين قبل ألف الردف قول أبي العلاء صاحب اللزوميات: رويدك قد غررت وأنت حر ... بصاحب حيلة يعظ النساء يحرم فيكم الصهباء صبحا ... ويشربها على عمد مساء يقول لقد غدوت بلا كساء ... وفي لذاتها رهن الكساء وثانيها: المجاز المرسل في قوله «أمرنا مترفيها» لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا وهذا باطل فبقي أن يكون مجازا وإنما جعل الترف وهو الاتساع في العيش والبلهنية التي لا حدود لها ذريعة إلى المعاصي والانجرار وراء الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لا مناص لهم عنه ولا انفكاك لهم منه وليس ثمة أمر ولا آمر وإنما هو المال رائد الشهوة، وبريد الغفلة، يزين للنفوس الموبقات فتسترسل فيها وتتعامى عن رؤية واقعها، وقد يكون واقعها عاليا وفوق المستويات بيد أنه لا يعتم أن يهوي بعد أن غفل عنه حارسوه وكالئوه كما حدث للعرب بعد استبحار مجدهم واتساع سلطانهم فهووا من حالق وأضاعوا ملكا لم يحافظوا عليه مثل الرجال على حد قول أم أبي عبد الله آخر ملوك بني الأحمر في الأندلس: ابك مثل النساء ملكا مضاعا ... لم تحافظ عليه مثل الرجال وثالثها: الحذف: فقد حذف المأمور به ولم يقل بماذا أمرهم إيجازا في القول واعتمادا على بديهة السامع لأن قوله ففسقوا فيها يدل عليه وهو كلام مستقيض. تقول أمرته فقام وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام وقراءة ولو أردت تقدير غيره لتكلفت شططا وحذفت ما لا دليل عليه هذا في حين توفر الدلائل على نقيضه كما بيّنا لك. هذا وقد تورط بعضهم فزعم في مجازفة لا حدود لها أن أمرنا معناها كثّرنا وفي مقدمة هؤلاء المتورطين أبو علي القالي في كتابه الممتع «الأمالي» فقد قال: «وقال الله تعالى: «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها» أي كثرنا ولا أدري كيف ساغ له هذا التفسير لأن أمر من باب فرح بكسر الميم والقراءة أمر بفتحها وهو أيضا لازم ولا يجوز أن تفسر بمعنى كثر المشددة الثاء إلا إذا ضعفت الميم وقد قرىء بها فكان الأولى به أن يشير إلى ذلك قال أبو البقاء: «أمرنا» يقرأ بالقصر والتخفيف أي أمرناهم بالطاعة وقيل كثرنا نعمهم وهو في معنى القراءة بالمد ويقرأ بالتشديد والقصر أي جعلناهم أمراء وقيل هي بمعنى الممدودة لأنه تارة يعدى بالهمزة وتارة بالتضعيف. وفي قوله «كلّا نمد هؤلاء وهؤلاء» لف ونشر مرتب فهؤلاء الأولى للفريق الأول أي مريد الدنيا وهؤلاء الثانية للفريق الثاني أي مريد الآخرة. الفوائد: تساءل بعضهم عن معنى قوله تعالى: «كيف فضلنا بعضهم على بعض» وكيف يصح التفاوت بين أبناء البشر وهم سواسية والجواب هو أن التفاوت منوط بالفضل ومبلغ ما يؤديه المرء لأبناء جلدته وللمجتمع عامة، روى التاريخ أن قوما من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر بن الخطاب فخرج الاذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن عمرو: إنما أتينا من قبلنا انهم دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا. وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكثر.

الإسراء 17:17

اللغة: (مُتْرَفِيها) : منعميها بمعنى رؤسائها وفي القاموس «الترفه بالضم النعمة والطعام الطيب والشيء الظريف تخصّ به صاحبك، وترف كفرح تنعّم، وأترفته النعمة أطغته أو نعمته كترفته تتريفا والمترّف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع والمتنعم لا يمنع من تنعمه وتترف تنعم» وفي أساس البلاغة: «أترفته النعمة: أبطرته وأترف فلان وهو مترف وأعوذ بالله من الإتراف والإسراف واستترفوا: تعفرتوا وطغوا ولم أزل معهم في ترفة أي في نعمة» . (مَدْحُوراً) : مطرودا وفي القاموس: «الدحر: الطرد والإبعاد والدفع كالدحور فعلهن كجعل وهو داحر ودحور» . الإعراب: (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها) الواو استئنافية مسوقة لبيان الأسباب التي تهلك بها القرى، وتدول الشعوب، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أردنا مضاف إليها الظرف وان وما في حيزها مصدر مؤول في محل نصب مفعول به لأردنا وقرية مفعول به وجملة أمرنا لا محل لها لأنها جواب إذا ومترفيها مفعول، ففسقوا الفاء عاطفة وفسقوا فعل وفاعل وفيها متعلقان بفسقوا (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) الفاء عاطفة وحق فعل ماض وعليها متعلقان بحق والقول فاعل، فدمرناها فعل وفاعل ومفعول به وتدميرا مفعول مطلق وسيأتي تفصيل لهذه الآية البليغة في باب البلاغة. (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ) كم خبرية في محل نصب مفعول أهلكنا ومن القرون في محل نصب تمييز ل «كم» ومن بعد نوح متعلقان بمحذوف حال أو بأهلكنا فمن للابتداء. (وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) الباء زائدة في الفاعل وقد تقدم ذلك قريبا وبذنوب عباده متعلقان بخبيرا بصيرا. (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) من شرطية مبتدأ وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط وجملة يريد العاجلة خبر كان وعجلنا فعل وفاعل وهو في محل جزم جواب الشرط وله متعلقان بعجلنا وفيها متعلقان بمحذوف حال وما موصول مفعول به وجملة نشاء صلة ولمن الجار والمجرور بدل من له بإعادة العامل وجملة نريد صلة ومفعول نريد محذوف أي لمن نريد تعجيله وفعل الشرط وجوابه خبر من. (ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً) ثم حرف عطف لتراخي المدة وجعلنا فعل وفاعل وله في محل نصب مفعول جعلنا الثاني وجهنم مفعول جعلنا الأول وجملة يصلاها حال من الضمير في له ومذموما حال من الضمير في يصلاها وكذلك مدحورا. (وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الواو عاطفة والجملة معطوفة على سابقتها وهي مماثلة لها في الإعراب وسعى لها عطف على أراد وسعيها مفعول مطلق أي حق سعيها ومن سقطات معظم المفسرين كأبي البقاء والكرخي وغيرهما انهم أجازوا إعراب سعيها مفعولا به ونسوا أن سعى فعل لازم، هذا بالاضافة إلى أن المصدرية واضحة تماما. والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والجملة نصب على الحال من الضمير في سعى. (فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) الفاء رابطة لجواب من وأولئك اسم إشارة مبتدأ وكان واسمها وخبرها والجملة خبر أولئك وجملة أولئك كان إلخ في محل جزم جواب الشرط. (كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ) كلّا مفعول به مقدم لنمد والتنوين عوض عن الإضافة أي كل واحد، وفاعل نمد مستتر تقديره نحن وهؤلاء بدل من كلّا وهؤلاء عطف على هؤلاء الأولى ومن عطاء ربك جار ومجرور متعلقان بنمد. (وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) الواو عاطفة أو حالية وما نافية وكان واسمها وخبرها. (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) انظر فعل أمر والفاعل مستتر وكيف اسم استفهام في محل نصب على الحال وفضلنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بفضلنا. (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الواو للحال واللام للابتداء والآخرة مبتدأ وأكبر خبر ودرجات تمييز نصب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم وأكبر عطف على أكبر الأولى وتفضيلا تمييز. البلاغة: في هذه الآية «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» فنون شتى: أولها: الالتزام، أو لزوم ما لا يلزم، وقد تقدم البحث عنه مستفيضا وهو التزام حرف أو حرفين فصاعدا قبل الروي على قدر طاقة الشاعر أو الكاتب من غير كلفة وإنما قيدناه بعدم الكلفة لأنه يستحيل صنعة باهتة لا أثر فيها لجمال ويسف عن درجة البلاغة ولا ينتظم في سلكها، فقد التزم في قوله «مترفيها» و «فيها» الفاء قبل ياء الردف ولزمت الياء وسيأتي الكثير منه في القرآن وهو من أرشق الاستعمالات ومما ورد فيه التزام سين قبل ألف الردف قول أبي العلاء صاحب اللزوميات: رويدك قد غررت وأنت حر ... بصاحب حيلة يعظ النساء يحرم فيكم الصهباء صبحا ... ويشربها على عمد مساء يقول لقد غدوت بلا كساء ... وفي لذاتها رهن الكساء وثانيها: المجاز المرسل في قوله «أمرنا مترفيها» لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا وهذا باطل فبقي أن يكون مجازا وإنما جعل الترف وهو الاتساع في العيش والبلهنية التي لا حدود لها ذريعة إلى المعاصي والانجرار وراء الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لا مناص لهم عنه ولا انفكاك لهم منه وليس ثمة أمر ولا آمر وإنما هو المال رائد الشهوة، وبريد الغفلة، يزين للنفوس الموبقات فتسترسل فيها وتتعامى عن رؤية واقعها، وقد يكون واقعها عاليا وفوق المستويات بيد أنه لا يعتم أن يهوي بعد أن غفل عنه حارسوه وكالئوه كما حدث للعرب بعد استبحار مجدهم واتساع سلطانهم فهووا من حالق وأضاعوا ملكا لم يحافظوا عليه مثل الرجال على حد قول أم أبي عبد الله آخر ملوك بني الأحمر في الأندلس: ابك مثل النساء ملكا مضاعا ... لم تحافظ عليه مثل الرجال وثالثها: الحذف: فقد حذف المأمور به ولم يقل بماذا أمرهم إيجازا في القول واعتمادا على بديهة السامع لأن قوله ففسقوا فيها يدل عليه وهو كلام مستقيض. تقول أمرته فقام وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام وقراءة ولو أردت تقدير غيره لتكلفت شططا وحذفت ما لا دليل عليه هذا في حين توفر الدلائل على نقيضه كما بيّنا لك. هذا وقد تورط بعضهم فزعم في مجازفة لا حدود لها أن أمرنا معناها كثّرنا وفي مقدمة هؤلاء المتورطين أبو علي القالي في كتابه الممتع «الأمالي» فقد قال: «وقال الله تعالى: «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها» أي كثرنا ولا أدري كيف ساغ له هذا التفسير لأن أمر من باب فرح بكسر الميم والقراءة أمر بفتحها وهو أيضا لازم ولا يجوز أن تفسر بمعنى كثر المشددة الثاء إلا إذا ضعفت الميم وقد قرىء بها فكان الأولى به أن يشير إلى ذلك قال أبو البقاء: «أمرنا» يقرأ بالقصر والتخفيف أي أمرناهم بالطاعة وقيل كثرنا نعمهم وهو في معنى القراءة بالمد ويقرأ بالتشديد والقصر أي جعلناهم أمراء وقيل هي بمعنى الممدودة لأنه تارة يعدى بالهمزة وتارة بالتضعيف. وفي قوله «كلّا نمد هؤلاء وهؤلاء» لف ونشر مرتب فهؤلاء الأولى للفريق الأول أي مريد الدنيا وهؤلاء الثانية للفريق الثاني أي مريد الآخرة. الفوائد: تساءل بعضهم عن معنى قوله تعالى: «كيف فضلنا بعضهم على بعض» وكيف يصح التفاوت بين أبناء البشر وهم سواسية والجواب هو أن التفاوت منوط بالفضل ومبلغ ما يؤديه المرء لأبناء جلدته وللمجتمع عامة، روى التاريخ أن قوما من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر بن الخطاب فخرج الاذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن عمرو: إنما أتينا من قبلنا انهم دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا. وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكثر.

الإسراء 17:18

اللغة: (مُتْرَفِيها) : منعميها بمعنى رؤسائها وفي القاموس «الترفه بالضم النعمة والطعام الطيب والشيء الظريف تخصّ به صاحبك، وترف كفرح تنعّم، وأترفته النعمة أطغته أو نعمته كترفته تتريفا والمترّف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع والمتنعم لا يمنع من تنعمه وتترف تنعم» وفي أساس البلاغة: «أترفته النعمة: أبطرته وأترف فلان وهو مترف وأعوذ بالله من الإتراف والإسراف واستترفوا: تعفرتوا وطغوا ولم أزل معهم في ترفة أي في نعمة» . (مَدْحُوراً) : مطرودا وفي القاموس: «الدحر: الطرد والإبعاد والدفع كالدحور فعلهن كجعل وهو داحر ودحور» . الإعراب: (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها) الواو استئنافية مسوقة لبيان الأسباب التي تهلك بها القرى، وتدول الشعوب، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أردنا مضاف إليها الظرف وان وما في حيزها مصدر مؤول في محل نصب مفعول به لأردنا وقرية مفعول به وجملة أمرنا لا محل لها لأنها جواب إذا ومترفيها مفعول، ففسقوا الفاء عاطفة وفسقوا فعل وفاعل وفيها متعلقان بفسقوا (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) الفاء عاطفة وحق فعل ماض وعليها متعلقان بحق والقول فاعل، فدمرناها فعل وفاعل ومفعول به وتدميرا مفعول مطلق وسيأتي تفصيل لهذه الآية البليغة في باب البلاغة. (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ) كم خبرية في محل نصب مفعول أهلكنا ومن القرون في محل نصب تمييز ل «كم» ومن بعد نوح متعلقان بمحذوف حال أو بأهلكنا فمن للابتداء. (وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) الباء زائدة في الفاعل وقد تقدم ذلك قريبا وبذنوب عباده متعلقان بخبيرا بصيرا. (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) من شرطية مبتدأ وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط وجملة يريد العاجلة خبر كان وعجلنا فعل وفاعل وهو في محل جزم جواب الشرط وله متعلقان بعجلنا وفيها متعلقان بمحذوف حال وما موصول مفعول به وجملة نشاء صلة ولمن الجار والمجرور بدل من له بإعادة العامل وجملة نريد صلة ومفعول نريد محذوف أي لمن نريد تعجيله وفعل الشرط وجوابه خبر من. (ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً) ثم حرف عطف لتراخي المدة وجعلنا فعل وفاعل وله في محل نصب مفعول جعلنا الثاني وجهنم مفعول جعلنا الأول وجملة يصلاها حال من الضمير في له ومذموما حال من الضمير في يصلاها وكذلك مدحورا. (وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الواو عاطفة والجملة معطوفة على سابقتها وهي مماثلة لها في الإعراب وسعى لها عطف على أراد وسعيها مفعول مطلق أي حق سعيها ومن سقطات معظم المفسرين كأبي البقاء والكرخي وغيرهما انهم أجازوا إعراب سعيها مفعولا به ونسوا أن سعى فعل لازم، هذا بالاضافة إلى أن المصدرية واضحة تماما. والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والجملة نصب على الحال من الضمير في سعى. (فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) الفاء رابطة لجواب من وأولئك اسم إشارة مبتدأ وكان واسمها وخبرها والجملة خبر أولئك وجملة أولئك كان إلخ في محل جزم جواب الشرط. (كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ) كلّا مفعول به مقدم لنمد والتنوين عوض عن الإضافة أي كل واحد، وفاعل نمد مستتر تقديره نحن وهؤلاء بدل من كلّا وهؤلاء عطف على هؤلاء الأولى ومن عطاء ربك جار ومجرور متعلقان بنمد. (وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) الواو عاطفة أو حالية وما نافية وكان واسمها وخبرها. (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) انظر فعل أمر والفاعل مستتر وكيف اسم استفهام في محل نصب على الحال وفضلنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بفضلنا. (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الواو للحال واللام للابتداء والآخرة مبتدأ وأكبر خبر ودرجات تمييز نصب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم وأكبر عطف على أكبر الأولى وتفضيلا تمييز. البلاغة: في هذه الآية «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» فنون شتى: أولها: الالتزام، أو لزوم ما لا يلزم، وقد تقدم البحث عنه مستفيضا وهو التزام حرف أو حرفين فصاعدا قبل الروي على قدر طاقة الشاعر أو الكاتب من غير كلفة وإنما قيدناه بعدم الكلفة لأنه يستحيل صنعة باهتة لا أثر فيها لجمال ويسف عن درجة البلاغة ولا ينتظم في سلكها، فقد التزم في قوله «مترفيها» و «فيها» الفاء قبل ياء الردف ولزمت الياء وسيأتي الكثير منه في القرآن وهو من أرشق الاستعمالات ومما ورد فيه التزام سين قبل ألف الردف قول أبي العلاء صاحب اللزوميات: رويدك قد غررت وأنت حر ... بصاحب حيلة يعظ النساء يحرم فيكم الصهباء صبحا ... ويشربها على عمد مساء يقول لقد غدوت بلا كساء ... وفي لذاتها رهن الكساء وثانيها: المجاز المرسل في قوله «أمرنا مترفيها» لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا وهذا باطل فبقي أن يكون مجازا وإنما جعل الترف وهو الاتساع في العيش والبلهنية التي لا حدود لها ذريعة إلى المعاصي والانجرار وراء الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لا مناص لهم عنه ولا انفكاك لهم منه وليس ثمة أمر ولا آمر وإنما هو المال رائد الشهوة، وبريد الغفلة، يزين للنفوس الموبقات فتسترسل فيها وتتعامى عن رؤية واقعها، وقد يكون واقعها عاليا وفوق المستويات بيد أنه لا يعتم أن يهوي بعد أن غفل عنه حارسوه وكالئوه كما حدث للعرب بعد استبحار مجدهم واتساع سلطانهم فهووا من حالق وأضاعوا ملكا لم يحافظوا عليه مثل الرجال على حد قول أم أبي عبد الله آخر ملوك بني الأحمر في الأندلس: ابك مثل النساء ملكا مضاعا ... لم تحافظ عليه مثل الرجال وثالثها: الحذف: فقد حذف المأمور به ولم يقل بماذا أمرهم إيجازا في القول واعتمادا على بديهة السامع لأن قوله ففسقوا فيها يدل عليه وهو كلام مستقيض. تقول أمرته فقام وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام وقراءة ولو أردت تقدير غيره لتكلفت شططا وحذفت ما لا دليل عليه هذا في حين توفر الدلائل على نقيضه كما بيّنا لك. هذا وقد تورط بعضهم فزعم في مجازفة لا حدود لها أن أمرنا معناها كثّرنا وفي مقدمة هؤلاء المتورطين أبو علي القالي في كتابه الممتع «الأمالي» فقد قال: «وقال الله تعالى: «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها» أي كثرنا ولا أدري كيف ساغ له هذا التفسير لأن أمر من باب فرح بكسر الميم والقراءة أمر بفتحها وهو أيضا لازم ولا يجوز أن تفسر بمعنى كثر المشددة الثاء إلا إذا ضعفت الميم وقد قرىء بها فكان الأولى به أن يشير إلى ذلك قال أبو البقاء: «أمرنا» يقرأ بالقصر والتخفيف أي أمرناهم بالطاعة وقيل كثرنا نعمهم وهو في معنى القراءة بالمد ويقرأ بالتشديد والقصر أي جعلناهم أمراء وقيل هي بمعنى الممدودة لأنه تارة يعدى بالهمزة وتارة بالتضعيف. وفي قوله «كلّا نمد هؤلاء وهؤلاء» لف ونشر مرتب فهؤلاء الأولى للفريق الأول أي مريد الدنيا وهؤلاء الثانية للفريق الثاني أي مريد الآخرة. الفوائد: تساءل بعضهم عن معنى قوله تعالى: «كيف فضلنا بعضهم على بعض» وكيف يصح التفاوت بين أبناء البشر وهم سواسية والجواب هو أن التفاوت منوط بالفضل ومبلغ ما يؤديه المرء لأبناء جلدته وللمجتمع عامة، روى التاريخ أن قوما من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر بن الخطاب فخرج الاذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن عمرو: إنما أتينا من قبلنا انهم دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا. وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكثر.

الإسراء 17:19

اللغة: (مُتْرَفِيها) : منعميها بمعنى رؤسائها وفي القاموس «الترفه بالضم النعمة والطعام الطيب والشيء الظريف تخصّ به صاحبك، وترف كفرح تنعّم، وأترفته النعمة أطغته أو نعمته كترفته تتريفا والمترّف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع والمتنعم لا يمنع من تنعمه وتترف تنعم» وفي أساس البلاغة: «أترفته النعمة: أبطرته وأترف فلان وهو مترف وأعوذ بالله من الإتراف والإسراف واستترفوا: تعفرتوا وطغوا ولم أزل معهم في ترفة أي في نعمة» . (مَدْحُوراً) : مطرودا وفي القاموس: «الدحر: الطرد والإبعاد والدفع كالدحور فعلهن كجعل وهو داحر ودحور» . الإعراب: (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها) الواو استئنافية مسوقة لبيان الأسباب التي تهلك بها القرى، وتدول الشعوب، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أردنا مضاف إليها الظرف وان وما في حيزها مصدر مؤول في محل نصب مفعول به لأردنا وقرية مفعول به وجملة أمرنا لا محل لها لأنها جواب إذا ومترفيها مفعول، ففسقوا الفاء عاطفة وفسقوا فعل وفاعل وفيها متعلقان بفسقوا (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) الفاء عاطفة وحق فعل ماض وعليها متعلقان بحق والقول فاعل، فدمرناها فعل وفاعل ومفعول به وتدميرا مفعول مطلق وسيأتي تفصيل لهذه الآية البليغة في باب البلاغة. (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ) كم خبرية في محل نصب مفعول أهلكنا ومن القرون في محل نصب تمييز ل «كم» ومن بعد نوح متعلقان بمحذوف حال أو بأهلكنا فمن للابتداء. (وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) الباء زائدة في الفاعل وقد تقدم ذلك قريبا وبذنوب عباده متعلقان بخبيرا بصيرا. (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) من شرطية مبتدأ وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط وجملة يريد العاجلة خبر كان وعجلنا فعل وفاعل وهو في محل جزم جواب الشرط وله متعلقان بعجلنا وفيها متعلقان بمحذوف حال وما موصول مفعول به وجملة نشاء صلة ولمن الجار والمجرور بدل من له بإعادة العامل وجملة نريد صلة ومفعول نريد محذوف أي لمن نريد تعجيله وفعل الشرط وجوابه خبر من. (ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً) ثم حرف عطف لتراخي المدة وجعلنا فعل وفاعل وله في محل نصب مفعول جعلنا الثاني وجهنم مفعول جعلنا الأول وجملة يصلاها حال من الضمير في له ومذموما حال من الضمير في يصلاها وكذلك مدحورا. (وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الواو عاطفة والجملة معطوفة على سابقتها وهي مماثلة لها في الإعراب وسعى لها عطف على أراد وسعيها مفعول مطلق أي حق سعيها ومن سقطات معظم المفسرين كأبي البقاء والكرخي وغيرهما انهم أجازوا إعراب سعيها مفعولا به ونسوا أن سعى فعل لازم، هذا بالاضافة إلى أن المصدرية واضحة تماما. والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والجملة نصب على الحال من الضمير في سعى. (فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) الفاء رابطة لجواب من وأولئك اسم إشارة مبتدأ وكان واسمها وخبرها والجملة خبر أولئك وجملة أولئك كان إلخ في محل جزم جواب الشرط. (كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ) كلّا مفعول به مقدم لنمد والتنوين عوض عن الإضافة أي كل واحد، وفاعل نمد مستتر تقديره نحن وهؤلاء بدل من كلّا وهؤلاء عطف على هؤلاء الأولى ومن عطاء ربك جار ومجرور متعلقان بنمد. (وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) الواو عاطفة أو حالية وما نافية وكان واسمها وخبرها. (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) انظر فعل أمر والفاعل مستتر وكيف اسم استفهام في محل نصب على الحال وفضلنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بفضلنا. (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الواو للحال واللام للابتداء والآخرة مبتدأ وأكبر خبر ودرجات تمييز نصب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم وأكبر عطف على أكبر الأولى وتفضيلا تمييز. البلاغة: في هذه الآية «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» فنون شتى: أولها: الالتزام، أو لزوم ما لا يلزم، وقد تقدم البحث عنه مستفيضا وهو التزام حرف أو حرفين فصاعدا قبل الروي على قدر طاقة الشاعر أو الكاتب من غير كلفة وإنما قيدناه بعدم الكلفة لأنه يستحيل صنعة باهتة لا أثر فيها لجمال ويسف عن درجة البلاغة ولا ينتظم في سلكها، فقد التزم في قوله «مترفيها» و «فيها» الفاء قبل ياء الردف ولزمت الياء وسيأتي الكثير منه في القرآن وهو من أرشق الاستعمالات ومما ورد فيه التزام سين قبل ألف الردف قول أبي العلاء صاحب اللزوميات: رويدك قد غررت وأنت حر ... بصاحب حيلة يعظ النساء يحرم فيكم الصهباء صبحا ... ويشربها على عمد مساء يقول لقد غدوت بلا كساء ... وفي لذاتها رهن الكساء وثانيها: المجاز المرسل في قوله «أمرنا مترفيها» لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا وهذا باطل فبقي أن يكون مجازا وإنما جعل الترف وهو الاتساع في العيش والبلهنية التي لا حدود لها ذريعة إلى المعاصي والانجرار وراء الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لا مناص لهم عنه ولا انفكاك لهم منه وليس ثمة أمر ولا آمر وإنما هو المال رائد الشهوة، وبريد الغفلة، يزين للنفوس الموبقات فتسترسل فيها وتتعامى عن رؤية واقعها، وقد يكون واقعها عاليا وفوق المستويات بيد أنه لا يعتم أن يهوي بعد أن غفل عنه حارسوه وكالئوه كما حدث للعرب بعد استبحار مجدهم واتساع سلطانهم فهووا من حالق وأضاعوا ملكا لم يحافظوا عليه مثل الرجال على حد قول أم أبي عبد الله آخر ملوك بني الأحمر في الأندلس: ابك مثل النساء ملكا مضاعا ... لم تحافظ عليه مثل الرجال وثالثها: الحذف: فقد حذف المأمور به ولم يقل بماذا أمرهم إيجازا في القول واعتمادا على بديهة السامع لأن قوله ففسقوا فيها يدل عليه وهو كلام مستقيض. تقول أمرته فقام وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام وقراءة ولو أردت تقدير غيره لتكلفت شططا وحذفت ما لا دليل عليه هذا في حين توفر الدلائل على نقيضه كما بيّنا لك. هذا وقد تورط بعضهم فزعم في مجازفة لا حدود لها أن أمرنا معناها كثّرنا وفي مقدمة هؤلاء المتورطين أبو علي القالي في كتابه الممتع «الأمالي» فقد قال: «وقال الله تعالى: «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها» أي كثرنا ولا أدري كيف ساغ له هذا التفسير لأن أمر من باب فرح بكسر الميم والقراءة أمر بفتحها وهو أيضا لازم ولا يجوز أن تفسر بمعنى كثر المشددة الثاء إلا إذا ضعفت الميم وقد قرىء بها فكان الأولى به أن يشير إلى ذلك قال أبو البقاء: «أمرنا» يقرأ بالقصر والتخفيف أي أمرناهم بالطاعة وقيل كثرنا نعمهم وهو في معنى القراءة بالمد ويقرأ بالتشديد والقصر أي جعلناهم أمراء وقيل هي بمعنى الممدودة لأنه تارة يعدى بالهمزة وتارة بالتضعيف. وفي قوله «كلّا نمد هؤلاء وهؤلاء» لف ونشر مرتب فهؤلاء الأولى للفريق الأول أي مريد الدنيا وهؤلاء الثانية للفريق الثاني أي مريد الآخرة. الفوائد: تساءل بعضهم عن معنى قوله تعالى: «كيف فضلنا بعضهم على بعض» وكيف يصح التفاوت بين أبناء البشر وهم سواسية والجواب هو أن التفاوت منوط بالفضل ومبلغ ما يؤديه المرء لأبناء جلدته وللمجتمع عامة، روى التاريخ أن قوما من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر بن الخطاب فخرج الاذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن عمرو: إنما أتينا من قبلنا انهم دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا. وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكثر.

الإسراء 17:20

اللغة: (مُتْرَفِيها) : منعميها بمعنى رؤسائها وفي القاموس «الترفه بالضم النعمة والطعام الطيب والشيء الظريف تخصّ به صاحبك، وترف كفرح تنعّم، وأترفته النعمة أطغته أو نعمته كترفته تتريفا والمترّف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع والمتنعم لا يمنع من تنعمه وتترف تنعم» وفي أساس البلاغة: «أترفته النعمة: أبطرته وأترف فلان وهو مترف وأعوذ بالله من الإتراف والإسراف واستترفوا: تعفرتوا وطغوا ولم أزل معهم في ترفة أي في نعمة» . (مَدْحُوراً) : مطرودا وفي القاموس: «الدحر: الطرد والإبعاد والدفع كالدحور فعلهن كجعل وهو داحر ودحور» . الإعراب: (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها) الواو استئنافية مسوقة لبيان الأسباب التي تهلك بها القرى، وتدول الشعوب، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أردنا مضاف إليها الظرف وان وما في حيزها مصدر مؤول في محل نصب مفعول به لأردنا وقرية مفعول به وجملة أمرنا لا محل لها لأنها جواب إذا ومترفيها مفعول، ففسقوا الفاء عاطفة وفسقوا فعل وفاعل وفيها متعلقان بفسقوا (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) الفاء عاطفة وحق فعل ماض وعليها متعلقان بحق والقول فاعل، فدمرناها فعل وفاعل ومفعول به وتدميرا مفعول مطلق وسيأتي تفصيل لهذه الآية البليغة في باب البلاغة. (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ) كم خبرية في محل نصب مفعول أهلكنا ومن القرون في محل نصب تمييز ل «كم» ومن بعد نوح متعلقان بمحذوف حال أو بأهلكنا فمن للابتداء. (وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) الباء زائدة في الفاعل وقد تقدم ذلك قريبا وبذنوب عباده متعلقان بخبيرا بصيرا. (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) من شرطية مبتدأ وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط وجملة يريد العاجلة خبر كان وعجلنا فعل وفاعل وهو في محل جزم جواب الشرط وله متعلقان بعجلنا وفيها متعلقان بمحذوف حال وما موصول مفعول به وجملة نشاء صلة ولمن الجار والمجرور بدل من له بإعادة العامل وجملة نريد صلة ومفعول نريد محذوف أي لمن نريد تعجيله وفعل الشرط وجوابه خبر من. (ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً) ثم حرف عطف لتراخي المدة وجعلنا فعل وفاعل وله في محل نصب مفعول جعلنا الثاني وجهنم مفعول جعلنا الأول وجملة يصلاها حال من الضمير في له ومذموما حال من الضمير في يصلاها وكذلك مدحورا. (وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الواو عاطفة والجملة معطوفة على سابقتها وهي مماثلة لها في الإعراب وسعى لها عطف على أراد وسعيها مفعول مطلق أي حق سعيها ومن سقطات معظم المفسرين كأبي البقاء والكرخي وغيرهما انهم أجازوا إعراب سعيها مفعولا به ونسوا أن سعى فعل لازم، هذا بالاضافة إلى أن المصدرية واضحة تماما. والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والجملة نصب على الحال من الضمير في سعى. (فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) الفاء رابطة لجواب من وأولئك اسم إشارة مبتدأ وكان واسمها وخبرها والجملة خبر أولئك وجملة أولئك كان إلخ في محل جزم جواب الشرط. (كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ) كلّا مفعول به مقدم لنمد والتنوين عوض عن الإضافة أي كل واحد، وفاعل نمد مستتر تقديره نحن وهؤلاء بدل من كلّا وهؤلاء عطف على هؤلاء الأولى ومن عطاء ربك جار ومجرور متعلقان بنمد. (وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) الواو عاطفة أو حالية وما نافية وكان واسمها وخبرها. (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) انظر فعل أمر والفاعل مستتر وكيف اسم استفهام في محل نصب على الحال وفضلنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بفضلنا. (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الواو للحال واللام للابتداء والآخرة مبتدأ وأكبر خبر ودرجات تمييز نصب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم وأكبر عطف على أكبر الأولى وتفضيلا تمييز. البلاغة: في هذه الآية «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» فنون شتى: أولها: الالتزام، أو لزوم ما لا يلزم، وقد تقدم البحث عنه مستفيضا وهو التزام حرف أو حرفين فصاعدا قبل الروي على قدر طاقة الشاعر أو الكاتب من غير كلفة وإنما قيدناه بعدم الكلفة لأنه يستحيل صنعة باهتة لا أثر فيها لجمال ويسف عن درجة البلاغة ولا ينتظم في سلكها، فقد التزم في قوله «مترفيها» و «فيها» الفاء قبل ياء الردف ولزمت الياء وسيأتي الكثير منه في القرآن وهو من أرشق الاستعمالات ومما ورد فيه التزام سين قبل ألف الردف قول أبي العلاء صاحب اللزوميات: رويدك قد غررت وأنت حر ... بصاحب حيلة يعظ النساء يحرم فيكم الصهباء صبحا ... ويشربها على عمد مساء يقول لقد غدوت بلا كساء ... وفي لذاتها رهن الكساء وثانيها: المجاز المرسل في قوله «أمرنا مترفيها» لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا وهذا باطل فبقي أن يكون مجازا وإنما جعل الترف وهو الاتساع في العيش والبلهنية التي لا حدود لها ذريعة إلى المعاصي والانجرار وراء الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لا مناص لهم عنه ولا انفكاك لهم منه وليس ثمة أمر ولا آمر وإنما هو المال رائد الشهوة، وبريد الغفلة، يزين للنفوس الموبقات فتسترسل فيها وتتعامى عن رؤية واقعها، وقد يكون واقعها عاليا وفوق المستويات بيد أنه لا يعتم أن يهوي بعد أن غفل عنه حارسوه وكالئوه كما حدث للعرب بعد استبحار مجدهم واتساع سلطانهم فهووا من حالق وأضاعوا ملكا لم يحافظوا عليه مثل الرجال على حد قول أم أبي عبد الله آخر ملوك بني الأحمر في الأندلس: ابك مثل النساء ملكا مضاعا ... لم تحافظ عليه مثل الرجال وثالثها: الحذف: فقد حذف المأمور به ولم يقل بماذا أمرهم إيجازا في القول واعتمادا على بديهة السامع لأن قوله ففسقوا فيها يدل عليه وهو كلام مستقيض. تقول أمرته فقام وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام وقراءة ولو أردت تقدير غيره لتكلفت شططا وحذفت ما لا دليل عليه هذا في حين توفر الدلائل على نقيضه كما بيّنا لك. هذا وقد تورط بعضهم فزعم في مجازفة لا حدود لها أن أمرنا معناها كثّرنا وفي مقدمة هؤلاء المتورطين أبو علي القالي في كتابه الممتع «الأمالي» فقد قال: «وقال الله تعالى: «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها» أي كثرنا ولا أدري كيف ساغ له هذا التفسير لأن أمر من باب فرح بكسر الميم والقراءة أمر بفتحها وهو أيضا لازم ولا يجوز أن تفسر بمعنى كثر المشددة الثاء إلا إذا ضعفت الميم وقد قرىء بها فكان الأولى به أن يشير إلى ذلك قال أبو البقاء: «أمرنا» يقرأ بالقصر والتخفيف أي أمرناهم بالطاعة وقيل كثرنا نعمهم وهو في معنى القراءة بالمد ويقرأ بالتشديد والقصر أي جعلناهم أمراء وقيل هي بمعنى الممدودة لأنه تارة يعدى بالهمزة وتارة بالتضعيف. وفي قوله «كلّا نمد هؤلاء وهؤلاء» لف ونشر مرتب فهؤلاء الأولى للفريق الأول أي مريد الدنيا وهؤلاء الثانية للفريق الثاني أي مريد الآخرة. الفوائد: تساءل بعضهم عن معنى قوله تعالى: «كيف فضلنا بعضهم على بعض» وكيف يصح التفاوت بين أبناء البشر وهم سواسية والجواب هو أن التفاوت منوط بالفضل ومبلغ ما يؤديه المرء لأبناء جلدته وللمجتمع عامة، روى التاريخ أن قوما من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر بن الخطاب فخرج الاذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن عمرو: إنما أتينا من قبلنا انهم دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا. وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكثر.

الإسراء 17:21

اللغة: (مُتْرَفِيها) : منعميها بمعنى رؤسائها وفي القاموس «الترفه بالضم النعمة والطعام الطيب والشيء الظريف تخصّ به صاحبك، وترف كفرح تنعّم، وأترفته النعمة أطغته أو نعمته كترفته تتريفا والمترّف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع والمتنعم لا يمنع من تنعمه وتترف تنعم» وفي أساس البلاغة: «أترفته النعمة: أبطرته وأترف فلان وهو مترف وأعوذ بالله من الإتراف والإسراف واستترفوا: تعفرتوا وطغوا ولم أزل معهم في ترفة أي في نعمة» . (مَدْحُوراً) : مطرودا وفي القاموس: «الدحر: الطرد والإبعاد والدفع كالدحور فعلهن كجعل وهو داحر ودحور» . الإعراب: (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها) الواو استئنافية مسوقة لبيان الأسباب التي تهلك بها القرى، وتدول الشعوب، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أردنا مضاف إليها الظرف وان وما في حيزها مصدر مؤول في محل نصب مفعول به لأردنا وقرية مفعول به وجملة أمرنا لا محل لها لأنها جواب إذا ومترفيها مفعول، ففسقوا الفاء عاطفة وفسقوا فعل وفاعل وفيها متعلقان بفسقوا (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) الفاء عاطفة وحق فعل ماض وعليها متعلقان بحق والقول فاعل، فدمرناها فعل وفاعل ومفعول به وتدميرا مفعول مطلق وسيأتي تفصيل لهذه الآية البليغة في باب البلاغة. (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ) كم خبرية في محل نصب مفعول أهلكنا ومن القرون في محل نصب تمييز ل «كم» ومن بعد نوح متعلقان بمحذوف حال أو بأهلكنا فمن للابتداء. (وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) الباء زائدة في الفاعل وقد تقدم ذلك قريبا وبذنوب عباده متعلقان بخبيرا بصيرا. (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) من شرطية مبتدأ وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط وجملة يريد العاجلة خبر كان وعجلنا فعل وفاعل وهو في محل جزم جواب الشرط وله متعلقان بعجلنا وفيها متعلقان بمحذوف حال وما موصول مفعول به وجملة نشاء صلة ولمن الجار والمجرور بدل من له بإعادة العامل وجملة نريد صلة ومفعول نريد محذوف أي لمن نريد تعجيله وفعل الشرط وجوابه خبر من. (ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً) ثم حرف عطف لتراخي المدة وجعلنا فعل وفاعل وله في محل نصب مفعول جعلنا الثاني وجهنم مفعول جعلنا الأول وجملة يصلاها حال من الضمير في له ومذموما حال من الضمير في يصلاها وكذلك مدحورا. (وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الواو عاطفة والجملة معطوفة على سابقتها وهي مماثلة لها في الإعراب وسعى لها عطف على أراد وسعيها مفعول مطلق أي حق سعيها ومن سقطات معظم المفسرين كأبي البقاء والكرخي وغيرهما انهم أجازوا إعراب سعيها مفعولا به ونسوا أن سعى فعل لازم، هذا بالاضافة إلى أن المصدرية واضحة تماما. والواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والجملة نصب على الحال من الضمير في سعى. (فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) الفاء رابطة لجواب من وأولئك اسم إشارة مبتدأ وكان واسمها وخبرها والجملة خبر أولئك وجملة أولئك كان إلخ في محل جزم جواب الشرط. (كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ) كلّا مفعول به مقدم لنمد والتنوين عوض عن الإضافة أي كل واحد، وفاعل نمد مستتر تقديره نحن وهؤلاء بدل من كلّا وهؤلاء عطف على هؤلاء الأولى ومن عطاء ربك جار ومجرور متعلقان بنمد. (وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) الواو عاطفة أو حالية وما نافية وكان واسمها وخبرها. (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) انظر فعل أمر والفاعل مستتر وكيف اسم استفهام في محل نصب على الحال وفضلنا فعل وفاعل وبعضهم مفعول به وعلى بعض جار ومجرور متعلقان بفضلنا. (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الواو للحال واللام للابتداء والآخرة مبتدأ وأكبر خبر ودرجات تمييز نصب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم وأكبر عطف على أكبر الأولى وتفضيلا تمييز. البلاغة: في هذه الآية «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» فنون شتى: أولها: الالتزام، أو لزوم ما لا يلزم، وقد تقدم البحث عنه مستفيضا وهو التزام حرف أو حرفين فصاعدا قبل الروي على قدر طاقة الشاعر أو الكاتب من غير كلفة وإنما قيدناه بعدم الكلفة لأنه يستحيل صنعة باهتة لا أثر فيها لجمال ويسف عن درجة البلاغة ولا ينتظم في سلكها، فقد التزم في قوله «مترفيها» و «فيها» الفاء قبل ياء الردف ولزمت الياء وسيأتي الكثير منه في القرآن وهو من أرشق الاستعمالات ومما ورد فيه التزام سين قبل ألف الردف قول أبي العلاء صاحب اللزوميات: رويدك قد غررت وأنت حر ... بصاحب حيلة يعظ النساء يحرم فيكم الصهباء صبحا ... ويشربها على عمد مساء يقول لقد غدوت بلا كساء ... وفي لذاتها رهن الكساء وثانيها: المجاز المرسل في قوله «أمرنا مترفيها» لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا وهذا باطل فبقي أن يكون مجازا وإنما جعل الترف وهو الاتساع في العيش والبلهنية التي لا حدود لها ذريعة إلى المعاصي والانجرار وراء الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لا مناص لهم عنه ولا انفكاك لهم منه وليس ثمة أمر ولا آمر وإنما هو المال رائد الشهوة، وبريد الغفلة، يزين للنفوس الموبقات فتسترسل فيها وتتعامى عن رؤية واقعها، وقد يكون واقعها عاليا وفوق المستويات بيد أنه لا يعتم أن يهوي بعد أن غفل عنه حارسوه وكالئوه كما حدث للعرب بعد استبحار مجدهم واتساع سلطانهم فهووا من حالق وأضاعوا ملكا لم يحافظوا عليه مثل الرجال على حد قول أم أبي عبد الله آخر ملوك بني الأحمر في الأندلس: ابك مثل النساء ملكا مضاعا ... لم تحافظ عليه مثل الرجال وثالثها: الحذف: فقد حذف المأمور به ولم يقل بماذا أمرهم إيجازا في القول واعتمادا على بديهة السامع لأن قوله ففسقوا فيها يدل عليه وهو كلام مستقيض. تقول أمرته فقام وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام وقراءة ولو أردت تقدير غيره لتكلفت شططا وحذفت ما لا دليل عليه هذا في حين توفر الدلائل على نقيضه كما بيّنا لك. هذا وقد تورط بعضهم فزعم في مجازفة لا حدود لها أن أمرنا معناها كثّرنا وفي مقدمة هؤلاء المتورطين أبو علي القالي في كتابه الممتع «الأمالي» فقد قال: «وقال الله تعالى: «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها» أي كثرنا ولا أدري كيف ساغ له هذا التفسير لأن أمر من باب فرح بكسر الميم والقراءة أمر بفتحها وهو أيضا لازم ولا يجوز أن تفسر بمعنى كثر المشددة الثاء إلا إذا ضعفت الميم وقد قرىء بها فكان الأولى به أن يشير إلى ذلك قال أبو البقاء: «أمرنا» يقرأ بالقصر والتخفيف أي أمرناهم بالطاعة وقيل كثرنا نعمهم وهو في معنى القراءة بالمد ويقرأ بالتشديد والقصر أي جعلناهم أمراء وقيل هي بمعنى الممدودة لأنه تارة يعدى بالهمزة وتارة بالتضعيف. وفي قوله «كلّا نمد هؤلاء وهؤلاء» لف ونشر مرتب فهؤلاء الأولى للفريق الأول أي مريد الدنيا وهؤلاء الثانية للفريق الثاني أي مريد الآخرة. الفوائد: تساءل بعضهم عن معنى قوله تعالى: «كيف فضلنا بعضهم على بعض» وكيف يصح التفاوت بين أبناء البشر وهم سواسية والجواب هو أن التفاوت منوط بالفضل ومبلغ ما يؤديه المرء لأبناء جلدته وللمجتمع عامة، روى التاريخ أن قوما من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر بن الخطاب فخرج الاذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن عمرو: إنما أتينا من قبلنا انهم دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا. وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكثر.

الإسراء 17:22

الإعراب: (لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا) لا ناهية وتجعل فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت ومع الله ظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وإلها مفعول تجعل الأول وآخر صفة، فتقعد: الفاء فاء السببية وتقعد فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والفاعل مستتر تقديره أنت ومذموما حال ومخذولا حال ثانية وسيأتي ما في تقعد من أقوال. (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان منزلة الوالدين ووجوب معاملتهما من قبل الأبناء معاملة لائقة وقضى ربك فعل وفاعل ومعنى قضى أمر أمرا قاطعا وقيل أوصى و «أن» يحتمل أن تكون مصدرية فلا نافية وتعبدوا منصوب بها والمصدر منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بقضى وقيل مفسرة لأن قضى فيه معنى القول دون حروفه أو مخففة من الثقيلة فلا على الحالين ناهية وتعبدوا مجزوم بها وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وإلا أداة حصر وإياه مفعول وبالوالدين جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره وأحسنوا، وإحسانا مفعول مطلق ناصبه الفعل المحذوف، وإنما علقناهما بالفعل المحذوف لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما) إن شرطية زيدت عليها ما تأكيدا لها ويبلغن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في محل جزم فعل الشرط وعندك ظرف متعلق بمحذوف حال وأحدهما فاعل يبلغن والميم والألف حرفان دالان على التثنية وأو حرف عطف وكلاهما عطف على أحدهما وعلامة رفعه الألف لأنه ملحق بالمثنى ومعنى عندك أي حالة كونهما في كفالتك يتولى منهما ما كانا يتوليان منه إبان الطفولة وفي ذلك منتهى التوصية باستعمال لين الجانب ودماثة الخلق معهما في هذه الحال. (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً) الفاء رابطة للجواب ولا ناهية وتقل فعل مضارع مجزوم بلا ولهما متعلقان بتقل وأف اسم فعل مضارع بمعنى التضجر وفاعله مستتر تقديره أنا والجملة مقول القول وسيأتي تحقيق واسع في هذه الكلمة وفي أسماء الأفعال في باب الفوائد، ولا تنهرهما عطف على لا تقل لهما والنهر الزجر، وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولهما متعلقان بقل وقولا مفعول مطلق وكريما صفة. (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) واخفض لهما عطف على وقل لهما وجناح الذل مفعول به ومن الرحمة متعلقان بأخفض فمن للتعليل أي من أجل الرحمة أو الابتداء أي أن هذا الخفض ناشىء من الرحمة المركوزة في الطبع ولك أن تعلقها بمحذوف حال. (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً) وقل عطف على ما تقدم ورب منادى مضاف لياء المتكلم محذوف منه حرف النداء وارحمهما فعل دعاء وكما نعت لمصدر محذوف أي ارحمهما رحمة مثل تربيتهما لي أو رحمة مثل رحمتهما لي فتكون التربية بمعنى الرحمة وربياني فعل ماض والألف ضمير الاثنين فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به وصغيرا حال من الياء. (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ) ربكم مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وفي نفوسكم صلة ما. (إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً) الجملة حالية وإن شرطية وتكونوا فعل الشرط والواو اسمها وصالحين خبرها والفاء رابطة للجواب وإن اسمها وجملة كان خبرها وللأوابين أي التوابين متعلقان بغفورا، وغفورا خبر كان. البلاغة: 1- في قوله تعالى «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» استعارة شغلت علماء البيان وقد وعدناك أن تتحدث عن هذه الاستعارة مطولا فلنبحث هذا الموضوع ولنورد ما قاله البيانيون في صددها: فهي استعارة مكنية لأن إثبات الجناح للذل يخيل للسامع أن ثمة جناحا يخفض والمراد ألن لهما جانبك، وتواضع لهما تواضعا يلصقك بالتراب، والجامع بين هذه الاستعارة والحقيقة أن الجناح الحقيقي في أحد جانبي الطائر وان الطائر إذا خفض جناحه وهو الذي به يتقوى وينهض، انحط إلى الأرض وأسف إلى الحضيض ولصق بالتراب فالاستعارة مكنية إذ شبهت إلانة الجانب بخفض الجناح بجامع العطف والرقة وهذه أجمل استعارة وأحسنها وكلام العرب جاء عليها. وذكر الصولي في كتابه أخبار أبي تمام: وعابوا عليه- أي على أبي تمام- قوله: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي فقالوا ما معنى ماء الملام؟ وهم يقولون: كلام كثير الماء وما أكثر ماء شعر الأخطل، قاله يونس بن حبيب ويقولون: ماء الصبابة وماء الهوى يريدون الدمع. قال ذو الرمة: أأن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم وقال أيضا: أدارا بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق وقال عبد الصمد- وهو محسن عند من يطعن على أبي تمام: أي ماء لماء وجهك يبقى ... بعد ذل الهوى وذل السؤال فصير لماء الوجه ماء، وقالوا ماء الشباب يجول في وجناته، فما يكون أن استعار أبو تمام من هذا كله حرفا فجاء به في صدر بيته لما قال في آخر بيته: «فانني صب قد استعذبت ماء بكائي» قال في أوله: لا تسقني ماء الملام، وقد تحمل العرب اللفظ على اللفظ فيما لا يستوي معناه قال الله عز وجل: «وجزاء سيئة سيئة مثلها» والسيئة الثانية ليست بسيئة لأنها مجازاة ولكنه لما قال: وجزاء سيئة قال: سيئة فحمل على اللفظ وكذلك «ومكروا ومكر الله» وكذلك: «فبشرهم بعذاب أليم» لما قال بشر هؤلاء بالجنة قال: بشر هؤلاء بالعذاب، والبشارة انما تكون في الخير لا في الشر فحمل اللفظ على اللفظ ويقال: إنما قيل لها البشارة لأنها تبسط الوجه فأما الشر والكراهة فانهما يقبضانه، وقال الأعشى: يزيد بغضّ الطرف دوني كأنما ... زوى بين عينيه عليّ المحاجم وقال الله عز وجل: «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» فهذه أجمل استعارة وأحسنها وكلام العرب جاء عليها فما يكون أن قال أبو تمام: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي أما ابن الأثير فيقول في كتابه «المثل السائر» : «وقد عيب عليه قوله: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي وقيل: انه جعل للملام ماء وذلك تشبيه بعيد وما بهذا التشبيه عندي من بأس بل هو من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم وهو قريب من وجه، بعيد من وجه، أما سبب قربه فهو ان الملام هو القول الذي يعنف به الملوم لأمر جناه وذاك مختص بالسمع فنقله أبو تمام إلى السقيا التي هي مختصة بالحلق كأنه قال لا تذقني الملام ولو تهيأ له ذلك مع وزن الشعر لكان تنبيها حسنا ولكنه جاء بذكر الماء فحط من درجته شيئا ولما كان السمع يتجرع الماء أولا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به وهو تشبيه معنى بصورة. وأما سبب بعد هذا التشبيه فهو أن الماء مستلذّ والملام مستكره فحصل بينهما مخالفة من هذا الوجه فهذا التشبيه إن بعد من وجه فقد قرب من وجه فيغفر هذا لهذا ولذلك جعلته من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم، وقد روي أن بعض أهل المجانة أرسل إلى أبي تمام قارورة وقال: ابعث في هذه شيئا من ماء الملام فأرسل اليه أبو تمام وقال: إذا بعثت إليّ ريشة من جناح الذل بعثت إليك شيئا من ماء الملام، وما كان أبو تمام ليذهب عليه الفرق بين هذين التشبيهين فانه ليس جعل الجناح للذل كجعله الماء للملام، فإن الجناح للذل مناسب وذاك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط جناحه وخفضه وألقى نفسه على الأرض وللانسان أيضا جناح فإن يديه جناحاه وإذا خضع واستكان طأطأ من رأسه وخفض من يديه فحسن عند ذلك جعل الجناح للذل وصار تشبيها مناسبا وأما الماء للملام فليس كذلك في مناسبة التشبيه» . هذا ما أورده الصولي وابن الأثير وقد عقب عليهما كثير من نقاد القرن الرابع الهجري ووفقوا منهما بين مؤيد ومعاكس فأخذ الآمدي برأي الصولي في كتابه الموازنة ولكن على أساس آخر من الفهم وعاب على أبي تمام استعماله استعارات شبيهة بماء الملام قال: «فمن مرذول ألفاظه وقبيح استعاراته قوله: يا دهر قوّمّ أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك وقال: سأشكر فرجة الليت الرخي ... ولين أخادع الدهر الأبي وقال: أنزلته الأيام عن ظهرها ... من بعد إثبات رجله في الركاب وقال: كأنني حين جردت الرجاء له ... غضّا صببت به ماء على الزمن ثم قال: «وأشباه هذا مما إذا تتبعته في شعره وجدته فجعل كما ترى مع غثاثة هذه الألفاظ للدهر أخدعا ويدا تقطع من الزند وكأنه يصرع ويحل ويشرق بالكرام ويبتسم وان الأيام تنزلع والزمان أبلق وجعل للممدوح يدا وجعل للأيام ظهرا يركب والزمان كأنه صب عليه ماء» ولننظر الآن في ماء الملام- عند أبي تمام- أهو تعبير طبيعي؟ أهو تعبير سائغ مستحسن؟ إن إطلاق الماء وإضافته إلى البكاء يثب بالذهن أولا إلى الصورة المباشرة المعروفة للماء الذي يشرب والماء في البحار والمحيطات والأنهار ثم ماء المطر ومجرد أن تنطلق كلمة بكاء يتضاءل المعنى الأول فجأة وينكمش إلى صورة جزئية هي بضع قطرات من الدمع ولكن على أية حال هناك صلة تجعل الصورة محتملة، أما ماء الملام فلا صلة البتة بين الماء والملام وإذا انطلقت كلمة ماء بمعانيها الاصلية والربطية ومعها كلمة الملام ومعانيها الربطية فلا يجمع بينهما صلة أو رابط مشترك من الصور الجزئية لذلك كان التعبير باردا مختلا لا يدل في الذهن على شيء لأنه لا صلة بين الملام والماء، أما ما احتج به الصولي من القرآن فلا يبرر ما اعتمده فإن كلمة السيئة اقترنت بكلمة الجزاء فأثارت معنى آخر مقابلا هو القصاص وقد سماه القرآن سيئة ولكن أصحاب البديع يحاولون الاستشهاد بالشاهد القرآني ليبرروا صناعة أبي تمام ومن نحا نحوه. ووجدت للسكاكي رأيا يستهجن فيه قول أبي تمام قال فيه: «إن الاستعارة التخييلية فيه منفكة عن الاستعارة بالكناية وصاحب الإيضاح يمنع الانفكاك فيه مستندا بأنه يجوز أن يكون قد شبه الملام بظرف شراب مكروه فيكون استعارة بالكناية واضافة الماء تخييلية أو انه تشبيه من قبيل لجين الماء لا استعارة قال: ووجه الشبه ان اللوم يسكن حرارة الغرام كما أن الماء يسكن غليل الأوام، وقال الفاضل الجلبي في حاشية المطول: فيه نظر لأن المناسب للعاشق أن يدعي أن حرارة غرامه لا تسكن بالملام ولا بشيء آخر فكيف يجعل ذلك وجه شبهه» اهـ كلامه. ورأيت في كتاب الكشكول للعاملي رأيا مطولا فيه ننقل خلاصته تتمة للبحث قال: إن للبيت محملا آخر كنت أظن اني لم أسبق اليه حتى رأيته في التبيان وهو أن يكون ماء الملام من قبيل المشاكلة لذكر ماء البكاء ولا تظن أن تأخر ذكر ماء البكاء يمنع المشاكلة فانهم حرصوا في قوله تعالى: «فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين» وان تسميته الزحف على البطن مشيا لمشاكلة ما بعده، وهذا الحمل إنما يتمشى على تقدير عدم صحة الحكاية المنقولة ثم أقول: هذا الحمل أولى مما ذكره صاحب الإيضاح فإن الوجهين اللذين ذكرهما في غاية البعد إذ لا دلالة في البيت على أن الماء مكروه كما قاله المحقق التفتازاني في المطول، والتشبيه لا يتم بدونه، وأما ما ذكره صاحب المثل السائر من أن وجه الشبه ان الملام قول يعنف به الملوم وهو مختص بالسمع فنقله أبو تمام إلى ما يختص بالحلق كأنه قال: لا تذقني الملام، ولما كان السمع يتجرع الملام أولا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به فهو وجه في غاية البعد أيضا كما لا يخفى، والعجب منه أن جعله قريبا وغاب عنه عدم الملاءمة بين الماء والملام، هذا وقد أجاب بعضهم عن نظر الفاضل الجلبي في كلام صاحب الإيضاح بأن تشبيه الشاعر الملام بالماء في تسكين نار الغرام إنما هو على وفق معتقد اللوام بأن حرارة غرام العشاق تسكن بورود الملام وليس ذلك على وفق معتقده فلعل معتقده أن نار الغرام تزيد بالملام قال أبو الشيص: أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوّم أو أن تلك النار لا يؤثر فيها الملام أصلا كما قال الآخر: جاءوا يرومون سلواني بلومهم ... عن الحبيب فراحوا مثلما جاءوا فقول الجلبي: لأن المناسب للعاشق إلى آخره غير جيد فان صاحب الإيضاح لم يقل إن التشبيه معتقد العاشق وعقب العاملي صاحب الكشكول على ذلك: إن ذكر صاحب الإيضاح الكراهة في الشراب صريح بأنه غير راض بهذا الجواب. 2- صورة مجسدّة لطاعة الوالدين: هذا ولا بد من التنويه بالصورة المجسدة التي رسمتها الآية لطاعة الوالدين وبرهما، ليتدبرها البنون ويكتنهوا سرها الخفي وقد أفصح عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بجلاء حين شكا إليه رجل أباه وانه يأخذ ماله فدعا به فاذا شيخ يتوكأ عصا فسأله فقال انه كان ضعيفا وأنا قوي وفقيرا وأنا غني فكنت لا أمنعه شيئا من مالي واليوم أنا ضعيف وهو قوي وأنا فقير وهو غني ويبخل علي بماله ثم التفت إلى ابنه منشدا: غذوتك مولودا وعلتك يافعا ... تعل بما أدني إليك وتنهل إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت ... لأجلك إلا ساهرا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيني تهمل فلما بلغت السنّ والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم الم تفضل فليتك إذ لم ترع حقّ أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلا بكى ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك. وعن ابن عمر أنه رأى رجلا في الطواف يحمل أمه ويقول: إني لها مطية لا تذعر ... إذا الركاب نفرت لا تنفر ما حملت وأرضعتني أكثر ... الله ربي ذو الجلال أكبر تظنني جازيتها يا ابن عمر؟ قال: لا ولو زفرة واحدة. الفوائد: 1- القول في «أف» : اختلف النحاة في أسماء الأفعال هل هي ألفاظ نائبة عن الأفعال أو لمعانيها من الأحداث والأزمنة أو أسماء للمصادر النائبة عن الافعال أو هي أفعال والصحيح أنها أسماء أفعال وانها لا موضع لها من الاعراب وقد قدمنا أقسامها ونقول إن «أف» اسم فعل مضارع ومعناه أتضجر وفيه أربعون لغة وحاصلها أن الهمزة إما أن تكون مضمومة أو مكسورة أو مفتوحة فإن كانت مضمومة فاثنتان وعشرون لغة وحاصل ضبطها انها إما مجردة عن اللواحق أو ملحقة بزائد والمجردة إما أن يكون آخرها ساكنا أو متحركا والمتحركة إما أن تكون مشددة أو مخففة وكل منهما مثلث الآخر مع التنوين وعدمه فهذه اثنتا عشرة والساكنة إما مشددة أو مخففة فهذه أربع عشرة واللواحق لها من الزوائد إما هاء السكت أو حرف المد فإن كان هاء السكت فالفاء مثلثة مشددة فهذه سبع عشرة وإن كان حرف مد فهو إما واو أو ياء أو ألف والفاء فيهن مشددة والألف إما مفخمة أو بالإمالة المحضة أو بين بين فهذه خمس أخرى مع السبع عشرة وإن كانت مكسورة فإحدى عشرة مثلثة الفاء مخففة مع التنوين وعدمه فهذه ست، وفتح الفاء وكسرها بالتشديد فيهما مع التنوين وعدمه، فهذه أربع لغات والحادية عشرة أفي بالإمالة وإن كانت مفتوحة فالفاء مشددة مع الفتح والكسر والتنوين وعدمه والخامسة أف بالسكون والسادسة أفي بالامالة والسابعة أفاه بهاء السكت فهذه السبع مكملة للأربعين وقد قرىء من هذه اللغات بسبع: ثلاث في المتواتر وأربع في الشواذ وقراءة حفص وهي قراءتنا أف بالكسر والتنوين مع التشديد. 2- لمحة في العقوق: ومما جاء في العقوق ما يروى عن جرير فقد كان أعق الناس بأبيه وكان بلال ابنه كذلك فراجع جرير بلالا في الكلام فقال له: الكاذب بيني وبينك.... أمه، فأقبلت أمه عليه وقالت: يا عدو الله تقول هذا لأبيك فقال جرير: دعيه فكأنه سمعها مني وأنا أقولها لأبي. وممن شهر عنه العقوق بوالديه الحطيئة الشاعر المخضرم قال يهجو أباه: فنعم الشيخ أنت لدى المخازي ... وبئس الشيخ أنت لدى الفعال جمعت اللؤم لا حيّاك ربي ... وأبواب السفاهة والضلال وقال يهجو أمه: لحاك الله ثم لحاك أما ... ولقاك العقوق من البنينا أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا وممن هجا أباه علي بن بسام، قال في أبيه: هيك عمرت عمر عشرين نسرا ... أترى أنني أموت وتبقى؟ فلئن عشت بعد موتك يوما ... لأشقّنّ جيب مالك شقّا وقال فيه أيضا: بنى أبو جعفر دارا فشيدها ... ومثله لخيار الدور بنّاء فالجوع داخلها والذل خارجها ... وفي جوانبها بؤس وضراء ما ينفع الدار من تشييد حائطها ... وليس داخلها خبز ولا ماء ولقد كذب، كان أبو جعفر محمد بن منصور بن بسام في نهاية السؤدد والمروءة والنظافة، كان رجلا مترفا نبيل المركب مليح الملبس له همة في تشييد البنيان وما رثاه به ابن الرومي يدل على كذب ابنه، قال ابن الرومي فيه: أودى محمد بن نصر بعد ما ... ضربت به في جوده الأمثال ملك تنافست العلا في عمره ... وتنافست في موته الآجال من لم يعاين سير نعش محمد ... لم يدر كيف تسير الأ جيال وذخرته للدهر أعلم أنه ... كالحصن فيه لمن يئول مآل وتستعت نفسي بروح رجائه ... زمنا طويلا والتمتع مال ورأيته كالشمس إن هي لم تنل ... فالرفق منها والضياء ينال بالله أقسم ان عمرك ما انقضى ... حتى انقضى الإحسان والإجمال

الإسراء 17:23

الإعراب: (لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا) لا ناهية وتجعل فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت ومع الله ظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وإلها مفعول تجعل الأول وآخر صفة، فتقعد: الفاء فاء السببية وتقعد فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والفاعل مستتر تقديره أنت ومذموما حال ومخذولا حال ثانية وسيأتي ما في تقعد من أقوال. (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان منزلة الوالدين ووجوب معاملتهما من قبل الأبناء معاملة لائقة وقضى ربك فعل وفاعل ومعنى قضى أمر أمرا قاطعا وقيل أوصى و «أن» يحتمل أن تكون مصدرية فلا نافية وتعبدوا منصوب بها والمصدر منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بقضى وقيل مفسرة لأن قضى فيه معنى القول دون حروفه أو مخففة من الثقيلة فلا على الحالين ناهية وتعبدوا مجزوم بها وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وإلا أداة حصر وإياه مفعول وبالوالدين جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره وأحسنوا، وإحسانا مفعول مطلق ناصبه الفعل المحذوف، وإنما علقناهما بالفعل المحذوف لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما) إن شرطية زيدت عليها ما تأكيدا لها ويبلغن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في محل جزم فعل الشرط وعندك ظرف متعلق بمحذوف حال وأحدهما فاعل يبلغن والميم والألف حرفان دالان على التثنية وأو حرف عطف وكلاهما عطف على أحدهما وعلامة رفعه الألف لأنه ملحق بالمثنى ومعنى عندك أي حالة كونهما في كفالتك يتولى منهما ما كانا يتوليان منه إبان الطفولة وفي ذلك منتهى التوصية باستعمال لين الجانب ودماثة الخلق معهما في هذه الحال. (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً) الفاء رابطة للجواب ولا ناهية وتقل فعل مضارع مجزوم بلا ولهما متعلقان بتقل وأف اسم فعل مضارع بمعنى التضجر وفاعله مستتر تقديره أنا والجملة مقول القول وسيأتي تحقيق واسع في هذه الكلمة وفي أسماء الأفعال في باب الفوائد، ولا تنهرهما عطف على لا تقل لهما والنهر الزجر، وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولهما متعلقان بقل وقولا مفعول مطلق وكريما صفة. (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) واخفض لهما عطف على وقل لهما وجناح الذل مفعول به ومن الرحمة متعلقان بأخفض فمن للتعليل أي من أجل الرحمة أو الابتداء أي أن هذا الخفض ناشىء من الرحمة المركوزة في الطبع ولك أن تعلقها بمحذوف حال. (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً) وقل عطف على ما تقدم ورب منادى مضاف لياء المتكلم محذوف منه حرف النداء وارحمهما فعل دعاء وكما نعت لمصدر محذوف أي ارحمهما رحمة مثل تربيتهما لي أو رحمة مثل رحمتهما لي فتكون التربية بمعنى الرحمة وربياني فعل ماض والألف ضمير الاثنين فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به وصغيرا حال من الياء. (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ) ربكم مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وفي نفوسكم صلة ما. (إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً) الجملة حالية وإن شرطية وتكونوا فعل الشرط والواو اسمها وصالحين خبرها والفاء رابطة للجواب وإن اسمها وجملة كان خبرها وللأوابين أي التوابين متعلقان بغفورا، وغفورا خبر كان. البلاغة: 1- في قوله تعالى «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» استعارة شغلت علماء البيان وقد وعدناك أن تتحدث عن هذه الاستعارة مطولا فلنبحث هذا الموضوع ولنورد ما قاله البيانيون في صددها: فهي استعارة مكنية لأن إثبات الجناح للذل يخيل للسامع أن ثمة جناحا يخفض والمراد ألن لهما جانبك، وتواضع لهما تواضعا يلصقك بالتراب، والجامع بين هذه الاستعارة والحقيقة أن الجناح الحقيقي في أحد جانبي الطائر وان الطائر إذا خفض جناحه وهو الذي به يتقوى وينهض، انحط إلى الأرض وأسف إلى الحضيض ولصق بالتراب فالاستعارة مكنية إذ شبهت إلانة الجانب بخفض الجناح بجامع العطف والرقة وهذه أجمل استعارة وأحسنها وكلام العرب جاء عليها. وذكر الصولي في كتابه أخبار أبي تمام: وعابوا عليه- أي على أبي تمام- قوله: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي فقالوا ما معنى ماء الملام؟ وهم يقولون: كلام كثير الماء وما أكثر ماء شعر الأخطل، قاله يونس بن حبيب ويقولون: ماء الصبابة وماء الهوى يريدون الدمع. قال ذو الرمة: أأن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم وقال أيضا: أدارا بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق وقال عبد الصمد- وهو محسن عند من يطعن على أبي تمام: أي ماء لماء وجهك يبقى ... بعد ذل الهوى وذل السؤال فصير لماء الوجه ماء، وقالوا ماء الشباب يجول في وجناته، فما يكون أن استعار أبو تمام من هذا كله حرفا فجاء به في صدر بيته لما قال في آخر بيته: «فانني صب قد استعذبت ماء بكائي» قال في أوله: لا تسقني ماء الملام، وقد تحمل العرب اللفظ على اللفظ فيما لا يستوي معناه قال الله عز وجل: «وجزاء سيئة سيئة مثلها» والسيئة الثانية ليست بسيئة لأنها مجازاة ولكنه لما قال: وجزاء سيئة قال: سيئة فحمل على اللفظ وكذلك «ومكروا ومكر الله» وكذلك: «فبشرهم بعذاب أليم» لما قال بشر هؤلاء بالجنة قال: بشر هؤلاء بالعذاب، والبشارة انما تكون في الخير لا في الشر فحمل اللفظ على اللفظ ويقال: إنما قيل لها البشارة لأنها تبسط الوجه فأما الشر والكراهة فانهما يقبضانه، وقال الأعشى: يزيد بغضّ الطرف دوني كأنما ... زوى بين عينيه عليّ المحاجم وقال الله عز وجل: «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» فهذه أجمل استعارة وأحسنها وكلام العرب جاء عليها فما يكون أن قال أبو تمام: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي أما ابن الأثير فيقول في كتابه «المثل السائر» : «وقد عيب عليه قوله: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي وقيل: انه جعل للملام ماء وذلك تشبيه بعيد وما بهذا التشبيه عندي من بأس بل هو من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم وهو قريب من وجه، بعيد من وجه، أما سبب قربه فهو ان الملام هو القول الذي يعنف به الملوم لأمر جناه وذاك مختص بالسمع فنقله أبو تمام إلى السقيا التي هي مختصة بالحلق كأنه قال لا تذقني الملام ولو تهيأ له ذلك مع وزن الشعر لكان تنبيها حسنا ولكنه جاء بذكر الماء فحط من درجته شيئا ولما كان السمع يتجرع الماء أولا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به وهو تشبيه معنى بصورة. وأما سبب بعد هذا التشبيه فهو أن الماء مستلذّ والملام مستكره فحصل بينهما مخالفة من هذا الوجه فهذا التشبيه إن بعد من وجه فقد قرب من وجه فيغفر هذا لهذا ولذلك جعلته من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم، وقد روي أن بعض أهل المجانة أرسل إلى أبي تمام قارورة وقال: ابعث في هذه شيئا من ماء الملام فأرسل اليه أبو تمام وقال: إذا بعثت إليّ ريشة من جناح الذل بعثت إليك شيئا من ماء الملام، وما كان أبو تمام ليذهب عليه الفرق بين هذين التشبيهين فانه ليس جعل الجناح للذل كجعله الماء للملام، فإن الجناح للذل مناسب وذاك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط جناحه وخفضه وألقى نفسه على الأرض وللانسان أيضا جناح فإن يديه جناحاه وإذا خضع واستكان طأطأ من رأسه وخفض من يديه فحسن عند ذلك جعل الجناح للذل وصار تشبيها مناسبا وأما الماء للملام فليس كذلك في مناسبة التشبيه» . هذا ما أورده الصولي وابن الأثير وقد عقب عليهما كثير من نقاد القرن الرابع الهجري ووفقوا منهما بين مؤيد ومعاكس فأخذ الآمدي برأي الصولي في كتابه الموازنة ولكن على أساس آخر من الفهم وعاب على أبي تمام استعماله استعارات شبيهة بماء الملام قال: «فمن مرذول ألفاظه وقبيح استعاراته قوله: يا دهر قوّمّ أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك وقال: سأشكر فرجة الليت الرخي ... ولين أخادع الدهر الأبي وقال: أنزلته الأيام عن ظهرها ... من بعد إثبات رجله في الركاب وقال: كأنني حين جردت الرجاء له ... غضّا صببت به ماء على الزمن ثم قال: «وأشباه هذا مما إذا تتبعته في شعره وجدته فجعل كما ترى مع غثاثة هذه الألفاظ للدهر أخدعا ويدا تقطع من الزند وكأنه يصرع ويحل ويشرق بالكرام ويبتسم وان الأيام تنزلع والزمان أبلق وجعل للممدوح يدا وجعل للأيام ظهرا يركب والزمان كأنه صب عليه ماء» ولننظر الآن في ماء الملام- عند أبي تمام- أهو تعبير طبيعي؟ أهو تعبير سائغ مستحسن؟ إن إطلاق الماء وإضافته إلى البكاء يثب بالذهن أولا إلى الصورة المباشرة المعروفة للماء الذي يشرب والماء في البحار والمحيطات والأنهار ثم ماء المطر ومجرد أن تنطلق كلمة بكاء يتضاءل المعنى الأول فجأة وينكمش إلى صورة جزئية هي بضع قطرات من الدمع ولكن على أية حال هناك صلة تجعل الصورة محتملة، أما ماء الملام فلا صلة البتة بين الماء والملام وإذا انطلقت كلمة ماء بمعانيها الاصلية والربطية ومعها كلمة الملام ومعانيها الربطية فلا يجمع بينهما صلة أو رابط مشترك من الصور الجزئية لذلك كان التعبير باردا مختلا لا يدل في الذهن على شيء لأنه لا صلة بين الملام والماء، أما ما احتج به الصولي من القرآن فلا يبرر ما اعتمده فإن كلمة السيئة اقترنت بكلمة الجزاء فأثارت معنى آخر مقابلا هو القصاص وقد سماه القرآن سيئة ولكن أصحاب البديع يحاولون الاستشهاد بالشاهد القرآني ليبرروا صناعة أبي تمام ومن نحا نحوه. ووجدت للسكاكي رأيا يستهجن فيه قول أبي تمام قال فيه: «إن الاستعارة التخييلية فيه منفكة عن الاستعارة بالكناية وصاحب الإيضاح يمنع الانفكاك فيه مستندا بأنه يجوز أن يكون قد شبه الملام بظرف شراب مكروه فيكون استعارة بالكناية واضافة الماء تخييلية أو انه تشبيه من قبيل لجين الماء لا استعارة قال: ووجه الشبه ان اللوم يسكن حرارة الغرام كما أن الماء يسكن غليل الأوام، وقال الفاضل الجلبي في حاشية المطول: فيه نظر لأن المناسب للعاشق أن يدعي أن حرارة غرامه لا تسكن بالملام ولا بشيء آخر فكيف يجعل ذلك وجه شبهه» اهـ كلامه. ورأيت في كتاب الكشكول للعاملي رأيا مطولا فيه ننقل خلاصته تتمة للبحث قال: إن للبيت محملا آخر كنت أظن اني لم أسبق اليه حتى رأيته في التبيان وهو أن يكون ماء الملام من قبيل المشاكلة لذكر ماء البكاء ولا تظن أن تأخر ذكر ماء البكاء يمنع المشاكلة فانهم حرصوا في قوله تعالى: «فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين» وان تسميته الزحف على البطن مشيا لمشاكلة ما بعده، وهذا الحمل إنما يتمشى على تقدير عدم صحة الحكاية المنقولة ثم أقول: هذا الحمل أولى مما ذكره صاحب الإيضاح فإن الوجهين اللذين ذكرهما في غاية البعد إذ لا دلالة في البيت على أن الماء مكروه كما قاله المحقق التفتازاني في المطول، والتشبيه لا يتم بدونه، وأما ما ذكره صاحب المثل السائر من أن وجه الشبه ان الملام قول يعنف به الملوم وهو مختص بالسمع فنقله أبو تمام إلى ما يختص بالحلق كأنه قال: لا تذقني الملام، ولما كان السمع يتجرع الملام أولا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به فهو وجه في غاية البعد أيضا كما لا يخفى، والعجب منه أن جعله قريبا وغاب عنه عدم الملاءمة بين الماء والملام، هذا وقد أجاب بعضهم عن نظر الفاضل الجلبي في كلام صاحب الإيضاح بأن تشبيه الشاعر الملام بالماء في تسكين نار الغرام إنما هو على وفق معتقد اللوام بأن حرارة غرام العشاق تسكن بورود الملام وليس ذلك على وفق معتقده فلعل معتقده أن نار الغرام تزيد بالملام قال أبو الشيص: أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوّم أو أن تلك النار لا يؤثر فيها الملام أصلا كما قال الآخر: جاءوا يرومون سلواني بلومهم ... عن الحبيب فراحوا مثلما جاءوا فقول الجلبي: لأن المناسب للعاشق إلى آخره غير جيد فان صاحب الإيضاح لم يقل إن التشبيه معتقد العاشق وعقب العاملي صاحب الكشكول على ذلك: إن ذكر صاحب الإيضاح الكراهة في الشراب صريح بأنه غير راض بهذا الجواب. 2- صورة مجسدّة لطاعة الوالدين: هذا ولا بد من التنويه بالصورة المجسدة التي رسمتها الآية لطاعة الوالدين وبرهما، ليتدبرها البنون ويكتنهوا سرها الخفي وقد أفصح عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بجلاء حين شكا إليه رجل أباه وانه يأخذ ماله فدعا به فاذا شيخ يتوكأ عصا فسأله فقال انه كان ضعيفا وأنا قوي وفقيرا وأنا غني فكنت لا أمنعه شيئا من مالي واليوم أنا ضعيف وهو قوي وأنا فقير وهو غني ويبخل علي بماله ثم التفت إلى ابنه منشدا: غذوتك مولودا وعلتك يافعا ... تعل بما أدني إليك وتنهل إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت ... لأجلك إلا ساهرا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيني تهمل فلما بلغت السنّ والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم الم تفضل فليتك إذ لم ترع حقّ أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلا بكى ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك. وعن ابن عمر أنه رأى رجلا في الطواف يحمل أمه ويقول: إني لها مطية لا تذعر ... إذا الركاب نفرت لا تنفر ما حملت وأرضعتني أكثر ... الله ربي ذو الجلال أكبر تظنني جازيتها يا ابن عمر؟ قال: لا ولو زفرة واحدة. الفوائد: 1- القول في «أف» : اختلف النحاة في أسماء الأفعال هل هي ألفاظ نائبة عن الأفعال أو لمعانيها من الأحداث والأزمنة أو أسماء للمصادر النائبة عن الافعال أو هي أفعال والصحيح أنها أسماء أفعال وانها لا موضع لها من الاعراب وقد قدمنا أقسامها ونقول إن «أف» اسم فعل مضارع ومعناه أتضجر وفيه أربعون لغة وحاصلها أن الهمزة إما أن تكون مضمومة أو مكسورة أو مفتوحة فإن كانت مضمومة فاثنتان وعشرون لغة وحاصل ضبطها انها إما مجردة عن اللواحق أو ملحقة بزائد والمجردة إما أن يكون آخرها ساكنا أو متحركا والمتحركة إما أن تكون مشددة أو مخففة وكل منهما مثلث الآخر مع التنوين وعدمه فهذه اثنتا عشرة والساكنة إما مشددة أو مخففة فهذه أربع عشرة واللواحق لها من الزوائد إما هاء السكت أو حرف المد فإن كان هاء السكت فالفاء مثلثة مشددة فهذه سبع عشرة وإن كان حرف مد فهو إما واو أو ياء أو ألف والفاء فيهن مشددة والألف إما مفخمة أو بالإمالة المحضة أو بين بين فهذه خمس أخرى مع السبع عشرة وإن كانت مكسورة فإحدى عشرة مثلثة الفاء مخففة مع التنوين وعدمه فهذه ست، وفتح الفاء وكسرها بالتشديد فيهما مع التنوين وعدمه، فهذه أربع لغات والحادية عشرة أفي بالإمالة وإن كانت مفتوحة فالفاء مشددة مع الفتح والكسر والتنوين وعدمه والخامسة أف بالسكون والسادسة أفي بالامالة والسابعة أفاه بهاء السكت فهذه السبع مكملة للأربعين وقد قرىء من هذه اللغات بسبع: ثلاث في المتواتر وأربع في الشواذ وقراءة حفص وهي قراءتنا أف بالكسر والتنوين مع التشديد. 2- لمحة في العقوق: ومما جاء في العقوق ما يروى عن جرير فقد كان أعق الناس بأبيه وكان بلال ابنه كذلك فراجع جرير بلالا في الكلام فقال له: الكاذب بيني وبينك.... أمه، فأقبلت أمه عليه وقالت: يا عدو الله تقول هذا لأبيك فقال جرير: دعيه فكأنه سمعها مني وأنا أقولها لأبي. وممن شهر عنه العقوق بوالديه الحطيئة الشاعر المخضرم قال يهجو أباه: فنعم الشيخ أنت لدى المخازي ... وبئس الشيخ أنت لدى الفعال جمعت اللؤم لا حيّاك ربي ... وأبواب السفاهة والضلال وقال يهجو أمه: لحاك الله ثم لحاك أما ... ولقاك العقوق من البنينا أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا وممن هجا أباه علي بن بسام، قال في أبيه: هيك عمرت عمر عشرين نسرا ... أترى أنني أموت وتبقى؟ فلئن عشت بعد موتك يوما ... لأشقّنّ جيب مالك شقّا وقال فيه أيضا: بنى أبو جعفر دارا فشيدها ... ومثله لخيار الدور بنّاء فالجوع داخلها والذل خارجها ... وفي جوانبها بؤس وضراء ما ينفع الدار من تشييد حائطها ... وليس داخلها خبز ولا ماء ولقد كذب، كان أبو جعفر محمد بن منصور بن بسام في نهاية السؤدد والمروءة والنظافة، كان رجلا مترفا نبيل المركب مليح الملبس له همة في تشييد البنيان وما رثاه به ابن الرومي يدل على كذب ابنه، قال ابن الرومي فيه: أودى محمد بن نصر بعد ما ... ضربت به في جوده الأمثال ملك تنافست العلا في عمره ... وتنافست في موته الآجال من لم يعاين سير نعش محمد ... لم يدر كيف تسير الأ جيال وذخرته للدهر أعلم أنه ... كالحصن فيه لمن يئول مآل وتستعت نفسي بروح رجائه ... زمنا طويلا والتمتع مال ورأيته كالشمس إن هي لم تنل ... فالرفق منها والضياء ينال بالله أقسم ان عمرك ما انقضى ... حتى انقضى الإحسان والإجمال

الإسراء 17:24

الإعراب: (لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا) لا ناهية وتجعل فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت ومع الله ظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وإلها مفعول تجعل الأول وآخر صفة، فتقعد: الفاء فاء السببية وتقعد فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والفاعل مستتر تقديره أنت ومذموما حال ومخذولا حال ثانية وسيأتي ما في تقعد من أقوال. (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان منزلة الوالدين ووجوب معاملتهما من قبل الأبناء معاملة لائقة وقضى ربك فعل وفاعل ومعنى قضى أمر أمرا قاطعا وقيل أوصى و «أن» يحتمل أن تكون مصدرية فلا نافية وتعبدوا منصوب بها والمصدر منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بقضى وقيل مفسرة لأن قضى فيه معنى القول دون حروفه أو مخففة من الثقيلة فلا على الحالين ناهية وتعبدوا مجزوم بها وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وإلا أداة حصر وإياه مفعول وبالوالدين جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره وأحسنوا، وإحسانا مفعول مطلق ناصبه الفعل المحذوف، وإنما علقناهما بالفعل المحذوف لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما) إن شرطية زيدت عليها ما تأكيدا لها ويبلغن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في محل جزم فعل الشرط وعندك ظرف متعلق بمحذوف حال وأحدهما فاعل يبلغن والميم والألف حرفان دالان على التثنية وأو حرف عطف وكلاهما عطف على أحدهما وعلامة رفعه الألف لأنه ملحق بالمثنى ومعنى عندك أي حالة كونهما في كفالتك يتولى منهما ما كانا يتوليان منه إبان الطفولة وفي ذلك منتهى التوصية باستعمال لين الجانب ودماثة الخلق معهما في هذه الحال. (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً) الفاء رابطة للجواب ولا ناهية وتقل فعل مضارع مجزوم بلا ولهما متعلقان بتقل وأف اسم فعل مضارع بمعنى التضجر وفاعله مستتر تقديره أنا والجملة مقول القول وسيأتي تحقيق واسع في هذه الكلمة وفي أسماء الأفعال في باب الفوائد، ولا تنهرهما عطف على لا تقل لهما والنهر الزجر، وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولهما متعلقان بقل وقولا مفعول مطلق وكريما صفة. (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) واخفض لهما عطف على وقل لهما وجناح الذل مفعول به ومن الرحمة متعلقان بأخفض فمن للتعليل أي من أجل الرحمة أو الابتداء أي أن هذا الخفض ناشىء من الرحمة المركوزة في الطبع ولك أن تعلقها بمحذوف حال. (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً) وقل عطف على ما تقدم ورب منادى مضاف لياء المتكلم محذوف منه حرف النداء وارحمهما فعل دعاء وكما نعت لمصدر محذوف أي ارحمهما رحمة مثل تربيتهما لي أو رحمة مثل رحمتهما لي فتكون التربية بمعنى الرحمة وربياني فعل ماض والألف ضمير الاثنين فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به وصغيرا حال من الياء. (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ) ربكم مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وفي نفوسكم صلة ما. (إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً) الجملة حالية وإن شرطية وتكونوا فعل الشرط والواو اسمها وصالحين خبرها والفاء رابطة للجواب وإن اسمها وجملة كان خبرها وللأوابين أي التوابين متعلقان بغفورا، وغفورا خبر كان. البلاغة: 1- في قوله تعالى «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» استعارة شغلت علماء البيان وقد وعدناك أن تتحدث عن هذه الاستعارة مطولا فلنبحث هذا الموضوع ولنورد ما قاله البيانيون في صددها: فهي استعارة مكنية لأن إثبات الجناح للذل يخيل للسامع أن ثمة جناحا يخفض والمراد ألن لهما جانبك، وتواضع لهما تواضعا يلصقك بالتراب، والجامع بين هذه الاستعارة والحقيقة أن الجناح الحقيقي في أحد جانبي الطائر وان الطائر إذا خفض جناحه وهو الذي به يتقوى وينهض، انحط إلى الأرض وأسف إلى الحضيض ولصق بالتراب فالاستعارة مكنية إذ شبهت إلانة الجانب بخفض الجناح بجامع العطف والرقة وهذه أجمل استعارة وأحسنها وكلام العرب جاء عليها. وذكر الصولي في كتابه أخبار أبي تمام: وعابوا عليه- أي على أبي تمام- قوله: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي فقالوا ما معنى ماء الملام؟ وهم يقولون: كلام كثير الماء وما أكثر ماء شعر الأخطل، قاله يونس بن حبيب ويقولون: ماء الصبابة وماء الهوى يريدون الدمع. قال ذو الرمة: أأن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم وقال أيضا: أدارا بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق وقال عبد الصمد- وهو محسن عند من يطعن على أبي تمام: أي ماء لماء وجهك يبقى ... بعد ذل الهوى وذل السؤال فصير لماء الوجه ماء، وقالوا ماء الشباب يجول في وجناته، فما يكون أن استعار أبو تمام من هذا كله حرفا فجاء به في صدر بيته لما قال في آخر بيته: «فانني صب قد استعذبت ماء بكائي» قال في أوله: لا تسقني ماء الملام، وقد تحمل العرب اللفظ على اللفظ فيما لا يستوي معناه قال الله عز وجل: «وجزاء سيئة سيئة مثلها» والسيئة الثانية ليست بسيئة لأنها مجازاة ولكنه لما قال: وجزاء سيئة قال: سيئة فحمل على اللفظ وكذلك «ومكروا ومكر الله» وكذلك: «فبشرهم بعذاب أليم» لما قال بشر هؤلاء بالجنة قال: بشر هؤلاء بالعذاب، والبشارة انما تكون في الخير لا في الشر فحمل اللفظ على اللفظ ويقال: إنما قيل لها البشارة لأنها تبسط الوجه فأما الشر والكراهة فانهما يقبضانه، وقال الأعشى: يزيد بغضّ الطرف دوني كأنما ... زوى بين عينيه عليّ المحاجم وقال الله عز وجل: «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» فهذه أجمل استعارة وأحسنها وكلام العرب جاء عليها فما يكون أن قال أبو تمام: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي أما ابن الأثير فيقول في كتابه «المثل السائر» : «وقد عيب عليه قوله: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي وقيل: انه جعل للملام ماء وذلك تشبيه بعيد وما بهذا التشبيه عندي من بأس بل هو من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم وهو قريب من وجه، بعيد من وجه، أما سبب قربه فهو ان الملام هو القول الذي يعنف به الملوم لأمر جناه وذاك مختص بالسمع فنقله أبو تمام إلى السقيا التي هي مختصة بالحلق كأنه قال لا تذقني الملام ولو تهيأ له ذلك مع وزن الشعر لكان تنبيها حسنا ولكنه جاء بذكر الماء فحط من درجته شيئا ولما كان السمع يتجرع الماء أولا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به وهو تشبيه معنى بصورة. وأما سبب بعد هذا التشبيه فهو أن الماء مستلذّ والملام مستكره فحصل بينهما مخالفة من هذا الوجه فهذا التشبيه إن بعد من وجه فقد قرب من وجه فيغفر هذا لهذا ولذلك جعلته من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم، وقد روي أن بعض أهل المجانة أرسل إلى أبي تمام قارورة وقال: ابعث في هذه شيئا من ماء الملام فأرسل اليه أبو تمام وقال: إذا بعثت إليّ ريشة من جناح الذل بعثت إليك شيئا من ماء الملام، وما كان أبو تمام ليذهب عليه الفرق بين هذين التشبيهين فانه ليس جعل الجناح للذل كجعله الماء للملام، فإن الجناح للذل مناسب وذاك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط جناحه وخفضه وألقى نفسه على الأرض وللانسان أيضا جناح فإن يديه جناحاه وإذا خضع واستكان طأطأ من رأسه وخفض من يديه فحسن عند ذلك جعل الجناح للذل وصار تشبيها مناسبا وأما الماء للملام فليس كذلك في مناسبة التشبيه» . هذا ما أورده الصولي وابن الأثير وقد عقب عليهما كثير من نقاد القرن الرابع الهجري ووفقوا منهما بين مؤيد ومعاكس فأخذ الآمدي برأي الصولي في كتابه الموازنة ولكن على أساس آخر من الفهم وعاب على أبي تمام استعماله استعارات شبيهة بماء الملام قال: «فمن مرذول ألفاظه وقبيح استعاراته قوله: يا دهر قوّمّ أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك وقال: سأشكر فرجة الليت الرخي ... ولين أخادع الدهر الأبي وقال: أنزلته الأيام عن ظهرها ... من بعد إثبات رجله في الركاب وقال: كأنني حين جردت الرجاء له ... غضّا صببت به ماء على الزمن ثم قال: «وأشباه هذا مما إذا تتبعته في شعره وجدته فجعل كما ترى مع غثاثة هذه الألفاظ للدهر أخدعا ويدا تقطع من الزند وكأنه يصرع ويحل ويشرق بالكرام ويبتسم وان الأيام تنزلع والزمان أبلق وجعل للممدوح يدا وجعل للأيام ظهرا يركب والزمان كأنه صب عليه ماء» ولننظر الآن في ماء الملام- عند أبي تمام- أهو تعبير طبيعي؟ أهو تعبير سائغ مستحسن؟ إن إطلاق الماء وإضافته إلى البكاء يثب بالذهن أولا إلى الصورة المباشرة المعروفة للماء الذي يشرب والماء في البحار والمحيطات والأنهار ثم ماء المطر ومجرد أن تنطلق كلمة بكاء يتضاءل المعنى الأول فجأة وينكمش إلى صورة جزئية هي بضع قطرات من الدمع ولكن على أية حال هناك صلة تجعل الصورة محتملة، أما ماء الملام فلا صلة البتة بين الماء والملام وإذا انطلقت كلمة ماء بمعانيها الاصلية والربطية ومعها كلمة الملام ومعانيها الربطية فلا يجمع بينهما صلة أو رابط مشترك من الصور الجزئية لذلك كان التعبير باردا مختلا لا يدل في الذهن على شيء لأنه لا صلة بين الملام والماء، أما ما احتج به الصولي من القرآن فلا يبرر ما اعتمده فإن كلمة السيئة اقترنت بكلمة الجزاء فأثارت معنى آخر مقابلا هو القصاص وقد سماه القرآن سيئة ولكن أصحاب البديع يحاولون الاستشهاد بالشاهد القرآني ليبرروا صناعة أبي تمام ومن نحا نحوه. ووجدت للسكاكي رأيا يستهجن فيه قول أبي تمام قال فيه: «إن الاستعارة التخييلية فيه منفكة عن الاستعارة بالكناية وصاحب الإيضاح يمنع الانفكاك فيه مستندا بأنه يجوز أن يكون قد شبه الملام بظرف شراب مكروه فيكون استعارة بالكناية واضافة الماء تخييلية أو انه تشبيه من قبيل لجين الماء لا استعارة قال: ووجه الشبه ان اللوم يسكن حرارة الغرام كما أن الماء يسكن غليل الأوام، وقال الفاضل الجلبي في حاشية المطول: فيه نظر لأن المناسب للعاشق أن يدعي أن حرارة غرامه لا تسكن بالملام ولا بشيء آخر فكيف يجعل ذلك وجه شبهه» اهـ كلامه. ورأيت في كتاب الكشكول للعاملي رأيا مطولا فيه ننقل خلاصته تتمة للبحث قال: إن للبيت محملا آخر كنت أظن اني لم أسبق اليه حتى رأيته في التبيان وهو أن يكون ماء الملام من قبيل المشاكلة لذكر ماء البكاء ولا تظن أن تأخر ذكر ماء البكاء يمنع المشاكلة فانهم حرصوا في قوله تعالى: «فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين» وان تسميته الزحف على البطن مشيا لمشاكلة ما بعده، وهذا الحمل إنما يتمشى على تقدير عدم صحة الحكاية المنقولة ثم أقول: هذا الحمل أولى مما ذكره صاحب الإيضاح فإن الوجهين اللذين ذكرهما في غاية البعد إذ لا دلالة في البيت على أن الماء مكروه كما قاله المحقق التفتازاني في المطول، والتشبيه لا يتم بدونه، وأما ما ذكره صاحب المثل السائر من أن وجه الشبه ان الملام قول يعنف به الملوم وهو مختص بالسمع فنقله أبو تمام إلى ما يختص بالحلق كأنه قال: لا تذقني الملام، ولما كان السمع يتجرع الملام أولا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به فهو وجه في غاية البعد أيضا كما لا يخفى، والعجب منه أن جعله قريبا وغاب عنه عدم الملاءمة بين الماء والملام، هذا وقد أجاب بعضهم عن نظر الفاضل الجلبي في كلام صاحب الإيضاح بأن تشبيه الشاعر الملام بالماء في تسكين نار الغرام إنما هو على وفق معتقد اللوام بأن حرارة غرام العشاق تسكن بورود الملام وليس ذلك على وفق معتقده فلعل معتقده أن نار الغرام تزيد بالملام قال أبو الشيص: أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوّم أو أن تلك النار لا يؤثر فيها الملام أصلا كما قال الآخر: جاءوا يرومون سلواني بلومهم ... عن الحبيب فراحوا مثلما جاءوا فقول الجلبي: لأن المناسب للعاشق إلى آخره غير جيد فان صاحب الإيضاح لم يقل إن التشبيه معتقد العاشق وعقب العاملي صاحب الكشكول على ذلك: إن ذكر صاحب الإيضاح الكراهة في الشراب صريح بأنه غير راض بهذا الجواب. 2- صورة مجسدّة لطاعة الوالدين: هذا ولا بد من التنويه بالصورة المجسدة التي رسمتها الآية لطاعة الوالدين وبرهما، ليتدبرها البنون ويكتنهوا سرها الخفي وقد أفصح عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بجلاء حين شكا إليه رجل أباه وانه يأخذ ماله فدعا به فاذا شيخ يتوكأ عصا فسأله فقال انه كان ضعيفا وأنا قوي وفقيرا وأنا غني فكنت لا أمنعه شيئا من مالي واليوم أنا ضعيف وهو قوي وأنا فقير وهو غني ويبخل علي بماله ثم التفت إلى ابنه منشدا: غذوتك مولودا وعلتك يافعا ... تعل بما أدني إليك وتنهل إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت ... لأجلك إلا ساهرا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيني تهمل فلما بلغت السنّ والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم الم تفضل فليتك إذ لم ترع حقّ أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلا بكى ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك. وعن ابن عمر أنه رأى رجلا في الطواف يحمل أمه ويقول: إني لها مطية لا تذعر ... إذا الركاب نفرت لا تنفر ما حملت وأرضعتني أكثر ... الله ربي ذو الجلال أكبر تظنني جازيتها يا ابن عمر؟ قال: لا ولو زفرة واحدة. الفوائد: 1- القول في «أف» : اختلف النحاة في أسماء الأفعال هل هي ألفاظ نائبة عن الأفعال أو لمعانيها من الأحداث والأزمنة أو أسماء للمصادر النائبة عن الافعال أو هي أفعال والصحيح أنها أسماء أفعال وانها لا موضع لها من الاعراب وقد قدمنا أقسامها ونقول إن «أف» اسم فعل مضارع ومعناه أتضجر وفيه أربعون لغة وحاصلها أن الهمزة إما أن تكون مضمومة أو مكسورة أو مفتوحة فإن كانت مضمومة فاثنتان وعشرون لغة وحاصل ضبطها انها إما مجردة عن اللواحق أو ملحقة بزائد والمجردة إما أن يكون آخرها ساكنا أو متحركا والمتحركة إما أن تكون مشددة أو مخففة وكل منهما مثلث الآخر مع التنوين وعدمه فهذه اثنتا عشرة والساكنة إما مشددة أو مخففة فهذه أربع عشرة واللواحق لها من الزوائد إما هاء السكت أو حرف المد فإن كان هاء السكت فالفاء مثلثة مشددة فهذه سبع عشرة وإن كان حرف مد فهو إما واو أو ياء أو ألف والفاء فيهن مشددة والألف إما مفخمة أو بالإمالة المحضة أو بين بين فهذه خمس أخرى مع السبع عشرة وإن كانت مكسورة فإحدى عشرة مثلثة الفاء مخففة مع التنوين وعدمه فهذه ست، وفتح الفاء وكسرها بالتشديد فيهما مع التنوين وعدمه، فهذه أربع لغات والحادية عشرة أفي بالإمالة وإن كانت مفتوحة فالفاء مشددة مع الفتح والكسر والتنوين وعدمه والخامسة أف بالسكون والسادسة أفي بالامالة والسابعة أفاه بهاء السكت فهذه السبع مكملة للأربعين وقد قرىء من هذه اللغات بسبع: ثلاث في المتواتر وأربع في الشواذ وقراءة حفص وهي قراءتنا أف بالكسر والتنوين مع التشديد. 2- لمحة في العقوق: ومما جاء في العقوق ما يروى عن جرير فقد كان أعق الناس بأبيه وكان بلال ابنه كذلك فراجع جرير بلالا في الكلام فقال له: الكاذب بيني وبينك.... أمه، فأقبلت أمه عليه وقالت: يا عدو الله تقول هذا لأبيك فقال جرير: دعيه فكأنه سمعها مني وأنا أقولها لأبي. وممن شهر عنه العقوق بوالديه الحطيئة الشاعر المخضرم قال يهجو أباه: فنعم الشيخ أنت لدى المخازي ... وبئس الشيخ أنت لدى الفعال جمعت اللؤم لا حيّاك ربي ... وأبواب السفاهة والضلال وقال يهجو أمه: لحاك الله ثم لحاك أما ... ولقاك العقوق من البنينا أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا وممن هجا أباه علي بن بسام، قال في أبيه: هيك عمرت عمر عشرين نسرا ... أترى أنني أموت وتبقى؟ فلئن عشت بعد موتك يوما ... لأشقّنّ جيب مالك شقّا وقال فيه أيضا: بنى أبو جعفر دارا فشيدها ... ومثله لخيار الدور بنّاء فالجوع داخلها والذل خارجها ... وفي جوانبها بؤس وضراء ما ينفع الدار من تشييد حائطها ... وليس داخلها خبز ولا ماء ولقد كذب، كان أبو جعفر محمد بن منصور بن بسام في نهاية السؤدد والمروءة والنظافة، كان رجلا مترفا نبيل المركب مليح الملبس له همة في تشييد البنيان وما رثاه به ابن الرومي يدل على كذب ابنه، قال ابن الرومي فيه: أودى محمد بن نصر بعد ما ... ضربت به في جوده الأمثال ملك تنافست العلا في عمره ... وتنافست في موته الآجال من لم يعاين سير نعش محمد ... لم يدر كيف تسير الأ جيال وذخرته للدهر أعلم أنه ... كالحصن فيه لمن يئول مآل وتستعت نفسي بروح رجائه ... زمنا طويلا والتمتع مال ورأيته كالشمس إن هي لم تنل ... فالرفق منها والضياء ينال بالله أقسم ان عمرك ما انقضى ... حتى انقضى الإحسان والإجمال

الإسراء 17:25

الإعراب: (لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا) لا ناهية وتجعل فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت ومع الله ظرف متعلق بمحذوف مفعول تجعل الثاني وإلها مفعول تجعل الأول وآخر صفة، فتقعد: الفاء فاء السببية وتقعد فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والفاعل مستتر تقديره أنت ومذموما حال ومخذولا حال ثانية وسيأتي ما في تقعد من أقوال. (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان منزلة الوالدين ووجوب معاملتهما من قبل الأبناء معاملة لائقة وقضى ربك فعل وفاعل ومعنى قضى أمر أمرا قاطعا وقيل أوصى و «أن» يحتمل أن تكون مصدرية فلا نافية وتعبدوا منصوب بها والمصدر منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بقضى وقيل مفسرة لأن قضى فيه معنى القول دون حروفه أو مخففة من الثقيلة فلا على الحالين ناهية وتعبدوا مجزوم بها وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وإلا أداة حصر وإياه مفعول وبالوالدين جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره وأحسنوا، وإحسانا مفعول مطلق ناصبه الفعل المحذوف، وإنما علقناهما بالفعل المحذوف لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما) إن شرطية زيدت عليها ما تأكيدا لها ويبلغن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في محل جزم فعل الشرط وعندك ظرف متعلق بمحذوف حال وأحدهما فاعل يبلغن والميم والألف حرفان دالان على التثنية وأو حرف عطف وكلاهما عطف على أحدهما وعلامة رفعه الألف لأنه ملحق بالمثنى ومعنى عندك أي حالة كونهما في كفالتك يتولى منهما ما كانا يتوليان منه إبان الطفولة وفي ذلك منتهى التوصية باستعمال لين الجانب ودماثة الخلق معهما في هذه الحال. (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً) الفاء رابطة للجواب ولا ناهية وتقل فعل مضارع مجزوم بلا ولهما متعلقان بتقل وأف اسم فعل مضارع بمعنى التضجر وفاعله مستتر تقديره أنا والجملة مقول القول وسيأتي تحقيق واسع في هذه الكلمة وفي أسماء الأفعال في باب الفوائد، ولا تنهرهما عطف على لا تقل لهما والنهر الزجر، وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولهما متعلقان بقل وقولا مفعول مطلق وكريما صفة. (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) واخفض لهما عطف على وقل لهما وجناح الذل مفعول به ومن الرحمة متعلقان بأخفض فمن للتعليل أي من أجل الرحمة أو الابتداء أي أن هذا الخفض ناشىء من الرحمة المركوزة في الطبع ولك أن تعلقها بمحذوف حال. (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً) وقل عطف على ما تقدم ورب منادى مضاف لياء المتكلم محذوف منه حرف النداء وارحمهما فعل دعاء وكما نعت لمصدر محذوف أي ارحمهما رحمة مثل تربيتهما لي أو رحمة مثل رحمتهما لي فتكون التربية بمعنى الرحمة وربياني فعل ماض والألف ضمير الاثنين فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به وصغيرا حال من الياء. (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ) ربكم مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وفي نفوسكم صلة ما. (إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً) الجملة حالية وإن شرطية وتكونوا فعل الشرط والواو اسمها وصالحين خبرها والفاء رابطة للجواب وإن اسمها وجملة كان خبرها وللأوابين أي التوابين متعلقان بغفورا، وغفورا خبر كان. البلاغة: 1- في قوله تعالى «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» استعارة شغلت علماء البيان وقد وعدناك أن تتحدث عن هذه الاستعارة مطولا فلنبحث هذا الموضوع ولنورد ما قاله البيانيون في صددها: فهي استعارة مكنية لأن إثبات الجناح للذل يخيل للسامع أن ثمة جناحا يخفض والمراد ألن لهما جانبك، وتواضع لهما تواضعا يلصقك بالتراب، والجامع بين هذه الاستعارة والحقيقة أن الجناح الحقيقي في أحد جانبي الطائر وان الطائر إذا خفض جناحه وهو الذي به يتقوى وينهض، انحط إلى الأرض وأسف إلى الحضيض ولصق بالتراب فالاستعارة مكنية إذ شبهت إلانة الجانب بخفض الجناح بجامع العطف والرقة وهذه أجمل استعارة وأحسنها وكلام العرب جاء عليها. وذكر الصولي في كتابه أخبار أبي تمام: وعابوا عليه- أي على أبي تمام- قوله: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي فقالوا ما معنى ماء الملام؟ وهم يقولون: كلام كثير الماء وما أكثر ماء شعر الأخطل، قاله يونس بن حبيب ويقولون: ماء الصبابة وماء الهوى يريدون الدمع. قال ذو الرمة: أأن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم وقال أيضا: أدارا بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق وقال عبد الصمد- وهو محسن عند من يطعن على أبي تمام: أي ماء لماء وجهك يبقى ... بعد ذل الهوى وذل السؤال فصير لماء الوجه ماء، وقالوا ماء الشباب يجول في وجناته، فما يكون أن استعار أبو تمام من هذا كله حرفا فجاء به في صدر بيته لما قال في آخر بيته: «فانني صب قد استعذبت ماء بكائي» قال في أوله: لا تسقني ماء الملام، وقد تحمل العرب اللفظ على اللفظ فيما لا يستوي معناه قال الله عز وجل: «وجزاء سيئة سيئة مثلها» والسيئة الثانية ليست بسيئة لأنها مجازاة ولكنه لما قال: وجزاء سيئة قال: سيئة فحمل على اللفظ وكذلك «ومكروا ومكر الله» وكذلك: «فبشرهم بعذاب أليم» لما قال بشر هؤلاء بالجنة قال: بشر هؤلاء بالعذاب، والبشارة انما تكون في الخير لا في الشر فحمل اللفظ على اللفظ ويقال: إنما قيل لها البشارة لأنها تبسط الوجه فأما الشر والكراهة فانهما يقبضانه، وقال الأعشى: يزيد بغضّ الطرف دوني كأنما ... زوى بين عينيه عليّ المحاجم وقال الله عز وجل: «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» فهذه أجمل استعارة وأحسنها وكلام العرب جاء عليها فما يكون أن قال أبو تمام: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي أما ابن الأثير فيقول في كتابه «المثل السائر» : «وقد عيب عليه قوله: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي وقيل: انه جعل للملام ماء وذلك تشبيه بعيد وما بهذا التشبيه عندي من بأس بل هو من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم وهو قريب من وجه، بعيد من وجه، أما سبب قربه فهو ان الملام هو القول الذي يعنف به الملوم لأمر جناه وذاك مختص بالسمع فنقله أبو تمام إلى السقيا التي هي مختصة بالحلق كأنه قال لا تذقني الملام ولو تهيأ له ذلك مع وزن الشعر لكان تنبيها حسنا ولكنه جاء بذكر الماء فحط من درجته شيئا ولما كان السمع يتجرع الماء أولا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به وهو تشبيه معنى بصورة. وأما سبب بعد هذا التشبيه فهو أن الماء مستلذّ والملام مستكره فحصل بينهما مخالفة من هذا الوجه فهذا التشبيه إن بعد من وجه فقد قرب من وجه فيغفر هذا لهذا ولذلك جعلته من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم، وقد روي أن بعض أهل المجانة أرسل إلى أبي تمام قارورة وقال: ابعث في هذه شيئا من ماء الملام فأرسل اليه أبو تمام وقال: إذا بعثت إليّ ريشة من جناح الذل بعثت إليك شيئا من ماء الملام، وما كان أبو تمام ليذهب عليه الفرق بين هذين التشبيهين فانه ليس جعل الجناح للذل كجعله الماء للملام، فإن الجناح للذل مناسب وذاك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط جناحه وخفضه وألقى نفسه على الأرض وللانسان أيضا جناح فإن يديه جناحاه وإذا خضع واستكان طأطأ من رأسه وخفض من يديه فحسن عند ذلك جعل الجناح للذل وصار تشبيها مناسبا وأما الماء للملام فليس كذلك في مناسبة التشبيه» . هذا ما أورده الصولي وابن الأثير وقد عقب عليهما كثير من نقاد القرن الرابع الهجري ووفقوا منهما بين مؤيد ومعاكس فأخذ الآمدي برأي الصولي في كتابه الموازنة ولكن على أساس آخر من الفهم وعاب على أبي تمام استعماله استعارات شبيهة بماء الملام قال: «فمن مرذول ألفاظه وقبيح استعاراته قوله: يا دهر قوّمّ أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك وقال: سأشكر فرجة الليت الرخي ... ولين أخادع الدهر الأبي وقال: أنزلته الأيام عن ظهرها ... من بعد إثبات رجله في الركاب وقال: كأنني حين جردت الرجاء له ... غضّا صببت به ماء على الزمن ثم قال: «وأشباه هذا مما إذا تتبعته في شعره وجدته فجعل كما ترى مع غثاثة هذه الألفاظ للدهر أخدعا ويدا تقطع من الزند وكأنه يصرع ويحل ويشرق بالكرام ويبتسم وان الأيام تنزلع والزمان أبلق وجعل للممدوح يدا وجعل للأيام ظهرا يركب والزمان كأنه صب عليه ماء» ولننظر الآن في ماء الملام- عند أبي تمام- أهو تعبير طبيعي؟ أهو تعبير سائغ مستحسن؟ إن إطلاق الماء وإضافته إلى البكاء يثب بالذهن أولا إلى الصورة المباشرة المعروفة للماء الذي يشرب والماء في البحار والمحيطات والأنهار ثم ماء المطر ومجرد أن تنطلق كلمة بكاء يتضاءل المعنى الأول فجأة وينكمش إلى صورة جزئية هي بضع قطرات من الدمع ولكن على أية حال هناك صلة تجعل الصورة محتملة، أما ماء الملام فلا صلة البتة بين الماء والملام وإذا انطلقت كلمة ماء بمعانيها الاصلية والربطية ومعها كلمة الملام ومعانيها الربطية فلا يجمع بينهما صلة أو رابط مشترك من الصور الجزئية لذلك كان التعبير باردا مختلا لا يدل في الذهن على شيء لأنه لا صلة بين الملام والماء، أما ما احتج به الصولي من القرآن فلا يبرر ما اعتمده فإن كلمة السيئة اقترنت بكلمة الجزاء فأثارت معنى آخر مقابلا هو القصاص وقد سماه القرآن سيئة ولكن أصحاب البديع يحاولون الاستشهاد بالشاهد القرآني ليبرروا صناعة أبي تمام ومن نحا نحوه. ووجدت للسكاكي رأيا يستهجن فيه قول أبي تمام قال فيه: «إن الاستعارة التخييلية فيه منفكة عن الاستعارة بالكناية وصاحب الإيضاح يمنع الانفكاك فيه مستندا بأنه يجوز أن يكون قد شبه الملام بظرف شراب مكروه فيكون استعارة بالكناية واضافة الماء تخييلية أو انه تشبيه من قبيل لجين الماء لا استعارة قال: ووجه الشبه ان اللوم يسكن حرارة الغرام كما أن الماء يسكن غليل الأوام، وقال الفاضل الجلبي في حاشية المطول: فيه نظر لأن المناسب للعاشق أن يدعي أن حرارة غرامه لا تسكن بالملام ولا بشيء آخر فكيف يجعل ذلك وجه شبهه» اهـ كلامه. ورأيت في كتاب الكشكول للعاملي رأيا مطولا فيه ننقل خلاصته تتمة للبحث قال: إن للبيت محملا آخر كنت أظن اني لم أسبق اليه حتى رأيته في التبيان وهو أن يكون ماء الملام من قبيل المشاكلة لذكر ماء البكاء ولا تظن أن تأخر ذكر ماء البكاء يمنع المشاكلة فانهم حرصوا في قوله تعالى: «فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين» وان تسميته الزحف على البطن مشيا لمشاكلة ما بعده، وهذا الحمل إنما يتمشى على تقدير عدم صحة الحكاية المنقولة ثم أقول: هذا الحمل أولى مما ذكره صاحب الإيضاح فإن الوجهين اللذين ذكرهما في غاية البعد إذ لا دلالة في البيت على أن الماء مكروه كما قاله المحقق التفتازاني في المطول، والتشبيه لا يتم بدونه، وأما ما ذكره صاحب المثل السائر من أن وجه الشبه ان الملام قول يعنف به الملوم وهو مختص بالسمع فنقله أبو تمام إلى ما يختص بالحلق كأنه قال: لا تذقني الملام، ولما كان السمع يتجرع الملام أولا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به فهو وجه في غاية البعد أيضا كما لا يخفى، والعجب منه أن جعله قريبا وغاب عنه عدم الملاءمة بين الماء والملام، هذا وقد أجاب بعضهم عن نظر الفاضل الجلبي في كلام صاحب الإيضاح بأن تشبيه الشاعر الملام بالماء في تسكين نار الغرام إنما هو على وفق معتقد اللوام بأن حرارة غرام العشاق تسكن بورود الملام وليس ذلك على وفق معتقده فلعل معتقده أن نار الغرام تزيد بالملام قال أبو الشيص: أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوّم أو أن تلك النار لا يؤثر فيها الملام أصلا كما قال الآخر: جاءوا يرومون سلواني بلومهم ... عن الحبيب فراحوا مثلما جاءوا فقول الجلبي: لأن المناسب للعاشق إلى آخره غير جيد فان صاحب الإيضاح لم يقل إن التشبيه معتقد العاشق وعقب العاملي صاحب الكشكول على ذلك: إن ذكر صاحب الإيضاح الكراهة في الشراب صريح بأنه غير راض بهذا الجواب. 2- صورة مجسدّة لطاعة الوالدين: هذا ولا بد من التنويه بالصورة المجسدة التي رسمتها الآية لطاعة الوالدين وبرهما، ليتدبرها البنون ويكتنهوا سرها الخفي وقد أفصح عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بجلاء حين شكا إليه رجل أباه وانه يأخذ ماله فدعا به فاذا شيخ يتوكأ عصا فسأله فقال انه كان ضعيفا وأنا قوي وفقيرا وأنا غني فكنت لا أمنعه شيئا من مالي واليوم أنا ضعيف وهو قوي وأنا فقير وهو غني ويبخل علي بماله ثم التفت إلى ابنه منشدا: غذوتك مولودا وعلتك يافعا ... تعل بما أدني إليك وتنهل إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت ... لأجلك إلا ساهرا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيني تهمل فلما بلغت السنّ والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم الم تفضل فليتك إذ لم ترع حقّ أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلا بكى ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك. وعن ابن عمر أنه رأى رجلا في الطواف يحمل أمه ويقول: إني لها مطية لا تذعر ... إذا الركاب نفرت لا تنفر ما حملت وأرضعتني أكثر ... الله ربي ذو الجلال أكبر تظنني جازيتها يا ابن عمر؟ قال: لا ولو زفرة واحدة. الفوائد: 1- القول في «أف» : اختلف النحاة في أسماء الأفعال هل هي ألفاظ نائبة عن الأفعال أو لمعانيها من الأحداث والأزمنة أو أسماء للمصادر النائبة عن الافعال أو هي أفعال والصحيح أنها أسماء أفعال وانها لا موضع لها من الاعراب وقد قدمنا أقسامها ونقول إن «أف» اسم فعل مضارع ومعناه أتضجر وفيه أربعون لغة وحاصلها أن الهمزة إما أن تكون مضمومة أو مكسورة أو مفتوحة فإن كانت مضمومة فاثنتان وعشرون لغة وحاصل ضبطها انها إما مجردة عن اللواحق أو ملحقة بزائد والمجردة إما أن يكون آخرها ساكنا أو متحركا والمتحركة إما أن تكون مشددة أو مخففة وكل منهما مثلث الآخر مع التنوين وعدمه فهذه اثنتا عشرة والساكنة إما مشددة أو مخففة فهذه أربع عشرة واللواحق لها من الزوائد إما هاء السكت أو حرف المد فإن كان هاء السكت فالفاء مثلثة مشددة فهذه سبع عشرة وإن كان حرف مد فهو إما واو أو ياء أو ألف والفاء فيهن مشددة والألف إما مفخمة أو بالإمالة المحضة أو بين بين فهذه خمس أخرى مع السبع عشرة وإن كانت مكسورة فإحدى عشرة مثلثة الفاء مخففة مع التنوين وعدمه فهذه ست، وفتح الفاء وكسرها بالتشديد فيهما مع التنوين وعدمه، فهذه أربع لغات والحادية عشرة أفي بالإمالة وإن كانت مفتوحة فالفاء مشددة مع الفتح والكسر والتنوين وعدمه والخامسة أف بالسكون والسادسة أفي بالامالة والسابعة أفاه بهاء السكت فهذه السبع مكملة للأربعين وقد قرىء من هذه اللغات بسبع: ثلاث في المتواتر وأربع في الشواذ وقراءة حفص وهي قراءتنا أف بالكسر والتنوين مع التشديد. 2- لمحة في العقوق: ومما جاء في العقوق ما يروى عن جرير فقد كان أعق الناس بأبيه وكان بلال ابنه كذلك فراجع جرير بلالا في الكلام فقال له: الكاذب بيني وبينك.... أمه، فأقبلت أمه عليه وقالت: يا عدو الله تقول هذا لأبيك فقال جرير: دعيه فكأنه سمعها مني وأنا أقولها لأبي. وممن شهر عنه العقوق بوالديه الحطيئة الشاعر المخضرم قال يهجو أباه: فنعم الشيخ أنت لدى المخازي ... وبئس الشيخ أنت لدى الفعال جمعت اللؤم لا حيّاك ربي ... وأبواب السفاهة والضلال وقال يهجو أمه: لحاك الله ثم لحاك أما ... ولقاك العقوق من البنينا أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا وممن هجا أباه علي بن بسام، قال في أبيه: هيك عمرت عمر عشرين نسرا ... أترى أنني أموت وتبقى؟ فلئن عشت بعد موتك يوما ... لأشقّنّ جيب مالك شقّا وقال فيه أيضا: بنى أبو جعفر دارا فشيدها ... ومثله لخيار الدور بنّاء فالجوع داخلها والذل خارجها ... وفي جوانبها بؤس وضراء ما ينفع الدار من تشييد حائطها ... وليس داخلها خبز ولا ماء ولقد كذب، كان أبو جعفر محمد بن منصور بن بسام في نهاية السؤدد والمروءة والنظافة، كان رجلا مترفا نبيل المركب مليح الملبس له همة في تشييد البنيان وما رثاه به ابن الرومي يدل على كذب ابنه، قال ابن الرومي فيه: أودى محمد بن نصر بعد ما ... ضربت به في جوده الأمثال ملك تنافست العلا في عمره ... وتنافست في موته الآجال من لم يعاين سير نعش محمد ... لم يدر كيف تسير الأ جيال وذخرته للدهر أعلم أنه ... كالحصن فيه لمن يئول مآل وتستعت نفسي بروح رجائه ... زمنا طويلا والتمتع مال ورأيته كالشمس إن هي لم تنل ... فالرفق منها والضياء ينال بالله أقسم ان عمرك ما انقضى ... حتى انقضى الإحسان والإجمال

الإسراء 17:26

اللغة: (فَتَقْعُدَ) : فتصير وهو من المجاز قال في الأساس: «ومن المجاز فعد عن الأمر تركه وقعد له اهتم به وقعد يشتمني أقبل، وأرهف شفرته حتى قعدت كأنها حربة: صارت، وقال الدّيان الحارثي: لأصبحن ظالما حربا رباعية ... فاقعد لها ودعن عنك الأظانينا وتقاعد عن الأمر وتقعّد وما قعد به عن نيل المساعي وما تقعده وما أقعده إلا لؤم عنصره وقال: بنو المجد لم تقعد بهم أمهاتهم ... وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا (مَحْسُوراً) : منقطعا لا شيء عندك من حسره السفر إذا بلغ منه وفي المختار: والحسرة شدة التلهف على الشيء الفائت تقول حسر على الشيء من باب طرب وحسرة أيضا فهو حسير وحسّره غيره تحسيرا. (وَيَقْدِرُ) : يقال قدر عليه رزقه وقدّر قتر وضيق. (إِمْلاقٍ) : فقر وفاقة يقال أملق الرجل: أنفق ماله حتى افتقر ورجل مملق وقال أعرابي: قاتل الله النساء كم يتملقن العلل لكأنها تخرج من تحت أقدامهن أي يستخرجنها. (خِطْأً) : مصدر خطىء من باب علم. الإعراب: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً) وآت ذا القربى حقه: آت فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت وذا القربى مفعول به وحقه مفعول به ثان والمسكين وابن السبيل عطف على ذا القربى ولا ناهية وتبذر مضارع مجزوم بلا وتبذيرا مفعول مطلق. (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وإخوان الشياطين خبر كان أي أمثالهم والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم هو أخوهم والملازم للشيء هو أخ له فيقولون: فلان أخو الجود وأخو الكرم وأخو الشعر. (وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) الواو عاطفة أو حالية وكان واسمها ولربه متعلقان بكفورا، وكفورا خبر كان ولا بد من تقدير مضاف أي لنعم ربه وآلائه. (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً) وإما: إن شرطية وما زائدة وتعرضن فعل الشرط وهو في محل جزم والفاعل مستتر تقديره أنت وعنهم متعلقان بتعرضن وابتغاء رحمة مفعول من أجله ولك في ناصبه وجهان فإما أن تجعله فعل الشرط من وضع المسبب مكان السبب أي وان أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك فسمى الرزق رحمة فردهم ردا جميلا وإما أن تجعله جواب الشرط وقد تقدم عليه أي فقل لهم قولا كريما لينا وعدهم وعدا جميلا تطييبا لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك. ومن ربك صفة لرحمة وجملة ترجوها حال من رحمة أو صفة ثانية، فقل الفاء رابطة وقل فعل أمر ولهم متعلقان بقل وقولا مفعول مطلق وميسورا صفة. (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتجعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت ويدك مفعول تجعل الأول ومغلولة مفعول تجعل الثاني والى عنقك جار ومجرور متعلقان بمغلولة. (وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) ولا تبسطها عطف على لا تجعل وكل البسط مفعول مطلق فتقعد الفاء فاء السببية وتقعد مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء المسبوقة بالنهي وستأتي الشروط التي يجب أن تسبق هذه الفاء في باب الفوائد وفاعل تقعد مستتر تقديره أنت وملوما محسورا حالين أو تجعلهما خبرين لتقعد إذا ضمنتها معنى تصير. (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) ان واسمها وجملة يبسط خبرها والرزق مفعول به ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ويقدر عطف على يبسط وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وبعباده متعلقان بخبيرا بصيرا وهما خبر ان لكان. (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) لا ناهية وتقتلوا مجزوم بها وأولادكم مفعول به وخشية مفعول لأجله وإملاق مضاف إليه. (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً) نحن مبتدأ وجملة نرزقهم خبر وإياكم عطف على الهاء وإن واسمها وجملة كان خبر إن وخطئا خبر كان واسمها مستتر تقديره هو وكبيرا صفة لخطئا. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على طائفة من الحكم والأمثال وعلى أنواع من البلاغة نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة التمثيلية: في قوله تعالى «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط» استعارة تمثيلية لمنع الشحيح وإعطاء المسرف فقد شبه حال البخيل في امتناعه من الانفاق بحال من يده مغلولة إلى عنقه فهو لا يقدر على التصرف في شيء وشبه حال المسرف المبذر المتلاف بحال من يبسط يده كل البسط فلا يبقي على شيء في كفه ولا يدخر شيئا ينفعه في حال الحاجة ليخلص إلى نتيجة مجدية وهي التوسط بين الأمرين والاقتصاد الذي هو وسط بين الإسراف والتقتير، وقد طابق في الاستعارة بين بسط اليد وقبضها من حيث المعنى لأن جعل اليد مغلولة هو قبضها وغلّها أبلغ في القبض وقد رمق أبو تمام سماء هذا المعنى فقال في المعتصم: تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله 2- التغاير: في قوله تعالى «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم» وقد تقدم بحثه في سورة الانعام وفيه سر خفي بين ما جاء في سورة الاسراء وما جاء في سورة الانعام وهو قوله «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم» فجدد به عهدا ونضيف اليه الآن ان قتل الأولاد إن كان مبعثه خوف الفقر فهو من سوء الظن بالله واليأس من رحمته وإن كان مبعثه الغيرة على البنات فهو تدبير أرعن لا ينجم عنه إلا هدم المجتمع وتعطيل معالم الحياة. الفوائد: شروط النصب بأن بعد فاء السببية وواو المعية: لا تضمر أن بعد فاء السببية وواو المعية أيضا إلا بشرطين أساسيين وهما أن يسبقهما نفي أو طلب محضين ولا فرق في النفي بين أن يكون حرفا أو فعلا أو اسما أو تقليلا مرادا به النفي ومثال التقليل: قلما تأتينا فتحدثنا وأما الطلب فيشمل سبعة أمور وهي الأمر والنهي والدعاء والعرض والتحضيض والاستفهام والتمني فهذه سبعة مع النفي تصير ثمانية وزاد بعضهم الترجي وقد جمع هذه التسعة بقوله: مروانه وادع وسل عرض لحضّهم ... تمن وارج كذاك النفي قد كملا واحترزنا بقولنا «نفي أو طلب محضين» من النفي التالي تقريرا بالهمزة لأن التقرير اثبات ومن النفي المتلو بالنفي لأن نفي النفي اثبات ومن النفي المنتقض بإلا ومما يجب مراعاته قول جميل بن معمر العذري: ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق فينطق مرفوع وهو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي فهو ينطق والفاء استئنافية وليست للسببية كما أنها ليست للعطف إذ العطف يقتضي الجزم، ورجح ابن هشام في المغني أن تكون الفاء للعطف وان المعتمد بالعطف الجملة لا الفعل وحده وانما يقدر النحويون كلمة هو ليبينوا أن الفعل ليس المعتمد بالعطف قال «ومثله فإنما يقول له كن فيكون» أي فهو يكون حينئذ وقوله: الشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه زلت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه أي فهو يعجمه» . ونعود إلى بيت جميل فنقول: أورده سيبويه في كتابه وقال ما نصه: «لم يجعل الأول سبب الآخر ولكنه جعله ينطق على كل حال كأنه قال وهو مما ينطق كما يقال ائتني وأحدثك فجعل نفسه ممن يحدثه على كل حال وزعم يونس أنه سمع هذا البيت وانما كتبت ذلك لئلا يقول انسان فلعل الشاعر قال: إلا اهـ» وقال ابن النحاس: «تقرير معناه انك سألته فيقبح النصب لأن المعنى يكون انك ان تسأله ينطق» وقال الأعلم: الشاهد فيه رفع ينطق على الاستئناف والقطع على معنى فهو ينطق وإيجاب ذلك ولو أمكنه النصب على الجواب لكان أحسن. وقال الفراء: أي قد سألته فنطق ولو جعلته استفهاما وجعلت الفاء شرطا لنصبت كما قال آخر: ألم تسأل فتخبرك الديارا ... عن الحي المضلّل حيث سارا والجزم في هذا البيت جائز كما قال: فقلت له صوب ولا تجهدنه ... فيدرك من أخرى القطاة فتزلق فجعل الجواب بالفاء كالمنسوق على ما قبله. هذا ولأهمية هذا البيت وعناية العلماء به نقول انه مطلع قصيدة لجميل بن معمر العذري صاحب بثينة المشهور وبعده وهو من جيد الشعر: بمختلف الأرواح بين سويقة ... وأحدب كادت بعد عهدك تخلق أضرت بها النكباء كل عشية ... ونفح الصبا والوابل المتعبق وقفت بها حتى تجلت عمايتي ... ومل الوقوف الأرحبيّ الم نوّق وقال صديقي: إن ذا لصبابة ... ألا تزجر القلب اللجوج في لحق؟ تعزّ وإن كانت عليك كريمة ... لعلك من أسباب بثنة تعتق فقلت له: إن البعاد يشوقني ... وبعض بعاد البين والنأي أشوق والربع: المنزل، والقواء: القفر وجعله ناطقا للاعتبار بدروسه وتغيره ثم حقق وأخبر أنه لا يجيب ولا يخبر سائله لعدم وجود القاطنين به، البيداء القفر، والسملق: الأرض التي لا شيء فيها. ومما اختلف فيه وكان موضع الدقة قول عروة العذري صاحب عفراء: وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب قال سيبويه: «وسألت الخليل عن قول الشاعر: وما هو إلا أن أراها إلخ فقال: أنت في «فأبهت» بالخيار إن شئت حملتها على أن وإن شئت لم تحملها عليها فرفعت كأنك قلت ما هو إلا الرؤي فابهت» ومعنى ما أراده سيبويه أن النصب بالعطف على أن المراد المصدر والتقدير فما هو إلا الرؤية فأبهت والرفع على القطع والاستئناف والمعنى فاذا أنا مبهوت. وإنما أطلنا في هذا لأنه من الدقة بمكان فاعرفه وقس عليه.

الإسراء 17:27

اللغة: (فَتَقْعُدَ) : فتصير وهو من المجاز قال في الأساس: «ومن المجاز فعد عن الأمر تركه وقعد له اهتم به وقعد يشتمني أقبل، وأرهف شفرته حتى قعدت كأنها حربة: صارت، وقال الدّيان الحارثي: لأصبحن ظالما حربا رباعية ... فاقعد لها ودعن عنك الأظانينا وتقاعد عن الأمر وتقعّد وما قعد به عن نيل المساعي وما تقعده وما أقعده إلا لؤم عنصره وقال: بنو المجد لم تقعد بهم أمهاتهم ... وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا (مَحْسُوراً) : منقطعا لا شيء عندك من حسره السفر إذا بلغ منه وفي المختار: والحسرة شدة التلهف على الشيء الفائت تقول حسر على الشيء من باب طرب وحسرة أيضا فهو حسير وحسّره غيره تحسيرا. (وَيَقْدِرُ) : يقال قدر عليه رزقه وقدّر قتر وضيق. (إِمْلاقٍ) : فقر وفاقة يقال أملق الرجل: أنفق ماله حتى افتقر ورجل مملق وقال أعرابي: قاتل الله النساء كم يتملقن العلل لكأنها تخرج من تحت أقدامهن أي يستخرجنها. (خِطْأً) : مصدر خطىء من باب علم. الإعراب: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً) وآت ذا القربى حقه: آت فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت وذا القربى مفعول به وحقه مفعول به ثان والمسكين وابن السبيل عطف على ذا القربى ولا ناهية وتبذر مضارع مجزوم بلا وتبذيرا مفعول مطلق. (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وإخوان الشياطين خبر كان أي أمثالهم والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم هو أخوهم والملازم للشيء هو أخ له فيقولون: فلان أخو الجود وأخو الكرم وأخو الشعر. (وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) الواو عاطفة أو حالية وكان واسمها ولربه متعلقان بكفورا، وكفورا خبر كان ولا بد من تقدير مضاف أي لنعم ربه وآلائه. (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً) وإما: إن شرطية وما زائدة وتعرضن فعل الشرط وهو في محل جزم والفاعل مستتر تقديره أنت وعنهم متعلقان بتعرضن وابتغاء رحمة مفعول من أجله ولك في ناصبه وجهان فإما أن تجعله فعل الشرط من وضع المسبب مكان السبب أي وان أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك فسمى الرزق رحمة فردهم ردا جميلا وإما أن تجعله جواب الشرط وقد تقدم عليه أي فقل لهم قولا كريما لينا وعدهم وعدا جميلا تطييبا لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك. ومن ربك صفة لرحمة وجملة ترجوها حال من رحمة أو صفة ثانية، فقل الفاء رابطة وقل فعل أمر ولهم متعلقان بقل وقولا مفعول مطلق وميسورا صفة. (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتجعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت ويدك مفعول تجعل الأول ومغلولة مفعول تجعل الثاني والى عنقك جار ومجرور متعلقان بمغلولة. (وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) ولا تبسطها عطف على لا تجعل وكل البسط مفعول مطلق فتقعد الفاء فاء السببية وتقعد مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء المسبوقة بالنهي وستأتي الشروط التي يجب أن تسبق هذه الفاء في باب الفوائد وفاعل تقعد مستتر تقديره أنت وملوما محسورا حالين أو تجعلهما خبرين لتقعد إذا ضمنتها معنى تصير. (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) ان واسمها وجملة يبسط خبرها والرزق مفعول به ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ويقدر عطف على يبسط وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وبعباده متعلقان بخبيرا بصيرا وهما خبر ان لكان. (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) لا ناهية وتقتلوا مجزوم بها وأولادكم مفعول به وخشية مفعول لأجله وإملاق مضاف إليه. (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً) نحن مبتدأ وجملة نرزقهم خبر وإياكم عطف على الهاء وإن واسمها وجملة كان خبر إن وخطئا خبر كان واسمها مستتر تقديره هو وكبيرا صفة لخطئا. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على طائفة من الحكم والأمثال وعلى أنواع من البلاغة نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة التمثيلية: في قوله تعالى «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط» استعارة تمثيلية لمنع الشحيح وإعطاء المسرف فقد شبه حال البخيل في امتناعه من الانفاق بحال من يده مغلولة إلى عنقه فهو لا يقدر على التصرف في شيء وشبه حال المسرف المبذر المتلاف بحال من يبسط يده كل البسط فلا يبقي على شيء في كفه ولا يدخر شيئا ينفعه في حال الحاجة ليخلص إلى نتيجة مجدية وهي التوسط بين الأمرين والاقتصاد الذي هو وسط بين الإسراف والتقتير، وقد طابق في الاستعارة بين بسط اليد وقبضها من حيث المعنى لأن جعل اليد مغلولة هو قبضها وغلّها أبلغ في القبض وقد رمق أبو تمام سماء هذا المعنى فقال في المعتصم: تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله 2- التغاير: في قوله تعالى «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم» وقد تقدم بحثه في سورة الانعام وفيه سر خفي بين ما جاء في سورة الاسراء وما جاء في سورة الانعام وهو قوله «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم» فجدد به عهدا ونضيف اليه الآن ان قتل الأولاد إن كان مبعثه خوف الفقر فهو من سوء الظن بالله واليأس من رحمته وإن كان مبعثه الغيرة على البنات فهو تدبير أرعن لا ينجم عنه إلا هدم المجتمع وتعطيل معالم الحياة. الفوائد: شروط النصب بأن بعد فاء السببية وواو المعية: لا تضمر أن بعد فاء السببية وواو المعية أيضا إلا بشرطين أساسيين وهما أن يسبقهما نفي أو طلب محضين ولا فرق في النفي بين أن يكون حرفا أو فعلا أو اسما أو تقليلا مرادا به النفي ومثال التقليل: قلما تأتينا فتحدثنا وأما الطلب فيشمل سبعة أمور وهي الأمر والنهي والدعاء والعرض والتحضيض والاستفهام والتمني فهذه سبعة مع النفي تصير ثمانية وزاد بعضهم الترجي وقد جمع هذه التسعة بقوله: مروانه وادع وسل عرض لحضّهم ... تمن وارج كذاك النفي قد كملا واحترزنا بقولنا «نفي أو طلب محضين» من النفي التالي تقريرا بالهمزة لأن التقرير اثبات ومن النفي المتلو بالنفي لأن نفي النفي اثبات ومن النفي المنتقض بإلا ومما يجب مراعاته قول جميل بن معمر العذري: ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق فينطق مرفوع وهو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي فهو ينطق والفاء استئنافية وليست للسببية كما أنها ليست للعطف إذ العطف يقتضي الجزم، ورجح ابن هشام في المغني أن تكون الفاء للعطف وان المعتمد بالعطف الجملة لا الفعل وحده وانما يقدر النحويون كلمة هو ليبينوا أن الفعل ليس المعتمد بالعطف قال «ومثله فإنما يقول له كن فيكون» أي فهو يكون حينئذ وقوله: الشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه زلت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه أي فهو يعجمه» . ونعود إلى بيت جميل فنقول: أورده سيبويه في كتابه وقال ما نصه: «لم يجعل الأول سبب الآخر ولكنه جعله ينطق على كل حال كأنه قال وهو مما ينطق كما يقال ائتني وأحدثك فجعل نفسه ممن يحدثه على كل حال وزعم يونس أنه سمع هذا البيت وانما كتبت ذلك لئلا يقول انسان فلعل الشاعر قال: إلا اهـ» وقال ابن النحاس: «تقرير معناه انك سألته فيقبح النصب لأن المعنى يكون انك ان تسأله ينطق» وقال الأعلم: الشاهد فيه رفع ينطق على الاستئناف والقطع على معنى فهو ينطق وإيجاب ذلك ولو أمكنه النصب على الجواب لكان أحسن. وقال الفراء: أي قد سألته فنطق ولو جعلته استفهاما وجعلت الفاء شرطا لنصبت كما قال آخر: ألم تسأل فتخبرك الديارا ... عن الحي المضلّل حيث سارا والجزم في هذا البيت جائز كما قال: فقلت له صوب ولا تجهدنه ... فيدرك من أخرى القطاة فتزلق فجعل الجواب بالفاء كالمنسوق على ما قبله. هذا ولأهمية هذا البيت وعناية العلماء به نقول انه مطلع قصيدة لجميل بن معمر العذري صاحب بثينة المشهور وبعده وهو من جيد الشعر: بمختلف الأرواح بين سويقة ... وأحدب كادت بعد عهدك تخلق أضرت بها النكباء كل عشية ... ونفح الصبا والوابل المتعبق وقفت بها حتى تجلت عمايتي ... ومل الوقوف الأرحبيّ الم نوّق وقال صديقي: إن ذا لصبابة ... ألا تزجر القلب اللجوج في لحق؟ تعزّ وإن كانت عليك كريمة ... لعلك من أسباب بثنة تعتق فقلت له: إن البعاد يشوقني ... وبعض بعاد البين والنأي أشوق والربع: المنزل، والقواء: القفر وجعله ناطقا للاعتبار بدروسه وتغيره ثم حقق وأخبر أنه لا يجيب ولا يخبر سائله لعدم وجود القاطنين به، البيداء القفر، والسملق: الأرض التي لا شيء فيها. ومما اختلف فيه وكان موضع الدقة قول عروة العذري صاحب عفراء: وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب قال سيبويه: «وسألت الخليل عن قول الشاعر: وما هو إلا أن أراها إلخ فقال: أنت في «فأبهت» بالخيار إن شئت حملتها على أن وإن شئت لم تحملها عليها فرفعت كأنك قلت ما هو إلا الرؤي فابهت» ومعنى ما أراده سيبويه أن النصب بالعطف على أن المراد المصدر والتقدير فما هو إلا الرؤية فأبهت والرفع على القطع والاستئناف والمعنى فاذا أنا مبهوت. وإنما أطلنا في هذا لأنه من الدقة بمكان فاعرفه وقس عليه.

الإسراء 17:28

اللغة: (فَتَقْعُدَ) : فتصير وهو من المجاز قال في الأساس: «ومن المجاز فعد عن الأمر تركه وقعد له اهتم به وقعد يشتمني أقبل، وأرهف شفرته حتى قعدت كأنها حربة: صارت، وقال الدّيان الحارثي: لأصبحن ظالما حربا رباعية ... فاقعد لها ودعن عنك الأظانينا وتقاعد عن الأمر وتقعّد وما قعد به عن نيل المساعي وما تقعده وما أقعده إلا لؤم عنصره وقال: بنو المجد لم تقعد بهم أمهاتهم ... وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا (مَحْسُوراً) : منقطعا لا شيء عندك من حسره السفر إذا بلغ منه وفي المختار: والحسرة شدة التلهف على الشيء الفائت تقول حسر على الشيء من باب طرب وحسرة أيضا فهو حسير وحسّره غيره تحسيرا. (وَيَقْدِرُ) : يقال قدر عليه رزقه وقدّر قتر وضيق. (إِمْلاقٍ) : فقر وفاقة يقال أملق الرجل: أنفق ماله حتى افتقر ورجل مملق وقال أعرابي: قاتل الله النساء كم يتملقن العلل لكأنها تخرج من تحت أقدامهن أي يستخرجنها. (خِطْأً) : مصدر خطىء من باب علم. الإعراب: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً) وآت ذا القربى حقه: آت فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت وذا القربى مفعول به وحقه مفعول به ثان والمسكين وابن السبيل عطف على ذا القربى ولا ناهية وتبذر مضارع مجزوم بلا وتبذيرا مفعول مطلق. (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وإخوان الشياطين خبر كان أي أمثالهم والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم هو أخوهم والملازم للشيء هو أخ له فيقولون: فلان أخو الجود وأخو الكرم وأخو الشعر. (وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) الواو عاطفة أو حالية وكان واسمها ولربه متعلقان بكفورا، وكفورا خبر كان ولا بد من تقدير مضاف أي لنعم ربه وآلائه. (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً) وإما: إن شرطية وما زائدة وتعرضن فعل الشرط وهو في محل جزم والفاعل مستتر تقديره أنت وعنهم متعلقان بتعرضن وابتغاء رحمة مفعول من أجله ولك في ناصبه وجهان فإما أن تجعله فعل الشرط من وضع المسبب مكان السبب أي وان أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك فسمى الرزق رحمة فردهم ردا جميلا وإما أن تجعله جواب الشرط وقد تقدم عليه أي فقل لهم قولا كريما لينا وعدهم وعدا جميلا تطييبا لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك. ومن ربك صفة لرحمة وجملة ترجوها حال من رحمة أو صفة ثانية، فقل الفاء رابطة وقل فعل أمر ولهم متعلقان بقل وقولا مفعول مطلق وميسورا صفة. (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتجعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت ويدك مفعول تجعل الأول ومغلولة مفعول تجعل الثاني والى عنقك جار ومجرور متعلقان بمغلولة. (وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) ولا تبسطها عطف على لا تجعل وكل البسط مفعول مطلق فتقعد الفاء فاء السببية وتقعد مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء المسبوقة بالنهي وستأتي الشروط التي يجب أن تسبق هذه الفاء في باب الفوائد وفاعل تقعد مستتر تقديره أنت وملوما محسورا حالين أو تجعلهما خبرين لتقعد إذا ضمنتها معنى تصير. (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) ان واسمها وجملة يبسط خبرها والرزق مفعول به ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ويقدر عطف على يبسط وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وبعباده متعلقان بخبيرا بصيرا وهما خبر ان لكان. (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) لا ناهية وتقتلوا مجزوم بها وأولادكم مفعول به وخشية مفعول لأجله وإملاق مضاف إليه. (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً) نحن مبتدأ وجملة نرزقهم خبر وإياكم عطف على الهاء وإن واسمها وجملة كان خبر إن وخطئا خبر كان واسمها مستتر تقديره هو وكبيرا صفة لخطئا. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على طائفة من الحكم والأمثال وعلى أنواع من البلاغة نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة التمثيلية: في قوله تعالى «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط» استعارة تمثيلية لمنع الشحيح وإعطاء المسرف فقد شبه حال البخيل في امتناعه من الانفاق بحال من يده مغلولة إلى عنقه فهو لا يقدر على التصرف في شيء وشبه حال المسرف المبذر المتلاف بحال من يبسط يده كل البسط فلا يبقي على شيء في كفه ولا يدخر شيئا ينفعه في حال الحاجة ليخلص إلى نتيجة مجدية وهي التوسط بين الأمرين والاقتصاد الذي هو وسط بين الإسراف والتقتير، وقد طابق في الاستعارة بين بسط اليد وقبضها من حيث المعنى لأن جعل اليد مغلولة هو قبضها وغلّها أبلغ في القبض وقد رمق أبو تمام سماء هذا المعنى فقال في المعتصم: تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله 2- التغاير: في قوله تعالى «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم» وقد تقدم بحثه في سورة الانعام وفيه سر خفي بين ما جاء في سورة الاسراء وما جاء في سورة الانعام وهو قوله «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم» فجدد به عهدا ونضيف اليه الآن ان قتل الأولاد إن كان مبعثه خوف الفقر فهو من سوء الظن بالله واليأس من رحمته وإن كان مبعثه الغيرة على البنات فهو تدبير أرعن لا ينجم عنه إلا هدم المجتمع وتعطيل معالم الحياة. الفوائد: شروط النصب بأن بعد فاء السببية وواو المعية: لا تضمر أن بعد فاء السببية وواو المعية أيضا إلا بشرطين أساسيين وهما أن يسبقهما نفي أو طلب محضين ولا فرق في النفي بين أن يكون حرفا أو فعلا أو اسما أو تقليلا مرادا به النفي ومثال التقليل: قلما تأتينا فتحدثنا وأما الطلب فيشمل سبعة أمور وهي الأمر والنهي والدعاء والعرض والتحضيض والاستفهام والتمني فهذه سبعة مع النفي تصير ثمانية وزاد بعضهم الترجي وقد جمع هذه التسعة بقوله: مروانه وادع وسل عرض لحضّهم ... تمن وارج كذاك النفي قد كملا واحترزنا بقولنا «نفي أو طلب محضين» من النفي التالي تقريرا بالهمزة لأن التقرير اثبات ومن النفي المتلو بالنفي لأن نفي النفي اثبات ومن النفي المنتقض بإلا ومما يجب مراعاته قول جميل بن معمر العذري: ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق فينطق مرفوع وهو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي فهو ينطق والفاء استئنافية وليست للسببية كما أنها ليست للعطف إذ العطف يقتضي الجزم، ورجح ابن هشام في المغني أن تكون الفاء للعطف وان المعتمد بالعطف الجملة لا الفعل وحده وانما يقدر النحويون كلمة هو ليبينوا أن الفعل ليس المعتمد بالعطف قال «ومثله فإنما يقول له كن فيكون» أي فهو يكون حينئذ وقوله: الشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه زلت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه أي فهو يعجمه» . ونعود إلى بيت جميل فنقول: أورده سيبويه في كتابه وقال ما نصه: «لم يجعل الأول سبب الآخر ولكنه جعله ينطق على كل حال كأنه قال وهو مما ينطق كما يقال ائتني وأحدثك فجعل نفسه ممن يحدثه على كل حال وزعم يونس أنه سمع هذا البيت وانما كتبت ذلك لئلا يقول انسان فلعل الشاعر قال: إلا اهـ» وقال ابن النحاس: «تقرير معناه انك سألته فيقبح النصب لأن المعنى يكون انك ان تسأله ينطق» وقال الأعلم: الشاهد فيه رفع ينطق على الاستئناف والقطع على معنى فهو ينطق وإيجاب ذلك ولو أمكنه النصب على الجواب لكان أحسن. وقال الفراء: أي قد سألته فنطق ولو جعلته استفهاما وجعلت الفاء شرطا لنصبت كما قال آخر: ألم تسأل فتخبرك الديارا ... عن الحي المضلّل حيث سارا والجزم في هذا البيت جائز كما قال: فقلت له صوب ولا تجهدنه ... فيدرك من أخرى القطاة فتزلق فجعل الجواب بالفاء كالمنسوق على ما قبله. هذا ولأهمية هذا البيت وعناية العلماء به نقول انه مطلع قصيدة لجميل بن معمر العذري صاحب بثينة المشهور وبعده وهو من جيد الشعر: بمختلف الأرواح بين سويقة ... وأحدب كادت بعد عهدك تخلق أضرت بها النكباء كل عشية ... ونفح الصبا والوابل المتعبق وقفت بها حتى تجلت عمايتي ... ومل الوقوف الأرحبيّ الم نوّق وقال صديقي: إن ذا لصبابة ... ألا تزجر القلب اللجوج في لحق؟ تعزّ وإن كانت عليك كريمة ... لعلك من أسباب بثنة تعتق فقلت له: إن البعاد يشوقني ... وبعض بعاد البين والنأي أشوق والربع: المنزل، والقواء: القفر وجعله ناطقا للاعتبار بدروسه وتغيره ثم حقق وأخبر أنه لا يجيب ولا يخبر سائله لعدم وجود القاطنين به، البيداء القفر، والسملق: الأرض التي لا شيء فيها. ومما اختلف فيه وكان موضع الدقة قول عروة العذري صاحب عفراء: وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب قال سيبويه: «وسألت الخليل عن قول الشاعر: وما هو إلا أن أراها إلخ فقال: أنت في «فأبهت» بالخيار إن شئت حملتها على أن وإن شئت لم تحملها عليها فرفعت كأنك قلت ما هو إلا الرؤي فابهت» ومعنى ما أراده سيبويه أن النصب بالعطف على أن المراد المصدر والتقدير فما هو إلا الرؤية فأبهت والرفع على القطع والاستئناف والمعنى فاذا أنا مبهوت. وإنما أطلنا في هذا لأنه من الدقة بمكان فاعرفه وقس عليه.

الإسراء 17:29

اللغة: (فَتَقْعُدَ) : فتصير وهو من المجاز قال في الأساس: «ومن المجاز فعد عن الأمر تركه وقعد له اهتم به وقعد يشتمني أقبل، وأرهف شفرته حتى قعدت كأنها حربة: صارت، وقال الدّيان الحارثي: لأصبحن ظالما حربا رباعية ... فاقعد لها ودعن عنك الأظانينا وتقاعد عن الأمر وتقعّد وما قعد به عن نيل المساعي وما تقعده وما أقعده إلا لؤم عنصره وقال: بنو المجد لم تقعد بهم أمهاتهم ... وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا (مَحْسُوراً) : منقطعا لا شيء عندك من حسره السفر إذا بلغ منه وفي المختار: والحسرة شدة التلهف على الشيء الفائت تقول حسر على الشيء من باب طرب وحسرة أيضا فهو حسير وحسّره غيره تحسيرا. (وَيَقْدِرُ) : يقال قدر عليه رزقه وقدّر قتر وضيق. (إِمْلاقٍ) : فقر وفاقة يقال أملق الرجل: أنفق ماله حتى افتقر ورجل مملق وقال أعرابي: قاتل الله النساء كم يتملقن العلل لكأنها تخرج من تحت أقدامهن أي يستخرجنها. (خِطْأً) : مصدر خطىء من باب علم. الإعراب: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً) وآت ذا القربى حقه: آت فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت وذا القربى مفعول به وحقه مفعول به ثان والمسكين وابن السبيل عطف على ذا القربى ولا ناهية وتبذر مضارع مجزوم بلا وتبذيرا مفعول مطلق. (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وإخوان الشياطين خبر كان أي أمثالهم والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم هو أخوهم والملازم للشيء هو أخ له فيقولون: فلان أخو الجود وأخو الكرم وأخو الشعر. (وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) الواو عاطفة أو حالية وكان واسمها ولربه متعلقان بكفورا، وكفورا خبر كان ولا بد من تقدير مضاف أي لنعم ربه وآلائه. (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً) وإما: إن شرطية وما زائدة وتعرضن فعل الشرط وهو في محل جزم والفاعل مستتر تقديره أنت وعنهم متعلقان بتعرضن وابتغاء رحمة مفعول من أجله ولك في ناصبه وجهان فإما أن تجعله فعل الشرط من وضع المسبب مكان السبب أي وان أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك فسمى الرزق رحمة فردهم ردا جميلا وإما أن تجعله جواب الشرط وقد تقدم عليه أي فقل لهم قولا كريما لينا وعدهم وعدا جميلا تطييبا لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك. ومن ربك صفة لرحمة وجملة ترجوها حال من رحمة أو صفة ثانية، فقل الفاء رابطة وقل فعل أمر ولهم متعلقان بقل وقولا مفعول مطلق وميسورا صفة. (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتجعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت ويدك مفعول تجعل الأول ومغلولة مفعول تجعل الثاني والى عنقك جار ومجرور متعلقان بمغلولة. (وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) ولا تبسطها عطف على لا تجعل وكل البسط مفعول مطلق فتقعد الفاء فاء السببية وتقعد مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء المسبوقة بالنهي وستأتي الشروط التي يجب أن تسبق هذه الفاء في باب الفوائد وفاعل تقعد مستتر تقديره أنت وملوما محسورا حالين أو تجعلهما خبرين لتقعد إذا ضمنتها معنى تصير. (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) ان واسمها وجملة يبسط خبرها والرزق مفعول به ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ويقدر عطف على يبسط وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وبعباده متعلقان بخبيرا بصيرا وهما خبر ان لكان. (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) لا ناهية وتقتلوا مجزوم بها وأولادكم مفعول به وخشية مفعول لأجله وإملاق مضاف إليه. (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً) نحن مبتدأ وجملة نرزقهم خبر وإياكم عطف على الهاء وإن واسمها وجملة كان خبر إن وخطئا خبر كان واسمها مستتر تقديره هو وكبيرا صفة لخطئا. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على طائفة من الحكم والأمثال وعلى أنواع من البلاغة نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة التمثيلية: في قوله تعالى «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط» استعارة تمثيلية لمنع الشحيح وإعطاء المسرف فقد شبه حال البخيل في امتناعه من الانفاق بحال من يده مغلولة إلى عنقه فهو لا يقدر على التصرف في شيء وشبه حال المسرف المبذر المتلاف بحال من يبسط يده كل البسط فلا يبقي على شيء في كفه ولا يدخر شيئا ينفعه في حال الحاجة ليخلص إلى نتيجة مجدية وهي التوسط بين الأمرين والاقتصاد الذي هو وسط بين الإسراف والتقتير، وقد طابق في الاستعارة بين بسط اليد وقبضها من حيث المعنى لأن جعل اليد مغلولة هو قبضها وغلّها أبلغ في القبض وقد رمق أبو تمام سماء هذا المعنى فقال في المعتصم: تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله 2- التغاير: في قوله تعالى «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم» وقد تقدم بحثه في سورة الانعام وفيه سر خفي بين ما جاء في سورة الاسراء وما جاء في سورة الانعام وهو قوله «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم» فجدد به عهدا ونضيف اليه الآن ان قتل الأولاد إن كان مبعثه خوف الفقر فهو من سوء الظن بالله واليأس من رحمته وإن كان مبعثه الغيرة على البنات فهو تدبير أرعن لا ينجم عنه إلا هدم المجتمع وتعطيل معالم الحياة. الفوائد: شروط النصب بأن بعد فاء السببية وواو المعية: لا تضمر أن بعد فاء السببية وواو المعية أيضا إلا بشرطين أساسيين وهما أن يسبقهما نفي أو طلب محضين ولا فرق في النفي بين أن يكون حرفا أو فعلا أو اسما أو تقليلا مرادا به النفي ومثال التقليل: قلما تأتينا فتحدثنا وأما الطلب فيشمل سبعة أمور وهي الأمر والنهي والدعاء والعرض والتحضيض والاستفهام والتمني فهذه سبعة مع النفي تصير ثمانية وزاد بعضهم الترجي وقد جمع هذه التسعة بقوله: مروانه وادع وسل عرض لحضّهم ... تمن وارج كذاك النفي قد كملا واحترزنا بقولنا «نفي أو طلب محضين» من النفي التالي تقريرا بالهمزة لأن التقرير اثبات ومن النفي المتلو بالنفي لأن نفي النفي اثبات ومن النفي المنتقض بإلا ومما يجب مراعاته قول جميل بن معمر العذري: ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق فينطق مرفوع وهو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي فهو ينطق والفاء استئنافية وليست للسببية كما أنها ليست للعطف إذ العطف يقتضي الجزم، ورجح ابن هشام في المغني أن تكون الفاء للعطف وان المعتمد بالعطف الجملة لا الفعل وحده وانما يقدر النحويون كلمة هو ليبينوا أن الفعل ليس المعتمد بالعطف قال «ومثله فإنما يقول له كن فيكون» أي فهو يكون حينئذ وقوله: الشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه زلت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه أي فهو يعجمه» . ونعود إلى بيت جميل فنقول: أورده سيبويه في كتابه وقال ما نصه: «لم يجعل الأول سبب الآخر ولكنه جعله ينطق على كل حال كأنه قال وهو مما ينطق كما يقال ائتني وأحدثك فجعل نفسه ممن يحدثه على كل حال وزعم يونس أنه سمع هذا البيت وانما كتبت ذلك لئلا يقول انسان فلعل الشاعر قال: إلا اهـ» وقال ابن النحاس: «تقرير معناه انك سألته فيقبح النصب لأن المعنى يكون انك ان تسأله ينطق» وقال الأعلم: الشاهد فيه رفع ينطق على الاستئناف والقطع على معنى فهو ينطق وإيجاب ذلك ولو أمكنه النصب على الجواب لكان أحسن. وقال الفراء: أي قد سألته فنطق ولو جعلته استفهاما وجعلت الفاء شرطا لنصبت كما قال آخر: ألم تسأل فتخبرك الديارا ... عن الحي المضلّل حيث سارا والجزم في هذا البيت جائز كما قال: فقلت له صوب ولا تجهدنه ... فيدرك من أخرى القطاة فتزلق فجعل الجواب بالفاء كالمنسوق على ما قبله. هذا ولأهمية هذا البيت وعناية العلماء به نقول انه مطلع قصيدة لجميل بن معمر العذري صاحب بثينة المشهور وبعده وهو من جيد الشعر: بمختلف الأرواح بين سويقة ... وأحدب كادت بعد عهدك تخلق أضرت بها النكباء كل عشية ... ونفح الصبا والوابل المتعبق وقفت بها حتى تجلت عمايتي ... ومل الوقوف الأرحبيّ الم نوّق وقال صديقي: إن ذا لصبابة ... ألا تزجر القلب اللجوج في لحق؟ تعزّ وإن كانت عليك كريمة ... لعلك من أسباب بثنة تعتق فقلت له: إن البعاد يشوقني ... وبعض بعاد البين والنأي أشوق والربع: المنزل، والقواء: القفر وجعله ناطقا للاعتبار بدروسه وتغيره ثم حقق وأخبر أنه لا يجيب ولا يخبر سائله لعدم وجود القاطنين به، البيداء القفر، والسملق: الأرض التي لا شيء فيها. ومما اختلف فيه وكان موضع الدقة قول عروة العذري صاحب عفراء: وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب قال سيبويه: «وسألت الخليل عن قول الشاعر: وما هو إلا أن أراها إلخ فقال: أنت في «فأبهت» بالخيار إن شئت حملتها على أن وإن شئت لم تحملها عليها فرفعت كأنك قلت ما هو إلا الرؤي فابهت» ومعنى ما أراده سيبويه أن النصب بالعطف على أن المراد المصدر والتقدير فما هو إلا الرؤية فأبهت والرفع على القطع والاستئناف والمعنى فاذا أنا مبهوت. وإنما أطلنا في هذا لأنه من الدقة بمكان فاعرفه وقس عليه.

الإسراء 17:30

اللغة: (فَتَقْعُدَ) : فتصير وهو من المجاز قال في الأساس: «ومن المجاز فعد عن الأمر تركه وقعد له اهتم به وقعد يشتمني أقبل، وأرهف شفرته حتى قعدت كأنها حربة: صارت، وقال الدّيان الحارثي: لأصبحن ظالما حربا رباعية ... فاقعد لها ودعن عنك الأظانينا وتقاعد عن الأمر وتقعّد وما قعد به عن نيل المساعي وما تقعده وما أقعده إلا لؤم عنصره وقال: بنو المجد لم تقعد بهم أمهاتهم ... وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا (مَحْسُوراً) : منقطعا لا شيء عندك من حسره السفر إذا بلغ منه وفي المختار: والحسرة شدة التلهف على الشيء الفائت تقول حسر على الشيء من باب طرب وحسرة أيضا فهو حسير وحسّره غيره تحسيرا. (وَيَقْدِرُ) : يقال قدر عليه رزقه وقدّر قتر وضيق. (إِمْلاقٍ) : فقر وفاقة يقال أملق الرجل: أنفق ماله حتى افتقر ورجل مملق وقال أعرابي: قاتل الله النساء كم يتملقن العلل لكأنها تخرج من تحت أقدامهن أي يستخرجنها. (خِطْأً) : مصدر خطىء من باب علم. الإعراب: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً) وآت ذا القربى حقه: آت فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت وذا القربى مفعول به وحقه مفعول به ثان والمسكين وابن السبيل عطف على ذا القربى ولا ناهية وتبذر مضارع مجزوم بلا وتبذيرا مفعول مطلق. (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وإخوان الشياطين خبر كان أي أمثالهم والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم هو أخوهم والملازم للشيء هو أخ له فيقولون: فلان أخو الجود وأخو الكرم وأخو الشعر. (وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) الواو عاطفة أو حالية وكان واسمها ولربه متعلقان بكفورا، وكفورا خبر كان ولا بد من تقدير مضاف أي لنعم ربه وآلائه. (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً) وإما: إن شرطية وما زائدة وتعرضن فعل الشرط وهو في محل جزم والفاعل مستتر تقديره أنت وعنهم متعلقان بتعرضن وابتغاء رحمة مفعول من أجله ولك في ناصبه وجهان فإما أن تجعله فعل الشرط من وضع المسبب مكان السبب أي وان أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك فسمى الرزق رحمة فردهم ردا جميلا وإما أن تجعله جواب الشرط وقد تقدم عليه أي فقل لهم قولا كريما لينا وعدهم وعدا جميلا تطييبا لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك. ومن ربك صفة لرحمة وجملة ترجوها حال من رحمة أو صفة ثانية، فقل الفاء رابطة وقل فعل أمر ولهم متعلقان بقل وقولا مفعول مطلق وميسورا صفة. (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتجعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت ويدك مفعول تجعل الأول ومغلولة مفعول تجعل الثاني والى عنقك جار ومجرور متعلقان بمغلولة. (وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) ولا تبسطها عطف على لا تجعل وكل البسط مفعول مطلق فتقعد الفاء فاء السببية وتقعد مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء المسبوقة بالنهي وستأتي الشروط التي يجب أن تسبق هذه الفاء في باب الفوائد وفاعل تقعد مستتر تقديره أنت وملوما محسورا حالين أو تجعلهما خبرين لتقعد إذا ضمنتها معنى تصير. (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) ان واسمها وجملة يبسط خبرها والرزق مفعول به ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ويقدر عطف على يبسط وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وبعباده متعلقان بخبيرا بصيرا وهما خبر ان لكان. (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) لا ناهية وتقتلوا مجزوم بها وأولادكم مفعول به وخشية مفعول لأجله وإملاق مضاف إليه. (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً) نحن مبتدأ وجملة نرزقهم خبر وإياكم عطف على الهاء وإن واسمها وجملة كان خبر إن وخطئا خبر كان واسمها مستتر تقديره هو وكبيرا صفة لخطئا. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على طائفة من الحكم والأمثال وعلى أنواع من البلاغة نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة التمثيلية: في قوله تعالى «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط» استعارة تمثيلية لمنع الشحيح وإعطاء المسرف فقد شبه حال البخيل في امتناعه من الانفاق بحال من يده مغلولة إلى عنقه فهو لا يقدر على التصرف في شيء وشبه حال المسرف المبذر المتلاف بحال من يبسط يده كل البسط فلا يبقي على شيء في كفه ولا يدخر شيئا ينفعه في حال الحاجة ليخلص إلى نتيجة مجدية وهي التوسط بين الأمرين والاقتصاد الذي هو وسط بين الإسراف والتقتير، وقد طابق في الاستعارة بين بسط اليد وقبضها من حيث المعنى لأن جعل اليد مغلولة هو قبضها وغلّها أبلغ في القبض وقد رمق أبو تمام سماء هذا المعنى فقال في المعتصم: تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله 2- التغاير: في قوله تعالى «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم» وقد تقدم بحثه في سورة الانعام وفيه سر خفي بين ما جاء في سورة الاسراء وما جاء في سورة الانعام وهو قوله «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم» فجدد به عهدا ونضيف اليه الآن ان قتل الأولاد إن كان مبعثه خوف الفقر فهو من سوء الظن بالله واليأس من رحمته وإن كان مبعثه الغيرة على البنات فهو تدبير أرعن لا ينجم عنه إلا هدم المجتمع وتعطيل معالم الحياة. الفوائد: شروط النصب بأن بعد فاء السببية وواو المعية: لا تضمر أن بعد فاء السببية وواو المعية أيضا إلا بشرطين أساسيين وهما أن يسبقهما نفي أو طلب محضين ولا فرق في النفي بين أن يكون حرفا أو فعلا أو اسما أو تقليلا مرادا به النفي ومثال التقليل: قلما تأتينا فتحدثنا وأما الطلب فيشمل سبعة أمور وهي الأمر والنهي والدعاء والعرض والتحضيض والاستفهام والتمني فهذه سبعة مع النفي تصير ثمانية وزاد بعضهم الترجي وقد جمع هذه التسعة بقوله: مروانه وادع وسل عرض لحضّهم ... تمن وارج كذاك النفي قد كملا واحترزنا بقولنا «نفي أو طلب محضين» من النفي التالي تقريرا بالهمزة لأن التقرير اثبات ومن النفي المتلو بالنفي لأن نفي النفي اثبات ومن النفي المنتقض بإلا ومما يجب مراعاته قول جميل بن معمر العذري: ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق فينطق مرفوع وهو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي فهو ينطق والفاء استئنافية وليست للسببية كما أنها ليست للعطف إذ العطف يقتضي الجزم، ورجح ابن هشام في المغني أن تكون الفاء للعطف وان المعتمد بالعطف الجملة لا الفعل وحده وانما يقدر النحويون كلمة هو ليبينوا أن الفعل ليس المعتمد بالعطف قال «ومثله فإنما يقول له كن فيكون» أي فهو يكون حينئذ وقوله: الشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه زلت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه أي فهو يعجمه» . ونعود إلى بيت جميل فنقول: أورده سيبويه في كتابه وقال ما نصه: «لم يجعل الأول سبب الآخر ولكنه جعله ينطق على كل حال كأنه قال وهو مما ينطق كما يقال ائتني وأحدثك فجعل نفسه ممن يحدثه على كل حال وزعم يونس أنه سمع هذا البيت وانما كتبت ذلك لئلا يقول انسان فلعل الشاعر قال: إلا اهـ» وقال ابن النحاس: «تقرير معناه انك سألته فيقبح النصب لأن المعنى يكون انك ان تسأله ينطق» وقال الأعلم: الشاهد فيه رفع ينطق على الاستئناف والقطع على معنى فهو ينطق وإيجاب ذلك ولو أمكنه النصب على الجواب لكان أحسن. وقال الفراء: أي قد سألته فنطق ولو جعلته استفهاما وجعلت الفاء شرطا لنصبت كما قال آخر: ألم تسأل فتخبرك الديارا ... عن الحي المضلّل حيث سارا والجزم في هذا البيت جائز كما قال: فقلت له صوب ولا تجهدنه ... فيدرك من أخرى القطاة فتزلق فجعل الجواب بالفاء كالمنسوق على ما قبله. هذا ولأهمية هذا البيت وعناية العلماء به نقول انه مطلع قصيدة لجميل بن معمر العذري صاحب بثينة المشهور وبعده وهو من جيد الشعر: بمختلف الأرواح بين سويقة ... وأحدب كادت بعد عهدك تخلق أضرت بها النكباء كل عشية ... ونفح الصبا والوابل المتعبق وقفت بها حتى تجلت عمايتي ... ومل الوقوف الأرحبيّ الم نوّق وقال صديقي: إن ذا لصبابة ... ألا تزجر القلب اللجوج في لحق؟ تعزّ وإن كانت عليك كريمة ... لعلك من أسباب بثنة تعتق فقلت له: إن البعاد يشوقني ... وبعض بعاد البين والنأي أشوق والربع: المنزل، والقواء: القفر وجعله ناطقا للاعتبار بدروسه وتغيره ثم حقق وأخبر أنه لا يجيب ولا يخبر سائله لعدم وجود القاطنين به، البيداء القفر، والسملق: الأرض التي لا شيء فيها. ومما اختلف فيه وكان موضع الدقة قول عروة العذري صاحب عفراء: وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب قال سيبويه: «وسألت الخليل عن قول الشاعر: وما هو إلا أن أراها إلخ فقال: أنت في «فأبهت» بالخيار إن شئت حملتها على أن وإن شئت لم تحملها عليها فرفعت كأنك قلت ما هو إلا الرؤي فابهت» ومعنى ما أراده سيبويه أن النصب بالعطف على أن المراد المصدر والتقدير فما هو إلا الرؤية فأبهت والرفع على القطع والاستئناف والمعنى فاذا أنا مبهوت. وإنما أطلنا في هذا لأنه من الدقة بمكان فاعرفه وقس عليه.

الإسراء 17:31

اللغة: (فَتَقْعُدَ) : فتصير وهو من المجاز قال في الأساس: «ومن المجاز فعد عن الأمر تركه وقعد له اهتم به وقعد يشتمني أقبل، وأرهف شفرته حتى قعدت كأنها حربة: صارت، وقال الدّيان الحارثي: لأصبحن ظالما حربا رباعية ... فاقعد لها ودعن عنك الأظانينا وتقاعد عن الأمر وتقعّد وما قعد به عن نيل المساعي وما تقعده وما أقعده إلا لؤم عنصره وقال: بنو المجد لم تقعد بهم أمهاتهم ... وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا (مَحْسُوراً) : منقطعا لا شيء عندك من حسره السفر إذا بلغ منه وفي المختار: والحسرة شدة التلهف على الشيء الفائت تقول حسر على الشيء من باب طرب وحسرة أيضا فهو حسير وحسّره غيره تحسيرا. (وَيَقْدِرُ) : يقال قدر عليه رزقه وقدّر قتر وضيق. (إِمْلاقٍ) : فقر وفاقة يقال أملق الرجل: أنفق ماله حتى افتقر ورجل مملق وقال أعرابي: قاتل الله النساء كم يتملقن العلل لكأنها تخرج من تحت أقدامهن أي يستخرجنها. (خِطْأً) : مصدر خطىء من باب علم. الإعراب: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً) وآت ذا القربى حقه: آت فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت وذا القربى مفعول به وحقه مفعول به ثان والمسكين وابن السبيل عطف على ذا القربى ولا ناهية وتبذر مضارع مجزوم بلا وتبذيرا مفعول مطلق. (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) إن واسمها وجملة كانوا خبرها وإخوان الشياطين خبر كان أي أمثالهم والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم هو أخوهم والملازم للشيء هو أخ له فيقولون: فلان أخو الجود وأخو الكرم وأخو الشعر. (وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) الواو عاطفة أو حالية وكان واسمها ولربه متعلقان بكفورا، وكفورا خبر كان ولا بد من تقدير مضاف أي لنعم ربه وآلائه. (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً) وإما: إن شرطية وما زائدة وتعرضن فعل الشرط وهو في محل جزم والفاعل مستتر تقديره أنت وعنهم متعلقان بتعرضن وابتغاء رحمة مفعول من أجله ولك في ناصبه وجهان فإما أن تجعله فعل الشرط من وضع المسبب مكان السبب أي وان أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك فسمى الرزق رحمة فردهم ردا جميلا وإما أن تجعله جواب الشرط وقد تقدم عليه أي فقل لهم قولا كريما لينا وعدهم وعدا جميلا تطييبا لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك. ومن ربك صفة لرحمة وجملة ترجوها حال من رحمة أو صفة ثانية، فقل الفاء رابطة وقل فعل أمر ولهم متعلقان بقل وقولا مفعول مطلق وميسورا صفة. (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتجعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت ويدك مفعول تجعل الأول ومغلولة مفعول تجعل الثاني والى عنقك جار ومجرور متعلقان بمغلولة. (وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) ولا تبسطها عطف على لا تجعل وكل البسط مفعول مطلق فتقعد الفاء فاء السببية وتقعد مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء المسبوقة بالنهي وستأتي الشروط التي يجب أن تسبق هذه الفاء في باب الفوائد وفاعل تقعد مستتر تقديره أنت وملوما محسورا حالين أو تجعلهما خبرين لتقعد إذا ضمنتها معنى تصير. (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) ان واسمها وجملة يبسط خبرها والرزق مفعول به ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ويقدر عطف على يبسط وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وبعباده متعلقان بخبيرا بصيرا وهما خبر ان لكان. (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) لا ناهية وتقتلوا مجزوم بها وأولادكم مفعول به وخشية مفعول لأجله وإملاق مضاف إليه. (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً) نحن مبتدأ وجملة نرزقهم خبر وإياكم عطف على الهاء وإن واسمها وجملة كان خبر إن وخطئا خبر كان واسمها مستتر تقديره هو وكبيرا صفة لخطئا. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على طائفة من الحكم والأمثال وعلى أنواع من البلاغة نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة التمثيلية: في قوله تعالى «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط» استعارة تمثيلية لمنع الشحيح وإعطاء المسرف فقد شبه حال البخيل في امتناعه من الانفاق بحال من يده مغلولة إلى عنقه فهو لا يقدر على التصرف في شيء وشبه حال المسرف المبذر المتلاف بحال من يبسط يده كل البسط فلا يبقي على شيء في كفه ولا يدخر شيئا ينفعه في حال الحاجة ليخلص إلى نتيجة مجدية وهي التوسط بين الأمرين والاقتصاد الذي هو وسط بين الإسراف والتقتير، وقد طابق في الاستعارة بين بسط اليد وقبضها من حيث المعنى لأن جعل اليد مغلولة هو قبضها وغلّها أبلغ في القبض وقد رمق أبو تمام سماء هذا المعنى فقال في المعتصم: تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله 2- التغاير: في قوله تعالى «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم» وقد تقدم بحثه في سورة الانعام وفيه سر خفي بين ما جاء في سورة الاسراء وما جاء في سورة الانعام وهو قوله «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم» فجدد به عهدا ونضيف اليه الآن ان قتل الأولاد إن كان مبعثه خوف الفقر فهو من سوء الظن بالله واليأس من رحمته وإن كان مبعثه الغيرة على البنات فهو تدبير أرعن لا ينجم عنه إلا هدم المجتمع وتعطيل معالم الحياة. الفوائد: شروط النصب بأن بعد فاء السببية وواو المعية: لا تضمر أن بعد فاء السببية وواو المعية أيضا إلا بشرطين أساسيين وهما أن يسبقهما نفي أو طلب محضين ولا فرق في النفي بين أن يكون حرفا أو فعلا أو اسما أو تقليلا مرادا به النفي ومثال التقليل: قلما تأتينا فتحدثنا وأما الطلب فيشمل سبعة أمور وهي الأمر والنهي والدعاء والعرض والتحضيض والاستفهام والتمني فهذه سبعة مع النفي تصير ثمانية وزاد بعضهم الترجي وقد جمع هذه التسعة بقوله: مروانه وادع وسل عرض لحضّهم ... تمن وارج كذاك النفي قد كملا واحترزنا بقولنا «نفي أو طلب محضين» من النفي التالي تقريرا بالهمزة لأن التقرير اثبات ومن النفي المتلو بالنفي لأن نفي النفي اثبات ومن النفي المنتقض بإلا ومما يجب مراعاته قول جميل بن معمر العذري: ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق فينطق مرفوع وهو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي فهو ينطق والفاء استئنافية وليست للسببية كما أنها ليست للعطف إذ العطف يقتضي الجزم، ورجح ابن هشام في المغني أن تكون الفاء للعطف وان المعتمد بالعطف الجملة لا الفعل وحده وانما يقدر النحويون كلمة هو ليبينوا أن الفعل ليس المعتمد بالعطف قال «ومثله فإنما يقول له كن فيكون» أي فهو يكون حينئذ وقوله: الشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه زلت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه أي فهو يعجمه» . ونعود إلى بيت جميل فنقول: أورده سيبويه في كتابه وقال ما نصه: «لم يجعل الأول سبب الآخر ولكنه جعله ينطق على كل حال كأنه قال وهو مما ينطق كما يقال ائتني وأحدثك فجعل نفسه ممن يحدثه على كل حال وزعم يونس أنه سمع هذا البيت وانما كتبت ذلك لئلا يقول انسان فلعل الشاعر قال: إلا اهـ» وقال ابن النحاس: «تقرير معناه انك سألته فيقبح النصب لأن المعنى يكون انك ان تسأله ينطق» وقال الأعلم: الشاهد فيه رفع ينطق على الاستئناف والقطع على معنى فهو ينطق وإيجاب ذلك ولو أمكنه النصب على الجواب لكان أحسن. وقال الفراء: أي قد سألته فنطق ولو جعلته استفهاما وجعلت الفاء شرطا لنصبت كما قال آخر: ألم تسأل فتخبرك الديارا ... عن الحي المضلّل حيث سارا والجزم في هذا البيت جائز كما قال: فقلت له صوب ولا تجهدنه ... فيدرك من أخرى القطاة فتزلق فجعل الجواب بالفاء كالمنسوق على ما قبله. هذا ولأهمية هذا البيت وعناية العلماء به نقول انه مطلع قصيدة لجميل بن معمر العذري صاحب بثينة المشهور وبعده وهو من جيد الشعر: بمختلف الأرواح بين سويقة ... وأحدب كادت بعد عهدك تخلق أضرت بها النكباء كل عشية ... ونفح الصبا والوابل المتعبق وقفت بها حتى تجلت عمايتي ... ومل الوقوف الأرحبيّ الم نوّق وقال صديقي: إن ذا لصبابة ... ألا تزجر القلب اللجوج في لحق؟ تعزّ وإن كانت عليك كريمة ... لعلك من أسباب بثنة تعتق فقلت له: إن البعاد يشوقني ... وبعض بعاد البين والنأي أشوق والربع: المنزل، والقواء: القفر وجعله ناطقا للاعتبار بدروسه وتغيره ثم حقق وأخبر أنه لا يجيب ولا يخبر سائله لعدم وجود القاطنين به، البيداء القفر، والسملق: الأرض التي لا شيء فيها. ومما اختلف فيه وكان موضع الدقة قول عروة العذري صاحب عفراء: وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب قال سيبويه: «وسألت الخليل عن قول الشاعر: وما هو إلا أن أراها إلخ فقال: أنت في «فأبهت» بالخيار إن شئت حملتها على أن وإن شئت لم تحملها عليها فرفعت كأنك قلت ما هو إلا الرؤي فابهت» ومعنى ما أراده سيبويه أن النصب بالعطف على أن المراد المصدر والتقدير فما هو إلا الرؤية فأبهت والرفع على القطع والاستئناف والمعنى فاذا أنا مبهوت. وإنما أطلنا في هذا لأنه من الدقة بمكان فاعرفه وقس عليه.

الإسراء 17:32

اللغة: (الزِّنى) : يكتب بالياء لأنه مصدر زنى يزني ويكتب بالألف على أنه مقصور من الزناء بالمد، ويقولون: هو زان بين الزنى والزناء بالمد والقصر قال الفرزدق: أبا خالد من يزن يعلم زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا وقال الفراء: المقصور من زنى والممدود من زانى يقال زاناها مزاناة وزناء وخرجت فلانة تزاني وتباغي وقد زّني بها وهو ولد زنية وانه لزنية بالفتح والكسر. (القسطاس) هو رومي عرّب كما تقدم وقد ذكرنا من قبل أن ذلك لا يقدح في عربية القرآن لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الاعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيا وسيأتي المزيد من هذا البحث المفيد، والقسطاس بالضم والكسر وهو القرسطون أي القبان وقيل كل ميزان صغر أو كبر. (وَلا تَقْفُ) ولا تتبع يقال فقا أثره وقافه قيل هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور يتبعها ويتعرفها وقيل القفو شبيه بالعضيهة ومنه الحديث: «من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي المخرج» وأنشدوا لبعضهم: ومثل الدمى شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا يصف نساء بأنهن جميلات مثل الدمى ويشبههن بالبيوت ويشبه الحياء بقوم يسكنونها على طريق الاستعارة المكنية والسكنى تخييل لذلك ويقول انهن لا يشعن أي لا يظهرن التقافي أي المتابعة بالقذف من قفوته إذا اتبعته بالغيبة. وقال الكميت: ولا أرمي البريء بغير ذنب ... ولا أقفو الحواصن إن قفينا يقول لا أتهم البريء بشيء زور بل بذنب محقق ولا أتبع العفائف وأتكلم فيهن بفحش ما دمن عفائف إن قفاهنّ الناس فتكلموا فيهن فكيف إذا لم يتكلم فيهنّ أحد. الإعراب: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) الواو عاطفة ولا ناهية وتقربوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والزنا مفعول به وجملة إنه تعليلية لا محل لها وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وفاحشة خبرها وساء فعل ماض للذم والفاعل مستتر وسبيلا تمييز والمخصوص بالذم محذوف أي هو. (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ولا تقتلوا عطف على ما تقدم والنفس مفعول به والتي صفة وجملة حرم الله صلة وإلا أداة حصر وبالحق متعلقان بتقتلوا والباء للسببية أو بمحذوف حال من فاعل تقتلوا فهي للملابسة أي ملتبسين بالحق (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ وقتل فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط ونائب الفاعل مستتر تقديره هو ومظلوما حال، فقد الفاء رابطة وقد حرف تحقيق وجعلنا فعل وفاعل ولوليه مفعول جعلنا الثاني وسلطانا مفعول جعلنا الأول أي حجة يثب بها عليه. (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) الفاء عاطفة ولا ناهية ويسرف مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر يعود على الولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كديدن الجاهلية على حد قول مهلهل ابن ربيعة: كل قتيل في كليب غره ... حتى ينال القتل آل مرة وفي القتل متعلقان بيسرف وجملة إنه تعليلية وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر ومنصورا خبرها. (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ولا تقربوا عطف أيضا ومال اليتيم مفعول به وإلا أداة حصر وبالتي استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقربوه بحال من الأحوال إلا بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن وهي حفظه وصيانته واستغلاله لمصلحة اليتيم وهي مبتدأ وأحسن خبر والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول. (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) حتى حرف غاية وجر ويبلغ منصوب بأن مضمرة بعد حتى والمراد بالأشد بلوغه مرتبة يحسن فيها التصرف وقد تقدم معنى الأشد وانه مفرد بمعنى القوة أو جمع لا واحد له من لفظه. وقيل جمع شدة أو شد. وفي كتاب معاني القرآن للفراء ان الأربعين أشبه بالصواب. (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) أوفوا فعل أمر والواو فاعل وبالعهد متعلقان بأوفوا وان واسمها وجملة كان خبرها ومسئولا خبر كان ومعنى مسئولا مطلوبا كأنه يطلب من المعاهد أن يفي به وحذف الجار والمجرور تخفيفا أي عنه وقد ذكر في بقية الآي كما سيأتي ويجوز وجه آخر سيأتي في باب البلاغة. (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) وأوفوا فعل أمر والواو فاعل والكيل مفعول أوفوا وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة كلتم مضافة إلى الظرف وجوابه محذوف دل عليه قوله أوفوا الكيل. وزنوا بالقسطاس المستقيم عطف على أوفوا بالكيل. (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ذلك مبتدأ وخير خبر وأحسن عطف على خير وتأويلا تمييز أي أحسن عاقبة فالتأويل تفصيل من آل إذا رجع وهو ما يئول اليه في الآخرة. (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) لا ناهية وتقف مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الواو وفاعله مستتر تقديره أنت وما مفعول به وجملة ليس صلة ولك خبر ليس المقدم وبه متعلقان بمحذوف حال ولا يجوز تعلقها بعلم لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه وقال بعضهم متعلقان بما تعلق به لك وهو الاستقرار وفيه بعد، ومعنى الآية النهي عن أن يقول الإنسان مالا يعلم أو يعمل بما لا علم له به وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور إلا أن الشيوع أولى، وعلم اسم ليس المؤخر. (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) ان واسمها والبصر والفؤاد عطف على السمع وكل مبتدأ وأولئك مضاف وجملة كان خبر وعنه متعلقان بمسئولا، ومسئولا خبر كان وسيأتي مزيد من التفصيل حول هذه الآية في بابي البلاغة والفوائد. (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) لا ناهية وتمش مجزوم بها وفاعله مستتر تقديره أنت وفي الأرض متعلقان بتمش ومرحا حال على تقدير مضاف أي ذا مرح أي ولا تمش في الأرض حال كونك ذا مرح أي مارحا ملتبسا بالكبر والخيلاء وقد أحسن الأخفش إذ فضل المصدر على اسم الفاعل كأنه نفس المرح ويجوز أن يعرب مفعولا لأجله كما قال أبو البقاء. (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا) جملة تعليلية لا محل لها كأنها تعليل للنهي أي لن تجعل فيها صدوعا وخروقا بدوسك لها وإن واسمها وجملة لن تخرق الأرض خبرها ولن تبلغ الجبال عطف على لن تخرق وطولا تمييز محول عن الفاعل أي ولن يبلغ طولك الجبال وقيل مصدر في موقع الحال أو مفعول له، وسيأتي مزيد من البحث في باب البلاغة. (كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) كل مبتدأ وذلك مضاف اليه والاشارة إلى ما تقدم من الخصال الخمس والعشرين الآنفة من قوله تعالى لا تجعل مع الله إلها آخر وسيأتي تفصيل عدها في باب الفوائد وكان فعل ماض ناقص وسيئه اسمها وعند ربك ظرف متعلق بمكروها، ومكروها خبر كان. (ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) ذلك مبتدأ أي ما تقدم من خصال ومما خبر وجملة أوحى صلة وإليك متعلقان بأوحى وربك فاعل ومن الحكمة حال من عائد الموصول المحذوف أي من الذي أوحاه إليك حال كونه من الحكمة التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به أو حال من نفس الموصول وقد استهلت هذه الخصال وختمت بالنهي عن الشرك. (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) ولا تجعل عطف على ما تقدم ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لتجعل وإلها هو المفعول الأول وآخر صفة فتلقى الفاء فاء السببية ونائب الفاعل مستتر تقديره أنت وفي جهنم متعلقان بتلقى وملوما ومدحورا حالان. البلاغة: انطوت هذه الآية على فنون كثيرة من البلاغة نثبتها فيما يلي: 1- الاطناب: في قوله تعالى: «ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا» فإن معنى هذه الآية جاء موجزا في قوله تعالى «ولكم في القصاص حياة» لكن الأول إطناب والثاني إيجاز وكلاهما موصوف بالمساواة وقد تحدثنا عن الإيجاز فلنتحدث الآن عن الاطناب والمساواة فالاطناب مأخوذ في الأصل من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه يقال أطنبت الريح إذا اشتدت في هبوبها وأطنب في السير إذا اشتد فيه وفي اصطلاح البيانيين هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة فإذا لم تكن في الزيادة فائدة سمي تطويلا إن كانت الزيادة غير متعينة وحشوا إن كانت متعينة فالتطويل كقول عنترة بن شداد: حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم والحشو كقول زهير بن أبي سلمى: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم والإطناب يكون بأمور عدة نوجزها فيما يلي: آ- التأكيد والتقرير وهو يكون حقيقة ومجازا فالحقيقة كقولهم رأيته بعيني وقبضته بيدي ووطئته بقدمي وذقته بفمي وكل هذا يظن الظان أنه لا حاجة إليه فالرؤية لا تكون إلا بالعين والقبض لا يكون إلا باليد والوطء لا يكون إلا بالقدم والذوق لا يكون إلا بالفم وليس الأمر كما توهم بل يطرد في كل ما يعزّ مناله ويعظم الوصول إليه ومن أمثلته البديعة في الشعر قول البحتري: تأمل من خلال السجف وانظر ... بعينك ما شربت ومن سقاني تجد شمس الضحى تدنو بشمس ... إليّ من الرحيق الخسرواني ولما كان الحضور في هذا المجلس مما يعز وجوده ومناله وكان الساقي بهذه المثابة من الحسن قال انظر بعينك. وعلى هذا ورد الكثير منه في القرآن الكريم فقال تعالى: «ذلك قولكم بأفواهكم» والمجاز كقوله تعالى: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» ففائدة ذكر الصدور هنا انه قد تعورف وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب تشبيه وتمثيل فلما أريد إثبات ما هو خلاف ما تعورف وعلم من نسبة العمى إلى القلوب احتاج الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف ليقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الصدور. ب- ذكر الخاص بعد العام: كقوله تعالى «تنزل الملائكة والروح فيها» فقد خص الله سبحانه الروح بالذكر وهو جبريل مع انه داخل في عموم الملائكة تكريما له وتعظيما لشأنه وكأنه من جنس آخر ففائدة الزيادة هنا التنويه الخاص. ج- ذكر العام بعد الخاص: كقوله تعالى: «ربي اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات» فقد ذكر الله سبحانه المؤمنين والمؤمنات وهما لفظان عامان يدخل في عمومهما من ذكر قبل ذلك والغرض من هذه الزيادة إفادة الشمول مع العناية بالخاص ذكره مرة وحده ومرة مندرجا تحت العام. د- الإيضاح بعد الإبهام: كقوله تعالى: «وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين» فقوله ذلك الأمر إبهام وقوله أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين إيضاح للإبهام الذي تضمنه لفظ الأمر لزيادة تقرير المعنى في ذهن السامع مرة على طريق الإجمال والإبهام، ومرة على طريق التفصيل والإيضاح. هـ- التكرار لتقرير المعنى: وهذا موضوع جم الشعاب متعدد المسالك نحتاج إلى مجلدات لإحصائه ولكننا نذكر ما هو بمثابة الدليل والرائد لغيره كقول عنترة بن شداد في بعض روايات معلقته: يدعون عنتر والسيوف كأنها ... لمع البوارق في سحاب مظلم يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم فالتكرار في بيتي عنترة تقرير المعنى في نفس السامع وترسيخه في ذهنه وهو هنا لداعي الفخر ويطرد في الخطابة وفي مواطن الفخر والمدح والإرشاد والانذار وقد يكون للتحسر كقول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة: فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة موضعا ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مرتعا ومنها طول الفصل كقول الشاعر: لقد علم الحيّ اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد اني خطيبها والاعتراض: وهو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لغرض يقصد إليه البليغ وقد تقدم ذكره ومنه قول النابغة الجعدي: ألا زعمت بنو سعد بأني- ألا كذبوا- كبير السن فان فقد جاءت جملة «ألا كذبوا» معترضة بين اسم ان وخبرها للاسراع إلى التنبيه على كذب من رماه بالكبر. ز- التذييل: وهو تعقيب الجمل بجملة أخرى تشتمل على معناها توكيدا لها كقول الحطيئة: تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد فإن المعنى تم في الشطر الأول ثم ذيل بالشطر الثاني للتوكيد. ح- الاحتراس: وقد تقدم بحثه ومنه قول ابن المعتز: صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل فلو أسقطنا كلمة «ظالمين» لتوهم السامع أن فرس ابن المعتز كانت بليدة تستحق الضرب وهذا خلاف المقصود. هذا وستأتي أمثلة من الاطناب في مواضعها من هذا الكتاب. أما المساواة فهي أن تكون المعاني بقدر الألفاظ والألفاظ بقدر المعاني لا يزيد بعضها على بعض ولا ينقص عنه وقد تقدم التمثيل لها بقوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» إلخ ومن أمثلتها في الشعر قول النابغة الذبياني: فانك كالليل الذي هو مدركي ... وان خلت أن المنتأى عنك واسع وقول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود والقرآن حافل بأمثلة المساواة وستأتي في مواضعها إن شاء الله. 2- الاستعارة: في قوله تعالى: «إن العهد كان مسئولا» وقد قدمنا انه جار على الحقيقة بحذف الجار والمجرور ويجوز أن يكون الكلام جاريا على طريق الاستعارة المكنية بأن يشبه العهد بمن نكث عهده ونسبته السؤال إليه تخييل. 3- التهكم: وقد سبق ذكره لأن مشية المرح مشتملة على شدة الوطء والتباهي على الأرض بمشيه عليها والتطاول على الآخر ولو كان المتكبر خفيف الوطأة قميء النظرة، شخت الخلقة، على حد قول المتنبي: أفي كل يوم تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول الفوائد: في هذه الآيات الجامعة فوائد كثيرة تتناول المهم منها جريا على أسلوبنا في هذا الكتاب فمنها تعليق الجار والمجرور في قوله تعالى: «كل أولئك كان عنه مسئولا» فقد علقناه في باب الإعراب بمسئولا وجعلنا نائب الفاعل ضميرا يعود على كل أي كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه يعني عما فعل به صاحبه وقد أسند الزمخشري مسئولا إلى الجار والمجرور وجعله بمثابة نائب الفاعل وهذا سهو من الزمخشري يجل عنه لأن الجار والمجرور يقام مقام الفاعل أو نائبه إذا تقدم الفعل أو ما يقوم مقامه وأما إذا تأخر فلا يصح ذلك لأن الاسم إذا تقدم على الفعل صار مبتدأ وحرف الجر إذا كان لازما لا يكون مبتدأ ف «عنه» ليس هو النائب عن الفاعل خلافا لصاحب الكشاف ولا ضمير المصدر كما قال بعضهم وإنما النائب في هذه الآية ضمير راجع إلى ما رجع اليه اسم كان وهو المكلف المدلول عليه بالمعنى والتقدير مسئولا هو أي المكلف وإنما لم يقدر ضمير كان راجعا لكل لئلا يخلو مسئولا عن ضمير فيكون مسندا إلى عنه وذلك لا يجوز. وعبارة ابن هشام «وقول بعضهم في قوله تعالى: «إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا» إن عنه مرفوع المحل بمسئولا والصواب ان اسم كان ضمير المكلف وإن لم يجد له ذكر وان المرفوع بمسئولا مستقر فيه راجع اليه أيضا وان عنه في موضع نصب» . أي على انه مفعول ثان لمسئولا لأنه يعتدى لمفعولين ثانيهما بعن. الخصال الخمس والعشرون: وعدناك بإحصاء الخصال الخمس والعشرين التي وردت الاشارة إليها بقوله تعالى: «كل ذلك» وهذا احصاؤها بالترتيب: 1- لا تجعل مع الله إلها آخر. 2 و3- قوله تعالى وقضى ربك إلى آخر الآية لاشتماله على تكليفين وهما عبادة الله والنهي عن عبادة غيره. 4- وبالوالدين إحسانا. 5- فلا تقل لهما أف. 6- ولا تنهرهما. 7- وقل لهما قولا كريما. 8- واخفض لهما جناح الذل. 9- وقل رب ارحمهما. 10- وآت ذا القربى حقه. 11- والمسكين. 12- وابن السبيل. 13- ولا تبذر تبذيرا. 14- فقل لهم قولا ميسورا. 15- ولا تجعل يدك مغلولة. 16- ولا تبسطها كل البسط. 17- ولا تقتلوا أولادكم. 18- ولا تقربوا الزنا. 19- ولا تقتلوا النفس. 20- فلا يسرف في القتل. 21- وأوفوا بالعهد. 22- وأوفوا الكيل. 23- وزنوا بالقسطاس. 24- ولا تقف ما ليس لك به علم. 25- ولا تمش في الأرض مرحا. الاشارة بأولئك: الاشارة في قوله تعالى «كل أولئك كان عنه مسئولا» إلى السمع والبصر والفؤاد وقد أشير إليها بأولئك وهي في الأكثر لمن يعقل لأنه جمع ذا، وذا لمن يعقل ولما لا يعقل وأولاء ممدود عند الحجازيين مقصور عند أهل نجد وتميم والأكثر مجيئه للعقلاء ويقل مجيئه لغير العقلاء كقول جرير بن عطية: ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام وهو من قصيدة مستجادة له مطلعها: سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كل مرام وفيها يقول بعد البيت المتقدم: وإذا وقفت على المنازل باللوى ... فاضت دموعي غير ذات نظام طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدّر من متون غمام لو كان عهدك كالذي حدثتنا ... لوصلت ذاك فكان غير رمام إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوام ومنها في هجاء الفرزدق: خلق الفرزدق سوءة في مالك ... ولخلف ضبة كان شر غلام مهلا فرزدق إن قومك فيهم ... خور القلوب وخفّة الأحلام الظاعنون على العمي بجميعهم ... والنّازلون بشرّ دار مقام واللوى بكسر اللام وفتح الواو مقصورا في الأصل منقطع الرمل وقد ورد في مطلع معلقة امرئ القيس وهو: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدخول فحومل وهو أيضا موضع بعينه قال ياقوت: «وقد أكثرت الشعراء من ذكره وخلطت بين ذلك اللوى والرمل فعز الفصل بينهما وهو واد من أودية بني سليم» .

الإسراء 17:33

اللغة: (الزِّنى) : يكتب بالياء لأنه مصدر زنى يزني ويكتب بالألف على أنه مقصور من الزناء بالمد، ويقولون: هو زان بين الزنى والزناء بالمد والقصر قال الفرزدق: أبا خالد من يزن يعلم زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا وقال الفراء: المقصور من زنى والممدود من زانى يقال زاناها مزاناة وزناء وخرجت فلانة تزاني وتباغي وقد زّني بها وهو ولد زنية وانه لزنية بالفتح والكسر. (القسطاس) هو رومي عرّب كما تقدم وقد ذكرنا من قبل أن ذلك لا يقدح في عربية القرآن لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الاعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيا وسيأتي المزيد من هذا البحث المفيد، والقسطاس بالضم والكسر وهو القرسطون أي القبان وقيل كل ميزان صغر أو كبر. (وَلا تَقْفُ) ولا تتبع يقال فقا أثره وقافه قيل هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور يتبعها ويتعرفها وقيل القفو شبيه بالعضيهة ومنه الحديث: «من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي المخرج» وأنشدوا لبعضهم: ومثل الدمى شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا يصف نساء بأنهن جميلات مثل الدمى ويشبههن بالبيوت ويشبه الحياء بقوم يسكنونها على طريق الاستعارة المكنية والسكنى تخييل لذلك ويقول انهن لا يشعن أي لا يظهرن التقافي أي المتابعة بالقذف من قفوته إذا اتبعته بالغيبة. وقال الكميت: ولا أرمي البريء بغير ذنب ... ولا أقفو الحواصن إن قفينا يقول لا أتهم البريء بشيء زور بل بذنب محقق ولا أتبع العفائف وأتكلم فيهن بفحش ما دمن عفائف إن قفاهنّ الناس فتكلموا فيهن فكيف إذا لم يتكلم فيهنّ أحد. الإعراب: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) الواو عاطفة ولا ناهية وتقربوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والزنا مفعول به وجملة إنه تعليلية لا محل لها وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وفاحشة خبرها وساء فعل ماض للذم والفاعل مستتر وسبيلا تمييز والمخصوص بالذم محذوف أي هو. (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ولا تقتلوا عطف على ما تقدم والنفس مفعول به والتي صفة وجملة حرم الله صلة وإلا أداة حصر وبالحق متعلقان بتقتلوا والباء للسببية أو بمحذوف حال من فاعل تقتلوا فهي للملابسة أي ملتبسين بالحق (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ وقتل فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط ونائب الفاعل مستتر تقديره هو ومظلوما حال، فقد الفاء رابطة وقد حرف تحقيق وجعلنا فعل وفاعل ولوليه مفعول جعلنا الثاني وسلطانا مفعول جعلنا الأول أي حجة يثب بها عليه. (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) الفاء عاطفة ولا ناهية ويسرف مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر يعود على الولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كديدن الجاهلية على حد قول مهلهل ابن ربيعة: كل قتيل في كليب غره ... حتى ينال القتل آل مرة وفي القتل متعلقان بيسرف وجملة إنه تعليلية وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر ومنصورا خبرها. (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ولا تقربوا عطف أيضا ومال اليتيم مفعول به وإلا أداة حصر وبالتي استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقربوه بحال من الأحوال إلا بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن وهي حفظه وصيانته واستغلاله لمصلحة اليتيم وهي مبتدأ وأحسن خبر والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول. (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) حتى حرف غاية وجر ويبلغ منصوب بأن مضمرة بعد حتى والمراد بالأشد بلوغه مرتبة يحسن فيها التصرف وقد تقدم معنى الأشد وانه مفرد بمعنى القوة أو جمع لا واحد له من لفظه. وقيل جمع شدة أو شد. وفي كتاب معاني القرآن للفراء ان الأربعين أشبه بالصواب. (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) أوفوا فعل أمر والواو فاعل وبالعهد متعلقان بأوفوا وان واسمها وجملة كان خبرها ومسئولا خبر كان ومعنى مسئولا مطلوبا كأنه يطلب من المعاهد أن يفي به وحذف الجار والمجرور تخفيفا أي عنه وقد ذكر في بقية الآي كما سيأتي ويجوز وجه آخر سيأتي في باب البلاغة. (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) وأوفوا فعل أمر والواو فاعل والكيل مفعول أوفوا وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة كلتم مضافة إلى الظرف وجوابه محذوف دل عليه قوله أوفوا الكيل. وزنوا بالقسطاس المستقيم عطف على أوفوا بالكيل. (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ذلك مبتدأ وخير خبر وأحسن عطف على خير وتأويلا تمييز أي أحسن عاقبة فالتأويل تفصيل من آل إذا رجع وهو ما يئول اليه في الآخرة. (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) لا ناهية وتقف مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الواو وفاعله مستتر تقديره أنت وما مفعول به وجملة ليس صلة ولك خبر ليس المقدم وبه متعلقان بمحذوف حال ولا يجوز تعلقها بعلم لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه وقال بعضهم متعلقان بما تعلق به لك وهو الاستقرار وفيه بعد، ومعنى الآية النهي عن أن يقول الإنسان مالا يعلم أو يعمل بما لا علم له به وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور إلا أن الشيوع أولى، وعلم اسم ليس المؤخر. (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) ان واسمها والبصر والفؤاد عطف على السمع وكل مبتدأ وأولئك مضاف وجملة كان خبر وعنه متعلقان بمسئولا، ومسئولا خبر كان وسيأتي مزيد من التفصيل حول هذه الآية في بابي البلاغة والفوائد. (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) لا ناهية وتمش مجزوم بها وفاعله مستتر تقديره أنت وفي الأرض متعلقان بتمش ومرحا حال على تقدير مضاف أي ذا مرح أي ولا تمش في الأرض حال كونك ذا مرح أي مارحا ملتبسا بالكبر والخيلاء وقد أحسن الأخفش إذ فضل المصدر على اسم الفاعل كأنه نفس المرح ويجوز أن يعرب مفعولا لأجله كما قال أبو البقاء. (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا) جملة تعليلية لا محل لها كأنها تعليل للنهي أي لن تجعل فيها صدوعا وخروقا بدوسك لها وإن واسمها وجملة لن تخرق الأرض خبرها ولن تبلغ الجبال عطف على لن تخرق وطولا تمييز محول عن الفاعل أي ولن يبلغ طولك الجبال وقيل مصدر في موقع الحال أو مفعول له، وسيأتي مزيد من البحث في باب البلاغة. (كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) كل مبتدأ وذلك مضاف اليه والاشارة إلى ما تقدم من الخصال الخمس والعشرين الآنفة من قوله تعالى لا تجعل مع الله إلها آخر وسيأتي تفصيل عدها في باب الفوائد وكان فعل ماض ناقص وسيئه اسمها وعند ربك ظرف متعلق بمكروها، ومكروها خبر كان. (ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) ذلك مبتدأ أي ما تقدم من خصال ومما خبر وجملة أوحى صلة وإليك متعلقان بأوحى وربك فاعل ومن الحكمة حال من عائد الموصول المحذوف أي من الذي أوحاه إليك حال كونه من الحكمة التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به أو حال من نفس الموصول وقد استهلت هذه الخصال وختمت بالنهي عن الشرك. (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) ولا تجعل عطف على ما تقدم ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لتجعل وإلها هو المفعول الأول وآخر صفة فتلقى الفاء فاء السببية ونائب الفاعل مستتر تقديره أنت وفي جهنم متعلقان بتلقى وملوما ومدحورا حالان. البلاغة: انطوت هذه الآية على فنون كثيرة من البلاغة نثبتها فيما يلي: 1- الاطناب: في قوله تعالى: «ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا» فإن معنى هذه الآية جاء موجزا في قوله تعالى «ولكم في القصاص حياة» لكن الأول إطناب والثاني إيجاز وكلاهما موصوف بالمساواة وقد تحدثنا عن الإيجاز فلنتحدث الآن عن الاطناب والمساواة فالاطناب مأخوذ في الأصل من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه يقال أطنبت الريح إذا اشتدت في هبوبها وأطنب في السير إذا اشتد فيه وفي اصطلاح البيانيين هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة فإذا لم تكن في الزيادة فائدة سمي تطويلا إن كانت الزيادة غير متعينة وحشوا إن كانت متعينة فالتطويل كقول عنترة بن شداد: حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم والحشو كقول زهير بن أبي سلمى: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم والإطناب يكون بأمور عدة نوجزها فيما يلي: آ- التأكيد والتقرير وهو يكون حقيقة ومجازا فالحقيقة كقولهم رأيته بعيني وقبضته بيدي ووطئته بقدمي وذقته بفمي وكل هذا يظن الظان أنه لا حاجة إليه فالرؤية لا تكون إلا بالعين والقبض لا يكون إلا باليد والوطء لا يكون إلا بالقدم والذوق لا يكون إلا بالفم وليس الأمر كما توهم بل يطرد في كل ما يعزّ مناله ويعظم الوصول إليه ومن أمثلته البديعة في الشعر قول البحتري: تأمل من خلال السجف وانظر ... بعينك ما شربت ومن سقاني تجد شمس الضحى تدنو بشمس ... إليّ من الرحيق الخسرواني ولما كان الحضور في هذا المجلس مما يعز وجوده ومناله وكان الساقي بهذه المثابة من الحسن قال انظر بعينك. وعلى هذا ورد الكثير منه في القرآن الكريم فقال تعالى: «ذلك قولكم بأفواهكم» والمجاز كقوله تعالى: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» ففائدة ذكر الصدور هنا انه قد تعورف وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب تشبيه وتمثيل فلما أريد إثبات ما هو خلاف ما تعورف وعلم من نسبة العمى إلى القلوب احتاج الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف ليقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الصدور. ب- ذكر الخاص بعد العام: كقوله تعالى «تنزل الملائكة والروح فيها» فقد خص الله سبحانه الروح بالذكر وهو جبريل مع انه داخل في عموم الملائكة تكريما له وتعظيما لشأنه وكأنه من جنس آخر ففائدة الزيادة هنا التنويه الخاص. ج- ذكر العام بعد الخاص: كقوله تعالى: «ربي اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات» فقد ذكر الله سبحانه المؤمنين والمؤمنات وهما لفظان عامان يدخل في عمومهما من ذكر قبل ذلك والغرض من هذه الزيادة إفادة الشمول مع العناية بالخاص ذكره مرة وحده ومرة مندرجا تحت العام. د- الإيضاح بعد الإبهام: كقوله تعالى: «وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين» فقوله ذلك الأمر إبهام وقوله أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين إيضاح للإبهام الذي تضمنه لفظ الأمر لزيادة تقرير المعنى في ذهن السامع مرة على طريق الإجمال والإبهام، ومرة على طريق التفصيل والإيضاح. هـ- التكرار لتقرير المعنى: وهذا موضوع جم الشعاب متعدد المسالك نحتاج إلى مجلدات لإحصائه ولكننا نذكر ما هو بمثابة الدليل والرائد لغيره كقول عنترة بن شداد في بعض روايات معلقته: يدعون عنتر والسيوف كأنها ... لمع البوارق في سحاب مظلم يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم فالتكرار في بيتي عنترة تقرير المعنى في نفس السامع وترسيخه في ذهنه وهو هنا لداعي الفخر ويطرد في الخطابة وفي مواطن الفخر والمدح والإرشاد والانذار وقد يكون للتحسر كقول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة: فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة موضعا ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مرتعا ومنها طول الفصل كقول الشاعر: لقد علم الحيّ اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد اني خطيبها والاعتراض: وهو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لغرض يقصد إليه البليغ وقد تقدم ذكره ومنه قول النابغة الجعدي: ألا زعمت بنو سعد بأني- ألا كذبوا- كبير السن فان فقد جاءت جملة «ألا كذبوا» معترضة بين اسم ان وخبرها للاسراع إلى التنبيه على كذب من رماه بالكبر. ز- التذييل: وهو تعقيب الجمل بجملة أخرى تشتمل على معناها توكيدا لها كقول الحطيئة: تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد فإن المعنى تم في الشطر الأول ثم ذيل بالشطر الثاني للتوكيد. ح- الاحتراس: وقد تقدم بحثه ومنه قول ابن المعتز: صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل فلو أسقطنا كلمة «ظالمين» لتوهم السامع أن فرس ابن المعتز كانت بليدة تستحق الضرب وهذا خلاف المقصود. هذا وستأتي أمثلة من الاطناب في مواضعها من هذا الكتاب. أما المساواة فهي أن تكون المعاني بقدر الألفاظ والألفاظ بقدر المعاني لا يزيد بعضها على بعض ولا ينقص عنه وقد تقدم التمثيل لها بقوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» إلخ ومن أمثلتها في الشعر قول النابغة الذبياني: فانك كالليل الذي هو مدركي ... وان خلت أن المنتأى عنك واسع وقول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود والقرآن حافل بأمثلة المساواة وستأتي في مواضعها إن شاء الله. 2- الاستعارة: في قوله تعالى: «إن العهد كان مسئولا» وقد قدمنا انه جار على الحقيقة بحذف الجار والمجرور ويجوز أن يكون الكلام جاريا على طريق الاستعارة المكنية بأن يشبه العهد بمن نكث عهده ونسبته السؤال إليه تخييل. 3- التهكم: وقد سبق ذكره لأن مشية المرح مشتملة على شدة الوطء والتباهي على الأرض بمشيه عليها والتطاول على الآخر ولو كان المتكبر خفيف الوطأة قميء النظرة، شخت الخلقة، على حد قول المتنبي: أفي كل يوم تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول الفوائد: في هذه الآيات الجامعة فوائد كثيرة تتناول المهم منها جريا على أسلوبنا في هذا الكتاب فمنها تعليق الجار والمجرور في قوله تعالى: «كل أولئك كان عنه مسئولا» فقد علقناه في باب الإعراب بمسئولا وجعلنا نائب الفاعل ضميرا يعود على كل أي كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه يعني عما فعل به صاحبه وقد أسند الزمخشري مسئولا إلى الجار والمجرور وجعله بمثابة نائب الفاعل وهذا سهو من الزمخشري يجل عنه لأن الجار والمجرور يقام مقام الفاعل أو نائبه إذا تقدم الفعل أو ما يقوم مقامه وأما إذا تأخر فلا يصح ذلك لأن الاسم إذا تقدم على الفعل صار مبتدأ وحرف الجر إذا كان لازما لا يكون مبتدأ ف «عنه» ليس هو النائب عن الفاعل خلافا لصاحب الكشاف ولا ضمير المصدر كما قال بعضهم وإنما النائب في هذه الآية ضمير راجع إلى ما رجع اليه اسم كان وهو المكلف المدلول عليه بالمعنى والتقدير مسئولا هو أي المكلف وإنما لم يقدر ضمير كان راجعا لكل لئلا يخلو مسئولا عن ضمير فيكون مسندا إلى عنه وذلك لا يجوز. وعبارة ابن هشام «وقول بعضهم في قوله تعالى: «إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا» إن عنه مرفوع المحل بمسئولا والصواب ان اسم كان ضمير المكلف وإن لم يجد له ذكر وان المرفوع بمسئولا مستقر فيه راجع اليه أيضا وان عنه في موضع نصب» . أي على انه مفعول ثان لمسئولا لأنه يعتدى لمفعولين ثانيهما بعن. الخصال الخمس والعشرون: وعدناك بإحصاء الخصال الخمس والعشرين التي وردت الاشارة إليها بقوله تعالى: «كل ذلك» وهذا احصاؤها بالترتيب: 1- لا تجعل مع الله إلها آخر. 2 و3- قوله تعالى وقضى ربك إلى آخر الآية لاشتماله على تكليفين وهما عبادة الله والنهي عن عبادة غيره. 4- وبالوالدين إحسانا. 5- فلا تقل لهما أف. 6- ولا تنهرهما. 7- وقل لهما قولا كريما. 8- واخفض لهما جناح الذل. 9- وقل رب ارحمهما. 10- وآت ذا القربى حقه. 11- والمسكين. 12- وابن السبيل. 13- ولا تبذر تبذيرا. 14- فقل لهم قولا ميسورا. 15- ولا تجعل يدك مغلولة. 16- ولا تبسطها كل البسط. 17- ولا تقتلوا أولادكم. 18- ولا تقربوا الزنا. 19- ولا تقتلوا النفس. 20- فلا يسرف في القتل. 21- وأوفوا بالعهد. 22- وأوفوا الكيل. 23- وزنوا بالقسطاس. 24- ولا تقف ما ليس لك به علم. 25- ولا تمش في الأرض مرحا. الاشارة بأولئك: الاشارة في قوله تعالى «كل أولئك كان عنه مسئولا» إلى السمع والبصر والفؤاد وقد أشير إليها بأولئك وهي في الأكثر لمن يعقل لأنه جمع ذا، وذا لمن يعقل ولما لا يعقل وأولاء ممدود عند الحجازيين مقصور عند أهل نجد وتميم والأكثر مجيئه للعقلاء ويقل مجيئه لغير العقلاء كقول جرير بن عطية: ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام وهو من قصيدة مستجادة له مطلعها: سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كل مرام وفيها يقول بعد البيت المتقدم: وإذا وقفت على المنازل باللوى ... فاضت دموعي غير ذات نظام طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدّر من متون غمام لو كان عهدك كالذي حدثتنا ... لوصلت ذاك فكان غير رمام إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوام ومنها في هجاء الفرزدق: خلق الفرزدق سوءة في مالك ... ولخلف ضبة كان شر غلام مهلا فرزدق إن قومك فيهم ... خور القلوب وخفّة الأحلام الظاعنون على العمي بجميعهم ... والنّازلون بشرّ دار مقام واللوى بكسر اللام وفتح الواو مقصورا في الأصل منقطع الرمل وقد ورد في مطلع معلقة امرئ القيس وهو: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدخول فحومل وهو أيضا موضع بعينه قال ياقوت: «وقد أكثرت الشعراء من ذكره وخلطت بين ذلك اللوى والرمل فعز الفصل بينهما وهو واد من أودية بني سليم» .

الإسراء 17:34

اللغة: (الزِّنى) : يكتب بالياء لأنه مصدر زنى يزني ويكتب بالألف على أنه مقصور من الزناء بالمد، ويقولون: هو زان بين الزنى والزناء بالمد والقصر قال الفرزدق: أبا خالد من يزن يعلم زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا وقال الفراء: المقصور من زنى والممدود من زانى يقال زاناها مزاناة وزناء وخرجت فلانة تزاني وتباغي وقد زّني بها وهو ولد زنية وانه لزنية بالفتح والكسر. (القسطاس) هو رومي عرّب كما تقدم وقد ذكرنا من قبل أن ذلك لا يقدح في عربية القرآن لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الاعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيا وسيأتي المزيد من هذا البحث المفيد، والقسطاس بالضم والكسر وهو القرسطون أي القبان وقيل كل ميزان صغر أو كبر. (وَلا تَقْفُ) ولا تتبع يقال فقا أثره وقافه قيل هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور يتبعها ويتعرفها وقيل القفو شبيه بالعضيهة ومنه الحديث: «من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي المخرج» وأنشدوا لبعضهم: ومثل الدمى شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا يصف نساء بأنهن جميلات مثل الدمى ويشبههن بالبيوت ويشبه الحياء بقوم يسكنونها على طريق الاستعارة المكنية والسكنى تخييل لذلك ويقول انهن لا يشعن أي لا يظهرن التقافي أي المتابعة بالقذف من قفوته إذا اتبعته بالغيبة. وقال الكميت: ولا أرمي البريء بغير ذنب ... ولا أقفو الحواصن إن قفينا يقول لا أتهم البريء بشيء زور بل بذنب محقق ولا أتبع العفائف وأتكلم فيهن بفحش ما دمن عفائف إن قفاهنّ الناس فتكلموا فيهن فكيف إذا لم يتكلم فيهنّ أحد. الإعراب: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) الواو عاطفة ولا ناهية وتقربوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والزنا مفعول به وجملة إنه تعليلية لا محل لها وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وفاحشة خبرها وساء فعل ماض للذم والفاعل مستتر وسبيلا تمييز والمخصوص بالذم محذوف أي هو. (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ولا تقتلوا عطف على ما تقدم والنفس مفعول به والتي صفة وجملة حرم الله صلة وإلا أداة حصر وبالحق متعلقان بتقتلوا والباء للسببية أو بمحذوف حال من فاعل تقتلوا فهي للملابسة أي ملتبسين بالحق (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ وقتل فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط ونائب الفاعل مستتر تقديره هو ومظلوما حال، فقد الفاء رابطة وقد حرف تحقيق وجعلنا فعل وفاعل ولوليه مفعول جعلنا الثاني وسلطانا مفعول جعلنا الأول أي حجة يثب بها عليه. (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) الفاء عاطفة ولا ناهية ويسرف مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر يعود على الولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كديدن الجاهلية على حد قول مهلهل ابن ربيعة: كل قتيل في كليب غره ... حتى ينال القتل آل مرة وفي القتل متعلقان بيسرف وجملة إنه تعليلية وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر ومنصورا خبرها. (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ولا تقربوا عطف أيضا ومال اليتيم مفعول به وإلا أداة حصر وبالتي استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقربوه بحال من الأحوال إلا بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن وهي حفظه وصيانته واستغلاله لمصلحة اليتيم وهي مبتدأ وأحسن خبر والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول. (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) حتى حرف غاية وجر ويبلغ منصوب بأن مضمرة بعد حتى والمراد بالأشد بلوغه مرتبة يحسن فيها التصرف وقد تقدم معنى الأشد وانه مفرد بمعنى القوة أو جمع لا واحد له من لفظه. وقيل جمع شدة أو شد. وفي كتاب معاني القرآن للفراء ان الأربعين أشبه بالصواب. (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) أوفوا فعل أمر والواو فاعل وبالعهد متعلقان بأوفوا وان واسمها وجملة كان خبرها ومسئولا خبر كان ومعنى مسئولا مطلوبا كأنه يطلب من المعاهد أن يفي به وحذف الجار والمجرور تخفيفا أي عنه وقد ذكر في بقية الآي كما سيأتي ويجوز وجه آخر سيأتي في باب البلاغة. (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) وأوفوا فعل أمر والواو فاعل والكيل مفعول أوفوا وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة كلتم مضافة إلى الظرف وجوابه محذوف دل عليه قوله أوفوا الكيل. وزنوا بالقسطاس المستقيم عطف على أوفوا بالكيل. (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ذلك مبتدأ وخير خبر وأحسن عطف على خير وتأويلا تمييز أي أحسن عاقبة فالتأويل تفصيل من آل إذا رجع وهو ما يئول اليه في الآخرة. (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) لا ناهية وتقف مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الواو وفاعله مستتر تقديره أنت وما مفعول به وجملة ليس صلة ولك خبر ليس المقدم وبه متعلقان بمحذوف حال ولا يجوز تعلقها بعلم لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه وقال بعضهم متعلقان بما تعلق به لك وهو الاستقرار وفيه بعد، ومعنى الآية النهي عن أن يقول الإنسان مالا يعلم أو يعمل بما لا علم له به وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور إلا أن الشيوع أولى، وعلم اسم ليس المؤخر. (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) ان واسمها والبصر والفؤاد عطف على السمع وكل مبتدأ وأولئك مضاف وجملة كان خبر وعنه متعلقان بمسئولا، ومسئولا خبر كان وسيأتي مزيد من التفصيل حول هذه الآية في بابي البلاغة والفوائد. (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) لا ناهية وتمش مجزوم بها وفاعله مستتر تقديره أنت وفي الأرض متعلقان بتمش ومرحا حال على تقدير مضاف أي ذا مرح أي ولا تمش في الأرض حال كونك ذا مرح أي مارحا ملتبسا بالكبر والخيلاء وقد أحسن الأخفش إذ فضل المصدر على اسم الفاعل كأنه نفس المرح ويجوز أن يعرب مفعولا لأجله كما قال أبو البقاء. (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا) جملة تعليلية لا محل لها كأنها تعليل للنهي أي لن تجعل فيها صدوعا وخروقا بدوسك لها وإن واسمها وجملة لن تخرق الأرض خبرها ولن تبلغ الجبال عطف على لن تخرق وطولا تمييز محول عن الفاعل أي ولن يبلغ طولك الجبال وقيل مصدر في موقع الحال أو مفعول له، وسيأتي مزيد من البحث في باب البلاغة. (كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) كل مبتدأ وذلك مضاف اليه والاشارة إلى ما تقدم من الخصال الخمس والعشرين الآنفة من قوله تعالى لا تجعل مع الله إلها آخر وسيأتي تفصيل عدها في باب الفوائد وكان فعل ماض ناقص وسيئه اسمها وعند ربك ظرف متعلق بمكروها، ومكروها خبر كان. (ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) ذلك مبتدأ أي ما تقدم من خصال ومما خبر وجملة أوحى صلة وإليك متعلقان بأوحى وربك فاعل ومن الحكمة حال من عائد الموصول المحذوف أي من الذي أوحاه إليك حال كونه من الحكمة التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به أو حال من نفس الموصول وقد استهلت هذه الخصال وختمت بالنهي عن الشرك. (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) ولا تجعل عطف على ما تقدم ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لتجعل وإلها هو المفعول الأول وآخر صفة فتلقى الفاء فاء السببية ونائب الفاعل مستتر تقديره أنت وفي جهنم متعلقان بتلقى وملوما ومدحورا حالان. البلاغة: انطوت هذه الآية على فنون كثيرة من البلاغة نثبتها فيما يلي: 1- الاطناب: في قوله تعالى: «ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا» فإن معنى هذه الآية جاء موجزا في قوله تعالى «ولكم في القصاص حياة» لكن الأول إطناب والثاني إيجاز وكلاهما موصوف بالمساواة وقد تحدثنا عن الإيجاز فلنتحدث الآن عن الاطناب والمساواة فالاطناب مأخوذ في الأصل من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه يقال أطنبت الريح إذا اشتدت في هبوبها وأطنب في السير إذا اشتد فيه وفي اصطلاح البيانيين هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة فإذا لم تكن في الزيادة فائدة سمي تطويلا إن كانت الزيادة غير متعينة وحشوا إن كانت متعينة فالتطويل كقول عنترة بن شداد: حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم والحشو كقول زهير بن أبي سلمى: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم والإطناب يكون بأمور عدة نوجزها فيما يلي: آ- التأكيد والتقرير وهو يكون حقيقة ومجازا فالحقيقة كقولهم رأيته بعيني وقبضته بيدي ووطئته بقدمي وذقته بفمي وكل هذا يظن الظان أنه لا حاجة إليه فالرؤية لا تكون إلا بالعين والقبض لا يكون إلا باليد والوطء لا يكون إلا بالقدم والذوق لا يكون إلا بالفم وليس الأمر كما توهم بل يطرد في كل ما يعزّ مناله ويعظم الوصول إليه ومن أمثلته البديعة في الشعر قول البحتري: تأمل من خلال السجف وانظر ... بعينك ما شربت ومن سقاني تجد شمس الضحى تدنو بشمس ... إليّ من الرحيق الخسرواني ولما كان الحضور في هذا المجلس مما يعز وجوده ومناله وكان الساقي بهذه المثابة من الحسن قال انظر بعينك. وعلى هذا ورد الكثير منه في القرآن الكريم فقال تعالى: «ذلك قولكم بأفواهكم» والمجاز كقوله تعالى: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» ففائدة ذكر الصدور هنا انه قد تعورف وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب تشبيه وتمثيل فلما أريد إثبات ما هو خلاف ما تعورف وعلم من نسبة العمى إلى القلوب احتاج الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف ليقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الصدور. ب- ذكر الخاص بعد العام: كقوله تعالى «تنزل الملائكة والروح فيها» فقد خص الله سبحانه الروح بالذكر وهو جبريل مع انه داخل في عموم الملائكة تكريما له وتعظيما لشأنه وكأنه من جنس آخر ففائدة الزيادة هنا التنويه الخاص. ج- ذكر العام بعد الخاص: كقوله تعالى: «ربي اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات» فقد ذكر الله سبحانه المؤمنين والمؤمنات وهما لفظان عامان يدخل في عمومهما من ذكر قبل ذلك والغرض من هذه الزيادة إفادة الشمول مع العناية بالخاص ذكره مرة وحده ومرة مندرجا تحت العام. د- الإيضاح بعد الإبهام: كقوله تعالى: «وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين» فقوله ذلك الأمر إبهام وقوله أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين إيضاح للإبهام الذي تضمنه لفظ الأمر لزيادة تقرير المعنى في ذهن السامع مرة على طريق الإجمال والإبهام، ومرة على طريق التفصيل والإيضاح. هـ- التكرار لتقرير المعنى: وهذا موضوع جم الشعاب متعدد المسالك نحتاج إلى مجلدات لإحصائه ولكننا نذكر ما هو بمثابة الدليل والرائد لغيره كقول عنترة بن شداد في بعض روايات معلقته: يدعون عنتر والسيوف كأنها ... لمع البوارق في سحاب مظلم يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم فالتكرار في بيتي عنترة تقرير المعنى في نفس السامع وترسيخه في ذهنه وهو هنا لداعي الفخر ويطرد في الخطابة وفي مواطن الفخر والمدح والإرشاد والانذار وقد يكون للتحسر كقول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة: فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة موضعا ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مرتعا ومنها طول الفصل كقول الشاعر: لقد علم الحيّ اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد اني خطيبها والاعتراض: وهو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لغرض يقصد إليه البليغ وقد تقدم ذكره ومنه قول النابغة الجعدي: ألا زعمت بنو سعد بأني- ألا كذبوا- كبير السن فان فقد جاءت جملة «ألا كذبوا» معترضة بين اسم ان وخبرها للاسراع إلى التنبيه على كذب من رماه بالكبر. ز- التذييل: وهو تعقيب الجمل بجملة أخرى تشتمل على معناها توكيدا لها كقول الحطيئة: تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد فإن المعنى تم في الشطر الأول ثم ذيل بالشطر الثاني للتوكيد. ح- الاحتراس: وقد تقدم بحثه ومنه قول ابن المعتز: صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل فلو أسقطنا كلمة «ظالمين» لتوهم السامع أن فرس ابن المعتز كانت بليدة تستحق الضرب وهذا خلاف المقصود. هذا وستأتي أمثلة من الاطناب في مواضعها من هذا الكتاب. أما المساواة فهي أن تكون المعاني بقدر الألفاظ والألفاظ بقدر المعاني لا يزيد بعضها على بعض ولا ينقص عنه وقد تقدم التمثيل لها بقوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» إلخ ومن أمثلتها في الشعر قول النابغة الذبياني: فانك كالليل الذي هو مدركي ... وان خلت أن المنتأى عنك واسع وقول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود والقرآن حافل بأمثلة المساواة وستأتي في مواضعها إن شاء الله. 2- الاستعارة: في قوله تعالى: «إن العهد كان مسئولا» وقد قدمنا انه جار على الحقيقة بحذف الجار والمجرور ويجوز أن يكون الكلام جاريا على طريق الاستعارة المكنية بأن يشبه العهد بمن نكث عهده ونسبته السؤال إليه تخييل. 3- التهكم: وقد سبق ذكره لأن مشية المرح مشتملة على شدة الوطء والتباهي على الأرض بمشيه عليها والتطاول على الآخر ولو كان المتكبر خفيف الوطأة قميء النظرة، شخت الخلقة، على حد قول المتنبي: أفي كل يوم تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول الفوائد: في هذه الآيات الجامعة فوائد كثيرة تتناول المهم منها جريا على أسلوبنا في هذا الكتاب فمنها تعليق الجار والمجرور في قوله تعالى: «كل أولئك كان عنه مسئولا» فقد علقناه في باب الإعراب بمسئولا وجعلنا نائب الفاعل ضميرا يعود على كل أي كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه يعني عما فعل به صاحبه وقد أسند الزمخشري مسئولا إلى الجار والمجرور وجعله بمثابة نائب الفاعل وهذا سهو من الزمخشري يجل عنه لأن الجار والمجرور يقام مقام الفاعل أو نائبه إذا تقدم الفعل أو ما يقوم مقامه وأما إذا تأخر فلا يصح ذلك لأن الاسم إذا تقدم على الفعل صار مبتدأ وحرف الجر إذا كان لازما لا يكون مبتدأ ف «عنه» ليس هو النائب عن الفاعل خلافا لصاحب الكشاف ولا ضمير المصدر كما قال بعضهم وإنما النائب في هذه الآية ضمير راجع إلى ما رجع اليه اسم كان وهو المكلف المدلول عليه بالمعنى والتقدير مسئولا هو أي المكلف وإنما لم يقدر ضمير كان راجعا لكل لئلا يخلو مسئولا عن ضمير فيكون مسندا إلى عنه وذلك لا يجوز. وعبارة ابن هشام «وقول بعضهم في قوله تعالى: «إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا» إن عنه مرفوع المحل بمسئولا والصواب ان اسم كان ضمير المكلف وإن لم يجد له ذكر وان المرفوع بمسئولا مستقر فيه راجع اليه أيضا وان عنه في موضع نصب» . أي على انه مفعول ثان لمسئولا لأنه يعتدى لمفعولين ثانيهما بعن. الخصال الخمس والعشرون: وعدناك بإحصاء الخصال الخمس والعشرين التي وردت الاشارة إليها بقوله تعالى: «كل ذلك» وهذا احصاؤها بالترتيب: 1- لا تجعل مع الله إلها آخر. 2 و3- قوله تعالى وقضى ربك إلى آخر الآية لاشتماله على تكليفين وهما عبادة الله والنهي عن عبادة غيره. 4- وبالوالدين إحسانا. 5- فلا تقل لهما أف. 6- ولا تنهرهما. 7- وقل لهما قولا كريما. 8- واخفض لهما جناح الذل. 9- وقل رب ارحمهما. 10- وآت ذا القربى حقه. 11- والمسكين. 12- وابن السبيل. 13- ولا تبذر تبذيرا. 14- فقل لهم قولا ميسورا. 15- ولا تجعل يدك مغلولة. 16- ولا تبسطها كل البسط. 17- ولا تقتلوا أولادكم. 18- ولا تقربوا الزنا. 19- ولا تقتلوا النفس. 20- فلا يسرف في القتل. 21- وأوفوا بالعهد. 22- وأوفوا الكيل. 23- وزنوا بالقسطاس. 24- ولا تقف ما ليس لك به علم. 25- ولا تمش في الأرض مرحا. الاشارة بأولئك: الاشارة في قوله تعالى «كل أولئك كان عنه مسئولا» إلى السمع والبصر والفؤاد وقد أشير إليها بأولئك وهي في الأكثر لمن يعقل لأنه جمع ذا، وذا لمن يعقل ولما لا يعقل وأولاء ممدود عند الحجازيين مقصور عند أهل نجد وتميم والأكثر مجيئه للعقلاء ويقل مجيئه لغير العقلاء كقول جرير بن عطية: ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام وهو من قصيدة مستجادة له مطلعها: سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كل مرام وفيها يقول بعد البيت المتقدم: وإذا وقفت على المنازل باللوى ... فاضت دموعي غير ذات نظام طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدّر من متون غمام لو كان عهدك كالذي حدثتنا ... لوصلت ذاك فكان غير رمام إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوام ومنها في هجاء الفرزدق: خلق الفرزدق سوءة في مالك ... ولخلف ضبة كان شر غلام مهلا فرزدق إن قومك فيهم ... خور القلوب وخفّة الأحلام الظاعنون على العمي بجميعهم ... والنّازلون بشرّ دار مقام واللوى بكسر اللام وفتح الواو مقصورا في الأصل منقطع الرمل وقد ورد في مطلع معلقة امرئ القيس وهو: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدخول فحومل وهو أيضا موضع بعينه قال ياقوت: «وقد أكثرت الشعراء من ذكره وخلطت بين ذلك اللوى والرمل فعز الفصل بينهما وهو واد من أودية بني سليم» .

الإسراء 17:35

اللغة: (الزِّنى) : يكتب بالياء لأنه مصدر زنى يزني ويكتب بالألف على أنه مقصور من الزناء بالمد، ويقولون: هو زان بين الزنى والزناء بالمد والقصر قال الفرزدق: أبا خالد من يزن يعلم زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا وقال الفراء: المقصور من زنى والممدود من زانى يقال زاناها مزاناة وزناء وخرجت فلانة تزاني وتباغي وقد زّني بها وهو ولد زنية وانه لزنية بالفتح والكسر. (القسطاس) هو رومي عرّب كما تقدم وقد ذكرنا من قبل أن ذلك لا يقدح في عربية القرآن لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الاعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيا وسيأتي المزيد من هذا البحث المفيد، والقسطاس بالضم والكسر وهو القرسطون أي القبان وقيل كل ميزان صغر أو كبر. (وَلا تَقْفُ) ولا تتبع يقال فقا أثره وقافه قيل هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور يتبعها ويتعرفها وقيل القفو شبيه بالعضيهة ومنه الحديث: «من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي المخرج» وأنشدوا لبعضهم: ومثل الدمى شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا يصف نساء بأنهن جميلات مثل الدمى ويشبههن بالبيوت ويشبه الحياء بقوم يسكنونها على طريق الاستعارة المكنية والسكنى تخييل لذلك ويقول انهن لا يشعن أي لا يظهرن التقافي أي المتابعة بالقذف من قفوته إذا اتبعته بالغيبة. وقال الكميت: ولا أرمي البريء بغير ذنب ... ولا أقفو الحواصن إن قفينا يقول لا أتهم البريء بشيء زور بل بذنب محقق ولا أتبع العفائف وأتكلم فيهن بفحش ما دمن عفائف إن قفاهنّ الناس فتكلموا فيهن فكيف إذا لم يتكلم فيهنّ أحد. الإعراب: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) الواو عاطفة ولا ناهية وتقربوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والزنا مفعول به وجملة إنه تعليلية لا محل لها وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وفاحشة خبرها وساء فعل ماض للذم والفاعل مستتر وسبيلا تمييز والمخصوص بالذم محذوف أي هو. (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ولا تقتلوا عطف على ما تقدم والنفس مفعول به والتي صفة وجملة حرم الله صلة وإلا أداة حصر وبالحق متعلقان بتقتلوا والباء للسببية أو بمحذوف حال من فاعل تقتلوا فهي للملابسة أي ملتبسين بالحق (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ وقتل فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط ونائب الفاعل مستتر تقديره هو ومظلوما حال، فقد الفاء رابطة وقد حرف تحقيق وجعلنا فعل وفاعل ولوليه مفعول جعلنا الثاني وسلطانا مفعول جعلنا الأول أي حجة يثب بها عليه. (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) الفاء عاطفة ولا ناهية ويسرف مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر يعود على الولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كديدن الجاهلية على حد قول مهلهل ابن ربيعة: كل قتيل في كليب غره ... حتى ينال القتل آل مرة وفي القتل متعلقان بيسرف وجملة إنه تعليلية وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر ومنصورا خبرها. (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ولا تقربوا عطف أيضا ومال اليتيم مفعول به وإلا أداة حصر وبالتي استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقربوه بحال من الأحوال إلا بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن وهي حفظه وصيانته واستغلاله لمصلحة اليتيم وهي مبتدأ وأحسن خبر والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول. (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) حتى حرف غاية وجر ويبلغ منصوب بأن مضمرة بعد حتى والمراد بالأشد بلوغه مرتبة يحسن فيها التصرف وقد تقدم معنى الأشد وانه مفرد بمعنى القوة أو جمع لا واحد له من لفظه. وقيل جمع شدة أو شد. وفي كتاب معاني القرآن للفراء ان الأربعين أشبه بالصواب. (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) أوفوا فعل أمر والواو فاعل وبالعهد متعلقان بأوفوا وان واسمها وجملة كان خبرها ومسئولا خبر كان ومعنى مسئولا مطلوبا كأنه يطلب من المعاهد أن يفي به وحذف الجار والمجرور تخفيفا أي عنه وقد ذكر في بقية الآي كما سيأتي ويجوز وجه آخر سيأتي في باب البلاغة. (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) وأوفوا فعل أمر والواو فاعل والكيل مفعول أوفوا وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة كلتم مضافة إلى الظرف وجوابه محذوف دل عليه قوله أوفوا الكيل. وزنوا بالقسطاس المستقيم عطف على أوفوا بالكيل. (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ذلك مبتدأ وخير خبر وأحسن عطف على خير وتأويلا تمييز أي أحسن عاقبة فالتأويل تفصيل من آل إذا رجع وهو ما يئول اليه في الآخرة. (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) لا ناهية وتقف مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الواو وفاعله مستتر تقديره أنت وما مفعول به وجملة ليس صلة ولك خبر ليس المقدم وبه متعلقان بمحذوف حال ولا يجوز تعلقها بعلم لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه وقال بعضهم متعلقان بما تعلق به لك وهو الاستقرار وفيه بعد، ومعنى الآية النهي عن أن يقول الإنسان مالا يعلم أو يعمل بما لا علم له به وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور إلا أن الشيوع أولى، وعلم اسم ليس المؤخر. (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) ان واسمها والبصر والفؤاد عطف على السمع وكل مبتدأ وأولئك مضاف وجملة كان خبر وعنه متعلقان بمسئولا، ومسئولا خبر كان وسيأتي مزيد من التفصيل حول هذه الآية في بابي البلاغة والفوائد. (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) لا ناهية وتمش مجزوم بها وفاعله مستتر تقديره أنت وفي الأرض متعلقان بتمش ومرحا حال على تقدير مضاف أي ذا مرح أي ولا تمش في الأرض حال كونك ذا مرح أي مارحا ملتبسا بالكبر والخيلاء وقد أحسن الأخفش إذ فضل المصدر على اسم الفاعل كأنه نفس المرح ويجوز أن يعرب مفعولا لأجله كما قال أبو البقاء. (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا) جملة تعليلية لا محل لها كأنها تعليل للنهي أي لن تجعل فيها صدوعا وخروقا بدوسك لها وإن واسمها وجملة لن تخرق الأرض خبرها ولن تبلغ الجبال عطف على لن تخرق وطولا تمييز محول عن الفاعل أي ولن يبلغ طولك الجبال وقيل مصدر في موقع الحال أو مفعول له، وسيأتي مزيد من البحث في باب البلاغة. (كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) كل مبتدأ وذلك مضاف اليه والاشارة إلى ما تقدم من الخصال الخمس والعشرين الآنفة من قوله تعالى لا تجعل مع الله إلها آخر وسيأتي تفصيل عدها في باب الفوائد وكان فعل ماض ناقص وسيئه اسمها وعند ربك ظرف متعلق بمكروها، ومكروها خبر كان. (ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) ذلك مبتدأ أي ما تقدم من خصال ومما خبر وجملة أوحى صلة وإليك متعلقان بأوحى وربك فاعل ومن الحكمة حال من عائد الموصول المحذوف أي من الذي أوحاه إليك حال كونه من الحكمة التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به أو حال من نفس الموصول وقد استهلت هذه الخصال وختمت بالنهي عن الشرك. (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) ولا تجعل عطف على ما تقدم ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لتجعل وإلها هو المفعول الأول وآخر صفة فتلقى الفاء فاء السببية ونائب الفاعل مستتر تقديره أنت وفي جهنم متعلقان بتلقى وملوما ومدحورا حالان. البلاغة: انطوت هذه الآية على فنون كثيرة من البلاغة نثبتها فيما يلي: 1- الاطناب: في قوله تعالى: «ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا» فإن معنى هذه الآية جاء موجزا في قوله تعالى «ولكم في القصاص حياة» لكن الأول إطناب والثاني إيجاز وكلاهما موصوف بالمساواة وقد تحدثنا عن الإيجاز فلنتحدث الآن عن الاطناب والمساواة فالاطناب مأخوذ في الأصل من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه يقال أطنبت الريح إذا اشتدت في هبوبها وأطنب في السير إذا اشتد فيه وفي اصطلاح البيانيين هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة فإذا لم تكن في الزيادة فائدة سمي تطويلا إن كانت الزيادة غير متعينة وحشوا إن كانت متعينة فالتطويل كقول عنترة بن شداد: حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم والحشو كقول زهير بن أبي سلمى: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم والإطناب يكون بأمور عدة نوجزها فيما يلي: آ- التأكيد والتقرير وهو يكون حقيقة ومجازا فالحقيقة كقولهم رأيته بعيني وقبضته بيدي ووطئته بقدمي وذقته بفمي وكل هذا يظن الظان أنه لا حاجة إليه فالرؤية لا تكون إلا بالعين والقبض لا يكون إلا باليد والوطء لا يكون إلا بالقدم والذوق لا يكون إلا بالفم وليس الأمر كما توهم بل يطرد في كل ما يعزّ مناله ويعظم الوصول إليه ومن أمثلته البديعة في الشعر قول البحتري: تأمل من خلال السجف وانظر ... بعينك ما شربت ومن سقاني تجد شمس الضحى تدنو بشمس ... إليّ من الرحيق الخسرواني ولما كان الحضور في هذا المجلس مما يعز وجوده ومناله وكان الساقي بهذه المثابة من الحسن قال انظر بعينك. وعلى هذا ورد الكثير منه في القرآن الكريم فقال تعالى: «ذلك قولكم بأفواهكم» والمجاز كقوله تعالى: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» ففائدة ذكر الصدور هنا انه قد تعورف وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب تشبيه وتمثيل فلما أريد إثبات ما هو خلاف ما تعورف وعلم من نسبة العمى إلى القلوب احتاج الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف ليقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الصدور. ب- ذكر الخاص بعد العام: كقوله تعالى «تنزل الملائكة والروح فيها» فقد خص الله سبحانه الروح بالذكر وهو جبريل مع انه داخل في عموم الملائكة تكريما له وتعظيما لشأنه وكأنه من جنس آخر ففائدة الزيادة هنا التنويه الخاص. ج- ذكر العام بعد الخاص: كقوله تعالى: «ربي اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات» فقد ذكر الله سبحانه المؤمنين والمؤمنات وهما لفظان عامان يدخل في عمومهما من ذكر قبل ذلك والغرض من هذه الزيادة إفادة الشمول مع العناية بالخاص ذكره مرة وحده ومرة مندرجا تحت العام. د- الإيضاح بعد الإبهام: كقوله تعالى: «وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين» فقوله ذلك الأمر إبهام وقوله أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين إيضاح للإبهام الذي تضمنه لفظ الأمر لزيادة تقرير المعنى في ذهن السامع مرة على طريق الإجمال والإبهام، ومرة على طريق التفصيل والإيضاح. هـ- التكرار لتقرير المعنى: وهذا موضوع جم الشعاب متعدد المسالك نحتاج إلى مجلدات لإحصائه ولكننا نذكر ما هو بمثابة الدليل والرائد لغيره كقول عنترة بن شداد في بعض روايات معلقته: يدعون عنتر والسيوف كأنها ... لمع البوارق في سحاب مظلم يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم فالتكرار في بيتي عنترة تقرير المعنى في نفس السامع وترسيخه في ذهنه وهو هنا لداعي الفخر ويطرد في الخطابة وفي مواطن الفخر والمدح والإرشاد والانذار وقد يكون للتحسر كقول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة: فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة موضعا ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مرتعا ومنها طول الفصل كقول الشاعر: لقد علم الحيّ اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد اني خطيبها والاعتراض: وهو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لغرض يقصد إليه البليغ وقد تقدم ذكره ومنه قول النابغة الجعدي: ألا زعمت بنو سعد بأني- ألا كذبوا- كبير السن فان فقد جاءت جملة «ألا كذبوا» معترضة بين اسم ان وخبرها للاسراع إلى التنبيه على كذب من رماه بالكبر. ز- التذييل: وهو تعقيب الجمل بجملة أخرى تشتمل على معناها توكيدا لها كقول الحطيئة: تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد فإن المعنى تم في الشطر الأول ثم ذيل بالشطر الثاني للتوكيد. ح- الاحتراس: وقد تقدم بحثه ومنه قول ابن المعتز: صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل فلو أسقطنا كلمة «ظالمين» لتوهم السامع أن فرس ابن المعتز كانت بليدة تستحق الضرب وهذا خلاف المقصود. هذا وستأتي أمثلة من الاطناب في مواضعها من هذا الكتاب. أما المساواة فهي أن تكون المعاني بقدر الألفاظ والألفاظ بقدر المعاني لا يزيد بعضها على بعض ولا ينقص عنه وقد تقدم التمثيل لها بقوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» إلخ ومن أمثلتها في الشعر قول النابغة الذبياني: فانك كالليل الذي هو مدركي ... وان خلت أن المنتأى عنك واسع وقول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود والقرآن حافل بأمثلة المساواة وستأتي في مواضعها إن شاء الله. 2- الاستعارة: في قوله تعالى: «إن العهد كان مسئولا» وقد قدمنا انه جار على الحقيقة بحذف الجار والمجرور ويجوز أن يكون الكلام جاريا على طريق الاستعارة المكنية بأن يشبه العهد بمن نكث عهده ونسبته السؤال إليه تخييل. 3- التهكم: وقد سبق ذكره لأن مشية المرح مشتملة على شدة الوطء والتباهي على الأرض بمشيه عليها والتطاول على الآخر ولو كان المتكبر خفيف الوطأة قميء النظرة، شخت الخلقة، على حد قول المتنبي: أفي كل يوم تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول الفوائد: في هذه الآيات الجامعة فوائد كثيرة تتناول المهم منها جريا على أسلوبنا في هذا الكتاب فمنها تعليق الجار والمجرور في قوله تعالى: «كل أولئك كان عنه مسئولا» فقد علقناه في باب الإعراب بمسئولا وجعلنا نائب الفاعل ضميرا يعود على كل أي كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه يعني عما فعل به صاحبه وقد أسند الزمخشري مسئولا إلى الجار والمجرور وجعله بمثابة نائب الفاعل وهذا سهو من الزمخشري يجل عنه لأن الجار والمجرور يقام مقام الفاعل أو نائبه إذا تقدم الفعل أو ما يقوم مقامه وأما إذا تأخر فلا يصح ذلك لأن الاسم إذا تقدم على الفعل صار مبتدأ وحرف الجر إذا كان لازما لا يكون مبتدأ ف «عنه» ليس هو النائب عن الفاعل خلافا لصاحب الكشاف ولا ضمير المصدر كما قال بعضهم وإنما النائب في هذه الآية ضمير راجع إلى ما رجع اليه اسم كان وهو المكلف المدلول عليه بالمعنى والتقدير مسئولا هو أي المكلف وإنما لم يقدر ضمير كان راجعا لكل لئلا يخلو مسئولا عن ضمير فيكون مسندا إلى عنه وذلك لا يجوز. وعبارة ابن هشام «وقول بعضهم في قوله تعالى: «إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا» إن عنه مرفوع المحل بمسئولا والصواب ان اسم كان ضمير المكلف وإن لم يجد له ذكر وان المرفوع بمسئولا مستقر فيه راجع اليه أيضا وان عنه في موضع نصب» . أي على انه مفعول ثان لمسئولا لأنه يعتدى لمفعولين ثانيهما بعن. الخصال الخمس والعشرون: وعدناك بإحصاء الخصال الخمس والعشرين التي وردت الاشارة إليها بقوله تعالى: «كل ذلك» وهذا احصاؤها بالترتيب: 1- لا تجعل مع الله إلها آخر. 2 و3- قوله تعالى وقضى ربك إلى آخر الآية لاشتماله على تكليفين وهما عبادة الله والنهي عن عبادة غيره. 4- وبالوالدين إحسانا. 5- فلا تقل لهما أف. 6- ولا تنهرهما. 7- وقل لهما قولا كريما. 8- واخفض لهما جناح الذل. 9- وقل رب ارحمهما. 10- وآت ذا القربى حقه. 11- والمسكين. 12- وابن السبيل. 13- ولا تبذر تبذيرا. 14- فقل لهم قولا ميسورا. 15- ولا تجعل يدك مغلولة. 16- ولا تبسطها كل البسط. 17- ولا تقتلوا أولادكم. 18- ولا تقربوا الزنا. 19- ولا تقتلوا النفس. 20- فلا يسرف في القتل. 21- وأوفوا بالعهد. 22- وأوفوا الكيل. 23- وزنوا بالقسطاس. 24- ولا تقف ما ليس لك به علم. 25- ولا تمش في الأرض مرحا. الاشارة بأولئك: الاشارة في قوله تعالى «كل أولئك كان عنه مسئولا» إلى السمع والبصر والفؤاد وقد أشير إليها بأولئك وهي في الأكثر لمن يعقل لأنه جمع ذا، وذا لمن يعقل ولما لا يعقل وأولاء ممدود عند الحجازيين مقصور عند أهل نجد وتميم والأكثر مجيئه للعقلاء ويقل مجيئه لغير العقلاء كقول جرير بن عطية: ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام وهو من قصيدة مستجادة له مطلعها: سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كل مرام وفيها يقول بعد البيت المتقدم: وإذا وقفت على المنازل باللوى ... فاضت دموعي غير ذات نظام طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدّر من متون غمام لو كان عهدك كالذي حدثتنا ... لوصلت ذاك فكان غير رمام إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوام ومنها في هجاء الفرزدق: خلق الفرزدق سوءة في مالك ... ولخلف ضبة كان شر غلام مهلا فرزدق إن قومك فيهم ... خور القلوب وخفّة الأحلام الظاعنون على العمي بجميعهم ... والنّازلون بشرّ دار مقام واللوى بكسر اللام وفتح الواو مقصورا في الأصل منقطع الرمل وقد ورد في مطلع معلقة امرئ القيس وهو: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدخول فحومل وهو أيضا موضع بعينه قال ياقوت: «وقد أكثرت الشعراء من ذكره وخلطت بين ذلك اللوى والرمل فعز الفصل بينهما وهو واد من أودية بني سليم» .

الإسراء 17:36

اللغة: (الزِّنى) : يكتب بالياء لأنه مصدر زنى يزني ويكتب بالألف على أنه مقصور من الزناء بالمد، ويقولون: هو زان بين الزنى والزناء بالمد والقصر قال الفرزدق: أبا خالد من يزن يعلم زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا وقال الفراء: المقصور من زنى والممدود من زانى يقال زاناها مزاناة وزناء وخرجت فلانة تزاني وتباغي وقد زّني بها وهو ولد زنية وانه لزنية بالفتح والكسر. (القسطاس) هو رومي عرّب كما تقدم وقد ذكرنا من قبل أن ذلك لا يقدح في عربية القرآن لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الاعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيا وسيأتي المزيد من هذا البحث المفيد، والقسطاس بالضم والكسر وهو القرسطون أي القبان وقيل كل ميزان صغر أو كبر. (وَلا تَقْفُ) ولا تتبع يقال فقا أثره وقافه قيل هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور يتبعها ويتعرفها وقيل القفو شبيه بالعضيهة ومنه الحديث: «من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي المخرج» وأنشدوا لبعضهم: ومثل الدمى شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا يصف نساء بأنهن جميلات مثل الدمى ويشبههن بالبيوت ويشبه الحياء بقوم يسكنونها على طريق الاستعارة المكنية والسكنى تخييل لذلك ويقول انهن لا يشعن أي لا يظهرن التقافي أي المتابعة بالقذف من قفوته إذا اتبعته بالغيبة. وقال الكميت: ولا أرمي البريء بغير ذنب ... ولا أقفو الحواصن إن قفينا يقول لا أتهم البريء بشيء زور بل بذنب محقق ولا أتبع العفائف وأتكلم فيهن بفحش ما دمن عفائف إن قفاهنّ الناس فتكلموا فيهن فكيف إذا لم يتكلم فيهنّ أحد. الإعراب: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) الواو عاطفة ولا ناهية وتقربوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والزنا مفعول به وجملة إنه تعليلية لا محل لها وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وفاحشة خبرها وساء فعل ماض للذم والفاعل مستتر وسبيلا تمييز والمخصوص بالذم محذوف أي هو. (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ولا تقتلوا عطف على ما تقدم والنفس مفعول به والتي صفة وجملة حرم الله صلة وإلا أداة حصر وبالحق متعلقان بتقتلوا والباء للسببية أو بمحذوف حال من فاعل تقتلوا فهي للملابسة أي ملتبسين بالحق (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ وقتل فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط ونائب الفاعل مستتر تقديره هو ومظلوما حال، فقد الفاء رابطة وقد حرف تحقيق وجعلنا فعل وفاعل ولوليه مفعول جعلنا الثاني وسلطانا مفعول جعلنا الأول أي حجة يثب بها عليه. (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) الفاء عاطفة ولا ناهية ويسرف مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر يعود على الولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كديدن الجاهلية على حد قول مهلهل ابن ربيعة: كل قتيل في كليب غره ... حتى ينال القتل آل مرة وفي القتل متعلقان بيسرف وجملة إنه تعليلية وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر ومنصورا خبرها. (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ولا تقربوا عطف أيضا ومال اليتيم مفعول به وإلا أداة حصر وبالتي استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقربوه بحال من الأحوال إلا بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن وهي حفظه وصيانته واستغلاله لمصلحة اليتيم وهي مبتدأ وأحسن خبر والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول. (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) حتى حرف غاية وجر ويبلغ منصوب بأن مضمرة بعد حتى والمراد بالأشد بلوغه مرتبة يحسن فيها التصرف وقد تقدم معنى الأشد وانه مفرد بمعنى القوة أو جمع لا واحد له من لفظه. وقيل جمع شدة أو شد. وفي كتاب معاني القرآن للفراء ان الأربعين أشبه بالصواب. (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) أوفوا فعل أمر والواو فاعل وبالعهد متعلقان بأوفوا وان واسمها وجملة كان خبرها ومسئولا خبر كان ومعنى مسئولا مطلوبا كأنه يطلب من المعاهد أن يفي به وحذف الجار والمجرور تخفيفا أي عنه وقد ذكر في بقية الآي كما سيأتي ويجوز وجه آخر سيأتي في باب البلاغة. (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) وأوفوا فعل أمر والواو فاعل والكيل مفعول أوفوا وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة كلتم مضافة إلى الظرف وجوابه محذوف دل عليه قوله أوفوا الكيل. وزنوا بالقسطاس المستقيم عطف على أوفوا بالكيل. (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ذلك مبتدأ وخير خبر وأحسن عطف على خير وتأويلا تمييز أي أحسن عاقبة فالتأويل تفصيل من آل إذا رجع وهو ما يئول اليه في الآخرة. (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) لا ناهية وتقف مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الواو وفاعله مستتر تقديره أنت وما مفعول به وجملة ليس صلة ولك خبر ليس المقدم وبه متعلقان بمحذوف حال ولا يجوز تعلقها بعلم لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه وقال بعضهم متعلقان بما تعلق به لك وهو الاستقرار وفيه بعد، ومعنى الآية النهي عن أن يقول الإنسان مالا يعلم أو يعمل بما لا علم له به وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور إلا أن الشيوع أولى، وعلم اسم ليس المؤخر. (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) ان واسمها والبصر والفؤاد عطف على السمع وكل مبتدأ وأولئك مضاف وجملة كان خبر وعنه متعلقان بمسئولا، ومسئولا خبر كان وسيأتي مزيد من التفصيل حول هذه الآية في بابي البلاغة والفوائد. (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) لا ناهية وتمش مجزوم بها وفاعله مستتر تقديره أنت وفي الأرض متعلقان بتمش ومرحا حال على تقدير مضاف أي ذا مرح أي ولا تمش في الأرض حال كونك ذا مرح أي مارحا ملتبسا بالكبر والخيلاء وقد أحسن الأخفش إذ فضل المصدر على اسم الفاعل كأنه نفس المرح ويجوز أن يعرب مفعولا لأجله كما قال أبو البقاء. (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا) جملة تعليلية لا محل لها كأنها تعليل للنهي أي لن تجعل فيها صدوعا وخروقا بدوسك لها وإن واسمها وجملة لن تخرق الأرض خبرها ولن تبلغ الجبال عطف على لن تخرق وطولا تمييز محول عن الفاعل أي ولن يبلغ طولك الجبال وقيل مصدر في موقع الحال أو مفعول له، وسيأتي مزيد من البحث في باب البلاغة. (كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) كل مبتدأ وذلك مضاف اليه والاشارة إلى ما تقدم من الخصال الخمس والعشرين الآنفة من قوله تعالى لا تجعل مع الله إلها آخر وسيأتي تفصيل عدها في باب الفوائد وكان فعل ماض ناقص وسيئه اسمها وعند ربك ظرف متعلق بمكروها، ومكروها خبر كان. (ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) ذلك مبتدأ أي ما تقدم من خصال ومما خبر وجملة أوحى صلة وإليك متعلقان بأوحى وربك فاعل ومن الحكمة حال من عائد الموصول المحذوف أي من الذي أوحاه إليك حال كونه من الحكمة التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به أو حال من نفس الموصول وقد استهلت هذه الخصال وختمت بالنهي عن الشرك. (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) ولا تجعل عطف على ما تقدم ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لتجعل وإلها هو المفعول الأول وآخر صفة فتلقى الفاء فاء السببية ونائب الفاعل مستتر تقديره أنت وفي جهنم متعلقان بتلقى وملوما ومدحورا حالان. البلاغة: انطوت هذه الآية على فنون كثيرة من البلاغة نثبتها فيما يلي: 1- الاطناب: في قوله تعالى: «ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا» فإن معنى هذه الآية جاء موجزا في قوله تعالى «ولكم في القصاص حياة» لكن الأول إطناب والثاني إيجاز وكلاهما موصوف بالمساواة وقد تحدثنا عن الإيجاز فلنتحدث الآن عن الاطناب والمساواة فالاطناب مأخوذ في الأصل من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه يقال أطنبت الريح إذا اشتدت في هبوبها وأطنب في السير إذا اشتد فيه وفي اصطلاح البيانيين هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة فإذا لم تكن في الزيادة فائدة سمي تطويلا إن كانت الزيادة غير متعينة وحشوا إن كانت متعينة فالتطويل كقول عنترة بن شداد: حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم والحشو كقول زهير بن أبي سلمى: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم والإطناب يكون بأمور عدة نوجزها فيما يلي: آ- التأكيد والتقرير وهو يكون حقيقة ومجازا فالحقيقة كقولهم رأيته بعيني وقبضته بيدي ووطئته بقدمي وذقته بفمي وكل هذا يظن الظان أنه لا حاجة إليه فالرؤية لا تكون إلا بالعين والقبض لا يكون إلا باليد والوطء لا يكون إلا بالقدم والذوق لا يكون إلا بالفم وليس الأمر كما توهم بل يطرد في كل ما يعزّ مناله ويعظم الوصول إليه ومن أمثلته البديعة في الشعر قول البحتري: تأمل من خلال السجف وانظر ... بعينك ما شربت ومن سقاني تجد شمس الضحى تدنو بشمس ... إليّ من الرحيق الخسرواني ولما كان الحضور في هذا المجلس مما يعز وجوده ومناله وكان الساقي بهذه المثابة من الحسن قال انظر بعينك. وعلى هذا ورد الكثير منه في القرآن الكريم فقال تعالى: «ذلك قولكم بأفواهكم» والمجاز كقوله تعالى: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» ففائدة ذكر الصدور هنا انه قد تعورف وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب تشبيه وتمثيل فلما أريد إثبات ما هو خلاف ما تعورف وعلم من نسبة العمى إلى القلوب احتاج الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف ليقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الصدور. ب- ذكر الخاص بعد العام: كقوله تعالى «تنزل الملائكة والروح فيها» فقد خص الله سبحانه الروح بالذكر وهو جبريل مع انه داخل في عموم الملائكة تكريما له وتعظيما لشأنه وكأنه من جنس آخر ففائدة الزيادة هنا التنويه الخاص. ج- ذكر العام بعد الخاص: كقوله تعالى: «ربي اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات» فقد ذكر الله سبحانه المؤمنين والمؤمنات وهما لفظان عامان يدخل في عمومهما من ذكر قبل ذلك والغرض من هذه الزيادة إفادة الشمول مع العناية بالخاص ذكره مرة وحده ومرة مندرجا تحت العام. د- الإيضاح بعد الإبهام: كقوله تعالى: «وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين» فقوله ذلك الأمر إبهام وقوله أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين إيضاح للإبهام الذي تضمنه لفظ الأمر لزيادة تقرير المعنى في ذهن السامع مرة على طريق الإجمال والإبهام، ومرة على طريق التفصيل والإيضاح. هـ- التكرار لتقرير المعنى: وهذا موضوع جم الشعاب متعدد المسالك نحتاج إلى مجلدات لإحصائه ولكننا نذكر ما هو بمثابة الدليل والرائد لغيره كقول عنترة بن شداد في بعض روايات معلقته: يدعون عنتر والسيوف كأنها ... لمع البوارق في سحاب مظلم يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم فالتكرار في بيتي عنترة تقرير المعنى في نفس السامع وترسيخه في ذهنه وهو هنا لداعي الفخر ويطرد في الخطابة وفي مواطن الفخر والمدح والإرشاد والانذار وقد يكون للتحسر كقول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة: فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة موضعا ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مرتعا ومنها طول الفصل كقول الشاعر: لقد علم الحيّ اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد اني خطيبها والاعتراض: وهو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لغرض يقصد إليه البليغ وقد تقدم ذكره ومنه قول النابغة الجعدي: ألا زعمت بنو سعد بأني- ألا كذبوا- كبير السن فان فقد جاءت جملة «ألا كذبوا» معترضة بين اسم ان وخبرها للاسراع إلى التنبيه على كذب من رماه بالكبر. ز- التذييل: وهو تعقيب الجمل بجملة أخرى تشتمل على معناها توكيدا لها كقول الحطيئة: تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد فإن المعنى تم في الشطر الأول ثم ذيل بالشطر الثاني للتوكيد. ح- الاحتراس: وقد تقدم بحثه ومنه قول ابن المعتز: صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل فلو أسقطنا كلمة «ظالمين» لتوهم السامع أن فرس ابن المعتز كانت بليدة تستحق الضرب وهذا خلاف المقصود. هذا وستأتي أمثلة من الاطناب في مواضعها من هذا الكتاب. أما المساواة فهي أن تكون المعاني بقدر الألفاظ والألفاظ بقدر المعاني لا يزيد بعضها على بعض ولا ينقص عنه وقد تقدم التمثيل لها بقوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» إلخ ومن أمثلتها في الشعر قول النابغة الذبياني: فانك كالليل الذي هو مدركي ... وان خلت أن المنتأى عنك واسع وقول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود والقرآن حافل بأمثلة المساواة وستأتي في مواضعها إن شاء الله. 2- الاستعارة: في قوله تعالى: «إن العهد كان مسئولا» وقد قدمنا انه جار على الحقيقة بحذف الجار والمجرور ويجوز أن يكون الكلام جاريا على طريق الاستعارة المكنية بأن يشبه العهد بمن نكث عهده ونسبته السؤال إليه تخييل. 3- التهكم: وقد سبق ذكره لأن مشية المرح مشتملة على شدة الوطء والتباهي على الأرض بمشيه عليها والتطاول على الآخر ولو كان المتكبر خفيف الوطأة قميء النظرة، شخت الخلقة، على حد قول المتنبي: أفي كل يوم تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول الفوائد: في هذه الآيات الجامعة فوائد كثيرة تتناول المهم منها جريا على أسلوبنا في هذا الكتاب فمنها تعليق الجار والمجرور في قوله تعالى: «كل أولئك كان عنه مسئولا» فقد علقناه في باب الإعراب بمسئولا وجعلنا نائب الفاعل ضميرا يعود على كل أي كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه يعني عما فعل به صاحبه وقد أسند الزمخشري مسئولا إلى الجار والمجرور وجعله بمثابة نائب الفاعل وهذا سهو من الزمخشري يجل عنه لأن الجار والمجرور يقام مقام الفاعل أو نائبه إذا تقدم الفعل أو ما يقوم مقامه وأما إذا تأخر فلا يصح ذلك لأن الاسم إذا تقدم على الفعل صار مبتدأ وحرف الجر إذا كان لازما لا يكون مبتدأ ف «عنه» ليس هو النائب عن الفاعل خلافا لصاحب الكشاف ولا ضمير المصدر كما قال بعضهم وإنما النائب في هذه الآية ضمير راجع إلى ما رجع اليه اسم كان وهو المكلف المدلول عليه بالمعنى والتقدير مسئولا هو أي المكلف وإنما لم يقدر ضمير كان راجعا لكل لئلا يخلو مسئولا عن ضمير فيكون مسندا إلى عنه وذلك لا يجوز. وعبارة ابن هشام «وقول بعضهم في قوله تعالى: «إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا» إن عنه مرفوع المحل بمسئولا والصواب ان اسم كان ضمير المكلف وإن لم يجد له ذكر وان المرفوع بمسئولا مستقر فيه راجع اليه أيضا وان عنه في موضع نصب» . أي على انه مفعول ثان لمسئولا لأنه يعتدى لمفعولين ثانيهما بعن. الخصال الخمس والعشرون: وعدناك بإحصاء الخصال الخمس والعشرين التي وردت الاشارة إليها بقوله تعالى: «كل ذلك» وهذا احصاؤها بالترتيب: 1- لا تجعل مع الله إلها آخر. 2 و3- قوله تعالى وقضى ربك إلى آخر الآية لاشتماله على تكليفين وهما عبادة الله والنهي عن عبادة غيره. 4- وبالوالدين إحسانا. 5- فلا تقل لهما أف. 6- ولا تنهرهما. 7- وقل لهما قولا كريما. 8- واخفض لهما جناح الذل. 9- وقل رب ارحمهما. 10- وآت ذا القربى حقه. 11- والمسكين. 12- وابن السبيل. 13- ولا تبذر تبذيرا. 14- فقل لهم قولا ميسورا. 15- ولا تجعل يدك مغلولة. 16- ولا تبسطها كل البسط. 17- ولا تقتلوا أولادكم. 18- ولا تقربوا الزنا. 19- ولا تقتلوا النفس. 20- فلا يسرف في القتل. 21- وأوفوا بالعهد. 22- وأوفوا الكيل. 23- وزنوا بالقسطاس. 24- ولا تقف ما ليس لك به علم. 25- ولا تمش في الأرض مرحا. الاشارة بأولئك: الاشارة في قوله تعالى «كل أولئك كان عنه مسئولا» إلى السمع والبصر والفؤاد وقد أشير إليها بأولئك وهي في الأكثر لمن يعقل لأنه جمع ذا، وذا لمن يعقل ولما لا يعقل وأولاء ممدود عند الحجازيين مقصور عند أهل نجد وتميم والأكثر مجيئه للعقلاء ويقل مجيئه لغير العقلاء كقول جرير بن عطية: ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام وهو من قصيدة مستجادة له مطلعها: سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كل مرام وفيها يقول بعد البيت المتقدم: وإذا وقفت على المنازل باللوى ... فاضت دموعي غير ذات نظام طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدّر من متون غمام لو كان عهدك كالذي حدثتنا ... لوصلت ذاك فكان غير رمام إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوام ومنها في هجاء الفرزدق: خلق الفرزدق سوءة في مالك ... ولخلف ضبة كان شر غلام مهلا فرزدق إن قومك فيهم ... خور القلوب وخفّة الأحلام الظاعنون على العمي بجميعهم ... والنّازلون بشرّ دار مقام واللوى بكسر اللام وفتح الواو مقصورا في الأصل منقطع الرمل وقد ورد في مطلع معلقة امرئ القيس وهو: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدخول فحومل وهو أيضا موضع بعينه قال ياقوت: «وقد أكثرت الشعراء من ذكره وخلطت بين ذلك اللوى والرمل فعز الفصل بينهما وهو واد من أودية بني سليم» .

الإسراء 17:37

اللغة: (الزِّنى) : يكتب بالياء لأنه مصدر زنى يزني ويكتب بالألف على أنه مقصور من الزناء بالمد، ويقولون: هو زان بين الزنى والزناء بالمد والقصر قال الفرزدق: أبا خالد من يزن يعلم زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا وقال الفراء: المقصور من زنى والممدود من زانى يقال زاناها مزاناة وزناء وخرجت فلانة تزاني وتباغي وقد زّني بها وهو ولد زنية وانه لزنية بالفتح والكسر. (القسطاس) هو رومي عرّب كما تقدم وقد ذكرنا من قبل أن ذلك لا يقدح في عربية القرآن لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الاعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيا وسيأتي المزيد من هذا البحث المفيد، والقسطاس بالضم والكسر وهو القرسطون أي القبان وقيل كل ميزان صغر أو كبر. (وَلا تَقْفُ) ولا تتبع يقال فقا أثره وقافه قيل هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور يتبعها ويتعرفها وقيل القفو شبيه بالعضيهة ومنه الحديث: «من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي المخرج» وأنشدوا لبعضهم: ومثل الدمى شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا يصف نساء بأنهن جميلات مثل الدمى ويشبههن بالبيوت ويشبه الحياء بقوم يسكنونها على طريق الاستعارة المكنية والسكنى تخييل لذلك ويقول انهن لا يشعن أي لا يظهرن التقافي أي المتابعة بالقذف من قفوته إذا اتبعته بالغيبة. وقال الكميت: ولا أرمي البريء بغير ذنب ... ولا أقفو الحواصن إن قفينا يقول لا أتهم البريء بشيء زور بل بذنب محقق ولا أتبع العفائف وأتكلم فيهن بفحش ما دمن عفائف إن قفاهنّ الناس فتكلموا فيهن فكيف إذا لم يتكلم فيهنّ أحد. الإعراب: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) الواو عاطفة ولا ناهية وتقربوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والزنا مفعول به وجملة إنه تعليلية لا محل لها وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وفاحشة خبرها وساء فعل ماض للذم والفاعل مستتر وسبيلا تمييز والمخصوص بالذم محذوف أي هو. (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ولا تقتلوا عطف على ما تقدم والنفس مفعول به والتي صفة وجملة حرم الله صلة وإلا أداة حصر وبالحق متعلقان بتقتلوا والباء للسببية أو بمحذوف حال من فاعل تقتلوا فهي للملابسة أي ملتبسين بالحق (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ وقتل فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط ونائب الفاعل مستتر تقديره هو ومظلوما حال، فقد الفاء رابطة وقد حرف تحقيق وجعلنا فعل وفاعل ولوليه مفعول جعلنا الثاني وسلطانا مفعول جعلنا الأول أي حجة يثب بها عليه. (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) الفاء عاطفة ولا ناهية ويسرف مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر يعود على الولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كديدن الجاهلية على حد قول مهلهل ابن ربيعة: كل قتيل في كليب غره ... حتى ينال القتل آل مرة وفي القتل متعلقان بيسرف وجملة إنه تعليلية وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر ومنصورا خبرها. (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ولا تقربوا عطف أيضا ومال اليتيم مفعول به وإلا أداة حصر وبالتي استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقربوه بحال من الأحوال إلا بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن وهي حفظه وصيانته واستغلاله لمصلحة اليتيم وهي مبتدأ وأحسن خبر والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول. (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) حتى حرف غاية وجر ويبلغ منصوب بأن مضمرة بعد حتى والمراد بالأشد بلوغه مرتبة يحسن فيها التصرف وقد تقدم معنى الأشد وانه مفرد بمعنى القوة أو جمع لا واحد له من لفظه. وقيل جمع شدة أو شد. وفي كتاب معاني القرآن للفراء ان الأربعين أشبه بالصواب. (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) أوفوا فعل أمر والواو فاعل وبالعهد متعلقان بأوفوا وان واسمها وجملة كان خبرها ومسئولا خبر كان ومعنى مسئولا مطلوبا كأنه يطلب من المعاهد أن يفي به وحذف الجار والمجرور تخفيفا أي عنه وقد ذكر في بقية الآي كما سيأتي ويجوز وجه آخر سيأتي في باب البلاغة. (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) وأوفوا فعل أمر والواو فاعل والكيل مفعول أوفوا وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة كلتم مضافة إلى الظرف وجوابه محذوف دل عليه قوله أوفوا الكيل. وزنوا بالقسطاس المستقيم عطف على أوفوا بالكيل. (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ذلك مبتدأ وخير خبر وأحسن عطف على خير وتأويلا تمييز أي أحسن عاقبة فالتأويل تفصيل من آل إذا رجع وهو ما يئول اليه في الآخرة. (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) لا ناهية وتقف مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الواو وفاعله مستتر تقديره أنت وما مفعول به وجملة ليس صلة ولك خبر ليس المقدم وبه متعلقان بمحذوف حال ولا يجوز تعلقها بعلم لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه وقال بعضهم متعلقان بما تعلق به لك وهو الاستقرار وفيه بعد، ومعنى الآية النهي عن أن يقول الإنسان مالا يعلم أو يعمل بما لا علم له به وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور إلا أن الشيوع أولى، وعلم اسم ليس المؤخر. (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) ان واسمها والبصر والفؤاد عطف على السمع وكل مبتدأ وأولئك مضاف وجملة كان خبر وعنه متعلقان بمسئولا، ومسئولا خبر كان وسيأتي مزيد من التفصيل حول هذه الآية في بابي البلاغة والفوائد. (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) لا ناهية وتمش مجزوم بها وفاعله مستتر تقديره أنت وفي الأرض متعلقان بتمش ومرحا حال على تقدير مضاف أي ذا مرح أي ولا تمش في الأرض حال كونك ذا مرح أي مارحا ملتبسا بالكبر والخيلاء وقد أحسن الأخفش إذ فضل المصدر على اسم الفاعل كأنه نفس المرح ويجوز أن يعرب مفعولا لأجله كما قال أبو البقاء. (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا) جملة تعليلية لا محل لها كأنها تعليل للنهي أي لن تجعل فيها صدوعا وخروقا بدوسك لها وإن واسمها وجملة لن تخرق الأرض خبرها ولن تبلغ الجبال عطف على لن تخرق وطولا تمييز محول عن الفاعل أي ولن يبلغ طولك الجبال وقيل مصدر في موقع الحال أو مفعول له، وسيأتي مزيد من البحث في باب البلاغة. (كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) كل مبتدأ وذلك مضاف اليه والاشارة إلى ما تقدم من الخصال الخمس والعشرين الآنفة من قوله تعالى لا تجعل مع الله إلها آخر وسيأتي تفصيل عدها في باب الفوائد وكان فعل ماض ناقص وسيئه اسمها وعند ربك ظرف متعلق بمكروها، ومكروها خبر كان. (ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) ذلك مبتدأ أي ما تقدم من خصال ومما خبر وجملة أوحى صلة وإليك متعلقان بأوحى وربك فاعل ومن الحكمة حال من عائد الموصول المحذوف أي من الذي أوحاه إليك حال كونه من الحكمة التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به أو حال من نفس الموصول وقد استهلت هذه الخصال وختمت بالنهي عن الشرك. (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) ولا تجعل عطف على ما تقدم ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لتجعل وإلها هو المفعول الأول وآخر صفة فتلقى الفاء فاء السببية ونائب الفاعل مستتر تقديره أنت وفي جهنم متعلقان بتلقى وملوما ومدحورا حالان. البلاغة: انطوت هذه الآية على فنون كثيرة من البلاغة نثبتها فيما يلي: 1- الاطناب: في قوله تعالى: «ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا» فإن معنى هذه الآية جاء موجزا في قوله تعالى «ولكم في القصاص حياة» لكن الأول إطناب والثاني إيجاز وكلاهما موصوف بالمساواة وقد تحدثنا عن الإيجاز فلنتحدث الآن عن الاطناب والمساواة فالاطناب مأخوذ في الأصل من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه يقال أطنبت الريح إذا اشتدت في هبوبها وأطنب في السير إذا اشتد فيه وفي اصطلاح البيانيين هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة فإذا لم تكن في الزيادة فائدة سمي تطويلا إن كانت الزيادة غير متعينة وحشوا إن كانت متعينة فالتطويل كقول عنترة بن شداد: حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم والحشو كقول زهير بن أبي سلمى: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم والإطناب يكون بأمور عدة نوجزها فيما يلي: آ- التأكيد والتقرير وهو يكون حقيقة ومجازا فالحقيقة كقولهم رأيته بعيني وقبضته بيدي ووطئته بقدمي وذقته بفمي وكل هذا يظن الظان أنه لا حاجة إليه فالرؤية لا تكون إلا بالعين والقبض لا يكون إلا باليد والوطء لا يكون إلا بالقدم والذوق لا يكون إلا بالفم وليس الأمر كما توهم بل يطرد في كل ما يعزّ مناله ويعظم الوصول إليه ومن أمثلته البديعة في الشعر قول البحتري: تأمل من خلال السجف وانظر ... بعينك ما شربت ومن سقاني تجد شمس الضحى تدنو بشمس ... إليّ من الرحيق الخسرواني ولما كان الحضور في هذا المجلس مما يعز وجوده ومناله وكان الساقي بهذه المثابة من الحسن قال انظر بعينك. وعلى هذا ورد الكثير منه في القرآن الكريم فقال تعالى: «ذلك قولكم بأفواهكم» والمجاز كقوله تعالى: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» ففائدة ذكر الصدور هنا انه قد تعورف وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب تشبيه وتمثيل فلما أريد إثبات ما هو خلاف ما تعورف وعلم من نسبة العمى إلى القلوب احتاج الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف ليقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الصدور. ب- ذكر الخاص بعد العام: كقوله تعالى «تنزل الملائكة والروح فيها» فقد خص الله سبحانه الروح بالذكر وهو جبريل مع انه داخل في عموم الملائكة تكريما له وتعظيما لشأنه وكأنه من جنس آخر ففائدة الزيادة هنا التنويه الخاص. ج- ذكر العام بعد الخاص: كقوله تعالى: «ربي اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات» فقد ذكر الله سبحانه المؤمنين والمؤمنات وهما لفظان عامان يدخل في عمومهما من ذكر قبل ذلك والغرض من هذه الزيادة إفادة الشمول مع العناية بالخاص ذكره مرة وحده ومرة مندرجا تحت العام. د- الإيضاح بعد الإبهام: كقوله تعالى: «وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين» فقوله ذلك الأمر إبهام وقوله أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين إيضاح للإبهام الذي تضمنه لفظ الأمر لزيادة تقرير المعنى في ذهن السامع مرة على طريق الإجمال والإبهام، ومرة على طريق التفصيل والإيضاح. هـ- التكرار لتقرير المعنى: وهذا موضوع جم الشعاب متعدد المسالك نحتاج إلى مجلدات لإحصائه ولكننا نذكر ما هو بمثابة الدليل والرائد لغيره كقول عنترة بن شداد في بعض روايات معلقته: يدعون عنتر والسيوف كأنها ... لمع البوارق في سحاب مظلم يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم فالتكرار في بيتي عنترة تقرير المعنى في نفس السامع وترسيخه في ذهنه وهو هنا لداعي الفخر ويطرد في الخطابة وفي مواطن الفخر والمدح والإرشاد والانذار وقد يكون للتحسر كقول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة: فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة موضعا ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مرتعا ومنها طول الفصل كقول الشاعر: لقد علم الحيّ اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد اني خطيبها والاعتراض: وهو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لغرض يقصد إليه البليغ وقد تقدم ذكره ومنه قول النابغة الجعدي: ألا زعمت بنو سعد بأني- ألا كذبوا- كبير السن فان فقد جاءت جملة «ألا كذبوا» معترضة بين اسم ان وخبرها للاسراع إلى التنبيه على كذب من رماه بالكبر. ز- التذييل: وهو تعقيب الجمل بجملة أخرى تشتمل على معناها توكيدا لها كقول الحطيئة: تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد فإن المعنى تم في الشطر الأول ثم ذيل بالشطر الثاني للتوكيد. ح- الاحتراس: وقد تقدم بحثه ومنه قول ابن المعتز: صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل فلو أسقطنا كلمة «ظالمين» لتوهم السامع أن فرس ابن المعتز كانت بليدة تستحق الضرب وهذا خلاف المقصود. هذا وستأتي أمثلة من الاطناب في مواضعها من هذا الكتاب. أما المساواة فهي أن تكون المعاني بقدر الألفاظ والألفاظ بقدر المعاني لا يزيد بعضها على بعض ولا ينقص عنه وقد تقدم التمثيل لها بقوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» إلخ ومن أمثلتها في الشعر قول النابغة الذبياني: فانك كالليل الذي هو مدركي ... وان خلت أن المنتأى عنك واسع وقول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود والقرآن حافل بأمثلة المساواة وستأتي في مواضعها إن شاء الله. 2- الاستعارة: في قوله تعالى: «إن العهد كان مسئولا» وقد قدمنا انه جار على الحقيقة بحذف الجار والمجرور ويجوز أن يكون الكلام جاريا على طريق الاستعارة المكنية بأن يشبه العهد بمن نكث عهده ونسبته السؤال إليه تخييل. 3- التهكم: وقد سبق ذكره لأن مشية المرح مشتملة على شدة الوطء والتباهي على الأرض بمشيه عليها والتطاول على الآخر ولو كان المتكبر خفيف الوطأة قميء النظرة، شخت الخلقة، على حد قول المتنبي: أفي كل يوم تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول الفوائد: في هذه الآيات الجامعة فوائد كثيرة تتناول المهم منها جريا على أسلوبنا في هذا الكتاب فمنها تعليق الجار والمجرور في قوله تعالى: «كل أولئك كان عنه مسئولا» فقد علقناه في باب الإعراب بمسئولا وجعلنا نائب الفاعل ضميرا يعود على كل أي كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه يعني عما فعل به صاحبه وقد أسند الزمخشري مسئولا إلى الجار والمجرور وجعله بمثابة نائب الفاعل وهذا سهو من الزمخشري يجل عنه لأن الجار والمجرور يقام مقام الفاعل أو نائبه إذا تقدم الفعل أو ما يقوم مقامه وأما إذا تأخر فلا يصح ذلك لأن الاسم إذا تقدم على الفعل صار مبتدأ وحرف الجر إذا كان لازما لا يكون مبتدأ ف «عنه» ليس هو النائب عن الفاعل خلافا لصاحب الكشاف ولا ضمير المصدر كما قال بعضهم وإنما النائب في هذه الآية ضمير راجع إلى ما رجع اليه اسم كان وهو المكلف المدلول عليه بالمعنى والتقدير مسئولا هو أي المكلف وإنما لم يقدر ضمير كان راجعا لكل لئلا يخلو مسئولا عن ضمير فيكون مسندا إلى عنه وذلك لا يجوز. وعبارة ابن هشام «وقول بعضهم في قوله تعالى: «إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا» إن عنه مرفوع المحل بمسئولا والصواب ان اسم كان ضمير المكلف وإن لم يجد له ذكر وان المرفوع بمسئولا مستقر فيه راجع اليه أيضا وان عنه في موضع نصب» . أي على انه مفعول ثان لمسئولا لأنه يعتدى لمفعولين ثانيهما بعن. الخصال الخمس والعشرون: وعدناك بإحصاء الخصال الخمس والعشرين التي وردت الاشارة إليها بقوله تعالى: «كل ذلك» وهذا احصاؤها بالترتيب: 1- لا تجعل مع الله إلها آخر. 2 و3- قوله تعالى وقضى ربك إلى آخر الآية لاشتماله على تكليفين وهما عبادة الله والنهي عن عبادة غيره. 4- وبالوالدين إحسانا. 5- فلا تقل لهما أف. 6- ولا تنهرهما. 7- وقل لهما قولا كريما. 8- واخفض لهما جناح الذل. 9- وقل رب ارحمهما. 10- وآت ذا القربى حقه. 11- والمسكين. 12- وابن السبيل. 13- ولا تبذر تبذيرا. 14- فقل لهم قولا ميسورا. 15- ولا تجعل يدك مغلولة. 16- ولا تبسطها كل البسط. 17- ولا تقتلوا أولادكم. 18- ولا تقربوا الزنا. 19- ولا تقتلوا النفس. 20- فلا يسرف في القتل. 21- وأوفوا بالعهد. 22- وأوفوا الكيل. 23- وزنوا بالقسطاس. 24- ولا تقف ما ليس لك به علم. 25- ولا تمش في الأرض مرحا. الاشارة بأولئك: الاشارة في قوله تعالى «كل أولئك كان عنه مسئولا» إلى السمع والبصر والفؤاد وقد أشير إليها بأولئك وهي في الأكثر لمن يعقل لأنه جمع ذا، وذا لمن يعقل ولما لا يعقل وأولاء ممدود عند الحجازيين مقصور عند أهل نجد وتميم والأكثر مجيئه للعقلاء ويقل مجيئه لغير العقلاء كقول جرير بن عطية: ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام وهو من قصيدة مستجادة له مطلعها: سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كل مرام وفيها يقول بعد البيت المتقدم: وإذا وقفت على المنازل باللوى ... فاضت دموعي غير ذات نظام طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدّر من متون غمام لو كان عهدك كالذي حدثتنا ... لوصلت ذاك فكان غير رمام إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوام ومنها في هجاء الفرزدق: خلق الفرزدق سوءة في مالك ... ولخلف ضبة كان شر غلام مهلا فرزدق إن قومك فيهم ... خور القلوب وخفّة الأحلام الظاعنون على العمي بجميعهم ... والنّازلون بشرّ دار مقام واللوى بكسر اللام وفتح الواو مقصورا في الأصل منقطع الرمل وقد ورد في مطلع معلقة امرئ القيس وهو: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدخول فحومل وهو أيضا موضع بعينه قال ياقوت: «وقد أكثرت الشعراء من ذكره وخلطت بين ذلك اللوى والرمل فعز الفصل بينهما وهو واد من أودية بني سليم» .

الإسراء 17:38

اللغة: (الزِّنى) : يكتب بالياء لأنه مصدر زنى يزني ويكتب بالألف على أنه مقصور من الزناء بالمد، ويقولون: هو زان بين الزنى والزناء بالمد والقصر قال الفرزدق: أبا خالد من يزن يعلم زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا وقال الفراء: المقصور من زنى والممدود من زانى يقال زاناها مزاناة وزناء وخرجت فلانة تزاني وتباغي وقد زّني بها وهو ولد زنية وانه لزنية بالفتح والكسر. (القسطاس) هو رومي عرّب كما تقدم وقد ذكرنا من قبل أن ذلك لا يقدح في عربية القرآن لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الاعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيا وسيأتي المزيد من هذا البحث المفيد، والقسطاس بالضم والكسر وهو القرسطون أي القبان وقيل كل ميزان صغر أو كبر. (وَلا تَقْفُ) ولا تتبع يقال فقا أثره وقافه قيل هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور يتبعها ويتعرفها وقيل القفو شبيه بالعضيهة ومنه الحديث: «من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي المخرج» وأنشدوا لبعضهم: ومثل الدمى شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا يصف نساء بأنهن جميلات مثل الدمى ويشبههن بالبيوت ويشبه الحياء بقوم يسكنونها على طريق الاستعارة المكنية والسكنى تخييل لذلك ويقول انهن لا يشعن أي لا يظهرن التقافي أي المتابعة بالقذف من قفوته إذا اتبعته بالغيبة. وقال الكميت: ولا أرمي البريء بغير ذنب ... ولا أقفو الحواصن إن قفينا يقول لا أتهم البريء بشيء زور بل بذنب محقق ولا أتبع العفائف وأتكلم فيهن بفحش ما دمن عفائف إن قفاهنّ الناس فتكلموا فيهن فكيف إذا لم يتكلم فيهنّ أحد. الإعراب: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) الواو عاطفة ولا ناهية وتقربوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والزنا مفعول به وجملة إنه تعليلية لا محل لها وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وفاحشة خبرها وساء فعل ماض للذم والفاعل مستتر وسبيلا تمييز والمخصوص بالذم محذوف أي هو. (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ولا تقتلوا عطف على ما تقدم والنفس مفعول به والتي صفة وجملة حرم الله صلة وإلا أداة حصر وبالحق متعلقان بتقتلوا والباء للسببية أو بمحذوف حال من فاعل تقتلوا فهي للملابسة أي ملتبسين بالحق (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ وقتل فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط ونائب الفاعل مستتر تقديره هو ومظلوما حال، فقد الفاء رابطة وقد حرف تحقيق وجعلنا فعل وفاعل ولوليه مفعول جعلنا الثاني وسلطانا مفعول جعلنا الأول أي حجة يثب بها عليه. (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) الفاء عاطفة ولا ناهية ويسرف مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر يعود على الولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كديدن الجاهلية على حد قول مهلهل ابن ربيعة: كل قتيل في كليب غره ... حتى ينال القتل آل مرة وفي القتل متعلقان بيسرف وجملة إنه تعليلية وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر ومنصورا خبرها. (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ولا تقربوا عطف أيضا ومال اليتيم مفعول به وإلا أداة حصر وبالتي استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقربوه بحال من الأحوال إلا بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن وهي حفظه وصيانته واستغلاله لمصلحة اليتيم وهي مبتدأ وأحسن خبر والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول. (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) حتى حرف غاية وجر ويبلغ منصوب بأن مضمرة بعد حتى والمراد بالأشد بلوغه مرتبة يحسن فيها التصرف وقد تقدم معنى الأشد وانه مفرد بمعنى القوة أو جمع لا واحد له من لفظه. وقيل جمع شدة أو شد. وفي كتاب معاني القرآن للفراء ان الأربعين أشبه بالصواب. (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) أوفوا فعل أمر والواو فاعل وبالعهد متعلقان بأوفوا وان واسمها وجملة كان خبرها ومسئولا خبر كان ومعنى مسئولا مطلوبا كأنه يطلب من المعاهد أن يفي به وحذف الجار والمجرور تخفيفا أي عنه وقد ذكر في بقية الآي كما سيأتي ويجوز وجه آخر سيأتي في باب البلاغة. (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) وأوفوا فعل أمر والواو فاعل والكيل مفعول أوفوا وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة كلتم مضافة إلى الظرف وجوابه محذوف دل عليه قوله أوفوا الكيل. وزنوا بالقسطاس المستقيم عطف على أوفوا بالكيل. (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ذلك مبتدأ وخير خبر وأحسن عطف على خير وتأويلا تمييز أي أحسن عاقبة فالتأويل تفصيل من آل إذا رجع وهو ما يئول اليه في الآخرة. (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) لا ناهية وتقف مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الواو وفاعله مستتر تقديره أنت وما مفعول به وجملة ليس صلة ولك خبر ليس المقدم وبه متعلقان بمحذوف حال ولا يجوز تعلقها بعلم لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه وقال بعضهم متعلقان بما تعلق به لك وهو الاستقرار وفيه بعد، ومعنى الآية النهي عن أن يقول الإنسان مالا يعلم أو يعمل بما لا علم له به وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور إلا أن الشيوع أولى، وعلم اسم ليس المؤخر. (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) ان واسمها والبصر والفؤاد عطف على السمع وكل مبتدأ وأولئك مضاف وجملة كان خبر وعنه متعلقان بمسئولا، ومسئولا خبر كان وسيأتي مزيد من التفصيل حول هذه الآية في بابي البلاغة والفوائد. (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) لا ناهية وتمش مجزوم بها وفاعله مستتر تقديره أنت وفي الأرض متعلقان بتمش ومرحا حال على تقدير مضاف أي ذا مرح أي ولا تمش في الأرض حال كونك ذا مرح أي مارحا ملتبسا بالكبر والخيلاء وقد أحسن الأخفش إذ فضل المصدر على اسم الفاعل كأنه نفس المرح ويجوز أن يعرب مفعولا لأجله كما قال أبو البقاء. (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا) جملة تعليلية لا محل لها كأنها تعليل للنهي أي لن تجعل فيها صدوعا وخروقا بدوسك لها وإن واسمها وجملة لن تخرق الأرض خبرها ولن تبلغ الجبال عطف على لن تخرق وطولا تمييز محول عن الفاعل أي ولن يبلغ طولك الجبال وقيل مصدر في موقع الحال أو مفعول له، وسيأتي مزيد من البحث في باب البلاغة. (كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) كل مبتدأ وذلك مضاف اليه والاشارة إلى ما تقدم من الخصال الخمس والعشرين الآنفة من قوله تعالى لا تجعل مع الله إلها آخر وسيأتي تفصيل عدها في باب الفوائد وكان فعل ماض ناقص وسيئه اسمها وعند ربك ظرف متعلق بمكروها، ومكروها خبر كان. (ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) ذلك مبتدأ أي ما تقدم من خصال ومما خبر وجملة أوحى صلة وإليك متعلقان بأوحى وربك فاعل ومن الحكمة حال من عائد الموصول المحذوف أي من الذي أوحاه إليك حال كونه من الحكمة التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به أو حال من نفس الموصول وقد استهلت هذه الخصال وختمت بالنهي عن الشرك. (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) ولا تجعل عطف على ما تقدم ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لتجعل وإلها هو المفعول الأول وآخر صفة فتلقى الفاء فاء السببية ونائب الفاعل مستتر تقديره أنت وفي جهنم متعلقان بتلقى وملوما ومدحورا حالان. البلاغة: انطوت هذه الآية على فنون كثيرة من البلاغة نثبتها فيما يلي: 1- الاطناب: في قوله تعالى: «ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا» فإن معنى هذه الآية جاء موجزا في قوله تعالى «ولكم في القصاص حياة» لكن الأول إطناب والثاني إيجاز وكلاهما موصوف بالمساواة وقد تحدثنا عن الإيجاز فلنتحدث الآن عن الاطناب والمساواة فالاطناب مأخوذ في الأصل من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه يقال أطنبت الريح إذا اشتدت في هبوبها وأطنب في السير إذا اشتد فيه وفي اصطلاح البيانيين هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة فإذا لم تكن في الزيادة فائدة سمي تطويلا إن كانت الزيادة غير متعينة وحشوا إن كانت متعينة فالتطويل كقول عنترة بن شداد: حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم والحشو كقول زهير بن أبي سلمى: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم والإطناب يكون بأمور عدة نوجزها فيما يلي: آ- التأكيد والتقرير وهو يكون حقيقة ومجازا فالحقيقة كقولهم رأيته بعيني وقبضته بيدي ووطئته بقدمي وذقته بفمي وكل هذا يظن الظان أنه لا حاجة إليه فالرؤية لا تكون إلا بالعين والقبض لا يكون إلا باليد والوطء لا يكون إلا بالقدم والذوق لا يكون إلا بالفم وليس الأمر كما توهم بل يطرد في كل ما يعزّ مناله ويعظم الوصول إليه ومن أمثلته البديعة في الشعر قول البحتري: تأمل من خلال السجف وانظر ... بعينك ما شربت ومن سقاني تجد شمس الضحى تدنو بشمس ... إليّ من الرحيق الخسرواني ولما كان الحضور في هذا المجلس مما يعز وجوده ومناله وكان الساقي بهذه المثابة من الحسن قال انظر بعينك. وعلى هذا ورد الكثير منه في القرآن الكريم فقال تعالى: «ذلك قولكم بأفواهكم» والمجاز كقوله تعالى: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» ففائدة ذكر الصدور هنا انه قد تعورف وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب تشبيه وتمثيل فلما أريد إثبات ما هو خلاف ما تعورف وعلم من نسبة العمى إلى القلوب احتاج الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف ليقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الصدور. ب- ذكر الخاص بعد العام: كقوله تعالى «تنزل الملائكة والروح فيها» فقد خص الله سبحانه الروح بالذكر وهو جبريل مع انه داخل في عموم الملائكة تكريما له وتعظيما لشأنه وكأنه من جنس آخر ففائدة الزيادة هنا التنويه الخاص. ج- ذكر العام بعد الخاص: كقوله تعالى: «ربي اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات» فقد ذكر الله سبحانه المؤمنين والمؤمنات وهما لفظان عامان يدخل في عمومهما من ذكر قبل ذلك والغرض من هذه الزيادة إفادة الشمول مع العناية بالخاص ذكره مرة وحده ومرة مندرجا تحت العام. د- الإيضاح بعد الإبهام: كقوله تعالى: «وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين» فقوله ذلك الأمر إبهام وقوله أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين إيضاح للإبهام الذي تضمنه لفظ الأمر لزيادة تقرير المعنى في ذهن السامع مرة على طريق الإجمال والإبهام، ومرة على طريق التفصيل والإيضاح. هـ- التكرار لتقرير المعنى: وهذا موضوع جم الشعاب متعدد المسالك نحتاج إلى مجلدات لإحصائه ولكننا نذكر ما هو بمثابة الدليل والرائد لغيره كقول عنترة بن شداد في بعض روايات معلقته: يدعون عنتر والسيوف كأنها ... لمع البوارق في سحاب مظلم يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم فالتكرار في بيتي عنترة تقرير المعنى في نفس السامع وترسيخه في ذهنه وهو هنا لداعي الفخر ويطرد في الخطابة وفي مواطن الفخر والمدح والإرشاد والانذار وقد يكون للتحسر كقول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة: فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة موضعا ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مرتعا ومنها طول الفصل كقول الشاعر: لقد علم الحيّ اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد اني خطيبها والاعتراض: وهو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لغرض يقصد إليه البليغ وقد تقدم ذكره ومنه قول النابغة الجعدي: ألا زعمت بنو سعد بأني- ألا كذبوا- كبير السن فان فقد جاءت جملة «ألا كذبوا» معترضة بين اسم ان وخبرها للاسراع إلى التنبيه على كذب من رماه بالكبر. ز- التذييل: وهو تعقيب الجمل بجملة أخرى تشتمل على معناها توكيدا لها كقول الحطيئة: تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد فإن المعنى تم في الشطر الأول ثم ذيل بالشطر الثاني للتوكيد. ح- الاحتراس: وقد تقدم بحثه ومنه قول ابن المعتز: صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل فلو أسقطنا كلمة «ظالمين» لتوهم السامع أن فرس ابن المعتز كانت بليدة تستحق الضرب وهذا خلاف المقصود. هذا وستأتي أمثلة من الاطناب في مواضعها من هذا الكتاب. أما المساواة فهي أن تكون المعاني بقدر الألفاظ والألفاظ بقدر المعاني لا يزيد بعضها على بعض ولا ينقص عنه وقد تقدم التمثيل لها بقوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» إلخ ومن أمثلتها في الشعر قول النابغة الذبياني: فانك كالليل الذي هو مدركي ... وان خلت أن المنتأى عنك واسع وقول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود والقرآن حافل بأمثلة المساواة وستأتي في مواضعها إن شاء الله. 2- الاستعارة: في قوله تعالى: «إن العهد كان مسئولا» وقد قدمنا انه جار على الحقيقة بحذف الجار والمجرور ويجوز أن يكون الكلام جاريا على طريق الاستعارة المكنية بأن يشبه العهد بمن نكث عهده ونسبته السؤال إليه تخييل. 3- التهكم: وقد سبق ذكره لأن مشية المرح مشتملة على شدة الوطء والتباهي على الأرض بمشيه عليها والتطاول على الآخر ولو كان المتكبر خفيف الوطأة قميء النظرة، شخت الخلقة، على حد قول المتنبي: أفي كل يوم تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول الفوائد: في هذه الآيات الجامعة فوائد كثيرة تتناول المهم منها جريا على أسلوبنا في هذا الكتاب فمنها تعليق الجار والمجرور في قوله تعالى: «كل أولئك كان عنه مسئولا» فقد علقناه في باب الإعراب بمسئولا وجعلنا نائب الفاعل ضميرا يعود على كل أي كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه يعني عما فعل به صاحبه وقد أسند الزمخشري مسئولا إلى الجار والمجرور وجعله بمثابة نائب الفاعل وهذا سهو من الزمخشري يجل عنه لأن الجار والمجرور يقام مقام الفاعل أو نائبه إذا تقدم الفعل أو ما يقوم مقامه وأما إذا تأخر فلا يصح ذلك لأن الاسم إذا تقدم على الفعل صار مبتدأ وحرف الجر إذا كان لازما لا يكون مبتدأ ف «عنه» ليس هو النائب عن الفاعل خلافا لصاحب الكشاف ولا ضمير المصدر كما قال بعضهم وإنما النائب في هذه الآية ضمير راجع إلى ما رجع اليه اسم كان وهو المكلف المدلول عليه بالمعنى والتقدير مسئولا هو أي المكلف وإنما لم يقدر ضمير كان راجعا لكل لئلا يخلو مسئولا عن ضمير فيكون مسندا إلى عنه وذلك لا يجوز. وعبارة ابن هشام «وقول بعضهم في قوله تعالى: «إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا» إن عنه مرفوع المحل بمسئولا والصواب ان اسم كان ضمير المكلف وإن لم يجد له ذكر وان المرفوع بمسئولا مستقر فيه راجع اليه أيضا وان عنه في موضع نصب» . أي على انه مفعول ثان لمسئولا لأنه يعتدى لمفعولين ثانيهما بعن. الخصال الخمس والعشرون: وعدناك بإحصاء الخصال الخمس والعشرين التي وردت الاشارة إليها بقوله تعالى: «كل ذلك» وهذا احصاؤها بالترتيب: 1- لا تجعل مع الله إلها آخر. 2 و3- قوله تعالى وقضى ربك إلى آخر الآية لاشتماله على تكليفين وهما عبادة الله والنهي عن عبادة غيره. 4- وبالوالدين إحسانا. 5- فلا تقل لهما أف. 6- ولا تنهرهما. 7- وقل لهما قولا كريما. 8- واخفض لهما جناح الذل. 9- وقل رب ارحمهما. 10- وآت ذا القربى حقه. 11- والمسكين. 12- وابن السبيل. 13- ولا تبذر تبذيرا. 14- فقل لهم قولا ميسورا. 15- ولا تجعل يدك مغلولة. 16- ولا تبسطها كل البسط. 17- ولا تقتلوا أولادكم. 18- ولا تقربوا الزنا. 19- ولا تقتلوا النفس. 20- فلا يسرف في القتل. 21- وأوفوا بالعهد. 22- وأوفوا الكيل. 23- وزنوا بالقسطاس. 24- ولا تقف ما ليس لك به علم. 25- ولا تمش في الأرض مرحا. الاشارة بأولئك: الاشارة في قوله تعالى «كل أولئك كان عنه مسئولا» إلى السمع والبصر والفؤاد وقد أشير إليها بأولئك وهي في الأكثر لمن يعقل لأنه جمع ذا، وذا لمن يعقل ولما لا يعقل وأولاء ممدود عند الحجازيين مقصور عند أهل نجد وتميم والأكثر مجيئه للعقلاء ويقل مجيئه لغير العقلاء كقول جرير بن عطية: ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام وهو من قصيدة مستجادة له مطلعها: سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كل مرام وفيها يقول بعد البيت المتقدم: وإذا وقفت على المنازل باللوى ... فاضت دموعي غير ذات نظام طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدّر من متون غمام لو كان عهدك كالذي حدثتنا ... لوصلت ذاك فكان غير رمام إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوام ومنها في هجاء الفرزدق: خلق الفرزدق سوءة في مالك ... ولخلف ضبة كان شر غلام مهلا فرزدق إن قومك فيهم ... خور القلوب وخفّة الأحلام الظاعنون على العمي بجميعهم ... والنّازلون بشرّ دار مقام واللوى بكسر اللام وفتح الواو مقصورا في الأصل منقطع الرمل وقد ورد في مطلع معلقة امرئ القيس وهو: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدخول فحومل وهو أيضا موضع بعينه قال ياقوت: «وقد أكثرت الشعراء من ذكره وخلطت بين ذلك اللوى والرمل فعز الفصل بينهما وهو واد من أودية بني سليم» .

الإسراء 17:39

اللغة: (الزِّنى) : يكتب بالياء لأنه مصدر زنى يزني ويكتب بالألف على أنه مقصور من الزناء بالمد، ويقولون: هو زان بين الزنى والزناء بالمد والقصر قال الفرزدق: أبا خالد من يزن يعلم زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا وقال الفراء: المقصور من زنى والممدود من زانى يقال زاناها مزاناة وزناء وخرجت فلانة تزاني وتباغي وقد زّني بها وهو ولد زنية وانه لزنية بالفتح والكسر. (القسطاس) هو رومي عرّب كما تقدم وقد ذكرنا من قبل أن ذلك لا يقدح في عربية القرآن لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الاعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيا وسيأتي المزيد من هذا البحث المفيد، والقسطاس بالضم والكسر وهو القرسطون أي القبان وقيل كل ميزان صغر أو كبر. (وَلا تَقْفُ) ولا تتبع يقال فقا أثره وقافه قيل هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور يتبعها ويتعرفها وقيل القفو شبيه بالعضيهة ومنه الحديث: «من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي المخرج» وأنشدوا لبعضهم: ومثل الدمى شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا يصف نساء بأنهن جميلات مثل الدمى ويشبههن بالبيوت ويشبه الحياء بقوم يسكنونها على طريق الاستعارة المكنية والسكنى تخييل لذلك ويقول انهن لا يشعن أي لا يظهرن التقافي أي المتابعة بالقذف من قفوته إذا اتبعته بالغيبة. وقال الكميت: ولا أرمي البريء بغير ذنب ... ولا أقفو الحواصن إن قفينا يقول لا أتهم البريء بشيء زور بل بذنب محقق ولا أتبع العفائف وأتكلم فيهن بفحش ما دمن عفائف إن قفاهنّ الناس فتكلموا فيهن فكيف إذا لم يتكلم فيهنّ أحد. الإعراب: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) الواو عاطفة ولا ناهية وتقربوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والزنا مفعول به وجملة إنه تعليلية لا محل لها وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وفاحشة خبرها وساء فعل ماض للذم والفاعل مستتر وسبيلا تمييز والمخصوص بالذم محذوف أي هو. (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ولا تقتلوا عطف على ما تقدم والنفس مفعول به والتي صفة وجملة حرم الله صلة وإلا أداة حصر وبالحق متعلقان بتقتلوا والباء للسببية أو بمحذوف حال من فاعل تقتلوا فهي للملابسة أي ملتبسين بالحق (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ وقتل فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط ونائب الفاعل مستتر تقديره هو ومظلوما حال، فقد الفاء رابطة وقد حرف تحقيق وجعلنا فعل وفاعل ولوليه مفعول جعلنا الثاني وسلطانا مفعول جعلنا الأول أي حجة يثب بها عليه. (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) الفاء عاطفة ولا ناهية ويسرف مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر يعود على الولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كديدن الجاهلية على حد قول مهلهل ابن ربيعة: كل قتيل في كليب غره ... حتى ينال القتل آل مرة وفي القتل متعلقان بيسرف وجملة إنه تعليلية وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر ومنصورا خبرها. (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ولا تقربوا عطف أيضا ومال اليتيم مفعول به وإلا أداة حصر وبالتي استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقربوه بحال من الأحوال إلا بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن وهي حفظه وصيانته واستغلاله لمصلحة اليتيم وهي مبتدأ وأحسن خبر والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول. (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) حتى حرف غاية وجر ويبلغ منصوب بأن مضمرة بعد حتى والمراد بالأشد بلوغه مرتبة يحسن فيها التصرف وقد تقدم معنى الأشد وانه مفرد بمعنى القوة أو جمع لا واحد له من لفظه. وقيل جمع شدة أو شد. وفي كتاب معاني القرآن للفراء ان الأربعين أشبه بالصواب. (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) أوفوا فعل أمر والواو فاعل وبالعهد متعلقان بأوفوا وان واسمها وجملة كان خبرها ومسئولا خبر كان ومعنى مسئولا مطلوبا كأنه يطلب من المعاهد أن يفي به وحذف الجار والمجرور تخفيفا أي عنه وقد ذكر في بقية الآي كما سيأتي ويجوز وجه آخر سيأتي في باب البلاغة. (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) وأوفوا فعل أمر والواو فاعل والكيل مفعول أوفوا وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة كلتم مضافة إلى الظرف وجوابه محذوف دل عليه قوله أوفوا الكيل. وزنوا بالقسطاس المستقيم عطف على أوفوا بالكيل. (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ذلك مبتدأ وخير خبر وأحسن عطف على خير وتأويلا تمييز أي أحسن عاقبة فالتأويل تفصيل من آل إذا رجع وهو ما يئول اليه في الآخرة. (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) لا ناهية وتقف مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الواو وفاعله مستتر تقديره أنت وما مفعول به وجملة ليس صلة ولك خبر ليس المقدم وبه متعلقان بمحذوف حال ولا يجوز تعلقها بعلم لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه وقال بعضهم متعلقان بما تعلق به لك وهو الاستقرار وفيه بعد، ومعنى الآية النهي عن أن يقول الإنسان مالا يعلم أو يعمل بما لا علم له به وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور إلا أن الشيوع أولى، وعلم اسم ليس المؤخر. (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) ان واسمها والبصر والفؤاد عطف على السمع وكل مبتدأ وأولئك مضاف وجملة كان خبر وعنه متعلقان بمسئولا، ومسئولا خبر كان وسيأتي مزيد من التفصيل حول هذه الآية في بابي البلاغة والفوائد. (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) لا ناهية وتمش مجزوم بها وفاعله مستتر تقديره أنت وفي الأرض متعلقان بتمش ومرحا حال على تقدير مضاف أي ذا مرح أي ولا تمش في الأرض حال كونك ذا مرح أي مارحا ملتبسا بالكبر والخيلاء وقد أحسن الأخفش إذ فضل المصدر على اسم الفاعل كأنه نفس المرح ويجوز أن يعرب مفعولا لأجله كما قال أبو البقاء. (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا) جملة تعليلية لا محل لها كأنها تعليل للنهي أي لن تجعل فيها صدوعا وخروقا بدوسك لها وإن واسمها وجملة لن تخرق الأرض خبرها ولن تبلغ الجبال عطف على لن تخرق وطولا تمييز محول عن الفاعل أي ولن يبلغ طولك الجبال وقيل مصدر في موقع الحال أو مفعول له، وسيأتي مزيد من البحث في باب البلاغة. (كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) كل مبتدأ وذلك مضاف اليه والاشارة إلى ما تقدم من الخصال الخمس والعشرين الآنفة من قوله تعالى لا تجعل مع الله إلها آخر وسيأتي تفصيل عدها في باب الفوائد وكان فعل ماض ناقص وسيئه اسمها وعند ربك ظرف متعلق بمكروها، ومكروها خبر كان. (ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) ذلك مبتدأ أي ما تقدم من خصال ومما خبر وجملة أوحى صلة وإليك متعلقان بأوحى وربك فاعل ومن الحكمة حال من عائد الموصول المحذوف أي من الذي أوحاه إليك حال كونه من الحكمة التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به أو حال من نفس الموصول وقد استهلت هذه الخصال وختمت بالنهي عن الشرك. (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) ولا تجعل عطف على ما تقدم ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لتجعل وإلها هو المفعول الأول وآخر صفة فتلقى الفاء فاء السببية ونائب الفاعل مستتر تقديره أنت وفي جهنم متعلقان بتلقى وملوما ومدحورا حالان. البلاغة: انطوت هذه الآية على فنون كثيرة من البلاغة نثبتها فيما يلي: 1- الاطناب: في قوله تعالى: «ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا» فإن معنى هذه الآية جاء موجزا في قوله تعالى «ولكم في القصاص حياة» لكن الأول إطناب والثاني إيجاز وكلاهما موصوف بالمساواة وقد تحدثنا عن الإيجاز فلنتحدث الآن عن الاطناب والمساواة فالاطناب مأخوذ في الأصل من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه يقال أطنبت الريح إذا اشتدت في هبوبها وأطنب في السير إذا اشتد فيه وفي اصطلاح البيانيين هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة فإذا لم تكن في الزيادة فائدة سمي تطويلا إن كانت الزيادة غير متعينة وحشوا إن كانت متعينة فالتطويل كقول عنترة بن شداد: حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم والحشو كقول زهير بن أبي سلمى: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم والإطناب يكون بأمور عدة نوجزها فيما يلي: آ- التأكيد والتقرير وهو يكون حقيقة ومجازا فالحقيقة كقولهم رأيته بعيني وقبضته بيدي ووطئته بقدمي وذقته بفمي وكل هذا يظن الظان أنه لا حاجة إليه فالرؤية لا تكون إلا بالعين والقبض لا يكون إلا باليد والوطء لا يكون إلا بالقدم والذوق لا يكون إلا بالفم وليس الأمر كما توهم بل يطرد في كل ما يعزّ مناله ويعظم الوصول إليه ومن أمثلته البديعة في الشعر قول البحتري: تأمل من خلال السجف وانظر ... بعينك ما شربت ومن سقاني تجد شمس الضحى تدنو بشمس ... إليّ من الرحيق الخسرواني ولما كان الحضور في هذا المجلس مما يعز وجوده ومناله وكان الساقي بهذه المثابة من الحسن قال انظر بعينك. وعلى هذا ورد الكثير منه في القرآن الكريم فقال تعالى: «ذلك قولكم بأفواهكم» والمجاز كقوله تعالى: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» ففائدة ذكر الصدور هنا انه قد تعورف وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب تشبيه وتمثيل فلما أريد إثبات ما هو خلاف ما تعورف وعلم من نسبة العمى إلى القلوب احتاج الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف ليقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الصدور. ب- ذكر الخاص بعد العام: كقوله تعالى «تنزل الملائكة والروح فيها» فقد خص الله سبحانه الروح بالذكر وهو جبريل مع انه داخل في عموم الملائكة تكريما له وتعظيما لشأنه وكأنه من جنس آخر ففائدة الزيادة هنا التنويه الخاص. ج- ذكر العام بعد الخاص: كقوله تعالى: «ربي اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات» فقد ذكر الله سبحانه المؤمنين والمؤمنات وهما لفظان عامان يدخل في عمومهما من ذكر قبل ذلك والغرض من هذه الزيادة إفادة الشمول مع العناية بالخاص ذكره مرة وحده ومرة مندرجا تحت العام. د- الإيضاح بعد الإبهام: كقوله تعالى: «وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين» فقوله ذلك الأمر إبهام وقوله أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين إيضاح للإبهام الذي تضمنه لفظ الأمر لزيادة تقرير المعنى في ذهن السامع مرة على طريق الإجمال والإبهام، ومرة على طريق التفصيل والإيضاح. هـ- التكرار لتقرير المعنى: وهذا موضوع جم الشعاب متعدد المسالك نحتاج إلى مجلدات لإحصائه ولكننا نذكر ما هو بمثابة الدليل والرائد لغيره كقول عنترة بن شداد في بعض روايات معلقته: يدعون عنتر والسيوف كأنها ... لمع البوارق في سحاب مظلم يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم فالتكرار في بيتي عنترة تقرير المعنى في نفس السامع وترسيخه في ذهنه وهو هنا لداعي الفخر ويطرد في الخطابة وفي مواطن الفخر والمدح والإرشاد والانذار وقد يكون للتحسر كقول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة: فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة موضعا ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مرتعا ومنها طول الفصل كقول الشاعر: لقد علم الحيّ اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد اني خطيبها والاعتراض: وهو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لغرض يقصد إليه البليغ وقد تقدم ذكره ومنه قول النابغة الجعدي: ألا زعمت بنو سعد بأني- ألا كذبوا- كبير السن فان فقد جاءت جملة «ألا كذبوا» معترضة بين اسم ان وخبرها للاسراع إلى التنبيه على كذب من رماه بالكبر. ز- التذييل: وهو تعقيب الجمل بجملة أخرى تشتمل على معناها توكيدا لها كقول الحطيئة: تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد فإن المعنى تم في الشطر الأول ثم ذيل بالشطر الثاني للتوكيد. ح- الاحتراس: وقد تقدم بحثه ومنه قول ابن المعتز: صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل فلو أسقطنا كلمة «ظالمين» لتوهم السامع أن فرس ابن المعتز كانت بليدة تستحق الضرب وهذا خلاف المقصود. هذا وستأتي أمثلة من الاطناب في مواضعها من هذا الكتاب. أما المساواة فهي أن تكون المعاني بقدر الألفاظ والألفاظ بقدر المعاني لا يزيد بعضها على بعض ولا ينقص عنه وقد تقدم التمثيل لها بقوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» إلخ ومن أمثلتها في الشعر قول النابغة الذبياني: فانك كالليل الذي هو مدركي ... وان خلت أن المنتأى عنك واسع وقول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود والقرآن حافل بأمثلة المساواة وستأتي في مواضعها إن شاء الله. 2- الاستعارة: في قوله تعالى: «إن العهد كان مسئولا» وقد قدمنا انه جار على الحقيقة بحذف الجار والمجرور ويجوز أن يكون الكلام جاريا على طريق الاستعارة المكنية بأن يشبه العهد بمن نكث عهده ونسبته السؤال إليه تخييل. 3- التهكم: وقد سبق ذكره لأن مشية المرح مشتملة على شدة الوطء والتباهي على الأرض بمشيه عليها والتطاول على الآخر ولو كان المتكبر خفيف الوطأة قميء النظرة، شخت الخلقة، على حد قول المتنبي: أفي كل يوم تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول الفوائد: في هذه الآيات الجامعة فوائد كثيرة تتناول المهم منها جريا على أسلوبنا في هذا الكتاب فمنها تعليق الجار والمجرور في قوله تعالى: «كل أولئك كان عنه مسئولا» فقد علقناه في باب الإعراب بمسئولا وجعلنا نائب الفاعل ضميرا يعود على كل أي كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه يعني عما فعل به صاحبه وقد أسند الزمخشري مسئولا إلى الجار والمجرور وجعله بمثابة نائب الفاعل وهذا سهو من الزمخشري يجل عنه لأن الجار والمجرور يقام مقام الفاعل أو نائبه إذا تقدم الفعل أو ما يقوم مقامه وأما إذا تأخر فلا يصح ذلك لأن الاسم إذا تقدم على الفعل صار مبتدأ وحرف الجر إذا كان لازما لا يكون مبتدأ ف «عنه» ليس هو النائب عن الفاعل خلافا لصاحب الكشاف ولا ضمير المصدر كما قال بعضهم وإنما النائب في هذه الآية ضمير راجع إلى ما رجع اليه اسم كان وهو المكلف المدلول عليه بالمعنى والتقدير مسئولا هو أي المكلف وإنما لم يقدر ضمير كان راجعا لكل لئلا يخلو مسئولا عن ضمير فيكون مسندا إلى عنه وذلك لا يجوز. وعبارة ابن هشام «وقول بعضهم في قوله تعالى: «إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا» إن عنه مرفوع المحل بمسئولا والصواب ان اسم كان ضمير المكلف وإن لم يجد له ذكر وان المرفوع بمسئولا مستقر فيه راجع اليه أيضا وان عنه في موضع نصب» . أي على انه مفعول ثان لمسئولا لأنه يعتدى لمفعولين ثانيهما بعن. الخصال الخمس والعشرون: وعدناك بإحصاء الخصال الخمس والعشرين التي وردت الاشارة إليها بقوله تعالى: «كل ذلك» وهذا احصاؤها بالترتيب: 1- لا تجعل مع الله إلها آخر. 2 و3- قوله تعالى وقضى ربك إلى آخر الآية لاشتماله على تكليفين وهما عبادة الله والنهي عن عبادة غيره. 4- وبالوالدين إحسانا. 5- فلا تقل لهما أف. 6- ولا تنهرهما. 7- وقل لهما قولا كريما. 8- واخفض لهما جناح الذل. 9- وقل رب ارحمهما. 10- وآت ذا القربى حقه. 11- والمسكين. 12- وابن السبيل. 13- ولا تبذر تبذيرا. 14- فقل لهم قولا ميسورا. 15- ولا تجعل يدك مغلولة. 16- ولا تبسطها كل البسط. 17- ولا تقتلوا أولادكم. 18- ولا تقربوا الزنا. 19- ولا تقتلوا النفس. 20- فلا يسرف في القتل. 21- وأوفوا بالعهد. 22- وأوفوا الكيل. 23- وزنوا بالقسطاس. 24- ولا تقف ما ليس لك به علم. 25- ولا تمش في الأرض مرحا. الاشارة بأولئك: الاشارة في قوله تعالى «كل أولئك كان عنه مسئولا» إلى السمع والبصر والفؤاد وقد أشير إليها بأولئك وهي في الأكثر لمن يعقل لأنه جمع ذا، وذا لمن يعقل ولما لا يعقل وأولاء ممدود عند الحجازيين مقصور عند أهل نجد وتميم والأكثر مجيئه للعقلاء ويقل مجيئه لغير العقلاء كقول جرير بن عطية: ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام وهو من قصيدة مستجادة له مطلعها: سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كل مرام وفيها يقول بعد البيت المتقدم: وإذا وقفت على المنازل باللوى ... فاضت دموعي غير ذات نظام طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدّر من متون غمام لو كان عهدك كالذي حدثتنا ... لوصلت ذاك فكان غير رمام إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوام ومنها في هجاء الفرزدق: خلق الفرزدق سوءة في مالك ... ولخلف ضبة كان شر غلام مهلا فرزدق إن قومك فيهم ... خور القلوب وخفّة الأحلام الظاعنون على العمي بجميعهم ... والنّازلون بشرّ دار مقام واللوى بكسر اللام وفتح الواو مقصورا في الأصل منقطع الرمل وقد ورد في مطلع معلقة امرئ القيس وهو: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدخول فحومل وهو أيضا موضع بعينه قال ياقوت: «وقد أكثرت الشعراء من ذكره وخلطت بين ذلك اللوى والرمل فعز الفصل بينهما وهو واد من أودية بني سليم» .

الإسراء 17:40

اللغة: (أَفَأَصْفاكُمْ) : أخلصكم وخصكم والتصفية في الأصل معناها التخليص ولكنه هنا ضمن معنى خصكم لأجل تعلق البنين به وفي الأساس: «ومن المجاز أصفيته المودة وأصفيته بالبر آثرته واختصصته «أفأصفاكم ربكم بالبنين» وأصفى عياله بشيء يسير: أرضاهم به، وصادف الصياد خفقا فأصفى أولاده بالغبيراء قال الطرماح: أو يصادف خفقا يصفهم ... بعتيق الخشل دون الطعام وهو صفيي من بين إخواني وهم أصفيائي وصافيته وهما خليلان متصافيان.» (صَرَّفْنا) : بينا وأوضحنا ولها معان كثيرة بالتشديد يقال صرفه بمعنى صرفه مع مبالغة وصرّف الشيء باعه وصرف الدراهم بدلها وصرف الخمر شربها صرفا أي غير ممزوجة وصرف الكلام اشتق بعضه من بعض وصرفه في الأمر فوض الأمر اليه وصرف الماء أجراه وصرف الله الرياح أجراها من وجه إلى وجه. الإعراب: (أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً) الهمزة للاسفهام والحقيقة ان هذا الاستفهام معناه الإنكار الابطالي وهذا يقتضي أن ما بعده غير واقع وان مدعيه كاذب، ومعناه التقريع والتوبيخ والنفي أيضا أي لم يفعل ذلك. وأصفاكم فعل ماض والكاف مفعوله وهو معطوف على محذوف يقدر بحسب المقام وربكم فاعل وبالبنين متعلقان بأصفاكم واتخذ من الملائكة إناثا عطف على أصفاكم وهو فعل وفاعل مستتر ومن الملائكة مفعول اتخذ الثاني وإناثا هو المفعول الاول ويجوز أن تكون جملة اتخذ من الملائكة إناثا حالية والواو واو الحال وقد مقدرة. (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة تقولون خبرها وقولا مفعول مطلق وعظيما صفة. (وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وصرفنا فعل وفاعل ومفعوله محذوف أي أمثالا ومواعظ وحكما وقصصا وأخبارا وأوامر ونواهي وقد حذف الضمير للعلم به وفي هذا متعلقان بصرفنا والقرآن بدل واللام للتعليل ويذكروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو للحال وما نافية ويزيدهم فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر ونفورا مفعول يزيدهم الثاني (قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولو شرطية ومعه ظرف متعلق بمحذوف خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وكما يقولون نعت لمصدر محذوف أي كونا مشابها لما يقولون. (إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا) اذن حرف جواب وجزاء مهملة دالة على أن ما بعدها وهو لابتغوا جواب عن مقالة المشركين واللام واقعة في جواب لو وجملة ابتغوا لا محل لها والواو فاعل والى ذي العرش متعلقان بابتغوا أو بمحذوف حال من سبيلا، وسبيلا مفعول ابتغوا (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً) سبحانه مفعول مطلق وقد تقدم مرارا وتعالى عطف على ما تضمنه المصدر والتقدير تنزه وتعالى فهو فعل ماض وعما متعلقان به وجملة يقولون صلة وعلوا مفعول مطلق لأنه مصدر واقع موقع التعالي وكبيرا صفة. (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) تسبح فعل مضارع وله متعلقان به والسموات فاعل والسبع صفة والأرض عطف على السموات ومن عطف على السموات والأرض وفيهن متعلقان بمحذوف صلة من. (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) الواو عاطفة وإن نافية ومن حرف جر زائد وشيء مجرور لفظا مرفوع محلا وساغ الابتداء به لتقدم النفي وإلا أداة حصر ويسبح فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو والجملة خبر شيء وبحمده حال أي متلبسا بحمده، ولكن: الواو حالية ولكن حرف استدراك مهمل ولا نافية وتفقهون فعل مضارع وفاعل وتسبيحهم مفعول به. (إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً) إن واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر وحليما خبر أول لكان وغفورا خبر ثان لها. البلاغة: في قوله تعالى «وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم» فن التنكيت وقد تقدمت الاشارة اليه وانه قصد المتكلم إلى شيء بالذكر دون غيره مما يسدّ مسدّه لنكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه فقد خصّ سبحانه تفقهون دون تعلمون لما في الفقه من الزيادة على العلم لأنه التصرف في المعلوم بعد علمه واستنباط الأحكام منه والمراد الذي يقتضيه معنى الكلام التفقه في معرفة التسبيح من الحيوان البهيم والبنات والجماد وكل ما يدخل تحت لفظة شيء مما لا يعقل ولا ينطق إذ تسبيح ذلك بمجرد وجوده الدال على قدرة موجده وحكمته.

الإسراء 17:41

اللغة: (أَفَأَصْفاكُمْ) : أخلصكم وخصكم والتصفية في الأصل معناها التخليص ولكنه هنا ضمن معنى خصكم لأجل تعلق البنين به وفي الأساس: «ومن المجاز أصفيته المودة وأصفيته بالبر آثرته واختصصته «أفأصفاكم ربكم بالبنين» وأصفى عياله بشيء يسير: أرضاهم به، وصادف الصياد خفقا فأصفى أولاده بالغبيراء قال الطرماح: أو يصادف خفقا يصفهم ... بعتيق الخشل دون الطعام وهو صفيي من بين إخواني وهم أصفيائي وصافيته وهما خليلان متصافيان.» (صَرَّفْنا) : بينا وأوضحنا ولها معان كثيرة بالتشديد يقال صرفه بمعنى صرفه مع مبالغة وصرّف الشيء باعه وصرف الدراهم بدلها وصرف الخمر شربها صرفا أي غير ممزوجة وصرف الكلام اشتق بعضه من بعض وصرفه في الأمر فوض الأمر اليه وصرف الماء أجراه وصرف الله الرياح أجراها من وجه إلى وجه. الإعراب: (أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً) الهمزة للاسفهام والحقيقة ان هذا الاستفهام معناه الإنكار الابطالي وهذا يقتضي أن ما بعده غير واقع وان مدعيه كاذب، ومعناه التقريع والتوبيخ والنفي أيضا أي لم يفعل ذلك. وأصفاكم فعل ماض والكاف مفعوله وهو معطوف على محذوف يقدر بحسب المقام وربكم فاعل وبالبنين متعلقان بأصفاكم واتخذ من الملائكة إناثا عطف على أصفاكم وهو فعل وفاعل مستتر ومن الملائكة مفعول اتخذ الثاني وإناثا هو المفعول الاول ويجوز أن تكون جملة اتخذ من الملائكة إناثا حالية والواو واو الحال وقد مقدرة. (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة تقولون خبرها وقولا مفعول مطلق وعظيما صفة. (وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وصرفنا فعل وفاعل ومفعوله محذوف أي أمثالا ومواعظ وحكما وقصصا وأخبارا وأوامر ونواهي وقد حذف الضمير للعلم به وفي هذا متعلقان بصرفنا والقرآن بدل واللام للتعليل ويذكروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو للحال وما نافية ويزيدهم فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر ونفورا مفعول يزيدهم الثاني (قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولو شرطية ومعه ظرف متعلق بمحذوف خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وكما يقولون نعت لمصدر محذوف أي كونا مشابها لما يقولون. (إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا) اذن حرف جواب وجزاء مهملة دالة على أن ما بعدها وهو لابتغوا جواب عن مقالة المشركين واللام واقعة في جواب لو وجملة ابتغوا لا محل لها والواو فاعل والى ذي العرش متعلقان بابتغوا أو بمحذوف حال من سبيلا، وسبيلا مفعول ابتغوا (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً) سبحانه مفعول مطلق وقد تقدم مرارا وتعالى عطف على ما تضمنه المصدر والتقدير تنزه وتعالى فهو فعل ماض وعما متعلقان به وجملة يقولون صلة وعلوا مفعول مطلق لأنه مصدر واقع موقع التعالي وكبيرا صفة. (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) تسبح فعل مضارع وله متعلقان به والسموات فاعل والسبع صفة والأرض عطف على السموات ومن عطف على السموات والأرض وفيهن متعلقان بمحذوف صلة من. (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) الواو عاطفة وإن نافية ومن حرف جر زائد وشيء مجرور لفظا مرفوع محلا وساغ الابتداء به لتقدم النفي وإلا أداة حصر ويسبح فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو والجملة خبر شيء وبحمده حال أي متلبسا بحمده، ولكن: الواو حالية ولكن حرف استدراك مهمل ولا نافية وتفقهون فعل مضارع وفاعل وتسبيحهم مفعول به. (إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً) إن واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر وحليما خبر أول لكان وغفورا خبر ثان لها. البلاغة: في قوله تعالى «وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم» فن التنكيت وقد تقدمت الاشارة اليه وانه قصد المتكلم إلى شيء بالذكر دون غيره مما يسدّ مسدّه لنكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه فقد خصّ سبحانه تفقهون دون تعلمون لما في الفقه من الزيادة على العلم لأنه التصرف في المعلوم بعد علمه واستنباط الأحكام منه والمراد الذي يقتضيه معنى الكلام التفقه في معرفة التسبيح من الحيوان البهيم والبنات والجماد وكل ما يدخل تحت لفظة شيء مما لا يعقل ولا ينطق إذ تسبيح ذلك بمجرد وجوده الدال على قدرة موجده وحكمته.

الإسراء 17:42

اللغة: (أَفَأَصْفاكُمْ) : أخلصكم وخصكم والتصفية في الأصل معناها التخليص ولكنه هنا ضمن معنى خصكم لأجل تعلق البنين به وفي الأساس: «ومن المجاز أصفيته المودة وأصفيته بالبر آثرته واختصصته «أفأصفاكم ربكم بالبنين» وأصفى عياله بشيء يسير: أرضاهم به، وصادف الصياد خفقا فأصفى أولاده بالغبيراء قال الطرماح: أو يصادف خفقا يصفهم ... بعتيق الخشل دون الطعام وهو صفيي من بين إخواني وهم أصفيائي وصافيته وهما خليلان متصافيان.» (صَرَّفْنا) : بينا وأوضحنا ولها معان كثيرة بالتشديد يقال صرفه بمعنى صرفه مع مبالغة وصرّف الشيء باعه وصرف الدراهم بدلها وصرف الخمر شربها صرفا أي غير ممزوجة وصرف الكلام اشتق بعضه من بعض وصرفه في الأمر فوض الأمر اليه وصرف الماء أجراه وصرف الله الرياح أجراها من وجه إلى وجه. الإعراب: (أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً) الهمزة للاسفهام والحقيقة ان هذا الاستفهام معناه الإنكار الابطالي وهذا يقتضي أن ما بعده غير واقع وان مدعيه كاذب، ومعناه التقريع والتوبيخ والنفي أيضا أي لم يفعل ذلك. وأصفاكم فعل ماض والكاف مفعوله وهو معطوف على محذوف يقدر بحسب المقام وربكم فاعل وبالبنين متعلقان بأصفاكم واتخذ من الملائكة إناثا عطف على أصفاكم وهو فعل وفاعل مستتر ومن الملائكة مفعول اتخذ الثاني وإناثا هو المفعول الاول ويجوز أن تكون جملة اتخذ من الملائكة إناثا حالية والواو واو الحال وقد مقدرة. (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة تقولون خبرها وقولا مفعول مطلق وعظيما صفة. (وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وصرفنا فعل وفاعل ومفعوله محذوف أي أمثالا ومواعظ وحكما وقصصا وأخبارا وأوامر ونواهي وقد حذف الضمير للعلم به وفي هذا متعلقان بصرفنا والقرآن بدل واللام للتعليل ويذكروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو للحال وما نافية ويزيدهم فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر ونفورا مفعول يزيدهم الثاني (قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولو شرطية ومعه ظرف متعلق بمحذوف خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وكما يقولون نعت لمصدر محذوف أي كونا مشابها لما يقولون. (إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا) اذن حرف جواب وجزاء مهملة دالة على أن ما بعدها وهو لابتغوا جواب عن مقالة المشركين واللام واقعة في جواب لو وجملة ابتغوا لا محل لها والواو فاعل والى ذي العرش متعلقان بابتغوا أو بمحذوف حال من سبيلا، وسبيلا مفعول ابتغوا (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً) سبحانه مفعول مطلق وقد تقدم مرارا وتعالى عطف على ما تضمنه المصدر والتقدير تنزه وتعالى فهو فعل ماض وعما متعلقان به وجملة يقولون صلة وعلوا مفعول مطلق لأنه مصدر واقع موقع التعالي وكبيرا صفة. (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) تسبح فعل مضارع وله متعلقان به والسموات فاعل والسبع صفة والأرض عطف على السموات ومن عطف على السموات والأرض وفيهن متعلقان بمحذوف صلة من. (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) الواو عاطفة وإن نافية ومن حرف جر زائد وشيء مجرور لفظا مرفوع محلا وساغ الابتداء به لتقدم النفي وإلا أداة حصر ويسبح فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو والجملة خبر شيء وبحمده حال أي متلبسا بحمده، ولكن: الواو حالية ولكن حرف استدراك مهمل ولا نافية وتفقهون فعل مضارع وفاعل وتسبيحهم مفعول به. (إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً) إن واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر وحليما خبر أول لكان وغفورا خبر ثان لها. البلاغة: في قوله تعالى «وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم» فن التنكيت وقد تقدمت الاشارة اليه وانه قصد المتكلم إلى شيء بالذكر دون غيره مما يسدّ مسدّه لنكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه فقد خصّ سبحانه تفقهون دون تعلمون لما في الفقه من الزيادة على العلم لأنه التصرف في المعلوم بعد علمه واستنباط الأحكام منه والمراد الذي يقتضيه معنى الكلام التفقه في معرفة التسبيح من الحيوان البهيم والبنات والجماد وكل ما يدخل تحت لفظة شيء مما لا يعقل ولا ينطق إذ تسبيح ذلك بمجرد وجوده الدال على قدرة موجده وحكمته.

الإسراء 17:43

اللغة: (أَفَأَصْفاكُمْ) : أخلصكم وخصكم والتصفية في الأصل معناها التخليص ولكنه هنا ضمن معنى خصكم لأجل تعلق البنين به وفي الأساس: «ومن المجاز أصفيته المودة وأصفيته بالبر آثرته واختصصته «أفأصفاكم ربكم بالبنين» وأصفى عياله بشيء يسير: أرضاهم به، وصادف الصياد خفقا فأصفى أولاده بالغبيراء قال الطرماح: أو يصادف خفقا يصفهم ... بعتيق الخشل دون الطعام وهو صفيي من بين إخواني وهم أصفيائي وصافيته وهما خليلان متصافيان.» (صَرَّفْنا) : بينا وأوضحنا ولها معان كثيرة بالتشديد يقال صرفه بمعنى صرفه مع مبالغة وصرّف الشيء باعه وصرف الدراهم بدلها وصرف الخمر شربها صرفا أي غير ممزوجة وصرف الكلام اشتق بعضه من بعض وصرفه في الأمر فوض الأمر اليه وصرف الماء أجراه وصرف الله الرياح أجراها من وجه إلى وجه. الإعراب: (أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً) الهمزة للاسفهام والحقيقة ان هذا الاستفهام معناه الإنكار الابطالي وهذا يقتضي أن ما بعده غير واقع وان مدعيه كاذب، ومعناه التقريع والتوبيخ والنفي أيضا أي لم يفعل ذلك. وأصفاكم فعل ماض والكاف مفعوله وهو معطوف على محذوف يقدر بحسب المقام وربكم فاعل وبالبنين متعلقان بأصفاكم واتخذ من الملائكة إناثا عطف على أصفاكم وهو فعل وفاعل مستتر ومن الملائكة مفعول اتخذ الثاني وإناثا هو المفعول الاول ويجوز أن تكون جملة اتخذ من الملائكة إناثا حالية والواو واو الحال وقد مقدرة. (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة تقولون خبرها وقولا مفعول مطلق وعظيما صفة. (وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وصرفنا فعل وفاعل ومفعوله محذوف أي أمثالا ومواعظ وحكما وقصصا وأخبارا وأوامر ونواهي وقد حذف الضمير للعلم به وفي هذا متعلقان بصرفنا والقرآن بدل واللام للتعليل ويذكروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو للحال وما نافية ويزيدهم فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر ونفورا مفعول يزيدهم الثاني (قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولو شرطية ومعه ظرف متعلق بمحذوف خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وكما يقولون نعت لمصدر محذوف أي كونا مشابها لما يقولون. (إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا) اذن حرف جواب وجزاء مهملة دالة على أن ما بعدها وهو لابتغوا جواب عن مقالة المشركين واللام واقعة في جواب لو وجملة ابتغوا لا محل لها والواو فاعل والى ذي العرش متعلقان بابتغوا أو بمحذوف حال من سبيلا، وسبيلا مفعول ابتغوا (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً) سبحانه مفعول مطلق وقد تقدم مرارا وتعالى عطف على ما تضمنه المصدر والتقدير تنزه وتعالى فهو فعل ماض وعما متعلقان به وجملة يقولون صلة وعلوا مفعول مطلق لأنه مصدر واقع موقع التعالي وكبيرا صفة. (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) تسبح فعل مضارع وله متعلقان به والسموات فاعل والسبع صفة والأرض عطف على السموات ومن عطف على السموات والأرض وفيهن متعلقان بمحذوف صلة من. (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) الواو عاطفة وإن نافية ومن حرف جر زائد وشيء مجرور لفظا مرفوع محلا وساغ الابتداء به لتقدم النفي وإلا أداة حصر ويسبح فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو والجملة خبر شيء وبحمده حال أي متلبسا بحمده، ولكن: الواو حالية ولكن حرف استدراك مهمل ولا نافية وتفقهون فعل مضارع وفاعل وتسبيحهم مفعول به. (إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً) إن واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر وحليما خبر أول لكان وغفورا خبر ثان لها. البلاغة: في قوله تعالى «وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم» فن التنكيت وقد تقدمت الاشارة اليه وانه قصد المتكلم إلى شيء بالذكر دون غيره مما يسدّ مسدّه لنكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه فقد خصّ سبحانه تفقهون دون تعلمون لما في الفقه من الزيادة على العلم لأنه التصرف في المعلوم بعد علمه واستنباط الأحكام منه والمراد الذي يقتضيه معنى الكلام التفقه في معرفة التسبيح من الحيوان البهيم والبنات والجماد وكل ما يدخل تحت لفظة شيء مما لا يعقل ولا ينطق إذ تسبيح ذلك بمجرد وجوده الدال على قدرة موجده وحكمته.

الإسراء 17:44

اللغة: (أَفَأَصْفاكُمْ) : أخلصكم وخصكم والتصفية في الأصل معناها التخليص ولكنه هنا ضمن معنى خصكم لأجل تعلق البنين به وفي الأساس: «ومن المجاز أصفيته المودة وأصفيته بالبر آثرته واختصصته «أفأصفاكم ربكم بالبنين» وأصفى عياله بشيء يسير: أرضاهم به، وصادف الصياد خفقا فأصفى أولاده بالغبيراء قال الطرماح: أو يصادف خفقا يصفهم ... بعتيق الخشل دون الطعام وهو صفيي من بين إخواني وهم أصفيائي وصافيته وهما خليلان متصافيان.» (صَرَّفْنا) : بينا وأوضحنا ولها معان كثيرة بالتشديد يقال صرفه بمعنى صرفه مع مبالغة وصرّف الشيء باعه وصرف الدراهم بدلها وصرف الخمر شربها صرفا أي غير ممزوجة وصرف الكلام اشتق بعضه من بعض وصرفه في الأمر فوض الأمر اليه وصرف الماء أجراه وصرف الله الرياح أجراها من وجه إلى وجه. الإعراب: (أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً) الهمزة للاسفهام والحقيقة ان هذا الاستفهام معناه الإنكار الابطالي وهذا يقتضي أن ما بعده غير واقع وان مدعيه كاذب، ومعناه التقريع والتوبيخ والنفي أيضا أي لم يفعل ذلك. وأصفاكم فعل ماض والكاف مفعوله وهو معطوف على محذوف يقدر بحسب المقام وربكم فاعل وبالبنين متعلقان بأصفاكم واتخذ من الملائكة إناثا عطف على أصفاكم وهو فعل وفاعل مستتر ومن الملائكة مفعول اتخذ الثاني وإناثا هو المفعول الاول ويجوز أن تكون جملة اتخذ من الملائكة إناثا حالية والواو واو الحال وقد مقدرة. (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً) إن واسمها واللام المزحلقة وجملة تقولون خبرها وقولا مفعول مطلق وعظيما صفة. (وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وصرفنا فعل وفاعل ومفعوله محذوف أي أمثالا ومواعظ وحكما وقصصا وأخبارا وأوامر ونواهي وقد حذف الضمير للعلم به وفي هذا متعلقان بصرفنا والقرآن بدل واللام للتعليل ويذكروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو للحال وما نافية ويزيدهم فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر ونفورا مفعول يزيدهم الثاني (قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولو شرطية ومعه ظرف متعلق بمحذوف خبر كان المقدم وآلهة اسمها المؤخر وكما يقولون نعت لمصدر محذوف أي كونا مشابها لما يقولون. (إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا) اذن حرف جواب وجزاء مهملة دالة على أن ما بعدها وهو لابتغوا جواب عن مقالة المشركين واللام واقعة في جواب لو وجملة ابتغوا لا محل لها والواو فاعل والى ذي العرش متعلقان بابتغوا أو بمحذوف حال من سبيلا، وسبيلا مفعول ابتغوا (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً) سبحانه مفعول مطلق وقد تقدم مرارا وتعالى عطف على ما تضمنه المصدر والتقدير تنزه وتعالى فهو فعل ماض وعما متعلقان به وجملة يقولون صلة وعلوا مفعول مطلق لأنه مصدر واقع موقع التعالي وكبيرا صفة. (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) تسبح فعل مضارع وله متعلقان به والسموات فاعل والسبع صفة والأرض عطف على السموات ومن عطف على السموات والأرض وفيهن متعلقان بمحذوف صلة من. (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) الواو عاطفة وإن نافية ومن حرف جر زائد وشيء مجرور لفظا مرفوع محلا وساغ الابتداء به لتقدم النفي وإلا أداة حصر ويسبح فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو والجملة خبر شيء وبحمده حال أي متلبسا بحمده، ولكن: الواو حالية ولكن حرف استدراك مهمل ولا نافية وتفقهون فعل مضارع وفاعل وتسبيحهم مفعول به. (إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً) إن واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر وحليما خبر أول لكان وغفورا خبر ثان لها. البلاغة: في قوله تعالى «وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم» فن التنكيت وقد تقدمت الاشارة اليه وانه قصد المتكلم إلى شيء بالذكر دون غيره مما يسدّ مسدّه لنكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه فقد خصّ سبحانه تفقهون دون تعلمون لما في الفقه من الزيادة على العلم لأنه التصرف في المعلوم بعد علمه واستنباط الأحكام منه والمراد الذي يقتضيه معنى الكلام التفقه في معرفة التسبيح من الحيوان البهيم والبنات والجماد وكل ما يدخل تحت لفظة شيء مما لا يعقل ولا ينطق إذ تسبيح ذلك بمجرد وجوده الدال على قدرة موجده وحكمته.

الإسراء 17:45

الإعراب: (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً) الواو استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وقرأت القرآن فعل وفاعل ومفعول به والجملة مضافة إلى إذا وجعلنا فعل وفاعل وبينك الظرف متعلق بمحذوف مفعول به ثان وبين الذين لا يؤمنون عطف على الظرف الاول وجملة لا يؤمنون صلة وبالآخرة متعلقان بيؤمنون وحجابا مفعول جعلنا الأول ومستورا نعت لحجابا ويجوز أن يكون مستورا على بابه أي لا يرى فهو مستور ويجوز أن يكون مفعولا بمعنى فاعل أي ساترا لك عنهم فلا يرونك يريد الذين حاولوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم. (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) جعلنا فعل وفاعل وعلى قلوبهم مفعول جعلنا الثاني وأكنة مفعول جعلنا الأول وأن يفقهوه في موضع النصب مفعول من أجله أي كراهة أن يفقهوه ويجوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض أي من أن يفقهوه والجار والمجرور متعلقان بأكنة لأن فيها معنى المنع من الفقه فكأنه قيل ومنعناهم أن يفقهوه، وفي آذانهم وقرا عطف على قوله على قلوبهم أكنة. (وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل وجملة ذكرت مضافة وذكرت فعل وفاعل وربك مفعول به وفي القرآن متعلقان بذكرت ووحده حال لأنه في قوة النكرة أي منفردا وجملة ولوا لا محل لها وعلى أدبارهم متعلقان بمحذوف حال ونفورا مفعول مطلق لأنه في معنى ولوا أي فهو مصدر ويجوز إعرابه مفعولا من أجله وأعربه أبو البقاء حالا أي نافرين فيكون جمع نافر. (نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) نحن مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وجملة يستمعون صلة وبه جار ومجرور متعلقان بيستمعون والباء سببية والمعنى ما يستمعون بسببه وهو الهزء بك وبالقرآن وقال الزمخشري «به في موضع الحال كما نقول يستمعون بالهزء أي هازئين» وفيه بعد وقال أبو البقاء الباء بمعنى اللام وإذ ظرف لما مضى متعلق بأعلم وجملة يستمعون إليك مضافة للظرف. (وَإِذْ هُمْ نَجْوى) عطف على إذ داخلة في حكمها فهي ظرف لأعلم أي وبما يتناجون به إذ هم ذو ونجوى فهم مبتدأ ونجوى خبر على حذف مضاف ويحتمل أن يكون نجوى جمع نجي فلا حاجة لتقدير مضاف قبل الخبر. (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً) إذ يقول بدل من إذ هم نجوى أو من إذ يستمعون إليك ويقول الظالمون فعل مضارع وفاعل وإن نافية وتتبعون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وإلا أداة حصر ورجلا مفعول به ومسحورا نعت لرجلا. الفوائد: بحث طريف عن وحده: اعلم ان «وحده» لم يستعمل إلا منصوبا إلا ما ورد شاذا قالوا: هو نسيج وحده وعيير وحده وجحيش وحده فأما نسيج وحده فهو مدح وأصله ان الثوب إذا كان رفيعا فلا ينسج على منواله غيره فكأنه قال نسيج أفراده يقال هذا للرجل إذا أفرد بالفضل وأما عيير وحده وجحيش وحده فهو تصغير عير وهو الحمار يقال للوحشي والأهلي وجحيش وحده وهو ولد الحمار فهو ذم يقال للرجل المعجب برأيه لا يخالط أحدا في رأي ولا يدخل في معونة أحد ومعناه انه ينفرد بخدمة نفسه، وأما قولك جاء وحده فوحده حال من فاعل جاء المستتر فيه وهو معرفة بالاضافة إلى الضمير فيؤول بنكرة من لفظه أو من معناه أي متوحدا أو منفردا وتقول مررت به وحده ومررت بهم وحدهم فوحده مصدر في موضع الحال كأنه في معنى إيحاد جاء على حذف الزوائد كأنك قلت أوحدته بمروري ايحادا أو ايحاد في معنى موحد أي منفرد فإذا قلت مررت به وحده فكأنك قلت مررت به منفردا ويحتمل عند سيبويه أن يكون للفاعل والمفعول. وكان الزجاج يذهب إلى أن وحده مصدر وهو للفاعل دون المفعول فإذا قلت مررت به منفردا فكأنك قلت أفردته بمروري إفرادا. وقال يونس: إذا قلت مررت به وحده فهو بمنزلة موحدا ومنفردا وتجعله للممرور به، وليونس فيه قول آخر: أن وحده معناه على حياله وعلى حياله في موضع الظرف وإذا كان الظرف صفة أو حالا قدر فيه مستقر ناصب للظرف ومستقر هو الاول.

الإسراء 17:46

الإعراب: (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً) الواو استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وقرأت القرآن فعل وفاعل ومفعول به والجملة مضافة إلى إذا وجعلنا فعل وفاعل وبينك الظرف متعلق بمحذوف مفعول به ثان وبين الذين لا يؤمنون عطف على الظرف الاول وجملة لا يؤمنون صلة وبالآخرة متعلقان بيؤمنون وحجابا مفعول جعلنا الأول ومستورا نعت لحجابا ويجوز أن يكون مستورا على بابه أي لا يرى فهو مستور ويجوز أن يكون مفعولا بمعنى فاعل أي ساترا لك عنهم فلا يرونك يريد الذين حاولوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم. (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) جعلنا فعل وفاعل وعلى قلوبهم مفعول جعلنا الثاني وأكنة مفعول جعلنا الأول وأن يفقهوه في موضع النصب مفعول من أجله أي كراهة أن يفقهوه ويجوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض أي من أن يفقهوه والجار والمجرور متعلقان بأكنة لأن فيها معنى المنع من الفقه فكأنه قيل ومنعناهم أن يفقهوه، وفي آذانهم وقرا عطف على قوله على قلوبهم أكنة. (وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل وجملة ذكرت مضافة وذكرت فعل وفاعل وربك مفعول به وفي القرآن متعلقان بذكرت ووحده حال لأنه في قوة النكرة أي منفردا وجملة ولوا لا محل لها وعلى أدبارهم متعلقان بمحذوف حال ونفورا مفعول مطلق لأنه في معنى ولوا أي فهو مصدر ويجوز إعرابه مفعولا من أجله وأعربه أبو البقاء حالا أي نافرين فيكون جمع نافر. (نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) نحن مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وجملة يستمعون صلة وبه جار ومجرور متعلقان بيستمعون والباء سببية والمعنى ما يستمعون بسببه وهو الهزء بك وبالقرآن وقال الزمخشري «به في موضع الحال كما نقول يستمعون بالهزء أي هازئين» وفيه بعد وقال أبو البقاء الباء بمعنى اللام وإذ ظرف لما مضى متعلق بأعلم وجملة يستمعون إليك مضافة للظرف. (وَإِذْ هُمْ نَجْوى) عطف على إذ داخلة في حكمها فهي ظرف لأعلم أي وبما يتناجون به إذ هم ذو ونجوى فهم مبتدأ ونجوى خبر على حذف مضاف ويحتمل أن يكون نجوى جمع نجي فلا حاجة لتقدير مضاف قبل الخبر. (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً) إذ يقول بدل من إذ هم نجوى أو من إذ يستمعون إليك ويقول الظالمون فعل مضارع وفاعل وإن نافية وتتبعون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وإلا أداة حصر ورجلا مفعول به ومسحورا نعت لرجلا. الفوائد: بحث طريف عن وحده: اعلم ان «وحده» لم يستعمل إلا منصوبا إلا ما ورد شاذا قالوا: هو نسيج وحده وعيير وحده وجحيش وحده فأما نسيج وحده فهو مدح وأصله ان الثوب إذا كان رفيعا فلا ينسج على منواله غيره فكأنه قال نسيج أفراده يقال هذا للرجل إذا أفرد بالفضل وأما عيير وحده وجحيش وحده فهو تصغير عير وهو الحمار يقال للوحشي والأهلي وجحيش وحده وهو ولد الحمار فهو ذم يقال للرجل المعجب برأيه لا يخالط أحدا في رأي ولا يدخل في معونة أحد ومعناه انه ينفرد بخدمة نفسه، وأما قولك جاء وحده فوحده حال من فاعل جاء المستتر فيه وهو معرفة بالاضافة إلى الضمير فيؤول بنكرة من لفظه أو من معناه أي متوحدا أو منفردا وتقول مررت به وحده ومررت بهم وحدهم فوحده مصدر في موضع الحال كأنه في معنى إيحاد جاء على حذف الزوائد كأنك قلت أوحدته بمروري ايحادا أو ايحاد في معنى موحد أي منفرد فإذا قلت مررت به وحده فكأنك قلت مررت به منفردا ويحتمل عند سيبويه أن يكون للفاعل والمفعول. وكان الزجاج يذهب إلى أن وحده مصدر وهو للفاعل دون المفعول فإذا قلت مررت به منفردا فكأنك قلت أفردته بمروري إفرادا. وقال يونس: إذا قلت مررت به وحده فهو بمنزلة موحدا ومنفردا وتجعله للممرور به، وليونس فيه قول آخر: أن وحده معناه على حياله وعلى حياله في موضع الظرف وإذا كان الظرف صفة أو حالا قدر فيه مستقر ناصب للظرف ومستقر هو الاول.

الإسراء 17:47

الإعراب: (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً) الواو استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وقرأت القرآن فعل وفاعل ومفعول به والجملة مضافة إلى إذا وجعلنا فعل وفاعل وبينك الظرف متعلق بمحذوف مفعول به ثان وبين الذين لا يؤمنون عطف على الظرف الاول وجملة لا يؤمنون صلة وبالآخرة متعلقان بيؤمنون وحجابا مفعول جعلنا الأول ومستورا نعت لحجابا ويجوز أن يكون مستورا على بابه أي لا يرى فهو مستور ويجوز أن يكون مفعولا بمعنى فاعل أي ساترا لك عنهم فلا يرونك يريد الذين حاولوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم. (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) جعلنا فعل وفاعل وعلى قلوبهم مفعول جعلنا الثاني وأكنة مفعول جعلنا الأول وأن يفقهوه في موضع النصب مفعول من أجله أي كراهة أن يفقهوه ويجوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض أي من أن يفقهوه والجار والمجرور متعلقان بأكنة لأن فيها معنى المنع من الفقه فكأنه قيل ومنعناهم أن يفقهوه، وفي آذانهم وقرا عطف على قوله على قلوبهم أكنة. (وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل وجملة ذكرت مضافة وذكرت فعل وفاعل وربك مفعول به وفي القرآن متعلقان بذكرت ووحده حال لأنه في قوة النكرة أي منفردا وجملة ولوا لا محل لها وعلى أدبارهم متعلقان بمحذوف حال ونفورا مفعول مطلق لأنه في معنى ولوا أي فهو مصدر ويجوز إعرابه مفعولا من أجله وأعربه أبو البقاء حالا أي نافرين فيكون جمع نافر. (نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) نحن مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وجملة يستمعون صلة وبه جار ومجرور متعلقان بيستمعون والباء سببية والمعنى ما يستمعون بسببه وهو الهزء بك وبالقرآن وقال الزمخشري «به في موضع الحال كما نقول يستمعون بالهزء أي هازئين» وفيه بعد وقال أبو البقاء الباء بمعنى اللام وإذ ظرف لما مضى متعلق بأعلم وجملة يستمعون إليك مضافة للظرف. (وَإِذْ هُمْ نَجْوى) عطف على إذ داخلة في حكمها فهي ظرف لأعلم أي وبما يتناجون به إذ هم ذو ونجوى فهم مبتدأ ونجوى خبر على حذف مضاف ويحتمل أن يكون نجوى جمع نجي فلا حاجة لتقدير مضاف قبل الخبر. (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً) إذ يقول بدل من إذ هم نجوى أو من إذ يستمعون إليك ويقول الظالمون فعل مضارع وفاعل وإن نافية وتتبعون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وإلا أداة حصر ورجلا مفعول به ومسحورا نعت لرجلا. الفوائد: بحث طريف عن وحده: اعلم ان «وحده» لم يستعمل إلا منصوبا إلا ما ورد شاذا قالوا: هو نسيج وحده وعيير وحده وجحيش وحده فأما نسيج وحده فهو مدح وأصله ان الثوب إذا كان رفيعا فلا ينسج على منواله غيره فكأنه قال نسيج أفراده يقال هذا للرجل إذا أفرد بالفضل وأما عيير وحده وجحيش وحده فهو تصغير عير وهو الحمار يقال للوحشي والأهلي وجحيش وحده وهو ولد الحمار فهو ذم يقال للرجل المعجب برأيه لا يخالط أحدا في رأي ولا يدخل في معونة أحد ومعناه انه ينفرد بخدمة نفسه، وأما قولك جاء وحده فوحده حال من فاعل جاء المستتر فيه وهو معرفة بالاضافة إلى الضمير فيؤول بنكرة من لفظه أو من معناه أي متوحدا أو منفردا وتقول مررت به وحده ومررت بهم وحدهم فوحده مصدر في موضع الحال كأنه في معنى إيحاد جاء على حذف الزوائد كأنك قلت أوحدته بمروري ايحادا أو ايحاد في معنى موحد أي منفرد فإذا قلت مررت به وحده فكأنك قلت مررت به منفردا ويحتمل عند سيبويه أن يكون للفاعل والمفعول. وكان الزجاج يذهب إلى أن وحده مصدر وهو للفاعل دون المفعول فإذا قلت مررت به منفردا فكأنك قلت أفردته بمروري إفرادا. وقال يونس: إذا قلت مررت به وحده فهو بمنزلة موحدا ومنفردا وتجعله للممرور به، وليونس فيه قول آخر: أن وحده معناه على حياله وعلى حياله في موضع الظرف وإذا كان الظرف صفة أو حالا قدر فيه مستقر ناصب للظرف ومستقر هو الاول.